الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٤٩ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 99 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٤٩ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ولما سقط في أيديهم ) أي : ندموا على ما فعلوا ، ( ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا ) وقرأ بعضهم : " لئن لم ترحمنا " بالتاء المثناة من فوق ، " ربنا " منادى ، " وتغفر لنا " ، ( لنكونن من الخاسرين ) أي : من الهالكين وهذا اعتراف منهم بذنبهم والتجاء إلى الله عز وجل .
القول في تأويل قوله : وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " ولما سقط في أيديهم "، : ولما ندم الذين عبدوا العجل الذي وصف جل ثناؤه صفته، عند رجوع موسى إليهم, واستسلموا لموسى وحكمه فيهم.
* * * وكذلك تقول العرب لكل نادم على أمر فات منه أو سلف، وعاجز عن شيء: " قد سُقِط في يديه " و " أسقط"، لغتان فصيحتان, وأصله من الاستئسار, وذلك أن يضرب الرجل الرجل أو يصرعه, فيرمي به من يديه إلى الأرض ليأسره، فيكتفه.
فالمرميّ به مسقوط في يدي الساقط به.
فقيل لكل عاجز عن شيء، وضارع لعجزه، (35) متندِّمٍ على ما قاله: " سقط في يديه " و " أسقط".
(36) * * * وعنى بقوله: " ورأوا أنهم قد ضلوا "، ورأوا أنهم قد جاروا عن قصد السبيل، وذهبوا عن دين الله, وكفروا بربهم، قالوا تائبين إلى الله منيبين إليه من كفرهم به: " لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ".
* * * ثم اختلفت القرأة في قرأة ذلك.
فقرأه بعض قرأة أهل المدينة ومكة والكوفة والبصرة: ( لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا ) بالرفع، على وجه الخبر.
* * * وقرأ ذلك عامة قرأة أهل الكوفة: (لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنَا رَبَّنَا)، بالنصب، بتأويل: لئن لم ترحمنا يا ربنا= على وجه الخطاب منهم لربهم.
واعتلّ قارئو ذلك كذلك بأنه في إحدى القراءتين: ( قَالُوا رَبَّنَا لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنَا رَبَّنَا وتَغْفِرْ لَنَا ), وذلك دليل على الخطاب.
(37) * * * قال أبو جعفر: والذي هو أولى بالصواب من القراءة في ذلك، القراءة على وجه الخبر بالياء في (يَرْحَمْنَا)، وبالرفع في قوله: (رَبُّنَا), لأنه لم يتقدم ذلك ما يوجب أن يكون موجَّهًا إلى الخطاب.
* * * والقراءة التي حكيت على ما ذكرنا من قراءتها: ( قَالُوا رَبَّنَا لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنَا)، (38) لا نعرف صحتها من الوجه الذي يجب التسليم إليه.
* * * ومعنى قوله: (لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا)، : لئن لم يتعطف علينا ربنا بالتوبة برحمته, ويتغمد بها ذنوبنا, لنكونن من الهالكين الذين حبطت أعمالهم.
(39) * * * ------------------------ الهوامش: (35) (1) في المطبوعة : (( ومضارع لعجزه )) ، والصواب من المخطوطة .
(36) (2) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 393 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 228 ، والذي قاله أبو جعفر تفصيل جيد ، وبيان عن أصل الحرف ، قلما تصيبه في كتب اللغة .
(37) (3) في المطبوعة والمخطوطة : (( قالوا لئن ترحمنا ربنا وتغفر لنا )) كسياق الآية في مصحفنا ، وهذا لا دليل فيه على الخطاب .
ولكن ما أثبته هو الذي فيه الدليل على الخطاب ، لتقديم قوله : (( ربنا )) ، وهي قراءة أبي بن كعب ، وهي كذلك في مصحف عبد الله بن مسعود ، كما ذكر الفراء في معاني القرآن 1 : 393 .
فقوله : (( واعتل قارئو ذلك كذلك بأنه في إحدى القراءتين )) ، أرجح أنه يعني إحدى قراءتي عبد الله بن مسعود ، وأيضاً ، فإن الآية ستأتى بعد أسطر على الصواب في المخطوطة ، ولكن يغيرها ناشر المطبوعة ، كما في التعليق التالي .
(38) (1) في المطبوعة : (( قالوا لئن ترحمنا ربنا )) ، بتأخير (( ربنا )) ، والصواب تقديمها كما في المخطوطة .
وهو تصرف سيئ من الناشر .
انظر التعليق لسالف .
(39) (2) انظر تفسير (( الرحمة )) و (( المغفرة )) و(( الخسران )) فيما سلف ( رحم ) ( غفر ) ( خسر ) .
قوله تعالى ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرينقوله تعالى ولما سقط في أيديهم أي بعد عود موسى من الميقات .
يقال للنادم المتحير : قد سقط في يده .
قال الأخفش : يقال سقط في يده ، وأسقط .
ومن قال : سقط في أيديهم على بناء الفاعل ; فالمعنى عنده : سقط الندم ; قاله الأزهري والنحاس وغيرهما .
والندم يكون في القلب ، ولكنه ذكر اليد لأنه يقال لمن تحصل على شيء : قد حصل في يده أمر كذا ; لأن مباشرة الأشياء في الغالب باليد ; قال الله تعالى : ذلك بما قدمت يداك .
وأيضا : الندم وإن حل في القلب فأثره يظهر في البدن ; لأن النادم يعض يده [ ص: 257 ] ويضرب إحدى يديه على الأخرى ; قال الله تعالى : فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها أي ندم .
ويوم يعض الظالم على يديه أي من الندم .
والنادم يضع ذقنه في يده .
وقيل : أصله من الاستئسار ، وهو أن يضرب الرجل الرجل أو يصرعه فيرمي به من يديه إلى الأرض ليأسره أو يكتفه ; فالمرمي مسقوط به في يد الساقط .ورأوا أنهم قد ضلوا أي انقلبوا بمعصية الله قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين أخذوا في الإقرار بالعبودية والاستغفار .
وقرأ حمزة والكسائي : ( لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا ) بالتاء على الخطاب .
وفيه معنى الاستغاثة والتضرع والابتهال في السؤال والدعاء .
" ربنا " بالنصب على حذف النداء .
وهو أيضا أبلغ في الدعاء والخضوع .
فقراءتهما أبلغ في الاستكانة والتضرع ، فهي أولى .
وَلَمَّا رجع موسى إلى قومه، فوجدهم على هذه الحال، وأخبرهم بضلالهم ندموا و سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ أي: من الهم والندم على فعلهم، وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا فتنصلوا، إلى اللّه وتضرعوا و قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا فيدلنا عليه، ويرزقنا عبادته، ويوفقنا لصالح الأعمال، وَيَغْفِرْ لَنَا ما صدر منا من عبادة العجل لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ الذين خسروا الدنيا والآخرة.
( ولما سقط في أيديهم ) أي ندموا على عبادة العجل ، تقول العرب لكل نادم على أمر : قد سقط في يديه ، ( ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ) يتب علينا ربنا ، ( ويغفر لنا ) يتجاوز عنا ، ( لنكونن من الخاسرين ) قرأ حمزة والكسائي : " ترحمنا وتغفر لنا " بالتاء فيهما " ربنا " بنصب الباء .
وكان هذا الندم والاستغفار منهم بعد رجوع موسى إليهم .
«ولما سُقط في أيديهم» أي ندموا على عبادته «ورأوْا» علموا «أنهم قد ضلوا» بها وذلك بعد رجوع موسى «وقالوا لئن لم يرحْمنا ربنا ويغفرْ لنا» بالياء والتاء فيهما «لنكونن من الخاسرين».
ولما ندم الذين عبدوا العجل مِن دون الله عند رجوع موسى إليهم، ورأوا أنهم قد ضلُّوا عن قصد السبيل، وذهبوا عن دين الله، أخذوا في الإقرار بالعبودية والاستغفار، فقالوا: لئن لم يرحمنا ربنا بقَبول توبتنا، ويستر بها ذنوبنا، لنكونن من الهالكين الذين ذهبت أعمالهم.
ثم بين - سبحانه - ما كان منهم بعد أن رأوا ضلالهم فقال تعالى : ( وَلَمَّا سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين ) أى وحين اشتد ندمهم على عبادة العجل ، وتبينوا ضلالهم واضحا كأنهم أبصروه بعيونهم قالوا متحسرين ( لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين ) أى لنكونن من الهالكين الذين حبطت أعمالهم .وكان هذا الندم بعد رجوع موسى إليهم من الميقات وقد أعطاه الله التوراة ، بدليل أنه لما نصحهم هارون بترك عبادة العجل قالوا ( قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حتى يَرْجِعَ إِلَيْنَا موسى ) وبدليل أن موسى - عليه السلام - لما رجع أنكر عليهم ما هم عليه وهذا دليل على أنهم كانوا مستمرين على عبادته إلى أن رجع موسى إليهم وبصرهم بما هم عليه من ضلال مبين .ولذلك قال ابن جرير عند تفسيره لقوله تعالى ( وَلَمَّا سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ ) ( ولما ندم الذين عبدوا العجل الذى وصف - جل ثناؤه - صفته ، عند رجوع موسى إليهم ، واستسلموا لموسى وحكمه فيهم ، وكذلك تقوم العرب لكل نادم على أمر فات منه أو سلف ، وعاجز عن شىء : قد سقط فى يديه وأسقط ، لغتان فصيحتان ، وأصله من الاستئسار ، وذلك بأن يضرب الرجل الرجل أو يصرعه ، فيرمى به من بين يديه إلى الأرض ليأسره ، فالمرمى به مسقوط فى يدى الساقط به ، فقيل لكل عاجز عن شىء ومتندم على ما فاته : سقط فى يديه وأسقط ) .وعبر - سبحانه - عن شدة ندمهم بقوله تعالى : ( وَلَمَّا سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ ) لأن من شأن من اشتد ندمه وحسرته أن يعض يده غما فتصير يده مسقوطاً فيها ، لأن فاه قد وقع فيها .
وكأن أصل الكلام ولما سقطت أفواههم فى أيديهم ، أى ندموا أشد الندم .قال صاحب تاج العروس : وفى ( العباب ) هذا نظم لم يسمع به قبل القرآن ولا عرفته العرب ( والأصل فيه نزول الشىء من أعلى إلى أسفل ) ، وقوعه على الأرض ، ثم اتسع فيه فقيل للخطأ من الكلام ( سقط ) لأنهم شبهوه بما لا يحتاج إليه ، وذكر اليد لأن الندم يحدث فى القلب .وأثره يظهر فى اليد ، كقوله تعالى : ( فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا ) ولأن اليد هى الجارحة العظمى ، فربما يسند إليه ما لم تباشره كقوله تعالى : ( ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ ) اه .
اعلم أنهم اتفقوا على أن المراد من قوله: ﴿ سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ ﴾ أنه اشتد ندمهم على عبادة العجل واختلفوا في الوجه الذي لأجله حسنت هذه الاستعارة.
فالوجه الأول: قال الزجاج: معناه سقط الندم في أيديهم، أي في قلوبهم كما يقال حصل في يديه مكروه، وإن كان من المحال حصول المكروه الواقع في اليد، إلا أنهم أطلقوا على المكروه الواقع في القلب والنفس كونه واقعاً في اليد، فكذا هاهنا.
والوجه الثاني: قال صاحب الكشاف: إنما يقال لمن ندم سقط في يده لأن من شأن من اشتد ندمه أن يعض يده غماً، فيصير ندمه مسقوطاً فيها، لأن فاه قد وقع فيها.
والوجه الثالث: أن السقوط عبارة عن نزول الشيء من أعلى إلى أسفل، ولهذا قالوا سقط المطر، ويقال: سقط من يدك شيء وأسقطت المرأة، فمن أقدم على عمل فهو إنما يقدم عليه لاعتقاده أن ذلك العمل خير وصواب، وأن ذلك العمل يورثه شرفاً ورفعة، فإذا بان له أن ذلك العمل كان باطلاً فاسداً فكأنه قد انحط من الأعلى إلى الأسفل وسقط من فوق إلى تحت، فلهذا السبب يقال للرجل إذا أخطأ: كان ذلك منه سقطة، شبهوا ذلك بالسقطة على الأرض، فثبت أن إطلاق لفظ السقوط على الحالة الحاصلة عند الندم جائز مستحسن، بقي أن يقال: فما الفائدة في ذكر اليد؟
فنقول: اليد هي الآلة التي بها يقدر الإنسان على الأخذ والضبط والحفظ، فالنادم كأنه يتدارك الحالة التي لأجلها حصل له الندم ويشتغل بتلافيها، فكأنه قد سقط في يد نفسه من حيث أن بعد حصول ذلك الندم اشتغل بالتدارك والتلافي.
والوجه الرابع: حكى الواحدي عن بعضهم: أن هذا مأخوذ من السقيط وهو ما يغشى الأرض بالغدوات شبه الثلج.
يقال: منه سقطت الأرض كما يقال: من الثلج ثلجت الأرض وثلجنا أي أصابها الثلج، ومعنى سقط في يده أي وقع في يده السقيط، والسقيط يذوب بأدنى حرارة ولا يبقى، فمن وقع في يده السقيط لم يحصل منه على شيء قط فصار هذا مثلاً لكل من خسر في عاقبته ولم يحصل من سعيه على طائل، وكانت الندامة آخر أمره.
والوجه الخامس: قال بعض العلماء: النادم إنما يقال له سقط في يده، لأنه يتحير في أمره ويعجز عن أعماله والآلة الأصلية في الأعمال في أكثر الأمر هي اليد.
والعاجز في حكم الساقط فلما قرن السقوط بالأيدي علم أن السقوط في اليد إنما حصل بسبب العجز التام ويقال في العرف لمن لا يهتدي لما يصنع، ضلت يده ورجله.
والوجه السادس: إن من عادة النادم أن يطأطئ رأسه ويضعه على يده معتمداً عليه وتارة يضعها تحت ذقنه، وشطر من وجهه على هيئة لو نزعت يده لسقط على وجهه فكانت اليد مسقوط فيها لتمكن السقوط فيها ويكون قوله سقط في أيديهم بمعنى سقط على أيديهم، كقوله: ﴿ وَلأَصَلّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل ﴾ أي عليها، والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ ﴾ أي قد تبينوا ضلالهم تبييناً كأنهم أبصروه بعيونهم قال القاضي: يجب أن يكون المؤخر مقدماً لأن الندم والتحير إنما يقطعان بعد المعرفة فكأنه تعالى قال: ولما رأوا أنهم قد ضلوا سقط في أيديهم لما نالهم من عظيم الحسرة، ويمكن أن يقال إنه لا حاجة إلى هذا التقديم والتأخير، وذلك لأن الإنسان إذا صار شاكاً في أن العمل الذي أقدم عليه هل هو صواب أو خطأ؟
فقد يندم عليه من حيث أن الإقدام على ما لا يعلم كونه صواباً أو خطأ فاسداً أو باطلاً غير جائز، فعند ظهور هذه الحالة يحصل الندم، ثم بعد ذلك يتكامل العلم ويظهر أنه كان خطأ وفاسداً وباطلاً فثبت أن على هذا التقدير لا حاجة إلى التزام التقديم والتأخير.
ثم بين تعالى أنهم عند ظهور هذا الندم وحصول العلم بأن الذي عملوه كان باطلاً أظهروا الانقطاع إلى الله تعالى ف ﴿ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين ﴾ وهذا كلام من اعترف بعظيم ما أقدم عليه وندم على ما صدر منه ورغب إلى ربه في إقالة عثرته، ثم صدقوا على أنفسهم كونهم من الخاسرين إن لم يغفر الله لهم، وهذا الندم والاستغفار إنما حصل بعد رجوع موسى عليه السلام إليهم، وقرئ: (لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا) بالتاء ﴿ وَرَبُّنَا ﴾ بالنصب على النداء، وهذا كلام التائبين كما قال آدم وحواء عليهما السلام: ﴿ وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ من بعد فراقه إياهم إلى الطور، فإن قلت: لم قيل: واتخذ قوم موسى عجلاً، والمتخذ هو السامري؟
قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن ينسب الفعل إليهم، لأن رجلاً منهم باشره ووجد فيما بين ظهرانيهم، كما يقال: بنو تميم قالوا كذا وفعلوا كذا، والقائل والفاعل واحد، ولأنهم كانوا مريدين لاتخاذه راضين به، فكأنهم أجمعوا عليه.
والثاني: أن يراد واتخذوه إلها وعبدوه.
وقرئ: ﴿ من حليهم ﴾ بضم الحاء والتشديد، جمع حلي، كثدي وثديّ، ومن حليهم- بالكسر- للإتباع كدلى.
ومن حليهم، على التوحيد، والحلي: اسم لما يتحسن به من الذهب والفضة.
فإن قلت: لم قال: من حليهم، ولم يكن الحليّ لهم، إنما كانت عوارى في أيديهم؟
قلت: الإضافة تكون بأدنى ملابسة، وكونها عوارى في أيديهم كفى به ملابسة على أنهم قد ملكوها بعد المهلكين كما ملكوا غيرها من أملاكهم.
ألا ترى إلى قوله عزّ وعلا: ﴿ فأخرجناهم مّن جنات وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وأورثناها بَنِى إسراءيل ﴾ [الشعراء: 57- 59]، ﴿ جَسَداً ﴾ بدناً ذا لحم ودم كسائر الأجساد.
والخوار: صوت البقر، قال الحسن: إنّ السامري قبض قبضة من تراب من أثر فرس جبريل عليه السلام يوم قطع البحر، فقذفه في فيِّ العجل، فكان عجلاً له خوار.
وقرأ علي رضي الله عنه: ﴿ جؤار ﴾ بالجيم والهمزة، ومن جأر إذا صاح.
وانتصاب جسداً على البدل من ﴿ عِجْلاً ﴾ ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ حين اتخذوه إلها أنه لا يقدر على كلام ولا على هداية سبيل، حتى لا يختاروه على من لو كان البحر مداداً لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته، وهو الذي هدى الخلق إلى سبل الحقّ ومناهجه بما ركز في العقول من الأدلة، وبما أنزل في كتبه.
ثم ابتدأ فقال: ﴿ اتخذوه ﴾ أي أقدموا على ما أقدموا عليه من الأمر المنكر ﴿ وَكَانُواْ ظالمين ﴾ واضعين كل شيء في غير موضعه، فلم يكن اتخاذ العجل بدعاً منهم، ولا أوّل مناكيرهم ﴿ وَلَمَّا سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ ﴾ ولما اشتدّ ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل، لأنّ من شأن من اشتدّ ندمه وحسرته أن يعض يده غماً، فتصير يده مسقوطاً فيها، لأن فاه قد وقع فيها.
و ﴿ سُقِطَ ﴾ مسند إلى ﴿ فَى أَيْدِيهِمْ ﴾ وهو من باب الكناية.
وقرأ أبو السميفع: ﴿ سقط في أيديهم ﴾ ، على تسمية الفاعل، أي وقع العض فيها، وقال الزجاج: معناه سقط الندم في أيديهم، أي في قلوبهم وأنفسهم، كما يقال: حصل في يده مكروه، وإن كان محالاً أن يكون في اليد، تشبيهاً لما يحصل في القلب وفي النفس، بما يحصل في اليد ويرى بالعين ﴿ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ ﴾ وتبينوا ضلالهم تبيناً كأنهم أبصروه بعيونهم.
وقرئ: ﴿ لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا ﴾ ، بالتاء.
وربنا، بالنصب على النداء، وهذا كلام التائبين، كما قال آدم وحواء عليهما السلام: وإن لم تغفر لنا وترحمنا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ ﴾ مِن بَعْدِ ذَهابِهِ لِلْمِيقاتِ.
﴿ مِن حُلِيِّهِمْ ﴾ الَّتِي اسْتَعارُوا مِنَ القِبْطِ حِينَ هَمُّوا بِالخُرُوجِ مِن مِصْرَ، وإضافَتُها إلَيْهِمْ لِأنَّها كانَتْ في أيْدِيهِمْ أوْ مَلَكُوها بَعْدَ هَلاكِهِمْ.
وهو جَمْعُ حَلْيٍ كَثُدِيٍّ وثَدْيٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالكَسْرِ بِالِإتْباعِ كَدُلِيٍّ ويَعْقُوبُ عَلى الإفْرادِ.
﴿ عِجْلا جَسَدًا ﴾ بَدَنًا ذا لَحْمٍ ودَمٍ، أوْ جَسَدًا مِنَ الذَّهَبِ خالِيًا مِنَ الرُّوحِ ونَصَبَهُ عَلى البَدَلِ.
﴿ لَهُ خُوارٌ ﴾ صَوْتُ البَقَرِ.
رُوِيَ أنَّ السّامِرِيَّ لَمّا صاغَ العِجْلَ ألْقى في فَمِهِ مِن تُرابِ أثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ فَصارَ حَيًّا.
وَقِيلَ صاغَهُ بِنَوْعٍ مِنَ الحِيَلِ فَتَدْخُلُ الرِّيحُ جَوْفَهُ وتُصَوِّتُ، وإنَّما نَسَبَ الِاتِّخاذَ إلَيْهِمْ وهو فِعْلُهُ إمّا لِأنَّهم رَضُوا بِهِ أوْ لِأنَّ المُرادَ اتِّخاذُهم إيّاهُ إلَهًا.
وقُرِئَ « جُوارٌ» أيْ صِياحٌ.
﴿ ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا ﴾ تَقْرِيعٌ عَلى فَرْطِ ضَلالَتِهِمْ وإخْلالِهِمْ بِالنَّظَرِ، والمَعْنى ألَمْ يَرَوْا حِينَ اتَّخَذُوهُ إلَهًا أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى كَلامٍ ولا عَلى إرْشادِ سَبِيلٍ كَآحادِ البَشَرِ حَتّى حَسِبُوا أنَّهُ خالِقُ الأجْسامِ والقُوى والقَدَرِ.
﴿ اتَّخَذُوهُ ﴾ تَكْرِيرٌ لِلذَّمِّ أيِ اتَّخَذُوهُ إلَهًا.
﴿ وَكانُوا ظالِمِينَ ﴾ واضِعِينَ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها فَلَمْ يَكُنِ اتِّخاذُ العِجْلِ بِدْعًا مِنهم.
﴿ وَلَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ﴾ كِنايَةً عَنِ اشْتِدادِ نَدَمِهِمْ فَإنَّ النّادِمَ المُتَحَسِّرَ يَعَضُّ يَدَهُ غَمًّا فَتَصِيرُ يَدُهُ مَسْقُوطًا فِيها.
وقُرِئَ « سَقَطَ» عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ بِمَعْنى وقَعَ العَضُّ فِيها.
وقِيلَ مَعْناهُ سَقَطَ النَّدَمُ في أنْفُسِهِمْ.
﴿ وَرَأوْا ﴾ وعَلِمُوا.
﴿ أنَّهم قَدْ ضَلُّوا ﴾ بِاتِّخاذِ العِجْلِ.
﴿ قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ﴾ بِإنْزالِ التَّوْراةِ.
﴿ وَيَغْفِرْ لَنا ﴾ بِالتَّجاوُزِ عَنِ الخَطِيئَةِ.
﴿ لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ وقَرَأهُما حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتّاءِ ورَبُّنا عَلى النِّداءِ.
<div class="verse-tafsir"
{وكانوا ظالمين ولمّا سقط في أيديهم} ولما اشتد ندمهم على عبادة العجل وأصله أن من شأن من اشتد ندمه أن يعض يده غما فتصير يده سقوطا فيها لأن فاه وقع فيها وسقط مسند إلى فى أيديهم وهو من بابا الكناية وقال الزجاج معناه سقط الندم في أيديهم أي في قلوبهم وأنفسهم كما يقال حصل في يده مكروه وإن استحال أن يكون فى اليد تشبيهم لمايحصل في القلب وفي النفس بما يحصل في اليد ويرى بالعين {ورأوا أنّهم قد ضلّوا} وتبينوا ضلالهم تبيناً كأنهم أبصروه بعيونهم {قالوا لئن لّم يرحمنا ربّنا ويغفر لنا} لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا حمزة وعلي وانتصاب ربّنا على النداء {لنكوننّ من الخاسرين} المغبونين في الدنيا والآخرة
﴿ ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ﴾ أيْ: نَدِمُوا كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وجَعَلَهُ غَيْرُ واحِدٍ كِنايَةً عَنْ شَدَّةِ النَّدَمِ وغايَتِهِ؛ لِأنَّ النّادِمَ إذا اشْتَدَّ نَدَمُهُ عَضَّ يَدَهُ غَمًّا فَتَصِيرُ يَدُهُ مَسْقُوطًا فِيها، وأصْلُهُ سَقَطَ فُوهُ أوْ عَضَّهُ في يَدِهِ أيْ: وقَعَ ثُمَّ حُذِفَ الفاعِلُ وبُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ بِهِ فَصارَ سَقَطَ في يَدِهِ كَقَوْلِكَ: مُرَّ بِزَيْدٍ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ: (سَقَطَ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ عَلى الأصْلِ، واليَدُ عَلى ما ذُكِرَ حَقِيقَةٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ سَقَطَ النَّدَمُ في أنْفُسِهِمْ وجَعَلَ القُطْبُ ذَلِكَ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ؛ حَيْثُ شَبَّهَ حالَ النَّدَمِ في النَّفْسِ بِحالِ الشَّيْءِ في اليَدِ في التَّحْقِيقِ والظُّهُورِ، ثُمَّ عَبَّرَ عَنْهُ بِالسُّقُوطِ في اليَدِ، ولا لُطْفَ لِلِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ فِيهِ، وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّهُ يُقالُ لِما يَحْصُلُ وإنْ لَمْ يَكُنْ في اليَدِ: وقَعَ في يَدِهِ، وحَصَلَ في يَدِهِ مَكْرُوهٌ، فَيُشَبَّهُ ما يَحْصُلُ في النَّفْسِ وفي القَلْبِ بِما يُرى بِالعَيْنِ، وخُصَّتِ اليَدُ لِأنَّ مُباشَرَةَ الأُمُورِ بِها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ ﴾ أوْ لِأنَّ النَّدَمَ يَظْهَرُ أثَرُهُ بَعْدَ حُصُولِهِ في القَلْبِ في اليَدِ لِعَضِّها والضَّرْبِ بِها عَلى أُخْتِها ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ في النّادِمِ: ﴿ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ ﴾ ﴿ ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ ﴾ .
وقِيلَ: مِن عادَةِ النّادِمِ أنْ يُطَأْطِئَ رَأْسَهُ ويَضَعَ ذَقَنَهُ عَلى يَدِهِ بِحَيْثُ لَوْ أزالَها سَقَطَ عَلى وجْهِهِ، فَكَأنَّ اليَدَ مَسْقُوطٌ فِيها، و(فِي) بِمَعْنى عَلى، وقِيلَ: هو مِنَ السِّقاطِ وهو كَثْرَةُ الخَطَأِ، وقِيلَ: مِنَ السَّقِيطِ وهو ما يَغْشى الأرْضَ بِالغَدَواتِ شِبْهُ الثَّلْجِ لا ثَباتَ لَهُ، فَهو مَثَلٌ لِمَن خَسِرَ في عاقِبَتِهِ ولَمْ يَحْصُلْ عَلى طائِلٍ مِن سَعْيِهِ، وعَدَّ بَعْضُهم سَقَطَ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي لا تَتَصَرَّفُ كَنِعْمَ وبِئْسَ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (أُسْقِطَ) عَلى أنَّهُ رُباعِيٌّ مَجْهُولٌ، وهي لُغَةٌ نَقَلَها الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لَمْ يُسْمَعْ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ، ولَمْ تَعْرِفْهُ العَرَبُ، ولَمْ يُوجَدْ في أشْعارِهِمْ وكَلامِهِمْ؛ فَلِذا خَفِيَ عَلى الكَثِيرِ وأخْطَئُوا في اسْتِعْمالِهِ كَأبِي حاتِمٍ، وأبِي نُواسٍ، وهو العالِمُ النِّحْرِيرُ، ولَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ ولَوْ عَلِمُوهُ لَسُقِطَ في أيْدِيهِمْ.
﴿ ورَأوْا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا ﴾ أيْ: تَبَيَّنُوا ضَلالَهم بِاتِّخاذِ العِجْلِ وعِبادَتِهِ تَبَيُّنًا كَأنَّهم قَدْ أبْصَرُوهُ بِعُيُونِهِمْ.
قِيلَ: وتَقْدِيمُ ذِكْرِ نَدَمِهِمْ عَلى هَذِهِ الرُّؤْيَةِ مَعَ كَوْنِهِ مُتَأخِّرًا عَنْها لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِهِ والإشْعارِ بِغايَةِ سُرْعَتِهِ كَأنَّهُ سابِقٌ عَلى الرُّؤْيَةِ.
وقالَ القُطْبُ في بَيانِ تَأخُّرِ تَبَيُّنِ الضَّلالِ عَنِ النَّدَمِ مَعَ كَوْنِهِ سابِقًا عَلَيْهِ: إنَّ الِانْتِقالَ مِنَ الجَزْمِ بِالشَّيْءِ إلى تَبَيُّنِ الجَزْمِ بِالنَّقِيضِ لا يَكُونُ دَفْعِيًّا في الأغْلَبِ بَلْ إلى الشَّكِّ ثُمَّ الظَّنِّ بِالنَّقِيضِ ثُمَّ الجَزْمِ بِهِ ثُمَّ تَبَيُّنِهِ، والقَوْمُ كانُوا جازِمِينَ بِأنَّ ما هم عَلَيْهِ صَوابٌ، والنَّدَمُ عَلَيْهِ رُبَّما وقَعَ لَهم في حالِ الشَّكِّ فِيهِ؛ فَقَدْ تَأخَّرَ تَبَيُّنُ الضَّلالِ عَنْهُ.
انْتَهى.
فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ.
﴿ قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ﴾ بِإنْزالِ التَّوْبَةِ المُكَفِّرَةِ ﴿ ويَغْفِرْ لَنا ﴾ بِالتَّجاوُزِ عَنْ خَطِيئَتِنا، وتَقْدِيمُ الرَّحْمَةِ عَلى المَغْفِرَةِ مَعَ أنَّ التَّخْلِيَةَ حَقُّها أنْ تُقَدَّمَ عَلى التَّحْلِيَةِ قِيلَ: إمّا لِلْمُسارَعَةِ إلى ما هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ، وإمّا لِأنَّ المُرادَ بِالرَّحْمَةِ مُطْلَقُ إرادَةِ الخَيْرِ بِهِمْ، وهو مَبْدَأٌ لِإنْزالِ التَّوْبَةِ المُكَفِّرَةِ لِذُنُوبِهِمْ، واللّامُ في (لَئِنْ) مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ؛ أيْ: واللَّهِ لَئِنْ إلَخْ ...
وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ لِجَوابِ القَسَمِ كَما هو المَشْهُورُ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (تَرْحَمْنا وتَغْفِرْ لَنا) بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ و(رَبَّنا) بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ، وما حُكِيَ عَنْهم مِنَ النَّدامَةِ والرُّؤْيَةِ والقَوْلِ كانَ بَعْدَ رُجُوعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المِيقاتِ كَما يَنْطِقُ بِهِ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في طه، وقُدِّمَ لِيَتَّصِلَ ما قالُوهُ بِما فَعَلُوهُ.
<div class="verse-tafsir"
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ يعني: من بعد انطلاقه إلى الجبل، وذلك أن موسى- - لما وعد لقومه ثلاثين يوماً فتأخر عن ذلك، قال السامري لقوم موسى: إنكم أخذتم الحلي من آل فرعون، فعاقبكم الله تعالى بتلك الخيانة، ومنع الله عنا موسى.
فاجمعوا الحلي الذي أخذتم من آل فرعون حتى نحرقها، فلعل الله تعالى يرد علينا موسى فجمعوا الحلي وكان السامري صائغاً، فجعل الحلي في النار واتخذ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ وقد كان رأى جبريل على فرس الحياة، فكلما وضع الفرس حافره ظهر النبات في موضع حافره.
فأخذ كفاً من أثر حافره من التراب وألقى ذلك التراب في العجل.
فصار العجل من حليهم عجلا جسدا.
قال الزجاج: الجسد هو الذي لا يعقل ولا يميز إنما معنى الجسد معنى الجثة فقط.
وروي عن ابن عباس قال صار عجلاً له لحم ودم وله خوار يعني: صوت مثل صوت العجل ولم يسمع منه إلا صوت واحد.
وقال بعضهم: سمع منه صوت ولم يسمع منه إلا مثل صوت العجل.
وقال بعضهم: جعله مشتبكاً فدخل فيه الريح فسمع منه صوت مثل صوت العجل.
فقال لقومه: هذا إلهكم وإله موسى، فاغترّ به الجهال من بني إسرائيل وعبدوه.
قال الله تعالى: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ يعني: لا يقدر على أن يكلمهم وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا يعني: لا يرشدهم طريقاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ يعني: كافرين بعبادتهم.
وقرأ حمزة والكسائي مِنْ حُلِيِّهِمْ بكسر الحاء.
وقرأ الباقون مِنْ حُلِيِّهِمْ بضم الحاء.
فمن قرأ بالكسر فهو اسم لما يحسن به من الذهب والفضة.
ومن قرأ بالضم، فهو جمع الحَلْي ويقال: كلاهما جمع الحَلْي وأصله الضم إلا أن من كسر فلاتباع الكسرة بالكسرة.
قوله تعالى: وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ يعني: ندموا على ما صنعوا.
يقال: سقط في يده إذا ندم.
وأصله أن الإنسان إذا ندم جعل يده على رأسه.
وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا أي علموا أنهم قد ضلوا عن الهدى قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا قرأ حمزة والكسائي لَئِن لَّمْ ترحمنا بالتاء على معنى المخاطبة رَبَّنَا بالنصب يعني: يا ربنا.
وقرأ الباقون لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا بالياء وضم الياء على معنى الخبر.
وَيَغْفِرْ لَنا بعد التوبة عطف على قوله لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ يعني: من المغبونين.
قوله تعالى: وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ يعني: من الجبل غَضْبانَ أَسِفاً يعني: حزيناً.
ويقال: الأسف في اللغة شدة الغضب.
ومنه قوله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ [الزخرف: 55] ويقال: أشد الحزن كقوله: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ [يوسف: 84] قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي يعني: بعبادة العجل يعني: بئسما فعلتم في غيبتي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ يعني: استعجلتم ميعاد ربكم.
ويقال: أعصيتم أمر ربكم.
ويقال: معناه أَعَجِلْتُمْ بالفعل الذي استوجبتم به عقوبة ربكم وَأَلْقَى الْأَلْواحَ من يده.
قال الكلبي: انكسرت الألواح وصعد عامة الكلام الذي كان فيها من كلام الله تعالى إلى السماء.
وقال بعضهم: هذا الكلام في ظاهره غير سديد.
لأن الكلام صفة والصفة لا تفارق الموصوف.
فلا يجوز أن يقال: الكلام يصعد ويذهب.
ولكن تأويله أن الألواح لما انكسرت ذهب أثر المكتوب منها وهذا إذا كان غير الأحكام.
وأما الأحكام أيضاً فلا يجوز أن تذهب عنه وإنما أراد بذلك حجة عليهم.
وروي في الخبر: أن الله تعالى أخبر موسى أن قومه عبدوا العجل.
قال موسى: يا رب من اتخذ لهم العجل؟
قال: السامري.
قال: ومن جعل فيه الروح؟
قال: أنا.
قال: فأنت فتنت قومي؟.
قال له ربه: تركتهم لمرادهم.
وروي عن رسول الله أنه قال: «لَيْسَ الخَبَرُ كَالمُعَايَنَةِ» .
لما أخبر الله تعالى بأن قومه قد عبدوا العجل لم يلق الألواح.
فلما عاين ألقى الألواح.
ثم قال: وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يعني: أخذ بشعر رأسه ولحيته يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ يعني: قال له هارون: يا ابن أمي لا تأخذ بلحيتي.
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص: يا ابْنَ أُمَّ بنصب الميم.
وقرأ الباقون بالكسر.
وهكذا في سورة طه فمن قرأ بالنصب جعله كاسم واحد كأنه يقول يا ابن أماه.
كما يقال: يا ويلتاه ويا حسرتاه.
ومن قرأ بالكسر فهو على معنى الإضافة إلى نفسه.
وكان موسى أخاه لأبيه وأمه.
ولكن ذكر الأم ليرفعه عليه.
إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي يعني: قهروني واستذلوني وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي يعني: هموا بقتلي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ يعني: لا تفرح عليّ أعدائي يعني: الشياطين ويقال: أصحاب العجل وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يعني: لا تظنن أني رضيت بما فعلوا.
قال موسى: رَبِّ اغْفِرْ لِي بما فعلت بأخي هارون ويقال: لإلقاء الألواح وَاغفر لِأَخِي ما كان منه من التقصير في تركهم على عبادة العجل وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ يعني: جنتك وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ يعني: أنت أرحم بنا منا بأنفسنا.
وقال الحسن: يعني أنت أرحم بنا من الأبوين.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
المعنى مَنْ تشبَّهَ بهم من عُصَاة المؤمنين، والمعنى في هذه الآية: سأجْعَلُ الصَّرْف عن الآيات عقوبةً للمتكبِّرين على تكبُّرهم، وقوله: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِها حَتْمٌ من اللَّه على الطائفةِ التي قَدَّر عليهم أَلاَّ يؤمنوا، وقوله: ذلِكَ: إِشارة إِلى الصَّرْف المتقدِّم.
وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ ...
الآية: هذه الآية مؤكَّدة للتي قبلها، وفيها تهديد.
وقوله سبحانه: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ:
الخُوَارُ: صَوْتُ البقر، وقرأَتْ فرقة: «لَهُ جُؤَارٌ» - بالجيم-، أيْ: صِيَاحٌ، ثم بيَّن سبحانه سُوءَ فِطَرهم، وقرَّر فساد اعتقادهم بقوله: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ ...
الآية: وقوله:
وَكانُوا ظالِمِينَ: إِخبارٌ عن جميع أحوالهم ماضياً، وحالاً، ومستقبلاً، وقد مَرَّ في «البقرة» قصَّة العِجْلِ فأغنى عن إِعادته.
قال أبو عُبَيْدة: يقال لمن نَدِمَ على أمْرٍ، وعَجَز عنه: سُقِطَ في يَدِهِ، وقولُ بني إِسرائيل: لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا، إِنما كان بَعْدَ رجوعِ موسى، وتَغَيُّرِهِ عليهم، ورؤيتِهِمْ أنهم قد خَرَجُوا من الدِّين، ووقعوا في الكُفْر.
وقوله سبحانه: وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً، يريد: رجَعَ من المُنَاجَاة، والأَسَفُ: قد يكون بمعنى الغَضَبِ الشديدِ، وأكثرُ ما يكونُ بمعنى الحُزْن، والمعنيانِ مترتبان هنا.
وعبارةُ ص: غَضْبانَ: صفةُ مبالغةٍ، والغَضَبُ غليان القلب بسبب ما يؤلم وأَسِفاً: مِنْ أَسِفَ، فهو أَسِفٌ، كَفَرِقَ فهو فَرِقٌ، يدل على ثبوت الوصف، ولو ذُهِبَ به مَذْهَبُ الزمان، لقيل: آسِف على وزن فَاعِل، والأَسَفُ: الحزنُ.
انتهى.
وقوله تعالى: أَعَجِلْتُمْ، معناه: أسابقتم قضاء رَبِّكُم، واستعجلتم إِتْيَانِي قبل الوقت الذي قدر به، قال سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس: كان سببُ إِلقائه الأَلْوَاحَ- غضبه على
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ﴾ أيْ: نَدِمُوا.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لَلرَّجُلِ النّادِمِ عَلى ما فَعَلَ، المُتَحَسِّرِ عَلى ما فَرَّطَ: قَدْ سَقَطَ في يَدِهِ، وأُسْقِطَ في يَدِهِ.
وَقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: "سَقَطَ" بِفَتْحِ السِّينِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: ولَمّا سَقَطَ النَّدَمُ في أيْدِيهِمْ، يُشَبِّهُ ما يَحْصُلُ في القَلْبِ وفي النَّفْسِ بِما يُرى بِالعَيْنِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا النَّدَمُ مِنهم إنَّما كانَ بَعْدَ رُجُوعِ مُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: ﴿ يَرْحَمْنا رَبُّنا ﴾ ﴿ وَيَغْفِرْ لَنا ﴾ بِالياءِ والرَّفْعِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تَرْحَمُنا" " وتَغْفِرُ لَنا " بِالتّاءِ "رَبَّنا" بِالنَّصْبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَضْبانَ أسِفًا ﴾ في الأسَفِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الحَزِينُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: الجَزَعُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الشَّدِيدُ الغَضَبِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.
وقالَ أبُو الدَّرْداءِ: الأسَفُ: مَنزِلَةٌ وراءَ الغَضَبِ أشَدُّ مِنهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: قالَ أيْ: لَقَوْمِهِ ﴿ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي ﴾ فَتَحَ ياءَ "بَعْدِي" أهْلُ الحِجازِ، وأبُو عَمْرٍو؛ والمَعْنى: بِئْسَ ما عَمِلْتُمْ بَعْدَ فِراقِي مِن عِبادَةِ العِجْلِ.
﴿ أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: عَجِلْتُ الأمْرَ والشَّيْءَ: سَبَقْتُهُ، ومِنهُ هَذِهِ الآَيَةُ.
وأعْجَلْتُهُ: اسْتَحْثَثْتُهُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أعْجَلْتُمْ مِيعادَ رَبِّكم فَلَمْ تَصْبِرُوا لَهُ؟!
قالَ الحَسَنُ: يَعْنِي وعْدَ الأرْبَعِينَ لَيْلَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقى الألْواحَ ﴾ الَّتِي فِيها التَّوْراةُ.
وفي سَبَبِ إلْقائِهِ إيّاها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الغَضَبُ حِينَ رَآَهم قَدْ عَبَدُوا العِجْلَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا رَأى فَضائِلَ غَيْرِ أُمَّتِهِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَألْقاها، قالَهُ قَتادَةُ، وفِيهِ بُعْدٌ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا رَمى بِالألْواحِ فَتَحَطَّمَتْ، رُفِعَ مِنها سِتَّةُ أسْباعٍ، وبَقِيَ سُبْعٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ ﴾ في ما أخَذَ بِهِ مِن رَأْسِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لِحْيَتُهُ وذُؤابَتُهُ.
والثّانِي: شَعْرُ رَأْسِهِ.
والثّالِثُ: أُذُنُهُ.
وقِيلَ: إنَّما فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ، لِأنَّهُ تَوَهَّمَ أنَّهُ عَصى اللَّهَ بِمَقامِهِ بَيْنَهم وتَرَكَ اللُّحُوقَ بِهِ، وتَعْرِيفُهُ ما أحْدَثُوا بَعْدَهُ لَيَرْجِعَ إلَيْهِمْ فَيَتَلافاهم ويَرُدُّهم إلى الحَقِّ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا ﴾ ﴿ ألا تَتَّبِعَنِي ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ابْنَ أُمَّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "قالَ ابْنَ أمَّ" نَصْبًا.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِكَسْرِ المِيمِ، وكَذَلِكَ في [طه:٩٤] .
قالَ الزَّجّاجُ: مَن فَتَحَ المِيمَ، فَلِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِ هَذا الِاسْمِ، ومَن كَسَرَ، أضافَهُ إلى نَفْسِهِ بَعْدَ أنْ جَعَلَهُ اسْمًا واحِدًا، ومِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: "يا ابْنَ أُمِّيَ" بِإثْباتِ الياءِ.
قالَ الشّاعِرُ: يا ابْنَ أُمِّي ويا شَقِيقَ نَفْسِي أنْتَ خَلِيفَتِي لِدَهْرٍ شَدِيدٍ وَقالَ أبُو عَلِيٍّ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مِن فَتْحِ: "يا ابْنَ أُمِّ" أمّا، ويَحْذِفُ الألِفَ، ومَن كَسَرَ: "ابْنِ أُمِّي" فَيَحْذِفُ الياءَ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ "يا ابْنَ أُمَّ" ولَمْ يَقُلْ: "يا ابْنَ أبِ"؟
فالجَوابُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أخاهُ لِأبِيهِ وأُمِّهِ، وإنَّما قالَ لَهُ ذَلِكَ لَيُرْفِقَهُ عَلَيْهِ.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: والإنْسانُ عِنْدَ ذِكْرِ الوالِدَةِ أرَقُّ مِنهُ عِنْدَ ذِكْرِ الوالِدِ.
وقِيلَ: كانَ لَأُمِّهِ دُونَ أبِيهِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ القَوْمَ ﴾ يَعْنِي عَبَدَةَ العِجْلِ.
﴿ اسْتَضْعَفُونِي ﴾ أيِ: اسْتَذَلُّونِي.
﴿ فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ﴾ قَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وابْنُ عاصِمٍ: " فَلا تُشْمِتْ" بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ مَعَ فَتْحِ المِيمِ، "الأعْداءُ" بِالرَّفْعِ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ، وأبُو رَجاءٍ: "فَلا تَشْمِتْ" بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ المِيمِ، "الأعْداءَ" بِالنَّصْبِ.
وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، إلّا أنَّهُما رَفَعا "الأعْداءُ" .
ويَعْنِي بِالأعْداءِ: عَبَدَةُ العِجْلِ.
﴿ وَلا تَجْعَلْنِي ﴾ في مَوْجِدَتِكَ وعُقُوبَتِكَ لِي ﴿ مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ وهم عَبَدَةُ العِجْلِ.
فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ عُذْرُ أخِيهِ ﴿ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ فِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الجِزْيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي ما أمَرُوا بِهِ مِن قَتْلِ أنْفُسِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ ما أُضِيفَ إلَيْهِمْ مِنَ الجِزْيَةِ في حَقِّ أوْلادِهِمْ، لِأنَّ أُولَئِكَ قُتِلُوا ولَمْ يُؤَدُّوا جِزْيَةً.
قالَ عَطِيَّةُ: وهَذِهِ الآَيَةُ فِيما أصابَ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرَ مِنَ القَتْلِ والجَلاءِ لَتَوَلِّيهِمْ مُتَّخِذِي العِجْلَ ورِضاهم بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَذَلِكَ أُعاقِبُ مَنِ اتَّخَذَ إلَهًا دُونِي.
وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: ما مِن مُبْتَدِعٍ إلّا وهو يَجِدُ فَوْقَ رَأْسِهِ ذِلَّةً، وقَرَأ هَذِهِ الآَيَةَ.
وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: لَيْسَ في الأرْضِ صاحِبُ بِدْعَةٍ إلّا وهو يَجِدُ ذِلَّةً تَغْشاهُ قالَ: وهي في كِتابِ اللَّهِ تَعالى.
قالُوا: وأيْنَ هِيَ؟
قالَ: أوَما سَمِعْتُمْ قَوْلَهُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ قالُوا: يا أبا مُحَمَّدٍ، هَذِهِ لِأصْحابِ العِجْلِ خاصَّةً، قالَ كُلًّا، اتْلُ ما بَعْدَها.
﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ ﴾ فَهي لَكُلِّ مُفْتَرٍ ومُبْتَدِعٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَلَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ورَأوا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ اتَّخَذَ أصْلَهُ: اِيتَخَذَ، وزْنُهُ افْتَعَلَ، مِن تَخِذَ.
هَذا قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ.
والضَمِيرُ في "بَعْدِهِ" عائِدٌ عَلى مُوسى، أيْ بَعْدِ مُضِيِّهِ إلى المُناجاةِ، وأضافَ الحُلِيَّ إلى بَنِي إسْرائِيلَ وإنْ كانَ مُسْتَعارًا مِنَ القِبْطِ -إذْ كانُوا قَدْ تَمَلَّكُوهُ- إمّا بِأنْ نُفِّلُوهُ كَما رُوِيَ، وحَكى يَحْيى بْنُ سَلامٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: اسْتَعارَ بَنُو إسْرائِيلَ حُلِيَّ القِبْطِ لِيَوْمِ الزِينَةِ، فَلَمّا أُمِرَ مُوسى أنْ يَسْرِيَ بِهِمْ لَيْلًا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ رَدُّ العَوارِي، وأيْضًا فَخَشُوا أنْ يَفْتَضِحَ سِرُّهُمْ، ثُمَّ إنَّ اللهَ نَفَّلَهم إيّاهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُضافَ الحُلِيُّ إلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن حَيْثُ تَصَرَّفَتْ أيْدِيهِمْ فِيهِ بَعْدَ غَزْوِ آلِ فِرْعَوْنَ.
ويُرْوى أنَّ السامِرِيَّ -واسْمُهُ مُوسى بْنُ ظَفِرٍ ويُنْسَبُ إلى قَرْيَةٍ تُسَمّى سامِرَةَ- قالَ لِهارُونَ حِينَ ذَهَبَ مُوسى إلى المُناجاةِ: يا هارُونُ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ بَدَّدُوا الحُلِيَّ الَّذِي اسْتُعِيرَ مِنَ القِبْطِ وتَصَرَّفُوا فِيهِ وأنْفَقُوا مِنهُ، فَلَوْ جَمَعْتَهُ حَتّى يَرى مُوسى فِيهِ رَأْيَهُ، قالَ: فَجَمَعَهُ هارُونُ، فَلَمّا اجْتَمَعَ قالَ لِلسّامِرِيِّ: أنْتَ أولى الناسِ بِأنْ يُخْتَزَنَ عِنْدَكَ، فَأخَذَهُ السامِرِيُّ -وَكانَ صائِغًا- فَصاغَ مِنهُ صُورَةَ عِجْلٍ، وهو ولَدُ البَقَرَةِ.
﴿ جَسَدًا ﴾ أيْ جُثَّةً وجَمادًا، وقِيلَ: كانَ جَسَدًا بِلا رَأْسٍ.
وهَذا تَعَلُّقٌ بِأنَّ الجَسَدَ في اللُغَةِ ما عَدا الرَأْسَ، وقِيلَ: إنَّ اللهَ جَعَلَ لَهُ لَحْمًا ودَمًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الآثارَ في أنَّ مُوسى بَرَدَهُ بِالمَبارِدِ تُكَذِّبُ ذَلِكَ، والخُوارُ: صَوْتُ البَقَرِ، ويُرْوى أنَّ هَذا العِجْلَ إنَّما خارَ مَرَّةً واحِدَةً، وذَلِكَ بِحِيلَةٍ صِناعِيَّةٍ مِنَ السامِرِيِّ أو بِسِحْرٍ تَرَكَّبَ لَهُ مِن قَبْضِهِ القَبْضَةَ مِن أثَرِ الرَسُولِ، أو بِأنَّ اللهَ أخارَ العِجْلَ لَفَتْنِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَهُ جُوارٌ" بِالجِيمِ وهو الصِياحُ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وشِدَّةُ الصَوْتِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "مِن حُلِيِّهِمْ" بِضَمِّ الحاءِ وكَسْرِ اللامِ، وهو جَمْعُ حَلْيٍ -عَلى مِثالِ ثَدْيِ وثُدِيٍّ- وأصْلُهُ: حُلُوِي، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ فَجاءَ "حُلُيٌّ" فَكُسِرَتِ اللامُ لِتُناسِبَ الياءَ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "مِن حِلِيِّهِمْ" بِكَسْرِ الحاءِ عَلى ما قَدَّمْنا مِنَ التَعْلِيلِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: إلّا أنَّهم كَسَرُوا الحاءَ إتْباعًا لِكَسْرَةِ اللامِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَوّى التَغْيِيرَ الَّذِي دَخَلَ عَلى الجَمْعِ عَلى هَذا التَغْيِيرِ الأخِيرِ، قالَ: ومِمّا يُؤَكِّدُ كَسْرَ الفاءِ في هَذا النَحْوِ مِنَ الجَمْعِ قَوْلُهُمْ: قِسِيٌّ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ هَكَذا يَحْيى بْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ: "مِن حَلْيِهِمْ" بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ اللامِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، وإمّا أنْ يَكُونَ جَمْعَ حِلْيَةٍ كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ.
ومَعْنى الحُلِيِّ: ما يُتَجَمَّلُ بِهِ مِن حِجارَةٍ وذَهَبٍ وفِضَّةٍ.
ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعالى سُوءَ فِطَرِهِمْ وقَرَّرَ فَسادَ اعْتِقادِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ ﴾ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ الصامِتَ الجَمادَ لا يَتَّصِفُ بِالأُلُوهِيَّةِ، والَّذِي لا يُرْشِدُ إلى خَيْرٍ ولا يَكْشِفُ غَمًّا كَذَلِكَ، والضَمِيرُ في "اتَّخَذُوهُ" عائِدٌ عَلى العِجْلِ، وقَوْلُهُ: "وَكانُوا" إخْبارٌ لَنا عن جَمِيعِ أحْوالِهِمْ ماضِيًا وحالًا ومُسْتَقْبَلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الواوُ واوَ حالٍ، وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ سَبَبُ اتِّخاذِ العِجْلِ وبَسْطِ تِلْكَ الحالِ بِما أغْنى عن إعادَتِهِ هاهُنا.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِكَسْرِ القافِ وضَمِّ السِينِ: "سُقِطَ في أيْدِيهِمْ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَقَطَ" بِفَتْحِ السِينِ والقافِ، حَكاهُ الزَجّاجُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أُسْقِطَ" وهي لُغَةٌ حَكاها الطَبَرِيُّ بِالهَمْزَةِ المَضْمُومَةِ وسِينٍ ساكِنَةٍ، والعَرَبُ تَقُولُ لِمَن كانَ ساعِيًا لِوَجْهٍ أو طالِبًا غايَةً ما فَعَرَضَ ما غَلَبَهُ وصَدَّهُ عن وِجْهَتِهِ وأوقَفَهُ مَوْقِفَ العَجْزِ عن بُغْيَتِهِ، وتَيَقَّنَ أنَّهُ قَدْ عَجَزَ: سُقِطَ في يَدِ فُلانٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ لِمَن أقْدَمَ عَلى أمْرٍ وعَجَزَ عنهُ: سُقِطَ في يَدِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والنَدَمُ عِنْدِي عَرَضٌ يُعْرِضُ صاحِبَ هَذِهِ الحالِ، وقَدْ لا يُعَرِّضُهُ لَهُ، فَلَيْسَ النَدَمُ بِأصْلٍ في هَذا، أمّا أنَّ أكْثَرَ أصْحابِ هَذِهِ الحالِ يَصْحَبُهُمُ النَدَمُ، وكَذَلِكَ صَحِبَ بَنِي إسْرائِيلَ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ، والوَجْهُ الَّذِي يَصِلُ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ وبَيْنَ المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ هو أنَّ السَعْيَ أوِ الصَرْفَ أوِ الدِفاعَ سَقَطَ في يَدِ المُشارِ إلَيْهِ فَصارَ في يَدِهِ لا يُجاوِزُها ولا يَكُونُ لَهُ خارِجَها تَأْثِيرٌ.
وقالَ الزَجّاجُ: المَعْنى أنَّ النَدَمَ سَقَطَ في أيادِيهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّ الخُسْرانَ والخَيْبَةَ سَقَطَ في أيْدِيهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذا كُلِّهِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ "سَقَطَ" يَتَعَدّى، فَإنَّ "سَقَطَ" يَتَضَمَّنُ مَفْعُولًا وهو هُنا المَصْدَرُ الَّذِي هو الإسْقاطُ، كَما يُقالُ: ذُهِبَ بِزَيْدٍ، وفي هَذا عِنْدِي نَظَرٌ.
وَأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ: "سَقَطَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أو "أُسْقِطَ" عَلى التَعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ فَبَيِّنٌ في الِاسْتِغْناءِ عَنِ التَعَدِّي، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: "سَقَطَ في يَدَيْهِ" عَلى مَعْنى التَشْبِيهِ بِالأسِيرِ الَّذِي تُكَتَّفُ يَداهُ، فَكَأنَّ صاحِبَ هَذِهِ الحالِ يُسْتَأْسَرُ، ويَقَعُ ظُهُورُ الغَلَبَةِ عَلَيْهِ في يَدِهِ، أو كَأنَّ المُرادَ سَقَطَ بِالغَلَبِ والقَهْرِ في يَدِهِ، وحُدِّثْتُ عن أبِي مَرْوانَ بْنِ سِراجٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: قَوْلُ العَرَبِ "سُقِطَ في يَدِهِ" مِمّا أعْيانِي مَعْناهُ، وقالَ الجُرْجانِيُّ: هَذا مِمّا دُثِرَ اسْتِعْمالُهُ مِثْلَ ما دُثِرَ اسْتِعْمالُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا الكَلامِ ضَعْفٌ، والسِقاطُ في كَلامِ العَرَبِ كَثْرَةُ الخَطَإ والنَدَمُ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ سُوِيدِ بْنِ أبِي كاهِلٍ: كَيْفَ يَرْجُونَ سَقاطِي بَعْدَما ∗∗∗ لَفَّعَ الرَأْسَ مَشِيبٌ وصَلَعْ وقَوْلُ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿ لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ﴾ إنَّما كانَ بَعْدَ رُجُوعِ مُوسى وتَغَيُّرِهِ عَلَيْهِمْ، ورُؤْيَتِهِمْ أنَّهم قَدْ خَرَجُوا عَنِ الدِينِ ووَقَعُوا في الكُفْرِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ بْنُ نَصّاحٍ، ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُمْ: "قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا" بِالياءِ في "يَرْحَمْنا" وإسْنادِ الفِعْلِ إلى الرَبِّ تَعالى، "وَيَغْفِرْ" بِالياءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والشَعْبِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ، وأيُّوبُ: "تَرْحَمْنا رَبَّنا" بِالتاءِ في "تَرْحَمْنا" ونَصْبِ لَفْظَةِ "رَبَّنا" عَلى جِهَةِ النِداءِ "وَتَغْفِرْ" بِالتاءِ، مِن فَوْقُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ "قالُوا رَبَّنا لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنا وتَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ".
<div class="verse-tafsir"
كان مقتضى الظاهر في ترتيب حكاية الحوادث أن يتأخر قوله: ﴿ ولما سُقط في أيديهم ﴾ الآية، عن قوله: ﴿ ولما رَجع موسى إلى قومه غضبانَ أسِفاً ﴾ [الأعراف: 150] لأنهم ما سُقط في أيديهم إلاّ بعد أن رجع موسى ورأوا فَرْط غضبه وسمعوا توبيخه أخاه وإيّاهم، وإنما خولف مقتضى الترتيب تعجيلاً بذكر ما كان لاتخاذهم العجل من عاقبة الندامة وتبين الضلالة، موعظة للسامعين لكيلا يعجلوا في التحول عن سنتهم، حتى يتبينوا عواقب ما هم متحولون إليه.
و ﴿ سُقط في أيديهم ﴾ مبني للمجهول، كلمة أجراها القرآن مجرى المثل إذا أُنظمت على إيجاز بديع وكناية واستعارة، فإن اليد تستعار للقوة والنصرة إذ بها يُضرب بالسيففِ والرمح، ولذلك حين يَدْعون على أنفسهم بالسوء يقولون: «شَلّتْ من يديّ الأنامل»، وهي آلةُ القدرة قال تعالى: ﴿ ذَا الأيد ﴾ [ص: 17]، ويقال: ما لي بذلك يدٌ، أوْ ما لي بذلك يَداننِ أي لا أستطيعه، والمرء إذا حصل له شلل في عضد ولم يستطع تحريكه يحسن أن يقال: سَقط في يده ساقط، أي نزل به نازل.
ولما كان ذكر فاعل السقوط المجهول لا يزيد على كونه مشتقاً من فعله، ساغ أن يُبنى فعله للمجهول فمعنى «سُقط في يده» سَقط في يده ساقِط فأبطل حركة يده، إذ المقصود أن حركة يده تعطلت بسبب غير معلوم، إلاّ بأنه شيء دخل في يده فصيّرها عاجزة عن العمل وذلك كناية عن كونه قد فجأه ما أوجب حيرته في أمره، كما يقال: فُتَ في ساعده.
وقد استعمل في الآية في معنى الندم وتبيُّن الخطأ لهم، فهو تمثيل لحالهم بحال من سُقط في يده حين العمل.
فالمعنى أنهم تبين لهم خطأهم وسوء معاملتهم ربهم ونبيهم، فالندامة هي معنى التركيب كله، وأما الكناية فهي في بعض أجزاء المركب وهو سقط في اليد، قال ابن عطية «وحُدثت عن أبي مروان بن سراج» أنه كان يقول قول العرب: سقط في يده مما أعياني معناه، وقال الزجاح هو نظم لم يُسمع قبل القرآن، ولم تعرفه العرب.
قلت وهو القول الفصل، فإني لم أره في شيء من كلامهم قبل القرآن، فقول ابن سراج: قول العرب سقط في يده، لعله يريد العرب الذين بعدَ القرآن.
والمعنى لما رجع موسى إليهم وهددهم وأحرق العجل كما ذكر في سورة طه، وأوجز هنا إذ من المعلوم أنهم ما سقط في أيديهم ورأوا أنهم ضلوا بعد تصميمهم وتصلبهم في عبادة العجل وقولهم: ﴿ لن نبرح عليه عاكفين ﴾ [طه: 91]، إلاّ بسبب حادث حدث ينكشف لهم بسببه ضلالهم، فطيّ ذلك من قبيل الإيجاز ليبنى عليه أن ضلالهم لم يلبث أن انكشف لهم، ولذلك قرن بهذا حكاية اتخاذهم العجل للمبادرة ببيان انكشاف ضلالهم تنهية لقصة ضلالهم، وكأنه قيل: فسقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا ثم قيل ولما سقط أيديهم قالوا.
وقولهم: ﴿ لئن لم يرْحمنْا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ﴾ توبة وإنابة، وقد علموا أنهم أخطأوا خطيئة عظيمة، ولذلك أكدوا التعليق الشرطي بالقسم الذي وطَأتْه اللامُ.
وقدموا الرحمة على المغفرة؛ لأنها سببها.
ومجيء خبر كان مقترناً بحرف (مِن) التبعيضية؛ لأن ذلك أقوى في إثبات الخسارة من لنكونن خاسرين كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ قد ضللتُ إذاً وما أنا من المهتدين ﴾ [الأنعام: 55] وقرأه الجمهور ﴿ يرحمنا ربنا ويغفر ﴾ بياء الغيبة في أول الفعلين وبرفع ربُّنا، وقرأ حمزة والكسائي وخلف بتاء الخطاب في أول الفعلين ونصب ربّنا على النداء، أي قالوا ذلك كله لأنهم دعوا ربهم وتداولوا ذلك بينهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا ﴾ في الأسَفِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ المُتَأسِّفُ عَلى فَوْتِ ما سَلَفَ قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
والثّانِي: أنَّهُ الحَزِينُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: هو الشَّدِيدُ الغَضَبِ، قالَهُ الأخْفَشُ.
والرّابِعُ: المُغْتاظُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والخامِسُ: النّادِمُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وَفي غَضَبِهِ وأسَفِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: غَضْبانُ مِن قَوْمِهِ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ؟
أسِفًا عَلى ما فاتَهُ مِن مُناجاةِ رَبِّهِ.
والثّانِي: غَضْبانُ عَلى نَفْسِهِ في تَرْكِ قَوْمِهِ حَتّى ضَلُّوا، أسِفًا عَلى ما رَأى في قَوْمِهِ مِنِ ارْتِكابِ المَعاصِي.
وَقالَ بَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ إنَّ غَضَبَهُ لِلرُّجُوعِ عَنْ مُناجاةِ الحَقِّ إلى مُخاطَبَةِ الخَلْقِ.
﴿ قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي ﴾ يَعْنِي بِعِبادَةِ العِجْلِ.
﴿ أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي وعْدَ رَبِّكُمُ الَّذِي وعَدَنِي بِهِ مِنَ الأرْبَعِينَ لَيْلَةً، وذَلِكَ أنَّهم قَدَّرُوا أنَّهُ قَدْ ماتَ لَمّا لَمْ يَأْتِ عَلى رَأْسِ الثَّلاثِينَ لَيْلَةً، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: وعْدُ رَبِّكم بِالثَّوابِ عَلى عِبادَتِهِ حَتّى عَدَلْتُمْ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
والفَرْقُ بَيْنَ العَجَلَةِ والسُّرْعَةِ أنَّ العَجَلَةَ: التَّقَدُّمُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وقْتِهِ، والسُّرْعَةُ: عَمَلُهُ في أقَلِّ أوْقاتِهِ.
﴿ وَألْقى الألْواحَ ﴾ وفي سَبَبِ إلْقائِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: غَضَبًا حِينَ رَأى عِبادَةَ العِجْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ ألْقاها لَمّا رَأى فِيها فَضائِلَ غَيْرِ قَوْمِهِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ أنَّهم خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، قالَ: رَبِّ فاجْعَلْهم أُمَّتِي قالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أحْمَدَ، فاشْتَدَّ عَلَيْهِ فَألْقاها، قالَهُ قَتادَةُ.
وَكانَتِ التَّوْراةُ سَبْعَةَ أسْباعٍ فَلَمّا ألْقى مُوسى الألْواحَ فَتَكَسَّرَتْ رُفِعَ مِنها سِتَّةُ أسْباعِها وكانَ فِيما رُفِعَ تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ الَّذِي قالَ اللَّهُ: ﴿ وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ وبَقِيَ الهُدى والرَّحْمَةُ في السُّبْعِ الباقِي، وهو الَّذِي قالَهُ اللَّهُ: ﴿ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ألْقى مُوسى الألْواحَ فَتَكَسَّرَتْ ورُفِعَتْ إلّا سُدُسُها.
﴿ وَأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أخَذَ بِأُذُنِهِ.
والثّانِي: أخَذَ بِجُمْلَةِ رَأْسِهِ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قَصَدَهُ بِمِثْلِ هَذا الهُوانِ ولا ذَنْبَ لَهُ؟
فَعَنْ ذَلِكَ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّ هَذا الفِعْلَ مِمّا قَدْ يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ بِالعادَةِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ الزَّمانِ بِخِلافِ ما هو عَلَيْهِ الآنَ مِنَ الهُوانِ.
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ مِنهُ كَقَبْضِ الرَّجُلِ مِنّا الآنَ عَلى لِحْيَتِهِ وعَضِّهِ عَلى شَفَتِهِ ﴿ قالَ ابْنَ أُمَّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ أخاهُ لِأُمِّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ عَلى عادَةِ العَرَبِ اسْتِعْطافًا بِالرَّحِمِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: يا ابْنَ أُمِّي ويا شَقِيقَ نَفْسِي أنْتَ خَلَّيْتَنِي لِأمْرٍ شَدِيدِ ﴿ فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ﴾ يَعْنِي مَن خالَفَهُ في عِبادَةِ العِجْلِ لِأنَّهم قَدْ صارُوا لِمُخالَفَتِهِمْ لَهُ أعْداءً.
﴿ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ أيْ لا تَغْضَبْ عَلَيَّ كَغَضَبِكَ عَلَيْهِمْ ولَسْتُ مِنهم فَأدْرَكَتْهُ الرِّقَّةُ: ﴿ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولأخِي وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ ﴾ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولما سقط في أيديهم ﴾ قال: ندموا.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ ﴾ ، قال ابن عباس (١) (٢) قال الفراء: (يقال: سُقِط في يده وأُسْقِط من الندامة، وسُقط أكثر وأجود) (٣) وقال الزجاج: (يقال للرجل النادمِ على ما فعل الخَسِرِ على ما فرط منه: قد سُقِط في يده وأُسْقِط) (٤) فدع عنك نهبًا صيح في حَجَراته ...
ولكن حديثًا ما حديث الرواحل (٥) أي: صاح المنتهب في حجراته، وكذلك (٦) (٧) فقد بان بقول المفسرين وأهل اللغة أن قولهم: (سُقط في يده) معناه: نَدِم، وأن هذا اللفظ يستعمل في صفة النادم، فأما القول في أصله ومأخذه فلم أر لأحد من الأئمة فيه شيئًا أرتضيه إلا ما ذكره أبو القاسم الزجاجي، وهو أنه قال: (قوله: ﴿ سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ ﴾ بمعنى (٨) (٩) ونشوة سقطت منها في يدي (١٠) وأبو نواس هو العالم النّحْرِير (١١) (١٢) (١٣) وحقيقة معنى السقوط (١٤) (١٥) (١٦) ﴿ سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ ﴾ أي: سقط الندم في أيديهم، ولم يذكر الندم، وقيل: سُقط، على ما لم يُسم فاعله، كما يقال: رُغب في فلان، على ما بيَّنا، وذكر اليد هاهنا لوجهين: أحدهما: أنه يقال للذي يحصل على شيء، وإن كان ذلك مما لا يكون في اليد: قد (١٧) ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ ﴾ ، وكثير من الذنوب لم تقدمه اليد (١٨) الوجه الثاني: أن الندم حدث يحصل في القلب (١٩) (٢٠) ﴿ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا ﴾ .
فتقليب الكف عبارة عن الندم؛ لأن من ندم على شيء قلب كفيه وصفق اليمنى على اليسرى تحسرًا على ما فعل.
ومن هذا أيضاً قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ﴾ ، أي: ندمًا وتحسرًا على كفره بالله، فلما كان أثر الندم يحصل في اليد من الوجه الذي ذكرنا أضيف سقوط الندم إلى اليد؛ لأن الذي يظهر للعيون من فعل النادم هو تقليب الكف وعض الأنامل واليد، كما أن السرور معنى في القلب يستشعره الإنسان، والذي يظهر من حاله الاهتزاز والحركة والضحك وما يجري مجراه، والقراءة المشهورة ﴿ سُقِطَ ﴾ على ما لم يسم فاعله، وهذا الفاعل إذا ظهر لا بد من أن يكون الندم على ما ذكره الزجاج وغيره) (٢١) [و] (٢٢) ﴿ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا ﴾ أي: وعلموا أنهم قد ابتلوا بمعصية الله، ﴿ قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا ﴾ الآية.
وهذا الندم والاستغفار إن كان بعد رجوع موسى إليهم.
(١) "تنوير المقباس" 2/ 128، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 244.
(٢) انظر "مجاز القرآن" 1/ 228، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 150، و"تفسير غريب القرآن" 180 - 181، و"تفسير الطبري" 9/ 62، والسمرقندي 1/ 571، والبغوي 3/ 283، وقال الرازي 7/ 15: (اتفقوا على أن المراد اشتد ندمهم على عبادة العجل) اهـ.
(٣) "معاني الفراء" 1/ 393 وفيه زاد (وأسقط لغة).
وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 310.
(٤) "معاني الزجاج" 2/ 378، ونحوه قال النحاس في "معانيه" 3/ 81.
(٥) "ديوانه" ص 135، و"اللسان" 4/ 2039 (سقط)، و"الدر المصون" 5/ 461، وفي "الديوان" (دع) بدل فدع، والنهب: الغارة والسلب، وحجراته: نواحيه، والرواحل: النوق.
(٦) في (ب): (ولذلك)، وهو تحريف.
(٧) "تهذيب اللغة" 2/ 1713 (سقط).
(٨) في (ب): (معناه).
(٩) أبو نُواس: هو الحسن بن هانئ الحكمي مولاهم أبو علي البصري، شاعر مشهور، عالم باللغة، فصيح، أخذ عن أبي زيد وأبي عبيدة وغيرهما، وهو شاعر مجيد، لكن فسقه ظاهر، أكثر من النظم في المجنون والخمر والغلمان، وغلب عليه اللهو، وذكر عنه التوبة في آخر عمره.
توفي سنة 195 هـ أو بعدها وقد قارب الستين سنة.
انظر: "الشعر والشعراء" ص 538، و"تاريخ بغداد" 7/ 436، و"وفيات الأعيان" 2/ 95، "لسان الميزان" 7/ 115، و"تهذيب تاريخ ابن عساكر" 4/ 257، و"الإعلام" 2/ 225.
(١٠) ليس في "ديوانه"، ولم أقف على تكملته.
ونقله السمين في "الدر" 5/ 462 عن الواحدي، وذكره الميداني عن الزجاجي في "مجمع الأمثال" 2/ 331.
(١١) النّحْرِير: الحاذق الماهر العاقل المجرب وقيل: الرجل الفطن المُتْقِن البصير في كل شيء، انظر: "اللسان" 7/ 4365 (نحو).
(١٢) انظر: "تصحيح التصحيف وتحرير التحريف" للصفدي ص 314.
(١٣) أبو حاتم: هو سهل بن محمد بن عثمان السجستاني.
تقدمت ترجمته؛ والنص عنه في "مجمع الأمثال" 2/ 331، وانظر "اللسان" 4/ 2038، و"التاج" 10/ 283 (سقط).
(١٤) انظر: (سقط) في "العين" 5/ 71، و"الجمهرة" 2/ 835، و"الصحاح" 3/ 1132، و"المجمل" 2/ 466، و"مقاييس اللغة" 3/ 86، و"المفردات" ص 414.
(١٥) في (ب): (سقطًا).
(١٦) لفظ: (الباء) ساقط من (ب).
(١٧) في (ب): (فقد)، وهو تحريف.
(١٨) انظر: "تفسير القرطبي" 7/ 286.
(١٩) في (ب): (يحصل بالقلب).
(٢٠) انظر: "مجمع الأمثال" 2/ 331.
(٢١) لم أقف عليه عن الزجاجي في كتبه بعد طول بحث عنه وذكره الميداني في "مجمع الأمثال" 2/ 331، عن الزجاجي مختصرًا، ونقله السمين في "الدر" 5/ 462 - 463، وجعل الكلام في ذكر اليد من قول الواحدي، وقال الرازي في "تفسيره" 15/ 8: (حكى الواحدي عن بعضهم أن هذا مأخوذ من السقيط، وهو ما يغشى الأرض بالغدوات شبه الثلج، ومعنى سقط في يده أي: وقع في يده السقيط والسقيط يذوب بأدنى حرارة ولا يبقى، فصار مثلًا لكل من خسر في عاقبته ولم يحصل من سعيه على طائل وكانت الندامة آخر أمره) اهـ.
ملخصًا.
وانظر: "جمهرة الأمثال" 2/ 216، و"المستقصى" 2/ 119.
(٢٢) لفظ: (الواد) ساقط من (ب).
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلِقَآءِ الآخرة ﴾ يجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى المفعول به أي: ولقاؤهم الآخرة، أو من إضافة المصدر إلى الظرف ﴿ واتخذ قَوْمُ موسى ﴾ هم بنو إسرائيل ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ أي من بعد غيبته في الطور ﴿ مِنْ حُلِيِّهِمْ ﴾ بضم الحال والتشديد جمع حلى نحو ثدي وثدي، وقرئ بكسر الحاء للإتباع وقرئ بفتح الحاء وإسكان اللام، والحلي هو اسم ما يتزين به من الذهب والفضة ﴿ جَسَداً ﴾ أي جسماً دون روح، وانتصابه على البدل ﴿ لَّهُ خُوَارٌ ﴾ الخوار هو: صوت البقر، وكان السامري قد قبض قبضة من تراب أثر فرس جبريل يوم قطع البحر، فقذفه في العجل فصار له خوار، وقيل: كان إبليس يدخل في جوف العجل فيصيح فيه فيسمع له خوار ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ ﴾ ردّ عليهم، وإبطال لمذهبهم الفاسد في عبادته ﴿ اتخذوه ﴾ أي اتخذوه إلهاً، فحذف لمفعول الثاني للعلم به، وكذلك حذف من قوله: واتخذ قوم موسى ﴿ سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ ﴾ أي ندموا يقال: سقط في يد فلان إذا عجز عما يريد أو وقع فيما يكره ﴿ أَسِفاً ﴾ شديد الحزن على ما فعلوه، وقيل: شديد الغضب كقوله: ﴿ فَلَمَّآ آسَفُونَا ا ﴾ [الزخرف: 55] ﴿ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي ﴾ أي قمتم مقامي، وفاعل بئس مضمر يفسره ما واسم المذموم محذوف، والمخاطب بذلك أما القوم الذين عبدوا العجل مع السامري حيث عبدوا غير الله في غيبة موسى عنهم، أو رؤساء بني إسرائيل كهارون عليه السلام، حيث لم يكفوا الذين عبدوا العجل ﴿ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ معناه: أعجلتم عن أمر ربكم، وهو انتظار موسى حتى يرجع من الطور، فإنهم لما رأوا أنّ الأمر قد تم ظنوا أن موسى عليه السلام قد مات فعبدوا العجل ﴿ وَأَلْقَى الألواح ﴾ طرحها لما لحقه من الدهش والضجر غضباً لله من عبادة العجل ﴿ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ ﴾ أي شعر رأسه ﴿ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ﴾ لأنه ظن أنه فرَّط في كف الذين عبدوا العجل ﴿ ابن أُمَّ ﴾ كان هارون شقيق موسى، وإنما دعاه بأمّه، لأنه أدعى إلى العطف والحنوّ، وقرئ ابن أم بالكسر على الإضافة إلى ياء المتكلم، وحذفت الياء بالفتح تشبيهاً بخمسة عشر جعَل الاسمان اسما واحداً فبنى ﴿ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ القوم الظالمين ﴾ أي لا تظن أني منهم أو لا تجد عليَّ في نفسك ما تجدُ عليهم يعني أصحاب العجل ﴿ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ ﴾ أي: غضب في الآخرة وذلة في الدنيا ﴿ وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب ﴾ أي سكن، وكذلك قرأ بعضهم، وقال الزمخشري: قوله: سكت مثل كأن الغضب كان يقول له ألق الألواح وجُرّ برأس أخيك، ثم سكت عن ذلك ﴿ وَفِي نُسْخَتِهَا ﴾ أي فيما ينسخ منها، والنسخة فعلة بمعنى مفعول ﴿ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ أي يخافون، ودخلت اللام لتقدّم المفعول كقوله: ﴿ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ [يوسف: 43]، وقال المبرِّد: تتعلق بمصدر تقديره رهبتهم لربهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أرني أنظر ﴾ بسكون الراء وفتح الياء: ابن الفليح وزمعة والخزاعي عن البزي.
الباقون: بكسر الراء وسكون الياء.
﴿ دكاء ﴾ بالمد: حمزة وعلي وخلف.
﴿ إني اصطفيتك ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ برسالتي ﴾ على التوحيد: أبو جعفر ونافع وابن كثير.
الباقون: ﴿ برسالاتي ﴾ ﴿ آياتي الذين ﴾ مرسلة الياء: ابن عامر وحمزة.
﴿ الرشد ﴾ بفتحتين: حمزة وعلي وخلف.
الباقون: بضم الراء وسكون الشين.
﴿ من حليهم ﴾ بفتح الحاء وسكون اللام: يعقوب ﴿ حليهم ﴾ بالكسرات وتشديد الياء: حمزة وعلي.
الباقون: مثله ولكن بضم الحاء.
﴿ ترحمنا ربنا وتغفر لنا ﴾ بالخطاب والنداء: حمزة وعلي وخلف والمفضل.
الباقون: على الغيبة ورفع ﴿ ربنا ﴾ على الفاعلية ﴿ بعدي أعجلتم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ قال ابن أم ﴾ بكسر الميم: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل.
الباقون: بفتحها ومثله ﴿ يا ابن أم ﴾ في طه.
الوقوف: ﴿ أربعين ليلة ﴾ ج للعطف مع اختلاف القائل ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ ربه ﴾ لا لأن ما بعده جواب ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ فسوف تراني ﴾ ج ﴿ صعقا ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ لكل شيء ﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿ بأحسنها ﴾ ج ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ بغير الحق ﴾ ج ﴿ بها ﴾ ج لابتداء شرط آخر ولبيان تعارض الأحوال مع العطف ﴿ سبيلاً ﴾ ج ﴿ ذلك سبيلاً ﴾ ه ﴿ غافلين ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ خوار ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه لئلا تصير الجملة صفة السبيل فإن الهاء ضمير العجل ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ ضلوا ﴾ ج لأن ما بعده جواب.
﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ أسفاً ﴾ ج لما ﴿ بعدي ﴾ ج للابتداء بالاستفهام مع اتحاد القائل ﴿ أمر ربكم ﴾ ج لأن قوله ﴿ وألقى ﴾ معطوف على قوله ﴿ قال بئسما ﴾ وقد اعترض بينهما استفهام ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ يقتلونني ﴾ ط ز صلى والوصل أولى لأن الفاء للجواب أي إذا هم هموا بقتلي فلا تشمتهم بضربي.
﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ في رحمتك ﴾ ز صلى الأولى أن يوصل لأن الواو للحال تحسيناً للدعاء بالثناء ﴿ الراحمين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ط ﴿ المفترين ﴾ ه ﴿ وآمنوا ﴾ ج لظاهر إن والوجه الوصل لأن ما بعده خبر والعائد محذوف والتقدير: إن ربك من بعد توبتهم لغفور لهم.
﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ الألواح ﴾ ج صلى لاحتمال ما بعده الحال ﴿ يرهبون ﴾ ه.
التفسير: لما أهلك الله أعداء بني إسرائيل سأل موسى ربه أن يؤتيه الكتاب الذي وعده فأمره بصوم ثلاثين وهو شهر ذي القعدة، فلما أتم الثلاثين أنكر من نفسه خلوف الفم فتسوّك فقالت الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدتها بالسواك، فأوحى الله تعالى إليه: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك؟
فأمره الله أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة لهذا السبب.
وقيل: فائدة التفصيل أنه أمره بصوم ثلاثين وأن يعمل فيها ما يقربه من الله، ثم أنزلت عليه التوراة في العشر وكلم فيها.
وقال أبو مسلم الأصفهاني: من الجائز أن يكون موسى عند تمام الثلاثين بادر إلى ميقات ربه قبل قومه بدليل قوله في طه ﴿ وما أعجلك عن قومك يا موسى ﴾ فلما أعلمه الله خبر قومه مع السامري رجع إلى قومه، ثم عاد إلى الميقات في عشرة أخرى فتم أربعون ليلة.
وقيل: لا يمتنع أن يكون الوعد الأوّل لحضرة موسى وحده والوعد الثاني لحضرة المختارين معه ليسمعوا الكلام.
ومن فوائد الفذلكة في قوله ﴿ فتم ميقات ربه أربعين ليلة ﴾ إزالة وهم من يتوهم أن الميقات كان عشرين ثم أتمه بعشر فصار ثلاثين.
والفرق بين الميقات والوقت أن الميقات ما قدر فيه عمل من الأعمال والوقت وقت الشيء قدره مقدراً أم لا.
وانتصب ﴿ أربعين ﴾ على الحال أي تم بالغاً هذا العدد.
﴿ وهارون ﴾ عطف بيان ﴿ لأخيه ﴾ وقرىء بالضم على النداء ﴿ أخلفني في قومي ﴾ كن خليفتي فيهم ﴿ وأصلح ﴾ كن مصلحاً أو أصلح ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائل ومن دعاك إلى الإفساد فلا تتبعه.
وإنما جعله خليفة مع أنه شريكه في النبوّة بدليل ﴿ وأشركه في أمري ﴾ والشريك أعلى حالاً من الخليفة لأن نبوّة موسى كانت بالأصالة ونبوّة هارون بتبعيته فكأنه خليفته ووزيره.
وإنما وصاه بالإصلاح تأكيداً واطمئناناً وإلا فالنبي لا يفعل إلا الإصلاح.
﴿ ولما جاء موسى لميقاتنا ﴾ اللام بمعنى الاختصاص كأنه قيل: اختص مجيئه بوقتنا الذي حددنا له كما يقال: أتيته لعشر خلون من شهر كذا ﴿ وكلمه ربه ﴾ للناس في كلام الله مذاهب فقيل: هو عبارة عن هذه الحروف المؤلفة المنتظمة.
وقيل: صفة حقيقية مخالفة للحروف والأصوات وعلى الأول فمحل تلك الحروف والأصوات هو ذات الله وهو قول الكرامية، أو جسم مغاير كالشجرة ونحوها وهو قول المعتزلة.
وعلى التالي فالأشعرية قالوا إن موسى سمع تلك الصفة الأزلية لأنه كما لا يتعذر رؤيته عندنا مع أنه ليس بجسم ولا عرض فكذا لا يمتنع سماع كلامه مع أنه ليس بحرف ولا صوت.
وقال أبو منصور الماتريدي: الذي سمعه موسى أصوات مقطعة وحروف مؤلفة قائمة بالشجرة.
واختلف العلماء أيضاً في أن الله كلم موسى وحده لظاهر الآية أو مع السبعين المختارين وهو قول القاضي لأن تكليم الله موسى معجز وقد تقدمت نبوّة موسى فلا بد من ظهور هذا المعنى لغيره ﴿ قال رب أرني أنظر إليك ﴾ أي أرني نفسك واجعلني متمكناً من رؤيتك فانظر إليك وأراك.
عن ابن عباس: أن موسى جاء ومعه السبعون وصعد الجبل وبقي السبعون في أسفل الجبل وكلم الله موسى وكتب له في الألواح كتاباً وقربه نجياً.
فلما سمع صرير القلم عظم شوقه فقال رب أرني انظر إليك.
قالت الأشاعرة إن موسى سأل الرؤية وأنه عارف بما يجب ويجوز ويمتنع على الله .
فلو كانت الرؤية ممتنعة لما سألها.
قال القاضي: للمحصلين من العلماء في هذا المقام أقوال: أحدها قول الحسن وغيره أن موسى ما عرف أن الرؤية غير جائزة على الله وهذا لا يقدح سبحانك في معرفته لأن العلم بامتناع الرؤية وجوازها لا يبعد أن يكون موقوفاً على السمع، وزيف بأنه يلزم أن يكون موسى أدون حالاً من علماء المعتزلة العالمين بامتناع الرؤية على الله تعالى، وبأنهم يدعون العلم الضروري بأن كل ما كان مرئياً فإنه يجب أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل، فلو لم يكن هذا العلم حاصلاً لموسى كان ناقص العقل وهو محال، وإن كان حاصلاً وجوّز موسى عليه المقابلة كان كفراً وهو أيضاً محال.
وثانيها طريقة أبي علي وأبي هاشم أن موسى سأل الرؤية عن لسان قومه فقد كانوا يكررون المسألة عليه بقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ﴾ وزيف بأنه لو كان كذلك لقال موسى أرهم ينظروا إليك، ولقال الله لن يروني، وبأنه لو كان محالاً لمنعهم كما منعهم لما قالوا اجعل لنا إلهاً، وبأن ذكر الدليل القاطع في هذا المقام فرض مضيق فلم يمكن تأخيره مع أنهم كانوا مقرين بنبوّة موسى كفاهم في الامتناع عن السؤال قول موسى وإلا فلا انتفاع لهم بهذا الجواب فإن لهم أن يقولوا لا نسلم أن هذا المنع من الله بل هذا مما افتريته على الله.
وثالثها وهو اختيار أبي القاسم الكعبي أن موسى سأل ربه المعرفة الضرورية بحيث تزول عندها الخواطر والوساوس كما في معرفة أهل الآخرة.
وردّ بأنه أراه من الآيات كالعصا واليد وغيرها ما لا غاية بعدها فكيف يليق به أن يقول أظهر لي آية تدل على أنك موجود؟
ولو فرض أنه لائق بحال موسى فلم منعه الله عن ذلك؟
ولقائل أن يقول: منعه في الدنيا لحكمة علمها الله ولا يلزم منه المنع في الآخرة.
ورابعها وهو قول أبي بكر الأصم أن موسى أراد تأكد الدليل العقلي بالدليل السمعي، وتعاضد الدلائل أمر مطلوب للعقلاء.
وضعف بأنه كان الواجب عليه حينئذ أن يقول: أريد يا إلهي أن يقوى أمتناع رؤيتك بوجوه زائدة على ما ظهر في عقلي.
ولقائل أن يقول: هذا تعيين الطريق.
وفي الآية سؤال وهو أنه لم قال ﴿ لن تراني ﴾ دون ﴿ لن تنظر إليّ ﴾ ليناسب قوله ﴿ انظر إليك ﴾ والجواب لأن موسى لم يطلب النظر المطلق وإنما طلب النظر الذي معه الإدراك بدليل ﴿ أرني ﴾ ومن حجج الأشاعرة أنه علق رؤيته على أمر جائز هو استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز.
وردّ بأنه علق حصول الرؤية على استقرار الجبل حال حركته بدليل قوله ﴿ ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه ﴾ أي وقت النظر وعقيبه واستقرار الجبل حال حركته محال.
ومنها قوله ﴿ فلما تجلى ربه ﴾ أي ظهر وبان ومنه جلوت العروس إذا أبرزتها، أو ظهر للجبل اقتداره وتصدى له أمره وإرادته ﴿ جعله دكاً ﴾ أي مدكوكاً كالمصدر بمعنى "مفعول".
والدك والدق أخوان.
ومن قرأ بالمد أراد أرضاً دكاء مستوية ومنه ناقة دكاء متواضعة السنام.
والدكاء أيضاً اسم للرابية الناشزة من الأرض كالدكة.
والغرض من الجميع تعظيم شأن الرؤية وأن أحداً لا يقوى على ذلك إلا بتقوية الله وتأييده.
وقالت المعتزلة: الرؤية أمر محال لقوله ﴿ لن تراني ﴾ وكلمة "لن" إن لم تفد التأبيد فلا أقل من التأكيد.
وأيضاً الاستدراك في قوله ﴿ ولكن انظر ﴾ معناه أن النظر إليّ محال فلا تطلبه ولكن عليك بنظر آخر إلى الجبل لتشاهد تدكك أجزائه وتفرق أبعاضه من عظمة التجلي، وإذا لم يطق الجماد ذلك فكيف الإنسان؟
قالت الأشاعرة ههنا: لم يبعد أن يخلق الله حينئذ في الجبل حياة وعقلاً وفهماً ورؤية.
وأيضاً قوله ﴿ وخر موسى صعقاً ﴾ أي مغشياً عليه غشية كالموت دليل استحالة الرؤية على الأنبياء فضلاً عن غيرهم.
روي أن الملائكة مرت عليه وهو مغشى عليه فجعلوا يلكزونه بأرجلهم يقولون: يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزّة.
وأيضاً قوله بعد الافاقة من الصعقة ﴿ سبحانك ﴾ أنزهك عما لا يليق بك من جواز الرؤية عليك ﴿ إني تبت إليك ﴾ من طلب الرؤية بغير إذن منك وإن كان لغرض صحيح هو تنبيه القوم على استحالة ذلك بنص من عندك ﴿ وأنا أوّل المؤمنين ﴾ بأنك لست بمرئي ولا مدرك بشيء من الحواس.
وقالت الأشاعرة: وأنا أوّل المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا أو بأنه لا يجوز السؤال منك إلا بإذنك.
ثم لما سأل الرؤية ومنعه الله إياها أخذ في تعداد سائر نعمه عليه وأمره أن يشتغل بشكرها ﴿ فقال يا موسى إني اصطفيتك ﴾ الآية.
والمقصود تسلية موسى عن منع الرؤية.
قيل: وفي هذا دليل على جواز الرؤية في نفسها وإلا لم يكن إلى هذا العذر حاجة.
وإنما قال ﴿ اصطفيتك على الناس ﴾ ولم يقل "على الخلق" لأن الملائكة قد تسمع كلام الله من غير واسطة كما سمعه موسى.
والغرض أنه خصه من دون الناس بمجموع أمرين الرسالة والكلام وسائر الرسل لهم الرسالة فقط.
وإنما كان الكلام بلا وسط سبباً للشرف بناء على العرف الظاهر وقد جاء في الخبر أن نبينا رأى ربه ليلة المعراج بعين الرأس.
وفي ذلك دليل على أفضليته على موسى شتان بين من اتخذه الملك لنفسه حبيباً وقرّبه إليه بلطفه تقريباً وبين من قرب له الحجاب وحال بينه وبين المقصود بواب ونواب.
والمزاد بالرسالات ههنا أسفار التوراة ﴿ فخذ ما أتيتك ﴾ من شرف الرسالة والكلام ﴿ وكن من الشاكرين ﴾ لله على ذلك بأن تشتغل بلوازمها علماً وعملاً.
ثم فصل تلك الرسالة فقال ﴿ وكتبنا له في الألواح ﴾ قيل: خر موسى صعقاً يوم عرفة وأعطاه الله التوراة يوم النحر.
وذكروا في عدد الألواح وفيو جوهرها وطولها أنها كانت عشرة ألواح، وقيل سبعة، وقيل لوحين، وأنها كانت من خشب نزلت من السماء.
وعن وهب أنها كانت من صخرة صماء لينها الله لموسى قطعها بيده وشققها بأصابعه.
وقيل: طولها كان عشرة أذرع.
والتحقيق أن أمثال هذه يحتاج إلى النقل الصحيح وإلا وجب السكوت عنه إذ ليس في الآية ما يدل على ذلك.
وأما كيفية تلك الكتابة فقال ابن جريج كتبها جبرائيل بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور وحكم هذا النقل أيضاً كما قلنا ﴿ من كل شيء ﴾ مفعول ﴿ كتبنا ﴾ و "من" للتبعيض نحو أخذت من الدراهم ﴿ موعظة وتفصيلاً ﴾ بدل منه فيدخل في الموعظة كل ما يوجب الرغبة في الطاعة والنفرة عن المعصية وذلك بذكر الوعد والوعيد.
وأراد بالتفصيل تبيين كل ما يحتاج إليه بنو إسرائيل من أقسام الأحكام، ويجوز أن يكون ﴿ موعظة وتفصيلاً ﴾ مفعولين لـ ﴿ كتبنا ﴾ والتقدير: وكتبنا له في الألواح موعظة من كل شيء وتفصيلاً لكل شيء.
قيل: أنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير يقرأ الجزء منها في سنة لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى ويوشع وعزير وعيسى.
وعن مقاتل: كتب في الألواح أني أنا الله الرحمن الرحيم لا تشركوا بي شيئاً ولا تقطعوا السبيل ولا تحلفوا باسمي كذباً فإن من حلف باسمي كذباً فلا أزكيه، ولا تزنوا ولا تقتلوا ولا تعقوا الوالدين.
﴿ فخذها ﴾ على إرادة القول أي وكتبنا فقلنا له خذها أو بدل من قوله ﴿ فخذ ما أتيتك ﴾ والضمير للألواح أو لكل شيء لأنه في معنى الأشياء، أو للرسالات أو للتوراة ﴿ بقوّة ﴾ بجد وعزيمة فعل أولى بالعزم من الرسل ﴿ وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ﴾ سئل ههنا أنه لما تعبد بكل ما في التوراة وجب كون الكل مأموراً به، فظاهر قوله ﴿ يأخذوا بأحسنها ﴾ يقتضي أن فيه ما ليس بأحسن وأنه لا يجوز الأخذ به.
وأجاب العلماء بوجوه منها، أن تلك التكاليف منها ما هو حسن ومنها ما هو أحسن كالاقتصاص والعفو والانتصار والصبر، فمرهم أن يأخذوا بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب فيكون كقوله ﴿ واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ﴾ وكقوله ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ قال قطرب: الأحسن بمعنى الحسن وكلها حسن.
وقيل: الحسن يشمل الواجب والمندوب والمباح والأحسن الواجب والمندوب.
وقال في الكشاف: يجوز أن يراد يأخذوا بما أمروا به دون ما نهوا عنه كقولهم الصيف أحر من الشتاء.
ثم ختم الآية بالوعيد والتهديد فقال ﴿ سأريكم دار الفاسقين ﴾ قال ابن عباس والحسن ومجاهد يعني جهنم أي ليكن ذكر جهنم حاضراً في أذهانكم لتحذروا أن تكونوا منهم.
وعن قتادة: يريد مواطن الجبابرة والفراعنة الخاوية بالشام ومصر ليعتبروا بذلك فلا يفسقوا مثل فسقهم فيصبيهم مثل ما أصابهم.
وقال الكلبي: هي منازل عاد وثمود وأقرانهم يمرون عليها في أسفارهم.
وقيل: المراد الوعد والبشارة بأن الله سيرزقهم أرض أعدائهم ويؤيده ما قرىء ﴿ سأورثكم ﴾ .
وقوله ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون ﴾ .
ثم ذكر ما به يعامل الفاسقين المتكبرين فقال ﴿ سأصرف عن آياتي ﴾ الآية.
فاحتجت الأشاعرة بها على أنه قد يمنع عن الإيمان ويصرف عنه.
وقال الجبائي: قوله ﴿ سأصرف ﴾ للاستقبال والمصروفون موصوفون بالتكبر والانحراف عن الطريق المستقيم في الزمان الماضي، فعلم أن المراد من هذا الصرف ليس هو الكفر.
وأيضاً الصرف مذكور على وجه العقوبة على التكبر والاعتساف ولا تكون العقوبة عين المعاقب عليه فوجب تأويل الآية.
وقال الكعبي وأبو مسلم الأصفهاني: إن هذا الكلام تمام لما وعد الله به موسى من النصرة والعصمة أي أصرفهم عن آياتي فلا يقدرون على منعك من تبليغها كما قال في حق نبينا ﴿ بلغ ما أنزل إليك ﴾ إلى قوله ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ وقيل: سأصرف هؤلاء المتكبرين عن نيل ما في آياتي من العز والكرامة المعدَّة للأنبياء والمؤمنين، فيكون ذلك الصرف المستلزم للإذلال والإهانة جارياً مجرى العقوبة على كفرهم وتكبرهم على الله .
وقيل: إن من الآيات آيات لا يمكن الانتفاع بها إلا بعد سبق الإيمان فإذا كفروا فقد صيروا أنفسهم بحيث لا يمكنهم الانتفاع بما بعد ذلك فحينئذ يصرفم الله عنها.
وبوجه آخر إن الله إذا علم من حال بعضهم أنه إذا شاهد تلك الآيات فإنه لا يستدل بها بل يستخف بها ولا يقوم بحقها، فإذا علم الله ذلك صح أن يصرفهم عنها، أو عن الحسن: إن من الكفار من يبالغ في كفره وينتهي إلى الحد الذي إذا وصل إليه مات قلبه وهي بالطبع والخذلان، فالمراد بالمصروفين هؤلاء.
وعن رسول : "إذا عظمت أمتي الدنيا نزع عنها هيبة الإسلام وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي" قوله ﴿ بغير الحق ﴾ أما أن يكون حالاً بمعنى يتكبرون غير محقين لأن التكبير بالحق لله وحده، إذ لا كمال فوق كماله فله إظهار العظمة والكبرياء على كل من سواه، وإما أن يكون صلة للفعل أي يتكبرون بما ليس بحق وهو دينهم الذي لا أصل له، ومنه يعلم أن للمحق أن يتكبر على المبطل كما قيل: التكبر على المتكبر صدقة.
والرشد طريق الهدى والحق والصواب كلاهما واحد قاله الكسائي، وفرق أبو عمرو فقال: الرشد بضم الراء الصلاح لقوله ﴿ فإن آنستم منهم رشد ﴾ وبفتحتين الاستقامة في الدين قوله ﴿ مما علمت رشداً ﴾ وسبيل الغي ضد ما ذكرنا.
ثم بين أن ذلك الصرف وتعكيس القضية إنما كان الأمرين: كونهم مكذبين بآيات الله، وكونهم غافلين عنها، ومحل ذلك الرفع على الابتداء أو النصب على معنى صرفهم الله ذلك الصرف بسبب أنهم كذا وكذا.
ثم بيّن أن أولئك المتكبرين مجزيون شر الجزاء وإن صدر عنهم صورة الإحسان والخير فقال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة ﴾ أي جحدوا المعاد حبطت أعمالهم.
ثم قال ﴿ هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ﴾ احتجت الأشاعرة بها على فساد قول أبي هاشم إن تارك الواجب يستحق العقاب بمجرد ترك الواجب وإن لم يصدر عنه فعل ذلك.
قالوا: لأنها دلت على أنه لا جزاء إلا على عمل وترك الواجب ليس بعمل.
أجاب أبو هاشم بأني لا أسمي ذلك العقاب جزاء.
ورد بأن الجزأ ما يجزىء، أي يكفي عن المنع عن النهي أو في الحث على المأمور، لكن العقاب على ترك الواجب كافٍ في الزجر عن ذلك فكان جزاء.
قيل: إن بني إسرائيل كان له عيد يتزينون فيه يستعيرون من القبط الحلي فاستعاروها مرة فأغرق الله القبط فبقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل، فلهذا أضيفت إليهم على أن مجرد ملابسة الاستعارة أيضاً تحقق الإضافة وتصححها.
والحليّ جمع حلي كثدي وثديّ.
ومن كسر الحاء فللإتباع.
فجمع السامري تلك الحليّ وكان رجلاً مطاعاً فيهم ذا قدر وكانوا قد سألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً بعبدونه فصاغ السامري لهم عجلاً.
واختلف المفسرون بعد ذلك فقال قوم: كان قد أخذ تراب حافر فرس جبرائيل فألقاه في جوف ذلك العجل فانقلب لحماً ودماً وظهر منه الخوار مرة واحدة فقال السامري هذا إلهكم وإله موسى.
قال أكثر المفسرين من المعتزلة: إنه كان قد جعل ذلك العجل مجوّفاً ووضع في جوفه أنابيب على وجه مخصوص، ثم وضع التمثال على مهب الرياح فظهر منه صوت شديد يشبه خوار العجل.
وقال آخرون: إنه صير ذلك التمثال أجوف وخبأ تحته من ينفخ فيه من حيث لا يشعر به الناس.
وإنما قال ﴿ واتخذ قوم موسى ﴾ من أن المتخذ هو السامريّ وحده لأن القوم رضوا بذلك واجتمعوا عليه فكأنهم شاركوه، أو لأن المراد باتخاذ العجل هو عبادته كقوله ﴿ ثم اتخذتم العجل من بعده ﴾ أي من بعد مضيه إلى الطور.
قال الحسن: كلهم عبدوا العجل غير هارون لعموم الآية ولقول موسى في الدعاء ﴿ رب اغفر لي ولأخي ﴾ ولو كان غيرهما أهلاً للدعاء لأشركهم في ذلك.
وقال آخرون: بل كان قد بقي في بني إسرائيل من ثبت على إيمانه لقوله ﴿ من قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ وهل انقلب ذلك التمثال لحماً ودماً أو بقي ذهباً كما كان مال بعضهم إلى الأوّل لأنه قال ﴿ عجلاً جسداً له خوار ﴾ والجسد اسم للجسم ذي اللحم والدّم والخوار إنما يكون للبقرة لا للصورة.
واستبعده بعضهم وناقش في أن الجسد مختص بذي الروح.
ثم قال: إن ذلك الصوت لما أشبه الخوار لما يبعد إطلاق لفظ الخوار عليه.
وقرأ علي كرم الله وجهه ﴿ جؤار ﴾ بالجيم والهمزة من جأر إذا صاح و ﴿ جسداً ﴾ بدلاً من ﴿ عجلاً ﴾ ثم إنه احتج على فساد كون ذلك العجل إلهاً بقوله ﴿ ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً ﴾ ومن حق الإله أن يكون متكلماً هادياً إلى سبيل الحق ومناهجه بما ركز في العقول من الأدلة وبما أنزل من الكتب.
قالت المعتزلة: ههنا سؤال فمن كان مضلاً عن الدين لا يصلح أن يكون إلهاً.
قالت الأشاعرة: لو صح أن الإله يلزم أن يكون متكلماً هادياً لزم أن يكون كل متكلم هادٍ إلهاً.
والحق أن الملازمة ممنوعة فإن الدعوى ليست إلا أن كل إله يجب أن يكون متكلماً هادياً والموجبة الكلية لا تنعكس كنفسها على أنه يمكن أن يقال لا متكلم ولا هادي في الحقيقة إلا الله .
ثم ختم الآية بقوله ﴿ اتخذوه وكانوا ظالمين ﴾ وهذا كما قال في البقرة ﴿ ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ﴾ ثم أخبر عن عقبى حالهم بقوله ﴿ ولما سقط في أيديهم ﴾ معناه ولما اشتد ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل.
واختلفوا في وجه هذه الاستعارة فقال الزجاج: أريد بالأيدي القلوب والأنفس كما يقال حصل في يده مكروه وإن كان من المحال حصول المكروه في اليد تشبيهاً لما يحصل في القلب وفي النفس بما يحصل في اليد ويرى بالعين.
وقال في الكشاف: إن من شأن من اشتد ندمه أن يعض يده فتصير يده مسقوطاً فيها لأن فاه وقع فيها، فأصل الكلام سقط فوه في يده فحذف الفاعل وبني الفعل للمفعول فيه كما يحذف الفعل ويبنى للمفعول فيه في قولهم "مُرَّ بزيد" وهذا من باب الكناية لأن عض اليد من لوازم الحسرة والندم.
وقيل: كل عمل يقدم المرء عليه فذلك لاعتقاد أن ذلك العمل خير وصواب وأنه يورثه رفعة ورتبة، فإذا بان أن ذلك العمل باطل فكأنه انحط وسقط من علو إلى أسفل ومنه قولهم للرجل إذا أخطأ "ذلك منه سقطة" ثم إن اليد آلة البطش والأخذ والنادم كأنه تدارك الحالة التي لأجلها حصل له الندم وكأنه قد سقط في يد نفسه من حيث أنه بعد حصول ذلك الندم يشتغل بالتدارك والتلافي.
وحكى الواحدي أنه من السقط وهو ما يغشى الأرض بالغدوات شبه الثلج فمن وقع في يده السقط لم يحصل منه على شيء قط لأنه يذوب بأدنى حرارة، فهذا مثل من خسر فيعاقبته ولم يحصل على طائل من سعة.
وقال بعضهم: الآله الأصلية في أكثر الأعمال اليد والعاجز في حكم الساقط فسقاط اليد هو العجز التام كما يقال في العرف ضل يده ورجله لمن لا يهتدي إلى صلاحه.
وقيل: إن "في" بمعنى "على" أي سقط على أيديهم فإن من عادة النادم أن يطأطىء رأسه ويضعه على يده تحت ذقنه.
ثم قال الله ﴿ ورأوا أنهم قد ضلوا ﴾ أي قد تبينوا ضلالهم كأنهم أبصروه بعيونهم.
قال القاضي: الكلام على التقديم والتأخير لأن الندم والتحسر بعد تعرف الحال وتبين الخطأ والترتيب الأصلي: ولما رأوا أنهم قد ضلوا سقط في أيديهم.
ويمكن أن يقال: الواو لا تفيد الترتيب، أو يقال: الإقدام على ما لا يعلم كونه صواباً أو خطأً فاسد موجب للندم وقد يتكامل العلم فيظهر أنه خطأ جزماً.
ثم إنهم اعترفوا بذنوبهم وانقطعوا إلى ربهم وذكروا مثل ما ذكر أبونا آدم وأمنا حواء ﴿ إن لم يرحمنا ربنا ﴾ الآية.
﴿ ولما رجع موسى إلى قومه ﴾ قال بعضهم إن موسى قد عرف خبر القوم بعد رجوعه إليهم.
وقال الأكثرون وهو قول أبي مسلم: إنه كان عارفاً بذلك قبل رجوعه بدليل قوله ﴿ غضبان أسفاً ﴾ فإنه يدل على أن هاتين الحالتين حاصلتان له عند رجوعه إليهم ولما جاء في سورة طه ﴿ قد فتنا قومك من بعدك ﴾ وفي دليل ظاهر على أنه أخبره بوقوع الواقعة في الميقات.
والأسف الشديد الغضب وهو قول أبي الدرداء والزجاج.
وعن ابن عباس والحسن إنه الحزين.
وقال الواحدي: هما متقاربان فإذا جاءك ممن هو دونك غضبت وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت، فكأن موسى غضبان على قومه أسفاً من فتنة ربه ﴿ بئسما خلفتموني ﴾ خاطب عبدة العجل أو وجوه القوم - هارون والمؤمنين - حيث لم يكفوا العبدة.
وفاعل ﴿ بئس ﴾ مضمر يفسره ﴿ ما خلفتموني ﴾ والمخصوص محذوف التقدير: بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم.
ومعنى ﴿ من بعدي ﴾ مع قوله ﴿ خلفتموني ﴾ من بعد ما رأيتم مني من توحيد الله ونفي الأنداد أو من بعد ما كنت أحمل القوم عليه من التوحيد والكف من اتخاذ إله غير الله حيث قالوا جعل لنا إلهاً ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة مستخلفيهم من بعدهم ولا يخالفوهم ونظير الآية قوله ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ أي من بعد أولئك الموصوفين بالصفات الحميدة ﴿ أعجلتم أمر ربكم ﴾ قال الواحدي: العجلة التقدم بالشيء قبل وقته ولذلك صارت مذمومة في الأغلب بخلاف السرعة فإنها عمل الشيء في أوّل وقته.
قال ابن عباس: يعني أعجلتم ميعاد ربكم فلم تصبروا له.
وقال الحسن: أعجلتم وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين وذلك أنهم قدّروا أنه لما لم يأت على رأس الثلاثين ليلة فقد مات.
وروي أن السامري قال لهم: إن موسى لن يرجع وإنه قد مات.
وروي أنهم عدوا عشرين يوماً بلياليها فجعلوها أربعين ثم أحدثوا ما أحدثوا.
وقال الكلبي، أعجلتم عبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم.
وقال عطاء: أعجلتم سخط ربكم.
وفي الكشاف: يقال عجل عن الأمر إذا تركه غير تام ونقيضه تم عليه وأعجله عنه غيره ويضمن معنى سبق فيعدى تعديته فيقال: عجلت الأمر ومعنى: أعجلتم عن أمر ربكم وهو انتظار موسى حافظين لعهده وما وصاكم به ﴿ وألقى الألواح ﴾ التي فيها التوراة لما لحقه من الدهش والضجر غضباً لله.
عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: "يرحم الله أخي موسى ما الخبر كالمعاينة" لقد أخبره الله بفتنة قومه فعرف أن ما أخبره به حق وأنه مع ذلك متمسك بما في يده.
وروي أن التوراة كانت سبعة أسباع فلما ألقى الألواح تكسرت فرفع منها ستة أسباعها وبقي سبع واحد، وكان فيما رفع تفصيل كل شيء وفيما بقي الهدى والرحمة.
قال في التفسير الكبير: إلقاء الألواح ثابت بالقرآن، فأما إلقاؤها بحيث تكسرت فلا وإنه جراءة عظيمة ومثله لا يليق بالأنبياء.
وأقول: الجراءة تحصل بنفس الإلقاء لا بالتكسر الذي لا يتعلق باختياره فكل ما يجعل عذراً عن نفس الإلقاء يصح أن يجعل عذراً عن التكسر ﴿ وأخذ برأس أخيه ﴾ أي بشعر رأسه يجره إليه بذؤابته.
واعلم أن موسى كان في نفسه حديداً شديد الغضب وكان هارون ألين منه جانباً ولذلك كان أحبّ إلى بني إسرائيل من موسى.
وقد استتبع غضبه أمرين: أحدهما إلقاء الألواح والآخر أخذ رأس أخيه جار إليه، فزعم مثبتو عصمة الأنبياء أنه جر برأس أخيه إلى نفسه ليسارّه ويستكشف منه كيفية الواقعة لا لأجل الإهانة والاستخفاف، ثم إن هارون خاف أن يتوهم جهال بني إسرائيل أن موسى فعل ما فعل به إهانة ﴿ فقال يا ابن أم ﴾ من كسرها فعلى طرح ياء المتكلم، ومن فتحها فتشبيهاً بخمسة عشر لكثرة الاستعمال أو على الألف المبدلة من ياء الإضافة.
وإنما أضافه إلى الأم إشارة إلى أن أمهما واحدة على ما روي أنه كان أخاه لأمه ليكون أدعى إلى العطف والرقة لأنها كانت مؤمنة فافتخر.
بنسبها ولأنها هي التي تحملت فيه الشدائد فذكره حقها ﴿ إن القوم استضعفوني ﴾ استذلوني وقهروني ولم يبالوا بي لقلة أنصاري ﴿ وكادوا يقتلونني ﴾ حين منعتهم عبادة العجل ونهيتهم عنها ﴿ فلا تشمت بي الأعداء ﴾ العابدي العجل فإنهم يحملون هذا الذي تفعل بي على الإهانة لا على الإكرام ﴿ ولا تجعلني مع القوم الظالمين ﴾ في اشتراك العقوبة والإذلال، ولا تعتقد أني واحدمنهم.
ولا يخفى ما في بعض هذا التفسير من التعسف والتكلف، والحق أن هذا القدر من الحدة الناشئة من عصبية الدين لا يقدح في العصمة وغايته أن يكون من قبيل ترك الأولى فلذلك ﴿ قال ﴾ موسى ﴿ رب اغفر لي ﴾ ما أقدمت عليه من الحدة قبل جلية الحال ﴿ ولأخي ﴾ أن عساه فرّط في شأن الخلافة ثم أخبر عن مجازاة القوم فقال ﴿ إن الذين اتخذوا العجل ﴾ إلهاً ﴿ سينالهم غضب من ربهم وذلة ﴾ كلاهما في الحياة الدنيا.
فالغضب ما أمروا به من قتل أنفسهم والذلة خروجهم من ديارهم وذل الغربة لا يخفى.
واعترض بأن قوله ﴿ سينالهم ﴾ للاستقبال وفي وقت نزول الآية كان القتل واقعاً.
وأجيب بأن هذا الكلام حكاية عما أخبر الله موسى به في الميقات من افتتان قومه وكان سابقاً على وقوعهم في الغضب والذلة.
قلت: ويجوز أن يكون الآيتان من تتمة قول موسى إلا أن قوله ﴿ وكذلك نجزي المفترين ﴾ ينبو عن ذلك إلا أن يحمل على الاعتراض.
ولما في هذا التفسير من التكلف ذهب به بعض المفسرين إلى أن المضاف في الآية محذوف والتقدير: إن الذين اتخذ آباؤهم العجل يعني الذين كانوا في زمن النبي سينالهم غضب من ربهم في الآخرة وذلة في الحياة الدنيا بضرب الجزية، أو غضب وذلة كلاهما في الدنيا بالقتل والجلاء كما نال بني قريظة والنضير، أو التقدير: إن الذين اتخذا العجل سينال أولادهم ﴿ وكذلك نجزي المفترين ﴾ أي كل مفتر في دين الله فجزاؤه الغضب والذلة.
قال مالك بن أنس: ما من مبتدع إلا وتجد فوق رأسه ذلة ثم قرأ هذه الآية ﴿ والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا ﴾ ظاهر الآية يدل على أن التوبة شرط العفو وأنه لا بد مع التوبة من تجديد الإيمان فما أصعب شأن المذنبين، ولكن عموم لفظ السيئات يدل على أن من أتى بجميع المعاصي ثم تاب فإنه الله يغفرها له فما أحسن حال التائبين ﴿ لغفور ﴾ ستور عليهم محَّاء لما صدر منهم ﴿ رحيم ﴾ منعم عليهم بالجنة.
وفيه أن الذنوب وإن جلت وعظمت فإن عفوه وكرمه أعظم وأجل.
ولما بين ما كان من موسى مع الغضب بين ما كان منه بعد الغضب فقال ﴿ ولما سكت عن موسى الغضب ﴾ قال علماء البيان: إنه خرج على قانون الاستعارة فكأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول ألق الألواح وغير ذلك، فترك النطق بذلك وقطع الإغراء.
وعن عكرمة أن المعنى سكت موسى عن الغضب فقلب كما يقال: أدخلت الخف في رجل وإنما أدخل الرجل في الخف.
وقيل: السكوت بمعنى السكون وقد قرىء به.
﴿ أخذ الألواح ﴾ التي ألقاها منبهاً على زوال غضبه لأنه أوكد ما تقدم من إمارات الغضب ﴿ وفي نسختها ﴾ فعلة بمعنى مفعول كالخطبة من النسخ والكتب أي في مكتوبها من اللوح المحفوظ سواء قلنا إن الألواح لم تتكسر وأخذها موسى بأعيانها بعد ما ألقاها أو قلنا إنها تكسرت وأخذ ما بقي منها، وقيل: النسخ بمعنى الإزالة لما روي عن ابن عباس أنه لما ألقى الألواح تكسرت فصام أربعين يوماً فأعاد الله الألواح وفيها غير ما في الأولى ﴿ هدى ﴾ من الضلال ﴿ ورحمة ﴾ من العذاب ﴿ للذين هم لربهم يرهبون ﴾ أدخل اللام في المفعول لتقدمه فإن تأخير الفعل يكسبه ضعفاً ونظيره ﴿ للرؤيا تعبرون ﴾ وقولك: لزيد ضربت ويجوز أن يكون المراد للذين هم لأجل ربهم يرهبون لا رياء وسمعة، وجوّز بعضهم أن تكون اللام صلة نحو ردف لكم.
التأويل: ﴿ ثلاثين ليلة ﴾ لئلا تستكثر النفس الأربعين من ضعف البشرية ﴿ وأتممناها بعشر ﴾ الخصوصية الأربعين في ظهور ينابيع الحكمة من القلب على اللسان ﴿ وقال موسى ﴾ الروح ﴿ لأخيه هارون ﴾ القلب عند توجهه لمقام المكالمة والتجلي كن خليفتي في قومي من الأوصاف البشرية و ﴿ وأصلح ﴾ ذات بينهم على وفق الشريعة وقانون الطريقة ﴿ ولا تتبع سبيل المفسدين ﴾ من الهوى والطبيعة.
وهذه الخلافة هي السر الأعظم في بعثة الروح من ذروة عالم الأرواح إلى حضيض عالم الأشباح ﴿ ولما جاء موسى ﴾ ولما حصل الروح على بساط القرب وتتابع عليه كاسات الشرب أثر فيه سماع الكلمات فطال لسان انبساطه عند التمكن على بساطه فـ ﴿ قال رب أرني أنظر إليك ﴾ فقيل: هيهات أنت بعد في بعد الأثنينية وحجب جبل الأنانية فلن تراني لأنه لا يراني إلا من كنت له بصراً فبي يبصر ﴿ ولكن انظر ﴾ إلى جبل الأنانية ﴿ فإن استقر مكانه ﴾ عند التجلي ﴿ فسوف تراني ﴾ ببصر أنانيتك ﴿ وخر موسى صعقاً ﴾ بالأنانية فكان ما كان بعد أن بان ما بان وأشرقت الأرض بنور ربها.
قد كان ما كان سراً أبوح به *** فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر فلو لم يكن جبل أنانية النفس بين موسى الروح وتجلي الرب لطاش في الحال وما عاش، ولولا أن القلب يحيا عند الفناء بالتجلي لما أمكنه الإفاقة والروح إلى الوجود، ولو لم يكن تعلق الروح بالجسد لما استسعد بالتجلي ولا بالتحلي فافهم.
﴿ فما أفاق ﴾ من غشية الأنانية بسطوة تجلي الربوبية ﴿ قال ﴾ موسى بلا هويته ﴿ سبحانك ﴾ تنزيهاً لك من خلقك واتصال الخلق بك ﴿ وانا أوّل المؤمنين ﴾ بأنك لا ترى بالأنانية وإنما ترى بنور هويتك.
﴿ برسالاتي وبكلامي ﴾ دون رؤيتي ﴿ وكن من الشاكرين ﴾ فإن الشكر يبلغك إلى ما سألت من الرؤية لأن الشكر يورث الزيادة والزيادة هي الرؤية ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ ﴿ فخذها بقوّة ﴾ أي بقوة الصدق والإخلاص أو بقوة وإعانة منا ﴿ سأريكم دار الفاسقين ﴾ الخارجين عن طلب الله إلى طلب الآخرة أو الدنيا ﴿ سأصرف عن آياتي ﴾ فبحجاب التكبر يحجب المتكبر عن رؤية الآيات ﴿ واتخذ قوم موسى ﴾ أي سامري الهوى من بعد توجه موسى الروح لميقات مكالمة الحق.
اتخذ حلى زينة الدنيا ورعونات البشرية التي استعارها بنو إسرائيل صفات القلب من قبط صفات النفس ﴿ عجلاً ﴾ هو الدنيا ﴿ له خوار ﴾ يدعو الخلق به إلى نفسه ﴿ ولما سقط في أيديهم ﴾ عند رجوع موسى الروح إلى قومه وهم الأوصاف الإنسانية ندمت من فعلها وعادت إلى ما كانت فيه من عبودية الحق والإخلاص له قائلة ﴿ إن لم يرحمنا ﴾ بجذبات العناية ﴿ ربنا ﴾ الآية ﴿ غضبان ﴾ مما عبدت صفات القلب عجل الدنيا ﴿ أسفاً ﴾ على ما فاتها من عبودية الحق ﴿ أعجلتم أمر ربكم ﴾ بالرجوع إلى الدنيا وزينتها والتعلق بها قبل أوانه من غير أن يأمركم به ربكم.
وفيه إشارة إلى أن أصحاب السلوك لا ينبغي أن يلتفتوا إلى شيء من الدنيا في أثناء الطلب اللهم إلا إذا قطعوا مفاوز النفس والهوى ووصلوا إلى كعبة وصال المولى فيأمرهم المولى أن يرجعوا إلى الدنيا لدعوة الخلق ﴿ وألقى الألواح ﴾ يعني ما لاح للروح من اللوائح الربانية عند استيلاء الغضب الطبيعي.
﴿ وأخذ برأس أخيه ﴾ القلب فإنه أخو الروح ﴿ يجره إليه ﴾ قسراً عند استيلاء طبيعة الروحانية ﴿ قال ابن أم ﴾ هما من أب وأم واحد أبوهما الأمر وأمهما الخلق، وإنما نسبه إلى الخلق لأن في عالم الخلق تواضعاً وتذللاً بالنسبة إلى عالم الأمر.
﴿ إن القوم استضعفوني ﴾ يعني أن أوصاف البشرية استذلوني بالغلبات عند غيبتك ﴿ وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ﴾ وهم الشيطان والنفس والهوى ﴿ ولا تجعلني مع القوم الظلمين ﴾ فيه أن صفات القلب تتغير وتتلون بلون صفات النفس ورعونتها، ولكن القلب من حيث هو هو لا يتغير عما جبل عليه من محبة الله وطلبه وإنما يمرض بتغير صفاته كما أن النفس لا تتغير من حيث هي عما جبلت عليه من حب الدنيا وطلبها، وإنما تتغير صفاتها من الأمارية إلى اللوّامية والملهمية والمطمئنية والرجوع إلى الحق، ولو وكلت إلى نفسها طرفة عين لعادت إلى طبعها ﴿ رب اغفر لي ولأخي ﴾ إشارة إلى أن اللوح والقلب استعداد قبول الجذبة الإلهية التي يدخلها بالسير في عالم الصفات ﴿ وكذلك نجزى المفترين ﴾ الذين يدّعون أن الله أعطاهم قوّة لا يضرهم عبادة الهوى والدنيا وشهواتها.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً ﴾ .
قوله: ﴿ وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ ﴾ كيفية وصف اتخاذ العجل ما ذكر في سورة طه بقوله: ﴿ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ...
﴾ الآية، وصف الله - - قوم موسى بعضهم بالهداية، والعدالة، واتباع الحق، بقوله: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ ، وبعضهم وصفهم بالسفاهة، وقلة الفهم والضعف في الدين بقولهم: ﴿ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ﴾ ، وقال: ههنا: اتخذوا العجل إلهاً عبدوه، يذكر هذا - والله أعلم - لما لم يعرفوا نعم الله ولم يتفكروا في آياته وحججه، يذكر هذا لنا لننظر في آياته وحججه والتفكر في نعمه، فنؤدي شكرها، ونتدبر في آياته وحججه لنتبعها ولا نضيعها على ما ضيع قوم موسى.
وقوله: ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ أي: من بعد مفارقة موسى قومه.
وقوله: ﴿ مِنْ حُلِيِّهِمْ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ ﴾ وكانت تلك الحلي عارية عندهم من قوم فرعون، بقوله: ﴿ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ ﴾ أضاف إلى فرعون، وأضاف هاهنا إلى قوم موسى، بقوله: ﴿ مِنْ حُلِيِّهِمْ ﴾ دل أن العارية يجوز أن تنسب إلى المستعير.
وفيه دلالة أن من حلف: لا يدخل دار فلان، فدخل داراً له عارية عنده يحنث.
وقوله: ﴿ عِجْلاً جَسَداً ﴾ .
قال بعضهم: صورته كانت صورة عجل، ولم يكن عجلاً في جوهره.
وقيل: الجسد هو الذي لا تدبير له، ولا تمييز، ولا بيان؛ لكنه ذكر فيه هنا ما لا يحتاج إلى هذا، وهو قوله: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ﴾ لكنه كأنه قال: عجلاً له جسد يذكر سفههم أنهم عبدوا من لا تدبير له ولا كلام ولا سبب للذي يغتر به أو دعاء، واختاروا، الهيئة من وصفه ما ذكر.
وقوله: ﴿ لَّهُ خُوَارٌ ﴾ قيل: إن السامري قد أخذ قبضة من أثر الرسول، فألقى تلك القبضة في الحلي الذي ألقوه في النار؛ فصار شبه عجل له خوار.
وقال بعضهم: صاغ من حليهم عجلاً؛ فنفخ فيه من تلك القبضة فخار خواراً.
وقال بعضهم: إن السامري كان هيأ ذلك العجل الذي اتخذه بحال حتى إذا مسه وحركه: خار.
وقال بعضهم: كان وضع في مهب الريح فيدخل الريح في دبره، ويخرج من فيه، فعند ذلك يخور.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ﴾ .
[ذكر أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا]، وفي سورة طه: ﴿ وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً ﴾ ليس فيه أنه إن كان يكلمهم أو يملك لهم ضرّاً ونفعاً يجوز أن يعبد؛ ليعلم أن ذكر حظر الحكم في حالٍ لا يوجب إباحة ذلك في حالٍ أخرى.
وفيه: أن امتناع العلة عن اطرادها يوجب نقضها، وإن كان اطرادها في الابتداء في معلولاتها لم يدل على صحتها.
وفي قوله: ﴿ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ﴾ ﴿ وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً ﴾ ذكر سفههم لعبادتهم شيئاً لا يملك لهم ضرّاً ولا نفعاً.
وقوله: ﴿ ٱتَّخَذُوهُ ﴾ \[أي: اتخذوه\] إلهاً عبدوه، ﴿ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ ﴾ في عبادتهم العجل؛ لأنهم وضعوا العبادة في غير موضعها، والألوهية في غير موضعها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا سُقِطَ فِيۤ أَيْدِيهِمْ ﴾ هذا حرف تستعمله العرب عند وقوع الندامة وحلولها، وتأويله: لما رأوا أنهم قد ضلوا سقط في أيديهم، أي: ندموا على ما كان منهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا ﴾ أي: لئن لم يرحمنا ربنا، ويوفقنا للهداية والعبادة له، ويغفر لنا لما كان منا من العبادة للعجل، والتفريط في العصيان ﴿ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ .
ويحتمل قوله: ﴿ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا ﴾ ابتداء طلب الرحمة والمغفرة؛ كقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ...
﴾ الآية [هود: 90].
ويحتمل التجاوز لما كان منهم والعفو.
وفي قوله: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ ﴾ بعد قوله: ﴿ لَّهُ خُوَارٌ ﴾ دلالة أن الكلام هو ما يفهم منه المراد ليست الحروف نفسها؛ لأنه أخبر أن له خواراً، ثم أخبر أنه كان لا يكلمهم، دل أن الصوت وإن كان ذا هجاء وحروف ليس بكلام، وذلك يدل لأصحابنا في مسألة: إذا حلف ألا يكلم فلاناً، ثم خاطبه بشيء لا يفهم مراده أن ذلك ليس بكلام، ولا يحنث.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً ﴾ والأسف: هو النهاية في الحزن والغضب؛ كقوله: ﴿ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ ﴾ هو النهاية في الحزن والأسف في موضع الغضب، وكقوله: ﴿ فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ أي: أغضبونا، لكن الغضب يكون على من دونه، والأسف والحزن على من فوقه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ غَضْبَٰنَ ﴾ أي: لله على قومه لعبادتهم العجل، وتركهم عبادة الله حزناً على قومه لما يلحقهم بعبادتهم العجل من العقوبة، وهكذا الواجب على من رأى المنكر أنه يغضب لله على مرتكب ذلك المنكر لمعاينته المنكر، ويأسف عليه لما يلحقه من العقوبة والهلاك؛ رحمة منه له ورأفة، ويلزم الشكر لربه؛ لما عصمه عن مثله، وكذلك وصف رسوله - - بالأسف والحزن لتكذيبهم إياه حتى كادت نفسه تهلك حزناً عليهم؛ حيث قال: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ ذكر هذه القصة لنا؛ لنعرف: أن كيف نعامل أهل المناكير وقت ارتكابهم المنكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيۤ ﴾ .
يخرج هذا على وجهين: أحدهما: بئسما خلفتموني: بئس ما اخترتم من عبادتكم العجل على عبادة الله.
والثاني: بئسما خلفتموني باتباعكم السامري إلى ما دعاكم إليه بعد اتباعكم إياي وأخي رسول الله وما أمركم به ودعاكم إلى عبادة الله.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: أعجلتم ميعاد ربكم؛ كقوله: ﴿ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً ﴾ ، أي: أعجلتم الوعد الحسن الذي وعد لكم ربكم، وهو قوله: ﴿ وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً ﴾ .
وقال آخرون: [قوله]: ﴿ أَمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ أي: عذاب ربكم وغضبه بعبادتكم العجل واتخاذكم له إلهاً، وقد سمى الله العذاب في غير موضع من القرآن: أمراً؛ كقوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ ، ونحوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ ﴾ .
قال أكثر أهل التأويل: ألقى الألواح، أي: طرحها على الأرض غضباً منه، فوقع منها كذا وكذا، وبقي كذا، لكن لا يجوز أن يفهم من قوله: ﴿ وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ ﴾ طرحها لا غير؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ ﴾ ليس يفهم منه الطرح والإلقاء، ولكن إنما فهم منه الوضع، فعلى ذلك قوله: ﴿ وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ ﴾ أي: وضع؛ لأنه أخذ رأسه ولحيته، أعني: رأس أخيه هارون، ولا سبيل له إلى أن يأخذ رأسه ولحيته والألواح في يديه، فوضعها على الأرض، وثم أخذ رأسه ولحيته يجرُّه إليه، على ما ذكر في سورة طه؛ حيث قال: ﴿ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي ﴾ ، دل هذا أنه كان أخذ رأسه ولحيته جميعاً لشدة غضبه لله على صنيع قومه.
وفي الآية دلالة العمل بالاجتهاد؛ لأنه قال: ﴿ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي ﴾ ، ولا يحتمل أن يكون موسى يأخذ رأسه بالوحي لأمر من الله، ثم يقول له هارون: لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي، ولا تفعل كذا.
وفيه أيضاً: أن هارون لما قال له: ﴿ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ ﴾ إنما قال ذلك بالاجتهاد؛ حيث قال: ﴿ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ ﴾ ؛ لأنه لو كان يقول له بالوحي أو بالأمر، لم يكن ليعتذر إليه بقوله فلا تشمت بي الأعداء.
وقوله: ﴿ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ﴾ .
فيه دلالة أنه إنما أخذ شعر رأسه؛ لأنه لو كان أخذ رأسه، لكان لا يحتاج إلى أن يجره إليه؛ دل أنه كان أخذ بشعر رأسه.
وكذلك قوله: ﴿ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي ﴾ فيه دلالة لأصحابنا أن من مسح رأسه ثم أزال شعره، لم يسقط عنه حكم المسح، وإذا مسح على لحيته ثم سقطت زال عنه حكمه، ولزم غسل ذقنه؛ لما سمى الشعر رأساً، وسمى اللحية لحية، وسقوطها يسقط حكم المسح، وسقوط شعر الرأس لا.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي ﴾ .
خرج هذا صلة قول موسى لهارون لما قال له: ﴿ يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ﴾ ، فقال عند ذلك: ﴿ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلأَخِي ﴾ .
قال بعضهم: إنما خصَّ أخاه بسؤال المغفرة؛ لأنهم جميعاً قد عبدوا العجل سوى أخيه هارون؛ لذلك خصّه بسؤال المغفرة.
وقال بعضهم: إنما قال ذلك جواباً عما قال هارون: ﴿ فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ...
﴾ الآية.
ويحتمل أن يكون تخصيص السؤال له بالمغفرة لما سأل ربه أن يجعل هارون له وزيراً بقوله: ﴿ وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي ﴾ ، لما سأل ربه أن يشركه في أمره، ويشد به أزره، فعلى ذلك خصَّه بسؤال المغفرة.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ ﴾ .
لأن كل من يرحم دونه إنما يرحم برحمته.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ ﴾ .
أي: عبدوا العجل.
﴿ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .
قال بعضهم: غضب من ربهم: عذاب في الآخرة لمن مات منهم على ذلك، ﴿ وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ القتل والهلاك في الدنيا.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ ﴾ : القتل، والهلاك، ﴿ وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ الجزية والسبي والقهر.
ويحتمل قوله : ﴿ وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ ذكر الذم بصنيعهم وثناء الشر، على ما كان بصنيع الخيرِ المحمدةُ في الدنيا وثناءُ الخير.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: احدهما: أي: قد نالهم غضب من ربهم؛ لما ذكر.
والثاني: أن يكون هذا مذكوراً في كتبهم أن من اتخذ العجل معبوداً سينالهم غضب من ربهم، فإن كان هذا خبراً عما في كتبهم، فسينالهم على الوعد الصحيح، وإلا على الخبر، أي: قد نالهم.
﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُفْتَرِينَ ﴾ .
أي: كذلك نجزي كل مفتر على الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوۤاْ ﴾ .
قال أهل التأويل: قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ يعني: الذين عبدوا العجل.
﴿ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوۤاْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ وهو: في كل من عمل السيئات - أي سيئة كانت - إذا تاب عنها، وندم عليها، وطلب من الله المغفرة، غفر له.
<div class="verse-tafsir"
ولما ندموا وتحَيَّروا وعلموا أنهم قد ضلوا عن الصراط المستقيم باتخاذهم العجل معبودًا مع الله تضرعوا إلى الله فقالوا: لئن لم يرحمنا ربنا بالتوفيق لطاعته، ويغفر لنا ما أقدمنا عليه من عبادة العجل، لنكونن من الذين خسروا دنياهم وآخرتهم.
من فوائد الآيات على العبد أن يكون من المُظْهِرين لإحسان الله وفضله عليه، فإن الشكر مقرون بالمزيد.
على العبد الأخذ بالأحسن في الأقوال والأفعال.
يجب تلقي الشريعة بحزم وجد وعزم على الطاعة وتنفيذ ما ورد فيها من الصلاح والإصلاح ومنع الفساد والإفساد.
على العبد إذا أخطأ أو قصَّر في حق ربه أن يعترف بعظيم الجُرْم الذي أقدم عليه، وأنه لا ملجأ من الله في إقالة عثرته إلا إليه.
<div class="verse-tafsir" id="91.KjdRm"