الآية ٤ من سورة الحشر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 59 الحشر > الآية ٤ من سورة الحشر

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۖ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 101 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤ من سورة الحشر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤ من سورة الحشر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ) أي : إنما فعل الله بهم ذلك وسلط عليهم رسوله وعباده المؤمنين ; لأنهم خالفوا الله ورسوله ، وكذبوا بما أنزل الله على رسله المتقدمين في البشارة بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وهم يعرفون ذلك كما يعرفون أبناءهم ، ثم قال : ( ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) يقول تعالى ذكره: هذا الذي فعل الله بهؤلاء اليهود ما فعل بهم من إخراجهم من ديارهم، وقذف الرعب في قلوبهم من المؤمنين، وجعل لهم في الآخرة عذاب النار بما فعلوا هم في الدنيا من مخالفتهم الله ورسوله في أمره ونهيه، وعصيانهم ربهم فيما أمرهم به من اتباع محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.( وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) يقول تعالى ذكره: ومن يخالف الله في أمره ونهيه، فإن الله شديد العقاب.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ذلك ؛ أي ذلك الجلاء .بأنهم شاقوا الله أي عادوه وخالفوا أمره .ومن يشاق الله قرأ طلحة بن مصرف ومحمد بن السميقع " ومن يشاقق الله " بإظهار التضعيف كالتي في " الأنفال " ، وأدغم الباقون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وذلك لأنهم { شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ } وعادوهما وحاربوهما، وسعوا في معصيتهما.وهذه عادته وسنته فيمن شاقه { وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ذلك ) الذي لحقهم ( بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ذلك بأنهم شاقوا» خالفوا «الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب» له.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ذلك- الذي أصاب اليهود في الدنيا وما ينتظرهم في الآخرة- لأنهم خالفوا أمر الله وأمر رسوله أشدَّ المخالفة، وحاربوهما وسعَوا في معصيتهما، ومن يخالف الله ورسوله فإن الله شديد العقاب له.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

واسم الإشارة فى قوله - تعالى - ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ الله وَرَسُولَهُ ) يعود إلى ما نزل وسينزل بهم من عذاب .وقوله - تعالى - : ( شَآقُّواْ ) من المشاقة بمعنى المعاداة والمخاصمة ، حتى لكأن كل واحد من المتخاصمين فى شق ومكان يخالف شق صاحبه ومكانه .أى : ذلك الذى حل بهم فى الدنيا من عقاب ، والذى سيحل بهم فى الآخرة من عذاب ، سببه أن هؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب ، عادوا الله - تعالى - وخالفوا دعوة رسوله - صلى الله عليه وسلم - .( وَمَن يُشَآقِّ الله ) بأن يخالف ما أمر به ، أو نهى عنه .

يعذبه الله - تعالى - ويخذله ، فإنه - سبحانه - شديد العقاب .وجملة ( فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب ) قائمة مقام جواب الشرط ، أى : ومن يخالف أمر الله - تعالى - عذبه ، فإنه - سبحانه - شديد العقاب ، لمن أعرض عن طاعته وذكره .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أما قوله تعالى: ﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ شَاقُّواْ الله وَرَسُولَهُ ﴾ فهو يقتضي أن علة ذلك التخريب هو مشاقة الله ورسوله، فإن قيل: لو كانت المشاقة علة لهذا التخريب لوجب أن يقال: أينما حصلت هذه المشاقة حصل التخريب، ومعلوم أنه ليس كذلك، قلنا: هذا أحد ما يدل على أن تخصيص العلة المنصوصة لا يقدح في صحتها.

ثم قال: ﴿ وَمَن يُشَاقِّ الله فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب ﴾ والمقصود منه الزجر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

يعني: أنّ الله قد عزم على تطهير أرض المدينة منهم وإراحة المسلمين من جوارهم وتوريثهم أموالهم، فلولا أنه كتب عليهم الجلاء واقتضته حكمته ودعاه إلى اختياره أنه أشق عليهم من الموت ﴿ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدنيا ﴾ بالقتل كما فعل بإخوانهم بني قريظة ﴿ وَلَهُمْ ﴾ سواء أجلوا أو قتلوا ﴿ عَذَابَ النار ﴾ يعني: إن نجوا من عذاب الدنيا لم ينجوا من عذاب الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ ﴾ الخُرُوجَ مِن أوْطانِهِمْ.

﴿ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا ﴾ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ كَما فَعَلَ بِبَنِي قُرَيْظَةَ.

﴿ وَلَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَعْناهُ أنَّهم إنْ نَجَوْا مِن عَذابِ الدُّنْيا لَمْ يَنْجُوا مِن عَذابِ الآخِرَةِ.

﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ومَن يُشاقِّ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ الإشارَةُ إلى ما ذَكَرَ مِمّا حاقَ بِهِمْ وما كانُوا بِصَدَدِهِ وما هو مُعَدٌّ لَهم أوْ إلى الأخِيرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ} أي إنما أصابهم ذلك بسبب أنهم {شَاقُّواْ الله} خالفوه {وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقّ الله} ورسوله {فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ذَلِكَ ﴾ أيْ ما نَزَلَ بِهِمْ وما سَيَنْزِلُ ﴿ بِأنَّهُمْ ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿ شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ وفَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ القَبائِحِ ﴿ ومَن يُشاقِّ اللَّهَ ﴾ وقَرَأ طَلْحَةُ يُشاقِقْ بِالفَكِّ كَما في الأنْفالِ، والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ مُشاقَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ لِتَضَمُّنِها مُشاقَّتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفِيهِ مِن تَهْوِيلِ أمْرِها ما فِيهِ، ولِيُوافِقَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ إمّا نَفْسُ الجَزاءِ، وقَدْ حُذِفَ مِنهُ العائِدُ إلى مَن عِنْدَ مَن يَلْتَزِمُهُ أيْ شَدِيدُ العِقابِ لَهُ أوْ تَعْلِيلٌ لِلْجَزاءِ المَحْذُوفِ أيْ يُعاقِبُهُ اللَّهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ، وأيًّا ما كانَ فالشَّرْطِيَّةُ تَكْمِلَةٌ لِما قَبْلَها وتَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِهِ وتَحْقِيقٌ لِلسَّبَبِيَّةِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ الَّذِي نَزَلَ وسَيَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العِقابِ بِسَبَبِ مُشاقَّتِهِمْ لِلَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكُلُّ مَن يُشاقِّ اللَّهَ تَعالى كائِنًا مَن كانَ فَلَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ عِقابٌ شَدِيدٌ فَإذا لَهم عِقابٌ شَدِيدٌ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ، يعني: لولا أن قضى الله عليهم الإخراج من جزيرة العرب إلى الشام، لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا يعني: لعذبهم بالقتل والسبي.

وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ، يعني: ذلك الذي أصابهم من الجلاء في الدنيا والعذاب في الآخرة.

ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ، يعني: خالفوا الله ورسوله في الدين، ويقال: عادوا الله ورسوله.

وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ وأصله من يشاقق الله، إلا أن إحدى القافين أدغمت في الأخرى وشددت، يعني: من يخالف الله ورسوله في الدين، فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ، يعني: إذا عاقب، فعقوبته شديدة.

قوله عز وجل: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ يعني: من نخلة أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فلم تقطعوها، فَبِإِذْنِ اللَّهِ يعني: بأمر الله.

وقال عكرمة: لما دخل المسلمون على بني النضير، أخذوا يقطعون النخل، فنهاهم بعضهم، وتأولوا قوله تعالى: وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ [البقرة: 205] وقال بعضهم: يقطع ويتأول قوله تعالى: وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا [التوبة: 120] ، فأنزل الله تعالى: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ.

وقال الزهري في قوله: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ اللينة: ألوان النخل كلها إلا العجوة، وقال الضحاك: اللينة: النخلة الكرمة والشجرة الطيبة المثمرة، وقال مجاهد: اللينة: الشجرة المثمرة.

وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: نهى بعض المهاجرين بعضاً عن قطع النخل، وقالوا: إنما هي مغانم المسلمين.

فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعها، وبتحليل من قطعها، وإنما قطعها وتركها بإذن الله تعالى.

وعن ابن عباس أنه قال: أمر النبي  بقطع النخل، فشق ذلك على بني النضير مشقة شديدة، فقالوا للمؤمنين: تزعمون أنكم تكرهون الفساد وأنتم تفسدون في الأرض، فدعوها قائمة فإنما هي لمن غلب، فنزل: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ واللينة هي النخلة كلها ما خلا العجوة أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها وهي العجوة فَبِإِذْنِ اللَّهِ يعني: القطع والترك بإذن الله.

وروي عن النبيّ  أنه أمر عبد الله بن سلام، وأبا ليلى المازني بقطع النخل، فكان أبو ليلى يقطع العجوة، وكان عبد الله بن سلام يقطع اللون، فقيل لأبي ليلى: لِمَ تقطع العجوة؟

قال: لأن فيه كبت العدو.

وقيل لابن سلام: لِمَ تقطع اللون، قال: لأني أريد أن تبقى العجوة للمسلمين.

فأنزل الله تعالى رضاً بما فعل الفريقان، فقال الله تعالى: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ.

ثم قال عز وجل: وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ يعني: وليذل العاصين الناقضين العهد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الحشر، وهو الشام وذلك أَنَّ أكثرهم جاء إلى الشام، وقد رُوِيَ أَنَّ حشرَ القيامة هو إلى بلاد الشام.

وقوله سبحانه: مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا: يريد لمنعتهم وكثرة عددهم.

وقوله تعالى: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ أي: كُلَّما هدم المسلمون من تحصينهم في القتال هدموا هم من البيوت ليجبروا الحصن.

ت: والحاصل أَنَّهم يخربون بيوتهم حِسًّا ومعنى أَمَّا حِسًّا فواضح، وأَمَّا معنى فبسوء رأيهم وعاقبة ما أضمروا من خيانتهم وغدرهم، وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ: من الوطن لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا: بالسبي والقتل، قال البخاريُّ: والجلاء:

الإخراج من أرض إلى أرض، انتهى.

ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥) وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧)

وقوله تعالى: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ...

الآيةُ سببُهَا قولُ اليهود: ما هذا الإفساد يا محمد وأنت تنهى عن الفساد؟!

فَرَدَّ اللَّهُ عليهم بهذِهِ الآية، قال ابن عباس وجماعة من اللغويين «١» : اللِّينَةُ من النخيل: ما لم يكن عجوةً، وقيل غير هذا.

- ص-: أصل «لِينَة» : لونة، فقلبوا الواوَ ياءً لسكونها وانكسارِ ما قبلها، وجمعه لِينٌ كَتَمْرَةٍ وَتَمْرٍ، قال الأخفش: واللينة كأنَّها لونٌ من النخل، أي: ضرب منه، انتهى.

وقوله عز وجل: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ ...

الآية، إعلام بأَنَّ ما أخذ لبني النضير ومن فدك، هو خاصّ بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وليس على حكم الغنيمة التي يوجف عليها ويقاتل فيها بل على حكم خُمُسِ الغنائم وذلك أَنَّ بني النضير لم يُوجَفْ عليها ولا قوتلت كبير قتال، فأخذ منها صلّى الله عليه وسلّم قُوتَ عيالِهِ، وقَسَمَ سائرها في المهاجرين، وأدخل معهم أبا دُجَانَةَ وسَهْلَ بن حنيف/ من الأنصار لأَنَّهما شكيا فقراً، والإيجاف: سرعة السير، والوجيف دون التقريب يقال: وَجَفَ الفرسُ وأوجفه الراكب.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الحَشْرِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ وَذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ جَمِيعَها أُنْزِلَتْ في بَنِي النَّضِيرِ.

وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يُسَمِّي هَذِهِ السُّورَةَ "سُورَةَ بَنِي النَّضِيرِ" وهَذِهِ الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِمْ.

ذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ والسِّيَرِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  خَرَجَ إلى مَسْجِدِ قِباءٍ، ومَعَهُ نَفَرٌ مِن أصْحابِهِ، فَصَلّى فِيهِ، ثُمَّ أتى بَنِي النَّضِيرِ، فَكَلَّمَهم أنْ يُعِينُوهُ في دِيَةِ رَجُلَيْنِ كانَ قَدْ آمَنَهُما، فَقَتَلَهُما عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضِّمْرِيُّ وهو لا يَعْلَمُ، فَقالُوا: نَفْعَلُ، وهَمُّوا بِالغَدْرِ بِهِ، وقالَ عَمْرُو بْنُ جِحاشٍ: أنا أظْهَرُ عَلى البَيْتِ، فَأطْرَحُ عَلَيْهِ صَخْرَةً، فَقالَ سَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ: لا تَفْعَلُوا، واللَّهِ لَيُخْبَرَنَّ بِما هَمَمْتُمْ بِهِ، وجاءَ رَسُولُ اللَّهِ  الخَبَرَ، فَنَهَضَ سَرِيعًا، فَتَوَجَّهَ إلى المَدِينَةِ، فَلَحِقَهُ أصْحابُهُ، فَقالُوا: قُمْتَ ولَمْ نَشْعُرْ؟!

فَقالَ: هَمَّتْ يَهُودٌ بِالغَدْرِ، فَأخْبَرَنِي اللَّهُ بِذَلِكَ، فَقُمْتُ، وبَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ: أنِ اخْرُجُوا مِن بَلْدَتِي، فَلا تُساكِنُونِي، وقَدْ هَمَمْتُمْ بِما هَمَمْتُمْ بِهِ، وقَدْ أجَّلْتُكم عَشْرًا.

فَمَن رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فَمَكَثُوا أيّامًا يَتَجَهَّزُونَ، فَأرْسَلَ إلَيْهِمُ ابْنُ أُبَيٍّ: لا تَخْرُجُوا، فَإنَّ مَعِي ألْفَيْنِ مِن قَوْمِي وغَيْرِهِمْ، وتَمُدُّكم قُرَيْظَةُ، وحُلَفاؤُكم مِن غَطَفانَ، وطَمِعَ حُيَيٌّ فِيما قالَ ابْنُ أُبَيٍّ، فَأرْسَلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  : إنّا لا نَخْرُجُ، فاصْنَعْ ما بَدا لَكَ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ  ، وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ لِتَكْبِيرِهِ، وقالَ: حارَبَتْ يَهُودٌ، ثُمَّ سارَ إلَيْهِمْ في أصْحابِهِ، فَلَمّا رَأوْهُ قامُوا، عَلى حُصُونِهِمْ مَعَهُمُ النَّبْلُ والحِجارَةُ، فاعْتَزَلَتْهم قُرَيْظَةُ، وخَذَلَهُمُ ابْنُ أُبَيٍّ، وحُلَفاؤُهم مِن غَطَفانَ، وكانَ رَئِيسُهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ قَدْ خَرَجَ إلى مَكَّةَ فَعاقَدَ المُشْرِكِينَ عَلى التَّظاهُرِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِذَلِكَ، فَبَعَثَ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ فاغْتَرَّهُ فَقَتَلَهُ، وحاصَرَهم رَسُولُ اللَّهِ، وقَطَعَ نَخْلَهُمْ، فَقالُوا: نَحْنُ نَخْرُجُ عَنْ بِلادِكَ، فَأجْلاهم عَنِ المَدِينَةِ، فَمَضى بَعْضُهم إلى الشّامِ، وبَعْضُهم إلى خَيْبَرَ، وقَبَضَ سِلاحَهم وأمْوالَهُمْ، فَوَجَدَ خَمْسِينَ دِرْعًا، وخَمْسِينَ بَيْضَةً، وثَلاثَمِائَةٍ وأرْبَعِينَ سَيْفًا.» فَأمّا التَّفْسِيرُ فَقَدْ ذَكَرْنا فاتِحَةَ هَذِهِ السُّورَةِ في [الحَدِيدِ: ١] أحَدُها: أنَّهم أوَّلُ مَن حُشِرَ وأُخْرِجَ مِن دارِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: هم أوَّلُ مَن نُفِيَ مِن أهْلِ الكِتابِ.

والثّانِي: أنَّ هَذا كانَ أوَّلَ حَشْرِهِمْ، والحَشْرُ الثّانِي: إلى أرْضِ المَحْشَرِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

قالَ عِكْرِمَةُ: مَن شَكَّ أنَّ المَحْشَرَ إلى الشّامِ فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الآيَةَ، «وَأنَّ النَّبِيَّ  قالَ لَهم يَوْمَئِذٍ: اخْرُجُوا، فَقالُوا: إلى أيْنَ؟

قالَ: إلى أرْضِ المَحْشَرِ.» والثّالِثُ: أنَّ هَذا كانَ أوَّلَ حَشْرِهِمْ.

والحَشْرُ الثّانِي: نارٌ تَحْشُرُهم مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: أنَّ هَذا كانَ أوَّلَ حَشْرِهِمْ مِنَ المَدِينَةِ، والحَشْرُ الثّانِي: مِن خَيْبَرَ، وَجَمِيعِ جَزِيرَةِ العَرَبِ إلى أذَرِعاتٍ، وأرِيحا مِن أرْضِ الشّامِ في أيّامِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، قالَهُ مُرَّةُ الهَمَدانِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما ظَنَنْتُمْ ﴾ يُخاطِبُ المُؤْمِنِينَ ﴿ أنْ يَخْرُجُوا ﴾ مِن دِيارِهِمْ لِعِزِّهِمْ، ومَنعَتِهِمْ، وحُصُونِهِمْ ﴿ وَظَنُّوا ﴾ يَعْنِي: بَنِي النَّضِيرِ أنَّ حُصُونَهم تَمْنَعُهم مِن سُلْطانِ اللَّهِ ﴿ فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ أمَرَ نَبِيَّهُ بِقِتالِهِمْ وإجْلائِهِمْ، ولَمْ يَكُونُوا يَظُنُّونَ أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ، ولا يَحْسَبُونَهُ ﴿ وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ﴾ لِخَوْفِهِمْ مِن رَسُولِ اللَّهِ  ، وقِيلَ: لِقَتْلِ سَيِّدِهِمْ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو "يُخَرِّبُونَ" بِالتَّشْدِيدِ.

وقَرَأ الباقُونَ"يُخْرِبُونَ" .

وهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ، أمْ لا؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المُشَدَّدَةَ مَعْناها: النَّقْضُ والهَدْمُ.

والمُخَفَّفَةَ مَعْناها: يَخْرُجُونَ مِنها ويَتْرُكُونَها خَرابًا مُعَطَّلَةً، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

رُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قالَ: إنَّما اخْتَرْتُ التَّشْدِيدَ، لِأنَّ بَنِي النَّضِيرِ نَقَضُوا مَنازِلَهُمْ، ولَمْ يَرْتَحِلُوا عَنْها وهي مَعْمُورَةٌ.

والثّانِي: أنَّ القِراءَتَيْنِ بِمَعْنًى واحِدٍ.

والتَّخْرِيبُ والإخْرابُ لُغَتان ِبِمَعْنًى، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ.

ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيما فَعَلُوا بِمَنازِلِهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كانَ المُسْلِمُونَ كُلَّما ظَهَرُوا عَلى دارٍ مِن دُورِهِمْ هَدَمُوها لِيَتَّسِعَ لَهم مَكانُ القِتالِ، وكانُوا هم يُنَقِّبُونَ دُورَهُمْ، فَيَخْرُجُونَ إلى ما يَلِيها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ المُسْلِمُونَ كُلَّما هَدَمُوا شَيْئًا مِن حُصُونِهِمْ نَقَضُوا ما يَبْنُونَ بِهِ الَّذِي خَرَّبَهُ المُسْلِمُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَنْظُرُونَ إلى الخَشَبَةِ في مَنازِلِهِمْ، أوِ العَمُودِ، أوِ البابِ، فَيَسْتَحْسِنُونَهُ، فَيَهْدِمُونَ البُيُوتَ، ويَنْزِعُونَ ذَلِكَ مِنها، ويَحْمِلُونَهُ مَعَهُمْ، ويُخَرِّبُ المُؤْمِنُونَ باقِيَها، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّهم كانُوا يُخَرِّبُونَها لِئَلّا يَسْكُنُها المُؤْمِنُونَ، حَسَدًا مِنهُمْ، وبَغْيًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ ﴾ الِاعْتِبارُ: النَّظَرُ في الأُمُورِ، لِيُعْرَفَ بِها شَيْءٌ آخَرُ مِن جِنْسِها، و " الأبْصارِ " العُقُولُ.

والمَعْنى: تَدَبَّرُوا ما نَزَلَ بِهِمْ ﴿ وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ ﴾ أيْ: قَضى ﴿ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ ﴾ وهو خُرُوجُهم مِن أوْطانِهِمْ.

وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ بَيْنَ الإخْراجِ والجَلاءِ فَرْقَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّ الجَلاءَ: ما كانَ مَعَ الأهْلِ والوَلَدِ، والإخْراجُ: قَدْ يَكُونُ مَعَ بَقاءِ الأهْلِ والوَلَدِ.

والثّانِي: أنَّ الجَلاءَ لا يَكُونُ إلّا لِجَماعَةٍ.

والإخْراجُ: قَدْ يَكُونُ لِواحِدٍ ولِجَماعَةٍ.

والمَعْنى: لَوْلا أنَّ اللَّهَ قَضى عَلَيْهِمْ بِالخُرُوجِ ﴿ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا ﴾ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، كَما فَعَلَ بِقُرَيْظَةَ ﴿ وَلَهم في الآخِرَةِ ﴾ مَعَ ما حَلَّ بِهِمْ في الدُّنْيا عَذاب النّارِ، ذَلِكَ الَّذِي أصابَهم ﴿ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ﴾ وقَدْ سَبَقَ بَيانُ الآيَةِ [الأنْفالِ: ١٣] و[مُحَمَّدٍ: ٣٢] .

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: فَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى جَوازِ مُصالَحَةِ أهْلِ الحَرْبِ عَلى الجَلاءِ مِن دِيارِهِمْ مِن غَيْرِ سَبْيٍ ولا اسْتِرْقاقٍ، وَلا جِزْيَةٍ، ولا دُخُولٍ في ذِمَّةٍ، وهَذا حُكْمٌ مَنسُوخٌ إذا كانَ في المُسْلِمِينَ قُوَّةٌ عَلى قِتالِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِقِتالِ الكُفّارِ حَتّى يُسْلِمُوا، أوْ يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ.

وإنَّما يَجُوزُ هَذا الحُكْمُ إذا عَجَزَ المُسْلِمُونَ عَنْ مُقاوَمَتِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى إدْخالِهِمْ في الإسْلامِ أوِ الذِّمَّةِ، فَيَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ مُصالَحَتُهم عَلى الجَلاءِ مِن بِلادِهِمْ.

وفي هَذِهِ القِصَّةِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ مُصالَحَتِهِمْ عَلى مَجْهُولٍ مِنَ المالِ، لِأنَّ النَّبِيَّ  صالَحُهم عَلى أرْضِهِمْ، وعَلى الحَلْقَةِ، وتَرَكَ لَهم ما أقَلَّتِ الإبِلُ، وذَلِكَ مَجْهُولٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  حَرَقَ نَخَلَ بَنِي النَّضِيرِ، وقَطَعَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.

وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ بِبَنِي النَّضِيرِ تَحَصَّنُوا في حُصُونِهِمْ، فَأمَرَ بِقَطْعِ نَخِيلِهِمْ، وإحْراقِها، فَجَزِعُوا، وقالُوا: يا مُحَمَّدُ زَعَمْتَ أنَّكَ تُرِيدُ الصَّلاحَ، أفَمِنَ الصَّلاحِ عَقْرُ الشَّجَرِ، وقَطْعُ النَّخْلِ؟

وهَلْ وجَدْتَ فِيما أُنْزِلَ عَلَيْكَ الفَسادَ في الأرْضِ؟

فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ، ووَجَدَ المُسْلِمُونَ في أنْفُسِهِمْ مِن قَوْلِهِمْ.

واخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: لا تَقْطَعُوا، فَإنَّهُ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْنا.

وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نَغِيظُهم بِقَطْعِهِ،» والثّانِي: أنَّهُ النَّخْلُ والشَّجَرُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ألْوانُ النَّخْلِ كُلِّها إلّا العَجْوَةَ، والبَرْنِيَّةَ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: أهْلُ المَدِينَةِ يُسَمُّونَ جَمِيعَ النَّخِيلِ: الألْوانَ، ما خَلا البَرْنِيَّ، والعَجْوَةَ.

وأصْلُ "لِينَةٍ" لِوْنَةٌ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها.

والرّابِعُ: أنَّها النَّخْلُ كُلُّهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وعَطِيَّةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنى الآيَةِ: ما قَطَعْتُمْ مِن ألْوانِ النَّخِيلِ.

والخامِسُ: أنَّها كِرامُ النَّخْلِ، قالَهُ سُفْيانُ.

والسّادِسُ: أنَّها ضَرْبٌ مِنَ النَّخْلِ يُقالُ لِتَمْرِها: اللَّوْنُ، وهي شَدِيدُ الصُّفْرَةِ، تَرى نَواهُ مِن خارِجٍ، وكانَ أعْجَبَ ثَمَرِهِمْ إلَيْهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وفي عَدَدِ ما قَطَعَ المُسْلِمُونَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم قَطَعُوا وأحْرَقُوا سِتَّ نَخْلاتٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: أحْرَقُوا نَخْلَةً وقَطَعُوا نَخْلَةً قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والثّالِثُ: قَطَعُوا أرْبَعَ نَخْلاتٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِإذْنِ اللَّهِ ﴾ قالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ ومُقاتِلٌ: بِأمْرِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ.

وخِزْيُهُمْ: أنْ يُرِيَهم أمْوالَهم يَتَحَكَّمُ فِيها المُؤْمِنُونَ كَيْفَ أحَبُّوا.

والمَعْنى: ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ، أذِنَ في ذَلِكَ، ودَلَّ عَلى المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿ فَبِإذْنِ اللَّهِ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهم في الدُنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النارِ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللهَ ورَسُولَهُ ومَن يُشاقِّ اللهَ فَإنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ ﴿ ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أو تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللهِ ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ ﴾ ﴿ وَما أفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ولَكِنَّ اللهُ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مِن يَشاءُ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ أخْبَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ كَتَبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ جَلاءً، وكانَتْ بَنُو النَضِيرِ مِمَّنْ حَلَّ بِالحِجازِ عِنْدَ مَوْتِ مُوسى عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِيَسِيرٍ؛ لِأنَّهم كانُوا مِنَ الجَيْشِ الَّذِي رَجَعَ وقَدْ عَصَوْا في أنْ لَمْ يَقْتُلُوا الغُلامَ ابْنَ مَلَكِ العَمالِيقِ لِجِمالِهِ وعَقْلِهِ، وقَدْ كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قالَ لَهُمْ: لا تَسْتَحْيُوا أحَدًا، فَلَمّا رَجَعَ ذَلِكَ الجَيْشُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ بِالشامِ وجَدُوا مُوسى مَيِّتًا، وقالَ لَهم بَنُو إسْرائِيلَ أنْتُمْ عُصاةٌ واللهِ لا دَخَلْتُمْ عَلَيْنا بِلادَنا، فَقالَ أهْلُ ذَلِكَ الجَيْشِ إلى بَنُو إسْرائِيلَ: لَيْسَ لَنا أحَبُّ مِنَ البِلادِ الَّتِي غَلَبْنا أهْلَها، فانْصَرَفُوا إلى الحِجازِ فَكانُوا فِيهِ، فَلَمْ يَجْرِ عَلَيْهِمُ الجَلاءُ الَّذِي أجْراهُ بُخْتِنَصَّرُ عَلى أهْلِ الشامِ، وقَدْ كانَ اللهُ تَعالى كَتَبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ جَلاءً فَنالَهم هَذا الجَلاءَ عَلى يَدِي مُحَمَّدٍ  ، ولَوْلا ذَلِكَ لَعَذَّبَهُمُ اللهُ في الدُنْيا بِالسَيْفِ والقَتْلِ كَأهْلِ بَدْرٍ وغَيْرِهِمْ، ويُقالُ: جَلا الرَجُلُ، وأجْلاهُ غَيْرُهُ، وقَدْ يُقالُ: أجْلى الرَجُلُ نَفْسَهُ، بِمَعْنى: جَلا.

و"المُشاقَّةُ": كَوْنُ الإنْسانِ في شِقٍّ ومُخالِفِهِ في شَقٍّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ ﴾ سَبَبُها أنَّ بَعْضَ أصْحابِ النَبِيِّ  وضَعُوا أيْدِيَهم في نَخْلِ بَنِي النَضِيرِ يَقْطَعُونَ ويَحْرِقُونَ، فَقالَ بَنُو النَضِيرِ: ما هَذا الإفْسادُ يا مُحَمَّدُ وأنْتَ تَنْهى عَنِ الفَسادِ؟

فَكَفَّ عن ذَلِكَ بَعْضُ الصَحابَةِ، وذَلِكَ في صَدْرِ الحَرْبِ مَعَهُمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُعْلِمَةً أنَّ جَمِيعَ ما جَرى مِن قَطْعٍ أو إمْساكٍ فَبِإذْنِ اللهِ تَعالى، ورَدَّتِ الآيَةُ عَلى قَوْلِ بَنِي النَضِيرِ إنَّْ مُحَمَّدًا يَنْهى عَنِ الفَسادِ وها هو ذا يُفْسِدُ، فَأعْلَمَ اللهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ بِإذْنِهِ ولِيُجْزِيَ بِهِ الفاسِقِينَ مِن بَنِي النَضِيرِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "اللِينَةُ" فَقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اللِينَةُ: النَخْلَةُ، اسْمانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وجَمْعُها لِينٌ ولِيانٌ، وقالَ الشاعِرُ: وسالِفَةٌ كَسُحُوقِ اللِيانِ أضْرَمَ فِيها الغَوِيُّ السُعُرْ وَقالَ الآخَرُ: طِراقُ الخَوافِي واقِعٌ فَوْقَ لِينَةٍ ∗∗∗ نَدى لَيْلِهِ في رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وجَماعَةٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ: اللِينَةُ مِنَ النَخْلِ ما لَمْ تَكُنْ عَجْوَةً، وقالَ سُفْيانُ بْنُ سَعِيدٍ الثَوْرِيُّ: اللِينَةُ: الكَرِيمَةُ مِنَ النَخْلِ، وقالَ أبُو -عُبَيْدَةَ فِيما رُوِيَ عنهُ- وسُفْيانُ: اللِينَةُ: ما تَمْرُها لَوِنٌ، وهو نَوْعٌ مِنَ التَمْرِ يُقالُ لَهُ: اللَوْنُ، قالَ سُفْيانُ: هو شَدِيدُ الصُفْرَةِ يَشِفُّ عن نَواةٍ فَيُرى مِن خارِجٍ، وأصْلُها "لِوْنَةٌ" فَأُبْدِلَتْ لِمُوافَقَةِ الكَسْرَةِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ أيْضًا اللِينُ: ألْوانُ النَخْلِ المُخْتَلِطَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيها عَجْوَةٌ ولا نَوًى.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ: "أو تَرَكْتُمُوها قُوَّمًا عَلى أُصُولِها"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ ﴾ الآيَةُ...إعْلامٌ أنَّ ما أُخِذَ مِن بَنِي النَضِيرِ ومِن فَدَكٍ فَهو خاصٌّ لِلنَّبِيِّ  ولَيْسَ عَلى حُكْمِ الغَنِيمَةِ الَّتِي يُوجِفُ عَلَيْها ويُقاتِلُ فِيها، بَلْ عَلى حُكْمِ خُمْسِ الغَنائِمِ، وذَلِكَ أنْ بَنِي النَضِيرِ لَمْ يُوجِفْ عَلَيْها ولا قُوتِلَتْ كَبِيرَ قِتالٍ، فَأخَذَ مِنها رَسُولُ اللهِ  لِنَفْسِهِ قُوتَ عِيالِهِ، وقَسَّمَ سائِرَها في المُهاجِرِينَ ولَمْ يُعْطَ الأنْصارُ شَيْئًا غَيْرَ أنَّ أبا دُجانَةَ سَمّاكَ بْنَ خَرَشَةَ وسَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ شَكَيا فاقَةً عَظِيمَةً فَأعْطاهُما، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، وفي ذَلِكَ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «كانَتْ أمْوالُ بَنِي النَضِيرِ مِمّا أفاءَ اللهُ تَعالى عَلى رَسُولِ اللهِ  مِمّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ ولا رِكابٍ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ  يُنْفِقُ مِنها عَلى أهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وما بَقِيَ مِنها جَعَلَهُ في السِلاحِ والكُراعِ عِدَّةً في سَبِيلِ اللهِ تَعالى،» قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: وكَذَلِكَ كَلُّ ما فَتَحَ عَلى الأئِمَّةِ مِمّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ فَهو لَهم خاصَّةً، والوَجِيفُ دُونَ التَضْرِيبِ، يُقالُ وجَفَ الفُرْسُ وأوجَفَهُ الراكِبُ، والإيجافُ: سُرْعَةُ السَيْرِ والِاجْتِهادِ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الإِشارة إلى جميع ما ذكر من إخراج الذين كفروا من ديارهم، وقذف الرعب في قلوبهم، وتخريب بيوتهم، وإعداد العذاب لهم في الآخرة.

والباء للسببية وهي جَارَّة للمصدر المنسبك من (أنَّ) وجملتها.

والمشاقَّة: المخاصمة والعداوة قال تعالى: ﴿ ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم ﴾ [النحل: 27] وقد تقدم نظيره في أول الأنفال.

والمشاقّة كالمحادّة مشتقة من الاسم.

وهو الشِقّ، كما اشتقت المحادّة من الحدّ، كما تقدم في أول سورة المجادلة.

وتقدم في سورة النساء (35) ﴿ وإن خفتم شقاق بينهما ﴾ وقد كان بنو النضير ناصبوا المسلمين العِدَاء بعد أن سكنوا المدينة وأَضْرَوْا المنافقين وعاهدوا مشركي أهل مكة كما علمت آنفاً.

وجملة ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب} تذييل، أي شديد العقاب لكل من يشاققه من هؤلاء وغيرهم.

وعطف اسم الرسول صلى الله عليه وسلم على اسم الجلالة في الجملة الأولى لقصر تعظيم شأن الرسول صلى الله عليه وسلم ليعلموا أن طاعته طاعة لله لأنه إنما يدعو إلى ما أمره الله بتبليغه ولم يعطف اسم الرسول صلى الله عليه وسلم في الجملة الثانية استغناء بما علم من الجملة الأولى.

وأدغم القافان في ﴿ يشاق ﴾ لأن الإِدغام والإِظهار في مثله جائزان في العربية.

وقرئ بهما في قوله تعالى: ﴿ ومن يرتدد منكم عن دينه ﴾ في سورة البقرة (217).

والفكّ لغة الحجاز، والإِدغام لغة بقية العرب.

وجملة فإن الله شديد العقاب } دليل جواب ﴿ من ﴾ الشرطية إذ التقدير: ومن يشاقِق الله فالله معاقبهم إنه شديد العقاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الحَشْرِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ يَعْنِي يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ.

﴿ مِن دِيارِهِمْ ﴾ يَعْنِي مِن مَنازِلِهِمْ.

﴿ لأوَّلِ الحَشْرِ ﴾ أجْلاهم رَسُولُ اللَّهِ  بَعْدَ رُجُوعِهِ مِن أُحُدٍ إلى أذْرُعاتِ الشّامِ، وأعْطى كُلَّ ثَلاثَةٍ بِعِيرًا يَحْمِلُونَ عَلَيْهِ ما اسْتَقَلَّ إلّا السِّلاحَ، وكانَ النَّبِيُّ  قَدْ عاهَدَهم حِينَ هاجَرَ إلى المَدِينَةِ أنْ لا يُقاتِلُوا مَعَهُ ولا عَلَيْهِ، فَكَفُّوا يَوْمَ بَدْرٍ لِظُهُورِ المُسْلِمِينَ، وأعانُوا المُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ رَأوْا ظُهُورَهم عَلى المُسْلِمِينَ، فَقَتَلَ رَئِيسُهم كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ، قَتَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ غِيلَةً.

ثُمَّ سارَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللِّهِ  فَحاصَرَهم ثَلاثًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً مُحارِبًا حَتّى أجْلاهم عَنِ المَدِينَةِ.

فِي قَوْلِهِ ﴿ لأوَّلِ الحَشْرِ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأنَّهم أوَّلُ مَن أجْلاهُ النَّبِيُّ  مِنَ اليَهُودِ، قالَهُ ابْنُ حِبّانَ.

الثّانِي: لِأنَّهُ أوَّلُ حَشْرِهِمْ، لِأنَّهم يُحْشَرُونَ بَعْدَها إلى أرْضِ المَحْشَرِ في القِيامَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  «أنَّهُ لَمّا أجْلى بَنِي النَّضِيرِ قالَ لَهُمُ (امْضُوا فَهَذا أوَّلُ الحَشْرِ وأنا عَلى الأثَرِ).» الثّالِثُ: أنَّهُ أوَّلُ حَشْرِهِمْ لِما ذَكَرَهُ قَتادَةُ أنَّهُ يَأْتِي عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِن مَشْرِقِ الشَّمْسِ نارٌ تَحْشُرُهم إلى مَغْرِبِها تَبِيتُ مَعَهم إذا باتُوا [وَتَقِيلُ مَعَهم حَيْثُ قالُوا] وتَأْكُلُ مِنهم مَن تَخَلَّفَ.

﴿ ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا ﴾ يَعْنِي مِن دِيارِهِمْ لِقُوَّتِهِمْ وامْتِناعِهِمْ.

﴿ وَظَنُّوا أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ مِن أمْرِ اللَّهِ.

﴿ فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَمْ يَحْتَسِبُوا بِأمْرِ اللَّهِ.

الثّانِي: قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ: مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا بِقَتْلِ ابْنِ الأشْرَفِ.

﴿ وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِخَوْفِهِمْ مِن رَسُولِ اللَّهِ.

الثّانِي: بِقَتْلِ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ.

﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِأيْدِيهِمْ بِنَقْضِ المُوادَعَةِ، وأيْدِي المُؤْمِنِينَ بِالمُقاتَلَةِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

الثّانِي: بِأيْدِيهِمْ في تَرْكِها، وأيْدِي المُؤْمِنِينَ في إجْلائِهِمْ عَنْها، قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ.

الثّالِثُ: بِأيْدِيهِمْ في إخْرابِ دَواخِلِها وما فِيها لِئَلّا يَأْخُذَها المُسْلِمُونَ، وبِأيْدِي المُؤْمِنِينَ في إخْرابِ ظَواهِرِها لِيَصِلُوا بِذَلِكَ إلَيْهِمْ.

قالَ عِكْرِمَةُ: كانَتْ مَنازِلُهم مُزَخْرَفَةً فَحَسَدُوا المُسْلِمِينَ أنْ يَسْكُنُوها فَخَرَّبُوها مِن داخِلٍ، وخَرَّبَها المُسْلِمُونَ مِن خارِجٍ.

الرّابِعُ: مَعْناهُ: أنَّهم كانُوا كُلَّما هَدَمَ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ مِن حُصُونِهِمْ شَيْئًا نَقَضُوا مِن بُيُوتِهِمْ ما يَبْنُونَ بِهِ مِن حُصُونِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الخامِسُ: أنَّ تَخْرِيبَهِمْ بُيُوتَهم أنَّهم لَمّا صُولِحُوا عَلى حِمْلٍ ما أقَلَّتْهُ إبِلُهم جَعَلُوا يَنْقُضُونَ ما أعْجَبَهم مِن بُيُوتِهِمْ حَتّى الأوْتارِ لِيَحْمِلُوها عَلى إبِلِهِمْ، قالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وابْنُ زَيْدٍ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ يُخْرِبُونَ ﴾ قِراءَتانِ: بِالتَّخْفِيفِ، وبِالتَّشْدِيدِ، وفِيهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُما واحِدٌ ولَيْسَ بَيْنَهُما فَرْقٌ.

الثّانِي: أنَّ مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ.

وَفي الفَرْقِ بَيْنَهُما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ أرادَ إخْرابَها بِأفْعالِهِمْ، ومَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ أرادَ إخْرابَها بِفِعْلِ غَيْرِهِمْ قالَهُ أبُو عَمْرٍو.

الثّانِي: أنَّ مَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ أرادَ إخْرابَها بِهَدْمِهِمْ لَها.

وَبِالتَّخْفِيفِ أرادَ فَراغَها بِخُرُوجِهِمْ عَنْها، قالَهُ الفَرّاءُ.

وَلِمَن تَعَمَّقَ بِغَوامِضِ المَعانِي في تَأْوِيلِ ذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم أيْ يُبْطِلُونَ أعْمالَهم بِأيْدِيهِمْ، يَعْنِي بِاتِّباعِ البِدَعِ، وأيْدِي المُؤْمِنِينَ في مُخالَفَتِهِمْ.

﴿ وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِالجَلاءِ الفَناءَ ﴿ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا ﴾ بِالسَّبْيِ.

والثّانِي: يَعْنِي بِالجَلاءِ الإخْراجَ عَنْ مَنازِلِهِمْ ﴿ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا ﴾ يَعْنِي بِالقَتْلِ، قالَهُ عُرْوَةُ.

والفَرْقُ بَيْنَ الجَلاءِ والإخْراجِ - وإنْ كانَ مَعْناهُما في الإبْعادِ واحِدٌ - مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الجَلاءَ ما كانَ مَعَ الأهْلِ والوَلَدِ، والإخْراجَ قَدْ يَكُونُ مَعَ بَقاءِ الأهْلِ والوَلَدِ.

الثّانِي: أنَّ الجَلاءَ لا يَكُونُ إلّا لِجَماعَةٍ، والإخْراجَ يَكُونُ لِجَماعَةٍ ولِواحِدٍ.

﴿ ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ ﴾ وذَلِكَ «أنَّ النَّبِيَّ  لَمّا نَزَلَ عَلى حُصُونِ بَنِي النَّضِيرِ وهي البُوَيْرَةُ حِينَ نَقَضُوا العَهْدَ بِمَعُونَةِ قُرَيْشٍ عَلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ قَطَعَ المُسْلِمُونَ مِن نَخْلِهِمْ وأحْرَقُوا سِتَّ نَخْلاتٍ»، وحَكى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّهم قَطَعُوا نَخْلَةً وأحْرَقُوا نَخْلَةً، وكانَ ذَلِكَ عَنْ إقْرارِ رَسُولِ اللَّهِ  أوْ بِأمْرِهِ، إمّا لِإضْعافِهِمْ بِها أوْ لِسَعَةِ المَكانِ بِقَطْعِها، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَقالُوا وهم يَهُودُ أهْلِ كِتابٍ: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ نَبِيٌّ تُرِيدُ الإصْلاحَ؟

أفَمِنَ الصَّلاحِ حَرْقُ الشَّجَرِ وقَطْعُ النَّخْلِ؟

وقالَ شاعِرُهم سِماكٌ اليَهُودِيُّ ألَسْنا ورِثْنا كِتابَ الحَكِيمِ عَلى عَهْدِ مُوسى ولَمْ نَصْدِفِ ∗∗∗ وأنْتُمْ رِعاءٌ لِشاءٍ عِجافٍ ∗∗∗ بِسَهْلِ تِهامَةَ والأخْيَفِ ∗∗∗ تَرَوْنَ الرِّعايَةَ مَجْدًا لَكم ∗∗∗ لَدى كُلِّ دَهْرٍ لَكم مُجْحِفٌ ∗∗∗ فَيا أيُّها الشّاهِدُونَ انْتَهُوا ∗∗∗ عَنِ الظُّلْمِ والمَنطِقِ المُؤْنِفِ ∗∗∗ لَعَلَّ اللَّيالِي وصَرْفَ الدُّهُورِ ∗∗∗ يُدَلْنَ عَنِ العادِلِ المُنْصِفِ ∗∗∗ بِقَتْلِ النَّضِيرِ وإجْلائِها ∗∗∗ وعَقْرِ النَّخِيلِ ولَمْ تُقْطَفْ فَأجابَهُ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هم أُوتُوُا الكِتابَ فَضَيَّعُوهُ ∗∗∗ وهم عُمْيٌ عَنِ التَّوْراةِ بُورُ ∗∗∗ كَفَرْتُمْ بِالقُرْآنِ وقَدْ أتَيْتُمْ ∗∗∗ بِتَصْدِيقِ الَّذِي قالَ النَّذِيرُ ∗∗∗ وهانَ عَلى سَراةِ بَنِي لُؤَيٍّ ∗∗∗ حَرِيقٌ بِالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ ثُمَّ إنَّ المُسْلِمِينَ جَلَّ في صُدُورِهِمْ ما فَعَلُوهُ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هَذا فَسادٌ، وقالَ آخَرُونَ مِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: هَذا مِمّا يَجْزِي اللَّهُ بِهِ أعْداءَهُ ويَنْصُرُ أوْلِياءَهُ فَقالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَنا فِيما قَطَعْنا مِن أجْرٍ؟

وهَلْ عَلَيْنا فِيما تَرَكْنا مِن وِزْرٍ؟

فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى النَّبِيِّ  حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ ﴾ الآيَةَ.

وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ.

وَفِي اللِّينَةِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: النَّخْلَةُ مِن أيِّ الأصْنافِ كانَتْ، قالَهُ ابْنُ حِبّانَ.

الثّانِي: أنَّها كِرامُ النَّخْلِ، قالَهُ سُفْيانُ.

الثّالِثُ: أنَّها العَجْوَةُ خاصَّةً، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وذَكَرَ أنَّ العَتِيقَ والعَجْوَةَ كانا مَعَ نُوحٍ في السَّفِينَةِ، والعَتِيقُ الفَحْلُ، وكانَتِ العَجْوَةُ أصْلَ الإناثِ كُلِّها ولِذَلِكَ شَقَّ عَلى اليَهُودِ قَطْعُها.

الرّابِعُ: أنَّ اللِّينَةَ الفَسِيلَةُ لِأنَّها ألْيَنُ مِنَ النَّخْلَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ غَرَسُوا لِينَها بِمَجْرى مَعِينٍ ∗∗∗ ثُمَّ حَفُّوا النَّخِيلَ بِالآجامِ الخامِسُ: أنَّ اللِّينَةَ جَمِيعُ الأشْجارِ لِلِينِها بِالحَياةِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ طِراقُ الخَوافِي واقِعٌ فَوْقَ لِينَةٍ ∗∗∗ نَدى لَيْلَةٍ في رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ قالَ الأخْفَشُ: سُمِّيَتْ لِينَةً اشْتِقاقًا مِنَ اللَّوْنِ لا مِنَ اللِّينِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت: كانت غزوة بني النضير وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكان منزلهم ونخلهم في ناحية المدينة، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإِبل من الأمتعة والأموال إلا الحلقة يعني السلاح فأنزل الله فيهم ﴿ سبح لله ما في السماوات وما في الأرض ﴾ إلى قوله: ﴿ لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا ﴾ فقاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى صالحهم على الجلاء وأجلاهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله قد كتب ذلك عليهم، ولولا ذلك لعذبهم الله في الدنيا بالقتل والسبي، وأما قوله: ﴿ لأول الحشر ﴾ فكان جلاؤهم ذلك أول حشر في الدنيا إلى الشام.

وأخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي عن عروة مرسلاً قال البيهقي: وهو المحفوظ.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال: «لم أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير قال: هذا أوّل الحشر وأنا على الأثر» .

وأخرج البزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث «عن ابن عباس قال: من شك أن المحشر بالشام فليقرا هذه الآية ﴿ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ﴾ قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: اخرجوا، قالوا: إلى أين؟

قال: إلى أرض المحشر» .

وأخرج أحمد في الزهد عن قيس قال: قال جرير لقومه فيما يعظهم: والله إني لوددت أني لم أكن بنيت فيها لبنة ما أنتم إلا كالنعامة استترت، وإن أرضكم هذه خراب يسراها ثم يتبعها يمناها، وإن المحشر ههنا، وأشار إلى الشام.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ لأول الحشر ﴾ قال: فتح الله على نبيه في أول حشر حشر عليهم في أول ما قاتلهم، وفي قوله: ﴿ ما ظننتم ﴾ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن يخرجوا من حصونهم أبداً.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن عروة قال: «أمر الله رسوله بإجلاء بني النضير، وإخراجهم من ديارهم، وقد كان النفاق كثيراً بالمدينة فقالوا: أين تخرجنا؟

قال: أخرجكم إلى المحشر، فلما سمع المنافقون ما يراد بإخوانهم وأوليائهم من أهل الكتاب أرسلوا إليهم فقالوا: إنا معكم محيانا ومماتنا، إن قوتلتم فلكم علينا النصر، وإن أخرجتم لا نتخلف عنكم، ومناهم الشيطان الظهور فنادوا النبي صلى الله عليه وسلم: إنا والله لا نخرج، ولئن قاتلتنا لنقاتلنك، فمضى النبي صلى الله عليه وسلم فيهم لأمر الله وأمر أصحابه، فأخذوا السلاح ثم مضى إليهم، وتحصنت اليهود في دورهم وحصونهم، فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أزقتهم أمر بالأدنى من دورهم أن يهدم، وبالنخل أن يحرق ويقطع، وكفّ الله أيديهم وأيدي المنافقين فلم ينصروهم وألقى الله في قلوب الفريقين الرعب، ثم جعلت اليهود كلما خلص رسول الله صلى الله عليه وسلم من هدم ما يلي مدينتهم ألقى الله في قلوبهم الرعب فهدموا الدور التي هم فيها من أدبارها ولم يستطيعوا أن يخرجوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كادوا أن يبلغوا آخر دورهم وهم ينتظرون المنافقين وما كانوا منوهم، فلما يئسوا مما عندهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان عرض عليهم قبل ذلك، فقاضاهم على أن يجليهم ولهم أن يتحملوا بما استقلت به الإِبل، من الذي كان لهم إلا ما كان من حلقة السلاح، فذهبوا كل مذهب، وكانوا قد عيروا المسلمين حين هدموا الدور وقطعوا النخل، فقالوا: ما ذنب شجرة وأنتم تزعمون أنكم مصلحون، فأنزل الله: ﴿ سبح لله ما في السماوات وما في الأرض ﴾ إلى قوله: ﴿ وليخزي الفاسقين ﴾ ثم جعلها نفلاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يجعل منها سهماً لأحد غيره، فقال: ﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم ﴾ إلى قوله: ﴿ قدير ﴾ فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن أراه الله من المهاجرين الأوّلين» .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طريق العوفي عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ فأعطوه ما أراد منهم فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم وأوطانهم، وأن يسيرهم إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيراً وسقاء.

وأخرج البغوي في معجمه عن محمد بن مسلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى بني النضير، وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاثاً.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير، والجلاء، إخراجهم من أرضهم إلى أرض أخرى.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير وقطع وهي البويرة ولها يقول حسان بن ثابت: فهان على سراة بني لؤيّ ** حريق بالبويرة مستطير فأنزل الله: ﴿ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ﴾ .

وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قول الله: ﴿ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها ﴾ قال: اللينة النخلة ﴿ وليخزي الفاسقين ﴾ قال: استنزلوهم من حصونهم وأمروا بقطع النخل، فحاك في صدورهم فقال المسلمون: قد قطعنا بعضاً وتركنا بعضاً فلنسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لنا فيما قطعنا من أجر وهل علينا فيما تركنا من وزر، فأنزل الله: ﴿ ما قطعتم من لينة ﴾ الآية.

وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن جابر قال: رخص لهم في قطع النخل، ثم شدد عليهم فقالوا: يا رسول الله علينا إثم فيما قطعنا أو فيما تركنا من وزر، فأنزل الله: ﴿ ما قطعتم من لينة ﴾ الآية.

وأخرج ابن إسحاق عن يزيد بن رومان قال: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني النضير تحصنوا منه في الحصون فأمر بقطع النخل والتحريق فيها فنادوه يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه فما بال قطع النخل وتحريقها؟

فنزلت ﴿ ما قطعتم من لينة....

﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن مجاهد قال: نهى بعض المهاجرين بعضاً عن قطع النخل، وقالوا: إنما هي من مغانم المسلمين، وقال الذين قطعوا: بل هي غيظ للعدوّ فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل من قطعه من الإِثم، فقال: إنما قطعه وتركه بإذن الله.

وأخرج ابن إسحاق وابن مردويه عن ابن عباس أن سورة الحشر نزلت في النضير، وذكر الله فيها الذي أصابهم من النعمة وتسليط رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم حتى عمل بهم الذي عمل بإذنه، وذكر المنافقين الذين كانوا يراسلونهم ويعدونهم النصر فقال: ﴿ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأوّل الحشر ﴾ إلى قوله: ﴿ وأيدي المؤمنين ﴾ من هدمهم بيوتهم من تحت الأبواب ثم ذكر قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم النخل وقول اليهود له يا محمد قد كنت تنهىعن الفساد فما بال قطع النخل؟

فقال: ﴿ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ﴾ يخبرهم أنها نعمة منه، ثم ذكر مغانم بني النضير فقال: ﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم ﴾ إلى قوله: ﴿ قدير ﴾ أعلمهم أنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم يضعها حيث يشاء، ثم ذكر مغانم المسلمين مما يوجف عليه الخيل والركاب ويفتح بالحرب فقال: ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله واللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾ فذا مما يوجف عليه الخيل والركاب، ثم ذكر المنافقين عبد الله بن أبيّ بن سلول ومالكاً وداعساً ومن كان على مثل رأيهم فقال: ﴿ ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإِخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أُخْرِجْتُمْ لنخرجن معكم ﴾ إلى ﴿ كمثل الذين من قبلهم قريباً ﴾ يعني بني قينقاع الذين أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ﴾ قبل الشام وهم بنو النضير حي من اليهود أجلاهم نبي الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى خيبر مرجعه من أحد.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم ﴾ قال: النضير إلى قوله: ﴿ وليخزي الفاسقين ﴾ قال: ذلك ما بين ذلك كله.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: من شك أن المحشر إلى بيت القدس فليقرأ هذه الآية ﴿ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ﴾ فقد حشر الناس مرة وذلك حين ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة أجلى اليهود.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن كفار قريش كتبوا إلى عبد الله بن أبيّ بن سلول ومن كان يعبد الأوثان معه من الأوس والخزرج، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر يقولون: إنكم قد آويتم صاحبنا وإنكم أكثر أهل المدينة عدداً، وإنا نقسم بالله لنقاتلنه أو لنخرجنه ولنستعدين عليكم العرب، ثم لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونستبيح نساءكم وأبناءكم.، فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبيّ ومن معه من عبدة الأوثان تراسلوا واجتمعوا وأجمعوا لقتال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لقيهم في جماعة من أصحابه، فقال: لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت لتكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، فأنتم هؤلاء تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم.

فلما سمعوا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم تفرقوا فبلغ ذلك كفار قريش، وكانت وقعة بدر بعد ذلك فكتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصون، وإنكم لتقاتلن صاحبنا أو لنفعلن كذا وكذا ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء، وهي الخلاخيل.

فلما بلغ كتابهم اليهود اجتمعت بنو النضير بالغد وأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن اخرج إلينا في ثلاثين من أصحابك وليخرج إليك منا ثلاثون حبراً حتى نلتقي بمكان نصف بيننا وبينك، ويسمعوا منك، فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا كلنا.

فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثين من أصحابه وخرج إليه ثلاثون حبراً من اليهود حتى إذا برزوا في براز من الأرض قال بعض اليهود لبعض: كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون رجلاً من أصحابه كلهم يحب أن يموت قبله؟

فأرسلوا: كيف نفهم ونحن ستون رجلاً؟

أخرج في ثلاثة من أصحابك ونخرج إليك في ثلاثة من علمائنا فيسمعوا منك، فإن آمنوا بك آمنا كلنا وصدقناك فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة من أصحابه وخرج ثلاثة من اليهود واشتملوا على الخناجر وأرادوا الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى أخيها وهو رجل مسلم من الأنصار، فأخبرته خبر ما أراد بنو النضر من الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أخوها سريعاً حتى أدرك النبي صلى الله عليه وسلم فسارّه بخبرهم قبل أن يصل إليهم، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان الغد غدا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتائب فحصرهم فقال لهم: إنكم والله لا تأمنون عندي إلا بعهد تعاهدونني عليه، فأبوا أن يعطوه عهداً، فقاتلهم يومه ذلك هو والمسلمون، ثم غدا الغد على بني قريظة بالكتائب وترك بني النضير ودعاهم إلى أن يعاهدوه فعاهدوه فانصرف عنهم إلى بني النضير بالكتائب فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإِبل إلا الحلقة، والحلقة السلاح، فجلت بنو النضير، واحتملوا ما أقلت الإِبل من أمتعتهم وأبواب بيوتهم وخشبها، وكانوا يخربون بيوتهم فيهدمونها فيحتملون ما وافقهم من خشبها، وكان جلاؤهم ذلك أول حشر الناس إلى الشام، وكان بنو النضير من سبط من أسباط بني إسرائيل لم يصبهم جلاء منذ كتب الله الجلاء على بني إسرائيل، فلذلك أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلولا ما كتب الله عليهم من الجلاء لعذبهم في الدنيا كما عذبت بنو قريظة، فأنزل الله: ﴿ سبح لله ما في السماوات وما في الأرض ﴾ حتى بلغ ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ فكان نخيل بني النضير لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، فأعطاه الله إياها وخصّه بها، فقال: ﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ﴾ يقول: بغير قتال فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم أكثرها المهاجرين، وقسمها بينهم، وقسم منها لرجلين من الأنصار كانا ذوي حاجة لم يقسم لأحد من الأنصار غيرهما، وبقي منها صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي في أيدي بني فاطمة.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك أن قريظة والنضير قبيلتين من اليهود كانوا حلفاء لقبيلتين من الأنصار، الأوس والخزرج في الجاهلية، «فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأسلمت الأنصار وأبت اليهود أن يسلموا سار المسلمون إلى بني النضير وهم في حصونهم، فجعل المسلمون يهدمون ما يليهم من حصونهم ويهدم الآخرون ما يليهم سقط أن يقع عليهم حتى أفضوا إليهم فنزلت ﴿ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم ﴾ إلى قوله: ﴿ شديد العقاب ﴾ فلما أفضوا إليهم نزلوا على عهد بينهم وبين نبي الله صلى الله عليه وسلم على أن يجلوهم وأهليهم ويأخذوا أموالهم وأرضهم، فأجلوا ونزلوا خيبر، وكان المسلمون يقطعون النخل، فحدثني رجال من أهل المدينة أنها نخل أصفر كهيئة الدقل تدعى اللينة.، فاستنكر ذلك المشركون، فأنزل الله عذر المسلمين ﴿ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ﴾ فأما قول الله: ﴿ فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ﴾ قال: لم يسيروا إليهم على خيل ولا ركاب إنما كانوا في ناحية المدينة، وبقيت قريظة بعدهم عاماً أو عامين على عهد بينهم وبين نبي الله صلى الله عليه وسلم، فلما جاء المشركون يوم الأحزاب أرسل المشركون إليهم أن اخرجوا معنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلت إليهم اليهود أن ارسلوا إلينا بخمسين من رهنكم، فجاء نعيم بن مسعود الأشجعي إلى المسلمين فحدثهم، وكان نعيم يأمن في المسلمين والمشركين، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قد أرسلوا إلى المشكرين يسألونهم خمسين من رهنهم ليخرجوا معهم فأبوا أن يبعثوا إليهم بالرهن فصاروا حرباً للمسلمين والمشركين فبعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ وخوات بن جبير، فلما أتياهم قال عظيمهم كعب بن الأشرف: إنه قد كان لي جناحان فقطعتم أحدهما فإما أن تردوا عليّ جناحي، وإما أن أتخذ عليكم جناحاً، فقال خوات بن جبير: إني لأهم أن أطعنه بحربتي.

فقال له سعد: إذن يسبق القوم ويأخذون، فمنعه فرجعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثاه بالذي كان من أمرهما وأذن الله فيهم، ورجع الأحزاب ووضع النبي صلى الله عليه وسلم سلاحه فأتاه جبريل، فقال: والذي أنزل عليك الكتاب ما نزلت عن ظهرها منذ نزل بك المشركون حتى هزمهم الله، فسر فإن الله قد أذن لك في قريظة فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه فقال لهم: يا إخوة القردة والخنازير، فقالوا: يا أبا القاسم ما كنت فحاشاً فنزلوا على حكم سعد بن معاذ وكان من القبيلة الذين هم حلفاؤهم فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتقسم غنائمهم وأموالهم ويذكرون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حكم بحكم الله فضرب أعناقهم وقسم غنائمهم وأموالهم» .

وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن سعيد قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير في حاجة فهموا به فأطلعه الله على ذلك فندب الناس إليهم فصالحهم على أن لهم الصفراء والبيضاء وما أقلت الإِبل، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم النخل والأرض والحلقة قسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين، ولم يعط أحداً من الأنصار منها شيئاً إلا سهل بن حنيف وأبا دجانة.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غدا يوماً إلى النضير ليسألهم كيف الدية فيهم، فلما لم يروا مع رسول الله كثير أحد أبرموا بينهم على أن يقتلوه ويأخذوا أصحابه أسارى ليذهبوا بهم إلى مكة ويبيعوهم من قريش.

فبينما هم على ذلك إذ جاء من اليهود من المدينة فلما رأى أصحابه يأتمرون بأمر النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: ما تريدون؟

قالوا: نريد أن نقتل محمداً ونأخذ أصحابه، فقال لهم: وأين محمد؟

قالوا: هذا محمد قريب.

فقال لهم صاحبهم: والله لقد تركت محمداً داخل المدينة فأسقط بأيديهم وقالوا: قد أخبر أنه انقطع ما بيننا وبينه من العهد، فانطلق منهم ستون حبراً ومنهم حيي بن أخطب والعاصي بن وائل حتى دخلوا على كعب، وقالوا: يا كعب أنت سيد قومك ومدحهم احكم بيننا وبين محمد، فقال لهم كعب: أخبروني ما عندكم قالوا: نعتق الرقاب ونذبح الكوماء، وإن محمداً انبتر من الأهل والمال فشرفهم كعب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فانقلبوا فأنزل الله: ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ﴾ [ النساء: 51] إلى ﴿ فلن تجد له نصيراً ﴾ [ المائدة: 11] ونزل عليه لما أرادوا أن يقتلوه ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ﴾ الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يكفيني كعباً؟» فقال ناس من أصحابه فيهم محمد بن مسلمة: نحن نكفيك يا رسول الله ونستحل منك شيئاً فجاؤوه فقالوا: يا كعب إن محمداً كلفنا الصدقة فبعنا شيئاً.

قال عكرمة: فهذا الذين استحلوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم كعب: أرهنوني أولادكم فقالوا: إن ذاك عار فينا غداً تبيح أن يقولوا عبد وسق ووسقين وثلاثة، قال كعب: فاللامة.

قال عكرمة: وهي السلاح، فأصلحوا أمرهم على ذلك فقالوا: موعد ما بيننا وبينك القابلة، حتى إذا كانت القابلة راحوا إليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم في المصلى يدعو لهم بالظفر، فلما جاؤوا نادوه يا كعب، وكان عروساً فأجابهم، فقالت امرأته: وهي بنت عمير أين تنزل قد أشم الساعة ريح الدم، فهبط وعليه ملحفة مورسة، وله ناصية، فلما نزل إليهم قال القوم: ما أطيب ريحك ففرح بذلك فقام إليه محمد بن مسلمة فقال قائل المسلمين: أشمونا من ريحه، فوضع يده على ثوب كعب وقال: شموا فشموا، وهو يظن أنهم يعجبون بريحه، ففرح بذلك، فقال محمد بن مسلمة: بقيت أنا أيضاً، فمضى إليه فأخذ بناصيته ثم قال: اجلدوا عنقه، فجلدوا عنقه، ثم إن رسول الله غدا إلى النضير، فقالوا: ذرنا نبك سيدنا، قال: لا، قالوا فحزة على حزة.

قال: نعم حزة على حزة.

فلما رأوا ذلك جعلوا يأخذون من بطون بيوتهم الشيء لينجوا به والمؤمنون يخربون بيوتهم من خارج ليدخلوا عليهم، فلولا أن كتب الله عليهم الجلاء، قال عكرمة: والجلاء يجلون منهم ليقتلهم بأيديهم.

وقال عكرمة: إن ناساً من المسلمين لما دخلوا على بني النضير أخذوا يقطعون النخل، فقال بعضهم لبعض: وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها، وقال قائل من المسلمين: لا يقطعون وادياً ولا ينالون من عدوّ نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح فأنزل الله: ﴿ ما قطعتم من لينة ﴾ وهي النخلة ﴿ أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله ﴾ قال: ما قطعتم فبإذني وما تركتم فبإذني.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ﴾ قال: كان المسلمون يخربون ما يليهم من ظاهرها ليدخلوا عليهم، ويخربها اليهود من داخلها.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن مقاتل بن حيان في قول الله عز وجل: ﴿ يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ﴾ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتلهم، فإذا ظهر على درب أو دار هدم حيطانها ليتسع المكان للقتال، وكانت اليهود إذا غلبوا على درب أو دار نقبوها من أدبارها ثم حصنوها ودربوها فيقول الله عز وجل: ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار ﴾ وقوله: ﴿ ما قطعتم من لينة ﴾ إلى قوله: ﴿ وليخزي الفاسقين ﴾ يعني باللينة النخل، وهي أعجب إلى اليهود من الوصف، يقال لثمرها اللون، فقالت اليهود عند قطع النبي صلى الله عليه وسلم نخلهم وعقر شجرهم: يا محمد زعمت أنك تريد الإِصلاح، أفمن الإِصلاح عقر الشجر وقطع النخل والفساد؟

فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم ووجد المسلمون من قولهم في أنفسهم من قطعهم النخل خشية أن يكون فساداً، فقال بعضهم لبعض: لا تقطعوا فإنه مما أفاء الله علينا، فقال الذين يقطعونها: نغيظهم بقطعها، فأنزل الله: ﴿ ما قطعتم من لينة ﴾ يعني النخل فبإذن الله وما تركتم قائمة على أصولها فبإذن الله فطابت نفس النبي صلى الله عليه وسلم وأنفس المؤمنين ﴿ وليخزي الفاسقين ﴾ يعني يهود أهل النضير.

وكان قطع النخل وعقر الشجر خزياً لهم.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الزهري في قوله: ﴿ يخربون بيوتهم بأيديهم ﴾ قال: ما صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم كانوا لا يعجبهم خشبة إلا أخذوها فكان ذلك تخريبها.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ يخربون بيوتهم ﴾ من داخل الدار لا يقدرون على قليل ولا كثير ينفعهم إلا خربوه وأفسدوه لئلا يدعوا شيئاً ينفعهم إذا رحلوا، وفي قوله: ﴿ وأيدي المؤمنين ﴾ ويخرب المؤمنون ديارهم من خارجها كيما يخلصوا إليهم، وفي قوله: ﴿ ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ﴾ قال: لسلط عليهم فضربت أعناقهم وسبيت ذراريهم، ولكن سبق في كتابه الجلاء لهم ثم أجلوا إلى أذرعات وأريحا.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ﴾ قال: كانت بيوتهم مزخرفة فحسدوا المسلمين أن يسكنوها، وكانوا يخربونها من داخل، والمسلمون من خارج.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال: الجلاء خروج الناس من البلد إلى البلد.

وأخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ ما قطعتم من لينة ﴾ قال: هي النخلة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير مثله.

وأخرج عبد بن حميد عن عطية وعكرمة ومجاهد وعمرو ابن ميمون مثله.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ من لينة ﴾ قال: نوع من النخل.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال: اللينة ما دون العجوة من النخل.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الزهري قال: اللينة ألوان النخل كلها إلا العجوة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ ما قطعتم من لينة ﴾ قال: نخلة أو شجرة.

وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه قرأ ﴿ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قواماً على أصولها ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن شهاب قال: يلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرق بعض أموال بني النضير فقال قائل: فهان على سراة بني لؤيّ ** حريق بالبويرة مستطير وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: قطع المسلمون يومئذ النخل، وأمسك أناس كراهية أن يكون فساداً فقالت اليهود: الله أذن لكم في الفساد؟

فقال الله: ﴿ ما قطعتم من لينة ﴾ قال: واللينة ما خلا العجوة من النخل إلى قوله: ﴿ وليخزي الفاسقين ﴾ قال: لتغيظوهم ﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ﴾ قال: ما قطعتم إليها وادياً ولا سيرتم إليها دابة ولا بعيراً إنما كانت حوائط لبني النضير أطعمها الله رسوله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم بين قريش والمهاجرين، النضير فأنزل الله: ﴿ ما قطعتم من لينة ﴾ قال: ما هي العجوة والفنيق والنخيل، وكانا مع نوح في السفينة، وهما أصل التمر، ولم يعط رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار أحداً إلا رجلين أبا دجانة وسهل بن حنيف.

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن الأوزاعي قال: «أتى النبي صلى الله عليه وسلم يهودي فسأله عن المشيئة قال: المشيئة لله، قال: فإني أشاء أن أقوم، قال: قد شاء الله أن تقوم، قال: فإني أشاء أن أقعد، قال: فقد شاء الله أن تقعد، قال: فإني أشاء أن أقطع هذه النخلة، قال: فقد شاء الله أن تقطعها، قال: فإني أشاء أن أتركها، قال: فقد شاء الله أن تتركها، قال: فأتاه جبريل عليه السلام فقال: قد لقنت حجتك كما لقنها إبراهيم عليه السلام، قال: ونزل القرآن ﴿ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ﴾ » .

وأخرج عبد الرزاق والبيهقي وابن المنذر عن الزهري في قوله: ﴿ فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ﴾ قال: صالح النبي صلى الله عليه وسلم أهل فدك وقرى سماها وهو محاصر قوماً آخرين، فأرسلوا بالصلح فأفاءها الله عليهم من غير قتال، ولم يوجفوا عليه خيلاً ولا ركاباً فقال الله: ﴿ فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ﴾ يقول: بغير قتال.

وقد كانت أموال بني النضير للنبي صلى الله عليه وسلم خالصاً لم يفتتحوها عنوة إنما فتحوها على صلح، فقسمها النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلا رجلين كانت بهما حاجة أبو دجانة وسهل بن حنيف.

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن المنذر عن عمر بن الخطاب قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة فكان ينفق على أهله منها نفقة سنتهم، ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ﴾ قال: يذكرهم ربهم أنه نصرهم وكفاهم بغير كراع ولا عدة في قريظة وخيبر.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ﴾ قال: أمر الله رسوله بالسير إلى قريظة والنضير، وليس للمؤمنين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكم فيه ما أراد، ولم يكن يومئذ خيل ولا ركاب يوجف بها.

قال: والايجاف أن يوضعوا السير وهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان من ذلك خيبر وفدك وقرى عربية، وأمر الله رسوله أن يعد لينبع، فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتواها كلها، فقال أناس: هلا قسمها فأنزل الله عذره فقال: ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ﴾ إلى قوله: ﴿ شديد العقاب ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ﴾ قال: من قريظة جعله الله لمهاجرة قريش خصوا به.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الزهري في قوله: ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ﴾ قال: بلغني أنها الجزية والخراج.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كان ما أفاء الله على رسوله من خيبر نصف لله ورسوله، والنصف الآخر للمسلمين فكان الذي لله ورسوله من ذلك الكتيبة والوطيخ وسلالة ووجدة، وكان الذي للمسلمين الشق والشق ثلاثة عشر سهماً ونطاه خمسة أسهم، ولم يقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر لأحد من المسلمين إلا لمن شهد الحديبية، ولم يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد تخلف عنه عند مخرجه الحديبية أن يشهد معه خيبر إلا جابر بن عبدالله بن عمرو بن حزام الأنصاري.

وأخرج أبو داود وابن مردويه عن عمر بن الخطاب قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم صفايا بني النضير وخيبر وفدك، فأما بنو النضير فكانت حبساً لنوائبه، وأما فدك فكانت لابن السبيل، وأما خيبر فجزأها ثلاثة أجزاء فقسم منها جزأين بين المسلمين، وحبس جزءاً لنفسه ولنفقة أهله، فما فضل عن نفقة أهله رده على فقراء المهاجرين.

وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن الأعمش قال: ليس بين مصحف عبدالله وزيد بن ثابت خلاف في حلال وحرام إلا في حرفين في سورة الأنفال ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسة وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾ [ الأنفال: 41] وفي سورة الحشر ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والمهاجرين في سبيل الله ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾ قال: كان الفيء بين هؤلاء، فنسختها الآية التي: في الأنفال فقال: ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾ [ الأنفال: 41] فنسخت هذه الآية ما كان قبلها في سورة الحشر فجعل الخمس لمن كان له الفيء وصار ما بقي من الغنيمة لسائر الناس لمن قاتل عليها.

وأخرج أبو عبيد في كتاب الأموال وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو عوانة وابن حبان وابن مردويه عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: بعث إليّ عمر بن الخطاب في الهاجرة، فجئته فدخلت عليه فإذا هو جالس على سرير ليس بينه وبين رمل السرير فراش، متكئ على وسادة من آدم، فقال: يا مالك إنه قدم علينا أهل أبيات من قومك، وإني قد أمرت فيهم برضخ فخذه فأقسمه بينهم، فقلت: يا أمير المؤمنين إنهم قومي وأنا أكره أن أدخل بهذا عليهم فمر به غيري فإني لأراجعه في ذلك إذ جاءه يرفا غلامه فقال: هذا عثمان بن عفان وطلحة بن عبيدالله والزبير وعبد الرحمن بن عوف، فأذن لهم فدخلوا، ثم جاءه يرفا فقال: هذا علي وعباس قال: ائذن لهما في الدخول فدخلا، فقال عباس: ألا تعديني على هذا فقال القوم: يا أمير المؤمنين اقض بين هذين وأرح كل واحد منهما من صاحبه، فإن في ذلك راحة لك ولهما.

فجلس عمر ثم قال: اتئدوا.

وحسر عن ذراعيه ثم قال: أنشدكم بالله أيها الرهط هل سمعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «انا لا نورث ما تركنا صدقة إن الأنبياء لا تورث» فقال القوم: نعم قد سمعنا ذاك.

ثم أقبل على علي وعباس فقال: أنشدكما بالله هل سمعتما رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذاك؟

قالا: نعم، فقال عمر: ألا أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله خص نبيه من هذا الفيء بشيء لم يعطه غيره يريد أموال بني النضير كانت نقلاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لأحد فيها حق معه، فوالله ما احتواها دونكم ولا استأثر بها عليكم، لقد قسمها فيكم حتى كان منها هذا المال، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخر منه قوت أهله لسنتهم، ويجعل ما بقي في سبيل المال حتى توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم، فقام أبو بكر، فقال: أنا وليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعمل بما كان يعمل وأسير بسيرته في حياته، فكان يدخر من هذا المال قنية أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم لسنتهم، ويجعل ما بقي في سبل المال كما كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوليها أبو بكر حياته حتى توفي أبو بكر، قلت: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم وولي أبي بكر أعمل بما كانا يعملان به في هذا المال فقبضتها، فلما أقبلتما عليّ وأدبرتما وبدا لي أن أدفعها إليكما أخذت عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به فيها وأبو بكر وأنا، حتى دفعتها إليكما أنشدكم الله أيها الرهط هل دفعتها إليهما بذلك؟

قالوا: اللهم نعم، ثم أقبل عليهما فقال: أنشدكما بالله هل دفعتها إليكما بذلك؟

قالا: نعم، قال: فقضاء غير ذلك تلتمسان مني، فلا والله لا أقضي فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن كنتما عجزتما عنها فأدياها إليّ ثم قال عمر: إن الله قال: ﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير ﴾ فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى ﴾ إلى آخر الآية ﴿ واتقوا الله إن الله شديد العقاب ﴾ ثم قال: والله ما أعطاها هؤلاء وحدهم حتى قال: ﴿ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ﴾ ثم والله ما جعلها لهؤلاء وحدهم حتى قال: ﴿ والذين تبوَّءو الدار والإِيمان ﴾ إلى ﴿ المفلحون ﴾ ثم والله ما أعطاها لهؤلاء وحدهم حتى قال: ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ﴾ إلى قوله: ﴿ رحيم ﴾ فقسمها هذا القسم على هؤلاء الذين ذكر.

قال عمر: لئن بقيت ليأتين الرويعي بصنعاء حقه ودمه في وجهه.

وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيدة وابن زنجويه معاً في الأموال وعبد بن حميد وأبو داود وفي ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: قرأ عمر بن الخطاب ﴿ إنما الصدقات للفقراء والمساكين ﴾ حتى بلغ ﴿ عليم حكيم ﴾ ثم قال: هذه لهؤلاء ثم قرأ ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ﴾ حتى بلغ ﴿ للفقراء المهاجرين ﴾ إلى آخر الآية فقال: هذه للمهاجرين، ثم تلا ﴿ والذين تبوّءو الدار والإِيمان من قبلهم ﴾ إلى آخر الآية فقال: هذه للأنصار، ثم قرأ ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم ﴾ إلى آخر الآية ثم قال: استوعبت هذه المسلمين عامة وليس أحد إلا له في هذا المال حق، ألا ما تملكون من وصيتكم ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي وهو يسير حمره نصيه منها لم يعرق فيه جبينه.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: اجتمعوا لهذا المال فأنظروا لمن ترونه، ثم قال لهم: إني أمرتكم أن تجتمعوا لهذا المال فتنظروا لمن ترونه، وإني قرأت آيات من كتاب الله فكفتني، سمعت الله يقول: ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ﴾ إلى قوله: ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ والله ما هو لهؤلاء وحدهم ﴿ والذين تبوّءُو الدار والإِيمان ﴾ إلى قوله: ﴿ المفلحون ﴾ والله ما هو لهؤلاء وحدهم ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ﴾ إلى قوله: ﴿ رحيم ﴾ والله ما أحد من المسلمين إلا له حق في هذا المال أعطي منه أو منع عنه حتى راع بعدن.

وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن أبي شيبة وابن زنجويه في الأموال وعبد بن حميد وابن المنذر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ما على وجه الأرض مسلم إلا وله في هذا المال حق إلا ما ملكت أيمانكم.

وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في سننه عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: قسم عمر ذات يوم قسماً من المال، فجعلوا يثنون عليه، فقال: ما أحمقكم لو كان لي ما أعطيتكم منه درهماً.

وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن أبي نجيح رضي الله عنه قال: المال ثلاثة: مغنم، أو فيء، أو صدقة.

فليس منه درهم إلا بيّن الله موضعه.

وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن يملأ الله أيديكم من العجم ثم يجعلهم أسداً لا يفرون فيقتلون مقاتلتكم ويأكلون فيئكم» .

وأخرج ابن سعد عن السائب بن يزيد سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: والذي لا إله إلا هو ثلاثاً ما من الناس أحد إلا له حق في هذا المال أعطيه أو منعه، وما أحد أحق به من أحد إلى عبد مملوك، وما أنا فيه إلا كأحدكم، ولكنا على منازلنا من كتاب الله وقسمنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالرجل وبلاؤه في الإِسلام، والرجل وقدمه في الإِسلام، والرجل وغناه في الإِسلام، والرجل وحاجته في الإِسلام، والله لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو مكانه.

وأخرج ابن سعد عن الحسن رضي الله عنه قال: كتب عمر إلى حذيفة أن أعط الناس أعطيتهم وأرزاقهم، فكتب إليه إنا قد فعلنا وبقي شيء كثير، فكتب إليه عمر: إن فيأهم الذي أفاء الله عليهم، ليس هو لعمر ولا لآل عمر اقسمه بينهم.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال: وجدت المال قسم بين هذه الثلاثة الأصناف: المهاجرين والأنصار والذين جاؤوا من بعدهم.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه مثل ذلك.

قوله تعالى: ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه ﴾ الآية.

أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ قال: كان يؤتيهم الغنائم وينهاهم عن الغلول.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه ﴾ قال: من الفيء ﴿ وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ قال: من الفيء.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي اله عنه ﴿ وما آتاكم الرسول ﴾ من طاعتي وأمري ﴿ فخذوه وما نهاكم عنه ﴾ من معصيتي فانتهوا.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والنسائي وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ألم يقل الله ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ قالوا: بلى، قال: ألم يقل الله: ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ﴾ [ الأحزاب: 36] الآية قال: فإني أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه سمع ابن عمر وابن عباس يشهدان على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وابن المنذر وابن مردويه عن علقمة رضي الله عنه قال: قال عبدالله بن مسعود: لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات لخلق الله.

فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، فجاءت إليه فقالت: إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت، قال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في كتاب الله.

قالت: لقد قرأت ما بين الدفتين فما وجدت فيه شيئاً من هذا قال: لئن كنت قرأته لقد وجدته أما قرأت ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ قالت: بلى، قال: فإنه قد نهى عنه والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ الله عَلَيْهِمُ الجلاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدنيا ﴾ الجلاء هو الخروج عن الوطن، فالمعنى لولا أن كتب الله على بني النضير خروجهم عن أوطانهم لعذبهم في الدنيا بالسيف كما فعل بإخوانهم بني قريظة، ولهم مع ذلك عذاب النار ﴿ شَآقُّواْ ﴾ ذكر في الأنفال.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يخربون ﴾ بالتشديد: أبوعمرو.

والباقون: بالتخفيف من الإخراب ﴿ تكون ﴾ بالتاء الفوقانية ﴿ دولة ﴾ بالرفع على " كان " التامة: يزيد.

والآخرون: على التذكير والنصب ﴿ جدار ﴾ بالألف على التوحيد: ابن كثير وأبو عمرو.

والآخرون: بضمتين من غير ألف.

﴿ إني أخاف ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

و ﴿ الباري ﴾ بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو طريق ابن عبدوس.

الوقوف ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الحشر ﴾ ط ﴿ الأبصار ﴾ ط ﴿ في الدنيا ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ه ﴿ ورسوله ﴾ ج بناء على أن الشرط من جملة المذكور ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ فانتهوا ﴾ ج لابتداء من بعد جزاء الشرط مع اتفاق النظم ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه لئلا يوهم أن قوله ﴿ للفقراء ﴾ يتعلق بـ ﴿ شديد ﴾ ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الصادقون ﴾ ه ج بناء على أن ما بعده مستأنف أو معطوف ويجيء وجه كل منهما في التفسير.

﴿ خصاصة ﴾ قف قيل: وقفة والأحسن الوصل لأن الاعتراض مؤكد لما قبله ﴿ المفلحون ﴾ ه لمثل المذكور ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ لا لأن ما بعده من تمام القول ﴿ لننصركم ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ معهم ﴾ ج ﴿ لا ينصرونهم ﴾ ط للعطف فيهما مع الابتداء بالقسم ﴿ لا ينصرون ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ جدر ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ج لتعلق الكاف بـ ﴿ لا يعقلون ﴾ أو بمحذوف أو مثلهم كمثل ﴿ أمرهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ أليم ﴾ ه ج لما قلنا ﴿ اكفر ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ لغد ﴾ ج لاعتراض خصوص بين العمومين أي لم يتق الله كل واحد منكم فلتنظر لغدها نفس واحد منكم ﴿ واتقوا الله ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ أنفسهم ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ الأولى ط ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ من خشية الله ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده خبر مبتدأ محذوف ﴿ والشهادة ﴾ ج لاحتمال كون الضمير بدلاً من عالم أو مبتدأ ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط لما قلنا ﴿ المتكبر ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه.

التفسير: قال المفسرون: صالح بنو النضر رسول الله  على أن لا يكونوا عليه ولا له، فلما غلب الكفار يوم بدر قالوا: هوالنبي الذي نعته في التوراة لا ترد له رأيه، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبين إلى مكة فعاهدوا قريشاً عند الكعبة، فأمر النبي  محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل كعباً غيلة وكان اخا كعب من الرضاعة ثم صبحهم بالكتائب وهو على حمار مخطوم بليف فقال لهم: اخرجوا من المدينة فقالوا: الموت أحب إلينا من ذاك.

فتنادوا بالحرب.

وقيل: استمهلوا رسول الله  عشرة أيام ليتجهزوا للخروج فأرسل إليهم عبد الله بن أبيّ المنافق وأصحابه لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم ولا نخذلكم ولئن خرجتم لنخرجن معكم فدرّبوا على الأزقة وحصنوها، فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة.

فلما قذف الله الرعب في قلوبهم وأيسوا من نصرة المنافقين طلبوا الصلح فأبى عليهم إلا الجلاء على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤا من متاعهم، فذهبوا إلى اريحاء وأذرعات من الشأم إلا أهل بيتين منهم ابن أبي الحقيق وحُيَيّ بن أخطب فإنهم لحقوا بخيبر ولحقت طائفة بالحيرة.

واللام في قوله ﴿ لأول الحشر ﴾ بمعنى الوقت كقولك " جئت ليوم كذا ".

وهم أول من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام.

فمعنى الحشر إخراج الجميع من مكان، ومعنى الأولية أنه لم يصبهم قبل ذلك مثل هذا الذل لأنهم كانوا أهل منعة هذا قول ابن عباس والأكثرين.

وقيل: هذا أول حشرهم، وآخره حيث يحشر الناس للساعة إلى ناحية الشام كما جاء في الحديث " نار تخرج من المشرق وتسوق الناس إلى المغرب" قاله قتادة.

وقيل: آخر حشرهم إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام.

وقيل: معناه لأول ما حشر بقتالهم لأنه أول قتال قاتلهم رسول الله  .

قال في الكشاف: الفرق بين النظم الذي جاء عليه وبين قول القائل " وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم " هو أن في تقديم الخبر على المبتدأ دليلاً على فرط وثوقهم بحصانتها، وفي نصب ضميرهم اسماً لأن إسناد الجملة إليه دليل على أنهم اعتقدوا عزة أنفسهم ومنعتها بحيث لا يمكن لأحد أن يتعرض لهم.

قلت: حاصل كلامه  الحصر.

ومعنى إتيان الله إتيان أمره وهو النصر إن عاد إلى اليهود وهذا أظهر ليناسب قوله  ﴿ في قلوبهم ﴾ ولاستعمال القرآن نظيره في مواضع أخر في معرض التهديد ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله  ﴾ ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك  ﴾ ومعنى ﴿ لم يحتسبوا ﴾ أنه لم يخطر ببالهم قتل كعب غيلة على يد أخيه.

وقذف الرعب في قلوبهم وهذا من خواص نبينا  كما مر في آل عمران ﴿ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب  ﴾ وفي لفظ القذف زيادة تأكيد ولهذا قالوا في صفة الأسد " مقذف " فكأنما قذف باللحم قذفاً لاكتنازه وتداخل أجزائه.

قال الفراء ﴿ يخربون ﴾ بالتشديد يهدمون، وبالتخفيف يخرجون منها ويتركونها.

وكان أبو عمرو ويقول: الإخراب أن يترك الشيء خراباً، والتخريب الهدم، وبنو النضير خربوا وما أخربوا.

وزعم سيبويه أنهما يتعاقبان في بعض الأحكام نحو " فرحته " و " أفرحته " و " حسنة الله " و " أحسنه ".

قال المفسرون: إنهم لما أيقنوا بالجلاء حسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم فجعلوا يخربونها من داخل والمسلمون من خارج.

قلت: ويحتمل أن يكون بعض التخريب لسدّ أفواه الأزقة بالخشب والحجارة أو لنقل ما أرادوا حمله من جيد الخشب والساج.

وأما المؤمنون فداعيهم إلى ذلك إزالة تحصنهم أو أن يتسع لهم في الحرب مجال، ومعنى تخريبهم بأيدي المؤمنين أنهم كانوا السبب فيه وأنهم عرضوا المؤمنين لذلك.

ثم أمر أهل الابصار الباطنة بالاعتبار وهو العبور والمجاوزة من شيء إلى شيء، ومنه العبرة لأنها تنتقل من العين إلى الخد، والتعبير لأن صاحبه ينتقل من المتخيل إلى المعقول، والعبارة لأنها تنقل المعاني من لسان القائل إلى فهم المستمع، والسعيد من اعتبر بغيره لأنه ينتقل عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه، أو القائس يعبر عن المقيس عليه إلى المقيس.

ومعنى الاعتبار في الآية أنهم اعتمدوا على حصونهم وعدّتهم فأمر الله تعالى أرباب العقول بأن ينظروا في حالهم ولا يعتمدوا على شيء غير الله، أو المراد أن يعرف الإنسان عاقبة الكفر والغدر والطعن في النبوّة فإن أولئك اليهود وقعوا بشؤم الغدر والكفر في البلاء والجلاء.

واعترض بأن رب شخص وكفر وما عذب في الدنيا، ورب ممتحن مبتلى هو نبي أو ولي.

وأجيب بأن حاصل القياس والاعتبار يرجع إلى أن الغادر الكافر معذب أعم من أن يكون بالتخريب أو بالقتل أو في الدنيا أو في الآخرة والعكس لا يلزم.

وقيل: معنى الاعتبار أن رسول الله  وعدهم أن يورثهم أرضهم وأموالهم بغير قتال فكان كما وقع فدل على صحة نبوّته.

والجلاء أن لم يبق لهم بالمدينة دار ولا فيها منهم ديار وهذا عندهم أشدّ من الموت فلهذا قال ﴿ ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ﴾ بالقتل ﴿ ولهم في الآخرة ﴾ بعدما عاينوا في الدنيا ﴿ عذاب النار ذلك ﴾ التخريب أو الجلاء أو العذاب بسبب مخالفتهم وعصيانهم الله ورسوله.

قالت الفقهاء: فيه دليل على أن تخصيص العلة المنصوصة لا يقدح في صحتها فليس أينما حصلت هذه المشاقة حصل التخريب.

يروى أنه  حين أمر أن يقطع نخلهم ويحرق قالوا: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض فما بال قطع النخل وتحريقها؟

فكان في أنفس المؤمنين من ذلك شيء فأنزل الله تعالى ﴿ ما قطعتم ﴾ محله نصب و ﴿ من لينة ﴾ بيان له كأنه قيل: أي شيء قطعتم من لينة وهي النخلة من الألوان ما خلا العجوة والبرنية وهما أجود النخل.

وياؤها واو في الأصل كالديمة.

وقيل: هي النخلة الكريمة من اللين فتكون الياء أصلية، فبين الله  أن ذلك جائز غيظاً لقلوب الكفرة.

واحتج الفقهاء بها على جواز هدم حصون الكفار وقلع أشجارهم.

وعن ابن مسعود: قطعوا منها ما كان موضعاً للقتال.

وروي أن رجلين كان يقطع أحدهما العجوة والآخر يترك فسألهما رسول الله  فقال هذا: تركتها لرسول الله  وقال هذا: قطعتها غيظاً للكفار.

وقد يستدل بهذا على جواز الاجتهاد ولو بحضرة النبي  وعلى أن كل مجتهد مصيب.

قوله ﴿ وما أفاء الله ﴾ أدخل العاطف ههنا دون الأخرى لأن تلك بيان لهذه فهي غير أجنبية عنها والأولى معطوفة على ما قبلها.

ومعنى أفاء جعله فيئاً من فاء إذا رجع وذلك لرجوعه من ملك الكفار إلى ملك المسلمين.

والإيجاف من الوجيف وهو السير السريع.

وقوله ﴿ عليه ﴾ أي على ما أفاء.

والركاب ما يركب من الإبل واحدتها راحلة ولا واحد لها من لفظها، وقلما تطلق العرب الراكب إلا على راكب البعير، بين الله  الفرق بين الغنيمة والفيء حين طلب الصحابة أن يقسم أموال أولئك اليهود بينهم اعترض بعضهم بأن أموال بني النضير أخذت بعد القتال لأنهم حوصروا أياماً وقاتلوا وقتلوا ثم صالحوا على الجلاء فوجب أن تكون تلك الأموال من الغنيمة لا من الفيء.

وأجاب المفسرون من وجهين: الأول أنها لم تنزل في بني النضير وإنما نزلت في فدك ولهذا كان رسول الله  ينفق على نفسه وعلى عياله من غلة فدك ويجعل الباقي في السلاح والكراع.

الثاني تسليم أنها نزلت فيهم ولكن لم يكن للمسلمين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، ولم يقطعوا إليها مسافة كثيرة، وإنما كانوا على ميلين من المدينة فمشوا على أرجلهم ولم يركب إلا رسول الله  وكان راكب جمل، فلما كان المعاملة قليلة ولم يكن خيل ولا ركاب أجراه الله مجرى ما لم يكن قتال ثمة.

ثم روي أنه قسمها بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهو أبو دجانة وسهل بن حنيف والحرث بن أبرهة قال الواحدي: كان الفيء مقسوماً في زمان رسول الله  خمسة أسهم: أربعة منها لرسول الله  خاصة وكذا خمس الباقي، والسهم الأربعة من هذا الباقي لذي القربى ولد بني هاشم والمطلب، واليتامى والمساكين وابن السبيل.

وأما بعد الرسول فللشافعي فيه قولان: أحدهما أنه للمجاهدين المترصدين للقتال في الثغور لأنهم قاموا مقام رسول الله  في رباط الثغور.

والثاني أنه يصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثغور وحفر الأنهار وبناء القناطر الأهم فالأهم.

هذا في الأربعة الأخماس التي كانت له، وأما السهم الذي كان له من خمس الفيء فإنه لمصالح المسلمين بلا خلاف وقد مر سائر ما يتعلق بقسمة الغنائم في سورة الأنفال.

ثم بين الغرض من قسمة الفيء على الوجه المذكور فقال ﴿ كيلا يكون دولة ﴾ قال المبرد: هي اسم للشيء الذي يتداوله الناس بينهم يكون لهذا مرة ولهذا مرة كالغرفة اسم لما يغرف.

والدولة بالفتح انتقال حال سارة إلى قوم عن قوم.

قال جار الله: هي بالضم ما يدول للانسان أي يدور من الجد يقال دالت الدولة.

فعلى قول المبرد معناه كيلا يكون الفيء شيئاً يتداوله الأغنياء بينهم ويتعاورونه فلا يصيب الفقراء، وعلى قول جار الله: كيلا يكون الفيء الذي حقه أن يعطى الفقراء جداً بين الأغنياء يتكاثرون به، أو لكيلا يكون الفيء دولة جاهلية كان الرؤساء منهم يستأثرون بالغنائم لأنهم أهل الرياسة والجد والغلبة وكانوا يقولون من عز بر ومنه قول الحسن " اتخذوا عباد الله خولاً ومال الله دولاً " يريد من غلب منهم أخذه واستأثر به.

ومن قرأ على " كان " التامة فالمعنى كيلا يقع شيء متعاوراً بينهم غير مخرج إلى الفقراء، أو كيلا تقع دولة جاهلية أي ينقطع أثرها.

قوله ﴿ وما آتاكم ﴾ الآية.

قيل: يختص بأنه يقسم الغنائم وأن على المؤمنين أن يرضوا بما يعطيهم الرسول  منها، والأولى عند المحققين العموم.

قوله ﴿ للفقراء ﴾ بدل من قوله ﴿ ولذي القربى ﴾ إلى آخر الأصناف الأربعة.

ولا يجوز أيضاً أن يكون ابتدال البدل من قوله ﴿ فلله ﴾ لأنه يخل بتعظيم قولهم ﴿ وللرسول ﴾ لأنه  أخرجه عن الفقراء بقوله ﴿ وينصرون الله ورسوله ﴾ ولترفع منصبه عن التسمية بالفقير.

ولئن صح أنه  قال " "الفقر فخري" فذاك معنى آخر وهو غنى القلب وانقطاع التعلق عما سوى الله وجعل الهموم هماً واحداً وهو الافتقار بالكلية إلى الله.

إستدل بعض العلماء بقوله ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ على إمامة أبي بكر لأن هؤلاء المهاجرين كانوا يقولون له يا خليفة رسول الله  .

فلو لم تكن خلافته حقه لزم كذبهم وهو خلاف الآية.

وقال في الكشاف: أراد صدقهم في إيمانهم وجهادهم.

قوله ﴿ والذين تبوّؤا الدار ﴾ معطوف على المهاجرين وكذا قوله ﴿ والذين جاءوا ﴾ وذلك عند من يجعل الغنائم حلاً للمهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان أو التابعين لهم إلى يوم القيامة وعلى هذا يكون قوله ﴿ يحبون ﴾ و ﴿ يقولون ﴾ حالين أي الغنائم لهم محببن قائلين.

ومن جعل المراد بيان غنائم بني النضير وقف على ﴿ هم الصادقون ﴾ و ﴿ المفلحون ﴾ وجعل الفعلين خبرين.

وعلى هذا يكون الآيتان ثناء على الأنصار على الإيثار، وللتابعين على الدعاء.

قال مقاتل: أثنى على الأنصار حين طالبت أنفسهم عن الفيء إذ جعل للمهاجرين دونهم.

وههنا سؤالان أحدهما: أنه لا يقال تبوؤا الإيمان.

الثاني بتقدير التسليم أن الأنصار ما تبوؤا الإيمان قبل المهاجرين.

والجواب من الأول أن المراد تبوؤا الدار وأخلصوا الإيمان كقوله: "علفتها تبناً وماء بارداً" *** أو هو مجاز من تمكنهم واستقامتهم على الإيمان كأنهم جعلوه مستقراً لهم كالمدينة أو هو مجاز بالنقصان.

والمعنى تبوّؤا دار الهجرة ودار الإيمان فأقام لام التعريف في الدار مقام المضاف إليه وحذف المضاف من الثاني، أو سمى المدينة بالإيمان لأنها مكان ظهور الإيمان وهذا يؤل بالحقيقة إلى الوجه الذي تقدمه.

وعن الثاني أن المراد من قبل هجرتهم أو هو من تمام تبوء الدار، ولا شك أن الأنصار سبقوهم في ذلك وإن لم يسبقوهم في الإيمان ﴿ ولا يجدون في صدورهم حاجة ﴾ أي حسداً وغيظاً مما أوتى المهاجرون من الفيء وغيره.

وإطلاق لفظ الحاجة على الحسد والغيظ والحزازة من إطلاق اسم اللازم على الملزوم لأن هذه الأشياء لا تنفك عن الحاجة.

وقال جار الله: المحتاج إليه يسمى حاجة يعني أن نفوسهم لم تتبع ما أعطوا ولم تطح إلى شيء منه يحتاج إليه ﴿ ولو كان بهم خصاصة ﴾ أي خلة فهي من خصاص البيت أي فرجه، وكل خرق في منخل أو باب أو سحاب أو برقع فهي خصاص الواحد خصاصة.

وفعول ﴿ يؤثرون ﴾ محذوف أي يؤثرونهم ويخصونهم بأموالهم ومنازلهم على أنفسهم.

عن ابن عباس أن النبي  قال للأنصار: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من دوركم وأموالكم وقسمت لكم من الفيء كما قسمت لهم، وإن شئتم كان لهم القسم ولكم دياركم وأموالكم.

فقالوا: لا بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا نؤثرهم بالقسمة ولا نشاركهم فيها فنزلت.

والشح المنع الذاتي الذي تقتضيه الحالة النفسانية ولهذا أضيف إلى النفس، والبخل المنع المطلق من غير اعتبار صيرورته غريزة وملكة.

قال ابن زيد: من لم يأخذ شيئاً نهاه الله عن أخذه ولم يمنع شيئاً أمره الله بإعطائه فقد وقي شح نفسه.

وذكر المفسرون أنواعاً من إيثار الأنصار الضيف بالطعام وتعللهم عنه حتى شبع الضيف.

والظاهر أنها نزلت في الفيء كما مر ويدخل فيه غيره.

قوله ﴿ والذين جاءوا من بعدهم ﴾ أي هاجروا بعد المهاجرين الأوّلين.

وقيل: هم التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، فتشمل الآيات الثلاث جميع المؤمنين.

ثم عجب من أحوال أهل النفاق من أهل المدينة كعبد الله بن أبيّ وعبد الله بن نفيل ورفاعة بن زيد، كانوا في الظاهر من الأنصار ولكنهم يوالون اليهود في السر فصاروا إخوانهم في الكفر وقالوا له ملا نطيع في قتالكم أو خذلانكم أحداً.

ثم شهد إجمالاً عليهم بأنهم كاذبون، ثم فصل ذلك قائلاً ﴿ لئن أخرجوا ﴾ إلى قوله ﴿ ولئن نصروهم ﴾ وهذا على سبيل الفرض لأنه  كما يعلم ما يكون فهو يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون.

والمعنى لو فرض نصر المنافقين اليهود ليهزمن المنافقون ﴿ ثم لا ينصرون ﴾ بعد ذلك أي لا يمنعهم من عذاب الله مانع لظهور كفرهم.

وقيل: ليهزمن اليهود ثم لا تنفعهم نصرة المنافقين.

وعلى هذا يكون " ثم " لترتيب الأخبار كقوله ﴿ ثم اهتدى  ﴾ ثم بيّن الحكمة في الغزو فقال ﴿ لأنتم أشد رهبة ﴾ قال في الكشاف: أي مرهوبية هي مصدر رهب المبني للمفعول.

وقوله ﴿ في صدورهم ﴾ دلالة على نفاقهم يعني أنهم يظهرون لكم في العلانية خوف الله خوفاً شديداً ورهبتهم في السر منكم أشد من ذلك لأنهم لا يفقهون عظمة الله فلا يخشونه حق خشيته.

وجوز أن يكون المراد أن اليهود يخافونكم في صدورهم أشد من خوفهم من الله وكانوا يتشجعون للمسلمين مع إضمار الخيفة في صدورهم.

قلت: الأظهر أن المراد أنتم فيه أكثر مكانة من مواعظ الله أو لثمرة جهادكم معهم أوفر من ثمرة ترهبهم بعقاب الله ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ من سر التكاليف وتبعة الكفر والنفاق في الآخرة فلا يرتدعون إلا خوفاً من العقوبة العاجلة.

ومن هذا أخذ عمر فقال: ما ينزع السلطان أي يمنع أكثر مما ينزع القرآن.

وقال الشاعر: السيف أصدق إنباء من الكتب *** وقيل: العبد لا يردعه إلا العصا.

ثم شجع المسلمين بقوله ﴿ لا يقاتلونكم ﴾ أي لا يقدرون على قتالكم مجتمعين ﴿ إلا في قرى محصنة ﴾ غاية التحصين ﴿ أو من وراء جدر ﴾ لا مبارزين مكشوفين في الأراضي المستوية ﴿ بأسهم بينهم شديد ﴾ لا بينكم لأنكم منصورون بنصرة الله مؤيدون بتأييده، أو لأنهم يحسبون في أنفسهم وفيما بينهم أموراً يعلم الله أنها لا تقع في الخارج على وفق حسبانهم وعن ابن عباس: معناه بعضهم لبعض عدوّ يؤيده قوله ﴿ تحسبهم جميعاً ﴾ مجتمعين ذوي تآلف ومحبة ﴿ وقلوبهم شتى ﴾ متفرقة وهو فعلى من الشت.

وإنما قال ههنا ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ﴾ وفي الأوّل ﴿ لا يفقهون ﴾ لأن الفقه معرفة ظاهر الشيء وغامضه فنفي عنهم ذلك كما قلنا، وأراد ههنا أنهم لو عقلوا لاجتمعوا على الحق ولم يتفرقوا فتشتتهم دليل عدم عقلهم لأن العقل يحكم بأن الاجتماع معين على المطلوب والتفرق يوهن القوى ولا سيما إذا كانوا مبطلين.

ثم شبه حالهم بحال من قتلوا قبلهم ببدر في زمان قريب.

قال جار الله: انتصب ﴿ قريباً ﴾ بمحذوف أي كوجود مثل أهل بدر قريباً.

قلت: لا يبعد أن يتعلق بصلة الذين.

ثم ضرب مثلاً آخر لإغراء المنافقين اليهود على القتال ووعدهم إياهم النصر، والمراد إما عموم دعوة الشيطان للإنسان إلى الكفر وإما خصوص إغراء إبليس قريشاً يوم بدر كما مر في الأنفال في قوله  ﴿ وإذ زين لهم الشيطان  ﴾ إلى قوله ﴿ إني برىء منكم  ﴾ قال مقاتل: وكان عاقبة اليهود والمنافقين مثل عاقبة الشيطان والإنسان حتى صار إلى النار.

قال جار الله: كرر الأمر بالتقوى تأكيداً أو لأن الأول في أداء الواجبات لأنه قرن بما هو عمل والثاني في ترك المعاصي لأنه قرن بما يجري مجرى الوعيد.

وسمى القيامة بالغد تقريباً لمجيئها.

عن الحسن: لم يزل بقربه حتى جعله كالغد.

وقيل: جعل مجموع زمان الدنيا كنهار عند الآخرة.

قال أهل المعاني: تنكير ﴿ نفس ﴾ للتقليل كما مر في الوقوف وتنكير ﴿ غد ﴾ للتعظيم والتهويل.

قال مقاتل: ونسوا حق الله فأنساهم حق أنفسهم حتى لم يشعروا لها بما ينفعها، أو فأراهم يوم القيامة من الأحوال ما نسوا فيه أنفسهم.

قلت: يجوز أن يراد نسوا ذكر الله فأورثهم القسوة وفساد الاستعداد بالكلية.

وحين نهى المؤمنين عن كونهم مثل الناسين الغافلين ذكرهم بأنه لا استواء بين الفريقين ففيه شبه قرع العصا كأنهم غفلوا عن هذا الواضح البين كما تقول لمن يعصي أباه " هو أبوك ".

استدل أصحاب الشافعي بالآية على أن المسلم لا يقتل بالذمي وإلا استويا، وأن الكافر لا يملك مال المسلم بالقهر وإلا استويا.

واحتج بعض المعتزلة بها على أن صاحب الكبيرة لو دخل الجنة وهو من أهل النار لزم خلاف الآية.

والجواب ظاهر لأنه على تقدير إمكان العفو لا يحكم أنه من أهل النار.

ثم عظم أمر القرآن الذي يعلم منه هذا البيان.

قال الكشاف: هو مثل وتخييل بدليل قوله ﴿ وتلك الأمثال ﴾ يعني هذا وغيره من أمثال التنزيل.

وقال غيره: المعنى إشارة إلى قوله ﴿ كمثل الذين ﴾ ﴿ كمثل الشيطان ﴾ ولما وصف القرآن بما وصف عظم شأنه بوجه آخر وهو التنبيه على أوصاف منزله، وقد سبق شرح أكثر هذه الأسماء في هذا الكتاب ولا سيما في البسملة.

والقدّوس مبالغة القدس وهو التبليغ في الطهارة والبراءة عما يشين هذا بالنسبة إلى زمان الماضي والحال.

والسلام إشارة إلى كونه سالماً عن الآفات والعاهات والنقائص في زمان الاستقبال، ويجوز أن يراد أنه المعطي للسلامة.

المؤمن الواهب الأمن والمصدق لأنبيائه بالمعجزات.

وقد مر معنى المهيمن وأصل اشتقاقه في المائدة في قوله ﴿ ومهيمناً عليه  ﴾ وأن معناه الرقيب الحافظ لكل شيء.

ولمكان تعداد هذه الأوصاف كرر قوله ﴿ يسبح له ﴾ إلى آخر السورة.

فمن عزته كان منزهاً عن النقائص أهلاً للتسبيح، ومن حكمته أمر المكلفين في السموات والأرضين بأن يسبحوا له ليربحوا لا ليربح هو عليهم وهو تعالى أعلم بمراده وبالله التوفيق للخير وإليه المآب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ﴾ .

قد سبق تأويل التسبيح وبيان وجوهه.

وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .

العزيز: هو الغالب القاهر، وقيل: هو العزيز؛ حيث جعل في كل شيء من خلقه أثر الذل والحاجة، وقوله: ﴿ ٱلْحَكِيمُ ﴾ له أحد معنيين: معنى الإحكام ومعنى الحكمة: فأما معنى الإحكام فهو أنه أحكم الأشياء على اختلافها وتضادها؛ حيث تشهد له بالوحدانية فهو حكيم؛ حيث وضع الأشياء مواضعها، وخلق الأشياء مواضع.

ثم الأصول التي يتولد منها هذه الأشياء والأفعال ثلاثة: الكيانات والطبائع والعقول: أما الكيانات: فنحو النطفة أنها بحيث تصلح أن يكون منها البشر إذا اتصلت بها موادها، ونحو الماء فإنه بحيث يحيا به كل شيء، وبحيث يصلح به كل شيء.

والطبائع: حيث خلق في البشر، وهي ما يميلون بها إلى المحاسن والمنافع ويحترزون من المساوي والمضار.

والعقول: ليدركوا بها العواقب، ثم إنه علمهم الوجوه التي تتولد من هذه الأشياء؛ فهو حكيم حيث خلق الأصول التي وصفنا، وعلم عباده الأسباب التي بها يولدون، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ ﴾ هم بنو قريظة، وقال غيره من المفسرين: هم بنو النضير وهو أقرب.

ثم المعنى في إضافة الإخراج إليه يخرج على وجهين: أحطهما: أنه اضطرهم إلى الخروج فنسب الإخراج إليه؛ كما قال الله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...

﴾ الآية [التوبة: 40].

والثاني: أنه خلق الخروج من ديارهم منهم؛ فأضيف إليه بحكم الخلق، ثم الأصل في إضافة الفعل إلى الله  أنه يجوز أن يضاف إليه على التحقيق وعلى التسبيب، وأما الخلق قلما يضاف الفعل إليهم على جهة التسبيب لا على التمكين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ ﴾ .

اختلفوا فيه: قال بعضهم: أول الحشر الجلاء إلى الشارم، والحشر الثاني: حشر القيامة.

وقال بعضهم: أو الحشر حشر أهل الكتاب وجلاؤهم من جزيرة العرب، والحشر الثاني: حين أجلاهم عمر -  - إلى الشام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ ﴾ أي: ما ظننتم أيها المؤمنون أن تنتصروا منهم، فضلا عن أن يخرجوا من ديارهم، ولكن ذلك من لطف الله ومنته عليكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .

لا يحتمل أن يتوهم أحدا هذا، والمعنى في ذلك عندنا وجهان - والله أعلم -: أحدهما: أنهم ظنوا أن الله -  - حيث آتاهم القوة والحصون لا يبلغ بهم حكمه المبلغ الذي يخرجون من ديارهم؛ لأنهم كانوا أهل كتاب وكانوا يزعمون أنهم أولى بالله من غيرهم كقوله: ﴿ نَحْنُ أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰؤُهُ  ﴾ ، ويكون قوله: ﴿ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ، اي: بالله وبأمره؛ كقوله -  -: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ  ﴾ ، أي: بأمر الله؛ فعلى ذلك، الأول.

والثاني: أي: ظنوا أن حصونهم وقوتهم تمنعهم من أولياء الله أن يظهروا عليهم، أو من دين الله أن يظهر فيهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ ﴾ .

يعني: أنه قذف في قلوبهم الرعب من حيث لم يحتسب المؤمن ولا الكافر؛ لأن المسلمين لم يظنوا أن يقهرهم ويغلبوهم؛ مع قلة عددهم وكثرة عدد أولئك، وكذا لم يحتسب الكفرة أنهم مع قوتهم وقوة حصونهم يقهرون ويغلبون، حتى منّ الله -  - على المؤمنين بأن قذف الرعب في قلوب الكفرة، ذلك لطف عظيم من الله -  - إلى المؤمنين، والله أعلم.

ثم الأصل فيما خرج هذه المخرج من نحو قوله - عز وجل -: ﴿ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ  ﴾ ، ومن نحو قوله  : ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً  ﴾ ، ومن نحو قوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ  ﴾ ، وما يشاكله أن نحمله على أحد معان ثلاث: أحدها: أن نقول: المراد إتيان آثار فعل الله -  - ويجوز أن يضاف إليه سبيل إضافة حقيقة العمل؛ كما يقال: الصلاة أمر الله، ونحن نعلم أنها ليست بعين أمر الله؛ لكنها أثر أمر الله -  - وكذلك يقال: المطر رحمة الله -  - يعني: أثر رحمته؛ فكذلك إذا نزل بهم آثار حكم الله -  - وتدبيره وفعله: وهو العذاب جاز أن يضاف إليه إضافة حقيقة الفعل، والله أعلم.

والثاني: أن يقال بأن ما كان من هذه الأفعال موصولا بصلة فإنه يجوز أن يراد منه تلك الصلة، وإما نتكلم بإضافة هذا الفعل إليه مجازا؛ على ما اعتاد الناس من أفعالهم إذا أرادوها أن يأتوها بأنفسهم، وشرح ذلك وبيانه أنه قال: ﴿ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ  ﴾ ، فكان المقصود من هذا تلك الصلة، وهو قوله - عز وجل -: ﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ  ﴾ ، وكذلك قوله -  -: ﴿ فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ ﴾ ، وكذلك ما أشبهه من نحو قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً  ﴾ ، ومن قوله -  -: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ  ﴾ ، أي: استوى تدبيره من حيث صل منافع الأرض بمنافع السماء، وكذلك ما أشبه، هذا، والله أعلم.

والثالث: نقول بأن هذه أسماء مشتركة المعنى، وما كان سبيله هذا السبيل جاز أن يضاف إلى الله -  - على معنى ليس يقع فيه الاشتراك بالمخلوقين؛ ألا ترى أنه يقال: جاء الليل وذهب النهار، ونحو ذلك على معنى الظهور ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

هذا يدل على أن المالك للمسلمين في أموال أهل الحرب ليس يقع بمجرد الغلبة ما لم يكن ثم أسر؛ لأنه أخبر أن المؤمنين كانوا يخربون بيوتهم: أضاف الملك إلى الكفرة، مع أن الغلبة للمسلمين؛ فإنكم إذا اعتبرتم علمتم أن الله -  - من عليكم؛ حيث أخرج الكفار من ديارهم؛ فإنه لم يكن ذلك بقوتكم.

ويحتمل أن يكون المعنى فيه: فاعتبروا يا أولي الأبصار من أهل الكفار؛ فإن ذلك يدلكم ويعرفكم أن اتفاقكم على النصرة على النبي  لا يغنيكم، كما لم يغن هؤلاء الذين خرجوا إلى مكة واتفقوا مع المشركين، ثم لم يغنهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ .

يعني: لولا أن كتب اله عليهم الجلاء في اللوح المحفوظ، لعذبهم في الدنيا بالقتل.

وقوله: ﴿ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ ﴾ .

قال هذا في قوم علم أنهم يموتون على الكفر، وما روي أن أحداً منهم مات على الإسلام؛ فيكون فيه دلالة أن رسول الله  كان يخبر ذلك بالوحي والتنزيل، لا من تلقاء نفسه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ .

يحتمل أوجهاً ثلاثة: أحدها: أن يقول: ﴿ ذَلِكَ ﴾ ، يعني: ذلك العذاب في الآخرة بسبب أنهم شاقوا الله ورسوله، ثم المشاقة والمعاداة والمحادة والمضادة بمنزلة واحدة، وذلك كله: بمعنى المعاداة.

وقوله: ﴿ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ .

يحتمل أن يكون علم التقديم والتأخير؛ ووجهه أن يقول: إن الله شديد العقاب لمن يشاقق الله ورسوله، أو يكن فيه إضمار كأنه يقول: إن عقوبته لمن يشاق الله ورسوله شديدة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .

وما ذكر أن اليهود نادوا المسلمين: إنكم تزعمون أن الله لا يحب الفساد، وأنتم تفسدون بقطع النخيل لا يحتمل هذا؛ قال الله -  -: ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، فإذا كانت أنفسهم تسخو بتخريب البيوت؛ فما بالهم لا تسخو بقطع الاشجار؟!

ومعلوم أنه لا يؤمل في البيوت منفعة بعد تخريبها، وقد يؤمل في النخيل منافع بعد قطعها، ولكن إن كان يصح ذلك الخبر فتأويله عندنا أنه يجوز أن يكون المسلمون خوفوهم بالقتل؛ فقالوا على أثر ذلك: إنكم إذا قتلتمونا صارت هذه النخيل لكم؛ فيكف تفسدون أملاككم؟!

ثم في إذن الله بقطع النخيل أوجه من التأويل: أحدها: أن يكون فيه بيان أن مقاتلة المسلمين إياهم لم تكن لرغبة في أموالهم؛ بل ليستسلموا لله ولرسولله، ويخضعوا لدينه.

والوجه الثاني: أن حرمة هذه الأموال إنما هي لحرمة أربابها، وأبيح قتلهم وإتلافهم؛ فما ظنك بأموالهم؟!

والوجه الثالث: أن الله - عز وجل - كتب عليهم الجلاء، ومعلوم أن أنفسهم بالجلاء إذا خربت بيوتهم وقطعت أشجارهم أسخى منه إذا بقيت ليقطع طمع من أجلي عن المقام؛ فأذن الله -  - في قطع النخيل إتماماً لما كتب علهيم من الجلاء، والله أعلم.

والرابع: أن هؤلاء كانوا أئمة اليهود، والتحريف والتبديل للتوراة إنما وقع منهم؛ رغبة في الدنيا وسعها؛ فأذن الله -  - في قطع النخيل عقوب له، وحزناً من الوجه الذي وقع له التبديل منهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .

إن كان المراد منه العلم فوجهه أن الله -  - علم منهم ذلك، ولو كان فسادا فيه لنهاهم عن ذلك.

وإن كان المراد منه الأمر فهو أن الله -  - أمر بالقطع والترك جميعاً.

وإن كان المراد منه المشيئة فهو أن الله -  - قد شاء الأمرين جميعاً، والله أعلم.

واللينة: اللون من النخيل؛ كما تقول: فوت وفيته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ .

أي: ليكون كبتاً وغيظاً للفاسقين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ ﴾ .

قال: حق هذه الآية أن تكون مؤخرة، وأن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ  ﴾ متقدمة؛ لوجهين: أحدهما: أنه ذكر فيه الواو، والواو لا يبتدأ بها إلا في القسم.

والثاني: أن قوله: ﴿ وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ ﴾ حرف كناية، والكناية لا بد لها من معرفة تعطف عليها فترجع إليها؛ فلذلك قلنا: إن حقه التأخير وحق الثانية التقديم، وعلى ذلك قراءة عبد الله بن مسعود -  - وإذا كان كذلك فوجهه: أن الذي وجب صرف إلى الأصناف التي ذكرنا إنما هو الخمس، وأوجب - هاهنا - من كل الغنيمة، فأبان بقوله: ﴿ وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ ﴾ أنه إنما يصرف هذا الأربعة الأخماس إلى النبي  دونهم؛ لهذا المعنى: أنهم لم يوجفوا عليه من خيل ولا ركاب، أشار إلى أن استحقاقهم الأربعة الأخماس بسبب إيجاف الخيل والركاب، والله أعلم.

وإن كانت القراءة على ما يتلى للحال، ليس على التقديم والتأخير، فإنه يحتمل أن يكون قوله -  -: ﴿ وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ ﴾ صلة قوله: ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ ....

وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ ﴾ ، وإذا كان بناؤه على ذلك، استقام أن يذكر بحرف الواو وحرف الكناية.

قال -  -: إن المنافقين وأهل الضعف من المؤمنين الذي آمنوا بالتقليد يظنون في هذا الموضع أن كيف خص هذه الغنيمة قرابته والمهاجرين الذين هاجروا إليه، وكيف آثر بها نفسه؟

والجواب عن هذا: أن هؤلاء الأصناف قوم عامة المسلمين تحمل مؤنتهم لولا هذه الغنيمة، ومعلوم أن أنفس المسلمين يبذل ما عليهم من تلك الأمانة أسخى منه لو صرف إلى كل واحد منهم على الإشارة إليه من ملكه الخاص، وعلى هذه العبارة تجري مسائل لنا: أحدها: ما روي عن عمر -  - أنه جعل العقل على أهل الديوان؛ لأن ذلك يخرج مخرج المعونة، ومعلوم أن المعونة على عامتهم؛ فبذل ما رجع من هذا الحق إلى تلك العامة أسهل عليهم لو صرف إلى خاصتهم، وكذلك قوله: ﴿ وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ  ﴾ ومعلوم أن منع تلك الزوجة عن أن تذهب إلى دار الحرب بشيء مال زوجها كان واجباً على العامة، وكذلك المسلمون إذا أصابوا غنيمة وفيها مال مسلم قد غلب عليه المشركون: أنه ما دام الملك للعامة ولم يقسم يرد عليه من غير بدل، وإذا قسموا، واختص كل واحد بملكه لم يأخذه إلا ببدل؛ فكذلك الأول، والله أعلم.

قال الفقيه - رحمه الله -: والذي يجب أن من جهة العرف والشريعة: أن يكون تحمل مؤنة رسول الله  على أمته: أما من جهة العرف فهو أن من عمل لغيره كان مؤنته على ذلك القول له، وكذلك من جهة الشريعة، ومعلوم أن رسول الله  كان يقوم بأمور أمته في أمور دنياهم وآخرتهم، وإذا كان الأمر على ما ذكرنا كان أولى ما يجعل لرسول الله  هو مال العامة، وذلك هو الفيء، هذا لو اختصه النبي  لنفسه؛ فكيف وقد قسمه بين الفقراء وأهل الحاجة، ولم يأخذه لنفسه؟!

ووجه آخر في هذا: ما وري عن رسول الله  أنه قال: "أحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي" ، وقال: "نصرت بالرعب مسيرة شهرين" ، فلو اختص ذلك رسول الله  لنفسه، فجاز له بما قال، ولكن الله جعل الفيء له بين من كان تحمل مؤمنتهم على المسلمين لولا هذا الفيء؛ كي يكون منة له على أمته ولئلا يكون لأحد من أمته عنده - عليه الصلاة والسلام - يد ولا صنيعة، والله أعلم.

ووجه آخر: أنه لما لم يؤذن لرسول الله  في كسب شيء من الدنيا وفضولها؛ حتى يصطنع من فضولها بالمعروف، فجعل الله له الفيء ليكتسب به الفضائل والمعروف، والله أعلم.

وفي قوله: "نصرت بالرعب مسيرة شهرين" : دلالة أن ما أفاء الله على رسوله وأعطاه فهو له خاصة، يصنع به ما شاء، ويفرقه فيمن شاء، والقول عند أصحابنا في الإمام إذا أعطاه أهل الحرب فيئاً يشترك فيه قومه؛ لأن هبة الأئمة إنما هي لقومهم، وكان هبة رسول الله  بما نصر بالرعب؛ فجا أن يختص بها قومه والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ذلك الَّذي حصل لهم حصل لأنهم عَادَوُا الله وعادَوْا رسوله بكفرهم ونقضهم للعهود، ومن يعادِ الله فإن الله شديد العقاب، فسيناله عقابه الشديد.

<div class="verse-tafsir" id="91.XaBXm"

مزيد من التفاسير لسورة الحشر

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.6 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
أستغفر الله