الإسلام > القرآن > سور > سورة 65 الطلاق > الآية ٥ من سورة الطلاق
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 115 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥ من سورة الطلاق: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال : ( ذلك أمر الله أنزله إليكم ) أي : حكمه وشرعه أنزله إليكم بواسطة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا ) أي : يذهب عنه المحذور ، ويجزل له الثواب على العمل اليسير .
يقول تعالى ذكره: هذا الذي بيَّنت لكم من حكم الطلاق والرجعة والعدّة، أمر الله الذي أمركم به، أنـزله إليكم أيها الناس، لتأتمروا له، وتعملوا به.
وقوله: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ ) يقول: ومن يخف الله فيتقه باجتناب معاصيه، وأداء فرائضه، يمح الله عنه ذنوبه وسيئات أعماله (وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ) يقول: ويجزل له الثواب على عمله ذلك وتقواه، ومن إعظامه له الأجر عليه أن يدُخله جنته، فيخلده فيها.
ذلك أمر الله أي الذي ذكر من الأحكام أمر الله أنزله إليكم وبينه لكم .ومن يتق الله أي يعمل بطاعته .يكفر عنه سيئاته من الصلاة إلى الصلاة ، ومن الجمعة إلى الجمعة .ويعظم له أجرا أي في الآخرة .
{ ذَلِكَ } [أي:] الحكم الذي بينه الله لكم { أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ } لتمشوا عليه، [وتأتموا] وتقوموا به وتعظموه.{ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا } أي: يندفع عنه المحذور، ويحصل له المطلوب.
( ذلك ) يعني ما ذكر من الأحكام ( أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا
«ذلك» المذكور في العدة «أمر الله» حكمه «أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا».
ذلك الذي ذُكِر من أمر الطلاق والعدة أمر الله الذي أنزله إليكم- أيها الناس-؛ لتعملوا به.
ومن يَخَفِ الله فيتقه باجتناب معاصيه، وأداء فرائضه، يمح عنه ذنوبه، ويجزل له الثواب في الآخرة، ويدخله الجنة.
( ذَلِكَ ) الذى ذكرناه لكم من أحكام ( أَمْرُ الله ) أى : حكمه وشرعه ( أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ ) لتعلموا به ، وتسيروا على هديه .( وَمَن يَتَّقِ الله ) - تعالى - فى كل شئونه وأحواله .
.
( يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ ) أى : يمح عنه ذنوبه ، ولا يؤاخذه عليها ، ( وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً ) أى : ويضاعف له حسناته ، ويجزل له العطاء والمثوبة يوم القيامة .
قوله: ﴿ واللائى يَئِسْنَ مِنَ المحيض ﴾ الآية، ذكر الله تعالى في سورة البقرة عدة ذوات الأقراء والمتوفى عنها زوجها وذكر عدة سائر النسوة اللائي لم يذكرن هناك في هذه السورة، وروي أن معاذ بن جبل قال: يا رسول الله قد عرفنا عدة التي تحيض، فما عدة التي لم تحض فنزل: ﴿ واللآئي يَئِسْنَ مِنَ المحيض ﴾ وقوله: ﴿ إِنِ ارتبتم ﴾ أي إن أشكل عليكم حكمهن في عدة التي لا تحيض، فهذا حكمهن، وقيل: إن ارتبتم في دم البالغات مبلغ الإياس وقد قدروه بستين سنة وبخمس وخمسين أهو دم حيض أو استحاضة ﴿ فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثة أَشْهُرٍ ﴾ فلما نزل قوله تعالى: ﴿ فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثة أَشْهُرٍ ﴾ قام رجل فقال: يا رسول الله فما عدة الصغيرة التي لم تحض؟
فنزل: ﴿ واللائي لَمْ يَحِضْنَ ﴾ أي هي بمنزلة الكبيرة التي قد يئست عدتها ثلاثة أشهر، فقام آخر وقال، وما عدة الحوامل يا رسول الله؟
فنزل: ﴿ وأولات الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ معناه أجلهن في انقطاع ما بينهن وبين الأزواج وضع الحمل، وهذا عام في كل حامل، وكان علي عليه السلام يعتبر أبعد الأجلين، ويقول: ﴿ والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ﴾ لا يجوز أن يدخل في قوله: ﴿ وأولات الأحمال ﴾ وذلك لأن أولات الأحمال إنما هو في عدة الطلاق، وهي لا تنقض عدة الوفاة إذا كانت بالحيض، وعند ابن عباس عدة الحامل المتوفى عنها زوجها أبعد الأجلين.
وأما ابن مسعود فقال: يجوز أن يكون قوله: ﴿ وأولات الأحمال ﴾ مبتدأ خطاب ليس بمعطوف على قوله تعالى: ﴿ واللائي يَئِسْنَ ﴾ ولما كان مبتدأ يتناول العدد كلها، ومما يدل عليه خبر سبيعة بنت الحرث أنها وضعت حملها بعد وفاة زوجها بخمسة عشر يوماً، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتزوج، فدل على إباحة النكاح قبل مضي أربعة أشهر وعشر، على أن عدة الحامل تنقضي بوضع الحمل في جميع الأحوال.
وقال الحسن: إن وضعت أحد الولدين انقضت عدتها، واحتج بقوله تعالى: ﴿ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ ولم يقل: أحمالهن، لكن لا يصح، وقرئ (أحمالهن)، وقوله: ﴿ وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ﴾ أي ييسر الله عليه في أمره، ويوفقه للعمل الصالح.
وقال عطاء: يسهل الله عليه أمر الدنيا والآخرة، وقوله: ﴿ ذَلِكَ أَمْرُ الله أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ ﴾ يعني الذي ذكر من الأحكام أمر الله أنزله إليكم، ومن يتق الله بطاعته، ويعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يكفر عنه سيئاته من الصلاة إلى الصلاة، ومن الجمعة إلى الجمعة، ويعظم له في الآخرة أجراً، قاله ابن عباس.
فإن قيل قال تعالى: ﴿ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ ولم يقل: أن يلدن، نقول: الحمل اسم لجميع ما في بطنهن، ولو كان كما قاله، لكانت عدتهن بوضع بعض حملهن، وليس كذلك.
<div class="verse-tafsir"
روي أن ناساً قالوا: قد عرفنا عدة ذوات الأقراء، فما عدة اللائي لا يحضن؛ فنزلت: فمعنى ﴿ إِنِ ارتبتم ﴾ : إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن فهذا حكمهنّ، وقيل: إن ارتبتم في ذم البالغات مبلغ اليأس وقد قدروه بستين سنة وبخمس وخمسين، أهو دم حيض أو استحاضة؟
﴿ فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثة أَشْهُرٍ ﴾ وإذا كانت هذه عدة المرتاب بها، فغير المرتاب بها أولى بذلك ﴿ والائى لَمْ يَحِضْنَ ﴾ هن الصغائر.
والمعنى: فعدتهن ثلاثة أشهر، فحذف لدلالة المذكور عليه.
اللفظ مطلق في أولات الأحمال، فاشتمل على المطلقات والمتوفى عنهن.
وكان ابن مسعود وأبيّ وأبو هريرة وغيرهم لا يفرقون.
وعن علي وابن عباس: عدة الحامل المتوفى عنها أبعد الأجلين.
وعن عبد الله: من شاء لاعنته أنّ سورة النساء القصرى نزلت بعد التي في البقرة، يعني: أنّ هذا اللفظ مطلق في الحوامل.
وروت أم سلمة: أنّ سبيعة الأسلمية ولدت بعد وفاة زوجها بليال، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: «قد حللت فانكحي» ﴿ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ﴾ ييسر له من أمره ويحلل له من عقده بسبب التقوى ﴿ ذَلِكَ أَمْرُ الله ﴾ يريد ما علم من حكم هؤلاء المعتدات.
والمعنى: ومن يتق الله في العمل بما أنزل الله من هذه الأحكام وحافظ على الحقوق الواجبة عليه مما ذكر من الإسكان وترك الضرار والنفقة على الحوامل وإيتاء أجر المرضعات وغير ذلك: استوجب تكفير السيئات والأجر العظيم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكُمْ ﴾ لِكِبَرِهِنَّ.
﴿ إنِ ارْتَبْتُمْ ﴾ شَكَكْتُمْ في عِدَّتِهِنَّ أيْ جَهِلْتُمْ.
﴿ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ ﴾ رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ ﴿ والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ قِيلَ: فَما عِدَّةُ اللّاتِي لَمْ يَحِضْنَ؟
فَنَزَلَتْ: ﴿ واللائِي لَمْ يَحِضْنَ ﴾ » أيْ واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ بَعْدُ كَذَلِكَ.
﴿ وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ ﴾ مُنْتَهى عِدَّتِهِنَّ.
﴿ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ وهو حُكْمٌ يَعُمُّ المُطَلَّقاتِ والمُتَوَفّى عَنْهُمُ أزْواجُهُنَّ، والمُحافَظَةُ عَلى عُمُومِهِ أوْلى مِن مُحافَظَةِ عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا ﴾ لِأنَّ عُمُومَ أُولاتِ الأحْمالِ بِالذّاتِ وعُمُومَ أزْواجًا بِالعَرْضِ، والحُكْمُ مُعَلَّلٌ هاهُنا بِخِلافِهِ ثَمَّةَ، ولِأنَّهُ صَحَّ «أنَّ سَبِيعَةَ بِنْتَ الحَرْثِ وضَعَتْ بَعْدَ وفاةِ زَوْجِها بِلَيالٍ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ فَقالَ: «قَدْ حَلَلْتِ فَتَزَوَّجِي».» ولِأنَّهُ مُتَأخِّرُ النُّزُولِ فَتَقْدِيمُهُ في العَمَلِ تَخْصِيصٌ وتَقْدِيمُ الآخَرِ بِناءٌ لِلْعامِّ عَلى الخاصِّ والأوَّلُ راجِحٌ لِلْوِفاقِ عَلَيْهِ.
﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ ﴾ في أحْكامِهِ فَيُراعِي حُقُوقَها.
﴿ يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا ﴾ يُسَهِّلْ عَلَيْهِ أمْرَهُ ويُوَفِّقْهُ لِلْخَيْرِ.
﴿ ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ مِنَ الأحْكامِ.
﴿ أنْزَلَهُ إلَيْكم ومَن يَتَّقِ اللَّهَ ﴾ في أحْكامِهِ فَيُراعِي حُقُوقَها.
﴿ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ﴾ فَإنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ﴿ وَيُعْظِمْ لَهُ أجْرًا ﴾ بِالمُضاعَفَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{ذَلِكَ أَمْرُ الله} أي ما علم من حكم هؤلاء المعتدات {أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ} من اللوح المحفوظ {ومن يتق الله} في العمر بما أنزله من هذه الأحكام وحافظ على الحقوق الواجبة عليه {يُكَفّرْ عَنْهُ سيئاته وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً} ثم بين التقوى في قوله وَمَن يَتَّقِ الله كأنه قيل كيف نعمل بالتقوى في شأن المعتدات فقيل
﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الأحْكامِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ المَنزِلَةِ في الفَضْلِ، وإفْرادُ الكافِ - مَعَ أنَّ الخِطابَ لِلْجَمْعِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْرُ اللَّهِ أنْزَلَهُ إلَيْكُمْ ﴾ لِما أنَّها لِمُجَرَّدِ الفَرْقِ بَيْنَ الحاضِرِ والمُنْقَضِي لا لِتَعْيِينِ خُصُوصِيَّةِ المُخاطَبِينَ ﴿ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ ﴾ بِالمُحافَظَةِ عَلى أحْكامِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ﴾ فَإنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ﴿ ويُعْظِمْ لَهُ أجْرًا ﴾ بِالمُضاعَفَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ - نُعْظِمُ - بِالنُّونِ التِفاتًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ، وقَرَأ ابْنُ مُقْسِمٍ - يُعَظِّمُ -بِالياءِ والتَّشْدِيدِ مُضارِعَ عَظَّمَ مُشَدَّدًا، <div class="verse-tafsir"
وهي اثنتا عشرة آية مدنية قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ، فالخطاب للنبي والمراد به هو وأمته، بدليل قوله: إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ، فذكر بلفظ الجماعة، فكأنه قال: يا أيها النبي ومن آمن بك، إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ يعني: أنت وأمتك.
إذا أردتم أن تطلقوا النساء.
وقال الكلبي: نزلت في النبي ، حين غضب على حفصة بنت عمر، فقال: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ.
وقال: طاهرات، من غير جماع.
وروى أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ طاهرات من غير جماع.
روى سفيان، عن عمرو بن دينار: أن ابن عباس- ما- قرأ فطلقوهن قبل عدتهن وروي عن علي بن أبي طالب- - قال: لو أن الناس أصابوا حد الطلاق، لما ندم رجل على امرأته يطلقها، وهي طاهرة لم يجامعها.
فإن بدا أن يمسكها أمسكها، وإن بدا له أن يخلي سبيلها خلى.
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: الطلاق على أربعة أوجه: وجهان حلال، ووجهان حرام.
فأما الحلال، بأن يطلقها من غير جماع، أو يطلقها حاملاً.
وأما الحرام، بأن يطلقها حائضاً، أو يطلقها حين جامعها.
وقال الحسن: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ قال: إذا طهرن من الحيض من غير جماع.
وقال الزهري، وقتادة: يطلقها لقبيل عدتها.
وروى ابن طاوس، عن أبيه قال: حد الطلاق أن يطلقها قبل عدتها.
قلت: وما قبل عدتها؟
قال: طاهرة من غير جماع.
ثم قال: وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ يعني: واحفظوا العدة.
فأمر الرجل بحفظ العدة، لأن في النساء غفلة، فربما لا تحفظ عدتها.
ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ يعني: واخشوا الله ربكم، فأطيعوه فيما أمركم ولا تطلقوا النساء في غير طهورهن.
فلو طلقها في الحيض، فقد أساء.
والطلاق واقع عليها في قول عامة الفقهاء.
ثم قال: لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ يعني: اتقوا الله في إخراجهن من بيوتهن لأن سكناها على الزوج ما لم تنقض عدتها ثم قال: وَلا يَخْرُجْنَ يعني: ليس لهن أن يخرجن من البيوت.
ثم قال: إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يعني: إلا أن تزني فتخرج لأجل إقامة الحد عليها، وهو قول ابن مسعود.
وقال الشعبي، وقتادة: خروجها في العدة فاحشة.
وإخراج الزوج لها في العدة معصية وهكذا روي، عن ابن عمرو، وإبراهيم النخعي.
وقال ابن عباس: الفاحشة أن تبذو على زوجها فتخرج.
ثم قال: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يعني: الطلاق بالسنة، وإحصاء العدة من أحكام الله تعالى.
وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ يعني: يترك حكم الله فيما أمر من أمر الطلاق.
فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ يعني: أضر بنفسه.
ثم قال: لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً يعني: لا تطلقها ثلاثاً، فلعله يحدث من الحب أو الولد خير، فيريد أن يراجعها فلا يمكنه مراجعتها.
وإن طلقها واحدة، يمكنه أن يراجعها.
ثم قال: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ يعني: إذا بلغن وقت انقضاء عدتهن، وهو مضي ثلاث حيض ولم تغتسل من الحيضة الثالثة، فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ يعني: راجعوهن بإحسان، يعني: أن تمسكوهن بغير إضرار.
أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ يعني: اتركوهن بإحسان.
ويقال: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ يعني: انقضت عدتهن، فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ يعني: بنكاح جديد إذا طلقها واحدة أو اثنتين.
ثم قال عز وجل: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ يعني: أشهدوا على الطلاق والمراجعة فهو على الاستحباب.
ويقال: على النكاح المستقبل، فإن أراد به الإشهاد على الطلاق والمراجعة، فهو على الاستحباب.
ولو ترك الإشهاد بالمراجعة، جاز الطلاق والمراجعة.
فإن أراد به الإشهاد على النكاح، فهو واجب، لأنه لا نكاح إلاَّ بشهود.
ثم قال: وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ يعني: يا معشر الشهود، أدوا الشهادة عند الحاكم بالعدل على وجهها لحق الله تعالى ولسبب أمر الله تعالى.
ثم قال: ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ يعني: هذا الذي يؤمر به.
مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أي: لا يكتم الشهادة.
ثم قال: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً يعني: يخشى الله ويطلق امرأته للسنة، يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً يعني: المراجعة.
وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ يعني: في شأن المراجعة.
ويقال: يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً يعني: ينجو من ظلمات يوم القيامة ويرزقه الجنة.
ووجه آخر: أن من اتقى الله عند الشدة وصبر، يجعل له مخرجاً من الشدة وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ يعني: يوسع عليه من الرزق.
وقال مسروق: يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً قال: مخرجه أن يعلم أن الله هو يرزقه، وهو يمنحه ويعطيه، لأنه هو الرازق وهو المعطي وهو المانع.
كما قال الله تعالى: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ [فاطر: 3] الآية.
ثم قال عز وجل: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ يعني: من يثق بالله في الرزق فَهُوَ حَسْبُهُ يعني: الله كافيه.
وروى سالم بن أبي الجعد: أن رجلاً من أشجع أسره العدو، فجاء أبوه إلى النبي ، فشكا إليه، فقال: اصبر.
فأصاب ابنه غنيمة، فجاء بهما جبريل- - وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً الآية.
وعن عبد الله بن عباس- - قال: جاء عوف بن مالك الأشجعي إلى رسول الله ، فقال: يا رسول الله إن ابني أسره العدو وجزعت الأم، فما تأمرني؟
فقال: آمرك وإياها أن تستكثرا من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فرجع إلى منزله، فقالت له: بماذا أمرك رسول الله ؟
فقال: بكذا.
فقالت: نعم ما أمرك به.
فجعلا يقولان ذلك، فخرج ابنه بغنيمة كثيرة، فنزل قوله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ يعني: من يتق بالله في الشدة، يجعل له مخرجاً من الشدة.
ويقال: المخرج على وجهين: أحدهما أن يخرجه من تلك الشدة، والثاني أن يكرمه فيها بالرضا والصبر.
ثم قال: إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ يعني: قاضياً أمره.
قرأ عاصم في رواية حفص بالِغُ أَمْرِهِ بغير تنوين، بكسر الراء على الإضافة، والباقون بالتنوين أَمْرِهِ بالنصب، نصبه بالفعل بمعنى يمضي أمره في الشدة والرخاء أجلاً ووقتاً.
ثم قال: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً يعني: جعل لكل شيء من الشدة والرخاء أجلاً ووقتاً، لا يتقدم ولا يتأخر.
قوله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ.
قال ابن عباس- ما-: لما نزل قوله: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: 228] قال معاذ بن جبل: يا رسول الله، لو كانت المرأة آيسة لا تحيض، كيف تعتد؟
فنزل: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ والآية.
أن تبلغ ستين سنة، ويقال خمسين.
إِنِ ارْتَبْتُمْ، إن شككتم في عدتهن، فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ، فقام رجل آخر، فقال: لو كانت صغيرة، كيف عدتها؟
وقام آخر وقال: لو كانت حاملاً، كيف عدتها؟
فنزل: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ يعني: المرأة التي لم تحض، فعدتها ثلاثة أشهر مثل عدة الآيسة.
وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ يعني: عدتهن أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وقال عمر: لو وضعت ما في بطنها وزوجها على سريره، قبل أن يدفن في حفرته، لا نقضت عدتها وحلت للأزواج.
وروى الزهري، عن عبد الله، عن أبيه: أن سبيعة بنت الحارث قد وضعت بعد وفاة زوجها بعشرين يوماً، فمر بها السنابل بن بعكك، فقال لها: أَتُرِيدِينَ أنْ نتزوج؟
فقالت: نعم.
قال: لا حتى يأتي عليك أربعة أشهر وعشر.
فأتت النبيّ ، فقال لها قد حللت للزواج يعني: انقضت عدتك.
ثم قال: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يعني: يصبر على طاعة الله تعالى، يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً يعني: ييسر عليه أمره، ويوفقه ليعمل على طاعة الله تعالى، ويعصمه عن معاصيه.
ثم قال: ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ يعني: هذا الذي ذكره حكم الله وفريضته.
أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ يعني: أنزله في القرآن على نبيكم.
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ويعمل بأحكامه وفريضته، يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ في الدنيا، وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً يعني: ثواباً في الجنة.
قرأ نافع، وابن عامر نَّكْفُرَ عَنْهُ بالنون، والباقون بالياء، ومعناهما: يرجع إلى شيء واحد.
ثم رجع إلى ذِكْرِ المطلقات.
<div class="verse-tafsir"
الله ما يقدّر يكن وما ترزق يأتك «١» ، وعنه صلّى الله عليه وسلّم «اسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بالصَّدَقَة» «٢» ، انتهى من كتابه المسمى ب «بهجة المَجَالسِ وأنس المجالس» .
وقوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ هذهِ الآياتُ كلُّها عِظةٌ لجميعِ الناسِ، ومعنى حَسْبُهُ: كَافِيهِ.
وقال ابن مسعود: هذه أكْثَرَ الآيات حَضًّا على التفويضِ للَّه «٣» .
وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ بَيَانٌ، وَحَضٌّ عَلى التوكلِ، أي: لا بُدَّ مِنْ نفوذِ أمرِ اللَّهِ توكلتَ أيُّهَا المرءُ أوْ لَمْ تَتَوَكَّلْ قاله مسروق فإنْ توكلتَ على اللَّهِ كَفَاكَ وَتَعَجَّلَتِ الراحةُ والبَرَكةُ، وإن لم تتوكَّلْ وَكَلَكَ إلى عَجْزِكَ وَتَسَخَّطَكَ، وأمرُه سبحانَه في الوجهين نَافِذٌ.
وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (٤) ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (٥) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى (٦)
وقوله سبحانه: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ ...
الآية، «اللائي» جمعُ «التي» واليائساتُ من المحيض على مراتبَ مَحَلُّ بَسْطِها كُتُبُ الفِقْهِ، وروى إسماعيلُ بْنُ خالدٍ أنَّ قَوْماً منهم أُبَيُّ بن كعبٍ وخَلاَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ، لما سمعوا قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨] قالوا: يا رسول الله
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: «أنَّها لَمّا نَزَلَتْ عِدَّةُ المُطَلَّقَةِ، والمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها في [البَقَرَةِ: ٢٢٧، ٢٣٢] قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ نِساءً مِن أهْلِ المَدِينَةِ يَقُلْنَ: قَدْ بَقِيَ مِنَ النِّساءِ ما لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ شَيْءٌ.
قالَ: "وَما هُوَ؟" قالَ: الصِّغارُ والكِبارُ، وذَواتُ الحَمْلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ عَمْرُو بْنُ سالِمٍ.
والثّانِي: أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ.
.
.
﴾ الآيَةُ [البَقَرَةِ: ٢٢٨] قالَ خَلّادُ بْنُ النُّعْمانِ الأنْصارِيُّ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَما عِدَّةُ الَّتِي لا تَحِيضُ، وعِدَّةُ الَّتِي لَمْ تَحِضْ، وعِدَّةُ الحُبْلى؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ مُقاتِلٌ.
ومَعْنى الآيَةِ: "إنِ ارْتَبْتُمْ" أيْ: شَكَكْتُمْ فَلَمْ تَدْرُوا ما عِدَّتُهُنَّ "فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ" كَذَلِكَ.
* فَصْلٌ قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: والمُرادُ بِالِارْتِيابِ ها هُنا: ارْتِيابُ المُخاطَبِينَ في مِقْدارِ عِدَّةِ الآيِسَةِ والصَّغِيرَةِ كَمْ هُوَ؟
ولَيْسَ المُرادُ بِهِ ارْتِيابَ المُعْتَدّاتِ في اليَأْسِ مِنَ المَحِيضِ، أوِ اليَأْسِ مِنَ الحَمْلِ لِلسَّبَبِ الَّذِي ذُكِرَ في نُزُولِ الآيَةِ.
ولِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بِذَلِكَ النِّساءُ لَتَوَجَّهَ الخِطابُ إلَيْهِنَّ، فَقِيلَ: إنِ ارْتَبْتُنَّ، أوِ ارْتَبْنَ، لِأنَّ الحَيْضَ إنَّما يُعْلَمُ مِن جِهَتِهِنَّ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ في المَرْأةِ إذا تَأخَّرَ حَيْضُها لا لِعارِضٍ كَمْ تَجْلِسُ؟
فَمَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّها تَجْلِسُ غالِبَ مُدَّةِ الحَمْلِ، وهو تِسْعَةُ أشْهُرٍ، ثُمَّ ثَلاثَةٌ.
والعِدَّةُ: هي الثَّلاثَةُ الَّتِي بَعْدَ التِّسْعَةِ.
فَإنْ حاضَتْ قَبْلَ السَّنَةِ بِيَوْمٍ، اسْتَأْنَفَتْ ثَلاثَ حِيَضٍ، وإنْ تَمَّتِ السَّنَةَ مِن غَيْرِ حَيْضٍ، حَلَّتْ، وبِهِ قالَ مالِكٌ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ في الجَدِيدِ: تَمْكُثُ أبَدًا حَتّى يُعْلَمَ بَراءَةُ رَحِمِها قَطْعًا، وهي أنْ تَصِيرَ في حَدٍّ لا يَحِيضُ مِثْلُها، فَتَعْتَدُّ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللائِي لَمْ يَحِضْنَ ﴾ يَعْنِي: عِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ أيْضًا، لِأنَّهُ كَلامٌ لا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن ضَمِيرٍ، وضَمِيرُهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مُظْهَرًا، وهو العِدَّةُ بِالشُّهُورِ.
وهَذا عَلى قَوْلِ أصْحابِنا مَحْمُولٌ عَلى مَن لَمْ يَأْتِ عَلَيْها زَمانُ الحَيْضِ: أنَّها تَعْتَدُّ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ.
فَأمّا مَن أتى عَلَيْها زَمانُ الحَيْضِ، ولَمْ تَحِضْ، فَإنَّها تَعْتَدُّ سَنَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ عامٌّ في المُطَلَّقاتِ، والمُتَوَفّى عَنْهُنَّ أزْواجُهُنَّ، وهَذا قَوْلُ عُمْرَ، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي مَسْعُودٍ البَدْرِيِّ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وفُقَهاءِ الأمْصارِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: تَعْتَدُّ آخِرَ الأجَلَيْنِ.
ويَدُلُّ عَلى قَوْلِنا عُمُومُ الآيَةِ.
وقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَن شاءَ لاعَنْتُهُ، ما نَزَلَتْ "وَأُولاتُ الأحْمالِ" إلّا بَعْدَ آيَةِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، وَقَوْلُ أمِّ سَلَمَةَ: «إنَّ سُبَيْعَةَ وضَعَتْ بَعْدَ وفاةِ زَوْجِها بِأيّامٍ، فَأمَرَها رَسُولُ اللَّهِ أنْ تَتَزَوَّجَ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ ﴾ أيْ: فِيما أمَرَ بِهِ "يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا" يُسَهِّلْ عَلَيْهِ أمْرَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
وقالَ الضَّحّاكُ: ومَن يَتَّقِ اللَّهَ في طَلاقِ السُّنَّةِ، يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ مَن أمْرِهِ يُسْرًا في الرَّجْعَةِ "ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ أنْزَلَهُ إلَيْكم ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ" ﴾ بِطاعَتِهِ ﴿ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ﴾ أيْ: يَمْحُ عَنْهُ خَطاياهُ "وَيُعْظِمْ لَهُ أجْرًا" في الآخِرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِنَ نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللائِي لَمْ يَحِضْنَ وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ومَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنَ أمْرِهِ يُسْرًا ﴾ ﴿ ذَلِكَ أمْرُ اللهِ أنْزَلَهُ إلَيْكم ومَن يَتَّقِ اللهِ يُكَفِّرْ عنهُ سَيِّئاتِهِ ويُعْظِمْ لَهُ أجْرًا ﴾ ﴿ أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكم ولا تُضارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ وإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى ﴾ ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ "اللائِي": هو جَمْعُ ذاتٍ فِيما حَكى أبُو عُبَيْدَةَ، وهو ضَعِيفٌ، والَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أنَّهُ جَمْعُ "الَّتِي"، وقَدْ يَجِيءُ جَمْعًا لـ "لِذِي"، واليائِساتُ مِنَ المَحِيضِ عَلى مَراتِبَ، فَيائِسَةٌ هو أوَّلُ يَأْسِها فَهَذِهِ تُرْفَعُ إلى السُنَّةِ ويُبْقِيها الِاحْتِياطُ عَلى حُكْمِ مَن لَيْسَتْ بِيائِسَةٍ لِأنَّها لا تَدْرِي لَعَلَّ الدَمَ يَعُودُ، ويائِسَةٌ قَدِ انْقَطَعَ عنها الدَمُ لِأنَّها طَعَنَتْ في السِنِّ ثُمَّ طُلِّقَتْ وقَدْ مَرَّتْ عادَتُها بِانْقِطاعِ الدَمِ إلّا أنَّها مِمَّنْ يَخافُ أنْ تُحْمَلَ نادِرًا، فَهَذِهِ الَّتِي في الآيَةِ عَلى أحَدِ التَأْوِيلَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: "إنِ ارْتَبْتُمْ"، وهو قَوْلُ مَن جَعَلَ الِارْتِيابَ بِأمْرِ الحَوْلِ، وهو الأظْهَرُ، ويائِسَةٌ قَدْ هَرِمَتْ حَتّى تَتَيَقَّنَ أنَّها لا تَحْمِلُ، فَهَذِهِ لَيْسَتْ في الآيَةِ لِأنَّها لا تَرْتابُ بِحَمْلِها، لَكِنَّها في حُكْمِ الأشْهُرِ الثَلاثَةُ إجْماعًا فِيما عَلِمَتْ، وهي في الآيَةِ عَلى تَأْوِيلِ مَن يَرى قَوْلَهُ تَعالى: "إنِ ارْتَبْتُمْ" مَعْناهُ في حُكْمِ اليائِساتِ، وذَلِكَ أنَّهُ رَوى إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ «أنْ قَوْمًا مِنهم أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وخَلّادُ بْنُ النُعْمانِ لَمّا سَمِعُوا قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿ والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، فَما عِدَّةُ مَن لا قُرْءَ لَها مِن صِغَرٍ أو كِبَرٍ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ قائِلٌ مِنهُمْ: فَما عِدَّةُ الحامِلِ؟
فَنَزَلَتْ ﴿ وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ ،» وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في تَأْوِيلِ "إنِ ارْتَبْتُمْ".
و"أُولاتُ" جَمْعُ ذاتٍ، وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَعُمُّ الحَوامِلَ المُطَلَّقاتِ والمُعْتَدّاتِ مِنَ الوَفاةِ، والحُجَّةُ حَدِيثُ سُبَيْعَةَ الأسْلَمِيَّةِ، قالَتْ: « "كُنْتُ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ، فَتُوفِّيَ في حَجَّةِ الوَداعِ"، ووَضَعَتْ حَمْلَها قَبْلَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَقالَ لَها النَبِيُّ : "قَدْ حَلَلْتِ"، وأمَرَها أنْ تَتَزَوَّجَ.» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: نَزَلَتْ سُورَةُ النِساءِ القُصْرى بَعْدَ الطُولى، يَعْنِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ نَزَلَ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا ﴾ ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: إنَّما هَذِهِ في المُطَلَّقاتِ، وأمّا في الوَفاةِ فَعِدَّةُ الحامِلِ آخِرُ الأجَلَيْنِ، إنْ وُضِعَتْ قَبْلَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ تَمادَتْ إلى آخِرِها، والقَوْلُ الأوَّلُ أشْهُرُ، وعَلَيْهِ الفُقَهاءُ، وقَرَأ الضَحّاكُ: "أحْمالُهُنَّ" عَلى الجَمْعِ.
وَأمَرَ اللهُ تَعالى بِإسْكانِ المُطَلَّقاتِ، ولا خِلافَ في ذَلِكَ في الَّتِي لَمْ تَبُتُّ، وأمّا المَبْتُوتَةُ فَمالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى يَرى لَها السُكْنى لِمَكانِ حِفْظِ النَسَبِ، ولا يَرى لَها نَفَقَةً لِأنَّ النَفَقَةَ بِإزاءِ الِاسْتِمْتاعِ، وهو قَوْلُ الأوزاعِيِّ، والشافِعِيِّ، وابْنِ أبِي لَيْلى، وابْنِ عُبَيْدٍ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وعَطاءٍ، والشَعْبِيِّ، وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ.
وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ والشُورى: لَها السُكْنى والنَفَقَةُ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: لَيْسَ لَها سُكْنى ولا نَفَقَةٌ.
و"الوَجْدُ": السِعَةُ في المالِ، وضَمُّ الواوِ وفَتْحُها وكَسْرُها هي كُلُّها بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وُجْدِكُمْ" بِضَمِّ الواوِ بِمَعْنى سِعَةُ الحالِ، وقَرَأ الأعْرَجُ -فِيما ذَكَرَ عِصْمَةٌ-: "وَجَدَكُمْ" بِفَتْحِ الواوِ، وذَكَرَها أبُو عَمْرٍو عَنِ الحَسَنِ، وأبِي حَيْوَةَ، وقَرَأ الفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ، ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ الواوِ، وذَكَرَها المَهْدَوِيُّ عَنِ الأعْرَجِ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ.
وأمّا الحامِلُ فَلا خِلافَ في وُجُوبِ سُكْناها ونَفَقَتِها، بَتَّتْ أو لَمْ تَبُتَّ؛ لِأنَّها مُبِيَّنَةٌ في الآيَةِ، واخْتَلَفُوا في نَفَقَةِ الحامِلِ المُتَوَفّى عنها زَوْجُها عَلى قَوْلَيْنِ لِعُلَماءِ الأُمَّةِ، فَمَنَعَها قَوْمٌ، وأوجَبَها في التَرِكَةِ قَوْمٌ، وكَذَلِكَ النَفَقَةُ عَلى المُرْضِعِ واجِبَةٌ وهي الأجْرُ مَعَ الكُسْوَةِ وسائِرِ المُؤَنِ الَّتِي بَسَطَها في كُتُبِ الفِقْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ ﴾ أيْ: لِيَأْمُرَ كُلُّ واحِدٍ صاحِبَهُ بِخَيْرٍ، ولا شَكَّ أنَّ مَن أمَرَ بِخَيْرٍ فَهو أسْرَعُ إلى فِعْلِ ذَلِكَ الخَيْرِ، ولِيُقْبِلْ كُلُّ واحِدٍ ما أمَرَ بِهِ مِنَ المَعْرُوفِ فالقَبُولُ والِامْتِثالُ هو الِائْتِمارُ، وقالَ الكِسائِيُّ: "ائْتَمِرُوا " مَعْناهُ: تَشاوَرُوا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ المَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: .........
ويَعْدُو عَلى المَرْءِ ما يَأْتَمِرْ وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَإنْ تَعاسَرْتُمْ" أيْ: تَشَطَّطَتِ المَرْأةُ في الحَدِّ الَّذِي يَكُونُ أُجْرَةً عَلى الرَضاعِ فَلِلزَّوْجِ أنْ يَسْتَرْضِعَ أُخْرى بِما فِيهِ رِفْقُهُ، إلّا إنْ لَمْ يُقْبِلِ المَوْلُودُ غَيْرَ أُمِّهِ فَتُجْبَرُ حِينَئِذٍ عَلى رَضاعِهِ بِأُجْرَةِ مِثْلِها ومِثْلِ الزَوْجِ في حالِهِما أوَ غِناهِما.
ثُمَّ خَصَّ اللهُ تَعالى أهْلَ الجَدَّةِ عَلى الإنْفاقِ وأهْلَ الإقْتارِ عَلى التَوَسُّطِ، كُلٌّ بِقَدْرِ حالِهِ، وهَذا هو العَدْلُ بَيْنَهم لِئَلّا تَضِيعَ هي ولا يَتَكَلَّفُ هو ما لا يُطِيقُ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في الَّذِي يَعْجَزُ عن نَفَقَةِ امْرَأتِهِ - فَقالَ مالِكٌ، والشافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ المُسَيِّبِ، والحَسَنُ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُما، وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وجَماعَةٌ: لا يُفَرَّقُ بَيْنَهُما، ثُمَّ رَجّى تَعالى بِاليُسْرِ تَسْهِيلًا عَلى النُفُوسِ وتَطْيِيبًا لَها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَيُعْظِمُ" بِالياءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَنُعْظِمُ" بِالنُونِ، واخْتُلِفَ عنهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واللائى يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ارتبتم فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثة أَشْهُرٍ واللاتي لَمْ يَحِضْنَ ﴾ .
عطف على قوله: ﴿ فطلقوهن لعدتهن ﴾ [الطلاق: 1] فإن العدة هنالك أريد بها الأقراء فأشعر ذلك أن تلك المعتدة ممن لها أقراء، فبقي بيان اعتداد المرأة التي تجاوزت سن المحيض أو التي لم تبلغ سن من تحيض وهي الصغيرة.
وكلتاهما يصدق عليها أنها آيسة من المحيض، أي في ذلك الوقت.
والوقف على قوله: ﴿ واللائي لم يحضن ﴾ ، أي هن معطوفات على الآيسين.
واليأس: عدم الأمل.
والمأيوس منه في الآية يعلم من السياق من قوله: ﴿ فطلقوهن لعدتهن ﴾ [الطلاق: 1]، أي يئسن من المحيض سواء كان اليأس منه بعد تعدده أو كان بعدم ظهوره، أي لم يكن انقطاعه لمرض أو إرضاع.
وهذا السنّ يختلف تحديده باختلاف الذوات والأقطار كما يختلف سن ابتداء الحيض كذلك.
وقد اختُلف في تحديد هذا السنّ بعدد السنين فقيل: ستون سنة، وقيل: خمس وخمسون، وترك الضبط بالسنين أولى وإنما هذا تقريب لإبّان اليأس.
والمقصود من الآية بيِّن وهي مخصصة لعموم قوله: ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ﴾ من سورة [البقرة: 228].
وقد نزلت سورة الطلاق بعد سورة البقرة.
وقد خفي مفاد الشرط من قوله: إن ارتبتم } وما هو متصل به.
وجمهور أهل التفسير جعلوا هذا الشرط متصلاً بالكلام الذي وقع هو في أثنائه، وإنه ليس متصلاً بقوله: ﴿ لا تخرجوهن من بيوتهن ﴾ [الطلاق: 1] في أول هذه السورة خلافاً لشذوذ تأويل بعيد وتشتيت لشمل الكلام، ثم خفيَ المراد من هذا الشرط بقوله: ﴿ إن ارتبتم ﴾ .
وللعلماء فيه طريقتان: الطريقة الأولى: مشَى أصحابها إلى أن مرجع اليأس غير مرجع الارتياب باختلاف المتعلق، فروى أشهب عن مالك أن الله تعالى لما بين عدة ذوات القُروء وذوات الحمل، أي في سورة البقرة، وبقيت اليائسة والتي لم تحض ارتاب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في أمرهما فنزلت هذه الآية، ومثله مروي عن مجاهد، وروى الطبري خبراً عن أبيّ بن كعب أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اعتداد هاتين اللتين لم تذكرا في سورة البقرة، فنزلت هذه الآية.
فجعلوا حرف ﴿ إنْ ﴾ بمعنى (إذْ) وأن الارتياب وقع في حكم العدة قبل نزول الآية، أي إذ ارتبتم في حكم ذلك فبيّنّاه بهذه الآية قال ابن العربي: حديث أُبّي غير صحيح.
وأنا أقول: رواه البيهقي في «سننه» والحاكم في «المستدرك» وصَحّحه.
والطبراني بسنده عن عَمرو بن سالم أن أبَيَّا قال: وليس في رواية الطبري ما يدل على إسناد الحديث.
وهو في رواية البيهقي بسنده إلى أبي عثمان عُمر بن سالم الأنصاري عن أُبي بن كعب وهو منقطع، لأن أبا عثمان لم يلق أُبي بن كعب وأحسب أنه في «مستدرك الحاكم» كذلك لأن البيهقي رواه عن الحاكم فلا وجه لقول ابن العربي: هو غير صحيح.
فإن رجال سنده ثقات.
وفي «أسباب النزول» للواحدي عن قتادة أن خلاد بن النعمان وأبيَّا سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فنزلت هذه الآية.
وقيل: إن السائل معاذ بن جبل سأل عن عدة الآيسة.
فالريبة على هذه الطريقة تكون مراداً بها ما حصل من التردد في حكم هؤلاء المطلقات فتكون جملة الشرط معترضة بين المبتدأ وهو الموصول وبين خبره وهو جملة ﴿ فعدتهن ثلاثة أشهر ﴾ .
والفاء في ﴿ فعدتهن ﴾ داخلة على جملة الخبر لما في الموصول من معنى الشرط مثل قوله تعالى: ﴿ واللذان يأتيانها منكم فآذوهما ﴾ [النساء: 16] ومثله كثير في الكلام.
والارتياب على هذا قد وقع فيما مضى فتكون ﴿ إنْ ﴾ مستعملة في معنى اليقين بلا نكتة.
والطريقة الثانية: مشى أصحابها إلى أن مرجع اليأس ومرجع الارتياب واحد، وهو حالة المطلقة من المحيض، وهو عن عكرمة وقتادة وابن زيد وبه فسر يحيى بن بكير وإسماعيل بن هاد مِن المالكية ونسبه ابن لبابة من المالكية إلى داود الظاهري.
وهذا التفسير يمحض أن يكون المراد من الارتياب حصول الريب في حال المرأة.
وعلى هذا فجملة الشرط وجوابه خَبر عن ﴿ اللاء يئسن ﴾ ، أي إن ارتبن هُن وارتبتُم أنتم لأجل ارتيابهن، فيكون ضمير جمع الذكور المخاطبين تغليباً ويبقى الشرط على شرطيته.
والارتياب مستقبل والفاء رابطة للجواب.
وهذا التفسير يقتضي أن يكون الاعتداد بثلاثة أشهر مشروطاً بأن تحصل الريبة في يأسها من المحيض فاصطَدم أصحابُه بمفهوم الشرط الذي يقتضي أنه إن لم تحصل الريبة في يأسهن أنهن لا يعتددن بذلك أو لا يعتددن أصلاً فنسب ابنُ لبابة (من فقهاء المالكية) إلى داود الظاهري أنه ذهب إلى سقوط العدة عن المرأة التي يُوقَن أنها يائسة.
قلت ولا تُعرف نسبة هذا إلى داود.
فإن ابن حزم لم يحكه عنه ولا حكاه أحد ممن تعرضوا لاختلاف الفقهاء، قال ابن لبابة: وهو شذوذ، وقال ابن لبابة: وأمّا ابن بكير وإسماعيلُ بن حمَّاد، أي من فقهاء المالكية فجعلا المرأة المتيقّن يأسها ملحقةً بالمرتابة في العدة بطريق القياس يريد أن العدة لها حكمتان براءة الرحم، وانتظار المراجعة، وأما الذين لا يعتبرون مفهوم المخالفة فهم في سعة مما لزم الذين يعتبرونه.
وأصحاب هذا الطريق مختلفون في الوجهة وفي محمل الآية بحسبها: فقال عكرمة وابن زيد وقتادة: ليس على المرأة المرتاب في معاودة الحيض إليها عدّة أكثر من ثلاثة أشهر تعلقاً بظاهر الآية (ولعل علة ذلك عندهم أن ثلاثة الأشهر يتبيّن فيها أمر الحمل فإن لم يظهر حمل بعد انقضائها تمت عدة المرأة)، لأن الحمل بعد سنّ اليأس نادر فإذا اعترتها ريبة الحمل انتَقل النظر إلى حكم الشك في الحمل وتلك مسألة غير التي نزلت في شأنها الآية.
وقال الأكثرون من أهل العلم: إن المرتاب في يأسها تمكث تسعة أشهر (أي أمدَ الحمللِ المعتادِ) فإن لم يظهر بها حمل ابتْدأت الاعتداد بثلاثة أشهر فتكمل لها سنةٌ كاملة.
وأصل ذلك ما رواه سعيد بن المسيب من قضاء عمر بن الخطاب ولم يخالفه أحد من الصحابة، وأخذ به مالك.
وعن مالك في «المدونة»: تسعة أشهر للريبة والثلاثة الأشهر هي العدة.
ولعلهم رأوا أن العدة بعد مضي التسعة الأشهر تعبُّد لأن ذلك هو الذي في القرآن وأما التسعة الأشهر فأوجبها عمر بن الخطاب لعله بالاجتهاد، وهو تقييد للإِطلاق الذي في الآية.
وقال النخعي وسفيان الثوري وأبو حنيفة والشافعي: تعتد المرتاب في يأسها بالأقراء (أي تنتظر الدم إلى أن تبلغ سن من لا يشبه أن تحيض ولو زادت مدة انتظارها على تسعة أشهر).
فإذا بلغت سن اليأس دون ريبة اعتدّت بثلاثة أشهر من يومئذٍ.
ونحن نتأول له بأن تقدير الكلام: فعدتهن ثلاثة أشهر، أي بعد زوال الارتياب كما سنذكره، وهو مع ذلك يقتضي أن هذه الثلاثة الأشهر بعد مضي تسعة أشهر أو بعد مضي مدة تبلغ بها سن من لا يشبه أن تحيض تعبدٌ، لأن انتفاء الحمل قد اتضح وانتظار المراجعة قد امتدّ.
إلا أن نعتذر لهم بأن مدة الانتظار لا يتحفز في خِلالها المطلِّق للرأي في أمر المراجعة لأنه في سعة الانتظار فيُزاد في المدة لأجل ذلك، وفي «تفسير القرطبي»: «قال عكرمة وقتادة: من الريبة المرأة المستحاضة التي لا يستقيم لها الحيض تحيض في أول الشهر مراراً، وفي الأشهر مرة (أي بدون انضباط)» اه.
ونقل الطبري مثل هذا الكلام عن الزهري وابن زيد، فيجب أن يصار إلى هذا الوجه في تفسير الآية.
والمرأة إذا قاربت وقت اليأس لا ينقطع عنها المحيض دفعة واحدة بل تبقى عدة أشهر ينتابها الحيض غِبًّا بدون انتظام ثم ينقطع تماماً.
وقوله تعالى: ﴿ واللائي لم يحضن ﴾ عطف على ﴿ واللائي يئسن ﴾ والتقدير: عدتهن ثلاثة أشهر.
ويحسن الوقف على قوله: ﴿ فعدتهن ثلاثة أشهر ﴾ .
﴿ يَحِضْنَ وأولات الاحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ ﴾ .
معطوفة على جملة ﴿ واللائي لم يحضن ﴾ فهي إتمام لأحوال العدة المجمل في قوله تعالى: ﴿ وأحصوا العدة ﴾ [الطلاق: 1] وتقدير الكلام: وأولات الأحمال منهن، أي من المطلقات أجلهن أن يضعن حملهن.
فحصل بهذه الآية مع التي قبلها تفصيل لأحوال المطلقات وحصل أيضاً منها بيان لإِجمال الآية التي في سورة البقرة.
﴿ وأولات ﴾ اسم جَمع لذاتتٍ بمعنى: صاحبة.
وذات: مؤنث ذو، بمعنى: صاحب.
ولا مفرد ل ﴿ أولات ﴾ من لفظه كما لا مفرد للفظ (أولو) و ﴿ أولات ﴾ مثل ذوات كما أن أولو مثل ذَوُو.
ويكتب ﴿ أولات ﴾ بواو بعد الهمزة في الرسم تبعاً لكتابة لفظ (أولو) بواو بعد الهمزة لقصد التفرقة في الرسم بين أولي في حالة النصب والجر وبين حرف (إلى).
وليتهم قصروا كتابته بواو بعد الهمزة على لفظ أولي المذكر المنصوب أو المجرور وتركوا التكلف في غيرهما.
[ وجعلت عدة المطلقة الحامل منهَّاة بوضع الحمل لأنه لا أدل على براءة الرحم منه، إذ الغرض الأول من العدة تحقق براءة الرحم من ولدٍ للمطلِّق أو ظهور اشتغال الرحم بجنين له.
وضمّ إلى ذلك غرض آخر هو ترقب ندم المطلق وتمكينه من تدارك أمره بالمراجعة، فلما حصل الأهم أُلغي ما عداه رعْياً لحق المرأة في الانطلاق من حرج الانتظار، على أن وضع الحمل قد يحصل بالقرب من الطلاق فألغي قصد الانتظار تعليلاً بالغالب دون النادر، خلافاً لمن قال في المتوفى عنها: عليها أقصى الأجلين وهو منسوب إلى علي بن أبي طالب وابن عباس.
وبهذا التفسير لا تتعارض هذه الآية مع آية عدة المتوفى عنها التي في سورة [البقرة: 234] ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً ﴾ لأن تلك في وادٍ وهذه في وادٍ، تلك في شأن المتوفى عنهن وهذه في شأن المطلقات.
ولكن لما كان أجل أربعة أشهر وعشر للمتوفى عنها منحصرةً حكمتُه في تحقق براءة رحم امرأة المتوفى من ولدٍ له إذ له فائدة فيه غيرَ ذلك (ولا يتوهم أن الشريعة جعلت ذلك لغرض الحزن على الزوج المتوفى للقطع بأن هذا مقصد جاهلي)، وقد دلت الشريعة في مواضع على إبطاله والنهي عنه في تصاريف كثيرة كما بينّاه في تفسير قوله تعالى: ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن ﴾ الخ في سورة [البقرة: 234].
وقد علمنا أن وضع الحمل غاية لحصول هذا المقصد نجم من جهة المعنى أن المتوفى عنها الحاملَ إذا وضعت حملها تخرج من عدة وفاة زوجها ولا تقضي أربعة أشهر وعشراً كما أنها لو كان أمد حملها أكثر من أربعة أشهر وعشر لا تقتصر على الأربعة الأشهر وعشر إذ لا حكمة في ذلك.
من أجْل ذلك كانت الآية دالة على أن عدة الحامل وضع حملها سواء كانت معتدة من طلاق أم كانت معتدة من وفاة.
ومن أجل ذلك قال جمهور أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم: إن عدة الحامل المتوفّى عنها كعدتها من الطلاق وضع حملها غير أن أقوالهم تدل على أن بينهم من كانوا يرون في تعارض العمومين أن العامّ المتأخر منهما ينسخ العامّ الآخر وهي طريقة المتقدمين.
روى أهل الصحيح أن عبد الله بن مسعود لما بلغه أن عليّ بن أبي طالب قال في عدة الحامل المتوفّي عنها: إن عليها أقصَى الأجلين أي أجل وضع الحمل وأجل الأربعة الأشهر والعشر قال ابن مسعود: لَنَزَلَتْ سورة النساء القُصرى أي سورة الطلاق بعد الطولى أي بعد طولى السور وهي البقرة، أي ليست آية سورة البقرة بناسخة لما في آية سورة الطلاق.
ويعضدهم خبر سبيعة بنت الحارث الأسلمية توفي زوجها سعدُ بن خولة في حجة الوداع بمكة وتركها حاملاً فوضعت بعد وفاته بخمس عشرة ليلة وقيل بأربعين ليلة.
فاستأذنت رسولَ الله في التزوج فقال لها: قد حَلَلْتتِ فانكحي إن شئتِ.
روته أم سلمة أم المؤمنين وقبله معظم الصحابة الذين بلغهم.
وتلقاه الفقهاء بعدهم بالقبول ويشهد له بالمعنى والحكمة كما تقدم آنفاً.
واختلف المتأخرون من أهل الأصول في وجه العمل في تعارض عمومين كل واحد منهما عام من وجه مثل هاتين الآيتين فالجمهور درجوا على ترجيح أحدهما بمُرجح والحنفية جعلوا المتأخِر من العمومين ناسخاً للمتقدم.
فقوله: وأولات الأحمال } لأن الموصول من صيغ العموم فيعم كل حامل معتدة سواء كانت في عدة طلاق أو في عدة وفاة، وقوله: ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً ﴾ [البقرة: 234] تَعمّ كلّ امرأة تركها الميت سواء كانت حاملاً أو غير حامل، لأن ﴿ أزواجاً ﴾ نكرة وقعت مفعولَ الصلة وهي ﴿ يَذرون ﴾ المشتملة على ضمير المَوصول الذي هو عام فمفعوله تبع له في عمومه فيشمل المتوفى عنهن الحوامل وهن ممن شملهن عموم ﴿ أولات الأحمال ﴾ فتعارض العمومان كل من وجه، فآية ﴿ وأولات الأحمال ﴾ اقتضت أن الحوامل كلهن تنتهي عدتهن بالوضع وقد يكون الوضع قبل الأربعة الأشهر والعشر، وآية البقرة يقتضي عمومها أن المتوفّى عنهن يتربصن أربعة أشهر وعشراً.
وقد يتأخر هذا الأجل عن وضع الحمل.
فذهب الجمهور إلى ترجيح عموم ﴿ وأولات الأحمال ﴾ على عموم ﴿ ويذرون أزواجاً ﴾ [البقرة: 234] من وجوه.
أحدها: أن عموم ﴿ وأولات الأحمال ﴾ حاصل بذات اللفظ لأن الموصول مع صلته من صيغ العموم، وأما قوله: ﴿ ويذرون أزواجاً ﴾ فإن ﴿ أزواجاً ﴾ نكرة في سياق الإِثبات فلا عموم لها في لفظها وإنما عرض لها العموم تبعاً لعموم الموصول العامل فيها وما كان عمومه بالذات أرجح مما كان عمومه بالعرض.
وثانيها: أن الحكم في عموم ﴿ وأولات الأحمال ﴾ علق بمدلول صلة الموصول وهي مشتق، وتعليق الحكم بالمشتق يؤذن بتعليل ما اشتق منه بخلاف العموم الذي في سورة البقرة، فما كان عمومه معلَّلاً بالوصف أرجح في العمل مما عمومه غير معلل.
وثالثها: قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدّة سُبَيْعة الأسلمية.
وذهب الحنفية إلى أن عموم ﴿ وأولات الأحمال ﴾ ناسخ لعموم قوله: ﴿ ويذرون أزواجاً ﴾ [البقرة: 234] في مقدار ما تعارضا فيه.
ومآل الرأيين واحد هو أن عدة الحامل وضعُ حملها سواء كانت معتدة من طلاق أم من وفاة زوجها.
والصحيح أن آية البقرة لم يرتفع حكمها وشذ القائلون بأن المتوفّى عنها إن لم تكن حاملاً ووضعت حملها يجب عليها عدة أربعة أشهر وعشر.
وقال قليل من أهل العلم بالجمع بين الآيتين بما يحقق العمل بهما معاً فأوجبوا على الحامل المتوفّى عنها زوجها الاعتداد بالأقصى من الأجلين أجل الأربعة الأشهر والعشر.
وأجل وضع الحمل، وهو قول علي بن أبي طالب وابن عباس.
وقصدهم من ذلك الاحتياط لأنه قد تأتَّى لهم هنا إذ كان التعارض في مقدار زمنين فأمكن العمل بأوسعهما الذي يتحقق فيه الآخَر وزيادة فيصير معنى هذه الآية ﴿ أولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ﴾ ما لم تكن عدة وفاة ويكون معنى آية سورة البقرة وأزواج المتوفَّيْن يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً ما لم تكنَّ حوامل فيزدْن تربّصاً إلى وضع الحمل.
ولا يجوز تخصيص عموم ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً ﴾ [البقرة: 234] بما في آية ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ﴾ من خصوص بالنظر إلى الحوامل المتوفَّى عنهن، إذ لا يجوز أن تنتهي عدة الحامل المتوفّى عنها التي مضت عليها أربعة أشهر وعشر قبل وضع حملها من عِدة زوجها، وهي في حالة حمل لأن ذلك مقرر بطلانه من عدة أدلة في الشريعة لا خلاف فيها وإلى هذا ذهب ابن أبي ليلى.
وفي «صحيح البخاري» «عن محمد بن سيرين قال: كنت في حلقة فيها عُظْم من الأنصار (أي بالكوفة) وفيهم عبد الرحمان بن أبي ليلى وكان أصحابه يعظمونه فذَكَر آخرَ الأجلين، فحدثتُ حديث عبد الله بن عتبة في شأن سُبيعة بنت الحارث فقال عبد الرحمان لكن عمه (أي عم عتبة وهو عبد الله بن مسعود) كان لا يقول ذلك (أي لم يحدثنا به) فقلت: إني إذن لجَرِيء إن كذبتُ على رجل في جانب الكوفة (وكان عبد الله بن عتبة ساكناً بظاهر الكوفة) فخرجتُ فلقيت عامراً أو مالك بن عوف فقلت: كيف كان قول ابن مسعود في المتوفّى عنها زوجها وهي حامل، فقال: قال ابن مسعود: أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون لها الرخصة لنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى (أي البقرة).
وفي «البخاري» عن أبي سلمة جاء رجل إلى ابن عباس وأبو هريرة جالس عنده فقال: أفتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة فقال ابن عباس: آخرُ الأجلين: فقلتُ أنا ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ﴾ .
قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي (أي مع أبي سلمة) فأرسل ابن عباس كريباً إلى أمّ سلمة يسألها فقالت: قُتل (كذا والتحقيق أنه مات في حجة الوداع) زَوج سُبيعة الأسلمية وهي حبلى فوضعت بعد موته بأربعين ليلة فخُطِبت فأنكحها رسول الله.
وقد قال بعضهم: إن ابن عباس رجع عن قوله.
ولم يذكر رجوعه في حديث أبي سلمة.
﴿ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ ﴾ ﴿ يُسْراً * ذَلِكَ أَمْرُ الله أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ الله يُكَفِّرْ عَنْهُ سيئاته وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً ﴾ .
تكرير للموعظة وهو اعتراض.
والقول فيه كالقول في قوله تعالى: ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ﴾ [الطلاق: 2، 3].
والمقصود موعظة الرجال والنساء على الأخذ بما في هذه الأحكام مما عسى أن يكون فيه مشقة على أحد بأن على كل أن يصبر لذلك امتثالاً لأمر الله فإن الممتثل وهو مسمى المتقي يجعل الله له يسراً فيما لحقه من عسر.
والأمر: الشأن والحال.
والمقصود: يجعل له من أمره العسير في نظره يسراً بقرينة جعل اليسر لأمره.
و ﴿ مِن ﴾ للابتداء المجازي المراد به المقارنةُ والملابسة.
واليسر: انتفاء الصعوبة، أي انتفاء المشاقّ والمكروهات.
والمقصود من هذا تحقيق الوعد باليسر فيما شأنه العسر لحث الأزواج على امتثال ما أمر الله به الزوج من الإِنفاق في مدة العدة ومن المراجعة وترك منزلِه لأجل سكناها إذا كان لا يسعهما وما أمر به المرأة من تربص أمد العدة وعدم الخروج ونحو ذلك.
والإِشارة بقوله: ﴿ ذلك أمر الله ﴾ إلى الأحكام المتقدمة من أول السورة.
وهذه الجملة معترضة بين المتعاطفتين.
والأمر في قوله: ﴿ أمر الله ﴾ : حكمه وما شرعه لكم كما قال: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ﴾ [الشورى: 52].
وإنزاله: إبلاغه إلى الناس بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم أطلق عليه الإِنزال تشبيهاً لشرف معانيه وألفاظه بالشيء الرفيع لأن الشريف يتخيل رفيعاً.
وهو استعارة كثيرة في القرآن.
ففي قوله: ﴿ أنزله ﴾ استعارة مكنية.
والكلام كناية عن الحث على التهمّم برعايته والعمل به وبعث الناس على التنافس في العلم به إذ قد اعتنى الله بالناس حيث أنزل إليهم ما فيه صلاحهم.
وأعيد التحريض على العمل بما أمر الله بالوعد بما هو أعظم من الأرزاق وتفريج الكرب وتيسير الصعوبات في الدنيا.
وذلك هو تكفير للسيئات وتوفير للأجور.
والجملة معطوفة على الجملة المعترضة فلها حكم الاعتراض.
وجيء بالوعد من الشرط لتحقيق تعليق الجواب على شرطه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ ﴾ في الرِّيبَةِ ها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنِ ارْتَبْتُمْ فِيهِنَّ بِالدَّمِ الَّذِي يَظْهَرُ مِنهُنَّ لِكِبَرِهِنَّ فَلَمْ تَعْرِفُوا أحَيْضٌ هو أمِ اسْتِحاضَةٌ، فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ والزُّهْرِيُّ.
الثّانِي: إنِ ارْتَبْتُمْ بِحُكْمِ عِدَدِهِنَّ فَلَمْ تَعْلَمُوا بِماذا يَعْتَدِدْنَ، فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ.
رَوى عُمَرُ بْنُ سالِمٍ «عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ ناسًا مِن أهْلِ المَدِينَةِ لَمّا نَزَلَتِ الآياتُ الَّتِي في البَقَرَةِ في عِدَّةِ النِّساءِ قالُوا: لَقَدْ بَقِيَ مِن عِدَّةِ النِّساءِ عَدَدٌ لَمْ يُذْكَرْنَ في القُرْآنِ الصِّغارُ والكِبارُ اللّاتِي قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُنَّ الحَيْضُ وذَواتُ الحَمْلِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ ﴾ ﴿ واللائِي لَمْ يَحِضْنَ ﴾ » يَعْنِي كَذَلِكَ عِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، فَجَعَلَ لِكُلِّ قُرْءٍ شَهْرًا، لِأنَّها تَجْمَعُ في الأغْلَبِ حَيْضًا وطُهْرًا.
﴿ وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ فَكانَتْ عِدَّةُ الحامِلِ وضْعُ حَمْلِها في الطَّلاقِ والوَفاةِ.
﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَن يَتَّقِهِ في طَلاقِ السُّنَّةِ يَجْعَلُ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا في الرَّجْعَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: مَن يَتَّقِ اللَّهَ في اجْتِنابِ مَعاصِيهِ يَجْعَلُ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا في تَوْفِيقِهِ لِلطّاعَةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج اسحق بن راهويه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبيّ بن كعب أن ناساً من أهل المدينة لما أنزلت هذه الآية التي في البقرة في عدة النساء قالوا: لقد بقي من عدة النساء مدة لم تذكر في القرآن: الصغار والكبار اللائي قد انقطع عنهن الحيض وذوات الحمل، فأنزل الله التي في سورة النساء القصرى ﴿ واللائي يئسن من المحيض ﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه من وجه آخر عن أبيّ كعب قال: لما نزلت عدة المتوفى المطلقة قلت يا رسول الله: بقي نساء الصغيرة والكبيرة والحامل فنزلت ﴿ واللائي يئسن من المحيض ﴾ الآية.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر من طريق الثوري عن إسماعيل قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ﴾ [ البقرة: 228] سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله أرأيت التي لم تحض، والتي قد يئست من المحيض فاختلفوا فيهما، فأنزل الله: ﴿ إن اربتتم ﴾ يعني، إن شككتم ﴿ فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن ﴾ بمنزلتهن ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ﴾ قال: هن اللاتي قعدن عن المحيض ﴿ واللائي لم يحضن ﴾ فهن الأبكار الجواري اللاتي لم يبلغن المحيض ﴿ فعدتهن ثلاثة أشهر وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ﴾ فإذا نفضت الرحم ما فيها فقد انقضت عدتها، قال: وذكر لنا أن سبيعة بنت الحارث الأسلمية وضعت بعد وفاة زوجها بخمس عشرة ليلة، فأمرها نبي الله صلى الله عليه وسلم أن تزوّج، قال: وكان عمر يقول: لو وضعت ما في بطنها وهو موضوع على سريره من قبل أن يقبر لحلت.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ﴿ واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ﴾ قال: العجوز الكبيرة التي قد يئست من المحيض فعدتها ثلاثة أشهر ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ﴾ .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير عن مجاهد ﴿ إن ارتبتم ﴾ قال: إن لم تعلموا أتحيض أم لا، فالتي قعدت عن المحيض، والتي لم تحض بعد ﴿ فعدتهن ثلاثة أشهر ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن عامر الشعبي ﴿ إن ارتبتم ﴾ قال: في المحيض أتحيض أم لا؟
وأخرج عبد حميد عن حماد بن زيد قال: فسر أيوب هذه الآية ﴿ إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ﴾ قال: تعتد تسعة أشهر، فإن لم تر حملاً فتلك الريبة، قال: اعتدت الآن بثلاثة أشهر.
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال: تعتد المرأة بالحيض، وإن كان كل سنة مرة، فإن كانت لا تحيض اعتدت بالأشهر، وإن حاضت قبل أن توفي اشهر اعتدت بالحيض من ذي قبل.
وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي قال: تعتد بالحيض، وإن لم تحض إلا في كل سنة مرة.
وأخرج عبد الرزاق عن عكرمة أنه سئل عن المرأة تحيض فكثر دمها حتى لا تدري كيف حيضتها قال: تعتد ثلاثة أشهر، وهي الريبة التي قال الله: ﴿ إن ارتبتم ﴾ قضى بذلك ابن عباس وزيد بن ثابت.
وأخرج عبد بن حميد عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد في المرأة الشابة تطلق فيرتفع حيضها، فما تدري ما رفعها، قال: تعتد بالحيض، وقال طاووس: تعتد بثلاثة أشهر.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب قال: قضى عمر في المرأة التي يطلقها زوجها تطليقة، ثم تحيض حيضة وحيضتين، ثم ترتفع حيضتها لا تدري ما الذي رفعها أنها تربص بنفسها ما بينها وبين تسعة أشهر، فإن استبان حمل فهي حامل، وإن مر تسعة أشهر ولا حمل بها اعتدت ثلاثة أشهر بعد ذلك ثم قد حلت.
وأخرج عبد الله في زوائد المسند وابن مردويه «عن أبيّ بن كعب قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ﴾ أهي المطلقة ثلاثاً والمتوفي عنها زوجها؟
قال: هي المطلقة ثلاثاً والمتوفي عنها زوجها» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والدارقطني من وجه آخر «عن أبيّ بن كعب قال: لما نزلت هذه الآية قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله: هذه الآية مشتركة أم مبهمة؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أية آية؟
قلت: ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ﴾ المطلقة والمتوفي عنها زوجها؟
قال: نعم» .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طرق عن ابن مسعود أنه بلغه أن علياً يقول: تعتد آخر الأجلين، فقال: من شاء لاعنته، إن الآية التي نزلت في سورة النساء القصرى نزلت بعد سورة البقرة ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ﴾ بكذا وكذا شهراً فكل مطلقة أو متوفى عنها زوجها فأجلها أن تضع حملها.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود قال: من شاء حالفته أن سورة النساء الصغرى أنزلت بعد الأربعة أشهر وعشراً ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق عن ابن مسعود قال: من شاء لاعنته، إن الآية التي في سورة النساء القصرى ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ﴾ نسخت ما في البقرة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: نسخت سورة النساء القصرى كل عدة ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ﴾ أجل كل حامل مطلقة أو متوفى عنها زوجها أن تضع حملها.
وأخرجه الحاكم في التاريخ والديلمي عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً.
وأخرج عبد بن حميد والبخاري والطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: اتجعلون عليها التغليظ، ولا تجعلون الرخصة؟
أنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ﴾ إذا وضعت فقد انقضت العدة.
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت سورة النساء القصرى بعد التي في البقرة بسبع سنين.
وأخرج عبد الرزاق «عن أبيّ بن كعب قال: قلت يا رسول الله إني أسمع الله يذكر ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ﴾ فالحامل المتوفى عنها زوجها أن تضع حملها، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: نعم» .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: كنت أنا وابن عباس وأبو هريرة فجاء رجل فقال: افتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة أحلت؟
فقال ابن عباس رضي الله عنهما: تعتد آخر الأجلين.
قلت أنا ﴿ وأولات الأحمال أن يضعن حملهن ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: ذلك في الطلاق قال أبو سلمة: أرأيت لو أن امرأة أخر حملها سنة فما عدتها؟
قال ابن عباس: آخر الأجلين.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: أنا مع أخي أبي سلمة.
فأرسل ابن عباس غلامه كريباً إلى أم سلمة يسألها هل مضت في ذلك سنة؟
فقالت: قتل زوجها سبيعة الأسلمية وهي حبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت فأنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه عن أبي السنابل بن بعكك «أن سبيعة بنت الحارث وضعت بعد وفاة زوجها بثلاثة وعشرين يوماً فتشوّفت للنكاح، فأنكر ذلك عليها أو عيب، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن تفعل فقد خلا أجلها» .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: «مكثت امرأة ثلاثاً وعشرين ليلة ثم وضعت، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فقال: استفحلي لأمرك يقول: تزوجي» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه «عن سبيعة الأسلمية أنها توفي زوجها، فوضعت بعد وفاته بخمس وعشرين ليلة، فتهيأت فقال لها أبو السنابل بن بعكك: قد أسرعت، اعتدي آخر الأجلين أربعة أشهر وعشراً، قالت: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته فقال: إن وجدت زوجاً صالحاً فتزوجي» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن المسور بن مخرمة أن زوج سبيعة الأسلمية توفي وهي حامل، فلم تمكث إلا ليالي يسيرة حتى نفست، فلما تعلت من نفاسها ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لها فنكحت.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن «أن امرأة توفي عنها زوجها فولدت بعد أيام فاختضبت وتزينت فمر بها أبو السنابل بن بعكك فقال: كذبت إنما هو آخر الأجلين، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك فقال:كذب أبو السنابل تزوجي» .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه تمارى هو وابن عباس في المتوفى عنها زوجها وهي حبلى فقال ابن عباس: آخر الأجلين، وقال أبو سلمة: إذا ولدت فقد حلت، فجاء أبو هريرة فقال: أنا مع ابن أخي، لأبي سلمة، ثم أرسلوا إلى عائشة فسألوها فقالت: ولدت سبيعة بعد موت زوجها بليال، فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها فنكحت.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عبيد الله بن عبد الله قال: «أرسل مروان عبد الله بن عتبة إلى سبيعة بنت الحارث ليسألها عما أفتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته أنها كانت عند سعد بن خولة، فتوفي عنها في حجة الوداع وكان بدرياً، فوضعت حملها قبل أن تمضي أربعة أشهر وعشر من وفاته، فتلقاها أبو السنابل بن بعكك حين تعلت من نفاسها وقد اكتحلت وتزينت فقال: لعلك تريدين النكاح، إنها أربعة أشهر وعشراً من وفاة زوجك.
قالت: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، وذكرت له، ما قال أبو السنابل، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: اربعي بنفسك فقد حل أجلك إذا وضعت حملك» .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة عن عليّ في الحامل إذا وضعت بعد وفاة زوجها قال: تعتد أربعة أشهر وعشراً.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عباس أنه كان يقول في الحامل المتوفى عنها زوجها: تنتظر آخر الأجلين.
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب أن عمر استشار عليّ بن أبي طالب وزيد بن ثابت، قال زيد: قد حلت، وقال عليّ: أربعة أشهر وعشراً.
قال زيد: أرأيت إن كانت آيساً؟
قال عليّ: فآخر الأجلين.
قال عمر: لو وضعت ذا بطنها وزوجها على نعشه لم يدخل حفرته لكانت قد حلت.
وأخرج ابن المنذر عن مغيرة قال: قلت للشعبي: ما أصدق أن عليّ بن أبي طالب، كان يقول: عدة المتوفي عنها زوجها آخر الأجلين، قال: بلى، فصدق به كأشد ما صدقت بشيء، كان عليّ يقول: إنما قوله: ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ﴾ في المطلقة.
وأخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه سئل عن المرأة يتوفى عنها زوجها وهي حامل، فقال: إذا وضعت حملها فقد حلت، فأخبره رجل من الأنصار أن عمر بن الخطاب قال: لو ولدت وزوجها على سريره لم يدفن لحلت.
وأخرج عبد الرزاق عن الحسن قال: إذا ألقت المرأة شيئاً يعلم أنه من حمل فقد انقضت به العدة وأعتقت أم الولد.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ومحمد قالا: إذا سقطت المرأة فقد انقضت عدتها.
وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي قال: إذا نكس في الخلق الرابع، وكان مخلقاً اعتقت به الأمة وانقضت به العدة.
وأخرج أبي شيبة عن ابن عباس أنه سئل عن رجل اشترى جارية وهي حامل أيطؤها؟
قال: لا وقرأ ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ واللائي يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ارتبتم فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ ﴾ روي أنه لما نزل قوله: ﴿ والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قرواء ﴾ [البقرة: 228] قالوا: يا رسول الله فما عدة من لا قُرْءَ لها من صغر أو كبر؟
فنزلت هذه الآية معلمة أن المطلقة إذا كانت ممن لا تحيض فعدتها ثلاثة أشهر، فقوله: ﴿ واللائي يَئِسْنَ مِنَ المحيض ﴾ : يعني انقطعت حيضتها لكبر سنها، وقوله: ﴿ واللائي لَمْ يَحِضْنَ ﴾ يعني الصغيرة التي لم تبلغ المحيض وهو معطوف على اللائي يئسن أو مبتدأ وخبره محذوف تقديره واللائي لم يحضن كذلك، وقوله: ﴿ إِنِ ارتبتم ﴾ هو من الريب بمعنى الشك وفي معناه قولان: أحدهما: إن ارتبتم في حكم عدتها فاعلموا أنها ثلاثة أشهر.
والآخر إن ارتبتم في حيضها هل انقطع أو لم ينقطع، فهي على التأويل الأول في التي انقطعت حيضتها لكبر سنها حسبما ذكرنا وهو الصحيح، وهي على التأويل الثاني في المرتابة وهي التي غابت عنها الحيضة وهي في سن من تحيض، وقد اختلف العلماء في عدتها على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ثلاثة أشهر خاصة حسبما تقتضيه الآية على هذا التأويل، والآخر: أنها ثلاثة أشهر بعد تسعة أشهر تستبرئ بها أمد الحمل وهذا مذهب مالك: وقدوته في ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والثالث: أنها تعتد بالأقراء ولو بقيت ثلاثين سنة حتى تبلغ سن من لا تحيض وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة.
﴿ وَأُوْلاَتُ الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ هذه الآية عند مالك والشافعي وأبي حنيفة وسائر العلماء عامة في المطلقات والمتوفى عنهن، فمتى كانت إحداهن حاملاً فعدتها وضع حملها.
وقال علي بن أبي طالب وابن عباس إنما هذه الآية في المطلقات الحوامل فهي اللاتي عدتهن وضع حملهن.
وأما المتوفى عنها إذا كانت حاملاً فعدتها عندهما أبعد الأجلين؛ إما الوضع أو انقضاء الأربعة الأشهر وعشراً، فحجة الجمهور حديث سبيعة الأسلمية «أنها كانت زوجاً لسعد بن خولة فتوفى عنها في حجة الوداع وهي حبلى، فلما وضعت خطبها أبو السنابل بن بعكك، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: انكحي ما شئت» ، وقد ذكر أن ابن عباس رجع إلى هذا الحديث لما بلغه ولو بلغ علياً رضي الله عنه لرجع إليه، وقال عبد الله بن مسعود: إن هذه الآية التي نزلت في سورة النساء القصوى يعني سورة الطلاق نزلت بعد الآية التي في البقرة: ﴿ والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ﴾ [البقرة: 234] فهي مخصصة لها حسبما قاله جمهور العلماء.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ بالغ أمره ﴾ بالإضافة: حفص.
الآخرون: بالتنوين والنصب ﴿ وجدكم ﴾ بكسر الواو: روح.
﴿ ندخله ﴾ بالنون: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل.
الوقوف: ﴿ العدة ﴾ ج تعظيماً لأمر الاتقاء ﴿ ربكم ﴾ ط لاتصال المعنى مع عدم العاطف ﴿ مبينة ﴾ ج ﴿ وتلك حدود الله ﴾ ط ﴿ نفسه ﴾ ط ﴿ أمراً ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ الآخر ﴾ ط ﴿ مخرجاً ﴾ لا ﴿ لا يحتسب ﴾ ط ﴿ حسبه ﴾ ط ﴿ أمره ﴾ ط ﴿ قدراً ﴾ ه ﴿ أشهر ﴾ لا للعطف أي واللائي لم يحضن كلذلك ﴿ لم يحضن ﴾ ط ﴿ حملهن ﴾ ط ﴿ يسراً ﴾ ه ط ﴿ إليكم ﴾ ط ﴿ أجراً ﴾ ه ﴿ عليهن ﴾ ط ﴿ حملهن ﴾ ط ﴿ أجورهن ﴾ ط ﴿ بمعروف ﴾ ك ﴿ أخرى ﴾ ه ط ﴿ من سعته ﴾ ط ﴿ آتاه الله ﴾ ط ﴿ يسراً ﴾ ه ﴿ نكراً ﴾ ه ﴿ خسراً ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ز والوصل ههنا والوقف على ﴿ آمنوا ﴾ أجوز من العكس ﴿ ذكراً ﴾ ه لأن ما بعده بدل أو غيره كما يجيء ﴿ إلى النور ﴾ ط ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ رزقاً ﴾ ه ﴿ مثلهن ﴾ ط ﴿ علماً ﴾ ه.
التفسير: لما نبه في آخر السورة المتقدمة على معاداة بعض الأزواج والمعاداة كثيراً ما تفضي إلى الفراق بالطلاق أرشد في هذه السورة إلى الطلاق السني الذي لا يحرم إيقاعه وإلى أحكام أخر معتبرة في فراق الزوجين.
وقبل الخوض في تقرير أقسام الطلاق نقول: إنه يورد ههنا سؤال وهو أنه كيف نادى نبيه وحده ثم قال ﴿ إذا طلقتم ﴾ على الجمع؟
والجواب أنه كما يقال لرئيس القوم يا فلان افعلوا كيت وكيت إظهاراً لتقدمه وأن من سواه من قومه تبع له في الخطاب.
وقيل: الجمع للتعظيم والمراد بالخطاب النبيّ أيضاً.
وقيل: أراد يا أيها النبي والمؤمنون فحذف للدلالة.
وقيل: يا أيها النبي قل للمؤمنين.
ومعنى ﴿ إذا طلقتم ﴾ إذا أردتم تطليقهن كقوله ﴿ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ﴾ واللام في قوله ﴿ لعدتهنّ ﴾ بمعنى الوقت أي للوقت الذي يمكنهنّ الشروع في العدّة وهو الطهر الذي لم يجامعها فيه.
وقال جار الله: فطلقوهن مستقبلات لعدّتهن كقولك " أتيته لليلة بقيت من شهر كذا" أي مستقبلاً لها.
قال الفقهاء: السنيّ طلاق المدخول بها التي ليست بحامل ولا صغيرة ولا آيسة في غير حالة البدعة، والبدعيّ طلاق المدخول بها في حيض أو نفاس أو طهر جامعها فيه ولم يظهر حملها.
فلتحريم الطلاق سببان: أحدهما وقوعه في حال الحيض إذا كانت المرأة ممسوسة وكانت ممن تعتدّ بالإقراء لقوله ﴿ فطلقوهن لعدّتهن ﴾ وطلق ابن عمر امرأته وهي حائض فسأل عمر النبي عن ذلك فقال: مرة ليراجعها ثم ليدعها حتى تحيض ثم يطلقها إن شاء.
فتلك العدّة التي أمر الله أن يطلق لها النساء.
والمعنى فيه أن بقية الحيضة لا تحسب من العدة فتطول عليها مدة التربص.
وثانيهما إذا جامع امرأته في طهرها وهي ممن تحبل ولم يظهر حملها حرم عليه أن يطلقها في ذلك الطهر لقوله في قصة ابن عمر " ثم إن شاء طلقها قبل أن يمسها" " ولأنه ربما يندم على الطلاق لظهور الحمل.
هذا تقرير السنة والبدعة من جهة الوقت.
أما السنة والبدعة من جهة العدد فقال مالك: لا أعرف طلاق السنة إلا واحدة وكان يكره الثلاث مجموعة أو مفرقة على الأطهار.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يكره ما زاد على الواحدة في طهر واحد، فأما متفرقاً في الأطهار فلا لما روي في قصة ابن عمر: إنما السنة أن يستقبل الطهر استقبالاً، ويطلق لكل قرء تطليقة.
وقال الشافعي: لا بأس بإرسال الثلاث وقال: لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة.
وقد يستدل بما روي في حديث اللعان أن اللاعن قال: هي طالق ثلاثاً.
ولم ينكر عليه النبي .
وقالت الشيعة: إذا طلقها ثلاثاً يقع واحدة.
ومنهم من قال: لا يقع شيء وهو قول سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين.
والأصح عند أكثر المجتهدين أن الطلاق البدعي واقع وإن كان صاحبه آثماً وعاصياً وهذا مبنيّ على أن النهي لا يوجب فساد المنهي عنه.
"وفي قصة ابن عمر أنه قال: يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثاً؟
فقال له: إذن عصيت وبانت منك امرأتك" .
قالت العلماء: المحرم هو الطلاق بغير عوض فأما إذا خلع الحائض أو طلقها على مال فلا لإطلاق قوله ﴿ فلا جناح عليهما فيما أفتدت به ﴾ ولأن المنع كان رعاية لجانبها وبدل المال دليل على شدة الحاجة إلى الخلاص بالمفارقة.
قال جار الله: اللام في قوله ﴿ النساء ﴾ للجنس وقد علم بقوله ﴿ فطلقوهن لعدتهن ﴾ أنه مطلق على البعض وهنّ ذوات الأقراء المدخول بهن فلا عموم ولا خصوص.
قلت: ما ضره لو جعله عاماً لأنه إذا روعي الشرط المذكور في هذا البعض لزم أن يكون طلاق كل النساء من الصغيرة والآيسة والحامل وغير المدخول بها والمدخول بها بحيث يمكنهن أن يشرعن الطلاق في العدة.
قوله ﴿ وأحصوا العدة ﴾ أي اضبطوها واحفظوا عدد أيامها ثلاثة أقراء كوامل لا أزيد ولا أنقص ﴿ لا تخرجوهنّ من بيوتهنّ ﴾ يعني من مساكن الفراق وهي بيوت الأزواج أضيفت إليهن لاختصاصها بهنّ من حيث السكنى إلى انقضاء العدة، وكما أن البعولة لا ينبغي أن يخرجوهنّ غضباً عليهنّ أو لحاجة لهم إلى المساكن كذلك لا ينبغي لهنّ أن يخرجن بأنفسهنّ.
وقوله ﴿ إلا أن يأتين ﴾ استثناء من الجمة الأولى أي إلا أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهنّ، أو إلا أن يطلقهن على النشوز فإن النشوز يسقط حقهنّ في السكنى، أو إلا أن يبذون فيحل إخراجهنّ لبذائهن ويؤيده قراءة أبيّ ﴿ إلا أن يفحشن عليكم ﴾ وقيل: خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة في نفسه.
والمعنى إن خرجت فقد أتت بفاحشة مبينة وعلى هذا يكون الاستثناء من الجملة الثانية.
قوله ﴿ لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ أي أحصوا العدة وألزموهن مساكنكم فلعلكم تندمون بقلب الله البغضة محبة والمقت مقة والطلاق رجعة.
والخطاب في ﴿ لا تدري ﴾ للنبي على نسق أول السورة أو لكل مكلف ﴿ فإذا بلغن أجلهنّ ﴾ أي شافن انقضاء عدتهن فأنتم بالخيار إن شئتم فالإمساك بالرجعة لا على وجه الضرار بل بالشرع والعرف، وإن شئتم فالفراق بالمعروف كما مر في " البقرة " ﴿ وأشهدوا ﴾ على الرجعة أو الفرقة و ﴿ ذوى عدل منكم ﴾ أي من جنسكم من المسلمين قاله الحسن.
وعن قتادة: من أحراركم.
وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة، وعند الشافعي واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة.
وفائدة الإشهاد أن لا يقع التجاحد وأن لا يتهم في إمساكها أو يموت أحدهما فيدعي الآخر ثبوت الزوجية لأجل الميراث.
ثم حث الشهود على أن لا يشهدوا إلا لوجه الله من غير شائبة غرض أخروي أو عرض دنيوي ﴿ ذلكم ﴾ الحث على أداء الشهادة لله ﴿ يوعظ به من ﴾ هو من أهل الإيمان بالله والمعاد لأن غيره لا ينتفع به، ويجوز أن تكون الإشارة بذلكم إلى ما مر من الإمساك أو الفراق بالمعروف لا على وجه الضرار فيكون موافقاً لما مر في " البقرة " إلا أنه وحد كاف الخطاب هنالك لأنه أكد الكلام بزيادة منكم، وههنا جمع فلم يحتج إلى لفظ منكم والله أعلم بأسرار كلامه.
ثم حض على التقوى في كل باب ولا سيما فيما سبق من أمر الطلاق وكأنه قال ﴿ ومن يتق الله ﴾ فطلق للسنة ولم يضار المعتدة ولم يخرجها من مسكنها واحتاط فأشهد ﴿ يجعل له مخرجاً ﴾ ومخلصاً من غموم الدنيا والآخرة ومن جملة ذلك تأيم الأزواج ﴿ ويرزقه ﴾ من وجه لا يخطر بباله ولا يحتسبه بدل ما أدى وبذل من المهر والحقوق.
عن النبي " إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم" ﴿ ومن يتق الله ﴾ فما زال يقرؤها ويعيدها.
"وروي أن عوف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابناً له يسمى سالماً، فأتى رسول الله فقال: أسر ابني وشكا إليه الفاقة.
فقال: ما أمسى عند آل محمد إلا مدّ فاتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله.
ففعل" ، فبينا هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل تغفل عنها العدوّ فاستاقها فنزلت هذه الآية.
قلت: قد جربت الآية في محن ومهالك فوجدت مفرجة منفسة.
ومن أسرار القرآن ولطائفه أنه حث على التقوى في هذه السورة ثلاث مرات: بقوله ﴿ ومن يتق الله ﴾ وذلك على عدد الطلقات الثلاث، ووعد في كل مرة نوعاً من الجزاء: الأول أنه يخرجه مما دخل فيه وهو كاره ويتيح له خيراً ممن طلقها.
الثاني اليسر في الأمور والموالاة في المقاصد ما دام حياً.
الثالث أفضل الجزاء وهو ما يكون في الآخرة من النعماء.
ثم حث في التوكل بثلاث جمل متقاربة الخطى: الأولى ﴿ ومن يتوكل على الله فهو حسبه ﴾ لأن المعبود الحقيقي القادر على كل شيء الغنيّ عن كل شيء الجواد بكل شيء إذا فوض عبده الضعيف أمره إليه لا يهمله البتة.
الثاني ﴿ إن الله بالغ أمره ﴾ أي يبلغ كل أمر يريده ولا يفوته المطلوب.
الثالثة ﴿ قد جعل الله لكل شيء قدراً ﴾ أي وقتاً ومقداراً.
وهاتان الجملتان كل منهما بيان لوجوب التوكل عليه لأنه إذا علم كونه قادراً على كل شيء وعلم أنه قد بيّن وعيّن لكل شيء حداً ومقدراً لم يبقَ إلا التسليم والتفويض.
قال جار الله: قال المفسرون: إن ناساً قالوا: قد عرفنا عدة ذوات الأقراء فما عدة اللواتي لم يحضن فنزلت ﴿ واللائي يئسن ﴾ فمعنى إن ارتبتم إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن فهذا حكمهن.
قلت: في حصة هذه الرواية نظر فإن السورة ليس فيها بيان عدة ذوات الأقراء وإحالتها على ما في " البقرة "، والمطلقات يتربصن لا يجوز لأن هذه مكية وتلك مدنية.
نعم لو ثبت أن هذه متأخرة النزول كان له وجه كما روي عن عبد الله بن مسعود: من شاء باهلته إن سورة النساء القصرى نزلت بعد التي في البقرة.
والجمهور أن المراد أن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس أهو دم حيض أو استحاضت ﴿ فعدّتهن ثلاثة أشهر ﴾ وإذا كانت هذه عدة المرتاب بها فغير المرتاب أولى.
وسن اليأس مقدر بخمس وخمسين وبستين.
والمشهور عند أكثر أصحاب الشافعي النظر إلى نساء عشيرتها من الأبوين، فإذا بلغت السن التي ينقطع فيها حيضهن فقد بلغت سن اليأس.
﴿ واللائي لم يحضن ﴾ هن الصغائر والتقدير فعدتهن أيضاً ثلاثة أشهر حذف لدلالة ما قبله عليه.
قوله ﴿ وأولات الأحمال ﴾ أي النساء الحوامل ﴿ أجلهن ﴾ بعد الطلاق أو بعد وفاة الزوج أي انقضاء عدتهن ﴿ أن يضعن حملهن ﴾ هذا قول أكثر الأئمة والصحابة وإما تنقضي العدة بوضع الحمل بتمامه.
فلو كانت حاملاً بتوأمين لم تنقض العدة حتى ينفصل الثاني بتمامه، وإنما يكون الولدان توأمين إذا ولدا على التعاقب وبينهما دون ستة أشهر وإلا فالثاني حمل آخر.وعن علي وابن عباس أن عدة الحامل المتوفي عنها زوجها أبعد الأجلين من بقية الحمل ومن أربعة أشهر وعشر، ووضع الحمل لا يتفاوت بكونه حياً أو ميتاً أو سقطاً أو مضغة لا صورة فيها، وصدقت المرأة بيمينها لأنهنّ مؤتمنات على أرحامهنّ.
وحين كرر شرط التقوى كان لسائل أن يسأل: كيف يعمل بالتقوى في شأن المعتدات؟
فقيل ﴿ أسكنوهن من حيث سكنتم ﴾ أي بعض مكان سكناكم الذي تطيقونه.
والوجد.
الوسع والطاقة.
قال قتادة: فإن لم يكن إلا بيت واحد أسكنها في بعض جوانبه.
قال أبو حنيفة: السكنى والنفقة واجبتان لكل مطلقة.
وعند الشافعي ومالك: ليس للمبتوتة إلا السكنى.
وعن الحسن وحماد: لا نفقة لها ولا سكنى لما في حديث فاطمة بنت قيس أن زوجها بت طلاقها فقال لها رسول الله : لا سكنى لك ولا نفقة.
وضعف بقول عمر: لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا لقول امرأة نسيت أو شبه لها سمعت النبي يقول لها السكنى والنفقة ﴿ ولا تضاروهن ﴾ بإنزال مسكن لا يوافقهن أو بغير ذلك من أنواع المضار حتى تضطروهن إلى الخروج وقيل: هو أن يراجعها كلما قرب انقضاء عدتها ليضيق أمرها وقد يلجئها إلى أن تفتدي منه.
قوله ﴿ وإن كن أولات حمل ﴾ تخصيص للحامل بالنفقة لأجل الحمل وإن كانت بائنة.
هذا عند الشافعي، وأما عند أبي حنيفة ففائدته أن مدة الحمل ربما تطول فيظن ظان أن النفقة تسقط إذا مضى مقدار عدة الحامل فنفى ذلك الوهم، وأما الحامل المتوفى عنها فالأكثرون على أنه لا نفقة لها لوقوع الإجماع على من أجبر الرجل على إنفاقه من امرأة أو ولد صغير لا يجب أن ينفق عليه من ماله بعد موته فكذلك الحامل.
وعن علي وعبد الله وجماعة ومنهم الشافعي أنهم أوجبوا نفقتها.
ثم بين أمر الطفل قائلاً ﴿ فإن أرضعن ﴾ أي هؤلاء المطلقات ﴿ لكم ﴾ أي لأجلكم ولداً منهن أو من غيرهن بعد انفصام عرى الزوجية.
وهذه الإجارة لا تجوز عند أبي حنيفة وأصحابه إذا كان الولد منهن ما لم تحصل البينونة.
وجوز الشافعي مطلقاً كلما صار.
ثم خاطب الآباء والأمهات جميعاً بقوله ﴿ وأتمروا ﴾ قال أهل اللغة: الائتمار بمعنى التآمر كالاشتوار بمعنى التشاور أي ليأمر بعضكم بعضاً بالجميل وهو المسامحة وأن لا يماكس الأب ولا تعاسر الأم لأنه ولدهما معاً ﴿ وإن تعاسرتم ﴾ أي أظهرتم من أنفسكم العسر والشدة في أم مؤنة الإرضاع ﴿ فسترضع ﴾ أي الطفل ﴿ له ﴾ أي للأب مرضعة ﴿ أخرى ﴾ وفيه طرف من معاتبة الأم على التعاسر كما تقول لمن تطلب منه حاجة وهو يتأنى في قضائها: سيقضيها قاضٍ.
يريد لا تبقى غير مقضية وأنت ملوم.
ثم بين أن ما أمر به من الإنفاق على المطلقات والمرضعات هو بمقدار الوسع والطاقة كما في " البقرة " على الموسر قدره وعلى المقتر قدره إلى أن يفتح الله أبواب الرزق عليهم.
ثم هدد من خالف الأحكام المذكورة بأحوال الأمم السابقة.
والحساب الشديد أي بالاستقصاء والمناقشة، والعذاب النكر أي المنكر الفظيع.
يحتمل أن يراد بهما حساب الدنيا وعذابها وهو إحصاء صغائرهم وكبائرهم في ديوان الحفظة وما أصاب كل قوم من الصيحة ونحوها عاجلاً، وأن يراد عذاب الآخرة وحسابها.
ولفظ الماضي لتحقق الوقوع مثل ﴿ وسيق ﴾ ﴿ ونادى ﴾ وعلى هذا يكون قوله ﴿ أعد الله ﴾ تكريراً للوعيد وبياناً لكونه مترقباً كأنه قال: أعد الله لهم هذا العذاب فاحذروا مثله ﴿ يا أولى الألباب ﴾ وجوز جار الله أن يكون ﴿ عتت ﴾ وما عطف عليه صفة للقرية و ﴿ أعد الله ﴾ عاملاً في ﴿ كأين ﴾ .
قوله ﴿ رسولاً ﴾ قال جار الله: هو جبرائيل أبدل من ﴿ ذكراً ﴾ لأنه وصف بتلاوة آيات الله وكان إنزاله في معنى إنزال الذكر فصح إبداله منه، أو أريد بالذكر الشرف كقوله ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك ﴾ فأبدل منه كأنه في نفسه شرف إما لأنه شرف للمنزل عليه وإما لأنه ذو مجد وشرف عند الله، أو جعل لكثرة ذكره الله وعبادته كأنه ذكر، أو أريد ذا ذكر ملكاً مذكوراً في السموات وفي الأمم كلها، أو دل قوله ﴿ قد أنزل الله ﴾ على أرسل فكأنه قيل: أرسل رسولاً أو أعمل ﴿ ذكراً ﴾ في ﴿ رسولاً ﴾ إعمال المصدر في المفاعيل أي أنزل الله أن ذكر رسولاً أو ذكره رسولاً.
قلت: لم يبعد على هذه الوجوه أن يكون المراد بالرسول هو محمد .
ثم ذكر غاية الإنزال أو التلاوة بقوله ﴿ ليخرج ﴾ والمعنى ليخرج الله أو الرسول ﴿ الذين ﴾ عرف منهم أنهم سيؤمنون من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، أو ليوفقهم بعد الإيمان والعمل الصالح لمزيد البيان والعيان الذي ينجيلي به ظلم الشكوك والحسبان.
قوله ﴿ قد أحسن الله له رزقاً ﴾ فيه معنى التعجب والتعظيم.
ثم ختم السورة بالتوحيد الذي هو أجل المطالب وتفسيره ظاهر مما سلف مراراً إلا أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الأرض متعددة وأنها سبع كالسموات فذهب بعضهم إلى أن قوله ﴿ مثلهن ﴾ أي في الخلق لا في العدد.
وقيل: هن الأقاليم السبعة، والدعوة شاملة لجميعها.
وقيل: إنها سبع أرضين متصل بعضها ببعض وقد حال بينهم بحار لا يمكن قطعها والدعوة لا تصل إليهم.
وقيل: إنها سبع طبقات بعضها فوق بعض لا فرجة بينها وهذا يشبه قول الحكماء: منها طبقة هي أرض صرفة تجاوز المركز، ومنها طبقة طينية تخالط سطح الماء من جانب التقعير، ومنها طبقة معدنية يتولد منها المعادن، ومنها طبقة تركبت بغيرها وقد انكشف بعضها، ومنها طبقة الأدخنة والأبخرة على اختلاف أحوالها أي طبقة الزمهرير، وقد تعدّ هذه الطبقة من الهواء.
وقيل: إنها سبع أرضين بين كل واحدة منها إلى الأخرى مسيرة خمسمائة عام كما جاء في ذكر السماء وفي كل أرض منها خلق حتى قالوا: في كل منها آدم وحواء ونوح وإبراهيم وهم يشاهدون السماء من جانب أرضهم ويستمدون الضياء منها أو جعل لهم نوراً يستضيئون به.
وذكر النقاش في تفسيره فصلاً في خلائق السموات والأرضين وأشكالهم وأسمائهم أضربنا عن إيرادها لعد الوثوق بمثل تلك الروايات.
ومعنى ﴿ تنزل الأمر بينهن ﴾ أن حكم الله وأمره يجري فيما بين السموات والأرضين أو فيما يتركب منهما ولا يعلم تلك الأجرام ولا تلك الأحكام ولا كيفية تنفيذها فيهن إلا علام الغيوب وتقدس.
قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ : فإنه يخرج على الإضمار - والله أعلم - كأنه يقول: ياأيها النبي قل لأمتك: إذا أردتم أن تطلقوا نساءكم فطلقوهن لعدتهن؛ والدليل على أنه هكذا؛ فإنه يخرج الخطاب بعده كله للجماعة؛ حيث قال: ﴿ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ أو خاطب به النبي [والمراد أمته] وذلك كثير في القرآن.
ثم قوله: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ أمر بالطلاق للعدة، ولم يبين أن الطلاق للعدة كيف يكون؟
وذكر في بعض القراءات ﴿ فطلقوهن لِقُبُلِ عدتهن ﴾ ، ثم ترك بيان ذلك لا يخلو: إما أن يكون الرسول - - قد بين ذلك لهم، فعرفوا ذلك؛ فلم يبين لهم ذلك في الآية، أو جعل معرفة بيان ذلك إليهم؛ ليعرفوا بالاجتهاد.
ثم قوله: ﴿ لقبل عدتهن ﴾ يحتمل أول عدتهن، ويحتمل ما يقابل عدتهن وهو الحيض من المقابلة فمن يقول: الاعتداد بالأطهار يجعل القبل كناية عن أو الطهر، ومن يقولها بالحيض يجعل القبل ما يقابل العدة وهو الحيض، ثم لنا أن ننظر أي التأويلين أقرب؟
وقد أجمعوا أن له أن يطلقها في آخر الطهر إذا لم يجامعها فيه، دل أن تأويل القبل بما يقابل العدة أحق وهو الحيض، [والاعتداد به] أولى، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ ﴾ .
يخرج على وجهين: أحدهما: احفظوا الحقوق والأحكام التي تجب في العدة؛ فأدوها.
والثاني: احفظوا نفس ما تعتدون به، وهو عدد الحيض الذي بها تعتدون؛ لئلا تزاد ولا تنقص.
ثم جعل الإحصاء إلى الأزواج، يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم هم الذين تلزمهم الحقوق والمؤن.
والثاني: أنه بهم يقع تحصين الأولاد في العدة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ .
دل قوله: ﴿ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ على صحة مسألة لأصحابنا - رحمهم الله - فيمن حلف ألا يدخل بيت فلان، فدخل بيتا هو فيه بإعارة [أو إجارة] أنه يحنث.
ووجه ذلك: أن الله أضاف البيوت إليهن وإن كان حقيقة الملك للأزواج فيها، ألا ترى إلى قوله: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم ﴾ ، ثم قال: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ ؛ فدل قوله ﴿ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ : أنه أراد به البيوت التي أسكنهن الأزواج فيها، وإذا صحت هذه الإضافة؛ دل على صحة المذهب.
وقال الشافعي فيمن حلف لا يدخل مسكن فلان، فدخل مسكنا هو فيه بإعارة: إنه يحنث، وقال فيمن حلف لا يدخل بيت فلان: إنه لا يحنث، واحتج في المسكن: أنه إنما يحنث؛ لأنه وجد حقيقة السكنى من المحلوف عليه، فإن كان هذا هو الدليل على الحنث، فالواجب عليه أن يحنثه في البيت؛ لوجود البيتوتة على ما حنثته في المسكن، لوجود السكنى.
وبعد: فإن الحنث أقرب في البيت؛ لأن الله أضاف البيوت إليهن في كتابه وإن كن هن فيها بإعارة ولم يوجد في السكنى ذلك، والله أعلم.
وقوله -عز وجل-: ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ .
و ﴿ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ قرئا جميعاً: فمنهم من حمل الاستثناء [بقوله: ﴿ إِلاَّ ﴾ ] على قوله: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ ، وصرفه إليه.
ومنهم من صرفه إلى قوله: ﴿ وَلاَ يَخْرُجْنَ ﴾ ولكل من ذلك وجهان: فأما من حمله على قوله: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ ﴾ فإنه جعله استثناء، وللاستثناء وجهان: أحدهما: لا تخرجوهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة أي: بزنى يزنين، فتخرجوهن؛ لإقامة الحد عليهن.
أو لا تخرجوهن إلا أن يظهر منهن بذاءة اللسان على أهل أزواجهن فتخرجوهن؛ لمكان البذاءة التي في لسانهن.
ومن حمله على قوله: ﴿ وَلاَ يَخْرُجْنَ ﴾ ؛ فإنه يجعل معنى قوله: ﴿ إِلاَّ ﴾ على معنى: لكن؛ كما قيل في قوله : ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً ﴾ ، أي: لا يسمعون فيها لغوا، ولكن سلاما، إذ لا يحتمل استثناء السلام من اللغو؛ لما ليس في جملة اللغو سلام؛ فيستثنى منه فكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ ﴾ فكأنه قال: لا يخرجن، ولكن إذا خرجن فخروجهن فاحشة، ويدل هذا على أن النهي لنفس الخروج، لا للانتقال.
ووجه آخر في ذلك، وهو: ألا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة، فإنهن إذا خرجن، خشي عليهن أن يأتين بفاحشة مبينة كما روي عن النبي أنه قال: "أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر" ، وكان المعنى من ذلك: أنه إذا تزوج فوطئ فهو عاهر، ولكن نهي عن النكاح؛ لأنه يخشى عليه في النكاح أن يطأها فيصير عاهرا، لا أن يكون نفس التزوج منه زنى، فكذلك ﴿ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ ﴾ فيكون النهي لا عن نفس الخروج، ولكن لكونه سببا للفاحشة في الجملة، وطريقا إليها.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ .
فمن قرأ ﴿ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ بالخفض فمعناه: أن نفس الفاحشة إذا تفكر فيها المرء، ونظر تبين له: أنها فاحشة.
ومن قرأ ﴿ مبيَّنة ﴾ بالفتح، عني به: أنها مبينة بالبراهين والحجج.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ﴾ .
الحدود: الموانع والنواهي، لا يحل مجاوزتها، ومن ذلك سمي الحداد: حداداً؛ لأنه يمنع تحديده كل أنواع أمتعته أن تجاوز حدها الذي جعل لها، والحد في الحقيقة هو: النهاية التي يُنتهى إليها فلا يجاوز، وإذا كان كذلك كان الخيار إلى صاحب التأويل: فإن شاء حمله على الحد بين الطاعة والمعصية [أو بين] الحلال والحرام؛ حيث ذكر في هذه الآية أنواعا من النهي؛ فسمي ذلك كله: حدوداً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ .
أي: ضر نفسه، ويجوز أن يكون المعنى منه، أي: إن جاوز هذا الحد الذي جعل لله ، فقد وضع نفسه مكانا لم يضعه فيه ربه، والظلم في الحقيقة وضع الشيء في غير موضعه.
والتأويل الآخر: أن من جاوز موانع الله ونواهيه، فقد ظلم نفسه؛ دل هذا على أن منافع هذه النواهي ومضارها لا ترجع إلى الله، بل ترجع نفس الممتحنين.
وقوله -عز وجل-: ﴿ لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرا ﴾ .
أي: لا يطلق؛ فإنه إذا طلق لا يدري لعل الله يحدث بعد ذلك ندامة على ما سبق من فعله أو رغبة فيها؛ فيكون فيه دلالة النهي عن نفس الطلاق، وقد بينا كراهة نفس الطلاق في الحكمة في أنه ليس من نوع ما يتقرب به؛ فيكون فيه [الزيادة في القربة] ولا مما يستمتع به فيكون فيه زيادة في الاستمتاع، بل المقصود منه التأديب والمَخْلَصُ، وفي الواحدة كفاية عما زاد عليها؛ فكان في هذه الآية دلالة النهي عن نفس الطلاق، وعن الزيادة على الواحدة والله أعلم.
قال: فإن كان تأويل قوله - عز وجل - ﴿ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً ﴾ هو الرغبة فيها أو الندامة على ما سبق منه؛ فإنه دلالة على إبطال قول المعتزلة؛ لأن الرغبة والندامة جميعاً من فعل العباد، والله قد أضاف ذلك إلى نفسه بقوله: ﴿ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً ﴾ ، وإذا كان كذلك، ثبت أن لله في إحداث أفعال العباد صنعا وتدبيرا، والله أعلم.
وقال أصحاب الشافعي: إن قوله: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ ﴾ يدل على تعليم الوقت في الطلاق دون العدد، فله أن يطلقها في الوقت أي عدد كان، ولا يستقيم ذلك؛ لأن التأويل إنما يستقيم على أحد وجهين: إما [على ما] جرى به التفاهم في العادات بين العباد، وإما على ما جرى به التفاهم في حق الحكمة، وليس يفهم من قوله: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ ﴾ العدد الثلاث على واحد من الوجهين اللذين وصفناهما؛ ألا ترى أن من قال لآخر: طلق امرأتي، لم يجز أن يطلقها ثلاثا إلا أن يكون نوى ثلاثاً؛ فثبت أنه لا يفهم به في [عبارته لفظ] الثلاث.
وأما وجه الحكمة؛ فلما ذكرنا: أن الطلاق ليس مما يتقرب به رغبة في الاستكثار منه زيادة في القربة، ولا مما يستمتع فيستكثر منه زيادة في الانتفاع، وإنما المراد منه التأديب والمخلص، وما كان مخرجه هذا المخرج، كان في حد الرخصة وما خرج مخرج الرخص، لم يعتد به عما وقعت به الرخصة، وإذا ثبت ما وصفنا، ثبت أنه لا يجوز الفهم من قوله : ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ الثلاث، والتعليم في العدد أليق به من الوقت؛ لأنه لا ضرر يلحقه في تعديه عن الوقت المجعول له فيه الطلاق، ولا شك أنه يلحقه الضرر في تعديه في العدد والزيادة منه، والله أعلم.
ومما يدل على أن المراد من قوله ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ ﴾ ليس عدد الثلاث قوله: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، ولا شك أنه إذا أوقع عليها ثلاثا، لم يملك إمساكها، ومعلوم أن قوله: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ الطلاق المتقدم من قوله: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ ﴾ ، ولو كان المراد عدد الثلاث، لم يكن لقوله: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ ﴾ معنى، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، فيه فوائد شتى، وأدلة متفرقة من الفقه والأحكام: أحدها: أن الله قال: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ والمعروف إليها في المتعارف من نوع الفعل أظهر من نوع القول؛ لأنه إنما يحسن إليها، استمتاعا وإنفاقا ونحو ذلك، فذلك نوعه نوع الفعل؛ فثبت أن حقيقة الإمساك بالمعروف في الأفعال؛ فلذلك قلنا: إنه إذا راجعها بالفعل يكون مراجعاً؛ فإن قيل: أليس قال الله : ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ﴾ والإشهاد على الفعل غير صحيح؟
فجوابه أن يقال: إن الله قال: ﴿ وَأَشْهِدُواْ ﴾ ، ومعلوم أن هذا لو كان بحضرة الشهود، لم يكن للإشهاد معنى، بل إذا سمعوا ذلك، [صاروا شهداء] أشهدوا أو لم يشهدوا، وإذا كان كذلك، ثبت أن المعنى من هذا الإشهاد على الإمساك المتقدم، وذلك في الأفعال مستقيم، والله أعلم.
ووجه آخر: وهو أن كل عقد استقام بغير شهود جرى فيه الأمر بالإشهاد نحو قوله: ﴿ وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾ ، وكل ما جعل الشهود فيه شرطا لقوام العقد، جرى الذكر فيه "لا...
إلا" بشهود، نحو قوله: "لا نكاح إلا بشهود" ، فلما جرى الذكر في هذه الآية بالأمر بالإشهاد بقوله : ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ﴾ ، ثبت أنه يستقيم من غير شهود، والله أعلم.
ثم في قوله: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ دليل على أن المراد من الأقراء هو الحيض؛ فإنه ذكر نوع هذا في كتاب الله في مواضع؛ قال الله في موضع: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾ ، وقال في هذا الموضع: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، ومعلوم أن معاني هذه الألفاظ مختلفة وإن اتفقت مخارجها، واختلافها: أن يكون المراد ببلوغ الأجل في أحد النوعين على التمام وانقضاء الأجل، والثاني على الإشراف عليه، وأحق ما يكون في حق الإشراف على البلوغ هو ما يرجع إلى الأزواج؛ لأنه قد كان لهم حق الإمساك قبل انقضاء الأجل، وهم أحق بهن ما لم [يتم بلوغ الأجل] لا بعده، وإذا ثبت أن المعنى من قوله: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ في هذا الموضع هو الإشراف على البلوغ والقرب من انقضاء الأجل دون التمام، ثبت أن الأقراء: هي الحيض؛ لأنه لو كان المراد منها الأطهار لم يعرف إشراف الأجل على البلوغ؛ لأنه لا نهاية لأكثر الطهر، وأما الحيض فإنه له غاية معلومة؛ لأن أيامها لا تخلو إما أن تكون عشرا أو دون العشر، فإن كان عشرا فيعرف بالعد، وإن كان دون العشر فإن دمها إذا انقطع راجعها قبل أن تغتسل، وذلك وقت إشراف أجلها على البلوغ، والأطهار ليس يتحقق فيها المعنى الذي وصفنا، والله أعلم.
ثم قال هاهنا: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ؛ فدل الأمر بالإمساك في الظاهر أنها ما دامت في العدة، فهي على ملكه، وقال في موضع آخر: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ ؛ فدل على أنه قد وقع شيء من الزوال حتى أمره بردها؛ فيكون حجة للشافعي في أن الطلاق الرجعي يحرم الوطء، ولكن المعنى عندنا في هذا -والله أعلم-: أنا قد عرفنا بقوله: ﴿ أَوْ فَارِقُوهُنَّ ﴾ بعد وجود الطلاق المتقدم: أنه لم يرد به الفرقة للحال، ولكن معناه: اتركوهن حتى تنقضي عدتهن، فتفارقوهن؛ فثبت أنه قد وقع شيء من شبهة الفراق بالطلاق، وهو أن صار الفراق مستحقّاً لازما حال انقضاء العدة؛ فيكون له عَرَض الوجود للحال، فقال: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ ﴾ على إبقائهن على أصل الملك، وقال: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾ في ذلك؛ لرفع تلك الشبهة الواقعة بالطلاق؛ وهذا على سبيل ما قال : ﴿ لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .
وكان الفيء هو الرجوع، ومعلوم أنه لم يقع بالإيلاء شيء من الفرقة، ولكن لما كان الإيلاء موجبا للبينونة في العقد، أوجب في الحال شبهة الفرقة، وهو استحقاق الزوال، فذكر الفيء؛ لرفع تلك الشبهة؛ وكان تركها منه لا يفيء إليها عزم منه على الطلاق، فكذلك الأول والله أعلم.
والمعروف إذا صنع إليك إنسان صنيعة، فعرفتها واستحسنتها، فهو معروف، وما دفعته وأنكرته، فليس بمعروف.
أو هو الذي عَرَّفَنا اللهُ -تعالى- من المراجعة والمفارقة.
ثم المعروف في الحقيقة ما تطمئن إليه القلوب وتسكن عنده الأنفس.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ﴾ .
دل قوله - -: ﴿ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ﴾ أن قد يكون منا فساق، وأن الفسق لا يخرجه من الإيمان، وكذلك قوله: ﴿ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ ﴾ فثبت أن قد يكون منا من لا يرضى، وأن خروجه ممن يرضى لا يخرجه من الإيمان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَادَةَ لِلَّهِ ﴾ .
حيث أضافها إلى نفسه هو أنه لا بد في الشهادة من نفع يقع لأحد الخصمين، وضرر يرجع إلى الآخر، فكأنه قال: لا ينظر بعضكم إلى رضا من تنفعه الشهادة وإلى سخط من تضره، ولكن اجعلوها لله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ .
الموعظة وإن كانت لمن يؤمن ولمن لا يؤمن، فالمعنى في هذا: ذلكم يتعظ بما يوعظ [به] من كان يؤمن بالله واليوم الآخر كما كان المعنى من قوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ ﴾ أي: إنما ينتفع بالإنذار من يتبع الذكر، وكما كان في قوله: ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ ، أي: ينتفعون بتلاوته فكذلك الأول، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يُوعَظُ بِهِ ﴾ .
أي: بما أمر فيما تقدم من الآيات من الطلاق للعدة، والنهي عن إخراجهن من البيوت والإنفاق عليهن، ونحوه إنما يوعظ به - أي: يأخذ بما أمر به، ونهي عنه في هذه الآيات - من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ﴾ .
قد بينا أن التقوى إذا ذكر مفرداً انتظم الأوامر والنواهي، وإذا ذكر معه البر والإحسان، صرف التقوى إلى معنى، والبر إلى معنى، وذكر في هذا الموضع مفردا؛ فجاز أن ينتظم الأوامر والنواهي، ثم جاز أن يكون المعنى من قوله: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ فيما بين له من الحدود، فلم يضيعه، ﴿ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ﴾ فيما لم يبين له، وفيما اشتبه من الحد.
أو يجوز أن يكون المعنى من قوله ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ ، أي: يجاهد فيما أمره ونهاه، يجعل له مخرجا في أن يهديه، ويبين له السبيل؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ .
قال: ويجوز أن ينال من يلزم التقوى خير الدنيا والآخرة؛ لأن الله ذكر التقوى، وما يليه بألفاظ مختلفة، فقال في موضع: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ﴾ وقال: في موضع آخر ﴿ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ﴾ ، وفي موضع آخر ﴿ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ ﴾ وفي موضع آخر ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴾ ، أي: إن الله مع الذين اتقوا في النصرة والمعونة أو التوفيق والعصمة، ومن نصره الله - - فلا يغلبه أحد، ومن يعصمه الله فلا يضله أحد، وإذا نال هاتين الخصلتين، فقد نال خير الدنيا والآخرة.
أو يجوز أن يكون قوله: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ يعني: يتقي عقابه، يجعل له مخرجا من الشدة في الدنيا وعن سكرات الموت وغمراته وعن شدائد الآخرة وأهوالها.
ويجوز أن يكون قوله: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ في مكاسبه، يجعل له مخرجا من الشبه والحرمات فيسلم منها.
أو يجوز أن يكون قوله: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ فيما بين له من الحدود في هذه الآيات المتقدمة، فحفظها من صحبة النساء على ما أمر به، ﴿ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ﴾ مما أهمه من ناحيتهن، ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ ﴾ يجوز أن يكون هذا فيما بين له من الحدود إذا حفظها أن يزرقه ما وصفنا من المرأة والمال.
ويجوز أن يكون هذا في جميع الأمور من المكاسب والتجارات؛ لأن التجار يظنون أنهم إنما يرزقون الفضل والربح؛ لما يدخلون فيها من الشبه والحرمات، وأنها إذا نُفِيَتْ من تجاراتهم لا يرزقون مثل ذلك؛ فأخبر -جل ثناؤه- أنهم إذا اتقوا في تجاراتهم تلك الشبه والحرمات، رزقهم من حيث لم يحتسبوا.
أو يجوز أن يكون هذا خطابا للكفرة؛ وذلك أنهم كانوا يخافون أنهم إذا آمنوا [برسول الله ] حرموا من الرزق، وابتلوا بالضيق، ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَقَالُوۤاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ...
﴾ الآية [القصص: 57] فكأن الله -تعالى- أمنهم عما يخافون بسبب الإسلام، وأخبرهم أنهم إذا وحدوا الله وآمنوا برسوله، رزقهم من حيث لم يحتسبوا، ووسع عليهم الرزق، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ .
يجوز أن يكون معناه: أي: من يعتمده في كل نائبة، ويفوض إليه كل نازلة.
والوكيل: هو الموكول إليه الأمور.
وقيل الوكيل: هو الحافظ؛ فكأنه قال: ومن يعتمد على الله فيما نابه كفى به وكيلا موكولا إليه أمره، وكفى به حافظا وناصرا ومعينا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ﴾ .
أي: فيما أخبر من حكمه ووعده ووعيده: أن ينزل بهم.
ويجوز أن يكون ﴿ بَالِغُ أَمْرِهِ ﴾ ، أي: مبلغ ما أمر رسوله بتبليغه إلى آخر عصابة [تكون من أمته] في تسخيرهم؛ ليصيروا كأن الرسول بلغهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ﴾ .
قال الحسن: [جعل] لكل شيء من أعمال العباد قدراً وثواباً في الآخرة.
والوجه عندنا: قد جعل الله لكل شيء مما كان ويكون إلى يوم القيامة من حسن وقبيح في الحكمة قدرا؛ ألا ترى إلى أفعال العباد أنها كيف تخرج عن تدبيرهم من زمان إلى زمان ومكان ونحو ذلك؛ ليعلم أن الله -تعالى- هو الذي قدر ذلك المكان والزمان والفعل، حتى خرج فعل هذا العبد عن تقديره الذي قدره، والله أعلم.
وفي قوله - -: ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ ﴾ وجه آخر، وهو أنه لو جعل جميع الرزق من حيث لا يحتسب، جاز؛ لأن الرزق في الحقيقة هو الذي يتقوى به الإنسان ويتغذى به، وليس ذلك في عين الأكل والشرب، ولكن فيما يتفرق من قوة الطعام والشراب في الأعضاء، وذلك باللطف من الله ، فثبت أن قوة الأكل والشرب إنما تصل إلى الأعضاء من حيث لا يحتسب الإنسان، والله أعلم.
ثم ليس في قوله - -: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ﴾ تخصيص أن من لا يتقيه لا يرزقه من حيث لا يحتسب؛ لأنا قد نرى في الشاهد من يرزق من حيث لا يحتسب اتقاه أو لم يتقه؛ فثبت أن فائدة التخصيص ليس نفي غير المذكور، ولكن فائدة تخصيص المتقي بالذكر هو أنه يرزقه من حيث يطيب له، ولا يلام عليه، وليس ذلك في غير المتقي، والله المستعان.
ثم ليس في قوله: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ ما يدل على ترك الأسباب، ولكن لما رأى الناس يفزع بعضهم إلى بعض ويستغيث بعضهم ببعض، أمرهم أن يجعلوا المقصد والمفزع إلى الله ، وأن يصيروا هذه الأسباب كلها محنة عليهم، لا أن يروا أرزاقهم معصومة متعلقة بها، ألا ترى إلى قوله - -: ﴿ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ﴾ كيف أمر بإدراك فضله من تلك التجارة؛ فثبت أن هذه المكاسب كلها أسباب للخلق، بها يتوصلون إلى فضل الله ، وأن المقصد والمفزع فيها إلى الله ، والله أعلم.
ثم اختلفوا في العدة: فمنهم من قال: هي استبراء الرحم.
ومنهم من قال: هي عبادة تتبع النكاح الذي استوفي فيه المقصود بالنكاح، وهذا القول عندنا أصوب؛ لأوجه: أحدها: أن الاستبراء واجب في حق السنة والأدب قبل الطلاق؛ فإن من أراد أن يطلق امرأته فالواجب عليه أن يستبرئها بحيضة ثم يطلقها، وأما العدة فإنها لا تجب إلا بعد الطلاق، فثبت أنها على ما ذكرنا من العبادة التي تتبع النكاح الذي استوفي فيه المقصود، والله أعلم.
ومعنى آخر: وهو أن العدة لو كانت استبراء، لكانت تكتفى بالحيضة الواحدة، فلما قرنت بالعدد، وفي الواحدة مندوحة عما سواها في حق الاستبراء، ثبت أنها على الوجه الأول، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ ﴾ .
هذا يدل على أن المراد من الأقراء الحيض؛ وذلك لأن الأصل عندنا في الأصول [أن الشيء] متى ذكر باسم مشترك، ثم جرى البيان له عند ذكر البدل باسم خاص؛ دل على أن المراد من الاسم المشترك هذا الاسم الخاص المذكور عند البدل؛ ألا ترى إلى قوله : ﴿ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ ﴾ وكان اسم الغسل مشتركا يتناول الماء وكل مائع، فلما قال عند ذكر البدل: ﴿ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ ﴾ ، تبين أن المراد من ذلك الاسم المشترك هو هذا الاسم الخاص المذكور عند البدل، فكذلك الأول، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ ﴾ .
اختلفوا في قوله: ﴿ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ ﴾ : أنه أريد به: إن ارتبتم في حيضهن أو في عدتهن؟
وعندنا الارتياب في عدتهن؛ لأنه لو كان المراد منه الارتياب في حيضهن، لكان من حق الكلام أن يقول: "إن ارتبتن" أو يقول: "واللائي ارتبن" ليكون منسوقا على قوله: ﴿ وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ ﴾ فلما قال: ﴿ ٱرْتَبْتُمْ ﴾ ثبت أن المراد: إن ارتبتم في عدة الآيسات والصغائر، فهي ثلاثة أشهر، والله أعلم.
أو لأن المرتابة إذا رأت الحيض ارتفع ريبها، وصار عدتها بالحيض، وخرجت من العدة بالشهور، وأما الآيسة والصغيرة؛ فإنه لا يتوهم عليهما ارتفاع الإياس والصغر؛ فيكون عدتهما بالأشهر؛ فلذلك قلنا: إن هذا الارتياب في عدة الآيسات والصغائر.
ثم من قول أصحابنا: إن الرجل إذا طلق امرأته الآيسة أو الصغيرة أو الحامل للسنة يطلقها متى شاء، وليس له وقت معين في طلاقها للسنة، وإنما كان كذلك؛ لأنا قد وصفنا في قوله: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ : أن المراد منه: لقبل عدتهن، ومعلوم أن عدة التي ترى الحيض أحد شيئين: إما الدم ولم يعتبر ما يقابله وهو الطهر من العدة، وكذلك من جعل عدتها بالأطهار لم يعتبر ما يقابلها وهو الحيض من العدة، وإذا كان كذلك لم يكن بد من أن يكون هاهنا شيء يقابل عدتها؛ فثبت فيه معنى قبل عدتها؛ فجعل ذلك الطهر، وأما الآيسة والصغيرة والحامل فجميع أيامها من عدتها، وهي ثلاثة أشهر، وليس في أيامها شيء يقابل عدتها، فلذلك قلنا: إن له أن يطلقها في أي وقت شاء، وكذلك له أن يطلق الحامل التي من ذوات الأقراء؛ وذلك لأنه إنما نهي -عندنا- عن الطلاق على أثر الجماع في التي تحيض؛ لتوهم أن يكون الجماع أحبلها، فإذا طلقها [ثم أراد] نفي الحبل في العدة، لم يتهيأ له ذلك، وأما الآيسة والصغيرة والحامل، فليس فيهن هذا التوهم، والله أعلم.
ثم إن هذه العدة وإن ذكرها في هذه السورة على أثر الطلاق الواحد؛ فكأنها في التطليقات الثلاث؛ لأن هذه العدة مكان العدة التي ذكر الله في سورة البقرة من قوله: ﴿ وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ ﴾ ؛ لأنه ذكر هاهنا: ﴿ وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ ﴾ على الإجمال وذكرها ثَمَّ على التفسير؛ فإذا التحق التفسير بالمجمل يصير في المعنى والحكم كأنه واحد، ومعلوم أن تلك في الواحدة والثلاث؛ ألا ترى إلى قوله : ﴿ ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ ﴾ وقوله: ﴿ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ ﴾ هي التطليقة الثالثة.
وإذا كان الأمر على ما وصفنا، ثبت أن للمرء أن يطلق امرأته الحامل للسنة ثلاثا، والله أعلم.
قال - رحمه الله -: في قوله: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ ﴾ أوجه من الفقه: أحدها: أنه لما قال: ﴿ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ دل أنه ألزمهن السكون في بيوتهن التي كن فيها في حالة قيام النكاح؛ فيكون دليلا [لقول] أصحابنا: إنه ليس للزوج أن يسكنها معه في بيته الذي هو فيه، بل يتركها في ذلك المسكن، وينتقل هو بنفسه إن كان يريد الانتقال؛ يصحح هذا قوله: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم ﴾ فلما أدخل حرف (من) في هذه الآية دل أن الواجب على الزوج أن يسكنها في بيت من بيوته، ولا يدخل عليها في ذلك البيت إلى أن تنقضي عدتها، والله أعلم.
ثم المعنى عندنا في قوله: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ ؛ ليَحْصِنَّ ماءكم، ولا يخرجن؛ خوفا من وطء غير الأزواج واشتباه النسب لو حبلن، وإذا كان النهي عن إخراجها من البيت لهذا المعنى، لم يكن بد من إيجاب النفقة عليه؛ لأنها إنما تكتسب نفقتها بالخروج، فإذا نهيت عن الخروج؛ لتحصن ماءه، لم يحتمل أن تكون النفقة على غيره، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ ﴾ .
روي عن [ابن] مسعود - - أنه قال: من شاء باهلته أن قوله: ﴿ وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ ﴾ نزل بعد قوله في سورة البقرة: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ﴾ ، وجعل عدة الحامل بوضع الحمل، ولا يعتبر أبعد الأجلين، لكن إن كان ابن مسعود - - يباهل، فعلي - - لا يباهل، ويقول بأن قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ﴾ لا يجوز أن يدخل في قوله: ﴿ وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ ﴾ ؛ وذلك لأن قوله: ﴿ وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ ﴾ إنما ذكر في عدة الطلاق، وعدة الطلاق لا تتضمن عدة الوفاة إذا كانت بالحيض، لم تدخل عدة الطلاق في عدة الوفاة؛ ألا ترى أن من طلق امرأته وهي حائل ممن تحيض، ثم مات عنها زوجها قبل انقضاء عدتها، لم تدخل عدة الوفاة في الحيض الثلاث، بل الحِيَضُ [هي التي تدخل] في عدة الوفاة [في الحيض، وتؤمر: أن] تعتد بأبعد الأجلين، فكذلك أمر الحامل، وإذا اشتبه الحال أمرت فيه بالاحتياط أن تعتد بأبعد الأجلين، ولأن عدة الوفاة لم تلزم لوطء متقدم؛ ألا ترى أنها قد تلزم من لم يكن زوجها من أهل الوطء، وأما عدة الحبل والحيض، إنما لزمت لوطء متقدم، وإذا لم تكن عدة الوفاة من جنس العدة بالحبل، لم تدخل في عدة الحبل فلا نوجب فيها الاحتياط، وذلك في الاعتداد بأبعد الأجلين.
ثم التخصيص بذكر الإنفاق على الحوامل يحتمل أن يكون بمعنى أنها في الحقيقة لا تدخل في قوله: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ ﴾ ؛ لأنا قد وصفنا أنها إنما نهيت؛ لتحصين ماء الزوج، وإذا مضت تسعة أشهر، فقد خرجت عن التحصين، فكان الواجب أن تسقط النفقة بعد التسعة، لكن الله حث على الإنفاق في جميع المدة؛ لأنها لا محالة إنما بقيت في هذه المدة؛ لوطئه المتقدم؛ فلذلك حث الله في الإنفاق على الحوامل فيما يقع عندنا، والله أعلم.
وأما ابن مسعود - - فإنه يجوز أن يكون قوله - -: ﴿ وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ ﴾ عنده مبتدأَ خطابٌ، ليس بمعطوف على قوله: ﴿ وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ ﴾ ؛ لأنا نعلم أنه لا يجوز أن يقع الارتياب فيمن تحتمل القروء؛ وذلك لأن الأشهر في الآيسات إنما أقيمت مقام الأقراء في ذوات الحيض، وإذا كانت الحامل ممن تحتمل القروء لم يجز أن يقع لهم شك في عدتها؛ ليسألوا عن عدتها.
وإذا كان كذلك، ثبت أنه خطاب مبتدأ، وإذا كان خطابا مبتدأ تناول العِدد كلها، ومما يدل على أنه مبتدأ خطاب ما روي في خبر سبيعة بنت الحارث الأسلمية: أنها وضعت بعد وفاة زوجها بخمس عشرة ليلة، فأمرها رسول الله أن تتزوج؛ فدل إباحته النكاح قبل مضي أربعة أشهر وعشر على أن عدة الحامل تنقضي بوضع الحمل في جميع الأحوال.
وقال الحسن: إن الحامل إذا وضعت أحد الولدين، انقضت عدتها، واحتج بقوله: ﴿ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ ، ولم يقل: "أحمالهن"؛ ولكن لا يستقيم ما قاله؛ لوجهين أحدهما: أنه قرأ في بعض القراءات ﴿ أن يضعن أحمالهن ﴾ .
والثاني: أنه قال: ﴿ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ ، ولم يقل: "يلدن"، بل علق بوضع حملهن، والحمل اسم لجميع ما في بطنهن، ولو كان كما قاله، لكان عدتهن بوضع بعض حملهن، والله جعل أجلهن أن يضعن حملهن، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ﴾ .
فقد وصفنا أن التقوى إذا ذكر مطلقاً مفرداً، تناول الأوامر والنواهي، فكأنه قال: ومن يتق الله في أوامره أن يضيعها أو في نواهيه أن يرتكبها، يجعل له من أمره يسراً.
[ثم قوله: ﴿ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ﴾ .
له وجهان: أحدهما: له من أمره يسراً] في نفس التقوى أن نيسره عليه، كما قال في قوله: [ ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ ﴾ \[الحاقة؟: 19\]، وفي قوله]: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ﴾ يعني: ييسر عليه فعل التقوى والطاعة، فكذلك الأول.
ويحتمل أن يكون في جميع الأمور في المكاسب والتجارات وغيرها: أن من اتقى الله من الحرام ييسر الله عليه الحلال، ومن اتقى الله من الشبه يسر عليه في المباح، ومن يتق الله في تجارته، رزقه ما يرجو من الربح ويأمله، وكذلك جميع الأمور على هذا السبيل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون معنى قوله: ﴿ ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ أي: ذلك التقوى أمر الله أنزله إليكم.
ويحتمل أن يكون أراد بقوله: ﴿ ذَلِكَ ﴾ ما تقدم من الآيات في المراجعة والإشهاد والطلاق والعدة وغير ذلك: أنها وإن خرجت في الظاهر مخرج الخبر، فإنها كلها أمر الله ، أنزله إليكم؛ فاتبعوها وخذوا بأمره فيها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً ﴾ .
هذا يدل على ما وصفنا: أن التقوى إذا ذكر مفردا انتظم الأمر والنهي جميعاً، ألا ترى إلى قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ﴾ ، وقال هاهنا: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ ﴾ .
فجعل التقوى تكفر السيئات، فلولا أن في التقوى أعظم الحسنات، لم يكن لقوله: ﴿ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ ﴾ معنى، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ ، وفي قراءة عبد الله بن مسعود : ﴿ أسكنوهن من حيث سكنتم وأنفقوا عليهن من وجدكم ﴾ ويجوز أن تكون قراءة عمر - - أيضاً؛ ألا ترى [أنه قال]: (لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة؛ لا ندري أصدقت أم كذبت)، فالكتاب هذا، والسنة يجوز أن يكون سمعها من رسول الله في ذلك.
أو يجوز أن يكون عند عمر - - في هذا تلاوة قد رفع عينها وبقي حكمها؛ لذلك قال: (لا ندع كتاب ربنا) ألا ترى إلى ما قاله عمر - - في أمر الزنى: "سيأتي على الناس زمان يقولون: لا نجد الرجم في كتاب الله، وإنا كنا نتلو من قبل في سورة الأحزاب: الشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموهما ألبتة؛ نكالا من الله، والله العزيز الحكيم" فقد رفعت التلاوة، وبقي حكمها؛ فكذلك في أمر النفقة يجوز أن تكون التلاوة مرفوعة وحكمها باقٍ؛ والله أعلم، وقوله: (لا ندع كتاب ربنا) في الخبر دلالة أن الكتاب قد ينسخ بالسنة؛ لأن عمر - - إنما احتج في امتناعه عن ترك [كتاب الله] بقول امرأة لم ندر أصدقت أم كذبت؟
ولولا أن الكتاب قد ينسخ بالسنة، وإلا لم يكن احتجاجه بقوله: (لا ندع كتاب ربنا بقول امرأة) معنى، بل كان يقول: (لا ندع كتاب ربنا بالسنة)، فلما قال: (لا ندع كتاب ربنا بقول امرأة؛ لا ندري أصدقت أم كذبت)؟
دل أن السنة قد تنسخ الكتاب، والله أعلم.
وروى أبو بكر الأصم أن فاطمة بنت قيس لما أنكر عليها عمر - - حديثها تركت روايتها إلى زمن مروان، فلما استخلف مروان جعلت تروي حديثها، فأخبر بذلك مروان، فدعاها فروت هذا الحديث، فقال لها مروان على ما كان يقول لها عمر - - فقالت له: أين كتاب ربنا؟
فتلا عليها قوله: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ ، فقالت: كيف يحتمل أن يكون هذا في المطلقة ثلاثا، والله يقول في هذه ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ؟
ومعنى الإمساك في المطلقة ثلاثاً معدوم؛ فأفحم مروان، ولو فهم مروان ما فهمه عمر لم يفحم؛ وذلك أن هذه العدة المذكورة في هذه الآيات إنما هي مكان قوله: ﴿ وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ ﴾ ، ولا فرق هناك بين المطلقة الواحدة والثلاث، وإذا كان المذكور في هذه العدة مكان تلك، فالمذكور في النفقة في هذه كالمذكور في تلك، وليس في تلك الآية ذكر الفرق بين الثلاث والواحدة؛ فلذلك قلنا: في كتاب الله دلالة إيجاب النفقة للمبتوتة والمطلقة ثلاثاً، والله أعلم؛ فيكون حجة على الشافعي؛ ومما يدل عليه هو أنه لما استدل بذكر الإنفاق في قوله: ﴿ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ على وجوب الإسكان والنهي عن الإخراج مع توهم الإنفاق دون الإسكان، فلأن يستدل بذكر الإسكان على الإنفاق ولا يكون الإسكان، إلا بالإنفاق؛ لاتصاله به -أحرى، فصار قوله: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ ﴾ دليلاً على وجوب الإنفاق، وإنما قلنا: إن الإنفاق متصل بالإسكان؛ لأنه إذ نهي عن إخراجها عن بيته وأمر بإسكانها فلا يحتمل أن يؤمر بالإنفاق؛ لأن في ذلك تضييقاً عليها وتعسراً؛ ألا ترى: أنها إنما تكتسب النفقة بالخروج، فإذا نهى الزوج عن إخراجها، ونهيت هي عن الخروج، لم تصل إلى نفقتها إلا بالزوج ضرورة، والله أعلم.
ولأجل أنا نظرنا: أن النفقة في الحامل للحمل أو العدة، فوجدنا أنها لو كانت واجبة للحمل، لم تجب إذا كان حملها بحيث لو وضعته، لم يلزم نفقته عليه، وقد وجدنا هذا الحكم، نحو: حر يتزوج أمة رجل بإذن سيدها فولدت ولدا: أن نفقة الولد على السيد، وكان يجب عليه ما دام في بطن أمه، فلما استقام وجوب النفقة على الزوج ما دامت حاملا، وإن كان الحبل بحيث لو وضعته لم يلزمه نفقته -ثبت أن النفقة في الحامل؛ لمكان العدة لا للحبل، [والعدة] في الحائل والحامل واحدة؛ فكذلك كان حكمهما واحداً، والله أعلم.
ثم الأصل عندنا ما وصفنا: أن النفقة إنما وجبت؛ لاستمتاعه المتقدم، [فما دامت] محبوسة؛ لاستمتاعه السابق أوجبت النفقة عليه، وإذا كانت محبوسة لا بهذا الحق لم يكن عليه النفقة، والله أعلم.
ولأن في قوله: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ ، إضمار النفقة، كأنه يقول: أسكنوهن من حيث سكنتم، وأنفقوا عليهن من وجدكم؛ لأنه لولا هذا الإضمار، لم يكن لقوله: ﴿ مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ على الظاهر معنى؛ لأنه لما قال: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ ﴾ ، علم أنه جعل الإسكان عليهم، ومن كان عليه الإسكان، فإنما يكون من وجده، فلم يكن في قوله: ﴿ مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ إلا إعلام ما قد علمناه، وإذا كان كذلك ثبت أن في قوله: ﴿ مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ إضماراً يستقيم عليه المعنى في قوله: ﴿ مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ ، وليس بين القراءتين اختلاف، ولكن إحداهما خرجت على الإجمال، والثانية على التفسير [على ما قرئ في قوله: ﴿ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا ﴾ و: ﴿ أَيْمَانَهُمَا ﴾ ، ولم يحمل ذلك على الاختلاف، بل حملت إحداهما على الإجمال والثانية على التفسير] فكذلك الأول، والله أعلم.
مع أنه لم يثبت اللفظ في قراءة ابن مسعود - - فأقله أن يكون من خبر الآحاد، ومعلوم أن خبر ابن مسعود وإن كان من خبر الآحاد فما يسنده إلى رسول الله مقبول، ولما وجب قبول خبر أبي هريرة - - مع ما قيل فيه من الضعف، فلأن يقبل خبر ابن مسعود - - مع فضله وروعه وكثرة صحبته [مع النبي] ، وتبحره في الفقه أولى، ومن هجر قراءة ابن مسعود - - خيف عليه الزلة، ألا ترى [إلى ما] روي عن ابن عباس - ما - أنه سأل أصحاب النبي ، فقال: ما تعدون آخر القراءة؟
قالوا: قراءة زيد بن ثابت - - فقال: كلا، كان يعرض القرآن على رسول الله كل عام مرة، وعرض عليه في العام الذي قبض فيه رسول الله مرتين، وقد شهدهما جميعا ابن مسعود - - فإذا كان ابن مسعود قراءته آخر القراءات، وهو الذي شهد قراءة القرآن على رسول الله آخر مرة لم ينبغ أن نعرض عن قراءته، ونهجره، والله أعلم.
وفي قوله: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم ﴾ دلالة أنه إنما يسكنها في جزء من أجزاء مسكنه، لا في الموضع الذي يسكنه هو؛ لأن حرف (من) للتجزئة والتبعيض.
وقوله: ﴿ وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ ﴾ .
يحتمل وجهين: [من التأويل]: أحدهما: أي: لا تضاروهن في الإنفاق عليهن فتضيقوا عليهن النفقة، فيخرجن، أو لا تضاروهن في المسكن، فتدخلوا عليهن من غير استئذان؛ فيضيق عليهن المسكن؛ فيخرجن، والله أعلم.
وقوله -عز وجل-: ﴿ وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ .
دل الأمر بالإنفاق على النهي عن الإخراج، كما دل النهي عن الإخراج على وجوب الإنفاق.
ثم التخصيص بذكر الإنفاق على الحامل يحتمل أن يكون لمعنى: أنها في الحقيقة، لم تدخل في قوله: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ ﴾ ؛ لأنا قد وصفنا أنها نهيت [عن الخروج] لتحصين ماء الزوج، وإذا مضت تسعة أشهر فقد خرجت عن التحصين؛ فكان الواجب أن تسقط النفقة بعد التسعة، وقد ذكرنا هذا المعنى فيما تقدم.
ويحتمل أن يكون الفائدة في [تخصيص الحوامل] بالإنفاق عندنا - والله أعلم - [أنه لولا] هذه الآية، لكانت الحوامل يخرجن عن قوله - -: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ ، ومن قوله: ﴿ وَلاَ يَخْرُجْنَ ﴾ ؛ لأن الأزواج لهم أن يحتجوا عليهن بأن حرمة النكاح في ذوات الأحمال ليس لحق الأزواج، ولكن لحق ما في بطنها من الولد؛ ألا ترى أنه يحرم عليها النكاح وإن كان الولد من غيره، وقد قلنا: إن النفقة إنما وجبت في غير الحوامل؛ لأنهن يحبسن عن نكاح الأجانب بحق الأزواج، فإذا كان الحبس في الحوامل لا لحق الأزواج، جاز أن يكون هذا حجة لهم في إسقاط النفقة عنهم، وإذا كان كذلك، حث الله لهم في الإنفاق على الحوامل ما لم يضعن حملهن؛ لأن ذلك الحمل من أثر استمتاعهم المتقدم؛ ففائدة تخصيص ذكر الحوامل هذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ .
هذا يتضمن أوجهاً من أدلة الفقه: أحدها: أنه قال: ﴿ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ ، ثبت أن الإرضاع كان بإجارة، وأنه إذا استأجرها ليرضع ولده منها بعد المفارقة، جازت الإجازة وحل لها أخذ الأجر، وأنه إذا استأجر امرأته في صلب النكاح على إرضاع ولده منها لم يجز، ولم يكن لها أخذ الأجر؛ لأن الله - - ذكر بدل الرضاع في صلب النكاح بلفظ: (الرزق) بقوله: ﴿ وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ ، فإذا سمى ما ذكره الله رزقاً: أجراً، لم يكن أجراً وكان بحق الرزق والكسوة؛ فلذلك لم تجز الإجارة في صلب النكاح، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ .
دليل على أن اللبن وإن خلق لمكان الولد فهو ملك لها، ولو ذلك، لم يكن لها أن تأخذ الأجر على لبن ليس لها فيها ملك، وفيه دليل على أن حق الإرضاع والنفقة على الأزواج في حق الأولاد وحق الإمساك والحضانة والكفالة على الزوجات، ولولا ذلك لكان لها بعض الأجر دون الكل، فلما أمر بإيتاء كل الأجر، ثبت أن حق الإرضاع على الأزواج وعلى الزوجات الكفالة والإمساك، والله أعلم.
ولأجل أنا لو جعلنا اللبن ملكاً للولد مخلوقاً له، وجعلنا النفقة على الأم من مال نفسها، لكانت نفقتها تفنى ولا يتهيأ لها كسب النفقة؛ لاشتغالها بالإرضاع؛ فتجوع وتهلك ويذهب لبنها؛ فيبطل الإرضاع؛ فإذا كان إيجاب الإرضاع عليها يسقط من حيث يراد جعل النفقة، فأسقطنا عنها، وجعلنا ملك اللبن [لها] لتأخذ الأجر عليه، والله أعلم.
وفي هذه الآية دلالة على أن الأجر إنما يجب بعد استيفاء المنافع، فإنه قال: ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ إنما أوجب الإيتاء بعد الإرضاع.
وفي قوله: ﴿ أُجُورَهُنَّ ﴾ دلالة على أن الإرضاع إنما هو بإجارة قد سبقت؛ لذلك قال أصحابنا: إن الأجرة إنما تجب عند استيفاء العمل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، له وجهان: أحدهما: أن يقول: ﴿ وَأْتَمِرُواْ ﴾ يعني: تشاوروا في إرضاعه إذا تعاسرت هي.
والثاني: ﴿ وَأْتَمِرُواْ ﴾ أي: اعملوا بأمر من جعل الله إليه الأمر بالمعروف، وهو الحاكم، إذا أمركم في أمر الولد بالمعروف.
وقوله: ﴿ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ ﴾ .
يعني: إذا تنازعتم في الرضاع، وأبت الأم أن ترضعه، فاطلبوا أخرى ترضعه عندها.
وقوله: ﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ﴾ .
أي: من وسع الله عليه في الرزق، فلينفق نفقة واسعة، ﴿ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ ﴾ ، يعني: ضيق عليه و ﴿ قُدِرَ ﴾ هاهنا بمعنى: ضيق [عليه]، وهو كما قال: ﴿ فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ ﴾ ، أي: فظن أن لم نضيق عليه، وكذلك قوله: ﴿ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ﴾ ، يعني: ويضيق عليه، أي: من ضيق عليه، فلينفق نفقة ضيقة؛ فلذلك قوله: ﴿ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا ﴾ .
فهو يدل على أن العباد ما اكتسبوا من الأموال، فهي كلها مما آتاهم الله ، وأن لله - - في أفعال العباد وفيما يكتسبونه من الأموال صنعا وتدبيراً؛ لأنه لولا ذلك، لكان يجوز أن يكلفه الله وإن لم يؤتها لهم، إذا كان في قدرته أن يكتسب ما لم يؤته الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ﴾ .
هذا دليل على أنه إذا عجز عن نفقة امرأته، لم نفرق بينها وبينه؛ لأنه إذا فرق بينهما، لم نصل إلى زوج ينفق عليها للحال، بل نحتاج فيه إلى انقضاء العدة، وقد يتوهم في خلال ذلك أن يوسر الزوج؛ لأن إنجاز وعد الله في اليسار بعد العسر أقرب من قدرتها على زوج ينفق عليها، وليس هذه كالأمة؛ لأنه إذا باع الأمة دخلت في ملك آخر ينفق عليها، والله أعلم.
ثم يجوز أن يكون قوله: ﴿ سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ﴾ وعداً لجميع الأمة أن من ابتلي بالعسر يتبعه اليسر.
ويجوز أن يكون خطابا لأصحاب رسول الله حين كانوا في عسر وضيق عيش، فوعدهم الله - - بعد ذلك العسر الذي كانوا فيه يسراً، وقد أنجز ذلك الوعد حيث فتح لهم الفتوح، ونصرهم على أعدائهم؛ فغنموا أموالهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ذلك المذكور من أحكام الطلاق والرجعة والعِدَّة حكم الله أنزله إليكم -أيها المؤمنون- لتعملوا به، ومن يتّق الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه يمح عنه سيئاته التي ارتكبها، ويعطه أجرًا عظيمًا في الآخرة، وهو دخول الجنّة، والحصول على النعيم الَّذي لا ينفد.
من فوائد الآيات خطاب النبي خطاب لأمته ما لم تثبت له الخصوصية.
وجوب السكنى والنفقة للمطلقة الرجعية.
النَّدْب إلى الإشهاد حسمًا لمادة الخلاف.
كثرة فوائد التقوى وعظمها.
<div class="verse-tafsir" id="91.dPLoZ"