الآية ١٤٤ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٤٤ من سورة الأعراف

قَالَ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنِّى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَـٰلَـٰتِى وَبِكَلَـٰمِى فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ ١٤٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 148 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤٤ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤٤ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يذكر تعالى أنه خاطب موسى عليه السلام بأنه اصطفاه على عالمي زمانه برسالاته وبكلامه تعالى ولا شك أن محمدا صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم من الأولين والآخرين ; ولهذا اختصه الله بأن جعله خاتم الأنبياء والمرسلين ، التي تستمر شريعته إلى قيام الساعة ، وأتباعه أكثر من أتباع سائر الأنبياء والمرسلين كلهم ، وبعده في الشرف والفضل إبراهيم الخليل ، عليه السلام ، ثم موسى بن عمران كليم الرحمن ، عليه السلام ; ولهذا قال الله تعالى له : ( ( 145 ) فخذ ما آتيتك ) أي : من الكلام والوحي والمناجاة ( وكن من الشاكرين ) أي : على ذلك ، ولا تطلب ما لا طاقة لك به .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، قال الله لموسى: " يا موسى إني اصطفيتك على الناس "، يقول: اخترتك على الناس (1) = " برسالاتي" إلى خلقي, أرسلتك بها إليهم = " وبكلامي"، كلمتك وناجيتك دون غيرك من خلقي.

= " فخذ ما آتيتك " يقول: فخذ ما أعطيتك من أمري ونهيي وتمسك به, واعمل به [...] (2) = " وكن من الشاكرين "، لله على ما آتاك من رسالته, وخصك به من النجوى، (3) بطاعته في أمره ونهيه، والمسارعة إلى رضاه.

-------------------- الهوامش : (1) (1) انظر تفسير (( الاصطفاء )) فيما سلف 3 : 91 ، 96 / 5 : 312 / 6 : 326 ، 393 .

(2) (2) في المطبوعة : (( واعمل به يريد )) وفي المخطوطة : (( واعمل به يديك )) ، ولا معنى لذلك هنا ، وكأنها محرفة عن (( بجد )) أو ما أشبه ذلك ، ولكني لم أحسن معرفتها ، فتركت مكانها نقطا بين قوسين .

وانظر تفسير قوله في (( سورة البقرة )) : 63 (( خذوا ما آتيناكم بقوة )) ج2 : 160 ، 161 .

(3) (3) في المطبوعة والمخطوطة : (( وحصل به من النجوى )) ، وصواب قراءتها ما أثبت .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى قال ياموسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين[ ص: 252 ] قوله تعالى قال ياموسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي الاصطفاء : الاجتباء ; أي فضلتك .

ولم يقل على الخلق ; لأن من هذا الاصطفاء أنه كلمه وقد كلم الملائكة وأرسله وأرسل غيره .

فالمراد على الناس المرسل إليهم .

وقرأ ( برسالتي ) على الإفراد نافع وابن كثير .

والباقون بالجمع .

والرسالة مصدر ، فيجوز إفرادها .

ومن جمع على أنه أرسل بضروب من الرسالة فاختلفت أنواعها ، فجمع المصدر لاختلاف أنواعه ; كما قال : إن أنكر الأصوات لصوت الحمير فجمع لاختلاف أجناس الأصوات واختلاف المصوتين .

ووحد في قوله لصوت لما أراد به جنسا واحدا من الأصوات .

ودل هذا على أن قومه لم يشاركه في التكليم ولا واحد من السبعين ; كما بيناه في " البقرة " .قوله تعالى فخذ ما آتيتك إشارة إلى القناعة ; أي اقنع بما أعطيتك .وكن من الشاكرين أي من المظهرين لإحساني إليك وفضلي عليك ; يقال : دابة شكور إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى من العلف .

والشاكر معرض للمزيد كما قال : لئن شكرتم لأزيدنكم .

ويروى أن موسى عليه السلام مكث بعد أن كلمه الله تعالى أربعين ليلة لا يراه أحد إلا مات من نور الله عز وجل .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ أي: اخترتك واجتبيتك وفضلتك وخصصتك بفضائل عظيمة، ومناقب جليلة، بِرِسَالاتِي التي لا أجعلها، ولا أخص بها إلا أفضل الخلق.

وَبِكَلامِي إياك من غير واسطة، وهذه فضيلة اختص بها موسى الكليم، وعرف بها من بين إخوانه من المرسلين، فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ من النعم، وخذ ما آتيتك من الأمر والنهي بانشراح صدر، وتلقه بالقبول والانقياد، وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ لله على ما خصك وفضلك.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس ) اخترتك على الناس ، قرأ ابن كثير وأبو عمرو " إني " بفتح الياء وكذلك " أخي اشدد " طه - 31 ، ( برسالاتي ) قرأ أهل الحجاز برسالتي على التوحيد ، والآخرون بالجمع ، ( وبكلامي فخذ ما آتيتك ) أعطيتك ( وكن من الشاكرين ) لله على نعمه .

فإن قيل : فما معنى قوله " اصطفيتك على الناس برسالاتي " وقد أعطي غيره الرسالة؟

قيل : لما لم تكن الرسالة على العموم في حق الناس كافة استقام قوله اصطفيتك على الناس وإن شاركه فيه غيره ، كما يقول الرجل : خصصتك بمشورتي وإن شاور غيره إذا لم تكن المشورة على العموم يكون مستقيما .

وفي بعض القصة : أن موسى عليه السلام كان بعدما كلمه ربه لا يستطيع أحد أن ينظر إليه لما غشي وجهه من النور ، ولم يزل على وجهه برقع حتى مات .

وقالت له امرأته : أنا أيم منك منذ كلمك ربك فكشف لها عن وجهه فأخذها مثل شعاع الشمس فوضعت يدها على وجهها وخرجت لله ساجدة ، وقالت : ادع الله أن يجعلني زوجتك في الجنة ، قال : ذاك لك إن لم تتزوجي بعدي ، فإن المرأة لآخر أزواجها .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي المزكي أنا أبو العباس محمد بن أحمد بن إسحاق السراج حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا راشد بن أسعد بن عبد الرحمن المغافري عن أبيه عن كعب الأحبار : أن موسى نظر في التوراة فقال : إني أجد أمة خير الأمم أخرجت للناس يأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله وبالكتاب الأول وبالكتاب الآخر ، ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجال ، رب اجعلهم أمتي ، قال : هي أمة محمد يا موسى ، فقال : ربي إني أجد أمة هم الحمادون رعاة الشمس المحكمون إذا أرادوا أمرا قالوا نفعل إن شاء الله فاجعلهم أمتي ، قال : هي أمة محمد ، فقال : رب إني أجد أمة يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم ، وكان الأولون يحرقون صدقاتهم بالنار ، وهم المستجيبون والمستجاب لهم ، الشافعون المشفوع لهم فاجعلهم أمتي ، قال : هي أمة محمد ، قال : يا رب إني أجد أمة إذا أشرف أحدهم على شرف كبر الله فإذا هبط واديا حمد الله ، الصعيد لهم طهور والأرض لهم مسجد حيث ما كانوا ، يتطهرون من الجنابة ، طهورهم بالصعيد كطهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء ، غر محجلون من آثار الوضوء فاجعلهم أمتي ، قال : هي أمة محمد ، فقال : رب إني أجد أمة إذا هم أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة مثلها وإن عملها كتبت له ضعف عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه وإن عملها كتبت له سيئة مثلها ، فاجعلهم أمتي ، قال : هي أمة أحمد ، فقال : رب إني أجد أمة مرحومة ضعفاء يرثون الكتاب من الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ولا أجد أحدا منهم إلا مرحوما فاجعلهم أمتي ، قال : هي أمة محمد ، فقال : يا رب إني أجد أمة مصاحفهم في صدورهم يلبسون ألوان ثياب أهل الجنة يصفون في صلاتهم صفوف الملائكة أصواتهم في مساجدهم كدوي النحل لا يدخل النار أحد منهم أبدا إلا من يرى الحساب مثل ما يرى الحجر من وراء الشجر ، فاجعلهم أمتي ، قال : هي أمة أحمد ، فلما عجب موسى من الخير الذي أعطى الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - وأمته قال : يا ليتني من أصحاب محمد وأمته ، فأوحى الله إليه ثلاث آيات يرضيه بهن : " يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي " إلى قوله : سأريكم دار الفاسقين ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون " ، فرضي موسى كل الرضا " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال» تعالى له «يا موسى إني اصطفيتك» اخترتك «على الناس» أهل زمانك «برسالاتي» بالجمع والإفراد «وبكلامي» أي تكليمي إياك «فخذ ما آتيتك» من الفضل «وكن من الشاكرين» لأنعمي.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال الله يا موسى: إني اخترتك على الناس برسالاتي إلى خلقي الذين أرسلتك إليهم وبكلامي إياك مِن غير وساطة، فخذ ما أعطيتك مِن أمري ونهيي، وتمسَّك به، واعمل به، وكن من الشاكرين لله تعالى على ما آتاك من رسالته، وخصَّك بكلامه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى القرآن بعد ذلك ما كرم الله - تعالى - به موسى - عليه السلام فقال : ( قَالَ ياموسى إِنِّي اصطفيتك عَلَى الناس بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي ) .الاصطفاء .

افتعال من الصفوة ، وصفوة الشىء خالصة وخياره أى : قال الله تعالى - لموسى إنى اخترتك واجتبيتك على الناس الموجودين فى زمانك لأن الرسل كانوا قبل موسى وبعده ، فهو اصطفاء على جيل معين من الناس بحكم هذه القرينة .وقوله ( بِرِسَالاَتِي ) أى : بأسفار التوراة ، أو بإرسالى إياك إلى من أرسلت إليهم .

و ( بِكَلاَمِي ) أى : بتكليمى إياك بغير واسطة قال - تعالى - ( وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً ) والجملة الكريمة مسوقة لتسليته - عليه السلام - عما أصابه من عدم الرؤية فكأنه - سبحانه - يقول له : إن منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النعم العظام ما أعطيتك فاغتنمه ودم على شكرى .وقدم الرسالة على الكلام لأنها أسبق ، أو ليترقى إلى الأشرف .ثم قال - تعالى - ( فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ وَكُنْ مِّنَ الشاكرين ) أى : فخذ يا موسى ما أعطيتك من شرف الاصطفاء والنبوة والمناجاة وكن من الراسخين فى الشكر على ما أنعمت به عليك ، فأنت أسوة وقدوة لأهل زمانك .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن موسى عليه السلام لما طلب الرؤية ومنعه الله منها، عدد الله عليه وجوه نعمه العظيمة التي له عليه، وأمره أن يشتغل بشكرها كأنه قال له إن كنت قد منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النعم العظيمة كذا وكذا، فلا يضيق صدرك بسبب منع الرؤية، وانظر إلى سائر أنواع النعم التي خصصتك بها واشتغل بشكرها.

والمقصود تسلية موسى عليه السلام عن منع الرؤية، وهذا أيضاً أحد ما يدل على أن الرؤيا جائزة على الله تعالى، إذ لو كانت ممتنعة في نفسها لما كان إلى ذكر هذا القدر حاجة.

واعلم أن الاصطفاء استخلاص الصفوة فقوله: ﴿ اصطفيتك ﴾ أي اتخذتك صفوة على الناس قال ابن عباس: يريد فضلتك على الناس، ولما ذكر أنه تعالى اصطفاه ذكر الأمر الذي به حصل هذا الاصطفاء فقال: ﴿ برسالاتي وبكلامي ﴾ قرأ ابن كثير ونافع ﴿ برسالتي ﴾ على الواحد والباقون ﴿ برسالاتي ﴾ على الجمع، وذلك أنه تعالى أوحى إليه مرة بعد أخرى، ومن قرأ ﴿ برسالتي ﴾ فلأن الرسالة تجري مجرى المصدر، فيجوز إفرادها في موضع الجمع، وإنما قال: ﴿ اصطفيتك عَلَى الناس ﴾ ولم يقل على الخلق، لأن الملائكة قد تسمع كلام الله من غير واسطة كما سمعه موسى عليه السلام.

فإن قيل: كيف اصطفاه على الناس برسالاته مع أن كثيراً من الناس قد ساواه في الرسالة؟

قلنا: إنه تعالى بين أنه خصه من دون الناس بمجموع الأمرين، وهو الرسالة مع الكلام بغير واسطة، وهذا المجموع ما حصل لغيره، فثبت أنه إنما حصل التخصيص هاهنا لأنه سمع ذلك الكلام بغير واسطة، وإنما كان الكلام بغير واسطة سبباً لمزيد الشرف بناء على العرف الظاهر، لأن من سمع كلام الملك العظيم من فلق فيه كان أعلى حالاً وأشرف مرتبة ممن سمعه بواسطة الحجاب والنواب، ولما ذكر هذين النوعين من النعمة العظيمة.

قال: ﴿ فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ وَكُنْ مّنَ الشاكرين ﴾ يعني فخذ هذه النعمة، ولا يضيق قلبك بسبب منعك الرؤية، واشتغل بشكر الفوز بهذه النعمة والاشتغال بشكرها إنما يكون بالقيام بلوازمها علماً وعملاً والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ اصطفيتك عَلَى الناس ﴾ اخترتك على أهل زمانك وآثرتك عليهم ﴿ برسالاتي ﴾ وهي أسفار التوراة ﴿ وبكلامي ﴾ وبتكليمي إياك ﴿ فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ ﴾ ما أعطيتك من شرف النبوّة والحكمة ﴿ وَكُنْ مّنَ الشاكرين ﴾ على النعمة في ذلك فهي من أجل النعم.

وقيل: خرّ موسى صعقاً يوم عرفة، وأعطي التوراة يوم النحر.

فإن قلت: كيف قيل؛ اصطفيتك على الناس وكان هارون مصطفى مثله نبياً؟

قلت: أجل، ولكنه كان تابعاً له وردءاًوزيراً.

والكليم: هو موسى عليه السلام، والأصيل في حمل الرسالة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ ﴾ اخْتَرْتُكَ.

﴿ عَلى النّاسِ ﴾ أيِ المَوْجُودِينَ في زَمانِكَ، وهارُونُ وإنْ كانَ نَبِيًّا كانَ مَأْمُورًا بِاتِّباعِهِ ولَمْ يَكُنْ كَلِيمًا ولا صاحِبَ شَرْعٍ.

﴿ بِرِسالاتِي ﴾ يَعْنِي أسْفارَ التَّوْراةِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ « بِرِسالَتِي» .

﴿ وَبِكَلامِي ﴾ وبِتَكْلِيمِي إيّاكَ.

﴿ فَخُذْ ما آتَيْتُكَ ﴾ أعْطَيْتُكَ مِنَ الرِّسالَةِ.

﴿ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ ﴾ عَلى النِّعْمَةِ فِيهِ.

رُوِيَ أنَّ سُؤالَ الرُّؤْيَةِ كانَ يَوْمَ عَرَفَةَ، وإعْطاءَ التَّوْراةِ كانَ يَوْمَ النَّحْرِ.

﴿ وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِمّا يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ.

﴿ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجارِ والمَجْرُورِ، أيْ وكَتَبْنا لَهُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ المَواعِظِ وتَفْصِيلِ الأحْكامِ.

واخْتُلِفَ في أنَّ الألْواحَ كانَتْ عَشْرَةً أوْ سَبْعَةً، وكانَتْ مِن زُمُرُّدٍ أوْ زَبَرْجَدٍ، أوْ ياقُوتٍ أحْمَرَ أوْ صَخْرَةً صَمّاءَ لَيَّنَها اللَّهُ لِمُوسى فَقَطَعَها بِيَدِهِ وسَقَفَها بِأصابِعِهِ وكانَ فِيها التَّوْراةُ أوْ غَيْرُها.

﴿ فَخُذْها ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَطْفًا عَلى كُتُبِنا أوْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ فَخُذْ ما آتَيْتُكَ ﴾ والهاءُ لِلْألْواحِ أوْ لِكُلِّ شَيْءٍ فَإنَّهُ بِمَعْنى الأشْياءِ أوْ لِلرِّسالاتِ.

﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ بِجِدٍّ وعَزِيمَةٍ.

﴿ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها ﴾ أيْ بِأحْسَنِ ما فِيها كالصَّبْرِ والعَفْوِ بِالإضافَةِ إلى الِانْتِصارِ، والِاقْتِصاصِ عَلى طَرِيقَةِ النَّدْبِ والحَثِّ عَلى الأفْضَلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ ﴾ .

أوْ بِواجِباتِها فَإنَّ الواجِبَ أحْسَنُ مِن غَيْرِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأحْسَنِ البالِغُ في الحُسْنِ مُطْلَقًا لا بِالإضافَةِ، وهو المَأْمُورُ بِهِ كَقَوْلِهِمُ الصَّيْفُ أحَرُّ مِنَ الشِّتاءِ.

﴿ سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ ﴾ دارَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِمِصْرَ خاوِيَةً عَلى عُرُوشِها، أوْ مَنازِلَ عادٍ وثَمُودَ وأضْرابِهِمْ لِتَعْتَبِرُوا فَلا تَفْسُقُوا، أوْ دارَهم في الآخِرَةِ وهي جَهَنَّمُ.

وقُرِئَ « سَأُورِيكم» بِمَعْنى سَأُبَيِّنُ لَكم مِن أوْرَيْتُ الزِّنْدَ و « سَأُورِثُكَ»، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَأوْرَثْنا القَوْمَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قال يا موسى إِنَّي اصْطَفيْتُكَ عَلَى النَّاس} اخترتك على أهل زمانك {برسالاتي} هي أسفار التوراة برسالتي حجازي {وبكلامي} وبتكليمي إياك {فخذ ما آتيتك} أعطيتك من شرف النبوة والحكمة {وَكُن مِّنَ الشاكرين} على النعمة في ذلك فهي من أجل النعم قيل خر موسى صعقاً يوم عرفة وأعطي التوراة يوم النحر ولما كان هرون وزيرا تابعا لموسى تخصص الاصطفاء بموسى عليه السلام

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ يا مُوسى ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عَدَمِ الإجابَةِ إلى سُؤالِهِ عَلى ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ مَنَعْتُكَ الرُّؤْيَةَ فَقَدْ أعْطَيْتُكَ مِنَ النِّعَمِ العِظامِ ما أعْطَيْتُكَ فاغْتَنِمْهُ وثابِرْ عَلى شُكْرِهِ؛ ﴿ إنِّي اصْطَفَيْتُكَ ﴾ أيِ اخْتَرْتُكَ وهو افْتِعالٌ مِنَ الصَّفْوَةِ بِمَعْنى الخِيارِ، والتَّأْكِيدُ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الخَبَرِ عَلى النّاسِ المَوْجُودِينَ في زَمانِكَ، وهَذا كَما فَضَّلَ قَوْمَهُ عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ ﴾ ﴿ بِرِسالاتِي ﴾ أيْ بِأسْفارِ التَّوْراةِ.

وقَرَأ أهْلُ الحِجازِ ورُوحٌ: (بِرِسالَتِي).

﴿ وبِكَلامِي ﴾ أيْ: بِتَكْلِيمِي إيّاكَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ.

أوِ الكَلامِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: بِإسْماعِ كَلامِي، والمُرادُ: فَضَّلْتُكَ بِمَجْمُوعِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، فَلا يَرِدُ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَلِيمًا عَلى أنَّ رِسالَتَهُ كانَتْ تَبَعِيَّةً أيْضًا، وكانَ مَأْمُورًا بِاتِّباعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَذَلِكَ لا يَرِدُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المِيقاتِ في قَوْلٍ؛ لِأنَّهم وإنْ سَمِعُوا الخِطابَ إلّا أنَّهم لَيْسَ لَهم مِنَ الرِّسالَةِ شَيْءٌ، عَلى أنَّ المَقْصُودَ بِالتَّكْلِيمِ المُوَجَّهِ إلَيْهِ الخِطابُ هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ دُونَهم وبِتَخْصِيصِ النّاسِ بِما عَلِمْتَ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَلا يَرِدُ أنَّ مَجْمُوعَ الرِّسالَةِ والتَّكْلِيمِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ وُجِدَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْضًا عَلى الصَّحِيحِ، عَلى أنّا لَوْ قُلْنا بِأنَّ التَّكْلِيمَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ مَخْصُوصٌ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَلْزَمُ مِنهُ تَفْضِيلُهُ مِن كُلِّ الوُجُوهِ عَلى غَيْرِهِ كَنَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقَدْ يُوجَدُ في الفاضِلِ ما لا يُوجَدُ في الأفْضَلِ، وإنَّما كانَ الكَلامُ بِلا واسِطَةٍ سَبَبًا لِلشَّرَفِ بِناءً عَلى العُرْفِ الظّاهِرِ، وقَدْ قالُوا: شَتّانَ بَيْنَ مَنِ اتَّخَذَهُ المَلِكُ لِنَفْسِهِ حَبِيبًا وقَرَّبَهُ إلَيْهِ بِلُطْفِهِ تَقْرِيبًا، وبَيْنَ مَن ضَرَبَ لَهُ الحِجابَ والحِجابَ وحالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَقْصُودِ بَوّابٌ ونُوّابٌ، عَلى أنَّ مَن ذاقَ طَعْمَ المَحَبَّةِ ولَوْ بِطَرَفِ اللِّسانِ يَعْلَمُ ما في تَكْلِيمِ المَحْبُوبِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ مِنَ اللُّطْفِ العَظِيمِ والبِرِّ الجَسِيمِ، وكَلامُهُ جَلَّ شَأْنُهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ المِيقاتِ كَثِيرٌ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآثارُ، وقَدْ سَبَقَ لَكَ ما يَدُلُّ عَلى كَمِّيَّتِهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.

وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى شَأْنُهُ ناجى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِمِائَةِ ألْفٍ وأرْبَعِينَ ألْفَ كَلِمَةٍ في ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَلَمّا سَمِعَ كَلامَ الآدَمِيِّينَ مَقَتَهم لِما وقَعَ في مَسامِعِهِ مِن كَلامِ الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ، فَكانَ فِيما ناجاهُ أنْ قالَ: يا مُوسى، إنَّهُ لَمْ يَتَصَنَّعِ المُتَصَنِّعُونَ بِمِثْلِ الزُّهْدِ في الدُّنْيا، ولَمْ يَتَقَرَّبْ إلَيَّ المُتَقَرِّبُونَ بِمِثْلِ الوَرَعِ عَمّا حَرَّمْتُ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَتَعَبَّدِ المُتَعَبِّدُونَ بِمِثْلِ البُكاءِ مِن خَشْيَتِي، فَقالَ مُوسى: يا رَبِّ، وإلَهَ البَرِّيَّةِ كُلِّها ويا مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ، ويا ذا الجَلالِ والإكْرامِ، ماذا أعْدَدْتَ لَهم وماذا جَزَيْتَهُمْ؟

قالَ: أمّا الزّاهِدُونَ في الدُّنْيا فَإنِّي أُبِيحُهم جَنَّتِي حَتّى يَتَبَوَّءُوا فِيها حَيْثُ شاءُوا، وأمّا الوَرِعُونَ عَمّا حَرَّمْتْ عَلَيْهِمْ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ لَمْ يَبْقَ عَبْدٌ إلّا ناقَشْتُهُ الحِسابَ وفَتَّشْتُ عَمّا في يَدَيْهِ إلّا الوَرِعُونَ؛ فَإنِّي أُجِلُّهم وأُكْرِمُهم وأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، وأمّا الباكُونَ مِن خَشْيَتِي فَأُولَئِكَ لَهُمُ الرَّفِيقُ الأعْلى لا يُشارِكُهم فِيهِ أحَدٌ»».

وأخْرَجَ آدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ في كِتابِ العِلْمِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَمّا قَرَّبَ اللَّهُ تَعالى مُوسى نَجِيًّا أبْصَرَ في ظِلِّ العَرْشِ رَجُلًا فَغَبَطَهُ بِمَكانِهِ فَسَألَهُ عَنْهُ فَلَمْ يُخْبِرْهُ بِاسْمِهِ، وأخْبَرَهُ بِعِلْمِهِ فَقالَ لَهُ: هَذا رَجُلٌ كانَ لا يَحْسُدُ النّاسَ عَلى ما أتاهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن فَضْلِهِ، بَرًّا بِالوالِدَيْنِ، لا يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ.

ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: يا مُوسى، ما جِئْتَ تَطْلُبُ؟

قالَ: جِئْتُ أطْلُبُ الهُدى يا رَبِّ.

قالَ: قَدْ وجَدْتَ يا مُوسى.

فَقالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ما مَضى مِن ذُنُوبِي وما غَبَرَ وما بَيْنَ ذَلِكَ وما أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، وأعُوذُ بِكَ مِن وسْوَسَةِ نَفْسِي وسُوءِ عَمَلِي.

فَقِيلَ لَهُ: قَدْ كُفِيتَ يا مُوسى.

قالَ: يا رَبِّ، أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إلَيْكَ أنْ أعْمَلَهُ؟

قالَ: اذْكُرْنِي يا مُوسى.

قالَ: رَبِّ، أيُّ عِبادِكَ أتْقى؟

قالَ: الَّذِي يَذْكُرُنِي ولا يَنْسانِي.

قالَ: رَبِّ، أيُّ عِبادِكَ أغْنى؟

قالَ: الَّذِي يَقْنَعُ بِما يُؤْتى.

قالَ: رَبِّ، أيُّ عِبادِكَ أفْضَلُ؟

قالَ: الَّذِي يَقْضِي بِالحَقِّ ولا يَتَّبِعُ الهَوى.

قالَ: رَبِّ، أيُّ عِبادِكَ أعْلَمُ؟

قالَ: الَّذِي يَطْلُبُ عِلْمَ النّاسِ إلى عِلْمِهِ لَعَلَّهُ يَسْمَعُ كَلِمَةً تَدُلُّهُ عَلى هُدًى أوْ تَرُدُّهُ عَنْ رَدًى.

قالَ: رَبِّ، أيُّ عِبادِكَ أحَبُّ إلَيْكَ عَمَلًا؟

قالَ: الَّذِي لا يَكْذِبُ لِسانُهُ، ولا يَزْنِي فَرْجُهُ، ولا يَفْجُرُ قَلْبُهُ.

قالَ: رَبِّ، ثُمَّ أيُّ: عَلى أثَرِ هَذا؟

قالَ: قَلْبُ مُؤْمِنٍ في خُلُقٍ حَسَنٍ.

قالَ: رَبِّ، أيُّ عِبادِكَ أبْغَضُ إلَيْكَ؟

قالَ: قَلْبُ كافِرٍ في خُلُقٍ سَيِّئٍ.

قالَ: رَبِّ، ثُمَّ أيُّ عَلى أثَرِ هَذا؟

قالَ: جِيفَةٌ بِاللَّيْلِ بَطّالٌ بِالنَّهارِ.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: قالَ مُوسى: يا رَبِّ، عَلِّمْنِي شَيْئًا أذْكُرُكَ بِهِ وأدْعُوكَ بِهِ؟

قالَ: قُلْ يا مُوسى: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.

قالَ: يا رَبِّ، كُلُّ عِبادِكَ يَقُولُ هَذا.

قالَ: قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.

قالَ: لا إلَهَ إلّا أنْتَ يا رَبِّ.

إنَّما أُرِيدُ شَيْئًا تَخُصُّنِي بِهِ.

قالَ: يا مُوسى، لَوْ أنَّ السَّمَواتِ السَّبْعَ وعامِرَهُنَّ غَيْرِي والأرْضِينَ السَّبْعَ في كِفَّةٍ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ في كِفَّةٍ مالَتْ بِهِنَّ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ».

وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَمّا ارْتَقى مُوسى طُورَ سِينا رَأى الجَبّارُ في أُصْبُعِهِ خاتَمًا فَقالَ: هَلْ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أسْمائِي أوْ كَلامِي؟

قالَ: لا.

قالَ فاكْتُبْ عَلَيْهِ: لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ العَلاءِ بْنِ كَثِيرٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: يا مُوسى، أتَدْرِي لِمَ كَلَّمْتُكَ؟

قالَ: لا يا رَبِّ، قالَ: لِأنِّي لَمْ أخْلُقْ خَلْقًا تَواضَعَ لِي تَواضُعَكَ.

ولِلْقُصّاصِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ مَوْضُوعَةٌ في أسْئِلَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ وأجْوِبَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ لَهُ، لا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ التَّصْدِيقُ بِها، ﴿ فَخُذْ ما آتَيْتُكَ ﴾ أيْ: أعْطَيْتُكَ مِن شَرَفِ الِاصْطِفاءِ.

﴿ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ ﴾ أيْ: مَعْدُودًا في عِدادِهِمْ بِأنْ يَكُونَ لَكَ مُساهَمَةٌ كامِلَةٌ فِيهِمْ، وحاصِلُهُ: كُنْ بَلِيغَ الشُّكْرِ؛ فَإنَّ ما أنْعَمْتُ بِهِ عَلَيْكَ مِن أجَلِّ النِّعَمِ.

أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: يا رَبِّ، دُلَّنِي عَلى عَمَلٍ إذا عَمِلْتُهُ كانَ شُكْرًا لَكَ فِيما اصْطَنَعْتَ إلَيَّ، قالَ: يا مُوسى، قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

قالَ: فَكَأنَّ مُوسى أرادَ مِنَ العَمَلِ ما هو أنْهَكُ لِجِسْمِهِ مِمّا أُمِرَ بِهِ فَقالَ لَهُ: يا مُوسى، لَوْ أنَّ السَّمَواتِ السَّبْعَ الخَبَرَ ...

وهو في مَعْنى ما في خَبَرِ أبِي سَعِيدٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً قرأ أبو عمرو وَوَعَدْنَا بغير ألف، والباقون بالألف ومعناهما واحد.

وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ يعني: ثلاثين من ذي القعدة وعشر من ذي الحجة.

ويقال: ثلاثين من ذي الحجة وعشر من المحرم.

والمناجاة في يوم عاشوراء.

وكانت المواعدة ثلاثين يوماً وأمر بأن يصوم ثلاثين يوماً، فلما صام ثلاثين يوماً، أنكر خلوف فمه فاستاك بعود خرنوب وقيل: بورقة موز، فقالت له الملائكة: كنا نجد من فيك ريح المسك فأفسدته بالسواك فأمر بأن يصوم عشراً أخر، فصارت الجملة أربعين يوماً.

كما قال في آية أخرى وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [البقرة: 51] يعني: صارت في الجملة أربعين ولكن مرة ثلاثين يوماً، ومرة عشرة.

فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً يعني: ميعاد ربه أربعين ليلة.

يعني: ميعاد ربه.

وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي يعني: قال له قبل انطلاقه إلى الجبل: اخلفني فِي قَوْمِي أي كن خليفتي على قومي وَأَصْلِحْ يعني: مرهم بالصلاح.

ويقال: وأصلح بينهم.

ويقال: ارفق لهم وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ أي ولا تتبع سبيل أي طريق العاصين، ولا ترضى به.

واتّبع سبيل المطيعين.

وقال بعض الحكماء: من هاهنا ترك قومه عبادة الله وعبدوا العجل، لأنه سلمهم إلى هارون ولم يسلمهم إلى ربهم.

ولهذا لم يستخلف النبي بعده.

وسلم أمر أمته إلى الله تعالى.

فاختار الله لأمته أفضل الناس بعد رسول الله  وهو أبو بكر الصديق- رضى الله تعالى عنه- فأصلح بينهم.

قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا يعني: لميعادنا لتمام أربعين يوماً.

ويقال: لميقاتنا أي للوقت الذي وقّتنا له.

وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ فسمع موسى كلام الله تعالى بغير وحي، فاشتاق إلى رؤيته قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ انظر صار جزماً لأنه جواب الأمر قالَ له ربه: لَنْ تَرانِي يعني: إنك لن تراني في الدنيا وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ يعني: انظر إلى أعظم جبل بمدين فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي يعني: سوف تقدر أن تراني إن استقر الجبل مكانه.

معناه: كما أن الجبل لا يستقر لرؤيتي فإنك لن تطيق رؤيتي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ قال الضحاك: ألقى عليه من نوره فاضطرب الجبل من هيبته يعني: من رهبة الله تعالى.

وقال القتبي: تجلى ربه للجبل أي ظهر وأظهر من أمره ما شاء.

يقال: جلوت المرأة والسيف إذا أبرزته من الصدأ وكشف عنه.

وجلوت العروس إذا أبرزتها.

فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ أي: جبل زبير جَعَلَهُ دَكًّا قرأ حمزة والكسائي جعله دكاء بالهمز يعني: جعله أرضاً دكاء.

وقرأ الباقون دَكّاً بالتنوين يعني: دَكَّه دَكّاً.

قال بعضهم: صار الجبل قطعاً، فصار على ثمان قطع.

فوقع ثلاث بمكة وثلاث بالمدينة واثنان بالشام.

ويقال: صار ستة فرق.

ويقال: صار أربع فرق.

ويقال: صار كله رملاً عالجاً أي ليناً.

وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: جعله دكاً أي تراباً، وقال القتبي: جعله دكاً أي ألصقه بالأرض.

ويقال: ناقة دكاء إذا لم يكن لها سنام أي تراباً.

وروي عن وهب بن منبه أنه قال: لما سأل موسى النظر إلى ربه أمر الله الضباب والصواعق والظلمات والرعد والبرق فهبطن حتى أحطن بالجبل، وأمر الله تعالى ملائكة السموات فهبطوا، وارتعدت فرائص موسى وتغير لونه.

فقال له جبريل: اصبر لما سألت ربك، فإنما رأيت قليلاً من كثير فلما غشي الجبل النور، خمد كل شيء، وانقطعت أصوات الملائكة وانهار الجبل من خشية الله تعالى.

حتى صار دكاً.

قوله تعالى: وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً قال مقاتل: يعني ميتا.

كقوله عز وجل: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ يعني: مات.

ويقال: وخر موسى صعقاً أي مغشياً عليه فَلَمَّا أَفاقَ من غشيانه قال مقاتل: رد الله حياته إليه قالَ سُبْحانَكَ أي تنزيهاً لك تُبْتُ إِلَيْكَ من قولي وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ.

روى الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: قد كان قبله من المؤمنين.

ولكن يقول أول من آمن بأنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة.

وقال مقاتل: أول المؤمنين بأنك لا تُرى في الدنيا.

وقال القتبي: أراد به في زمانه كقوله: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ [البقرة: 47] ويقال: معناه تبت إليك بأن لا أسألك بعد هذا سؤالاً محالاً.

فاعترف أنه طلب شيئاً في غير حينه وأوانه ووقته.

وقال الزجاج: قد قال موسى: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ أرني أمراً عظيماً لا يرى مثله في الدنيا مما لا تحتمل عليه نفسي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ أي: أمر ربه قال: وهذا خطأ.

ولكن لما سمع كلامه قال يا رب: إنِّي سمعت كلامك وأحب أن أراك.

قوله تعالى: قالَ يَا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي يعني: بنبوتي.

قرأ ابن كثير ونافع برسَالَتِي.

وقرأ الباقون برسَالاتي بلفظ الجماعة ومعناهما واحد أي: اختصصتك بالنبوة.

وَبِكَلامِي أي بتكلمي معك من غير وحي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ أي: اعمل بما أعطيتك وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ لما أعطيتك.

وقال القتبي: قوله وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ أراد به في زمانه كقوله وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ [البقرة: 47] .

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أشرارهم وقريبي العَهْد بالكُفْر، قال الشيخُ الحافظُ أبو القاسِمِ عَبْدُ الرحمن بْنُ عبْدِ اللَّهِ الخَثْعَمِيُّ ثم السُّهَيْليُّ ذكر النَّقَّاش في قوله تعالى: فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ أنهم كانوا مِنْ لَخْمٍ، وكانو يعبُدُون أصناماً على صور البقر، وأنَّ السامِريَّ كان أصله منهم، ولذلك نزع إِلى عبادة العجْلِ.

انتهى، واللَّه أعلم، وهذا هو معنى ما تقدَّم من كلام ع «١» ، وقوله: إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ، أي: مُهْلَكٌ، مُدَمَّر، رديء العاقبة، والتّبار: الهلاك، وإناء مُتَبَّرٌ، أي: مكسورٌ، وكسارته تِبْرٌ ومنه: تِبْرُ الذَّهَبِ لأنه كسارة، وقوله: مَّا هُمْ فِيهِ يعمّ جميع أحوالهم وباطِلٌ: معناه: فاسد ذاهب مضحملّ، وأَبْغِيكُمْ معناه: أطلبُ.

ثم عدَّد عليهم سبحانه في هذه الآية النِّعَمَ التي يجبُ من أجلها أَلاَّ يكفروا به، ولا يَرْغَبُوا في عبادة غيره، فقال: وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ...

الآية، ويَسُومُونَكُمْ معنا: يحمِّلُونكم، ويكلِّفونكم، ومساوَمَةُ البيع تنظر إِلى هذا فإِنْ كلَّ واحد من المتساوِمَيْن يكلِّف صاحبه إِرادَتُه، ثم فَسَّرَ سوء العذاب بقوله: يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ ...

الآية.

وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥)

وقوله سبحانه: وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ ...

الآية: قال ابن عباس وغيره: الثلاثون ليلة هي شهر ذي القعدة، وأن العشر هي عَشْرُ ذي «٢» الحِجَّة، وروي أن الثلاثين إِنما وعد بأن يصومَهَا، وأَنَّ مدة المناجاة هِيَ العَشْر، وحيث ورد أنَّ المواعدة أربعُونَ ليلةً، فذلك إِخبار بجملة الأمْر، وهو في هذه الآية إِخبار بتفصيله، والمعنى في قوله: وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ: أنه خلق لَهُ إِدراكاً سَمِعَ به الكلام القائم بالذات القديم

الذي هو صفةُ ذاتٍ، وكلامُ اللَّه سبحانه لا يشبه كلامَ المخلوقين «١» ، وليسَ في جهة مِنَ الجهاتِ، وكما هو موجودٌ لا كالموجودات، ومعلومٌ لا كالمعلومات كذلك كلامه لا يُشْبِهُ الكلامَ الذي فيه علاماتُ الحدوثِ، وجَوابُ «لَمَّا» في قوله: قالَ، والمعنى أنَّه لمَّا كلَّمه اللَّه عزَّ وجلَّ، وخصَّه بهذه المرتبة، طَمَحَتْ همته إِلى رُتْبة الرؤْية، وتشوَّق إِلى ذلك، فسأل ربّه الرؤية، ورؤية الله عز وجلّ عند أهل السنة جائزةٌ عقْلاً لأنه من حيثُ هو موجودٌ تصحُّ رؤيته قالوا: لأن الرؤية للشَّيْءِ لا تتعلَّق بصفةٍ مِنْ صفاته أَكْثَرَ من الوُجُود، فموسى عليه السلام لم يسأَلْ ربَّه محالاً، وإِنما سأله جائزاً، وقوله سبحانه: لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ ...

الآية: ليس بجواب مَنْ سأل محَالاً، و «لَنْ» تنفي الفَعْلَ المستقبَلَ، ولو بقينا مع هذا النفي بمجرده، لقضينا أنه لا يراه موسى أبداً، ولا في الآخرةِ، لكنْ ورد من جهة أخرى بالحديثِ المتواتر أنَّ أهل الإِيمانَ يَرَوْنَ اللَّه يوم القيامة، فموسى عليه السلام أحرَى برؤيته، قُلْتُ: وأيضاً قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢، ٢٣] ، فهو نصّ في الرؤية بيّنه صلّى الله عليه وسلّم ففي «الترمذيُّ» عن ابن عُمَرَ، قال: قَالَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشيّة» ، ثم

قرأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢، ٢٣] «١» ، قال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث مِنْ غير وجه مرفوعاً، وموقوفاً.

انتهى.

قال مجاهد وغيره: إن الله عز وجل قال له: يا موسى، لن تراني، ولكنّ سأتجلَّى للجَبَل، وهو أقوى منك، وأَشَدُّ فإِن استقر وأطاقَ الصبْرَ لهيبتي، فسَتُمْكِنُكَ أَنْتَ رؤيتي «٢» .

قال ع «٣» : فعلى هذا إِنما جعل اللَّه الجَبَل مثالاً، قلتُ: وقول ع «٤» : ولو بَقِينَا مع هذا النفي بمجرده، لقضينا أنه لا يراه موسَى أبداً ولا في الآخرة، قولٌ مرجوحٌ لم يتفطَّن له رحمه اللَّه، والحقُّ الذي لا شَكَّ فيه أَنَّ «لن» لا تقتضي النفي المؤبّد «٥» .

قال بدْرُ الدين أبو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مالِكٍ/ في شرح التَّسْهِيلِ: «وَلَنْ» كغيرها من حروفِ النفي في جواز كون استقبال المنفيِّ بها منقَطعاً عنْدَ حَدٍّ وغَيْرَ منقطعٍ، وذكر الزمخشريُّ في «أُنْمُوذجِهِ» أَنَّ «لَنْ» لتأبيدِ النفْي، وحاملُهُ على ذلك اعتقادُهُ أنَّ اللَّه تعالى لا يُرَى، وهو اعتقادٌ باطلٌ لصحَّةَ ثبوتِ الرؤية عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واستدل على عدم اختصاصها بالتأبيد بمجيء استقبال المنْفِيِّ بها مُغَيًّا إِلى غايةٍ ينتهي بانتهائها، كما في قوله تعالى: قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى [طه: ٩١] ، وهو واضح.

انتهى، ونحوه لابْنِ هشامٍ، ولفظه: ولا تفيدُ «لَنْ» توكيدَ المنفيِّ خلافاً للزمخشريِّ في «كشافه» ، ولا تأْبِيدَهُ، خلافاً له في «أنموذجه» ، وكلاهما دعوى بلا دليلٍ قيل: ولو كانَتْ للتأبيدِ، لم يقيد منفيُّها ب «اليوْم» في فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [مريم: ٢٦] ولكان ذكْرُهُ «الأَبَدَ» في وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً [البقرة: ٩٥] تَكْراراً، والأصل عدمه.

انتهى من «المغني» .

وقوله سبحانه: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ: التجلِّي: هو الظهورُ منْ غير تشبيهٍ ولا تكييفٍ، وقوله: جَعَلَهُ دَكًّا، المعنى: جعله أرضاً دكًّا، يقال: ناقةٌ دَكَّاء، أَيْ: لا سنامَ لها، وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً، أي: مغشيًّا عليه، قاله جماعة من المفسِّرين.

قال ص: وَخَرَّ معناه سقَطَ، وقوله: سُبْحانَكَ، أي: تنزيهاً لك كذا فسَّره النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقوله: تُبْتُ إِلَيْكَ، معناه: منْ أن أسألك الرُّؤْية في الدنيا، وأنْتَ لا تبيحها فيها.

قال ع «١» : ويحتمل عنْدي أنه لفظ قاله عليه السلام لشدَّة هَوْل المَطْلَعَ، ولم يعن التَّوْبَة مِنْ شيء معيَّن، ولكنَّه لفظٌ لائقٌ بذلك المقامِ، والذي يتحرَّز منه أَهْلُ السنة أنْ تكون تَوْبَةً من سؤال المُحَال كما زعَمَتِ المعتزلةُ، وقوله: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ، أي:

مِنْ قومه قاله ابن عباس «٢» وغيره، أَو مِنْ أَهْلِ زمانه إِنْ كان الكُفْر قد طَبَّق الأرض، أو أولُ المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا قاله أبو العالية «٣» .

وقوله سبحانه: فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ فيه تأديبٌ، وتقنيعٌ، وحملٌ على جادَّة السلامة، ومثالٌ لكلِّ أحدٍ في حاله، فإِن جميع النّعم من عند الله سبحانه بمقدار،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ لَنْ تَرانِي ﴾ تَعَلَّقَ بِهَذا نُفاةُ الرُّؤْيَةِ وقالُوا:"أنْ" لَنَفْيِ الأبَدِ، وذَلِكَ غَلَطٌ، لِأنَّها قَدْ ورَدَتْ ولَيْسَ المُرادُ بِها الأبَدُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ  ﴾ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِتَمَنِّيهِ في النّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿ يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ  ﴾ ولِأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ في تَفْسِيرِها: لَنْ تَرانِيَ في الدُّنْيا.

وقالَ غَيْرُهُ: هَذا جَوابٌ لَقَوْلِ مُوسى: "أرِنِي" ولَمْ يُرِدْ: أرِنِي في الآَخِرَةِ، وإنَّما أرادَ في الدُّنْيا، فَأُجِيبُ عَمّا سَألَ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: لَنْ تَرانِي بِسُؤالِكَ.

وفي هَذِهِ الآَيَةِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ الرُّؤْيَةِ، لِأنَّ مُوسى مَعَ عِلْمِهِ بِاللَّهِ تَعالى، سَألَها، ولَوْ كانَتْ مِمّا يَسْتَحِيلُ لَما جازَ لِمُوسى أنْ يَسْألَها، ولا يَجُوزُ أنْ يَجْهَلَ مُوسى مِثْلَ ذَلِكَ، لِأنَّ مَعْرِفَةَ الأنْبِياءِ بِاللَّهِ لَيْسَ فِيها نَقْصٌ، ولِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ المَسْألَةَ وإنَّما مَنَعَهُ مِنَ الرُّؤْيَةِ، ولَوِ اسْتَحالَتْ عَلَيْهِ لَقالَ: "لا أرى" ألّا تَرى أنَّ نُوحًا لَمّا قالَ: ﴿ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي  ﴾ أنْكَرَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ  ﴾ .

ومِمّا يَدُلُّ عَلى جَوازِ الرُّؤْيَةِ أنَّهُ عَلَّقَها بِاسْتِقْرارِ الجَبَلِ، وذَلِكَ جائِزٌ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ، فَدَلَّ عَلى أنَّها جائِزَةٌ، ألا تَرى أنَّ دُخُولَ الكُفّارِ الجَنَّةَ لَمّا اسْتَحالَ عَلَّقَهُ بِمُسْتَحِيلٍ فَقالَ: ﴿ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ ﴾ أيْ: ثَبَتَ ولَمْ يَتَضَعْضَعْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ظَهَرَ، وبانَ.

﴿ جَعَلَهُ دَكًّا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ:" دَكًّا" مُنَوَّنَةً مَقْصُورَةً هاهُنا وفي (الكَهْفِ:٩٨) وقَرَأ عاصِمٌ: "دَكًّا" ها هُنا مُنَوَّنَةً مَقْصُورَةً، وفي دَكّاءَ مَمْدُودَةً غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "دَكّاءَ" مَمْدُودَةً غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ في المَوْضِعَيْنِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "جَعَلَهُ دَكًّا" أيْ: مُنْدَكًّا، والدَّكُّ: المُسْتَوِي؛ والمَعْنى: مُسْتَوِيًا مَعَ وجْهِ الأرْضِ، يُقالُ: ناقَةٌ دَكّاءُ، أيْ: ذاهِبَةُ السَّنامِ مُسْتَوٍ ظَهْرُها.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأنَّ سَنامَها دُكَّ، أيِ: التَصَقَ، قالَ: ويُقالُ: إنَّ أصْلَ دَكَكْتُ: دَقَقْتُ، فَأُبْدِلَتِ القافُ كافًا لَتُقارِبِ المَخْرَجَيْنِ.

وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ في قَوْلِهِ: "جَعَلَهُ دَكًّا" ساخَ الجَبَلُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واسْمُ الجَبَلِ: زُبَيْرٌ وهو أعْظَمُ جَبَلٍ بِمَدْيَنَ، وإنَّ الجِبالَ تَطاوَلَتْ لَيَتَجَلّى لَها، وتَواضَعَ زُبَيْرٌ فَتَجَلّى لَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: مَيِّتًا، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والأوَّلُ أصَحُّ، لَقَوْلِهِ: ﴿ فَلَمّا أفاقَ ﴾ وذَلِكَ لا يُقالُ لَلْمَيِّتِ.

وقِيلَ: بَقِيَ في غَشِيَتْهُ يَوْمًا ولَيْلَة قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ ﴾ فِيما تابَ مِنهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: سُؤالُهُ الرُّؤْيَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: مِنَ الإقْدامِ عَلى المَسْألَةِ قَبْلَ الإذْنِ فِيها.

والثّالِثُ: اعْتِقادُ جَوازِ رُؤْيَتِهِ في الدُّنْيا.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّكَ لَنْ تَرى في الدُّنْيا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أوَّلُ المُؤْمِنِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي اصْطَفَيْتُكَ ﴾ فَتْحَ ياءَ "إنِّي" ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ: "بِرِسالَتِي" قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى اتَّخَذْتُكَ صَفْوَةً عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي، ولَوْ كانَ إنَّما سَمِعَ كَلامَ غَيْرَ اللَّهِ لَما قالَ:" بِرِسالاتِي وبِكَلامِي" لِأنَّ المَلائِكَةَ تَنْزِلُ إلى الأنْبِياءِ بِكَلامِ اللَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ  ﴾ ﴿ قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى الناسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشاكِرِينَ ﴾ ﴿ وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ ﴾ قالَ المُتَأوِّلُونَ المُتَكَلِّمُونَ كالقاضِي الباقِلّانِيُّ وغَيْرُهُ: "إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ لِلْجَبَلِ حَياةً وحِسًّا وإدْراكًا يَرى بِهِ ثُمَّ تَجَلّى لَهُ، أيْ ظَهَرَ وبَدا سُلْطانُهُ، فانْدَكَّ الجَبَلُ لِشِدَّةِ المَطْلَعِ، فَلَمّا رَأى مُوسى ما بِالجَبَلِ صَعِقَ"، وهَذا المَعْنى هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ عن ثابِتٍ عن أنَسٍ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قَرَأ: "فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا" قالَ: فَوَضَعَ الإبْهامَ قَرِيبًا مِن خِنْصَرِهِ، قالَ: فَساخَ الجَبَلُ، فَقالَ حُمَيْدٌ لِثابِتٍ: تَقُولُ هَذا؟

فَرَفَعَ ثابِتٌ يَدَهُ فَضَرَبَ صَدْرَهُ، وقالَ: يَقُولُ رَسُولُ اللهِ  ويَقُولُهُ أنَسٌ وأكْتُمُهُ أنا؟

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: فَلَمّا تَجَلّى اللهُ لِلْجَبَلِ بِقُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ انْدَكَّ الجَبَلُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ يَتَمَسَّكُ بِهِ المُعْتَزِلَةُ تَمَسُّكًا شَدِيدًا لِقَوْلِهِمْ: إنَّ رُؤْيَةَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ غَيْرُ جائِزَةٍ، وقائِلُهُ مِن أهْلِ السُنَّةِ إنَّما يَقُولُهُ مَعَ اعْتِقادِهِ جَوازَ الرُؤْيَةِ، ولَكِنَّهُ يَقُولُ: إنَّهُ ألْيَقُ بِألْفاظِ الآيَةِ مِن أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ أنَّ الجَبَلَ خُلِقَ لَهُ إدْراكٌ وحَياةٌ، وقالَ الزَجّاجُ: مَن قالَ: إنَّ التَقْدِيرَ: "فَلَمّا تَجَلّى أمْرُ رَبِّهِ" فَقَدْ أخْطَأ، ولا يَعْرِفُ أهْلُ اللُغَةِ ذَلِكَ، ورَدَّ أبُو عَلِيٍّ في "الأغْفالِ" عَلَيْهِ.

والدَكُّ: الِانْسِحاقُ والتَفَتُّتُ، وقَرَأ النَبِيُّ  ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ومُجاهِدٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "دَكًّا"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والرَبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ، وغَيْرُهُمْ: "دَكّاءَ" عَلى وزْنِ حَمْراءَ، والدَكّاءُ: الناقَةُ الَّتِي لا سَنامَ لَها، فالمَعْنى: جَعَلَهُ أرْضًا دَكّاءَ تَشْبِيهًا بِالناقَةِ، فَرُوِيَ أنَّهُ ذَهَبَ الجَبَلُ بِرُمَّتِهِ، وقِيلَ: ذَهَبَ أعْلاهُ وبَقِيَ أكْثَرُهُ، ورُوِيَ أنَّ الجَبَلَ تَفَتَّتَ وانْسَحَقَ حَتّى صارَ غُبارًا تَذْرُوهُ الرِياحُ، وقالَ سُفْيانُ: رُوِيَ أنَّهُ ساخَ في الأرْضِ وأفْضى إلى البَحْرِ الَّذِي تَحْتَ الأرَضِينَ.

قالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: فَهو يَهْوِي فِيهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ورُوِيَ أنَّهُ انْكَسَرَ سِتَّ فِرَقٍ، فَوَقَعَتْ مِنهُ ثَلاثٌ بِمَكَّةَ: ثَبِيرٌ، وغارُ ثَوْرٍ، وحِراءُ، وثَلاثٌ بِالمَدِينَةِ: أُحُدٌ، ووَرْقانُ، ورَضْوى، قالَهُ النَقّاشُ.

وقالَ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ: ساخَ في الأرْضِ فَلا يَظْهَرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

و"صَعِقًا" مَعْناهُ: مَغْشِيًّا عَلَيْهِ كَحال مَن تُصِيبُهُ الصَعْقَةُ وهي الصَيْحَةُ المُفْرِطَةُ، قالَ الخَلِيلُ: وهي الوَقْعُ الشَدِيدُ مِن صَوْتِ الرَعْدِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ مَوْتًا، قالَ الزَجّاجُ: وهو ضَعِيفٌ، ولَفْظَةُ "أفاقَ" تَقْتَضِي غَيْرَ هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿ سُبْحانَكَ  ﴾ أيْ: تَنْزِيهًا لَكَ، كَذا فَسَّرَهُ النَبِيُّ  ، وقَوْلُهُ: ﴿ تُبْتُ إلَيْكَ  ﴾ مَعْناهُ: مِن أنْ أسْألَكَ الرُؤْيَةَ في الدُنْيا وأنْتَ لا تُبِيحُها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنَّهُ لَفْظٌ قالَهُ عَلَيْهِ السَلامُ لِشِدَّةِ هَوْلِ ما اطَّلَعَ، ولَمْ يَعْنِ بِهِ التَوْبَةَ مِن شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، ولَكِنَّهُ لَفْظٌ يَصْلُحُ لِذَلِكَ المَقامِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يَتَحَرَّزُ مِنهُ أهْلُ السُنَّةِ أنْ تَكُونَ تَوْبَةً مِن سُؤالِ المُحالِ كَما زَعَمَتِ المُعْتَزِلَةُ،.

وقَرَأ نافِعٌ: "وَأنا" بِإثْباتِ الألِفِ في الإدْراجِ، قالَ الزَهْراوِيُّ، والأولى حَذْفُها في الإدْراجِ، وإثْباتُها لُغَةٌ شاذَّةٌ خارِجَةٌ عَنِ القِياسِ، وقَوْلُهُ: "أوَّلُ" إمّا أنْ يُرِيدَ: مِن قَوْمِهِ بَنِي إسْرائِيلَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، أو مِن أهْلِ زَمانِهِ إنْ كانَ الكُفْرُ قَدْ طَبَّقَ الآفاقَ، وإمّا أنْ يُرِيدَ أوَّلَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّكَ لا تَرى في الدُنْيا، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

ثُمَّ إنَّ اللهَ تَعالى قَرَّرَ مُوسى عَلى آلائِهِ عِنْدَهُ عَلى جِهَةِ الإخْبارِ وقَنَّعَهُ بِها وأمَرَهُ بِالشُكْرِ عَلَيْها، وكَأنَّهُ قالَ: ولا تَتَعَدَّها إلى غَيْرِها.

واصْطَفى أصْلُهُ: اصْتَفى، وهو افْتَعَلَ مِن صَفا يَصْفُو انْقَلَبَتِ التاءُ طاءً لِمَكانِ الصادِ، ومَعْناهُ: تَخَيَّرْتُكَ وخَصَصْتُكَ، ولا تُسْتَعْمَلُ إلّا في الخَيْرِ والمِنَنِ، لا يُقالُ: اصْطَفاهُ لِشَرٍّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى الناسِ ﴾ عامٌّ والمُرادُ الخُصُوصُ فِيمَن شارَكَ مُوسى في الإرْسالِ، فَإنَّ الأنْبِياءَ المُرْسَلِينَ مُشارِكُونَ لَهُ بِما هم رُسُلٌ، والظاهِرُ مِنَ الشَرِيعَةِ أنَّ مُوسى مُخَصَّصٌ بِالكَلامِ وإنْ كانَ قَدْ رُوِيَ في تَكْلِيمِ اللهِ غَيْرَهُ أشْياءُ بِما يَشاءُ، مِن أعْظَمِها «أنَّ رَسُولَ اللهِ  سُئِلَ عن آدَمَ فَقالَ: "هُوَ نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إلّا أنَّ ذَلِكَ قَدْ تُؤُوِّلَ بِأنَّهُ كانَ في الجَنَّةِ فَيَتُحَفَّظُ -عَلى هَذا- تَخْصِيصُ مُوسى، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ عَلى الناسِ ﴾ عُمُومًا مُطْلَقًا في مَجْمُوعِ الدَرَجَتَيْنِ: الرِسالَةِ والكَلامِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "بِرِسالاتِي" عَلى الجَمْعِ، إذِ الَّذِي أُرْسِلَ بِهِ ضُرُوبٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ: "بِرِسالَتِي" عَلى الإفْرادِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، وتُحَلُّ الرِسالَةُ هاهُنا مَحَلَّ المَصْدَرِ الَّذِي هو الإرْسالُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَبِكَلامِي"، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "بِرِسالَتِي وبِكَلِمِي"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "بِرِسالاتِي وبِكَلِمِي"، وحَكى عنهُ المَهْدَوِيُّ: "وَتَكْلِيمِي" عَلى وزْنِ تَفْعِيلِي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشاكِرِينَ ﴾ تَأْدِيبٌ وتَقْنِيعٌ وحَمْلٌ عَلى جادَّةِ السَلامَةِ، ومِثالٌ لِكُلِّ أحَدٍ في حالِهِ، فَإنَّ جَمِيعَ النِعَمِ مِن عِنْدِهِ بِمِقْدارٍ، وكُلُّ الأُمُورِ بِمَرْأًى مِنَ اللهِ ومَسْمَعٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والألِفُ واللامُ في "الألْواحِ" عِوَضٌ مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي يُقَدَّرُ وصْلُهُ بَيْنَ "الألْواحِ" و"مُوسى" عَلَيْهِ السَلامُ، تَقْدِيرُهُ: في ألْواحِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى  ﴾ أيْ: مَأْواهُ.

وقِيلَ: كانَتِ الألْواحُ اثْنَيْنِ، وقِيلَ: سَبْعَةً، وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَتِ الألْواحُ مِن زُمُرُّدٍ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: مِن ياقُوتٍ أحْمَرَ، وقالَ أبُو العالِيَةِ أيْضًا: مَن بُرُدٍ، وقالَ الحَسَنُ: مِن خَشَبٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ لَفْظَةُ عُمُومٍ، والمُرادُ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ يَنْفَعُ في مَعْنى الشَرْعِ ويُحْتاجُ إلَيْهِ في المَصْلَحَةِ، وقَوْلُهُ: "لِكُلِّ شَيْءٍ" مِثْلُهُ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ما أمِرُوا بِهِ ونُهُوا عنهُ، وقالَهُ مُجاهِدٌ: ، وقالَ السُدِّيُّ: الحَلالُ والحَرامُ.

وقَوْلُهُ: "بِقُوَّةٍ" مَعْناهُ: بِجِدٍّ وصَبْرٍ عَلَيْها واحْتِمالٍ لِمُؤْنَتِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما والسُدِّيُّ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: "بِقُوَّةٍ" هُنا: بِطاعَةٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَأْخُذَ بِأشَدِّ مِمّا أمَرَ بِهِ قَوْمَهُ، وخُذْ أصْلُهُ: أُؤْخُذْ، حُذِفَتِ الهَمْزَةُ الَّتِي هي فاءُ الفِعْلِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، فاسْتُغْنِيَ عَنِ الأوَّلِ، وقَوْلُهُ: "بِأحْسَنِها" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما التَفْضِيلُ، كَأنَّهُ قالَ: إذا اعْتَرَضَ فِيها مُباحانِ، فَيَأْخُذُونَ الأحْسَنَ مِنهُما كالعَفْوِ والقِصاصِ، والصَبْرِ والِانْتِصارِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا عَلى القَوْلِ أنَّ أفْعَلَ في التَفْضِيلِ لا يُقالُ إلّا لِما لَهُما اشْتِراكٌ في المُفَضَّلِ فِيهِ.

وأمّا عَلى القَوْلِ الآخَرِ فَقَدْ يُرادُ بِالأحْسَنِ المَأْمُورُ بِهِ بِالإضافَةِ لِلْمَنهِيِّ عنهُ لِأنَّهُ أحْسَنُ مِنهُ، وذَلِكَ كالناسِخِ بِالنِسْبَةِ لِلْمَنسُوخِ ونَحْوِ هَذا، وذَهَبَ إلى هَذا المَعْنى الطَبَرِيُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّهُ تَدْخُلُ فِيهِ الفَرائِضُ وهي لا تَدْخُلُ في التَأْوِيلِ الأوَّلِ، وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يُتَصَوَّرَ اشْتِراكٌ في حُسْنٍ مِنَ المَأْمُورِ بِهِ والمَنهِيِّ عنهُ ولَوْ بِحَسَبِ المَلاذِ وشَهَواتِ النَفْسِ الأمّارَةِ، والمَعْنى الآخَرُ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: "بِأحْسَنِها" أنْ يُرِيدَ بِـ"أحْسْنِ" وصْفَ الشَرِيعَةِ بِجُمْلَتِها، فَكَأنَّهُ قالَ: قَدْ جَعَلْنا لَكم شَرِيعَةً هي أحْسَنُ، كَما تَقُولُ: "اللهُ أكْبَرُ" دُونَ مُقايَسَةٍ، ثُمَّ قالَ: فَمُرْهم يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها الَّذِي شَرَعْناهُ لَهُمْ، وفي هَذا التَأْوِيلِ اعْتِراضاتٌ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سَأُورِيكُمْ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "أُورِيكُمْ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: ظاهِرُ هَذِهِ القِراءَةِ مَرْدُودٌ وهو أبُو سَعِيدٍ المَأْثُورُ فَصاحَتُهُ.

فَوَجَّهَها أنَّ المُرادَ "أُرِيكُمْ" ثُمَّ أُشْبِعَتْ ضَمَّةُ الهَمْزَةِ ومُطِلَتْ حَتّى نَشَأتْ عنها واوٌ، ويَحْسُنُ احْتِمالُ الواوِ في هَذا المَوْضِعِ أنَّهُ مَوْضِعُ وعِيدٍ وإغْلاظٍ فَمَكَّنَ الصَوْتَ فِيهِ.

وقَرَأ قَسامَةُ بْنُ زُهَيْرٍ: "سَأُورِثُكُمْ"، قالَهُ أبُو حاتِمٍ، ونَسَبَها المَهْدَوِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

وَثَبَتَتِ الواوُ في خَطِّ المُصْحَفِ فَلِذَلِكَ أُشْكِلَ هَذا الِاخْتِلافُ مَعَ أنّا لا نَتَأوَّلُ إلّا أنَّها مَرْوِيّاتٌ.

فَأمّا مَن قَرَأها: "سَأُورِيكُمْ" فالمَعْنى عِنْدَهُ: سَأعْرِضُ عَلَيْكم وأجْعَلُكم تُحِسُّونَ لِتَعْتَبِرُوا حالَ دارِ الفاسِقِينَ.

والرُؤْيَةُ هُنا رُؤْيَةُ العَيْنِ إلّا أنَّ المَعْنى يَتَضَمَّنُ الوَعْدَ لِلْمُؤْمِنِينَ والوَعِيدَ لِلْفاسِقِينَ.

ويَدُلُّ عَلى أنَّها رُؤْيَةُ العَيْنِ تَعَدِّي فِعْلِها، وقَدْ عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ، ولَوْ كانَ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ لِتَعَدّى بِالهَمْزَةِ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ، ولَوْ قالَ قائِلٌ: المَفْعُولُ الثالِثُ يَتَضَمَّنُهُ المَعْنى فَهو مُقَدَّرٌ، أيْ: مُدَمَّرَةً أو خَرِبَةً أو مُسَعَّرَةً -عَلى قَوْلِ مَن قالَ: هي جَهَنَّمُ- قِيلَ لَهُ: ولا يَجُوزُ حَذْفُ هَذا المَفْعُولِ والِاقْتِصارِ دُونَهُ أنَّها داخِلَةٌ عَلى المُبْتَدَإ والخَبَرِ، ولَوْ جُوِّزَ لَكانَ عَلى قُبْحٍ في اللِسانِ لا يَلِيقُ بِكِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومُقاتِلٌ، وقَتادَةُ في كِتابِ النَقّاشِ: دارُ الفاسِقِينَ مِصْرُ، والمُرادُ آلُ فِرْعَوْنَ، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: دارُ الفاسِقِينَ الشامُ، والمُرادُ العَمالِقَةُ الَّذِينَ أُمِرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِقِتالِهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: دارُ الفاسِقِينَ جَهَنَّمُ، والمُرادُ الكَفَرَةُ بِمُوسى عامَّةً، وقالَ النَقّاشُ عَنِ الكَلْبِيِّ: دارُ الفاسِقِينَ دُورُ ثَمُودَ وعادٍ والأُمَمِ الخالِيَةِ، أيْ: سَنَقُصُّها عَلَيْكم فَتَرَوْنَها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جُعل مجيءُ موسى في الوقت المعين أمراً حاصلاً غير محتاج للإخبار عنه، للعلم بأن موسى لا يتأخر ولا يترك ذلك، وجُعل تكليمُ الله إياه في خلال ذلك الميقات أيضاً حاصلاً غير محتاج للإخبار عن حلوله، لظهور أن المواعدة المتضمنة للملاقاة تتضمن الكلام، لأن ملاقاة الله بالمعنى الحقيقي غير مُمكنة، فليس يحصل من شؤون المواعدة إلاّ الكلام الصادر عن إرادة الله وقدرته، فلذلك كله جُعل مجيء موسى للميقات وتكليم الله إياه شرطاً لحرف (لمّا) لأنه كالمعلوم، وجعل الإخبار متعلقاً بما بعد ذلك، وهو اعتبار بعظمة الله وجلاله، فكان الكلام ضرباً من الإيجاز بحذف الخبر عن جملتين اسغناء عنهما بأنهما جعلتا شرطاً للمّا.

ويجوز أن تجعل الواو في قوله: ﴿ وَكلّمه ربه ﴾ زائدة في جواب ﴿ لمّا ﴾ كما قاله الأكثر في قول امرئ القيس: فلمّا أجَزْنَا ساحةَ الحي وانتحى *** بنا بطْنُ خبت ذي حقاف عقنقل أن جواب ﴿ لَما ﴾ هو قوله وانتحى، وجوزوه في قوله تعالى: ﴿ فلمّا أسلما وتَلْه للجبين وناديناه أن يا إبراهيم ﴾ [الصافات: 103، 104] الآية، أن يكون ﴿ وناديناه ﴾ هو جواب (لَما) فيصير التقدير: لما جاء موسى لميقاتنا كَلّمه ربه، فيكون إيجازاً بحذف جملة واحدة، ولا يستفاد من معنى إنشاء التكليم الطمع في الرؤية إلاّ من لازم المواعدة.

واللام في قوله: ﴿ لميقاتنا ﴾ صنفٌ من لام الاختصاص، كما سماها في «الكشاف» ومثلها بقولهم: أتيته لعشر خلَون من الشهر، يعني أنه اختصاص مّا، وجعلها ابن هشام بمعنى عند، وجعل ذلك من معاني اللام وهو أظهر، والمعنى: فلما جاء موسى مجيئاً خاصاً بالميقات أي: حاصلاً عنده لا تأخير فيه، كقوله تعالى: ﴿ أقم الصلاة لدلوك الشمس ﴾ [الإسراء: 78] وفي الحديث سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل فقال: " الصلاة لوقتها " أي عند وقتها ومنه ﴿ فطلقوهن لعدتهن ﴾ [الطلاق: 1].

ويجوز جعل اللام للأجل والعلة، أي جاء لأجل ميقاتنا، وذلك لما قدمناه من تضمن الميقات معنى الملاقاة والمناجاة، أي جاء لأجل مناجاتنا.

والمجيء: انتقاله من بين قومه إلى جبل سينا المعيّن فيه مكانُ المناجاة.

والتكليم حقيقته النطق بالألفاظ المفيدة معانيَ بحسب وضع مصطلح عليه، وهذه الحقيقة مستحيلة على الله تعالى لأنها من أعراض الحوادث، فتعين أن يكون إسناد التكليم إلى الله مجازاً مستعملاً في الدلالة على مُراد الله تعالى بألفاظ من لغة المخاطَب به بكيفية يوقن المخاطَب به أن ذلك الكلام من أثر قدرة الله على وَفْق الإرادة ووَفْققِ العلم، وهو تعلق تنجيزي بطريق غير معتاد، فيجوز أن يخلق الله الكلام في شيء حادث سمعه موسى كما رُوي أن الله خلق الكلام في الشجرة التي كان موسى حذوها، وذلك أولُ كلام كلّمه الله موسى في أرض مَدين في جبل (حوريب)، ويجوز أن يخلق الله الكلام من خِلال السحاب وذلك الكلام الواقع في طُور سينا، وهو المراد هنا، وهو المذكور في الإصحاح 19 من سفر الخروج.

والكلام بهذه الكيفية كان يسمعه موسى حين يكون بعيداً عن الناس في المناجاة أو نحوها، وهو أحد الأحوال الثلاثة التي يكلم الله بها أنبياءه كما في قوله تعالى: ﴿ وما كان لِبَشَرٍ أن يكلمه الله إلاّ وحيا ﴾ الآية في سورة الشورى (51)، وهو حادث لا محالة ونسبته إلى الله أنه صادر بكيفية غير معتادة لا تكون إلاّ بإرادة الله أن يخالف به المعتاد تشريفاً له، وهو المعبر عنه بقوله: ﴿ أوْ منْ وراء حجاب ﴾ [الشورى: 51]، وقد كلم الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء، وأحسب الأحاديث القدسية كلها أو معظمها مما كلم الله به محمداً صلى الله عليه وسلم وأما إرسال الله جبريل بكلام إلى أحد أنبيائه، فهي كيفية أخرى، وذلك بإلقاء الكلام في نفس المَلَك الذي يبلغه إلى النبي، والقرآنُ كله من هذا النوع، وقد كان الوحي إلى موسى بواسطة الملَك في أحوال كثيرة وهو الذي يعبر عنه في التوراة بقولها: قال الله لموسى.

وقوله: ﴿ قال رب أرني ﴾ هو جواب ﴿ لَمّا ﴾ على الأظهر، فإنْ قدرنا الواو في قوله: ﴿ وكلمهُ ﴾ زائدة في جواب لما كان قوله: ﴿ قال ﴾ واقعاً في طريق المحاورة فلذلك فُصل.

وسؤالُ موسى رؤية الله تعالى تطلّع إلى زيادة المعرفة بالجلال الإلهي، لأنه لما كانت المواعدة تتضمن الملاقاة.

وكانت الملاقاة تعتمد رؤية الذات وسماع الحديث، وحصل لموسى أحد ركني الملاقاة وهو التكليم، أطمعه ذلك في الركن الثاني وهو المشاهدة، وممّا يؤذن بأن التكليم هو الذي أطمع موسى في حصول الرؤية جعْلُ جملة ﴿ وكلمه ربه ﴾ شرطاً لحرف (لمّا) لأن (لمّا) تدل على شدة الارتباط بين شرطها وجوابها، فلذلك يكثر أن يكون علة في حصول جوابها كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما ﴾ في هذه السورة (22)، هذا على جعل ﴿ وكَلمه ﴾ عطفاً على شرط لمّا، وليسَ جوابَ لما، ولا نشك في أنه سأل رؤية تليق بذات الله تعالى، وهي مثل الرؤية الموعود بها في الآخرة، فكان موسى يحسب أن مثلِها ممكن في الدنيا حتى أعلمه الله بأن ذلك غير واقع في الدنيا، ولا يمتنع على نبي عدمُ العلم بتفاصيل الشؤون الإلهية قبل أن يُعلمها الله إياه، وقد قال الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وقُل رب زدني علماً ﴾ [طه: 114]، ولذلك كان أيمة أهل السنة محقين في الاستدلال بسؤال موسى رؤية الله على إمكانها بكيفية تليق بصفات الإلاهية لا نعلم كنهها وهو معنى قولهم: «بلا كيف».

وكانَ المعتزلةُ غير محقين في استدلالهم بذلك على استحالتها بكل صفة.

وقد يؤول الخلاف بين الفريقين إلى اللفظ، فإن الفريقين متفقان على استحالة إحاطة الإدراك بذات الله واستحالة التحَيز، وأهل السنة قاطعون بأنها رؤية لا تنافي صفات الله تعالى، وأما ما تبجح به الزمخشري في «الكشاف» فذلك من عُدوان تعصبه على مخالفيه على عادته، وما كان ينبغي لعلماء طريقتنا التنازلُ لمهاجاته بمثل ما هاجاهم به، ولكنه قال فأوْجَب.

وأعلم أن سؤال موسى رؤية الله تعالى طلبٌ على حقيقته كما يؤذن به سياق الآية وليس هو السؤالَ الذي سأله بنوا اسرائيل المحكي في سورة البقرة (55) بقوله: ﴿ وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ﴾ وما تمحل به في «الكشاف» من أنه هو ذلك السؤال تكلفٌ لا داعي له.

ومفعول ﴿ أرني ﴾ محذوف لدلالة الضمير المجرور عليه في قوله: ﴿ إليك ﴾ .

وفصل قوله: ﴿ قالَ لنْ تراني ﴾ لأنه واقع في طريق المحاورة.

و ﴿ لَن ﴾ يستعمل لتأبيد النفي ولتأكيد النفي في المستقبل، وهما متقاربان، وإنما يتعلق ذلك كله بهذه الحياة المعبر عنها بالأبد، فنفت (لن) رؤية موسى ربّه نفياً لا طمع بعده للسائِل في الإلحاح والمراجعة بحيث يَعلم أن طلبته متعذرة الحصول، فلا دلالة في هذا النفي على استمراره في الدار الآخرة.

والاستدراك المستفاد من ﴿ لكن ﴾ لرفع توهم المخاطَب الاقتصارَ على نفي الرؤية بدون تعليل ولا إقناع، أو أن يتوهم أن هذا المنع لغضب على السائِل ومنقصة فيه، فلذلك يعلم من حرف الاستدراك أن بعض ما يتوهمه سيُرفع، وذلك أنه أمره بالنظر إلى الجبل الذي هو فيه هل يثبت في مكانه، وهذا يعلم منه أن الجبل سيتوجه إليه شيءٌ من شأن الجلال الإلهي، وأن قوة الجبل لا تستقر عند ذلك التوجه العظيم، فيعلم موسى أنه أحرى بتضاؤل قواه الفانية لو تجلى له شيء من سُبُحات الله تعالى.

وعلق الشرط بحرف (إنْ) لأن الغالب استعمالها في مقام ندرة وقوع الشرط أو التعريض بتعَذره، ولما كان استقرار الجبل في مكانه معلوماً لله انتفاؤه، صح تعليق الأمر المرادِ تعذُر وقوعُه عليه بقطع النظر عن دليل الانتفاء، فلذلك لم يكن في هذا التعليق حجَة لأهل السنة على المعتزلة تقتضي أن رؤية الله تعالى جائزة عليه تعالى، خلافاً لما اعتاد كثيرٌ من علمائنا من الاحتجاج بذلك.

وقوله: ﴿ فسوف تراني ﴾ ليس بوعد بالرؤية على الفرض لأن سُبق قوله: ﴿ لن تراني ﴾ أزال طماعية السائل الرؤية، ولكنه إيذان بأن المقصود من نظرِه إلى الجبل أن يرى رأي اليقين عجزَ القوة البشرية عن رؤية الله تعالى بالأحرى، من عدم ثبات قوة الجبل، فصارت قوة الكلام: أن الجبل لا يستقر مكانه من التجلي الذي يحصل عليه فلست أنت بالذي تراني، لأنك لا تستطيع ذلك، فمنزلة الشرط هنا منزلة الشرط الامتناعي الحاصل بحرف (لو) بدلالة قرينة السابِق.

والتجلي حقيقة الظهور وإزالة الحجاب، وهو هنا مجاز، ولعله أريد به إزالة الحوائِل المعتادة التي جعلها الله حجاباً بين الموجودات الأرضية وبين قوى الجبروت التي استأثر الله تعالى بتصريفها على مقاديرَ مضبوطة ومتدرجة في عوالم مترتبة ترتيباً يعلمه الله.

وتقريبُه للإفهام شبيه بما اصطلح عليه الحكماء في ترتيب العقول العشرة، وتلك القوى تنسب إلى الله تعالى لكونها آثاراً لقدرته بدون واسطة، فإذا أزال الله الحجاب المعتاد بين شيء من الأجسام الأرضية وبين شيء من تلك القوى المؤثرة تأثيراً خارقاً للعادة اتصلت القوة بالجسم اتصالاً تظهرُ له آثار مناسبة لنوع تلك القوة، فتلك الإزالة هي التي استعير لها التجلي المسندُ إلى الله تعالى تقريباً للإفهام، فلما اتصلت قوة ربانية بالجبل تُماثل اتصال الرؤية اندّك الجبل، ومما يقرب هذا المعنى، ما رواه الترمذي وغيره، من طرق عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ قوله تعالى: ﴿ فلما تجلى ربه ﴾ فوضع إبهامه قريباً من طرف خنصره يُقلل مقدار التجلي.

وصَعِق موسى من اندكاك الجبل فعلم موسى أنه لو توجه ذلك التجلي إليه لانتثر جسمه فُضاضاً.

وقرأ الجمهور ﴿ دكّاً ﴾ بالتنوين والدك مصدر وهو والدق مترادفان، وهو الهدّ وتفرق الأجزاء كقوله ﴿ وتَخِر الجبال هدّاً ﴾ [مريم: 90]، وقد أخبر عن الجبل بأنه جعل دَكاً للمبالغة، والمراد أنه مدكوك أي: مدقوق مهدوم.

وقرأ الكسائي، وحمزة، وخلف ﴿ دَكّاء ﴾ بمد بعد الكاف وتشديد الكاف والدكاء الناقة التي لا سنام لها، فهو تشبيه بليغ أي كالدكاء أي ذهبت قُنته، والظاهر أن ذلك الذي اندك منه لم يرجع ولعل آثار ذلك الدك ظاهرة فيه إلى الآن.

والخرور السقوط على الأرض.

والصعق: وصف بمعنى المصعوق، ومعناه المغشي عليه من صيحة ونحوها، مشتق من اسم الصاعقة وهي القطعة النارية التي تبلغ إلى الأرض من كهرباء البرق، فإذا أصابت جسماً أحرقته، وإذا أصابت الحيوان من قريب أماتته، أو من بعيد غُشي عليه من رائحتها، وسُمي خويلدُ بن نُفيْل الصِعقَ عَلماً عليه بالغلبة، وإنما رجحنا أن الوصف والمصدر مشتقان من اسم الصاعقة دون أن نجعل الصاعقة مشتقاً من الصعق؛ لأن أيمة اللغة قالوا: إن الصعْق الغشيُ من صيحة ونحوها، ولكن توسعوا في إطلاق هذا الوصف على من غشي عليه بسبب هدة أو رجَة، وإن لم يكن ذلك من الصاعقة.

والإفاقة: رجوع الإدراك بعد زواله بغشْي، أو نوم، أو سُكر، أو تخبط جنون.

و ﴿ سبحانك ﴾ مصدر جاء عوضاً عن فعله أي أسبحك، وهو هنا إنشاء ثناء على الله وتنزيه عما لا يليق به، لمناسبة سؤاله منه مَا تبين له أنه لا يليق به سؤالهُ دون استيذانه وتحقققِ إمكانه كما قال تعالى لنوح: ﴿ فلا تسألني ما ليس لك به علم ﴾ في سورة هود (46).

وقوله: تبت إليك} إنشاء لتوبة من العود إلى مثل ذلك دون إذن من الله، وهذا كقول نوح عليه السلام: ﴿ رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم ﴾ [هود: 47] وصيغة الماضي من قوله: ﴿ تُبت ﴾ مستعملة في الإنشاء فهي مستعملة في زمن الحال مثل صيغ العقود في قولهم بعْتُ وزَوّجْتُ.

مبالغة في تحقق العقد.

وقوله: ﴿ وأنا أول المؤمنين ﴾ أطلق ﴿ الأول ﴾ على المُبادر إلى الإيمان، وإطلاق الأول على المبادر مجاز شائع مساو للحقيقة، والمرادُ به هنا وفي نظائره الكناية عن قوة إيمانه، حتى أنه يبادر إليه حين تردد غيره فيه، فهو للمبالغة، وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: ﴿ ولا تكونوا أولَ كافر به ﴾ في سورة البقرة (41)، وقوله: ﴿ وأنا أول المسلمين ﴾ في سورة الأنعام (163).

والمراد بالمؤمنين من كان الإيمان وصفهم ولقبَهم، أي الإيمان بالله وصفاته كما يليق به فالإيمان مستعمل في معناه اللقبي، ولذلك شُبه الوصف بأفعال السجايا فلم يذكر له متعلّق، ومن ذهب من المفسرين يقدر له متعلّقاً فقد خرج عن نهج المعنى.

وفُصلت جملة: ﴿ قال يا موسى ﴾ لوقوع القول في طريق المحاورة والمجاوبة، والنداءُ للتأنيس وإزالة الرّوع.

وتأكيد الخبر في قوله: ﴿ إني اصطفيك ﴾ للاهتمام به إذ ليس محلاً للإنكار.

والاصطفاء افتعال مبالغة في الاصفاء وهو مشتق من الصّفْو، وهو الخلوص مما يكدر، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ إن الله اصطفى آدم ونوحاً ﴾ في سورة آل عمران (33) وضمن اصطفيتك معنى الإيثار والتفضيل فعُدي بعَلَى.

والمراد بالناس: جميع الناس، أي الموجودين في زمنه، فالاستغراق في ﴿ الناس ﴾ عرفي أي هو مفضل على الناس يومئذٍ لأنه رسول، ولتفضيله بمزية الكلام، وقد يقال إن موسى أفضل جميع الناس الذين مضَوا يومئذٍ، وعلى الاحتمالين: فهو أفضل من أخيه هارون، لأن موسى أرسل بشريعة عظيمة، وكلمه الله، وهارون أرسله الله معاوناً لموسى ولم يكلمه الله، ولذلك قال: ﴿ برسالتي وبكلامي ﴾ وما ورد في الحديث من النهي عن التفضيل بين الأنبياء محمول على التفضيل الذي لا يستند لدليل صريح، أو على جعل التفضيل بين الأنبياء شُغلاً للناس في نواديهم بدون مقتض معتبر للخوض في ذلك.

وهذا امتنان من الله وتعريف.

ثم فرع على ذلك قوله: ﴿ فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ﴾ والأول تفريع على الإرسال وَالتكليم.

والثاني تفريع على الامتنان، وما صْدقُ ﴿ ما آتيتك ﴾ قيل هو الشريعة والرسالة، فالإيتاء مجاز أطلق على التعليم والإرشاد، والأخذ مجاز في التلقي والحفظ، والأظهر أن يكون ﴿ ما آتيتك ﴾ إعطاءَ الألواح بقرينة قوله: ﴿ وكتبنا له في الألواح ﴾ [الأعراف: 145] وقد فُسر بذلك، فالإيتاء حقيقة، والأخذ كذلك، وهذا أليق بنظم الكلام مع قوله: ﴿ فخذها بقوة ﴾ [الأعراف: 145] وَيحصل به أخذ الرسالة والكلام وزيادة.

والإخبار عن ﴿ كُن ﴾ بقوله: ﴿ من الشاكرين ﴾ أبلغُ من أن يقالُ كن شاكراً كما تقدم في قوله: ﴿ قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ﴾ في سورة الأنعام (56).

وقرأ نافع: وابن كثير، وأبو جعفر، وروْح عن يعقوب: برسالتي } ، بصيغة الإفراد وقرأ البقية ﴿ برسالاتي ﴾ بصيغة الجمع، وهو على تأويله بتعدد التكاليف والإرشاد التي أرسل بها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ ﴾ الآيَةَ في ﴿ وَكَتَبْنا لَهُ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَرَضْنا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ  ﴾ أيْ فُرِضَ.

والثّانِي: أنَّهُ كِتابَةُ خَطٍّ بِالقَلَمِ في ألْواحٍ أنْزَلَها اللَّهُ عَلَيْهِ.

واخْتَلَفُوا في الألْواحِ مِن أيِّ شَيْءٍ كانَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ مِن زُمُرُّدٍ أخْضَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّها كانَتْ مِن ياقُوتٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: أنَّها كانَتْ مِن زَبَرْجَدٍ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

والرّابِعُ: قالَهُ الحَسَنُ كانَتِ الألْواحُ مِن خَشَبٍ، واللَّوْحُ مَأْخُوذٌ مِن أنَّ المَعانِيَ تَلُوحُ بِالكِتابَةِ فِيهِ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن كُلِّ شَيْءٍ يَحْتاجُ إلَيْهِ في دِينِهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ والمُباحِ والمَحْظُورِ والواجِبِ وغَيْرِ الواجِبِ.

والثّانِي: كَتَبَ لَهُ التَّوْراةَ فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الحِكَمِ والعِبَرِ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلا ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَوْعِظَةَ النَّواهِي، والتَّفْصِيلَ: الأوامِرُ، وهو مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ.

والثّانِي: المَوْعِظَةُ: الزَّواجِرُ، والتَّفْصِيلُ: الأحْكامُ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ.

قالَ: وكانَتْ سَبْعَةُ ألْواحٍ.

﴿ فَخُذْها بِقُوَّةٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بِجِدٍّ واجْتِهادٍ قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: بِطاعَةٍ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

والثّالِثُ: بِصِحَّةِ عَزِيمَةٍ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

والرّابِعُ: بِشُكْرٍ، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.

﴿ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها ﴾ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لِأنَّ فِيها غَيْرَ حَسَنٍ، وفِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ أحْسَنَها: المَفْرُوضاتُ، وغَيْرُ الأحْسَنِ: المُباحاتُ.

والثّانِي: أنَّهُ النّاسِخُ دُونَ المَنسُوخِ.

والثّالِثُ: أنَّ فِعْلَ ما أُمِرَ بِهِ أحْسَنُ مِن تَرْكِ ما نُهِيَ عَنْهُ لِأنَّ العَمَلَ أثْقَلُ مِنَ التَّرْكِ وإنْ كانَ طاعَةً.

﴿ سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هي جَهَنَّمُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: هي مَنازِلُ مَن هَلَكَ بِالتَّكْذِيبِ مِن عادٍ وثَمُودَ والقُرُونِ الخالِيَةِ، لِتَعْتَبِرُوا بِها وبِما صارُوا إلَيْهِ مِنَ النَّكالِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّها مَنازِلُ سُكّانِ الشّامِ الجَبابِرَةِ والعَمالِقَةِ.

والرّابِعُ: أنَّها دارُ فِرْعَوْنَ وهي مِصْرُ.

وَقَرَأ قَسامَةُ بْنُ زُهَيْرٍ: (سَأُورِثُكُمْ).

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن ابن شودب قال: أوحى الله إلى موسى أتدري لم اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي؟

قال: لا يا رب.

قال إنه لم يتواضع لي تواضعك أحد.

وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: قال موسى: يا رب دلني على عمل إذا عملته كان شكراً لك فيما اصطنعت إلى قال: يا موسى قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.

قال: فكان موسى أراد من العمل ما هو أنهك لجسمه مما أمر به، فقال له: يا موسى لو أن السموات السبع والأرضين السبع وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة لرجحت بهن.

قوله تعالى ﴿ وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء ﴾ .

أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: كتبت التوراة بأقلام من ذهب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال: كتب الله الألواح لموسى وهو يسمع صريف الأقلام في الألواح.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الألواح التي أنزلت على موسى كانت من سدر الجنة، كان طول اللوح إثني عشر ذراعاً» .

وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج قال: أخبرت أن الألواح من زبرجد ومن زمرد الجنة، أمر الرب تعالى جبريل فجاء بها من عدن، وكتبها بيده بالقلم الذي كتب به الذكر، واستمد الرب من نهر النور وكتب به الألواح.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كانوا يقولون: كانت الألواح من ياقوتة، وانا أقول: إنما كانت من زبرجد وكتابها الذهب، كتبها الله بيده فسمع أهل السموات صريف القلم.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي العالية قال: كانت ألواح موسى من برد.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: كانت الألواح من زمرد أخضر، أمر الرب تعالى جبريل فجاء بها من عدن، فكتب الرب بيده بالقلم الذي كتب به الذكر، واستمد الرب من نهر النور وكتب به الألواح.

وأخرج أبو الشيخ عن عطاء قال: كتب الله التوراة لموسى بيده وهو مسند ظهره إلى الصخرة يسمع صريف القلم، في ألواح من زمرد ليس بينه وبينه إلا الحجاب.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: إن الله لم يمس شيئاً إلا ثلاثة: خلق آدم بيده، وغرس الجنة بيده، وكتب التوراة بيده.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن حكيم بن جابر قال: أخبرت أن الله تبارك وتعالى لم يمس من خلقه بيده شيئاً إلا ثلاثة: غرس الجنة بيده وجعل ترابها الورس والزعفران وجبالها المسك، وخلق آدم بيده، وكتب التوراة لموسى بيده.

وأخرج عبد بن حميد عن وردان بن خالد قال خلق الله آدم بيده، وخلق جبريل بيده، وخلق القلم بيده، وخلق عرشه بيده، وكتب الكتاب الذي عنده لا يطلع عليه غيره بيده، وكتب التوراة بيده.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أعطيَ موسى التوراة في سبعة ألواح من زبرجد، فيها تبيان لكل شيء وموعظة، فلما جاء بها فرأى بن إسرائيل عكوفاً على عبادة العجل، رمى بالتوراة من يده فتحطمت، فرفع الله منها ستة أسباع وبقي سبع.

وأخرج عبد بن حميد عن مغيث الشامي قال: بلغني أن الله تعالى لم يخلق بيده إلا ثلاثة أشياء: الجنة غرسها بيده، وآدم خلقه بيده، والتوراة كتبها بيده.

وأخرج الطبراني في السنة عن ابن عمر قال: خلق الله آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، ثم قال لسائر الأشياء: كن فكان.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي ﴿ وكتبنا له في الألواح من كل شيء ﴾ أمروا به ونهوا عنه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء ﴾ قال: مما أمروا به ونهوا عنه.

وأخرج الحاكم في المستدرك وصححه وضعفه الذهبي عن ابن عباس قال: إن الله يقول في كتابه لموسى ﴿ إني اصطفيتك على الناس ﴾ [ الأعراف: 144] .

﴿ وكتبنا له في الألواح من كل شيء ﴾ قال: فكان يرى أن جميع الأشياء قد أثبتت له كما ترون أنتم علماءكم، فلما انتهى إلى ساحل البحر لقي العالم فاستنطقه، فأقر له بفضل علمه ولم يحسده الحديث.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس.

أن موسى لما كربه الموت قال: هذا من أجل آدم قد كان الله جعلنا في دار مثوى لا نموت فخطا آدم انزلنا هنا.

فقال الله لموسى: ابعث إليك آدم فتخاصمه؟

قال: نعم.

فلما بعث الله آدم سأله موسى فقال: لولا أنت لم نكن ههنا.

فقال له آدم: قد أتاك الله من كل شيء موعظة وتفصيلاً أفلست تعلم أنه ﴿ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ﴾ [ الحديد: 22] قال: موسى بلى فخصمه آدم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان الله عز وجل كتب في الألواح ذكر محمد صلى الله عليه وسلم، وذكر أمته وما ذخر لهم عنده، وما يسر عليهم في دينهم وما وسع عليهم فيما أحل لهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران قال: فيما كتب الله لموسى في الألواح: يا موسى لا تحلف بي كاذباً فإني لا أزكي عمل من حلف بي كاذباً.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن وهب بن منبه في قوله: ﴿ وكتبنا له في الألواح من كل شيء ﴾ قال: كتب له اعبدني ولا تشرك بي شيئاً من أهل السماء ولا من أهل الأرض فإن كل ذلك خلقي، فإذا أشرك بي غضبت، وإذا غضبت لعنت، وإن لعنتي تدرك الرابع من الولد، وإني إذا أطعت رضيت، وإذا رضيت باركت والبركة مني تدرك الأمة بعد الأمة، ولا تحلف باسمي كاذباً فإني لا أزكي من حلف باسمي كاذباً، ووقر والديك فإنه من وقر والديه مددت له عمره ووهبت له ولداً يبره، ومن عق والديه قصرت له في عمره ووهب له ولداً يعقه، واحفظ السبت فإنه آخر يوم فرغت فيه من خلقي، ولا تزن، ولا تسرق، ولا تولّ وجهك عن عدوي، ولا تزن بامرأة جارك الذي يأمنك، ولا تغلب جارك على ماله، ولا تخلفه على امرأته.

وأخرج أبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي حرزة القاص، ان العشر الآيات التي كتب الله تعالى لموسى في الألواح: أن اعبدني ولا تشرك بي شيئاً، ولا تحلف باسمي كاذباً فإني لا أزكي ولا أطهر من حلف باسمي كاذباً، واشكر لي ولوالديك أنسألك في أجلك وأقيك المتالف، ولا تسرق ولا تزن فأحجب عنك نور وجهي، وتغلق عن دعائك أبواب سماواتي، ولا تغدر بحليل جارك، واحب للناس ما تحب لنفسك، ولا تشهد بما لم يعِ سمعك ويفقه قلبك، فإني واقف أهل الشهادات على شهادتهم يوم القيامة ثم سائلهم عنها، ولا تذبح لغيري لا يَصعد إلى من قربان أهل الأرض إلا ما ذكر عليه اسمي.

وأخرج البيهقي عن عطاء قال: بلغني أن فيما أنزل الله على موسى عليه السلام: لا تجالسوا أهل الاهواء فيحدثوا في قلبك ما لم يكن.

وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الحلية وابن لال في مكارم الأخلاق عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كان فيما أعطى الله موسى في الألواح الأول في أول ما كتب عشرة أبواب: يا موسى لا تشرك بي شيئاً فقد حق القول مني لتلفحن وجوه المشركين النار، واشكر لي ولوالديك أقك المتالف وانسأ في عمرك وأحييك حياة طيبة وأقلبك إلى خير منها، ولا تقتل النفس التي حرمت إلا بالحق فتضيق عليك الأرض برحبها والسماء باقطارها وتبوء بسخطي والنار، ولا تحلف باسمي كذباً ولا آثماً فإني لا أطهر ولا أركي من لم ينزهني ويعظم أسمائي، ولا تحسد الناس على ما أعطيتهم من فضيلي، ولا تنفس عليهم نعمتي ورزقي فإن الحاسد عدو نعمتي راد لقضائي ساخط لقسمتي التي أقسم بين عبادي، ومن لم يكن كذلك فلست منه وليس مني، ولا تشهد بما لم يع سمعك ويحفظ عقلك وتعقد عليه قلبك، فإني واقف أهل الشهادات على شهادتهم يوم القيامة ثم سائلهم عنها سؤلاً حثيثاً، ولا تزن، ولا تسرق، ولا تزن بحليلة جارك فأحجب عنك وجهي، وتغلق عنك أبواب السماء، وأحبب للناس ما تحب لنفسك، ولا تذبحن لغيري فإني لا أقبل من القربان إلا ما ذكر عليه اسمي وكان لخالصاً لوجهي، وتفرغ لي يوم السبت وفرغ لي نفسك وجميع أهل بيتك.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله جعل السبت لموسى عيداً، واختار لنا الجمعة فجعلها لنا عيداً» .

وأخرج أبو الشيخ عن ميمون بن مهران قال: مما كتب الله لموسى في الألواح لا تتمن مال أخيك ولا أمراة أخيك.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن وهب بن منبه قال: مكتوب في التوراة: شوّقناكم فلم تشتافوا، ونُحْنَا لكم فلم تبكوا، ألا وان لله ملكاً ينادي في السماء كل ليلة: بشر القتَّالين بأن لهم عند الله سيفاً لا ينام وهو نار جهنم، أبناء الأربعين رزع قددنا حصاده، أبناء الخمسين هلموا إلى الحساب لا عذر لكم، أبناء الستين ماذا قدمتم وماذا أخرتم، أبناء السبعين ما تنتظرون ألا ليت الخلق لم يخلقوا فإذا خلقوا علموا لما خلقوا، ألا أتتكم الساعة فخذوا حذركم.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال: قال موسى: رب إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون السابقون يوم القيامة، الآخرون في الخلق والسابقون في دخول الجنة فاجعلهم أمتي: قال: تلك أمة أحمد.

قال: رب أني أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله فاجعلهم أمتي.

قال: تلك أمة أحمد.

قال: رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول والكتاب الآخر ويقاتلون فضول الضلالة حتى يقاتلوا الأعور والكذاب فاجعلهم أمتي.

قال: تلك أمة أحمد.

قال: رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في قلوبهم يقرأونها قال قتادة: وكان من قبلكم إنما يقرأون كتابهم نظراً، فإذا رفعوها لم يحفظوا منها شيئاً ولم يعوه، وإن الله اعطاكم ايتها الأمة من الحفظ شيئاً لم يعطه أحداً من الأمم قبلكم، فالله خصكم بها وكرامة أكرمكم بها قال: فاجعلهم أمتي.

قال: تلك أمة أحمد.

قال: رب إني أجد في الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم ويؤجرون عليها قال قتادة: وكان من قبلكم إذا تصدق بصدقة فقبلت منه بعث الله عليها ناراً فأكلتها وإن ردت تركت فأكلتها السباع والطير، وإن الله أخذ صدقاتكم من غنيكم لفقيركم رحمة رحمكم بها وتخفيفاً خفف به عنكم فاجعلهم أمتي.

قال: تلك أمة أحمد.

قال: رب أني أجد في الألواح أمة إذا همَّ أحدم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف فاجعلهم أمتي.

قالت تلك أمة أحمد.

قال: رب إني أجد في الألواح أمة إذا همَّ أحدهم بسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها فإن عملها كتبت سيئة واحدة فاجعلهم أمتي.

قال تلك أمة أحمد.

قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم فاجعلهم أمتي.

قال تلك أمة أحمد.

قال قتادة: فذكر لنا أن نبي الله موسى نبذ الألواح وقال: اللهم إذاً فاجعلني من أمة أحمد.

قال فاعطى اثنتين لم يعطهما ﴿ قال: يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ﴾ [ الأعراف: 144] قال: فرضي نبي الله، ثم أعطى الثانية ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ [ الأعراف: 159] قال: فرضي نبي الله موسى كل الرضا.

وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال موسى: يا رب أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فاجعلهم أمتي.

قال تلك أمة أحمد.

قال: رب أجد في الألواح أمة إذا همَّ بالحسنة كتبت له حسنة وإذا عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف فاجعلهم أمتي.

قال: تلك أمة أحمد.

قال: رب أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بالسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه وإذا عملها كتبت سيئة واحدة فاجعلهم أمتي.

قال: تلك أمة أحمد.

قال: رب أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم فاجعلهم أمتي.

قال: تلك أمة أحمد.

قال: رب أجد في الألواح أمة هم المشفعون والمشفع لهم فاجعلهم أمتي.

قال: تلك أمة أحمد.

قال رب أجد في الألواح أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم يوم القيامة فاجعلهم أمتي.

قالت تلك أمة أحمد.

قال: رب أجد في الألواح أمة ينصرون على من ناوأهم حتى يقاتلوا الأعور الدجال فاجعلهم أمتي.

قال: تلك أمة أحمد.

قال: فانتبذ الألواح من يده وقال: رب فاجعلني من أمة أحمد.

فأنزل الله: ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ [ الأعراف: 159] فرضي نبي الله موسى عليه السلام.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: فيما ناجى موسى ربه فيما وهب الله لمحمد وأمته حيث قرأ التوراة وأصاب فيها نعت النبي وأمته قال: يا رب من هذا النبي الذي جعلته وأمته أولاً وآخراً؟

قال: هذا محمد النبي الأمي العربي الحرمي التهامي من ولد قاذر بن اسمعيل، جعلته أوّلاً في المحشر، وجعلته آخراً ختمت به الرسل، يا موسى ختمت بشريعته الشرائع، وبكتابه الكتب، وبسنته السنن، وبدينه الأديان.

قال: يا رب إنك اصطفيتني وكلمتني؟

قال: يا موسى إنك صفيّ وهو حبيبي أبعثه يوم القيامة على كوم أجعل حوضه أعرض الحياض وأكثرهم وارداً وأكثرهم تبعاً قال: رب لقد كرمته وشرفته.

قال: يا موسى حق لي أن أكرمه وأفضله وأفضل أمته، لأنهم يؤمنون بي وبرسلي كلهم وكلمتي كلها وبغيبي كله ما كان فيهم شاهداً يعني النبي صلى لله عليه وسلم ومن بعد موته إلى يوم القيامة.

قال: يا رب هذا نعتهم؟

قال: نعم.

قال: يا رب وهبت لهم الجمعة أو لأمتي؟

قال: بل لهم الجمعة دون أمتك.

قال: يا رب إني نظرت في التوراة إلى نعت قوم غير محجلين فمن هم، أمن بني إسرائيل هم أمن من غيرهم؟

قال: تلك أمة أحمد الغر المحجلون من آثار الوضوء.

قال: يا رب إني وجدت في التوراة قوماً يمرون على الصراط كالبرق والريح فمن هم؟

قال: تلك أمة أحمد.

قال: يا رب إني وجدت في التوراة قوماً يصلون الصلوات الخمس فمن هم؟

قال: تلك أمة أحمد.

قال: يا رب إني وجدت في التوراة قوماً يتزرون إلى أنصافهم فمن هم؟

قال: تلك أمة أحمد.

قال: يا رب إني وجدت قوماً يراعون الشمس مناديهم في جوّ السماء فمن هم؟

قال: تلك أمة أحمد.

قال: رب إني وجدت في التوراة قوماً الحسنة منهم بعشرة والسيئة بواحدة فمن هم؟

قال: تلك أمة أحمد.

قال يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم شاهرين سيوفهم لا ترد لهم حاجة؟

قال: تلك أمة أحمد.

قال: يا رب إني وجدت في التوراة قوماً إذا أرادوا أمراً استخاروك ثم ركبوه فمن هم؟

قال: تلك أمة أحمد.

قال: يا رب إني أجد في التوراة نعت قوم يشفع محسنهم في مسيئهم فمن هم؟

قال: تلك أمة أحمد.

قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم يحجون البيت الحرام لا ينأون عنه أبداً لا يقضون منه وطراً ابداً فمن هم؟

قال: تلك أمة أحمد.

قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم قربانهم دماؤهم فمن هم؟

قال تلك أمة أحمد.

قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم يقاتلون في سبيلك صفوفاً زحوفاً يفرغ عليهم الصبر افراغاً فمن هم؟

قال: تلك أمة أحمد.

قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم يذنب أحدهم الذنب فيتوضأ فيغفر له، ويصلي فتجعل الصلاة له نافلة بلا ذنب فمن هم؟

قال: تلك أمة أحمد.

قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم يشهدون لرسلك بما بلغوا فمن هم؟

قال: تلك أمة أحمد.

قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم يجعلون الصدقة في بطونهم فمن هم؟

قال: تلك أمة أحمد.

قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم العنائم لهم حلال وهي محرمة على الأمم فمن هم؟

قال: تلك أمة أحمد.

قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم جعلت الأرض لهم طهوراً ومسجداً فمن هم؟

قال: تلك أمة أحمد.

قال: يا رب إني وجدت نعت قوم الرجل منهم خير من ثلاثين ممن كان قبلهم فمن هم؟

تلك أمة أحمد يا موسى الرجل من الأمم السالفة أعبد من الرجل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بثلاثين ضعفاً، وهم خير منه بثلاثين ضعفاً بايمانه بالكتب كلها.

قال: يا رب إني وجدت نعت قوم يأوون إلى ذكرك ويتحابون عليه كما تأوي النسور إلى وكورها فمن هم؟

قال: تلك أمة أحمد.

قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت إذا غضبوا هللوك وإذا تنازعوا سبحوك فمن هم؟

قال: تلك أمة أحمد.

قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم يغضبون لك كما يغضب النمر الحرب لنفسه فمن هم؟

قال: تلك أحمد.

قال يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم تفتح أبواب السماء لأعمالهم وأرواحهم وتباشر بهم الملائكة فمن هم؟

قال: تلك أمة أحمد.

قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم تتباشر بهم الأشجار والجبال بممرهم عليها لتسبيحهم لك وتقديسهم لك فمن هم؟

قال: تلك أمة أحمد.

قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم وهبت لهم الاسترجاع عند المصيبة، ووهب لهم عند المصيبة الصلاة والرحمة والهدى فمن هم؟

قال: تلك أمة أحمد.

قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم تصلي عليهم أنت وملائكتك فمن هم؟

قال: تلك أمة أحمد قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم يدخل محسنهم الجنة بغير حساب، ومقتصدهم يحاسب حساباً يسيراً، وظالمهم يغفر له فمن هم؟

قال: تلك أمة أحمد.

قال: يا رب فاجعلني منهم.

قال: يا موسى أنت منهم وهم منك لأنك على ديني وهم على ديني، ولكن قد فضلتك برسالاتي وبكلامي فكن من الشاكرين.

قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم يبعثون يوم القيامة قد ملأت صفوفهم ما بين المشرق والمغرب صفوفاً يهوّن عليهم الموقف لا يدرك فضلهم أحد من الأمم فمن هم؟

قال: تلك أمة أحمد.

قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم تقبضهم على فرشهم وهم شهداء عندك فمن هم؟

قال: تلك أمة أحمد.

قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم لا يخافون فيك لومة لائم فمن هم؟

قال: تلك أمة أحمد.

قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم أذلة على المؤمنين أعزة على الكفارين فمن هم؟

قال: تلك أمة أحمد.

قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم صديقهم أفضل الصديقين فمن هم؟

قال: تلك أمة أحمد.

قال: يا رب لقد كرمته وفضلتهُ.

قال: يا موسى هو كذلك نبي وصفي وحبيبي وأمته خير أمة.

قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم محرمة على الأمم الجنة إن يدخلوها حتى يدخلها نبيهم وأمته فمن هم؟

قال: تلك أمة أحمد.

قال: يا رب لبني إسرائيل ما بالهم؟

قال: يا موسى إن قومك من بني إسرائيل يبدلون دينك من بعدك، ويغيرون كتابك الذي أنزلت عليك، وأن أمة محمد لا يغيرون سنته ولا يبطلون الكتاب الذي أنزلت عليه إلى أن تقوم الساعة، فلذلك بلغتهم سنام كرامتي، وفضلتهم على الأمم، وجعلت نبيهم أفضل الأنبياء.

أولهم في الحشر، وأوّلهم في انشقاق الأرض، وأولهم شافعاً، وأوّلهم مشفعاً.

قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم حلماء علماء كادوا أن يبلغوا بفقههم حتى يكونوا أنبياء فمن هم؟

قال: تلك أمة أحمد.

قال: يا موسى أعطوا العلم الأول والآخر.

قال: يا رب إني وجدت في التوراة قوماً توضع المائدة بين أيديهم فما يرفعونها حتى يغفر لهم فمن هم؟

قال: أولئك أمة أحمد.

قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم يلبس أحدهم الثوب فما ينفضه حتى يغفر لهم فمن هم؟

قال: تلك أمة أحمد.

قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم إذا استووا على ظهور دوابهم حمدوك فيغفر لهم فمن هم؟

قال: تلك أمة أحمد، أوليائي يا موسى الذي انتقم بهم من عبدة النيران والأوثان.

وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن موسى لما نزلت عليه التوراة وقرأها فوجد فيها ذكر هذه الأمة قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون السابقون فاجعلها أمتي.

قال تلك أمة أحمد.

قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم فاجعلها أمتي.

قال تلك أمة أحمد.

قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرأونه ظاهراً فاجعلها أمتي.

قال تلك أمة أحمد.

قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة يأكلون الفيء فاجعلها أمتي.

قال تلك أمة أحمد.

قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة يجعلون الصدقة في بطونهم يؤجرون عليها فاجعلها أمتي.

قال تلك أمة أحمد.

قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة إذاً هم أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، وإن عملها كتبت له عشر حسنات فاجعلها أمتي.

قال تلك أمة أحمد.

قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة يؤتون العلم الأول والعلم الآخر، فيقتلون قرون الضلالة والمسيح الدجال فاجعلها أمتي.

قال تلك أمة أحمد.

قال: يا رب فاجعلني من أمة أحمد، فاعطي عند ذلك خصلتين ﴿ فقال: يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ﴾ قال: قد رضيت يا رب» .

وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن عبد الرحمن المغافري أن كعب الأحبار رأى حبر اليهود يبكي فقال له: ما يبكيك؟

قال: ذكرت بعض الأمور فقال له كعب: أنشدك بالله لئن أخبرتك ما أبكاك لتصدقني؟

قال: نعم.

قال: أنشدك بالله هل تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة، فقال: رب إني أجد أمة في التوراة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالكتاب الأول والكتاب الآخر، ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجال، فقال: موسى رب أجعلهم أمتي.

قال: هم أمة أحمد؟

قال الحبر: نعم.

قال كعب: فأنشدك بالله هل تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة، فقال: رب إني أجد أمة هم الحمادون رعاة الشمس المحكمون، إذا أرادوا أمراً قال افعله إن شاء الله فاجعلهم أمتي.

قال: هم أمة أحمد؟

قال الحبر: نعم.

قال كعب: فأنشدك بالله هل تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة، فقال: يا رب إني أجد أمة إذا أشرف أحدهم على شرف كبر الله، وإذا هبط وادياً حمد الله، الصعيد لهم طهور، والأرض لهم مسجداً حيثما كانوا يتطهرون من الجنابة، طهورهم بالصعيد كطهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء، غر محجلون من آثار الوضوء فاجعلهم أمتي.

قال: هم أمة أحمد؟

قال الحبر نعم.

قال كعب: انشدك بالله هل تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة، فقال: رب إني أجد أمة مرحومة ضعفاء يرثون الكتاب، واصطفيتهم ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ﴾ [ فاطر: 32] ولا أجد أحداً منه إلا مرحوماً فاجعلهم أمتي.

قال: هم أمة أحمد؟

قال الحبر: نعم.

قال كعب: أنشدك بالله هل تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة، فقال: رب إني أجد في التوراة أمة مصاحفهم في صدورهم يلبسون الوان ثياب أهل الجنة، يصفّون في صلاتهم كصفوف الملائكة أصواتهم في مساجدهم كدوي النحل، لا يدخل النار منهم أحد إلا من بري من الحسنات مثل ما بري الحجر من ورق الشجر فاجعلهم أمتي.

قال هم أمة أحمد؟

قال الحبر: نعم.

فلما عجب موسى من الخير الذي أعطاه الله محمداً وأمته قال: يا ليتني من أمة أحمد، فأوحى الله إليه ثلاث آيات يرضيه بهن ﴿ يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ﴾ [ الأعراف: 144] الآية فرضي موسى كل الرضا.

وأخرج أبو نعيم عن سعيد بن أبي هلال أن عبد الله بن عمرو قال لكعب: أخبرني عن صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأمته؟

قال: أجدهم في كتاب الله: أن أحمد وأمته حمَّادون يحمدون الله على كل خير وشر، يكبرون الله على كل شرف يسبحون الله في كل منزل، نداؤهم في جو السماء، لهم دوي في صلاتهم كدوي النحل على الصخر، يصفون في الصلاة كصفوف الملائكة، وصفَّون في القتال كصفوفهم في الصلاة، وإذا غزوا في سبيل الله كانت الملائكة بين أيديهم ومن خلفهم برماح شداد، إذا حضروا الصفّ في سبيل الله كان الله عليهم مظلاً كما تظل النسور على وكورها، لا يتأخرون زحفاً أبداً حتى يحضرهم جبريل عليه السلام.

وأخرج الطبراني والبيهقي في الدلائل عن محمد بن يزيد الثقفي قال: اصطحب قيس بن خرشة وكعب الأحبار، حتى إذا بلغا صفين وقف كعب ثم نظر ساعة، ثم قال: ليهراقن بهذه البقعة من دماء المسلمين شيء لا يهراق ببقعة من الأرض مثله؟

فقال قيس: ما يدريك فإن هذا من الغيب الذي استأثر الله به؟!

فقال كعب: ما من الأرض شبر إلا مكتوب في التوراة الذي أنزل الله على موسى ما يكون عليه وما يخرج منه إلى يوم القيامة.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن خالد الربعي قال: قرأت في كتاب الله المنزل أن عثمان بن عفان رافع يديه إلى الله يقول: يا رب قتلني عبادك المؤمنون.

وأخرج أحمد في الزهد عن خالد الربعي قال: قرأت في التوراة إتق الله يا ابن آدم، وإذا شبعت فاذكر الجائع.

وأخرج أحمد عن قتادة قال: بلغنا أنه مكتوب في التوراة ابن آدم ارحم ترحم إنه من لا يَرحم لا يُرحم، كيف ترجو أن ارحمك وأنت لا ترحم عبادي؟

وأخرج أحمد وأبو نعيم في الحلية عن مالك بن دينار قال: قرأت في التوراة يا ابن آدم لا تعجز أن تقوم بين يدي في صلاتك باكياً فإني أنا الله الذي اقترتب لقلبك وبالغيب رأيت نوري.

قال مالك: يعني الحلاوة والسرور الذي يجد المؤمن.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن وهب بن منبه قال: أربعة أحرف في التوراة مكتوب من لم يشاور يندم، ومن استغنى استأثر، والفقر الموت الأحمر وكما تدين تدان.

وأخرج أحمد وأبو نعيم عن خيثمة قال: مكتوب في التوراة ابن آدم تفرغ لعبادتي املأ قلبك غنى وأسدّ فقرك، وإن لا تفعل املأ قلبك شغلاً ولا أسد فقرك.

وأخرج أحمد في الزهد عن بيان قال: بلغني أن في التوراة مكتوب ابن آدم كسيرة تكفيك، وخرقة تواريك، وحجر يأويك.

وأخرج أحمد عن وهيب المكي قال: بلغني أنه مكتوب في التوراة يا ابن آدم اذكرني إذا غضبت اذكرك إذا غضبت فلا أمحقك مع من أمحق، وإذا ظلمت فارض بنصرتي لك فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك.

وأخرج أحمد عن الحسن بن أبي الحسن قال: انتهت بنو اسرائيل إلى موسى عليه السلام فقالوا: إن التوراة تكبر علينا فأنبئنا بجماع من الأمر فيه تخفيف.

فاوحى الله إليه: ما سألك قومك؟

قال: يا رب أنت أعلم.

قال: إنما بعثتك لتبلغني عنهم وتبلغهم عني.

قال: فإنهم سألوني جماعاً من الأمر فيه تخفيف، ويزعمون أن التوراة تكبر عليهم فقال الله عز وجل: قل لهم لا تظالموا في المواريث، ولا يدخلن عليكم عبد بيتاً حتى يستأذن، وليتوضأ من الطعام ما يتوضأ للصلاة، فاستخفوها يسيراً ثم إنهم لم يقوموا بها.

قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك «تقبلوا إلي بستٍ أتقبل لكم بالجنة، من حدث فلا يكذب، ومن وعد فلا يخلف، ومن ائتمن فلا يخون، احفظوا أيديكم وأبصاركم وفروجكم» .

وأخرج أحمد عن مالك بن دينار قال: قرأت في التوراة من يزدد علماً يزدد وجفاً.

وقال: مكتوب في التوراة من كان له جار يعمل بالمعاصي فلم ينهه فهو شريكه.

وأخرج أحمد عن قتادة قال: إن التوراة مكتوباً يا ابن آدم تذكرني وتنساني، وتدعو إلي وتفر مني، وأرزقك وتعبد غيري.

وأخرج عبد الله وابنه عن الوليد بن عمر قال: بلغني أنه مكتوب في التوراة ابن آدم حرك يديك افتح لك باباً من الرزق، وأطعني فيما آمرك فما أعلمني بما يصلحك.

وأخرج عبد الله عن عقبة بن زينب قال: في التوراة مكتوب لا تتوكل على ابن آدم فإن ابن آدم لليس ولكن توكل على الحي الذي لا يموت، وفي التوراة مكتوب مات موسى كليم الله فمن ذا الذي لا يموت؟

وأخرج أحمد عن وهب بن منبه قال: وجدت فيما أنزل الله على موسى أن من أحب الدنيا أبغضه الله، ومن أبغض الدنيا أحبه الله، ومن أكرم الدنيا أهانه الله، ومن أهان الدنيا أكرمه الله.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عروة قال: مكتوب في التوراة ليكن وجهك بسطاً وكلمتك طيبة تكن أحب إلى الناس من الذين يعطونهم العطاء.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عروة قال: بلغني أنه مكتوب في التوراة كما تَرحمون تُرحمون.

وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: والذي فلق البحر لبني إسرائيل في التوراة مكتوب: يا ابن آدم اتق ربك، وابرر والديك، وصل رحمك، أمدَّ لك في عمرك، وأيسر لك يسرك، واصرف عنك عسرك.

وأخرج ابن أبي شيبة عن كردوس الثعلبي قال: مكتوب في التوراة اتق توقه إنما التوقي في التقوى، ارحموا ترحموا توبوا يتاب عليكم.

وأخرج الحكيم في نوادر الأصول عن أبي الجوزاء قال: قرأت في التوراة أن سرَّك أن تحيا وتبلغ علم اليقين فاحتمل في كل حين أن تغلب شهوات الدنيا، فإن من يغلب شهوات الدنيا يفرق الشيطان من ظله.

وأخرج الطبراني في السنة وأبو الشيخ عن كعب قال: لما أراد الله أن يكتب لموسى التوراة قال: يا جبريل ادخل الجنة فائتني بلوحين من شجرة الجنة، فدخل جبريل فاستقبلته شجرة من شجر الجنة من ياقوت الجنة، فقطع منها لوحين فتابعته على ما أمره الرحمن تبارك وتعالى، فأتى بهما الرحمن فأخذهما بيده، فعاد اللوحان نوراً لما مسّهما الرحمن تبارك وتعالى، وتحت العرش نهر يجري من نور لا يدري حملة العرش أين يجيء ولا أين يذهب منذ خلق الله الخلق، فلما استمد منه الرحمن جف فلم يجر، فلما كتب لموسى التوراة بيده ناول اللوحين موسى، فلما أخذهما موسى عاداً حجارة، فلما رجع إلى بني إسرائيل والى هرون وهو مغضب أخذ بلحيته ورأسه يجره إليه فقال له هرون: يا ابن آدم ﴿ إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ﴾ [ الأعراف: 155] ومع ذلك إني خفت أن آتيك فتقول: فرقت بين بني إسرائيل ولم تنتظر قولي، فاستغفر موسى ربه تبارك وتعالى، واستغفر لأخيه وقد تكسرت الألواح لما ألقاها من يده.

وأخرج أحمد في الزهد عن كعب الأحبار.

أن موسى عليه السلام كان يقول في دعائه: اللهم ليّن قلبي بالتوراة ولا تجعل قلبي قاسياً كالحجر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: سأل موسى جماعاً من العمل؟

فقيل له: انظر ما تريد أن يصاحبك به الناس فصاحب الناس به.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ فخذها بقوّة ﴾ قال: بجد وحزم ﴿ سأوريكم دار الفاسقين ﴾ قال: دار الكفار.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ فخذها بقوّة ﴾ قال: بجد ﴿ وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ﴾ قال: أمر موسى أن يأخذوها بأشد مما أمر به قومه.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ فخذها بقوة ﴾ قال: إن الله تعالى يحب أن يؤخذ أمره بقوة وجد.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ فخذها بقوة ﴾ قال: بطاعة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ فخذها بقوة ﴾ يعني بجد واجتهاد ﴿ وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ﴾ قال: بأحسن ما يجدون منها.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ سأوريكم دار الفاسقين ﴾ قال مصيرهم في الآخرة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ دار الفاسقين ﴾ قال: منازلهم في الدنيا.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ سأوريكم دار الفاسقين ﴾ قال: جهنم.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ سأوريكم دار الفاسقين ﴾ قال: رفعت لموسى حتى نظر إليها.

وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ سأوريكم دار الفاسقين ﴾ قال: مصر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ ﴾ .

الاصطفاء (١) ومعنى ﴿ اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ ﴾ .

قال ابن عباس: (يريد: فضلتك على الناس) (٢) وقال الزجاج: (أي: اتخذتك صفوة على الناس) (٣) ﴿ بِرِسَالَاتِي ﴾ ، وقرئ (٤) ﴿ برسالتي ﴾ ، والرسالة تجري مجرى المصدر، فيجوز إفرادها في موضع الجمع وإن لم يكن المصدر من (أرسل) (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَبِكَلَامِي ﴾ .

هذا يدل على أنه سمع كلام الله عز وجل من غير واسطة؛ لأن ما يكون بواسطة يدخل في حد الرسالة، وأشار أبو إسحاق إلى أن معنى اصطفائه: هو تخصيصه بكلامه من غير واسطة؛ لأنه قال: (لأن الملائكة تنزل إلى الأنبياء بكلام الله عز وجل) (٧) (٨)  ؛ فإن أقربها إليه أعزها وأجلها (٩) وقوله تعالى: ﴿ فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ ﴾ .

قال ابن عباس: (يريد: ما فضلتك وكرمتك).

وقوله ﴿ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ .

(يعني: لأنعمي والطائعين لي) (١٠) (١) الصَّفْو والصفاء: ممدود خلوص الشيء من الشوب نقيض الكدر وصفوة كل شيء خالصه وخيره، والاصطفاء الاختيار وتناول صفوة الشيء، افتعال من الصفوة: واستصفيت الشيء إذا استخلصته.

انظر: "العين" 7/ 162، و"الجمهرة" 2/ 893، و"تهذيب اللغة" 2/ 2022، و"الصحاح" 6/ 2401، و"مقاييس اللغة" 3/ 292، و"المجمل" 2/ 535، و"المفردات" ص 487، و"اللسان" 14/ 2468 (صفو).

(٢) ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 236.

(٣) "معاني الزجاج" 2/ 374.

(٤) قرأ نافع وابن كثير (برسالتي) بغير ألف بعد اللام على التوحيد، وقرأ الباقون ﴿ بِرِسَالَاتِي ﴾ بألف بعد اللام على الجمع.

انظر: "السبعة" ص 293، و"المبسوط" ص 163، و"التذكرة" 2/ 425، و"التيسير" ص 113، و"النشر" 2/ 272.

(٥) هذا قول أبي علي في "الحجة" 4/ 77، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 336، و"إعراب القراءات" 1/ 207، و"الحجة" لابن خالويه ص 163، ولابن زنجلة ص 295، و"الكشف" 1/ 467.

(٦) انظر: "البسيط" نسخة جامعة الإمام 3/ 58 ب.

(٧) "معاني الزجاج" 2/ 375.

(٨) انظر: "تفسير البغوي" 3/ 279، والرازي 14/ 192.

(٩) انظر: "معرفة علوم الحديث" للحاكم ص 112 - 113، وقال ابن الصلاح في "علوم الحديث" ص 256: (طلب العلو سنة وتستحب الرحلة فيه، وهو يبعد من الخلل وأجل أنواع العلو القرب من رسول الله  بإسناد نظيف غير ضعيف) اهـ.

(١٠) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 239.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وواعدنا موسى ثلاثين لَيْلَةً ﴾ روي أن الثلاثين هي شهر ذي القعدة والعشر بعدها هي العشر الأول من ذي الحجة، وذلك تفصيل الأربعين المذكورة في البقرة ﴿ ميقات رَبِّهِ ﴾ أي ما وقت له من الوقت لمناجاته في الطور ﴿ اخلفني ﴾ أي كن خليفتي على بني إسرائيل مدة مغيبي ﴿ قَالَ رَبِّ أرني ﴾ لما سمع موسى كلام الله طمع في رؤيته، فسألها كما قال الشاعر: وأفرح ما يكون الشوق يوماً ** إذا دنت الديار من الديار واستدلت الأشعرية بذلك على أن رؤية الله جائزة عقلاً، وأنها لو كانت محالاً لم يسألها موسى، فإن الأنبياء عليهم السلام يعلمون ما يجوز على الله وما يستحيل، وتأول الزمخشري طلب موسى للرؤية بوجهين: أحدهما أنه إنما سأل ذلك تبكيتا لمن خرج معه من بني إسرائيل الذين طلبوا الرؤية ﴿ فقالوا أَرِنَا الله جَهْرَةً ﴾ [النساء: 153]؛ فقال موسى ذلك ليسمعوا الجواب بالمنع فيتأولوا، والآخر أن معنى أرني أنظر إليك: عرفني نفسك تعريفاً واضحاً جلياً وكلا الوجهين بعيد، والثاني أبعد وأضعف، فإنه لو لم يكن المراد الرؤية لم يقل له أنظر إلى الجبل الآية ﴿ قَالَ لَن تَرَانِي ﴾ قال مجاهد وغيره: إن الله قال لموسى لن تراني، لأنك لا تطيق ذلك، ولكن سأتجلى للجبل الذي هو أقوى منك وأشدّ، فإن استقر وأطاق الصبر لهيبتي أمكن أن تراني أنت، وإن لم يطق الجبل فأحرى ألا تطيق أنت، فعلى هذا إنما جعل الله الجبل مثالاًلموسى، وقال قوم: المعنى سأتجلى لك على الجبل وهذا ضعيف يبطله قوله: ﴿ فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ﴾ فإذا تقرر هذا، فقوله تعالى: لن تراني نفي للرؤية، وليس فيه دليل على أنها محال، فإنه إنما جعل علة النفي عدم إطاقة موسى الرؤية لا استحالتها، ولو كانت الرؤية مستحيلة، لكان في الجواب زجر وإغلاظ كما قال الله لنوح: ﴿ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إني أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين ﴾ [هود: 46]، فهذا المنع من رؤية الله إنما هو في الدنيا لضعف البنية البشرية عن ذلك، وأما في الآخرة، فقد صرح بوقوع الرؤية كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا ينكرها إلا مبتدع، وبين أهل السنة والمعتزلة في مسألة الرؤية تنازع طويل، وفي هذه القصة قصص كثيرة تركتها لعدم صحتها، ولما فيه من الأقوال الفاسدة ﴿ جَعَلَهُ دَكّاً ﴾ أي مدكوكاً فهو مصدر بمعنى مفعول كقولك: ضربت الأمير، والدك والدق: أخوان، وهو التفتت، وقرئ: دكاء بالمد والهمز أي أرضاً دكا وقيل ذهب أعلى الجبل وبقي أكثره، وقيل تفتت حتى صار غباراً، وقيل ساخ في الأرض وأفضى إلى البحر ﴿ وَخَرَّ موسى صَعِقاً ﴾ أي مغشياً عليه ﴿ تُبْتُ إِلَيْكَ ﴾ معناه تبت من سؤال الرؤية في الدنيا وأنا لا أطيقها ﴿ وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين ﴾ أي أول قومه أو أهل زمانه، أو على وجه المبالغة في السبق إلى الإيمان ﴿ اصطفيتك عَلَى الناس برسالاتي وبكلامي ﴾ هو عموم يراد به الخصوص، فإنّ جميع الرسل قد شاركوه في الرسالة، واختلف هل كلم الله غيره من الرسل أم لا، والصحيح: أنه كلم نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ﴿ فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ ﴾ تأديباً أي اقنع بما أعطيتك من رسالتي وكلامي ولا تطلب غير ذلك ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألواح ﴾ أي ألواح التوراة وكانت سبعة، وقيل: عشرة وقيل: اثنان وقيل: كانت من زمردة وقيل: من ياقوت، وقيل: من خشب ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ عموم يراد به الخصوص فيما يحتاجون إليه في دينهم، وكذلك ﴿ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، وموضع كل شيء نصب على أنه مفعول كتبنا، وموعظة بدل منه ﴿ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ ﴾ أي بجدّ وعزم، والضمير للتوراة ﴿ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا ﴾ أي فيها ما هو حسن وأحسن منه كالقصاص مع العفو، وكذلك سائر المباحات من المندوبات ﴿ سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفاسقين ﴾ أي دار فرعون وقومه وهو مصر، ومعنى أريكم كيف اقفرت منهم لما هلكوا، وقيل: منازل عاد وثمود ومن هلك من الأمم المتقدّمة ليعتبروا بها، وقيل: جهنم، وقرأ ابن عباس: سأورثكم بالثاء المثلثة من الوراثة، وهي على هذا مصدر لقوله وأورثناها بني إسرائيل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أرني أنظر ﴾ بسكون الراء وفتح الياء: ابن الفليح وزمعة والخزاعي عن البزي.

الباقون: بكسر الراء وسكون الياء.

﴿ دكاء ﴾ بالمد: حمزة وعلي وخلف.

﴿ إني اصطفيتك ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ برسالتي ﴾ على التوحيد: أبو جعفر ونافع وابن كثير.

الباقون: ﴿ برسالاتي ﴾ ﴿ آياتي الذين ﴾ مرسلة الياء: ابن عامر وحمزة.

﴿ الرشد ﴾ بفتحتين: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بضم الراء وسكون الشين.

﴿ من حليهم ﴾ بفتح الحاء وسكون اللام: يعقوب ﴿ حليهم ﴾ بالكسرات وتشديد الياء: حمزة وعلي.

الباقون: مثله ولكن بضم الحاء.

﴿ ترحمنا ربنا وتغفر لنا ﴾ بالخطاب والنداء: حمزة وعلي وخلف والمفضل.

الباقون: على الغيبة ورفع ﴿ ربنا ﴾ على الفاعلية ﴿ بعدي أعجلتم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ قال ابن أم ﴾ بكسر الميم: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل.

الباقون: بفتحها ومثله ﴿ يا ابن أم  ﴾ في طه.

الوقوف: ﴿ أربعين ليلة ﴾ ج للعطف مع اختلاف القائل ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ ربه ﴾ لا لأن ما بعده جواب ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ فسوف تراني ﴾ ج ﴿ صعقا ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ لكل شيء ﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿ بأحسنها ﴾ ج ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ بغير الحق ﴾ ج ﴿ بها ﴾ ج لابتداء شرط آخر ولبيان تعارض الأحوال مع العطف ﴿ سبيلاً ﴾ ج ﴿ ذلك سبيلاً ﴾ ه ﴿ غافلين ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ خوار ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه لئلا تصير الجملة صفة السبيل فإن الهاء ضمير العجل ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ ضلوا ﴾ ج لأن ما بعده جواب.

﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ أسفاً ﴾ ج لما ﴿ بعدي ﴾ ج للابتداء بالاستفهام مع اتحاد القائل ﴿ أمر ربكم ﴾ ج لأن قوله ﴿ وألقى ﴾ معطوف على قوله ﴿ قال بئسما ﴾ وقد اعترض بينهما استفهام ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ يقتلونني ﴾ ط ز صلى والوصل أولى لأن الفاء للجواب أي إذا هم هموا بقتلي فلا تشمتهم بضربي.

﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ في رحمتك ﴾ ز صلى الأولى أن يوصل لأن الواو للحال تحسيناً للدعاء بالثناء ﴿ الراحمين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ط ﴿ المفترين ﴾ ه ﴿ وآمنوا ﴾ ج لظاهر إن والوجه الوصل لأن ما بعده خبر والعائد محذوف والتقدير: إن ربك من بعد توبتهم لغفور لهم.

﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ الألواح ﴾ ج صلى لاحتمال ما بعده الحال ﴿ يرهبون ﴾ ه.

التفسير: لما أهلك الله  أعداء بني إسرائيل سأل موسى ربه أن يؤتيه الكتاب الذي وعده فأمره بصوم ثلاثين وهو شهر ذي القعدة، فلما أتم الثلاثين أنكر من نفسه خلوف الفم فتسوّك فقالت الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدتها بالسواك، فأوحى الله تعالى إليه: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك؟

فأمره الله أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة لهذا السبب.

وقيل: فائدة التفصيل أنه  أمره بصوم ثلاثين وأن يعمل فيها ما يقربه من الله، ثم أنزلت عليه التوراة في العشر وكلم فيها.

وقال أبو مسلم الأصفهاني: من الجائز أن يكون موسى عند تمام الثلاثين بادر إلى ميقات ربه قبل قومه بدليل قوله في طه ﴿ وما أعجلك عن قومك يا موسى  ﴾ فلما أعلمه الله  خبر قومه مع السامري رجع إلى قومه، ثم عاد إلى الميقات في عشرة أخرى فتم أربعون ليلة.

وقيل: لا يمتنع أن يكون الوعد الأوّل لحضرة موسى وحده والوعد الثاني لحضرة المختارين معه ليسمعوا الكلام.

ومن فوائد الفذلكة في قوله ﴿ فتم ميقات ربه أربعين ليلة ﴾ إزالة وهم من يتوهم أن الميقات كان عشرين ثم أتمه بعشر فصار ثلاثين.

والفرق بين الميقات والوقت أن الميقات ما قدر فيه عمل من الأعمال والوقت وقت الشيء قدره مقدراً أم لا.

وانتصب ﴿ أربعين ﴾ على الحال أي تم بالغاً هذا العدد.

﴿ وهارون ﴾ عطف بيان ﴿ لأخيه ﴾ وقرىء بالضم على النداء ﴿ أخلفني في قومي ﴾ كن خليفتي فيهم ﴿ وأصلح ﴾ كن مصلحاً أو أصلح ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائل ومن دعاك إلى الإفساد فلا تتبعه.

وإنما جعله خليفة مع أنه شريكه في النبوّة بدليل ﴿ وأشركه في أمري  ﴾ والشريك أعلى حالاً من الخليفة لأن نبوّة موسى كانت بالأصالة ونبوّة هارون بتبعيته فكأنه خليفته ووزيره.

وإنما وصاه بالإصلاح تأكيداً واطمئناناً وإلا فالنبي لا يفعل إلا الإصلاح.

﴿ ولما جاء موسى لميقاتنا ﴾ اللام بمعنى الاختصاص كأنه قيل: اختص مجيئه بوقتنا الذي حددنا له كما يقال: أتيته لعشر خلون من شهر كذا ﴿ وكلمه ربه ﴾ للناس في كلام الله مذاهب فقيل: هو عبارة عن هذه الحروف المؤلفة المنتظمة.

وقيل: صفة حقيقية مخالفة للحروف والأصوات وعلى الأول فمحل تلك الحروف والأصوات هو ذات الله  وهو قول الكرامية، أو جسم مغاير كالشجرة ونحوها وهو قول المعتزلة.

وعلى التالي فالأشعرية قالوا إن موسى  سمع تلك الصفة الأزلية لأنه كما لا يتعذر رؤيته عندنا مع أنه ليس بجسم ولا عرض فكذا لا يمتنع سماع كلامه مع أنه ليس بحرف ولا صوت.

وقال أبو منصور الماتريدي: الذي سمعه موسى  أصوات مقطعة وحروف مؤلفة قائمة بالشجرة.

واختلف العلماء أيضاً في أن الله  كلم موسى وحده لظاهر الآية أو مع السبعين المختارين وهو قول القاضي لأن تكليم الله موسى معجز وقد تقدمت نبوّة موسى فلا بد من ظهور هذا المعنى لغيره ﴿ قال رب أرني أنظر إليك ﴾ أي أرني نفسك واجعلني متمكناً من رؤيتك فانظر إليك وأراك.

عن ابن عباس: أن موسى  جاء ومعه السبعون وصعد الجبل وبقي السبعون في أسفل الجبل وكلم الله موسى وكتب له في الألواح كتاباً وقربه نجياً.

فلما سمع صرير القلم عظم شوقه فقال رب أرني انظر إليك.

قالت الأشاعرة إن موسى سأل الرؤية وأنه عارف بما يجب ويجوز ويمتنع على الله  .

فلو كانت الرؤية ممتنعة لما سألها.

قال القاضي: للمحصلين من العلماء في هذا المقام أقوال: أحدها قول الحسن وغيره أن موسى ما عرف أن الرؤية غير جائزة على الله  وهذا لا يقدح سبحانك في معرفته لأن العلم بامتناع الرؤية وجوازها لا يبعد أن يكون موقوفاً على السمع، وزيف بأنه يلزم أن يكون موسى أدون حالاً من علماء المعتزلة العالمين بامتناع الرؤية على الله تعالى، وبأنهم يدعون العلم الضروري بأن كل ما كان مرئياً فإنه يجب أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل، فلو لم يكن هذا العلم حاصلاً لموسى كان ناقص العقل وهو محال، وإن كان حاصلاً وجوّز موسى عليه المقابلة كان كفراً وهو أيضاً محال.

وثانيها طريقة أبي علي وأبي هاشم أن موسى  سأل الرؤية عن لسان قومه فقد كانوا يكررون المسألة عليه بقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة  ﴾ وزيف بأنه لو كان كذلك لقال موسى أرهم ينظروا إليك، ولقال الله لن يروني، وبأنه لو كان محالاً لمنعهم كما منعهم لما قالوا اجعل لنا إلهاً، وبأن ذكر الدليل القاطع في هذا المقام فرض مضيق فلم يمكن تأخيره مع أنهم كانوا مقرين بنبوّة موسى كفاهم في الامتناع عن السؤال قول موسى وإلا فلا انتفاع لهم بهذا الجواب فإن لهم أن يقولوا لا نسلم أن هذا المنع من الله بل هذا مما افتريته على الله.

وثالثها وهو اختيار أبي القاسم الكعبي أن موسى سأل ربه المعرفة الضرورية بحيث تزول عندها الخواطر والوساوس كما في معرفة أهل الآخرة.

وردّ بأنه  أراه من الآيات كالعصا واليد وغيرها ما لا غاية بعدها فكيف يليق به أن يقول أظهر لي آية تدل على أنك موجود؟

ولو فرض أنه لائق بحال موسى فلم منعه الله  عن ذلك؟

ولقائل أن يقول: منعه في الدنيا لحكمة علمها الله  ولا يلزم منه المنع في الآخرة.

ورابعها وهو قول أبي بكر الأصم أن موسى أراد تأكد الدليل العقلي بالدليل السمعي، وتعاضد الدلائل أمر مطلوب للعقلاء.

وضعف بأنه كان الواجب عليه حينئذ أن يقول: أريد يا إلهي أن يقوى أمتناع رؤيتك بوجوه زائدة على ما ظهر في عقلي.

ولقائل أن يقول: هذا تعيين الطريق.

وفي الآية سؤال وهو أنه  لم قال ﴿ لن تراني ﴾ دون ﴿ لن تنظر إليّ ﴾ ليناسب قوله ﴿ انظر إليك ﴾ والجواب لأن موسى لم يطلب النظر المطلق وإنما طلب النظر الذي معه الإدراك بدليل ﴿ أرني ﴾ ومن حجج الأشاعرة أنه  علق رؤيته على أمر جائز هو استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز.

وردّ بأنه علق حصول الرؤية على استقرار الجبل حال حركته بدليل قوله ﴿ ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه ﴾ أي وقت النظر وعقيبه واستقرار الجبل حال حركته محال.

ومنها قوله ﴿ فلما تجلى ربه ﴾ أي ظهر وبان ومنه جلوت العروس إذا أبرزتها، أو ظهر للجبل اقتداره وتصدى له أمره وإرادته ﴿ جعله دكاً ﴾ أي مدكوكاً كالمصدر بمعنى "مفعول".

والدك والدق أخوان.

ومن قرأ بالمد أراد أرضاً دكاء مستوية ومنه ناقة دكاء متواضعة السنام.

والدكاء أيضاً اسم للرابية الناشزة من الأرض كالدكة.

والغرض من الجميع تعظيم شأن الرؤية وأن أحداً لا يقوى على ذلك إلا بتقوية الله وتأييده.

وقالت المعتزلة: الرؤية أمر محال لقوله ﴿ لن تراني ﴾ وكلمة "لن" إن لم تفد التأبيد فلا أقل من التأكيد.

وأيضاً الاستدراك في قوله ﴿ ولكن انظر ﴾ معناه أن النظر إليّ محال فلا تطلبه ولكن عليك بنظر آخر إلى الجبل لتشاهد تدكك أجزائه وتفرق أبعاضه من عظمة التجلي، وإذا لم يطق الجماد ذلك فكيف الإنسان؟

قالت الأشاعرة ههنا: لم يبعد أن يخلق الله  حينئذ في الجبل حياة وعقلاً وفهماً ورؤية.

وأيضاً قوله ﴿ وخر موسى صعقاً ﴾ أي مغشياً عليه غشية كالموت دليل استحالة الرؤية على الأنبياء فضلاً عن غيرهم.

روي أن الملائكة مرت عليه وهو مغشى عليه فجعلوا يلكزونه بأرجلهم يقولون: يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزّة.

وأيضاً قوله بعد الافاقة من الصعقة ﴿ سبحانك ﴾ أنزهك عما لا يليق بك من جواز الرؤية عليك ﴿ إني تبت إليك ﴾ من طلب الرؤية بغير إذن منك وإن كان لغرض صحيح هو تنبيه القوم على استحالة ذلك بنص من عندك ﴿ وأنا أوّل المؤمنين ﴾ بأنك لست بمرئي ولا مدرك بشيء من الحواس.

وقالت الأشاعرة: وأنا أوّل المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا أو بأنه لا يجوز السؤال منك إلا بإذنك.

ثم لما سأل الرؤية ومنعه الله إياها أخذ في تعداد سائر نعمه عليه وأمره أن يشتغل بشكرها ﴿ فقال يا موسى إني اصطفيتك ﴾ الآية.

والمقصود تسلية موسى عن منع الرؤية.

قيل: وفي هذا دليل على جواز الرؤية في نفسها وإلا لم يكن إلى هذا العذر حاجة.

وإنما قال ﴿ اصطفيتك على الناس ﴾ ولم يقل "على الخلق" لأن الملائكة قد تسمع كلام الله  من غير واسطة كما سمعه موسى.

والغرض أنه  خصه من دون الناس بمجموع أمرين الرسالة والكلام وسائر الرسل لهم الرسالة فقط.

وإنما كان الكلام بلا وسط سبباً للشرف بناء على العرف الظاهر وقد جاء في الخبر أن نبينا  رأى ربه ليلة المعراج بعين الرأس.

وفي ذلك دليل على أفضليته على موسى شتان بين من اتخذه الملك لنفسه حبيباً وقرّبه إليه بلطفه تقريباً وبين من قرب له الحجاب وحال بينه وبين المقصود بواب ونواب.

والمزاد بالرسالات ههنا أسفار التوراة ﴿ فخذ ما أتيتك ﴾ من شرف الرسالة والكلام ﴿ وكن من الشاكرين ﴾ لله على ذلك بأن تشتغل بلوازمها علماً وعملاً.

ثم فصل تلك الرسالة فقال ﴿ وكتبنا له في الألواح ﴾ قيل: خر موسى صعقاً يوم عرفة وأعطاه الله التوراة يوم النحر.

وذكروا في عدد الألواح وفيو جوهرها وطولها أنها كانت عشرة ألواح، وقيل سبعة، وقيل لوحين، وأنها كانت من خشب نزلت من السماء.

وعن وهب أنها كانت من صخرة صماء لينها الله  لموسى قطعها بيده وشققها بأصابعه.

وقيل: طولها كان عشرة أذرع.

والتحقيق أن أمثال هذه يحتاج إلى النقل الصحيح وإلا وجب السكوت عنه إذ ليس في الآية ما يدل على ذلك.

وأما كيفية تلك الكتابة فقال ابن جريج كتبها جبرائيل بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور وحكم هذا النقل أيضاً كما قلنا ﴿ من كل شيء ﴾ مفعول ﴿ كتبنا ﴾ و "من" للتبعيض نحو أخذت من الدراهم ﴿ موعظة وتفصيلاً ﴾ بدل منه فيدخل في الموعظة كل ما يوجب الرغبة في الطاعة والنفرة عن المعصية وذلك بذكر الوعد والوعيد.

وأراد بالتفصيل تبيين كل ما يحتاج إليه بنو إسرائيل من أقسام الأحكام، ويجوز أن يكون ﴿ موعظة وتفصيلاً ﴾ مفعولين لـ ﴿ كتبنا ﴾ والتقدير: وكتبنا له في الألواح موعظة من كل شيء وتفصيلاً لكل شيء.

قيل: أنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير يقرأ الجزء منها في سنة لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى ويوشع وعزير وعيسى.

وعن مقاتل: كتب في الألواح أني أنا الله الرحمن الرحيم لا تشركوا بي شيئاً ولا تقطعوا السبيل ولا تحلفوا باسمي كذباً فإن من حلف باسمي كذباً فلا أزكيه، ولا تزنوا ولا تقتلوا ولا تعقوا الوالدين.

﴿ فخذها ﴾ على إرادة القول أي وكتبنا فقلنا له خذها أو بدل من قوله ﴿ فخذ ما أتيتك ﴾ والضمير للألواح أو لكل شيء لأنه في معنى الأشياء، أو للرسالات أو للتوراة ﴿ بقوّة ﴾ بجد وعزيمة فعل أولى بالعزم من الرسل ﴿ وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ﴾ سئل ههنا أنه لما تعبد بكل ما في التوراة وجب كون الكل مأموراً به، فظاهر قوله ﴿ يأخذوا بأحسنها ﴾ يقتضي أن فيه ما ليس بأحسن وأنه لا يجوز الأخذ به.

وأجاب العلماء بوجوه منها، أن تلك التكاليف منها ما هو حسن ومنها ما هو أحسن كالاقتصاص والعفو والانتصار والصبر، فمرهم أن يأخذوا بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب فيكون كقوله ﴿ واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم  ﴾ وكقوله ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه  ﴾ قال قطرب: الأحسن بمعنى الحسن وكلها حسن.

وقيل: الحسن يشمل الواجب والمندوب والمباح والأحسن الواجب والمندوب.

وقال في الكشاف: يجوز أن يراد يأخذوا بما أمروا به دون ما نهوا عنه كقولهم الصيف أحر من الشتاء.

ثم ختم الآية بالوعيد والتهديد فقال ﴿ سأريكم دار الفاسقين ﴾ قال ابن عباس والحسن ومجاهد يعني جهنم أي ليكن ذكر جهنم حاضراً في أذهانكم لتحذروا أن تكونوا منهم.

وعن قتادة: يريد مواطن الجبابرة والفراعنة الخاوية بالشام ومصر ليعتبروا بذلك فلا يفسقوا مثل فسقهم فيصبيهم مثل ما أصابهم.

وقال الكلبي: هي منازل عاد وثمود وأقرانهم يمرون عليها في أسفارهم.

وقيل: المراد الوعد والبشارة بأن الله  سيرزقهم أرض أعدائهم ويؤيده ما قرىء ﴿ سأورثكم ﴾ .

وقوله ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون  ﴾ .

ثم ذكر ما به يعامل الفاسقين المتكبرين فقال ﴿ سأصرف عن آياتي ﴾ الآية.

فاحتجت الأشاعرة بها على أنه  قد يمنع عن الإيمان ويصرف عنه.

وقال الجبائي: قوله ﴿ سأصرف ﴾ للاستقبال والمصروفون موصوفون بالتكبر والانحراف عن الطريق المستقيم في الزمان الماضي، فعلم أن المراد من هذا الصرف ليس هو الكفر.

وأيضاً الصرف مذكور على وجه العقوبة على التكبر والاعتساف ولا تكون العقوبة عين المعاقب عليه فوجب تأويل الآية.

وقال الكعبي وأبو مسلم الأصفهاني: إن هذا الكلام تمام لما وعد الله به موسى من النصرة والعصمة أي أصرفهم عن آياتي فلا يقدرون على منعك من تبليغها كما قال في حق نبينا  ﴿ بلغ ما أنزل إليك ﴾ إلى قوله ﴿ والله يعصمك من الناس  ﴾ وقيل: سأصرف هؤلاء المتكبرين عن نيل ما في آياتي من العز والكرامة المعدَّة للأنبياء والمؤمنين، فيكون ذلك الصرف المستلزم للإذلال والإهانة جارياً مجرى العقوبة على كفرهم وتكبرهم على الله  .

وقيل: إن من الآيات آيات لا يمكن الانتفاع بها إلا بعد سبق الإيمان فإذا كفروا فقد صيروا أنفسهم بحيث لا يمكنهم الانتفاع بما بعد ذلك فحينئذ يصرفم الله  عنها.

وبوجه آخر إن الله  إذا علم من حال بعضهم أنه إذا شاهد تلك الآيات فإنه لا يستدل بها بل يستخف بها ولا يقوم بحقها، فإذا علم الله  ذلك صح أن يصرفهم عنها، أو عن الحسن: إن من الكفار من يبالغ في كفره وينتهي إلى الحد الذي إذا وصل إليه مات قلبه وهي بالطبع والخذلان، فالمراد بالمصروفين هؤلاء.

وعن رسول  : "إذا عظمت أمتي الدنيا نزع عنها هيبة الإسلام وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي" قوله ﴿ بغير الحق ﴾ أما أن يكون حالاً بمعنى يتكبرون غير محقين لأن التكبير بالحق لله وحده، إذ لا كمال فوق كماله فله إظهار العظمة والكبرياء على كل من سواه، وإما أن يكون صلة للفعل أي يتكبرون بما ليس بحق وهو دينهم الذي لا أصل له، ومنه يعلم أن للمحق أن يتكبر على المبطل كما قيل: التكبر على المتكبر صدقة.

والرشد طريق الهدى والحق والصواب كلاهما واحد قاله الكسائي، وفرق أبو عمرو فقال: الرشد بضم الراء الصلاح لقوله ﴿ فإن آنستم منهم رشد  ﴾ وبفتحتين الاستقامة في الدين قوله  ﴿ مما علمت رشداً  ﴾ وسبيل الغي ضد ما ذكرنا.

ثم بين أن ذلك الصرف وتعكيس القضية إنما كان الأمرين: كونهم مكذبين بآيات الله، وكونهم غافلين عنها، ومحل ذلك الرفع على الابتداء أو النصب على معنى صرفهم الله ذلك الصرف بسبب أنهم كذا وكذا.

ثم بيّن أن أولئك المتكبرين مجزيون شر الجزاء وإن صدر عنهم صورة الإحسان والخير فقال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة ﴾ أي جحدوا المعاد حبطت أعمالهم.

ثم قال ﴿ هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ﴾ احتجت الأشاعرة بها على فساد قول أبي هاشم إن تارك الواجب يستحق العقاب بمجرد ترك الواجب وإن لم يصدر عنه فعل ذلك.

قالوا: لأنها دلت على أنه لا جزاء إلا على عمل وترك الواجب ليس بعمل.

أجاب أبو هاشم بأني لا أسمي ذلك العقاب جزاء.

ورد بأن الجزأ ما يجزىء، أي يكفي عن المنع عن النهي أو في الحث على المأمور، لكن العقاب على ترك الواجب كافٍ في الزجر عن ذلك فكان جزاء.

قيل: إن بني إسرائيل كان له عيد يتزينون فيه يستعيرون من القبط الحلي فاستعاروها مرة فأغرق الله القبط فبقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل، فلهذا أضيفت إليهم على أن مجرد ملابسة الاستعارة أيضاً تحقق الإضافة وتصححها.

والحليّ جمع حلي كثدي وثديّ.

ومن كسر الحاء فللإتباع.

فجمع السامري تلك الحليّ وكان رجلاً مطاعاً فيهم ذا قدر وكانوا قد سألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً بعبدونه فصاغ السامري لهم عجلاً.

واختلف المفسرون بعد ذلك فقال قوم: كان قد أخذ تراب حافر فرس جبرائيل فألقاه في جوف ذلك العجل فانقلب لحماً ودماً وظهر منه الخوار مرة واحدة فقال السامري هذا إلهكم وإله موسى.

قال أكثر المفسرين من المعتزلة: إنه كان قد جعل ذلك العجل مجوّفاً ووضع في جوفه أنابيب على وجه مخصوص، ثم وضع التمثال على مهب الرياح فظهر منه صوت شديد يشبه خوار العجل.

وقال آخرون: إنه صير ذلك التمثال أجوف وخبأ تحته من ينفخ فيه من حيث لا يشعر به الناس.

وإنما قال  ﴿ واتخذ قوم موسى ﴾ من أن المتخذ هو السامريّ وحده لأن القوم رضوا بذلك واجتمعوا عليه فكأنهم شاركوه، أو لأن المراد باتخاذ العجل هو عبادته كقوله ﴿ ثم اتخذتم العجل من بعده  ﴾ أي من بعد مضيه إلى الطور.

قال الحسن: كلهم عبدوا العجل غير هارون لعموم الآية ولقول موسى في الدعاء ﴿ رب اغفر لي ولأخي ﴾ ولو كان غيرهما أهلاً للدعاء لأشركهم في ذلك.

وقال آخرون: بل كان قد بقي في بني إسرائيل من ثبت على إيمانه لقوله  ﴿ من قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون  ﴾ وهل انقلب ذلك التمثال لحماً ودماً أو بقي ذهباً كما كان مال بعضهم إلى الأوّل لأنه  قال ﴿ عجلاً جسداً له خوار ﴾ والجسد اسم للجسم ذي اللحم والدّم والخوار إنما يكون للبقرة لا للصورة.

واستبعده بعضهم وناقش في أن الجسد مختص بذي الروح.

ثم قال: إن ذلك الصوت لما أشبه الخوار لما يبعد إطلاق لفظ الخوار عليه.

وقرأ علي كرم الله وجهه ﴿ جؤار ﴾ بالجيم والهمزة من جأر إذا صاح و ﴿ جسداً ﴾ بدلاً من ﴿ عجلاً ﴾ ثم إنه  احتج على فساد كون ذلك العجل إلهاً بقوله ﴿ ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً ﴾ ومن حق الإله أن يكون متكلماً هادياً إلى سبيل الحق ومناهجه بما ركز في العقول من الأدلة وبما أنزل من الكتب.

قالت المعتزلة: ههنا سؤال فمن كان مضلاً عن الدين لا يصلح أن يكون إلهاً.

قالت الأشاعرة: لو صح أن الإله يلزم أن يكون متكلماً هادياً لزم أن يكون كل متكلم هادٍ إلهاً.

والحق أن الملازمة ممنوعة فإن الدعوى ليست إلا أن كل إله يجب أن يكون متكلماً هادياً والموجبة الكلية لا تنعكس كنفسها على أنه يمكن أن يقال لا متكلم ولا هادي في الحقيقة إلا الله  .

ثم ختم الآية بقوله ﴿ اتخذوه وكانوا ظالمين ﴾ وهذا كما قال في البقرة ﴿ ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون  ﴾ ثم أخبر عن عقبى حالهم بقوله ﴿ ولما سقط في أيديهم ﴾ معناه ولما اشتد ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل.

واختلفوا في وجه هذه الاستعارة فقال الزجاج: أريد بالأيدي القلوب والأنفس كما يقال حصل في يده مكروه وإن كان من المحال حصول المكروه في اليد تشبيهاً لما يحصل في القلب وفي النفس بما يحصل في اليد ويرى بالعين.

وقال في الكشاف: إن من شأن من اشتد ندمه أن يعض يده فتصير يده مسقوطاً فيها لأن فاه وقع فيها، فأصل الكلام سقط فوه في يده فحذف الفاعل وبني الفعل للمفعول فيه كما يحذف الفعل ويبنى للمفعول فيه في قولهم "مُرَّ بزيد" وهذا من باب الكناية لأن عض اليد من لوازم الحسرة والندم.

وقيل: كل عمل يقدم المرء عليه فذلك لاعتقاد أن ذلك العمل خير وصواب وأنه يورثه رفعة ورتبة، فإذا بان أن ذلك العمل باطل فكأنه انحط وسقط من علو إلى أسفل ومنه قولهم للرجل إذا أخطأ "ذلك منه سقطة" ثم إن اليد آلة البطش والأخذ والنادم كأنه تدارك الحالة التي لأجلها حصل له الندم وكأنه قد سقط في يد نفسه من حيث أنه بعد حصول ذلك الندم يشتغل بالتدارك والتلافي.

وحكى الواحدي أنه من السقط وهو ما يغشى الأرض بالغدوات شبه الثلج فمن وقع في يده السقط لم يحصل منه على شيء قط لأنه يذوب بأدنى حرارة، فهذا مثل من خسر فيعاقبته ولم يحصل على طائل من سعة.

وقال بعضهم: الآله الأصلية في أكثر الأعمال اليد والعاجز في حكم الساقط فسقاط اليد هو العجز التام كما يقال في العرف ضل يده ورجله لمن لا يهتدي إلى صلاحه.

وقيل: إن "في" بمعنى "على" أي سقط على أيديهم فإن من عادة النادم أن يطأطىء رأسه ويضعه على يده تحت ذقنه.

ثم قال الله  ﴿ ورأوا أنهم قد ضلوا ﴾ أي قد تبينوا ضلالهم كأنهم أبصروه بعيونهم.

قال القاضي: الكلام على التقديم والتأخير لأن الندم والتحسر بعد تعرف الحال وتبين الخطأ والترتيب الأصلي: ولما رأوا أنهم قد ضلوا سقط في أيديهم.

ويمكن أن يقال: الواو لا تفيد الترتيب، أو يقال: الإقدام على ما لا يعلم كونه صواباً أو خطأً فاسد موجب للندم وقد يتكامل العلم فيظهر أنه خطأ جزماً.

ثم إنهم اعترفوا بذنوبهم وانقطعوا إلى ربهم وذكروا مثل ما ذكر أبونا آدم وأمنا حواء ﴿ إن لم يرحمنا ربنا ﴾ الآية.

﴿ ولما رجع موسى إلى قومه ﴾ قال بعضهم إن موسى قد عرف خبر القوم بعد رجوعه إليهم.

وقال الأكثرون وهو قول أبي مسلم: إنه كان عارفاً بذلك قبل رجوعه بدليل قوله ﴿ غضبان أسفاً ﴾ فإنه يدل على أن هاتين الحالتين حاصلتان له عند رجوعه إليهم ولما جاء في سورة طه ﴿ قد فتنا قومك من بعدك  ﴾ وفي دليل ظاهر على أنه  أخبره بوقوع الواقعة في الميقات.

والأسف الشديد الغضب وهو قول أبي الدرداء والزجاج.

وعن ابن عباس والحسن إنه الحزين.

وقال الواحدي: هما متقاربان فإذا جاءك ممن هو دونك غضبت وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت، فكأن موسى غضبان على قومه أسفاً من فتنة ربه ﴿ بئسما خلفتموني ﴾ خاطب عبدة العجل أو وجوه القوم - هارون والمؤمنين - حيث لم يكفوا العبدة.

وفاعل ﴿ بئس ﴾ مضمر يفسره ﴿ ما خلفتموني ﴾ والمخصوص محذوف التقدير: بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم.

ومعنى ﴿ من بعدي ﴾ مع قوله ﴿ خلفتموني ﴾ من بعد ما رأيتم مني من توحيد الله ونفي الأنداد أو من بعد ما كنت أحمل القوم عليه من التوحيد والكف من اتخاذ إله غير الله حيث قالوا جعل لنا إلهاً ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة مستخلفيهم من بعدهم ولا يخالفوهم ونظير الآية قوله ﴿ فخلف من بعدهم خلف  ﴾ أي من بعد أولئك الموصوفين بالصفات الحميدة ﴿ أعجلتم أمر ربكم ﴾ قال الواحدي: العجلة التقدم بالشيء قبل وقته ولذلك صارت مذمومة في الأغلب بخلاف السرعة فإنها عمل الشيء في أوّل وقته.

قال ابن عباس: يعني أعجلتم ميعاد ربكم فلم تصبروا له.

وقال الحسن: أعجلتم وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين وذلك أنهم قدّروا أنه لما لم يأت على رأس الثلاثين ليلة فقد مات.

وروي أن السامري قال لهم: إن موسى لن يرجع وإنه قد مات.

وروي أنهم عدوا عشرين يوماً بلياليها فجعلوها أربعين ثم أحدثوا ما أحدثوا.

وقال الكلبي، أعجلتم عبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم.

وقال عطاء: أعجلتم سخط ربكم.

وفي الكشاف: يقال عجل عن الأمر إذا تركه غير تام ونقيضه تم عليه وأعجله عنه غيره ويضمن معنى سبق فيعدى تعديته فيقال: عجلت الأمر ومعنى: أعجلتم عن أمر ربكم وهو انتظار موسى حافظين لعهده وما وصاكم به ﴿ وألقى الألواح ﴾ التي فيها التوراة لما لحقه من الدهش والضجر غضباً لله.

عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: "يرحم الله أخي موسى ما الخبر كالمعاينة" لقد أخبره الله  بفتنة قومه فعرف أن ما أخبره به حق وأنه مع ذلك متمسك بما في يده.

وروي أن التوراة كانت سبعة أسباع فلما ألقى الألواح تكسرت فرفع منها ستة أسباعها وبقي سبع واحد، وكان فيما رفع تفصيل كل شيء وفيما بقي الهدى والرحمة.

قال في التفسير الكبير: إلقاء الألواح ثابت بالقرآن، فأما إلقاؤها بحيث تكسرت فلا وإنه جراءة عظيمة ومثله لا يليق بالأنبياء.

وأقول: الجراءة تحصل بنفس الإلقاء لا بالتكسر الذي لا يتعلق باختياره فكل ما يجعل عذراً عن نفس الإلقاء يصح أن يجعل عذراً عن التكسر ﴿ وأخذ برأس أخيه ﴾ أي بشعر رأسه يجره إليه بذؤابته.

واعلم أن موسى  كان في نفسه حديداً شديد الغضب وكان هارون ألين منه جانباً ولذلك كان أحبّ إلى بني إسرائيل من موسى.

وقد استتبع غضبه أمرين: أحدهما إلقاء الألواح والآخر أخذ رأس أخيه جار إليه، فزعم مثبتو عصمة الأنبياء أنه جر برأس أخيه إلى نفسه ليسارّه ويستكشف منه كيفية الواقعة لا لأجل الإهانة والاستخفاف، ثم إن هارون خاف أن يتوهم جهال بني إسرائيل أن موسى فعل ما فعل به إهانة ﴿ فقال يا ابن أم ﴾ من كسرها فعلى طرح ياء المتكلم، ومن فتحها فتشبيهاً بخمسة عشر لكثرة الاستعمال أو على الألف المبدلة من ياء الإضافة.

وإنما أضافه إلى الأم إشارة إلى أن أمهما واحدة على ما روي أنه كان أخاه لأمه ليكون أدعى إلى العطف والرقة لأنها كانت مؤمنة فافتخر.

بنسبها ولأنها هي التي تحملت فيه الشدائد فذكره حقها ﴿ إن القوم استضعفوني ﴾ استذلوني وقهروني ولم يبالوا بي لقلة أنصاري ﴿ وكادوا يقتلونني ﴾ حين منعتهم عبادة العجل ونهيتهم عنها ﴿ فلا تشمت بي الأعداء ﴾ العابدي العجل فإنهم يحملون هذا الذي تفعل بي على الإهانة لا على الإكرام ﴿ ولا تجعلني مع القوم الظالمين ﴾ في اشتراك العقوبة والإذلال، ولا تعتقد أني واحدمنهم.

ولا يخفى ما في بعض هذا التفسير من التعسف والتكلف، والحق أن هذا القدر من الحدة الناشئة من عصبية الدين لا يقدح في العصمة وغايته أن يكون من قبيل ترك الأولى فلذلك ﴿ قال ﴾ موسى ﴿ رب اغفر لي ﴾ ما أقدمت عليه من الحدة قبل جلية الحال ﴿ ولأخي ﴾ أن عساه فرّط في شأن الخلافة ثم أخبر عن مجازاة القوم فقال ﴿ إن الذين اتخذوا العجل ﴾ إلهاً ﴿ سينالهم غضب من ربهم وذلة ﴾ كلاهما في الحياة الدنيا.

فالغضب ما أمروا به من قتل أنفسهم والذلة خروجهم من ديارهم وذل الغربة لا يخفى.

واعترض بأن قوله ﴿ سينالهم ﴾ للاستقبال وفي وقت نزول الآية كان القتل واقعاً.

وأجيب بأن هذا الكلام حكاية عما أخبر الله  موسى به في الميقات من افتتان قومه وكان سابقاً على وقوعهم في الغضب والذلة.

قلت: ويجوز أن يكون الآيتان من تتمة قول موسى إلا أن قوله ﴿ وكذلك نجزي المفترين ﴾ ينبو عن ذلك إلا أن يحمل على الاعتراض.

ولما في هذا التفسير من التكلف ذهب به بعض المفسرين إلى أن المضاف في الآية محذوف والتقدير: إن الذين اتخذ آباؤهم العجل يعني الذين كانوا في زمن النبي  سينالهم غضب من ربهم في الآخرة وذلة في الحياة الدنيا بضرب الجزية، أو غضب وذلة كلاهما في الدنيا بالقتل والجلاء كما نال بني قريظة والنضير، أو التقدير: إن الذين اتخذا العجل سينال أولادهم ﴿ وكذلك نجزي المفترين ﴾ أي كل مفتر في دين الله فجزاؤه الغضب والذلة.

قال مالك بن أنس: ما من مبتدع إلا وتجد فوق رأسه ذلة ثم قرأ هذه الآية ﴿ والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا ﴾ ظاهر الآية يدل على أن التوبة شرط العفو وأنه لا بد مع التوبة من تجديد الإيمان فما أصعب شأن المذنبين، ولكن عموم لفظ السيئات يدل على أن من أتى بجميع المعاصي ثم تاب فإنه الله يغفرها له فما أحسن حال التائبين ﴿ لغفور ﴾ ستور عليهم محَّاء لما صدر منهم ﴿ رحيم ﴾ منعم عليهم بالجنة.

وفيه أن الذنوب وإن جلت وعظمت فإن عفوه وكرمه أعظم وأجل.

ولما بين ما كان من موسى مع الغضب بين ما كان منه بعد الغضب فقال ﴿ ولما سكت عن موسى الغضب ﴾ قال علماء البيان: إنه خرج على قانون الاستعارة فكأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول ألق الألواح وغير ذلك، فترك النطق بذلك وقطع الإغراء.

وعن عكرمة أن المعنى سكت موسى عن الغضب فقلب كما يقال: أدخلت الخف في رجل وإنما أدخل الرجل في الخف.

وقيل: السكوت بمعنى السكون وقد قرىء به.

﴿ أخذ الألواح ﴾ التي ألقاها منبهاً على زوال غضبه لأنه أوكد ما تقدم من إمارات الغضب ﴿ وفي نسختها ﴾ فعلة بمعنى مفعول كالخطبة من النسخ والكتب أي في مكتوبها من اللوح المحفوظ سواء قلنا إن الألواح لم تتكسر وأخذها موسى بأعيانها بعد ما ألقاها أو قلنا إنها تكسرت وأخذ ما بقي منها، وقيل: النسخ بمعنى الإزالة لما روي عن ابن عباس أنه لما ألقى الألواح تكسرت فصام أربعين يوماً فأعاد الله  الألواح وفيها غير ما في الأولى ﴿ هدى ﴾ من الضلال ﴿ ورحمة ﴾ من العذاب ﴿ للذين هم لربهم يرهبون ﴾ أدخل اللام في المفعول لتقدمه فإن تأخير الفعل يكسبه ضعفاً ونظيره ﴿ للرؤيا تعبرون  ﴾ وقولك: لزيد ضربت ويجوز أن يكون المراد للذين هم لأجل ربهم يرهبون لا رياء وسمعة، وجوّز بعضهم أن تكون اللام صلة نحو ردف لكم.

التأويل: ﴿ ثلاثين ليلة ﴾ لئلا تستكثر النفس الأربعين من ضعف البشرية ﴿ وأتممناها بعشر ﴾ الخصوصية الأربعين في ظهور ينابيع الحكمة من القلب على اللسان ﴿ وقال موسى ﴾ الروح ﴿ لأخيه هارون ﴾ القلب عند توجهه لمقام المكالمة والتجلي كن خليفتي في قومي من الأوصاف البشرية و ﴿ وأصلح ﴾ ذات بينهم على وفق الشريعة وقانون الطريقة ﴿ ولا تتبع سبيل المفسدين ﴾ من الهوى والطبيعة.

وهذه الخلافة هي السر الأعظم في بعثة الروح من ذروة عالم الأرواح إلى حضيض عالم الأشباح ﴿ ولما جاء موسى ﴾ ولما حصل الروح على بساط القرب وتتابع عليه كاسات الشرب أثر فيه سماع الكلمات فطال لسان انبساطه عند التمكن على بساطه فـ ﴿ قال رب أرني أنظر إليك ﴾ فقيل: هيهات أنت بعد في بعد الأثنينية وحجب جبل الأنانية فلن تراني لأنه لا يراني إلا من كنت له بصراً فبي يبصر ﴿ ولكن انظر ﴾ إلى جبل الأنانية ﴿ فإن استقر مكانه ﴾ عند التجلي ﴿ فسوف تراني ﴾ ببصر أنانيتك ﴿ وخر موسى صعقاً ﴾ بالأنانية فكان ما كان بعد أن بان ما بان وأشرقت الأرض بنور ربها.

قد كان ما كان سراً أبوح به *** فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر فلو لم يكن جبل أنانية النفس بين موسى الروح وتجلي الرب لطاش في الحال وما عاش، ولولا أن القلب يحيا عند الفناء بالتجلي لما أمكنه الإفاقة والروح إلى الوجود، ولو لم يكن تعلق الروح بالجسد لما استسعد بالتجلي ولا بالتحلي فافهم.

﴿ فما أفاق ﴾ من غشية الأنانية بسطوة تجلي الربوبية ﴿ قال ﴾ موسى بلا هويته ﴿ سبحانك ﴾ تنزيهاً لك من خلقك واتصال الخلق بك ﴿ وانا أوّل المؤمنين ﴾ بأنك لا ترى بالأنانية وإنما ترى بنور هويتك.

﴿ برسالاتي وبكلامي ﴾ دون رؤيتي ﴿ وكن من الشاكرين ﴾ فإن الشكر يبلغك إلى ما سألت من الرؤية لأن الشكر يورث الزيادة والزيادة هي الرؤية ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ ﴿ فخذها بقوّة ﴾ أي بقوة الصدق والإخلاص أو بقوة وإعانة منا ﴿ سأريكم دار الفاسقين ﴾ الخارجين عن طلب الله إلى طلب الآخرة أو الدنيا ﴿ سأصرف عن آياتي ﴾ فبحجاب التكبر يحجب المتكبر عن رؤية الآيات ﴿ واتخذ قوم موسى ﴾ أي سامري الهوى من بعد توجه موسى الروح لميقات مكالمة الحق.

اتخذ حلى زينة الدنيا ورعونات البشرية التي استعارها بنو إسرائيل صفات القلب من قبط صفات النفس ﴿ عجلاً ﴾ هو الدنيا ﴿ له خوار ﴾ يدعو الخلق به إلى نفسه ﴿ ولما سقط في أيديهم ﴾ عند رجوع موسى الروح إلى قومه وهم الأوصاف الإنسانية ندمت من فعلها وعادت إلى ما كانت فيه من عبودية الحق والإخلاص له قائلة ﴿ إن لم يرحمنا ﴾ بجذبات العناية ﴿ ربنا ﴾ الآية ﴿ غضبان ﴾ مما عبدت صفات القلب عجل الدنيا ﴿ أسفاً ﴾ على ما فاتها من عبودية الحق ﴿ أعجلتم أمر ربكم ﴾ بالرجوع إلى الدنيا وزينتها والتعلق بها قبل أوانه من غير أن يأمركم به ربكم.

وفيه إشارة إلى أن أصحاب السلوك لا ينبغي أن يلتفتوا إلى شيء من الدنيا في أثناء الطلب اللهم إلا إذا قطعوا مفاوز النفس والهوى ووصلوا إلى كعبة وصال المولى فيأمرهم المولى أن يرجعوا إلى الدنيا لدعوة الخلق ﴿ وألقى الألواح ﴾ يعني ما لاح للروح من اللوائح الربانية عند استيلاء الغضب الطبيعي.

﴿ وأخذ برأس أخيه ﴾ القلب فإنه أخو الروح ﴿ يجره إليه ﴾ قسراً عند استيلاء طبيعة الروحانية ﴿ قال ابن أم ﴾ هما من أب وأم واحد أبوهما الأمر وأمهما الخلق، وإنما نسبه إلى الخلق لأن في عالم الخلق تواضعاً وتذللاً بالنسبة إلى عالم الأمر.

﴿ إن القوم استضعفوني ﴾ يعني أن أوصاف البشرية استذلوني بالغلبات عند غيبتك ﴿ وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ﴾ وهم الشيطان والنفس والهوى ﴿ ولا تجعلني مع القوم الظلمين ﴾ فيه أن صفات القلب تتغير وتتلون بلون صفات النفس ورعونتها، ولكن القلب من حيث هو هو لا يتغير عما جبل عليه من محبة الله وطلبه وإنما يمرض بتغير صفاته كما أن النفس لا تتغير من حيث هي عما جبلت عليه من حب الدنيا وطلبها، وإنما تتغير صفاتها من الأمارية إلى اللوّامية والملهمية والمطمئنية والرجوع إلى الحق، ولو وكلت إلى نفسها طرفة عين لعادت إلى طبعها ﴿ رب اغفر لي ولأخي ﴾ إشارة إلى أن اللوح والقلب استعداد قبول الجذبة الإلهية التي يدخلها بالسير في عالم الصفات ﴿ وكذلك نجزى المفترين ﴾ الذين يدّعون أن الله أعطاهم قوّة لا يضرهم عبادة الهوى والدنيا وشهواتها.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ ﴾ .

ذكر ههنا ثلاثين ليلة ثم ذكر التمام بالعشر، وذكر في السورة التي [فيها] ذكر البقرة أربعين ليلة بقوله: ﴿ وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً  ﴾ ، وهو واحد كان الميعاد له أربعين ليلة، لكن يحتمل ذكر ثلاثين مرة وعشراً وجهين: أحدهما: أن ثلاثين ليلة كان لأمر وعشراً لأمر آخر، فذُكِرَت متفرقة لما كان الأمرين مختلفين.

والثاني: أنه كان في وقتين، كان هذا في وقت والآخر في وقت، والقصّة واحدة، والميعاد واحد، فذكر التمام بعشر؛ كقوله: ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ  ﴾ ، وإن كانت في وقتين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ .

قيل: [تم] الميعاد الذي وُعِدَ له أربعين ليلة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ﴾ .

فإن قيل: ما معنى قول موسى لأخيه هارون: ﴿ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ﴾ ، وهو كان مبعوثاً معه، رسولان إلى فرعون مشتركان في تبليغ الرسالة [إلى فرعون] بقوله: ﴿ وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي  ﴾ فإذا كان هو رسولاً كموسى في تبليغ الرسالة، كيف احتاج إلى أن يقول موسى: اخلفني في قومي وهما - شرعاً - سواء في الرسالة؟

قيل: يحتمل هذا وجهين: [يحتمل] أن يكونا كما ذكر رسولين، لكن من ولى اثنين أمراً لم يكن لواحد منهما أن ينفرد به إلا بأمر الآخر، فعلى هذا كأنه قال له: اخلفني في الحكم بينهم، وأصلح ذات بينهم، ولا تتبع من دعاك إلى سبيل المفسدين.

أو يحتمل أن يكون موسى كان هو الرسول أولاً وكان إليه الحكم، وهارون كان دخيلاً في أمره ردءاً له على ما قال: ﴿ فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي  ﴾ ولأن موسى كان هو المأمور بها أولاً والمبعوث إليهم دونه.

ألا ترى أنه كان هو المناجي ربه دون هارون، وكان هو المعطي الألواح دون هارون؛ كقوله: ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ ، وهو الذي قال: ﴿ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً  ﴾ ، وهو الذي نودي بالبركة دون هارون، وغير ذلك من الآيات، فإذا كان كذلك استخلفه موسى في قومه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا ﴾ .

أي: لميعادنا الذي وعدناه.

﴿ وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾ .

لا يجوز لنا أن نصف كيفية الكلام وماهيته، سوى أنه أنشأ كلاماً وصوتاً أسمعه موسى كيف شاء بما شاء بكلام مخلوق وصوت مخلوق.

﴿ قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي...

﴾ الآية [الاعراف: 143].

قال قائلون: إن موسى لم يسأل ربَّه الرؤية لنفسه، ولكن سأل لقومه لسؤال القوم له؛ كقوله: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً  ﴾ ، لكن هذا بعيد؛ لأنه لو كان سؤاله إياه لسؤال قومه، لكان لا يقول: ﴿ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ ﴾ ، ولكن يقول: أرهم ينظرون إليك، فدل أنه لم يكن لذلك.

وقال قائلون: لم يكن سؤال ربه رؤية الرب، ولكن سأل ربه رؤية الآيات والأعلام والأدلة التي بها يُرَى، وذلك جائز سؤال الرؤية: سؤال رؤية الآيات والأعلام، وذلك أيضاً بعيد؛ لأنه قد أعطاه من الآيات والأعلام ما لم يكن له الحاجة إلى غيرها من الآيات؛ من نحو: العصا التي كان يضرب بها الحجر فَتَفْجُرُ منه اثنتي عشرة عيناً، وما كان من فرق البحر وإهلاك العدو، واليد البيضاء، وغير ذلك من الآيات، فإذا بطل ذلك، دل أنه سأل حقيقة الرؤية، والقول بها لازم عندنا في الآخرة، وحق من غير إدراك ولا تفسير، والدليل على ذلك قوله: ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ  ﴾ ، ولو كان لا يرى لم يكن لنفي الإدراك حكمة؛ إذ لا يدرك غيره بغير الرؤية، فمع نفي الإدراك وغيره من الخلق لا يدرك إلا بالرؤية لا معنى له، والله الموفق.

وأيضاً قول موسى: ﴿ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ...

﴾ الآية ولو كان لا يجوز الرؤية لكان منه جهل بربه، ومن يجهله لا يحتمل أن يكون موضعاً لرسالته، أميناً على وحيه.

وبعد فإنه لم ينهه ولا آيسه، وبدون ذلك قد نهى نوحاً وعاتب آدم وغيره من الرسل، وذلك لو كان لا يجوز لبلغ الكفر ثم قال: فإن استقر مكانه فسوف تراني.

فإن قيل: لعله سأل آية ليعلم بها؟

قيل: لا يحتمل ذا؛ لوجوه: أحدها: أنه قال: ﴿ لَن تَرَانِي ﴾ ، وقد أراه الآية.

وأيضاً أن طلب الآيات يخرج مخرج التعنت؛ إذ قد أراه الآيات على ما ذكرنا، وذلك صنيع الكفرة أنهم لا يزالون يطلبون الآيات، وإن كانت الكفاية قد [ثبتت] لهم فمثله ذلك أيضاً.

وأيضاً إنه قال: ﴿ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي...

﴾ \[و\] الآية التي يستقر معها الجبل [هي] دون التي لا يستقر معها؛ ثبت أنه لم يرد بذلك الآية.

وأيضاً محاجة إبراهيم -  - قومه في النجوم وما ذكر بالأفول والغيبة، ولم يحاجهم بألاّ يحب ربّاً يرى، ولكن حاجهم بألا أحب ربّاً يأفل؛ إذ هو دليل عدم الدوام، ولا قوة إلا بالله.

وأيضاً قوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ  إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  ﴾ ، ثم لا يحتمل ذلك الانتظار؛ لوجوه: أحدها: أن الآخرة ليست بوقت للانتظار، إنما هي الدنيا، وهي دار الوقوع والجود إلا في وقت الفزع، وقيل: أن يعاينوا في أنفسهم ما له حق الوقوع.

والثاني: قوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ  ﴾ : وذلك وقوع الثواب.

والثالث: قوله: ﴿ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  ﴾ : وإلى حرف يستعمل في النظر إلى الشيء لا في الانتظار.

والرابع: أن القول به يخرج مخرج البشارة لعظيم ما نالوه من النعم، والانتظار ليس منه، مع ما كان الصرف عن حقيقة المفهوم قضاء على الله، فيلزم القول بالنظر إلى الله، كما قال على نفي جميع معاني الشبه عن الله  على ما أضيف إليه من الكلام والفعل والقدرة والإرادة أن يجب الوصف به على نفي جميع معاني الشبه، وكذلك القول بالهيئة، فمن زعم أن الله  لا يقدر أن يكرم أحداً بالرؤية، فهو يقدر في الرؤية التي فهمها من الخلق، وإذا كان القول بـ ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ  ﴾ وغير ذلك من الآيات لا يجوز دفعها بالعرض على المفهوم من الخلق، بل يحقق ذلك على نفي الشبه، فمثله خبر الرؤية.

وأيضاً قوله: ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ  ﴾ ، وجاء في غير خبر النظر إلى الله، وقد يحتمل غير ذلك ممّا جاء فيه التفسير، لكنه لولا أن القول بالرؤية كان أمراً ظاهراً، لم يحتمل صرف ظاهر لم يجيء فيها إليها ويدفع به الخبر، والله أعلم.

وأيضاً ما جاء عن رسول الله  في غير خبر أنه قال "[إنكم] سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون" ، وسئل: "هل رأيت ربك؟

فقال: بقلبي قلبي" ، فلم ينكر على السائل السؤال، وقد علم السائل [أن] رؤية القلب إذ هي علم قد علمه، وأنه لم يسأل عن ذلك، وقد حذر الله المؤمنين [عن السؤال] عن أشياء قد كفوا عنها بقوله: ﴿ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ  ﴾ ، فكيف يحتمل أن يكون السؤال عن مثله يجيء، وذلك كفر في الحقيقة عند قوم، ثم لا ينهاهم عن ذلك ولا يوبخهم في ذلك، بل يليق القول في ذلك، ويرى أن ذلك ليس ببديع، والله الموفق.

وأيضاً: إن الله وعد أن يجزي أحسن مما عملوا به في الدنيا، ولا شيء أحسن من التوحيد، وأرفع قدراً من الإيمان به؛ إذ هو المستحسن بالعقول والثواب الموعود من جوهر الجنة، حسنة حسن الطبع، وذلك دون حسن العقل؛ إذ لا يجوز أن يكون شيء حسناً في العقول لا يستحسنه ذو عقل، وجائز ما استحسنه الطبع طبعاً لا يتلذذ به كطبع الملائكة، ومثله في العقوبة؛ لذلك لزم القول بالرؤية لتكون كرامة تبلغ في الجلالة ما أكرموا به، وهو أن يصير لهم المعبود بالغيب شهوداً كما صار المطلوب من الثواب حضوراً، ولا قوة إلا بالله.

ولا يحتمل العلم؛ لأن كلاًّ يجمع على العلم بالله في الآخرة العلم الذي لا يعتريه الوسواس، وذلك علم العيان لا علم الاستدلال، وكثرة الآيات لا تحقق علم الحق الذي لا يعتريه ذلك، دليله قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ...

 ﴾ الآية، وما ذكر من استعانة الكفرة بالكذب في الآخرة وإنكار الرسل [عليهم]، وقولهم: ﴿ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ  ﴾ ، وغير ذلك.

وبعدُ، فإنه إذ لا يجوز أن يصير علم العيان بحق علم الاستدلال، لم يجز أن يصير علم الاستدلال بحق علم العيان، فثبت أن الرؤية توجب ذلك.

وبعدُ، فإن في ذلك العلم يستوي الكافر والمؤمن والبشارة بالرؤية خُصَّ بها المؤمن، ولا قوة إلا بالله.

ولا نقول بالإدراك؛ لقوله: ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ  ﴾ ؛ فقد امتدح بنفي الإدراك لا بنفي الرؤية، وهو كقوله: ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً  ﴾ ، كان في ذلك إيجاب العلم، ونفي الإحاطة، فمثله في حق الإدراك، وبالله التوفيق.

وأيضاً إن الإدراك إنما هو الإحاطة بالمحدود، والله يتعالى عن وصف الحدِّ؛ إذ هو نهاية وتقصير عما هو أعلى منه على أنه واحدي الذات، والحدُّ وصف المتصل الأجزاء حتى ينقضي مع إحالة القول بالحد؛ إذ كان كل ما يحد أو به يحد، فهو على ذلك لا يتغير، على أن لكل شيء حدّاً يدرك سبيله نحو الطعم واللون والذوق والحد، وغير ذلك من الحدود وخاصية الأشياء، جعل الله لكل شيء من ذلك وجهاً يدرك ويحاط به، حتى العقول والأعراض، وأخبر الله  أنه ليس بذي حدود وجهات من طرق إدراكه بالأسباب الموضوعة لتلك الجهات، وعلى ذلك القول بالرؤية والعلم جميعاً، ولا قوة إلا بالله.

وبعدُ، فإن القول بالرؤية يقع على وجوه لا يعلم حقيقة كل وجه من ذلك إلا بالعلم بذلك الوجه حتى إذا عبر عنه بالرؤية صرف إلى ذلك، وما لا يعرف له الوجه بدون ذكر الرؤية لزم الوقف في ماهيتها على تحقيقها.

وأما الإدراك: فإنما هو معنى الوقوف على حدود الشيء.

ألا ترى أن الظل في التحقيق يُرَى، لكنه لا يدرك إلا بالشمس، وإلا كان مرئيّاً على ما يرى لوقت نسخ الشمس، ولكن لا يدرك بالرؤية إلا بما يتبين له الحد، وكذلك ضوء النهار يرى لكن حده لا يعرف بذاته، وكذلك الظلمة؛ لأن طرفها لا يرى فيدرك ويحاط به، وبالحدود يدرك الشيء، وإن كان يرى لا بها؛ ولذلك ضرب المثل بالقمر، لأنه لا يعرف حده ولا سعته ليوقف ويحاط به ويرى بيقين، ولا قوة إلا بالله.

والأصل فيه القول بذلك على قدر ما جاء، ونفي كل معنى من الخلق، ولا يفسر بما لم يجيء، والله الموفق.

ثم زعم الكعبي أن الغائب إذا لم يخرج عن الوجوه التي بها يعلم، فكذلك لا يرى إلا بالوجوه التي بها يرى من المباينة للمدى، ولما حل فيه المرئي بالمسافة والمقابلة واتصال الهواء والصغر وعدم الصغر والبعد، ولو جازت الرؤية بخلاف هذه لجاز العلم به.

وقال الشيخ - رحمه الله -: وهذا خطأ؛ لأنه قدر برؤية جوهره، وقد علم أن غير جوهره جوهر يرون من الوجه الذي لا يقدر على الإحاطة بجوهره فضلاً عن إدراكه ببصره؛ نحو الملائكة والجن وغيرهم ممّا يروننا من حيث لا نراهم، والجثة الصغيرة نحو البق، ونحو ذلك مما يرى لنا لو توهم مثل ذلك البصر لما احتمل الإدراك، ويرى الملك الذي يكتب جميع أفعالنا، ويسمع جميع أقوالنا على ما لو أردنا تقدير ذلك بما عليه جبلنا للزم إنكار ذلك كله، وذلك عظيم، وكذلك ما ذكر من نطق الجلود، وغيرها مما لو امتحن بمثلها أمر الشاهد لوجد عظيماً.

وبعدُ، فإنه في الشاهد يفصل بين البصرين في الرؤية والتمييز على قدر تفاوتهما بما اعتراهما من الحجب، مما لو قابل أحدهما حال الآخر على حاله وجده مستنكراً، وإذا كان كذلك بطل التقدير بالذي ذكر، والله الموفق.

وأيضاً: إنه في الشاهد بكل أسباب العلم لا يعلم غير العرض والجسم، ثم جائز العلم بالغائب خارجاً منه، فمثله الرؤية.

والثالث: ما ذكرنا من رؤية الظل والظلمة والنور من غير شيء من تلك الوجوه.

والرابع: أنه قد يجوز وجود تلك المعاني كلها مع عدم الرؤية، إما بالحجب أو بالجوهر، فجاز تحقيق الرؤية على نفي تلك المعاني نحو ما أجيب القائل بالجسم عند معارضته بالفاعل والعالم؛ إذ وجد جسم لا كذلك، فيجوز وجود ذلك ولا جسم، فمثله في الرؤية على أن البعد الذي يحجبنا الرؤية يجوز أن يبلغه بصر غيرنا، فصار ارتفاع الرؤية بالحجاب، فإذا ارتفع جاز، ولا قوة إلا بالله.

وبعدُ، فإن الذي يقوله تقدير برؤية الأجسام، ولم يمتحن بصره بغير الأجسام والأعراض؛ إذ كيف سبيل الرؤية له.

وبعد، فإن كل جسم يرى، وإن كانت الدقة والبعد يحجبان فيجوز ارتفاعهما عن بصر غير فيرى على ما يرى ملك الموت مَنْ بأطراف الأرض ووسطها مما لو اعتبر ذلك ببصر البشر، لما احتمل الإدراك، فثبت أن الذي قدر به ليس هو سبب تعريف ما يبصره، ولكن بسبب تعريف ما يحجب به البصر، فإذا ارتفع رأى مع ما كان المنفي رؤيته لذاته عرض، وإلا فكل جسم يرى، فإن لزم إنكار الرؤية لما ليس بجسم أو لما لا يرى إلا بما ذكر للزم الإقرار به؛ لأن الذي لا يرى لذاته هو العرض، وإلا فكل غير يرى، ولا قوة إلا بالله.

وعورض بأمر الدنيا ومحال العرض بذلك لا تسقط المحنة وترفع الكلفة والدنيا هي لهما.

ثم ذكر في أمر موسى أن ذلك على علم الإحاطة بالآيات، وقد بيّنا فساد ذلك، وما ذلك العلم بالذي يسأل وهو رسول بعث إلى ما به نجاة الخلق، وذلك لا يكون بغير الممتحن؛ إذ هو تبليغ الرسالة والدعاء إلى العبادة وهي محنة، بل سأل الرؤية؛ ليجل قدره [و] ليعرف عظيم محله عند الله، أو أن يكون الله أمره به؛ ليعلم الخلق جواز ذلك، وبالله التوفيق.

ثم استدل بأنه لم ير من يعقل إنما أُري الجبل والجبل لا يعقل ليعلمه وليراه، فيقال له: ولو كانت الآية فالجبل لا يراها ولا يعقل، وإذا كان كذلك فالآية إذا صار اندكاك الجبل وانشقاقه لا أن أراه الآية يستدل بها، وفي هذا آية قد أرى موسى الآية، وهو اندكاك الجبل، والله يقول: ﴿ لَن تَرَانِي ﴾ ، وحملته على الآية، وقد رآها، ولا قوة إلا بالله.

فإن قيل: ما معنى توبته لو كان سؤاله على الأمر؟

قيل: على العادة في الخلق من يحدثه عند الأهوال بلا حدوث ذنب، أو لما رأى من جلال الله وعظمته فزع إلى التوبة وإحداث الإيمان به، وإن لم يكن ما يوجب ذلك، وذلك متعارف في الخلق.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ لَن تَرَانِي ﴾ كان عنده جواز الرؤية في الشاهد، واحتمال وسعه ذلك بما وعد الله في الآخرة فرجع عما كان عنده، وآمن بالذي قال: ﴿ لَن تَرَانِي ﴾ ، وإن كان في الأصل إيمانه داخلاً على نحو إحداث المؤمنين الإيمان بكل آية تنزل، وبكل فريضة تتجدد، وإن كانوا في الجملة مؤمنين بالكل، والله الموفق.

وقد بيّنا ما قالوا في قوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ  إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  ﴾ ، والأصل في الكلام أنه إذا كان على أمر معهود، أو يقرن به المقصود إليه صرف عن حقيقته، وإلا لا، وذلك نحو قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ  ﴾ ، وألم تر كيف فعل ربك.

وأصله: أن من قال: رأيت فلاناً، أو نظرت إلى فلان، لم يحتمل غير ذاته، وإذا قال: رأيته يقول كذا، ويفعل كذا، أنه لا يريد به رؤية ذاته، فمثله أمر قصة موسى، وهذه الآية.

وروي عن ضرار بن عمرو أنه أتى البصرة، فقال: يا أهل البصرة، إما أن كان موسى مشبهاً، وإما أن كان الله يُرَى؛ لأنه لو كان بالذي لا يرى فسأل ربّه رؤيته، كان جاهلاً به، مشبهاً خلقه به، فدل أنه يرى.

ثم الأصل أن من تأمل الذي ذكره الكعبي عرف أنه مشبهي المذهب؛ لأنه لم يذكر المعنى الذي له يجب أن تكون الرؤية بتلك الشرائط، إنما أخبر أنه كذلك وجد، وهو قول المشبهة أنه وجد كل فاعل في الشاهد جسماً، وكذا كل عالم، فيجب مثله في الغائب، ثم ذكر معنى رؤية الجسم، ولم يذكر معنى رؤية غير الجسم حتى يكون له دليلاً.

وبعد، فإنه نفي بالدقة والبعد وهما زائلان عن الله  ، ثم احتج بامتداح الله  : ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ  ﴾ ، وقال: لا يجوز أن يزول فمثله عليه في قوله: ﴿ خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ وقوله: ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ ، فلا يجوز أن يزول، ثم قد وصف الله بالرؤية على إسقاط ما ذكر، فثبت أن ذلك طريق لا يؤدي عن كنه ما به الرؤية.

فإن قيل: كيف يرى؟

قيل: بلا كيف؛ إذ الكيفية تكون لذي صورة، بل يرى بلا وصف قيام، وقعود، واتكاء، وتعلق، واتصال، وانفصال، ومقابلة، ومدابرة وقصر، وطول، ونور، وظلمة، وساكن، ومتحرك، ومجانس، ومباين، وخارج، وداخل، ولا معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل لتعاليه عن ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً...

﴾ الآية.

قال أبو بكر الأصم: تجلي بالآيات والأعلام التي بها يرى [لا رؤية الذات]، وكذلك قال في قوله: ﴿ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ ﴾ : إنه إنما سأل ربه الآيات والأعلام التي [بها] يُرَى لا رؤية الذات، وقد بينا بُعْدَه وإحالته؛ لما قد أعطاه من الآيات والأعلام: [ما فيه] غنية عن غيرها، فلا يحتاج إلى غيرها.

وقال الحسن: إن موسى سأل ربه الرؤية في غير وقت الرؤية، وهو يقر بالرؤية، لكنه يقول: سألها في الدنيا وبنية هذا العالم لا تحتمل ذلك.

ألا ترى أنه قال: ﴿ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ﴾ ، أخبر أن الجبل لا يستقر له، فكيف تستقر أنت؟

لكنه ينشيء بنية تحتمل ذلك.

وقال الحسن: لذلك قال موسى: إني ﴿ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أن ليس في الدنيا الرؤية، إلى نحو هذا يذهب الحسن، وقد ذكرنا نحن الوجه على قدر ما حضر لنا.

وقال أهل التأويل: قوله: ﴿ تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ﴾ ، أي: ظهر، لكن لا يفهم من ظهوره ما يفهم من ظهور الخلق على ما ذكرنا في قوله: ﴿ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ  ﴾ وقوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ  ﴾ [وغيرهما] من الآيات، لا يقدر استواؤه باستواء الخلق، وكذلك مجيئه، فعلى ذلك ظهوره، وبالله العصمة.

وروي أن في التوراة "أنه جاء من طور سيناء، وظهر من جبل ساعور واطلع من جبل فاران" وتأويله جاء وحيه على موسى في طور سيناء، وظهر على عيسى في جبل ساعور، واطلع على محمد في جبل فاران، ثم العجب أن كيف اجترأ موسى بالسؤال بسؤال مثله؟!

﴿ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ ﴾ ، لكنه يحتمل وجوهاً: أحدها: على الأمر بالسؤال على ذلك؛ ليعلم أنه يرى، ويعتقدوا ذلك.

أو على الظن منه لما رأى أنه أعطاه أشياء لا يكون مثلها في الدنيا إنما يكون في الآخرة، خص بها؛ من نحو انفجار العيون من الحجر من غير مؤنة تكون لهم في ذلك من حفر الأنهار وإصلاحها وأنواع المؤن، ونحو ما أعطاهم من اللباس الذي ينمو ويزداد على قدر قامتهم وطولهم، ومن نحو ما أعطاهم من المن والسلوى على غير مؤنة ولا جهد، وذلك كله وصف الجنة، فلما رأى ذلك ظن أن الرؤية - أيضاً - تكون في الدنيا على ما كان له من أشياء لم يكن مثلها لأحد في الدنيا، أو لمّا رأى أنه سمع كلام ربه، وألقى [على] مسامعه كلامه لا من مكان، ولا من قريب، ولا [من] بعيد، [ولا من أسفل،] ولا من أعلى، ولا من فوق، ولا من تحت، لكنه سمعه بما شاء، وكيف شاء، بلطفه، فعلى [ذلك] ظن أنه يجوز له أن يسأل ربه الرؤية، فيريه، بما شاء كيف شاء بلطفه كما [أسمع كلامه بلطفه لما] ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي ﴾ .

سمى الله - عز وجل - موسى وسائر الأنبياء - عليهم السلام - بأسماء الجوهر: موسى، وعيسى، ونوح وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، وسمى نبينا محمداً  نبيّاً ورسولاً، وذلك يدل على تفضيله، وكذلك سمى سائر الأمم المتقدمة بـ ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ  ﴾ و ﴿ يَابَنِيۤ ءَادَمَ  ﴾ ، وسمى أمة محمد  : ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ  ﴾ ، وقال: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ  ﴾ ونحوه، فذلك يدل - أيضاً - على تفضيل أمة محمد  على غيرها من الأمم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي ﴾ .

كان مصطفى ومفضلاً بالكلام على الناس كافة الأنبياء وغيرهم؛ لأن الله  لم يكلم أحداً من الرسل إلا بسفير سوى موسى؛ فإنه كلمه، ولم يكن بينهما سفير.

وأما قوله: ﴿ ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ على أناس زمانه، وأهله خاصة، ويحتمل: برسالاتي التي بين موسى وبين الله  ، وهذا ينقض على المعتزلة قولهم: إن الله  لا يرسل رسولاً إلا وهو يستحق الرسالة، ولو كان طريقه الاستحقاق لا الإفضال والإحسان، لم يكن للامتنان معنى، دلّ أن طريقه الإفضال والإحسان لا الاستحقاق، والله أعلم.

وعلى قول المعتزلة لا يكون الله مصطفياً موسى ولا غيره من الأنبياء، ولكن هم الذين اصطفوا أنفسهم].

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: القبول، أي: اقبل ما أعطتيك؛ كقوله: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ ﴾ ، أي: اعمل بما آتيتك بأحسن العمل، وكن من الشاكرين [لنعمته التي أنعمها عليه] من التكليم والرسالة وغيرهما من النعم، والله الموفق.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال الله لموسى: يا موسى، إني اخترتك وفضَّلتك على الناس برسالاتي حين أرسلتك إليهم، وفضَّلتك بكلامي لك دون واسطة، فخذ ما أعطيتك من هذا الشرف الكريم، وكن من الشاكرين لله على هذا العطاء العظيم.

<div class="verse-tafsir" id="91.P27yD"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر