تفسير الآية ٤ من سورة الحشر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 59 الحشر > الآية ٤ من سورة الحشر

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۖ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 23 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٤ من سورة الحشر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٤ من سورة الحشر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ) أي : إنما فعل الله بهم ذلك وسلط عليهم رسوله وعباده المؤمنين ; لأنهم خالفوا الله ورسوله ، وكذبوا بما أنزل الله على رسله المتقدمين في البشارة بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وهم يعرفون ذلك كما يعرفون أبناءهم ، ثم قال : ( ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) يقول تعالى ذكره: هذا الذي فعل الله بهؤلاء اليهود ما فعل بهم من إخراجهم من ديارهم، وقذف الرعب في قلوبهم من المؤمنين، وجعل لهم في الآخرة عذاب النار بما فعلوا هم في الدنيا من مخالفتهم الله ورسوله في أمره ونهيه، وعصيانهم ربهم فيما أمرهم به من اتباع محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.( وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) يقول تعالى ذكره: ومن يخالف الله في أمره ونهيه، فإن الله شديد العقاب.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ذلك ؛ أي ذلك الجلاء .بأنهم شاقوا الله أي عادوه وخالفوا أمره .ومن يشاق الله قرأ طلحة بن مصرف ومحمد بن السميقع " ومن يشاقق الله " بإظهار التضعيف كالتي في " الأنفال " ، وأدغم الباقون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وذلك لأنهم { شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ } وعادوهما وحاربوهما، وسعوا في معصيتهما.وهذه عادته وسنته فيمن شاقه { وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ذلك ) الذي لحقهم ( بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ذلك بأنهم شاقوا» خالفوا «الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب» له.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ذلك- الذي أصاب اليهود في الدنيا وما ينتظرهم في الآخرة- لأنهم خالفوا أمر الله وأمر رسوله أشدَّ المخالفة، وحاربوهما وسعَوا في معصيتهما، ومن يخالف الله ورسوله فإن الله شديد العقاب له.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

واسم الإشارة فى قوله - تعالى - ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ الله وَرَسُولَهُ ) يعود إلى ما نزل وسينزل بهم من عذاب .وقوله - تعالى - : ( شَآقُّواْ ) من المشاقة بمعنى المعاداة والمخاصمة ، حتى لكأن كل واحد من المتخاصمين فى شق ومكان يخالف شق صاحبه ومكانه .أى : ذلك الذى حل بهم فى الدنيا من عقاب ، والذى سيحل بهم فى الآخرة من عذاب ، سببه أن هؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب ، عادوا الله - تعالى - وخالفوا دعوة رسوله - صلى الله عليه وسلم - .( وَمَن يُشَآقِّ الله ) بأن يخالف ما أمر به ، أو نهى عنه .

يعذبه الله - تعالى - ويخذله ، فإنه - سبحانه - شديد العقاب .وجملة ( فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب ) قائمة مقام جواب الشرط ، أى : ومن يخالف أمر الله - تعالى - عذبه ، فإنه - سبحانه - شديد العقاب ، لمن أعرض عن طاعته وذكره .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أما قوله تعالى: ﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ شَاقُّواْ الله وَرَسُولَهُ ﴾ فهو يقتضي أن علة ذلك التخريب هو مشاقة الله ورسوله، فإن قيل: لو كانت المشاقة علة لهذا التخريب لوجب أن يقال: أينما حصلت هذه المشاقة حصل التخريب، ومعلوم أنه ليس كذلك، قلنا: هذا أحد ما يدل على أن تخصيص العلة المنصوصة لا يقدح في صحتها.

ثم قال: ﴿ وَمَن يُشَاقِّ الله فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب ﴾ والمقصود منه الزجر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

يعني: أنّ الله قد عزم على تطهير أرض المدينة منهم وإراحة المسلمين من جوارهم وتوريثهم أموالهم، فلولا أنه كتب عليهم الجلاء واقتضته حكمته ودعاه إلى اختياره أنه أشق عليهم من الموت ﴿ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدنيا ﴾ بالقتل كما فعل بإخوانهم بني قريظة ﴿ وَلَهُمْ ﴾ سواء أجلوا أو قتلوا ﴿ عَذَابَ النار ﴾ يعني: إن نجوا من عذاب الدنيا لم ينجوا من عذاب الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ ﴾ الخُرُوجَ مِن أوْطانِهِمْ.

﴿ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا ﴾ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ كَما فَعَلَ بِبَنِي قُرَيْظَةَ.

﴿ وَلَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَعْناهُ أنَّهم إنْ نَجَوْا مِن عَذابِ الدُّنْيا لَمْ يَنْجُوا مِن عَذابِ الآخِرَةِ.

﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ومَن يُشاقِّ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ الإشارَةُ إلى ما ذَكَرَ مِمّا حاقَ بِهِمْ وما كانُوا بِصَدَدِهِ وما هو مُعَدٌّ لَهم أوْ إلى الأخِيرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ} أي إنما أصابهم ذلك بسبب أنهم {شَاقُّواْ الله} خالفوه {وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقّ الله} ورسوله {فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ذَلِكَ ﴾ أيْ ما نَزَلَ بِهِمْ وما سَيَنْزِلُ ﴿ بِأنَّهُمْ ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿ شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ وفَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ القَبائِحِ ﴿ ومَن يُشاقِّ اللَّهَ ﴾ وقَرَأ طَلْحَةُ يُشاقِقْ بِالفَكِّ كَما في الأنْفالِ، والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ مُشاقَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ لِتَضَمُّنِها مُشاقَّتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفِيهِ مِن تَهْوِيلِ أمْرِها ما فِيهِ، ولِيُوافِقَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ إمّا نَفْسُ الجَزاءِ، وقَدْ حُذِفَ مِنهُ العائِدُ إلى مَن عِنْدَ مَن يَلْتَزِمُهُ أيْ شَدِيدُ العِقابِ لَهُ أوْ تَعْلِيلٌ لِلْجَزاءِ المَحْذُوفِ أيْ يُعاقِبُهُ اللَّهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ، وأيًّا ما كانَ فالشَّرْطِيَّةُ تَكْمِلَةٌ لِما قَبْلَها وتَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِهِ وتَحْقِيقٌ لِلسَّبَبِيَّةِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ الَّذِي نَزَلَ وسَيَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العِقابِ بِسَبَبِ مُشاقَّتِهِمْ لِلَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكُلُّ مَن يُشاقِّ اللَّهَ تَعالى كائِنًا مَن كانَ فَلَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ عِقابٌ شَدِيدٌ فَإذا لَهم عِقابٌ شَدِيدٌ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي أربع وعشرون آية مدنية قوله تبارك وتعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ، يعني: صلى لله، ويقال: خضع لله، ويقال: هو التسبيح بعينه مَا فِي السَّماواتِ من الملائكة.

وَما فِي الْأَرْضِ يعني: من الخلق.

وَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه، الْحَكِيمُ في أمره.

ثم قال عز وجل: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: يهود بني النضير.

مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ.

وكان بدأ أمر بني النضير، أن النبيّ  بعث ثلاثة بعوث، أحد البعوث مرشد بن أبي مرشد الغنوي، وأمره على سبعة نفر إلى بعض النواحي، فساروا حتى جاءوا بطن الرجيع، فنزلوا عند شجرة، فأكلوا من تمر عجوة كانت معهم، فسقطت نوايات بالأرض، وكانوا يسيرون بالليل ويكمنون بالنهار، فكمنوا بالجبل.

فجاءت امرأة من هذيل ترعى الغنم، فرأت النوايات التي سقطت في الأرض، فأنكرت صفرهن فعرفت أنها تمر المدينة، فصاحت في قومها: أنتم أتيتم.

فجاؤوا يطلبونها، فوجدوهم قد كمنوا في الجبل، فقالوا لهم: انزلوا ولكم الأمان.

فقالوا: لا نعطي بأيدينا.

فقاتلوهم، فقتلوا كلهم إلا عبد الله بن طارق، فجرحوه وحسبوا أنه قد مات، فتركوه فنجا من بينهم.

وبقي أخوهم عاصم بن ثابت بن الأفلح، ففرغ جعبته ثم جعل يرميهم ويرتجز، ويقاتلهم حتى فنيت سبله ثم طاعن بالرمح حتى انكسر الرمح وبقي السيف.

ثم قال: اللهم إني قد حميت دينك أول النهار، فاحم جسدي في آخره.

وكانوا يجردون من قتل أصحابه، فلما قتلوا عاصماً، حمته الدبر وهي الذنابير، حتى جاء السيل من الليل، فذهب به الدبر.

وأسروا خبيب بن عدي ورجل آخر اسمه زيد بن الديشة، فأما خبيب فذهبوا به إلى مكة، فاشترته امرأة ومعها أناس من قريش- قتل لهم قتيل يوم بدر- فلما جيء بخبيب أتي به في الشهر الحرام، فحبس حتى انسلخ الشهر الحرام ثم خرجوا به من الحرم ليصلبوه، فقال لهم: اتركوني أصلي ركعتين، فصلاهما.

ثم قال: لولا خشيت أن يقولوا جزع من الموت، لازددت.

فقال: اللهم ليس هاهنا أحد أن يبلغ عني رسولك السلام، فبلغ أنت عني السلام.

ثم التفت إلى وجوههم، وقال: اللهم أحصهم عدداً وأهلكهم بدناً يعني: متفرقين، ولا تبقي منهم أحداً.

ثم صلبوه.

وأما صاحبه، الذي أسر معه، اشتراه صفوان بن أمية.

وأما البعث الثاني، فإنه بعث محمد بن سلمة مع أصحابه، فقتل أصحابه عن نحو طريق العراق، وارتث هو من وسط القتلى فنجا.

وأما البعث الثالث، فإن عمرو بن مالك كتب إلى رسول الله  : أن ابعث إليَّ رجالاً يعلموننا القرآن، ويفقهوننا في الدين، فهم في ذمتي وجواري.

فبعث النبيّ  المنذر بن عمرو الساعدي في أربعة عشر من المهاجرين والأنصار، فساروا نحو بئر معونة.

فلما ساروا ليلة من المدينة، بلغهم أن عمرو بن مالك مات، فكتب المنذر بن عمرو إلى رسول الله  يستمده، فأمده  بأربعة نفر منهم عمرو بن أمية الضمري، والحارث بن الصمة، وسعد بن أبي وقاص، ورجل آخر فساروا حتى بلغوا بئر معونة، وكتبوا إلى ربيعة بن عامر بن مالك: نحن في ذمتك وذمة أبيك، أفنقدم إليك أم لا؟

فقال: أنتم في ذمتي وجواري فأقدموا.

فخرج إليهم عامر بن الطفيل، واستعان برعل وذكوان وعصية فخرجوا إلى المسلمين.

فقاتلوهم، فقتلوا كلهم إلا عمرو بن أمية الضمري، والحارث بن الصمة، وسعد بن أبي وقاص، كانوا تخلفوا.

فنزلوا تحت شجرة إذ وقع على الشجرة طير، فرمى عليهم بعلقة دم، فعرفوا أن الطير قد شرب الدم، فقال بعضهم لبعض: قد قتل أصحابنا.

فصعدوا أعلى الجبل، فنظروا فإذا القوم صرعى، وقد اعتكفت عليهم الطير، فقال الحارث بن الصمة: أنا لا أنتهي حتى أبلغ مصارع أصحابي.

فخرج إليهم فقاتل القوم، فقتل منهم رجلين.

ثم أخذوه فقالوا له: ما تحب أن نصنع بك؟

فقال لهم: ابلغوا بي مصارع قومي.

فلما بلغ مصارع أصحابه، أرسلوه فقاتلهم، فقتل منهم اثنين.

ثم قتل فرجع عمرو بن أمية الضمري، ورجع معه الرجلان الآخران إلى رسول الله  ، فخرج رجلان من عند رسول الله  مستأمنين، قد كساهما وحملهما رسول الله  ، فقال: من أنتما؟

قال: كلابيان.

فقتلهما عمرو بن أمية الضمري، وأخذ سلبهما، ودخل على رسول الله  وأخبره الخبر، فقال: بئس ما صنعت حين قتلتهما.

فلما جاء إلى رسول الله  ، وأخبره خبر هذه البعوث الثلاثة في ليلة واحدة، صلى الصبح في ذلك اليوم، وقال في الركعة الثانية: اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سنين كسني يوسف، اللهم العن رعلان وذكوان وبني لحيان، اللهم غفار، غفر الله لها وسالم سالمها الله، وعصية عصت الله ورسوله.

فجاء أناس من بني كلاب يلتمسون من رسول الله  دية الكلابيين، وكان رسول الله  حين قدم المدينة، صالح بني النضير على أن لا يكونوا معه ولا عليه فاستعان النبيّ  في عقل الكلابيين قبائل الأنصار فلما بلغ العالية استعان من بني النضير فقال: أعينوني في عقل أصابني، فقال: هؤلاء حلفائي.

فخرج رسول الله  ، ومعه أبو بكر، وعمر، وعلي-  م- إلى بني النضير، فقال حيي بن أخطب: اجلس يا أبا القاسم حتى نطعمك ونعطيك ما سألتنا.

فجلس النبيّ  في صفه، ومعه أبو بكر، وعمر، وعلي-  م- فقال حيي بن أخطب لأصحابه: إنما هو في ثلاثة نفر لا ترونه أقرب من الآن، فاقتلوه لا تروا شراً أبداً.

فنزل جبريل-  - وأخبره، فقام النبيّ  كأنه يريد حاجة، حتى دخل المدينة فجاء إنسان، فسألوه عنه فقال: رأيت النبيّ  دخل أول البيوت.

فقاموا من هناك، فقال حيي بن أخطب: عجل أبو القاسم عليه، فقد أردنا أن نطعمه ونعطيه الذي سأله.

فلما رجع النبي  إلى المدينة، جمع الناس وجاء بالجيش، واختلفوا في قتل كَعْب بن الأشرف، فقال بعضهم لبعض: قد كان قتل قبل ذلك، وقال بعضهم: قتل في هذا الوقت.

فبعث محمد بن سلمة، فخرج محمد بن سلمة، وأبو نائلة، ورجلان آخران، فأتوه بالليل، وقالوا: أتيناك نستقرض منك شيئاً من التمر.

فخرج إليهم فقتلوه، ورجعوا إلى النبيّ  ، فخرج إليهم.

النبيّ  مع الجيش إلى بني النضير، فقال لهم: اخرجوا منها.

فإذا جاء وقت الجذاذ، فجذوا ثماركم.

فقالوا: لا نفعل.

فحاصرهم النبي  فقالوا: يا أبا القاسم، نحن نعطيك الذي سألتنا.

قال: «لاَ ولكن اخْرُجُوا مِنْهَا، وَلَكُمْ مَا حَمَلَتِ الإِبِلُ إلاّ الحَلَقَةُ» ، يعني: السلاح، قالوا: لا.

فحاصرهم رسول الله  خمس عشرة ليلة، وأمر بقطع نخيلهم، ونقب بيوتهم.

فلما رأت اليهود ما يصنعون بهم، فكلما نقب المسلمون بيت فروا إلى بيت، آخر ينتظرون المنافقين.

وقد قال المنافقون لهم: لئن أخرجتم لنخرجن معكم، وإن قوتلتم لننصرنكم.

فلما رأوا أنه لا يأتيهم أحد من المنافقين ولحقهم من الشر ما لحقهم، قال بعضهم لبعض: ليس لنا مقام بعد النخيل، فنحن نعطيك يا أبا القاسم على أن تعتق رقابنا إلا الحلقة ونخرج، فأجلاهم رسول الله  من المدينة، ولهم ما حملت الإبل إلا الحلقة.

فأخذ أموالهم، فقسمها بين المهاجرين، ولم يعطها أحداً من الأنصار إلا رجلين كانا محتاجين مثل حاجة المهاجرين، وهما سهل بن حنيف وسماك بن خرشة أبو دجانة، فنزلت هذه الآية: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ يعني: بني النضير لِأَوَّلِ الْحَشْرِ، يعني: أول الإجلاء من المدينة.

وقال عكرمة: من شك بأن الحشر هو الشام، فليقرأ هذه الآية هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ.

فلما قال لهم: اخرجوا من المدينة، قالوا: إلى أين؟

قال: إلى أرض المحشر.

فقال لهم: إنهم أول من يحشر، وأخرج من ديارهم.

ثم قال: مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا، يعني: ما ظننتم أيها المؤمنين أن يخرجوا من ديارهم.

وذلك إن بني النضير كان لهم عز ومنعة، وظن الناس أنهم بعزهم ومنعتم لا يخرجون.

وَظَنُّوا أَنَّهُمْ، يعني: وحسبوا بني النضير أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ يعني: أن حصونهم تمنعهم من عذاب الله.

فَأَتاهُمُ اللَّهُ، يعني: أتاهم أمر الله، ويقال: فَأَتاهُمُ اللَّهُ بما وعد لهم.

مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، يعني: لم يظنوا أنه ينزل بهم، وهو قتل كعب بن الأشرف، ويقال: خروج النبي  مع الجيش إليهم.

وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، يعني: جعل في قلوبهم الخوف.

يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ.

وذلك أنهم حصنوا أزقتهم بالدروب، وكان المسلمون ينقبون بيوتهم، ويدخلونها، وكان اليهود ينقبون بيوتهم من الجانب الآخر ويخرجون منها.

ويقال: كان اليهود ينقبون بيوتهم، ليرموا بها على المسلمين وكان المسلمون يخربون نواحي بيوتهم، ليتمكنوا من الحرب.

ويقال: كان اليهود أنفقوا في بيوتهم، فلما علموا أنهم يخرجون منها، جعلوا يخربونها كيلا يسكنها المسلمون وكان المؤمنون يخربونها، ليدخلوا عليهم.

قرأ أبو عمرو يُخْرِبُونَ بالتشديد.

والباقون بالتخفيف.

قال بعضهم: هما لغتان: خرب وأخرب.

وروي عن الفراء أنه قال: من قرأ بالتشديد، فمعناه يهدمون ومن قرأ بالتخفيف، فمعناه يعطلون.

ثم قال فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ، يعني: من له البصارة في أمر الله.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحَشْرِ هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِاتِّفاقٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، وهي سُورَةُ بَنِي النَضِيرِ؛ وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ قَدْ عاهَدَ بَنِي النَضِيرِ عَلى سِلْمٍ وهم يَرَوْنَ أنَّهُ لا تُرَدُّ لَهُ رايَةٌ، فَلَمّا جَرَتْ هَزِيمَةُ أُحُدٍ ارْتابُوا وداخَلُوا قُرَيْشًا وغَدَرُوا، فَلَمّا رَجَعَ النَبِيُّ  مِن أُحُدٍ تَبَيَّنَ لَهُ مُعْتَقَدُ بَنِي النَضِيرِ وغَدْرُهم بِعَهْدِهِ ومُوالاتُهم لِلْكُفّارِ، فَجَمَعَ إلَيْهِمْ وحاصَرَهم وعاهَدَهم عَلى أنْ يُجْلِيَهم عن أرْضِهِمْ، فارْتَحَلُوا إلى بِلادٍ مُخْتَلِفَةٍ: خَيْبَرُ والشامُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ البِلادِ، ثُمَّ كانَ أمْرُ بَنِي قُرَيْظَةَ مَرْجِعُهُ مِنَ الأحْزابِ.» قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لأوَّلِ الحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا وظَنُّوا أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم مِن اللهِ فَأتاهُمُ اللهِ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في تَسْبِيحِ الجَماداتِ الَّتِي يَتَناوَلُها عُمُومُ "ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ"، وأنَّ أهْلَ العِلْمِ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ، فَقالَ قَوْمٌ: ذَلِكَ عَلى الحَقِيقَةِ، وقالَ آخَرُونَ: ذَلِكَ مَجازٌ، أيْ: أنَّ آثارَ الصَنْعَةِ فِيها والإيجادِ لَها كالتَسْبِيحِ وداعِيَةٍ إلى التَسْبِيحِ مِمَّنْ لَهُ أنْ يُسَبِّحَ، وقالَ مَكِّيٌّ: "سَبَّحَ" مَعْناهُ: صَلّى وسَجَدَ، فَهَذا كُلُّهُ بِمَعْنى الخُضُوعِ والطَوْعِ، و"العَزِيزُ الحَكِيمُ" صِفَتانِ مُناسِبَتانِ لِما يَأْتِي بَعْدُ مِن قِصَّةِ العَدُوِّ الَّذِينَ أخْرَجَهم مِن دِيارِهِمْ.

و ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ هم بَنُو النَضِيرِ، وكانَتْ قَبِيلَةً عَظِيمَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ مُوازِيَةً في القَدْرِ والمَنزِلَةِ لِبَنِي قُرَيْظَةَ، وكانَ يُقالُ لِلْقَبِيلَتَيْنِ: الكاهِنانِ لِأنَّهُما مِن ولَدِ الكاهِنِ بْنِ هارُونَ، وكانَتْ أرْضُهم وحُصُونُهم قَرِيبَةً مِنَ المَدِينَةِ، ولَهم نَخْلٌ وَأمْوالٌ عَظِيمَةٌ، «فَلَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ  مِن أُحُدٍ خَرَجَ إلى بَنِي النَضِيرِ فَحاصَرَهم وأجْلاهم عَلى أنْ يَحْمِلُوا مِن أمْوالِهِمْ ما أقَلَّتْهُ الإبِلُ حاشى الحَلْقَةَ -وَهِيَ جَمِيعُ السِلاحِ-: فَخَرَجُوا إلى بِلادٍ مُخْتَلِفَةٍ،» فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: "لِأوَّلِ الحَشْرِ" اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى ذَلِكَ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ "الحَشْرَ" هو الجَمْعُ والتَوْجِيهُ إلى ناحِيَةٍ ما، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وغَيْرُهُ: أرادَ حَشْرَ القِيامَةِ، أيْ: هَذا أوَّلُهُ، والقِيامُ مِنَ القُبُورِ آخِرُهُ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ النَبِيَّ  قالَ لَهُمْ: « "امْضُوا، هَذا أوَّلُ الحَشْرِ وإنّا عَلى الأثَرِ"»، وقالَ عِكْرِمَةُ، والزَهْراوِيُّ، وغَيْرُهُما: المَعْنى: لِأوَّلِ مَوْضِعِ الحَشْرِ وهو الشامُ، وذَلِكَ أنَّ أكْثَرَ بَنِي النَضِيرِ جاءَتْ إلى الشامِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ حَشْرَ القِيامَةِ هو إلى الشامِ وأنَّ النَبِيَّ  «قالَ لِبَنِي النَضِيرِ: "اخْرُجُوا"، قالُوا: إلى أيْنَ يا مُحَمَّدُ؟

قالَ: "إلى أرْضِ المَحْشَرِ"،» وقالَ قَوْمٌ -فِي كِتابِ المَهْدَوِيِّ- المُرادُ الحَشْرُ في الدُنْيا الَّذِي هو الجَلاءُ والإخْراجُ، فَهَذا الَّذِي فَعَلَ رَسُولُ اللهِ  بِبَنِي النَضِيرِ أوَّلُهُ، والَّذِي فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِأهْلِ خَيْبَرَ آخِرُهُ، وأخْبَرَتِ الآيَةُ بِمَغِيبٍ، وقَدْ أخْبَرَ النَبِيُّ  بِجَلاءِ أهْلِ خَيْبَرَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ آخِرَ الحَشْرِ في قَوْلِ النَبِيِّ  في مَرَضِهِ: « "لا يَبْقَيَنَّ دِينانِ في جَزِيرَةِ العَرَبِ"»، فَإنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ إجْلاءَ بَقاياهُمْ، قالَ الخَلِيلُ -فِيما حَكى الزَجّاجُ -: سُمِّيَتْ جَزِيرَةً لِأنَّهُ أحاطَ بِها بِحْرُ الحَبَشَةِ وبَحْرُ فارِسٍ ودِجْلَةُ والفُراتُ.

وفي هَذِهِ الإحاطَةِ نَظَرٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا ﴾ مَعْناهُ: لِمَنعَتِهِمْ وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، فَلَمْ تَكُنْ آمالُكم وظُنُونُكم تَنْتَهِي إلى أنَّهم يَخْرُجُونَ ويَدَّعُونَ أمْوالَهم لَكُمْ، وبِحَسَبِ ذَلِكَ مِنَ المَنعَةِ والعَدَدِ والتَحَصُّنِ ظَنُّوا هم أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِنَ اللهِ" يُرِيدُ: مِن جُنْدِ اللهِ وحِزْبِ اللهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتاهُمُ اللهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ﴾ عِبارَةٌ عن إظْهارِ اللهِ تَعالى المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ وإلْقائِهِمْ في حَيِّزِ الهَزْمِ والذُلِّ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الرُعْبَ" بِسُكُونِ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "الرُعُبُ" بِضَمِّ العَيْنِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ ﴾ فَقالَ الضَحّاكُ، والزَجّاجُ، وغَيْرُهُما: كُلَّما هَدَمَ المُسْلِمُونَ مِن تَحْصِينِهِمْ في القِتالِ هَدَمُوا هم مِنَ البُيُوتِ وجَبَرُوا الحِصْنَ دَأْبًا، فَهَذا مَعْنى تَخْرِيبِهِمْ، وقالَ الزَهْرِيُّ وغَيْرُهُ: كانُوا لِما أُبِيحَ لَهم ما تَسْتَقِلُّ بِهِ الإبِلُ لا يَدْعُونَ خَشَبَةً حَسَنَةً ولا نَجافًا ولا سارِيَةً إلّا قَلَعُوها وخَرَّبُوا البُيُوتَ عنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأيْدِي المُؤْمِنِينَ ﴾ مِن حَيْثُ فِعْلُهم بِكُفْرِهِمْ داعِيَةٌ إلى تَخْرِيبِ المُؤْمِنِينَ بُيُوتَهُمْ، فَكَأنَّهم قَدْ خَرَّبُوها بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهم لَمّا أزْمَعُوا الجَلاءَ شَحُّوا عَلى تَرْكِ البُيُوتِ سَلِيمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ فَهَدَمُوا وخَرَّبُوا لِمَعْنى الإفْسادِ عَلى مَن يَأْتِي، وقالَ قَتادَةُ: خَرَّبَ المُؤْمِنُونَ مِن خارِجٍ لِيَدْخُلُوا وخَرَّبُوا هم مِن داخِلٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يُخْرِبُونَ" بِسُكُونِ الخاءِ وتَخْفِيفِ الراءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ، والحَسَنُ -بِخِلافٍ عنهُ- وقَتادَةُ، وعِيسى: "يُخَرِّبُونَ" بِفَتْحِ الخاءِ وشَدِّ الراءِ، فَقالَ فَرِيقٌ مِنَ العُلَماءِ اللُغَوِيِّينَ: القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: "خَرِبَ" مَعْناهُ: هَدَمَ وأفْسَدَ، و"أخْرَبَ" مَعْناهُ: تَرَكَ المَوْضِعَ خَرابًا وذَهَبَ عنهُ.

ثُمَّ نَبِّهْ تَبارَكَ وتَعالى المُؤْمِنِينَ وغَيْرَهم مِمَّنْ لَهُ أنْ يَنْظُرَ عَلى نُصْرَةِ رَسُولِهِ  وصُنْعِهِ لَهُ فِيمَن حادَّهُ وناوَأهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ ﴾ أيِ: العُقُولُ والأفْهامُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الإِشارة إلى جميع ما ذكر من إخراج الذين كفروا من ديارهم، وقذف الرعب في قلوبهم، وتخريب بيوتهم، وإعداد العذاب لهم في الآخرة.

والباء للسببية وهي جَارَّة للمصدر المنسبك من (أنَّ) وجملتها.

والمشاقَّة: المخاصمة والعداوة قال تعالى: ﴿ ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم ﴾ [النحل: 27] وقد تقدم نظيره في أول الأنفال.

والمشاقّة كالمحادّة مشتقة من الاسم.

وهو الشِقّ، كما اشتقت المحادّة من الحدّ، كما تقدم في أول سورة المجادلة.

وتقدم في سورة النساء (35) ﴿ وإن خفتم شقاق بينهما ﴾ وقد كان بنو النضير ناصبوا المسلمين العِدَاء بعد أن سكنوا المدينة وأَضْرَوْا المنافقين وعاهدوا مشركي أهل مكة كما علمت آنفاً.

وجملة ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب} تذييل، أي شديد العقاب لكل من يشاققه من هؤلاء وغيرهم.

وعطف اسم الرسول صلى الله عليه وسلم على اسم الجلالة في الجملة الأولى لقصر تعظيم شأن الرسول صلى الله عليه وسلم ليعلموا أن طاعته طاعة لله لأنه إنما يدعو إلى ما أمره الله بتبليغه ولم يعطف اسم الرسول صلى الله عليه وسلم في الجملة الثانية استغناء بما علم من الجملة الأولى.

وأدغم القافان في ﴿ يشاق ﴾ لأن الإِدغام والإِظهار في مثله جائزان في العربية.

وقرئ بهما في قوله تعالى: ﴿ ومن يرتدد منكم عن دينه ﴾ في سورة البقرة (217).

والفكّ لغة الحجاز، والإِدغام لغة بقية العرب.

وجملة فإن الله شديد العقاب } دليل جواب ﴿ من ﴾ الشرطية إذ التقدير: ومن يشاقِق الله فالله معاقبهم إنه شديد العقاب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ الله عَلَيْهِمُ الجلاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدنيا ﴾ الجلاء هو الخروج عن الوطن، فالمعنى لولا أن كتب الله على بني النضير خروجهم عن أوطانهم لعذبهم في الدنيا بالسيف كما فعل بإخوانهم بني قريظة، ولهم مع ذلك عذاب النار ﴿ شَآقُّواْ ﴾ ذكر في الأنفال.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ذلك الَّذي حصل لهم حصل لأنهم عَادَوُا الله وعادَوْا رسوله بكفرهم ونقضهم للعهود، ومن يعادِ الله فإن الله شديد العقاب، فسيناله عقابه الشديد.

<div class="verse-tafsir" id="91.XaBXm"

مزيد من التفاسير لسورة الحشر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله