الآية ١٦٩ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٦٩ من سورة الأعراف

فَخَلَفَ مِنۢ بَعْدِهِمْ خَلْفٌۭ وَرِثُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌۭ مِّثْلُهُۥ يَأْخُذُوهُ ۚ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَـٰقُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن لَّا يَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ وَدَرَسُوا۟ مَا فِيهِ ۗ وَٱلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ١٦٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 121 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦٩ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٦٩ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ) يقول تعالى : فخلف من بعد ذلك الجيل الذين فيهم الصالح والطالح ، خلف آخر لا خير فيهم ، وقد ورثوا دراسة [ هذا ] الكتاب وهو التوراة - وقال مجاهد : هم النصارى - وقد يكون أعم من ذلك ، ( يأخذون عرض هذا الأدنى ) أي : يعتاضون عن بذل الحق ونشره بعرض الحياة الدنيا ، ويسوفون أنفسهم ويعدونها بالتوبة ، وكلما لاح لهم مثل الأول وقعوا فيه ; ولهذا قال : ( وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ) كما قال سعيد بن جبير : يعملون الذنب ، ثم يستغفرون الله منه ، فإن عرض ذلك الذنب أخذوه .

وقول مجاهد في قوله : ( يأخذون عرض هذا الأدنى ) قال : لا يشرف لهم شيء من الدنيا إلا أخذوه ، حلالا كان أو حراما ، ويتمنون المغفرة ، ويقولون : ( سيغفر لنا ) وإن يجدوا عرضا مثله يأخذوه .

وقال قتادة في : ( فخلف من بعدهم خلف ) أي : والله لخلف سوء ، ورثوا الكتاب بعد أنبيائهم ورسلهم ، ورثهم الله وعهد إليهم ، وقال الله في آية أخرى : ( فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ) [ مريم : 59 ] ، قال ( يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ) تمنوا على الله أماني ، وغرة يغترون بها ، ( وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ) لا يشغلهم شيء عن شيء ، ولا ينهاهم شيء عن ذلك ، كلما هف لهم شيء من [ أمر ] الدنيا أكلوه ، ولا يبالون حلالا كان أو حراما .

وقال السدي [ في ] قوله : ( فخلف من بعدهم خلف ) إلى قوله : ( ودرسوا ما فيه ) قال : كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيا إلا ارتشى في الحكم ، وإن خيارهم اجتمعوا ، فأخذ بعضهم على بعض العهود ألا يفعلوا ولا يرتشي ، فجعل الرجل منهم إذا استقضى ارتشى ، فيقال له : ما شأنك ترتشي في الحكم ، فيقول : " سيغفر لي " ، فتطعن عليه البقية الآخرون من بني إسرائيل فيما صنع ، فإذا مات ، أو نزع ، وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه ، فيرتشي .

يقول : وإن يأت الآخرين عرض الدنيا يأخذوه .

قال الله تعالى : ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه ) يقول تعالى منكرا عليهم في صنيعهم هذا ، مع ما أخذ عليهم من الميثاق ليبينن الحق للناس ، ولا يكتمونه كقوله : ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون ) [ آل عمران : 187 ] وقال ابن جريج : قال ابن عباس : ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ) قال : فيما يوجبون على الله من غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون فيها ، ولا يتوبون منها .

وقوله تعالى : ( والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ) يرغبهم تعالى في جزيل ثوابه ، ويحذرهم من وبيل عقابه ، أي : وثوابي وما عندي خير لمن اتقى المحارم ، وترك هوى نفسه ، وأقبل على طاعة ربه .

( أفلا تعقلون ) يقول : أفليس لهؤلاء الذين اعتاضوا بعرض الدنيا عما عندي عقل يردعهم عما هم فيه من السفه والتبذير ؟

ثم أثنى تعالى على من تمسك بكتابه الذي يقوده إلى اتباع رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، كما هو مكتوب فيه

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فخلف من بعد هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم (65) = " خلف " يعني: خَلف سوء.

يقول: حدث بعدهم وخلافَهم, وتبدل منهم، بَدَلُ سَوْءٍ.

* * * يقال منه: " هو خَلَف صِدْقٍ", " وخَلْفُ سَوْءٍ", وأكثر ما جاء في المدح بفتح " اللام "، وفي الذم بتسكينها, وقد تحرَّك في الذم، وتسكّن في المدح, ومن ذلك في تسكينها في المدح قول حسان: لَنَــا القَـدَمُ الأُولَـى إلَيْـكَ, وَخَلْفُنَـا لأَوَّلِنَــا فِــي طَاعَــةِ اللـهِ تَـابِعُ (66) وأحسب أنّه إذا وُجّه إلى الفساد، مأخوذ من قولهم: " خَلَف اللبن "، إذا حمض من طُول تَركه في السقاء حتى يفسد, فكأنَّ الرجل الفاسد مشبَّهٌ به.

وقد يجوز أن يكون منه قولهم (67) " خَلَف فم الصائم "، إذا تغيرت ريحه.

وأما في تسكين " اللام " في الذمّ, فقول لبيد: ذَهَـبَ الَّـذِينَ يُعَـاشُ فِـي أَكْنَـافِهِمْ وَبَقِيـتُ فِـي خَـلْفٍ كَجِـلْدِ الأَجْرَبِ (68) * * * وقيل: إن الخلف الذي ذكر الله في هذه الآية أنهم خَلَفوا من قبلهم، هم النصارى.

* ذكر من قال ذلك: 15313- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: " فخلف من بعدهم خلف "، قال: النصارى.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره، إنما وصف أنه خَلَف القومَ الذين قصّ قصصهم في الآيات التي مضت، خَلْف سوءِ رديء, ولم يذكر لنا أنهم نصارى في كتابه, وقصتهم بقصص اليهود أشبه منها بقصص النصارى.

وبعدُ, فإن ما قبل ذلك خبرٌ عن بني إسرائيل، وما بعده كذلك, فما بينهما بأن يكون خبرًا عنهم أشبه, إذ لم يكن في الآية دليل على صرف الخبر عنهم إلى غيرهم, ولا جاء بذلك دليل يوجب صحة القول به.

* * * فتأويل الكلام إذًا: فتبدَّل من بعدهم بَدَل سوء, ورثوا كتاب الله فَعُلِّموه, (69) وضيعوا العمل به، فخالفوا حكمه, يُرْشَون في حكم الله, فيأخذون الرشوة فيه من عَرَض هذا العاجل " الأدنى ", (70) يعني ب " الأدنى ": الأقرب من الآجل الأبعد.

(71) ويقولون إذا فعلوا ذلك: إن الله سيغفر لنا ذنوبنا، تمنِّيًا على الله الأباطيل, كما قال جل ثناؤه فيهم: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ، [سورة البقرة: 79]= " وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه "، يقول: وإن شرع لهم ذنبٌ حرامٌ مثله من الرشوة بعد ذلك، (72) أخذوه واستحلوه ولم يرتدعوا عنه.

يخبر جل ثناؤه عنهم أنهم أهل إصرار على ذنُوبهم, وليسوا بأهل إنابة ولا تَوْبة.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل وإن اختلفت عنه عباراتهم.

* ذكر من قال ذلك: 15314- حدثنا أحمد بن المقدام قال، حدثنا فضيل بن عياض, عن منصور, عن سعيد بن جبير في قوله: " يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عَرَض مثله يأخذوه "، قال: يعملون الذنب، ثم يستغفرون الله, فإن عرض ذلك الذنب أخذوه.

15315- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن سعيد بن جبير: " وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه "، قال: من الذنوب.

153116- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن سعيد بن جبير: " يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا "، قال: يعملون بالذنوب = " وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه "، : قال: ذنبٌ آخر، يعملون به.

15317- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن منصور, عن سعيد بن جبير: " يأخذون عرض هذا الأدنى "، قال: الذنوب= " وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه "، قال: الذنوب.

15318- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (يأخذون عرض هذا الأدنى) قال: ما أشرف لهم من شيء في اليوم من الدنيا حلالٌ أو حرام يشتهونه أخذوه, ويبتغون المغفرة, فإن يجدوا الغد مثلَه يأخذوه.

15319- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, بنحوه= إلا أنه قال: يتمنَّون المغفرة.

15320- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد, عن مجاهد: " يأخذون عرض هذا الأدنى "، قال: لا يشرف لهم شيء من الدنيا إلا أخذوه، حلالا كان أو حرامًا, ويتمنون المغفرة, ويقولون: " سيغفر لنا "، وإن يجدوا عرضًا مثله يأخذوه.

15321- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " فخلف من بعدهم خلف "، إي والله، لَخَلْفُ سَوْء ورِثوا الكتابَ بعد أنبيائهم ورسلهم, ورَّثهم الله وَعهِد إليهم, وقال الله في آية أخرى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ، [سورة مريم: 59]، قال: " يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا "، تمنوا على الله أمانيّ، وغِرّةٌ يغتَرُّون بها.

= " وإن يأتهم عرض مثله "، لا يشغلهم شيء عن شيء ولا ينهاهم عن ذلك, (73) كلما أشرف لهم شيء من الدنيا أكلوه، لا يبالون حلالا كان أو حرامًا.

15322- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: " يأخذون عرض هذا الأدنى "، قال: يأخذونه إن كان حلالا وإن كان حرامًا= " وإن يأتهم عرض مثله "، قال: إن جاءهم حلال أو حرامٌ أخذوه.

15323- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: " فخلف من بعدهم خلف " إلى قوله: وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ، قال: كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيًا إلا ارتشى في الحكم، وإن خيارهم اجتمعُوا، فأخذ بعضهم على بعض العهود أن لا يفعلوا ولا يرتشوا, (74) فجعل الرجل منهم إذا استُقْضِي ارتشى, فيقال له: ما شأنك ترتشي في الحكم؟

فيقول: سيغفر لي !

فيطعن عليه البقية الآخرون من بني إسرائيل فيما صنع.

فإذا مات، أو نـزع, وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه، فيرتشي.

يقول: وإن يأت الآخرين عرضُ الدنيا يأخذوه.

وأما " عرض الأدنى ", فعرض الدنيا من المال.

15324- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا "، يقول: يأخذون ما أصابوا ويتركون ما شاءوا من حلال أو حرام, ويقولون: " سيغفر لنا ".

15325- وحدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " يأخذون عرض هذا الأدنى "، قال: الكتاب الذي كتبوه= " ويقولون سيغفر لنا "، لا نشرك بالله شيئًا= " وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه "، يأتهم المحقّ برشوة فيخرجوا له كتاب الله، ثم يحكموا له بالرشوة.

وكان الظالم إذا جاءهم برشوة أخرجوا له " المثنّاة ", وهو الكتاب الذي كتبوه, فحكموا له بما في " المثنّاة "، بالرشوة, فهو فيها محق, وهو في التوراة ظالم, فقال الله: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ .

15326- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن سعيد بن جبير قوله: " فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى "، قال: يعملون بالذنوب= " ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه "، قال: الذنوب.

* * * القول في تأويل قوله : أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (169) وقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: " ألم يؤخذ "، على هؤلاء المرتشين في أحكامهم, القائلين: " سيغفر الله لنا فعلنا هذا ", إذا عوتبوا على ذلك= " ميثاقُ الكتاب ", وهو أخذ الله العهود على بني إسرائيل، بإقامة التوراة، والعمل بما فيها.

فقال جل ثناؤه لهؤلاء الذين قص قصتهم في هذه الآية، موبخًا على خلافهم أمرَه، ونقضهم عهده وميثاقه: ألم يأخذ الله عليهم ميثاق كتابه، (75) ألا يقولوا على الله إلا الحق، ولا يُضيفوا إليه إلا ما أنـزله على رسوله موسى صلى الله عليه وسلم في التوراة, وأن لا يكذبوا عليه؟

كما: - 15327- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: " ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق "، قال: فيما يوجبون على الله من غُفران ذنوبهم التي لا يَزَالون يعودون فيها ولا يَتُوبون منها.

* * * وأما قوله: " ودرسوا ما فيه "، فإنه معطوف على قوله: وَرِثُوا الْكِتَابَ ، ومعناه: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ , " ودرسوا ما فيه "= ويعني بقوله: " ودرسوا ما فيه "، قرأوا ما فيه، (76) يقول: ورثوا الكتاب فعلموا ما فيه ودرسوه, فضيعوه وتركوا العمل به, وخالفوا عهد الله إليهم في ذلك، كما: - 15328- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ودرسوا ما فيه "، قال: علّموه، علّموا ما في الكتاب الذي ذكر الله، وقرأ: بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ، [سورة آل عمران: 79].

* * * قال أبو جعفر: " والدار الآخرة خير للذين يتقون "، يقول جل ثناؤه: وما في الدار الآخرة, وهو ما في المعادِ عند الله، (77) مما أعدّ لأوليائه، والعاملين بما أنـزل في كتابه، المحافظين على حدوده= " خير للذين يتقون الله "، (78) ويخافون عقابه, فيراقبونه في أمره ونهيه, ويطيعونه في ذلك كله في دنياهم= " أفلا يعقلون "، (79) يقول: أفلا يعقل هؤلاء الذين يأخذون عرض هذا الأدنى على أحكامهم, ويقولون: سَيُغْفَرُ لَنَا , أنَّ ما عند الله في الدار الآخرة للمتقين العادِلين بين الناس في أحكامهم, خير من هذا العرض القليل الذي يستعجلونه في الدنيا على خلافِ أمر الله، والقضاء بين الناس بالجور؟

----------------- الهوامش : (65) (3) انظر تفسير (( خلف )) فيما سلف ص : 122 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(66) (4) ديوانه : 254 ، وسيرة ابن هشام 3 : 283 واللسان( خلف ) ، وسيأتي في التفسير 11: 59 بولاق ، من قصيدة بكى فيها سعد بن معاذ ، في يوم بنى قريظة ورجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشهداء .

وقوله : (( القدم الأولى )) ، يعنى سابقة الأنصار في الإسلام .وروى السيرة : (( في ملة الله تابع )) .

(67) ( 1) في المطبوعة والمخطوطة : (( منه قولهم )) ، وهو خطأ .

(68) (2) ديوانه ، القصيدة : 8 ، واللسان ( خلف ) ، وغيرها كثير .

يرثي بها أربد ، صاحبه وابن عمه ، قال :قَــضِّ اللُّبَانَــةَ لا أَبَـالَكَ وَاذْهـبِ وَالْحَــقْ بأُسْــرَتِكَ الكِـرام الغُيَّـبِ ذَهَـــبَ الَّــذِين.................

ذَهَـــبَ الَّــذِين..................

يَتَـــأَكَّلُونَ مَغَالَـــةً وَخِيَانَـــةً وَيُعَــابُ قَــائلُهُمْ وَإِنْ لَـمْ يَشْـغَبِ يَــا أرْبَـدَ الخَـيْرِ الكـريمُ جُـدُودُهُ خَــلَّيْتَني أَمْشِــي بِقَـرْنٍ أعْضَـبِ .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

إنَّ الرَّزِيَّـــةَ، لا رَزِيَّــةَ مِثْلُهَــا فِقْــدَانُ كُـلَّ أَخٍ كَضَـوْءِ الكَـوْكَبِ (( المغالة )) الفحش في العداوة والوشاية عن تعاديه ، و(( القرن الأعْضب )) ، المكسور ، يعنى أنه قد فتر حده بموت أربد .

(69) (1) في المطبوعة : (( تعلموه )) وصواب قراءة ما في المخطوطة ، هو ما أثبت (70) (2) انظر تفسير (( عرض الدنيا )) فيما سلف 9 : 71 .

(71) (3) انظر تفسير (( الأدنى )) فيما سلف 2 : 131 .

(72) (4) في المخطوطة : (( وإن شرع لهم ذنباً )) ، سيئة الكتابة ، والذي في المطبوعة ليس يبعد عن الصواب ، وإن كنت غير راض عنه .

(73) (1) في المخطوطة : (( لا يسلعهم شيء ...

)) سيئة الكتابة ، وكأن ما في المطبوعة صواب .

(74) (2) في المخطوطة : (( ولا يرتشى )) ، والصواب ما في المطبوعة .

(75) (1) انظر تفسير (( الميثاق )) فيما سلف 10 : 110 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(76) (2 ) انظر تفسير (( درس )) فيما سلف 6 : 546 / 12 : 25 - 31 / 12 : 241 .

(77) (3) انظر تفسير (( الدار الآخرة )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أخر ) .

(78) (4) انظر تفسير (( التقوى)) فيما سلف من فهارس اللغة ( وقى ) .

(79) (1) قراءة أبي جعفر كما هو بين {أَفَلا يَعْقِلُونَ} بإلياء ، وتفسيره جرى عليها ، فلذلك تركتها هنا كما فسرها ، وإن كنت قد وضعت الآية فيما سلف برسم مصحفنا وقراءتنا .

ولم يشر أبو جعفر إلى هذه القراءة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلونقوله تعالى فخلف من بعدهم خلف يعني أولاد الذين فرقهم في الأرض .

قال أبو حاتم : الخلف بسكون اللام : الأولاد ، الواحد والجميع فيه سواء .

و " الخلف " بفتح اللام البدل ، ولدا كان أو غريبا .

وقال ابن الأعرابي : " الخلف " بالفتح الصالح ، وبالجزم الطالح .

قال لبيد :ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجربومنه قيل للرديء من الكلام : خلف .

ومنه المثل السائر " سكت ألفا ونطق خلفا " .

فخلف في الذم بالإسكان ، وخلف بالفتح في المدح .

هذا هو المستعمل المشهور .

قال صلى الله عليه وسلم : يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر .

قال حسان بن ثابت :لنا القدم الأولى إليك وخلفنا لأولنا في طاعة الله تابعوقال آخر .إنا وجدنا خلفا بئس الخلف أغلق عنا بابه ثم حلفلا يدخل البواب إلا من عرف عبدا إذا ما ناء بالحمل وقفويروى : خضف ; أي ردم .

والمقصود من الآية الذم .ورثوا الكتاب قال [ ص: 279 ] المفسرون : هم اليهود ، ورثوا كتاب الله فقرءوه وعلموه ، وخالفوا حكمه وأتوا محارمه مع دراستهم له .

فكان هذا توبيخا لهم وتقريعا .يأخذون عرض هذا الأدنى ثم أخبر عنهم أنهم يأخذون ما يعرض لهم من متاع الدنيا لشدة حرصهم ونهمهم .

ويقولون سيغفر لنا وهم لا يتوبون .

ودل على أنهم لا يتوبون قوله تعالى وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه والعرض : متاع الدنيا ; بفتح الراء .

وبإسكانها ما كان من المال سوى الدراهم والدنانير .

والإشارة في هذه الآية إلى الرشا والمكاسب الخبيثة .

ثم ذمهم باغترارهم في قولهم " سيغفر لهم " وأنهم بحال إذا أمكنتهم ثانية ارتكبوها ، فقطعوا باغترارهم بالمغفرة وهم مصرون ، وإنما يقول سيغفر لنا من أقلع وندم .

قلت : وهذا الوصف الذي ذم الله تعالى به هؤلاء موجود فينا .أسند الدارمي أبو محمد : حدثنا محمد بن المبارك حدثنا صدقة بن خالد عن ابن جابر عن شيخ يكنى أبا عمرو عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : سيبلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب فيتهافت ، يقرءونه لا يجدون له شهوة ولا لذة ، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب ، أعمالهم طمع لا يخالطه خوف ، إن قصروا قالوا سنبلغ ، وإن أساءوا قالوا سيغفر لنا ، إنا لا نشرك بالله شيئا .وقيل : إن الضمير في يأتهم ليهود المدينة ; أي وإن يأت يهود يثرب الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم عرض مثله يأخذوه كما أخذه أسلافهم .قوله تعالى ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب يريد التوراة .

وهذا تشديد في لزوم قول الحق في الشرع والأحكام ، وألا يميل الحكام بالرشا إلى الباطل .

قلت : وهذا الذي لزم هؤلاء وأخذ عليهم به الميثاق في قول الحق لازم لنا على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم وكتاب ربنا ، على ما تقدم بيانه في " النساء " .

ولا خلاف فيه في جميع الشرائع ، والحمد لله .الثانية : ودرسوا ما فيه أي قرءوه ، وهم قريبو عهد به .

وقرأ أبو عبد الرحمن ( وادارسوا ما فيه ) فأدغم التاء في الدال .

قال ابن زيد : كان يأتيهم المحق برشوة فيخرجون له كتاب الله فيحكمون له به ، فإذا جاء المبطل أخذوا منه الرشوة وأخرجوا له كتابهم الذي كتبوه بأيديهم وحكموا له .

وقال ابن عباس : ألا يقولوا على الله إلا الحق وقد [ ص: 280 ] قالوا الباطل في غفران ذنوبهم الذي يوجبونه ويقطعون به .

وقال ابن زيد : يعني في الأحكام التي يحكمون بها ; كما ذكرنا .وقال بعض العلماء : إن معنى ودرسوا ما فيه أي محوه بترك العمل به والفهم له ; من قولك : درست الريح الآثار ، إذا محتها .

وخط دارس وربع دارس ، إذا امحى وعفا أثره .

وهذا المعنى مواطئ - أي موافق - لقوله تعالى : نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم الآية .

وقوله : فنبذوه وراء ظهورهم .

حسب ما تقدم بيانه في " البقرة "

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فلم يزالوا بين صالح وطالح ومقتصد، حتى خلف من بعدهم خلف.

زاد شرهم وَرِثُوا بعدهم الْكِتَابُ وصار المرجع فيه إليهم، وصاروا يتصرفون فيه بأهوائهم، وتبذل لهم الأموال، ليفتوا ويحكموا، بغير الحق، وفشت فيهم الرشوة.

يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ مقرين بأنه ذنب وأنهم ظلمة: سَيُغْفَرُ لَنَا وهذا قول خال من الحقيقة، فإنه ليس استغفارا وطلبا للمغفرة على الحقيقة.

فلو كان ذلك لندموا على ما فعلوا، وعزموا على أن لا يعودوا، ولكنهم - إذا أتاهم عرض آخر، ورشوة أخرى - يأخذوه.

فاشتروا بآيات اللّه ثمنا قليلا واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، قال اللّه تعالى في الإنكار عليهم، وبيان جراءتهم: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ فما بالهم يقولون عليه غير الحق اتباعا لأهوائهم، وميلا مع مطامعهم.

و الحال أنهم قد دَرَسُوا مَا فِيهِ فليس عليهم فيه إشكال، بل قد أَتَوْا أمرهم متعمدين، وكانوا في أمرهم مستبصرين، وهذا أعظم للذنب، وأشد للوم، وأشنع للعقوبة، وهذا من نقص عقولهم، وسفاهة رأيهم، بإيثار الحياة الدنيا على الآخرة، ولهذا قال: وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ما حرم اللّه عليهم، من المآكل التي تصاب، وتؤكل رشوة على الحكم بغير ما أنـزل اللّه، وغير ذلك من أنواع المحرمات.

أَفَلا تَعْقِلُونَ أي: أفلا يكون لكم عقول توازن بين ما ينبغي إيثاره، وما ينبغي الإيثار عليه، وما هو أولى بالسعي إليه، والتقديم له على غيره.

فخاصية العقل النظر للعواقب.وأما من نظر إلى عاجل طفيف منقطع، يفوت نعيما عظيما باقيا فأنى له العقل والرأي؟

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( فخلف من بعدهم ) أي : جاء من هؤلاء الذين وصفناهم ( خلف ) والخلف : القرن الذي يجيء بعد قرن .

قال أبو حاتم : الخلف بسكون اللام الأولاد ، الواحد والجمع فيه سواء ، والخلف بفتح اللام : البدل سواء كان ولدا أو غريبا .

وقال ابن الأعرابي : الخلف بالفتح : الصالح ، وبالجزم : الطالح .

وقال النضر بن شميل : الخلف بتحريك اللام وإسكانها في القرن السوء واحد ، وأما في القرن الصالح فبتحريك اللام لا غير .

وقال محمد بن جرير : أكثر ما جاء في المدح بفتح اللام ، وفي الذم بتسكينها وقد يحرك في الذم ويسكن في المدح .

( ورثوا الكتاب ) أي : انتقل إليهم الكتاب من آبائهم وهو التوراة ، ( يأخذون عرض هذا الأدنى ) فالعرض متاع الدنيا ، والعرض ، بسكون الراء ، ما كان من الأموال سوى الدراهم والدنانير .

وأراد بالأدنى العالم ، وهو هذه الدار الفانية ، فهو تذكير الدنيا ، وهؤلاء اليهود ورثوا التوراة فقرؤوها وضيعوا العمل بما فيها ، وخالفوا حكمها ، يرتشون في حكم الله وتبديل كلماته ، ( ويقولون سيغفر لنا ) ذنوبنا يتمنون على الله الأباطيل .

أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة أنبأنا أبو طاهر ، محمد بن أحمد بن الحارث ، أنبأنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي ، أنبأنا عبد الله بن محمود ، أنبأنا إبراهيم بن عبد الله الخلال ، أنبأنا عبد الله بن المبارك عن أبي بكر بن أبي مريم الغساني عن ضمرة بن حبيب عن شداد بن أوس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله " .

( وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ) هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وإصرارهم على الذنوب ، يقول إذا أشرف لهم شيء من الدنيا أخذوه حلالا كان أو حراما ، ويتمنون على الله المغفرة وإن وجدوا من الغد مثله أخذوه .

وقال السدي : كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيا إلا ارتشى في الحكم ، فيقال له : ما لك ترتشي؟

فيقول : سيغفر لي ، فيطعن عليه الآخرون ، فإذا مات أو نزع وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه فيرتشي أيضا .

يقول : وإن يأت الآخرين عرض مثله يأخذوه .

( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ) أي : أخذ عليهم العهد في التوراة أن لا يقولوا على الله الباطل ، وهي تمني المغفرة مع الإصرار ، وليس في التوراة ميعاد المغفرة مع الإصرار ، ( ودرسوا ما فيه ) قرأوا ما فيه ، فهم ذاكرون لذلك ، ولو عقلوه لعملوا للدار الآخرة ، ودرس الكتاب : قراءته وتدبره مرة بعد أخرى ، ( والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فخلف من بعدهم خَلْفٌ ورثوا الكتاب» التوراة عن آبائهم «يأخذون عرض هذا الأدنى» أي حطام هذا الشيء الدنيء أي الدنيا من حلال وحرام «ويقولون سيغفر لنا» ما عملناه لنا «و إن يأتهم عرض مثله يأخذوه» الجملة حال، أي يرجون المغفرة وهم عائدون إلى ما فعلوه مصرون عليه، وليس في التوراة وعد المغفرة مع الإصرار «ألم يؤخذ» استفهام تقرير «عليهم ميثاق الكتب» الإضافة بمعنى في «أن لا يقولوا على الله إلا الحقَّ ودرسوا» عطف على يؤخذ قرءوا «ما فيه» فلم كذبوا عليه بنسبة المغفرة إليه مع الإصرار «والدَّار الآخرة خير للَّذين يتقون» الحرام «أفلا يعقلون» بالياء والتاء أنها خير فيؤثرونها على الدنيا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فجاء من بعد هؤلاء الذين وصفناهم بَدَلُ سوء أخذوا الكتاب من أسلافهم، فقرءوه وعلموه، وخالفوا حكمه، يأخذون ما يعرض لهم من متاع الدنيا من دنيء المكاسب كالرشوة وغيرها؛ وذلك لشدة حرصهم ونَهَمهم، ويقولون مع ذلك: إن الله سيغفر لنا ذنوبنا تمنيًا على الله الأباطيل، وإن يأت هؤلاء اليهودَ متاعٌ زائلٌ من أنواع الحرام يأخذوه ويستحلوه، مصرِّين على ذنوبهم وتناولهم الحرام، ألَمْ يؤخذ على هؤلاء العهود بإقامة التوراة والعمل بما فيها، وألا يقولوا على الله إلا الحق وألا يكذبوا عليه، وعلموا ما في الكتاب فضيعوه، وتركوا العمل به، وخالفوا عهد الله إليهم في ذلك؟

والدار الآخرة خير للذين يتقون الله، فيمتثلون أوامره، ويجتنبون نواهيه، أفلا يعقل هؤلاء الذين يأخذون دنيء المكاسب أن ما عند الله خير وأبقى للمتقين؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قال الإمام القرطبى : الخلْف - بسكون اللام - الأولاد ، الواحد والجمع فيه سواء ، الخلف - بفتح اللام - البدل ، ولداً كان أو غريبا .

وقال ابن الأعرابى : الخلف - بفتح اللام - الصالح ، وبسكونها الطالح ، ومنه قيل للردى من الكلام خلف - بسكون اللام - ومنه المثل السائر " سكت ألفا ونطق خلْفا " قال لبيد .ذهب الذين يعاش فى أكنافهم ...

وبقيت فى خلف كجلد الأجربفخلْف فى الذم بالإسكان ، وخَلَف بالفتح فى المدح ، هذا هو المستعمل المشهور ، وفى الحديث الشريف " يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له " وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر .والعرض - بفتح الراء - متاع الدنيا وحطامها من المال وغيره .قال صاحب الكشاف : قوله تعالى : ( يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدنى ) أى حطام هذا الشىء الأدنى ، يريد الدنيا وما يتمتع به منها ، وفى قوله هذا تخسيس وتحقير ، والأدنى إما من الدنو بمعنى القرب ، لأنه عاجل قريب ، وإما من دنو الحال وسقوطها وقلتها والمراد ما كانوا يأخذونه من الرشا فى الأحكام على تحريف الكلم للتسهيل على العامة ) .والضمير فى قوله ( مِن بَعْدِهِمْ ) يعود إلى اليهود الذين وصفهم الله فى الآية السابقة بقوله ( وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرض أُمَماً مِّنْهُمُ الصالحون وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك وَبَلَوْنَاهُمْ بالحسنات والسيئات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) والمعنى : فخلف من بعد أولئك القوم الذين قطعناهم فى الأرض أمما خلف سوء ، ورثوا كتاب الله وهو التوراة فقرأوه وتعلموه ، ووقفوا على ما فيه من تحليل وتحريم وأمر ونهى ولكنهم لم يتأثروا به بل خالفوا أحكامه ، واستحلوا محارمه مع علمهم بها ، فهم يتهافتون على حطام الدنيا ومتاعها ويتقبلون المال الحرام بشراهة نفس .

ويأكلون الحست أكلا لما ويقولون وهم والغون فى المعاصى ومصرون على الذنوب : إن الله سيغفر لنا ذنوبنا ولا يؤاخذنا بما أكلنا من أموال ، لأننا من نسل أنبيائه ، فنحن شعبه الذى اصطفاه من سائر البشر ، إلى غير ذلك من الأقاويل التى يفترونها على الله وهم يعلمون .وجملة ( يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدنى ) مستأنفة لبيان ما يصنعون بالكتاب بعد وراثتهم إياه .

وقيل : هى حال من الضمير فى ورثوا .ثم أخبر - سبحانه - عنهم بأنهم أهل إصرار على ذنوبهم ، وليسوا بأهل إنابة ولا توبة فقال تعالى : ( وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ) أى : أنهم يأخذون عرض الحياة الدنيا ويعرضون عن شريعة الله التى أنزلها عليهم فى التوراة ويزعمون أن الله لا يؤاخذهم بما فعلوا .

ثم هم بعد ذلك لا يتوبون إلى الله ولا يستغفرونه ، وإنما حالهم أنهم إن لاح لهم عرض حرام آخر مثل الذى أخذوه أولا بالباطل ، تهافتوا عليه من جديد واستحلوه وأكلوه فى بطونهم ، وبدون توبة أو ندم .قال مجاهد قوله تعالى ( وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ) لا يشرف لهم شىء من متاع الدنيا إلا أخذوه حلالاً كان أو حراما ، ويتمنون المغفرة ( وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ) وإن يجدوا عرضا مثله يأخذوه .وقال السدى : ( كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيا إلا ارتشى فى الحكم وإن خيارهم اجتمعوا ، فأخذ بعضهم على بعض العهود أن لا يفعلوا ولا يرتشوا ، فجعل الرجل منهم إذا استقضى ارتشى ، فيقال له ما شأنك ترتشى فى الحكم؟

فيقول شيغفر لى ، فيطعن عليه البقية الآخرون من بنى إسرائيل صنعه فإذا مات أو نزع وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه قبل الرشوة ، يقول الله : ( وإن يأت الآخرين عرض الدنيا يأخذوه ) .ثم أنكر - سبحانه - عليهم ما زعموه بقولهم : ( سَيُغْفَرُ لَنَا ) وهم مصرون على معصيتهم فقال تعالى : ( أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَاقُ الكتاب أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ ) .والمعنى : لقد أخذ الله العهد فى التوراة على هؤلاء المرتشين فى أحكامهم : والقائلين سيغفر الله فعلنا هذا ألا يقولوا على الله إلا القول الحق ، ولا يخبروا عنه إلا بالصدق ولا يخالفوا أمره .

ولا ينقضوا عهده ، ولا يتجاوزوا حدوده ، وقد درس هؤلاء الكتاب ، أى : قرأوه وفهموه ، ولكنهم لم يعملوا بما أخذ عليهم من عهود ولم يتبعوا أوامر كتابهم ونواهيه ، تلأنهم درسوه ولم يتأثروا به ، ولم تخالط تعاليمه شغاف قلوبهم ، فضيعون واشتروا به ثمناً قليلا فبئس ما يشترون .وقوله ( أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق ) بدل من ميثاق الكتاب أو عطف بيان له .

وقيل إنه مفعول لأجله أى : لئلا يقولوا .وجملة ( وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ ) معطوفة فى المعنى على قوله تعالى ( أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَاقُ الكتاب ) أى أن الله تعالى قد أخذ عليهم الميثاق فى التوراة ودرسوه .قال ابن دريد : ( كان يأتيهم المحق برشوة فيخرجون له كتاب الله فيحكمون له به ، فإذا جاء المبطل أخذوا منه الرشوة وأخرجوا له كتابهم الذى كتبوه بأيديهم وحكموا له .ثم بين الله لهم أن ما أعده فى الآخرة للمتقين الذين يتعففون عن السحت وعن أكل أموال الناس بالباطل خير من متاع الدنيا وزهرتها الذىآثره هؤلاء الذين يفترون علىالله الكذب فقال تعالى : ( والدار الآخرة خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) أى : والدار الآخرة وما أعده فيها من نعيم لأولئك الذين يتقونه حق تقاته فى السر والعلن ، خير من عرض هذا الأدنى الذى استحله هؤلاء اليهود بدون حق وآثروه على ما عند الله من نعيم مقيم وثواب جزيل ( أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) - يا من أكلتم أموال الناس بالباطل وقلتم سيغفر الله لنا ذنوبنا - هذا الحكم الواضح ، الذى لا يخفى على ذى عقل سليم ، لم تطمسه الشهوات ، ولم يستحوذ عليه الشيطان .وفى هذا إشارة إلى أن الطمع فى متاع الحياة الدنيا هو الذى جعل بنى إسرائيل يقولون على الله غير الحق .

ويتشبعون من المال الحرام بدون تعفف ويبيعون دينهم بدنياهم .قال الإمام الآلوسى : ( والمراد من الآية توبيخ أولئك الورثة على بتهم القول بالمغفرة مع إصرارهم على الذنوب وجاء البت من السين فإنها للتأكيد كما نص عليه المحققون ، وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - إنهم وبخوا على إيجابهم على الله - تعالى - غفران ذنوبهم التى لا يزالون يعودون إليها ثم لا يتوبون منها .وقد أطبق أهل السنة على ذم المتمنى على الله ، ورووا ع شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأمانى " ومن هنا قيل : إن القوم ذموا بأكلهم أموال الناس بالباطل وبإتباعهم أنفسهم هواها وتمنيهم على الله - سبحانه - الأمانى ، ووبخوا على افترائهم على الله فى الأحكام التى غيروها ، وأخذوا عرض هذا الأدنى على تغييرها ، وقالوا على الله ما ليس بحق من القول ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ ظاهره أن الأول ممدوح.

والثاني مذموم، وإذا كان كذلك، فيجب أن يكون المراد: فخلف من بعد الصالحين منهم الذين تقدم ذكرهم خلف.

قال الزجاج: الخلف ما أخلف عليك مما أخذ منك، فلهذا السبب يقال للقرن الذي يجيء في إثر قرن خلف، ويقال فيه أيضاً خلف، وقال أحمد بن يحيى: الناس كلهم يقولون خلف صدق وخلف سوء، وخلف للسوء لا غير.

وحاصل الكلام: أن من أهل العربية من قال الخلف والخلف قد يذكر في الصالح وفي الرديء، ومنهم من يقول الخلف مخصوص بالذم قال لبيد: وبقيت في خلف كجلد الأجرب *** ومنهم من يقول: الخلف المستعمل في الذم مأخوذ من الخلف، وهو الفساد، يقال للردئ من القول خلف، ومنه المثل المشهور سكت ألفاً ونطق خلفاً، وخلف الشيء يخلف خلوفاً وخلفاً إذا فسد وكذلك الفم إذا تغيرت رائحته.

وقوله: ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدنى ﴾ قال أبو عبيدة جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء، يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر، وأما العرض بسكون الراء فما خالف العين، أعني الدراهم والدنانير وجمعه عروض، فكان كل عرض عرضاً وليس كل عرض عرضاً، والمراد بقوله: ﴿ عَرَضَ هذا الأدنى ﴾ أي حطام هذا الشيء الأدنى يريد الدنيا وما يتمتع به منها، وفي قوله: ﴿ هذا الأدنى ﴾ تخسيس وتحقير، و ﴿ الأدنى ﴾ إما من الدنو بمعنى القرب لأنه عاجل قريب، وإما من دنو الحال وسقوطها وقلتها.

والمراد ما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام على تحريف الكلام.

ثم حكى تعالى عنهم أنهم يستحقرون ذلك الذنب ويقولون سيغفر لنا.

ثم قال: ﴿ وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ﴾ والمراد الإخبار عن إصرارهم على الذنوب.

وقال الحسن هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وأنهم لا يستمتعون منها.

ثم بين تعالى قبح فعلهم فقال: ﴿ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مّيثَاقُ الكتاب ﴾ أي التوراة ﴿ أَن لاَّ يَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق ﴾ قيل المراد منعهم عن تحريف الكتاب وتغيير الشرائع لأجل أخذ الرشوة، وقيل: المراد أنهم قالوا سيغفر لنا هذا الذنب مع الإصرار، وذلك قول باطل.

فإن قيل: فهذا القول يدل على أن حكم التوراة هو أن صاحب الكبيرة لا يغفر له.

قلنا: أنهم كانوا يقطعون بأن هذه الكبيرة مغفورة، ونحن لا نقطع بالغفران بل نرجو الغفران، ونقول: إن بتقدير أن يعذب الله عليها فذلك العذاب منقطع غير دائم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ ﴾ أي فهم ذاكرون لما أخذ عليهم لأنهم قد قرؤه ودرسوه.

ثم قال: ﴿ والدار الأخرة خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ من تلك الرشوة الخبيثة المحقرة ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ والذين يُمَسِّكُونَ بالكتاب ﴾ يقال مسكت بالشيء وتمسكت به واستمسكت به وامتسكت به، وقرأ أبو بكر عن عاصم ﴿ يُمَسِّكُونَ ﴾ مخففة والباقون بالتشديد.

أما حجة عاصم فقوله تعالى: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ  ﴾ وقوله: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ  ﴾ وقوله: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ  ﴾ قال الواحدي: والتشديد أقوى، لأن التشديد للكثرة وهاهنا أريد به الكثرة، ولأنه يقال: أمسكته، وقلما يقال أمسكت به.

إذا عرفت هذا فنقول: في قوله: ﴿ والذين يُمَسّكُونَ بالكتاب ﴾ قولان: القول الأول: أن يكون مرفوعاً بالابتداء وخبره ﴿ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ المصلحين ﴾ والمعنى: إنا لا نضيع أجرهم وهو كقوله: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً  ﴾ وهذا الوجه حسن لأنه لما ذكر وعيد من ترك التمسك بالكتاب أردفه بوعد من تمسك به.

والقول الثاني: أن يكون مجروراً عطفاً على قوله: ﴿ الذين يَتَّقُونَ ﴾ ويكون قوله: ﴿ إِنَّا لاَ نُضِيعُ ﴾ زيادة مذكورة لتأكيد ما قبله.

فإن قيل: التمسك بالكتاب يشتمل على كل عبادة، ومنها إقامة الصلاة فكيف أفردت بالذكر؟

قلنا: إظهاراً لعلو مرتبة الصلاة، وأنها أعظم العبادات بعد الإيمان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وقطعناهم فِي الارض أُمَمًا ﴾ وفرّقناهم فيها، فلا يكاد يخلو بلد من فرقة منهم ﴿ مّنْهُمُ الصالحون ﴾ الذين آمنوا منهم بالمدينة، أو الذين وراء الصين ﴿ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك ﴾ ومنهم ناس دون ذلك الوصف منحطون عنه، وهم الكفرة والفسقة.

فإن قلت: ما محل دون ذلك؟

قلت: الرفع، وهو صفة لموصوف محذوف، معناه: ومنهم ناس منحطون عن الصلاح، ونحوه ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ [الصافات: 64] بمعنى: وما منا أحد إلاّ له مقام ﴿ وبلوناهم بالحسنات والسيئات ﴾ بالنعم والنقم ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ فينيبون ﴿ فَخَلَفَ ﴾ من بعد المذكورين ﴿ خَلْفٌ ﴾ وهم الذين كانوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وَرِثُواْ الكتاب ﴾ التوراة بقيت في أيديهم بعد سلفهم يقرؤنها ويقفون على ما فيها من الأوامر والنواهي والتحليل والتحريم، ولا يعملون بها ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الادنى ﴾ أي حطام هذا الشيء الأدنى، يريد الدنيا وما يتمتع به منها.

وفي قوله: ﴿ هذا الأدنى ﴾ تخسيس وتحقير.

والأدنى: إما من الدنوّ بمعنى القرب، لأنه عاجل قريب، وإما من دنوّ الحال وسقوطها وقلتها، والمراد: ما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام على تحريف الكلم للتسهيل على العامة ﴿ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ﴾ لا يؤاخذنا الله بما أخذنا.

وفاعل ﴿ سَيُغْفَرُ ﴾ الجار والمجرور، وهو ﴿ لَنَا ﴾ ويجوز أن يكون الأخذ الذي هو مصدر يأخذون ﴿ وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ﴾ الواو للحال، أي يرجون المغفرة وهم مصرون عائدون إلى مثل فعلهم، غير تائبين.

وغفران الذنوب لا يصحّ إلاّ بالتوبة، والمصر لا غفران له ﴿ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مّيثَاقُ الكتاب ﴾ يعني قوله في التوراة: من ارتكب ذنباً عظيماً فإنه لا يغفر له إلاّ بالتوبة ﴿ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ ﴾ في الكتاب من اشتراط التوبة في غفران الذنوب، والذي عليه المجبرة هو مذهب اليهود بعينه كما ترى.

وعن مالك بن دينار رحمه الله، يأتي على الناس زمان إن قصروا عما أمروا به، قالوا: سيغفر لنا، لأنا لم نشرك بالله شيئاً، كل أمرهم إلى الطمع، خيارهم فيهم المداهنة، فهؤلاء من هذه الأمّة أشباه الذين ذكرهم الله، وتلا الآية ﴿ والدار الآخرة خَيْرٌ ﴾ من ذلك العرض الخسيس ﴿ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ الرشا ومحارم الله.

وقرئ: ﴿ ورثوا الكتاب ﴾ ، (وإلاّ تقولوا)، بالتاء.

وادّارسو، بمعنى تدارسوا.

وأفلا تعقلون، بالياء والتاء.

فإن قلت: ما موقع قوله: ﴿ أَلا يِقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق ﴾ ؟

قلت: هو عطف بيان لميثاق الكتاب.

ومعنى ميثاق الكتاب.

الميثاق المذكور في الكتاب.

وفيه أن إثبات المغفرة بغير توبة خروج عن ميثاق الكتاب وافتراء على الله.

وتقوّل عليه ما ليس بحق.

وإن فسر ميثاق الكتاب بما تقدم ذكره كان ﴿ أَن لاَّ يِقُولُواْ ﴾ مفعولاً له.

ومعناه: لئلا يقولوا.

ويجوز أن تكون ﴿ أَن ﴾ مفسرة، و ﴿ لاَ تَقُولُواْ ﴾ نهياً، كأنه قيل: ألم يقل لهم لا تقولوا على الله إلاّ الحق؟

فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ ﴾ ؟

قلت: على ﴿ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم ﴾ ، لأنه تقرير، فكأنه قيل: أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا ما فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ مِن بَعْدِ المَذْكُورِينَ.

﴿ خَلْفٌ ﴾ بَدَلُ سُوءٍ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ ولِذَلِكَ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ.

وقِيلَ جَمْعٌ وهو شائِعٌ في الشَّرِّ والخَلْفُ بِالفَتْحِ في الخَيْرِ والمُرادُ بِهِ الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ  ورِثُوا الكِتابَ التَّوْراةَ مِن أسْلافِهِمْ يَقْرَءُونَها ويَقِفُونَ عَلى ما فِيها.

.

.

﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ﴾ حُطامَ هَذا الشَّيْءِ الأدْنى يَعْنِي الدُّنْيا، وهو مِنَ الدُّنُوِّ أوِ الدَّناءَةِ وهو ما كانُوا يَأْخُذُونَ مِنَ الرِّشا في الحُكُومَةِ وعَلى تَحْرِيفِ الكَلِمِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الواوِ.

﴿ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا ﴾ لا يُؤاخِذُنا اللَّهُ بِذَلِكَ ويَتَجاوَزُ عَنْهُ، وهو يَحْتَمِلُ العَطْفَ والحالَ والفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ، أوْ مَصْدَرُ يَأْخُذُونَ.

﴿ وَإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لَنا أيْ: يَرْجُونَ المَغْفِرَةَ مُصِرِّينَ عَلى الذَّنْبِ عائِدِينَ إلى مِثْلِهِ غَيْرَ تائِبِينَ عَنْهُ.

﴿ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ ﴾ أيْ في الكِتابِ.

﴿ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِلْمِيثاقِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أيْ بِأنْ يَقُولُوا والمُرادُ تَوْبِيخُهم عَلى البَتِّ بِالمَغْفِرَةِ مَعَ عَدَمِ التَّوْبَةِ والدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ وخُرُوجٌ عَنْ مِيثاقِ الكِتابِ.

﴿ وَدَرَسُوا ما فِيهِ ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿ ألَمْ يُؤْخَذْ ﴾ مِن حَيْثُ المَعْنى فَإنَّهُ تَقْرِيرٌ، أوْ عَلى ﴿ وَرِثُوا ﴾ وهو اعْتِراضٌ.

﴿ والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ مِمّا يَأْخُذُ هَؤُلاءِ.

﴿ أفَلا يَعْقِلُونَ ﴾ فَيَعْلَمُوا ذَلِكَ ولا يَسْتَبْدِلُوا الأدْنى الدَّنِيءَ المُؤَدِّيَ إلى العِقابِ بِالنَّعِيمِ المُخَلَّدِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ بِالتّاءِ عَلى التَّلْوِينِ.

﴿ والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَّلاةَ ﴾ عُطِفَ عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ وقَوْلُهُ: ﴿ أفَلا يَعْقِلُونَ ﴾ اعْتِراضٌ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ ﴾ عَلى تَقْدِيرِ مِنهم، أوْ وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الإصْلاحَ كالمانِعِ مِنَ التَّضْيِيعِ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ ﴿ يُمَسِّكُونَ ﴾ بِالتَّخْفِيفِ وإفْرادِ الإقامَةِ لِإنافَتِها عَلى سائِرِ أنْواعِ التَّمَسُّكاتِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ} من بعد المذكورين {خَلْفٌ} وهم الذين كانوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفد البدل السوء بخلاف الخف فهو الصالح {وَرِثُواْ الكتاب} التوراة ووقفوا على ما فيها من الأوامر والنواهي والتحليل والتحريم ولم يعملوا بها {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدنى} هو حال من الضمير في وَرِثُواْ والعرض المتاع أى حطام هذ الشئ الأدنى يريد لدينا وما يتمتع به منها من الدنوا بمعنى ى القرب لأنه عاجل قريب والمراد ما كانوا يأخذونه من الزش في الأحكام على تحريف الكلم وفي قوله هذا الأدنى تخسيس وتحقير {وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} لا يؤاخذه الله بما أخذنا والفعل مسند إلى الأخذ أو إلى الجار والمجرور أي لنا {وَإِن يأتهم عرض مثله يأخذوه} الواو للحال

الأعراف ١٦١ ١٦٤ قوله تعالى يرجون المغفر وهم مصرون عائدون إلى مثل فعلهم غير تائبين {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مّيثَاقُ الكتاب} أي الميثاق المذكور فى الكتاب ألا يقولون عَلَى الله إِلاَّ الحق أي أخذ عليهم الميثاق فى مكتابهم إلا يقولوا على الله إلا الصدق وهو عطف بيان لميثاق الكتاب {ودرسوا ما فيه} روقرءوا ما فى الكتاب هو عطف على أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم لأنه تقرير فكأنه قيل أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا مافيه {والدار الآخرة خَيْرٌ} من ذلك العرض الخسيس {للذين يتقون} الرشا والمحارم {أفلا يعقلون}

أنه كذلك وبالتاء مدني وحفص

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أيِ: المَذْكُورِينَ، وقِيلَ: الصّالِحِينَ.

﴿ خَلْفٌ ﴾ أيْ: بَدَلُ سُوءٍ، مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ.

ولِذَلِكَ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، وقِيلَ: هو اسْمُ جَمْعٍ وهو مُرادُ مَن قالَ: إنَّهُ جَمْعٌ وهو شائِعٌ في الشَّرِّ، ومِنهُ سَكَتَ ألْفًا ونَطَقَ خَلْفًا، والخَلَفَ بِفَتْحِ اللّامِ في الخَيْرِ، وادَّعى بَعْضُهُمُ الوَضْعَ لِذَلِكَ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنًى، وهُوَ: مَن يَخْلُفُ غَيْرَهُ صالِحًا كانَ أوْ طالِحًا، ومِن مَجِيءِ السّاكِنِ في المَدْحِ قَوْلُ حَسّانَ: لَنا القَدَمُ الأُولى إلَيْكَ وخَلْفَنا لَأوَّلِنا في طاعَةِ اللَّهِ تابِعُ ومِن مَجِيءِ المُتَحَرِّكِ في الذَّمِّ قَوْلُ لَبِيدٍ: ذَهَبَ الَّذِينَ يُعاشُ في أكْنافِهِمْ ∗∗∗ وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ وعَنِ البَصْرِيِّينَ أنَّهُ يَجُوزُ التَّحْرِيكُ والسُّكُونُ في الرَّدِيِّ، وأمّا الجَيِّدُ فَبِالتَّحْرِيكِ فَقَطْ، ووافَقَهم أهْلُ اللُّغَةِ إلّا الفَرّاءَ وأبا عُبَيْدَةَ، واشْتِقاقُهُ إمّا مِنَ الخِلافَةِ أوْ مِنَ الخُلُوفِ وهو الفَسادُ والتَّغَيُّرُ، ومِنهُ خُلُوفُ فَمِ الصّائِمِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: الخَلْفُ بِالسُّكُونِ الأوْلادُ الواحِدُ والجَمْعُ فِيهِ سَواءٌ، والخَلَفُ بِالفَتْحِ البَدَلُ ولَدًا كانَ أوْ غَرِيبًا، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِهَؤُلاءِ الخَلْفِ الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وحِينَئِذٍ لا يَصِحُّ تَفْسِيرُ الصّالِحِينَ بِمَن آمَنَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والظّاهِرُ أنَّهم مِنَ اليَهُودِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُمُ النَّصارى ولَيْسَ بِذاكَ.

﴿ ورِثُوا الكِتابَ ﴾ أيِ: التَّوْراةَ، والوِراثَةُ مَجازٌ عَنْ كَوْنِها في أيْدِيهِمْ، وكَوْنِهِمْ واقِفِينَ عَلى ما فِيها بَعْدَ أسْلافِهِمْ.

وقَرَأ الحَسَنُ: (وُرِّثُوا) بِالضَّمِّ والتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والجُمْلَةُ عَلى القِراءَتَيْنِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِخَلْفٍ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما يَصْنَعُونَ بِالكِتابِ بَعْدَ وِراثَتِهِمْ إيّاهُ، وقالَ أبُو البَقاءِ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ورَثُوا، واسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهُمْ، ويَكْفِي مُقارَنَتُهُ لِبَعْضِ زَمانِ الوِراثَةِ لِامْتِدادِهِ، والعَرَضُ ما لا ثَباتَ لَهُ، ومِنهُ اسْتَعارَ المُتَكَلِّمُونَ العَرَضَ لِمُقابِلِ الجَوْهَرِ.

وفي النِّهايَةِ: العَرَضُ بِالفَتْحِ مَتاعُ الدُّنْيا وحُطامُها، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو غَيْرُ النَّقْدَيْنِ مِن مَتاعِها وبِالسُّكُونِ المالُ والقَيِّمُ، و(الأدْنى) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أيِ: الشَّيْءُ الأدْنى، والمُرادُ بِهِ الدُّنْيا وهو مِنَ الدُّنُوِّ لِلْقُرْبِ بِالنِّسْبَةِ إلى الآخِرَةِ، وكَوْنُها مِنَ الدَّناءَةِ خِلافُ الظّاهِرِ وإنْ كانَ ذَلِكَ ظاهِرًا فِيها لِأنَّهُ مَهْمُوزٌ، والمُرادُ بِهَذا العَرَضِ ما يَأْخُذُونَهُ مِنَ الرِّشا في الحُكُوماتِ وعَلى تَحْرِيفِ الكَلامِ.

﴿ ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا ﴾ ولا يُؤاخِذُنا اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ ويَتَجاوَزُ عَنّا، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها، واحْتِمالُ الحالِيَّةِ يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ مِن غَيْرِ حاجَةٍ ظاهِرَةٍ، والفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِ يَأْخُذُونَ.

﴿ وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، قِيلَ: مِن ضَمِيرِ يَقُولُونَ، والقَوْلُ بِمَعْنى الِاعْتِقادِ، أيْ: يَرْجُونَ المَغْفِرَةَ وهم مُصِرُّونَ عَلى الذَّنْبِ عائِدُونَ إلى مِثْلِهِ غَيْرُ تائِبِينَ عَنْهُ، وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ لَنا، والمَعْنى عَلى ذَلِكَ، والأوَّلُ أظْهَرُ، والقَوْلُ بِأنَّ تَقْيِيدَ القَوْلِ بِذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ تَقْيِيدَ المَغْفِرَةِ بِهِ والمَطْلُوبُ الثّانِي، والثّانِي مُتَكَفِّلٌ بِهِ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ.

واخْتارَ الحَلَبِيُّ والسَّفاقِسِيُّ أنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ لا لِأنَّ الجُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تَقَعُ حالًا إذْ وُقُوعُها مِمّا لا شَكَّ في صِحَّتِهِ، بَلْ لِأنَّ في القَوْلِ بِالحالِيَّةِ نَزْغَةً اعْتِزالِيَّةً، ولا يَخْفى أنَّ الأمْرَ وإنْ كانَ كَذَلِكَ إلّا أنَّ الحالِيَّةَ أبْلَغُ لِأنَّ رَجاءَهُمُ المَغْفِرَةَ في حالٍ يُضادُّها أوْفَقُ بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ فافْهَمْ.

﴿ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ ﴾ أيِ: المِيثاقُ المَذْكُورُ فِي التَّوْراةِ: فالإضافَةُ عَلى مَعْنى في.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اخْتِصاصِيَّةً عَلى مَعْنى اللّامِ، ويَؤُولُ المَعْنى إلى ما ذَكَرَهُ، و(ال) في الكِتابِ لِلْعَهْدِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِلْمِيثاقِ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِنهُ، وقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمِيثاقٍ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: بِأنْ لا يَقُولُوا، وجُوِّزَ في (أنْ) أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِمِيثاقٍ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى القَوْلِ، وفي (لا) أنْ تَكُونَ ناهِيَةً، وأنْ تَكُونَ نافِيَةً، واعْتِبارُ كُلٍّ مَعَ ما يَصِحُّ مَعَهُ مُفَوَّضٌ إلى ذِهْنِكَ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ تَوْبِيخُ أُولَئِكَ الوَرَثَةِ عَلى بَتِّهِمُ القَوْلَ بِالمَغْفِرَةِ مَعَ إصْرارِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم وُبِّخُّوا عَلى إيجابِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى غُفْرانَ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي لا يَزالُونَ يَعُودُونَ إلَيْها ولا يَتُوبُونَ مِنها، وجاءَ البَتُّ مِنَ السِّينِ؛ فَإنَّها لِلتَّأْكِيدِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ، وقَدْ عَرَّضَ الزَّمَخْشَرِيُّ -عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ- في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِأهْلِ السُّنَّةِ، وزَعَمَ أنَّ مَذْهَبَهم هو مَذْهَبُ اليَهُودِ بِعَيْنِهِ حَيْثُ جَوَّزُوا غُفْرانَ الذَّنْبِ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ، ونَقَلَ عَنِ التَّوْراةِ: مَنِ ارْتَكَبَ ذَنْبًا عَظِيمًا فَإنَّهُ لا يُغْفَرُ لَهُ بِالتَّوْبَةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ اليَهُودَ أكَّدُوا القَوْلَ بِالغُفْرانِ، وأهْلُ السُّنَّةِ لا يَجْزِمُونَ في المُطِيعِ بِالغُفْرانِ فَضْلًا عَنِ العاصِي بِما هو حَقُّ اللَّهِ تَعالى فَضْلًا عَمَّنْ عَصاهُ سُبْحانَهُ فِيما هو مِن حُقُوقِ العِبادِ، فالمُوجِبُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى وإنْ كانَ بِالنِّسْبَةِ إلى التّائِبِ أقْرَبُ إلَيْهِمْ فَهَلْ ما ادَّعاهُ إلّا مِن قَبِيلِ ما جاءَ في المَثَلِ: رَمَتْنِي بِدائِها وانْسَلَّتْ.

وما نَقَلَهُ عَنِ التَّوْراةِ إنْ كانَ اسْتِنْباطًا مِنَ الآيَةِ فَلا تَدُلُّ عَلى ما في الكَشْفِ إلّا عَلى تَحْرِيفِهِمْ ما في التَّوْراةِ مِن نَعْتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وآيَةُ الرَّجْمِ ونَحْوُ ذَلِكَ مِن تَسْهِيلاتِهِمْ عَلى الخاصَّةِ، وتَخْفِيفاتُهم عَلى العامَّةِ يَأْخُذُونَ الرِّشا بِذَلِكَ، والتَّقَوُّلُ عَلى اللَّهِ عَظِيمَةٌ وإنْ كانَ قَدْ قَرَأ التَّوْراةَ الَّتِي لَمْ تُحَرَّفْ وأنَّها هي تُعِينُ الحَمْلَ عَلى الشِّرْكِ بِقَواطِعَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى الكَرِيمِ أوْ يَكُونُ ذَلِكَ لَهم وهَذا لِهَذِهِ الأُمَّةِ المَرْحُومَةِ خاصَّةً، وقَدْ سَلَّمَ هو نَحْوًا مِنهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ ﴾ وقَدْ أطْبَقَ أهْلُ السُّنَّةِ عَلى ذَمِّ المُتَمَنِّي عَلى اللَّهِ.

ورَوَوْا عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««الكَيِّسُ مَن دانَ نَفْسَهُ وعَمِلَ لِما بَعْدَ المَوْتِ، والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها وتَمَنّى عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ»».

ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ القَوْمَ ذُمُّوا بِأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ واتِّباعِ أنْفُسِهِمْ هَواها وتَمَنِّيهِمْ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، ووُبِّخُوا عَلى افْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ في الأحْكامِ الَّتِي غَيَّرُوها وأخَذُوا عَرَضَ هَذا الأدْنى عَلى تَغْيِيرِها فَكَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ المَذْكُورُ في كِتابِهِمْ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ تَعالى في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا الحَقَّ الَّذِي تَضَمَّنُهُ الكِتابُ فَلِمَ حَكَمُوا بِخِلافِهِ وقالُوا: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا؟

وفِيهِ مَعَ مُخالَفَتِهِ لِما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ مُخالَفَةٌ لِلظّاهِرِ.

وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (أنْ لا تَقُولُوا) بِالخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ.

﴿ ودَرَسُوا ما فِيهِ ﴾ أيْ: قَرَؤُوهُ فَهم ذاكِرُونَ لِذَلِكَ، وهو عَطْفٌ عَلى: ﴿ ألَمْ يُؤْخَذْ ﴾ مِن حَيْثُ المَعْنى وإنِ اخْتَلَفا خَبَرًا وإنْشاءً؛ إذِ المَعْنى: أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ ودَرَسُوا ...

إلَخْ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ عَطْفًا عَلى: (لَمْ يُؤْخَذْ)، والِاسْتِفْهامُ التَّقْرِيرِيُّ داخِلٌ عَلَيْهِما وهو خِلافُ الظّاهِرِ أوْ عَلى: ورِثُوا، وتَكُونُ جُمْلَةُ: (ألَمْ يُؤْخَذْ) مُعْتَرِضَةً وما قَبْلَها حالِيَّةً أوْ يَكُونُ المَجْمُوعُ اعْتِراضًا كَما قِيلَ، ولا مانِعَ مِنهُ خَلا أنَّ الطَّبَرْسِيَّ نَقَلَ عَنْ بَعْضِهِمْ تَفْسِيرَ دَرَسُوا عَلى هَذا الوَجْهِ مِنَ العَطْفِ بِ تَرَكُوا وضَيَّعُوا وفِيهِ بُعْدٌ.

وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يَقُولُوا بِإضْمارِ قَدْ أيْ: أُخِذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ بِأنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ الَّذِي تَضَمَّنَهُ كِتابُهم في حالِ دِراسَتِهِمْ ما فِيهِ وتَذَكُّرِهِمْ لَهُ وهو كَما تَرى.

وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (ادّارَسُوا) بِتَشْدِيدِ الدّالِ وألِفٍ بَعْدَها، وأصْلُهُ تَدارَسُوا، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ، واجْتُلِبَتْ لَها هَمْزَةُ الوَصْلِ.

﴿ والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ اللَّهَ تَعالى ويَخافُونَ عِقابَهُ فَلا يَفْعَلُونَ ما فَعَلَ هَؤُلاءِ.

﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ فَتَعَلَّمُوا ذَلِكَ ولا تَسْتَبْدِلُوا الأدْنى المُؤَدِّيَ إلى العَذابِ بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ، وهو خِطابٌ لِأُولَئِكَ المَأْخُوذِ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ الآخِذِينَ لِعَرَضِ هَذا الأدْنى، وفي الِالتِفاتِ تَشْدِيدٌ لِلتَّوْبِيخِ، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا التِفاتَ فِيهِ.

وقَرَأ جَمْعٌ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ وبِالتّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ ذَكْوانَ، وأبُو جَعْفَرٍ، وسَهْلٌ، ويَعْقُوبُ، وحَفْصٌ.

وهَذِهِ الآيَةُ ظاهِرَةٌ في التَّوْبِيخِ عَلى الأخْذِ، وجَعَلَ بَعْضُهم قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ ﴾ إلَخْ تَوْبِيخًا عَلى ذَلِكَ القَوْلِ في الآيَةِ ما هو مِن قَبِيلِ ما فِيهِ اللَّفُّ والنَّشْرُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ واسمها أيلة وذلك أن اليهود قالوا: نحن من أبناء إبراهيم  فلا يعذبنا الله تعالى إلا مقدار عبادة العجل فقال الله تعالى: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ يعني: أهل القرية التى كانت حاضرة البحر كيف عذبهم الله تعالى بذنوبهم.

ثم أخبر عن ذنوبهم فقال تعالى: إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ يعني: أنهم استحلوا الصيد في يوم السبت.

وقال: يعتدون في يوم السبت.

وأصل الاعتداء هو الظلم.

يقال: عدوت على فلان إذا ظلمته واعتديت عليه.

ثم قال: إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً يعني: يوم استراحتهم شوارع في الماء وهو جمع الشارع وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ يعني: إذا لم يكن يوم السبت ويوم الراحة لا تأتيهم.

وإنما تم الكلام عند قوله: تَأْتِيهِمْ ثم ابتدأ فقال: كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ يعني: هكذا نختبرهم.

وقال بعضهم: إنما يتم الكلام عند قوله: وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كذلك يعني: لا تأتيهم كما تأتيهم يوم السبت لأن في يوم السبت تأتيهم الحيتان شارعات من أسفل الماء إلى أعلاه وفي سائر الأيام يأتيهم القليل، ولا يأتيهم كما يأتيهم في يوم السبت.

ثم ابتداء الكلام فقال: كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يعني: نختبرهم بما كانوا يعصون الله تعالى.

ثم قال عز وجل: وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ أي عصبة وجماعة منهم وهي الظلمة للأمة الواعظة لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ لأن الواعظة نهوهم عن أخذ الحيتان، وخوفوهم، فرد عليهم الظلمة لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ قرأ عاصم في إحدى الروايتين مَعْذِرَةً بالنصب يعني: نعتذر إلى ربكم.

وقرأ الباقون مَعْذِرَةً بالضم يعني: هي معذرة يعني: لا ندع الأمر بالمعروف حتى نكون معذورين عند الله تعالى وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ يعني: لعلهم ينتهون فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ يعني: تركوا ما وعظوا به أَنْجَيْنَا من العذاب الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: عذبنا الذين تركوا أمر الله بِعَذابٍ بَئِيسٍ يعني: شديد بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يعني: يعصون ويتركون أمر الله تعالى.

وقال ابن عباس-  ما-: كان القوم ثلاثة فرق.

فرقة كانوا يصطادون.

وفرقة كانوا ينهون.

وفرقة لم ينهوا ولم يستحلوا وقالوا للواعظة: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ.

وروى أبو بكر الهذلي عن عكرمة قال: أتيت ابن عباس وهو يقرأ في المصحف ويبكي فدنوت منه حتى أخذت بلوحي المصحف وقلت: ما يبكيك قال: تبكيني هذه السورة وهو يقرأ سورة الأعراف.

وقال: هل تعرف أيلة؟

قلت: نعم.

قال: إن الله تعالى أسكنها حياً من اليهود، وابتلاهم بحيتان حرمها عليهم يوم السبت وأحلها لهم في سائر الأيام.

فإذا كان يوم السبت خرجت إليهم الحيتان.

فإذا ذهب السبت غابت في البحر حتى يغوص لها الطالبون، وإن القوم اجتمعوا واختلفوا فيها.

فقال فريق منهم: إنما حرمت عليكم يوم السبت أن تأكلوها فصيدوها يوم السبت، وكلوها في سائر الأيام.

وقال الآخرون: بل حرم عليكم أن تصيدوها أو تنفروها أو تؤذوها.

وكانوا ثلاث فرق: فرقة على أَيمانهم، وفرقة على شمائلهم، وفرقة على وسطهم فقالت الفرقة اليمنى فجعلت تنهاهم في يوم السبت، وجعلت تقول: الله يحذركم بأس الله.

وأما الفرقة اليسرى فأمسكت أيديها، وكفت ألسنتها.

وأما الوسطى فوثبت على السمك تأخذه.

وجعلت الفرقة الأخرى التي كفت أيديها، وألسنتها، ولم تتكلم.

تقول: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فقال: الَّذِينَ يَنْهَوْنَ مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فدخل الذين أصابوا السمك إلى المدينة، وأبى الآخرون أن يدخلوا معهم فغدا هؤلاء الذين أبوا أن يدخلوا المدينة.

فجعلوا ينادون من فيها فلم يجبهم أحد.

فقالوا: لعل الله خسف بهم، أو رموا من السماء بحجارة، فارفعوا رجلاً ينظر، فجعلوا رجلاً على سلم فأشرف عليهم، فإذا هم قردة تتعادى ولها أذناب قد غيّر الله تعالى صورهم بصنيعهم.

فصاح إلى القوم فإذا هم قد صاروا قردة، فكسروا الباب، ودخلوا منازلهم، فجعلوا لا يعرفون أنسابهم، ويقولون لهم: ألم ننهكم عن معصية الله تعالى ونوصيكم؟

فيشيرون برءوسهم بلى ودموعهم تسيل على خدودهم.

فأخبر الله تعالى أنه أنجى الذين ينهون عن السوء، وأخذ الذين ظلموا.

قوله: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ.

ولا يدرى ما صنع بالذين لم ينهوا ولم يأخذوا.

وقال عكرمة: بل أهلكهم الله لأنه أنجى الذين ينهون عن السوء.

وأهلك الفريقين الآخرين.

فوهب له ابن عباس بردة بهذا الكلام.

وروي في رواية أُخرى أنهم كانوا يأخذون الحظائر والحياض بجنب البحر، ويسيلون الماء فيها يوم السبت من البحر حتى يدخل فيها السمك، ويأخذونه في يوم الأحد فقالوا: إنا نأخذه في يوم الأحد.

فلما لم يعذبوا استحلوا الأخذ في يوم السبت من البحر وقالوا: إنما حرم الله على أبنائنا ولم يحرم علينا فنهاهم الصلحاء فلم يمتنعوا، فضربوا حائطاً بينهم، وصارت الواعظة في ناحية، والذين استحلوا في ناحية والحائط بين الفريقين.

فأصبحوا في يوم من الأيام ولم يفتح الباب الذي بينهما، فارتقى واحد منهم الحائط، فإذا القوم قد مسخوا إلى قردة.

وقال بعضهم: كان القوم أربعة أصناف صنف يأخذون، وصنف يرضون، وصنف ينهون، وصنف يسكتون، فنجا صنفان، وهلك صنفان.

قال بعضهم: كانوا صنفين صنف يأخذون، وصنف ينهون.

وروى قتادة عن ابن عباس-  - أنه قال: كانوا ثلاث فرق فهلك الثاني، ونجا الثالث، والله أعلم ما فعل بالفرقة الثالثة.

قرأ نافع بعذاب بِيْس بكسر الباء وسكون الياء بلا همز.

وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بعذاب بَيْأَس بفتح الباء وسكون الياء وفتح الهمزة.

وقرأ الباقون: بِعَذابٍ بَئِيسٍ بنصب الباء وكسر الياء والهمزة وسكون الياء وهي اللغة المعروفة، والأولى لغة لبعض العرب.

ثم قال: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ يعني: تركوا ما وعظوا به قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ يعني: صاغرين مبعدين عن رحمة الله.

قوله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ يعني: أعلم ربك ويقال: قال ربكم وكل شيء في القرآن تأذن فهو إعلام.

ومعناه قال: لَيَبْعَثَنَّ أي ليسلطن عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أي على بني إسرائيل، والذين لا يؤمنون بمحمد  مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ يعني: يعذبهم بالجزية والقتل إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ إذا عاقب من أصرّ على كفره وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ لمن تاب من الشرك رَحِيمٌ بعد ذلك.

ثم قال: وَقَطَّعْناهُمْ أي فرقناهم فِي الْأَرْضِ أُمَماً أي فرقاً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ أي المؤمنون وهم مؤمنوا أهل الكتاب.

ويقال: هم الذين وراء رمل عالج وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وهم الكفار منهم وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ يعني: اختبرناهم بالخصب والجدوبة لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ من الكفر إلى الإيمان.

ثم قال: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ يعني: بعد بني إسرائيل خلف السوء وَرِثُوا الْكِتابَ يعني: التوراة يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى يقول: يستحلون أخذ الحرام من هذه الدنيا وهو الرشوة في الحكم وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا قال مجاهد: يعني: يأخذون ما يجدون حلالاً أو حراماً ويتمنَّون المغفرة وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أي وإن يجدوا مثله من العرض يأخذوه.

ويقال: معناه أنهم يصرون على الذنوب وأكل الحرام، فإذا أخذوا أول النهار يعودون إليه في آخر النهار ولا يتوبون عنه.

ويقال: يطلبون بعلمها الدنيا.

ويقال: يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون: سيغفر لنا هذه المرة.

وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ويقولون مثل ذلك: أي سيغفر لنا لأنا لا نشرك بالله شيئاً.

وقال سعيد بن جبير: يأخذون عرض هذا الأدنى.

يقول: يعملون بالذنوب.

ويقولون: سيغفر لنا ما عملنا بالليل كفر عنا بالنهار.

وما عملنا بالنهار كفر عنا بالليل.

وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ يعني: الذنوب.

قال الله تعالى: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ يعني: ألم يؤخذ عليهم ميثاقهم في التوراة أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ أي: إلا الصدق وَدَرَسُوا مَا فِيهِ أي قرءوا ما فيه وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أي: يتقون الشرك، ويحلون حلاله، ويحرمون حرامه أَفَلا تَعْقِلُونَ أن الآخرة خير من الدنيا.

ويقال: أَفَلا يَعْقِلُونَ ما يدرسون من الكتاب.

ويقال: أَفَلا يَعْقِلُونَ أن الإصرار على الذنوب ليس من علامة المغفورين، قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص أَفَلاَ تَعْقِلُونَ بالتاء على وجه المخاطبة.

وقرأ الباقون بالياء على وجه المغايبة.

قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ يعني: يعملون بالتوراة ولا يغيرونها عن مواضعها وَأَقامُوا الصَّلاةَ يعني: أتموا الصلاة المفروضة إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ يعني: عمل الموحدين وهم الذين يمسكون بالكتاب، وأقاموا الصلاة.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر يُمَسِّكُونَ بالتخفيف.

وقرأ الباقون يُمَسِّكُونَ بالتشديد على معنى المبالغة.

ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

سبحانه مقترِنٌ بإنفاذٍ وإمِضاء كما تقول في أمر عَزَمْتَ عليه: عَلِمَ اللَّهُ لأَفْعَلَنَّ.

وقال الطبريُّ «١» وغيره: تَأَذَّنَ معناهُّ: أعْلَمَ، وقال مجاهد: تَأَذَّنَ معناه: أَمَرَ «٢» وقالت فرقة: معنى تَأَذَّنَ: تَأَلَّى، والضمير في عَلَيْهِمْ، لبني إِسرائيل، وقوله: مَنْ يَسُومُهُمْ قال ابن عباس: هي إشارةٌ إلى محمّد صلّى الله عليه وسلّم وأُمَّتِهِ، يسومُونَ اليهودَ سُوءَ العذاب «٣» .

قال ع «٤» : والصحيح أنَّ هذا حالهم في كل قُطْر، ومع كلّ ملّة، ويَسُومُهُمْ:

معناه: يكلّفهم ويحمّلهم، وسُوءَ الْعَذابِ: الظاهر منه: أنه الجِزْيَةُ، والإذلالُ، وقد حتم اللَّه علَيْهم هذا، وحَطَّ مُلْكَهم، فليس في الأرض رايَةٌ ليهوديٍّ، ثم حَسُنَ في آخر الآية التنبيهُ على سرعة العِقَاب، والتخويفُ لجميعِ الناسِ، ثم رجى سبحانه بقوله: وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لطفاً منه بعباده جلَّ وعَلا، وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ، معناه: فرَّقناهم في الأرض.

قال الطبريُّ «٥» عن جماعة من المفسِّرين: ليس في الأرض بقعةً إِلاَّ وفيها مَعْشَرٌ من اليهودِ، والظاهر في المُشَارَ إِليهم بهذه الآية أنهم الذين بعد سُلَيْمَانَ وَقْتَ زوالِ مُلْكهم، والظاهر أنهم قبل مُدَّة عيسى عليه السلام لأنهم لم يكُنْ فيهم صالحٌ/ بعد كُفْرهم بعيسى صلّى الله عليه وسلّم وبَلَوْناهُمْ، معناه: امتحناهم بِالْحَسَناتِ، أي: بالصِّحَّة والرخاءِ، ونحو هذا ممَّا هو بَحَسَب رأي ابْن آدم ونظره، والسَّيِّئاتِ: مقابلات هذه، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إلى الطاعة.

فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)

وقوله سبحانه: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ ...

الآية: خَلَفَ معناه:

حَدَثَ خَلْفَهم وبعدهم، وخَلْفٌ- بإِسكان اللام- يستعمل في الأشهر: في الذَّمِّ.

وقوله سبحانه: يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى إشارةٌ إلى الرّشا والمكاسب الخبيثة، والعَرَضُ: ما يَعْرِضُ وَيعنُّ، ولا يثبُتُ، والأَدنَى: إِشارةٌ إِلَى عيشِ الدنيا، وقولهم:

سَيُغْفَرُ لَنا ذمٌّ لهم باغترارهم، وقولهِمْ سَيُغْفَرُ لَنا، مع علمهم بما في كتاب اللَّهِ، مِنَ الوعيد على المعاصي، وإِصرارِهِم، وأنَّهم بحالٍ إِذا أمكنَتْهم ثانيةً ارتكبوها، فهؤلاء عَجَزَةٌ كما قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «والعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وتمنى عَلَى اللَّهِ» «١» ، فهؤلاءِ قطعوا بالمغفرة وهم مُصِرُّون، وإِنما يقول: سَيُغْفَرُ لَنا مَنْ أقلع ونَدِمَ.

وقوله سبحانه: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ ...

الآية: تشديدٌ في لزوم قول الحقِّ على اللَّه في الشَّرْع والأحكام، وقوله: وَدَرَسُوا مَا فِيهِ معطوفٌ على قوله: أَلَمْ يُؤْخَذْ لأنه بمعنى المُضِيِّ، والتقديرُ: أَلَيْسَ قد أُخِذَ عليهم ميثاقُ الكتابِ، ودَرَسُوا ما فيه، وبهذَيْنِ الفعْلَيْنِ تقومُ الحجَّة عليهم في قولهم الباطَل، وقرأ أبو عبد «٢» الرحمن السُّلَمِيُّ: «وادارسوا مَا فِيه» .

ثم وعظ وذكَّر تبارَكَ وتعالى بقوله: وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ، وقرأ أبو عمرو: «أفلا يعقلون» - بالياء «٣» من أسفل-.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ الَّذِينَ وصَفْناهم.

"خَلْفٌ" وقَرَأ الجَوْنِيُّ، والجَحْدَرِيُّ: "خَلَفٌ" بِفَتْحِ اللّامِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الخَلْفُ والخَلَفُ واحِدٌ؛ وقَوْمٌ يَجْعَلُونَ المُحَرِّكَ اللّامَ، لَلصّالِحِ، والمُسَكَّنِ لَغَيْرِ الصّالِحِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الخَلْفُ: الرَّدِيءُ مِنَ النّاسِ ومِنَ الكَلامِ، يُقالُ: هَذا خَلْفٌ مِنَ القَوْلِ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أكْثَرُ ما تَسْتَعْمِلُ العَرَبُ الخَلْفُ، بِإسْكانِ اللّامِ، في الرَّدِيءِ المَذْمُومِ، وتُفْتَحُ اللّامُ في الفاضِلِ المَمْدُوحِ.

وقَدْ يُوَقَّعُ الخَلْفُ عَلى المَمْدُوحِ، والخَلَفُ عَلى المَذْمُومِ؛ غَيْرَ أنَّ المُخْتارَ ما ذَكَرْناهُ.

وفي المُرادِ بِهَذا الخَلْفِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: النَّصارى.

والثّالِثُ: أنَّ الخَلْفَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، والقَوْلانِ عَنْ مُجاهِدٍ.

فَإنْ قِيلَ الخَلْفُ واحِدٌ، فَكَيْفَ قالَ: يَأْخُذُونَ وكَذَلِكَ قالَ في [مَرْيَمَ:٥٩] أضاعُوا فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ جَوابَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّ الخَلْفَ: جَمْعُ خالِفٍ، كَما أنَّ الرَّكْبَ: جَمْعُ راكِبٍ، والشُّرْبُ: جَمْعُ شارِبٍ.

والثّانِي: أنَّ الخَلْفَ مَصْدَرٌ يَكُونُ لَلِاثْنَيْنِ والجَمِيعِ، والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرِثُوا الكِتابَ ﴾ أيِ: انْتَقَلَ إلَيْهِمُ انْتِقالَ المِيراثِ مِن سَلَفٍ إلى خَلَفٍ، فَيَخْرُجُ في الكِتابِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ التَّوْراةُ.

والثّانِي: الإنْجِيلُ.

والثّالِثُ: القُرْآَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ﴾ أيْ: هَذِهِ الدُّنْيا، وهو ما يَعْرِضُ لَهم مِنها.

وقِيلَ: سَمّاهُ عَرَضًا، لَقِلَّةِ بَقائِهِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَأْخُذُونَ ما أحَبُّوا مِن حَلالٍ أوْ حَرامٍ.

وقِيلَ: هو الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ.

وفي وصْفِهِ بِالأدْنى قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الدُّنُوِّ.

والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الدَّناءَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: سَيَغْفِرُ لَنا فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: إنّا لا نُؤاخَذُ، تَمَنِّيًا عَلى اللَّهِ الباطِلَ.

والثّانِي: أنَّهُ ذَنْبٌ يَغْفِرُهُ اللَّهُ لَنا، تَأْمِيلًا لَرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لا يُشْبِعُهم شَيْءٌ، فَهم يَأْخُذُونَ لَغَيْرِ حاجَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهم أهْلُ إصْرارٍ عَلى الذُّنُوبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ، فَقالُوا الباطِلَ، وهو ما أوْجَبُوا عَلى اللَّهِ مِن مَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي لا يَتُوبُونَ مِنها، ولَيْسَ في التَّوْراةِ مِيعادُ المَغْفِرَةِ مَعَ الإصْرارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدَرَسُوا ما فِيهِ ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ورِثُوا ومَعْنى " دَرَسُوا ما فِيهِ " قَرَؤُوهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: خالَفُوا عَلى عِلْمٍ.

﴿ والدّارُ الآخِرَةُ ﴾ أيْ: ما فِيها مِنَ الثَّوابِ ( خَيْر لَلَّذِينِ يَتَّقُونَ أفَلا يَعْقِلُونَ ) أنَّ الباقِيَ خَيْرٌ مِنَ الفانِي.

قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِالتّاءِ، والباقُونَ: بِالياءِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضَ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابَ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللهِ إلا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ والدارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ ﴾ "خَلَفَ" مَعْناهُ: حَدَثَ خَلْفَهم وبَعْدَهم "خَلْفٌ" بِإسْكانِ اللامِ، يُسْتَعْمَلُ في الأشْهَرِ في الذَمِّ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ذَهَبَ الَّذِينَ يُعاشُ في أكْنافِهِمْ ∗∗∗ وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في المَدْحِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: لَنا القَدَمُ الأُولى إلَيْكَ وخَلْفَنا ∗∗∗ ∗∗∗ لِأوَّلِنا في طاعَةِ اللهِ تابِعُ والخَلَفُ -بِفَتْحِ اللامِ- يُسْتَعْمَلُ -فِي الأشْهَرِ- في المَدْحِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَجّاجُ: وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الذَمِّ أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ألّا ذَلِكَ الخَلَفُ الأعْوَرُ وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ بِالخَلْفِ هاهُنا النَصارى، وضَعَّفَهُ الطَبَرِيُّ.

وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "وُرِّثُوا الكِتابَ" بِضَمِّ الواوِ وشَدِّ الراءِ، وقَوْلُهُ: ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ﴾ إشارَةٌ إلى الرِشا والمَكاسِبِ الخَبِيثَةِ، والعَرَضُ: ما يُعْرَضُ ويَعِنُّ ولا يَثْبُتُ، و"الأدْنى" إشارَةٌ إلى عَيْشِ الدُنْيا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا ﴾ ذَمٌّ لَهم بِاغْتِرارِهِمْ، وقَوْلِهِمْ: "سَيُغْفَرُ" مَعَ عِلْمِهِمْ بِما في كِتابِ اللهِ مِنَ الوَعِيدِ عَلى المَعاصِي وإصْرارِهِمْ عَلَيْهِمْ وأنَّهم إذا أمْكَنَتْهم ثانِيَةً ارْتَكَبُوها فَهَؤُلاءِ عَجَزَةٌ، كَما قالَ  : "والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها وتَمَنّى عَلى اللهِ"، وهم مُصِرُّونَ، وإنَّما يَقُولُ سَيُغْفَرُ لَنا مَن أقْلَعَ ونَدِمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ ﴾ الآيَةُ، تَشْدِيدٌ في لُزُومِ قَوْلِ الحَقِّ عَلى اللهِ في الشَرْعِ والأحْكامِ بَيْنَ الناسِ، وأنْ لا تَمِيلَ الرِشا بِالحُكّامِ إلى الباطِلِ، و"الكِتابُ" يُرِيدُ بِهِ التَوْراةَ، ومِيثاقُها: الشَدائِدُ الَّتِي فِيها في هَذا المَعْنى، وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللهِ إلا الحَقَّ ﴾ يُمْكِنُ أنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ قَوْلَهُمُ الباطِلَ في حُكُومَةٍ مِمّا يَقَعُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ويُمْكِنُ أنْ يُرِيدَ قَوْلَهُمْ: "سَيُغْفَرُ لَنا" وهم قَدْ عَلِمُوا الحَقَّ في نَهْيِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عن ذَلِكَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَقُولُوا" بِياءٍ مِن تَحْتُ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "تَقُولُوا" بِتاءٍ مِن فَوْقُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدَرَسُوا ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ ألَمْ يُؤْخَذْ ﴾ الآيَةُ بِمَعْنى المُضِيِّ، ويُقَدَّرُ: ألَيْسَ قَدْ أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابَ ودَرَسُوا ما فِيهِ؟

وبِهَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِمُ الباطِلَ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: "وادّارَسُوا ما فِيهِ"، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: قَوْلُهُ: "وَدَرَسُوا" مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ وَرِثُوا الكِتابَ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ لِبُعْدِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ قَوْلُهُ: "وَدَرَسُوا" يَزُولُ مِنهُ مَعْنى إقامَةِ الحُجَّةِ بِالتَقْدِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: "ألَمْ" ثُمَّ وعَظَ وذَكَّرَ تَبارَكَ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ والدارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ .

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أفَلا تَعْقِلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: "يَعْقِلُونَ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ( لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ).

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ، وأبُو عَمْرٍو، والناسُ: "يُمَسِّكُونَ" بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ السِينِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأبُو العالِيَةِ، وعاصِمٌ وحْدَهُ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "يُمْسِكُونَ" بِسُكُونِ المِيمِ وتَخْفِيفِ السِينِ، وكُلُّهم خَفَّفَ "وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ"، إلّا أبا عَمْرٍو فَإنَّهُ قَرَأ: "وَلا تُمَسِّكُوا" بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ السِينِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "والَّذِينَ اسْتَمْسَكُوا" وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: "والَّذِينَ مَسَكُوا"، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ: فَما تَمَسَّكَ بِالعَهْدِ الَّذِي زَعَمَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ إلّا كَما تُمْسِكُ الماءَ الغَرابِيلُ أمّا إنْ شَدَّ السِينَ يَجْرِي مَعَ التَعَدِّي بِالباءِ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة ﴿ فخلف ﴾ تفريع على قوله: ﴿ وقطّعناهم ﴾ [الأعراف: 168] إن كان المراد تقطيعهم في بلاد أعدائهم وإخراجهم من مملكتهم، فتكون الآية مشيرة إلى عودة بني إسرائيل إلى بلادهم في عهد الملك (كورش) ملك الفرس في حدود سنة 530 قبل الميلاد، فإنه لما فتح بلاد أشور أذن لليهود الذين أسرهم (بختنصر) أن يرجعوا إلى بلادهم فرجعوا، وبنوا بيت المقدس بعد خرابه على يد (نحميا) و(عزرا) كما تضمنه سفر نحميا وسفر عزرا، وكان من جملة ما أحيوه أنهم أتوا بسفر شريعة موسى الذي كتبه عزرا وقرأوه على الشعب في (أورشليم) فيكون المراد بالخلْف ما أوّله ذلك الفلّ من بني إسرائيل الذين رجعوا من أسر الآشوريين.

والمراد بإرث الكتاب إعادة مزاولتهم التوراة التي أخرجها إليهم (عزرا) المعروف عند أهل الإسلام باسم عُزَير، ويكون أخذهم عرض الأدنى أخذَ بعض الخلف لا جميعه، لأن صدر ذلك الخلف كانوا تائبين وفيهم أنبياء وصالحون.

وإن كان المراد من تقطيعهم في الأرض أمماً تكثيرَهم والامتنانَ عليهم، كان قوله: ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ تفريعاً على جميع القصص المتقدمة التي هي قصص أسلافهم، فيكون المراد بالخلْف من نشأ من ذرية أولئك اليهود بعد زوال الأمة وتفرقها، منهم الذين كانوا عند ظهور الإسلام، وهم اليهود الذين كانوا بالمدينة، وإلى هذا المعنى في (الخلْف) نحا المفسرون.

والخلْف بسكون اللام من يأتي بعد غيره سابِقِه في مكان أو عمل أو نسل، يُبينه المقام أو القرينة، ولا يغلب فيمن يخلف في أمر سيء، قاله النضر بن شُميل، خلافاً لكثير من أهل اللغة إذ قالوا: الأكثر استعمال الخلْف بسكون اللام فيمن يخلف في الشر، وبفتح اللام فيمن يخلف في الخير، وقال البصريون: يجوز التحريك والإسكان في الرديء، وأما الحسن فبالتحريك فقطْ.

وهو مصدر أريد به اسم الفاعل أي خَالِف، والخَلْف مأخوذ من الخَلَفْ ضد القدّام لأن من يجيء بعد قوم فكأنه جاء من ورائهم، وَلاَ حَد لآخر الخلف، بل يكون تحديده بالقرائن، فلا ينحصر في جيل ولا في قرن، بل قد يكون الخلف ممتداً، قال تعالى بعد ذكر الأنبياء ﴿ فخلف من بعدهم خلفٌ أضاعوا الصلاة واتّبعوا الشهوات ﴾ [مريم: 59] فيشمل من خلفهم من ذرياتهم من العرب واليهود وغيرهم، فإنه ذكر من أسلافهم إدريسَ وهو جد نوح.

و ﴿ ورثوا ﴾ مجازٌ في القيام مقام الغير كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها ﴾ في هذه السورة (43) وقوله فيها: ﴿ أو لم يهد الذين يرثون الأرض من بعد أهلها ﴾ [الأعراف: 100] فهو بمعنى الحلفية، والمعنى: فخلف من بعدهم خلف في إرث الكتاب، وهذا يجري على كلا القولين في تخصيص الخلف، لأنه بيان للفعل لا لاسم الخلف.

وجملة: ﴿ يأخذون عرض هذا الأدنى ﴾ حال من ضمير ﴿ ورثوا ﴾ ، والمقصود هو ذم الخلف بأنهم يأخذون عرض الأدنى ويقولون سيغفر لنا، ومهد لذلك بأنهم ورثوا الكتاب ليدل على أنهم يفعلون ذلك عن علم لا عن جهل، وذلك أشد مذمة، كما قال تعالى: ﴿ وأضله الله على علمٍ ﴾ [الجاثية: 23].

ومعنى الأخذ هنا الملابسة والاستعمال فهو مجاز أي: يلابسونه، ويجوز كونه حقيقة كما سيأتي.

والعَرَض بفتح العين وفتح الراء الأمر الذي يزول ولا يدوم.

ويراد به المال، ويراد به أيضاً ما يعرض للمرء من الشهوات والمنافع.

والأدنى الأقرب من المكان، والمراد به هنا الدنيا، وفي اسم الإشارة إيماء إلى تحقير هذا العرض الذي رغبوا فيه كالإشارة في قول قيس بن الخطيم: متى يات هذَا الموت لا يُلَففِ حاجة *** لنفسيَ إلاّ قد قضيت قضاءَها وقد قيل: أَخذ عرض الدنيا أريد به ملابسة الذنوب، وبذلك فسر سعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والطبري، فيشمل كل ذنب، ويكون الأخذ مستعملاً في المجاز وهو الملابسة، فيصدق بالتناول باليد وبغير ذلك، فهو من عموم المجاز، وقيل عرض الدنيا هو الرّشا وبه فسّرالسّدي، ومعظمُ المفسرين، فيكون الأخذ مستعملاً في حقيقته وهو التناول، وقد يترجح هذا التفسير بقوله ﴿ وإن يأتهم عَرَض ﴾ كما سيأتي.

والقول في: ﴿ ويقولون ﴾ هو الكلام اللساني، يقولون لمن ينكر عليهم ملابسة الذنوب وتناول الشهوات، لأن (ما) بعد يقولون يناسبه الكلام اللفظي، ويجوز أن يكون الكلام النفساني، لأنه فرع عنه، أي قولهم في أنفسهم يعللونها به حين يجيش فيها وازع النهي، فهو بنمزلة قوله تعالى: ﴿ ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول ﴾ [المجادلة: 8] وذلك من غرورهم في الدين.

وبناء فعل «يُغفر» على صيغة المجهول لأن الفاعل معروف، وهو الله، إذ لا يصدر هذا الفعل إلاّ عنه، وللدلالة على أنهم يقولون ذلك على وجه العموم لا في خصوص الذنب الذي أنكر عليهم، أو الذي تلبَّسُوا به حين القول، ونائب الفاعل محذوف لعلمه من السياق، والتقدير: سيُغفر لنا ذلك، أو ذُنوبنا، لأنهم يحسبون أن ذنوبهم كلها مغفورة ﴿ وقالوا لن تمسنا النار إلاّ أياماً معدودة ﴾ كما تقدم في سورة البقرة (80)، أي يغفر لنا بدون سبب المغفرة، وهو التوبة كما يعلم من السياق، وهو جزمهم بذلك عقب ذكر الذنب دون ذكر كفارة أو نحوها.

وقوله ﴿ لنا ﴾ لا يصلح للنيابة عن الفاعل، لأنه ليس في معنى المفعول، إذ فعل المغفرة يتعدّى لمفعول واحد، وأما المجرور بعده باللام فهو في معنى المفعول لأجله، يقال: غفر الله لك ذنبك، كما قال تعالى: ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ [الشرح: 1] فلو بُني شُرح للمجهول لما صح أن يجعل ﴿ لك ﴾ نائِباً عن الفاعل.

وجملة: ﴿ ويقولون سيُغفر لنا ﴾ معطوفة على جملة، ﴿ يأخذون ﴾ لأن كِلا الخبرين يوجب الذم، واجتماعهما أشد في ذلك.

وجملة: ﴿ وَإنْ يأتهم عرض مثلُه يأخذوه ﴾ معطوفة على التي قبلها، واستعير إتيان العرْض لبذله لهم إن كان المراد بالعرض المالَ، وقد يُراد به خطور شهوته في نفوسهم إن كان المراد بالعرض جميع الشهوات والملاذ المحرمة، واستعمال الإتيان في الذوات أنسب من استعماله في خطور الأعراض والأمور المعنوية، لقرب المشابهة في الأول دون الثاني.

والمعنى: أنهم يعصون، ويزعمون أن سيّئاتهم مغفورة، ولا يُقلعون عن المعاصي.

وجملة: ﴿ ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ﴾ جواب عن قولهم: ﴿ سيُغفر لنا ﴾ إبطالاً لمضمونه، لأن قولهم: ﴿ سيغفر لنا ﴾ يتضمن أنهم يزعمون أن الله وعدهم بالمغفرة على ذلك، والجملة معترضة في أثناء الإخبار عن الصالحين وغيرهم، والمقصود من هذه الجملة إعلام النبي صلى الله عليه وسلم ليحجهم بها، فهم المقصود بالكلام.

كما تشهد به قراءة ﴿ أفلا تعقلون ﴾ بتاء الخطاب.

والاستفهام للتقرير المقصود منه التوبيخ، وهذا التقرير لا يسعهم إلاّ الاعتراف به، لأنه صريح كتابهم، في الإصحاح الرابع من السفر الخامس «لا تزيدوا على الكلام الذي أوصيكم به ولا تنقصوا منه لكي تحفظوا وصايا الرب» ولا يجدون في الكتاب أنهم يغفر لهم، وإنما يجدون فيه التوبة كما في الإصحاح من سفر التثنية، وكما في سفر الملوك الأول في دعوة سليمان حين بنى الهيكل في الإصحاح الثامن، فقولهم: ﴿ سيغفر لنا ﴾ تقوّل على الله بما لم يقله.

والميثاق: العهد، وهو وصية موسى التي بلّغها إليهم عن الله تعالى في مواضع كثيرة، وإضافة الميثاق إلى الكتاب على معنى (في) أو على معنى اللام أي الميثاق المعروف به، والكتاب توراة موسى، وأن لا يقولوا هو مضمون ميثاق الكتاب فهو على حذف حرف الجر قبل (أن) الناصبة، والمعنى: بأن لا يقولوا، أي بانتفاء قولهم على الله غيرَ الحق، ويجوز كونه عطف بيان من ميثاق، فلا يقدر حرف جر، والتقدير: ميثاق الكتاب انتفاءُ قولهم على الله الخ.

وفعل ﴿ درسوا ﴾ عطف على ﴿ يؤخذ ﴾ ،.

لأن يؤخذ في معنى المضي، لأجل دخول لم عليه، والتقدير: ألم يؤخذ ويدرسوا، لأن المقصود تقريرهم بأنهم درسوا الكتاب، لا الإخبار عنهم بذلك كقوله تعالى: ﴿ ألم نجعل الأرض مهاداً والجبالَ أوتاداً وخلقناكم أزواجاً وجعلنا نومكم سُباتاً ﴾ إلى قوله ﴿ وأنزلنا من المعصرات ماءً ثجاجاً ﴾ [النبإ: 6 14] والتقدير: ومخلقكم أزواجاً ونجعل نومكم سباتاً، إلى آخر الآية.

والمعنى: أنهم قد أخذ عليهم الميثاق بأن لا يقولوا على الله إلاّ الحق، وهم عالمون بذلك الميثاق، لأنهم درسوا ما في الكتاب فبمجموع الأمرين قامت عليهم الحجة.

وجملة: ﴿ والدارُ الآخرة خير للذين يتقون ﴾ حالية من ضمير ﴿ يأخذون ﴾ أي: يأخذون ذلك ويكذبون على الله ويصرون على الذنب وينبذون ميثاق الكتاب على علم في حال أن الدار الآخرة خير مما تعجّلوه، وفي جعل الجملة في موضع الحال تعريض بأنهم يعلمون ذلك أيضاً فهم قد خيّروا عليه عرض الدنيا قصداً، وليس ذلك عن غفلة صادفتهم فحرمتهم من خير الآخرة، بل هم قد حَرموا أنفسهم، وقرينة ذلك قوله: ﴿ أفلا تعقلون ﴾ المتفرع على قوله: ﴿ والدار الآخرة خير للذين يتقون ﴾ وقد نُزلوا في تخيرهم عرض الدينا بمنزلة من لا عقول لهم، فخوطبوا ب ﴿ أفلا تعقلون ﴾ بالاستفهام الإنكاري، وقد قريء بتاء الخطاب، على الإلتفات من الغيبة إلى الخطاب.

ليكون أوقع في توجبه التوبيخ إليهم مواجهة، وهي قراءةَ نافع، وابن عامر، وابن ذكوان، وحفص عن عاصم، ويعقوب، وأبي جعفر، وقرأ البقية بياء الغيبة، فيكون توبيخهم تعريضياً.

وفي قوله: ﴿ والدارُ الآخرة خير للذين يتقون ﴾ كناية عن كونهم خَسروا خير الآخرة بأخذهم عرض الدنيا بتلك الكيفية، لأن كون الدار الآخرة خيراً مما أخذوه يستلزم أن يكون ما أخذوه قد أفات عليهم خيرَ الآخرة.

وفي جعل الآخرة خير للمتقين كناية عن كون الذين أخذوا عَرض الدنيا بتلك الكيفية لم يكونوا من المتقين، لأن الكناية عن خسرانهم خيرَ الآخرة مع إثبات كون خير الآخرة للمتقين تستلزم أن الذين أضاعوا خير الآخرة ليسوا من المتقين، وهذه معان كثيرة جمعها قوله: ﴿ والدارُ الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ﴾ وهذا من حَد الإعجاز العجيب.

ووقعت جملة: ﴿ والذين يمسِكون بالكتاب ﴾ إلى آخرها عقب التي قبلها: لأن مضمونها مقابلَ حكمَ التي قبلها إذ حصل من التي قبلها أن هؤلاء الخلف الذين أخذوا عرض الأدني قد فرطوا في ميثاق الكتاب، ولم يكونوا من المتقين، فعُقب ذلك ببشارة من كانوا ضد أعمالهم، وهم الآخذون بميثاق الكتاب والعاملون ببشارته بالرسل، وآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فأولئك يستكملون أجرهم لأنهم مصلحون.

فكني عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم بإقامة الصلاة، لأن الصلاة شعار دين الإسلام، حتى سمي أهل الإسلام أهلَ القبلة، فالمراد من هؤلاء هم من آمن من اليهود بعيسى في الجملة وإن لم يتبعوا النصرانية، لأنهم وجدوها مبدّلة محرّفة فبقوا في انتظار الرسول المخلّص الذي بشرت به التوراة والإنجيل، ثم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم حين بُعث: مثل عبد الله بن سَلاَم.

ويحتمل أن المراد بالذين يمسكون بالكتاب: المسلمون، ثناء عليهم بأنهم الفائزون في الآخرة وتبشيراً لهم بأنهم لا يسلكون بكتابهم مسلك اليهود بكتابهم.

وجملة: ﴿ إنا لا نضيع أجر المصلحين ﴾ خبر عن الذين يمسكون، والمصلحون هم، والتقدير: إنّا لا نضيع أجرهم لأنهم مصلحون، فطوي ذكرهم اكتفاء بشمول الوصف لهم وثناء عليهم على طريقة الإيجاز البديع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا ﴾ أيْ فَرَّقْناهم فِيها فِرَقًا.

وَفي تَفْرِيقِهِمْ فِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: زِيادَةٌ في الِانْتِقامِ مِنهم.

والثّانِي: لِيَذْهَبَ تَعاوُنُهم.

والثّالِثُ: لِيَتَمَيَّزَ الصّالِحُ مِنَ المُفَسِّرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِنهُمُ الصّالِحُونَ ومِنهم دُونَ ذَلِكَ ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ وَبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالثَّوابِ والعِقابِ.

والثّانِي: بِالنِّعَمِ والنِّقَمِ.

والثّالِثُ: بِالخِصْبِ والجَدْبِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ مَعْناهُ فَخَلَفَهم خَلْفٌ، والخَلْفُ بِتَسْكِينِ اللّامِ مُسْتَعْمَلٌ في الذَّمِّ.

وَبِفَتْحِ اللّامِ مُسْتَعْمَلٌ في الحَمْدِ.

وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ.

مَعْناها [واحِدٌ] مِثْلُ الأثَرِ والإثْرِ، والأوَّلُ أظْهَرُ وهو في قَوْلِ الشُّعَراءِ أشْهَرُ، قالَ بَعْضُهُمْ: خَلَّفْتُ خَلْفًا لَيْتَ بِهِمْ كانَ، لا بِكَ التَّلَفُ وَفِي الخَلْفِ وجْهانِ: أحَدُهُما: القَرْنُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ خالِفٍ.

﴿ وَرِثُوا الكِتابَ ﴾ يَعْنِي انْتَقَلَ إلَيْهِمُ انْتِقالَ المِيراثِ مِن سَلَفٍ إلى خَلَفٍ وفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم مِن خَلْفِ اليَهُودِ مِن أبْنائِهِمْ.

والكِتابُ الَّذِي ورِثُوهُ التَّوْراةُ لِانْتِقالِها لَهم.

والثّانِي: أنَّهُمُ النَّصارى: لِأنَّهم خَلَفٌ مِنَ اليَهُودِ.

والكِتابُ الَّذِي ورِثُوهُ: الإنْجِيلُ لِحُصُولِهِ مَعَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ﴾ يَعْنِي الرَّشْوَةَ عَلى الحُكْمِ في قَوْلِ الجَمِيعِ وسَمّاهُ عَرَضًا لِقِلَّةِ بَقائِهِ.

وَفي وصْفِهِ بِالأدْنى وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأخْذِهِ في الدُّنْيا الدّانِيَةِ.

والثّانِي: لِأنَّهُ مِنَ المُحَرَّماتِ الدَّنِيَّةِ.

﴿ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَغْفُورٌ، لا نُؤاخِذُ بِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ ذَنْبٌ لَكِنَّ اللَّهَ قَدْ يَغْفِرُهُ لَنا تَأْمِيلًا مِنهم لِرَحْمَتِهِ.

﴿ وَإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ إصْرارٍ عَلى الذُّنُوبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهم لا يُشْبِعُهم شَيْءٌ، فَهم لا يَأْخُذُونَهُ لِحاجَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ألّا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ في تَحْرِيمِ الحُكْمِ بِالرِّشا.

والثّانِي: في جَمِيعِ الطّاعاتِ والمَعاصِي والأوامِرِ والنَّواهِي.

﴿ وَدَرَسُوا ما فِيهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: تَرَكُوا ما فِيهِ أنْ يَعْمَلُوا بِهِ حَتّى صارَ دارِسًا.

والثّانِي: أنَّهم قَدْ تَلَوْهُ ودَرَسُوهُ فَهم لا يَجْهَلُونَ ما فِيهِ ويَقُومُونَ عَلى مُخالَفَتِهِ مَعَ العِلْمِ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس أنه سئل عن هذه الآية ﴿ فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ﴾ قال: أقوام يقبلون على الدنيا فيأكلونها ويتبعون رخص القرآن ويقولون: سيغفر لنا، ولا يعرض لهم شيء من الدنيا إلا أخذوه، ويقولون: سيغفر لنا.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ قال: النصارى ﴿ يأخذون عرض هذا الأدنى ﴾ قال: ما أشرف لهم شيء من الدنيا حلالاً أو حراماً يشتهونه أخذوه ويتمنون المغفرة، وإن يجدوا آخر مثله يأخذونه.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ فخلف من بعدهم خلف...

﴾ الآية.

يقول: يأخذون ما أصابوا ويتركون ما شاؤوا من حلال أو حرام، ويقولون سيغفر لنا.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ قال: خلف سوء ﴿ ورثوا الكتاب ﴾ بعد أنبيائهم ورسلهم أورثهم الله الكتاب وعهد إليهم ﴿ يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ﴾ قال: آمانيٌّ تمنوها على الله وغرة يغترون بها ﴿ وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ﴾ ولا يشغلهم شيء عن شيء ولا ينهاهم شيء عن ذلك، كلما أشرف لهم شيء من الدنيا أخذوه ولا يبالون حلالاً كان أو حراماً.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الشعب، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ﴾ قال: كانوا يعملون بالذنوب، ويقولون: سيغفر لنا.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء في قوله: ﴿ يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ﴾ قال: يأخذون ما عرض لهم من الدنيا، ويقولون: نستغفر الله ونتوب إليه.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي قال: كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضياً إلا ارتشى في الحكم، فإذا قيل له يقول: سيغفر لي.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي الجلد قال: يأتي على الناس زمان تخرب صدورهم من القرآن، وتتهافت وتبلى كما تبلى ثيابهم، لا يجدون لهم حلاوة ولا لذاذة، إن قصروا عما أُمروا به قالوا: إن الله غفور رحيم، وإن عملوا بما نهوا عنه قالوا: سيغفر لنا إنا لا نشرك بالله شيئاً أمرهم كله طمع ليس فيه خوف، لبسوا جلود الضان على قلوب الذئاب أفضلهم في نفسه المدهن.

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال: المؤمن يعلم أن ما قال الله كما قال الله، والمؤمن أحسن عملاً وأشدَّ الناس خوفاً لو أنفق جبلاً من مال ما أمن دون أن يعاين، لا يزداد صلاحاً وبرّاً وعبادة إلا ازداد فرقاً يقول: ألا أنجو...؟

والمنافق يقول: سواد الناس كثير وسيغفر لي ولا بأس عليَّ، فيسيء العمل ويتمنى على الله.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ﴾ فيما يوجهون على الله من غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون إليها ولا يتوبون منها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ ودرسوا ما فيه ﴾ قال: علموا ما في الكتاب لم يأتوه بجهالة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ والذين يمسكون بالكتاب ﴾ قال: هي لأهل الأيمان منهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ والذين يمسكون بالكتاب ﴾ قال: من اليهود والنصارى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ والذين يمسكون بالكتاب ﴾ قال: الذي جاء به موسى عليه السلام.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾ ، قال ابن عباس: (فخلف من بعد هؤلاء الذين قطعناهم خلف من اليهود) (١) وقال في رواية عطاء: (يريد: نسلًا منهم) (٢) يعني: أولاد هؤلاء الذين فرقهم في البلاد.

وقوله تعالى: ﴿ خَلْفٌ ﴾ .

قال الزجاج: (يقال للقرن الذي يجيء في أثر قرن: خلف، والخلف ما أخلف عليك بدلاً مما أخذ منك، ويقال في هذا: خلف أيضًا) (٣) وقال الفراء: ﴿ خَلْفٌ ﴾ أي: قرن بجزم اللام، والخَلَف ما استخلفته، تقول: أعطاك الله خلفا مما ذهب لك (٤) وقد توافقا في هذا القول، وقال أحمد بن يحيى: (الناس كلهم يقولون: خَلَف صدق وخَلَف سوء، وخَلْف (٥) (٦) (٧) (٨) قال الأزهري: (وأخبرني المنذري بإسناده عن الفراء قال: الخَلْف يذهب به إلى الذم، والخَلَف خلف صالح، وقد يكون في الرديء خَلْف وفي الصالح خَلْف لأنهم يذهبون به (٩) (١٠) لنا القدم الأولى عليهم وخلفنا ...

لأولنا في طاعة الله تابع (١١) وقال ابن السكيت: (يقال: هذا خلف صدق، وهذا خلف سوء، وهؤلاء خلف سوء، جمعه وواحده (١٢) (١٣) (١٤) وقال أصحاب العربية (١٥) (١٦) وقال النضر: (الخلف بتحريك اللام وإسكانها في القرن السوء واحد، فأما في القرن الصالح فتحريك اللام لا غير، وأنشد (١٧) إنا وجدنا خلفًا (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى ﴾ .

قال أبو عبيد: (جميع متاع الدنيا عَرَض بفتح الراء، يقال: إن الدنيا عرض حاضر، وأما العَرْض بسكون الراء، فما خالف العين (٢٢) (٢٣) قال ابن عباس (٢٤) (٢٥) وقال عطاء عنه: (يريد: ما أشرف لهم من الدنيا) (٢٦) ﴿ الْأَدْنَى ﴾ تذكير (الدنيا) وأراد عرض هذه الدار الدنيا، فلما ترك الاسم المؤنث ذكر النعت (٢٧) ﴿ الْأَدْنَى ﴾ قول آخر (٢٨) قال المفسرون: (ذم الله تعالى بهذه الآية اليهود ﴿ وَرِثُوا الْكِتَابَ ﴾ فقرؤوه، وعلموه، وضيعوا (٢٩) (٣٠) ﴿ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ﴾ .

قال ابن عباس (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) ﴿ وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ﴾ ، قال ابن عباس: (إذا أصابوا عرضًا مثل رشوتهم تلك التي أصابوا بالأمس قبلوه) (٣٥) وقال مجاهد: ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى ﴾ ، ما أشرت لهم اليوم شيء من الدنيا حلال أو حرام أخذوه وتمنوا على الله المغفرة، وإن وجدوا من الغد مثله أخذوه) (٣٦) ونحو هذا قال قتادة (٣٧) (٣٨) (٣٩) وقوله تعالى: ﴿ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ﴾ .

قال عطاء عن ابن عباس: (وكّد الله في التوراة ﴿ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ﴾ ، فقالوا الباطن).

قال ابن عباس: (يعني: قولهم: ﴿ سَيُغْفَرُ لَنَا ﴾ ، فذلك قولهم على الله غير الحق) (٤٠) وقال ابن جريج: (أي: فيما يرجون على الله من مغفرة ذنوبهم التي لا يزالون يعودون لها ولا يتوبون منها، فذلك قولهم على الله غير الحق) (٤١) وقال الزجاج: (قوله: ﴿ وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ ﴾ يدل على إصرارهم على الذنب، والله عز وجل وعد بالمغفرة في العظائم التي توجب النار مع التوبة، فقال: ﴿ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ﴾ ) (٤٢) وبيان هذا ما قاله بعض المفسرين قال: (ليس في التوراة ميعاد المغفرة مع الإصرار) (٤٣) ﴿ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ﴾ أي: فهم ذاكرون لما (٤٤) (٤٥) (١) "تنوير المقباس" 2/ 138، وذكره ابن الجوزي 3/ 280.

(٢) لم أقف عليه، ورجح الطبري 9/ 105: (أن المراد خلف سوء من اليهود؛ لأنه لا دليل يوجب صحة القول به على صرف الخبر عنهم إلى غيرهم)، وقال النحاس في "معانيه" 3/ 98: (قال مجاهد: يعني: النصارى، وقال غيره: يعني: أبناءهم ، وهذا أولى القولين، والله أعلم لأنه يقال لولد الرجل: خلفه) اهـ.

(٣) "معاني الزجاج" 2/ 388، وزاد: (فأما ما أخلف عليك بدلا مما ذهب منك فهو الخلف بفتح اللام) اهـ.

(٤) "معاني الفراء" 1/ 399، وزاد: (وأنت خلف سوء سمعت من العرب) اهـ.

(٥) أي: بسكون اللام.

(٦) في "مجاز القرآن" 1/ 232، قال: (خلْف ساكن ثاني الحروف وإن شئت حركت الحرف الثاني وهما في المعنى واحد كما قالوا: أثر وأثر وقوم يجعلونه إذا سكنوا ثاني حروفه إذا كانوا مشركين وإذا حركوه جعلوه خلفًا صالحًا) اهـ.

(٧) لفظ: (ثم) ساقط من (ب).

(٨) "تهذيب اللغة" 1/ 1086 (خلف).

(٩) لفظ: (ب) ساقط من النسخ.

(١٠) "تهذيب اللغة" 1/ 1086 (خلف).

(١١) "ديوانه" ص 48، و"سيرة ابن هشام" 3/ 308، و"تفسير الطبري" 9/ 104، والثعلبي 6/ 16 أ، وابن عطية 6/ 127، والقرطبي 7/ 311، و"اللسان" 2/ 1239 (خلف)، والخازن 2/ 305، و"البحر" 4/ 415، و"الدر المصون" 5/ 503، وفي "الديوان": (لنا القدم الأولى إليك وخلفنا)، بسكون اللام.

(١٢) في (ب): (وواحد سواء)، وهو تحريف.

(١٣) الشاهد للبيد في "ديوانه" ص 36، و"العين" 4/ 266، و"الكامل" للمبرد 4/ 33، == و"جمهرة أشعار العرب" ص 69، و"تفسير الطبري" 9/ 105، و"الجمهرة" 1/ 615، و"أمالي القالي" 1/ 158، و"الصحاح" 4/ 1354 (خلف)، و"ديوان المعاني" 2/ 198، و"تفسير الثعلبي" 6/ 16 أ، وخلف بسكون اللام وصدره: ذهب الذين يعاشُ في أكنافهم (١٤) "إصلاح المنطق" ص 13 و 66، و"تهذيب اللغة" 1/ 1086 (خلف).

(١٥) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 104، و"أمالي القالي" 1/ 158.

(١٦) هذا من أمثال العرب المشهورة يضرب للرجل يطيل الصمت ثم يتكلم بالخطأ يقال: سَكَتَ ألفا ونطق خلفاً، أي: سكت عن ألف كلمة ونطق بواحدة رديئة، انظر: "إصلاح المنطق" ص 66، و"أمالي القالي" 1/ 158، و"جمهرة الأمثال" 1/ 509، و"مجمع الأمثال" 1/ 330، و"المستقصى" 2/ 119.

(١٧) لم أقف على قائله، وهو في كتب "الفرق": لقطرب ص 68، وللأصمعي ص 78 و79، ولأبي حاتم السجستاني ص 36، ولثابت بن أبي ثابت ص 44، و"الكامل" للمبرد 3/ 372 - 373، و"الجمهرة" 1/ 607، و"تهذيب اللغة" 1/ 1050 ، و"الصحاح" 4/ 1352، و"تفسير القرطبي" 7/ 311، و"اللسان" 2/ 1238 ، و"تاج العروس" 12/ 174 (خضف)، وعجزه: عبدًا إذا ما ناء بالحمل خضف (١٨) في (ب): (خلفنا) وكذا في "الدر المصون" 5/ 305، وفي غيره (خلفًا).

(١٩) "تفسير الثعلبي" 6/ 16 أو"البحر" 4/ 416، و"الدر المصون" 5/ 503، وفي == "تهذيب اللغة" 1/ 1092: (قال النضر بن شميل: الخلف يكون في الخير والشر وكذلك خلف) اهـ.

(٢٠) انظر: "العين" 4/ 265، و"الجمهرة" 1/ 615، و"الصحاح" 4/ 1354، و"المجمل" 2/ 300، و"مقاييس اللغة" 2/ 210، و"المفردات" ص 293، و"اللسان" 2/ 1241، (خلف)، وقال السمين في "الدر" 5/ 503: (هذا قول جماعة أهل اللغة إلا الفراء وأبا عبيدة) اهـ.

بتصرف.

(٢١) والحاصل أن خلف بفتح اللام وإسكانها، قيل: بمعنى واحد وقيل: الساكن في الطالح، والمفتوح في الصالح، وأكثرهم على جواز الفتح والسكون في الرديء، وأما الصالح فبالفتح فقط، قال المبرد في "الكامل" 4/ 33: (قلما يستعمل خلف بالسكون إلا في الشر) اهـ.

وقال الماوردي 2/ 274: (هو بالتسكين في الذم، وبالفتح في الحمد وهذا أظهر وفي قول الشعراء أشهر) اهـ.

وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 313، و "تفسير غريب القرآن" 1/ 182، و"نزهة القلوب" ص 219، و"تفسير المشكل" ص 88، و"زاد المسير" 3/ 280، و"البحر" 4/ 415.

(٢٢) في "تهذيب اللغة" 3/ 2395: (فما خالف الثمنين: الدنانير والدراهم من متاع الدنيا وأثاثها) اهـ.

(٢٣) "تهذيب اللغة" 3/ 2395 وفيه: (فكل عَرْض داخل في العَرَضَ، وليس كل عَرَض عَرْضًا) اهـ.

وانظر: "العين" 1/ 271، و"مجاز القرآن" 1/ 232، و"معاني الأخفش" 2/ 313 - 314، و"الجمهرة" 2/ 747، و"الصحاح" 3/ 1082، و"المجمل" 2/ 659، و"مقاييس اللغة" 4/ 269، و"المفردات" ص 559 ، و"اللسان" 5/ 2877 (عرض).

(٢٤) "تنوير المقباس" 2/ 138، وفي "زاد المسير" 3/ 281، عن ابن عباس قال: (يأخذون ما أحبوا من حلال أو حرام) اهـ.

انظر: "الدر المنثور" 3/ 255 - 256.

(٢٥) الرُّشَي: جمع رشوة، انظر: "اللسان" 3/ 1653 (رشا)، وقال الماوردي 2/ 275، في معنى الآية: (يعني: الرشوة على الحكم في قول الجميع) اهـ.

(٢٦) أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 106، بسند ضعيف، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 262، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1608 بسند جيد عن عطاء نحوه.

(٢٧) هذا قول الثعلبي 6/ 17 أ، والأدنى: الأقرب، والدنو غير مهموز مصدر دنا يدنو إذا قرب.

انظر: "العين" 8/ 75، و"تهذيب اللغة" 2/ 1233، و"الصحاح" 6/ 2341 ، و"المجمل" 2/ 336، و"مقاييس اللغة" 2/ 303، و"المفردات" ص 318، و"اللسان" 3/ 1436 (دنا).

(٢٨) لفظ: (آخر) ساقط من: (أ).

(٢٩) في (ب): (وضيعوه العمل وخالفوا)، وهو تحريف.

(٣٠) هذا قول الثعلبي 6/ 16 ب، عن المفسرين، وانظر البغوي 3/ 296، والقرطبي 7/ 311.

(٣١) "تنوير المقباس" 2/ 138.

(٣٢) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 107، و"معاني الزجاج" 2/ 388، و"تفسير السمرقندي" 1/ 578، والثعلبي 6/ 16 ب.

(٣٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٣٤) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).

(٣٥) "تنوير المقباس" 2/ 138، وهو قول الطبري 9/ 106، والسمرقندي 1/ 578.

(٣٦) "تفسير مجاهد" 1/ 249، وأخرجه الطبري 9/ 107، وابن أبي حاتم 5/ 1607 من طرق جيدة.

(٣٧) أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 240، بسند جيد.

(٣٨) أخرجه الطبري 9/ 106، من طرق جيدة عن قتادة والسدي.

(٣٩) ذكره والماوردي 2/ 275، وابن الجوزي 3/ 281، والرازي 15/ 44.

(٤٠) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 263، وابن الجوزي 3/ 281.

(٤١) أخرجه الطبري 9/ 106 بسند جيد عن ابن جريج عن ابن عباس، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي المكي إمام، لم يسمع من ابن عباس، انظر: "سير أعلام النبلاء" 6/ 334، و"تهذيب التهذيب" 2/ 601.

(٤٢) "معاني الزجاج" 2/ 388، وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 107، و"معاني النحاس" 3/ 100، والسمرقندي 1/ 578.

(٤٣) ذكره البغوي 3/ 296، وابن الجوزي 3/ 281، والرازي 15/ 44.

(٤٤) في (ب): (ذاكرون ما أخذ عليهم).

(٤٥) هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 388، وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 107، و"معاني النحاس" 3/ 100، والسمرقندي 1/ 579.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ أي حدث بعدهم قوم سوء، والخلف بسكون اللام ذم، وبفتحها مدح، والمراد من حدث من اليهود بعد المذكورين، وقيل: المراد النصارى ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدنى ﴾ أي عرض الدنيا ﴿ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ﴾ ذلك اغترار منهم وكذب ﴿ وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ﴾ الواو للحال يرجون المغفرة وهم يعودون إلى مثل فعلهم ﴿ ميثاق الكتاب أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق ﴾ إشارة إلى كذبهم في قولهم: سيغفر لنا وإعراب ألا يقولوا عطف بيان على ميثاق الكتاب أو تفسير له، أو تكون أن حرف عبارة وتفسير.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تغفر ﴾ بالتاء الفوقانية مضمومة وفتح الفاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب والمفضل.

الباقون: بالنون وكسر الفاء ﴿ خطاياكم ﴾ مجموعاً جمع التكسير: أبو عمرو ﴿ خطيئتكم ﴾ بالرفع وعلى الواحدة: ابن عامر ﴿ خطيئاتكم ﴾ بالرفع مجموعاً جمع السلامة: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب والمفضل.

الباقون: مثله ولكن بالنصب الذي يليق بجمع سلامة المؤنث.

﴿ يسبتون ﴾ من الإسبات.

زيد عن المفضل معذررة بالنصب حفص والمفضل.

الباقون: بالرفع ﴿ يئس ﴾ مثل رئم: أبو جعفر ونافع ﴿ بيِّس ﴾ على فعيل كسيد: ابن عامر ﴿ بيئس ﴾ على فيعل بفتح العين: الأعشى والبرجمي.

الباقون ﴿ بئيس ﴾ على فعيل.

﴿ تأذن ﴾ بالتليين: الأصفهاني عن ورش والشموني وحمزة في الوقف ﴿ تعقلون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب وحفص.

الباقون بياء الغيبة ﴿ يمسكون ﴾ من الإمساك: أبو بكر وحماد والآخرون بالتشديد.

الوقوف: ﴿ أمماً ﴾ ط وإن اتفقت الجملتان لأن ﴿ أوحينا ﴾ عامل ﴿ إذا استسقاه ﴾ دون ﴿ قطعنا ﴾ فإن تفريق الأسباط لم يكن في زمان الاستسقاء ﴿ الحجر ﴾ ط للحذف مع اتحاد الكلام أي فضرب فانبجست ﴿ عيناً ﴾ ط ﴿ مشربهم ﴾ ط ﴿ والسلوى ﴾ ط ﴿ ما رزقناكم ﴾ ط لحذف جمل أي قلنا كلوا ولا تدخروا فادخروا فانقطع عنهم ﴿ وما ظلمونا ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ خطيئاتكم ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ البحر ﴾ لا كيلا يصير ما بعده ظرفاً لقوله ﴿ وأسألهم ﴾ فإنه محال ﴿ لا تأتيهم ﴾ ج لاحتمال تعلق ﴿ كذلك ﴾ به أي يوم لا يسبتون لا تأتيهم إتياناً كإتيانهم يوم السبت.

والأصح أن كذلك صفة مصدر محذوف أي نبلوهم بلاء كذلك فالوقف على ﴿ كذلك ﴾ جائز أيضاً ﴿ يفسقون ﴾ ه ﴿ قوماً ﴾ ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وأمماً ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده صفة أو مستأنفاً ﴿ دون ذلك ﴾ ز للعطف على ﴿ قطعنا ﴾ فإن لم تجعل الجار صفة للأمم كان عطفاً مع عارض ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ سيغفر لنا ﴾ ج ﴿ يأخذوه ﴾ ط ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ الصلاة ﴾ ص على تقدير حذف أي لا نضيع أجرهم إذ هم المصلحون ﴿ ولا نضيع أجر المصلحين ﴾ ، وللوصل وجه على تقدير وضع الظاهر موضع الضمير أي إنا لا نضيع أجرهم المصلحين ﴿ واقع بهم ﴾ ط الحق المحذوف ﴿ تتقون ﴾ ه.

التفسير: إنه  ختم قصة بني إسرائيل بتعداد جمل من أحوالهم تبصرة للمكلفين بعدهم.

ومعنى ﴿ قطعناهم ﴾ أي صيرناهم قطعاً أي فرقاً وميزنا بعضهم عن بعض كيلا يتحاسدوا ويتباغضوا فيقع بينهم الفتن والهرج.

الأسباط أولاد الأولاد جمع سبط وأصله من السبط نبت يعتلفه الإبل فكان الأب كالشجرة والأولاد كالأغصان الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل من العرب وههنا سؤال وهو أن مميز ما عدا العشرة إلى تسعة وتسعين مفرد فهلا قيل اثني عشر سبطاً؟

وأجيب بأن كل قبيلة أسباط لا سبط فوضع أسباطاً موضع قبيلة كقوله: بين رماحي مالك ونهشل *** ولهذا أنث اثنتي عشرة وقال الزجاج: المميز محذوف و ﴿ أسباطاً ﴾ نعت لذلك المحذوف والتقدير: اثنتي عشرة فرقة أسباطاً.

وقال الفارسي والجوهري: ﴿ أسباطاً ﴾ بدل من ﴿ اثنتي عشرة ﴾ والمميز كما قال الزجاج.

وقوله ﴿ أمماً ﴾ بدل من ﴿ اثنتي عشرة ﴾ لأن كل أسباط كانت جماعة كثيرة العدد تؤم خلاف ما كانت تؤمه الأخرى.

وباقي الآية إلى قوله ﴿ بما كانوا يظلمون ﴾ قد مر تفسيره في البقرة، وكذا بيان المتشابهات فلنذكر النوع الآخر من أحوالهم.

قوله تعالى ﴿ واسئلهم عن القرية ﴾ أي عن أهلها وليس المقصود تعرف هذه القصة من قبل اليهود لأنها معلومة للرسول  من قبل الله  ، ولكن المراد تقرير ما كانوا قد أقدموا عليه من الاعتداء والفسق ليعلم أن لهم سابقة في ذلك، وليس كفرهم بمحمد  أول مناكيرهم.

وقد يقول الإنسان لغيره: هل كان هذا الأمر كذا وكذا ليعرف ذلك الغير أنه محيط بتلك القصة؟

وفيه أنه إذا أعلمهم به من لم يقرأ كتاباً ولم يتعلم علماً كان ذلك مستفاداً من الوحي فيكون معجزاً.

والأكثرون على أن تلك القرية أيلة، وقيل مدين، وقيل طبرية، والعرب تسمي المدينة قرية.

ومعنى ﴿ حاضرة البحر ﴾ قريبة من البحر وعلى شاطئه ﴿ إذ يعدون في السبت ﴾ يتجاوزون حد الله فيه وهو اصطيادهم في يوم السبت.

ومحل ﴿ إذ يعدون ﴾ مجرور بدلاً عن القرية بدل الاشتمال أي واسألهم عن وقت عدوانهم.

قال في الكشاف: يجوز أن يكون منصوباً بحاضرة أو بكانت بناء على أن كان الناقصة تعمل في غير الاسم والخبر وفيه نظر إذ لا معنى لكون القرية حاضرة البحر في وقت العدوان لأنها حاضرته في جميع الأحيان وقوله ﴿ إذ تأتيهم ﴾ منصوب بـ ﴿ يعدون ﴾ أو مجرور بدلاً بعد بدل.

والحيتان جمع الحوت وهو السمكة ﴿ شرعاً ﴾ ظاهرة على وجه الماء جمع شارع كركع وراكع وكل شيء دان من شيء فهو شارع، ودار شارعة إذا دنت من الطريق، ونجوم شوارع إذا دنت من المغيب، فالحيتان كانت تدنو من القرية بحيث يمكنهم صيدها، وعن الحسن تشرع على ابوابهم كأنها الكباش البيض.

وقال ابن عباس ومجاهد: إن اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم به وهو يوم الجمعة فتركوه واختاروا السبت فابتلاهم الله  به وحرم عليهم الصيد فيه، وباقي القصة مذكور في البقرة، وفيها دلالة على أن من أطاع الله تعالى خفف عليه أهوال الدنيا والآخرة، ومن عصاه ابتلاه بأنواع البلايا والمحن.

قالت الأشاعرة: لو وجب رعاية الأصلح على الله  لوجب أن لا يكثر الحيتان في ذلك اليوم صوناً لهم عن الكفر والمعصية وهذا الاعتراض وارد على خلق إبليس وسائر أسباب الشرور.

والنوع الثالث قوله ﴿ وإذ قالت ﴾ وهو معطوف على ﴿ إذ يعدون ﴾ وحكمه حكمه في الإعراب ﴿ أمة منهم ﴾ جماعة من صلحاء أهل القرية الذين بالغوا في موعظتهم حتى آيسوا الآخرين كانوا لا يتركون وعظهم ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم ﴾ مدمرهم ﴿ أو معذبهم عذاباً شديداً ﴾ لعلمهم بأن عاقبة المعصية شؤم والمنهمك في الفساد لا يكاد يفلح ﴿ قالوا معذرة ﴾ من رفع فبتقدير هذه أو موعظتنا أو قولنا إبداء عذر إلى الله.

والمعذرة مصدر كالمغفرة، ومن نصب فعلى أنَّا نعتذر معذرة أو وعظناهم معذرة إلى ربكم أي إذا طولبنا بإقامة النهي عن المنكر قلنا قد فعلنا فنكون بذلك معذورين ﴿ ولعلهم يتقون ﴾ ولأَنّا نرجو أن يتقوا بعض الاتقاء فيتركوا الصيد في السبت ﴿ فلما نسوا ﴾ يعني أهل القرية تركوا ما ذكرهم به الصالحون ﴿ أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ﴾ ومعناه على اختلاف القراءات شديد من بؤس يبؤس بأساً إذا اشتد.

والظاهر أن هذا العذاب غير المسخ المتأخر في قوله ﴿ فلما عتوا ﴾ تكبروا وتمردوا أو أبوا عن ترك ما نهوا عنه بحذف المضاف لأن الإباء عن المنهي عنه يكون طاعة ﴿ قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ﴾ والمراد أمر التكوين والإيجاد لا أن هناك قولاً.

وقيل: فلما عتوا تكرير لقوله ﴿ فلما نسوا ﴾ والعذاب البئيس هو المسخ.

عن الحسن: أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها أثقلها خزياً في الدنيا وأطولها عذاباً في الآخرة.

هاه وأيم الله ما حوت أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله من قتل رجل مسلم ولكن الله جعل موعداً والساعة أدهى وأمر.

وقد ذكرنا هذه القصة مع تحقيق المسخ في سورة البقرة إلا أنه بقي ههنا بحث هو أن أهل القرية كم فرقة كانوا؟

فقيل: فرقتان المذنبة والواعظة، وأما الأمة القائلة "لم تعظون" فهم المذنبة بعينها قالوا للفرقة الواعظة ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم ﴾ بزعمكم.

والاعتراض على هذا القول أنه لو صح ذلك لكان اللائق أن يقال في الجواب معذرة إلى ربكم ولعلكم تتقون لأن الجميع خطاب من الفرقة الناهية للفرقة العاصية.

والصحيح أنهم ثلاث فرق فرقة مذنبة وفرقة واعظة وفرقة قالوا للواعظين ﴿ لم تعظون ﴾ أما المذنبة فقد هلكوا بالاتفاق، وأما الواعظة فقد نجوا.

بقي الكلام في الثالثة: فعن ابن عباس أنه توقف فيهم وكان يقول فيهم ليت شعري ما فعل بهؤلاء.

وعنه أيضاً أنهم هلكوا وكان إذا قرىء عليه هذه الآية بكى.

وقال: أن هؤلاء الذين سكتوا عن النهي عن المنكر هلكوا ونحن نرى أشياء ننكرها ثم نسكت ولانقول شيئاً.

وعن الحسن أنهم نجوا لأنهم كانوا ينكرون عليهم ويحكمون بأن الله سيهلكهم أو يعذبهم وإنما تركوا الوعظ لأنهم لم يروا فيه غرضاً صحيحاً لعلمهم بحال لقوم، وإذا علم الناهي بحال المنهي وأن النهي لا ينجع فيه سقط عنه النهي.

ولعل الواعظين لم يستحكم يأسهم بعد كما استحكم يأس هؤلاء أو لعلهم كانوا أحرص الطائفتين.

ولعل الأمة سألوا عن علة الوعظ سؤال المسترشدين لا سؤال المنكرين والله  أعلم بالسرائر.

النوع الرابع: ﴿ وإذ تأذن ربك ﴾ هو تفعل من الإيذان وهو الإعلام والمعنى عزم ربك لأن العازم على الأمر يحدث به نفسه فكأنه يؤذن النفس بأنه يفعله وأجري مجرى فعل القسم في الجزم بالجزاء نحو "علم الله" و "شهد الله".

فأجيب بجواب القسم أي ختم ربك وكتب على نفسه ﴿ ليبعثن ﴾ ومعناه التسليط كقوله ﴿ بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد  ﴾ واختلف في العائد في ﴿ عليهم ﴾ فقيل: يرجع إلى الممسوخين بناء على أن لهم نسلاً.

وقيل: إلى صلحاء تلك القرية فكأنه مسخ المعتدين وألحق الذل بالبقية.

وقال الأكثرون: هم اليهود الذين أدركهم رسول الله  ودعاهم إلى شريعته فثبتوا على الكفر واستمروا على اليهودية.

أما العذاب فقيل: هو أخذ الجزية كانوا يؤدونها إلى المجوس إلى أن بعث الله محمداً  فضربها عليهم، فلا تزال مضروبة عليهم إلى يوم القيامة.

وقيل: الاستخفاف والإهانة.

وقيل: القتل والقتال كما وقع في زمن بختنصر وغيره.

وقيل: الإخراج عن الأوطان كما في يهود خيبر وبني قريظة والنضير.

وإذ قد أخبر الله  بلزوم الذل والصغار إياهم ونحن نشاهد أن الأمر كذلك فهو إذاً إخبار عن الغيب فيكون معجز.

قيل: والخبر المروي في أن أتباع الدجال هم اليهود إن صح فمعناه أنهم كانوا قبل خروجه يهود، ثم دانوا بآلهيته فذكروا بالاسم الأول، وإنما تكلف ذلك لأنهم يكونون في وقت اتباع الدجال قاهرين غالبين.

النوع الخامس: ﴿ وقطعناهم في الأرض أمماً ﴾ فرقناهم فيها تفريقاً شديداً فلا يكاد يوجد بلد إلا وفيه منهم طائفة ﴿ منهم الصالحون ﴾ الذين كانوا في زمن موسى يهدون بالحق أو الذين هم وراء الصين.

وعن ابن عباس ومجاهد: الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وآله وآمنوا به.

﴿ ومنهم دون ذلك ﴾ أي ومنهم ناس دون ذلك الوصف منحطون عنه فيجوز أن يكون فيهم بعض الصلاح وإن كان أدون من صلاح الأولين إلا أن قوله بعد ذلك ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ يدل على أن المراد بهم الكفرة الفسقة الباقية على ضد الخير والرشاد.

ومحل ﴿ دون ذلك ﴾ رفع على أنه صفة مرفوع محذوف كما قلنا ﴿ وبلوناهم ﴾ عاملناهم معاملة المبتلى المختبر ﴿ بالحسنات ﴾ الخصب والعافية ﴿ والسيئات ﴾ بالجدب والشدائد ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ لأن كلاً من الحالتين تدعو إلى الطاعة والإنابة والنعم بالترغيب والنقم بالترهيب ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ ظاهره يدل على أن الأوّل ممدوح والثاني مذموم.

فالمراد فخلف من بعد أولئك الصلحاء خلف سوء.

قال الجوهري الخلف القرن بعد القرن يقال: هؤلاء خلف سوء لناس لاحقين بناس أكثر منهم.

قال الأخفش: وقد يحرك ومنهم من يقول خلف سوء من أبيه بالتسكين وخلف صدق من أبيه بالتحريك قال لبيد: ذهب الذين يعاش في أكنافهم *** وبقيت في خلف كجلد الأجرب والخلف الرديء من القول يقال: سكت ألفاً ونطق خلفاً أي سكت عن ألف كلمة ثم تكلم بخطأ ﴿ ورثوا الكتاب ﴾ أي التوراة بقيت في أيديهم بعد سلفهم يقرؤنها ويقفون على ما فيها من الأوامر والنواهي ولا يعملون بها ﴿ يأخذون عرض هذا الأدنى ﴾ أي حطام هذا الشيء الأدنى يريد الدنيا وما يتمتع به منها.

يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر.

وفي الإشارة بقوله ﴿ هذا الأدنى ﴾ تحقير وتخسيس.

وأراد بالدنو القرب لأنه عاجل.

أو دنو الحال وسقوطها وقلتها.

والمراد كانوا يأخذونه من الرشا في تحريف الأحكام والنعوت ﴿ ويقولون سيغفر لنا ﴾ يؤاخذنا الله بما أخذنا.

وإسناد الفعل إما إلى الجار والمجرور وإما إلى الأخذ الدال عليه ﴿ يأخذون ﴾ ، ﴿ وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ﴾ الواو للحال أي يرجون المغفرة جزماً وهم مصرون والمراد الإخبار عن إصرارهم على الذنوب.

وقال الحسن: هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وأنهم لا يشبعون منها.

ثم بين نكث عهدهم فقال ﴿ ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ﴾ أي التوراة.

ومحل ﴿ ألا يقولوا على الله إلا الحق ﴾ رفع عطف بيان للميثاق المذكور في التوراة وهو أن لا يحرّفوا الكلم عن مواضعه ولا يقبلوا الرشا أو لا يصروا على الذنب مع الجزم بالغفران.

فإن خلاف كل ذلك خروج عن ميثاق الكتاب وافتراء على الله وتقول عليه ما ليس بحق.

ويجوز أن يكون ﴿ ألا يقولوا ﴾ مفعولاً لأجله ومعناه لئلا يقولوا ويجوز أن تكون "أن" مفسرة ﴿ ولا يقولوا ﴾ نهياً كأنه قيل: ألم نقل لهم لا تقولوا على الله إلا الحق؟

﴿ ودرسوا ﴾ عطف على ﴿ ألم يؤخذ ﴾ لأنه تقرير كأنه قيل: أخذ عليهم الميثاق وقرأوا ما فيه أي أنهم ذاكرون لما أخذ عليهم قد قرأوه ودرسوه.

﴿ والدار الآخرة خير ﴾ من ذلك العرض الخسيس ﴿ للذين يتقون ﴾ الرشا والمحرمات.

ثم لما ذكر حال من ترك التمسك بالتوراةأتبعها حال من تمسك أي اعتصم به فقال ﴿ والذين يمسكون ﴾ الآية والتشديد للتكثير وفي إفراد إقامة الصلاة بالذكر مع أن التمسك بالكتاب مشتمل على كل عبادة إظهار لمزية الصلاة وإشعار بأنها عماد الدين.

النوع السادس: ﴿ وإذ نتقنا الجبل ﴾ قال أبو عبيدة: أصل النتق قلع الشيء عن موضعه والرمي به ومنه امرأة ناتق إذا كثر ولدها كأنها ترمي بأولادها رمياً.

والمعنى إذا قلعنا الجبل من أصله وجعلناه ﴿ فوقهم كأنه ظله ﴾ وهي كل ما أظلك من سقف أو حائط ﴿ وظنوا أنه واقع بهم ﴾ علموا وتيقنوا أنه ساقط عليهم.

وقيل: قوي في نفوسهم أنه يقع بهم إن خالفوا.

روي أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة فرفع الله الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم وكان فرسخاً في فرسخ.

وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم.

فلما نظروا إلى الجبل خر كل رجل منهم ساجداً على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقاً من سقوطه فلذلك لا ترى يهودياً يسجد إلا على حاجبه الأيسر ويقولون هذه السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة.

ولما نشر موسى الألواح وفيه كتاب الله لم يبق جبل ولا حجر إلا اهتز فلذلك لا ترى يهودياً تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونغض لها رأسه.

﴿ خذوا ﴾ على إرادة القول أي قلنا لهم أو قائلين خذوا ﴿ ما آتيناكم ﴾ من الكتاب ﴿ بقوة ﴾ بجد وعزيمة على احتمال مشاقه وتكاليفه ﴿ واذكروا ما فيه ﴾ من الأوامر والنواهي، أو من التعريض للثواب، أو المراد خذوا ما آتيناكم من الآية العظيمة بقوة إن كنتم تطيقونه كقوله ﴿ إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا  ﴾ واذكروا ما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة ﴿ لعلكم تتقون ﴾ ما أنتم عليه من الإباء.

التأويل: ﴿ القرية التي كانت حاضرة البحر ﴾ هي قرية الجسد الحيواني على شاطىء بحر البشرية، وأهل قرية الجسد الصفات الإنسانية صنف روحاني كصفات الروح، وصنف قلبي كصفات القلب، وصنف نفساني كصفات النفس الأمارة بالسوء، وكل قد نهوا عن صيد حيتان الدواعي البشرية في سبت محارم الله، فلم تنتهك الحرمة إلا الصفات النفسانية ﴿ إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ﴾ لأن الإنسان حريص على ما منع فتهيج الدواعي في المحرمات دون المحللات ﴿ بما كانوا يفسقون ﴾ أي بما كان من طبيعة النفس وصفاتها من الخروج عن أمر الله أنها أمارة بالسوء ﴿ وإذ قالت أمة منها ﴾ هي صفات القلب قالوا لصفات الروح ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم ﴾ بالمخالفات عند استيفاء اللذات والشهوات ﴿ أو معذبهم عذاباً شديداً ﴾ وهو المسخ بتبديل الصفات الإنسانية إلى الصفات الحيوانية ﴿ قالوا معذرة إلى ربكم ﴾ لأنه خلقنا هكذا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر فنقضي ما علينا ليعلم أنّا ما تغيرنا عن أوصافنا الروحانية والملكية، ولعل النفس وصفاتها ﴿ يتقون ﴾ فتتصف بالمأمورية والاطمئنان فإنها قابلة لذلك ﴿ بعذاب بئيس ﴾ وهو إبطال استعداد قبول الفيض الإلهي ﴿ ليبعثن عليهم ﴾ على الأرواح والقلوب الذين يتبعون النفس وصفاتها ﴿ من يسومهم ﴾ وهو الشيطان المنظر إلى يوم القيامة ﴿ سوء العذاب ﴾ عذاب البعد عن الله وعذاب ذلة الخدمة للنفس والشيطان ﴿ وقطعناهم ﴾ فرقنا الأرواح والقلوب في أرض الأجساد ﴿ منهم الصالحون ﴾ قابلون لفيض نور الله ﴿ ومنهم دون ذلك ﴾ في القبول ﴿ وبلوناهم بالحسنات ﴾ وهي الطاعات ﴿ والسيئات ﴾ وهي المعاصي ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ إلى الحق.

وذلك أن السير إلى الله يتم بقدم الطاعة وبقدم ترك المعصية ومن هنا قيل خطوتان وقد وصلت.

أو بلوناهم بالحسنات ليرجعوا إلينا بقدم الشكر، والسيئات ليرجعوا بقدم الصبر أو بلوناهم بكثرة الطاعات والعجب بها كما كان حال إبليس وبكثرة المعاصي والندامة عليها كما كان حال آدم ﴿ فخلف ﴾ من بعد الأرواح والقلوب لما سلكوا طريق الحق ووصلوا إلى مقعد صدق خلفهم النفوس الأمارة بالسوء ﴿ ورثوا الكتاب ﴾ وهو ما ألهم الله  الأرواح والقلوب من المواعظ والحكم والمعاني والأسرار وورثتها النفوس وجعلوها ذريعة للعروض الدنياوية وتحصيل المال والجاه واستيفاء اللذات ﴿ ويقولون سيغفر لنا ﴾ مثل هذه الزلات لأنا واصلون كاملون كما هو مذهب أهل الإباحة، أو سيغفر لنا إذا اسغفرنا وهم يستغفرون باللسان لا بالقلب ﴿ وإذ نتقنا الجبل ﴾ فيه أن الإنسان لو وكل إلى طبعه ونفسه لا يقبل شيئاً من الأمور الدينية وإنما يعان على القبول بأمر ظاهر أو باطن.

وفيه أن على رؤوس أهل الطلب جبل أمر الحق وهو أمر التحويل فيحولهم بالقدرة إلى أن يأخذوا ما آتاهم الله  بقوة منه لا بقوتهم وإرادتهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ ﴾ \[قيل\] تأذن: أي: قال ربك: [ليبعثن].

وقال أبو عوسجة: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ ﴾ هو من الأذان، أي: أعلم ربك.

وقوله: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ...

﴾ الآية قال: نزلت هذه الآية بمكة في شأن أصحاب رسول الله  لأن الكفار كانوا يمنعون من دار الإسلام واتباع محمد - عليه الصلاة والسلام - فوعدهم الله ليبعثن عليهم من يقاتلهم ويأخذ منهم الجزية إلى يوم القيامة؛ جزاء ما كانوا يمنعون الناس عن اتباع محمد  والإجابة له فيما يدعو إليه.

وقال قائلون: هو في بني إسرائيل، وهو ما قال: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا  ﴾ أخبر إن عادوا عدنا، ولم يبين إن عادوا عدنا بماذا، ثم بين في هذه الآية بقوله: ﴿ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ ﴾ .

وقال قائلون: هذا إنما كان في هؤلاء الذين سبق ذكرهم في قوله: ﴿ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ  ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: الآية لا تحتمل في هؤلاء؛ لأن من آمن منهم لا يحتمل ذلك، ومن صار منهم قروداً لم يحتمل - أيضاً - بعد ما صاروا قروداً، فهو - والله أعلم - على الوجهين اللذين ذكرناهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ ﴾ .

يأخذهم في حال أمنهم، ليس كما يأخذ ملوك الأرض قومهم بعد ما يتقدم منهم إليهم تخويف، فعند ذلك يأخذونهم بالعذاب.

أو أن يقال: سريع العقاب، أي: عن سريع يأخذهم عقابه.

وقوله: ﴿ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ ﴾ : لمن كفر وكذب، غفور رحيم: لمن آمن وصدق بالله ورسوله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً ﴾ .

يحتمل: فرقناهم في وقت بعد ما كانوا مجموعين.

ثم يحتمل الجمع وجهين: كانوا مجموعين ثم تفرقوا، فصار بعضهم كفاراً وبعضهم مؤمنين.

أو كانوا مجموعين في المكان والمعاش والماء والكلأ ثم تفرقوا، فصاروا متفرقين في المكان والمعاش وغيره.

أو كانوا في الدين واحداً، ثم صاروا أصحاب أهواء.

ويحتمل قوله: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً ﴾ أي: أمة بعد أمة، وجماعة بعد جماعة، بعضهم خلفاء لبعض؛ على ما ذكر: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّنْهُمُ ٱلصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ ﴾ .

فإن كان قوله: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ في الدين والمذهب، فيكون تأويله: [منهم الصالحون المؤمنون، ومنهم دون ذلك الكفار، ويكون قوله: ﴿ دُونَ ذٰلِكَ ﴾ أي: غير ذلك كقوله يعيدونها دون الله أي:] غير الله.

وإن كان في المعاش، فبعضهم دون بعض في المعاش؛ وسع على بعض المعاش، وشدد على بعض وضيق، فيكون بعضهم دون بعض في المعاش والرزق.

أو بعضهم دون بعض في الدين، بعضهم على الصلاح، وبعضهم أصحاب أهواء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ .

ابتلى بعضهم بالخصب والسعة، وبعضهم بالشدة والضيق؛ ليذكرهم الموعود من الثواب في الحسنات، ويزجرهم الموعود من العقاب عن السيئات.

﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ .

يتوبون ويرجعون عن ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ فهو يخرج على وجوه: أحدها: بلوناهم بالنعم والخصب والسعة؛ ليعرفوا فضل الله وإحسانه فيرجعوا إليه بالشكر والثناء، و ﴿ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ ، أي: بالبلايا في أنفسهم أو المصائب والضيق؛ ليعرفوا قدرة الله وسلطانه، فيرجعوا إليه بالتضرع والفزع والدعاء والتوبة.

والثاني: معناه: أي: بلوناهم بالحسنات والسيئات؛ ليتقرر عندهم أن غيرهم أملك بهم من أنفسهم، فيرجعوا إليه [بتسليم] النفس لأمره وحكمه.

والثالث: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ المؤمن منهم والكافر، حتى إذا رأوا الاستواء في الدنيا وفي الحكمة التفريق بينهم، فيضطر الجميع إلى الإيمان بالبعث؛ إذ خروجهم من الدنيا على سواء.

والرابع: أنه إنما جعل النعيم في الدنيا ليعرفوا لذّة الموعود في الآخرة، وكذلك الشدة، فابتلاهم بالأمرين جميعاً؛ ليستعدوا للرجوع إلى الموعود لهم في الآخرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ .

قال قائلون: هو صلة قوله: ﴿ مِّنْهُمُ ٱلصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ ﴾ ، والصالحون هم الذين آمنوا بالله، وحفظوا حدوده وحلاله وحرامه، ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ يعني: الصالحين ﴿ فَخَلَفَ ﴾ لم يحفظوا حدوده ومحارمه.

وقال قائلون: هو صلة ما تقدم من ذكر الأنبياء والرسل؛ كأنه أخبر أنه خلف من بعدهم خلف، يعني: خلف الرسل والأنبياء ﴿ وَرِثُواْ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ وهو كما ذكر في سورة مريم، وهو قوله: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ  ﴾ وإنما ذكر هذا من بعد ذكر الأنبياء والرسل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرِثُواْ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ علموا ما فيه.

﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ ﴾ .

إن أهل الكتاب كانوا يأخذون الدنيا على أحد وجوه ثلاثة: منهم من كان يأخذها مستحلاًّ لها؛ كقوله -  -: ﴿ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ  ﴾ .

وكقوله: ﴿ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ  ﴾ .

ومنهم من كان يأخذها بالتبديل، أعني: تبديل الكتاب؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ...

﴾ الآية [آل عمران: 78]، وقوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً  ﴾ .

ومنهم من كان تناول على ما تناول أهل الإسلام على قدر الحاجة، وهاهنا لا يحتمل الأخذ إلا أخذ الاستحلال أو التبديل، والأخذ بالاستحلال - هاهنا - أقرب، كانوا يأخذون عرض هذا الأدنى مستحلين له.

﴿ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ﴾ يحتمل هذا وجوهاً: يحتمل ما قالوا: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ .

فيغفر لنا؛ كانوا يستحلون أموال الناس ويأخذونها، ثم يقولون: سيغفر لنا؛ لأنا أبناء الله وأحباؤه.

والثاني: يحتمل أنهم قالوا: سيغفر لنا، مع علمهم أنه لا يغفر لهم؛ لما كان في كتابهم ألاّ يغفر لهم إذا تناولوا مستحلين.

أو أنهم إذا عوتبوا على ما فعلوا قالوا: سيغفر لنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَٰقُ ٱلْكِتَٰبِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَٰقُ ٱلْكِتَٰبِ ﴾ أنهم إذا استحلوا ذلك أضافوا ذلك إلى الله، وقالوا: الله أمرنا بذلك، فقال: ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق، أي: لا يضيفوا إلى الله ما استحلوا.

أو أن يقال: أخذ عليهم ألاّ يقولوا: نحن أبناء الله وأحباؤه.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَٰقُ ٱلْكِتَٰبِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ فيما يوجبون على الله من مغفرة ذنوبهم التي لا يزالون يعودون لها، ولا يتوبون عنها.

قال بعضهم: قوله: ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ ﴾ قال: يأخذونه إن كان حلالاً أو حراماً ﴿ وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ﴾ ، وقال: قوله: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ سوء ﴿ وَرِثُواْ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ بعد أنبيائهم، ورثهم الله الكتاب، وعهد إليهم في سورة مريم ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ  ﴾ ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ ﴾ ، وهو ما ذكرنا.

وقال القتبي: الخلف: الرديء من الناس ومن الكلام؛ يقال: هذا خلف من القول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ ﴾ .

أي: قرءوا ما فيه وعلموه.

﴿ وَٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ .

أي: يتقون الشرك، أو يتقون مخالفة الله ومعاصيه، أفلا يعقلون ما في كتابهم أن ترك مخالفة الله خير في الآخرة.

ثم أخبر عن المؤمنين فقال: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَابِ ﴾ ما فيه من الحلال، والحرام ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فجاء من بعد هؤلاء أهل سَوْءٍ يخلفونهم، أخذوا التوراة من أسلافهم، يقرؤونها ولا يعملون بما فيها، يأخذون متاع الدنيا الرديء رشوة لتحريفهم كتاب الله، والحكم بغير ما أنزل فيه، ويُمَنون أنفسهم بأن الله سيغفر لهم ذنوبهم، وإن يأتهم متاع دنيوي زهيد يأخذوه مرة بعد مرة، ألم يأخذ الله العهود والمواثيق على هؤلاء ألا يقولوا على الله إلا الحق دون تحريف أو تبديل؟!

ولم يكن تركهم للعمل بالكتاب عن جهل، بل كان على علم، فقد قرأوا ما فيه وعَلِمُوهُ، فذنبهم أشد، والدار الآخرة وما في الدار الآخرة من نعيم دائم خير من ذلك المتاع الزائل للذين يتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، أفلا يعقل هؤلاء الذين يأخذون هذا المتاع الزهيد أن ما أعده الله للمتقين في الآخرة خير وأبقى؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.lp3ey"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل