الإسلام > القرآن > سور > سورة 59 الحشر > الآية ٢٤ من سورة الحشر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 92 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢٤ من سورة الحشر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله : ( هو الله الخالق البارئ المصور ) الخلق : التقدير ، والبراء : هو الفري ، وهو التنفيذ وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود ، وليس كل من قدر شيئا ورتبه يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله عز وجل .
قال الشاعر يمدح آخر ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري أي : أنت تنفذ ما خلقت ، أي : قدرت بخلاف غيرك فإنه لا يستطيع ما يريد .
فالخلق : التقدير .
والفري : التنفيذ .
ومنه يقال : قدر الجلاد ثم فرى ، أي : قطع على ما قدره بحسب ما يريده .
وقوله تعالى : ( الخالق البارئ المصور ) أي : الذي إذا أراد شيئا قال له : كن ، فيكون على الصفة التي يريد ، والصورة التي يختار .
كقوله : ( في أي صورة ما شاء ركبك ) [ الانفطار : 8 ] ولهذا قال : ( المصور ) أي : الذي ينفذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريدها .
وقوله : ( له الأسماء الحسنى ) قد تقدم الكلام على ذلك في " سورة الأعراف " ، وذكر الحديث المروي في الصحيحين عن أبي هريرة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن لله تعالى تسعة وتسعين اسما ، مائة إلا واحدا ، من أحصاها دخل الجنة ، وهو وتر يحب الوتر " .
وتقدم سياق الترمذي ، وابن ماجه له ، عن أبي هريرة أيضا ، وزاد بعد قوله : " وهو وتر يحب الوتر " - واللفظ للترمذي - : " هو الله الذي لا إله إلا هو ، الرحمن ، الرحيم ، الملك ، القدوس ، السلام ، المؤمن ، المهيمن ، العزيز ، الجبار ، المتكبر ، الخالق ، البارئ ، المصور ، الغفار ، القهار ، الوهاب ، الرزاق ، الفتاح ، العليم ، القابض ، الباسط ، الخافض ، الرافع ، المعز ، المذل ، السميع ، البصير ، الحكم ، العدل ، اللطيف ، الخبير ، الحليم ، العظيم ، الغفور ، الشكور ، العلي ، الكبير ، الحفيظ ، المقيت ، الحسيب ، الجليل ، الكريم ، الرقيب ، المجيب ، الواسع ، الحكيم ، الودود ، المجيد ، الباعث ، الشهيد ، الحق ، الوكيل ، القوي ، المتين ، الولي ، الحميد ، المحصي ، المبدئ ، المعيد ، المحيي ، المميت ، الحي ، القيوم ، الواجد ، الماجد ، الواحد ، الصمد ، القادر ، المقتدر ، المقدم ، المؤخر ، الأول ، الآخر ، الظاهر ، الباطن ، الوالي ، المتعالي ، البر ، التواب ، المنتقم ، العفو ، الرءوف ، مالك الملك ، ذو الجلال والإكرام ، المقسط ، الجامع ، الغني ، المغني ، المانع ، الضار ، النافع ، النور ، الهادي ، البديع ، الباقي ، الوارث ، الرشيد ، الصبور " .
وسياق ابن ماجه بزيادة ، ونقصان ، وتقديم ، وتأخير ، وقد قدمنا ذلك مبسوطا مطولا بطرقه ، وألفاظه بما أغنى عن إعادته هنا .
وقوله : ( يسبح له ما في السماوات والأرض ) كقوله ( تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا ) [ الإسراء : 44 ] .
وقوله : ( وهو العزيز ) أي : فلا يرام جنابه ) الحكيم ) في شرعه وقدره .
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، حدثنا خالد - يعني : ابن طهمان أبو العلاء الخفاف - حدثنا نافع بن أبي نافع ، عن معقل بن يسار ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من قال حين يصبح ثلاث مرات : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، ثم قرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر ، وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي ، وإن مات في ذلك اليوم مات شهيدا ، ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة " .
ورواه الترمذي ، عن محمود بن غيلان ، عن أبي أحمد الزبيري به .
، وقال : غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه .
آخر تفسير سورة الحشر ولله الحمد والمنة.
القول في تأويل قوله تعالى : هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24) يقول تعالى ذكره: هو المعبود الخالق، الذي لا معبود تصلح له العبادة غيره، ولا خالق سواه، البارئ الذي برأ الخلق، فأوجدهم بقدرته، المصوّر خلقه كيف شاء، وكيف يشاء.
قوله: (لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى ) يقول تعالى ذكره: لله الأسماء الحسنى، وهي هذه الأسماء التي سمى الله بها نفسه، التي ذكرها في هاتين الآيتين.(يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) يقول: يسبح له جميع ما في السموات والأرض، ويسجد له طوعًا وكرهًا(وَهُوَ الْعَزِيزُ ) يقول: وهو الشديد الانتقام من أعدائه (الْحَكِيمُ ) في تدبيره خلقه، وصرفهم فيما فيه صلاحهم.
آخر تفسير سورة الحشر
قوله تعالى : هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم قوله تعالى : هو الله الخالق البارئ المصور الخالق هنا المقدر .
والبارئ المنشئ المخترع .
والمصور مصور الصور ومركبها على هيئات مختلفة .
فالتصوير مرتب على الخلق والبراية وتابع لهما .
ومعنى التصوير التخطيط والتشكيل .
وخلق الله الإنسان في أرحام الأمهات ثلاث خلق : جعله علقة ، ثم مضغة ، ثم جعله صورة وهو التشكيل الذي يكون به صورة وهيئة يعرف بها ويتميز عن غيره بسمتها .
فتبارك الله أحسن الخالقين .
وقال النابغة :[ ص: 44 ]الخالق البارئ المصور في ال أرحام ماء حتى يصير دماوقد جعل بعض الناس الخلق بمعنى التصوير ، وليس كذلك ، وإنما التصوير آخرا والتقدير أولا والبراية بينهما .
ومنه قوله الحق : وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير .
وقال زهير :ولأنت تفري ما خلقت وبع ض القوم يخلق ثم لا يفرييقول : تقدر ما تقدر ثم تفريه ، أي تمضيه على وفق تقديرك ، وغيرك يقدر ما لا يتم له ولا يقع فيه مراده ، إما لقصوره في تصور تقديره أو لعجزه عن تمام مراده .
وقد أتينا على هذا كله في " الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى " والحمد لله .
وعن حاطب بن أبي بلتعة أنه قرأ " البارئ المصور " بفتح الواو ونصب الراء ، أي الذي يبرأ المصور ، أي يميز ما يصوره بتفاوت الهيئات .
ذكره الزمخشري .له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم تقدم الكلام فيه .
وعن أبي هريرة قال : سألت خليلي أبا القاسم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اسم الله الأعظم ، فقال : " يا أبا هريرة ، عليك بآخر سورة الحشر فأكثر قراءتها " فأعدت عليه فأعاد علي ، فأعدت عليه فأعاد علي .
وقال جابر بن زيد : إن اسم الله الأعظم هو الله لمكان هذه الآية .
وعن أنس بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من قرأ سورة الحشر غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر " .
وعن أبي أمامة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من قرأ خواتيم سورة الحشر في ليل أو نهار فقبضه الله في تلك الليلة أو ذلك اليوم فقد أوجب الله له الجنة " .
.
{ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ } لجميع المخلوقات { الْبَارِئُ } للمبروءات { الْمُصَوِّرُ } للمصورات، وهذه الأسماء متعلقة بالخلق والتدبير والتقدير، وأن ذلك كله قد انفرد الله به، لم يشاركه فيه مشارك.{ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } أي: له الأسماء الكثيرة جدا، التي لا يحصيها ولا يعلمها أحد إلا الله هو، ومع ذلك، فكلها حسنى أي: صفات كمال، بل تدل على أكمل الصفات وأعظمها، لا نقص في شيء منها بوجه من الوجوه، ومن حسنها أن الله يحبها، ويحب من يحبها، ويحب من عباده أن يدعوه ويسألوه بها.ومن كماله، وأن له الأسماء الحسنى، والصفات العليا، أن جميع من في السماوات والأرض مفتقرون إليه على الدوام، يسبحون بحمده، ويسألونه حوائجهم، فيعطيهم من فضله وكرمه ما تقتضيه رحمته وحكمته، { وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } الذي لا يريد شيئا إلا ويكون، ولا يكون شيئا إلا لحكمة ومصلحة.تم تفسير سورة الحشر،فلله الحمد على ذلك، والمنة والإحسان.
( هو الله الخالق ) المقدر والمقلب للشيء بالتدبير إلى غيره كما قال : " يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق " ( الزمر - 6 ) ( البارئ ) المنشئ للأعيان من العدم إلى الوجود ( المصور ) الممثل للمخلوقات بالعلامات التي يتميز بعضها عن بعض .
يقال : هذه صورة الأمر أي مثاله فأولا يكون خلقا ثم برءا ثم تصويرا .
( له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ) أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أخبرني ابن فنجويه حدثنا ابن شيبة حدثنا ابن وهب حدثنا أحمد بن أبي شريح وأحمد بن منصور الرمادي قالا أخبرنا أبو أحمد الزبيري حدثنا خالد بن طهمان حدثني نافع بن أبي نافع عن معقل بن يسار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من قال حين يصبح - ثلاث مرات - أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وقرأ الثلاث الآيات من آخر سورة الحشر وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي فإن مات في ذلك اليوم مات شهيدا ومن قال حين يمسي كان بتلك المنزلة " .
ورواه أبو عيسى عن محمود بن غيلان عن أبي أحمد الزبيري بهذا الإسناد وقال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه .
«هو الله الخالق البارىء» المنشىء من العدم «المصور له الأسماء الحسنى» التسعة والتسعون الوارد بها الحديث، والحسنى مؤنث الأحسن «يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم» تقدم أولها.
هو الله سبحانه وتعالى الخالق المقدر للخلق، البارئ المنشئ الموجد لهم على مقتضى حكمته، المصوِّر خلقه كيف يشاء، له سبحانه الأسماء الحسنى والصفات العلى، يسبِّح له جميع ما في السموات والأرض، وهو العزيز شديد الانتقام مِن أعدائه، الحكيم في تدبيره أمور خلقه.
( هُوَ الله الخالق ) لكل شىء الموجد لهذا الكون على مقتضى حكمته .( البارىء ) أى : المبدع المخترع للأشياء .
والمبرز لها من العدم إلى الوجود .( المصور ) أى : المصور للأشياء والمركب لها ، على هيئات مختلفة ، وأنواع شتى من التصوير ، وهو التخطيط والتشكيل .( لَهُ الأسمآء الحسنى ) والحسنى تأنيث الأحسن .
أى : له الأسماء التى هى أحسن الأسماء لدلالتها على أفضل المعانى .
من تحميد .
وتقديس .
وقدرة .
وسمع .
.
.
وغير ذلك من الأسماء الكريمة ، والصفات الجليلة .( يُسَبِّحُ لَهُ ) - تعالى - وينزهه عن كل سوء ( مَا فِي السماوات والأرض ) من مخلوقات .
.
.( وَهُوَ العزيز الحكيم ) أى : وهو - عز وجل - الغالب لغيره .
الحكيم فى كل تصرفاته .قال الإمام ابن كثير : وفى الصحيحين عن أبى هريرة " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن لله تسعة وتسعين إسما - مائة إلا واحدا- من أحصاها دخل الجنة ، وهو وتر يحب الوتر .
.
" " .ثم ذكر - رحمه الله - هذه الأسماء نقلا عن سنن الترمذى فقال : هو الله الذى لا إله إلا هو ، الرحمن الرحيم ، الملك ، القدوس ، السلام ، المؤمن ، المهيمن ، العزيز ، الجبار ، المتكبر ، الخالق ، البارىء ، المصور ، الغفار ، القهار ، الوهاب ، الرزاق ، الفتاح ، العليم ، القابض ، الباسط ، الخافض ، الرافع ، المعز ، المذل ، السميع ، البصير ، الحكم ، العدل ، اللطيف ، الخبير ، الحليم ، العظيم ، الغفور ، الشكور ، العلى ، الكبير ، الحفيظ ، المقيت ، الحسيب ، الجليل ، الكريم ، الرقيب ، المجيب ، الواسع ، الحيكم ، الودود ، المجيد ، الباعث ، الشهيد ، الحق ، الوكيل ، القوى ، المتين ، الولى ، الحميد ، المحصى ، المبدى ، المعيد ، المحيى ، المميت ، الحى ، القيوم ، الواحد ، الماجد ، الواجد ، الصمد ، القادر ، المقتدر ، المؤخر ، الأول ، الآخر ، الظاهر ، الباطن ، الوالى ، المتعالى ، البر ، التواب ، المنتقم ، العفو ، الرءوف ، مالك الملك ، ذو الجلال والإكرام ، المقسط ، الجامع ، الغنى ، المغنى ، المانع ، الضار ، النافع ، النور ، الهادى ، البديع ، الباقى ، الوارث ، الرشيد ، الصبور .ثم قال الإمام ابن كثير : وسياق ابن ماجه - لهذا الحديث - بزيادة ونقصان ، وتقديم وتأخير ..
.
والذى عول عليه جماعة من الحفاظ ، أن سرد الأسماء فى هذا الحديث مدرج فيه - أى : ذكر الراوى فى الحديث كلاما لنفسه أو لغيره من غير فصل بين ألفاظ الحديث وألفاظ الراوى - وأن أهل العم جمعوا هذه الأسماء من القرآن الكريم .ثم ليعلم أن الأسماء الحسنى ليست منحصرة فى التسعة والتسعين ، بدليل ما رواه الإمام أحمد عن ابن مسعود ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال : اللهم إنى عبدك ، وابن عبدك ، وابن أمتك ، ناصيتى بيدك ، ماضٍ فىّ حكمك ، عدل فى قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك ، سميت به نفسك ، أو أعلمته أحداً من خلقك ، أو أنزلته فى كتابك ، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ، ونور صدرى ، وجلاء حزنى ، وذهاب همى ، إلا أذهب الله همه وحزنه ، وأبدله مكانه فرجا " .فقيل يا رسول الله ، أفلا نتعلمها؟
فقال : " بلى ، ينبغى لكل من سمعها أن يتعلمها " وذكر أبو بكر بن العربى أن بعضهم جمع من الكتاب والسنة ألف اسم لله - تعالى - .
ثم قال: ﴿ هُوَ الله الخالق ﴾ والخلق هو التقدير معناه أنه يقدر أفعاله على وجوه مخصوصة، فالخالقية راجعة إلى صفة الإرادة.
ثم قال: ﴿ البارئ ﴾ وهو بمنزلة قولنا: صانع وموجد إلا أنه يفيد اختراع الأجسام، ولذلك يقال في الخلق: برية ولا يقال في الأعراض التي هي كاللون والطعم.
وأما ﴿ المصور ﴾ فمعناه أنه يخلق صور الخلق على ما يريد، وقدم ذكر الخالق على البارئ، لأن ترجيح الإرادة مقدم على تأثير القدرة وقدم البارئ على المصور، لأن إيجاد الذوات مقدم على إيجاد الصفات.
ثم قال تعالى: ﴿ لَهُ الأسماء الحسنى ﴾ وقد فسرناه في قوله: ﴿ وَللَّهِ الأسماء الحسنى ﴾ .
أما قوله: ﴿ يُسَبّحُ لَهُ مَا فِي السموات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم ﴾ فقد مر تفسيره في أول سورة الحديد والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، والحمد لله رب العالمين، وصلاته على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليماً كثيراً.
﴿ الغيب ﴾ المعدوم ﴿ والشهادة ﴾ الموجود المدرك كأنه يشاهده.
وقيل: ما غاب عن العباد وما شاهدوه.
وقيل: السر والعلانية.
وقيل: الدنيا والآخرة ﴿ القدوس ﴾ بالضم والفتح- وقد قرئ بهما- البليغ في النزاهة عما يستقبح.
ونظيره: السبوح، وفي تسبيح الملائكة: سبوح قدوس رب الملائكة والروح.
و ﴿ السلام ﴾ بمعنى السلامة.
ومنه ﴿ دَارُ السلام ﴾ [يونس: 25] ﴿ وسلام عَلَيْكُمْ ﴾ [الأنعام: 54] وصف به مبالغة في وصف كونه سليماً من النقائص.
أو في إعطائه السلامة (والمؤمن) واهب الأمن.
وقرئ بفتح الميم بمعنى المؤمن به على حذف الجار، كما تقول في قوم موسى من قوله تعالى: ﴿ واختار موسى قَوْمَهُ ﴾ [الأعراف: 155] المختارون بلفظ صفة السبعين.
و ﴿ المهيمن ﴾ الرقيب على كل شيء، الحافظ له، مفيعل من الأمن؛ إلا أن همزته قلبت هاء.
و ﴿ الجبار ﴾ القاهر الذي جبر خلقه على ما أراد، أي أجبره، و ﴿ المتكبر ﴾ البليغ الكبرياء والعظمة.
وقيل: المتكبر عن ظلم عباده.
و ﴿ الخالق ﴾ المقدر لما يوجده ﴿ والبارئ ﴾ المميز بعضه من بعض بالأشكال المختلفة.
و ﴿ المصور ﴾ الممثل.
وعن حاطب بن أبي بلتعة أنه قرأ: ﴿ البارئ المصوّر ﴾ ، بفتح الواو ونصب الراء، أي: الذي يبرأ المصوّر أي: يميز ما يصوّره بتفاوت الهيئات.
وقرأ ابن مسعود: ﴿ وما في الأرض ﴾ .
عن أبي هريرة رضي الله عنه: سألت حبيبي صلى الله عليه وسلم عن اسم الله الأعظم فقال: «عليك بآخر الحشر فأكثر قراءته» فأعدت عليه فأعاد عليّ، فأعدت عليه فأعاد عليّ.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الحشر غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» .
﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو المَلِكُ القُدُّوسُ ﴾ البالِغُ في النَّزاهَةِ عَمّا يُوجِبُ نُقْصانًا.
وقُرِئَ بِالفَتْحِ وهو لُغَةٌ فِيهِ.
﴿ السَّلامُ ﴾ ذُو السَّلامَةِ مِن كُلِّ نَقْصٍ وآفَةٍ، مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ.
﴿ المُؤْمِنُ ﴾ واهِبُ الأمْنِ، وَقُرِئَ بِالفَتْحِ بِمَعْنى المُؤْمَنَ بِهِ عَلى حَذْفِ الجارِّ.
﴿ المُهَيْمِنُ ﴾ الرَّقِيبُ الحافِظُ لِكُلِّ شَيْءٍ مُفَيْعِلٌ مِنَ الأمْنِ قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ هاءً.
﴿ العَزِيزُ الجَبّارُ ﴾ الَّذِي جَبَرَ خَلْقَهُ عَلى ما أرادَهُ، أوْ جَبَرَ حالَهم بِمَعْنى أصْلَحَهُ.
المُتَكَبِّرُ الَّذِي تَكَبَّرَ عَنْ كُلِّ ما يُوجِبُ حاجَةً أوْ نُقْصانًا.
﴿ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ إذْ لا يُشْرِكُهُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
﴿ هُوَ اللَّهُ الخالِقُ ﴾ المُقَدِّرُ لِلْأشْياءِ عَلى مُقْتَضى حِكْمَتِهِ.
﴿ البارِئُ ﴾ المُوجِدُ لَها بَرِيئًا مِنَ التَّفاوُتِ.
﴿ المُصَوِّرُ ﴾ المُوجِدُ لِصُوَرِها وكَيْفِيّاتِها كَما أرادَ.
( ومَن أرادَ الإطْنابَ في شَرْحِ هَذِهِ الأسْماءِ وأخَواتِها فَعَلَيْهِ بِكِتابِي المُسَمّى بِ «مُنْتَهى المُنى».
﴿ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ لِأنَّها دالَّةٌ عَلى مَحاسِنِ المَعانِي.
﴿ يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ لِتَنَزُّهِهِ عَنِ النَّقائِصِ كُلِّها.
﴿ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ الجامِعُ لِلْكَمالاتِ بِأسْرِها فَإنَّها راجِعَةٌ إلى الكَمالِ في القُدْرَةِ والعِلْمِ.
عَنِ النَّبِيِّ : «مَن قَرَأ سُورَةَ الحَشْرِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ».»
{هو الله الخالق} المقدر لما يوجده {البارئ} الموجد {المصور} في الأرحام {لَهُ الأسماء الحسنى} الدالة على الصفات العلا {يُسَبّحُ لَهُ مَا فِى السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم} ختم السورة بما بدأ به عن أبي هريرة رضي الله عنه سألت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاسم الأعظم فقال عليك بآخر الحشر فأكثر قراءته فأعدت عليه فأعاد عليّ فأعدت عليه فأعاد علي
سورة الممتحنة مدنية وهي ثلاث عشرة آية
سبب النزول
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ هُوَ اللَّهُ الخالِقُ ﴾ المُقَدِّرُ لِلْأشْياءِ عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ، أوْ مُبْدِعُ الأشْياءِ مِن غَيْرِ أصْلٍ ولا احْتِذاءٍ، ويُفَسَّرُ الخَلْقُ بِإيجادِ الشَّيْءِ ﴿ البارِئُ ﴾ المُوجِدُ لَها بَرِيئَةً مِن تَفاوُتِ ما تَقْتَضِيهِ بِحَسَبِ الحِكْمَةِ والجِبِلَّةِ، وقِيلَ: المُمَيِّزُ بَعْضَها عَنْ بَعْضٍ بِالأشْكالِ المُخْتَلِفَةِ ﴿ المُصَوِّرُ ﴾ المُوجِدُ لِصُوَرِها وكَيْفِيّاتِها كَما أرادَ.
وقالَ الرّاغِبُ: الصُّورَةُ ما تَنْتَقِشُ بِها الأعْيانُ وتَتَمَيَّزُ بِها عَنْ غَيْرِها، وهي ضَرْبانِ: مَحْسُوسَةٌ تُدْرِكُها العامَّةُ والخاصَّةُ بَلِ الإنْسانُ وكَثِيرٌ مِنَ الحَيَواناتِ كَصُورَةِ الفَرَسِ المُشاهَدَةِ.
ومَعْقُولَةٌ تُدْرِكُها الخاصَّةُ دُونَ العامَّةِ كالصُّورَةِ الَّتِي اخْتُصَّ الإنْسانُ بِها مِنَ العَقْلِ والرَّوِيَّةِ والمَعانِي الَّتِي خُصَّ بِها شَيْءٌ بِشَيْءٍ، وإلى الصُّورَتَيْنِ أشارَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ﴾ إلى آياتٍ أُخَرَ انْتَهى فَلا تَغْفُلْ.
وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وحاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ والحَسَنُ وابْنُ السَّمَيْفَعِ «المُصَوَّرَ» بِفَتْحِ الواوِ والنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِلْبارِئِ، وأُرِيدَ بِهِ جِنْسُ المُصَوَّرِ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَتْحُ الواوِ وكَسْرُ الرّاءِ عَلى إضافَةِ اسْمِ الفاعِلِ إلى المَفْعُولِ نَحْوَ الضّارِبِ الغُلامَ، وفي الخانِيَةِ إنَّ قِراءَةَ «المُصَوَّرَ» بِفَتْحِ الواوِ هُنا تُفْسِدُ الصَّلاةَ ولَعَلَّهُ أرادَ إذا أجْراهُ حِينَئِذٍ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وإلّا فَفي دَعْوى الفَسادِ بَعْدَ ما سَمِعْتَ نَظَرٌ.
﴿ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ الدّالَّةُ عَلى مَحاسِنِ المَعانِي ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ مِنَ المَوْجُوداتِ بِلِسانِ الحالِ لِما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الحِكَمِ والمَصالِحِ الَّتِي يَضِيقُ عَنْ حَصْرِها نِطاقُ البَيانِ، أوْ بِلِسانِ المَقالِ الَّذِي أُوتِيَهُ كُلٌّ مِنها حَسْبَما يَلِيقُ بِهِ عَلى ما قالَهُ كَثِيرٌ مِنَ العارِفِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ ﴿ وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ الجامِعُ لِلْكِمالاتِ كافَّةً فَإنَّها مَعَ تَكَثُّرِها وتَشَعُّبِها راجِعَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ المُؤْذَنِ بِهِ ﴿ العَزِيزُ ﴾ بِناءً عَلى تَفْسِيرِهِ بِالغالِبِ وإلى كَمالِ العِلْمِ المُؤْذَنِ بِهِ ﴿ الحَكِيمُ ﴾ بِناءً عَلى تَفْسِيرِهِ بِالفاعِلِ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى التَّحْلِيَةِ بَعْدَ التَّخْلِيَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.
ولِهَذِهِ الآياتِ فَضْلٌ عَظِيمٌ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ عِدَّةُ رِواياتٍ، وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والدّارِمِيُّ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ الضَّرِيسِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««مَن قالَ: حِينَ يُصْبِحُ ثَلاثَ مَرّاتٍ أعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ثُمَّ قَرَأ الثَّلاثَ آياتٍ مِن آخِرِ سُورَةِ الحَشْرِ وكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ ألْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتّى يُمْسِيَ وإنْ ماتَ ذَلِكَ اليَوْمَ ماتَ شَهِيدًا ومَن قالَها حِينَ يُمْسِي كانَ بِتِلْكَ المَنزِلَةِ»» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا ««اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ في سِتِّ آياتٍ مِن آخِرِ سُورَةِ الحَشْرِ»» .
وأخْرَجَ أبُو عَلِيٍّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّيْسابُورِيُّ في فَوائِدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ أنَّ البَراءَ بْنَ عازِبٍ قالَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: أسْألُكَ بِاللَّهِ إلّا ما خَصَصْتَنِي بِأفْضَلِ ما خَصَّكَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمّا خَصَّهُ بِهِ جِبْرِيلُ مِمّا بَعَثَ بِهِ الرَّحْمَنُ عَزَّ وجَلَّ، قالَ: يا بَراءُ إذا أرَدْتَ أنْ تَدْعُوَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ فاقْرَأْ مِن أوَّلِ الحَدِيدِ عَشْرَ آياتٍ وآخِرِ الحَشْرِ، ثُمَّ قُلْ: يا مَن هو هَكَذا ولَيْسَ شَيْءٌ هَكَذا غَيْرَهُ أسْألُكَ أنْ تَفْعَلَ لِي كَذا وكَذا فَواللَّهِ يا بَراءُ لَوْ دَعَوْتَ عَلَيَّ لَخُسِفَ بِي.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ أنْزَلْنا ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ هي رُقْيَةُ الصُّداعِ» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ البَغْدادِيُّ في تارِيخِهِ قالَ: أنْبَأنا أبُو عُبَيْدٍ الحافِظُ أنْبَأ أبُو الطَّيِّبِ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ جَعْفَرٍ المُقْرِئُ البَغْدادِيُّ - يُعْرَفُ بِغُلامِ ابْنِ شُنْبُوذَ - أنْبَأ إدْرِيسُ بْنُ عَبْدِ الكَرِيمِ الحِدادُ قالَ: «قَرَأْتُ عَلى خَلَفٍ فَلَمّا بَلَغْتُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ ﴾ قالَ: ضَعْ يَدَكَ عَلى رَأْسِكَ فَإنِّي قَرَأْتُ عَلى حَمْزَةَ فَلَمّا بَلَغْتُ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: ضَعْ يَدَكَ عَلى رَأْسِكَ فَإنِّي قَرَأْتُ عَلى الأعْمَشِ فَلَمّا بَلَغْتُ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: ضَعْ يَدَكَ عَلى رَأْسِكَ فَإنِّي قَرَأْتُ عَلى يَحْيى بْنِ وثّابٍ فَلَمّا بَلَغْتُ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: ضَعْ يَدَكَ عَلى رَأْسِكَ فَإنِّي قَرَأْتُ عَلى عَلْقَمَةَ والأسْوَدِ فَلَمّا بَلَغْتُ هَذِهِ الآيَةَ قالا ضَعْ يَدَكَ عَلى رَأْسِكَ فَإنّا قَرَأْنا عَلى عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلَمّا بَلَغْنا هَذِهِ الآيَةَ قالَ ضَعا أيْدِيَكُما عَلى رُؤُوسِكُما فَإنِّي قَرَأْتُ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَلَمّا بَلَغْتُ هَذِهِ الآيَةَ قالَ لِي: «ضَعْ يَدَكَ عَلى رَأْسِكَ فَإنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا نَزَلَ بِها إلَيَّ قالَ: ضَعْ يَدَكَ عَلى رَأْسِكَ فَإنَّها شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ إلّا السّامَ والسّامُ المَوْتُ»» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآثارِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
ثم قال عز وجل: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ يعني: مالك كل شيء، وهو الملك الدائم الذي لا يزول ملكه أبدا.
ثم قال: الْقُدُّوسُ يعني: الطاهر عما وصفه الكفار ولهذا سمي بيت المقدس يعني: المكان الذي يتطهر فيه من الذنوب.
ثم قال: السَّلامُ يعني: يسلم عباده من ظلمه، ويقال: سمى نفسه سلاما، لسلامته مما يلحق الخلق من العيب والنقص والفناء.
ثم قال: الْمُؤْمِنُ يعني: يؤمن أولياؤه من عذابه ويقال: الْمُؤْمِنُ أي: يصدق في وعده ووعيده ويقال: الْمُؤْمِنُ يعني: قابل إيمان المؤمنين.
ثم قال: الْمُهَيْمِنُ يعني: الشهيد على عباده بأعمالهم، ويقال: الْمُهَيْمِنُ يعني: المويمن فقلبت الواو هاء، وهو بمعنى الأمين.
ثم قال: الْعَزِيزُ يعني: الذي لا يعجزه شيء عما أراد ويقال: الْعَزِيزُ الذي لا يوجد مثله.
ثم قال: الْجَبَّارُ يعني: القاهر لخلقه على ما أراده، ويقال: الغالب على خلقه ومعناهما واحد.
ثم قال: الْمُتَكَبِّرُ يعني: المتعظم على كل شيء، ويقال: الْمُتَكَبِّرُ الذي تكبر عن ظلم عباده.
ثم قال: سُبْحانَ اللَّهِ يعني: تنزيها لله تعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ يعني: عما وصفه الكفار من الشريك والولد، ويقال: سُبْحانَ اللَّهِ، بمعنى: التعجب يعني عجبا عما وصفه الكفار من الشريك.
قوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ يعني: خالق الخلق في أرحام النساء، ويقال: خالق النطف في أصلاب الآباء، المصور للولد في أرحام الأمهات ويقال: الْخالِقُ يعني: المقدر.
الْبارِئُ الذي يجعل الروح في الجسد، ويقال: الْبارِئُ يعني: خالق الأشياء ابتداء.
ثم قال: الْمُصَوِّرُ للولد في أصلاب الآباء.
لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يعني: الصفات العلى، ويقال: لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وهي تسعة وتسعون اسما، مائة غير واحد.
مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ.
وروى أبو هريرة- -، عن النبيّ أنه قال: إن لله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً مائَةً غير واحد مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ.
ثم قال: يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: يخضع له ما في السموات والأرض، يعني: جميع الأشياء، كقوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ.
ثم قال: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يعني: العزيز في ملكه، الحكيم في أمره.
فإن قال قائل: قد قال الله تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ، فما الحكمة في أنه نهى عباده عن مدح أنفسهم ومدح نفسه؟
قيل له: عن هذا السؤال جوابان: أحدهما: أن العبد، وإن كان فيه خصال الخير فهو ناقص، وإن كان ناقصا لا يجوز له أن يمدح نفسه- والله سبحانه وتعالى تام الملك والقدرة، فيستوجب به المدح.
فمدح نفسه ليعلم عباده فيمدحوه- وجواب آخر: أن العبد، وإن كان فيه خصال الخير، فتلك الخصال أفضال من الله تعالى، ولم يكن ذلك بقدرة العبد، فلهذا لا يجوز له أن يمدح نفسه.
والله سبحانه وتعالى إنما قدرته وملكه له، ليس لغيره، فيستوجب به المدح.
ومثال هذا أن الله تعالى نهى عباده أن لا يمنوا على أحد بالمعروف، وقد من الله تعالى على عباده للمعنى الذي ذكرناه في المدح والله أعلم بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
وقوله/ سبحانه: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ ...
الآية: موعظةٌ للإنسان، وَذَمٌّ لأخلاقه وإعراضه وغفلته عن تَدَبُّرِ كلام خالقه، وإذا كان الجبلُ، على عِظَمِهِ وقُوَّتِهِ، لو أُنْزِلَ عليه القرآن وفَهِمَ منه ما فَهِمَهُ الإنسان، لخشع واستكان، وتصدَّع، خشيةً للَّه تعالى-:
فالإِنسانُ على حقارته وضَعْفِهِ أولى بذلك، وضرب اللَّه سبحانه هذا المثل ليتفكر فيه العاقلُ، ويخشعَ ويلينَ قلبُهُ.
وقوله سبحانه: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ الآية: لما قال تعالى: مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، جاء بالأوصاف العَلِيَّةِ التي تُوجِبُ لمخلوقاته هذه الخشيةَ، وقرأ الجمهور «١» : «القُدُّوسُ» - بضم القاف- من تَقَدَّسَ إذا تطهَّرَ وتنزَّه.
وقوله: السَّلامُ أي: ذو السلام لأَنَّ الإيمان به وتوحيدَه وأفعاله هي لمن آمنَ سلام كلّها، والْمُؤْمِنُ: اسم فاعل من آمن بمعنى أمن من الأمن، وقيل: معناه:
المصدّق عباده المؤمنين، والْمُهَيْمِنُ: معناه: الحفيظ والأمين قاله ابن عبّاس «٢» ، والْجَبَّارُ: هو الذي لا يدانيه شيءٌ، ولا تُلْحَقُ رتبته، قال الفخر «٣» : وفي اسمه تعالى:
الْجَبَّارُ وجوه:
أحدها: أَنَّه فَعَّالٌ من جَبَرَ إذا أغنى الفقيرَ وجبر الكسير.
والثاني: أنْ يكون الجبار من جَبَرَهُ إذا أكرهه قال الأزهريُّ: وهي لغة تميم، وكثيرٌ من الحجازيين يقولونها بغير ألف في الإكراه، وكان الشافعيُّ رحمه اللَّه يقول: جَبَرَهُ السلطانُ على كذا بغير ألف، وجعل الفرَّاءُ الْجَبَّارُ بهذا المعنى من أجبر بالألف، وهي
اللغة المعروفة في الإكراه، انتهى، والْمُتَكَبِّرُ: معناه: الذي له التكبّر حقّا والْبارِئُ بمعنى: الخالق، والْمُصَوِّرُ: هو الذي يوجد الصورَ، وباقي الآية بَيِّنٌ، وروى معقل بن يسار عن النبي صلّى الله عليه وسلّم/ أَنَّه قال: مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَقَرَأَ ثَلاَثَ آياتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ-: وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، حَتَّى يُمْسِي، وَإنْ مَاتَ في ذَلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيداً، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي كَانَ بِتَلْكَ الْمَنْزِلَةِ» «١» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب، انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ ﴾ أخْبَرَ اللَّهُ بِهَذا عَنْ تَعْظِيمِ شَأْنِ القُرْآنِ، وأنَّهُ لَوْ جُعِلَ في جَبَلٍ - عَلى قَساوَتِهِ وصَلابَتِهِ تَمْيِيزًا، كَما جُعِلَ في بَنِي آدَمَ، ثُمَّ أُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ لَتَشَقَّقَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، وخَوْفًا أنْ لا يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ في تَعْظِيمِ القُرْآنِ.
و"الخاشِعُ": المُتَطَأْطِئُ الخاضِعُ، و"المُتَصَدِّعُ": المُتَشَقِّقُ.
وهَذا تَوْبِيخٌ لِمَن لا يَحْتَرِمُ القُرْآنَ، ولا يُؤَثِّرُ في قَلْبِهِ مَعَ الفَهْمِ والعَقْلِ، ويَدُلُّكَ عَلى هَذا المَثَلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ ﴾ ثُمَّ أخْبَرَ بِعَظْمَتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ اللَّهُ ﴾ رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ فَأمّا هَذِهِ الأسْماءُ، فَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ "اللَّهِ"، و"الرَّحْمَنِ"، و"الرَّحِيمِ" في [الفاتِحَةِ] وذَكَرْنا مَعْنى ﴿ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ في [الأنْعامِ: ٧٣] .
و ﴿ المَلِكُ ﴾ في سُورَةِ [المُؤْمِنِينَ: ١١٦] .
فَأمّا "القُدُّوسُ" فَقَرَأ أبُو الأشْهَبِ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ بِفَتْحِ القافِ.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: "القُدُّوسُ": الطّاهِرُ مِنَ العُيُوبِ، المُنَزَّهُ عَنِ الأنْدادِ والأوْلادِ.
و"القُدْسُ": الطَّهارَةُ.
ومِنهُ سُمِّيَ: بَيْتُ المَقْدِسِ، ومَعْناهُ: المَكانُ الَّذِي يُتَطَهَّرُ فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ.
وقِيلَ لِلْجَنَّةِ: حَظِيرَةُ القُدُسِ، لِطَهارَتِها مِن آفاتِ الدُّنْيا.
والقُدْسُ: السَّطْلُ الَّذِي يُتَطَهَّرُ فِيهِ، ولَمْ يَأْتِ مِنَ الأسْماءِ عَلى فُعُّولٍ بِضَمِّ الفاءِ إلّا "قُدُّوسٌ" و"سُبُّوحٌ" وقَدْ يُقالُ أيْضًا: قَدُّوسٌ، وسَبُّوحٌ بِالفَتْحِ فِيهِما، وهو القِياسُ في الأسْماءِ، كَقَوْلِهِمْ: سَفُّودٌ، وكَلُّوبٌ.
فَأمّا "السَّلامُ" فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سَمّى نَفْسَهَ سَلامًا، لِسَلامَتِهِ مِمّا يَلْحَقُ الخَلْقَ مِنَ العَيْبِ والنَّقْصِ والفَناءِ.
وقالَ الخَطّابِيُّ: مَعْناهُ: ذُو السَّلامِ.
والسَّلامُ في صِفَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ: هو الَّذِي سَلِمَ مِن كُلِّ عَيْبٍ، وبَرِئَ مِن كُلِّ آفَةٍ ونَقْصٍ يَلْحَقُ المَخْلُوقِينَ.
قالَ وقَدْ قِيلَ هو الَّذِي سَلِمَ الخَلْقُ مِن ظُلْمِهِ.
فَأمّا "المُؤْمِنُ"، فَفِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي أمِنَ النّاسُ ظُلْمَهُ، وأمِنَ مَن آمَنَ بِهِ عَذابَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهُ المُجِيرُ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
والثّالِثُ: الَّذِي يُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ إذا وحَّدُوهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي وحَّدَ نَفْسَهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
والخامِسُ: أنَّهُ الَّذِي يَصْدُقُ عِبادَهُ وعْدَهُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والسّادِسُ: أنَّهُ يُصَدِّقُ ظُنُونَ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، ولا يُخَيِّبُ آمالَهُمْ، «كَقَوْلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما يَحْكِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ: "أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي"» حَكاهُ الخَطّابِيُّ.
فَأمّا "المُهَيْمِنُ" فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوال.
أحَدُها: أنَّهُ الشَّهِيدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والكِسائِيُّ.
قالَ الخَطّابِيُّ: ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾ ، فاللَّهُ الشّاهِدُ عَلى خَلْقِهِ بِما يَكُونُ مِنهم مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ.
والثّانِي: أنَّهُ الأمِينُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، قالَ الخَطّابِيُّ: وأصْلُهُ: مُؤَيْمِنٌ، فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ هاءً، لِأنَّ الهاءَ أخَفُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الهَمْزَةِ.
ولَمْ يَأْتِ مُفَيْعِلٌ في غَيْرِ التَّصْغِيرِ، إلّا في ثَلاثَةِ أحْرُفٍ "مُسَيْطِرٌ" و"مُبَيْطِرٌ" و"مُهَيْمِنٌ" وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ [الطُّورِ: ٣٧] عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، أنَّها خَمْسَةُ أحْرُفٍ.
والثّالِثُ: المُصَدِّقُ فِيما أخْبَرَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الرَّقِيبُ عَلى الشَّيْءِ، والحافِظُ لَهُ، قالَهُ الخَلِيلُ.
قالَ الخَطّابِيُّ وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: الهَيْمَنَةُ: القِيامُ عَلى الشَّيْءِ؛ والرِّعايَةُ لَهُ، وأنْشَدَ: ألا إنَّ خَيْرَ النّاسِ بَعْدَ نَبِيِّهِ مُهَيْمِنُهُ التّالِّيهِ في العُرْفِ والنُّكْرِ يُرِيدُ القائِمَ عَلى النّاسِ بَعْدَهُ بِالرِّعايَةِ لَهم.
وقَدْ زِدْنا هَذا شَرْحًا في [المائِدَةِ: ٤٨] وبَيَّنّا مَعْنى "العَزِيزِ" في [البَقَرَةِ: ١٢٩] .
فَأمّا "الجَبّارُ" فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ العَظِيمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَقْهَرُ النّاسَ ويُجْبِرُهم عَلى ما يُرِيدُ، قالَهُ القُرَظِيُّ والسُّدِّيُّ.
وقالَ قَتادَةُ: جَبْرُ خَلْقِهِ عَلى ما شاءَ.
وحَكى الخَطّابِيُّ: أنَّهُ الَّذِي جَبَرَ الخَلْقَ عَلى ما أرادَ مِن أمْرِهِ ونَهْيِهِ.
يُقالُ: جَبَرَهُ السُّلْطانُ، وأجْبَرَهُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي جَبَرَ مَفاقِرَ الخَلْقِ، وكَفاهم أسْبابَ المَعاشِ والرِّزْقِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ العالِي فَوْقَ خَلْقِهِ، مِن قَوْلِهِمْ: تَجَبَّرَ النَّباتُ: إذا طالَ وعَلا، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الخَطّابِيُّ.
فَأمّا "المُتَكَبِّرُ" فَفِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي تَكَبَّرَ عَنْ كُلِّ سُوءٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي تَكَبَّرَ عَنْ ظُلْمِ عِبادِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ذُو الكِبْرِياءِ، وهو المَلِكُ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
والرّابِعُ: أنَّهُ المُتَعالِي عَنْ صِفاتِ الخَلْقِ.
والخامِسُ: أنَّهُ الَّذِي يَتَكَبَّرُ عَلى عُتاةٍ خَلْقِهِ إذا نازَعُوهُ العَظَمَةَ، فَقَصَمَهُمْ، ذَكَرَهُما الخَطّابِيُّ.
قالَ: والتّاءُ في "المُتَكَبِّرِ" تاءُ التَّفَرُّدِ، والتَّخَصُّصِ، لِأنَّ التَّعاطِيَ والتَّكَلُّفَ والكِبْرَ لا يَلِيقُ بِأحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ، وإنَّما سِمَةُ العَبْدِ الخُضُوعُ والتَّذَلُّلُ.
وقِيلَ: إنَّ المُتَكَبِّرَ مِنَ الكِبْرِياءِ الَّذِي هو عَظَمَةُ اللَّهِ، لا مِنَ الكِبْرِ الَّذِي هو مَذْمُومٌ في الخَلْقِ.
وَأمّا "الخالِقُ" فَقالَ الخَطّابِيُّ: هو المُبْتَدِئُ لِلْخَلْقِ المُخْتَرِعُ لَهم عَلى غَيْرِ مِثالٍ سَبَقَ، فَأمّا في نُعُوتِ الآدَمِيِّينَ، فَمَعْنى الخَلْقِ: كَقَوْلِ زُهَيْرٍ: ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْ ∗∗∗ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي يَقُولُ: إذا قَدَرْتَ شَيْئًا قَطَعْتَهُ، وغَيْرُكَ يَقْدِرُ ما لا يَقْطَعُهُ، أيْ: يَتَمَنّى ما لا يَبْلُغُهُ.
و"البارِئُ" الخالِقُ.
يُقالُ: بَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ يَبْرَؤُهم.
و"المُصَوِّرُ": الَّذِي أنْشَأ خَلْقَهُ عَلى صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ لِيَتَعارَفُوا بِها.
ومَعْنى: التَّصْوِيرِ: التَّخْطِيطُ والتَّشْكِيلُ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ "البارِئُ المُصَوَّرَ" بِفَتْحِ الواوِ والرّاءِ جَمِيعًا، يَعْنِي: آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ [الأعْرافِ: ١٨٠،والإسْراءِ: ١١٠] إلى آخِرِ السُّورَةِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ هُوَ اللهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ هو الرَحْمَنُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ هُوَ اللهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ هُوَ اللهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ لَمّا قالَ تَعالى: ﴿ مِن خَشْيَةِ اللهِ ﴾ جاءَ بِالأوصافِ الَّتِي تُوجِبُ لِمَخْلُوقاتِهِ هَذِهِ الخَشْيَةُ، و"الغَيْبُ" ما غابَ عَنِ المَخْلُوقِينَ، و"الشَهادَةُ": ما شاهَدُوهُ، وقالَ حَرْبُ المَكِّيُّ: الغَيْبُ الآخِرَةُ والشَهادَةُ الدُنْيا، قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "القُدُّوسُ" بِضَمِّ القافِ، وهو فِعْلٌ مِن تَقَدَّسَ إذا تَطَهَّرَ، وحَظِيرَةُ القُدْسِ الجَنَّةُ لِأنَّها طاهِرَةٌ، ومِنهُ: رُوحُ القُدُسِ، ومِنهُ الأرْضُ المُقَدَّسَةُ، بَيْتُ المَقْدِسِ، ورُوِيَ عن أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "القُدُّوسُ" بِفَتْحِ القافِ، وهي لُغَةٌ.
و"السَلامُ" مَعْناهُ: الَّذِي سُلِمَ مِن جَوْرِهِ، وهَذا اسْمٌ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذُو السَلامِ، لِأنَّ الإيمانَ بِهِ وتَوْحِيدَهُ وأفْعالَهُ هي لِمَن آمَنَ سَلامٌ كُلُّها.
و"المُؤْمِنُ" اسْمُ فاعِلٍ مِن "آمَنَ" بِمَعْنى "أمَّنَ" وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى ثَعْلَبُ مَعْناهُ: المُصَدِّقُ لِلْمُؤْمِنِينَ في أنَّهم آمَنُوا، قالَ النَحّاسُ: أو في شَهادَتِهِمْ عَلى الناسِ في القِيامَةِ، وقالَ ناسٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: مَعْناهُ: المُصَدِّقُ نَفْسَهُ في أقْوالِهِ الأزَلِيَّةِ، لا إلَهَ غَيْرُهُ، و"المُهَيْمِنُ" مَعْناهُ: الأمِينُ والحَفِيظُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ مُؤَرَّجٌ: المُهَيْمِنُ: الشاهِدُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، وهَذا بِناءٌ لَمْ يَجِئْ مِنهُ في الصِفاتِ إلّا مُهَيْمِنٌ ومُسَيْطِرٌ ومُبَيْقِرٌ ومُبَيْطِرٌ، وجاءَ مِنهُ في الأسْماءِ "مُحَيْمِرٌ" وهو اسْمُ وادٍ و"مُدَيْبِرٌ".
و"الجَبّارُ" هو الَّذِي لا يُدانِيهِ شَيْءٌ ولا يَلْحَقُ رُتْبَتَهُ، ومِنهُ "نَخْلَةٌ جَبّارَةٌ" إذا لَمْ تَلْحَقْ، وأنْشَدَ الزَهْراوِيُّ: أطافَتْ بِهِ جِيلانُ عِنْدَ قِطافِهِ ورَدَّتْ إلَيْهِ الماءَ حَتّى تُجَبَّرا و"المُتَكَبِّرُ" مَعْناهُ: الَّذِي لَهُ التَكَبُّرُ حَقًّا.
ثُمَّ نَزَّهَ اللهُ تَعالى نَفْسَهُ عن إشْراكِ الكَفّارِ بِهِ الأصْنامَ الَّتِي لَيْسَ لَها شَيْءٌ مِن هَذِهِ الصِفاتِ، و"البارِئُ" بِمَعْنى: الخالِقُ، بَرَأ اللهُ تَعالى الخَلْقَ، أيْ: أوَجَدَهُمْ، و"المُصَوِّرُ" هو الَّذِي يُوجِدُ الصُوَرَ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "المُصَوِّرُ"، عَلى إعْمالِ "البارِئِ" فِيهِ، وهي حَسَنَةٌ، يُرادُ بِها الحَسَنُ في الصُوَرِ، وقالَ قَوْمٌ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنَّهُ قَرَأ: "المُصَوَّرِ" بِفَتْحِ الواوِ وكَسْرِ الراءِ، عَلى قَوْلِهِمْ: "الحَسَنُ الوَجْهِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ أيْ: ذاتُ الحُسْنِ في مَعانِيها القائِمَةِ بِذاتِهِ لا إلَهَ إلّا هُوَ، وهَذِهِ الأسْماءُ هي الَّتِي حَصَرَها رَسُولُ اللهِ بِقَوْلِهِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةٌ إلّا واحِدًا، مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ"،»، وقَدْ ذَكَرَها التِرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ مُسْنَدَةً، واخْتَلَفَ الرُواةُ في بَعْضِها، ولَمْ يَصِحَّ فِيها شَيْءٌ إلّا إحْصاؤُها دُونَ تَعْيِينٍ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الحَشْرِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
﴿ هُوَ الله الخالق البارئ المصور ﴾ .
القول في ضمير ﴿ هو ﴾ المفتتح به وفي تكرير الجملة كالقول في التي سبقتها.
فإن كان ضمير الغيبة ضميرَ شأن فالجملة بعده خبر عنه.
وجملة ﴿ الله الخالق ﴾ تفيد قصراً بطريق تعريف جزأي الجملة هو الخالق لا شركاؤهم.
وهذا إبطال لإلهية ما لا يخلق.
قال تعالى: ﴿ والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون ﴾ [النحل: 20]، وقال: ﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ﴾ [النحل: 17]، وإن كان عائداً على اسم الجلالة المتقدم فاسم الجلالة بعده خبر عنه و ﴿ الخالق ﴾ صفة.
و ﴿ الخالق ﴾ : اسم فاعل من الخلق، وأصل الخلق في اللغة إيجاد شيء على صورة مخصوصه.
وقد تقدم عند قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السّلام ﴿ إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير ﴾ الآية [49] في سورة آل عمران.
ويطلق الخلق على معنى أخص من إيجاد الصور وهو إيجاد ما لم يكن موجوداً.
كقوله تعالى: ﴿ ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ﴾ [ق: 38].
وهذا هو المعنى الغالب من إطلاق اسم الله تعالى ﴿ الخالق ﴾ .
قال في «الكشاف»: «المقدر لما يوجده».
ونقل عنه في بيان مراده بذلك أنه قال: «لما كانت إحداثات الله مقدرة بمقادير الحكمة عبر عن إحداثه بالخلق» ا ه.
يشير إلى أن الخالق في صفة الله بمعنى المحدث الأشياء عن عدم، وبهذا يكون الخلق أعم من التصوير.
ويكون ذكر ﴿ البارئ ﴾ و ﴿ المصور ﴾ بعد ﴿ الخالق ﴾ تنبيهاً على أحوال خاصة في الخلق.
قال تعالى: ﴿ ولقد خلقناكم ثم صورناكم ﴾ [الأعراف: 11] على أحد التأويلين.
وقال الراغب: الخلق التقدير المستقيم واستعمل في إيداع الشيء من غير أصل ولا احتذاء ا ه.
وقال أبو بكر ابن العربي في «عارضة الأحوذي» على «سنن الترمذي»: ﴿ الخالق ﴾ : المخرج الأشياء من العدم إلى الوجود المقدر لها على صفاتها (فخلط بين المعنيين) ثم قال: فالخالق عام، والبارئ أخص منه، والمصور أخص من الأخص وهذا قريب من كلام صاحب «الكشاف».
وقال الغزالي في «المقصد الأسنى»: الخالق البارئ المصور قد يظن أن هذه الأسماء مترادفة ولا ينبغي أن يكون كذلك بل كل ما يخرج من العدم إلى الوجود يفتقر إلى تقدير أولاً، وإلى الإيجاد على وفق التقدير ثانياً، وإلى التصوير بعد الإِيجاد ثالثاً، والله خالق من حيث أنه مقدِّر وبارئ من حيث إنه مخترع موجود، ومصور من حيث إنه مرتبٌ صور المخترعات أحسن ترتيب ا ه.
فجعل المعاني متلازمة وجعل الفرق بينها بالاعتبار، ولا أحسبه ينطبق على مواقع استعمال هذه الأسماء.
و ﴿ البارئ ﴾ اسم فاعل من بَرَأَ مهموزاً.
قال في «الكشاف» المميز لما يوجده بعضه من بعض بالأشكال المختلفة ا ه.
وهو مغاير لمعنى الخالق بالخصوص.
وفي الحديث " من شر ما خلق وذرأ وبرأ " ومن كلام علي رضي الله عنه: لا والذي فلق الحبة وبرأ النَّسَمة، فيكون اسم البريئة غير خاص بالناس في قوله تعالى: ﴿ أولئك هم شر البريئة أولئك هم خير البريئة ﴾ [البينة: 6، 7].
وقال الراغب: البريئة: الخلق.
وقال ابن العربي في «العارضة»: ﴿ البارئ ﴾ : خالق الناس من البرَى (مقصوراً) وهو التراب خاصاً بخلق جنس الإِنسان، وعليه يكون اسم البريئة خاصاً بالبشر في قوله تعالى: وفسره ابن عطية بمعنى الخالق.
وكذلك صاحب القاموس}.
وفسره الغزالي بأنه الموجود المخترع، وقد علمت أنه غير منطبق فأحسن تفسير له ما في «الكشاف».
و ﴿ المصور ﴾ : مكوّن الصور لجميع المخلوقات ذوات الصور المرئية.
وإنما ذكرت هذه الصفات متتابعة لأن من مجموعها يحصل تصور الإِبداع الإلهي للإِنسان فابتدئ بالخلق الذي هو الإِيجاد الأصلي ثم بالبرء الذي هو تكوين جسم الإِنسان ثم بالتصّور الذي هو إعطاء الصورة الحسنة، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ﴾ [الانفطار: 7، 8]، ﴿ الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ﴾ [آل عمران: 6].
ووجه ذكرها عقب الصفات المتقدمة، أي هذه الصفات الثلاث أريد منها الإِشارة إلى تصرفه في البشر بالإِيجاد على كيفيته البديعة ليثير داعية شكرهم على ذلك.
ولذلك عقب بجملة ﴿ يسبح له ما في السموات والأرض ﴾ .
واعلم أن وجه إرجاع هذه الصفات الحُسنى إلى ما يناسبها مما اشتملت عليه السورة ينقسم إلى ثلاثة أقسام ولكنها ذكرت في الآية بحسب تناسب مواقع بعضها عقب بعض من تنظير أو احتراس أو تتميم كما علمته آنفاً.
القسم الأول: يتعلق بما يناسب أحوال المشركين وأحلافِهم اليهود المتألبين على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين بالحرب والكيد والأذى، وأنصارهم من المنافقين المخادعين للمسلمين.
وإلى هذا القسم تنضوي صفة ﴿ لا إله إلا هو ﴾ [الحشر: 23] وهذه الصفة هي الأصل في التهيؤ للتدبر والنظر في بقية الصفات، فإن الإِشراك أصل الضلالات، والمشركون هم الذين يُغرون اليهود، والمنافقون بين يهود ومشركين تستروا بإظهار الإِسلام، فالشرك هو الذي صدّ الناس عن الوصول إلى مسالك الهدى، قال تعالى: ﴿ وما زادوهم غيرَ تتبيب ﴾ [هود: 101].
وصفة ﴿ عالم الغيب ﴾ [الحشر: 22] فإن من أصول الشرك إنكار الغيب الذي من آثاره إنكار البعث والجزاء، وعلى الاسترسال في الغي وإعمال السيئات وإنكار الوحي والرسالة.
وهذا ناظر إلى قوله تعالى: ﴿ ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ﴾ [الأنفال: 13] الآية.
وكذلك ذكر صفات «المَلِك، والعزيز، والجبار، والمتكبر»، لأنها تناسب ما أنزله ببني النضير من الرعب والخزي والبطشة.
القسم الثاني: متعلق بما اجْتناه المؤمنون من ثمرة النصر في قصة بني النضير، وتلك صفات: ﴿ السلام المؤمن ﴾ [الحشر: 23] لقوله: ﴿ فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ﴾ [الحشر: 6]، أي لم يتجشم المسلمون للغنى مشقة ولا أذى ولا قتالاً.
وكذلك صفتا ﴿ الرحمان الرحيم ﴾ [الحشر: 22] لمناسبتهما لإِعطاء حظ في الفيء للضعفاء.
القسم الثالث: متعلق بما يشترك فيه الفريقان المذكوران في هذه السورة فيأخذ كل فريق حظه منها، وهي صفات: «القدوس، المهيمن، الخالق، البارئ، المصور».
﴿ المصور لَهُ الاسمآء ﴾ .
تذييل لما عُدّد من صفات الله تعالى، أي له جميع الأسماء الحسنى التي بعضها الصفات المذكورة آنفاً.
والمراد بالأسماء الصفات، عبر عنها بالأسماء لأنه متصف بها على ألسنة خلقه ولكونها بالغة منتهى حقائقها بالنسبة لوصفه تعالى بها فصارت كالأعلام على ذاته تعالى.
والمقصود: أن له مدلولات الأسماء الحسنى كما في قوله تعالى: ﴿ ثم عرضهم على الملائكة بعد قوله: وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ [البقرة: 31]، أي عرض المسميات على الملائكة.
وقد تقدم قوله تعالى: ﴿ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ﴾ في سورة [الأعراف: 180].
﴿ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِى السماوات والارض وَهُوَ العزيز الحكيم ﴾ .
جملة ﴿ يسبح له ﴾ الخ في موضع الحال من ضمير ﴿ له الأسماء الحسنى ﴾ يعني أن اتصافه بالصفات الحسنى يضطر ما في السماوات والأرض من العقلاء على تعظيمه بالتسبيح والتنزيه عن النقائص فكل صنف يبعثه علمه ببعض أسماء الله على أن ينزهه ويسبحه بقصد أو بغير قصد.
فالدُهري أو الطبائعي إذا نوّه بنظام الكائنات وأعجب بانتساقها فإنما يسبح في الواقع للفاعل المختار وإن كان هو يدعوه دَهراً أو طبيعة، هذا إذا حمل التسبيح على معناه الحقيقي وهو التنزيه بالقول، فأما إن حمل على ما يشمل المعنيين الحقيقي والمجازي من دلالة على التنزيه ولو بلسان الحال.
فالمعنى: أن ما ثبت له من صفات الخلق والإِمداد والقهر تدل عليه شواهد المخلوقات وانتظام وجودها.
وجملة ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ عطف على جملة الحال وأوثر هاتان الصفتان لشدة مناسبتهما لنظام الخلق.
وفي هذه الآية رد العجز على الصدر لأن صدر السورة مماثل لآخرها.
روى الترمذي بسند حسن عن معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من قال حين يُصبح ثلاثَ مرّات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قرأ الثلاث آيات من آخر سورة الحشر ﴿ هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب ﴾ [الحشر: 22] إلى آخر السورة، وكَّل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يُمسِيَ، وإن مات ذلك اليومَ مات شهيداً.
ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة " فهذه فضيلة لهذه الآيات أخروية.
وروى الخطيب البغدادي في «تاريخه» بسنِده إلى إدريس بن عبد الكريم الحداد قال: قرأت على خلف (راوي حمزة) فلما بلغت هذه الآية ﴿ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ﴾ [الحشر: 21] إلى آخر السورة قال: ضع يدك على رأسك فإني قرأت على الأعْمش.
فلما بلغتُ هذه الآية قال: ضع يدك على رأسك فإني قرأت على يَحيى بن وثاب، فلما بلغت هذه الآية قال: ضع يدك على رأسك فإني قرأت على علقمة والأسود فلما بلغت هذه الآية قالا: ضع يدك على رأسك فإنّا قرأنا على عبد الله فلما بلغنا هذه الآية قال: ضعا أَيديكما على رؤوسكما، فإني قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم فلما بلغتُ هذه الآية قال لي: ضع يدك على رأسك فإن جبريل لما نزل بها إليَّ قال: ضعَ يدك على رأسك فإنها شفاء من كل داء إلا السام.
والسام الموت.
قلت: هذا حديث أغر مسلسل إلى جبريل عليه السلام.
وأخرج الديلمي عن علي وابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قوله تعالى: ﴿ لو أنزلنا هذا القرآن ﴾ [الحشر: 21] إلى آخر السورة: هي رُقية الصداع، فهذه مزية لهذه الآيات.
﴿ لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ خِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ إنَّنا لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَما ثَبَتَ لَهُ بَلِ انْصَدَعَ مِن نُزُولِهِ عَلَيْهِ، وقَدْ أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ وثَبَّتْناكَ لَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ امْتِنانًا عَلَيْهِ أنْ ثَبَّتَهُ لِما لا تَثْبُتُ لَهُ الجِبالُ.
الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأُمَّةِ، وأنَّ اللَّهَ لَوْ أنْذَرَ بِهَذا القُرْآنِ الجِبالَ لَتَصَدَّعَتْ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، والإنْسانُ أقَلُّ قُوَّةً وأكْثَرُ ثَباتًا، فَهو يَقُومُ بِحَقِّهِ إنْ أطاعَ، ويَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ إنْ عَصى، لِأنَّهُ مَوْعُودٌ بِالثَّوابِ ومَزْجُورٌ بِالعِقابِ.
وَفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ضَرَبَهُ مَثَلًا لِلْكُفّارِ أنَّهُ إذا نَزَلَ هَذا القُرْآنُ عَلى جَبَلٍ خَشَعَ لِوَعْدِهِ وتَصَدَّعَ لِوَعِيدِهِ، وأنْتُمْ أيُّها المَقْهُورُونَ بِإعْجازِهِ لا تَرْغَبُونَ في وعْدِهِ ولا تَرْهَبُونَ مِن وعِيدِهِ.
﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ كانَ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ يَرى أنَّ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمِ هو اللَّهُ، لِمَكانِ هَذِهِ الآيَةِ.
﴿ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: عالِمُ السِّرِّ والعَلانِيَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: عالِمُ ما كانَ وما يَكُونُ.
الثّالِثُ: عالِمُ ما يُدْرَكُ وما لا يُدْرَكُ مِنَ الحَياةِ والمَوْتِ والأجَلِ والرِّزْقِ.
الرّابِعُ: عالِمٌ بِالآخِرَةِ والدُّنْيا، قالَهُ سَهْلٌ.
﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو المَلِكُ القُدُّوسُ ﴾ في ﴿ القُدُّوسُ ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ المُبارَكُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ دَعَوْتُ رَبَّ العِزَّةِ القُدُّوسا دُعاءَ مَن لا يَقْرَعُ النّاقُوسا الثّانِي: أنَّهُ الطّاهِرُ، قالَهُ وهْبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: قَدْ عَلِمَ القُدُّوسُ مَوْلى القُدُّوسِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِن تَقْدِيسِ المَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ مِن تَسْبِيحِ المَلائِكَةِ سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ المَلائِكَةِ والرُّوحِ.
الرّابِعُ: مَعْناهُ المُنَزَّهُ عَنِ القَبائِحِ لِاشْتِقاقِهِ مِن تَقْدِيسِ المَلائِكَةِ بِالتَّسْبِيحِ فَصارَ مَعْناهُما واحِدٌ.
وَأمّا ﴿ السَّلامُ ﴾ فَهو مِن أسْمائِهِ تَعالى كالقُدُّوسِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن سَلامَتِهِ وبَقائِهِ، فَإذا وُصِفَ المَخْلُوقُ بِمِثْلِهِ قِيلَ سالِمٌ وهو في صِفَةِ اللَّهِ سَلامٌ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ سَلامَكَ رَبَّنا في كُلِّ فَجْرٍ ∗∗∗ بَرِيئًا ما تَعَنَّتْكَ الذُّمُومُ الثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن سَلامَةِ عِبادِهِ مِن ظُلْمِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
[وَفِي ﴿ المُؤْمِنُ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: الَّذِي يُؤَمِّنُ أوْلِياءَهُ مِن عَذابِهِ] الثّانِي: أنَّهُ مُصَدِّقُ خَلْقِهِ في وعْدِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الدّاعِي إلى الإيمانِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَأمّا ﴿ المُهَيْمِنُ ﴾ فَهو مِن أسْمائِهِ أيْضًا، وفِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ الشّاهِدُ عَلى خَلْقِهِ بِأعْمالِهِمْ، وعَلى نَفْسِهِ بِثَوابِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُفَضَّلُ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ شَهِيدٌ عَلَيَّ اللَّهُ أنِّي أُحِبُّها ∗∗∗ كَفى شاهِدًا رَبَّ العِبادِ المُهَيْمِنَ والثّانِي: مَعْناهُ الأمِينُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: المُصَدِّقُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الحافِظُ، حَكاهُ ابْنُ كامِلٍ، ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: إنِّي داعٍ فَهَيْمِنُوا، أيْ قُولُوا آمِينَ حَفِظْنا الدُّعاءَ، لِما يُرْجى مِنَ الإجابَةِ.
الخامِسُ: الرَّحِيمُ، حَكاهُ ابْنُ تَغْلَبَ واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ مَلِيكٌ عَلى عَرْشِ السَّماءِ مُهَيْمِنٌ ∗∗∗ لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الوُجُوهُ وتَسْجُدُ ﴿ العَزِيزُ ﴾ هو القاهِرُ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: العَزِيزُ في امْتِناعِهِ.
الثّانِي: في انْتِقامِهِ.
﴿ الجَبّارُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ العالِي العَظِيمُ الشَّأْنِ في القُدْرَةِ والسُّلْطانِ.
الثّانِي: الَّذِي جَبَرَ خَلْقَهُ عَلى ما شاءَ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي يَجْبُرُ فاقَةَ عِبادِهِ، قالَهُ واصِلُ بْنُ عَطاءٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي يَذَلُّ لَهُ مَن دُونِهِ.
﴿ المُتَكَبِّرُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: المُتَكَبِّرُ عَنِ السَّيِّئاتِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: المُسْتَحِقُّ لِصِفاتِ الكِبْرِ، والتَّعْظِيمِ، والتَّكَبُّرُ في صِفاتِ اللَّهِ مَدْحٌ، وفي صِفاتِ المَخْلُوقِينَ ذَمٌّ.
الثّالِثُ: المُتَكَبِّرُ عَنْ ظُلْمِ عِبادِهِ.
﴿ هُوَ اللَّهُ الخالِقُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُحْدِثُ لِلْأشْياءِ عَلى إرادَتِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ المُقَدِّرُ لَها بِحِكْمَتِهِ.
﴿ البارِئُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُمَيِّزُ لِلْخَلْقِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: بَرِئْتُ مِنهُ، إذا تَمَيَّزْتَ مِنهُ.
الثّانِي: المُنْشِئُ لِلْخَلْقِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ بَراكَ اللَّهُ حِينَ بَراهُ غَيْثًا ∗∗∗ ويَجْرِي مِنكَ أنْهارًا عِذابًا ﴿ المُصَوِّرُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِتَصْوِيرِ الخَلْقِ عَلى مَشِيئَتِهِ.
الثّانِي: لِتَصْوِيرِ كُلِّ جِنْسٍ عَلى صُورَتِهِ.
فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مَحْمُولًا عَلى ابْتِداءِ الخَلْقِ بِتَصْوِيرِ كُلِّ خَلْقٍ عَلى ما شاءَ مِنَ الصُّوَرِ.
وَعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ مَحْمُولًا عَلى ما اسْتَقَرَّ مِن صُورِ الخَلْقِ، فَيُحْدِثُ خَلْقَ كُلِّ جِنْسٍ عَلى صُورَتِهِ وفِيهِ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ دَلِيلٌ عَلى قُدْرَتِهِ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أنْ يَكُونَ لِنَقْلِهِ خَلْقَ الإنْسانِ وكُلَّ حَيَوانٍ مِن صُورَةٍ إلى صُورَةٍ، فَيَكُونُ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً إلى أنْ يَصِيرَ شَيْخًا هَرِمًا، كَما قالَ النّابِغَةُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ في ال ∗∗∗ أرْحامِ ماءً حَتّى يَصِيرُ دَمًا ﴿ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ جَمِيعَ أسْمائِهِ حُسْنى لِاشْتِقاقِهِ مِن صِفاتِهِ الحُسْنى.
الثّانِي: أنَّ لَهُ الأمْثالَ العُلْيا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
أخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ﴾ الآية، قال: لو أنزلت هذا القرآن على جبل فأمرته بالذي أمرتكم وخوّفته بالذي خوفتكم به إذاً يصدع ويخشع من خشية الله، فأنتم أحق أن تخشوا وتذلوا وتلين قلوبكم لذكر الله.
وأخرج ابن المنذر عن مالك بن دينار قال: أقسم لكم لا يؤمن عبد بهذا القرآن إلا صدع قلبه.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ لو أنزلنا هذا القرآن ﴾ الآية قال: يقول: لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه تصدع وخشع من ثقله ومن خشية الله فأمر الله الناس إذا نزل عليهم القرآن أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع قال: ﴿ كذلك يضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون ﴾ .
وأخرج الديلمي عن ابن مسعود وعليّ مرفوعاً في قوله: ﴿ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ﴾ إلى آخر السورة، قال: هي رقية الصداع.
وأخرج الخطيب البغدادي في تاريخه قال: «أنبأنا أبو نعيم الحافظ أبنأنا أبو الطيب محمد بن أحمد بن يوسف بن جعفر المقري البغدادي، يعرف بغلام ابن شنبوذ، أبنأنا إدريس بن عبد الكريم الحداد قال: قرأت على خلف فلما بلغت هذه الآية ﴿ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ﴾ قال: ضع يدك على رأسك فإني قرأت على سليم فلما بلغت هذه الآية قال: ضع يدك على رأسك فإني قرأت على الأعمش، فلما بلغت هذه الآية قال: ضع يدك على رأسك، فإني قرأت على يحيى بن وثاب، فلما بلغت هذه الآية قال: ضد يدك على رأسك، فإني قرأت على علقمة والأسود، فلما بلغت هذه الآية قال: ضع يدك على رأسك، فإنا قرأنا على عبدالله، فلما بلغنا هذه الآية قال: ضعا أيديكما على رؤوسكما فإني قرأت على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلما بلغت هذه الآية قال لي: ضع يدك على رأسك فإن جبريل لما نزل بها إليّ قال لي: ضع يدك على رأسك فإنها شفاء من كل داء إلا السأم والسأم الموت» .
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: اسم الله الأعظم هو الله.
وأخرج ابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري أنه كان له مربد للتمر في بيته، فوجد المربد قد نقص، فلما كان الليل أبصره، فإذا بحس رجل فقال له: من أنت؟
قال: رجل من الجن، أردنا هذا البيت فأرملنا من الزاد فأصبنا من تمركم، ولا ينقصكم الله منه شيئاً، فقال له أبو أيوب الأنصاري: إن كنت صادقاً فناولني يدك فناوله يده، فإذا بشعر كذراع الكلب، فقال له أبو أيوب: ما أصبت من تمرنا فأنت في حل، ألا تُخبرني بأفضل ما تتعوّذ به الإِنس من الجن؟
قال: هذه الآية آخر سورة الحشر.
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ آخر سورة الحشر ثم مات من يومه وليلته كفر عنه كل خطيئة عملها» .
وأخرج ابن السني في عمل يوم وليلة وابن مردويه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً إذا أوى إلى فراشه أن يقرأ آخر سورة الحشر، وقال: «إن متَّ متَّ شهيداً» .
وأخرج أبو علي عبد الرحمن بن محمد النيسابوري في فوائده عن محمد بن الحنفية أن البراء بن عازب قال لعلي بن أبي طالب: سألتك بالله إلا ما خصصتني بأفضل ما خصك به رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما خصه به جبريل، مما بعث به إليه الرحمن، قال: يا براء إذا أردت أن تدعو الله باسمه الأعظم فاقرأ من أول الحديد عشر آيات وآخر سورة الحشر، ثم قل: يا من هو هكذا وليس شيء هكذا غيره أسألك أن تفعل بي كذا وكذا، فوالله يا براء لو دعوت عليّ لخسف بي.
وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تعوذ بالله من الشيطان ثلاث مرات ثم قرأ آخر سورة لحشر بعث الله إليه سبعين ألف ملك يطردون عنه شياطين الإِنس والجن إن كان ليلاً حتى يصبح، وإن كان نهاراً حتى يمسي» .
وأخرج ابن مردويه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله إلا أنه قال: «يتعوذ الشيطان عشر مرات» .
وأخرج أحمد والدارمي والترمذي وحسنه وابن الضريس والبيهقي في شعب الإِيمان عن معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يصبح عشر مرات أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قرأ الثلاث آيات من آخر سورة الحشر وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، وإن مات ذلك اليوم مات شهيداً، ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة» .
وأخرج ابن عدي وابن مردويه والخطيب والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ خواتيم الحشر في ليل أو نهار فمات في يومه أو ليلته فقد أوجب له الجنة» .
وأخرج ابن الضريس عن عتيبة قال: حدثنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من قرأ خواتيم الحشر حين يصبح أدرك ما فاته من ليلته وكان محفوظاً إلى أن يمسي، ومن قرأها حين يمسي أدرك ما فاته من يومه وكان محفوظاً إلى أن يصبح، وإن مات أوجب.
وأخرج الدارمي وابن الضريس عن الحسن قال: من قرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر إذا أصبح فمات من يومه ذلك طبع بطابع الشهداء، وإن قرأ إذا أمسى فمات من ليلته طبع بطابع الشهداء.
وأخرج الديلمي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسم الله الأعظم في ستة آيات من آخر سورة الحشر» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ قال: السر والعلانية، وفي قوله: ﴿ المؤمن ﴾ قال: المؤمن خلقه من أن يظلمهم وفي قوله: ﴿ المهيمن ﴾ قال: الشاهد.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ عالم الغيب ﴾ قال: ما يكون وما هو كائن وفي قوله: ﴿ القدوس ﴾ قال: تقدسه الملائكة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة في قوله: ﴿ القدوس ﴾ قال: المبارك ﴿ السلام المؤمن ﴾ قال: المؤمن من آمن به ﴿ المهيمن ﴾ الشهيد عليه ﴿ العزيز ﴾ في نقمته إذا انتقم ﴿ الجبار ﴾ جبر خلقه على ما يشاء المتكبر عن كل سوء.
وأخرج ابن المنذر عن زيد بن علي قال: إنما سمي نفسه ﴿ المؤمن ﴾ لأنه آمنهم من العذاب.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن محمد بن كعب قال: إنما تسمى ﴿ الجبار ﴾ أنه يجبر الخلق على ما أراده.
قوله تعالي: ﴿ الْمُؤْمِنُ ﴾ ذكره (١) (٢) والمؤمنِ العائذاتِ الطَّيرَ يَمْسَحُها ...
رُكْبانُ مكة بين الغيل والسَّند (٣) حلف بالله الذي آمن طير مكة فلا ينفر عن أن يمسحها الركبان، وهذا من الإيمان الذي هو ضد التخويف.
قال الكلبي: المؤمن الذي لا يخاف ظلمه (٤) وقال مقاتل: هو الذي يؤمن أولياءه (٥) القول الثاني: أن معنى المؤمن في صفته تعالى: المصدق (٦) (٧) قال ابن الأنباري: سمعت أحمد بن يحيى يقول: المؤمن عند العرب المصدق (٨) (٩) - فيسئلون عن ذلك فيصدقون نبيهم والأنبياء الماضين، فيصدقهم الله تعالى عند ذلك (١٠) ﴿ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ معناه: يصدق الله ويصدق المؤمنين (١١) قوله تعالى: ﴿ الْمُهَيْمِنُ ﴾ قال ابن عباس: الشاهد الذي لا يغيب عنه شيء، وهو قول قتادة، ومجاهد، قالوا: معناه الشهيد على عباده بأعمالهم (١٢) (١٣) وذهب كثير من المفسرين وأهل المعاني على أن المهيمن مؤيمن على الأصل من أمن يؤمن، فيكون بمعنى المؤمن (١٤) ﴿ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾ قال ابن الأنباري: المهيمن القائم على خلقه برزقه وأنشد: ألا إن خير الناس بعد نبيه ...
مهيمنه التاليه في العرف والنكر قال معناه: القائم على الناس بعده (١٥) (١٦) قوله تعالى: ﴿ الْجَبَّارُ ﴾ له معان في صفة الله تعالى، قال ابن عباس: هو العظيم، وجبروت الله عظمته (١٧) وانعم صباحًا أيها الجبر (١٨) أراد: أيها الملك.
والعرب تسمي الجوزاء الجبار، تشبيهًا لها بالملك، لأنها في صورة رجل على كرسي وعليه تاج، ويجوز أن يكون الجبار في صفة الله تعالى من جبر إذا أغنى الفقير، وأصلح الكسير.
قال الأزهري: وهو لعمري جابر (١٩) قد جبر الدين الإله فجبر (٢٠) قال اللحياني: يقال جبرت اليتيم والفقير أجْبُرُه جَبْرًا وجُبُورًا، فَجَبَرَ يجْبُرُ جُبُورًا، وانْجَبَرَ، واجْتَبَرَ بمعنى واحد (٢١) ويجوز أن يكون الجبار من جبره على كذا إذا أكرهه على ما أراد.
قال السدي: هو الذي يقهر الناس ويجبرهم على ما أراد (٢٢) (٢٣) (٢٤) وكان الشافعي -رحمه الله- يقول: جبره السلطان على كذا بغير ألف (٢٥) وجعل الفراء الجبار بهذا المعنى من أجبر، وهي اللغة المعروفة في الإكراه، فقال: لم أسمع فعالاً من أفعل إلا في حرفين، وهما جبار من أجبر، ودراك من أدرك (٢٦) قال القرظي: إنما سمي الجبار، لأنه جبر الخلق على ما أراد.
والخلق أرق شأنا من أن يعصوا ربهم طرفة عين إلا بما أراد (٢٧) (٢٨) وقال ابن الأنباري: الجبار في صفة الله: الذي لا ينال، ومنه قيل للنخلة التي فاتت يد المتناول: جبارة (٢٩) هذا الذي ذكرنا معاني الجبار في صفة الله تعالى، وللجبار معان في صفة الخلق: أحدهما: المسلط كقوله: ﴿ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ﴾ .
والثاني: القوي العظيم الجسم، كقوله: ﴿ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ ﴾ .
وقوله: ﴿ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا ﴾ .
والثالث: التكبر على عبادة الله، كقوله: ﴿ وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ﴾ .
والرابع: القتال كقوله: ﴿ بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ ﴾ ، ذكر ذلك ابن الأنباري (٣٠) قوله: ﴿ الْمُتَكَبِّرُ ﴾ قال ابن عباس: الذي تكبر بربوبيته فلا شيء مثله (٣١) وقال مقاتل: المتعظم عن كل سوء (٣٢) (٣٣) وقال أبو إسحاق: الذي تكبر عن ظلم عباده (٣٤) قال ابن الأنباري: المتكبر ذو الكبرياء، والكبرياء عند العرب: الملك، ومنه قوله: ﴿ وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ ﴾ (٣٥) وقال أهل المعاني: المتكبر في صفة الله تعالى معناه الكبرياء فإنه أجل من أن يتكلف كبرًا، والعرب تضع يفعل في موضع فعل، يقولون: تظلم بمعنى ظلم، ومنه قول الجعدي: وما يشعر الرُّمْحُ الأصم كُعوبُه ...
بثروة رهط الا ثلج المتظلمِ (٣٦) ويقولون لشتم الرجل إذا شتم، قال الشاعر: فقل لزهيرٍ إن شَتَمْتَ سَرَاتَنا ...
فلسنا بشَتَّامين للمُتَشَتِّم (٣٧) (١) في (ك): (ذكره).
(٢) وهو المروي عن ابن عباس، وابن جريج، وزيد بن علي.
انظر: "تنوير المقباس" 6/ 47، و"الكشف والبيان" 13/ 102 ب، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 343.
(٣) البيت للنابغة الذبياني.
انظر: "ديوانه" 25، و"الخزانة" 2/ 315، و"شرح المفصل" 3/ 11، ومعنى العائذات: التي عاذت بالحرم، والغيل، الشجر الملتف، ورواية "الديوان" (نسعد) بدل "السند"، و"الأسماء والصفات" للبيهقي 1/ 165 - 166.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 150، ذكر نحوه ولم ينسبه.
(٥) انظر: "تفسير مقاتل": 150 أ.
(٦) (ك): (المتصدق).
(٧) ذكره المفسرون عن الضحاك، وابن زيد.
وانظر: "جامع البيان" 28/ 36، و"الكشف والبيان" 13/ 102 ب، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 343.
(٨) في (ك): (المتصدق).
وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس" 3/ 407، و"اللسان" 1/ 108 (أمن).
(٩) في (ك): (فيقول).
(١٠) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 407، و"اللسان" 1/ 109 (أمن).
(١١) انظر: "اللسان" 1/ 109 (أمن).
(١٢) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 285، و"جامع البيان" 28/ 36، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 407، و"الكشف والبيان" 13/ 103 أ.
(١٣) انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 334 (همن)، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 407، و"زاد المسير" 8/ 226، و"روح المعاني" 6/ 152.
(١٤) انظر: تفسير "غريب القرآن " ص 11 - 12، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 150، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 407.
(١٥) انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 334، و"اللسان" 3/ 833 (همن)، و"التفسير الكبير" 29/ 293.
(١٦) انظر: "الكشف والبيان" 13/ 103 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 327.
(١٧) انظر: "الكشف والبيان" 13/ 103 أ، و"زاد المسير" 8/ 227، و"التفسير الكبير" 29/ 294.
(١٨) وصدره: أسْلَمْ براووُقٍ حُييتَ به والبيت لعمرو بن أحمر، وقد ورد منسوبًا في "الخصائص" 2/ 21، "المحتسب" 1/ 97، و"تهذيب اللغة" 11/ 59، و"اللسان" 1/ 395 (جبر).
(١٩) (ك): (على).
(٢٠) "ديوان العجاج" ص 15، وصدره: وعور الرحن من ولى العور و"الخصائص" 2/ 263، و"اللسان" 1/ 396 (جبر)، و"شرح الأشموني لألفية ابن مالك" 4/ 241.
(٢١) انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 60 (جبر).
(٢٢) انظر: " الكشف والبيان" 12/ 103 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 293.
(٢٣) انظر: "تفسير مقاتل" 150 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 327.
(٢٤) انظر: "اللسان" 1/ 396 (جبر).
(٢٥) انظر: " اللسان" 1/ 396، وقال ابن منظور.
وهو حجازي وفصيح.
(٢٦) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 293 - 294، و"البحر المحيط" 8/ 251.
(٢٧) انظر: "الكشف والبيان" 13/ 103 أ، و"الدر" 6/ 202.
(٢٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 151.
(٢٩) انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 58 (جبر)، و"اللسان" 1/ 395 (جبر)، و"التفسير الكبير" 29/ 294.
(٣٠) انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 51، و"اللسان" 1/ 395 (جبر)، وقد نسباه للحياني.
(٣١) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 294.
(٣٢) انظر: "تفسير مقاتل" 150 أ، ولفظه: (المتعظم على كل شيء).
(٣٣) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 285، و"جامع البيان" 28/ 37.
(٣٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 151.
(٣٥) من آية (78) من سورة يونس.
وانظر: "تهذيب اللغة"، و"اللسان" (كبر) عن ابن الأنباري.
(٣٦) "ديوان النابغة" ص 144، و"كتاب سيبويه في شرح شواهده" للأعلم 1/ 237، و"الأغاني" 4/ 139، و"السبع الطوال" ص 347، و"شروح سقط الزند" صس 592، و"اللسان" (ظلم).
(٣٧) والبيت لمعبد بن علقمة.
انظر: "الحماسة" لأبي تمام 1/ 362.
<div class="verse-tafsir"
﴿ القدوس ﴾ مشتق من التقديس، وهو التنزه عن صفات المخلوقين، وعن كل نقص وعيب، وصيغة فعول للمبالغة كالسبوح ﴿ السلام ﴾ في معناه قولان: أحدهما الذي سلَّم عباده من الجور، والآخر السليم من النقائص، وأصله مصدر بمعنى السلامة، وصف به مبالغة أو على حذف مضاف تقديره ذو السلام ﴿ المؤمن ﴾ فيه قولان: أحدهما أنه من الأمن الذي أمّن عباده، والآخر أنه من الإيمان أي المصدق لعباده في إيمانهم، أو في شهادتهم على الناس يوم القيامة، أو المصدق نفسه في أقواله ﴿ المهيمن ﴾ في معناه ثلاثة أقوال: الرقيب والشاهد والأمين، قال الزمخشري: أصله مؤيمن بالهمزة ثم أبدلت هاء ﴿ الجبار ﴾ في معناه قولان: أحدهما أنه من الإجبار بمعنى القهر، والآخر أنه من الجبر أن يجبر عباده برحمته، والأول أظهر ﴿ المتكبر ﴾ أي الذي له التكبر حقاً ﴿ البارىء ﴾ أي الخالق يقال: أبرأ الله الخلق أي خلقهم ولكن البارىء والفاطر يراد بهما الذي برأ الخلق واخترعه ﴿ المصور ﴾ أي خالق الصور ﴿ لَهُ الأسمآء الحسنى ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لله تسعة وتسعين إسماً من أحصاها دخل الجنة.
قال المؤلف: قرأت القرآن على الأستاذ الصالح أبي عبد الله بن الكماد فلما بلغت إلى آخر سورة الحشر قال لي: ضع يدك على رأسك.
فقالت له: ولم ذلك؟
قال: لأني قرأت على القاضي أبي علي بن أبي الأحوص فلما انتهيت إلى خاتمة الحشر قال لي: ضع يدك على رأسك، وأسند الحديث إلى عبد الله بن مسعود قال: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم فلما انتهيت إلى خاتمة الحشر قال لي: ضع يدك على رأسك.
قلت: ولم ذاك يا رسول الله فداك أبي وأمي؟
قال: أقرأني جبريل القرآن فلما انتهيت إلى خاتمة الحشر، قال لي: ضع يدك على رأسك يا محمد، قلت: ولم ذاك؟
قال: إن الله تبارك وتعالى افتتح القرآن فضرب فيه فلما انتهى إلى خاتمة سورة الحشر أمر الملائكة أن تضع أيديها على رؤوسها.
فقالت: يا ربنا ولم ذاك؟
قال: إنه شفاء من كل داء إلا السام، والسام الموت.
القراءات: ﴿ يخربون ﴾ بالتشديد: أبوعمرو.
والباقون: بالتخفيف من الإخراب ﴿ تكون ﴾ بالتاء الفوقانية ﴿ دولة ﴾ بالرفع على " كان " التامة: يزيد.
والآخرون: على التذكير والنصب ﴿ جدار ﴾ بالألف على التوحيد: ابن كثير وأبو عمرو.
والآخرون: بضمتين من غير ألف.
﴿ إني أخاف ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
و ﴿ الباري ﴾ بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو طريق ابن عبدوس.
الوقوف ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الحشر ﴾ ط ﴿ الأبصار ﴾ ط ﴿ في الدنيا ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ه ﴿ ورسوله ﴾ ج بناء على أن الشرط من جملة المذكور ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ فانتهوا ﴾ ج لابتداء من بعد جزاء الشرط مع اتفاق النظم ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه لئلا يوهم أن قوله ﴿ للفقراء ﴾ يتعلق بـ ﴿ شديد ﴾ ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الصادقون ﴾ ه ج بناء على أن ما بعده مستأنف أو معطوف ويجيء وجه كل منهما في التفسير.
﴿ خصاصة ﴾ قف قيل: وقفة والأحسن الوصل لأن الاعتراض مؤكد لما قبله ﴿ المفلحون ﴾ ه لمثل المذكور ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ لا لأن ما بعده من تمام القول ﴿ لننصركم ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ معهم ﴾ ج ﴿ لا ينصرونهم ﴾ ط للعطف فيهما مع الابتداء بالقسم ﴿ لا ينصرون ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ جدر ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ج لتعلق الكاف بـ ﴿ لا يعقلون ﴾ أو بمحذوف أو مثلهم كمثل ﴿ أمرهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ أليم ﴾ ه ج لما قلنا ﴿ اكفر ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ لغد ﴾ ج لاعتراض خصوص بين العمومين أي لم يتق الله كل واحد منكم فلتنظر لغدها نفس واحد منكم ﴿ واتقوا الله ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ أنفسهم ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ الأولى ط ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ من خشية الله ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده خبر مبتدأ محذوف ﴿ والشهادة ﴾ ج لاحتمال كون الضمير بدلاً من عالم أو مبتدأ ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط لما قلنا ﴿ المتكبر ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه.
التفسير: قال المفسرون: صالح بنو النضر رسول الله على أن لا يكونوا عليه ولا له، فلما غلب الكفار يوم بدر قالوا: هوالنبي الذي نعته في التوراة لا ترد له رأيه، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبين إلى مكة فعاهدوا قريشاً عند الكعبة، فأمر النبي محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل كعباً غيلة وكان اخا كعب من الرضاعة ثم صبحهم بالكتائب وهو على حمار مخطوم بليف فقال لهم: اخرجوا من المدينة فقالوا: الموت أحب إلينا من ذاك.
فتنادوا بالحرب.
وقيل: استمهلوا رسول الله عشرة أيام ليتجهزوا للخروج فأرسل إليهم عبد الله بن أبيّ المنافق وأصحابه لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم ولا نخذلكم ولئن خرجتم لنخرجن معكم فدرّبوا على الأزقة وحصنوها، فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة.
فلما قذف الله الرعب في قلوبهم وأيسوا من نصرة المنافقين طلبوا الصلح فأبى عليهم إلا الجلاء على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤا من متاعهم، فذهبوا إلى اريحاء وأذرعات من الشأم إلا أهل بيتين منهم ابن أبي الحقيق وحُيَيّ بن أخطب فإنهم لحقوا بخيبر ولحقت طائفة بالحيرة.
واللام في قوله ﴿ لأول الحشر ﴾ بمعنى الوقت كقولك " جئت ليوم كذا ".
وهم أول من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام.
فمعنى الحشر إخراج الجميع من مكان، ومعنى الأولية أنه لم يصبهم قبل ذلك مثل هذا الذل لأنهم كانوا أهل منعة هذا قول ابن عباس والأكثرين.
وقيل: هذا أول حشرهم، وآخره حيث يحشر الناس للساعة إلى ناحية الشام كما جاء في الحديث " نار تخرج من المشرق وتسوق الناس إلى المغرب" قاله قتادة.
وقيل: آخر حشرهم إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام.
وقيل: معناه لأول ما حشر بقتالهم لأنه أول قتال قاتلهم رسول الله .
قال في الكشاف: الفرق بين النظم الذي جاء عليه وبين قول القائل " وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم " هو أن في تقديم الخبر على المبتدأ دليلاً على فرط وثوقهم بحصانتها، وفي نصب ضميرهم اسماً لأن إسناد الجملة إليه دليل على أنهم اعتقدوا عزة أنفسهم ومنعتها بحيث لا يمكن لأحد أن يتعرض لهم.
قلت: حاصل كلامه الحصر.
ومعنى إتيان الله إتيان أمره وهو النصر إن عاد إلى اليهود وهذا أظهر ليناسب قوله ﴿ في قلوبهم ﴾ ولاستعمال القرآن نظيره في مواضع أخر في معرض التهديد ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ﴾ ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك ﴾ ومعنى ﴿ لم يحتسبوا ﴾ أنه لم يخطر ببالهم قتل كعب غيلة على يد أخيه.
وقذف الرعب في قلوبهم وهذا من خواص نبينا كما مر في آل عمران ﴿ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب ﴾ وفي لفظ القذف زيادة تأكيد ولهذا قالوا في صفة الأسد " مقذف " فكأنما قذف باللحم قذفاً لاكتنازه وتداخل أجزائه.
قال الفراء ﴿ يخربون ﴾ بالتشديد يهدمون، وبالتخفيف يخرجون منها ويتركونها.
وكان أبو عمرو ويقول: الإخراب أن يترك الشيء خراباً، والتخريب الهدم، وبنو النضير خربوا وما أخربوا.
وزعم سيبويه أنهما يتعاقبان في بعض الأحكام نحو " فرحته " و " أفرحته " و " حسنة الله " و " أحسنه ".
قال المفسرون: إنهم لما أيقنوا بالجلاء حسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم فجعلوا يخربونها من داخل والمسلمون من خارج.
قلت: ويحتمل أن يكون بعض التخريب لسدّ أفواه الأزقة بالخشب والحجارة أو لنقل ما أرادوا حمله من جيد الخشب والساج.
وأما المؤمنون فداعيهم إلى ذلك إزالة تحصنهم أو أن يتسع لهم في الحرب مجال، ومعنى تخريبهم بأيدي المؤمنين أنهم كانوا السبب فيه وأنهم عرضوا المؤمنين لذلك.
ثم أمر أهل الابصار الباطنة بالاعتبار وهو العبور والمجاوزة من شيء إلى شيء، ومنه العبرة لأنها تنتقل من العين إلى الخد، والتعبير لأن صاحبه ينتقل من المتخيل إلى المعقول، والعبارة لأنها تنقل المعاني من لسان القائل إلى فهم المستمع، والسعيد من اعتبر بغيره لأنه ينتقل عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه، أو القائس يعبر عن المقيس عليه إلى المقيس.
ومعنى الاعتبار في الآية أنهم اعتمدوا على حصونهم وعدّتهم فأمر الله تعالى أرباب العقول بأن ينظروا في حالهم ولا يعتمدوا على شيء غير الله، أو المراد أن يعرف الإنسان عاقبة الكفر والغدر والطعن في النبوّة فإن أولئك اليهود وقعوا بشؤم الغدر والكفر في البلاء والجلاء.
واعترض بأن رب شخص وكفر وما عذب في الدنيا، ورب ممتحن مبتلى هو نبي أو ولي.
وأجيب بأن حاصل القياس والاعتبار يرجع إلى أن الغادر الكافر معذب أعم من أن يكون بالتخريب أو بالقتل أو في الدنيا أو في الآخرة والعكس لا يلزم.
وقيل: معنى الاعتبار أن رسول الله وعدهم أن يورثهم أرضهم وأموالهم بغير قتال فكان كما وقع فدل على صحة نبوّته.
والجلاء أن لم يبق لهم بالمدينة دار ولا فيها منهم ديار وهذا عندهم أشدّ من الموت فلهذا قال ﴿ ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ﴾ بالقتل ﴿ ولهم في الآخرة ﴾ بعدما عاينوا في الدنيا ﴿ عذاب النار ذلك ﴾ التخريب أو الجلاء أو العذاب بسبب مخالفتهم وعصيانهم الله ورسوله.
قالت الفقهاء: فيه دليل على أن تخصيص العلة المنصوصة لا يقدح في صحتها فليس أينما حصلت هذه المشاقة حصل التخريب.
يروى أنه حين أمر أن يقطع نخلهم ويحرق قالوا: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض فما بال قطع النخل وتحريقها؟
فكان في أنفس المؤمنين من ذلك شيء فأنزل الله تعالى ﴿ ما قطعتم ﴾ محله نصب و ﴿ من لينة ﴾ بيان له كأنه قيل: أي شيء قطعتم من لينة وهي النخلة من الألوان ما خلا العجوة والبرنية وهما أجود النخل.
وياؤها واو في الأصل كالديمة.
وقيل: هي النخلة الكريمة من اللين فتكون الياء أصلية، فبين الله أن ذلك جائز غيظاً لقلوب الكفرة.
واحتج الفقهاء بها على جواز هدم حصون الكفار وقلع أشجارهم.
وعن ابن مسعود: قطعوا منها ما كان موضعاً للقتال.
وروي أن رجلين كان يقطع أحدهما العجوة والآخر يترك فسألهما رسول الله فقال هذا: تركتها لرسول الله وقال هذا: قطعتها غيظاً للكفار.
وقد يستدل بهذا على جواز الاجتهاد ولو بحضرة النبي وعلى أن كل مجتهد مصيب.
قوله ﴿ وما أفاء الله ﴾ أدخل العاطف ههنا دون الأخرى لأن تلك بيان لهذه فهي غير أجنبية عنها والأولى معطوفة على ما قبلها.
ومعنى أفاء جعله فيئاً من فاء إذا رجع وذلك لرجوعه من ملك الكفار إلى ملك المسلمين.
والإيجاف من الوجيف وهو السير السريع.
وقوله ﴿ عليه ﴾ أي على ما أفاء.
والركاب ما يركب من الإبل واحدتها راحلة ولا واحد لها من لفظها، وقلما تطلق العرب الراكب إلا على راكب البعير، بين الله الفرق بين الغنيمة والفيء حين طلب الصحابة أن يقسم أموال أولئك اليهود بينهم اعترض بعضهم بأن أموال بني النضير أخذت بعد القتال لأنهم حوصروا أياماً وقاتلوا وقتلوا ثم صالحوا على الجلاء فوجب أن تكون تلك الأموال من الغنيمة لا من الفيء.
وأجاب المفسرون من وجهين: الأول أنها لم تنزل في بني النضير وإنما نزلت في فدك ولهذا كان رسول الله ينفق على نفسه وعلى عياله من غلة فدك ويجعل الباقي في السلاح والكراع.
الثاني تسليم أنها نزلت فيهم ولكن لم يكن للمسلمين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، ولم يقطعوا إليها مسافة كثيرة، وإنما كانوا على ميلين من المدينة فمشوا على أرجلهم ولم يركب إلا رسول الله وكان راكب جمل، فلما كان المعاملة قليلة ولم يكن خيل ولا ركاب أجراه الله مجرى ما لم يكن قتال ثمة.
ثم روي أنه قسمها بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهو أبو دجانة وسهل بن حنيف والحرث بن أبرهة قال الواحدي: كان الفيء مقسوماً في زمان رسول الله خمسة أسهم: أربعة منها لرسول الله خاصة وكذا خمس الباقي، والسهم الأربعة من هذا الباقي لذي القربى ولد بني هاشم والمطلب، واليتامى والمساكين وابن السبيل.
وأما بعد الرسول فللشافعي فيه قولان: أحدهما أنه للمجاهدين المترصدين للقتال في الثغور لأنهم قاموا مقام رسول الله في رباط الثغور.
والثاني أنه يصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثغور وحفر الأنهار وبناء القناطر الأهم فالأهم.
هذا في الأربعة الأخماس التي كانت له، وأما السهم الذي كان له من خمس الفيء فإنه لمصالح المسلمين بلا خلاف وقد مر سائر ما يتعلق بقسمة الغنائم في سورة الأنفال.
ثم بين الغرض من قسمة الفيء على الوجه المذكور فقال ﴿ كيلا يكون دولة ﴾ قال المبرد: هي اسم للشيء الذي يتداوله الناس بينهم يكون لهذا مرة ولهذا مرة كالغرفة اسم لما يغرف.
والدولة بالفتح انتقال حال سارة إلى قوم عن قوم.
قال جار الله: هي بالضم ما يدول للانسان أي يدور من الجد يقال دالت الدولة.
فعلى قول المبرد معناه كيلا يكون الفيء شيئاً يتداوله الأغنياء بينهم ويتعاورونه فلا يصيب الفقراء، وعلى قول جار الله: كيلا يكون الفيء الذي حقه أن يعطى الفقراء جداً بين الأغنياء يتكاثرون به، أو لكيلا يكون الفيء دولة جاهلية كان الرؤساء منهم يستأثرون بالغنائم لأنهم أهل الرياسة والجد والغلبة وكانوا يقولون من عز بر ومنه قول الحسن " اتخذوا عباد الله خولاً ومال الله دولاً " يريد من غلب منهم أخذه واستأثر به.
ومن قرأ على " كان " التامة فالمعنى كيلا يقع شيء متعاوراً بينهم غير مخرج إلى الفقراء، أو كيلا تقع دولة جاهلية أي ينقطع أثرها.
قوله ﴿ وما آتاكم ﴾ الآية.
قيل: يختص بأنه يقسم الغنائم وأن على المؤمنين أن يرضوا بما يعطيهم الرسول منها، والأولى عند المحققين العموم.
قوله ﴿ للفقراء ﴾ بدل من قوله ﴿ ولذي القربى ﴾ إلى آخر الأصناف الأربعة.
ولا يجوز أيضاً أن يكون ابتدال البدل من قوله ﴿ فلله ﴾ لأنه يخل بتعظيم قولهم ﴿ وللرسول ﴾ لأنه أخرجه عن الفقراء بقوله ﴿ وينصرون الله ورسوله ﴾ ولترفع منصبه عن التسمية بالفقير.
ولئن صح أنه قال " "الفقر فخري" فذاك معنى آخر وهو غنى القلب وانقطاع التعلق عما سوى الله وجعل الهموم هماً واحداً وهو الافتقار بالكلية إلى الله.
إستدل بعض العلماء بقوله ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ على إمامة أبي بكر لأن هؤلاء المهاجرين كانوا يقولون له يا خليفة رسول الله .
فلو لم تكن خلافته حقه لزم كذبهم وهو خلاف الآية.
وقال في الكشاف: أراد صدقهم في إيمانهم وجهادهم.
قوله ﴿ والذين تبوّؤا الدار ﴾ معطوف على المهاجرين وكذا قوله ﴿ والذين جاءوا ﴾ وذلك عند من يجعل الغنائم حلاً للمهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان أو التابعين لهم إلى يوم القيامة وعلى هذا يكون قوله ﴿ يحبون ﴾ و ﴿ يقولون ﴾ حالين أي الغنائم لهم محببن قائلين.
ومن جعل المراد بيان غنائم بني النضير وقف على ﴿ هم الصادقون ﴾ و ﴿ المفلحون ﴾ وجعل الفعلين خبرين.
وعلى هذا يكون الآيتان ثناء على الأنصار على الإيثار، وللتابعين على الدعاء.
قال مقاتل: أثنى على الأنصار حين طالبت أنفسهم عن الفيء إذ جعل للمهاجرين دونهم.
وههنا سؤالان أحدهما: أنه لا يقال تبوؤا الإيمان.
الثاني بتقدير التسليم أن الأنصار ما تبوؤا الإيمان قبل المهاجرين.
والجواب من الأول أن المراد تبوؤا الدار وأخلصوا الإيمان كقوله: "علفتها تبناً وماء بارداً" *** أو هو مجاز من تمكنهم واستقامتهم على الإيمان كأنهم جعلوه مستقراً لهم كالمدينة أو هو مجاز بالنقصان.
والمعنى تبوّؤا دار الهجرة ودار الإيمان فأقام لام التعريف في الدار مقام المضاف إليه وحذف المضاف من الثاني، أو سمى المدينة بالإيمان لأنها مكان ظهور الإيمان وهذا يؤل بالحقيقة إلى الوجه الذي تقدمه.
وعن الثاني أن المراد من قبل هجرتهم أو هو من تمام تبوء الدار، ولا شك أن الأنصار سبقوهم في ذلك وإن لم يسبقوهم في الإيمان ﴿ ولا يجدون في صدورهم حاجة ﴾ أي حسداً وغيظاً مما أوتى المهاجرون من الفيء وغيره.
وإطلاق لفظ الحاجة على الحسد والغيظ والحزازة من إطلاق اسم اللازم على الملزوم لأن هذه الأشياء لا تنفك عن الحاجة.
وقال جار الله: المحتاج إليه يسمى حاجة يعني أن نفوسهم لم تتبع ما أعطوا ولم تطح إلى شيء منه يحتاج إليه ﴿ ولو كان بهم خصاصة ﴾ أي خلة فهي من خصاص البيت أي فرجه، وكل خرق في منخل أو باب أو سحاب أو برقع فهي خصاص الواحد خصاصة.
وفعول ﴿ يؤثرون ﴾ محذوف أي يؤثرونهم ويخصونهم بأموالهم ومنازلهم على أنفسهم.
عن ابن عباس أن النبي قال للأنصار: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من دوركم وأموالكم وقسمت لكم من الفيء كما قسمت لهم، وإن شئتم كان لهم القسم ولكم دياركم وأموالكم.
فقالوا: لا بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا نؤثرهم بالقسمة ولا نشاركهم فيها فنزلت.
والشح المنع الذاتي الذي تقتضيه الحالة النفسانية ولهذا أضيف إلى النفس، والبخل المنع المطلق من غير اعتبار صيرورته غريزة وملكة.
قال ابن زيد: من لم يأخذ شيئاً نهاه الله عن أخذه ولم يمنع شيئاً أمره الله بإعطائه فقد وقي شح نفسه.
وذكر المفسرون أنواعاً من إيثار الأنصار الضيف بالطعام وتعللهم عنه حتى شبع الضيف.
والظاهر أنها نزلت في الفيء كما مر ويدخل فيه غيره.
قوله ﴿ والذين جاءوا من بعدهم ﴾ أي هاجروا بعد المهاجرين الأوّلين.
وقيل: هم التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، فتشمل الآيات الثلاث جميع المؤمنين.
ثم عجب من أحوال أهل النفاق من أهل المدينة كعبد الله بن أبيّ وعبد الله بن نفيل ورفاعة بن زيد، كانوا في الظاهر من الأنصار ولكنهم يوالون اليهود في السر فصاروا إخوانهم في الكفر وقالوا له ملا نطيع في قتالكم أو خذلانكم أحداً.
ثم شهد إجمالاً عليهم بأنهم كاذبون، ثم فصل ذلك قائلاً ﴿ لئن أخرجوا ﴾ إلى قوله ﴿ ولئن نصروهم ﴾ وهذا على سبيل الفرض لأنه كما يعلم ما يكون فهو يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون.
والمعنى لو فرض نصر المنافقين اليهود ليهزمن المنافقون ﴿ ثم لا ينصرون ﴾ بعد ذلك أي لا يمنعهم من عذاب الله مانع لظهور كفرهم.
وقيل: ليهزمن اليهود ثم لا تنفعهم نصرة المنافقين.
وعلى هذا يكون " ثم " لترتيب الأخبار كقوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ ثم بيّن الحكمة في الغزو فقال ﴿ لأنتم أشد رهبة ﴾ قال في الكشاف: أي مرهوبية هي مصدر رهب المبني للمفعول.
وقوله ﴿ في صدورهم ﴾ دلالة على نفاقهم يعني أنهم يظهرون لكم في العلانية خوف الله خوفاً شديداً ورهبتهم في السر منكم أشد من ذلك لأنهم لا يفقهون عظمة الله فلا يخشونه حق خشيته.
وجوز أن يكون المراد أن اليهود يخافونكم في صدورهم أشد من خوفهم من الله وكانوا يتشجعون للمسلمين مع إضمار الخيفة في صدورهم.
قلت: الأظهر أن المراد أنتم فيه أكثر مكانة من مواعظ الله أو لثمرة جهادكم معهم أوفر من ثمرة ترهبهم بعقاب الله ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ من سر التكاليف وتبعة الكفر والنفاق في الآخرة فلا يرتدعون إلا خوفاً من العقوبة العاجلة.
ومن هذا أخذ عمر فقال: ما ينزع السلطان أي يمنع أكثر مما ينزع القرآن.
وقال الشاعر: السيف أصدق إنباء من الكتب *** وقيل: العبد لا يردعه إلا العصا.
ثم شجع المسلمين بقوله ﴿ لا يقاتلونكم ﴾ أي لا يقدرون على قتالكم مجتمعين ﴿ إلا في قرى محصنة ﴾ غاية التحصين ﴿ أو من وراء جدر ﴾ لا مبارزين مكشوفين في الأراضي المستوية ﴿ بأسهم بينهم شديد ﴾ لا بينكم لأنكم منصورون بنصرة الله مؤيدون بتأييده، أو لأنهم يحسبون في أنفسهم وفيما بينهم أموراً يعلم الله أنها لا تقع في الخارج على وفق حسبانهم وعن ابن عباس: معناه بعضهم لبعض عدوّ يؤيده قوله ﴿ تحسبهم جميعاً ﴾ مجتمعين ذوي تآلف ومحبة ﴿ وقلوبهم شتى ﴾ متفرقة وهو فعلى من الشت.
وإنما قال ههنا ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ﴾ وفي الأوّل ﴿ لا يفقهون ﴾ لأن الفقه معرفة ظاهر الشيء وغامضه فنفي عنهم ذلك كما قلنا، وأراد ههنا أنهم لو عقلوا لاجتمعوا على الحق ولم يتفرقوا فتشتتهم دليل عدم عقلهم لأن العقل يحكم بأن الاجتماع معين على المطلوب والتفرق يوهن القوى ولا سيما إذا كانوا مبطلين.
ثم شبه حالهم بحال من قتلوا قبلهم ببدر في زمان قريب.
قال جار الله: انتصب ﴿ قريباً ﴾ بمحذوف أي كوجود مثل أهل بدر قريباً.
قلت: لا يبعد أن يتعلق بصلة الذين.
ثم ضرب مثلاً آخر لإغراء المنافقين اليهود على القتال ووعدهم إياهم النصر، والمراد إما عموم دعوة الشيطان للإنسان إلى الكفر وإما خصوص إغراء إبليس قريشاً يوم بدر كما مر في الأنفال في قوله ﴿ وإذ زين لهم الشيطان ﴾ إلى قوله ﴿ إني برىء منكم ﴾ قال مقاتل: وكان عاقبة اليهود والمنافقين مثل عاقبة الشيطان والإنسان حتى صار إلى النار.
قال جار الله: كرر الأمر بالتقوى تأكيداً أو لأن الأول في أداء الواجبات لأنه قرن بما هو عمل والثاني في ترك المعاصي لأنه قرن بما يجري مجرى الوعيد.
وسمى القيامة بالغد تقريباً لمجيئها.
عن الحسن: لم يزل بقربه حتى جعله كالغد.
وقيل: جعل مجموع زمان الدنيا كنهار عند الآخرة.
قال أهل المعاني: تنكير ﴿ نفس ﴾ للتقليل كما مر في الوقوف وتنكير ﴿ غد ﴾ للتعظيم والتهويل.
قال مقاتل: ونسوا حق الله فأنساهم حق أنفسهم حتى لم يشعروا لها بما ينفعها، أو فأراهم يوم القيامة من الأحوال ما نسوا فيه أنفسهم.
قلت: يجوز أن يراد نسوا ذكر الله فأورثهم القسوة وفساد الاستعداد بالكلية.
وحين نهى المؤمنين عن كونهم مثل الناسين الغافلين ذكرهم بأنه لا استواء بين الفريقين ففيه شبه قرع العصا كأنهم غفلوا عن هذا الواضح البين كما تقول لمن يعصي أباه " هو أبوك ".
استدل أصحاب الشافعي بالآية على أن المسلم لا يقتل بالذمي وإلا استويا، وأن الكافر لا يملك مال المسلم بالقهر وإلا استويا.
واحتج بعض المعتزلة بها على أن صاحب الكبيرة لو دخل الجنة وهو من أهل النار لزم خلاف الآية.
والجواب ظاهر لأنه على تقدير إمكان العفو لا يحكم أنه من أهل النار.
ثم عظم أمر القرآن الذي يعلم منه هذا البيان.
قال الكشاف: هو مثل وتخييل بدليل قوله ﴿ وتلك الأمثال ﴾ يعني هذا وغيره من أمثال التنزيل.
وقال غيره: المعنى إشارة إلى قوله ﴿ كمثل الذين ﴾ ﴿ كمثل الشيطان ﴾ ولما وصف القرآن بما وصف عظم شأنه بوجه آخر وهو التنبيه على أوصاف منزله، وقد سبق شرح أكثر هذه الأسماء في هذا الكتاب ولا سيما في البسملة.
والقدّوس مبالغة القدس وهو التبليغ في الطهارة والبراءة عما يشين هذا بالنسبة إلى زمان الماضي والحال.
والسلام إشارة إلى كونه سالماً عن الآفات والعاهات والنقائص في زمان الاستقبال، ويجوز أن يراد أنه المعطي للسلامة.
المؤمن الواهب الأمن والمصدق لأنبيائه بالمعجزات.
وقد مر معنى المهيمن وأصل اشتقاقه في المائدة في قوله ﴿ ومهيمناً عليه ﴾ وأن معناه الرقيب الحافظ لكل شيء.
ولمكان تعداد هذه الأوصاف كرر قوله ﴿ يسبح له ﴾ إلى آخر السورة.
فمن عزته كان منزهاً عن النقائص أهلاً للتسبيح، ومن حكمته أمر المكلفين في السموات والأرضين بأن يسبحوا له ليربحوا لا ليربح هو عليهم وهو تعالى أعلم بمراده وبالله التوفيق للخير وإليه المآب.
قوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .
فمن الناس من يقول: إن قوله: ﴿ هُوَ ﴾ من أرفع أسماء الله - - وذكر عن بعض أهل بيت رسول الله أنه كان يدعو بقوله: يا هو، يا من لا إله إلا هو، تأويل هذا الكلام: أن كل شيء بهويته كان.
وقوله: ﴿ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ ، قيل فيه بوجوه ثلاثة: أحدها: أنه عالم بما غاب عن الخلق وبما شهدوا.
والثاني: بما قد كان وبما يكون.
والثالث: أنه عليم بما قد كان ويعلمه أن كيف يكون إذا كان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ فهما اسمان مشتقان من الرحمة، وفي هذه الآية بيان وجوه أربعة: أحدها: فيها بيان التوحيد، وهو قوله: ﴿ هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ اسم المعبود: أن كل معبود دونه باطل.
والثاني: أن فيها تنبيهاً وتحذيراً بأن يتذكر الإنسان في جميع أحواله اطلاع الله - - عليه، وعلمه فيه، وذلك في قوله: ﴿ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ .
والثالث: فيها ترغيب في رحمته وإخبار لهم: أن كل نعمة لهم في الدنيا والآخرة من الله ؛ إذ هو عز وجل -: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .
والرابع: ما ذكرنا في قوله: ﴿ هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ...
﴾ الآية: ﴿ ٱلْمَلِكُ ﴾ من الملك، أي: ملك كل شيء له، ليس لأحد سواه حقيقة الملك، ﴿ ٱلْقُدُّوسُ ﴾ قيل فيه بوجهين: قال بعضهم: القدوس هو المبارك، والبركة اسم كل خير، أي: منه ميع الخيرات، لكن لا يجوز أن يقال لله - -: يا مبارك، وإن كان المعنى منه يؤدي إلى أن يأتي منه كل خير؛ لأنه لا يعرف في أسمائه هذا بالنقل، وعلينا أن نسكت عن تسميته بما لم يسم نفسه بذلك؛ لذلك قلنا بأنه لا يجوز التسمي بالمبارك، والله الموفق.
والثاني: القدوس هو الطاهر، يعني: هو مقدس عما قالت الملاحدة والكفرة فيه من الولد والشريك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلسَّلاَمُ ﴾ .
اختلف في تأويله منهم من قال: سمى نفسه: سلاماً؛ لما هو سالم عن الآفات، وغيره من المخلوقين لا يسلمون من حلول الآفات بهم.
وقال آخرون: سمى نفسه: سلاماً؛ لما سلم المؤمنون من عذابه.
والتأويل الأول أقرب.
وقوله: ﴿ ٱلْمُؤْمِنُ ﴾ .
اختلف الناس في تأويله: قال قائلون: والأمان: أن يؤمن المؤمنين من العذاب، ولا يمكن لأحد أن يؤمن أحداً من عذابه.
وقال قائلون: أصله من الإيمان: وهو التصديق، ثم ذلك يتوجه إلى وجهين: أحدهما: أي: مصدق القول بما وعد للمؤمنين الجنة.
والثاني: المؤمن هو المصدق لما قال المؤمنون المصدقون من تصديقهم، فيصدقهم بما قالوا.
ومن الناس من قال: سمى نفسه بما أخبر أن هذا القرآن لما بين يديه مصدق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْمُهَيْمِنُ ﴾ اختلف فيه - أيضاً -: قال قائلون: المهيمن هو الأمين.
وقال قائلون: المهيمن هو المسلط.
وقال قائلون: المهيمن هو الشاهد.
فمن قال بالأول فإنه يذهب إلى أن أصل ذلك من المؤتمن، وهو من الأمانة، وإلى هذا التأويل يذهب القتبي، أي: أمين في كل ما يقول، وفي كل ما يفعل لا يجور.
ومن قال بأنه هو المسلط، أصله من: هيمن يهيمن، أي: سلط يسلط، سئل عن تأويل المسلط؛ فقال: هو كالظاهر؛ إذ قهر العباد كلهم، وهم ملك له.
ومن فسره بالشاهد فإنه يحتمل تأويلين: أحدهما: أي: شاهد على أفعال العباد من حيث لا يغيب عنه شيء.
والثاني: أي: شاهد بما أنزل على رسوله بالصدق، وهو كقوله - -: ﴿ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ﴾ ، أي: شاهداً عليه.
وقوله: ﴿ ٱلْعَزِيزُ ﴾ .
أي: ما من عزيز دونه إلا وهو ذليل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْجَبَّارُ ﴾ ، قيل فيه بوجهين: أحدهما: سمى نفسه: الجبار؛ لأنه هو المجبر لكل كبير.
فقال قائلون: سمى نفسه: [الجبار]؛ لجبروته وعظمته، ولا يجوز لأحد أن يسمى بذل الاسم إلا هو أي: الله وتجبر عن أن يكون له أمثال وأشكال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْمُتَكَبِّرُ ﴾ .
من الكبرياء والعظمة، هذا الاسم لا يليق بغيره؛ لأن الخلق بعضهم لبعض أكفاء في الخلقة؛ فلا فضل لأحد على آخر، فلما استووا لم يجز لأحد على آخر التكبر؛ فصار الحق في ذلك لله ، والتكبر على الآخر هو الارتفاع، والأصل فيه واحد، وهو ألا يرى لنفسه شكلا، والله أعلم.
إنما سمى نفسه: متكبراً؛ إذ هو المتكبر لذاته لم يكن تكبره بغيره؛ فلذلك قلنا: إنه لا يستحق أحد من الخلائق التكبر إلا الله - - إذ لم يكن أحد [له] شكلا ولا ضدا ولا ندّاً، وأما غيره من الخلائق فكل واحد منهم بالذي له شكل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .
فيه تنزيه لله - - عما قالت الملاحدة فيه، فهذا اسم سمى به نفسه، وأمر الملائكة والأنبياء والمؤمنين أن يقولوا ذلك، ومعنى قوله: ﴿ سُبْحَانَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: معاذ الله أن يكون ذلك على ما قالت الكفرة، وسمى نفسه: جباراً؛ لما أنه يجبر الأشياء فيجعلها على ما يشاء، وهو كقوله: ﴿ يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ ﴾ على ما يريد هو الأشياء، لا على ما يريده غيره.
قال [الشيخ] - رحمه الله -: إن الله - - يتعالى بمعان أربعة: أحدها: تعاليه عن الظلم والجور وجميع ما لا يليق.
والثاني: تعاليه على الأشياء كلها بقهره لها وتصريفه إياها على ما شاء، أي: ليس أحد يقهره، بل هو يقهر الخلائق.
والثالث: تعاليه عن أن تمسه الحاجة والآفة وكل من هو ونه لا يخلو عن ذلك.
والرابع: تعاليه عما قال الظالمون فيه من الولد والأضداد والأشكال والأنداد، وتعاليه عن جميع الآفات التي تصيب الخلق، و الله المستعان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ ٱلْمُصَوِّرُ ﴾ .
فالخالق والبارئ واحد، ويقل: برأ، أي: خلق، والبرية هي الخلق، ويقال: سميت البرية: برية؛ لأنه خلق من التراب إذ البري من التراب.
وقوله: ﴿ ٱلْمُصَوِّرُ ﴾ ، والمصور هو الذي يعطي كل شيء صورته، فيصوره على ما هو، فالتصوير هو بيان الحدود، وهو قول الناس: صورت الأمر عند فلان؛ أي: حددته.
وقوله: ﴿ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ .
أي: الأمثال العلا، وهي الصفات؛ إذ الصفة ترجع إلى وجهين: إلى الصفة مرة، وإلى التشبيه مرة أخرى، فإذا رجع إلى الصفة فإنه يرجع إلى حقيقة ذلك، وإن رجع إلى التشبيه فإنه لا يرجع إلى حقيقة ذلك.
ثم قوله: ﴿ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ ، أي: الصفات العلا، أي: لا يسمى بذلك إلا هو؛ إذ لا يقال لغيره: الرب، ولا الرحمن، ولا المالك إلا أن يضاف ذلك إلى شيء، فأما على الإطلاق فلا يطلق ذلك إلا له جل وعلا.
ويحتمل وجهاً آخر: أي: لا شبيه له في أسمائه وألا يشركه أحد في تلك الأسماء؛ بل هي [له] خاصة، والله المستعان.
هو الله الخالق الَّذي خلق كل شيء، الموجد للأشياء، المصور لمخلوقاته وفق ما يريد، له سبحانه الأسماء الحسنى المشتملة على صفاته العلا، ينزهه ما في السماوات وما في الأرض عن كل نقص، العزيز الَّذي لا يغلبه أحد، الحكيم في خلقه وشرعه وقدره.
من فوائد الآيات من علامات توفيق الله للمؤمن أنَّه يحاسب نفسه في الدنيا قبل حسابها يوم القيامة.
في تذكير العباد بشدة أثر القرآن على الجبل العظيم؛ تنبيه على أنهم أحق بهذا التأثر لما فيهم من الضعف.
أشارت الأسماء (الخالق، البارئ، المصور) إلى مراحل تكوين المخلوق من التقدير له، ثم إيجاده، ثم جعل له صورة خاصة به، وبذكر أحدها مفردًا فإنه يدل على البقية.