الآية ١١ من سورة المنافقون

الإسلام > القرآن > سور > سورة 63 المنافقون > الآية ١١ من سورة المنافقون

وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ١١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 46 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١ من سورة المنافقون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١ من سورة المنافقون عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون ) أي : لا ينظر أحدا بعد حلول أجله ، وهو أعلم وأخبر بمن يكون صادقا في قوله وسؤاله ممن لو رد لعاد إلى شر مما كان عليه ; ولهذا قال : ( والله خبير بما تعملون ) وقال أبو عيسى الترمذي : حدثنا عبد بن حميد ، حدثنا جعفر بن عون ، حدثنا أبو جناب الكلبي ، عن الضحاك بن مزاحم ، عن ابن عباس قال : من كان له مال يبلغه حج بيت ربه ، أو تجب عليه فيه زكاة ، فلم يفعل ، سأل الرجعة عند الموت .

فقال رجل : يا ابن عباس اتق الله ، فإنما يسأل الرجعة الكفار .

فقال سأتلو عليك بذلك قرآنا : ( يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون ) قال : فما يوجب الزكاة ؟

قال : إذا بلغ المال مائتين فصاعدا .

قال : فما يوجب الحج ؟

قال : الزاد والبعير .

ثم قال : حدثنا عبد بن حميد ، حدثنا عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن يحيى بن أبي حية - وهو أبو جناب الكلبي - عن الضحاك ، عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه ثم قال : وقد رواه سفيان بن عيينة ، وغيره ، عن أبي جناب ، عن ابن الضحاك ، عن ابن عباس من قوله .

وهو أصح ، وضعف أبا جناب الكلبي .

قلت : رواية الضحاك ، عن ابن عباس فيها انقطاع ، والله أعلم .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن نفيل ، حدثنا سليمان بن عطاء ، عن مسلمة الجهني ، عن عمه - يعني أبا مشجعة بن ربعي - عن أبي الدرداء رضي الله عنه ، قال : ذكرنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الزيادة في العمر فقال : " إن الله لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها ، وإنما الزيادة في العمر أن يرزق الله العبد ذرية صالحة يدعون له ، فيلحقه دعاؤهم في قبره " آخر تفسير سورة " المنافقون " ولله الحمد والمنة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

حُدثت عن الحسين ، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ إلى آخر السورة: هو الرجل المؤمن نـزل به الموت وله مال كثير لم يزكه، ولم يحجّ منه، ولم يعط منه حق الله يسأل الرجعة عند الموت فيزكي ماله، قال الله: ( وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ) .

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ...

إلى قوله: ( وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ) قال: هو الرجل المؤمن إذا نـزل به الموت وله مال لم يزكه ولم يحجّ منه، ولم يعط حقّ الله فيه، فيسأل الرجعة عند الموت ليتصدّق من ماله ويزكي، قال الله ( وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ) .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ( فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ) قال: الزكاة والحج.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ) فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الأمصار غير ابن محيصن وأبي عمرو: وأكن، جزمًا عطفًا بها على تأويل قوله: ( فَأَصَّدَّقَ ) لو لم تكن فيه الفاء، وذلك أن قوله: ( فَأَصَّدَّقَ ) لو لم تكن فيه الفاء كان جزمًا وقرأ ذلك ابن محيصن وأبو عمرو ( وَأَكُون ) بإثبات الواو ونصب ( وَأَكُون ) عطفًا به على قوله: ( فَأَصَّدَّقَ ) فنصب قوله: ( وَأَكُون ) إذ كان قوله: ( فَأَصَّدَّقَ ) نصبًا.

والصواب من القول في ذلك: أنهما قراءتان معروفتان، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

وقوله: ( وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ) يقول: لن يؤخر الله في أجل أحد فيمد له فيه إذا حضر أجله، ولكنه يخترمه ( وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) يقول: والله ذو خبرة وعلم بأعمال عبيده هو بجميعها محيط، لا يخفى عليه شيء، وهو مجازيهم بها، المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

والله خبير بما تعملون من خير وشر .

وقراءة العامة بالتاء على الخطاب .

وقرأ أبو بكر عن عاصم والسلمي بالياء ; على الخبر عمن مات وقال هذه المقالة .تمت السورة بحمد الله وعونه

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا } المحتوم لها { وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } من خير وشر، فيجازيكم على ما علمه منكم، من النيات والأعمال.تم تفسير سورة المنافقين،ولله الحمد

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون ) قرأ أبو بكر : " يعملون " بالياء وقرأ الآخرون بالتاء .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون» بالتاء والياء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولن يؤخر الله نفسًا إذا جاء وقت موتها، وانقضى عمرها، والله سبحانه خبير بالذي تعملونه من خير وشر، وسيجازيكم على ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقد بين - سبحانه - بعد ذلك أنه لا تأخير فى الأجل متى انتهى لا من قريب ولا من بعيد .

.

.

فقال : ( وَلَن يُؤَخِّرَ الله نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ .

.

.

) .أى : ولن يؤخر الله - تعالى - نفسا من النفوس ، متى انتهى أجلها فى هذه الحياة ، وانقضى عمرها من هذه الدنيا ، كما قال - سبحانه - : ( فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ) وقوله : ( والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) أى : والله - تعالى - مطلع إطلاعا تاما على أعمالكم الظاهرة والباطنة ، وسيجازيكم عليها بما تستحقون من ثواب أو عقاب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

﴿ لاَ تُلْهِكُمْ ﴾ لا تشغلكم كما شغلت المنافقين، وقد اختلف المفسرون منهم من قال: نزلت في حق المنافقين، ومنهم من قال في حق المؤمنين، وقوله: ﴿ عَن ذِكْرِ الله ﴾ عن فرائض الله تعالى نحو الصلاة والزكاة والحج أو عن طاعة الله تعالى وقال الضحاك: الصلوات الخمس، وعند مقاتل: هذه الآية وما بعدها خطاب للمنافقين الذين أفروا بالإيمان ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك ﴾ أي ألهاه ماله وولده عن ذكر الله ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون ﴾ أي في تجارتهم حيث باعوا الشريف الباقي بالخسيس الفاني وقيل: هم الخاسرون في إنكار ما قال به رسول الله صلى الله عليه وسلم من التوحيد والبعث.

وقال الكلبي: الجهاد، وقيل: هو القرآن وقيل: هو النظر في القرآن والتفكر والتأمل فيه ﴿ وَأَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم ﴾ قال ابن عباس يريد زكاة المال ومن للتبعيض، وقيل: المراد هو الإنفاق الواجب ﴿ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت ﴾ أي دلائل الموت وعلاماته فيسأل الرجعة إلى الدنيا وهو قوله: ﴿ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ وقيل حضهم على إدامة الذكر، وأن لا يضنوا بالأموال، أي هلا أمهلتني وأخرت أجلي إلى زمان قليل، وهو الزيادة في أجله حتى يتصدق ويتزكى وهو قوله تعالى: ﴿ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصالحين ﴾ قال ابن عباس هذا دليل على أن القوم لم يكونوا مؤمنين إذ المؤمن لا يسأل الرجعة.

وقال الضحاك: لا ينزل بأحد لم يحج ولم يؤد الزكاة الموت إلا وسأل الرجعة وقرأ هذه الآية، وقال صاحب الكشاف: من قبل أن يعاين ما ييأس معه من الإمهال ويضيق به الخناق ويتعذر عليه الإنفاق، ويفوت وقت القبول فيتحسر على المنع ويعض أنامله على فقد ما كان متمكناً منه، وعن ابن عباس تصدقوا قبل أن ينزل عليكم سلطان الموت فلا تقبل توبة ولا ينفع عمل وقوله: ﴿ وَأَكُن مِّنَ الصالحين ﴾ قال ابن عباس: أحج وقرئ فأكون وهو على لفظ فأصدق وأكون، قال المبرد: وأكون على ما قبله لأن قوله: ﴿ فَأَصَّدَّقَ ﴾ جواب للاستفهام الذي فيه التمني والجزم على موضع الفاء، وقرأ أبي فأتصدق على الأصل وأكن عطفاً على موضع فأصدق: وأنشد سيبويه أبياتاً كثيرة في الحمل على الموضع منها: (معاوى إننا بشر فأسجح) *** فلسنا بالجبال ولا الحديدا فنصب الحديد عطفاً على المحل والباء في قوله: بالجبال، للتأكيد لا لمعنى مستقبل يجوز حذفه وعكسه قول ابن أبي سلمى: بدا لي أني لست مدرك ماضي *** ولا سابق شيئاً إذا كان جاثياً توهم أنه قال بمدرك فعطف عليه قوله سابق، عطفاً على المفهوم، وأما قراءة أبي عمرو ﴿ وأكون ﴾ فإنه حمله على اللفظ دون المعنى، ثم أخبر تعالى أنه لا يؤخر من انقضت مدته وحضر أجله فقال: ﴿ وَلَن يُؤَخّرَ الله نَفْساً ﴾ يعني عن الموت إذا جاء أجلها، قال في الكشاف: هذا نفي للتأخير على وجه التأكيد الذي معناه منافاة المنفي، وبالجملة فقوله: ﴿ لاَ تُلْهِكُمْ أموالكم وَلاَ أولادكم ﴾ تنبيه على الذكر قبل الموت: ﴿ وَأَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم ﴾ تنبيه على الشكر لذلك وقوله تعالى: ﴿ والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ أي لو رد إلى الدنيا ما زكى ولا حج، ويكون هذا كقوله: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ  ﴾ والمفسرون على أن هذا خطاب جامع لكل عمل خيراً أو شراً وقرأ عاصم يعملون بالياء على قوله: ﴿ وَلَن يُؤَخّرَ الله نَفْساً ﴾ لأن النفس وإن كان واحداً في اللفظ، فالمراد به الكثير فحمل على المعنى والله أعلم وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مِن ﴾ في ﴿ مَّا رزقناكم ﴾ للتبعيض، والمراد: الإنفاق الواجب ﴿ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ الموت ﴾ من قبل أن يرى دلائل الموت، ويعاين ما ييأس معه من الإمهال، ويضيق به الخناق، ويتعذر عليه الإنفاق ويفوت وقت القبول، فيتحسر على المنع، ويعضّ أنامله على فقد ما كان متمكناً منه.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: تصدّقوا قبل أن ينزل عليك سلطان الموت، فلا تقبل متمكناً منه.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: تصدّقوا قبل أن ينزل عليكم سلطان الموت، فلا تقبل توبة، ولا ينفع عمل.

وعنه: ما يمنع أحدكم إذا كان له مال أن يزكي، وإذا أطاق الحج أن يحج من قبل أن يأتيه الموت، فيسأل ربه الكرة فلا يعطاها.

وعنه: أنها نزلت في ما نعى الزكاة، ووالله لو رأى خيراً لما سأل الرجعة، فقيل له: أما تتقي الله، يسأل المؤمنون الكرة؟

قال: نعم، أنا أقرأ عليكم به قرآنا، يعني: أنها نزلت في المؤمنين وهم المخاطبون بها، وكذا عن الحسن: ما من أحد لم يزك ولم يصم ولم يحج إلا سأل الرجعة.

وعن عكرمة أنها نزلت في أهل القبلة ﴿ لَوْلا أَخَّرْتَنِىَ ﴾ .

وقرئ: ﴿ أخرتن ﴾ ، يريد: هلا أخرت موتى ﴿ إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ إلى زمان قليل ﴿ فَأَصَّدَّقَ ﴾ وقرأ أُبي ﴿ فأتصدق ﴾ على الأصل.

وقرى: ﴿ وأكن ﴾ ، عطفاً على محل ﴿ فَأَصَّدَّقَ ﴾ كأنه قيل: إن أخرتني أصدّق وأكن.

ومن قرأ: ﴿ وأكون ﴾ على النصب، فعلى اللفظ.

وقرأ عبيد بن عمير: ﴿ وأكون ﴾ ، على ﴿ وأنا أكون ﴾ عدة منه بالصلاح ﴿ وَلَن يُؤَخّرَ الله ﴾ نفي للتأخير على وجه التأكيد الذي معناه منافاة المنفي الحكمة.

والمعنى: إنكم إذا علمتم أنّ تأخير الموت عن وقته مما لا سبيل إليه.

وأنه هاجم لا محالة، وأنّ الله عليم بأعمالكم فمجاز عليها، من منع واجب وغيره: لم تبق إلا المسارعة إلى الخروج عن عهدة الواجبات والاستعداد للقاء الله.

وقرئ: ﴿ تعملون ﴾ ؛ بالتاء والياء.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة المنافقين بريء من النفاق» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ لا يَشْغَلُكم تَدْبِيرُها والِاهْتِمامُ بِها عَنْ ذِكْرِهِ كالصَّلَواتِ وسائِرِ العِباداتِ المُذَكِّرَةِ لِلْمَعْبُودِ، والمُرادُ نَهْيُهم عَنِ اللَّهْوِ بِها.

وتَوْجِيهُ النَّهْيِ إلَيْها لِلْمُبالَغَةِ ولِذا قالَ: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ أيِ اللَّهْوَ بِها وهو الشُّغْلُ.

﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ لِأنَّهم باعُوا العَظِيمَ الباقِيَ بِالحَقِيرِ الفانِي.

﴿ وَأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ ﴾ بَعْضَ أمْوالِكُمُ ادِّخارًا لِلْآخِرَةِ.

﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ ﴾ أيْ يَرى دَلائِلَهُ ﴿ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي ﴾ هَلّا أمْهَلْتَنِي.

﴿ إلى أجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ أمَدٍ غَيْرِ بَعِيدٍ.

﴿ فَأصَّدَّقَ ﴾ فَأتَصَدَّقَ.

﴿ وَأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ بِالتَّدارُكِ، وجَزْمُ أكُنْ لِلْعَطْفِ عَلى مَوْضِعِ الفاءِ وما بَعْدَهُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو «وَأكُونَ» مَنصُوبًا عَطْفًا عَلى «فَأصَّدَّقَ»، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى وأنا أكُونُ فَيَكُونُ عِدَةً بِالصَّلاحِ.

﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا ﴾ ولَنْ يُمْهِلَها.

﴿ إذا جاءَ أجَلُها ﴾ آخِرُ عُمْرِها.

﴿ واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ فَمُجازٍ عَلَيْهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِالياءِ لِيُوافِقَ ما قَبْلَهُ في الغَيْبَةِ.

عَنِ النَّبِيِّ  : «مَن قَرَأ سُورَةَ المُنافِقِينَ بَرِئَ مِنَ النِّفاقِ».»

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَن يُؤَخّرَ الله نَفْساً} عن الموت {إِذَا جَاء أَجَلُهَا} المكتوب في اللوح المحفوظ {والله خبير بما تعملون} يعملون حماد ويحيى المعنى أنكم اذا علمتم أن تأخير الموت عو وقته مما لا سبيل إليه وأنه هاجم لا محالة وأن الله عليم

بأعمالكم فمجاز عليها من منع احب وغيره لم يبق إلا المسارعة إلى الخروج عن عهدة الواجب والاستعداد للقاء الله تعالى والله أعلم بالصواب

سورة التغابن ثماني عشرة آية مختلف فيها

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا ﴾ أيْ ولَنْ يُمْهِلَها ﴿ إذا جاءَ أجَلُها ﴾ أيْ آخِرُ عُمُرِها أوِ انْتَهى الزَّمانُ المُمْتَدُّ لَها مِن أوَّلِ العُمُرِ إلى آخِرِهِ عَلى تَفْسِيرِ الأجَلِ بِهِ ﴿ واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ فَمُجازٍ عَلَيْهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِالياءِ آخِرَ الحُرُوفِ لِيُوافِقَ ما قَبْلَهُ في الغَيْبَةِ ونَفْسًا لِكَوْنِها نَكِرَةً في سِياقِ النَّفْيِ في مَعْنى الجَمْعِ، واسْتَدَلَّ الكَيا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنْفِقُوا ﴾ إلَخْ عَلى وُجُوبِ إخْراجِ الزَّكاةِ عَلى الفَوْرِ ومَنعِ تَأْخِيرِها، ونَسَبَ لِلزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ في الزَّجْرِ عَنِ التَّفْرِيطِ في هَذِهِ الحُقُوقِ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ فَلا أحَدَ يُؤَخِّرُ ذَلِكَ إلّا ويَجُوزُ أنَّ يَأْتِيَهُ المَوْتُ عَنْ قَرِيبٍ فَيَلْزَمُهُ التَّحَرُّزُ الشَّدِيدُ عَنْ هَذا التَّفْرِيطِ في كُلِّ وقْتٍ، وقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَ المُجَبِّرَةِ مِن جِهاتٍ: مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأنْفِقُوا ﴾ ، ومِنها أنَّهُ كانَ قَبْلَ حُضُورِ المَوْتِ لَمْ يَقْدِرْ عَلى الإنْفاقِ فَكَيْفَ يَتَمَنّى تَأْخِيرَ الأجَلِ، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى مُؤَيَّسًا لَهُ في الجَوابِ: ﴿ ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ ﴾ ولَوْلا أنَّهُ مُخْتارٌ لَأُجِيبَ بِاسْتِواءِ التَّأْخِيرِ والمَوْتِ حِينَ التَّمَنِّي، وأُجِيبَ بِأنَّ أهْلَ الحَقِّ لا يَقُولُونَ بِالجَبْرِ فالبَحْثُ ساقِطٌ عَنْهم عَلى أنَّهُ لا دَلالَةَ في الأوَّلِ كَما في سائِرِ الأوامِرِ كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ، والتَّمَنِّي - وهو مُتَمَسَّكُ الفَرِيقِ - لا يَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ بِهِ، والقَوْلُ المُؤَيِّسُ إبْطالٌ لِتَمَنِّيهِمْ لا جَوابَ عَنْهُ إذْ لا اسْتِحْقاقَ لِوُضُوحِ البُطْلانِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا يعني: يتفرقوا.

وروى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا في غزوة، فكسح رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري يا للأنْصارِ وقال: المهاجري: يا للمهاجرين.

فسمع النبيّ  ، فقال: «مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ، دَعُوهَا فَإنَّهَا فِتْنَةٌ» .

فقال عبد الله بن أبي: والله لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى المدينة، لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل.

فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب رأس هذا المنافق فقال النبيّ  : «دَعْهُ لا يَتَحَدَّث النَّاسُ أنَّ مُحَمَّداً يَقْتُلُ أصْحَابَهُ» .

وروى معمر، عن قتادة أن عبد الله بن أبي قال لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله، فإنكم لو لم تنفقوا عليهم قد انفضوا.

قال: فاقتتل رجلان، أحدهما من جهينة، والآخر من غفار وكانت جهينة حليف الأنصار، فظهر عليهم الغفاري، فقال رجل منهم عظيم النفاق يعني: عبد الله بن أبي: عليكم صاحبكم حليفكم، فو الله ما مثلنا ومثل محمد  إلا كما قال القائل: سمِّن كلبك يأكلك.

أما والله لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى المدينة.

لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذلّ.

وروى معمر، عن الحسن: أن غلاماً جاء إلى النبيّ  ، فقال: يا نبي الله، إني سمعت أن عبد الله بن أبي يقول كذا.

فقال: فلعلك غضبت عليه.

فقال: أما والله يا نبي الله، فلقد سمعته يقول، فقال: فلعله أخطأ سمعك.

فقال: لا والله يا نبي الله، لقد سمعته يقول.

فأنزل الله تعالى تصديقاً للغلام لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ.

فأخذ النبيّ  بأذن الغلام، وقال: «وَعَتْ أُذُنُكَ يَا غُلامُ» ، فنزل قوله تعالى: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا قال الله تعالى: وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: مفاتيح السموات وهي المطر والرزق، ومفاتيح الأرض وهي النبات.

وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لاَّ يَفْقَهُونَ أمر الله تعالى.

يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ يعني: القوي مِنْهَا يعني: من المدينة الذليل يعني: محمداً  وأصحابه.

قال الله تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ يعني: المقدرة والمنعة لله ولرسوله.

وَلِلْمُؤْمِنِينَ، حيث قواهم الله تعالى ونصرهم وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: لا يصدقون في السر.

ويقال: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ يعني: القدرة، ويقال: نفاذ الأمر وَلِرَسُولِهِ، وهو عزة النبوة والرسالة وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وهو عز الإيمان والإسلام، أعزهم الله فِى الدنيا والآخرة.

ولكن المنافقين لاَ يَعْلَمُونَ.

ثم قال عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ يعني: لا تشغلكم أموالكم وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ يعني: عن طاعة الله تعالى.

وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يعني: من لم يعمل بطاعته ولم يؤمن بوحدانيته، فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ يعني: المغبونين بذهاب الدنيا وحرمان الآخرة.

ثم قال عز وجل: وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ يعني: تصدقوا مما رزقناكم، أي: مما رزقكم الله من الأموال.

مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ يعني: يقول: يا سيدي ردني إلى الدنيا، فَأَصَّدَّقَ يعني: فأتصدق، ويقال: أصدق بالله.

وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ يعني: أفعل كما فعل المؤمنون.

وروى الضحاك، عن ابن عباس أنه قال: مَنْ كَانَ له مال يجب فيه الزكاة فلم يزكه، أو مال يبلغه بيت الله فلم يحج، سأل عند الموت الرجعة قال: فقال رجل: اتق الله يا ابن عباس، سألت الكفار الرجعة.

قال: إني أقرأ عليك بهذا القرآن.

ثم قرأ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى قَولِه: فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ فقال رجل: يا ابن عباس، وما يوجب الزكاة؟

قال: مائتان فصاعداً.

قال: فما يوجب الحج؟

قال: الزاد والراحلة.

قرأ أبو عمرو، فَأَصَّدَّقَ وأكون بالواو وفتح النون، والباقون وَأَكُنْ بحذف الواو بالجزم.

فمن قرأ وأكون، فإنه عطفه على موضع فَأَصَّدَّقَ، لأنه على معنى إن أخرتني أصدق وأكن، ولم يعطفه على اللفظ.

قال أبو عبيدة: قرأت في مصحف عثمان هكذا بغير واو.

ثم قال: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها يعني: إذ جاء وقتها.

وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ من الخير والشر، فيجازيكم.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر يَعْلَمُونَ بالياء على معنى الخبر عنهم، والباقون بالتاء على معنى المخاطبة والله أعلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فَخَزِيَ عِنْدَ ذَلِكَ عبدُ اللَّه بن أُبَيٍّ ومَقَتَه الناسُ ولاَمه المؤْمِنونَ من قومِه، وقال له بعضهم:

امض إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واعْتَرِفْ بذنبكَ يَسْتَغْفِرْ لَكَ، فلوى رَأْسَهُ إنْكَاراً لهذا الرَّأْيِ، وقال لهم: لقد أشَرْتُمْ علي بالإيمان فآمنتُ، وأَشَرْتُمْ علي بأنْ أعطِيَ زَكَاةَ مالِي فَفَعَلتُ، وَلَمْ يَبْقَ لكم إلا أن تأمروني بالسجود لِمحمَّدٍ، فهذا قَصَصُ هذه السورة مُوجَزاً، وقَرأَ نافعٌ والمفضَّل عن عاصم: «لَوَوْا» - بتخفيف الواوِ- وقرأ الباقون بتشديدِها.

وقوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ ...

الآية، رويَ أنه لما نزلتْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة: ٨٠] قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لأَزِيدَنَّ على السبعينَ، وفي حديثٍ آخَرَ: لَوْ عَلِمْتُ أنِّي لَوْ زِدْتُ على السبعينَ لَغَفَرَ لَهُمْ لَزِدْتُ، وفي هذا الحديثِ دليلٌ عَلَى رَفْضِ دليلِ الخطابِ، فَلَمَّا فعل ابْنُ أُبَيٍّ وأصحابهُ مَا فَعَلُوا شَدَّدَ اللَّه عليهم في هذه الآيةِ، وأَعْلَم أَنَّه لَنْ يَغْفِرَ لهم دون حدّ في الاستغفار.

وقوله تعالى: هُمُ الَّذِينَ إشارةٌ إلى ابن أُبَيٍّ ومَنْ قَالَ بقوله، ثم سفه تعالى أحلامَهم في أن ظَنُّوا أنَّ إنْفَاقَهم هو سَبَبُ رزقِ المهاجرينَ، ونَسَوا أن جَرَيَانِ الرزقِ بِيَدِ اللَّهِ تعالى إذَا انْسَدَّ بابٌ انْفَتَحَ غَيْرُه ثم أعْلَمَ تعالى أنَّ العزةَ لِلَّهِ ولرسولهِ وللمؤمنِين، وفي ذلكَ وعيدٌ وَرُوِي/ أن عبدَ اللَّه بن عبدِ اللَّه بن أُبَيٍّ وكَانَ رَجُلاً صَالِحاً لَمَّا سَمِعَ الآيةَ، جَاءَ إلى أبيه فَقَالَ له: أنْتَ واللَّهِ يا أبَتِ الذليلُ، ورَسُولُ اللَّهِ العزيزُ، وَوَقَفَ عَلَى بَابِ السِّكَّةِ التي يَسْلُكُها أبوه، وجَرَّدَ السَّيْفَ وَمَنَعَهُ الدُّخُولَ، وقال: واللَّهِ لاَ دَخَلْتَ إلى مَنْزِلِكَ إلاَّ أنْ يأْذَنَ في ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ في أذَلِّ حال، وبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فَبَعَثَ إلَيْهِ أنْ خَلِّهِ يَمْضِي إلى مَنْزِلِهِ، فقال: أمّا الآن، فنعم.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١)

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ...

الآية، الإلهاءُ: الاشْتِغَالُ بِمَلَذ وَشَهْوَةٍ، وذكرُ اللَّه هنا عامٌّ في الصلوات، والتوحيدِ،

والدعاء، وغيرِ ذلكَ مِنْ مَفْرُوضٍ، ومنْدُوبٍ، وكذلك قوله تعالى: وَأَنْفِقُوا مِنْ مَّا رَزَقْناكُمْ عامٌّ من المفرُوضِ والمندوبِ قاله جماعة من المفسرينَ، قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب «عيوب النفس» : وَمِنْ عيوبِها تضييعُ أوقاتِها بالاشْتِغَالِ بما لا يَعْنِي مِنْ أُمورِ الدُّنْيا، والخَوْضِ فيها مَعَ أهلِها، ومُدَاوَاتُها أنْ يَعْلَمَ أنَّ وَقْتَه أعزُّ الأشياءِ فَيَشْغَلَه بِأَعَزّ الأَشْيَاءِ، وهو ذِكْرُ اللَّهِ، والمُدَاوَمَةُ على الطاعةِ ومطالبةُ الإخْلاَصِ من نفسهِ فإنَّه رُوِيَ عنِ النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يَعْنِيهِ» «١» وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ مَنْصُورٍ: عَلَيْكَ بنفسِكَ فَإنْ لَمْ تَشْغَلْها شَغَلَتْكَ، انتهى.

وقولهُ: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ طَلَبٌ لِلْكَرَّةِ والإمهَالِ، وسَمَّاه قَرِيباً لأنّه آتٍ، وأيْضاً فإنَّما يتمنى ذلك لِيقْضِيَ فيه العملَ الصالحَ فَقَطْ/ وليس يتّسع الأمل حينئذ لطلب العيش ونظرته.

وقوله: وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ظاهرَه العمُومُ، وقال ابن عباس: هو الحج «٢» وَرَوَى الترمذيُّ عنه أنَّه قال: مَا مِنْ رَجُلٍ لاَ يُؤَدِّي الزَّكَاةَ وَلاَ يَحُجُّ إلاَّ طَلَبَ الْكَرَّةَ عِنْدَ مَوْتِهِ «٣» ، قَال الثعلبيُّ: قَال ابن عباس: إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ يريدُ مِثْلَ آجالِنَا في الدنيا «٤» ، انتهى، وقرأ أبو عمرو «٥» : «وَأَكُونَ» ، وفي قوله تعالى: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها حَضٌّ عَلَى المُبَادَرَةِ ومُسَابَقَةِ الأَجَلِ بالعملِ الصالح.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تُلْهِكُمْ ﴾ أيْ: لا تَشْغَلْكم.

وفي المُرادِ بِذِكْرِ اللَّهِ ها هُنا أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: طاعَةُ اللَّهِ في الجِهادِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ، قالَهُ عَطاءٌ، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: الفَرائِضُ مِنَ الصَّلاةِ، وغَيْرِها، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ عَلى إطْلاقِهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: حَضَّهم بِهَذا عَلى إدامَةِ الذِّكْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ ﴾ في هَذِهِ النَّفَقَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ زَكاةُ الأمْوالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها النَّفَقَةُ في الحُقُوقِ الواجِبَةِ بِالمالِ، كالزَّكاةِ والحَجِّ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ الأمْرُ نَدْبًا، وعَلى ما قَبْلَهُ يَكُونُ أمْرَ وُجُوبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُعايِنَ ما يَعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ مَيِّتٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْلا أخَّرْتَنِي ﴾ أيْ: هَلّا أخَّرَتْنِي ﴿ إلى أجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ الِاسْتِزادَةَ في أجْلِهِ لِيَتَصَدَّقَ ويُزَكِّيَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأصَّدَّقَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿ فَأصَّدَّقَ ﴾ نُصِبَ، لِأنَّ كُلَّ جَوابٍ بِالفاءِ لِلِاسْتِفْهامِ مَنصُوبٌ.

تَقُولُ: مَن عِنْدَكَ فَآتِيَكَ.

هَلّا فَعَلْتَ كَذا، فَأفْعَلَ كَذا، ثُمَّ تَبِعَتْها ﴿ وَأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ بِغَيْرِ واوٍ.

وقالَ أبُو عَمْرٍو: إنَّما هِيَ، وأكُونَ، فَذَهَبَتِ الواوُ مِنَ الخَطِّ.

كَما يُكْتَبُ أبُو جادٍ أبْجَدٍ هِجاءً، وهَكَذا يَقْرَؤُها أبُو عَمْرٍو "وَأكُونَ" بِالواوِ، ونَصْبِ النُّونِ.

والباقُونَ يَقْرَؤُونَ "وَأكُنْ" بِغَيْرِ واوٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ "وَأكُونَ" فَهو عَلى لَفْظِ فَأصَّدَّقَ.

ومَن جَزَمَ "أكُنْ" فَهو عَلى مَوْضِعِ "فَأصَّدَّقَ" لِأنَّ المَعْنى: إنْ أخَّرَتْنِي أصَّدَّقْ وأكُنْ.

ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ فَأصَّدَّقَ ﴾ أيْ: أُزَكِّي مالِي ﴿ وَأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ أيْ: أحُجُّ مَعَ المُؤْمِنِينَ، وقالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ والمَعْنى: بِما تَعْمَلُونَ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالصَّدَقَةِ.

قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي: المُنافِقِينَ.

ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ما مِن أحَدٍ يَمُوتُ، وقَدْ كانَ لَهُ مالٌ لَمْ يُزَكِّهِ، وأطاقَ الحَجَّ فَلَمْ يَحُجَّ، إلّا سَألَ اللَّهَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ المَوْتِ، فَقالُوا لَهُ: إنَّما يَسْألُ الرَّجْعَةَ الكُفّارُ، فَقالَ: أنا أتْلُو عَلَيْكم بِهِ قُرْآنًا، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أولادُكم عن ذِكْرِ اللهِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ ﴿ وَأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِن الصالِحِينَ ﴾ ﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها واللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ الإلْهاءُ: الِاشْتِغالُ بِشَهْوَةٍ ولَذَّةٍ، و"ذِكْرُ اللهِ" هُنا عامٌّ في التَوْحِيدِ والصَلاةِ والدُعاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فَرْضٍ ومَندُوبٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الضَحّاكُ، وعَطاءٌ وأصْحابُهُ: المُرادُ بِالذِكْرِ الصَلاةُ المَكْتُوبَةُ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ ﴾ قالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المُرادُ الزَكاةُ، وقالَ آخَرُونَ: ذَلِكَ عامٌّ في مَفْرُوضٍ ومَندُوبٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ ﴾ أيْ: عَلاماتُهُ وأوائِلُ أمْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ طَلَبٌ لِلْكَرَّةِ والإمْهالِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أخَّرْتَنِ" بِغَيْرِ ياءٍ، وسَمّاهُ قَرِيبًا لِأنَّهُ آتٍ، وأيْضًا فَإنَّما يَتَمَنّى ذَلِكَ لِيَقْضِيَ فِيهِ العَمَلَ الصالِحَ فَقَطْ، ولَيْسَ يَتَّسِعُ الأمَلُ حِينَئِذٍ لِطَلَبِ العَيْشِ وتَصَرُّفِهِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "فَأتَصَدَّقُ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأكُنْ مِنَ الصالِحِينَ ﴾ ظاهِرُهُ العُمُومُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو الحَجُّ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ في مَجْلِسِهِ يَوْمًا: "ما مِن رَجُلٍ لا يُؤَدِّي الزَكاةَ والحَجَّ إلّا طَلَبَ الكَرَّةَ عِنْدَ مَوْتِهِ"، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أما تَتَّقِي اللهَ؟

أمُؤْمِنٌ يَطْلُبُ الكَرَّةَ؟

فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَعَمْ وقَرَأ الآيَةَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ والناسُ: "وَأكُنْ" بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى المَوْضِعِ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: إنْ تُؤَخِّرْنِي أصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصالِحِينَ، هَذا مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، فَأمّا ما حَكاهُ سِيبَوَيْهِ عَنِ الخَلِيلِ فَهو غَيْرُ هَذا، وهو أنَّهُ جَزَمَ عَلى تَوَهُّمِ الشَرْطِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ التَمَنِّي، ولا مَوْضِعَ هُنا لِأنَّ الشَرْطَ لَيْسَ بِظاهِرٍ، وإنَّما يُعْطَفُ عَلى الوَضْعِ حَيْثُ يَظْهَرُ الشَرْطُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهُمْ  ﴾ ، فَمَن قَرَأ بِالجَزْمِ عَطَفَ عَلى مَوْضِع "فَلا هادِيَ لَهُ" لِأنَّهُ وقَعَ هُناكَ فِعْلٌ كانَ مَجْزُومًا، وكَذَلِكَ مَن قَرَأ: "وَيَكْفُرْ" بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَوْضِع ( فَهو خَيْرٌ لَكم )، وقَرَأها أبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعُبَيْدُ اللهِ بْنُ الحَسَنِ العنبَرِيُّ: "وَأكُونَ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "فَأصَّدَّقَ"، وقالَ أبُو حاتِمٍ في كَتْبِها في المُصْحَفِ بِغَيْرِ واوٍ: إنَّهم حَذَفُوا الواوَ كَما حَذَفُوها مِنِ "اتَّخَذَ" وغَيْرِهِ، ورَجَّحَها أبُو عَلِيٍّ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "فَأتَصَدَّقُ وأكُنْ" وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها ﴾ حَضٌّ عَلى المُبادَرَةِ ومُسابَقَةِ الأجَلِ بِالعَمَلِ الصالِحِ، وقَرَأ السَبْعَةُ والجُمْهُورُ: "تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ لِجَمِيعِ الناسِ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ عَلى تَخْصِيصِ الكَفّارِ بِالوَعِيدِ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُنافِقُونَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَلَن يُؤَخِّرَ الله نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ ﴾ .

اعتراض في آخر الكلام فالواو اعتراضية تذكيراً للمؤمنين بالأجل لكل روح عند حلولها في جسدها حين يؤمر الملك الذي ينفخُ الروح يكتب أجله وعمله ورزقه وشقي أو سعيد.

فالأجل هو المدة المعينة لحياته لا يؤخر عن أمده فإذا حضر الموت كان دعاء المؤمن الله بتأخير أجله من الدعاء الذي اسْتجاب لأن الله قدر الآجال.

وهذا سر عظيم لا يعلم حكمة تحديده إلا الله تعالى.

والنفس: الروح، سميت نفساً أخذاً من النَفس بفتح الفاء وهو الهواء الذي يخرج من الأنف والفم من كل حيوان ذي رئة، فسميت النفس نفساً لأن النفس يتولد منها، كما سمي مرادف النفس رُوحاً لأنه مأخوذ الرَوح بفتح الراء لأن الرَّوح به.

قاله أبو بكر بن الأنباري.

و ﴿ أجلها ﴾ الوقت المحدد لبقائها في الهيكل الإِنساني.

ويجوز أن يراد بالنفس الذات، أي شخص الإِنسان وهو من معاني النفْس.

كما في قوله تعالى: ﴿ أن النفس بالنفس ﴾ [المائدة: 45] وأجلها الوقت المعيَّن مقداره لبقاء الحياة.

و ﴿ لَن ﴾ لتأكيد نفي التأخير، وعموم ﴿ نفساً ﴾ في سياق النفي يعم نفوس المؤمنين وغيرهم.

ومجيء الأجل حلول الوقت المحدد للاتصال بين الروح والجسد وهو ما علمه الله من طاقة البدن للبقاء حياً بحسب قواه وسلامته من العوارض المهلكة.

وهذا إرشاد من الله للمؤمنين ليكونوا على استعداد للموت في كل وقت، فلا يؤخروا ما يهمهم عمله سؤال ثوابه فما من أحد يؤخر العمل الذي يسره أن يعمله وينال ثوابه إلا وهو معرض لأن يأتيه الموت عن قريب أو يفاجئه، فعليه بالتحرز الشديد من هذا التفريط في كل وقت وحال، فربما تعذر عليه التدارك بفجأة الفوات، أو وهن المقدرة فإنه إن كان لم تطاوعه نفسه على العمل الصالح قبل الفوات فكيف يتمنى تأخير الأجل المحتوم.

﴿ أَجَلُهَآ والله خَبِيرٌ بِمَا ﴾ .

عطف على جملة ﴿ لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم ﴾ [المنافقون: 9].

أو تذييل والواو اعتراضية.

ويفيد بناء الخبر على الجملة الاسمية تحقيقَ علم الله بما يعمله المؤمنون.

ولما كان المؤمنون لا يخامرهم شك في ذلك كان التحقيق والتقوِّي راجعاً إلى لازم الخبر وهو الوعد والوعيد والمقام هنا مقامهما لأن الإِنفاق المأمور به منه الواجب المندوب.

وفعلهما يستحق الوعد.

وترك أولهما يستحق الوعيد.

وإيثار وصف ﴿ خبير ﴾ دون: عليم، لما تؤذن به مادة ﴿ خبير ﴾ من العلم بالأمور الخفية ليفيد أنه تعالى عليم بما ظهر من الأعمال وما بَطن مثل أعمال القلب التي هي العزائم والنيَّات، وإيقاع هذه الجملة بعد ذكر ما يقطعه الموت من ازدياد الأعمال الصالحة إيماء إلى أن ما عسى أن يقطعه الموت من العزم على العمل إذا كان وقته المعين له شرعاً ممتداً كالعُمر للحج على المستطيع لمن لم يتوقع طروّ مانع.

وكالوقت المختار للصلوات، أن حيلولة الموت دون إتمامه لا يُرْزِئ المؤمن ثوابه لأن المؤمن إذا اعتاد حزباً أو عزم على عمل صالح ثم عرض له ما منعه منه أن الله يعطيه أجره.

ومن هذا القبيل: أنّ من همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة كما في الحديث الصّحيح.

وقرأ الجمهور ﴿ بما تعملون ﴾ بالمثناة الفوقية.

وقرأه أبو بكر عن عاصم بالمثناة التحتية فيكون ضمير الغيبة عائداً إلى ﴿ نفساً ﴾ الواقع في سياق النفي لأنه عام فله حكم الجمع في المعنى.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ عَنى بِذِكْرِ اللَّهِ [اَلصَّلاةَ] المَكْتُوبَةَ، قالَهُ عَطاءٌ.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ فَرائِضَ اللَّهِ الَّتِي فَرَضَها مِن صَلاةٍ وغَيْرِها، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ طاعَةُ اللَّهِ في الجِهادِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ الخَوْفَ مِنَ اللَّهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ.

﴿ وَأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ مِنَ المالِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: أنَّها صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ ورِفْدُ المُحْتاجِ ومَعُونَةُ المُضْطَرِّ.

﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَنْ يُؤَخِّرَها عَنِ المَوْتِ بَعْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ، وهو أظْهَرُهُما.

الثّانِي: لَنْ يُؤَخِّرَها بَعْدَ المَوْتِ وإنَّما يُعَجِّلُ لَها في القَبْرِ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ﴾ قال: هم عباد من أمتي الصالحون منهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وعن الصلاة المفروضة الخمس» .

وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:من كان له مال يبلغه حج بيت ربه أو تجب عليه فيه الزكاة فلم يفعل سأل الرجعة عند الموت.

فقال له رجل: يا ابن عباس اتق الله، فإنما يسأل الرجعة الكفار، فقال: سأتلو عليكم بذلك قرآناً ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ﴾ إلى آخر السورة» .

وأخرج ابن جرير من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ﴾ الآية قال: هو الرجل المؤمن إذا نزل به الموت وله مال لم يزكه، ولم يحج منه، ولم يعط حق الله منه يسأل الرجعة عند الموت ليتصدق من ماله ويزكي، قال الله: ﴿ ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ﴾ قال: عن الصلوات الخمس وفي قوله: ﴿ وانفقوا مما رزقناكم ﴾ قال: يعني الزكاة والنفقة في الحج.

وأخرج ابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن عطاء في قوله: ﴿ لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ﴾ قال: الصلاة المفروضة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فأصدق ﴾ قال: أزكي ﴿ وأكون من الصالحين ﴾ قال: أحج.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن عن عاصم أنه قرأ ﴿ فأصدق وأكون من الصالحين ﴾ قال: أحج.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن عن عاصم أنه قرأ ﴿ فاصدق وأكون من الصالحن ﴾ بالواو.

وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن زيد بن ثابت قال: القراءة سنة من السنن فاقرؤوا القرآن كما اقرئتموه ﴿ إن هذان لساحران ﴾ [ طه: 63] ﴿ فأصدق وأكن من الصالحين ﴾ .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ عموم في الزكاة وصدقة التطوع والنفقة في الجهاد وغير ذلك، وقيل: يعني الزكاة المفروضة والعموم أولى ﴿ وَأَكُن مِّنَ الصالحين ﴾ بالجزم عطف على موضع جواب الشرط، وقرأ أبو عمرو فأكونَ بالنصب عطف على فأصدقَ.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ خشب ﴾ بالسكون: أبو عمرو وعلي وابن مجاهد ﴿ لووا ﴾ بالتخفيف: نافع وقالون ﴿ تعملون ﴾ على الغيبة: يحي وحماد.

الوقوف: ﴿ لرسول الله ﴾ ط م لئلا يوهم أن قوله ﴿ والله يعلم ﴾ من مقول المنافقين ﴿ لرسوله ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه لا لأن ما بعده يصلح صفة واستئنافاً ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ لا يفقهون ﴾ ط ﴿ أجسامهم ﴾ ط ﴿ لقولهم ﴾ ط ﴿ مسندة ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ فاحذرهم ﴾ ط ﴿ قاتلهم الله ﴾ ط ز لابتداء الاستفهاهم مع اتصال المعنى ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ مستكبرون ﴾ ه ﴿ تستغفر لهم ﴾ ط ﴿ لن يغفر الله لهم ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ ينفضوا ﴾ ط ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ الأذل ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ عن ذكر الله ﴾ ط للشرط مع الواو ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ ج ه لتعلق الجواب ﴿ الصالحين ﴾ ه ز ﴿ أجلها ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: قال علماء المعاني: أرادوا بقولهم نشهد إنك لرسول الله شهادة واطأت فيها قلوبهم ألسنتهم كما ينبىء عنه " إن واللام " وكون الجملة اسمية مع تصديرها بما يجري مجرى القسم وهو الشهادة، فكذبهم الله  لأجل علمه بعدم المواطأة.

أو يراد والله يشهد إنهم لكاذبون عند أنفسهم لأنهم كانوا يعتقدون أن قولهم إنك لرسول الله كذب وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه.

قلت: هذا مذهب الجاحظ وأنه خلاف ما عليه الجمهور وهو أن مرجع كون الخبر صدقاً أو كذباً إلى طباق الحكم للواقع أو لإطباقه ولهذا أوّلوا الآية بما أوّلوا، وهو أن التكذيب توجه إلى ادّعائهم أن قولهم قول عن صميم القلب، ومما يدل على أن مرجع كون الخبر صدقاً إلى ما قلنا لا إلى طباقه اعتقاد المخبر أو ظنه ولا إلى عدم طباقه لذلك الاعتقاد والظن تكذيبنا اليهودي إذا قال: الإسلام باطل مع أنه مطابق لاعتقاده، وتصديقنا له إذا قال: الإسلام حق مع أنه غير مطابق لاعتقاده.

وفائدة إقحام قوله ﴿ والله يعلم إنك لرسوله ﴾ التنصيص على التأويل المذكور وإلا أمكن ذهاب الوهم إلى أن نفس قولهم ﴿ إنك لرسول الله ﴾ كذب.

ثم أخبر عن استثباتهم بالايمان الكاذبة كما مر في " المجادلة ".

وجوز في الكشاف أن تكون اليمين الكاذبة ههنا إشارة إلى قولهم ﴿ نشهد ﴾ لأن الشهادة تجري في إفادة التأكيد مجرى الحلف وبه استدل أبو حنيفة على أن أشهد يمين.

﴿ ذلك ﴾ الذي مر من أوصافهم وأخلاقهم أو من التسجيل عليهم أنهم مقول في حقهم ساء ما كانوا يعملون ﴿ بـ ﴾ سبب ﴿ أنهم آمنوا ﴾ باللسان ﴿ ثم كفروا ﴾ بظهور نفاقهم أو نطقوا بالإسلام عند المؤمنين ثم نطقوا بكلمة الكفر إذا خلوا إلى شياطينهم، ويجوز أن يراد أهل الردة منهم وكان عبد الله بن أبيّ رجلاً جسيماً فصيحاً وكذا أضرابه من رؤساء النفاق يحضرون مجلس رسول الله  فيستندون، فيه وكان النبي  والحاضرون يعجبون بهياكلهم ويستمعون إلى كلامهم فنزلت ﴿ وإذا رأيتهم ﴾ أيها الرسول أو يا من له أهلية الخطاب.

ثم شبهوا في استنادهم وما هم إلا أجرام فارغة عن الإيمان والخير بالخشب المستندة إلى الحائط.

ويجوز أن تكون الخشب أصناماً منحوتة شبهوا بها في حسن صورهم وقلة جدواهم.

قال في الكشاف: ويجوز أن يكون وجه التشبيه مجرد عدم الانتفاع لأن الخشب المنتفع بها هي التي تكون في سقف أو جدار أو غيرهما، فأما المسندة الفارعة المتروكة فلا نفع فيها.

قلت: فعلى هذا لا يكون لتخصيص الخشب بالذكر فائدة لاشتراكها في هذا الباب مع الحجر والمدر المتروكين وغيرهما، والخشب جمع خشبة كثمرة وثمر، ومحل الجملة رفع على " هم كأنهم خشب " أو هو كلام مستأنف فلا محل له.

قوله ﴿ عليهم ﴾ ثاني مفعولي ﴿ يحسبون ﴾ أي يحسبونها واقعة عليهم صادرة لهم لجبنهم والصيحة كنداء المنادي في العسكر ونحو ذلك، أو هي أنهم كانوا على وجل من أن ينزل الله فيهم ما يهتك أستارهم ويبيح دماءهم وأموالهم.

ثم أخبر عنهم بأنهم ﴿ هم العدو ﴾ أي هم الكاملون في العداوة لأن أعدى الأعداء هو العدوّ المداجي المكاشر تظنه جاراً مكاشراً وتحت ضلوعه داء لا دواء له.

ويقال: ما ذم الناس مذمة أبلغ من قولهم " فلان لا صديق له في السر ولا عدوّ له في العلانية " وذلك أن هذه من آيات النفاق ﴿ فاحذرهم ﴾ ولا تغتر بظاهرهم، وجوز أن يكون ﴿ هم العدو ﴾ المفعول الثاني و ﴿ عليهم ﴾ لغو.

وإنما لم يقل" هي العدو " نظراً إلى الخبر أو بتأويل كل أهل صيحة ﴿ قاتلهم الله ﴾ دعاء عليهم باللعن والإخزاء أي أحلهم الله محل من قاتله عدو قاهر.

ويجوز أن يكون تعليماً للمؤمنين أي ادعوا عليهم بهذا.

يروى أن رسول الله  لما لقي بني المصطلق على المريسيع وهو ماء لهم وهزمهم ازدحم على الماء جمع من المهاجرين والأنصار واقتتلا، فلطم أحد فقراء المهاجرين شاباً حليفاً لعبد الله بن أبيّ، فبلغ ذلك عبدالله فقال: ما صحبنا محمداً إلا لنلطم والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قيل " سمن كلبك يأكلك "، أما والله ﴿ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ﴾ عنى بالأعز نفسه وبالأذل أصحاب النبي  ، ثم قال لقومه: لو أمسكتم عن هؤلاء الفقراء فضل طعامكم لم يركبوا رقابكم ولا نفضوا من حول محمد، فسمع بذلك زيد بن أرقم وهو حدث فقال: أنت والله الذليل القليل.

فقال عبد الله: اسكت فإنما كنت ألعب.

فأخبر زيد رسول الله  فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق.

فقال: إذن ترعد أنف كثيرة بيثرب.

قال: فإن كرهت أن يقتله مهاجريّ فأمر به أنصارياً فقال: فكيف إذا تحدث الناس أن محمداً قتل أصحابه.

ولما أنزل الله  تصديق قول زيد وبان نفاق عبد الله قيل له: قد نزلت فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله  يستغفر لك، فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أومن فآمنت وأمرتموني أن أزكي مالي فزكيت فما بقي إلا أن أسجد لمحمد فنزلت ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا ﴾ ولم يلبث إلا أياماً قلائل حتى اشتكى ومات وقد تقدم قصة هذا المنافق في سورة " براءة " بأكثر من هذا، وقد نفى عن المنافقين الفقه أولاً وهو معرفة غوامض الأشياء، ثم نفى عنهم العلم رأساً كأنه قال: لا فقه لهم بل لا علم.

أو نقول: إن معرفة كون الخزائن لله مما يحتاج إلى تدبر وتفقه لمكان الأسباب والوسائط والروابط المفتقرة في رفعها من البين إلى مزيد توجه وكمال نظر، فأما كون الغلبة والقوة لدين الإسلام فذلك بظهور الإمارات وسطوع الدلائل بلغ مبلغاً لم يبق في وقوعه شك لمن به أدنى مسكة وقليل علم، فلا جرم أورد في خاتمة كل آية ما يليق بها.

وعن بعض الصالحات وكانت في هيئة رثة ألست على الإسلام وهو العز الذي لا ذل معه والغنى الذي لا فقر بعده.

وعن الحسن بن علي  أن رجلاً قال له: إن الناس يزعمون أن فيك تيهاً فقال: ليس بتيه ولكنه عزة وتلا الآية.

وحينئذ عير المنافقين بما عير.

وحث المؤمنين على ذكر الله في كل حال بحيث لا يشغلهم عنه التصرف في الأموال والسرور بالأولاد وكل ما سوى الله حقير في جنب ما عند الله، فإن من تصرف في شيء ما المال أو صرف زمانه في طرف من أمر الأولاد فلله وبالله وفي الله.

وقال الكلبي: ذكر الله الجهاد مع رسول الله  .

وعن الحسن: جميع الفرائض.

وقيل: القرآن.

وقيل: الصلوات الخمس ﴿ يفعل ذلك ﴾ أي ومن أشغلته الدنيا عن الدين.

ثم حثهم على الإنفاق إما على الإطلاق وإما في طريق الجهاد.

وإتيان الموت إتيان سلطانه وأماراته حين لا يقبل توبته ولا ينفع عمل فيسأل الله التأخير في الأجل لتدارك ما فات ومن له بذلك كما قال ﴿ ولن يؤخر الله نفساً ﴾ والمعنى هلا أخرت موتي إلى زمان قليل ﴿ فأصدّق وأكون ﴾ من قرأ بالنصب فظاهر، ومن قرأ بالجزم فعلى وهم أن الأول مجزوم كأنه قال: إن أخرتني أصدق وأكن.

وقيل: هذا الوعيد لمانع الزكاة.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ ، واختلف فيه: فمنهم من قال: هذه الآية في المنافقين.

ومنهم من قال: في المؤمنين.

فإن كانت في المنافقين، فكأنه يقول: يا أيها الذين أظهرتم بلسانكم الإيمان، لا تلهكم أموالكم [ولا أولادكم] عن ذكر الله.

وإن كان في المؤمنين، فكأنه قال: يا أيها الذين حققوا الإيمان، لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله.

ثم اختلفوا في معنى ذكر الله: فمنهم من قال: معناه القرآن على مثال قوله: ﴿ قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً  رَّسُولاً يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ...

 ﴾ يعني: قرآنا ورسولا.

ومنهم من قال: معنى الذكر التوحيد.

فإن كان تأويله القرآن، فهو يتوجه إلى المنافقين والمؤمنين جميعاً، فإن كان في المنافقين فكأنه قال: لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن النظر والتأمل في القرآن؛ لأن الله  بين [في القرآن] أموراً تطهر سرائرهم وما يظهر عندهم أن الرسول لا يختلقه من تلقاء نفسه، وأنه إنما يقوله بالوحي، فكأنه يقول: إذا تأملتم النظر في القرآن، حملكم ذلك على التحقيق في الإيمان، فلا يحملكم حب المال والولد على ترك التأمل في القرآن؛ لأنكم إذا نظرتم فيه، وتأملتم، حصلتم منه على تحقيق الإيمان، والله أعلم.

وإن كان في المؤمنين، فمعناه: ألا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن النظر في القرآن؛ فإنكم إذا نظرتم فيه، صرتم من أهله، وجل قدركم.

وإن كان المراد من الذكر التوحيد، فهو راجع إلى الناس كافة: فأما المؤمنون، فكأنه حذرهم عن حب المال والولد أن يحملهم غاية حبهما على أن ينسوا وحدانية الله  والإيمان بالرسل والبعث، فكأنه يقول: لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم كما ألهى الكفرة، فيحذرهم عن أن يقعوا في الهلاك من حبه كما قال: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ  ﴾ يعني: اتقوا السبب الذي يفضي بكم إلى النار المعدة للكافرين، فكذلك الأول.

وإن كان في المنافقين فكأنه قال: لا يحملكم حب المال والولد أن تتركوا حقيقة الإيمان به والتوحيد له والطاعة لرسوله،  .

وقوله  : ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ ﴾ .

فعلى ما ذكرنا من التأويلين في إنكار البعث والتوحيد ظاهر، وإن كان في المؤمنين فمعنى الخسار: هو الخوف من أن يقع به الوعيد.

وقوله -  -: ﴿ وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ .

يجوز أن يكون صلة قوله: ﴿ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ فيمنعكم ذلك عن الإنفاق؛ فإنكم إذا امتنعتم عن الإنفاق ازداد حبكم، فتنسون وحدانية الله  وطاعة رسوله،  .

وقوله -  -: ﴿ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ .

قال بعضهم: تمنى الرجعة؛ لما رأى من الهلاك والعذاب حيث ترك الحقوق.

وروي عن ابن عباس -  - أنه قال: "لو كان ثمة خير لما تمنى الكرَّة".

ولكن المعنى في ذلك عندنا - والله أعلم - أنه يتمنى الرجوع؛ ليتصدق ليس الإنفاق خاصة، ولكن ليتصدق، وليكون من الصالحين، أي: من الموحدين، وذلك مستقيم أن يقال إذا ترك التوحيد فنزل به الموت: إنه يتمنى الرجوع؛ لما يرى من الهلاك والعقوبة.

ويجوز أن يكون المعنى في هذا إن كانت الآية في المؤمنين الموحدين: أنهم يتمنون الرجوع؛ حياء من ربهم؛ لما ارتكبوا من الزلات وتركوا ما يستوجبون به الحسنات، وقصروا فيما فرض الله عليهم من العبادات، وحق على كل مؤمن أن يستحي من ربه إذا لقيه بما ترك من حقوقه التي ألزمها عليه والأسباب الواجبة.

وقوله: ﴿ وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ...

﴾ الآية.

ليس يحتمل تأخير الله  أجله إذا جاء؛ لأنه لو أخره، دل على أنه بدا له في أجله، ومن بدا له في أمر فذلك دليل الجهل بالعواقب، ولا يوصف [رب] العالمين بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ .

أي: لا يخفى عليه شيء من أعمالكم: سركم وعلانيتكم، والله أعلم [بحقيقة ما أراد، والحمد لله رب العالمين].

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولن يؤخر الله سبحانه نفسًا إذا حضر أجلها وانقضى عمرها، والله خبير بما تعملون، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وسيجازيكم عليها، إن خيرًا فخير، بيان شرًّا فشر.

من فوائد الآيات الإعراض عن النصح والتكبر من صفات المنافقين.

من وسائل أعداء الدين الحصار الاقتصادي للمسلمين.

خطر الأموال والأولاد إذا شغلت عن ذكر الله.

مزيد من التفاسير لسورة المنافقون

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله