الآية ١٦٧ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٦٧ من سورة الأعراف

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ ۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ ۖ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ١٦٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 78 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦٧ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٦٧ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( تأذن ) تفعل من الإذن أي : أعلم ، قاله مجاهد .

وقال غيره : أمر .

وفي قوة الكلام ما يفيد معنى القسم من هذه اللفظة ، ولهذا تلقيت باللام في قوله : ( ليبعثن عليهم ) أي : على اليهود ( إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب ) أي : بسبب عصيانهم ومخالفتهم أوامر الله وشرعه واحتيالهم على المحارم .

ويقال : إن موسى ، عليه السلام ، ضرب عليهم الخراج سبع سنين - وقيل : ثلاث عشرة سنة ، وكان أول من ضرب الخراج .

ثم كانوا في قهر الملوك من اليونانيين والكشدانيين والكلدانيين ، ثم صاروا في قهر النصارى وإذلالهم وإياهم ، أخذهم منهم الجزية والخراج ، ثم جاء الإسلام ، ومحمد ، عليه أفضل الصلاة والسلام ، فكانوا تحت صفاره وذمته يؤدون الخراج والجزى قال العوفي ، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال : هي المسكنة ، وأخذ الجزية منهم .

وقال علي بن أبي طلحة ، عنه : هي الجزية ، والذين يسومهم سوء العذاب : محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته ، إلى يوم القيامة .

وكذا قال سعيد بن جبير ، وابن جريج ، والسدي ، وقتادة .

وقال عبد الرزاق : عن معمر ، عن عبد الكريم الجزري ، عن سعيد بن المسيب قال : يستحب أن تبعث الأنباط في الجزية .

قلت : ثم آخر أمرهم أنهم يخرجون أنصار الدجال ، فيقتلهم المسلمون مع عيسى ابن مريم ، عليه السلام ، وذلك آخر الزمان .

وقوله : ( إن ربك لسريع العقاب ) أي : لمن عصاه وخالف [ أمره و ] شرعه ، ( وإنه لغفور رحيم ) أي : لمن تاب إليه وأناب .

وهذا من باب قرن الرحمة مع العقوبة ، لئلا يحصل اليأس ، فيقرن [ الله ] تعالى بين الترغيب والترهيب كثيرا ; لتبقى النفوس بين الرجاء والخوف .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " وإذ تأذن "، واذكر، يا محمد، إذ آذن ربك، وأعلم.

(52) * * * =وهو " تفعل " من " الإيذان ", كما قال الأعشى، ميمون بن قيس: أَذِنَ اليَـــوْمَ جِــيرَتِي بِخُــفُوفِ صَرَمُــوا حَــبْلَ آلِــفٍ مَـأْلُوفِ (53) يعني بقوله: " أذِن "، أعلم.

وقد بينا ذلك بشواهده في غير هذا الموضع.

(54) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 15297- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: " وإذ تأذن ربك "، قال: أمرَ ربك.

15298- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد, عن مجاهد: " وإذ تأذن ربك "، قال: أمر ربك.

* * * وقوله: " ليبعثن عليهم "، يعني: أعلم ربك ليبعثن على اليهود من يسومهم سوء العذاب.

(55) قيل: إن ذلك، العربُ، بعثهم الله على اليهود، يقاتلون من لم يسلم منهم ولم يعط الجزية, ومن أعطى منهم الجزية كان ذلك له صغارًا وذلة.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 15299- حدثني المثني بن إبراهيم وعلي بن داود قالا حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب "، قال: هي الجزية, والذين يسومونهم: محمد صلى الله عليه وسلم وأمّته، إلى يوم القيامة.

15300- حدثني محمد بن سعد قال, حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب " ، فهي المسكنة, وأخذ الجزية منهم.

15301- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال ابن عباس: " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب "، قال: يهود, وما ضُرب عليهم من الذلة والمسكنة.

15302- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب "، قال: فبعث الله عليهم هذا الحيَّ من العرب, فهم في عذاب منهم إلى يوم القيامة.

15303- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: " ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم "، قال: بعث عليهم هذا الحي من العرب, فهم في عذاب منهم إلى يوم القيامة.

= وقال عبد الكريم الجزريّ: يُستحبُّ أن تُبعث الأنباط في الجزية.

(56) 15304- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق بن إسماعيل, عن يعقوب, عن جعفر, عن سعيد: " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم "، قال: العرب= " سوء العذاب "، قال: الخراج.

وأوّلُ من وضع الخراج موسى عليه السلام, فجبى الخراجَ سبعَ سنين.

15305- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب, عن جعفر, عن سعيد: " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم "، قال: العرب= " سوء العذاب "؟

قال: الخراج.

قال: وأول من وضع الخراج موسى, فجبى الخراج سبعَ سنين.

15306- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب, عن جعفر, عن سعيد: " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب "، قال: هم أهل الكتاب, بعث الله عليهم العرب يجبُونهم الخراجَ إلى يوم القيامة, فهو سوء العذاب.

ولم يجب نبيٌّ الخراجَ قطُّ إلا مُوسى صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنةً، ثم أمسك, وإلا النبي صلى الله عليه وسلم.

15307- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب "، قال: يبعث عليهم هذا الحي من العرب, فهم في عذاب منهم إلى يوم القيامة.

15308- .....

قال أخبرنا معمر قال، أخبرني عبد الكريم, عن ابن المسيب قال: يستحبُّ أن تبعث الأنباط في الجزية.

(57) 15309- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط عن السدي: " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب "، يقول: إن ربك يبعث على بني إسرائيل العرب, فيسومونهم سوء العذاب، يأخذون منهم الجزية ويقتلونهم.

15310- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة "، ليبعثن على يَهُود.

* * * القول في تأويل قوله : إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن ربك يا محمد، لسريعٌ عقابه إلى من استوجَب منه العقوبة على كفره به ومعصيته= " وإنه لغفور رحيم "، يقول: وإنه لذو صفح عن ذنوب من تاب من ذنوبه، فأناب وراجع طاعته, يستر عليها بعفوه عنها= " رحيم "، له، أن يعاقبه على جرمه بعد توبته منها, لأنه يقبل التوبة ويُقِيل العَثْرة.

(58) ----------------- الهوامش : (52) (1) كان في المطبوعة : (( إذ أذن ربك فأعلم )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

(53) (2) ديوانه : 211 ، مطلع قصيدة له طويلة .

وفي الديوان المطبوع (( بحفوفي )) ، وهو خطأ صرف ، صوابه في مصورة ديوانه .

و (( الخفوف )) مصدر قولهم : ((خف القوم عن منزلهم خفوفاً )) ، ارتحلوا ، أو أسرعوا في الارتحال ، وفي خطبته صلى الله عليه وسلم في مرضه : (( أيها الناس ، إنه قد دنا منى خفوف من بين أظهركم )) ، أي قرب ارتحال ، منذراً صلى الله عليه وسلم بموته .

(54) (3) انظر تفسير (( الإذن )) فيما سلف 11 : 215 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(55) (1) انظر تفسير (( البعث )) فيما سلف من فهارس اللغة ( بعث ) ، وأخشى أن يكون الصواب : (( يعنى : أعلم ربك ليرسلن على اليهود )) .

(56) (1) القائل : (( قال عبد الكريم الجزرى ...

)) ، إلى آخر الكلام ، هو (( معمر )) ، وسيأتي بيان ذلك و مصداقه في ا"لأثر رقم : 15308 ، رواية معمر ، عن عبد الكريم ، عن ابن المسيب .

(57) (1) الأثر : 15308 - انظر ختام الأثر السالف رقم : 15303 .

(58) (2) انظر تفسير (( سريع العقاب )) ، و(( غفور )) ،و (( رحيم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سرع ) و ( غفر ) و ( رحم ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم أي أعلم أسلافهم أنهم إن غيروا ولم يؤمنوا بالنبي الأمي بعث الله عليهم من يعذبهم .

وقال أبو علي : " آذن " بالمد ، أعلم .

و " أذن " بالتشديد ، نادى .

وقال قوم : آذن وأذن بمعنى أعلم ; كما يقال : أيقن وتيقن .

قال زهير :فقلت تعلم إن للصيد غرة فإلا تضيعها فإنك قاتلهوقال آخر :تعلم إن شر الناس حي ينادى في شعارهم يسارأي اعلم .ومعنى يسومهم يذيقهم ; وقد تقدم في " البقرة " قيل : المراد بختنصر .

وقيل : العرب .

وقيل : أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهو أظهر ; فإنهم الباقون إلى يوم القيامة .

والله أعلم .

قال ابن عباس : سوء العذاب هنا أخذ الجزية .

فإن قيل : فقد مسخوا ، فكيف تؤخذ منهم الجزية ؟

فالجواب أنها تؤخذ من أبنائهم وأولادهم ، وهم أذل قوم ، وهم اليهود .

وعن سعيد بن جبير سوء العذاب قال : الخراج ، ولم يجب نبي قط الخراج ، إلا موسى عليه السلام هو أول من وضع الخراج ، فجباه ثلاث عشرة سنة ، ثم أمسك ، ونبينا عليه السلام .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ أي: أعلم إعلاما صريحا: لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ أي: يهينهم، ويذلهم.

إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ لمن عصاه، حتى إنه يعجل له العقوبة في الدنيا.

وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لمن تاب إليه وأناب، يغفر له الذنوب، ويستر عليه العيوب، ويرحمه بأن يتقبل منه الطاعات، ويثيبه عليها بأنواع المثوبات، وقد فعل اللّه بهم ما أوعدهم به، فلا يزالون في ذل وإهانة، تحت حكم غيرهم، لا تقوم لهم راية، ولا ينصر لهم عَلَمٌ.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإذ تأذن ربك ) أي : آذن وأعلم ربك ، يقال : تأذن وآذن ، مثل : توعد وأوعد .

وقال ابن عباس : تأذن ربك قال ربك .

وقال مجاهد : أمر ربك .

وقال عطاء : حكم ربك .

( ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة ) أي : على اليهود ، ( من يسومهم سوء العذاب ) بعث الله عليهم محمدا - صلى الله عليه وسلم - وأمته يقاتلونهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية ، ( إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذ تأذَّن» أعلم «ربُّك ليبعثنَّ عليهم» أي اليهود «إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب» بالذل وأخذ الجزية، فبعث عليهم سليمان وبعده بختنصر فقتلهم وسباهم وضرب عليهم الجزية فكانوا يؤدونها إلى المجوس إلى أن بعث نبينا صلى الله عليه وسلم فضربها عليهم «إن ربك لسريع العقاب» لمن عصاه «وإنه لغفور» لأهل طاعته «رحيم» بهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكر -أيها الرسول- إذ علم ذلك إعلامًا صريحًا ليبعثن على اليهود مَن يذيقهم سوء العذاب والإذلال إلى يوم القيامة.

إن ربك -أيها الرسول- لسريع العقاب لِمَن استحقه بسبب كفره ومعصيته، وإنه لغفور عن ذنوب التائبين، رحيم بهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما توعد به أولئك اليهود من عقوبات بسبب كفرهم وفسوقهم وإفسادهم فى الأرض فقال - تعالى - : ( وَإِذْ تَأَذَّنَ .

.

.

) .قوله ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ ) منصوب على المفعولية بمقدر معطوف على ( وَسْئَلْهُمْ ) أى : واذكر يا محمد لليهود وقت أن تأذن ربك .وتأذن بمعنى آذن ، أى : أعلم .

يقال : آذن الأمر وبالأمر أى : أعلمه .

وأذن تأذيناً : أكثر الإعلام .وأجرى مجرى فعل القسم كعلم الله وشهد الله ، ولذلك جىء بلام القسم ونون التوكيد فى جوابه وهو قوله - تعالى - " ليبعثن عليهم .

.

.

إلخ " .وقوله ( إلى يَوْمِ القيامة ) متعلق بقوله ( لَيَبْعَثَنَّ ) .والمعنى : واذكر يا محمد وقت أن أعلم الله - تعالى - هؤلاء اليهود وأسلافهم بأنهم إن غيروا وبدلوا ولم يؤمنوا بأنبيائهم ، ليسلطن عليهم إلى يوم القيامة من يذيقهم سوء العذاب كالإذلال وضرب الجزية وغير ذلك من صنوف العذاب إن ربك لسريع العقاب لمن أقام على الكفر ، وجانب طريق الحق ، وإنه لغفور رحيم لمن تاب وآمن وعمل صالحاً .

وهذا من باب قرن الترغيب بالترهيب حتى لا ييأس العاصى من رحمة الله بسبب ذنوبه السابقة إذا هو أقبل على الله بالتوبة والعمل الصالح كما قال - تعالى - ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ اهتدى ) ولقد يبدو للبعض أن هذا الوعيد لليهود قد توقف بسبب ما نرى لهم الآن من دولة وصولة ولكن الذى نعتقده أن هذا الوعيد ما توقف مع ما لهم من دولة ، فإنهم ما زالوا محل احتقار الناس وبغضهم ، وحتى الدول التى تناصرهم إنما تناصرهم لأن السياسة تقتضى ذلك بينما شعوب هذه الدول تكره أولئك اليهود وتزدريهم وتنفر منهم .وما قامت لليهود تلك الدولة إلا لأن المسلمين قد فرطوا فى حق خالقهم ، وفى حق أنفسهم ، ولم يأخذوا بالأسباب التى شرعها الله لهم لحرب أعدائهم فكانت النتيجة أن أقام اليهود دولة لهم فى قلب البلاد الإسلامية وعندما يعود المسلمون إلى الأخذ التام الكامل بتعاليم دينهم وإلى مباشرة الأسباب التى شرعها الله مباشرة سليمة ، عندما يفعلون ذلك تعود إليهم عزتهم المسلوبة وكرامتهم المغصوبة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما شرح هاهنا بعض مصالح أعمال اليهود وقبائح أفعالهم ذكر في هذه الآية أنه تعالى حكم عليهم بالذل والصغار إلى يوم القيامة، قال سيبويه: أذن أعلم.

وأذن نادى وصاح للإعلام ومنه قوله تعالى: ﴿ فَأَذَّنَ مُؤَذّنٌ بَيْنَهُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ تَأَذَّنَ ﴾ بمعنى أذن أي أعلم.

ولفظة تفعل، هاهنا ليس معناه أنه أظهر شيئاً ليس فيه، بل معناه فعل فقوله: ﴿ تَأَذَّنَ ﴾ بمعنى أذن كما في قوله: ﴿ سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ  ﴾ معناه علا وارتفع لا بمعنى أنه أظهر من نفسه العلو، وإن لم يحصل ذلك فيه وأما قوله: ﴿ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: أن اللام في قوله: ﴿ لَيَبْعَثَنَّ ﴾ جواب القسم لأن قوله: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ ﴾ جار مجرى القسم في كونه جازماً بذلك الخبر.

البحث الثاني: الضمير في قوله: ﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ يقتضي أن يكون راجعاً إلى قوله: ﴿ فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين  ﴾ لكنه قد علم أن الذين مسخوا لم يستمر عليهم التكليف.

ثم اختلفوا فقال بعضهم: المراد نسلهم والذين بقوا منهم.

وقال آخرون: بل المراد سائر اليهود فإن أهل القرية كانوا بين صالح وبين متعد فمسخ المتعدي وألحق الذل بالبقية، وقال الأكثرون: هذه الآية في اليهود الذين أدركهم الرسول صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى شريعته، وهذا أقرب.

لأن المقصود من هذه الآية تخويف اليهود الذين كانوا في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم وزجرهم عن البقاء على اليهودية، لأنهم إذا علموا بقاء الذل عليهم إلى يوم القيامة انزجروا.

البحث الثالث: لا شبهة في أن المراد اليهود الذين ثبتوا على الكفر واليهودية، فأما الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فخارجون عن هذا الحكم.

أما قوله: ﴿ إلى يَوْمِ القيامة ﴾ فهذا تنصيص على أن ذلك العذاب ممدود إلى يوم القيامة وذلك يقتضي أن ذلك العذاب إنما يحصل في الدنيا، وعند ذلك اختلفوا فيه فقال بعضهم: هو أخذ الجزية.

وقيل: الاستخفاف والإهانة والإذلال لقوله تعالى: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ ﴾ وقيل: القتل والقتال.

وقيل: الإخراج والإبعاد من الوطن، وهذا القائل جعل هذه الآية في أهل خيبر وبني قريظة والنضير، وهذه الآية نزلت في اليهود على أنه لا دولة ولا عز، وأن الذل يلزمهم، والصغار لا يفارقهم.

ولما أخبر الله تعالى في زمان محمد عن هذه الواقعة.

ثم شاهدنا بأن الأمر كذلك كان هذا أخباراً صدقاً عن الغيب، فكان معجزاً، والخبر المروي في أن أتباع الرجال هم اليهود إن صح، فمعناه أنهم كانوا قبل خروجه يهوداً ثم دانوا بإلهيته، فذكروا بالاسم الأول ولولا ذلك لكان في وقت اتباعهم الدجال قد خرجوا عن الذلة والقهر، وذلك خلاف هذه الآية.

واحتج بعض العلماء على لزوم الذل والصغار لليهود بقوله تعالى: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة أَيْنَمَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ الله  ﴾ إلا أن دلالتها ليست قوية لأن الاستثناء المذكور في هذه الآية يمنع من القطع على لزوم الذل لهم في كل الأحوال.

أما الآية التي نحن في تفسيرها لم يحصل فيها تقييد ولا استثناء، فكانت دلالتها على هذا المعنى قوية جداً.

واختلفوا في أن الذين يلحقون هذا الذل بهؤلاء اليهود من هم، فقال بعضهم: الرسول وأمته وقيل يحتمل دخول الولاة الظلمة منهم، وإن لم يؤمروا بالقيام بذلك إذا أذلوهم.

وهذا القائل حمل قوله: ﴿ لَيَبْعَثَنَّ ﴾ على نحو قوله: ﴿ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين  ﴾ فإذا جاز أن يكون المراد بالإرسال التخلية، وترك المنع، فكذلك البعثة، وهذا القائل.

قال: المراد بختنصر وغيره إلى هذا اليوم، ثم أنه تعالى ختم الآية بقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العقاب ﴾ والمراد التحذير من عقابه في الآخرة مع الذلة في الدنيا ﴿ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ لمن تاب من الكفر واليهودية، ودخل في الإيمان بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ تَأَذَّنَ رَبُّكَ ﴾ عزم ربك، وهو تفعل من الإيذان وهو الإعلام؛ لأنّ العازم على الأمر يحدّت نفسه به ويؤذنها بفعله، وأجرى مجرى فعل القسم، كعلم الله، وشهد الله.

ولذلك أجيب بما يجاب به القسم وهو قوله: ﴿ لَيَبْعَثَنَّ ﴾ والمعنى: وإذ حتم ربك وكتب على نفسه ليبعثنَّ على اليهود ﴿ إلى يَوْمِ القيامة مَن يَسُومُهُمْ سُوء العذاب ﴾ فكانوا يؤدّون الجزية إلى المجوس، إلى أن بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم فضربها عليهم، فلا تزال مضروبة عليهم إلى آخر الدهر.

ومعنى ليبعثن عليهم ليسلطنّ عليهم، كقوله: ﴿ بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد ﴾ [الأسراء: 5] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ ﴾ أيْ أعْلَمَ تَفَعَّلَ مِنَ الإيذانِ بِمَعْناهُ كالتَّوَعُّدِ والإيعادِ، أوْ عَزَمَ لِأنَّ العازِمَ عَلى الشَّيْءِ يُؤْذِنُ نَفْسَهُ بِفِعْلِهِ وأُجْرِي مَجْرى فِعْلِ القَسَمِ كَـ ﴿ عَلِمَ اللَّهُ ﴾ و ﴿ شَهِدَ اللَّهُ ﴾ .

ولِذَلِكَ أُجِيبَ بِجَوابِهِ وهو: ﴿ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ والمَعْنى وإذْ أوْجَبَ رَبُّكَ عَلى نَفْسِهِ لَيُسَلِّطَنَّ عَلى اليَهُودِ.

﴿ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ ﴾ كالإذْلالِ وضَرْبِ الجِزْيَةِ، بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَخْتُنَصَّرَ فَخَرَّبَ دِيارَهم وقَتَلَ مُقاتِلِيهِمْ وسَبى نِساءَهم وذَرّارِيهِمْ وضَرَبَ الجِزْيَةَ عَلى مَن بَقِيَ مِنهم، وكانُوا يُؤَدُّونَها إلى المَجُوسِ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا  فَفَعَلَ ما فَعَلَ ثُمَّ ضَرَبَ عَلَيْهِمُ الجِزْيَةَ فَلا تَزالُ مَضْرُوبَةً إلى آخِرِ الدَّهْرِ.

﴿ إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ ﴾ عاقَبَهم في الدُّنْيا.

﴿ وَإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ لِمَن تابَ وآمَنَ.

﴿ وَقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا ﴾ وفَرَّقْناهم فِيها بِحَيْثُ لا يَكادُ يَخْلُو قُطْرٌ مِنهم تَتِمَّةً لِأدْبارِهِمْ حَتّى لا يَكُونَ لَهم شَوْكَةٌ قَطُّ و ﴿ أُمَمًا ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ أوْ حالٌ.

﴿ مِنهُمُ الصّالِحُونَ ﴾ صِفَةٌ أوْ بَدَلٌ مِنهُ وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالمَدِينَةِ ونُظَراؤُهم ﴿ وَمِنهم دُونَ ذَلِكَ ﴾ تَقْدِيرُهُ ومِنهم أُناسٌ مِن دُونِ ذَلِكَ أيْ مُنْحَطُّونَ عَنِ الصَّلاحِ، وهم كَفَرَتُهم وفَسَقَتُهم.

﴿ وَبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ ﴾ بِالنِّعَمِ والنِّقَمِ.

﴿ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ يُنْهَوْنَ فَيَرْجِعُونَ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ} أي أعلم وأجرى مجرى فعل القسم ولذا أجيب بما يجاب به القسم وهو قوله {لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ} أي كتب على نفسه ليسقطن على اليهود {إلى يَوْمِ القيامة مَن يَسُومُهُمْ} من توليهم {سُوء العذاب} فكانوا يؤدون الجزية إلى المجوس إلى أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم فضربها عليهم فلا تزال مضروبة عليهم إلى آخر الدهر {إن ربك لسريع العقاب} للكافر {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} للمؤمنين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ، مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ واسْألْهُمْ ﴾ وتَأذَّنَ تَفَعَّلَ مِنَ الإذْنِ وهو بِمَعْنى آذَنَ أيْ: أعْلَمَ، والتَّفَعُّلُ يَجِيءُ بِمَعْنى الإفْعالِ كالتَّوَعُّدِ والإيعادِ، وإلى هَذا يُؤَوَّلُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ المَعْنى: قالَ رَبُّكَ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِعَزْمٍ وهو كِنايَةٌ عَنْهُ أوْ مُجازٌ لِأنَّ العازِمَ عَلى الأمْرِ يُشاوِرُ نَفْسَهُ في الفِعْلِ والتَّرْكِ ثُمَّ يَجْزِمُ، فَهو يَطْلُبُ مِنَ النَّفْسِ الإذْنَ فِيهِ، وفي الكَشْفِ: لَوْ جُعِلَ بِمَعْنى الِاسْتِئْذانِ دُونَ الإيذانِ كَأنَّهُ يَطْلُبُ الإذْنَ مِن نَفْسِهِ لَكانَ وجْهًا، وحَيْثُ جُعِلَ بِمَعْنى عَزْمٍ وكانَ العازِمُ جازِمًا فُسِّرَ عَزَمَ بِجَزَمَ وقَضى فَأفادَ التَّأْكِيدَ، فَلِذا أُجْرِيَ مَجْرى القَسَمِ، وأُجِيبَ بِما يُجابُ بِهِ وهو هُنا: ﴿ لَيَبْعَثَنَّ ﴾ وجاءَ عَزَمْتُ عَلَيْكَ لَتَفْعَلَنَّ، ولا يَرِدُ عَلى هَذا أنَّهُ مُقْتَضًى لِجَوازِ نِسْبَةِ العَزْمِ إلَيْهِ تَعالى، وقَدْ صُرِّحَ بِمَنعِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَنعَ مَدْفُوعٌ، فَقَدْ ورَدَ: عَزْمَةً مِن عَزَماتِ اللَّهِ تَعالى.

﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ أيِ: اليَهُودِ لا المُعْتَدِينَ الَّذِينَ مُسِخُوا قِرَدَةً؛ إذْ لَمْ يَبْقَوْا كَما عَلِمْتَ، ويُحْتَمِلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِمْ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ.

والمُرادُ حِينَئِذٍ هم وأخْلافُهُمْ، وعَوْدُهُ إلى اليَهُودِ والنَّصارى لَيْسَ بِشَيْءٍ وإنْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِ يَبْعَثَنَّ عَلى مَعْنى يُسَلِّطُ عَلَيْهِمُ البَتَّةَ.

﴿ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ أيْ: إلى انْتِهاءِ الدُّنْيا، وهو مُتَعَلِّقٌ بِ يَبْعَثُ، وقِيلَ: بِتَأذُّنٍ ولَيْسَ بِالوَجْهِ ولا يَصِحُّ كَما لا يَخْفى تَعَلُّقُهُ بِالصِّلَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مَن يَسُومُهُمْ ﴾ يُذِيقُهم ويُوِلِيهِمْ ﴿ سُوءَ العَذابِ ﴾ كالإذْلالِ.

وضَرْبِ الجِزْيَةِ، وعَدَمِ وُجُودِ مَنَعَةٍ لَهُمْ، وجَعْلِهِمْ تَحْتَ الأيْدِي وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فُنُونِ العَذابِ، وقَدْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بَعْدَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بُخْتَنَصَّرَ فَخَرَّبَ دِيارَهُمْ، وقَتَلَ مُقاتِلَتَهم وسَبى نِساءَهم وذَرارِيَهِمْ، وضَرَبَ الجِزْيَةَ عَلى مَن بَقِيَ مِنهُمْ، وكانُوا يُؤَدُّونَها إلى المَجُوسِ حَتّى بُعِثَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَفَعَلَ ما فَعَلَ، ثُمَّ ضَرَبَ الجِزْيَةَ عَلَيْهِمْ، فَلا تَزالُ مَضْرُوبَةً إلى آخِرِ الدَّهْرِ.

ولا يُنافِي ذَلِكَ رَفْعَها عِنْدَ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ مُلْحَقٌ بِالآخِرَةِ لِقُرْبِهِ مِنها، أوْ لِأنَّ مَعْنى رَفْعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاها عَنْهم أنَّهُ لا يَقْبَلُ مِنهم إلّا الإسْلامَ ويُخَيِّرُهم بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّيْفِ، فالقَوْمُ حِينَئِذٍ إمّا مُسْلِمُونَ أوْ طُعْمَةٌ لِسُيُوفِهِمْ؛ فَلا إشْكالَ، وما يَحْصُلُ لَهم زَمَنَ الدَّجّالِ مَعَ كَوْنِهِ ذُلًّا في نَفْسِهِ غَمامَةُ صَيْفٍ عَلى أنَّهم لَيْسُوا يَهُودَ حِينَ التَّبَعِيَّةِ.

﴿ إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ ﴾ لِما شاءَ سُبْحانَهُ أنْ يُعاقِبَهُ في الدُّنْيا ومِنهم هَؤُلاءِ، وقِيلَ: في الآخِرَةِ، وقِيلَ فِيهِما.

﴿ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ لِمَن تابَ وآمَنَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ واسمها أيلة وذلك أن اليهود قالوا: نحن من أبناء إبراهيم  فلا يعذبنا الله تعالى إلا مقدار عبادة العجل فقال الله تعالى: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ يعني: أهل القرية التى كانت حاضرة البحر كيف عذبهم الله تعالى بذنوبهم.

ثم أخبر عن ذنوبهم فقال تعالى: إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ يعني: أنهم استحلوا الصيد في يوم السبت.

وقال: يعتدون في يوم السبت.

وأصل الاعتداء هو الظلم.

يقال: عدوت على فلان إذا ظلمته واعتديت عليه.

ثم قال: إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً يعني: يوم استراحتهم شوارع في الماء وهو جمع الشارع وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ يعني: إذا لم يكن يوم السبت ويوم الراحة لا تأتيهم.

وإنما تم الكلام عند قوله: تَأْتِيهِمْ ثم ابتدأ فقال: كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ يعني: هكذا نختبرهم.

وقال بعضهم: إنما يتم الكلام عند قوله: وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كذلك يعني: لا تأتيهم كما تأتيهم يوم السبت لأن في يوم السبت تأتيهم الحيتان شارعات من أسفل الماء إلى أعلاه وفي سائر الأيام يأتيهم القليل، ولا يأتيهم كما يأتيهم في يوم السبت.

ثم ابتداء الكلام فقال: كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يعني: نختبرهم بما كانوا يعصون الله تعالى.

ثم قال عز وجل: وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ أي عصبة وجماعة منهم وهي الظلمة للأمة الواعظة لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ لأن الواعظة نهوهم عن أخذ الحيتان، وخوفوهم، فرد عليهم الظلمة لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ قرأ عاصم في إحدى الروايتين مَعْذِرَةً بالنصب يعني: نعتذر إلى ربكم.

وقرأ الباقون مَعْذِرَةً بالضم يعني: هي معذرة يعني: لا ندع الأمر بالمعروف حتى نكون معذورين عند الله تعالى وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ يعني: لعلهم ينتهون فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ يعني: تركوا ما وعظوا به أَنْجَيْنَا من العذاب الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: عذبنا الذين تركوا أمر الله بِعَذابٍ بَئِيسٍ يعني: شديد بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يعني: يعصون ويتركون أمر الله تعالى.

وقال ابن عباس-  ما-: كان القوم ثلاثة فرق.

فرقة كانوا يصطادون.

وفرقة كانوا ينهون.

وفرقة لم ينهوا ولم يستحلوا وقالوا للواعظة: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ.

وروى أبو بكر الهذلي عن عكرمة قال: أتيت ابن عباس وهو يقرأ في المصحف ويبكي فدنوت منه حتى أخذت بلوحي المصحف وقلت: ما يبكيك قال: تبكيني هذه السورة وهو يقرأ سورة الأعراف.

وقال: هل تعرف أيلة؟

قلت: نعم.

قال: إن الله تعالى أسكنها حياً من اليهود، وابتلاهم بحيتان حرمها عليهم يوم السبت وأحلها لهم في سائر الأيام.

فإذا كان يوم السبت خرجت إليهم الحيتان.

فإذا ذهب السبت غابت في البحر حتى يغوص لها الطالبون، وإن القوم اجتمعوا واختلفوا فيها.

فقال فريق منهم: إنما حرمت عليكم يوم السبت أن تأكلوها فصيدوها يوم السبت، وكلوها في سائر الأيام.

وقال الآخرون: بل حرم عليكم أن تصيدوها أو تنفروها أو تؤذوها.

وكانوا ثلاث فرق: فرقة على أَيمانهم، وفرقة على شمائلهم، وفرقة على وسطهم فقالت الفرقة اليمنى فجعلت تنهاهم في يوم السبت، وجعلت تقول: الله يحذركم بأس الله.

وأما الفرقة اليسرى فأمسكت أيديها، وكفت ألسنتها.

وأما الوسطى فوثبت على السمك تأخذه.

وجعلت الفرقة الأخرى التي كفت أيديها، وألسنتها، ولم تتكلم.

تقول: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فقال: الَّذِينَ يَنْهَوْنَ مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فدخل الذين أصابوا السمك إلى المدينة، وأبى الآخرون أن يدخلوا معهم فغدا هؤلاء الذين أبوا أن يدخلوا المدينة.

فجعلوا ينادون من فيها فلم يجبهم أحد.

فقالوا: لعل الله خسف بهم، أو رموا من السماء بحجارة، فارفعوا رجلاً ينظر، فجعلوا رجلاً على سلم فأشرف عليهم، فإذا هم قردة تتعادى ولها أذناب قد غيّر الله تعالى صورهم بصنيعهم.

فصاح إلى القوم فإذا هم قد صاروا قردة، فكسروا الباب، ودخلوا منازلهم، فجعلوا لا يعرفون أنسابهم، ويقولون لهم: ألم ننهكم عن معصية الله تعالى ونوصيكم؟

فيشيرون برءوسهم بلى ودموعهم تسيل على خدودهم.

فأخبر الله تعالى أنه أنجى الذين ينهون عن السوء، وأخذ الذين ظلموا.

قوله: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ.

ولا يدرى ما صنع بالذين لم ينهوا ولم يأخذوا.

وقال عكرمة: بل أهلكهم الله لأنه أنجى الذين ينهون عن السوء.

وأهلك الفريقين الآخرين.

فوهب له ابن عباس بردة بهذا الكلام.

وروي في رواية أُخرى أنهم كانوا يأخذون الحظائر والحياض بجنب البحر، ويسيلون الماء فيها يوم السبت من البحر حتى يدخل فيها السمك، ويأخذونه في يوم الأحد فقالوا: إنا نأخذه في يوم الأحد.

فلما لم يعذبوا استحلوا الأخذ في يوم السبت من البحر وقالوا: إنما حرم الله على أبنائنا ولم يحرم علينا فنهاهم الصلحاء فلم يمتنعوا، فضربوا حائطاً بينهم، وصارت الواعظة في ناحية، والذين استحلوا في ناحية والحائط بين الفريقين.

فأصبحوا في يوم من الأيام ولم يفتح الباب الذي بينهما، فارتقى واحد منهم الحائط، فإذا القوم قد مسخوا إلى قردة.

وقال بعضهم: كان القوم أربعة أصناف صنف يأخذون، وصنف يرضون، وصنف ينهون، وصنف يسكتون، فنجا صنفان، وهلك صنفان.

قال بعضهم: كانوا صنفين صنف يأخذون، وصنف ينهون.

وروى قتادة عن ابن عباس-  - أنه قال: كانوا ثلاث فرق فهلك الثاني، ونجا الثالث، والله أعلم ما فعل بالفرقة الثالثة.

قرأ نافع بعذاب بِيْس بكسر الباء وسكون الياء بلا همز.

وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بعذاب بَيْأَس بفتح الباء وسكون الياء وفتح الهمزة.

وقرأ الباقون: بِعَذابٍ بَئِيسٍ بنصب الباء وكسر الياء والهمزة وسكون الياء وهي اللغة المعروفة، والأولى لغة لبعض العرب.

ثم قال: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ يعني: تركوا ما وعظوا به قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ يعني: صاغرين مبعدين عن رحمة الله.

قوله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ يعني: أعلم ربك ويقال: قال ربكم وكل شيء في القرآن تأذن فهو إعلام.

ومعناه قال: لَيَبْعَثَنَّ أي ليسلطن عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أي على بني إسرائيل، والذين لا يؤمنون بمحمد  مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ يعني: يعذبهم بالجزية والقتل إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ إذا عاقب من أصرّ على كفره وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ لمن تاب من الشرك رَحِيمٌ بعد ذلك.

ثم قال: وَقَطَّعْناهُمْ أي فرقناهم فِي الْأَرْضِ أُمَماً أي فرقاً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ أي المؤمنون وهم مؤمنوا أهل الكتاب.

ويقال: هم الذين وراء رمل عالج وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وهم الكفار منهم وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ يعني: اختبرناهم بالخصب والجدوبة لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ من الكفر إلى الإيمان.

ثم قال: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ يعني: بعد بني إسرائيل خلف السوء وَرِثُوا الْكِتابَ يعني: التوراة يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى يقول: يستحلون أخذ الحرام من هذه الدنيا وهو الرشوة في الحكم وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا قال مجاهد: يعني: يأخذون ما يجدون حلالاً أو حراماً ويتمنَّون المغفرة وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أي وإن يجدوا مثله من العرض يأخذوه.

ويقال: معناه أنهم يصرون على الذنوب وأكل الحرام، فإذا أخذوا أول النهار يعودون إليه في آخر النهار ولا يتوبون عنه.

ويقال: يطلبون بعلمها الدنيا.

ويقال: يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون: سيغفر لنا هذه المرة.

وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ويقولون مثل ذلك: أي سيغفر لنا لأنا لا نشرك بالله شيئاً.

وقال سعيد بن جبير: يأخذون عرض هذا الأدنى.

يقول: يعملون بالذنوب.

ويقولون: سيغفر لنا ما عملنا بالليل كفر عنا بالنهار.

وما عملنا بالنهار كفر عنا بالليل.

وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ يعني: الذنوب.

قال الله تعالى: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ يعني: ألم يؤخذ عليهم ميثاقهم في التوراة أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ أي: إلا الصدق وَدَرَسُوا مَا فِيهِ أي قرءوا ما فيه وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أي: يتقون الشرك، ويحلون حلاله، ويحرمون حرامه أَفَلا تَعْقِلُونَ أن الآخرة خير من الدنيا.

ويقال: أَفَلا يَعْقِلُونَ ما يدرسون من الكتاب.

ويقال: أَفَلا يَعْقِلُونَ أن الإصرار على الذنوب ليس من علامة المغفورين، قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص أَفَلاَ تَعْقِلُونَ بالتاء على وجه المخاطبة.

وقرأ الباقون بالياء على وجه المغايبة.

قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ يعني: يعملون بالتوراة ولا يغيرونها عن مواضعها وَأَقامُوا الصَّلاةَ يعني: أتموا الصلاة المفروضة إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ يعني: عمل الموحدين وهم الذين يمسكون بالكتاب، وأقاموا الصلاة.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر يُمَسِّكُونَ بالتخفيف.

وقرأ الباقون يُمَسِّكُونَ بالتشديد على معنى المبالغة.

ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ومعنى قوله كَذلِكَ الإشارةُ إلى أمر الحُوت، وفِتنَتِهِمْ به، هذا على من وَقَفَ على تَأْتِيهِمْ، ومن وقف على كَذلِكَ، فالإشارة إِلى كثرة الحيتانِ شُرَّعاً، أي: فما أتى منها يوم لا يسبتون، فهو قليل، ونَبْلُوهُمْ، أي: نمتحنهم بِفِسْقهم وعِصْيانهم، وقد تقدَّم في «البقرة» قصصهم.

وقوله سبحانه: وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً.

قال جمهور المفسِّرين: إن بني إِسرائيل افترقت ثلاثَ فرقٍ: فرقةٌ عصَتْ، وفرقةٌ نهَتْ، وجاهَرَتْ وتكلَّمَت واعتزلت، وفرقةٌ اعتزلت، ولم تَعْصِ ولم تَنْهِ، وأن هذه الفرقة لما رأتْ مجاهرة الناهية، وطُغيانَ العاصيةِ وعَتُوَّهَا، قالَتْ للناهية: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً، يريدونّ: العاصيةَ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ، فقالت الناهية: موعظتنا معذرة إِلى اللَّه، أي: إِقامة عُذْر، ومعنى مُهْلِكُهُمْ، أيُّ: في الدنيا، أَوْ مُعَذِّبُهُمْ، [أي] : في الآخرةِ، والضمير في قوله: نَسُوا للمَنْهِيين، وهو تَرْكٌ سُمِّيَ نِسياناً مبالغةً، و «ما» في قوله: مَا ذُكِّرُوا بِهِ بمعنى الَّذي، والسُّوءِ: لفظ عامٌّ في جميع المعاصي إِلاَّ أنَّ الذي يختصُّ هنا بحَسَب قصص الآيةِ هو صيد الحوت، والَّذِينَ ظَلَمُوا: هم العاصُونَ، وقوله: بِعَذابٍ بَئِيسٍ معناه: مؤلمٌ موجِعٌ شديدٌ، واختلف في الفرقة التي لم تعص ولم تنه، فقيل: نجت مع الناجين، وقيل: هلَكَتْ مع العاصين.

وقوله: بِما كانُوا يَفْسُقُونَ، أي: لأجل ذلك، وعقوبةً عليه، والعُتُوُّ الاستعصاء وقلَّة الطواعية.

وقوله سبحانه: قُلْنا لَهُمْ كُونُوا، يحتمل أن يكون قولاً بلفظ مِنْ مَلَك أسْمَعَهم فكَانَ أذْهَبَ في الإِعراب والهَوْلِ والإِصغارِ، ويحتمل أن يكون عبَارةً عن القدرة المكوّنة لهم قردة، وخاسِئِينَ: معناه مبعَدِين ف «خاسئين» خبر بعد خبرٍ، فهذا اختيار أبي الفَتْح، وضعَّف الصفَة، فرُوِيَ أنَّ الشباب منهم مُسِخُوا قردةً، والرجالَ الكبارَ مسخوا خنازير.

وقوله سبحانه: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ معنى هذه الآية: وإِذْ علم اللَّه لَيَبْعَثَنَّ، وتقتضي قوَّة الكلام أنَّ ذلك العلْمَ منه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ يَعْنِي: تَرَكُوا ما وُعِظُوا بِهِ ﴿ أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ ﴾ وهُمُ النّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ.

والَّذِينَ ظَلَمُوا هُمُ المُعْتَدُونَ في السَّبْتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِعَذابٍ بَئِيسٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بَئِيس عَلى وزْنِ فَعِيلٍ، فالهَمْزَةُ بَيْنَ الباءِ والياءِ.

وقَرَأ نافِعٌ: "بَيْسَ" بِكَسْرِ الباءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ هَمَزَ.

ورَوى خارِجَةُ عَنْ نافِعٍ: "بَيْسٍ" بِفَتْحِ الباءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، عَلى وزْنِ "فَعْلٍ" .

ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "بَيَأْسٍ" عَلى وزْنِ "فَيْعَلٍ" .

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأيُّوبُ: "بَيْآَسٍ" عَلى وزْنِ "فَيْعالٍ" .

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، ومُعاذٌ القارِئُ: "بِئْسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ ياءٍ عَلى وزْنِ "نَعِسٍ" .

وقَرَأ الضَّحّاكُ، وعِكْرِمَةُ: "بَيِّسٍ" بِتَشْدِيدِ الياءِ مِثْلَ "قَيِّمٍ" .

وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو مِجْلَزٍ: "بَئِسَ" بِفَتْحِ الباءِ والسِّينِ وبِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ ياءٍ ولا ألِفٍ عَلى وزْنِ "فِعْلٍ" وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو رَجاءٍ: "بائِسٍ" بِألِفٍ ومُدَّةٍ بَعْدَ الباءِ وبِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بِوَزْنِ "فاعِلٍ" قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: البَئِيسُ: الشَّدِيدُ، وأنْشَدَ: حَنَقًا عَلَيَّ وما تُرى لِي فِيهِمُ أثَرًا بَئِيسًا وَقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: بَئِسَ يَبْأسُ بَأْسًا، والعاتِي: الشَّدِيدُ الدُّخُولِ في الفَسادِ، المُتَمَرِّدُ الَّذِي لا يَقْبَلُ مَوْعِظَةً.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ﴿ فَلَمّا عَتَوْا ﴾ أيْ: تَمَرَّدُوا فِيما نَهَوْا عَنْهُ؛ وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ [البَقَرَةِ:٦٥] قِصَّةَ مَسْخِهِمْ.

وكانَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ يَقُولُ: واللَّهِ ما لُحُومُ هَذِهِ الحِيتانِ بِأعْظَمَ عِنْدَ اللَّهِ مِن دِماءِ قَوْمٍ مُسْلِمِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ تَأذَّنَ ﴾ رَبُّكَ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أعْلَمُ، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وقالَ: هو مِن آَذَنْتُكَ بِالأمْرِ.

وَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَأْذَنُ بِمَعْنى آَذَنُ؛ كَما يُقالُ: تَعْلَمُ أنَّ فُلانًا قائِمٌ، أيِ: اعْلَمْ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: أيْ: أعْلَمُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ.

والثّانِي: حَتَّمَ، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّالِثُ: وعْدٌ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

والرّابِعُ: تَأْلّى، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: عَلى اليَهُودِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: عَلى اليَهُودِ والنَّصارى بِمَعاصِيهِمْ.

﴿ مَن يَسُومُهُمْ ﴾ أيْ: يُوَلِّيهِمْ ﴿ سُوءَ العَذابِ ﴾ .

وفي المَبْعُوثِ عَلَيْهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مُحَمَّدٌ  ، وأُمَّتُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: العَرَبُ، كانُوا يَجِبُّونَهُمُ الخَراجَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قالَ: ولَمْ يَجْبِ الخَراجَ نَبِيٌّ قَطُّ إلّا مُوسى، جَباهُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ أمْسَكَ إلى النَّبِيِّ  .

وقالَ السُّدِّيُّ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَرَبَ يَأْخُذُونَ مِنهُمُ الجِزْيَةَ ويَقْتُلُونَهم.

وفي سُوءِ العَذابِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أخْذُ الجِزْيَةِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: المَسْكَنَةُ والجِزْيَةُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: الخَراجُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ القِتالُ حَتّى يُسْلِمُوا، أوْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ إنَّ رَبُّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ وَقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا مِنهُمُ الصالِحُونَ ومِنهم دُونَ ذَلِكَ وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَيِّئاتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ بِنْيَةُ "تَأذَّنَ" هي الَّتِي تَقْتَضِي التَكَسُّبَ، مِن أذِنَ أيْ عَلِمَ، وآذَنَ أيْ أعْلَمَ، مِثْلُ كَرُمَ وأكْرَمَ وتَكَرَّمَ، إلّا أنَّ تَعَلَّمَ (وَما جَرى مَجْرى هَذا الفِعْلِ) إذا كانَ مُسْنَدًا إلى اسْمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَلْحَقْهُ مَعْنى التَكَسُّبِ الَّذِي يَلْحَقُ المُحْدَثِينَ، فَإنَّما يَتَرَتَّبُ بِمَعْنى عِلْمِ صِفَةٍ لا بِتَكَسُّبٍ، بَلْ هي قائِمَةٌ بِالذاتِ، وإلى هَذا المَعْنى يَنْحُو الشاعِرُ بِقَوْلِهِ: تَعَلَّمْ أبَيْتَ اللَعْنَ لِأنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالتَعَلُّمِ الَّذِي يَقْتَضِي جَهالَةً، وإنَّما أرادَ أنْ يُوقِفَهُ عَلى قُوَّةِ عِلْمِهِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: تَعَلَّمْ أنَّ شَرَّ الناسِ حَيٌّ ∗∗∗ ∗∗∗ يُنادى في شِعارِهِمُ يَسارُ فَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: وإذْ عَلِمَ اللهُ لِيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ، ويَقْتَضِي قُوَّةَ الكَلامِ أنَّ ذَلِكَ العِلْمَ مِنهُ مُقْتَرِنٌ بِإنْفاذٍ وإمْضاءٍ، كَما تَقُولُ في أمْرٍ قَدْ عَزَمْتَ عَلَيْهِ غايَةَ العَزْمِ: "عَلِمَ اللهُ لِأفْعَلَنَّ كَذا"، نَحا إلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وقالَ الطَبَرِيُّ، وغَيْرُهُ: "تَأذَّنَ" مَعْناهُ: أعْلَمَ، وهو قَلِقٌ مِن جِهَةِ التَصْرِيفِ إذْ نِسْبَةُ "تَأذَّنَ" إلى الفاعِلِ غَيْرُ نِسْبَةِ "أعْلَمَ"، وتَبَيُّنُ ذَلِكَ مِنَ التَعَدِّي وغَيْرِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: "تَأذَّنَ" مَعْناهُ: قالَ، ورُوِيَ عنهُ أنَّ مَعْناهُ: أمَرَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى: "تَأذَّنَ": تَأْلّى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقادَهم إلى هَذا القَوْلِ دُخُولُ اللامِ في الجَوابِ، وأمّا اللَفْظَةُ فَبَعِيدَةٌ عن هَذا.

والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمْ" لِمَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لا لِلضَّمِيرِ في "لَهُمْ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَسُومُهُمْ ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي إشارَةٌ إلى العَذابِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي إلى مُحَمَّدٍ  وأُمَّتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَحِيحُ أنَّها عامَّةٌ في كُلِّ مَن حالُ اليَهُودِ مَعَهُ هَذِهِ الحالُ، ويَسُومُهم مَعْناهُ: يُكَلِّفُهم ويُحَمِّلُهُمْ، و ﴿ سُوءَ العَذابِ ﴾ الظاهِرُ مِنهُ الجِزْيَةُ والإذْلالُ، وقَدْ حَتَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ هَذا وحَطَّ مُلْكَهُمْ، فَلَيْسَ في الأرْضِ رايَةٌ لِيَهُودِيٍّ، وقالابْنُ المُسَيِّبِ: فَيُسْتَحَبُّ أنْ تُتْعَبَ اليَهُودُ في الجِزْيَةِ، ولَقَدْ حَدَّثَ أنَّ طائِفَةً مِنَ الرُومِ أمَلَكَتْ في صُقْعِها، فَباعَتِ اليَهُودَ المُجاوِرَةَ لَهُمُ الساكِنَةَ مَعَهم وتَمَلَّكُوهم.

ثُمَّ حَسُنَ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ -لِتَضَمُّنِها الإيقاعَ بِهِمْ والوَعِيدَ- أنْ يُنَبِّهَ عَلى سُرْعَةِ عِقابِ اللهِ ويُخَوِّفَ بِذَلِكَ تَخْوِيفًا عامًّا لِجَمِيعِ الناسِ، ثُمَّ رَجّى ذَلِكَ لُطْفًا مِنهُ تَبارَكَ وتَعالى.

وقَوْلُهُ وتَعالى: ﴿ وَقَطَّعْناهُمْ ﴾ مَعْناهُ: فَرَّقْناهم في الأرْضِ، قالَ الطَبَرِيُّ عن جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: ما في الأرْضِ بُقْعَةٌ إلّا وفِيها مَعْشَرٌ مِنَ اليَهُودِ، والظاهِرُ في المُشارِ إلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُمُ الَّذِينَ بَعَدَ سُلَيْمانَ وقْتَ زَوالِ مُلْكِهِمْ، والظاهِرُ أنَّهُ قَبْلَ مُدَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ صالِحٌ بَعْدَ كُفْرِهِمْ بِعِيسى  ، وفي التَوارِيخِ في هَذا الفَصْلِ رِواياتٌ مُضْطَرِبَةٌ، والصالِحُونَ ودُونَ ذَلِكَ ألْفاظٌ مُحْتَمِلَةٌ أنْ يُرادَ بِها صَلاحُ الإيمانِ، فَـ "دُونَ" بِمَعْنى غَيْرٍ يُرادُ بِها الكَفَرَةُ، وإنْ أُرِيدَ بِالصَلاحِ العِبادَةُ والخَيْرُ وتَوابِعُ الإيمانِ فَـ "دُونَ ذَلِكَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مُؤْمِنِينَ.

﴿ وَبَلَوْناهُمْ ﴾ مَعْناهُ: امْتَحَنّاهُمْ، والحَسَناتُ: الصِحَّةُ والرَخاءُ ونَحْوُ هَذا مِمّا هو بِحَسَبِ رَأْيِ ابْنِ آدَمَ ونَظَرِهِ، والسَيِّئاتُ: مُقابَلاتُ هَذِهِ.

وقَوْلُهُ: "لَعَلَّهُمْ" أيْ بِحَسَبِ رَأْيِكم لَوْ شاهَدْتُمْ ذَلِكَ، والمَعْنى: لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى الطاعَةِ ويَتُوبُونَ مِنَ المَعْصِيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة: ﴿ واسألهم ﴾ [الأعراف: 163] بتقدير اذكر، وضمير ﴿ عليهم ﴾ عائد إلى اليهود المتقدم ذكرهم بالضمير الراجع إليهم بدلالة المقام في قوله تعالى: ﴿ واسألهم ﴾ [الأعراف: 163] كما تقدم بيان ذلك كله مسستوفى عند قوله: ﴿ واسألهم عن القرية ﴾ [الأعراف: 163] فالمتحدث عنهم بهذه الآية لا علاقة لهم بأهل القرية الذين عَدَوْا في السبت.

و ﴿ تأذَّنَ ﴾ على اختلاف إطلاقاته، ومما فيه هنا مشتق من الإذن وهو العلم، يقال: أذِنَ أي علم، وأصله العلم بالخبر، لأن مادة هذا الفعل وتصاريفه جائية من الأُذْن، اسم الجارحة التي هي آلة السمع، فهذه التصاريف مشتقة من الجامد نحو استحجر الطين أي صار حجراً، واستنسر البُغاث أي صار نَسراً، فتأذن: بزنة تَفعَل الدالة على مطاوعة فَعل، والمطاوعة مستعملة في معنى قوة حصول الفعل، فقيل: هو هنا بمعنى أفْعلَ كما يقال: تَوعد بمعنى أوْعد فمعنى ﴿ تأذن ربك ﴾ أعلم وأخبر ليبعثن، فيكون فعل أعلم معلقاً عن العمل بلام القسم، وإلى هذا مَال الطبري، قال ابن عطية: وهذا قلق من جهة التصريف إذ نسبة تأذن إلى الفاعل غير نسبة أعلم، ويتبين ذلك من التعدي وغيره، وعن مجاهد: ﴿ تأذن ﴾ تألى قال في «الكشاف» معناه عزم ربّك، لأن العازم على الأمر يُحدث نفسه به» أراد أن إشرابه معنى القسم ناشئ عن مجاز فأطلق التأذن على العزم، لأن العازم على الأمر يحدث به نفسه، فهو يؤذنها بفعله فتعزمُ نفسه، ثم أجرى مجرى فعل القسم مثل عَلم الله، وشهد الله.

ولذلك أجيب بما يجاب به القسم.

قال ابن عطية: «وقادهم إلى هذا القول دخول اللام في الجواب، وأما اللفظة فبعيدة عن هذا» وعن ابن عباس ﴿ تأذن ربك ﴾ قال ربك يعني أن الله أعلن ذلك على لسان رسله.

وحاصل المعنى: أن الله أعلمهم بذلك وتوعدهم به، وهذا كقوله تعالى: ﴿ وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ﴾ في سورة إبراهيم (7).

ومعنى البعث الإرسال وهو هنا مجاز في التقييض والإلهام، وهو يؤذن بأن ذلك في أوقات مختلفة وليس ذلك مستمراً يوماً فيوماً، ولذلك اختبر فعل ليبعثن } دُون نحو ليلزمنهم، وضمن معنى التسليط فعدي بعلى كقوله: ﴿ بعثنا عليكم عباداً لنا ﴾ [الإسراء: 5] وقوله: ﴿ فأرسلنا عليهم الطوفان ﴾ [الأعراف: 133].

و ﴿ إلى يوم القيامة ﴾ غاية لما في القسم من معنى الاستقبال، وهي غاية مقصود منها جعل أزمنة المستقبل كله ظرفاً للبعث، لإخراج ما بعد الغاية.

وهذا الاستغراق لأزمنة البعث أي أن الله يسلط عليهم ذلك في خلال المستقبل كله، والبعث مطلق لا عام.

و ﴿ يسومهم ﴾ يفرض عليهم، وحقيقة السوم أنه تقدير العوض الذي يستْبدل به الشيءُ، واستعمل مجازاً في المعاملة اللازمة بتشبيهها بالسوم المقَدر للشيء، وقد تقدم في سورة البقرة (49) ﴿ وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ﴾ وتقدم في هذه السورة نظيره، فالمعنى يجعل سوء العذاب كالقيمة لهم فهو حظهم.

وسوء العذاب أشده، لأن العذاب كله سوء فسوءهُ الأشد فيه.

والآية تشير إلى وعيد الله إياهم بأن يسلط عليهم عدوهم كلما نقضوا ميثاق الله تعالى، وقد تكرر هذا الوعيد من عهد موسى عليه السلام إلى هلُم جرّا، كما في سفر التثنية في الثامن والعشرين ففيه إن لم تحرص لتعمل بجميع كلمات هذا الناموس...

ويبددُك الله في جميع الشعوب وفي تلك الأمم لا تطمئن وترتعب ليلاً ونهاراً ولا تأمن على حياتك وفي سفر يوشع الإصحاح 23 لتحفظوا وتعملوا كل المكتوب في سفر شريعة موسى ولكن إذا رجعتم ولصفتم ببقية هؤلاء الشعوب اعلموا يقيناً أن الله يجعلهم لكم سَوطاً على جُنوبكم وشوكاً في أعينكم حتى تبيدوا حينما تتعدون عهد الرب إلهكم.

وأعظم هذه الوصايا هي العهد باتباع الرسول الذي يُرسل إليهم، كما تقدم، ولذلك كان قوله: ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب} معناه ما داموا على إعراضهم وعنادهم وكونهم أتباع ملة اليهودية مع عدم الوفاء بها، فإذا أسلموا وآمنوا بالرسول النبي الأمي فقد خرجوا عن موجب ذلك التأذنُ ودخلوا فيما وعد الله به المسلمين.

ولذلك ذيل هذا بقوله: ﴿ إن ربك لسريع العقاب ﴾ أي لهم، والسرعة تقتضي التحقق، أي أن عقابه واقع وغيرُ متأخر.

لأن التأخر تقليل في التحقق إذ التأخر استمرار العدم مدة مّا.

وأول من سُلط عليهم «بُخْتنصَّر» ملك (بابل).

ثم توالت عليهم المصائب فكان أعظمها خراب (أرشليم) في زمن (إدريانوس) انبراطور (رومة) ولم تزل المصائب تنتابهم ويُنفس عليهم في فترات معروفة في التاريخ.

وأما قوله: ﴿ وإنه لغفور رحيم ﴾ فهو وعد بالإنجاء من ذلك إذا تابوا واتبعوا الإسلام، أي لغفور لمن تاب ورجع إلى الحق، وفيه إيماء إلى أن الله قد ينفس عليهم في فترات من الزمن لأن رحمة الله سبقت غضبه، وقد ألمّ بمعنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتُفسدُن في الأرض مرتين ولتعلن عُلواً كبيراً فإذا جاء وعدُ أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأسسٍ شديدٍ فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً ثم رددنا لكم الكّرة عليهم وأمددناكم بأمواللٍ وبنين وجعلناكم أكثر نفيراً إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءموا وجوهكم وليدْخلوا المسجدَ كما دخلوه أول مرةٍ وليتبروا ما علوا تتبيراً عسى ربكم أن يرحمكم وإن عُدتم عُدنا ﴾ [الإسراء: 4 8].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَفَعَّلَ مِنَ الإذْنِ ومَعْناهُ أعْلَمُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: أذَّنَ القَوْمُ جِيرَتِي بِخُلُوفِ صَرَمُوا حَبْلَ آلِفٍ مَأْلُوفِ والثّانِي: مَعْناهُ نادى وأقْسَمَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

﴿ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ ﴾ يَعْنِي عَلى اليَهُودِ.

﴿ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ ﴾ والمَبْعُوثُونَ هُمُ العَرَبُ، وسُوءُ العَذابِ هو الذِّلَّةُ وأخَذَ الجِزْيَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ.

وَيُقالُ إنَّ أوَّلَ مَن وضَعَ الخَراجَ وجَبّاهُ مِنَ الأنْبِياءِ مُوسى، فَجَبى الخَراجَ سَبْعَ سِنِينَ وقِيلَ ثَلاثَ عَشْرَةَ ثُمَّ أمْسَكَ إلى النَّبِيِّ  .

وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: أسْتَحِبُّ أنْ أبْعَثَ في الجِزْيَةِ الأنْباطَ.

وَلا أعْلَمُ لِاسْتِحْبابِهِ ذَلِكَ وجْهًا إلّا أنْ يَكُونَ لِأنَّهم مِن قَوْمِ بِخْتَنْصَرَ فَهم أشَدُّ انْتِقامًا، أوْ لِأنَّها قَدْ كانَتْ تُؤْخَذُ مِنهم عَلى اسْتِيفائِها لِأجْلِ المُقابَلَةِ أحْرَصُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذ تأذن ربك...

﴾ الآية.

قال: الذين يسومونهم سوء العذاب محمد وأمته إلى يوم القيامة، وسوء العذاب الجزية.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذ تأذن ربك ﴾ الآية.

قال: هم اليهود، بعث عليهم العرب يجبونهم الخراج فهو سوء العذاب، ولم يكن من نبي جبا الخراج إلا موسى، جباه ثلاث عشرة سنة ثم كفَّ عنه ولا النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي قوله: ﴿ وقطعناهم...

﴾ الآية.

قال: هم اليهود بسطهم الله في الأرض، فليس في الأرض بقعة إلا وفيها عصابة منهم وطائفة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وإذ تأذن ربك ﴾ يقول: قال ربك: ليبعثن عليهم قال: على اليهود والنصارى إلى يوم القيامة ﴿ من يسومهم سوء العذاب ﴾ فبعث الله عليهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم يأخذون منهم الجزية وهم صاغرون ﴿ وقطعناهم في الأرض أمماً ﴾ قال: يهود ﴿ منهم الصالحون ﴾ وهم مسلمة أهل الكتاب ﴿ ومنهم دون ذلك ﴾ قال: اليهود ﴿ وبلوناهم بالحسنات ﴾ قال: الرخاء والعافية ﴿ والسيئات ﴾ قال: البلاء والعقوبة.

وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قول الله: ﴿ وقطعناهم في الأرض أمماً ﴾ ما الأمم؟

قال: الفرق، وقال فيه بشر بن أبي حازم: من قيس غيلان في ذوائبها ** منهم وهم بعد قادة الأمم وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ وبلوناهم بالحسنات والسيئات ﴾ قال: بالخصب والجدب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ ﴾ ، اختلفوا في معنى ﴿ تَأَذَّنَ ﴾ ، فقال أهل اللغة (١) (٢) (٣) وقال في رواية عطاء: (حتم ربك) (٤) (٥) (٦) وقال أبو علي الفارسي: (قال سيبويه: (آذن أعلم وأذَّن نادى وصاح للأعلام، منه قوله تعالى: ﴿ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ  ﴾ .

قال: وبعض العرب يجري أذنت مجرى آذنت فيجعل أذن وآذن بمعنى" (٧) (٨) (٩) ﴿ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ  ﴾ .

ليس على حد (تكبَّر زيد) إذا تعاطى الكبر، ولكن ﴿ الْمُتَكَبِّرُ ﴾ بمنزلة الكبير، كما أن قوله [[في: (أ): (قوله): ﴿ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ وهي الآية [النحل:1]، وفي "الحجة" 2/ 411، كما أن قوله عز وجل: ﴿ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ  ﴾ .]]: ﴿ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ  ﴾ تقديره: علا وليس على حد (تغافل) و (تناسى) إذا أظهر (١٠) ﴿ تَأَذَّنَ ﴾ بمنزلة عَلِمَ، ومثل (تَفَعَّلَ) في أنه يراد به (فَعَل)، قول زهير: تَعَلَّمْ أن شرَّ الناس قوم ...

ينادى في شعارهم يسار (١١) ليس يريد: تعلَّم هذا عن جهل، كما يريدون بقولهم: تعلم الفقه، وإنما يريد به: اعلم، كذلك ﴿ تَأَذَّنَ ﴾ معناه عَلِم، ومما يدل على أن معناه العلم وقوع لام اليمين بعده، كما يقع بعد العلم في نحو: علم الله لأفعلن، وكأن المعنى في ﴿ تَأَذَّنَ ﴾ ، علم ﴿ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ ، فتعلق (١٢) (١٣) وقد ذكرنا استعمال العلم بمعنى القسم في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ  ﴾ ، في سورة البقرة.

وقوله تعالى: ﴿ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ ﴾ ، يعني: على اليهود.

وقوله: ﴿ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ﴾ فيه تقديم وتأخير، أي: ليبعثن عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة] (١٤) قال ابن عباس (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) وقال عطاء: (يريد: بُخْتُ نصَّر (١٩) (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ ﴾ .

قال ابن عباس: (يريد: في الدنيا والآخرة) (٢١) ومعنى هذا: أنه سريع العقاب لمن استحق تعجيله؛ لأنه لا يتأخر عن وقت إرادته.

عاقب اليهود في الدنيا بسوء العذاب (٢٢) (١) الأذان: الإعلام، وأذن بمعنى عَلِمَ، وأذن له أذنا استمع، وتأذن فلان أعلم وآذن، وتأذن الأمير في الكلام أي: تقدم وأعلم ونادى فيهم بالتهديد والنهي، وقال الخليل في "العين" 8/ 200: (الأذان اسم للتأذين، والتأذن من قولك: تأذنت لأفعلن كذا يراد به إيجاب الفعل في ذلك أي: سأفعل لا محالة وتأذنت تقدمت كالأمير يتأذن قبل العقوبة ومنه: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ ﴾ ) اهـ.

وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 139 - 140، و"الصحاح" 5/ 2068، و"المجمل" 1/ 91، و"مقاييس اللغة" 1/ 75، و"المفردات" ص 70، و"اللسان" 1/ 51 (أذن).

(٢) ذكره هود الهواري في "تفسيره" 2/ 56، والماوردي 2/ 273، وابن الجوزي 3/ 279.

(٣) "تنوير المقباس" 2/ 137، وذكره الثعلبي 6/ 15 ب، والبغوي 3/ 295.

(٤) ذكره ابن الجوزي 3/ 279، وأبو حيان في "البحر" 4/ 413 عن عطاء فقط، وجاء عند الثعلبي 6/ 15 ب، والبغوي 3/ 295 عن عطاء قال: (حكم ربك).

(٥) "معاني الزجاج" 2/ 387، وتألى أي: حلف وأقسم.

(٦) وهو قول أهل التفسير أيضًا، قال النحاس في "معانيه" 3/ 96: (قال أهل التفسير: معناه: أعلم ربك، وهذا قول حسن لأنه يقال: تعلم بمعنى أعلم) اهـ.

وقال أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 231: (أي: أمر من الإذن وأحل وحرم ونهى) اهـ.

وانظر: "غريب القرآن" لليزيدي ص 152، و"تفسير غريب القرآن" 1/ 182، و"تفسير الطبري" 9/ 102، و"نزهة القلوب" ص 158، و"تفسير السمرقندي" 1/ 578، و"تفسير المشكل" ص 87 (٧) في "الكتاب" 4/ 62 قال سيبويه: (وقد يجيء فعلت وأفعلت في معنى واحد نحو: آذنت وآذنت أعلمت وأذنت النداء والتصويت بإعلان، وبعض العرب يجري أذنت وآذنت مجرىَ سمَّيت وأسميتُ) اهـ.

وانظر: "الحجة" لأبي علي 2/ 404.

(٨) تقيس - بالفتح.

يقال: تقيس الرجل أي: انتسب إلى قبيلة قيس.

انظر: "اللسان" 6/ 3794 (قيس).

(٩) انظر: "الكتاب" 4/ 71.

(١٠) في (ب): (ظهر).

(١١) "ديوانه" ص 51، و"معاني الزجاج" 2/ 387، الثعلبي 6/ 15 ب، وابن عطية 6/ 124، و"ووضح البرهان" للغزنوي 1/ 368، والقرطبي 7/ 309 وتعلم أي: اعلم، والشعار العلامة.

ويسار: اسم راعي إبل له، انظر: "شرح ديوان زهير لثعلب" ص 219.

(١٢) في (ب): (يتعلق).

(١٣) "الحجة" لأبي علي 2/ 404 - 412.

وانظر ابن عطية 6/ 124، والقرطبي 7/ 309، و"الدر المصون" 5/ 500 ومعنى الآية: علم الله ليبعثن، ويقتضي أن ذلك العلم منه مقترن بإنفاذ وإمضاء كما تقول في أمر عزمت عليه غاية العزم: علم الله لأفعلن كذا، وأجري مجرى فعل القسم كعلم الله، ولذلك أجيب بما يجاب به القسم وهو ﴿ لَيَبْعَثَنَّ ﴾ أفاده ابن عطية والسمين وقالا: (قالت فرقة: تأذن أعلم، وهو قلق من جهة التصريف إذ نسبة تأذن إلى الفاعل غير نسبة أعلم وبين ذلك فرق بين التعدي وغيره) اهـ.

(١٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١٥) أخرجه الطبري 9/ 102 - 103 من طرق جيدة عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة والسدي وابن زيد وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1604 من طرق جيدة عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وابن زيد.

(١٦) ذكره الماوردي 2/ 273، عن ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة.

(١٧) أخرجه أيضًا النحاس في "معانيه" 3/ 97 بسند جيد عن سعيد بن جبير، وذكره الثعلبي 6/ 15 ب.

(١٨) أخرجه أيضًا عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 239 - 240 بسند جيد عن قتادة.

(١٩) بخت نصر: قائد وملك من ملوك بابل قبل الميلاد، قال في "القاموس" ص 621 (نصر): (بخت نصر بالتشديد أصله بوخت ومعناه: ابن ونصر كبقم صنم وكان وجد عند الصنم ولم يعرف له أب فنسب إليه - خرب بيت المقدس) اهـ.

وانظر أخباره في "تاريخ الطبري" 1/ 538 - 560، و"الكامل" لابن الأثير 1/ 261 - 271.

(٢٠) ذكره الرازي 15/ 42، والقرطبي 7/ 309 بلا نسبة.

والقول الأول هو قول أهل التفسير كما ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 261 وهو اختيار القرطبي 7/ 309، والظاهر أن الآية عامة.

قال ابن عطية 6/ 125: (الصحيح أنها عامة في كل من حال اليهود معه هذه الحال) اهـ.

(٢١) لم أقف عليه.

(٢٢) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 103، والسمرقندي 1/ 578.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ أي لما تكبروا عن ما نهوا عنه ﴿ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين ﴾ ذكر في [البقرة: 65] واملعنى أنهم عذبوا أولاً بعذاب شديد فعتوا بذلك فمسخوا قردة، وقيل: فلما عَتَوا تكرار لقوله فلما نسوا والعذاب البئيس هو المسخ ﴿ تَأَذَّنَ رَبُّكَ ﴾ عزم، وهو من الإيذان بمعنى الإعلام ﴿ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ ﴾ الآية أي يسلط عليهم، ومن ذلك أخذ الجزية، وهوَانُهم في جميع البلاد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تغفر ﴾ بالتاء الفوقانية مضمومة وفتح الفاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب والمفضل.

الباقون: بالنون وكسر الفاء ﴿ خطاياكم ﴾ مجموعاً جمع التكسير: أبو عمرو ﴿ خطيئتكم ﴾ بالرفع وعلى الواحدة: ابن عامر ﴿ خطيئاتكم ﴾ بالرفع مجموعاً جمع السلامة: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب والمفضل.

الباقون: مثله ولكن بالنصب الذي يليق بجمع سلامة المؤنث.

﴿ يسبتون ﴾ من الإسبات.

زيد عن المفضل معذررة بالنصب حفص والمفضل.

الباقون: بالرفع ﴿ يئس ﴾ مثل رئم: أبو جعفر ونافع ﴿ بيِّس ﴾ على فعيل كسيد: ابن عامر ﴿ بيئس ﴾ على فيعل بفتح العين: الأعشى والبرجمي.

الباقون ﴿ بئيس ﴾ على فعيل.

﴿ تأذن ﴾ بالتليين: الأصفهاني عن ورش والشموني وحمزة في الوقف ﴿ تعقلون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب وحفص.

الباقون بياء الغيبة ﴿ يمسكون ﴾ من الإمساك: أبو بكر وحماد والآخرون بالتشديد.

الوقوف: ﴿ أمماً ﴾ ط وإن اتفقت الجملتان لأن ﴿ أوحينا ﴾ عامل ﴿ إذا استسقاه ﴾ دون ﴿ قطعنا ﴾ فإن تفريق الأسباط لم يكن في زمان الاستسقاء ﴿ الحجر ﴾ ط للحذف مع اتحاد الكلام أي فضرب فانبجست ﴿ عيناً ﴾ ط ﴿ مشربهم ﴾ ط ﴿ والسلوى ﴾ ط ﴿ ما رزقناكم ﴾ ط لحذف جمل أي قلنا كلوا ولا تدخروا فادخروا فانقطع عنهم ﴿ وما ظلمونا ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ خطيئاتكم ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ البحر ﴾ لا كيلا يصير ما بعده ظرفاً لقوله ﴿ وأسألهم ﴾ فإنه محال ﴿ لا تأتيهم ﴾ ج لاحتمال تعلق ﴿ كذلك ﴾ به أي يوم لا يسبتون لا تأتيهم إتياناً كإتيانهم يوم السبت.

والأصح أن كذلك صفة مصدر محذوف أي نبلوهم بلاء كذلك فالوقف على ﴿ كذلك ﴾ جائز أيضاً ﴿ يفسقون ﴾ ه ﴿ قوماً ﴾ ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وأمماً ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده صفة أو مستأنفاً ﴿ دون ذلك ﴾ ز للعطف على ﴿ قطعنا ﴾ فإن لم تجعل الجار صفة للأمم كان عطفاً مع عارض ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ سيغفر لنا ﴾ ج ﴿ يأخذوه ﴾ ط ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ الصلاة ﴾ ص على تقدير حذف أي لا نضيع أجرهم إذ هم المصلحون ﴿ ولا نضيع أجر المصلحين ﴾ ، وللوصل وجه على تقدير وضع الظاهر موضع الضمير أي إنا لا نضيع أجرهم المصلحين ﴿ واقع بهم ﴾ ط الحق المحذوف ﴿ تتقون ﴾ ه.

التفسير: إنه  ختم قصة بني إسرائيل بتعداد جمل من أحوالهم تبصرة للمكلفين بعدهم.

ومعنى ﴿ قطعناهم ﴾ أي صيرناهم قطعاً أي فرقاً وميزنا بعضهم عن بعض كيلا يتحاسدوا ويتباغضوا فيقع بينهم الفتن والهرج.

الأسباط أولاد الأولاد جمع سبط وأصله من السبط نبت يعتلفه الإبل فكان الأب كالشجرة والأولاد كالأغصان الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل من العرب وههنا سؤال وهو أن مميز ما عدا العشرة إلى تسعة وتسعين مفرد فهلا قيل اثني عشر سبطاً؟

وأجيب بأن كل قبيلة أسباط لا سبط فوضع أسباطاً موضع قبيلة كقوله: بين رماحي مالك ونهشل *** ولهذا أنث اثنتي عشرة وقال الزجاج: المميز محذوف و ﴿ أسباطاً ﴾ نعت لذلك المحذوف والتقدير: اثنتي عشرة فرقة أسباطاً.

وقال الفارسي والجوهري: ﴿ أسباطاً ﴾ بدل من ﴿ اثنتي عشرة ﴾ والمميز كما قال الزجاج.

وقوله ﴿ أمماً ﴾ بدل من ﴿ اثنتي عشرة ﴾ لأن كل أسباط كانت جماعة كثيرة العدد تؤم خلاف ما كانت تؤمه الأخرى.

وباقي الآية إلى قوله ﴿ بما كانوا يظلمون ﴾ قد مر تفسيره في البقرة، وكذا بيان المتشابهات فلنذكر النوع الآخر من أحوالهم.

قوله تعالى ﴿ واسئلهم عن القرية ﴾ أي عن أهلها وليس المقصود تعرف هذه القصة من قبل اليهود لأنها معلومة للرسول  من قبل الله  ، ولكن المراد تقرير ما كانوا قد أقدموا عليه من الاعتداء والفسق ليعلم أن لهم سابقة في ذلك، وليس كفرهم بمحمد  أول مناكيرهم.

وقد يقول الإنسان لغيره: هل كان هذا الأمر كذا وكذا ليعرف ذلك الغير أنه محيط بتلك القصة؟

وفيه أنه إذا أعلمهم به من لم يقرأ كتاباً ولم يتعلم علماً كان ذلك مستفاداً من الوحي فيكون معجزاً.

والأكثرون على أن تلك القرية أيلة، وقيل مدين، وقيل طبرية، والعرب تسمي المدينة قرية.

ومعنى ﴿ حاضرة البحر ﴾ قريبة من البحر وعلى شاطئه ﴿ إذ يعدون في السبت ﴾ يتجاوزون حد الله فيه وهو اصطيادهم في يوم السبت.

ومحل ﴿ إذ يعدون ﴾ مجرور بدلاً عن القرية بدل الاشتمال أي واسألهم عن وقت عدوانهم.

قال في الكشاف: يجوز أن يكون منصوباً بحاضرة أو بكانت بناء على أن كان الناقصة تعمل في غير الاسم والخبر وفيه نظر إذ لا معنى لكون القرية حاضرة البحر في وقت العدوان لأنها حاضرته في جميع الأحيان وقوله ﴿ إذ تأتيهم ﴾ منصوب بـ ﴿ يعدون ﴾ أو مجرور بدلاً بعد بدل.

والحيتان جمع الحوت وهو السمكة ﴿ شرعاً ﴾ ظاهرة على وجه الماء جمع شارع كركع وراكع وكل شيء دان من شيء فهو شارع، ودار شارعة إذا دنت من الطريق، ونجوم شوارع إذا دنت من المغيب، فالحيتان كانت تدنو من القرية بحيث يمكنهم صيدها، وعن الحسن تشرع على ابوابهم كأنها الكباش البيض.

وقال ابن عباس ومجاهد: إن اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم به وهو يوم الجمعة فتركوه واختاروا السبت فابتلاهم الله  به وحرم عليهم الصيد فيه، وباقي القصة مذكور في البقرة، وفيها دلالة على أن من أطاع الله تعالى خفف عليه أهوال الدنيا والآخرة، ومن عصاه ابتلاه بأنواع البلايا والمحن.

قالت الأشاعرة: لو وجب رعاية الأصلح على الله  لوجب أن لا يكثر الحيتان في ذلك اليوم صوناً لهم عن الكفر والمعصية وهذا الاعتراض وارد على خلق إبليس وسائر أسباب الشرور.

والنوع الثالث قوله ﴿ وإذ قالت ﴾ وهو معطوف على ﴿ إذ يعدون ﴾ وحكمه حكمه في الإعراب ﴿ أمة منهم ﴾ جماعة من صلحاء أهل القرية الذين بالغوا في موعظتهم حتى آيسوا الآخرين كانوا لا يتركون وعظهم ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم ﴾ مدمرهم ﴿ أو معذبهم عذاباً شديداً ﴾ لعلمهم بأن عاقبة المعصية شؤم والمنهمك في الفساد لا يكاد يفلح ﴿ قالوا معذرة ﴾ من رفع فبتقدير هذه أو موعظتنا أو قولنا إبداء عذر إلى الله.

والمعذرة مصدر كالمغفرة، ومن نصب فعلى أنَّا نعتذر معذرة أو وعظناهم معذرة إلى ربكم أي إذا طولبنا بإقامة النهي عن المنكر قلنا قد فعلنا فنكون بذلك معذورين ﴿ ولعلهم يتقون ﴾ ولأَنّا نرجو أن يتقوا بعض الاتقاء فيتركوا الصيد في السبت ﴿ فلما نسوا ﴾ يعني أهل القرية تركوا ما ذكرهم به الصالحون ﴿ أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ﴾ ومعناه على اختلاف القراءات شديد من بؤس يبؤس بأساً إذا اشتد.

والظاهر أن هذا العذاب غير المسخ المتأخر في قوله ﴿ فلما عتوا ﴾ تكبروا وتمردوا أو أبوا عن ترك ما نهوا عنه بحذف المضاف لأن الإباء عن المنهي عنه يكون طاعة ﴿ قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ﴾ والمراد أمر التكوين والإيجاد لا أن هناك قولاً.

وقيل: فلما عتوا تكرير لقوله ﴿ فلما نسوا ﴾ والعذاب البئيس هو المسخ.

عن الحسن: أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها أثقلها خزياً في الدنيا وأطولها عذاباً في الآخرة.

هاه وأيم الله ما حوت أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله من قتل رجل مسلم ولكن الله جعل موعداً والساعة أدهى وأمر.

وقد ذكرنا هذه القصة مع تحقيق المسخ في سورة البقرة إلا أنه بقي ههنا بحث هو أن أهل القرية كم فرقة كانوا؟

فقيل: فرقتان المذنبة والواعظة، وأما الأمة القائلة "لم تعظون" فهم المذنبة بعينها قالوا للفرقة الواعظة ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم ﴾ بزعمكم.

والاعتراض على هذا القول أنه لو صح ذلك لكان اللائق أن يقال في الجواب معذرة إلى ربكم ولعلكم تتقون لأن الجميع خطاب من الفرقة الناهية للفرقة العاصية.

والصحيح أنهم ثلاث فرق فرقة مذنبة وفرقة واعظة وفرقة قالوا للواعظين ﴿ لم تعظون ﴾ أما المذنبة فقد هلكوا بالاتفاق، وأما الواعظة فقد نجوا.

بقي الكلام في الثالثة: فعن ابن عباس أنه توقف فيهم وكان يقول فيهم ليت شعري ما فعل بهؤلاء.

وعنه أيضاً أنهم هلكوا وكان إذا قرىء عليه هذه الآية بكى.

وقال: أن هؤلاء الذين سكتوا عن النهي عن المنكر هلكوا ونحن نرى أشياء ننكرها ثم نسكت ولانقول شيئاً.

وعن الحسن أنهم نجوا لأنهم كانوا ينكرون عليهم ويحكمون بأن الله سيهلكهم أو يعذبهم وإنما تركوا الوعظ لأنهم لم يروا فيه غرضاً صحيحاً لعلمهم بحال لقوم، وإذا علم الناهي بحال المنهي وأن النهي لا ينجع فيه سقط عنه النهي.

ولعل الواعظين لم يستحكم يأسهم بعد كما استحكم يأس هؤلاء أو لعلهم كانوا أحرص الطائفتين.

ولعل الأمة سألوا عن علة الوعظ سؤال المسترشدين لا سؤال المنكرين والله  أعلم بالسرائر.

النوع الرابع: ﴿ وإذ تأذن ربك ﴾ هو تفعل من الإيذان وهو الإعلام والمعنى عزم ربك لأن العازم على الأمر يحدث به نفسه فكأنه يؤذن النفس بأنه يفعله وأجري مجرى فعل القسم في الجزم بالجزاء نحو "علم الله" و "شهد الله".

فأجيب بجواب القسم أي ختم ربك وكتب على نفسه ﴿ ليبعثن ﴾ ومعناه التسليط كقوله ﴿ بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد  ﴾ واختلف في العائد في ﴿ عليهم ﴾ فقيل: يرجع إلى الممسوخين بناء على أن لهم نسلاً.

وقيل: إلى صلحاء تلك القرية فكأنه مسخ المعتدين وألحق الذل بالبقية.

وقال الأكثرون: هم اليهود الذين أدركهم رسول الله  ودعاهم إلى شريعته فثبتوا على الكفر واستمروا على اليهودية.

أما العذاب فقيل: هو أخذ الجزية كانوا يؤدونها إلى المجوس إلى أن بعث الله محمداً  فضربها عليهم، فلا تزال مضروبة عليهم إلى يوم القيامة.

وقيل: الاستخفاف والإهانة.

وقيل: القتل والقتال كما وقع في زمن بختنصر وغيره.

وقيل: الإخراج عن الأوطان كما في يهود خيبر وبني قريظة والنضير.

وإذ قد أخبر الله  بلزوم الذل والصغار إياهم ونحن نشاهد أن الأمر كذلك فهو إذاً إخبار عن الغيب فيكون معجز.

قيل: والخبر المروي في أن أتباع الدجال هم اليهود إن صح فمعناه أنهم كانوا قبل خروجه يهود، ثم دانوا بآلهيته فذكروا بالاسم الأول، وإنما تكلف ذلك لأنهم يكونون في وقت اتباع الدجال قاهرين غالبين.

النوع الخامس: ﴿ وقطعناهم في الأرض أمماً ﴾ فرقناهم فيها تفريقاً شديداً فلا يكاد يوجد بلد إلا وفيه منهم طائفة ﴿ منهم الصالحون ﴾ الذين كانوا في زمن موسى يهدون بالحق أو الذين هم وراء الصين.

وعن ابن عباس ومجاهد: الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وآله وآمنوا به.

﴿ ومنهم دون ذلك ﴾ أي ومنهم ناس دون ذلك الوصف منحطون عنه فيجوز أن يكون فيهم بعض الصلاح وإن كان أدون من صلاح الأولين إلا أن قوله بعد ذلك ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ يدل على أن المراد بهم الكفرة الفسقة الباقية على ضد الخير والرشاد.

ومحل ﴿ دون ذلك ﴾ رفع على أنه صفة مرفوع محذوف كما قلنا ﴿ وبلوناهم ﴾ عاملناهم معاملة المبتلى المختبر ﴿ بالحسنات ﴾ الخصب والعافية ﴿ والسيئات ﴾ بالجدب والشدائد ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ لأن كلاً من الحالتين تدعو إلى الطاعة والإنابة والنعم بالترغيب والنقم بالترهيب ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ ظاهره يدل على أن الأوّل ممدوح والثاني مذموم.

فالمراد فخلف من بعد أولئك الصلحاء خلف سوء.

قال الجوهري الخلف القرن بعد القرن يقال: هؤلاء خلف سوء لناس لاحقين بناس أكثر منهم.

قال الأخفش: وقد يحرك ومنهم من يقول خلف سوء من أبيه بالتسكين وخلف صدق من أبيه بالتحريك قال لبيد: ذهب الذين يعاش في أكنافهم *** وبقيت في خلف كجلد الأجرب والخلف الرديء من القول يقال: سكت ألفاً ونطق خلفاً أي سكت عن ألف كلمة ثم تكلم بخطأ ﴿ ورثوا الكتاب ﴾ أي التوراة بقيت في أيديهم بعد سلفهم يقرؤنها ويقفون على ما فيها من الأوامر والنواهي ولا يعملون بها ﴿ يأخذون عرض هذا الأدنى ﴾ أي حطام هذا الشيء الأدنى يريد الدنيا وما يتمتع به منها.

يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر.

وفي الإشارة بقوله ﴿ هذا الأدنى ﴾ تحقير وتخسيس.

وأراد بالدنو القرب لأنه عاجل.

أو دنو الحال وسقوطها وقلتها.

والمراد كانوا يأخذونه من الرشا في تحريف الأحكام والنعوت ﴿ ويقولون سيغفر لنا ﴾ يؤاخذنا الله بما أخذنا.

وإسناد الفعل إما إلى الجار والمجرور وإما إلى الأخذ الدال عليه ﴿ يأخذون ﴾ ، ﴿ وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ﴾ الواو للحال أي يرجون المغفرة جزماً وهم مصرون والمراد الإخبار عن إصرارهم على الذنوب.

وقال الحسن: هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وأنهم لا يشبعون منها.

ثم بين نكث عهدهم فقال ﴿ ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ﴾ أي التوراة.

ومحل ﴿ ألا يقولوا على الله إلا الحق ﴾ رفع عطف بيان للميثاق المذكور في التوراة وهو أن لا يحرّفوا الكلم عن مواضعه ولا يقبلوا الرشا أو لا يصروا على الذنب مع الجزم بالغفران.

فإن خلاف كل ذلك خروج عن ميثاق الكتاب وافتراء على الله وتقول عليه ما ليس بحق.

ويجوز أن يكون ﴿ ألا يقولوا ﴾ مفعولاً لأجله ومعناه لئلا يقولوا ويجوز أن تكون "أن" مفسرة ﴿ ولا يقولوا ﴾ نهياً كأنه قيل: ألم نقل لهم لا تقولوا على الله إلا الحق؟

﴿ ودرسوا ﴾ عطف على ﴿ ألم يؤخذ ﴾ لأنه تقرير كأنه قيل: أخذ عليهم الميثاق وقرأوا ما فيه أي أنهم ذاكرون لما أخذ عليهم قد قرأوه ودرسوه.

﴿ والدار الآخرة خير ﴾ من ذلك العرض الخسيس ﴿ للذين يتقون ﴾ الرشا والمحرمات.

ثم لما ذكر حال من ترك التمسك بالتوراةأتبعها حال من تمسك أي اعتصم به فقال ﴿ والذين يمسكون ﴾ الآية والتشديد للتكثير وفي إفراد إقامة الصلاة بالذكر مع أن التمسك بالكتاب مشتمل على كل عبادة إظهار لمزية الصلاة وإشعار بأنها عماد الدين.

النوع السادس: ﴿ وإذ نتقنا الجبل ﴾ قال أبو عبيدة: أصل النتق قلع الشيء عن موضعه والرمي به ومنه امرأة ناتق إذا كثر ولدها كأنها ترمي بأولادها رمياً.

والمعنى إذا قلعنا الجبل من أصله وجعلناه ﴿ فوقهم كأنه ظله ﴾ وهي كل ما أظلك من سقف أو حائط ﴿ وظنوا أنه واقع بهم ﴾ علموا وتيقنوا أنه ساقط عليهم.

وقيل: قوي في نفوسهم أنه يقع بهم إن خالفوا.

روي أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة فرفع الله الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم وكان فرسخاً في فرسخ.

وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم.

فلما نظروا إلى الجبل خر كل رجل منهم ساجداً على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقاً من سقوطه فلذلك لا ترى يهودياً يسجد إلا على حاجبه الأيسر ويقولون هذه السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة.

ولما نشر موسى الألواح وفيه كتاب الله لم يبق جبل ولا حجر إلا اهتز فلذلك لا ترى يهودياً تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونغض لها رأسه.

﴿ خذوا ﴾ على إرادة القول أي قلنا لهم أو قائلين خذوا ﴿ ما آتيناكم ﴾ من الكتاب ﴿ بقوة ﴾ بجد وعزيمة على احتمال مشاقه وتكاليفه ﴿ واذكروا ما فيه ﴾ من الأوامر والنواهي، أو من التعريض للثواب، أو المراد خذوا ما آتيناكم من الآية العظيمة بقوة إن كنتم تطيقونه كقوله ﴿ إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا  ﴾ واذكروا ما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة ﴿ لعلكم تتقون ﴾ ما أنتم عليه من الإباء.

التأويل: ﴿ القرية التي كانت حاضرة البحر ﴾ هي قرية الجسد الحيواني على شاطىء بحر البشرية، وأهل قرية الجسد الصفات الإنسانية صنف روحاني كصفات الروح، وصنف قلبي كصفات القلب، وصنف نفساني كصفات النفس الأمارة بالسوء، وكل قد نهوا عن صيد حيتان الدواعي البشرية في سبت محارم الله، فلم تنتهك الحرمة إلا الصفات النفسانية ﴿ إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ﴾ لأن الإنسان حريص على ما منع فتهيج الدواعي في المحرمات دون المحللات ﴿ بما كانوا يفسقون ﴾ أي بما كان من طبيعة النفس وصفاتها من الخروج عن أمر الله أنها أمارة بالسوء ﴿ وإذ قالت أمة منها ﴾ هي صفات القلب قالوا لصفات الروح ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم ﴾ بالمخالفات عند استيفاء اللذات والشهوات ﴿ أو معذبهم عذاباً شديداً ﴾ وهو المسخ بتبديل الصفات الإنسانية إلى الصفات الحيوانية ﴿ قالوا معذرة إلى ربكم ﴾ لأنه خلقنا هكذا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر فنقضي ما علينا ليعلم أنّا ما تغيرنا عن أوصافنا الروحانية والملكية، ولعل النفس وصفاتها ﴿ يتقون ﴾ فتتصف بالمأمورية والاطمئنان فإنها قابلة لذلك ﴿ بعذاب بئيس ﴾ وهو إبطال استعداد قبول الفيض الإلهي ﴿ ليبعثن عليهم ﴾ على الأرواح والقلوب الذين يتبعون النفس وصفاتها ﴿ من يسومهم ﴾ وهو الشيطان المنظر إلى يوم القيامة ﴿ سوء العذاب ﴾ عذاب البعد عن الله وعذاب ذلة الخدمة للنفس والشيطان ﴿ وقطعناهم ﴾ فرقنا الأرواح والقلوب في أرض الأجساد ﴿ منهم الصالحون ﴾ قابلون لفيض نور الله ﴿ ومنهم دون ذلك ﴾ في القبول ﴿ وبلوناهم بالحسنات ﴾ وهي الطاعات ﴿ والسيئات ﴾ وهي المعاصي ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ إلى الحق.

وذلك أن السير إلى الله يتم بقدم الطاعة وبقدم ترك المعصية ومن هنا قيل خطوتان وقد وصلت.

أو بلوناهم بالحسنات ليرجعوا إلينا بقدم الشكر، والسيئات ليرجعوا بقدم الصبر أو بلوناهم بكثرة الطاعات والعجب بها كما كان حال إبليس وبكثرة المعاصي والندامة عليها كما كان حال آدم ﴿ فخلف ﴾ من بعد الأرواح والقلوب لما سلكوا طريق الحق ووصلوا إلى مقعد صدق خلفهم النفوس الأمارة بالسوء ﴿ ورثوا الكتاب ﴾ وهو ما ألهم الله  الأرواح والقلوب من المواعظ والحكم والمعاني والأسرار وورثتها النفوس وجعلوها ذريعة للعروض الدنياوية وتحصيل المال والجاه واستيفاء اللذات ﴿ ويقولون سيغفر لنا ﴾ مثل هذه الزلات لأنا واصلون كاملون كما هو مذهب أهل الإباحة، أو سيغفر لنا إذا اسغفرنا وهم يستغفرون باللسان لا بالقلب ﴿ وإذ نتقنا الجبل ﴾ فيه أن الإنسان لو وكل إلى طبعه ونفسه لا يقبل شيئاً من الأمور الدينية وإنما يعان على القبول بأمر ظاهر أو باطن.

وفيه أن على رؤوس أهل الطلب جبل أمر الحق وهو أمر التحويل فيحولهم بالقدرة إلى أن يأخذوا ما آتاهم الله  بقوة منه لا بقوتهم وإرادتهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ ﴾ \[قيل\] تأذن: أي: قال ربك: [ليبعثن].

وقال أبو عوسجة: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ ﴾ هو من الأذان، أي: أعلم ربك.

وقوله: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ...

﴾ الآية قال: نزلت هذه الآية بمكة في شأن أصحاب رسول الله  لأن الكفار كانوا يمنعون من دار الإسلام واتباع محمد - عليه الصلاة والسلام - فوعدهم الله ليبعثن عليهم من يقاتلهم ويأخذ منهم الجزية إلى يوم القيامة؛ جزاء ما كانوا يمنعون الناس عن اتباع محمد  والإجابة له فيما يدعو إليه.

وقال قائلون: هو في بني إسرائيل، وهو ما قال: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا  ﴾ أخبر إن عادوا عدنا، ولم يبين إن عادوا عدنا بماذا، ثم بين في هذه الآية بقوله: ﴿ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ ﴾ .

وقال قائلون: هذا إنما كان في هؤلاء الذين سبق ذكرهم في قوله: ﴿ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ  ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: الآية لا تحتمل في هؤلاء؛ لأن من آمن منهم لا يحتمل ذلك، ومن صار منهم قروداً لم يحتمل - أيضاً - بعد ما صاروا قروداً، فهو - والله أعلم - على الوجهين اللذين ذكرناهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ ﴾ .

يأخذهم في حال أمنهم، ليس كما يأخذ ملوك الأرض قومهم بعد ما يتقدم منهم إليهم تخويف، فعند ذلك يأخذونهم بالعذاب.

أو أن يقال: سريع العقاب، أي: عن سريع يأخذهم عقابه.

وقوله: ﴿ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ ﴾ : لمن كفر وكذب، غفور رحيم: لمن آمن وصدق بالله ورسوله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً ﴾ .

يحتمل: فرقناهم في وقت بعد ما كانوا مجموعين.

ثم يحتمل الجمع وجهين: كانوا مجموعين ثم تفرقوا، فصار بعضهم كفاراً وبعضهم مؤمنين.

أو كانوا مجموعين في المكان والمعاش والماء والكلأ ثم تفرقوا، فصاروا متفرقين في المكان والمعاش وغيره.

أو كانوا في الدين واحداً، ثم صاروا أصحاب أهواء.

ويحتمل قوله: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً ﴾ أي: أمة بعد أمة، وجماعة بعد جماعة، بعضهم خلفاء لبعض؛ على ما ذكر: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّنْهُمُ ٱلصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ ﴾ .

فإن كان قوله: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ في الدين والمذهب، فيكون تأويله: [منهم الصالحون المؤمنون، ومنهم دون ذلك الكفار، ويكون قوله: ﴿ دُونَ ذٰلِكَ ﴾ أي: غير ذلك كقوله يعيدونها دون الله أي:] غير الله.

وإن كان في المعاش، فبعضهم دون بعض في المعاش؛ وسع على بعض المعاش، وشدد على بعض وضيق، فيكون بعضهم دون بعض في المعاش والرزق.

أو بعضهم دون بعض في الدين، بعضهم على الصلاح، وبعضهم أصحاب أهواء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ .

ابتلى بعضهم بالخصب والسعة، وبعضهم بالشدة والضيق؛ ليذكرهم الموعود من الثواب في الحسنات، ويزجرهم الموعود من العقاب عن السيئات.

﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ .

يتوبون ويرجعون عن ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ فهو يخرج على وجوه: أحدها: بلوناهم بالنعم والخصب والسعة؛ ليعرفوا فضل الله وإحسانه فيرجعوا إليه بالشكر والثناء، و ﴿ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ ، أي: بالبلايا في أنفسهم أو المصائب والضيق؛ ليعرفوا قدرة الله وسلطانه، فيرجعوا إليه بالتضرع والفزع والدعاء والتوبة.

والثاني: معناه: أي: بلوناهم بالحسنات والسيئات؛ ليتقرر عندهم أن غيرهم أملك بهم من أنفسهم، فيرجعوا إليه [بتسليم] النفس لأمره وحكمه.

والثالث: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ المؤمن منهم والكافر، حتى إذا رأوا الاستواء في الدنيا وفي الحكمة التفريق بينهم، فيضطر الجميع إلى الإيمان بالبعث؛ إذ خروجهم من الدنيا على سواء.

والرابع: أنه إنما جعل النعيم في الدنيا ليعرفوا لذّة الموعود في الآخرة، وكذلك الشدة، فابتلاهم بالأمرين جميعاً؛ ليستعدوا للرجوع إلى الموعود لهم في الآخرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ .

قال قائلون: هو صلة قوله: ﴿ مِّنْهُمُ ٱلصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ ﴾ ، والصالحون هم الذين آمنوا بالله، وحفظوا حدوده وحلاله وحرامه، ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ يعني: الصالحين ﴿ فَخَلَفَ ﴾ لم يحفظوا حدوده ومحارمه.

وقال قائلون: هو صلة ما تقدم من ذكر الأنبياء والرسل؛ كأنه أخبر أنه خلف من بعدهم خلف، يعني: خلف الرسل والأنبياء ﴿ وَرِثُواْ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ وهو كما ذكر في سورة مريم، وهو قوله: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ  ﴾ وإنما ذكر هذا من بعد ذكر الأنبياء والرسل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرِثُواْ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ علموا ما فيه.

﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ ﴾ .

إن أهل الكتاب كانوا يأخذون الدنيا على أحد وجوه ثلاثة: منهم من كان يأخذها مستحلاًّ لها؛ كقوله -  -: ﴿ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ  ﴾ .

وكقوله: ﴿ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ  ﴾ .

ومنهم من كان يأخذها بالتبديل، أعني: تبديل الكتاب؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ...

﴾ الآية [آل عمران: 78]، وقوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً  ﴾ .

ومنهم من كان تناول على ما تناول أهل الإسلام على قدر الحاجة، وهاهنا لا يحتمل الأخذ إلا أخذ الاستحلال أو التبديل، والأخذ بالاستحلال - هاهنا - أقرب، كانوا يأخذون عرض هذا الأدنى مستحلين له.

﴿ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ﴾ يحتمل هذا وجوهاً: يحتمل ما قالوا: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ .

فيغفر لنا؛ كانوا يستحلون أموال الناس ويأخذونها، ثم يقولون: سيغفر لنا؛ لأنا أبناء الله وأحباؤه.

والثاني: يحتمل أنهم قالوا: سيغفر لنا، مع علمهم أنه لا يغفر لهم؛ لما كان في كتابهم ألاّ يغفر لهم إذا تناولوا مستحلين.

أو أنهم إذا عوتبوا على ما فعلوا قالوا: سيغفر لنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَٰقُ ٱلْكِتَٰبِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَٰقُ ٱلْكِتَٰبِ ﴾ أنهم إذا استحلوا ذلك أضافوا ذلك إلى الله، وقالوا: الله أمرنا بذلك، فقال: ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق، أي: لا يضيفوا إلى الله ما استحلوا.

أو أن يقال: أخذ عليهم ألاّ يقولوا: نحن أبناء الله وأحباؤه.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَٰقُ ٱلْكِتَٰبِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ فيما يوجبون على الله من مغفرة ذنوبهم التي لا يزالون يعودون لها، ولا يتوبون عنها.

قال بعضهم: قوله: ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ ﴾ قال: يأخذونه إن كان حلالاً أو حراماً ﴿ وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ﴾ ، وقال: قوله: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ سوء ﴿ وَرِثُواْ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ بعد أنبيائهم، ورثهم الله الكتاب، وعهد إليهم في سورة مريم ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ  ﴾ ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ ﴾ ، وهو ما ذكرنا.

وقال القتبي: الخلف: الرديء من الناس ومن الكلام؛ يقال: هذا خلف من القول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ ﴾ .

أي: قرءوا ما فيه وعلموه.

﴿ وَٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ .

أي: يتقون الشرك، أو يتقون مخالفة الله ومعاصيه، أفلا يعقلون ما في كتابهم أن ترك مخالفة الله خير في الآخرة.

ثم أخبر عن المؤمنين فقال: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَابِ ﴾ ما فيه من الحلال، والحرام ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكر -أيها الرسول- إذ أعلم الله إعلامًا صريحًا لا لبس فيه ليُسَلِّطن على اليهود من يذلهم ويهينهم في حياتهم الدنيا إلى يوم القيامة، إن ربك -أيها الرسول- لسريع العقاب لمن عصاه، حتى إنه قد يُعجِّل له العقوبة في الدنيا، وانه لَغفوز لِذُنوب مَن تاب من عباده، رحيم بهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.Xebny"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل