الآية ٦ من سورة الطلاق

الإسلام > القرآن > سور > سورة 65 الطلاق > الآية ٦ من سورة الطلاق

أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا۟ عَلَيْهِنَّ ۚ وَإِن كُنَّ أُو۟لَـٰتِ حَمْلٍۢ فَأَنفِقُوا۟ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۖ وَأْتَمِرُوا۟ بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍۢ ۖ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُۥٓ أُخْرَىٰ ٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 142 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦ من سورة الطلاق: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦ من سورة الطلاق عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى آمرا عباده إذا طلق أحدهم المرأة أن يسكنها في منزل حتى تنقضي عدتها ، فقال : ( أسكنوهن من حيث سكنتم ) أي : عندكم ، ( من وجدكم ) قال ابن عباس ، ومجاهد ، وغير واحد : يعني سعتكم .

حتى قال قتادة : إن لم تجد إلا جنب بيتك فأسكنها فيه .

وقوله : ( ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن ) قال مقاتل بن حيان : يعني يضاجرها لتفتدي منه بمالها ، أو تخرج من مسكنه .

وقال الثوري ، عن منصور ، عن أبي الضحى : ( ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن ) قال : يطلقها ، فإذا بقي يومان راجعها .

وقوله : ( وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ) قال كثير من العلماء منهم ابن عباس ، وطائفة من السلف ، وجماعات من الخلف : هذه في البائن ، إن كانت حاملا أنفق عليها حتى تضع حملها ، قالوا : بدليل أن الرجعية تجب نفقتها ، سواء كانت حاملا أو حائلا .

وقال آخرون : بل السياق كله في الرجعيات ، وإنما نص على الإنفاق على الحامل وإن كانت رجعية لأن الحمل تطول مدته غالبا ، فاحتيج إلى النص على وجوب الإنفاق إلى الوضع ; لئلا يتوهم أنه إنما تجب النفقة بمقدار مدة العدة .

واختلف العلماء : هل النفقة لها بواسطة الحمل ، أم للحمل وحده ؟

على قولين منصوصين عن الشافعي ، وغيره ، ويتفرع عليها مسائل مذكورة في علم الفروع .

وقوله : ( فإن أرضعن لكم ) أي : إذا وضعن حملهن وهن طوالق ، فقد بن بانقضاء عدتهن ، ولها حينئذ أن ترضع الولد ، ولها أن تمتنع منه ، ولكن بعد أن تغذيه باللبإ - وهو باكورة اللبن الذي لا قوام للولد غالبا إلا به - فإن أرضعت استحقت أجر مثلها ، ولها أن تعاقد أباه أو وليه على ما يتفقان عليه من أجرة ; ولهذا قال تعالى : ( فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ) وقوله : ( وأتمروا بينكم بمعروف ) أي : ولتكن أموركم فيما بينكم بالمعروف ، من غير إضرار ولا مضارة ، كما قال تعالى في سورة " البقرة " : ( لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده ) [ البقرة : 233 ] وقوله : ( وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى ) أي : وإن اختلف الرجل والمرأة ، فطلبت المرأة أجرة الرضاع كثيرا ، ولم يجبها الرجل إلى ذلك أو بذل الرجل قليلا ولم توافقه عليه ، فليسترضع له غيرها .

فلو رضيت الأم بما استؤجرت عليه الأجنبية فهي أحق بولدها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: اسكنوا مطلقات نسائكم من الموضع الذي سكنتم ( مِنْ وُجْدِكُمْ ) : يقول: من سعتكم التي تجدون؛ وإنما أمر الرجال أن يعطوهنّ مسكنًا يسكنه مما يجدونه، حتى يقضين عِددَهنّ.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ) يقول: من سعتكم.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( مِنْ وُجْدِكُمْ ) قال: من سعتكم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ) قال: من سعتكم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، قوله: ( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ) فإن لم تجد إلا ناحية بيتك فأسكنها فيه.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدّي، في قوله: ( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ) قال: المرأة يطلقها، فعليه أن يسكنها، وينفق عليها.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: وسألته عن قول الله عزّ وجلّ: ( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ) قال: من مقدرتك حيث تقدر، فإن كنت لا تجد شيئًا، وكنت في مسكن ليس لك، فجاء أمر أخرجك من المسكن، وليس لك مسكن تسكن فيه، وليس تجد فذاك، وإذا كان به قوّة على الكراء فذاك وجده، لا يخرجها من منـزلها، وإذا لم يجد وقال صاحب المسكن: لا أنـزل هذه في بيتي فلا وإذا كان يجد، كان ذلك عليه.

وقوله: ( وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ) يقول جلّ ثناؤه: ولا تضاروهنّ في المسكن الذي تسكنونهنّ فيه، وأنتم تجدون سعة من المنازل أن تطلبوا التضييق عليهنّ، فذلك قوله: ( لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ) يعني: لتضيقوا عليهنّ في المسكن مع وجودكم السعة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد ( وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ) قال: في المسكن.

حدثني محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: ( مِنْ وُجْدِكُمْ ) قال: من ملككم، من مقدرتكم.

وفي قوله: ( وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ) قال: لتضيقوا عليهن مساكنهنّ حتى يخرجن.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان: ( وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ) قال: ليس ينبغي له أن يضارّها ويضيق عليها مكانها( حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) هذا لمن يملك الرجعة، ولمن لا يملك الرجعة.

وقوله: ( وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) يقول تعالى ذكره: وإن كان نساؤكم المطلقات أولات حمل وكنّ بائنات منكم، فأنفقوا عليهنّ في عدتهنّ منكم حتى يضعن حملهنّ.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أَبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ( وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) فهذه المرأة يطلقها زوجها، فيبتّ طلاقها وهي حامل، فيأمره الله أن يسكنها، وينفق عليها حتى تضع، وإن أرضعت فحتى تفطم، وإن أبان طلاقها، وليس بها حبل، فلها السكنى حتى تنقضي عدتها ولا نفقة، وكذلك المرأة يموت عنها زوجها، فإن كانت حاملا أنفق عليها من نصيب ذي بطنها إذا كان ميراث، وإن لم يكن ميراث أنفق عليها الوارث حتى تضع وتفطم ولدها كما قال الله عزّ وجلّ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فإن لم تكن حاملا فإن نفقتها كانت من مالها.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: ( وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) قال: ينفق على الحبلى إذا كانت حاملا حتى تضع حملها.

وقال آخرون: عُنِيَ بقوله: ( وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) كلّ مطلقة، ملك زوجُها رجْعَتَهَا أو لم يملك.

وممن قال ذلك: عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما.

* ذكر الرواية عنهما بذلك: حدثني أَبو السائب، قال: ثنا أَبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كان عمر وعبد الله يجعلان للمطلقة ثلاثًا: السكنى، والنفقة، والمتعة.

وكان عمر إذا ذكر عنده حديث فاطمة بنت قيس أن النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أمرها أن تعتدّ في غير بيت زوجها، قال: ما كنا لنجيز في ديننا شهادة امرأة.

حدثني نصر بن عبد الرحمن الأوْدِيّ، قال: ثنا يحيى بن إبراهيم، عن عيسى بن قرطاس، قال: سمعت عليّ بن الحسين يقول في المطلقة ثلاثًا: لها السكنى، والنفقة والمتعة، فإن خرجت من بيتها فلا سكنى ولا نفقة ولا متعة.

حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا ابن فضيل، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: للمطلقة ثلاثًا: السكنى والنفقة.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن حماد، عن إبراهيم، قال: إذا طلق الرجل ثلاثًا، فإن لها السكنى والنفقة.

والصواب من القول في ذلك عندنا أن لا نفقة للمبتوتة إلا أن تكون حاملا لأن الله جلّ ثناؤه جعل النفقة بقوله: ( وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن ) للحوامل دون غيرهنّ من البائنات من أزواجهن ولو كان البوائن من الحوامل وغير الحوامل في الواجب لهنّ من النفقة على أزواجهنّ سواء، لم يكن لخصوص أولات الأحمال بالذكر في هذا الموضع وجه مفهوم، إذ هنّ وغيرهنّ في ذلك سواء، وفي خصوصهن بالذكر دون غيرهنّ أدل الدليل على أن لا نفقة لبائن إلا أن تكون حاملا.

وبالذي قلنا في ذلك صحّ الخبر عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا بشر بن بكر، عن الأوزاعيّ، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، قال: ثني أَبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: حدثتني فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس أن أبا عمرو المخزوميّ، طلقها ثلاثًا فأمر لها بنفقة فاستقلتها، وكان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بعثه نحو اليمن، فانطلق خالد بن الوليد في نفر من بني مخزوم إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وهو عند ميمونة، فقال: يا رسول الله إن أبا عمرو طلق فاطمة ثلاثًا، فهل لها من نفقة؟

فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " لَيْسَ لَهَا نَفَقَةٌ"، فأرسل إليها رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن انتقلي إلى بيت أمّ شريك وأرسل إليها أن لا تسبقيني بنفسك، ثم أرسل إليها أنّ أمّ شريك يأتيها المهاجرون الأوّلون، فانتقلي إلى ابن أم مكتوم، فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك، فزوّجها رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أُسامة بن زيد.

وقوله: ( فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) يقول جلّ ثناؤه: فإن أرضع لكم نساؤكم البوائن منكم أولادهنّ الأطفال منكم بأجرة، فآتوهنّ أجورهن على رضاعهنّ إياهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك أنه قال في الرضاع: إذا قام على شيء فأُمّ الصبيّ أحقّ به، فإن شاءت أرضعته، وإن شاءت تركته إلا أن لا يقبل من غيرها، فإذا كان كذلك أُجْبِرت على رضاعه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) هي أحقّ بولدها أن تأخذه بما كنت مسترضعًا به غيرَها.

حدثنا محمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ( فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) قال: ما تراضوا عليه عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم في الصبيّ إذا قام على ثمن فأمه أحق أن ترضعه، فإن لم يجد له من يرضعه أجبرت الأم على الرضاع.

قال: ثنا مهران، عن سفيان ( فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) قال: إن أرضعت لك بأحر فهي أحقّ من غيرها، وإن هي أبت أن ترضعه ولم تواتك فيما بينك وبينها عاسرتك في الأجر فاسترضع له أخرى.

وقوله: ( وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ ) يقول تعالى ذكره: وليقبل بعضكم أيها الناس من بعض ما أمركم بعضكم به بعضا من معروف.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: ( وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ ) قال: اصنعوا المعروف فيما بينكم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ( وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ ) حثّ بعضهم على بعض.

وقوله: ( وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ) يقول: وإن تعاسر الرجل والمرأة في رضاع ولدها منه، فامتنعت من رضاعه، فلا سبيل له عليها، وليس له إكراهها على إرضاعه، ولكنه يستأجر للصبيّ مرضعة غير أمه البائنة منه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: ( وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ) قال: إن أبت الأم أن ترضع ولدها إذا طلقها أبوه التمس له مرضعة أخرى، الأمّ أحق إذا رضيت من أجر الرضاع بما يرضى به غيرها، فلا ينبغي له أن ينتزع منها.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، قال: إن هي أبت أن ترضعه ولم تواتك فيما بينها وبينك عاسرتك في الأجر، فاسترضع له أخرى.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قول الله: ( وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى * لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ) قال: فرض لها من قدر ما يجد، فقالت: لا أرضى هذا؛ قال: وهذا بعد الفراق، فأما وهي زوجته فإنها ترضع له طائعة ومكرهة إن شاءت وإن أبت، فقال لها: ليس لي زيادة على هذا إن أحببت أن ترضعي بهذا فأرضعي، وإن كرهت استرضعت ولدي، فهذا قوله: ( وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ) .

وقوله: ( لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ) يقول تعالى ذكره: لينفق الذي بانت منه امرأته إذا كان ذا سعة من المال، وغني من سعة ماله وغناه على امرأته البائنة في أجر رضاع ولده منها، وعلى ولده الصغير ( وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ) يقول: ومن ضيق عليه رزقه فلم يوسع عليه، فلينفق مما أعطاه الله على قدر ماله، وما أعطى منه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرىفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم قال أشهب عن مالك : يخرج عنها إذا طلقها ويتركها في المنزل ; لقوله تعالى : أسكنوهن .

فلو كان معها ما قال أسكنوهن .

وقال ابن نافع : قال مالك في قول الله تعالى : أسكنوهن من حيث سكنتم يعني المطلقات اللائي بن من أزواجهن فلا رجعة لهم عليهن وليست حاملا ، فلها السكنى ولا نفقة لها ولا كسوة ، لأنها بائن منه ، لا يتوارثان ولا رجعة له عليها .

وإن كانت حاملا فلها النفقة والكسوة والمسكن حتى تنقضي عدتها .

أما من لم تبن منهن فإنهن نساؤهم يتوارثون ، ولا يخرجن إلا أن يأذن لهن أزواجهن ما كن في عدتهن ، ولم يؤمروا بالسكنى لهن لأن ذلك لازم لأزواجهن مع نفقتهن وكسوتهن ، حوامل كن أو غير حوامل .

وإنما أمر الله بالسكنى للائي بن من أزواجهن مع نفقتهن ، قال الله تعالى : وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فجعل عز وجل للحوامل اللائي قد بن من أزواجهن السكنى والنفقة .

قال ابن العربي : وبسط ذلك وتحقيقه أن الله سبحانه لما ذكر السكنى أطلقها لكل مطلقة ، فلما ذكر النفقة قيدها بالحمل ، فدل على أن المطلقة البائن لا نفقة لها .

وهي مسألة عظيمة قد مهدنا سبلها قرآنا وسنة ومعنى في مسائل الخلاف .

وهذا مأخذها من القرآن .

قلت : اختلف العلماء في المطلقة ثلاثا على ثلاثة أقوالفمذهب مالك والشافعي : أن لها السكنى ولا نفقة لها .ومذهب أبي حنيفة وأصحابه : أن لها السكنى والنفقة .ومذهب أحمد وإسحاق وأبي ثور : أن لا نفقة لها ولا سكنى ، على حديث فاطمة بنت قيس ، قالت : دخلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعي أخو زوجي ، فقلت : إن زوجي طلقني وإن هذا يزعم أن ليس لي سكنى ولا نفقة ؟

قال : " بل لك السكنى ولك النفقة " .

قال : إن زوجها طلقها ثلاثا .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما السكنى والنفقة على من له عليها الرجعة " .

فلما قدمت الكوفة طلبني الأسود بن يزيد ليسألني عن ذلك ، وإن أصحاب عبد الله يقولون : إن لها السكنى والنفقة .

[ ص: 156 ] خرجه الدارقطني .

ولفظ مسلم عنها : أنه طلقها زوجها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان أنفق عليها نفقة دون ، فلما رأت ذلك قالت : والله لأعلمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن كان لي نفقة أخذت الذي يصلحني ، وإن لم تكن لي نفقة لم آخذ شيئا .

قالت : فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " لا نفقة لك ولا سكنى " .

وذكر الدارقطني عن الأسود قال : قال عمر لما بلغه قول فاطمة بنت قيس : لا نجيز في المسلمين قول امرأة .

وكان يجعل للمطلقة ثلاثا السكنى والنفقة .

وعن الشعبي قال : لقيني الأسود بن يزيد فقال .

يا شعبي ، اتق الله وارجع عن حديث فاطمة بنت قيس ; فإن عمر كان يجعل لها السكنى والنفقة .

قلت : لا أرجع عن شيء حدثتني به فاطمة بنت قيس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قلت : ما أحسن هذا .

وقد قال قتادة وابن أبي ليلى : لا سكنى إلا للرجعية ; لقوله تعالى : لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ، وقوله تعالى : " أسكنوهن " راجع إلى ما قبله ، وهي المطلقة الرجعية .

والله أعلم .

ولأن السكنى تابعة للنفقة وجارية مجراها ; فلما لم تجب للمبتوتة نفقة لم يجب لها سكنى .

وحجة أبي حنيفة أن للمبتوتة النفقة قوله تعالى : ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وترك النفقة من أكبر الأضرار .

وفي إنكار عمر على فاطمة قولها ما يبين هذا ، ولأنها معتدة تستحق السكنى عن طلاق فكانت لها النفقة كالرجعية ، ولأنها محبوسة عليه لحقه فاستحقت النفقة كالزوجة .

ودليل مالك قوله تعالى : وإن كن أولات حمل الآية .

على ما تقدم بيانه .

وقد قيل : إن الله تعالى ذكر المطلقة الرجعية وأحكامها أول الآية إلى قوله : ذوي عدل منكم ثم ذكر بعد ذلك حكما يعم المطلقات كلهن من تعديد الأشهر وغير ذلك .

وهو عام في كل مطلقة ; فرجع ما بعد ذلك من الأحكام إلى كل مطلقة .الثانية : قوله تعالى : " من وجدكم " أي من سعتكم ; يقال : وجدت في المال أجد وجدا ووجدا ووجدا وجدة .

والوجد : الغنى والمقدرة .

وقراءة العامة بضم الواو .

وقرأ الأعرج والزهري بفتحها ، ويعقوب بكسرها .

وكلها لغات فيها .الثالثة : قوله تعالى : ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن قال مجاهد : في المسكن .

مقاتل : في النفقة ; وهو قول أبي حنيفة .

وعن أبي الضحى : هو أن يطلقها فإذا بقي يومان من عدتها راجعها ثم طلقها .[ ص: 157 ] الرابعة : قوله تعالى : وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن لا خلاف بين العلماء في وجوب النفقة والسكنى للحامل المطلقة ثلاثا أو أقل منهن حتى تضع حملها .

فأما الحامل المتوفى عنها زوجها فقال علي وابن عمر وابن مسعود وشريح والنخعي والشعبي وحماد وابن أبي ليلى وسفيان والضحاك : ينفق عليها من جميع المال حتى تضع .

وقال ابن عباس وابن الزبير وجابر بن عبد الله ومالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم : لا ينفق عليها إلا من نصيبها .

وقد مضى في " البقرة " بيانه .قوله تعالى : فإن أرضعن لكم الأولى : قوله تعالى : فإن أرضعن لكم - يعني المطلقات - أولادكم منهن فعلى الآباء أن يعطوهن أجرة إرضاعهن .

وللرجل أن يستأجر امرأته للرضاع كما يستأجر أجنبية ولا يجوز عند أبي حنيفة وأصحابه الاستئجار إذا كان الولد منهن ما لم يبن .

ويجوز عند الشافعي .

وتقدم القول في الرضاع في " البقرة " و " النساء " مستوفى ولله الحمد .الثانية : قوله تعالى : وأتمروا بينكم بمعروف هو خطاب للأزواج والزوجات ; أي وليقبل بعضكم من بعض ما أمره به من المعروف الجميل .

والجميل منها إرضاع الولد من غير أجرة .

والجميل منه توفير الأجرة عليها للإرضاع .

وقيل : ائتمروا في رضاع الولد فيما بينكم بمعروف حتى لا يلحق الولد إضرار .

وقيل : هو الكسوة والدثار .

وقيل : معناه لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده .الثالثة : قوله تعالى : وإن تعاسرتم أي في أجرة الرضاع فأبى الزوج أن يعطي الأم رضاعها وأبت الأم أن ترضعه فليس له إكراهها ; وليستأجر مرضعة غير أمه .

وقيل : معناه وإن تضايقتم وتشاكستم فليسترضع لولده غيرها ; وهو خبر في معنى الأمر .

وقال الضحاك : إن أبت الأم أن ترضع استأجر لولده أخرى ، فإن لم يقبل أجبرت أمه على الرضاع بالأجر .

وقد اختلف العلماء فيمن يجب عليه رضاع الولد على ثلاثة أقوال : قال علماؤنا : رضاع الولد على الزوجة ما دامت الزوجية ; إلا لشرفها وموضعها فعلى الأب رضاعه يومئذ في ماله .

الثاني : قال أبو حنيفة : لا يجب على الأم بحال .

الثالث : يجب عليها في كل حال .

الرابعة : فإن طلقها فلا يلزمها رضاعه إلا أن يكون غير قابل ثدي غيرها فيلزمها حينئذ الإرضاع .

فإن اختلفا في الأجر فإن دعت إلى أجر مثلها وامتنع الأب إلا تبرعا فالأم أولى بأجر المثل إذا لم يجد الأب متبرعا .

وإن دعا الأب إلى أجر المثل وامتنعت الأم لتطلب شططا فالأب أولى به .

فإن أعسر الأب بأجرتها أخذت جبرا برضاع ولدها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تقدم أن الله نهى عن إخراج المطلقات عن البيوت وهنا أمر بإسكانهن وقدر الإسكان بالمعررف، وهو البيت الذي يسكنه مثله ومثلها، بحسب وجد الزوج وعسره، { وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ } أي: لا تضاروهن، عند سكناهن بالقول أو الفعل، لأجل أن يمللن، فيخرجن من البيوت، قبل تمام العدة، فتكونوا، أنتم المخرجين لهن، وحاصل هذا أنه نهى عن إخراجهن، ونهاهن عن الخروج، وأمر بسكناهن، على وجه لا يحصل به عليهن، ضرر ولا مشقة، وذلك راجع إلى العرف، { وَإِنْ كُنَّ } أي: المطلقات { أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } وذلك لأجل الحمل الذي في بطنها، إن كانت بائنًا، ولها ولحملها إن كانت رجعية، ومنتهى النفقة حتى يضعن حملهن فإذا وضعن حملهن، فإما أن يرضعن أولادهن أو لا، { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } المسماة لهن، إن كان مسمى، وإلا فأجر المثل، { وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ } أي: وليأمر كل واحد من الزوجين ومن غيرهما، الآخر بالمعروف، وهو كل ما فيه منفعة ومصلحة في الدنيا والآخرة، فإن الغفلة عن الائتمار بالمعروف، يحصل فيه من الشر والضرر، ما لا يعلمه إلا الله، وفي الائتمار، تعاون على البر والتقوى، ومما يناسب هذا المقام، أن الزوجين عند الفراق وقت العدة، خصوصًا إذا ولد لهما ولد في الغالب يحصل من التنازع والتشاجر لأجل النفقة عليها وعلى الولد مع الفراق، الذي في الغالب ما يصدر إلا عن بغض، ويتأثر منه البغض شيء كثير فكل منهما يؤمر بالمعروف، والمعاشرة الحسنة، وعدم المشاقة والمخاصمة وينصح على ذلك.{ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ } بأن لم يتفقوا على إرضاعها لولدها، فلترضع له أخرى غيرها { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ } وهذا حيث كان الولد يقبل ثدي غير أمه، فإن لم يقبل إلا ثدي أمه، تعينت لإرضاعه، ووجب عليها، وأجبرت إن امتنعت، وكان لها أجرة المثل إن لم يتفقا على مسمى، وهذا مأخوذ من الآية الكريمة من حيث المعنى، فإن الولد لما كان في بطن أمه مدة الحمل، ليس له خروج منه عين تعالى على وليه النفقة، فلما ولد، وكان يمكن أن يتقوت من أمه، ومن غيرها، أباح تعالى، الأمرين، فإذا، كان بحالة لا يمكن أن يتقوت إلا من أمه، كان بمنزلة الحمل، وتعينت أمه طريقًا لقوته

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أسكنوهن ) يعني مطلقات نسائكم ( من حيث سكنتم ) " من " صلة ، أي : أسكنوهن حيث سكنتم ( من وجدكم ) يعني : سعتكم وطاقتكم ، يعني : إن كان موسرا يوسع عليها في المسكن والنفقة ، وإن كان فقيرا فعلى قدر الطاقة ( ولا تضاروهن ) لا تؤذوهن ( لتضيقوا عليهن ) مساكنهن فيخرجن ( وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ) فيخرجن من عدتهن .

اعلم أن المعتدة الرجعية تستحق على الزوج النفقة والسكنى ما دامت في العدة .

ونعني بالسكنى : مؤنة السكنى فإن كانت الدار التي طلقها فيها ملكا للزوج يجب على الزوج أن يخرج ويترك الدار لها مدة عدتها وإن كانت بإجارة فعلى الزوج الأجرة ، وإن كانت عارية فرجع المعير فعليه أن يكتري لها دارا تسكنها .

فأما المعتدة البائنة بالخلع أو الطلقات الثلاث [ أو باللعان فلها السكنى حاملا كانت أو حائلا عند أكثر أهل العلم ] .

روي عن ابن عباس أنه قال : لا سكنى لها إلا أن تكون حاملا وهو قول الحسن وعطاء والشعبي .

واختلفوا في نفقتها : فذهب قوم إلى أنه لا نفقة لها إلا أن تكون حاملا .

روي ذلك عن ابن عباس وهو قول الحسن وعطاء والشعبي وبه قال الشافعي وأحمد .

ومنهم من أوجبها بكل حال روي ذلك عن ابن مسعود ، وهو قول إبراهيم النخعي وبه قال الثوري وأصحاب الرأي .

وظاهر القرآن يدل على أنها لا تستحق إلا أن تكون حاملا لأن الله تعالى قال : " وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن " .

والدليل عليه من جهة السنة ما : أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك ، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب بالشام ، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته ، فقال : والله ما لك علينا من شيء .

فجاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له .

فقال لها : ليس لك عليه نفقة ، وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك .

ثم قال : تلك امرأة يغشاها أصحابي فاعتدي عند ابن أم مكتوم ، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك ، فإذا حللت فآذنيني .

قالت : فلما حللت ، ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه ، وأما معاوية فصعلوك لا مال له ، انكحي أسامة بن زيد ، قالت : فكرهته ، ثم قال : انكحي أسامة ، فنكحته فجعل الله فيه خيرا واغتبطت به .

واحتج من لم يجعل لها السكنى بحديث فاطمة بنت قيس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها أن تعتد في بيت عمرو بن أم مكتوم .

ولا حجة فيه ، لما روي عن عائشة أنها قالت : كانت فاطمة في مكان وحش ، فخيف على ناحيتها .

وقال سعيد بن المسيب : إنما نقلت فاطمة لطول لسانها على أحمائها وكان للسانها ذرابة .

أما المعتدة عن وطء الشبهة والمفسوخ نكاحها بعيب أو خيار عتق فلا سكنى لها ولا نفقة وإن كانت حاملا .

[ والمعتدة عن وفاة الزوج لا نفقة لها حاملا ] كانت أو حائلا عند أكثر أهل العلم ، وروي عن علي رضي الله تعالى عنه أن لها النفقة إن كانت حاملا من التركة حتى تضع ، وهو قول شريح والشعبي والنخعي والثوري .

.

واختلفوا في سكناها وللشافعي رضي الله عنه فيه قولان : أحدهما لا سكنى لها بل تعتد حيث تشاء ، وهو قول علي وابن عباس وعائشة .

وبه قال عطاء والحسن ، وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه .

والثاني : لها السكنى وهو قول عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر ، وبه قال مالك وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق .

واحتج من أوجب لها السكنى بما : أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك ، عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة ، عن عمته زينب بنت كعب : أن الفريعة بنت مالك بن سنان وهي أخت أبي سعيد الخدري أخبرتها : أنها جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة ، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم ، فقتلوه فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أن أرجع إلى أهلي فإن زوجي لم يتركني في منزل يملكه ولا نفقة ؟

فقالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نعم ، فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني أو أمر بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعيت له فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كيف قلت ؟

قالت : فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن زوجي ، فقال : امكثي [ في بيتك ] حتى يبلغ الكتاب أجله .

قالت : فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا .

قالت : فلما كان عثمان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته فاتبعه وقضى به .

فمن قال بهذا القول قال : إذنه لفريعة أولا بالرجوع إلى أهلها صار منسوخا بقوله [ آخرا ] " امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله " .

ومن لم يوجب السكنى قال : أمرها بالمكث في بيتها آخرا استحبابا لا وجوبا .

قوله - عز وجل - ( فإن أرضعن لكم ) أي أرضعن أولادكم ( فآتوهن أجورهن ) على إرضاعهن ( وأتمروا بينكم بمعروف ) [ ليقبل بعضكم من بعض إذا أمره بالمعروف ] قال الكسائي : شاوروا قال مقاتل : بتراضي الأب والأم على أجر مسمى .

والخطاب للزوجين جميعا يأمرهم أن يأتوا بالمعروف وبما هو الأحسن ، ولا يقصدوا الضرار .

( وإن تعاسرتم ) في الرضاع والأجرة فأبى الزوج أن يعطي المرأة رضاها وأبت الأم أن ترضعه فليس له إكراهها على إرضاعه ، ولكنه يستأجر للصبي مرضعا غير أمه وذلك قوله : ( فسترضع له أخرى ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أسكنوهن» أي المطلقات «من حيث سكنتم» أي بعض مساكنكم «من وجدكم» أي سعتكم عطف بيان أو بدل مما قبله بإعادة الجار وتقدير مضاف، أي أمكنة سعتكم لا ما دونها «ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن» المساكن فيحتجن إلى الخروج أو النفقة فيفتدين منكم «وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم» أولادكم منهن «فآتوهن أجورهن» على الإرضاع «وأتمروا بينكم» وبينهن «بمعروف» بجميل في حق الأولاد بالتوافق على أجر معلوم على الإرضاع «وإن تعاسرتم» تضايقتم في الإرضاع فامتنع الأب من الأجرة والأم من فعله «فسترضع له» للأب «أخرى» ولا تكره الأم على إرضاعه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أسكنوا المطلقات من نسائكم في أثناء عدتهن مثل سكناكم على قدر سَعَتكم وطاقتكم، ولا تلحقوا بهن ضررًا؛ لتضيِّقوا عليهن في المسكن، إن كان نساؤكم المطلقات ذوات حَمْل، فأنفقوا عليهن في عدتهن حتى يضعن حَمْلهن، فإن أرضعن لكم أولادهن منكم بأجرة، فوفوهن أجورهن، وليأمر بعضكم بعضًا بما عرف من سماحة وطيب نفس، وإن لم تتفقوا على إرضاع الأم، فستُرضع للأب مرضعة أخرى غير الأم المطلقة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر - سبحانه - الرجال بأن يحسنوا معاملة النساء المطلقات ، ونهاهم عن الإساءة إليهن بأى لون من ألوان الإساءة فقال : ( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ .

.

.

) والخطاب للرجال الذين يريدون فراق أزواجهن ، والضمير المنصوب فى قوله ( أَسْكِنُوهُنَّ ) يعود إلى النساء المطلقات .و ( مِنْ ) للتبعيض ، والوجد : السعة والقدرة .أى : أسكنوا المطلقات فى بعض البيوت التى تسكنونها والتى فى وسعكم وطاقتكم إسكانهن فيها .قال صاحب الكشاف : قوله : ( أَسْكِنُوهُنَّ ) وما بعده : بيان لما شرط من التقوى فى قوله : ( وَمَن يَتَّقِ الله يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ ..

) كأنه قيل : كيف نعمل بالتقوى فى شأن المعتدات؟

فقيل : ( أَسْكِنُوهُنَّ ) .فإن قلت : فقوله : ( مِّن وُجْدِكُمْ ) ما موقعه؟

قلت : هو عطف بيان لقوله ( مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم ) ، وتفسير له ، كأنه قيل : أسكنوهن مكانا من مسكنكم مما تطيقونه .والسكنى والنفقة : واجبتان لكل مطلقة .

وعند مالك والشافعى : ليس للمبتونة إلا السكن ولا نفقة لها ، وعن الحسن وحماد : لا نفقه لها ولا سكنى ، لحديث فاطمة بنت قيس : " أن زوجها أبتَّ طلاقها ، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لا سكنى لك ولا نفقة .

.

.

" " .ثم أتبع - سبحانه - الأمر بالإحسان إلى المطلقات ، بالنهى عن إلحاق الأذى بهن فقال : ( وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ .

.

) .أى : ولا تستعملوا معهن ما يؤذيهن ويضرهن ، لكى تضيقوا عليهن ما منحه الله - تعالى - لهن من حقوق ، بأن تطيلوا عليهن مدة العدة ، فتصبح الواحدة منهن كالمعلقة ، أو بأن تضيقوا عليهن فى السكنى ، حتى يلجأن إلى الخروج ، والتنازل عن حقوقهن .وقوله - تعالى - : ( وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حتى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ .

.

) أى : وإن كان المطلقات أصحاب حمل - فعليكم يا معشر الأزواج - أن تقدموا لهن النفقة المناسبة ، حتى يضعن حملهن .قال الإمام ابن كثير : قال كثير من العلماء منهم ابن عباس ، وطائفة من السلف .

هذه هى البائن ، إن كانت حاملا أنفق عليها حيث تضع حملها ، قالوا : بدليل أن الرجعية تجب نفقتها سواء أكانت حاملا أم غير حامل .وقال آخرون : بل السياق كله فى الرجعيات ، وإنما نص على الإنفاق على الحامل - وإن كانت رجعية - لأن الحمل تطول مدته غالبا .

فاحتيج إلى النص على وجوب الإنفاق إلى الوضع ، لئلا يتوهم أنه إنما تجب النفقة بمقدار مدة العدة .ولما كان الحمل ينتهى بالوضع ، انتقلت السورة الكريمة إلى بيان ما يجب للمطلقات بعد الوضع ، فقال - تعالى - : ( فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) .أى : عليكم - أيها المؤمنون - أن تقدموا لنسائكم ذوات الحمل اللائى طلقتموهن طلاقا بائنا ، عليكم أن تقدموا لهن النفقة حتى يضعن حملهن ، فإذا ما وضعن حملهن وأرادوا أن يرضعن لكم أولادكم منهن ، فعليكم - أيضا - أن تعطوهن أجورهن على هذا الإرضاع ، وأن تلتزموا بذلك لهن .وقد أخذ العلماء من هذه الآية أن الأم المطلقة طلاقا بائنا ، إذا أرادت أن ترضع ولدها بأجر المثل ، فليس لأحد أن يمنعها من ذلك ، لأنها أحق به من غيرها ، لشدة شفقتها عليه .

.

.

وليس للأب أن يسترضع غيرها حينئذ .

كما أخذوا منها - أيضا - أن نفقة الولد الصغير على أبيه ، لأنه إذا لزمته أجرة الرضاع ، فبقية النفقات الخاصة بالصغير تقاس على ذلك .وقوله - سبحانه - : ( وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ ) حض منه - سبحانه - للآباء والأمهات على التعاون والتناصح فى وجوه الخير والبر .والائتمار معناه : التشاور وتبادل الرأى ، وسمى التشاور بذلك لأن المتشاورين فى مسألة ، يأمر أحدهما الآخر بشىء فيستجيب لأمره ، ويقال : أئتمر القوم وتآمروا بمعنى واحد .أى : عليكم - أيها الآباء والأمهات - أن تتشاوروا فيما ينفع أولادكم ، وليأمر بعضكم بعضا بما هو حسن ، فيما يتعلق بالإرضاع والأجر وغيرهما .وقوله - تعالى - : ( وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أخرى ) إرشاد إلى ما يجب عليهما فى حالة عدم التراضى على الإرضاع أو الأجر .والتعاسر مأخوذ من العسر الذى هو ضد اليسر والسماحة ، يقال تعاسر المتبايعان ، إذا تمسك كل واحد منهما برأيه ، دون أن يتفقا على شىء .أى : وإن اشتد الخلاف بينكم ، ولم تصلوا إلى حل ، بأن امتنع الأب عن دفع الأجرة للأم ، أو امتنعت الأم عن الإرضاع إلا بأجر معين .

فليس معنى ذلك أن يبقى المولود جائعا بدون رضاعة ، بل على الأب أن يبحث عن مرضعة أخرى ، لكى ترضع له ولده ، فالضمير فى قوله ( لَهُ ) يعود على الأب .قال صاحب الكشاف قوله : ( وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أخرى ) أى : فستوجد مرضعة غير الأم ترضعه ، وفيه طرف من معاتبة الأم على المعاسرة ، كما تقول لمن تستقضيه حاجة فيتوانى : سيقضيها غيرك .

تريد لن تبقى غير مقضية وأنت ملوم .وقد علق المحشى على الكشاف بقوله : وخص الأم بالمعاتبة ، لأن المبذول من جهتها هو لينها وهو غير متمول ولا مضنون به فى العرف ، وخصوصا فى الأم على الولد ، ولا كذلك المبذول من جهة الأب ، فإنه المال المضنون به عادة فالأم إذاً أجدى باللوم ، وأحق بالعتب .

.قالوا : وفى هذه الجملة - أيضا - طرف من معاتبة الأب ، لأنه كان من الوجاب عليه أن يسترضى الأم ، ولا يكون مصدر عسر بالنسبة لها ، حرصا على مصلحة الولد .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ ﴾ وما بعده بيان لما شرط من التقوى في قوله: ﴿ وَمَن يَتَّقِ الله  ﴾ كأنه قيل: كيف نعمل بالتقوى في شأن المعتدات، فقيل: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ ﴾ قال صاحب الكشاف: (من) صلة، والمعنى أسكنوهن حيث سكنتم.

قال أبو عبيدة: ﴿ مّن وُجْدِكُمْ ﴾ أي وسعكم وسعتكم، وقال الفراء: على قدر طاقتكم، وقال أبو إسحاق: يقال وجدت في المال وجداً، أي صرت ذا مال، وقرئ بفتح الواو أيضاً وبخفضها، والوجد الوسع والطاقة، وقوله: ﴿ وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ ﴾ نهي عن مضارتهن بالتضييق عليهن في السكنى والنفقة ﴿ وَإِن كُنَّ أولات حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حتى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ وهذا بيان حكم المطلقة البائنة، لأن الرجعية تستحق النفقة، وإن لم تكن حاملاً، وإن كانت مطلقة ثلاثاً أو مختلعة فلا نفقة لها إلا أن تكون حاملاً، وعند مالك والشافعي، ليس للمبتوتة إلا السكنى ولا نفقة لها، وعن الحسن وحماد لا نفقة لها ولا سكنى، لحديث فاطمة بنت قيس أن زوجها بت طلاقها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا سكنى لك ولا نفقة».

وقوله: ﴿ فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ﴾ يعني حق الرضاع وأجرته وقد مر، وهو دليل على أن اللبن وإن خلق لمكان الولد فهو ملك لها وإلا لم يكن لها أن تأخذ الأجر، وفيه دليل على أن حق الرضاع والنفقة على الأزواج في حق الأولاد وحق الإمساك والحضانة والكفالة على الزوجات وإلا لكان لها بعض الأجر دون الكل، وقوله تعالى: ﴿ وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ ﴾ قال عطاء: يريد بفضل معروفاً منك، وقال مقاتل: بتراضي الأب والأم، وقال المبرد: ليأمر بعضكم بعضاً بالمعروف، والخطاب للأزواج من النساء والرجال، والمعروف هاهنا أن لا يقصر الرجل في حق المرأة ونفقتها ولا هي في حق الولد ورضاعه وقد مر تفسير الائتمار، وقيل: الائتمار التشاور في إرضاعه إذا تعاسرت هي، وقوله تعالى: ﴿ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ ﴾ أي في الأجرة: ﴿ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أخرى ﴾ غير الأم، ثم بين قدر الإنفاق بقوله: ﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مّن سَعَتِهِ ﴾ أمر أهل التوسعة أن يوسعوا على نسائهم المرضعات على قدر سعتهم ومن كان رزقه بمقدار القوت فلينفق على مقدار ذلك، ونظيره: ﴿ عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ لاَ يُكَلّفُ الله نَفْساً إِلاَّ مَا ءَاتَاهَا ﴾ أي ما أعطاها من الرزق، قال السدي: لا يكلف الفقير مثل ما يكلف الغني، وقوله: ﴿ سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ﴾ أي بعد ضيق وشدة غنى وسعة ورخاء وكان الغالب في ذلك الوقت الفقر والفاقة، فأعلمهم الله تعالى أن يجعل بعد عسر يسراً وهذا كالبشارة لهم بمطلوبهم، ثم في الآية مباحث: الأول: إذا قيل: (من) في قوله: ﴿ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم ﴾ ما هي؟

نقول: هي التبعيضية أي بعض مكان سكناكم إن لم يكن (لكم) غير بيت واحد فأسكنوها في بعض جوانبه.

الثاني: ما موقع ﴿ مّن وُجْدِكُمْ ﴾ ؟

نقول: عطف بيان لقوله: ﴿ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم ﴾ وتفسير له، أي مكاناً من مسكنكم على قدر طاقتكم.

الثالث: فإذا كانت كل مطلقة عندكم يجب لها النفقة، فما فائدة الشرط في قوله تعالى: ﴿ وَإِن كُنَّ أولات حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ ﴾ نقول: فائدته أن مدة الحمل ربما طال وقتها، فيظن أن النفقة تسقط إذا مضى مقدار مدة الحمل، فنفى ذلك الظن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَسْكِنُوهُنَّ ﴾ وما بعده: بيان لما شرط من التقوى في قوله: ﴿ وَمَن يَتَّقِ الله ﴾ كأنه قيل: كيف نعمل بالتقوى في شأن المعتدات؟

فقيل: اسكنوهن.

فإن قلت: من في ﴿ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم ﴾ ما هي؟

قلت: هي من التبعيضية مبعضها محذوف معناه: أسكنوهن مكاناً من حيث سكنتم، أي بعض مكان سكناكم، كقوله تعالى: ﴿ يَغُضُّواْ مِنْ أبصارهم ﴾ [النور: 30] أي بعض أبصارهم.

قال قتادة: إن لم يكن إلا بيت واحد، فأسكنها في بعض جوانبه.

فإن قلت: فقوله: ﴿ من وجدكم ﴾ ؟

قلت: هو عطف بيان لقوله: ﴿ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم ﴾ وتفسير له، كأنه قيل: أسكنوهن مكاناً من مسكنكم مما تطيقونه.

والوجد: الوسع والطاقة.

وقرئ بالحركات الثلاث.

والسكنى والنفقة: واجبتان لكل مطلقة.

وعند مالك والشافعي: ليس للمبتوتة إلا السكنى ولا نفقة لها.

وعن الحسن وحماد: لا نفقة لها ولا سكنى؛ لحديث فاطمة بنت قيس: أن زوجها أبتّ طلاقها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا سكنى لك ولا نفقة» .

وعن عمر رضي الله عنه: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لعلها نسيت أو شبه لها: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم: «لها السكنى والنفقة» ﴿ وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ ﴾ ولا تستعملوا معهن الضرار ﴿ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ ﴾ في المسكن ببعض الأسباب: من إنزال من لا يوافقهن، أو يشغل مكانهن، أو غير ذلك، حتى تضطروهن إلى الخروج.

وقيل: هو أن يراجعها إذا بقي من عدتها يومان ليضيق عليها أمرها.

وقيل: هو أن يلجئها إلى أن تفتدي منه.

فإن قلت: فإذا كانت كل مطلقة عندكم تجب لها النفقة، فما فائدة الشرط في قوله: ﴿ وَإِن كُنَّ أولات حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ ﴾ قلت: فائدته أن مدة الحمل ربما طالت فظن ظان أن النفقة تسقط إذا مضى مقدار عدة الحائل، فنفى ذلك الوهم.

فإن قلت: فما تقول في الحامل المتوفى عنها؟

قلت: مختلف فيها؛ فأكثرهم على أنه لا نفقة لها، لوقوع الإجماع على أنّ من أجبر الرجل على النفقة عليه من امرأة أو ولد صغير لا يجب أن ينفق عليه من ماله بعد موته، فكذلك الحامل.

وعن علي وعبد الله وجماعة: أنهم أوجبوا نفقتها ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ ﴾ يعني هؤلاء المطلقات إن أرضعن لكم ولداً من غيرهنّ أو منهنّ بعد انقطاع عصمة الزوجية ﴿ فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ حكمهن في ذلك حكم الأظار، ولا يجوز عند أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم الاستئجار إذا كان الولد منهم ما لم يبنّ.

ويجوز عند الشافعي.

الائتمار بمعنى التآمر، كالاشتوار بمعنى التشاور.

يقال: ائتمر القوم وتآمروا، إذا أمر بعضهم بعضاً.

والمعنى: وليأمر بعضكم بعضاً، والخطاب للآباء والأمهات ﴿ بِمَعْرُوفٍ ﴾ بجميل وهو المسامحة، وأن لا يماكس الأب ولا تعاسر الأم؛ لأنه ولدهما معا، وهما شريكان فيه وفي وجوب الإشفاق عليه ﴿ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أخرى ﴾ فستوجد ولا تعوز مرضعة غير الأم ترضعه؛ وفيه طرف من معاتبة الأم على المعاسرة، كما تقول لمن تستقضيه حاجة فيتوانى: سيقضيها غيرك، تريد: لن تبقى غير مقضية وأنت ملوم، وقوله: ﴿ لَهُ ﴾ أي للأب، أي: سيجد الأب غير معاسرة ترضع له ولده إن عاسرته أمه ﴿ لِيُنفِقْ ﴾ كل واحد من الموسر والمعسر ما بلغه وسعه يريد: ما أمر به من الإنفاق على المطلقات والمرضعات، كما قال: ﴿ وَمَتّعُوهُنَّ عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ ﴾ [البقرة: 236] وقرئ: ﴿ لينفق ﴾ بالنصب، أي شرعنا ذلك لينفق.

وقرأ ابن أبي عبلة ﴿ قدّر ﴾ ﴿ سَيَجْعَلُ الله ﴾ موعد لفقراء ذلك الوقت بفتح أبواب الرزق عليهم، أو لفقراء الأزواج إن أنفقوا ما قدروا عليه ولم يقصروا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ ﴾ أيْ مَكانًا مِن مَكانِ سُكْناكم.

﴿ مِن وُجْدِكُمْ ﴾ مِن وُسْعِكم أيْ مِمّا تُطِيقُونَهُ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ.

﴿ وَلا تُضارُّوهُنَّ ﴾ في السُّكْنى.

﴿ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ﴾ فَتُلْجِئُوهُنَّ إلى الخُرُوجِ.

﴿ وَإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ فَيَخْرُجْنَ مِنَ العِدَّةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ اسْتِحْقاقِ النَّفَقَةِ بِالحامِلِ مِنَ المُعْتَدّاتِ والأحادِيثُ تُؤَيِّدُهُ.

﴿ فَإنْ أرْضَعْنَ لَكُمْ ﴾ بَعْدَ انْقِطاعِ عَلَقَةِ النِّكاحِ.

﴿ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ عَلى الإرْضاعِ.

﴿ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ ﴾ ولْيَأْمُرْ بَعْضُكم بَعْضًا بِجَمِيلٍ في الإرْضاعِ والأجْرِ.

﴿ وَإنْ تَعاسَرْتُمْ ﴾ تَضايَقْتُمْ.

﴿ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى ﴾ امْرَأةٌ أُخْرى، وفِيهِ مُعاتَبَةٌ لِلْأُمِّ عَلى المُعاسَرَةِ.

﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ ﴾ أيْ فَلْيُنْفِقْ كُلٌّ مِنَ المُوسِرِ والمُعْسِرِ ما بَلَغَهُ وُسْعُهُ.

﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا ما آتاها ﴾ فَإنَّهُ تَعالى لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها، وفِيهِ تَطْيِيبٌ لِقَلْبِ المُعْسِرِ ولِذَلِكَ وعَدَ لَهُ بِاليُسْرِ فَقالَ: ﴿ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ أيْ عاجِلًا أوْ آجِلًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَسْكِنُوهُنَّ} وكذا وكذا {مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم}

هي من التبعيضية مبعضها محذوف أي أسكنوهن مكاناً من حيث سكنتم أب بعض مكان سكناكم {مّن وُجْدِكُمْ} هو عطف بيان لقوه مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم وتفسير له كأنه قيل أسكنوهن مكاناً من مسكنكم مما تطيقونه والوجد الوسع والطاقة وقرئ بالحركات الثلاث والمشهور الضم النفقة والسكن واجبتان لكل مطلقة وعند مالك والشافعي لا نفقة للمبتوتة لحديث فاطمة بنت قيس أن زوجها أبت طلاقها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا سكنى لك ولا نفقة وعن عمر رضي الله عنه لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لعلها نسيت أو شبه لها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقو للها السكنى والنفقة {وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ} ولا تستعملوا معهن الضرار {لتضيقوا عليهن} في المسكن بعض الأسباب من إنزال من لا يوافقهن أو يشغل مكانهن أو غير ذلك حتى تضطروهن إلى الخروج {وَإِن كُنَّ} أي المطلقات {أولات حَمْلٍ} ذوات أحمال {فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حتى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} وفائدة اشتراط الحمل أن مدة الحمل ربما تطول فيظن ظان أن النفقة تسقط إذا مضى مقدار عدة الحامل فنفي ذلك الوهم {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ} يعني هؤلاء المطلقات إن أرضعن لكم ولداً من ظئرهن أو منهن بعد

انقطاع عصمة الزوجية {فآتوهن أُجُورَهُنَ} فحكمهن في ذلك حكم الأظآر ولا يجوز الاستئجار إذا كان الولد منهن مالم يبن خلافا للشافعي رحمه الله وائتمروا بَيْنَكُمْ أي تشاوروا على التراضي في الأجرة أو ليأمر بعضكم بعضا او الخطاب للآباء والأمهات {بِمَعْرُوفٍ} بما يليق بالسنة ويحسن في المروءة فلا يماكس الأب ولا تعاسر الأم لأنه ولدهما وهما شريكان فيه وفي وجوب الإشفاق عليه {وَإِن تَعَاسَرْتُمْ} تضايقتم فلم ترض الأم بما ترضع به الأجنبية ولم يزد الأب على ذلك

{فَسَتُرْضِعُ لَهُ أخرى} ولا تعود مرضعة غير الأم ترضعه وفيه طرف من معاتبة الأم على المعاشرة وقوله لَهُ أي للأب أي سيجد الأب غير معاشرة ترضع له ولده إن عاسرته أمه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ مِنَ الحَثِّ عَلى التَّقْوى كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ نَعْمَلُ بِالتَّقْوى في شَأْنِ المُعْتَدّاتِ ؟

فَقِيلَ: ﴿ أسْكِنُوهُنَّ ﴾ إلَخْ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ أيْ أسْكَنُوهُنَّ بَعْضَ مَكانِ سُكْناكم، ولْتَسْكُنْ إذا لَمْ يَكُنْ إلّا بَيْتٌ واحِدٌ في بَعْضِ نَواحِيهِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وقالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: هي لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن وُجْدِكُمْ ﴾ أيْ مِن وُسْعِكم أيْ مِمّا تُطِيقُونَهُ عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ ﴾ عَلى ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يُعْرَفُ عَطْفُ بَيانٍ يُعادُ فِيهِ العامِلُ إنَّما هَذا طَرِيقَةُ البَدَلِ مَعَ حَرْفِ الجَرِّ ولِذَلِكَ أعْرَبَهُ أبُو البَقاءِ بَدَلًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّ المُرادَ أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ عَطْفُ بَيانٍ لِلْجارِّ والمَجْرُورِ لا المَجْرُورِ فَقَطْ حَتّى يُقالَ ذَلِكَ مَعَ أنَّهُ لا يَبْرُدُ لَهُ بِسَلامَةِ الأمِيرِ وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ عَطْفِ البَيانِ والبَدَلِ إلّا في أمْرٍ يَسِيرٍ، ولا يَخْفى قُوَّةُ كَلامِ أبِي حَيّانَ، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ «مِن وجْدِكم» بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ الفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ ويَعْقُوبُ بِكَسْرِها - وذَكَرَها المَهْدَوِيُّ عَنِ الأعْرَجِ - والمَعْنى في الكُلِّ الوُسْعُ ﴿ ولا تُضارُّوهُنَّ ﴾ ولا تَسْتَعْمِلُوا مَعَهُنَّ الضِّرارَ في السُّكْنى ﴿ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ﴾ فَتُلْجِئُوهُنَّ إلى الخُرُوجِ بِشَغْلِ المَكانِ أوْ بِإسْكانِ مَن لا يُرِدْنَ السُّكْنى مَعَهُ ونَحْوَ ذَلِكَ ﴿ وإنْ كُنَّ ﴾ أيِ المُطَلَّقاتُ ﴿ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ فَيَخْرُجْنَ عَنِ العِدَّةِ، وأمّا المُتَوَفّى عَنْهُنَّ أزْواجُهُنَّ فَلا نَفَقَةَ لَهُنَّ عِنْدَ أكْثَرِ العُلَماءِ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ مَسْعُودٍ تَجِبُ نَفَقَتُهُنَّ في التَّرِكَةِ، ولا خِلافَ في وُجُوبِ سُكْنى المُطَلَّقاتِ أُولاتِ الحَمْلِ ونَفَقَتِهِنَّ بُتَّ الطَّلاقُ أوْ لَمْ يُبَتَّ.

واخْتُلِفَ في المُطَلَّقاتِ اللّاتِي لَسْنَ أُولاتِ حَمْلٍ بَعْدَ الِاتِّفاقِ عَلى وُجُوبِ السُّكْنى لَهُنَّ إذا لَمْ يَكُنَّ مَبْتُوتاتٍ، فَقالابْنُ المُسَيَّبِ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ وعَطاءٌ والشَّعْبِيُّ والحَسَنُ ومالِكٌ والأوْزاعِيُّ وابْنُ أبِي لَيْلى والشّافِعِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ: لِلْمُطَلَّقَةِ الحائِلِ المَبْتُوتَةِ السُّكْنى ولا نَفَقَةَ لَها، وقالَ الحَسَنُ وحَمّادٌ وأحْمَدُ وإسْحاقُ وأبُو ثَوْرٍ والإمامِيَّةُ: لا سُكْنى لَها ولا نَفَقَةَ لِحَدِيثِ «فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قالَتْ: طَلَّقَنِي زَوْجِي أبُو عَمْرِو بْنُ حَفْصِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيُّ البَتَّةَ فَخاصَمْتُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في السُّكْنى والنَّفَقَةِ فَلَمْ يَجْعَلْ لِي سُكْنى ولا نَفَقَةً وأمَرَنِي أنْ أعْتَدَّ في بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ثُمَّ أنْكَحَنِي أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ»، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ: لَها السُّكْنى والنَّفَقَةُ فَهُما عِنْدَهُ لِكُلِّ مُطْلَقَةٍ لَمْ تَكُنْ ذاتَ حَمْلٍ، ودَلِيلُهُ «أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ في المَبْتُوتَةِ: «لَها النَّفَقَةُ والسُّكْنى»» مَعَ أنَّ ذَلِكَ جَزاءُ الِاحْتِباسِ وهو مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الحائِلِ والحامِلِ، ولَوْ كانَ جَزاءً لِلْحَمْلِ لَوَجَبَ في مالِهِ إذا كانَ لَهُ مالٌ ولَمْ يَقُولُوا بِهِ.

ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ - أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ وأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ مِن وُجْدِكم - ومَن خَصَّ الإنْفاقَ بِالمُعْتَدّاتِ أُولاتِ الحَمْلِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ لِمَكانِ الشَّرْطِ فِيها وهو لا يَتِمُّ عَلى النّافِينَ لِمَفْهُومِ المُخالَفَةِ مَعَ أنَّ فائِدَةَ الشَّرْطِ ها هُنا أنَّ الحامِلَ قَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّها لا نَفَقَةَ لَها لِطُولِ مُدَّةِ الحَمْلِ فَأثْبَتَ لَها النَّفَقَةَ لِيُعْلَمَ غَيْرُها بِالطَّرِيقِ الأوْلى - كَما في الكَشّافِ - فَهو مِن مَفْهُومِ المُوافَقَةِ، وحَدِيثُ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَدْ طَعَنَ فِيهِ عُمَرُ وعائِشَةُ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ والأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وغَيْرُهم ﴿ فَإنْ أرْضَعْنَ لَكُمْ ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴿ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ عَلى الإرْضاعِ ﴿ وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ ﴾ خِطابٌ لِلْآباءِ والأُمَّهاتِ، والِافْتِعالُ بِمَعْنى التَّفاعُلِ، يُقالُ: ائْتَمَرَ القَوْمُ وتَآمَرُوا بِمَعْنى، قالَ الكِسائِيُّ: والمَعْنى تَشاوَرُوا، وحَقِيقَتُهُ لِيَأْمُرْ بَعْضُكم بَعْضًا بِمَعْرُوفٍ أيْ جَمِيلٍ في الأُجْرَةِ والإرْضاعِ ولا يَكُنْ مِنَ الأبِ مُماسَكَةٌ ولا مِنَ الأُمِّ مُعاسَرَةٌ، وقِيلَ: المَعْرُوفُ الكُسْوَةُ والدِّثارُ ﴿ وإنْ تَعاسَرْتُمْ ﴾ أيْ تَضايَقْتُمْ أيْ ضَيَّقَ بَعْضُكم عَلى الآخَرِ بِالمُشاحَّةِ في الأُجْرَةِ أوْ طَلَبِ الزِّيادَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ ﴿ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى ﴾ أيْ فَسَتُوجَدُ ولا تَعُوزُ مُرْضِعَةٌ أُخْرى، وفِيهِ عَلى ما قِيلَ: مُعاتَبَةٌ لِلْأُمِّ لِأنَّهُ كَقَوْلِكَ لِمَن تَسْتَقْضِيهِ حاجَةً فَتَتَعَذَّرُ مِنهُ: سَيَقْضِيها غَيْرُكَ أيْ سَتَقْضِي وأنْتَ مَلُومٌ.

وخَصَّ الأُمَّ بِالمُعاتَبَةِ عَلى ما قالَ ابْنُ المُنِيرِ لِأنَّ المَبْذُولَ مِن جِهَتِها هو لَبَنُها لِوَلَدِها وهو غَيْرُ مُتَمَوَّلٍ ولا مَضْمُونٌ بِهِ في العُرْفِ وخُصُوصًا مِنَ الأُمِّ عَلى الوَلَدِ، ولا كَذَلِكَ المَبْذُولُ مِن جِهَةِ الأبِ فَإنَّهُ المالُ المُضْنُونَ بِهِ عادَةً، فالأُمُّ إذَنْ أجْدَرُ بِاللَّوْمِ وأحَقُّ بِالعَتْبِ، والكَلامُ عَلى مَعْنى فَلْيَطْلُبْ لَهُ الأبُ مُرْضِعَةً أُخْرى فَيَظْهَرُ الِارْتِباطُ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ الكَلامَ لا يَخْلُو عَنْ مُعاتَبَةِ الأبِ أيْضًا حَيْثُ أُسْقِطَ في الجَوابِ عَنْ حَيِّزِ شَرَفِ الخِطابِ مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّهُ إذا ضايَقَ الأُمَّ في الأجْرِ فامْتَنَعَتْ مِنَ الإرْضاعِ لِذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن إرْضاعِ امْرَأةٍ أُخْرى، وهي أيْضًا تَطْلُبُ الأجْرَ في الأغْلَبِ والأُمُّ أشْفَقُ فَهي بِهِ أوْلى، وبِذَلِكَ يَظْهَرُ كَمالُ الِارْتِباطِ، والأوَّلُ أظْهَرُ فَتَدَبَّرْ، وقِيلَ: ﴿ فَسَتُرْضِعُ ﴾ خَبَرٌ بِمَعْنى الأمْرِ أيْ فَلْتُرْضِعْ، ولَيْسَ بِذاكَ، وهَذا الحُكْمُ إذا قَبِلَ الرَّضِيعُ ثَدْيَ أُخْرى أمّا إذا لَمْ يَقْبَلُ إلّا ثَدْيَ أُمِّهِ فَقَدْ قالُوا: تُجْبَرُ عَلى الإرْضاعِ بِأُجْرَةِ مِثْلِها <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فقال عز وجل: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ يعني: أنزلوهن من حيث تسكنون فيه.

مِنْ وُجْدِكُمْ يعني: من سعتكم.

والوجد: القدرة والغنى.

ويقال: افتقر فلان بعد وجده.

ثم قال: وَلا تُضآرُّوهُنَّ يعني: لا تظلموهن.

لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ في النفقة والسكنى.

وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ يعني: إن كن المطلقات ذوات حمل، فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وقد أجمعوا أن المطلقة إذا كانت حاملاً فلها النفقة، وأما إذا لم تكن حاملاً، فإن كان الطلاق رجعياً، فلها النفقة والسكنى بالإجماع.

وإن كان الطلاق بائناً، فلها السكنى والنفقة في قول أهل العراق.

وقال بعضهم: لها السكنى ولا نفقة.

ثم قال: فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ يعني: المطلقات إذا أرضعن أولادكم، فأعطوهن أجورهن، لأن النفقة على الأب.

وأجر الرضاع من النفقة، فهو على الأب إذا كانت المرأة مطلقة.

ثم قال: وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ هموا به واعزموا عليه، ويقال هو أن لا تضار المرأة بالزوج ولا الزوج بالمرأة في الرضاع.

ويقال: وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ يعني: اتفقوا فيما بينكم يعني: الزوج والمرأة يتفقان على أمر واحد: بِمَعْرُوفٍ يعني: بإحسان.

وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ يعني: تضايقتم، وهو أن يأبى أن يؤتي المرأة لأجل رضاعها، وأبت المرأة أن ترضعه.

ويقال: يعني: أراد الرجل أقل مما طلبت المرأة من النفقة، ولم يتفقا على شيء واحد.

فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى يعني: يدفع الزوج الصبي إلى امرأة أُخرى إن أرضعت بأقل مما ترضع الأم به.

ثم قال عز وجل: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ يعني: ينفق على المرأة ذو الغنى على قدر غناه، وعلى قدر عيشه وسعته ويسره.

وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ يعني: ضيق عليه رزقه، فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ يعني: على قدر ما أعطاه الله من المال.

لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها يعني: لا يأمر الله نفساً في النفقة إلا ما أعطاها من المال سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً يعني: العسر ينتظر اليسر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الله ما يقدّر يكن وما ترزق يأتك «١» ، وعنه صلّى الله عليه وسلّم «اسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بالصَّدَقَة» «٢» ، انتهى من كتابه المسمى ب «بهجة المَجَالسِ وأنس المجالس» .

وقوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ هذهِ الآياتُ كلُّها عِظةٌ لجميعِ الناسِ، ومعنى حَسْبُهُ: كَافِيهِ.

وقال ابن مسعود: هذه أكْثَرَ الآيات حَضًّا على التفويضِ للَّه «٣» .

وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ بَيَانٌ، وَحَضٌّ عَلى التوكلِ، أي: لا بُدَّ مِنْ نفوذِ أمرِ اللَّهِ توكلتَ أيُّهَا المرءُ أوْ لَمْ تَتَوَكَّلْ قاله مسروق فإنْ توكلتَ على اللَّهِ كَفَاكَ وَتَعَجَّلَتِ الراحةُ والبَرَكةُ، وإن لم تتوكَّلْ وَكَلَكَ إلى عَجْزِكَ وَتَسَخَّطَكَ، وأمرُه سبحانَه في الوجهين نَافِذٌ.

وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (٤) ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (٥) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى (٦)

وقوله سبحانه: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ ...

الآية، «اللائي» جمعُ «التي» واليائساتُ من المحيض على مراتبَ مَحَلُّ بَسْطِها كُتُبُ الفِقْهِ، وروى إسماعيلُ بْنُ خالدٍ أنَّ قَوْماً منهم أُبَيُّ بن كعبٍ وخَلاَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ، لما سمعوا قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨] قالوا: يا رسول الله

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

"أسْكَنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ" و"مِن" صِلَةُ قَوْلِهِ: "مِن وُجْدِكُمْ" قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الواوِ.

وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وأبُو رَزِينٍ، وقَتادَةُ، ورُوحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِكَسْرِ الواوِ.

وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حَيْوَةَ: بِفَتْحِ الواوِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: بِقَدْرِ وُسْعِكم.

والوُجْدُ: المَقْدِرَةُ، والغِنى، يُقالُ: افْتَقَرَ فُلانٌ بَعْدَ وُجْدٍ.

قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ: عَلى ما يَجِدُ، فَإنْ كانَ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ، وسَّعَ عَلَيْها في المَسْكَنِ والنَّفَقَةِ، وإنْ كانَ مُقَتَّرًا عَلَيْهِ، فَعَلى قَدْرٍ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُضارُّوهُنَّ ﴾ بِالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِنَّ في المَسْكَنِ، والنَّفَقَةِ، وأنْتُمْ تَجِدُونَ سَعَةً.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: المُرادُ بِهَذا: المُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ دُونَ المَبْتُوتَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا  ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ  ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ أرادَ الرَّجْعِيَّةَ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في المَبْتُوتَةِ: هَلْ لَها سُكْنى، ونَفَقَةٌ في مُدَّةِ العِدَّةِ، أمْ لا؟

فالمَشْهُورُ عِنْدَ أصْحابِنا: أنَّهُ لا سُكْنى لَها ولا نَفَقَةَ، وهو قَوْلُ ابْنِ أبِي لَيْلى.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لَها السُّكْنى، والنَّفَقَةُ.

وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: لَها السُّكْنى، دُونَ النَّفَقَةِ.

وقَدْ رَواهُ الكَوْسَجُ عَنْ أحْمَدَ.

ويَدُلُّ عَلى الأوَّلِ حَدِيثُ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ لَها: «إنَّما النَّفَقَةُ لِلْمَرْأةِ عَلى زَوْجِها ما كانَتْ لَهُ عَلَيْها الرَّجْعَةُ، فَإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْها، فَلا نَفَقَةَ ولا سُكْنى.» ومِن حَيْثُ المَعْنى: إنَّ النَّفَقَةَ إنَّما تَجِبُ لِأجْلِ التَّمْكِينِ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ، بِدَلِيلِ أنَّ النّاشِزَ لا نَفَقَةَ لَها.

واخْتَلَفُوا في الحامِلِ، والمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، وأبُو العالِيَةِ، والشَّعْبِيُّ، وشُرَيْحٌ، وإبْراهِيمُ: نَفَقَتُها مِن جَمِيعِ المالِ، وبِهِ قالَ مالِكٌ، وابْنُ أبِي لَيْلى، والثَّوْرِيُّ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ: نَفَقَتُها في مالِ نَفْسِها، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، وأصْحابُهُ.

وعَنْ أحْمَدَ كالقَوْلَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ يَعْنِي: أُجْرَةَ الرَّضاعِ.

وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأُمَّ إذا رَضِيَتْ أنْ تُرْضِعَهُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ، لَمْ يَكُنْ لِلْأبِ أنْ يَسْتَرْضِعَ غَيْرَها ﴿ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، أيْ: لا تَشْتَطُّ المَرْأةُ عَلى الزَّوْجِ فِيما تَطْلُبُهُ مِن أُجْرَةِ الرَّضاعِ، ولا يُقَصِّرُ الزَّوْجُ عَنِ المِقْدارِ المُسْتَحَقِّ ﴿ وَإنْ تَعاسَرْتُمْ ﴾ في الأُجْرَةِ، ولَمْ يَتَراضَ الوالِدانِ عَلى شَيْءٍ ﴿ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى ﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ، ومَعْناهُ: الأمْرُ، أيْ: فَلْيَسْتَرْضِعِ الوالِدُ غَيْرَ والِدَةِ الصَّبِيِّ.

﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ ﴾ أمَرَ أهْلَ التَّوْسِعَةِ أنْ يُوَسِّعُوا عَلى نِسائِهِمُ المُرْضِعاتِ أوْلادَهُنَّ عَلى قَدْرِ سَعَتِهِمْ.

وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ ( لِيُنْفِقَ ) بِفَتْحِ القافِ.

﴿ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ﴾ أيْ: ضُيِّقَ عَلَيْهِ مِنَ المُطَلِّقِينَ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وحُمَيْدٌ (قُدِّرَ) بِضَمِّ القافِ وتَشْدِيدِ الدّالِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (قَدَّرَ) بِفَتْحِ القافِ وتَشْدِيدِ الدّالِ.

(رِزْقَهُ) بِنَصْبِ القافِ.

﴿ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ ﴾ عَلى قَدْرِ ما أعْطاهُ.

﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا ما آتاها ﴾ أيْ: عَلى قَدْرِ ما أعْطاها مِنَ المالِ.

﴿ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ أيْ: بَعْدَ ضِيقٍ وشِدَّةٍ، غِنًى وسَعَةً، وكانَ الغالِبُ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ الفَقْرَ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ سَيَفْتَحُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِنَ نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللائِي لَمْ يَحِضْنَ وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ومَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنَ أمْرِهِ يُسْرًا ﴾ ﴿ ذَلِكَ أمْرُ اللهِ أنْزَلَهُ إلَيْكم ومَن يَتَّقِ اللهِ يُكَفِّرْ عنهُ سَيِّئاتِهِ ويُعْظِمْ لَهُ أجْرًا ﴾ ﴿ أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكم ولا تُضارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ وإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى ﴾ ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ "اللائِي": هو جَمْعُ ذاتٍ فِيما حَكى أبُو عُبَيْدَةَ، وهو ضَعِيفٌ، والَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أنَّهُ جَمْعُ "الَّتِي"، وقَدْ يَجِيءُ جَمْعًا لـ "لِذِي"، واليائِساتُ مِنَ المَحِيضِ عَلى مَراتِبَ، فَيائِسَةٌ هو أوَّلُ يَأْسِها فَهَذِهِ تُرْفَعُ إلى السُنَّةِ ويُبْقِيها الِاحْتِياطُ عَلى حُكْمِ مَن لَيْسَتْ بِيائِسَةٍ لِأنَّها لا تَدْرِي لَعَلَّ الدَمَ يَعُودُ، ويائِسَةٌ قَدِ انْقَطَعَ عنها الدَمُ لِأنَّها طَعَنَتْ في السِنِّ ثُمَّ طُلِّقَتْ وقَدْ مَرَّتْ عادَتُها بِانْقِطاعِ الدَمِ إلّا أنَّها مِمَّنْ يَخافُ أنْ تُحْمَلَ نادِرًا، فَهَذِهِ الَّتِي في الآيَةِ عَلى أحَدِ التَأْوِيلَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: "إنِ ارْتَبْتُمْ"، وهو قَوْلُ مَن جَعَلَ الِارْتِيابَ بِأمْرِ الحَوْلِ، وهو الأظْهَرُ، ويائِسَةٌ قَدْ هَرِمَتْ حَتّى تَتَيَقَّنَ أنَّها لا تَحْمِلُ، فَهَذِهِ لَيْسَتْ في الآيَةِ لِأنَّها لا تَرْتابُ بِحَمْلِها، لَكِنَّها في حُكْمِ الأشْهُرِ الثَلاثَةُ إجْماعًا فِيما عَلِمَتْ، وهي في الآيَةِ عَلى تَأْوِيلِ مَن يَرى قَوْلَهُ تَعالى: "إنِ ارْتَبْتُمْ" مَعْناهُ في حُكْمِ اليائِساتِ، وذَلِكَ أنَّهُ رَوى إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ «أنْ قَوْمًا مِنهم أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وخَلّادُ بْنُ النُعْمانِ لَمّا سَمِعُوا قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿ والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ  ﴾ قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، فَما عِدَّةُ مَن لا قُرْءَ لَها مِن صِغَرٍ أو كِبَرٍ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ قائِلٌ مِنهُمْ: فَما عِدَّةُ الحامِلِ؟

فَنَزَلَتْ ﴿ وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ ،» وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في تَأْوِيلِ "إنِ ارْتَبْتُمْ".

و"أُولاتُ" جَمْعُ ذاتٍ، وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَعُمُّ الحَوامِلَ المُطَلَّقاتِ والمُعْتَدّاتِ مِنَ الوَفاةِ، والحُجَّةُ حَدِيثُ سُبَيْعَةَ الأسْلَمِيَّةِ، قالَتْ: « "كُنْتُ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ، فَتُوفِّيَ في حَجَّةِ الوَداعِ"، ووَضَعَتْ حَمْلَها قَبْلَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَقالَ لَها النَبِيُّ  : "قَدْ حَلَلْتِ"، وأمَرَها أنْ تَتَزَوَّجَ.» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: نَزَلَتْ سُورَةُ النِساءِ القُصْرى بَعْدَ الطُولى، يَعْنِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ نَزَلَ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا  ﴾ ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: إنَّما هَذِهِ في المُطَلَّقاتِ، وأمّا في الوَفاةِ فَعِدَّةُ الحامِلِ آخِرُ الأجَلَيْنِ، إنْ وُضِعَتْ قَبْلَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ تَمادَتْ إلى آخِرِها، والقَوْلُ الأوَّلُ أشْهُرُ، وعَلَيْهِ الفُقَهاءُ، وقَرَأ الضَحّاكُ: "أحْمالُهُنَّ" عَلى الجَمْعِ.

وَأمَرَ اللهُ تَعالى بِإسْكانِ المُطَلَّقاتِ، ولا خِلافَ في ذَلِكَ في الَّتِي لَمْ تَبُتُّ، وأمّا المَبْتُوتَةُ فَمالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى يَرى لَها السُكْنى لِمَكانِ حِفْظِ النَسَبِ، ولا يَرى لَها نَفَقَةً لِأنَّ النَفَقَةَ بِإزاءِ الِاسْتِمْتاعِ، وهو قَوْلُ الأوزاعِيِّ، والشافِعِيِّ، وابْنِ أبِي لَيْلى، وابْنِ عُبَيْدٍ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وعَطاءٍ، والشَعْبِيِّ، وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ.

وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ والشُورى: لَها السُكْنى والنَفَقَةُ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: لَيْسَ لَها سُكْنى ولا نَفَقَةٌ.

و"الوَجْدُ": السِعَةُ في المالِ، وضَمُّ الواوِ وفَتْحُها وكَسْرُها هي كُلُّها بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وُجْدِكُمْ" بِضَمِّ الواوِ بِمَعْنى سِعَةُ الحالِ، وقَرَأ الأعْرَجُ -فِيما ذَكَرَ عِصْمَةٌ-: "وَجَدَكُمْ" بِفَتْحِ الواوِ، وذَكَرَها أبُو عَمْرٍو عَنِ الحَسَنِ، وأبِي حَيْوَةَ، وقَرَأ الفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ، ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ الواوِ، وذَكَرَها المَهْدَوِيُّ عَنِ الأعْرَجِ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ.

وأمّا الحامِلُ فَلا خِلافَ في وُجُوبِ سُكْناها ونَفَقَتِها، بَتَّتْ أو لَمْ تَبُتَّ؛ لِأنَّها مُبِيَّنَةٌ في الآيَةِ، واخْتَلَفُوا في نَفَقَةِ الحامِلِ المُتَوَفّى عنها زَوْجُها عَلى قَوْلَيْنِ لِعُلَماءِ الأُمَّةِ، فَمَنَعَها قَوْمٌ، وأوجَبَها في التَرِكَةِ قَوْمٌ، وكَذَلِكَ النَفَقَةُ عَلى المُرْضِعِ واجِبَةٌ وهي الأجْرُ مَعَ الكُسْوَةِ وسائِرِ المُؤَنِ الَّتِي بَسَطَها في كُتُبِ الفِقْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ ﴾ أيْ: لِيَأْمُرَ كُلُّ واحِدٍ صاحِبَهُ بِخَيْرٍ، ولا شَكَّ أنَّ مَن أمَرَ بِخَيْرٍ فَهو أسْرَعُ إلى فِعْلِ ذَلِكَ الخَيْرِ، ولِيُقْبِلْ كُلُّ واحِدٍ ما أمَرَ بِهِ مِنَ المَعْرُوفِ فالقَبُولُ والِامْتِثالُ هو الِائْتِمارُ، وقالَ الكِسائِيُّ: "ائْتَمِرُوا " مَعْناهُ: تَشاوَرُوا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ المَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ  ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: .........

ويَعْدُو عَلى المَرْءِ ما يَأْتَمِرْ وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَإنْ تَعاسَرْتُمْ" أيْ: تَشَطَّطَتِ المَرْأةُ في الحَدِّ الَّذِي يَكُونُ أُجْرَةً عَلى الرَضاعِ فَلِلزَّوْجِ أنْ يَسْتَرْضِعَ أُخْرى بِما فِيهِ رِفْقُهُ، إلّا إنْ لَمْ يُقْبِلِ المَوْلُودُ غَيْرَ أُمِّهِ فَتُجْبَرُ حِينَئِذٍ عَلى رَضاعِهِ بِأُجْرَةِ مِثْلِها ومِثْلِ الزَوْجِ في حالِهِما أوَ غِناهِما.

ثُمَّ خَصَّ اللهُ تَعالى أهْلَ الجَدَّةِ عَلى الإنْفاقِ وأهْلَ الإقْتارِ عَلى التَوَسُّطِ، كُلٌّ بِقَدْرِ حالِهِ، وهَذا هو العَدْلُ بَيْنَهم لِئَلّا تَضِيعَ هي ولا يَتَكَلَّفُ هو ما لا يُطِيقُ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في الَّذِي يَعْجَزُ عن نَفَقَةِ امْرَأتِهِ - فَقالَ مالِكٌ، والشافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ المُسَيِّبِ، والحَسَنُ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُما، وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وجَماعَةٌ: لا يُفَرَّقُ بَيْنَهُما، ثُمَّ رَجّى تَعالى بِاليُسْرِ تَسْهِيلًا عَلى النُفُوسِ وتَطْيِيبًا لَها.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَيُعْظِمُ" بِالياءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَنُعْظِمُ" بِالنُونِ، واخْتُلِفَ عنهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ هذه الجملة وما ألحق بها من الجمل إلى قوله: ﴿ وكأين من قرية عتت ﴾ [الطلاق: 8] الخ تشريع مستأنف فيه بيان لما أُجمل في الآيات السابقة من قوله: ﴿ لا تخرجوهن من بيوتهن ﴾ [الطلاق: 1] وقوله: ﴿ أو فارقوهن بمعروف ﴾ [الطلاق: 2]، وقوله: ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ﴾ [الطلاق: 4] فتتنزّل هذه الجمل من اللاتي قبلها منزلة البيان لبعض، ويدل الاشتمال لبعض وكل ذلك مقتضى للفصل.

وابتدئ ببيان ما في ﴿ لا تخرجوهن من بيوتهن ﴾ [الطلاق: 1] من إجمال.

والضمير المنصوب في ﴿ أسكنوهن ﴾ عائد إلى النساء المطلقات في قوله: ﴿ إذا طلقتم ﴾ [الطلاق: 1].

وليس فيما تقدم من الكلام ما يصلح لأن يعود عليه هذا الضمير إلا لفظ النساء وإلاّ لفظ ﴿ أولات الأحمال ﴾ [الطلاق: 4]، ولكن لم يقل أحد بأن الإِسكان خاص بالمعتدّات الحوامل فإنه ينافي قوله تعالى: ﴿ لا تخرجوهن ﴾ [الطلاق: 1] فتعين عود الضمير إلى النساء المطلقات كلّهن، وبذلك يشْمل المطلقة الرجعية والبائنة والحامل، لما علمتَه في أول السورة من إرادة الرجعية والبائنة من لفظ ﴿ إذا طلقتم النساء ﴾ [الطلاق: 1].

وجمهور أهل العلم قائلون بوجوب السكنى لهن جميعاً.

قال أشهب: قال مالك: يَخرج عنها إذا طلقها وتبقى هي في المنزل.

وروى ابن نافع قال مالك: فأما التي لم تَبِنْ فإنها زوجة يتوارثان والسكنى لهن لازمة لأزواجهن اه.

يريد أنها مستغنى عن أخذ حكم سكناها من هذه الآية.

ولا يريد أنها مستثناة من حكم الآية.

وقال قتادة وابن أبي ليلى وإسحاق وأبو ثور وأحمد بن حنبل: لا سكنى للمطلقة طلاقاً بائناً.

ومتمسكهم في ذلك ما روته فاطمة بنت قَيس: أن زوجها طلقها ثلاثاً وأن أخا زوجها منعها من السكنى والنفقة، وأنها رفعت أمرها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: " إنما السكنى والنفقة على من له عليها الرجعة " وهو حديث غريب لم يعرفه أحد إلا من رواية فاطمة بنت قيس.

ولم يقبله عُمر بن الخطاب فقال: لا نترك كتاب الله وسنة نبيئنا لقول امرأة لا ندري لعلها نسيت أو شُبّه عليها.

وأنكرته عائشة على فاطمة بنت قيس فيما ذكرتْه من أنه أذن لها في الانتقال إلى مكان غير الذي طلقت فيه كما تقدم.

وروي أن عمر «روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن للمطلقة البائنة سكنى».

ورووا أن قتادة وابن أبي ليلى أخذا بقوله تعالى: ﴿ لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ [الطلاق: 1] إذ الأمر هو المراجعة، فقصَرا الطلاق في قوله: ﴿ إذا طلقتم النساء ﴾ [الطلاق: 1]، على الطلاق الرجعي لأن البائن لا تترقب بعده مراجعة وسبقها إلى هذا المأخذ فاطمة بنت قيس المذكورة.

روى مسلم أن مروان بن الحكم أرسل إلى فاطمة بنت قيس يسألها عن الحديث فحدثته فقال مروان: لم نسمع هذا الحديث إلا من المرأة سنأخذ بالعصْمة التي وجدنا عليها الناس فبلغ قولُ مروان فاطمة بنت قيس فقالت: «بيني وبينكم القرآن، قال الله عزّ وجل: ﴿ لا تخرجوهن من بيوتهن، إلى قوله: لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ [الطلاق: 1] قالت: هذا لمن كانت له رجعة فأي أمر يحدث بعد الثلاث» اه.

ويرد على ذلك أن إحداث الأمر ليس قاصراً على المراجعة فإن من الأمر الذي يحدثه الله أن يرقق قلوبهما فيرغبا معاً في إعادة المعاشرة بعقد جديد.

وعلى تسليم اقتصار ذلك على إحداث أمر المراجعة فذكر هذه الحكمة لا يقتضي تخصيص عموم اللفظ الذي قبلها إذ يكفي أن تكون حكمة لبعض أحوال العام.

فالصواب أن حق السكنى للمطلقات كلهن، وهو قول جمهور العلماء.

وقوله: ﴿ من حيث سكنتم ﴾ ، أي في البيوت التي تسكنونها، أي لا يكلف المطلق بمكان للمطلقة غير بيته ولا يمنعها السكنى ببيته.

وهذا تأكيد لقوله: ﴿ لا تخرجوهن من بيوتهن ﴾ [الطلاق: 1].

فإذا كان المسكن لا يسع مبيتين متفرقين خَرج المطلق منه وبقيت المطلقة، كما تقدم فيما رواه أشهب عن مالك.

و ﴿ مِن ﴾ الواقعة في قوله: ﴿ من حيث سكنتم ﴾ للتبعيض، أي في بعض ما سكنتم ويؤخذ منه أن المسكن صالح للتبعيض بحسب عرف السكنى مع تجنب التقارب في المبيت إن كانت غير رجعية، فيؤخذ منه أنه إن لم يسعهما خرج الزوج المطلق.

و ﴿ مِن ﴾ في قوله: ﴿ من وجدكم ﴾ بدل مطابق، وهو بيان لقوله: ﴿ من حيث سكنتم ﴾ فإن مسكن المرء هو وجده الذي وجده غالباً لمن لم يكن مقتراً على نفسه.

والوُجد: مثلث الواو هو الوسع والطاقة.

وقرأه الجمهور بضم الواو.

وقرأه رَوْح عن يعقوب بكسرها.

﴿ وُجْدِكُمْ وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ ﴾ .

أتبع الأمر بإسكان المطلقات بنهي عن الإِضرار بهن في شيء مدة العدة من ضيق محلّ أو تقتير في الإِنفاق أو مراجعة يعقبها تطليق لتطويل العدة عليهن قصداً للكناية والتشفي كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ولا تتخذوا آيات الله هزؤاً ﴾ في سورة [البقرة: 231].

أو للإِلجاء إلى افتدائها من مراجعته بخلع.

والضارة: الإِضرار القوي فكأن المبالغة راجعة إلى النهي لا إلى المنهي عنه، أي هو نهي شديد كالمبالغة في قوله: ﴿ وما ربك بظلام للعبيد ﴾ [فصلت: 46] في أنها مبالغة في النفي ومثله كثير في القرآن.

والمراد بالتضييق: التضييق المجازي وهو الحرج والأذى.

واللام في ﴿ لتضيقوا عليهن ﴾ لتعليل الإِضرار وهو قيد جرى على غالب ما يعرض للمطلقين من مقاصد أهل الجاهلية، كما تقرر في قوله تعالى: ﴿ ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ﴾ [البقرة: 231] وإلا فإن الإِضرار بالمطلقات منهي عنه وإن لم يكن لقصد التضييق عليهن.

﴿ عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أولات حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حتى يَضَعْنَ ﴾ .

ضمير ﴿ كن ﴾ يعود إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ أسكنوهن ﴾ كما هو شأن ترتيب الضمائر، وكما هو مقتضى عطف الجمل، وليس عائداً على خصوص النساء الساكنات لأن الضمير لا يصلح لأن يكون معاداً لضمير آخر.

وظاهر نظم الآية يقتضي أن الحوامل مستحقات الإِنفاق دون بعض المطلقات أخذاً بمفهوم الشرط، وقد أخذ بذلك الشافعي والأوزاعي وابن أبي ليلى.

ولكن المفهوم معطل في المطلقات الرجعيات لأن إنفاقهن ثابت بأنهن زوجات.

ولذلك قال مالك: إن ضمير ﴿ أسكنوهن ﴾ للمطلقات البوائن كما تقدم.

ومن لم يأخذ بالمفهوم قالوا: الآية تعرضت للحوامل تأكيداً للنفقة عليهن لأن مدة الحمل طويلة فربما سئم المطلق الإِنفاق، فالمقصود من هذه الجملة هو الغاية التي بقوله: ﴿ حتى يضعن حملهن ﴾ وجعلوا للمطلقة غير ذات الحمل الإِنفاق.

وبه أخذ أبو حنيفة والثوري.

ونسب إلى عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما.

وهذا الذي يرجح هو هذا القول وليس للشرط مفهوم وإنما الشرط مسوق لاستيعاب الإِنفاق جميع أمد الحمل.

﴿ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَھَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ ﴾ .

لما كان الحمل ينتهي بالوضع انتُقل إلى بيان ما يجب لهن بعد الوضع فإنهن بالوضع يصرن بائنات فتنقطع أحكام الزوجية فكان السامع بحيث لا يدري هل يكون إرضاعها ولدها حقاً عليها كما كان في زمن العصمة أو حقاً على أبيه فيعطيها أجر إرضاعها كما كان يعطيها النفقة لأجل ذلك الولد حين كان حملاً.

وهذه الآية مخصصة لقوله في سورة [البقرة: 233] ﴿ والوالدات يرضعن أولادهن ﴾ الآية.

وأفهم قوله: لكم} أن إرضاع الولد بعد الفراق حق على الأب وحده لأنه كالإِنفاق والأُم ترضع ولدها في العصمة تبعاً لإِنفاق أبيه عليها عند مالك خلافاً لأبي حنيفة والشافعي، إذ قالا: لا يجب الإِرضاع على الأم حتى في العصمة فلما انقطع إنفاق الأب عليها بالبينونة تمحضت إقامة غذاء ابنه عليه فإن أرادت أن ترضعه فهي أحق بذلك، ولها أجل الإِرضاع وإن أبت فعليه أن يطلب ظئراً لابنه فإن كان الطفلُ غير قابل ثديَ غير أمه وجب عليها إرضاعه ووجب على أبيه دفع أجرة رضاعه.

وقال أبو ثور: يجب إرضاع الابن على أمه ولو بعدَ البينونة.

نقله عند أبُو بكر ابن العربي في «الأحكام» وهو عجيب.

وهذه الآية أمامه.

والائتمار: التشاور والتداول في النظر.

وأصله مطاوع أمره لأن المتشاورين يأمر أحدهما الآخر فيأتمر الآخر بما أمره.

ومنه تسمية مجامع أصحاب الدعوة أو النحلة أو القصد الموحّد مؤتمراً لأنه يقع الاستئمار فيه، أي التشاور وتداول الآراء.

وقوله: ﴿ وأتمروا بينكم ﴾ خطاب للرجال والنساء الواقع بينهم الطلاق ليتشاوروا في أمر إرضاع الأمّ ولدها.

وما يبذله الأب لها من الأجرة على ذلك.

وقيدَ الائتمارُ بالمعروف، أي ائتماراً ملابساً لما هو المعروف في مثل حالهم وقومهم، أي معتاد مقبول، فلا يشتَطّ الأب في الشحّ ولا تشتط الأم في الحرص.

وقوله: ﴿ وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى ﴾ عتاب وموعظة للأب والأمّ بأن ينزّل كل منهما نفسه منزلة ما لو اجتُلبت للطفل ظِئر، فلا تسأل الأمُّ أكثر من أجر أمثالها، ولا يشحّ الأب عما يبلغ أجرَ أمثال أمّ الطفل، ولا يسقط حق الأمّ إذا وجد الأب من يرضع له مجاناً لأن الله قال: ﴿ فسترضع له أخرى ﴾ وإنما يقال: أرضعت له، إذا استؤجرت لذلك، كما يقال: استرضَع أيضاً، إذا آجر من يرضع له ولده.

وتقدم في سورة البقرة قوله تعالى: ﴿ وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم ﴾ [233] الآية.

والتعاسر صدور العسر من الجانبين.

وهو تفاعل من قولكم: عسرتُ فلاناً، إذا أخذته على عسره، ويقال: تعاسر البيِّعان إذا لم يتفقا.

فمعنى تعاسرتم} اشتدّ الخلاف بينكم ولم ترجعوا إلى وفاق، أي فلا يبقى الولد بدون رضاعة.

وسين الاستقبال مستعمل في معنى التأكيد، كقوله: ﴿ قال سوف أستغفر لكم ربي ﴾ في سورة [يوسف: 98].

وهذا المعنى ناشئ عن جعل علامة الاستقبال كنايَة عن تجدد ذلك الفعل في أزمنة المستقبل تحقيقاً لتحصيله.

وهذا الخبر مستعمل كناية أيضاً عن أمر الأب باستئجار ظئر للطفل بقرينة تعليق له } بقوله: ﴿ فسترضع ﴾ .

فاجتمع فيه ثلاث كنايات: كناية عن موعظة الأب، وكناية عن موعظة الأم، وكناية عن أمر الأب بالاسترضاع لولده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكُمْ ﴾ يَعْنِي: سَكَنُ الزَّوْجَةِ مُسْتَحَقٌّ عَلى زَوْجِها مُدَّةَ نِكاحِها وفي عِدَّةِ طَلاقِها بائِنًا كانَ أوْ رَجْعِيًّا.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ مِن وُجْدِكُمْ ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُهُما: مِن قُوتِكم، قالَهُ الأعْمَشُ.

الثّانِي: مِن سَعْيِكم، قالَهُ الأخْفَشُ.

الثّالِثُ: مِن طاقَتِكم، قالَهُ قُطْرُبٌ.

الرّابِعُ: مِمّا تَجِدُونَ، قالَهُ الفَرّاءُ، ومَعانِيها مُتَقارِبَةٌ.

﴿ وَلا تُضارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: في المَساكِنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ في النَّفَقَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، فَعَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ أنَّهُ التَّضْيِيقُ في المَسْكَنِ فَهو عامٌّ في حالِ الزَّوْجِيَّةِ وفي كُلِّ عِدَّةٍ، لِأنَّ السُّكْنى لِلْمُعْتَدَّةِ واجِبَةٌ في كُلِّ عِدَّةٍ في طَلاقٍ يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ أوْ لا يَمْلِكُ.

وَفي وُجُوبِهِ في عِدَّةِ الوَفاةِ قَوْلانِ; وعَلى قَوْلِ مُقاتِلٍ أنَّهُ التَّضْيِيقُ في النَّفَقَةِ فَهو خاصٌّ في الزَّوْجَةِ وفي المُعْتَدَّةِ مِن طَلاقٍ رَجْعِيٍّ.

وَفي اسْتِحْقاقِها لِلْمُطَلَّقَةِ البائِنِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا نَفَقَةَ لِلْبائِنِ في العِدَّةِ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ رَحِمَهُما اللَّهُ.

الثّانِي: لَها النَّفَقَةُ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.

﴿ وَإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ وهَذا في نَفَقَةِ المُطَلَّقَةِ الحامِلِ لِأنَّها واجِبَةٌ لَها مُدَّةَ حَمْلِها في قَوْلِ الجَمِيعِ سَواءً كانَ طَلاقًا بائِنًا أمْ رَجْعِيًّا، وإنَّما اخْتَلَفُوا في وُجُوبِ النَّفَقَةِ لَها هَلِ اسْتَحَقَّتْهُ بِنَفْسِها إنْ كانَتْ بائِنًا أوْ بِحَمْلِها عَلى قَوْلَيْنِ.

﴿ فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ وهَذا في المُطَلَّقَةِ إذا أرْضَعَتْ فَلَها عَلى المُطَلِّقِ أُجْرَةُ رَضِيعِها لِأنَّ نَفَقَتَهُ ورِضاعَهُ واجِبٌ عَلى أبِيهِ دُونَها، ولا أُجْرَةَ لَها إنْ كانَتْ عَلى نِكاحِهِ.

﴿ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: تَراضَوْا يَعْنِي أبَوَيِ الوَلَدِ يَتَراضَيانِ بَيْنَهُما إذا وقَعَتِ الفُرْقَةُ بَيْنَهُما بِمَعْرُوفٍ في أُجْرَتِها عَلى الأبِ ورِضاعِها لِلْوَلَدِ.

﴿ وَإنْ تَعاسَرْتُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَضايَقْتُمْ وتَشاكَسْتُمْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الثّانِي: اخْتَلَفْتُمْ.

﴿ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى ﴾ واخْتِلافُهُما نَوْعانِ: أحَدُهُما: في الرَّضاعِ.

الثّانِي: في الأجْرِ.

فَإنِ اخْتَلَفا في الرَّضاعِ فَإنْ دَعَتْ إلى إرْضاعِهِ فامْتَنَعَ الأبُ مُكِّنَتْ مِنهُ جَبْرًا، وإنْ دَعاها الأبُ إلى إرْضاعِهِ فامْتَنَعَتْ، فَإنْ كانَ يَقْبَلُ ثَدْيَ غَيْرِها لَمْ تُجْبَرْ عَلى إرْضاعِهِ ويُسْتَرْضَعْ لَهُ غَيْرُها، وإنْ كانَ لا يَقْبَلُ ثَدْيَ غَيْرِها أُجْبِرَتْ عَلى إرْضاعِهِ بِأجْرِ مِثْلِها.

وَإنِ اخْتَلَفا في الأجْرِ فَإنْ دَعَتْ إلى أجْرِ مِثْلِها وامْتَنَعَ الأبُ إلّا تَبَرُّعًا فالأُمُّ أوْلى بِأجْرِ المِثْلِ إذا لَمْ يَجِدِ الأبُ مُتَبَرِّعًا.

وَإنْ دَعا الأبُ إلى أجْرِ المِثْلِ وامْتَنَعَتِ الأُمُّ شَطَطًا فالأبُ أوْلى بِهِ، فَإذا أعْسَرَ الأبُ بِأُجْرَتِها أُخِذَتْ جَبْرًا بِرِضاعِ ولَدِها.

﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا ما آتاها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ الأبَ نَفَقَةَ المُرْضِعِ إلّا بِحَسَبَ المُكْنَةِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: لا يُكَلِّفُهُ اللَّهُ أنْ يَتَصَدَّقَ ويُزَكِّيَ ولَيْسَ عِنْدَهُ مالٌ مُصَدَّقٌ ولا مُزَكًّى، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ لا يُكَلِّفُهُ فَرِيضَةً إلّا بِحَسَبَ ما أعْطاهُ اللَّهُ مِن قُدْرَتِهِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ.

﴿ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بَعْدَ ضِيقِ سِعَةٍ.

الثّانِي: بَعْدَ عَجْزِ قُدْرَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ﴾ قال: إن لم تجد لها إلا ناحية بيتك فأسكنها فيه.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ من حيث سكنتم من وجدكم ﴾ قال: من سعتكم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ من حيث سكنتم من وجدكم ﴾ قال: من سعتكم ﴿ ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن ﴾ قال: في المسكن.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ من وجدكم ﴾ مرفوعة الواو.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ﴾ قال: فهذه المرأة يطلقها زوجها وهي حامل، فأمر الله أن يسكنها أو ينفق عليها حتى تضع، وإن أرضعته فحتى تفطم، فإن أبان طلاقها وليس بها حمل، فلها السكنى حتى تنقضي عدتها، ولا نفقة لها.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ فإن أرضعن لكم ﴾ الآية قال: هي أحق بولدها أن تأخذه بما كنت مسترضعاً به غيرها.

أخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى ﴾ قال: إذا قام الرضاع مسترضعاً به غيرها.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى ﴾ قال: إذا قام الرضاع على شيء خيرت الأم.

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم والضحاك وقتادة مثله.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ لينفق ذو سعته من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما أتاه الله ﴾ الآية قال عليّ: المطلقة إذا أرضعت له.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ومن قدر عليه رزقه ﴾ قال: قتر ﴿ فلينفق مما آتاه الله ﴾ قال: أعطاه ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها ﴾ قال: أعطاها.

وأخرج ابن جرير عن أبي سنان قال: «سأل عمر بن الخطاب عن أبي عبيدة، فقيل له: إنه يلبس الغليظ من الثياب، ويأكل أخشن الطعام، فبعث إليه بألف دينار، وقال للرسول: أنظر ما يصنع بها إذا هو أخذها؟

فما لبث أن لبس ألين الثياب وأكل أطيب الطعام، فجاء الرسول فأخبره فقال: رحمه الله تأول هذه الآية ﴿ لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله ﴾ » .

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان، وضعفه، عن طاووس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن أخذ من الله أدباً حسناً إذا وسع عليه وسع على نسفه، وإذا أمسك عليه أمسك» .

وأخرج ابن مردويه عن عليّ قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم كان له مائة وقية بعشر أواق، وجاءه رجل كان له مائة دينار بعشر دنانير، وجاءه رجل له عشرة دنانير بدينار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنتم في الأجر سواء، كل واحد منكم جاء بعشر ماله ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ لينفق ذو سعة من سعته ﴾ » .

وأخرج الطبراني عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة نفر كان لأحدهم عشرة دنانير فتصدق منها بدينار، وكان لآخر عشر أواق فتصدق منها بأوقية، وكان لآخر مائة أوقية فتصدق منها بعشرة أواق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم في الأجر سواء، كل تصدق بعشر ماله، قال الله: ﴿ لينفق ذو سعة من سعته ﴾ » .

وأخرج عبد الرزاق عن معمر قال: سألت الزهري عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته يفرق بينهما؟

قال: يستأني له ولا يفرق بينهما، وتلا ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسراً ﴾ قال معمر: وبلغني أن عمر بن عبد العزيز قال مثل قول الزهري.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ﴾ قال الكسائي: ﴿ مِّن ﴾ صلة، والمعنى: أسكنوهن حيث (١) (٢) قال أبو عبيدة: من سعتكم من الجدة (٣) وقال الفراء: يقول: على قدر طاقتكم، على قدر (٤) (٥) (٦) وقال أبو إسحاق: يقال: وجدت في المال وجدًا -أي صرت ذا مال- ووجدًا وجدةً (٧) (٨) قال المقاتلان: يعني من سعتكم في المسكن والنفقة (٩) وقال الضحاك: أنفقوا عليهن بقدر ما عندكم من السعة.

وقال السدي: ﴿ مِنْ وُجْدِكُمْ ﴾ أي من ملككم (١٠) قال قتادة: إن لم تجد إلا ناحية بيتك فأسكنها فيه (١١) قال أصحابنا (١٢) جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: يا أبا عبد الرحمن: ما ترى في امرأة طلقت ثم أصبحت غادية إلى أهلها؟

فقال عبد الله: ما أحب أن لي دينها بتمرة.

فإن كان للزوج المطلق مسكن واحد ودار واحدة؛ لم يجز للمرأة أن تساكنه فيها ساعة إلا مع محرم بالغ من محارمها، ولكن على الزوج أن يخرج منها لتخلو الدار لها، وإن كانت الدار واسعة مشتملة على مرافق فإن أمكنها أن تنفرد في بعض مرافق الدار جاز أن تساكنه (١٣) (١٤) وفي المتوفى عنها قولان: أحدهما: أنها تستحق السكنى.

والثاني: أنها لا تستحق وليس لها نفقة العدة بحال (١٥) قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ﴾ نهى الله عن مضارتهن بالتضييق عليهن في المسكن والنفقة.

قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ وهذا بيان حكم المطلقة البائنة؛ لأن الرجعية تستحق النفقة وإن لم تكن حاملاً، وان كانت مطلقة ثلاثًا، أو مختلعة فلا نفقة لها إلا أن تكون حاملًا فتستحق النفقة (١٦) قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ يعني حق الرضاع وأجرته، وللزوج أن يستأجر امرأته لإرضاع الولد كما يستأجر أجنبية، وبيان هذا قد تقدم في سورة البقرة (١٧) قوله تعالى: ﴿ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ ﴾ قال عطاء: يريد بفضل معروف منك (١٨) وقال مقاتل بن حيان: يتراضى الأب والأم على أجل مسمى (١٩) وقال السدي: يعني اصنعوا المعروف فيما بينكم (٢٠) وقال المبرد: ليأمر بعضكم بعضًا بالمعروف.

والخطاب للأزواج من الرجال والنساء يأمرهم أن يأتوا المعروف وما هو الأحسن ولا يقصدوا التعاسر والضرر (٢١) قال أبو إسحاق: المعروف هاهنا -والله أعلم- أن لا يقصر الرجل في نفقة المرأة التي ترضع ولده إذا كانت هي والدته؛ لأن الوالدة أرأف بولدها من غيرها، ولا تقصر هي في إرضاع ولدها، والقيام بشأنه، فحق على كل واحد منهما أن يأتمر في الولد بمعروف (٢٢) ﴿ يَأْتَمِرُونَ بِكَ ﴾ (٢٣) ﴿ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ ﴾ أي (٢٤) ﴿ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ﴾ معناه: فليسترضع له (٢٥) (٢٦) ومعنى ﴿ تَعَاسَرْتُمْ ﴾ لم تتفقوا على أمر.

ثم بين قدر الإنفاق فقال: ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ﴾ أمر أهل التوسعة أن يوسعوا على نسائهم المرضعات أولادهن على قدر سعتهن ومن كان رزقه بمقدار القوت فلينفق على قدر ذلك.

وهذا كقوله (٢٧) ﴿ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ  ﴾ .

قوله تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ﴾ أي: ما أعطاها من الرزق، قال السدي: لا يكلف الفقير مثل ما يكلف الغني (٢٨) قوله: ﴿ سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ أي من بعد ضيق وشدة غنى وسعة ورخاء.

قال أبو إسحاق: كان الغالب على أكثرهم في ذلك الوقت الفقر والفاقة فأعلمهم الله عَزَّ وَجَلَّ أنه سيوسر المسلمون، ففتح عليهم بعد ذلك وجعل يسرًا بعد عسر (٢٩) (١) في (س): (من حيث).

(٢) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 144 أ، وعند الزمخشري أنها للتبعيض، والمعنى: أي بعض مكان سكناكم، و"الكشاف" 4/ 110.

(٣) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 260.

(٤) في (س): (قدر) زيادة.

(٥) في (س): (مقترًا) زيادة.

(٦) انظر: "معاني القرآن" 3/ 163.

(٧) في (ك): (ووجدة).

وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 186.

(٨) انظر: "معاني القرآن" 2/ 710.

(٩) انظر: "تفسير مقاتل" 159 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 359.

(١٠) لم أجدها.

وعند ابن جرير عن السدي: (المرأة يطلقها فعليه أن يسكنها وينفق عليها)، و"جامع البيان" 28/ 94، وما ذكره المؤلف عنهما لا يخرج عن أقوال المفسرين المذكورة.

(١١) انظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 383، و"الدر" 6/ 237.

(١٢) أي الشافعية.

وانظر: "المجموع" 18/ 162، و"الحاوي الكبير" 11/ 249.

(١٣) في (س): من قوله (فيها ساعة) إلى (تساكنه) زيادة.

وانظر: "المجموع" 18/ 162، و"المغني" 11/ 302.

(١٤) وهو قول ابن مسعود، وابن عمر، وعائشة، وسعيد بن المسيب، والشافعي، وأصحاب الرأي، وغيرهم.

انظر: "أحكام القرآن" للجصاص 3/ 459، و"المغني" 11/ 300.

(١٥) في (س): (بحال) زيادة.

وانظر: "المغني" 11/ 292، وقال: (قال أصحابنا: ولا سكنى للمتوفى عنها إذا كانت حائلاً، رواية واحدة، دن كانت حاملًا فعلى روايتين، وللشافعي في سكنى المتوفى عنها قولان ...).

وقال الجصاص: قد اتفق الجميع على أن لا نفقة للمتوفى عنها زوجها غير الحامل.

"أحكام القرآن" 3/ 462.

(١٦) انظر: "الأم" 5/ 97، و"أحكام القرآن" للجصاص 3/ 459، و"المغني" 11/ 301، و"شرح النووي على مسلم" 10/ 95، و"المحلى" 10/ 288، و"فتح الباري" 9/ 480، وهو قول الجمهور.

وقال الأحناف والثوري والحسن بن صالح: لكل مطلقة السكنى والمنفقة ما دامت في العدة حاملًا كانت أو غير حامل.

انظر: "بدائع الصنائع" 4/ 2038، و"شرح فتح القدر" 3/ 339، و"الحاوي الكبير" 11/ 246.

(١٧) عند تفسيره الآية (233) من سورة البقرة.

(١٨) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 37.

(١٩) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 360.

(٢٠) انظر: "جامع البيان" 28/ 96.

(٢١) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 37.

(٢٢) انظر: "معاني القرآن" 5/ 186.

(٢٣) قال: الائتمار: المشاروة، وهو أن يأمر بعضهم بعضًا.

قال شمر: يقول ائتمرت فلانًا في ذلك الأمر إذا شاورته، وائتمر القوم إذا شاوروا ثم الائتمار يكون مرة مع ذوي العقل والرأي من الناس وهو المحمود المسنون ومرة يكون مع النفس والهوى، وهو المذموم.

(٢٤) في (س): (أي) زيادة.

(٢٥) (له) ساقطة من (س).

(٢٦) في (ك): (غيره).

(٢٧) في (ك): (كله).

(٢٨) انظر: "جامع البيان" 28/ 97، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 456.

(٢٩) انظر: "معاني القرآن" 5/ 187.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم ﴾ أمر الله بإسكان المطلقة طول العدة، فأما المطلقة غير المبتوتة فيجب لها على زوجها السكنى والنفقة باتفاق، وأما المبتوتة ففيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تحب لها السكنى دون النفقة، وهو مذهب مالك والشافعي، والثاني: يجب لها السكنى والنفقة وهو مذهب أبي حنيفة، والثالث: أنها ليس لها سكنى ولا نفقة، فحجة مالك حديث فاطمة بنت قيس، وهو أن زوجها طلقها البتة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس لك عليه نفقة، فيوخذ من هذا أن لها السكنى دون النفقة، وحجة من أوجب لها السكنى قول عمر بن الخطاب: لا ندع آية من كتاب ربنا لقول امرأة.

إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: لها السكنى والنفقة، وحجة من لا يجعل لها لا سكنى ولا نفقة أن في بعض الروايات عنها أنها قالت: لم يجعل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم نفقة ولا سكنى.

وقوله: ﴿ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم ﴾ معناه: أسكنوهن مكاناً من بعض مساكنكم، فمن للتبعيض، ويفسر ذلك قول قتادة: لو لم يكن له إلا بيت واحد أسكنها في بعض جوانبه ﴿ مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ الوجد هو الطاقة والسعة في المال فالمعنى: أسكنوهن مسكناً مما تقدرون عليه، وإعرابه عطف بيان لقوله: حيث سكنتم، ويجوز في الوجد ضم الواو وفتحها وكسرها وهو بمعنى واحد، والضم أكثر وأشهر.

﴿ وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حتى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ اتفق العلماء على وجوب النفقة في العدة للمطلقة الحامل عملاً بهذه الآية؛ سواء كان الطلاق رجعياً أو بائناً، واتفقوا على أن للمطلقة غير الحامل النفقة في العدة إذا كان الطلاق رجعياً، فإن كان بائناً فاختلفوا في نفقتها حسبما ذكرناه، وأما المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً فلا نفقة لها عند مالك والجمهور، لأنهم رأوا هذه الآية إنما هي في المطلقات، وقال قوم: لها النفقة في التركة ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ المعنى إن أرضع هؤلاء الزوجات المطلقات أولادكم فآتوهن أجرة الرضاع، وهي النفقة وسائر المؤن حسبما ذكر في كتب الفقه ﴿ وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ ﴾ هذا خطاب للرجال والنساء، والمعنى أن يأمر كل واحد صاحبه بخير من المسامحة والرفق والإحسان، وقيل: معنى ائتمروا تشاوروا ومنه: ﴿ إِنَّ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ ﴾ [القصص: 20] ﴿ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أخرى ﴾ المعنى إن تشططت الأم على الأب في أجرة الرضاع، وطلبت منه كثيراً، فللأب أن يسترضع لولده امرأة أخرى بما هو أرفق له، إلا أن لا يقبل الطفل غير ثدي أمه، فتجبر حينئذ على رضاعه بأجرة مثلها ومثل الزوج.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ بالغ أمره ﴾ بالإضافة: حفص.

الآخرون: بالتنوين والنصب ﴿ وجدكم ﴾ بكسر الواو: روح.

﴿ ندخله ﴾ بالنون: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل.

الوقوف: ﴿ العدة ﴾ ج تعظيماً لأمر الاتقاء ﴿ ربكم ﴾ ط لاتصال المعنى مع عدم العاطف ﴿ مبينة ﴾ ج ﴿ وتلك حدود الله ﴾ ط ﴿ نفسه ﴾ ط ﴿ أمراً ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ الآخر ﴾ ط ﴿ مخرجاً ﴾ لا ﴿ لا يحتسب ﴾ ط ﴿ حسبه ﴾ ط ﴿ أمره ﴾ ط ﴿ قدراً ﴾ ه ﴿ أشهر ﴾ لا للعطف أي واللائي لم يحضن كلذلك ﴿ لم يحضن ﴾ ط ﴿ حملهن ﴾ ط ﴿ يسراً ﴾ ه ط ﴿ إليكم ﴾ ط ﴿ أجراً ﴾ ه ﴿ عليهن ﴾ ط ﴿ حملهن ﴾ ط ﴿ أجورهن ﴾ ط ﴿ بمعروف ﴾ ك ﴿ أخرى ﴾ ه ط ﴿ من سعته ﴾ ط ﴿ آتاه الله ﴾ ط ﴿ يسراً ﴾ ه ﴿ نكراً ﴾ ه ﴿ خسراً ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ز والوصل ههنا والوقف على ﴿ آمنوا ﴾ أجوز من العكس ﴿ ذكراً ﴾ ه لأن ما بعده بدل أو غيره كما يجيء ﴿ إلى النور ﴾ ط ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ رزقاً ﴾ ه ﴿ مثلهن ﴾ ط ﴿ علماً ﴾ ه.

التفسير: لما نبه في آخر السورة المتقدمة على معاداة بعض الأزواج والمعاداة كثيراً ما تفضي إلى الفراق بالطلاق أرشد في هذه السورة إلى الطلاق السني الذي لا يحرم إيقاعه وإلى أحكام أخر معتبرة في فراق الزوجين.

وقبل الخوض في تقرير أقسام الطلاق نقول: إنه يورد ههنا سؤال وهو أنه كيف نادى نبيه  وحده ثم قال ﴿ إذا طلقتم ﴾ على الجمع؟

والجواب أنه كما يقال لرئيس القوم يا فلان افعلوا كيت وكيت إظهاراً لتقدمه وأن من سواه من قومه تبع له في الخطاب.

وقيل: الجمع للتعظيم والمراد بالخطاب النبيّ أيضاً.

وقيل: أراد يا أيها النبي والمؤمنون فحذف للدلالة.

وقيل: يا أيها النبي قل للمؤمنين.

ومعنى ﴿ إذا طلقتم ﴾ إذا أردتم تطليقهن كقوله ﴿ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله  ﴾ واللام في قوله ﴿ لعدتهنّ ﴾ بمعنى الوقت أي للوقت الذي يمكنهنّ الشروع في العدّة وهو الطهر الذي لم يجامعها فيه.

وقال جار الله: فطلقوهن مستقبلات لعدّتهن كقولك " أتيته لليلة بقيت من شهر كذا" أي مستقبلاً لها.

قال الفقهاء: السنيّ طلاق المدخول بها التي ليست بحامل ولا صغيرة ولا آيسة في غير حالة البدعة، والبدعيّ طلاق المدخول بها في حيض أو نفاس أو طهر جامعها فيه ولم يظهر حملها.

فلتحريم الطلاق سببان: أحدهما وقوعه في حال الحيض إذا كانت المرأة ممسوسة وكانت ممن تعتدّ بالإقراء لقوله  ﴿ فطلقوهن لعدّتهن ﴾ وطلق ابن عمر امرأته وهي حائض فسأل عمر النبي  عن ذلك فقال: مرة ليراجعها ثم ليدعها حتى تحيض ثم يطلقها إن شاء.

فتلك العدّة التي أمر الله أن يطلق لها النساء.

والمعنى فيه أن بقية الحيضة لا تحسب من العدة فتطول عليها مدة التربص.

وثانيهما إذا جامع امرأته في طهرها وهي ممن تحبل ولم يظهر حملها حرم عليه أن يطلقها في ذلك الطهر لقوله  في قصة ابن عمر " ثم إن شاء طلقها قبل أن يمسها" " ولأنه ربما يندم على الطلاق لظهور الحمل.

هذا تقرير السنة والبدعة من جهة الوقت.

أما السنة والبدعة من جهة العدد فقال مالك: لا أعرف طلاق السنة إلا واحدة وكان يكره الثلاث مجموعة أو مفرقة على الأطهار.

وقال أبو حنيفة وأصحابه: يكره ما زاد على الواحدة في طهر واحد، فأما متفرقاً في الأطهار فلا لما روي في قصة ابن عمر: إنما السنة أن يستقبل الطهر استقبالاً، ويطلق لكل قرء تطليقة.

وقال الشافعي: لا بأس بإرسال الثلاث وقال: لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة.

وقد يستدل بما روي في حديث اللعان أن اللاعن قال: هي طالق ثلاثاً.

ولم ينكر عليه النبي  .

وقالت الشيعة: إذا طلقها ثلاثاً يقع واحدة.

ومنهم من قال: لا يقع شيء وهو قول سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين.

والأصح عند أكثر المجتهدين أن الطلاق البدعي واقع وإن كان صاحبه آثماً وعاصياً وهذا مبنيّ على أن النهي لا يوجب فساد المنهي عنه.

"وفي قصة ابن عمر أنه قال: يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثاً؟

فقال له: إذن عصيت وبانت منك امرأتك" .

قالت العلماء: المحرم هو الطلاق بغير عوض فأما إذا خلع الحائض أو طلقها على مال فلا لإطلاق قوله  ﴿ فلا جناح عليهما فيما أفتدت به  ﴾ ولأن المنع كان رعاية لجانبها وبدل المال دليل على شدة الحاجة إلى الخلاص بالمفارقة.

قال جار الله: اللام في قوله ﴿ النساء ﴾ للجنس وقد علم بقوله ﴿ فطلقوهن لعدتهن ﴾ أنه مطلق على البعض وهنّ ذوات الأقراء المدخول بهن فلا عموم ولا خصوص.

قلت: ما ضره لو جعله عاماً لأنه إذا روعي الشرط المذكور في هذا البعض لزم أن يكون طلاق كل النساء من الصغيرة والآيسة والحامل وغير المدخول بها والمدخول بها بحيث يمكنهن أن يشرعن الطلاق في العدة.

قوله ﴿ وأحصوا العدة ﴾ أي اضبطوها واحفظوا عدد أيامها ثلاثة أقراء كوامل لا أزيد ولا أنقص ﴿ لا تخرجوهنّ من بيوتهنّ ﴾ يعني من مساكن الفراق وهي بيوت الأزواج أضيفت إليهن لاختصاصها بهنّ من حيث السكنى إلى انقضاء العدة، وكما أن البعولة لا ينبغي أن يخرجوهنّ غضباً عليهنّ أو لحاجة لهم إلى المساكن كذلك لا ينبغي لهنّ أن يخرجن بأنفسهنّ.

وقوله ﴿ إلا أن يأتين ﴾ استثناء من الجمة الأولى أي إلا أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهنّ، أو إلا أن يطلقهن على النشوز فإن النشوز يسقط حقهنّ في السكنى، أو إلا أن يبذون فيحل إخراجهنّ لبذائهن ويؤيده قراءة أبيّ ﴿ إلا أن يفحشن عليكم ﴾ وقيل: خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة في نفسه.

والمعنى إن خرجت فقد أتت بفاحشة مبينة وعلى هذا يكون الاستثناء من الجملة الثانية.

قوله ﴿ لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ أي أحصوا العدة وألزموهن مساكنكم فلعلكم تندمون بقلب الله البغضة محبة والمقت مقة والطلاق رجعة.

والخطاب في ﴿ لا تدري ﴾ للنبي  على نسق أول السورة أو لكل مكلف ﴿ فإذا بلغن أجلهنّ ﴾ أي شافن انقضاء عدتهن فأنتم بالخيار إن شئتم فالإمساك بالرجعة لا على وجه الضرار بل بالشرع والعرف، وإن شئتم فالفراق بالمعروف كما مر في " البقرة " ﴿ وأشهدوا ﴾ على الرجعة أو الفرقة و ﴿ ذوى عدل منكم ﴾ أي من جنسكم من المسلمين قاله الحسن.

وعن قتادة: من أحراركم.

وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة، وعند الشافعي واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة.

وفائدة الإشهاد أن لا يقع التجاحد وأن لا يتهم في إمساكها أو يموت أحدهما فيدعي الآخر ثبوت الزوجية لأجل الميراث.

ثم حث الشهود على أن لا يشهدوا إلا لوجه الله من غير شائبة غرض أخروي أو عرض دنيوي ﴿ ذلكم ﴾ الحث على أداء الشهادة لله ﴿ يوعظ به من ﴾ هو من أهل الإيمان بالله والمعاد لأن غيره لا ينتفع به، ويجوز أن تكون الإشارة بذلكم إلى ما مر من الإمساك أو الفراق بالمعروف لا على وجه الضرار فيكون موافقاً لما مر في " البقرة " إلا أنه وحد كاف الخطاب هنالك لأنه أكد الكلام بزيادة منكم، وههنا جمع فلم يحتج إلى لفظ منكم والله  أعلم بأسرار كلامه.

ثم حض على التقوى في كل باب ولا سيما فيما سبق من أمر الطلاق وكأنه قال ﴿ ومن يتق الله ﴾ فطلق للسنة ولم يضار المعتدة ولم يخرجها من مسكنها واحتاط فأشهد ﴿ يجعل له مخرجاً ﴾ ومخلصاً من غموم الدنيا والآخرة ومن جملة ذلك تأيم الأزواج ﴿ ويرزقه ﴾ من وجه لا يخطر بباله ولا يحتسبه بدل ما أدى وبذل من المهر والحقوق.

عن النبي  " إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم" ﴿ ومن يتق الله ﴾ فما زال يقرؤها ويعيدها.

"وروي أن عوف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابناً له يسمى سالماً، فأتى رسول الله  فقال: أسر ابني وشكا إليه الفاقة.

فقال: ما أمسى عند آل محمد إلا مدّ فاتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله.

ففعل" ، فبينا هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل تغفل عنها العدوّ فاستاقها فنزلت هذه الآية.

قلت: قد جربت الآية في محن ومهالك فوجدت مفرجة منفسة.

ومن أسرار القرآن ولطائفه أنه  حث على التقوى في هذه السورة ثلاث مرات: بقوله ﴿ ومن يتق الله ﴾ وذلك على عدد الطلقات الثلاث، ووعد في كل مرة نوعاً من الجزاء: الأول أنه يخرجه مما دخل فيه وهو كاره ويتيح له خيراً ممن طلقها.

الثاني اليسر في الأمور والموالاة في المقاصد ما دام حياً.

الثالث أفضل الجزاء وهو ما يكون في الآخرة من النعماء.

ثم حث في التوكل بثلاث جمل متقاربة الخطى: الأولى ﴿ ومن يتوكل على الله فهو حسبه ﴾ لأن المعبود الحقيقي القادر على كل شيء الغنيّ عن كل شيء الجواد بكل شيء إذا فوض عبده الضعيف أمره إليه لا يهمله البتة.

الثاني ﴿ إن الله بالغ أمره ﴾ أي يبلغ كل أمر يريده ولا يفوته المطلوب.

الثالثة ﴿ قد جعل الله لكل شيء قدراً ﴾ أي وقتاً ومقداراً.

وهاتان الجملتان كل منهما بيان لوجوب التوكل عليه لأنه إذا علم كونه قادراً على كل شيء وعلم أنه قد بيّن وعيّن لكل شيء حداً ومقدراً لم يبقَ إلا التسليم والتفويض.

قال جار الله: قال المفسرون: إن ناساً قالوا: قد عرفنا عدة ذوات الأقراء فما عدة اللواتي لم يحضن فنزلت ﴿ واللائي يئسن ﴾ فمعنى إن ارتبتم إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن فهذا حكمهن.

قلت: في حصة هذه الرواية نظر فإن السورة ليس فيها بيان عدة ذوات الأقراء وإحالتها على ما في " البقرة "، والمطلقات يتربصن لا يجوز لأن هذه مكية وتلك مدنية.

نعم لو ثبت أن هذه متأخرة النزول كان له وجه كما روي عن عبد الله بن مسعود: من شاء باهلته إن سورة النساء القصرى نزلت بعد التي في البقرة.

والجمهور أن المراد أن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس أهو دم حيض أو استحاضت ﴿ فعدّتهن ثلاثة أشهر ﴾ وإذا كانت هذه عدة المرتاب بها فغير المرتاب أولى.

وسن اليأس مقدر بخمس وخمسين وبستين.

والمشهور عند أكثر أصحاب الشافعي النظر إلى نساء عشيرتها من الأبوين، فإذا بلغت السن التي ينقطع فيها حيضهن فقد بلغت سن اليأس.

﴿ واللائي لم يحضن ﴾ هن الصغائر والتقدير فعدتهن أيضاً ثلاثة أشهر حذف لدلالة ما قبله عليه.

قوله ﴿ وأولات الأحمال ﴾ أي النساء الحوامل ﴿ أجلهن ﴾ بعد الطلاق أو بعد وفاة الزوج أي انقضاء عدتهن ﴿ أن يضعن حملهن ﴾ هذا قول أكثر الأئمة والصحابة وإما تنقضي العدة بوضع الحمل بتمامه.

فلو كانت حاملاً بتوأمين لم تنقض العدة حتى ينفصل الثاني بتمامه، وإنما يكون الولدان توأمين إذا ولدا على التعاقب وبينهما دون ستة أشهر وإلا فالثاني حمل آخر.وعن علي وابن عباس أن عدة الحامل المتوفي عنها زوجها أبعد الأجلين من بقية الحمل ومن أربعة أشهر وعشر، ووضع الحمل لا يتفاوت بكونه حياً أو ميتاً أو سقطاً أو مضغة لا صورة فيها، وصدقت المرأة بيمينها لأنهنّ مؤتمنات على أرحامهنّ.

وحين كرر شرط التقوى كان لسائل أن يسأل: كيف يعمل بالتقوى في شأن المعتدات؟

فقيل ﴿ أسكنوهن من حيث سكنتم ﴾ أي بعض مكان سكناكم الذي تطيقونه.

والوجد.

الوسع والطاقة.

قال قتادة: فإن لم يكن إلا بيت واحد أسكنها في بعض جوانبه.

قال أبو حنيفة: السكنى والنفقة واجبتان لكل مطلقة.

وعند الشافعي ومالك: ليس للمبتوتة إلا السكنى.

وعن الحسن وحماد: لا نفقة لها ولا سكنى لما في حديث فاطمة بنت قيس أن زوجها بت طلاقها فقال لها رسول الله  : لا سكنى لك ولا نفقة.

وضعف بقول عمر: لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا لقول امرأة نسيت أو شبه لها سمعت النبي  يقول لها السكنى والنفقة ﴿ ولا تضاروهن ﴾ بإنزال مسكن لا يوافقهن أو بغير ذلك من أنواع المضار حتى تضطروهن إلى الخروج وقيل: هو أن يراجعها كلما قرب انقضاء عدتها ليضيق أمرها وقد يلجئها إلى أن تفتدي منه.

قوله ﴿ وإن كن أولات حمل ﴾ تخصيص للحامل بالنفقة لأجل الحمل وإن كانت بائنة.

هذا عند الشافعي، وأما عند أبي حنيفة ففائدته أن مدة الحمل ربما تطول فيظن ظان أن النفقة تسقط إذا مضى مقدار عدة الحامل فنفى ذلك الوهم، وأما الحامل المتوفى عنها فالأكثرون على أنه لا نفقة لها لوقوع الإجماع على من أجبر الرجل على إنفاقه من امرأة أو ولد صغير لا يجب أن ينفق عليه من ماله بعد موته فكذلك الحامل.

وعن علي وعبد الله وجماعة ومنهم الشافعي أنهم أوجبوا نفقتها.

ثم بين أمر الطفل قائلاً ﴿ فإن أرضعن ﴾ أي هؤلاء المطلقات ﴿ لكم ﴾ أي لأجلكم ولداً منهن أو من غيرهن بعد انفصام عرى الزوجية.

وهذه الإجارة لا تجوز عند أبي حنيفة وأصحابه إذا كان الولد منهن ما لم تحصل البينونة.

وجوز الشافعي مطلقاً كلما صار.

ثم خاطب الآباء والأمهات جميعاً بقوله ﴿ وأتمروا ﴾ قال أهل اللغة: الائتمار بمعنى التآمر كالاشتوار بمعنى التشاور أي ليأمر بعضكم بعضاً بالجميل وهو المسامحة وأن لا يماكس الأب ولا تعاسر الأم لأنه ولدهما معاً ﴿ وإن تعاسرتم ﴾ أي أظهرتم من أنفسكم العسر والشدة في أم مؤنة الإرضاع ﴿ فسترضع ﴾ أي الطفل ﴿ له ﴾ أي للأب مرضعة ﴿ أخرى ﴾ وفيه طرف من معاتبة الأم على التعاسر كما تقول لمن تطلب منه حاجة وهو يتأنى في قضائها: سيقضيها قاضٍ.

يريد لا تبقى غير مقضية وأنت ملوم.

ثم بين أن ما أمر به من الإنفاق على المطلقات والمرضعات هو بمقدار الوسع والطاقة كما في " البقرة " على الموسر قدره وعلى المقتر قدره إلى أن يفتح الله أبواب الرزق عليهم.

ثم هدد من خالف الأحكام المذكورة بأحوال الأمم السابقة.

والحساب الشديد أي بالاستقصاء والمناقشة، والعذاب النكر أي المنكر الفظيع.

يحتمل أن يراد بهما حساب الدنيا وعذابها وهو إحصاء صغائرهم وكبائرهم في ديوان الحفظة وما أصاب كل قوم من الصيحة ونحوها عاجلاً، وأن يراد عذاب الآخرة وحسابها.

ولفظ الماضي لتحقق الوقوع مثل ﴿ وسيق  ﴾ ﴿ ونادى  ﴾ وعلى هذا يكون قوله ﴿ أعد الله ﴾ تكريراً للوعيد وبياناً لكونه مترقباً كأنه قال: أعد الله لهم هذا العذاب فاحذروا مثله ﴿ يا أولى الألباب ﴾ وجوز جار الله أن يكون ﴿ عتت ﴾ وما عطف عليه صفة للقرية و ﴿ أعد الله ﴾ عاملاً في ﴿ كأين ﴾ .

قوله ﴿ رسولاً ﴾ قال جار الله: هو جبرائيل أبدل من ﴿ ذكراً ﴾ لأنه وصف بتلاوة آيات الله وكان إنزاله في معنى إنزال الذكر فصح إبداله منه، أو أريد بالذكر الشرف كقوله ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك  ﴾ فأبدل منه كأنه في نفسه شرف إما لأنه شرف للمنزل عليه وإما لأنه ذو مجد وشرف عند الله، أو جعل لكثرة ذكره الله وعبادته كأنه ذكر، أو أريد ذا ذكر ملكاً مذكوراً في السموات وفي الأمم كلها، أو دل قوله ﴿ قد أنزل الله ﴾ على أرسل فكأنه قيل: أرسل رسولاً أو أعمل ﴿ ذكراً ﴾ في ﴿ رسولاً ﴾ إعمال المصدر في المفاعيل أي أنزل الله أن ذكر رسولاً أو ذكره رسولاً.

قلت: لم يبعد على هذه الوجوه أن يكون المراد بالرسول هو محمد  .

ثم ذكر غاية الإنزال أو التلاوة بقوله ﴿ ليخرج ﴾ والمعنى ليخرج الله أو الرسول ﴿ الذين ﴾ عرف منهم أنهم سيؤمنون من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، أو ليوفقهم بعد الإيمان والعمل الصالح لمزيد البيان والعيان الذي ينجيلي به ظلم الشكوك والحسبان.

قوله ﴿ قد أحسن الله له رزقاً ﴾ فيه معنى التعجب والتعظيم.

ثم ختم السورة بالتوحيد الذي هو أجل المطالب وتفسيره ظاهر مما سلف مراراً إلا أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الأرض متعددة وأنها سبع كالسموات فذهب بعضهم إلى أن قوله ﴿ مثلهن ﴾ أي في الخلق لا في العدد.

وقيل: هن الأقاليم السبعة، والدعوة شاملة لجميعها.

وقيل: إنها سبع أرضين متصل بعضها ببعض وقد حال بينهم بحار لا يمكن قطعها والدعوة لا تصل إليهم.

وقيل: إنها سبع طبقات بعضها فوق بعض لا فرجة بينها وهذا يشبه قول الحكماء: منها طبقة هي أرض صرفة تجاوز المركز، ومنها طبقة طينية تخالط سطح الماء من جانب التقعير، ومنها طبقة معدنية يتولد منها المعادن، ومنها طبقة تركبت بغيرها وقد انكشف بعضها، ومنها طبقة الأدخنة والأبخرة على اختلاف أحوالها أي طبقة الزمهرير، وقد تعدّ هذه الطبقة من الهواء.

وقيل: إنها سبع أرضين بين كل واحدة منها إلى الأخرى مسيرة خمسمائة عام كما جاء في ذكر السماء وفي كل أرض منها خلق حتى قالوا: في كل منها آدم وحواء ونوح وإبراهيم وهم يشاهدون السماء من جانب أرضهم ويستمدون الضياء منها أو جعل لهم نوراً يستضيئون به.

وذكر النقاش في تفسيره فصلاً في خلائق السموات والأرضين وأشكالهم وأسمائهم أضربنا عن إيرادها لعد الوثوق بمثل تلك الروايات.

ومعنى ﴿ تنزل الأمر بينهن ﴾ أن حكم الله وأمره يجري فيما بين السموات والأرضين أو فيما يتركب منهما ولا يعلم تلك الأجرام ولا تلك الأحكام ولا كيفية تنفيذها فيهن إلا علام الغيوب  وتقدس.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ : فإنه يخرج على الإضمار - والله أعلم - كأنه يقول: ياأيها النبي قل لأمتك: إذا أردتم أن تطلقوا نساءكم فطلقوهن لعدتهن؛ والدليل على أنه هكذا؛ فإنه يخرج الخطاب بعده كله للجماعة؛ حيث قال: ﴿ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ أو خاطب به النبي [والمراد أمته] وذلك كثير في القرآن.

ثم قوله: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ أمر بالطلاق للعدة، ولم يبين أن الطلاق للعدة كيف يكون؟

وذكر في بعض القراءات ﴿ فطلقوهن لِقُبُلِ عدتهن ﴾ ، ثم ترك بيان ذلك لا يخلو: إما أن يكون الرسول -  - قد بين ذلك لهم، فعرفوا ذلك؛ فلم يبين لهم ذلك في الآية، أو جعل معرفة بيان ذلك إليهم؛ ليعرفوا بالاجتهاد.

ثم قوله: ﴿ لقبل عدتهن ﴾ يحتمل أول عدتهن، ويحتمل ما يقابل عدتهن وهو الحيض من المقابلة فمن يقول: الاعتداد بالأطهار يجعل القبل كناية عن أو الطهر، ومن يقولها بالحيض يجعل القبل ما يقابل العدة وهو الحيض، ثم لنا أن ننظر أي التأويلين أقرب؟

وقد أجمعوا أن له أن يطلقها في آخر الطهر إذا لم يجامعها فيه، دل أن تأويل القبل بما يقابل العدة أحق وهو الحيض، [والاعتداد به] أولى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ ﴾ .

يخرج على وجهين: أحدهما: احفظوا الحقوق والأحكام التي تجب في العدة؛ فأدوها.

والثاني: احفظوا نفس ما تعتدون به، وهو عدد الحيض الذي بها تعتدون؛ لئلا تزاد ولا تنقص.

ثم جعل الإحصاء إلى الأزواج، يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم هم الذين تلزمهم الحقوق والمؤن.

والثاني: أنه بهم يقع تحصين الأولاد في العدة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ .

دل قوله: ﴿ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ على صحة مسألة لأصحابنا - رحمهم الله - فيمن حلف ألا يدخل بيت فلان، فدخل بيتا هو فيه بإعارة [أو إجارة] أنه يحنث.

ووجه ذلك: أن الله  أضاف البيوت إليهن وإن كان حقيقة الملك للأزواج فيها، ألا ترى إلى قوله: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم ﴾ ، ثم قال: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ ؛ فدل قوله ﴿ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ : أنه أراد به البيوت التي أسكنهن الأزواج فيها، وإذا صحت هذه الإضافة؛ دل على صحة المذهب.

وقال الشافعي فيمن حلف لا يدخل مسكن فلان، فدخل مسكنا هو فيه بإعارة: إنه يحنث، وقال فيمن حلف لا يدخل بيت فلان: إنه لا يحنث، واحتج في المسكن: أنه إنما يحنث؛ لأنه وجد حقيقة السكنى من المحلوف عليه، فإن كان هذا هو الدليل على الحنث، فالواجب عليه أن يحنثه في البيت؛ لوجود البيتوتة على ما حنثته في المسكن، لوجود السكنى.

وبعد: فإن الحنث أقرب في البيت؛ لأن الله  أضاف البيوت إليهن في كتابه وإن كن هن فيها بإعارة ولم يوجد في السكنى ذلك، والله أعلم.

وقوله -عز وجل-: ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ .

و ﴿ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ قرئا جميعاً: فمنهم من حمل الاستثناء [بقوله: ﴿ إِلاَّ ﴾ ] على قوله: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ ، وصرفه إليه.

ومنهم من صرفه إلى قوله: ﴿ وَلاَ يَخْرُجْنَ ﴾ ولكل من ذلك وجهان: فأما من حمله على قوله: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ ﴾ فإنه جعله استثناء، وللاستثناء وجهان: أحدهما: لا تخرجوهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة أي: بزنى يزنين، فتخرجوهن؛ لإقامة الحد عليهن.

أو لا تخرجوهن إلا أن يظهر منهن بذاءة اللسان على أهل أزواجهن فتخرجوهن؛ لمكان البذاءة التي في لسانهن.

ومن حمله على قوله: ﴿ وَلاَ يَخْرُجْنَ ﴾ ؛ فإنه يجعل معنى قوله: ﴿ إِلاَّ ﴾ على معنى: لكن؛ كما قيل في قوله  : ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً  ﴾ ، أي: لا يسمعون فيها لغوا، ولكن سلاما، إذ لا يحتمل استثناء السلام من اللغو؛ لما ليس في جملة اللغو سلام؛ فيستثنى منه فكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ ﴾ فكأنه قال: لا يخرجن، ولكن إذا خرجن فخروجهن فاحشة، ويدل هذا على أن النهي لنفس الخروج، لا للانتقال.

ووجه آخر في ذلك، وهو: ألا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة، فإنهن إذا خرجن، خشي عليهن أن يأتين بفاحشة مبينة كما روي عن النبي  أنه قال: "أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر" ، وكان المعنى من ذلك: أنه إذا تزوج فوطئ فهو عاهر، ولكن نهي عن النكاح؛ لأنه يخشى عليه في النكاح أن يطأها فيصير عاهرا، لا أن يكون نفس التزوج منه زنى، فكذلك ﴿ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ ﴾ فيكون النهي لا عن نفس الخروج، ولكن لكونه سببا للفاحشة في الجملة، وطريقا إليها.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ .

فمن قرأ ﴿ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ بالخفض فمعناه: أن نفس الفاحشة إذا تفكر فيها المرء، ونظر تبين له: أنها فاحشة.

ومن قرأ ﴿ مبيَّنة ﴾ بالفتح، عني به: أنها مبينة بالبراهين والحجج.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ﴾ .

الحدود: الموانع والنواهي، لا يحل مجاوزتها، ومن ذلك سمي الحداد: حداداً؛ لأنه يمنع تحديده كل أنواع أمتعته أن تجاوز حدها الذي جعل لها، والحد في الحقيقة هو: النهاية التي يُنتهى إليها فلا يجاوز، وإذا كان كذلك كان الخيار إلى صاحب التأويل: فإن شاء حمله على الحد بين الطاعة والمعصية [أو بين] الحلال والحرام؛ حيث ذكر في هذه الآية أنواعا من النهي؛ فسمي ذلك كله: حدوداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ .

أي: ضر نفسه، ويجوز أن يكون المعنى منه، أي: إن جاوز هذا الحد الذي جعل لله  ، فقد وضع نفسه مكانا لم يضعه فيه ربه، والظلم في الحقيقة وضع الشيء في غير موضعه.

والتأويل الآخر: أن من جاوز موانع الله ونواهيه، فقد ظلم نفسه؛ دل هذا على أن منافع هذه النواهي ومضارها لا ترجع إلى الله، بل ترجع نفس الممتحنين.

وقوله -عز وجل-: ﴿ لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرا ﴾ .

أي: لا يطلق؛ فإنه إذا طلق لا يدري لعل الله يحدث بعد ذلك ندامة على ما سبق من فعله أو رغبة فيها؛ فيكون فيه دلالة النهي عن نفس الطلاق، وقد بينا كراهة نفس الطلاق في الحكمة في أنه ليس من نوع ما يتقرب به؛ فيكون فيه [الزيادة في القربة] ولا مما يستمتع به فيكون فيه زيادة في الاستمتاع، بل المقصود منه التأديب والمَخْلَصُ، وفي الواحدة كفاية عما زاد عليها؛ فكان في هذه الآية دلالة النهي عن نفس الطلاق، وعن الزيادة على الواحدة والله أعلم.

قال: فإن كان تأويل قوله - عز وجل - ﴿ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً ﴾ هو الرغبة فيها أو الندامة على ما سبق منه؛ فإنه دلالة على إبطال قول المعتزلة؛ لأن الرغبة والندامة جميعاً من فعل العباد، والله  قد أضاف ذلك إلى نفسه بقوله: ﴿ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً ﴾ ، وإذا كان كذلك، ثبت أن لله  في إحداث أفعال العباد صنعا وتدبيرا، والله أعلم.

وقال أصحاب الشافعي: إن قوله: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ ﴾ يدل على تعليم الوقت في الطلاق دون العدد، فله أن يطلقها في الوقت أي عدد كان، ولا يستقيم ذلك؛ لأن التأويل إنما يستقيم على أحد وجهين: إما [على ما] جرى به التفاهم في العادات بين العباد، وإما على ما جرى به التفاهم في حق الحكمة، وليس يفهم من قوله: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ ﴾ العدد الثلاث على واحد من الوجهين اللذين وصفناهما؛ ألا ترى أن من قال لآخر: طلق امرأتي، لم يجز أن يطلقها ثلاثا إلا أن يكون نوى ثلاثاً؛ فثبت أنه لا يفهم به في [عبارته لفظ] الثلاث.

وأما وجه الحكمة؛ فلما ذكرنا: أن الطلاق ليس مما يتقرب به رغبة في الاستكثار منه زيادة في القربة، ولا مما يستمتع فيستكثر منه زيادة في الانتفاع، وإنما المراد منه التأديب والمخلص، وما كان مخرجه هذا المخرج، كان في حد الرخصة وما خرج مخرج الرخص، لم يعتد به عما وقعت به الرخصة، وإذا ثبت ما وصفنا، ثبت أنه لا يجوز الفهم من قوله  : ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ الثلاث، والتعليم في العدد أليق به من الوقت؛ لأنه لا ضرر يلحقه في تعديه عن الوقت المجعول له فيه الطلاق، ولا شك أنه يلحقه الضرر في تعديه في العدد والزيادة منه، والله أعلم.

ومما يدل على أن المراد من قوله ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ ﴾ ليس عدد الثلاث قوله: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، ولا شك أنه إذا أوقع عليها ثلاثا، لم يملك إمساكها، ومعلوم أن قوله: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ الطلاق المتقدم من قوله: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ ﴾ ، ولو كان المراد عدد الثلاث، لم يكن لقوله: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ ﴾ معنى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، فيه فوائد شتى، وأدلة متفرقة من الفقه والأحكام: أحدها: أن الله  قال: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ والمعروف إليها في المتعارف من نوع الفعل أظهر من نوع القول؛ لأنه إنما يحسن إليها، استمتاعا وإنفاقا ونحو ذلك، فذلك نوعه نوع الفعل؛ فثبت أن حقيقة الإمساك بالمعروف في الأفعال؛ فلذلك قلنا: إنه إذا راجعها بالفعل يكون مراجعاً؛ فإن قيل: أليس قال الله  : ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ﴾ والإشهاد على الفعل غير صحيح؟

فجوابه أن يقال: إن الله  قال: ﴿ وَأَشْهِدُواْ ﴾ ، ومعلوم أن هذا لو كان بحضرة الشهود، لم يكن للإشهاد معنى، بل إذا سمعوا ذلك، [صاروا شهداء] أشهدوا أو لم يشهدوا، وإذا كان كذلك، ثبت أن المعنى من هذا الإشهاد على الإمساك المتقدم، وذلك في الأفعال مستقيم، والله أعلم.

ووجه آخر: وهو أن كل عقد استقام بغير شهود جرى فيه الأمر بالإشهاد نحو قوله: ﴿ وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ  ﴾ ، وكل ما جعل الشهود فيه شرطا لقوام العقد، جرى الذكر فيه "لا...

إلا" بشهود، نحو قوله: "لا نكاح إلا بشهود" ، فلما جرى الذكر في هذه الآية بالأمر بالإشهاد بقوله  : ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ﴾ ، ثبت أنه يستقيم من غير شهود، والله أعلم.

ثم في قوله: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ دليل على أن المراد من الأقراء هو الحيض؛ فإنه ذكر نوع هذا في كتاب الله في مواضع؛ قال الله  في موضع: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ  ﴾ ، وقال في هذا الموضع: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، ومعلوم أن معاني هذه الألفاظ مختلفة وإن اتفقت مخارجها، واختلافها: أن يكون المراد ببلوغ الأجل في أحد النوعين على التمام وانقضاء الأجل، والثاني على الإشراف عليه، وأحق ما يكون في حق الإشراف على البلوغ هو ما يرجع إلى الأزواج؛ لأنه قد كان لهم حق الإمساك قبل انقضاء الأجل، وهم أحق بهن ما لم [يتم بلوغ الأجل] لا بعده، وإذا ثبت أن المعنى من قوله: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ في هذا الموضع هو الإشراف على البلوغ والقرب من انقضاء الأجل دون التمام، ثبت أن الأقراء: هي الحيض؛ لأنه لو كان المراد منها الأطهار لم يعرف إشراف الأجل على البلوغ؛ لأنه لا نهاية لأكثر الطهر، وأما الحيض فإنه له غاية معلومة؛ لأن أيامها لا تخلو إما أن تكون عشرا أو دون العشر، فإن كان عشرا فيعرف بالعد، وإن كان دون العشر فإن دمها إذا انقطع راجعها قبل أن تغتسل، وذلك وقت إشراف أجلها على البلوغ، والأطهار ليس يتحقق فيها المعنى الذي وصفنا، والله أعلم.

ثم قال هاهنا: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ؛ فدل الأمر بالإمساك في الظاهر أنها ما دامت في العدة، فهي على ملكه، وقال في موضع آخر: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ  ﴾ ؛ فدل على أنه قد وقع شيء من الزوال حتى أمره بردها؛ فيكون حجة للشافعي في أن الطلاق الرجعي يحرم الوطء، ولكن المعنى عندنا في هذا -والله أعلم-: أنا قد عرفنا بقوله: ﴿ أَوْ فَارِقُوهُنَّ ﴾ بعد وجود الطلاق المتقدم: أنه لم يرد به الفرقة للحال، ولكن معناه: اتركوهن حتى تنقضي عدتهن، فتفارقوهن؛ فثبت أنه قد وقع شيء من شبهة الفراق بالطلاق، وهو أن صار الفراق مستحقّاً لازما حال انقضاء العدة؛ فيكون له عَرَض الوجود للحال، فقال: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ ﴾ على إبقائهن على أصل الملك، وقال: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ  ﴾ في ذلك؛ لرفع تلك الشبهة الواقعة بالطلاق؛ وهذا على سبيل ما قال  : ﴿ لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ﴾ .

وكان الفيء هو الرجوع، ومعلوم أنه لم يقع بالإيلاء شيء من الفرقة، ولكن لما كان الإيلاء موجبا للبينونة في العقد، أوجب في الحال شبهة الفرقة، وهو استحقاق الزوال، فذكر الفيء؛ لرفع تلك الشبهة؛ وكان تركها منه لا يفيء إليها عزم منه على الطلاق، فكذلك الأول والله أعلم.

والمعروف إذا صنع إليك إنسان صنيعة، فعرفتها واستحسنتها، فهو معروف، وما دفعته وأنكرته، فليس بمعروف.

أو هو الذي عَرَّفَنا اللهُ -تعالى- من المراجعة والمفارقة.

ثم المعروف في الحقيقة ما تطمئن إليه القلوب وتسكن عنده الأنفس.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ﴾ .

دل قوله -  -: ﴿ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ﴾ أن قد يكون منا فساق، وأن الفسق لا يخرجه من الإيمان، وكذلك قوله: ﴿ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ  ﴾ فثبت أن قد يكون منا من لا يرضى، وأن خروجه ممن يرضى لا يخرجه من الإيمان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَادَةَ لِلَّهِ ﴾ .

حيث أضافها إلى نفسه هو أنه لا بد في الشهادة من نفع يقع لأحد الخصمين، وضرر يرجع إلى الآخر، فكأنه قال: لا ينظر بعضكم إلى رضا من تنفعه الشهادة وإلى سخط من تضره، ولكن اجعلوها لله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ .

الموعظة وإن كانت لمن يؤمن ولمن لا يؤمن، فالمعنى في هذا: ذلكم يتعظ بما يوعظ [به] من كان يؤمن بالله واليوم الآخر كما كان المعنى من قوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ  ﴾ أي: إنما ينتفع بالإنذار من يتبع الذكر، وكما كان في قوله: ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ  ﴾ ، أي: ينتفعون بتلاوته فكذلك الأول، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يُوعَظُ بِهِ ﴾ .

أي: بما أمر فيما تقدم من الآيات من الطلاق للعدة، والنهي عن إخراجهن من البيوت والإنفاق عليهن، ونحوه إنما يوعظ به - أي: يأخذ بما أمر به، ونهي عنه في هذه الآيات - من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ﴾ .

قد بينا أن التقوى إذا ذكر مفرداً انتظم الأوامر والنواهي، وإذا ذكر معه البر والإحسان، صرف التقوى إلى معنى، والبر إلى معنى، وذكر في هذا الموضع مفردا؛ فجاز أن ينتظم الأوامر والنواهي، ثم جاز أن يكون المعنى من قوله: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ فيما بين له من الحدود، فلم يضيعه، ﴿ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ﴾ فيما لم يبين له، وفيما اشتبه من الحد.

أو يجوز أن يكون المعنى من قوله ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ ، أي: يجاهد فيما أمره ونهاه، يجعل له مخرجا في أن يهديه، ويبين له السبيل؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا  ﴾ .

قال: ويجوز أن ينال من يلزم التقوى خير الدنيا والآخرة؛ لأن الله  ذكر التقوى، وما يليه بألفاظ مختلفة، فقال في موضع: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ﴾ وقال: في موضع آخر ﴿ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ﴾ ، وفي موضع آخر ﴿ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ ﴾ وفي موضع آخر ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ  ﴾ ، أي: إن الله مع الذين اتقوا في النصرة والمعونة أو التوفيق والعصمة، ومن نصره الله -  - فلا يغلبه أحد، ومن يعصمه الله  فلا يضله أحد، وإذا نال هاتين الخصلتين، فقد نال خير الدنيا والآخرة.

أو يجوز أن يكون قوله: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ يعني: يتقي عقابه، يجعل له مخرجا من الشدة في الدنيا وعن سكرات الموت وغمراته وعن شدائد الآخرة وأهوالها.

ويجوز أن يكون قوله: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ في مكاسبه، يجعل له مخرجا من الشبه والحرمات فيسلم منها.

أو يجوز أن يكون قوله: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ فيما بين له من الحدود في هذه الآيات المتقدمة، فحفظها من صحبة النساء على ما أمر به، ﴿ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ﴾ مما أهمه من ناحيتهن، ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ ﴾ يجوز أن يكون هذا فيما بين له من الحدود إذا حفظها أن يزرقه ما وصفنا من المرأة والمال.

ويجوز أن يكون هذا في جميع الأمور من المكاسب والتجارات؛ لأن التجار يظنون أنهم إنما يرزقون الفضل والربح؛ لما يدخلون فيها من الشبه والحرمات، وأنها إذا نُفِيَتْ من تجاراتهم لا يرزقون مثل ذلك؛ فأخبر -جل ثناؤه- أنهم إذا اتقوا في تجاراتهم تلك الشبه والحرمات، رزقهم من حيث لم يحتسبوا.

أو يجوز أن يكون هذا خطابا للكفرة؛ وذلك أنهم كانوا يخافون أنهم إذا آمنوا [برسول الله  ] حرموا من الرزق، وابتلوا بالضيق، ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَقَالُوۤاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ...

﴾ الآية [القصص: 57] فكأن الله -تعالى- أمنهم عما يخافون بسبب الإسلام، وأخبرهم أنهم إذا وحدوا الله  وآمنوا برسوله، رزقهم من حيث لم يحتسبوا، ووسع عليهم الرزق، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ .

يجوز أن يكون معناه: أي: من يعتمده في كل نائبة، ويفوض إليه كل نازلة.

والوكيل: هو الموكول إليه الأمور.

وقيل الوكيل: هو الحافظ؛ فكأنه قال: ومن يعتمد على الله فيما نابه كفى به وكيلا موكولا إليه أمره، وكفى به حافظا وناصرا ومعينا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ﴾ .

أي: فيما أخبر من حكمه ووعده ووعيده: أن ينزل بهم.

ويجوز أن يكون ﴿ بَالِغُ أَمْرِهِ ﴾ ، أي: مبلغ ما أمر رسوله بتبليغه إلى آخر عصابة [تكون من أمته] في تسخيرهم؛ ليصيروا كأن الرسول بلغهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ﴾ .

قال الحسن: [جعل] لكل شيء من أعمال العباد قدراً وثواباً في الآخرة.

والوجه عندنا: قد جعل الله لكل شيء مما كان ويكون إلى يوم القيامة من حسن وقبيح في الحكمة قدرا؛ ألا ترى إلى أفعال العباد أنها كيف تخرج عن تدبيرهم من زمان إلى زمان ومكان ونحو ذلك؛ ليعلم أن الله -تعالى- هو الذي قدر ذلك المكان والزمان والفعل، حتى خرج فعل هذا العبد عن تقديره الذي قدره، والله أعلم.

وفي قوله -  -: ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ ﴾ وجه آخر، وهو أنه لو جعل جميع الرزق من حيث لا يحتسب، جاز؛ لأن الرزق في الحقيقة هو الذي يتقوى به الإنسان ويتغذى به، وليس ذلك في عين الأكل والشرب، ولكن فيما يتفرق من قوة الطعام والشراب في الأعضاء، وذلك باللطف من الله  ، فثبت أن قوة الأكل والشرب إنما تصل إلى الأعضاء من حيث لا يحتسب الإنسان، والله أعلم.

ثم ليس في قوله -  -: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ﴾ تخصيص أن من لا يتقيه لا يرزقه من حيث لا يحتسب؛ لأنا قد نرى في الشاهد من يرزق من حيث لا يحتسب اتقاه أو لم يتقه؛ فثبت أن فائدة التخصيص ليس نفي غير المذكور، ولكن فائدة تخصيص المتقي بالذكر هو أنه يرزقه من حيث يطيب له، ولا يلام عليه، وليس ذلك في غير المتقي، والله المستعان.

ثم ليس في قوله: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ ما يدل على ترك الأسباب، ولكن لما رأى الناس يفزع بعضهم إلى بعض ويستغيث بعضهم ببعض، أمرهم أن يجعلوا المقصد والمفزع إلى الله  ، وأن يصيروا هذه الأسباب كلها محنة عليهم، لا أن يروا أرزاقهم معصومة متعلقة بها، ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ  ﴾ كيف أمر بإدراك فضله من تلك التجارة؛ فثبت أن هذه المكاسب كلها أسباب للخلق، بها يتوصلون إلى فضل الله  ، وأن المقصد والمفزع فيها إلى الله  ، والله أعلم.

ثم اختلفوا في العدة: فمنهم من قال: هي استبراء الرحم.

ومنهم من قال: هي عبادة تتبع النكاح الذي استوفي فيه المقصود بالنكاح، وهذا القول عندنا أصوب؛ لأوجه: أحدها: أن الاستبراء واجب في حق السنة والأدب قبل الطلاق؛ فإن من أراد أن يطلق امرأته فالواجب عليه أن يستبرئها بحيضة ثم يطلقها، وأما العدة فإنها لا تجب إلا بعد الطلاق، فثبت أنها على ما ذكرنا من العبادة التي تتبع النكاح الذي استوفي فيه المقصود، والله أعلم.

ومعنى آخر: وهو أن العدة لو كانت استبراء، لكانت تكتفى بالحيضة الواحدة، فلما قرنت بالعدد، وفي الواحدة مندوحة عما سواها في حق الاستبراء، ثبت أنها على الوجه الأول، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ ﴾ .

هذا يدل على أن المراد من الأقراء الحيض؛ وذلك لأن الأصل عندنا في الأصول [أن الشيء] متى ذكر باسم مشترك، ثم جرى البيان له عند ذكر البدل باسم خاص؛ دل على أن المراد من الاسم المشترك هذا الاسم الخاص المذكور عند البدل؛ ألا ترى إلى قوله  : ﴿ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ  ﴾ وكان اسم الغسل مشتركا يتناول الماء وكل مائع، فلما قال عند ذكر البدل: ﴿ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ  ﴾ ، تبين أن المراد من ذلك الاسم المشترك هو هذا الاسم الخاص المذكور عند البدل، فكذلك الأول، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ ﴾ .

اختلفوا في قوله: ﴿ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ ﴾ : أنه أريد به: إن ارتبتم في حيضهن أو في عدتهن؟

وعندنا الارتياب في عدتهن؛ لأنه لو كان المراد منه الارتياب في حيضهن، لكان من حق الكلام أن يقول: "إن ارتبتن" أو يقول: "واللائي ارتبن" ليكون منسوقا على قوله: ﴿ وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ ﴾ فلما قال: ﴿ ٱرْتَبْتُمْ ﴾ ثبت أن المراد: إن ارتبتم في عدة الآيسات والصغائر، فهي ثلاثة أشهر، والله أعلم.

أو لأن المرتابة إذا رأت الحيض ارتفع ريبها، وصار عدتها بالحيض، وخرجت من العدة بالشهور، وأما الآيسة والصغيرة؛ فإنه لا يتوهم عليهما ارتفاع الإياس والصغر؛ فيكون عدتهما بالأشهر؛ فلذلك قلنا: إن هذا الارتياب في عدة الآيسات والصغائر.

ثم من قول أصحابنا: إن الرجل إذا طلق امرأته الآيسة أو الصغيرة أو الحامل للسنة يطلقها متى شاء، وليس له وقت معين في طلاقها للسنة، وإنما كان كذلك؛ لأنا قد وصفنا في قوله: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ : أن المراد منه: لقبل عدتهن، ومعلوم أن عدة التي ترى الحيض أحد شيئين: إما الدم ولم يعتبر ما يقابله وهو الطهر من العدة، وكذلك من جعل عدتها بالأطهار لم يعتبر ما يقابلها وهو الحيض من العدة، وإذا كان كذلك لم يكن بد من أن يكون هاهنا شيء يقابل عدتها؛ فثبت فيه معنى قبل عدتها؛ فجعل ذلك الطهر، وأما الآيسة والصغيرة والحامل فجميع أيامها من عدتها، وهي ثلاثة أشهر، وليس في أيامها شيء يقابل عدتها، فلذلك قلنا: إن له أن يطلقها في أي وقت شاء، وكذلك له أن يطلق الحامل التي من ذوات الأقراء؛ وذلك لأنه إنما نهي -عندنا- عن الطلاق على أثر الجماع في التي تحيض؛ لتوهم أن يكون الجماع أحبلها، فإذا طلقها [ثم أراد] نفي الحبل في العدة، لم يتهيأ له ذلك، وأما الآيسة والصغيرة والحامل، فليس فيهن هذا التوهم، والله أعلم.

ثم إن هذه العدة وإن ذكرها في هذه السورة على أثر الطلاق الواحد؛ فكأنها في التطليقات الثلاث؛ لأن هذه العدة مكان العدة التي ذكر الله  في سورة البقرة من قوله: ﴿ وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ  ﴾ ؛ لأنه ذكر هاهنا: ﴿ وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ ﴾ على الإجمال وذكرها ثَمَّ على التفسير؛ فإذا التحق التفسير بالمجمل يصير في المعنى والحكم كأنه واحد، ومعلوم أن تلك في الواحدة والثلاث؛ ألا ترى إلى قوله  : ﴿ ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ  ﴾ وقوله: ﴿ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ ﴾ هي التطليقة الثالثة.

وإذا كان الأمر على ما وصفنا، ثبت أن للمرء أن يطلق امرأته الحامل للسنة ثلاثا، والله أعلم.

قال - رحمه الله -: في قوله: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ ﴾ أوجه من الفقه: أحدها: أنه لما قال: ﴿ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ دل أنه ألزمهن السكون في بيوتهن التي كن فيها في حالة قيام النكاح؛ فيكون دليلا [لقول] أصحابنا: إنه ليس للزوج أن يسكنها معه في بيته الذي هو فيه، بل يتركها في ذلك المسكن، وينتقل هو بنفسه إن كان يريد الانتقال؛ يصحح هذا قوله: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم ﴾ فلما أدخل حرف (من) في هذه الآية دل أن الواجب على الزوج أن يسكنها في بيت من بيوته، ولا يدخل عليها في ذلك البيت إلى أن تنقضي عدتها، والله أعلم.

ثم المعنى عندنا في قوله: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ ؛ ليَحْصِنَّ ماءكم، ولا يخرجن؛ خوفا من وطء غير الأزواج واشتباه النسب لو حبلن، وإذا كان النهي عن إخراجها من البيت لهذا المعنى، لم يكن بد من إيجاب النفقة عليه؛ لأنها إنما تكتسب نفقتها بالخروج، فإذا نهيت عن الخروج؛ لتحصن ماءه، لم يحتمل أن تكون النفقة على غيره، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ ﴾ .

روي عن [ابن] مسعود -  - أنه قال: من شاء باهلته أن قوله: ﴿ وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ ﴾ نزل بعد قوله في سورة البقرة: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً  ﴾ ، وجعل عدة الحامل بوضع الحمل، ولا يعتبر أبعد الأجلين، لكن إن كان ابن مسعود -  - يباهل، فعلي -  - لا يباهل، ويقول بأن قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ  ﴾ لا يجوز أن يدخل في قوله: ﴿ وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ ﴾ ؛ وذلك لأن قوله: ﴿ وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ ﴾ إنما ذكر في عدة الطلاق، وعدة الطلاق لا تتضمن عدة الوفاة إذا كانت بالحيض، لم تدخل عدة الطلاق في عدة الوفاة؛ ألا ترى أن من طلق امرأته وهي حائل ممن تحيض، ثم مات عنها زوجها قبل انقضاء عدتها، لم تدخل عدة الوفاة في الحيض الثلاث، بل الحِيَضُ [هي التي تدخل] في عدة الوفاة [في الحيض، وتؤمر: أن] تعتد بأبعد الأجلين، فكذلك أمر الحامل، وإذا اشتبه الحال أمرت فيه بالاحتياط أن تعتد بأبعد الأجلين، ولأن عدة الوفاة لم تلزم لوطء متقدم؛ ألا ترى أنها قد تلزم من لم يكن زوجها من أهل الوطء، وأما عدة الحبل والحيض، إنما لزمت لوطء متقدم، وإذا لم تكن عدة الوفاة من جنس العدة بالحبل، لم تدخل في عدة الحبل فلا نوجب فيها الاحتياط، وذلك في الاعتداد بأبعد الأجلين.

ثم التخصيص بذكر الإنفاق على الحوامل يحتمل أن يكون بمعنى أنها في الحقيقة لا تدخل في قوله: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ ﴾ ؛ لأنا قد وصفنا أنها إنما نهيت؛ لتحصين ماء الزوج، وإذا مضت تسعة أشهر، فقد خرجت عن التحصين، فكان الواجب أن تسقط النفقة بعد التسعة، لكن الله  حث على الإنفاق في جميع المدة؛ لأنها لا محالة إنما بقيت في هذه المدة؛ لوطئه المتقدم؛ فلذلك حث الله  في الإنفاق على الحوامل فيما يقع عندنا، والله أعلم.

وأما ابن مسعود -  - فإنه يجوز أن يكون قوله -  -: ﴿ وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ ﴾ عنده مبتدأَ خطابٌ، ليس بمعطوف على قوله: ﴿ وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ ﴾ ؛ لأنا نعلم أنه لا يجوز أن يقع الارتياب فيمن تحتمل القروء؛ وذلك لأن الأشهر في الآيسات إنما أقيمت مقام الأقراء في ذوات الحيض، وإذا كانت الحامل ممن تحتمل القروء لم يجز أن يقع لهم شك في عدتها؛ ليسألوا عن عدتها.

وإذا كان كذلك، ثبت أنه خطاب مبتدأ، وإذا كان خطابا مبتدأ تناول العِدد كلها، ومما يدل على أنه مبتدأ خطاب ما روي في خبر سبيعة بنت الحارث الأسلمية: أنها وضعت بعد وفاة زوجها بخمس عشرة ليلة، فأمرها رسول الله  أن تتزوج؛ فدل إباحته النكاح قبل مضي أربعة أشهر وعشر على أن عدة الحامل تنقضي بوضع الحمل في جميع الأحوال.

وقال الحسن: إن الحامل إذا وضعت أحد الولدين، انقضت عدتها، واحتج بقوله: ﴿ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ ، ولم يقل: "أحمالهن"؛ ولكن لا يستقيم ما قاله؛ لوجهين أحدهما: أنه قرأ في بعض القراءات ﴿ أن يضعن أحمالهن ﴾ .

والثاني: أنه قال: ﴿ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ ، ولم يقل: "يلدن"، بل علق بوضع حملهن، والحمل اسم لجميع ما في بطنهن، ولو كان كما قاله، لكان عدتهن بوضع بعض حملهن، والله  جعل أجلهن أن يضعن حملهن، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ﴾ .

فقد وصفنا أن التقوى إذا ذكر مطلقاً مفرداً، تناول الأوامر والنواهي، فكأنه قال: ومن يتق الله في أوامره أن يضيعها أو في نواهيه أن يرتكبها، يجعل له من أمره يسراً.

[ثم قوله: ﴿ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ﴾ .

له وجهان: أحدهما: له من أمره يسراً] في نفس التقوى أن نيسره عليه، كما قال في قوله: [ ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ ﴾ \[الحاقة؟: 19\]، وفي قوله]: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ  وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ  فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ  ﴾ يعني: ييسر عليه فعل التقوى والطاعة، فكذلك الأول.

ويحتمل أن يكون في جميع الأمور في المكاسب والتجارات وغيرها: أن من اتقى الله من الحرام ييسر الله عليه الحلال، ومن اتقى الله من الشبه يسر عليه في المباح، ومن يتق الله في تجارته، رزقه ما يرجو من الربح ويأمله، وكذلك جميع الأمور على هذا السبيل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون معنى قوله: ﴿ ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ أي: ذلك التقوى أمر الله أنزله إليكم.

ويحتمل أن يكون أراد بقوله: ﴿ ذَلِكَ ﴾ ما تقدم من الآيات في المراجعة والإشهاد والطلاق والعدة وغير ذلك: أنها وإن خرجت في الظاهر مخرج الخبر، فإنها كلها أمر الله  ، أنزله إليكم؛ فاتبعوها وخذوا بأمره فيها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً ﴾ .

هذا يدل على ما وصفنا: أن التقوى إذا ذكر مفردا انتظم الأمر والنهي جميعاً، ألا ترى إلى قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ  ﴾ ، وقال هاهنا: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ ﴾ .

فجعل التقوى تكفر السيئات، فلولا أن في التقوى أعظم الحسنات، لم يكن لقوله: ﴿ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ ﴾ معنى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ ، وفي قراءة عبد الله بن مسعود  : ﴿ أسكنوهن من حيث سكنتم وأنفقوا عليهن من وجدكم ﴾ ويجوز أن تكون قراءة عمر -  - أيضاً؛ ألا ترى [أنه قال]: (لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة؛ لا ندري أصدقت أم كذبت)، فالكتاب هذا، والسنة يجوز أن يكون سمعها من رسول الله  في ذلك.

أو يجوز أن يكون عند عمر -  - في هذا تلاوة قد رفع عينها وبقي حكمها؛ لذلك قال: (لا ندع كتاب ربنا) ألا ترى إلى ما قاله عمر -  - في أمر الزنى: "سيأتي على الناس زمان يقولون: لا نجد الرجم في كتاب الله، وإنا كنا نتلو من قبل في سورة الأحزاب: الشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموهما ألبتة؛ نكالا من الله، والله العزيز الحكيم" فقد رفعت التلاوة، وبقي حكمها؛ فكذلك في أمر النفقة يجوز أن تكون التلاوة مرفوعة وحكمها باقٍ؛ والله أعلم، وقوله: (لا ندع كتاب ربنا) في الخبر دلالة أن الكتاب قد ينسخ بالسنة؛ لأن عمر -  - إنما احتج في امتناعه عن ترك [كتاب الله] بقول امرأة لم ندر أصدقت أم كذبت؟

ولولا أن الكتاب قد ينسخ بالسنة، وإلا لم يكن احتجاجه بقوله: (لا ندع كتاب ربنا بقول امرأة) معنى، بل كان يقول: (لا ندع كتاب ربنا بالسنة)، فلما قال: (لا ندع كتاب ربنا بقول امرأة؛ لا ندري أصدقت أم كذبت)؟

دل أن السنة قد تنسخ الكتاب، والله أعلم.

وروى أبو بكر الأصم أن فاطمة بنت قيس لما أنكر عليها عمر -  - حديثها تركت روايتها إلى زمن مروان، فلما استخلف مروان جعلت تروي حديثها، فأخبر بذلك مروان، فدعاها فروت هذا الحديث، فقال لها مروان على ما كان يقول لها عمر -  - فقالت له: أين كتاب ربنا؟

فتلا عليها قوله: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ ، فقالت: كيف يحتمل أن يكون هذا في المطلقة ثلاثا، والله يقول في هذه ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ؟

ومعنى الإمساك في المطلقة ثلاثاً معدوم؛ فأفحم مروان، ولو فهم مروان ما فهمه عمر لم يفحم؛ وذلك أن هذه العدة المذكورة في هذه الآيات إنما هي مكان قوله: ﴿ وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ  ﴾ ، ولا فرق هناك بين المطلقة الواحدة والثلاث، وإذا كان المذكور في هذه العدة مكان تلك، فالمذكور في النفقة في هذه كالمذكور في تلك، وليس في تلك الآية ذكر الفرق بين الثلاث والواحدة؛ فلذلك قلنا: في كتاب الله  دلالة إيجاب النفقة للمبتوتة والمطلقة ثلاثاً، والله أعلم؛ فيكون حجة على الشافعي؛ ومما يدل عليه هو أنه لما استدل بذكر الإنفاق في قوله: ﴿ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ على وجوب الإسكان والنهي عن الإخراج مع توهم الإنفاق دون الإسكان، فلأن يستدل بذكر الإسكان على الإنفاق ولا يكون الإسكان، إلا بالإنفاق؛ لاتصاله به -أحرى، فصار قوله: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ ﴾ دليلاً على وجوب الإنفاق، وإنما قلنا: إن الإنفاق متصل بالإسكان؛ لأنه إذ نهي عن إخراجها عن بيته وأمر بإسكانها فلا يحتمل أن يؤمر بالإنفاق؛ لأن في ذلك تضييقاً عليها وتعسراً؛ ألا ترى: أنها إنما تكتسب النفقة بالخروج، فإذا نهى الزوج عن إخراجها، ونهيت هي عن الخروج، لم تصل إلى نفقتها إلا بالزوج ضرورة، والله أعلم.

ولأجل أنا نظرنا: أن النفقة في الحامل للحمل أو العدة، فوجدنا أنها لو كانت واجبة للحمل، لم تجب إذا كان حملها بحيث لو وضعته، لم يلزم نفقته عليه، وقد وجدنا هذا الحكم، نحو: حر يتزوج أمة رجل بإذن سيدها فولدت ولدا: أن نفقة الولد على السيد، وكان يجب عليه ما دام في بطن أمه، فلما استقام وجوب النفقة على الزوج ما دامت حاملا، وإن كان الحبل بحيث لو وضعته لم يلزمه نفقته -ثبت أن النفقة في الحامل؛ لمكان العدة لا للحبل، [والعدة] في الحائل والحامل واحدة؛ فكذلك كان حكمهما واحداً، والله أعلم.

ثم الأصل عندنا ما وصفنا: أن النفقة إنما وجبت؛ لاستمتاعه المتقدم، [فما دامت] محبوسة؛ لاستمتاعه السابق أوجبت النفقة عليه، وإذا كانت محبوسة لا بهذا الحق لم يكن عليه النفقة، والله أعلم.

ولأن في قوله: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ ، إضمار النفقة، كأنه يقول: أسكنوهن من حيث سكنتم، وأنفقوا عليهن من وجدكم؛ لأنه لولا هذا الإضمار، لم يكن لقوله: ﴿ مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ على الظاهر معنى؛ لأنه لما قال: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ ﴾ ، علم أنه جعل الإسكان عليهم، ومن كان عليه الإسكان، فإنما يكون من وجده، فلم يكن في قوله: ﴿ مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ إلا إعلام ما قد علمناه، وإذا كان كذلك ثبت أن في قوله: ﴿ مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ إضماراً يستقيم عليه المعنى في قوله: ﴿ مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ ، وليس بين القراءتين اختلاف، ولكن إحداهما خرجت على الإجمال، والثانية على التفسير [على ما قرئ في قوله: ﴿ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا  ﴾ و: ﴿ أَيْمَانَهُمَا ﴾ ، ولم يحمل ذلك على الاختلاف، بل حملت إحداهما على الإجمال والثانية على التفسير] فكذلك الأول، والله أعلم.

مع أنه لم يثبت اللفظ في قراءة ابن مسعود -  - فأقله أن يكون من خبر الآحاد، ومعلوم أن خبر ابن مسعود وإن كان من خبر الآحاد فما يسنده إلى رسول الله  مقبول، ولما وجب قبول خبر أبي هريرة -  - مع ما قيل فيه من الضعف، فلأن يقبل خبر ابن مسعود -  - مع فضله وروعه وكثرة صحبته [مع النبي]  ، وتبحره في الفقه أولى، ومن هجر قراءة ابن مسعود -  - خيف عليه الزلة، ألا ترى [إلى ما] روي عن ابن عباس -  ما - أنه سأل أصحاب النبي  ، فقال: ما تعدون آخر القراءة؟

قالوا: قراءة زيد بن ثابت -  - فقال: كلا، كان يعرض القرآن على رسول الله  كل عام مرة، وعرض عليه في العام الذي قبض فيه رسول الله  مرتين، وقد شهدهما جميعا ابن مسعود -  - فإذا كان ابن مسعود قراءته آخر القراءات، وهو الذي شهد قراءة القرآن على رسول الله  آخر مرة لم ينبغ أن نعرض عن قراءته، ونهجره، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم ﴾ دلالة أنه إنما يسكنها في جزء من أجزاء مسكنه، لا في الموضع الذي يسكنه هو؛ لأن حرف (من) للتجزئة والتبعيض.

وقوله: ﴿ وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ ﴾ .

يحتمل وجهين: [من التأويل]: أحدهما: أي: لا تضاروهن في الإنفاق عليهن فتضيقوا عليهن النفقة، فيخرجن، أو لا تضاروهن في المسكن، فتدخلوا عليهن من غير استئذان؛ فيضيق عليهن المسكن؛ فيخرجن، والله أعلم.

وقوله -عز وجل-: ﴿ وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ .

دل الأمر بالإنفاق على النهي عن الإخراج، كما دل النهي عن الإخراج على وجوب الإنفاق.

ثم التخصيص بذكر الإنفاق على الحامل يحتمل أن يكون لمعنى: أنها في الحقيقة، لم تدخل في قوله: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ ﴾ ؛ لأنا قد وصفنا أنها نهيت [عن الخروج] لتحصين ماء الزوج، وإذا مضت تسعة أشهر فقد خرجت عن التحصين؛ فكان الواجب أن تسقط النفقة بعد التسعة، وقد ذكرنا هذا المعنى فيما تقدم.

ويحتمل أن يكون الفائدة في [تخصيص الحوامل] بالإنفاق عندنا - والله أعلم - [أنه لولا] هذه الآية، لكانت الحوامل يخرجن عن قوله -  -: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ ، ومن قوله: ﴿ وَلاَ يَخْرُجْنَ ﴾ ؛ لأن الأزواج لهم أن يحتجوا عليهن بأن حرمة النكاح في ذوات الأحمال ليس لحق الأزواج، ولكن لحق ما في بطنها من الولد؛ ألا ترى أنه يحرم عليها النكاح وإن كان الولد من غيره، وقد قلنا: إن النفقة إنما وجبت في غير الحوامل؛ لأنهن يحبسن عن نكاح الأجانب بحق الأزواج، فإذا كان الحبس في الحوامل لا لحق الأزواج، جاز أن يكون هذا حجة لهم في إسقاط النفقة عنهم، وإذا كان كذلك، حث الله لهم في الإنفاق على الحوامل ما لم يضعن حملهن؛ لأن ذلك الحمل من أثر استمتاعهم المتقدم؛ ففائدة تخصيص ذكر الحوامل هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ .

هذا يتضمن أوجهاً من أدلة الفقه: أحدها: أنه قال: ﴿ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ ، ثبت أن الإرضاع كان بإجارة، وأنه إذا استأجرها ليرضع ولده منها بعد المفارقة، جازت الإجازة وحل لها أخذ الأجر، وأنه إذا استأجر امرأته في صلب النكاح على إرضاع ولده منها لم يجز، ولم يكن لها أخذ الأجر؛ لأن الله -  - ذكر بدل الرضاع في صلب النكاح بلفظ: (الرزق) بقوله: ﴿ وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ  ﴾ ، فإذا سمى ما ذكره الله  رزقاً: أجراً، لم يكن أجراً وكان بحق الرزق والكسوة؛ فلذلك لم تجز الإجارة في صلب النكاح، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ .

دليل على أن اللبن وإن خلق لمكان الولد فهو ملك لها، ولو ذلك، لم يكن لها أن تأخذ الأجر على لبن ليس لها فيها ملك، وفيه دليل على أن حق الإرضاع والنفقة على الأزواج في حق الأولاد وحق الإمساك والحضانة والكفالة على الزوجات، ولولا ذلك لكان لها بعض الأجر دون الكل، فلما أمر بإيتاء كل الأجر، ثبت أن حق الإرضاع على الأزواج وعلى الزوجات الكفالة والإمساك، والله أعلم.

ولأجل أنا لو جعلنا اللبن ملكاً للولد مخلوقاً له، وجعلنا النفقة على الأم من مال نفسها، لكانت نفقتها تفنى ولا يتهيأ لها كسب النفقة؛ لاشتغالها بالإرضاع؛ فتجوع وتهلك ويذهب لبنها؛ فيبطل الإرضاع؛ فإذا كان إيجاب الإرضاع عليها يسقط من حيث يراد جعل النفقة، فأسقطنا عنها، وجعلنا ملك اللبن [لها] لتأخذ الأجر عليه، والله أعلم.

وفي هذه الآية دلالة على أن الأجر إنما يجب بعد استيفاء المنافع، فإنه قال: ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ إنما أوجب الإيتاء بعد الإرضاع.

وفي قوله: ﴿ أُجُورَهُنَّ ﴾ دلالة على أن الإرضاع إنما هو بإجارة قد سبقت؛ لذلك قال أصحابنا: إن الأجرة إنما تجب عند استيفاء العمل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، له وجهان: أحدهما: أن يقول: ﴿ وَأْتَمِرُواْ ﴾ يعني: تشاوروا في إرضاعه إذا تعاسرت هي.

والثاني: ﴿ وَأْتَمِرُواْ ﴾ أي: اعملوا بأمر من جعل الله  إليه الأمر بالمعروف، وهو الحاكم، إذا أمركم في أمر الولد بالمعروف.

وقوله: ﴿ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ ﴾ .

يعني: إذا تنازعتم في الرضاع، وأبت الأم أن ترضعه، فاطلبوا أخرى ترضعه عندها.

وقوله: ﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ﴾ .

أي: من وسع الله عليه في الرزق، فلينفق نفقة واسعة، ﴿ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ ﴾ ، يعني: ضيق عليه و ﴿ قُدِرَ ﴾ هاهنا بمعنى: ضيق [عليه]، وهو كما قال: ﴿ فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ  ﴾ ، أي: فظن أن لم نضيق عليه، وكذلك قوله: ﴿ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ  ﴾ ، يعني: ويضيق عليه، أي: من ضيق عليه، فلينفق نفقة ضيقة؛ فلذلك قوله: ﴿ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا ﴾ .

فهو يدل على أن العباد ما اكتسبوا من الأموال، فهي كلها مما آتاهم الله  ، وأن لله -  - في أفعال العباد وفيما يكتسبونه من الأموال صنعا وتدبيراً؛ لأنه لولا ذلك، لكان يجوز أن يكلفه الله  وإن لم يؤتها لهم، إذا كان في قدرته أن يكتسب ما لم يؤته الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ﴾ .

هذا دليل على أنه إذا عجز عن نفقة امرأته، لم نفرق بينها وبينه؛ لأنه إذا فرق بينهما، لم نصل إلى زوج ينفق عليها للحال، بل نحتاج فيه إلى انقضاء العدة، وقد يتوهم في خلال ذلك أن يوسر الزوج؛ لأن إنجاز وعد الله  في اليسار بعد العسر أقرب من قدرتها على زوج ينفق عليها، وليس هذه كالأمة؛ لأنه إذا باع الأمة دخلت في ملك آخر ينفق عليها، والله أعلم.

ثم يجوز أن يكون قوله: ﴿ سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ﴾ وعداً لجميع الأمة أن من ابتلي بالعسر يتبعه اليسر.

ويجوز أن يكون خطابا لأصحاب رسول الله  حين كانوا في عسر وضيق عيش، فوعدهم الله -  - بعد ذلك العسر الذي كانوا فيه يسراً، وقد أنجز ذلك الوعد حيث فتح لهم الفتوح، ونصرهم على أعدائهم؛ فغنموا أموالهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أسكنوهنّ -أيها الأزواج- من حيث سكنتم من وسعكم، فلا يكلفكم الله غيره، ولا تُدْخِلوا عليهن الضرر في النفقة والسكن ولا في غيرهما رجاء التضييق عليهنّ، وإن كانت المطلقات حوامل فأنفقوا عليهنّ حتَّى يضعن حملهنّ، فإن أرضعن لكم أولادكم فأعطوهنّ أجر إرضاعهنّ، وتراجعوا في شأن الأجرة بالمعروف، فإنْ بَخِلَ الزوجُ بما تريده الزوجة من أجرة، وشحّت هي فلم ترض إلا بما تريده؛ فليستأجر الأب مرضعة أخرى تُرْضِع له ولده.

<div class="verse-tafsir" id="91.aMmj0"

مزيد من التفاسير لسورة الطلاق

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر