الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٨٠ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 152 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٨٠ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن لله تسعا وتسعين اسما مائة إلا واحدا ، من أحصاها دخل الجنة ، وهو وتر يحب الوتر " .
أخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عنه رواه البخاري ، عن أبي اليمان ، عن شعيب بن أبي حمزة ، عن أبي الزناد به وأخرجه الترمذي ، عن الجوزجاني ، عن صفوان بن صالح ، عن الوليد بن مسلم ، عن شعيب فذكر بسنده مثله ، وزاد بعد قوله : " يحب الوتر " : هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ، الملك ، القدوس ، السلام ، المؤمن ، المهيمن ، العزيز ، الجبار ، المتكبر ، الخالق ، البارئ ، المصور ، الغفار ، القهار ، الوهاب ، الرزاق ، الفتاح ، العليم ، القابض ، الباسط ، الخافض ، الرافع ، المعز ، المذل ، السميع ، البصير ، الحكم ، العدل ، اللطيف ، الخبير ، الحليم ، العظيم ، الغفور ، الشكور ، العلي ، الكبير ، الحفيظ ، المقيت ، الحسيب ، الجليل ، الكريم ، الرقيب ، المجيب ، الواسع ، الحكيم ، الودود ، المجيد ، الباعث ، الشهيد ، الحق ، الوكيل ، القوي ، المتين ، الولي ، الحميد ، المحصي ، المبدئ ، المعيد ، المحيي ، المميت ، الحي ، القيوم ، الواجد ، الماجد ، الواحد ، الأحد ، الفرد ، الصمد ، القادر ، المقتدر ، المقدم ، المؤخر ، الأول ، الآخر ، الظاهر ، الباطن ، الوالي ، المتعالي ، البر ، التواب ، المنتقم ، العفو ، الرءوف ، مالك الملك ، ذو الجلال والإكرام ، المقسط ، الجامع ، الغني ، المغني ، المانع ، الضار ، النافع ، النور ، الهادي ، البديع ، الباقي ، الوارث ، الرشيد ، الصبور ثم قال الترمذي : هذا حديث غريب وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة [ رضي الله عنه ] ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث .
ورواه ابن حبان في صحيحه ، من طريق صفوان ، به وقد رواه ابن ماجه في سننه ، من طريق آخر عن موسى بن عقبة ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة مرفوعا فسرد الأسماء كنحو ما تقدم بزيادة ونقصان .
والذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه ، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم وعبد الملك بن محمد الصنعاني ، عن زهير بن محمد : أنه بلغه عن غير واحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك ، أي : أنهم جمعوها من القرآن كما ورد عن جعفر بن محمد وسفيان بن عيينة وأبي زيد اللغوي ، والله أعلم .
ثم ليعلم أن الأسماء الحسنى ليست منحصرة في التسعة والتسعين بدليل ما رواه الإمام أحمد في مسنده ، عن يزيد بن هارون ، عن فضيل بن مرزوق ، عن أبي سلمة الجهني ، عن القاسم بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال : اللهم إني عبدك ، ابن عبدك ، ابن أمتك ، ناصيتي بيدك ، ماض في حكمك ، عدل في قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، أو أعلمته أحدا من خلقك ، أو أنزلته في كتابك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ، ونور صدري ، وجلاء حزني ، وذهاب همي ، إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرحا " .
فقيل : يا رسول الله ، أفلا نتعلمها ؟
فقال : " بلى ، ينبغي لكل من سمعها أن يتعلمها " .
وقد أخرجه الإمام أبو حاتم بن حبان البستي في صحيحه بمثله وذكر الفقيه الإمام أبو بكر بن العربي أحد أئمة المالكية في كتابه : " الأحوذي في شرح الترمذي " ; أن بعضهم جمع من الكتاب والسنة من أسماء الله ألف اسم ، فالله أعلم .
وقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى : ( وذروا الذين يلحدون في أسمائه ) قال : إلحاد الملحدين : أن دعوا " اللات في أسماء الله .
وقال ابن جريج ، عن مجاهد : ( وذروا الذين يلحدون في أسمائه ) قال : اشتقوا " اللات " من الله ، واشتقوا " العزى " من العزيز .
وقال قتادة : ( يلحدون ) يشركون .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : الإلحاد : التكذيب .
وأصل الإلحاد في كلام العرب : العدل عن القصد ، والميل والجور والانحراف ، ومنه اللحد في القبر ، لانحرافه إلى جهة القبلة عن سمت الحفر .
القول في تأويل قوله : وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره (ولله الأسماء الحسنى)، , وهي كما قال ابن عباس: - 15451 - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي, قال حدثني عمي ، قال حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها)، ومن أسمائه: " العزيز الجبار ", وكل أسمائه حسن.
15452 - حدثني يعقوب قال: حدثنا ابن علية, عن هشام بن حسّان, عن ابن سيرين, عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن لله تسعة وتسعين اسمًا, مائة إلا واحدًا, من أحصاها كُلَّها دخل الجنة ".
(16) * * * وأما قوله: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه)، فإنه يعني به المشركين.
(17) * * * وكان إلحادهم في أسماء الله، أنهم عدَلوا بها عمّا هي عليه, فسموا بها آلهتهم وأوثانهم, وزادوا فيها ونقصوا منها, فسموا بعضها " اللات " اشتقاقًا منهم لها من اسم الله الذي هو " الله ", وسموا بعضها " العُزَّى " اشتقاقًا لها من اسم الله الذي هو " العزيز ".
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 15453 - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: ثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه)، قال: إلحاد الملحدين: أن دعوا " اللات " في أسماء الله.
15454 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه) قال: اشتقوا " العزى " من " العزيز ", واشتقوا " اللات " من " الله ".
* * * واختلف أهل التأويل في تأويل قوله (يلحدون).
فقال بعضهم: يكذّبون.
* ذكر من قال ذلك: 15455 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني معاوية, عن ابن عباس, قوله: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه) قال: الإلحاد: التكذيب.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: يشركون.
* ذكر من قال ذلك.
15456- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا أبو ثور, عن معمر, عن قتادة: (يلحدون) قال: يشركون.
(18) * * * وأصل " الإلحاد " في كلام العرب: العدول عن القصد, والجورُ عنه, والإعراض.
ثم يستعمل في كل معوَجّ غير مستقيم, ولذلك قيل للحْد القبر: " لحد ", لأنه في ناحية منه، وليس في وسطه.
يقال منه: " ألحد فلانٌ يُلْحِد إلحادًا ", و " لَحد يلْحَد لَحْدًا ولُحُودًا ".
(19) وقد ذكر عن الكسائي أنه كان يفرّق بين " الإلحاد " و " اللحٍْد ", فيقول في " الإلحاد ": إنه العدول عن القصد, وفي " اللحد " إنه الركون إلى الشيء.
وكان يقرأ جميع ما في القرآن: (يُلْحِدُونَ) بضم الياء وكسر الحاء, إلا التي في النحل, فإنه كان يقرؤها: " يَلْحَدُون " بفتح الياء والحاء, (20) ويزعم أنه بمعنى الركون.
وأما سائر أهل المعرفة بكلام العرب، فيرون أن معناهما واحدٌ, وأنهما لغتان جاءتا في حرفٍ واحدٍ بمعنى واحد.
* * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض البصريين والكوفيين: (يُلْحِدُون)، بضم الياء وكسر الحاء من " ألحد يُلْحِد " في جميع القرآن.
* * * وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة: " يَلْحَدُونَ" بفتح الياء والحاء من " لَحَد يَلْحَدُ".
* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك، أنهما لغتان بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ في ذلك.
غير أنِّي أختار القراءة بضمِّ الياء على لغة من قال: " ألحد ", لأنها أشهر اللغتين وأفصحهما.
* * * وكان ابن زيد يقول في قوله: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه)، إنه منسوخٌ.
15457 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (وذَرُوا الذين يلحدون في أسمائه) قال: هؤلاء أهل الكفر, وقد نُسِخ, نَسَخه القتال.
* * * = ولا معنى لما قال ابن زيد في ذلك من أنه منسوخ, لأن قوله: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه)، ليس بأمر من الله لنبيّه صلى الله عليه وسلم بترك المشركين أن يقولوا ذلك، حتى يأذن له في قِتالهم, وإنما هو تهديدٌ من الله للملحدين في أسمائه، ووعيدٌ منه لهم, كما قال في موضع آخر: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ، [سورة الحجر: 3] الآية, وكقوله: لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ، [سورة العنكبوت: 66] وهو كلام خرج مخرج الأمر بمعنى الوعيد والتهديد, ومعناه: أنْ مَهِّل الذين يلحدون، يا محمد، في أسماء الله إلى أجل هم بالغوه, (21) فسوف يجزون، إذا جاءهم أجل الله الذي أجلهم إليه، (22) جزاءَ أعمالهم التي كانوا يعملونها قبل ذلك من الكفر بالله، والإلحاد في أسمائه، وتكذيب رسوله.
-------------- الهوامش : (16) الأثر : 15452 - (( هشام بن حسان القردوسي )) ، ثقة .
روى له الجماعة ، مضى برقم : 2827 ، 7287 ، 9837 ، 10258 .
وهذا إسناد صحيح .
رواه البخاري من طريق أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ( الفتح 5 : 262 / 11 : 180 - 194) ، شرحه ابن حجر مستقصى غاية الاستقصاء .
ورواه مسلم في صحيحه ، من مثل طريق البخاري ، ثم من طريق معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ( مسلم 17 : 4 ، 5 ) .
ورواه أحمد في مسنده من طرق ، رقم : 7493 ، 7612 ، 8131 ، 9509 ، 10486 ، 10539 ، 10696 .
وانظر تخريجه هناك .
وفي بعض طرقه زيادة : (( وإن الله وتر يحب الوتر )) أو (( إنه وتر يحب الوتر )) .
(17) انظر تفسير (( ذر )) فيما سلف من فهارس اللغة ( وذر ) .
(18) الأثر : 10456 - (( ابن ثور )) هو ((محمد بن ثور الصنعانى )) ، مضى في الإسناد مرارًا ، آخره رقم : 15437 ، حيث صححت خطأ آخر هناك .
ثم ما سيأتي: 15459 .
وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا (( حدثنا أبو ثور )) ، وهو خطأ محض .
(19) ( 2 ) المصدر الثاني (( اللحود )) ، قلما نجده في معاجم اللغة ، فقيده .
(20) آية سورة النحل : 103 على قراءة الكسائى : "لِسَانُ الَّذِي يَلْحَدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ " .
وهي قراءة عامة قرأة أهل الكوفة / كما قال بن جرير بعد في تفسيره 14 : 120 ( بولاق ) ، ولم يفرد الكسائي بالذكر هناك ، لأنه خالفهم في قراءة الحرف في غير هذا الموضع .
(21) في المطبوعة : (( أن تمهل )) لم يحسن قراءة المخطوطة .
(22) في المطبوعة : (( الذي أجله إليهم )) ، غير الضمائر ، فأفسد الكلام إفساداً
قوله تعالى ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملونقوله تعالى ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها فيه ست مسائل :الأولى : أمر بإخلاص العبادة لله ، ومجانبة المشركين والملحدين .
قال مقاتل وغيره من المفسرين : نزلت الآية في رجل من المسلمين ، كان يقول في صلاته : يا رحمن يا رحيم .
فقال رجل من مشركي مكة : أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا ، فما بال هذا يدعو ربين اثنين ؟
فأنزل الله سبحانه وتعالى : ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها .الثانية : جاء في كتاب الترمذي وسنن ابن ماجه وغيرهما حديث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نص فيه إن لله تسعة وتسعين اسما الحديث ; في أحدهما ما ليس في الآخر .
وقد بينا ذلك في " الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى " .
قال ابن عطية - وذكر حديث الترمذي - وذلك الحديث ليس بالمتواتر ، وإن كان قد قال فيه أبو عيسى : هذا حديث [ ص: 291 ] غريب لا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح ، وهو ثقة عند أهل الحديث .
وإنما المتواتر منه قوله صلى الله عليه وسلم : إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة .
ومعنى " أحصاها " عدها وحفظها .
وقيل غير هذا مما بيناه في كتابنا .
وذكرنا هناك تصحيح حديث الترمذي ، وذكرنا من الأسماء ما اجتمع عليه وما اختلف فيه مما وقفنا عليه في كتب أئمتنا ما ينيف على مائتي اسم .
وذكرنا قبل تعيينها في مقدمة الكتاب اثنين وثلاثين فصلا فيما يتعلق بأحكامها ، فمن أراده وقف عليه هناك وفي غيره من الكتب الموضوعة في هذا الباب .
والله الموفق للصواب ، لا رب سواه .الثالثة : واختلف العلماء من هذا الباب في الاسم والمسمى ، وقد ذكرنا ما للعلماء من ذلك في " الكتاب الأسنى " .
قال ابن الحصار : وفي هذه الآية وقوع الاسم على المسمى ووقوعه على التسمية .
فقوله : ولله وقع على المسمى ، وقوله : الأسماء وهو جمع اسم واقع على التسميات .
يدل على صحة ما قلناه قوله : فادعوه بها ، والهاء في قوله : فادعوه تعود على المسمى سبحانه وتعالى ، فهو المدعو .
والهاء في قوله بها تعود على الأسماء ، وهي التسميات التي يدعى بها لا بغيرها .
هذا الذي يقتضيه لسان العرب .
ومثل ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : لي خمسة أسماء أنا محمد وأحمد الحديث .
وقد تقدم في " البقرة " شيء من هذا والذي يذهب إليه أهل الحق أن الاسم هو المسمى ، أو صفة له تتعلق به ، وأنه غير التسمية .
قال ابن العربي عند كلامه على قوله تعالى : ولله الأسماء الحسنى : فيه ثلاثة أقوال .
قال بعض علمائنا : في ذلك دليل على أن الاسم المسمى ; لأنه لو كان غيره [ ص: 292 ] لوجب أن تكون الأسماء لغير الله تعالى .
الثاني : قال آخرون : المراد به التسميات ; لأنه سبحانه واحد والأسماء جمع .
قلت : ذكر ابن عطية في تفسيره أن الأسماء في الآية بمعنى التسميات إجماعا من المتأولين لا يجوز غيره .
وقال القاضي أبو بكر في كتاب التمهيد : وتأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم : لله تسعة وتسعون اسما من أحصاها دخل الجنة أي أن له تسعة وتسعين تسمية بلا خلاف ، وهي عبارات عن كون الله تعالى على أوصاف شتى ، منها ما يستحقه لنفسه ومنها ما يستحقه لصفة تتعلق به ، وأسماؤه العائدة إلى نفسه هي هو ، وما تعلق بصفة له فهي أسماء له .
ومنها صفات لذاته .
ومنها صفات أفعال .
وهذا هو تأويل قوله تعالى : ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها أي التسميات الحسنى .
الثالث : قال آخرون منهم : ولله الصفات .الرابعة : سمى الله سبحانه أسماءه بالحسنى ; لأنها حسنة في الأسماع والقلوب ; فإنها تدل على توحيده وكرمه وجوده ورحمته وإفضاله .
والحسنى مصدر وصف به .
ويجوز أن يقدر الحسنى فعلى ، مؤنث الأحسن ; كالكبرى تأنيث الأكبر ، والجمع الكبر والحسن .
وعلى الأول أفرد كما أفرد وصف ما لا يعقل ; كما قال تعالى : مآرب أخرى و يا جبال أوبي معهالخامسة : قوله تعالى : فادعوه بها أي اطلبوا منه بأسمائه ; فيطلب بكل اسم ما يليق به ، تقول : يا رحيم ارحمني ، يا حكيم احكم لي ، يا رازق ارزقني ، يا هاد اهدني ، يا فتاح افتح لي ، يا تواب تب علي ; هكذا .
فإن دعوت باسم عام قلت : يا مالك ارحمني ، يا عزيز احكم لي ، يا لطيف ارزقني .
وإن دعوت بالأعم الأعظم فقلت : يا ألله ; فهو متضمن لكل اسم .
ولا تقول : يا رزاق اهدني ; إلا أن تريد يا رزاق ارزقني الخير .
قال ابن العربي : وهكذا ، رتب دعاءك تكن من المخلصين .
وقد تقدم في " البقرة " شرائط الدعاء ، وفي هذه السورة أيضا .
والحمد لله .السادسة : أدخل القاضي أبو بكر بن العربي عدة من الأسماء في أسمائه سبحانه ، مثل : متم نوره ، وخير الوارثين ، وخير الماكرين ، ورابع ثلاثة ، وسادس خمسة ، والطيب ، والمعلم ; وأمثال ذلك .
قال ابن الحصار : واقتدى في ذلك بابن برجان ، إذ ذكر في الأسماء " النظيف " وغير ذلك مما لم يرد في كتاب ولا سنة .قلت : أما ما ذكر من قوله : " مما لم يرد في كتاب ولا سنة " فقد جاء في صحيح مسلم [ ص: 293 ] " الطيب " .
وخرج الترمذي " النظيف " .
وخرج عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه رب أعني ولا تعن علي وانصرني ولا تنصر علي وامكر لي ولا تمكر علي الحديث .
وقال فيه : حديث حسن صحيح .
فعلى هذا جائز أن يقال : يا خير الماكرين امكر لي ولا تمكر علي .
والله أعلم .وقد ذكرنا " الطيب والنظيف " في كتابنا وغيره مما جاء ذكره في الأخبار ، وعن السلف الأخيار ، وما يجوز أن يسمى به ويدعى ، وما يجوز أن يسمى به ولا يدعى ، وما لا يجوز أن يسمى به ولا يدعى .
حسب ما ذكره الشيخ أبو الحسن الأشعري .
وهناك يتبين لك ذلك إن شاء الله تعالى .قوله تعالى وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون فيه مسألتان :الأولى قوله تعالى : يلحدون الإلحاد : الميل وترك القصد ; يقال : ألحد الرجل في الدين .
وألحد إذا مال .
ومنه اللحد في القبر ; لأنه في ناحيته .
وقرئ ( يلحدون ) لغتان والإلحاد يكون بثلاثة أوجه أحدها : بالتغيير فيها كما فعله المشركون ، وذلك أنهم عدلوا بها عما هي عليه فسموا بها أوثانهم ; فاشتقوا اللات من الله ، والعزى من العزيز ، ومناة من المنان قاله ابن عباس وقتادة .
الثاني : بالزيادة فيها .
الثالث : بالنقصان منها ; كما يفعله الجهال الذين يخترعون أدعية يسمون فيها الله تعالى بغير أسمائه ، ويذكرون بغير ما يذكر من أفعاله ; إلى غير [ ص: 294 ] ذلك مما لا يليق به .
قال ابن العربي : فحذار منها ، ولا يدعون أحدكم إلا بما في كتاب الله والكتب الخمسة ; وهي البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي .
فهذه الكتب التي يدور الإسلام عليها ، وقد دخل فيها ما في الموطأ الذي هو أصل التصانيف ، وذروا ما سواها ، ولا يقولن أحدكم أختار دعاء كذا وكذا ; فإن الله قد اختار له وأرسل بذلك إلى الخلق رسوله صلى الله عليه وسلم .الثانية : معنى الزيادة في الأسماء التشبيه ، والنقصان التعطيل .
فإن المشبهة وصفوه بما لم يأذن فيه ، والمعطلة سلبوه ما اتصف به ، ولذلك قال أهل الحق : إن ديننا طريق بين طريقين ، لا بتشبيه ولا بتعطيل .
وسئل الشيخ أبو الحسن البوشنجي عن التوحيد فقال : إثبات ذات غير مشبهة بالذوات ، ولا معطلة من الصفات .
وقد قيل في قوله تعالى : وذروا الذين يلحدون معناه اتركوهم ولا تحاجوهم ولا تعرضوا لهم .
فالآية على هذا منسوخة بالقتال ; قاله ابن زيد .
وقيل : معناه الوعيد ; كقوله تعالى : ذرني ومن خلقت وحيدا وقوله : ذرهم يأكلوا ويتمتعوا .
وهو الظاهر من الآية ; لقوله تعالى : سيجزون ما كانوا يعملون .
والله أعلم .
هذا بيان لعظيم جلاله وسعة أوصافه، بأن له الأسماء الحسنى، أي: له كل اسم حسن، وضابطه: أنه كل اسم دال على صفة كمال عظيمة، وبذلك كانت حسنى، فإنها لو دلت على غير صفة، بل كانت علما محضا لم تكن حسنى، وكذلك لو دلت على صفة ليست بصفة كمال، بل إما صفة نقص أو صفة منقسمة إلى المدح والقدح، لم تكن حسنى، فكل اسم من أسمائه دال على جميع الصفة التي اشتق منها، مستغرق لجميع معناها.
وذلك نحو العليم الدال على أن له علما محيطا عاما لجميع الأشياء، فلا يخرج عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.
و كالرحيم الدال على أن له رحمة عظيمة، واسعة لكل شيء.
و كالقدير الدال على أن له قدرة عامة، لا يعجزها شيء، ونحو ذلك.
ومن تمام كونها \"حسنى\" أنه لا يدعى إلا بها، ولذلك قال: فَادْعُوهُ بِهَا وهذا شامل لدعاء العبادة، ودعاء المسألة، فيدعى في كل مطلوب بما يناسب ذلك المطلوب، فيقول الداعي مثلا اللّهم اغفر لي وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم، وتب عَلَيَّ يا تواب، وارزقني يا رزاق، والطف بي يا لطيف ونحو ذلك.
وقوله: وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أي: عقوبة وعذابا على إلحادهم في أسمائه، وحقيقة الإلحاد الميل بها عما جعلت له، إما بأن يسمى بها من لا يستحقها، كتسمية المشركين بها لآلهتهم، وإما بنفي معانيها وتحريفها، وأن يجعل لها معنى ما أراده اللّه ولا رسوله، وإما أن يشبه بها غيرها، فالواجب أن يحذر الإلحاد فيها، ويحذر الملحدون فيها، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه صلى الله عليه وسلم ( أن للّه تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة )
قوله تعالى : ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) قال مقاتل : وذلك أن رجلا دعا الله في صلاته ودعا الرحمن ، فقال بعض مشركي مكة : إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يدعون أنهم يعبدون ربا واحدا ، فما بال هذا يدعو اثنين؟
فأنزل الله - عز وجل - : " ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها " .
والحسنى تأنيث الأحسن كالكبرى والصغرى ، فادعوه بها .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران ، أنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار ، أنا أحمد بن منصور المرادي حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن لله تسعة وتسعين اسما ، مائة إلا واحدا ، من أحصاها دخل الجنة إنه وتر يحب الوتر " .
( وذروا الذين يلحدون في أسمائه ) قرأ حمزة : " يلحدون " - بفتح الياء والحاء حيث كان - وافقه الكسائي في النحل ، والباقون بضم الياء وكسر الحاء ، ومعنى الإلحاد هو : الميل عن المقصد يقال : ألحد يلحد إلحادا ، ولحد يلحد لحودا : إذا مال .
قال يعقوب بن السكيت : الإلحاد هو العدول عن الحق ، وإدخال ما ليس منه فيه ، يقال : ألحد في الدين ، ولحد ، وبه قرأ حمزة .
( وذروا الذين يلحدون في أسمائه ) هم المشركون عدلوا بأسماء الله تعالى عما هي عليه ، فسموا بها أوثانهم فزادوا ونقصوا ، فاشتقوا اللات من " الله " والعزى من " العزيز " ، ومناة من " المنان " ، هذا قول ابن عباس ومجاهد .
وقيل : هو تسميتهم الأصنام آلهة .
وروي عن ابن عباس : يلحدون في أسمائه أي يكذبون .
وقال أهل المعاني : الإلحاد في أسماء الله : تسميته بما لم يسم به ، ولم ينطق به كتاب الله ولا سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وجملته : أن أسماء الله تعالى على التوقيف فإنه يسمى جوادا ولا يسمى سخيا ، وإن كان في معنى الجواد ، ويسمى رحيما ولا يسمى رفيقا ، ويسمى عالما ولا يسمى عاقلا وقال تعالى : " يخادعون الله وهو خادعهم " ( النساء 142 ) وقال عز من قائل : " ومكروا ومكر الله " ( آل عمران - 54 ) ، ولا يقال في الدعاء : يا مخادع ، يا مكار ، بل يدعى بأسمائه التي ورد بها التوقيف على وجه التعظيم ، فيقال : يا الله ، يا رحمن ، يا رحيم ، يا عزيز ، يا كريم ونحو ذلك .
( سيجزون ما كانوا يعملون ) في الآخرة .
«ولله الأسماء الحسنى» التسعة والتسعون الوارد بها الحديث، والحسنى مؤنث الأحسن «فادعوه» سموه «بها وذروا» اتركوا «الذين يُلحدون» من ألحد ولحد، يميلون عن الحق «في أسمائه» حيث اشتقوا منها أسماء لآلهتهم: كاللات من الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنَّان «سيجزون» في الآخرة جزاء «ما كانوا يعملون» وهذا قبل الأمر بالقتال.
ولله سبحانه وتعالى الأسماء الحسنى، الدالة على كمال عظمته، وكل أسمائه حسن، فاطلبوا منه بأسمائه ما تريدون، واتركوا الذين يُغيِّرون في أسمائه بالزيادة أو النقصان أو التحريف، كأن يُسمَّى بها من لا يستحقها، كتسمية المشركين بها آلهتهم، أو أن يجعل لها معنى لم يُردْه الله ولا رسوله، فسوف يجزون جزاء أعمالهم السيئة التي كانوا يعملونها في الدنيا من الكفر بالله، والإلحاد في أسمائه وتكذيب رسوله.
وبعد أن بين - سبحانه - حال المخلوقين لجهنم بسبب غفلتهم وإهمالهم لعقولهم وحواسهم ، أعقبه ببيان العلاج الذى يشفى من ذلك ، وبالنهى عن اتباع المائلين عن الحق فقال - تعالى - : ( وَللَّهِ الأسمآء الحسنى .
.
.
) .قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( وَللَّهِ الأسمآء الحسنى فادعوه بِهَا ) أمر بإخلاص العبادة لله - تعالى - ومجانبة الملحدين والمشركين .
قال مقاتل وغيره من المفسرين : نزلت الآية فى رجل من المسلمين كان يقول فى صلاته : يا رحمن يا رحيم .
فقال رجل من مشركى مكة : أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحداً فما بال هذا يدعو ربين اثنين؟
فنزلت " .والأسماء : جمع اسم ، وهو اللفظ الدال على الذات فقط أو على الذات مع صفة من صفاتها سواء كان مشتقا كالرحمن ، والرحيم ، أو مصدراً كالرب والسلام .والحسنى : تأنيث الأحسن أفعل تفضيل ، ومعنى ذلك أنها أحسن الأسماء وأجلها ، لأنبائها عن أحسن المعانى وأشرفها .والمعنى : ولله - تعالى - وحده جميع الأسماء الدالة على أحسن المعانى وأكمل الصفات فادعوه أى سموه واذكروه ونادوه بها .روى الشيخان عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن لله تسعة وتسعين اسماً من حفظها دخل الجنة والله وتر يحب الوتر " .قال الآلوسى : والذى أراه أنه لا حصر لأسمائه - عزت أسماؤه - فى التسعة والتسعين ، ويدل على ذلك ما أخرجه البيهقى عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أصابه هم أو حزن فليقل : اللهم إنى عبدك وابن عبدك وابن أمتك ، ناصيتى فى يدك ماضى فىّ حكمك ، عدل فىّ قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، أو أنزلته فى كتابك ، أو علمته أحداً من خلقك أو استاثرت به فى علم الغيب عندك ، أن تجعل القرآن ربيع قلبى ونور صدرى وذهاب همى وجلاء حزنى .
.
.
إلخ " فهذا الحديث صريح فى عدم الحصر .وحكى النووى اتفاق العلماء على ذلك وأن المقصود من الحديث الإخبار بأن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة ، وهو لا ينافى أن له - تعالى - أسماء غيرها " .ثم قال - تعالى - ( وَذَرُواْ الذين يُلْحِدُونَ في أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) .ويلحدون من الإلحاد وهو الميل والانحراف ، يقال : ألحد إلحاداً إذا مال عن القصد والاستقامة ، وألحد فى دين الله : حاد عنه؛ ومنه لحد القبر لأنه يمال بحفره إلى جانبه بخلاف الضريح فإنه يحفر فى وسطه .والمعنى : ولله - تعالى - أشرف الأسماء وأجلها فسموه بها أيها المؤمنون ، واتركوا جميع الذين يلحدون فى أسمائه - سبحانه - بالميل لألفاظها أو معانيها عن الحق من تحريف أو تأويل أو تشبيه أو تعطيل أو ما ينافى وصفها بالحسنى اتركوا هؤلاء جميعا فإنهم سيلقون جزاء عملهم من الله رب العالمين .ومن مظاهر إلحاد الملحدين فى أسمائه - تعالى - تسمية أصنامهم باسماء مشتقة منها ، كاللات : من الله - تعالى - ، والعزى : من العزيز ، ومناة : من المنان وتسميته - تعالى - بما يوهم معنى فاسدا ، كقولهم له - سبحانه - : يا أبيض الوجه كذلك من مظاهر الإلحاد فى أسمائه - تعالى - ، تسميته بما لم يسم به نفسه فى كتابه ، أو فيما صح من حديث رسوله ، إلى غير ذلك مما يفعله الجاهلون والضالون .
اعلم أنه تعالى لما وصف المخلوقين لجهنم بقوله: ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الغافلون ﴾ أمر بعده بذكر الله تعالى فقال: ﴿ وَللَّهِ الاسماء الحسنى فادعوه بِهَا ﴾ وهذا كالتنبيه على أن الموجب لدخول جهنم هو الغفلة عن ذكر الله.
والمخلص عن عذاب جهنم هو ذكر الله تعالى وأصحاب الذوق والمشاهدة يجدون من أرواحهم أن الأمر كذلك فإن القلب إذا غفل عن ذكر الله، وأقبل على الدنيا وشهواتها وقع في باب الحرص وزمهرير الحرمان، ولا يزال ينتقل من رغبة إلى رغبة ومن طلب إلى طلب، ومن ظلمة إلى ظلمة، فإذا انفتح على قلبه باب ذكر الله ومعرفة الله تخلص عن نيران الآفات وعن حسرات الخسارات، واستشعر بمعرفة رب الأرض والسموات وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿ وَللَّهِ الأسماء الحسنى ﴾ مذكور في سور أربعة: أولها: هذه السورة.
وثانيها: في آخر سورة بني إسرائيل في قوله: ﴿ قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن أَيَّامًا تَدْعُواْ فَلَهُ الأسماء الحسنى ﴾ .
وثالثها: في أول طه وهو قوله: ﴿ الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الأسماء الحسنى ﴾ .
ورابعها: في آخر الحشر وهو قوله: ﴿ هُوَ الله الخالق البارئ المصور لَهُ الأسماء الحسنى ﴾ .
إذا عرفت هذا فنقول: ﴿ الاسماء ﴾ ألفاظ دالة على المعاني فهي إنما تحسن بحسن معانيها ومفهوماتها، ولا معنى للحسن في حق الله تعالى إلا ذكر صفات الكمال ونعوت الجلال، وهي محصورة في نوعين: عدم افتقاره إلى غيره، وثبوت افتقار غيره إليه.
واعلم أن لنا في تفسير أسماء الله كتاباً كبيراً كثير الدقائق شريف الحقائق سميناه بلوامع البينات في تفسير الأسماء والصفات، من أراد الاستقصاء فيه فليرجع إليه، ونحن نذكر هاهنا لمعاً ونكتاً منها.
فنقول: إن أسماء الله يمكن تقسيمها من وجوه كثيرة.
الوجه الأول: أن نقول: الاسم إما أن يكون اسماً للذات، أو لجزء من أجزاء الذات، أو لصفة خارجة عن الذات قائمة بها.
أما اسم الذات فهو المسمى بالاسم الأعظم، وفي كشف الغطاء عما فيه من المباحثات أسرار.
وأما اسم جزء الذات فهو في حق الله تعالى محال، لأن هذا إنما يفعل في الذات المركبة من الأجزاء، وكل ما كان كذلك فهو ممكن، فواجب الوجود يمتنع أن يكون له جزء.
وأما اسم الصفة فنقول: الصفة إما أن تكون حقيقية أو إضافية أو سلبية، أو ما يتركب عن هذه الثلاثة، وهي أربعة، لأنه إما أن يكون صفة حقيقية مع إضافة أو مع سلب أو صفة سلبية مع إضافة أو مجموع صفة حقيقية وإضافة وسلبية.
أما الصفة الحقيقية العارية عن الإضافة فكقولنا موجود عند من يقول: الوجود صفة، أو قولنا واحد، عند من يقول: الوحدة صفة ثانية، وكقولنا حي، فإن الحياة صفة حقيقية عارية عن النسب والإضافات، وأما الصفة الإضافية المحضة فكقولنا: مذكور ومعلوم، وأما الصفة السلبية، فكقولنا: القدوس السلام.
وأما الصفة الحقيقية مع الإضافة، فكقولنا: عالم وقادر، فإن العلم صفة حقيقية، وله تعلق بالمعلوم والقادر، فإن القدرة صفة حقيقية، ولها تعلق بالمقدور، وأما الصفة الحقيقية مع السلبية.
فكقولنا: قديم أزلي، لأنه عبارة عن موجود لا أول له.
وأما الصفة الإضافية مع السلبية، فكقولنا: أول.
فإنه هو الذي سبق غيره وما سبقه غيره، وأما الصفة الحقيقية مع الإضافة والسلب، فكقولنا: حكيم، فإنه هو الذي يعلم حقائق الأشياء، ولا يفعل ما لا يجوز فعله فصفة العلم صفة حقيقية، وكون هذه الصفة متعلقة بالمعلومات، نسب وإضافات، وكونه غير فاعل لما لا ينبغي سلب.
إذا عرفت هذا فنقول: السلوب، غير متناهية، والإضافات أيضاً غير متناهية، فكونه خالقاً للمخلوقات صفة إضافية، وكونه محيياً ومميتاً إضافات مخصوصة، وكونه رازقاً أيضاً إضافة أخرى مخصوصة.
فيحصل بسبب هذين النوعين من الاعتبارات أسماء لا نهاية لها لله تعالى، لأن مقدوراته غير متناهية، ولما كان لا سبيل إلى معرفة كنه ذاته، وإنما السبيل إلى معرفته بمعرفة أفعاله فكل من كان وقوفه على أسرار حكمته في مخلوقاته أكثر، كان علمه بأسماء الله أكثر.
ولما كان هذا بحراً لا ساحل له ولا نهاية له، فكذلك لا نهاية لمعرفة أسماء الله الحسنى.
النوع الثاني: في تقسيم أسماء الله ما قاله المتكلمون: وهو أن صفات الله تعالى ثلاثة أنواع: ما يجب، ويجوز، ويستحيل على الله تعالى.
ولله تعالى بحسب كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة أسماء مخصوصة.
والنوع الثالث: في تقسيم أسماء الله أن صفات الله تعالى إما أن تكون ذاتية، أو معنوية، أو كانت من صفات الأفعال.
والنوع الرابع: في تقسيم أسماء الله تعالى إما أن يجوز إطلاقها على غير الله تعالى، أو لا يجوز.
أما القسم الأول: فهو كقولنا: الكريم الرحيم العزيز اللطيف الكبير الخالق، فإن هذه الألفاظ يجوز إطلاقها على العباد، وإن كان معناها في حق الله تعالى مغايراً لمعناها في حق العباد.
وأما القسم الثاني فهو كقولنا: الله الرحمن.
أما القسم الأول: فإنها إذا قيدت بقيود مخصوصة صارت بحيث لا يمكن إطلاقها إلا في حق الله تعالى كقولنا: يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين، ويا خالق السموات والأرضين.
النوع الخامس: في تقسيم أسماء الله أن يقال: من أسماء الله ما يمكن ذكره وحده، كقولنا: يا الله يا رحمن يا حي يا حكيم، ومنها ما لا يكون كذلك، كقولنا: مميت وضار، فإنه لا يجوز إفراده بالذكر، بل يجب أن يقال: يا محيي يا مميت يا ضار يا نافع.
النوع السادس: في تقسيم أسماء الله تعالى أن يقال: أول ما يعلم من صفات الله تعالى كونه محدثاً للأشياء مرجحاً لوجودها على عدمها، وذلك لأنا إنما نعلم وجوده سبحانه بواسطة الاستدلال بوجود الممكنات عليه، فإذا دل الدليل على أن هذا العالم المحسوس ممكن الوجود والعدم لذاته، قضى العقل بافتقاره إلى مرجح يرجح وجوده على عدمه، وذلك المرجح ليس إلا الله سبحانه، فثبت أن أول ما يعلم منه تعالى هو كونه مرجحاً ومؤثراً، ثم نقول ذلك المرجح إما أن يرجح على سبيل الوجوب أو على سبيل الصحة والأول باطل، وإلا لدام العالم بدوامه، وذلك باطل، فبقي أنه إنما رجح على سبيل الصحة وكونه مرجحاً على سبيل الصحة، ليس إلا كونه تعالى قادراً، فثبت أن المعلوم منه بعد العلم بكونه مرجحاً، هو كونه قادراً.
ثم إنا بعد هذا نستدل بكون أفعاله محكمة متقنة على كونه عالماً، ثم إنا إذا علمنا كونه تعالى قادراً عالماً، وعلمنا أن العالم القادر يمتنع أن يكون إلا حياً، علمنا من كونه قادراً عالماً، كونه حياً.
فظهر بهذا أنه ليس العلم بصفاته تعالى وبأسمائه واقعاً في درجة واحدة، بل العلم بها علوم مترتبة يستفاد بعضها من بعض.
المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ وَللَّهِ الأسماء الحسنى ﴾ يفيد الحصر، ومعناه أن الأسماء الحسنى ليست إلا لله تعالى، والبرهان العقلي قد يدل على صحة هذا المعنى، وذلك لأن الموجود إما واجب الوجود لذاته، وإما ممكن لذاته، والواجب لذاته ليس إلا الواحد وهو الله سبحانه، وأما ما سوى ذلك الواحد، فهو ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته، فهو محتاج في ماهيته وفي وجوده وفي جميع صفاته الحقيقية والإضافية والسلبية إلى تكوين الواجب لذاته، ولولاه لبقي على العدم المحض والسلب الصرف، فالله سبحانه كامل لذاته، وكمال كل ما سواه فهو حاصل بجوده وإحسانه، فكل كمال وجلال وشرف، فهو له سبحانه بذاته ولذاته وفي ذاته، ولغيره على سبيل العارية، والذي لغيره من ذاته، فهو الفقر والحاجة والنقصان والعدم، فثبت بهذا البرهان البين أن الأسماء الحسنى ليست إلا لله، والصفات الحسنى ليست إلا لله، وأن كل ما سواه، فهو غرق في بحر الفناء والنقصان.
المسألة الثالثة: دلت هذه الآية على أن أسماء الله ليست إلا لله، والصفات الحسنى ليست إلا لله، فيجب كونها موصوفة بالحسن والكمال فهذا يفيد أن كل اسم لا يفيد في المسمى صفة كمال وجلال فإنه لا يجوز إطلاقه على الله سبحانه، وعند هذا نقل عن جهم بن صفوان أنه قال: لا أطلق على ذات الله تعالى اسم الشيء.
قال: لأن اسم الشيء يقع على أخس الأشياء وأكثرها حقارة وأبعدها عن درجات الشرف، وإذا كان كذلك وجب القطع بأنه لا يفيد في المسمى شرفاً ورتبة وجلالة.
وإذا ثبت هذا فنقول: ثبت بمقتضى هذه الآية أن أسماء الله يجب أن تكون دالة على الشرف والكمال، وثبت أن اسم الشيء ليس كذلك فامتنع تسمية الله بكونه شيئاً.
قال ومعاذ الله أن يكون هذا نزاعاً في كونه في نفسه حقيقة وذاتاً وموجوداً، إنما النزاع وقع في محض اللفظ، وهو أنه هل يصح تسميته بهذا اللفظ أم لا؟
فأما قولنا إنه منشئ الأشياء، فهو اسم يفيد المدح والجلال والشرف، فكان إطلاق هذا الاسم على الله حقاً، ثم أكد هذه الحجة بأنواع أخر من الدلائل.
فالأول: قوله تعالى: ﴿ لَّيْسَ كمثله مِن شَيء ﴾ معناه ليس مثل مثله شيء، ولا شك أن عين الشيء مثل لمثل نفسه.
فلما ثبت بالعقل أن كل شيء فهو مثل مثل نفسه، ودل الدليل القرآني على أن مثل مثل الله ليس بشيء، كان هذا تصريحاً بأنه تعالى غير مسمى باسم الشيء، وليس لقائل أن يقول الكاف في قوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ ﴾ حرف زائد لا فائدة فيه، لأن حمل كلام الله على اللغو والعبث وعدم الفائدة بعيد.
الحجة الثانية: قوله تعالى: ﴿ خالق كُلّ شَيء ﴾ ولو كان تعالى داخلاً تحت اسم الشيء لزم كونه تعالى خالقاً لنفسه وهو محال.
لا يقال هذا عام دخله التخصيص، لأنا نقول هذا كلام لابد من البحث عنه فنقول: ثبت بحسب العرف المشهور أنهم يقيمون الأكثر مقام الكل، ويقيمون الشاذ النادر مقام العدم.
إذا ثبت هذا فنقول: إنه إذا حصل الأكثر الأغلب وكان الغالب الشاذ الخارج نادراً، ألحقوا ذلك الأكثر بالكل، وألحقوا ذلك النادر بالمعدوم، وأطلقوا لفظ الكل عليه، وجعلوا ذلك الشاذ النادر من باب تخصيص العموم.
وإذا عرفت هذا فنقول: إن بتقدير أن يصدق على الله تعالى اسم الشيء كان أعظم الأشياء هو الله تعالى، وإدخال التخصيص في مثل هذا المسمى يكون من باب الكذب، فوجب أن يعتقد أنه تعالى ليس مسمى باسم الشيء حتى لا يلزمنا هذا المحذور.
الحجة الثالثة: هذا الاسم ما ورد في كتاب الله ولا سنة رسوله، وما رأينا أحداً من السلف قال في دعائه ياشيء، فوجب الامتناع منه، والدليل على أنه غير وارد في كتاب الله أن الآية التي يتوهم اشتمالها على هذا الاسم قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَىُّ شَيء أَكْبَرُ شهادة قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ ﴾ وقد بينا في سورة الأنعام أن هذه الآية لا تدل على المقصود، فسقط الكلام فيه.
فإن قال قائل: فقولنا: موجود ومذكور وذات ومعلوم، ألفاظ لا تدل على الشرف والجلال فوجب أن تقولوا إنه لا يجوز إطلاقها على الله تعالى.
فنقول: الحق في هذا الباب التفصيل، وهو أنا نقول: ما المراد من قولك: إنه تعالى شيء، وذات، وحقيقة؟
إن عنيت أنه تعالى في نفسه ذات وحقيقة وثابت وموجود وشيء، فهو كذلك من غير شك ولا شبهة، وإن عنيت به أنه هل يجوز أن ينادى بهذه الألفاظ أم لا؟
فنقول لا يجوز.
لأنا رأينا السلف يقولون: يا الله يا رحمن يا رحيم إلى سائر الأسماء الشريفة، وما رأينا ولا سمعنا أن أحداً يقول: يا ذات يا حقيقة يا مفهوم ويا معلوم، فكان الامتناع عن مثل هذه الألفاظ في معرض النداء والدعاء واجباً لله تعالى.
والله أعلم.
المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ وَللَّهِ الأسماء الحسنى فادعوه بِهَا ﴾ يدل على أنه تعالى حصلت له أسماء حسنة، وأنه يجب على الإنسان أن يدعو الله بها، وهذا يدل على أن أسماء الله توقيفية لا اصطلاحية.
ومما يؤكد هذا أنه يجوز أن يقال: يا جواد، ولا يجوز أن يقال: يا سخي، ولا أن يقال يا عاقل يا طبيب يا فقيه.
وذلك يدل على أن أسماء الله تعالى توقيفية لا اصطلاحية.
المسألة الخامسة: دلت الآية على أن الاسم غير المسمى لأنها تدل على أن أسماء الله كثيرة لأن لفظ الأسماء لفظ الجمع، وهي تفيد الثلاثة فما فوقها، فثبت أن أسماء الله كثيرة ولا شك أن الله واحد، فلزم القطع بأن الاسم غير المسمى وأيضاً قوله: ﴿ وَللَّهِ الأسماء الحسنى ﴾ يقتضي إضافة الأسماء إلى الله، وإضافة الشيء إلى نفسه محال.
وأيضاً فلو قيل: ولله الذوات لكان باطلاً.
ولما قال: ﴿ وَللَّهِ الأسماء ﴾ كان حقاً وذلك يدل على أن الاسم غير المسمى.
المسألة السادسة: قوله: ﴿ وَللَّهِ الأسماء الحسنى فادعوه بِهَا ﴾ يدل على أن الإنسان لا يدعو ربه إلا بتلك الأسماء الحسنى، وهذه الدعوة لا تتأتى إلا إذا عرف معاني تلك الأسماء، وعرف بالدليل أن له إلهاً ورباً خالقاً موصوفاً بتك الصفات الشريفة المقدسة، فإذا عرف بالدليل ذلك فحينئذ يحسن أن يدعو ربه بتلك الأسماء والصفات، ثم إن لتلك الدعوة شرائط كثيرة مذكورة بالاستقصاء في كتاب المنهاج لأبي عبد الله الحليمي، وأحسن ما فيه أن يكون مستحضراً لأمرين: أحدهما: عزة الربوبية.
والثانية: ذلة العبودية.
فهناك يحسن ذلك الدعاء ويعظم موقع ذلك الذكر.
فأما إذا لم يكن كذلك كان قليل الفائدة، وأنا أذكر لهذا المعنى مثالاً، وهو أن من أراد أن يقول في تحريمة صلاته الله أكبر، فإنه يجب أن يستحضر في النية جميع ما أمكنه من معرفة آثار حكمة الله تعالى في تخليق نفسه وبدنه وقواه العقلية والحسية أو الحركية، ثم يتعدى من نفسه إلى استحضار آثار حكمة الله في تخليق جميع الناس، وجميع الحيوانات، وجميع أصناف النبات والمعادن، والآثار العلوية من الرعد والبرق والصواعق التي توجد في كل أطراف العالم، ثم يستحضر آثار قدرة الله تعالى في تخليق الأرضين والجبال والبحار والمفاوز، ثم يستحضر آثار قدرة الله تعالى في تخليق طبقات العناصر السفلية والعلوية، ثم يستحضر آثار قدرة الله تعالى في تخليق أطباق السموات على سعتها وعظمها، وفي تخليق أجرام النيرات من الثوابت والسيارات، ثم يستحضر آثار قدرة الله تعالى في تخليق الكرسي وسدرة المنتهى، ثم يستحضر آثار قدرته في تخليق العرش العظيم المحيط بكل هذه الموجودات، ثم يستحضر آثار قدرته في تخليق الملائكة من حملة العرش والكرسي وجنود عالم الروحانيات، فلا يزال يستحضر من هذه الدرجات والمراتب أقصى ما يصل إليه فهمه وعقله وذكره وخاطره وخياله، ثم عند استحضار جميع هذه الروحانيات والجسمانيات على تفاوت درجاتها وتباين منازلها ومراتبها، ويقول الله أكبر، ويشير بقوله الله إلى الموجود الذي خلق هذه الأشياء وأخرجها من العدم إلى الوجود، ورتبها بما لها من الصفات والنعوت، وبقوله أكبر أي أنه لا يشبه لكبريائه وجبروته وعزه وعلوه وصمديته هذه الأشياء بل هو أكبر من أن يقال: إنه أكبر من هذه الأشياء.
فإذا عرفت هذا المثال الواحد فقس الذكر الحاصل مع العرفان والشعور، وعند هذا ينفتح على عقلك نسمة من الأسرار المودعة تحت قوله: ﴿ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بِهَا ﴾ .
أما قوله تعالى: ﴿ وَذَرُواْ الذين يُلْحِدُونَ فِي أسمائه ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة ﴿ يُلْحِدُونَ ﴾ ووافقه عاصم والكسائي في النحل.
قال الفراء: ﴿ يُلْحِدُونَ ﴾ و ﴿ يُلْحِدُونَ ﴾ لغتان: يقال: لحدت لحداً وألحدت، قال أهل اللغة: معنى الإلحاد في اللغة الميل عن القصد.
قال ابن السكيت: الملحد العادل عن الحق المدخل فيه ما ليس منه.
يقال: قد ألحد في الدين ولحد، وقال أبو عمرو من أهل اللغة: الإلحاد: العدل عن الاستقامة والانحراف عنها.
ومنه اللحد الذي يحفر في جانب القبر.
قال الواحدي رحمه الله: والأجود قراءة العامة لقوله تعالى: ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ ﴾ والإلحاد أكثر في كلامهم لقولهم: ملحد، ولا تكاد تسمع العرب يقولون لاحد.
المسألة الثانية: قال المحققون: الإلحاد في أسماء الله يقع على ثلاثة أوجه: الأول: إطلاق أسماء الله المقدسة الطاهرة على غير الله، مثل أن الكفار كانوا يسمون الأوثان بآلهة، ومن ذلك أنهم سموا أصناماً لهم باللات والعزى والمناة، واشتقاق اللات من الإله، والعزى من العزيز، واشتقاق مناة من المنان.
وكان مسيلمة الكذاب لقب نفسه بالرحمن.
والثاني: أن يسموا الله بما لا يجوز تسميته به، مثل تسمية من سماه أباً للمسيح.
وقول جمهور النصارى: أب، وابن، وروح القدس، ومثل أن الكرامية يطلقون لفظ الجسم على الله سبحانه ويسمونه به، ومثل أن المعتزلة قد يقولون في أثناء كلامهم، لو فعل تعالى كذا وكذا لكان سفيهاً مستحقاً للذم، وهذه الألفاظ مشعرة بسوء الأدب.
قال أصحابنا: وليس كل ما صح معناه جاز إطلاقه باللفظ في حق الله، فإنه ثبت بالدليل أنه سبحانه هو الخالق لجميع الأجسام، ثم لا يجوز أن يقال: يا خالق الديدان والقرود والقردان، بل الواجب تنزيه الله عن مثل هذه الأذكار، وأن يقال: يا خالق الأرض والسموات يا مقيل العثرات يا راحم العبرات إلى غيرها من الأذكار الجميلة الشريفة.
والثالث: أن يذكر العبد ربه بلفظ لا يعرف معناه ولا يتصور مسماه، فإنه ربما كان مسماه أمراً غير لائق بجلال الله، فهذه الأقسام الثلاثة هي الإلحاد في الأسماء.
فإن قال قائل: هل يلزم من ورود الأول في إطلاق لفظه على الله تعالى أن يطلق عليه سائر الألفاظ المشتقة منه على الإطلاق؟
قلنا: الحق عندي أن ذلك غير لازم لا في حق الله تعالى، ولا في حق الملائكة والأنبياء وتقريره: أن لفظ علم ورد في حق الله تعالى في آيات منها قوله: ﴿ وَعَلَّمَ ءادَمَ الأسماء كُلَّهَا ﴾ ﴿ عَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ﴾ ﴿ وعلمناه مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ﴾ ﴿ ٱلرَّحْمَٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ ﴾ ثم لا يجوز أن يقال في حق الله تعالى يا معلم، وأيضاً ورد قوله: ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ ثم لا يجوز عندي أن يقال يا محب.
وأما في حق الأنبياء، فقد ورد في حق آدم عليه السلام: ﴿ وعصى ءادَمَ رَبَّهُ فغوى ﴾ ثم لا يجوز أن يقال إن آدم كان عاصياً غاوياً، وورد في حق موسى عليه السلام ﴿ ياأبت استجره ﴾ ثم لا يجوز أن يقال إنه عليه السلام كان أجيراً، والضابط أن هذه الألفاظ الموهمة يجب الاقتصار فيها على الوارد، فأما التوسع بإطلاق الألفاظ المشتقة منها فهي عندي ممنوعة غير جائزة.
ثم قال تعالى: ﴿ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ فهو تهديد ووعيد لمن ألحد في أسماء الله.
قالت المعتزلة: الآية قد دلت على إثبات العمل للعبد، وعلى أن الجزاء مفرع على عمله وفعله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَللَّهِ الاسماء الحسنى ﴾ التي هي أحسن الأسماء؛ لأنها تدلّ على معان حسنة من تمجيد وتقديس وغيرذلك ﴿ فادعوه بِهَا ﴾ فسموه بتلك الأسماء ﴿ وَذَرُواْ الذين يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَئِهِ ﴾ واتركوا تسمية الذين يميلون عن الحقّ والصواب فيها فيسمونه بغير الأسماء الحسنى، وذلك أن يسموه بما لا يجوز عليه، كما سمعنا البدو يقولون بجهلهم: يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه، يانخي.
أو أن يأبوا تسميته ببعض أسمائه الحسنى.
نحو أن يقولوا: يا ألله، ولا يقولوا: يا رحمن وقد قال الله تعالى: ﴿ قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن أَيَّامًا تَدْعُواْ فَلَهُ الاسماء الحسنى ﴾ [الإسراء: 110] ويجوز أن يراد: ولله الأوصاف الحسنى، وهي الوصف بالعدل والخير والإحسان وانتفاء شبه الخلق فصفوه بها، وذروا الذين يلحدون في أوصافه فيصفونه بمشيئة القبائح وخلق الفحشاء والمنكر وبما يدخل في التشبيه كالرؤية ونحوها، وقيل: إلحادهم في أسمائه: تسميتهم الأصنام آلهة، واشتقاقهم اللات من الله، والعزى من العزيز.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ لِأنَّها دالَّةٌ عَلى مَعانٍ هي أحْسَنُ المَعانِي، والمُرادُ بِها الألْفاظُ وقِيلَ الصِّفاتُ.
﴿ فادْعُوهُ بِها ﴾ فَسَمُّوهُ بِتِلْكَ الأسْماءِ.
﴿ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ ﴾ واتْرُكُوا تَسْمِيَةَ الزّائِغِينَ فِيها الَّذِينَ يُسَمُّونَهُ بِما لا تَوْقِيفَ فِيهِ، إذْ رُبَّما يُوهِمُ مَعْنًى فاسِدًا كَقَوْلِهِمْ يا أبا المَكارِمِ يا أبْيَضَ الوَجْهِ، أوْ لا تُبالُوا بِإنْكارِهِمْ ما سَمّى بِهِ نَفْسَهُ كَقَوْلِهِمْ: ما نَعْرِفُ إلّا رَحْمانَ اليَمامَةِ، أوْ وذَرُوهم وإلْحادَهم فِيها بِإطْلاقِها عَلى الأصْنامِ واشْتِقاقِ أسْمائِها مِنها كاللّاتِ مِنَ « اللَّهِ»، والعُزّى مِنَ « العَزِيزِ» ولا تُوافِقُوهم عَلَيْهِ أوْ أعْرِضُوا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ مُجازِيهِمْ كَما قالَ: ﴿ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ هُنا وفي « فُصِّلَتْ» ﴿ يُلْحِدُونَ ﴾ بِالفَتْحِ يُقالُ: لَحَدَ وألْحَدَ إذا مالَ عَنِ القَصْدِ.
﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ ما بَيَّنَ أنَّهُ خَلَقَ لِلنّارِ طائِفَةً ضالِّينَ مُلْحِدِينَ عَنِ الحَقِّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ خَلَقَ أيْضًا لِلْجَنَّةِ أُمَّةً هادِينَ بِالحَقِّ عادِلِينَ في الأمْرِ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى صِحَّةِ الإجْماعِ لِأنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّ في كُلِّ قَرْنٍ طائِفَةً بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «لا تَزالُ مِن أُمَّتِي طائِفَةٌ عَلى الحَقِّ إلى أنْ يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ»، إذْ لَوِ اخْتُصَّ بِعَهْدِ الرَّسُولِ أوْ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ فائِدَةٌ فَإنَّهُ مَعْلُومٌ.
<div class="verse-tafsir"
{وَللَّهِ الأسماء الحسنى} التي هي أحسن الأسماء لأنها تدل على معانٍ حسنة فمنها ما يستحقه بحقائقه كالقديم قيل كل شيء والباقي بعد كل شيء والقادر على كل شيء والعالم بكل شيء والواحد الذي ليس كمثله شيء ومنها ما تستحسنه الأنفس لآثارها كالغفور والرحيم والشكور والحليم ومنها ما يوجب التخلق به كالفضل والجبار والمتكبر {فادعوه بِهَا} فسموه بتلك الأسماء {وذروا الذين يلحدون في أسمائه} واتركوا تسمية الذين يميلون عن الحق والصواب فيها فيسمونه بغير الأسماء الحسنى وذلك أن يسموه بما لا يجوز عليه نحو أن يقولوا يا سخي يا رفيق لأنه لم يسم نفسه بذلك ومن الإلحاد تسميته بالجسم والجوهر والعقل والعلة يلحدون حمزة لحد الحد مال {سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}
﴿ ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ قِيلَ: تَنْبِيهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى كَيْفِيَّةِ ذِكْرِهِ تَعالى وكَيْفِيَّةِ المُعامَلَةِ مَعَ المُخِلِّينَ بِذَلِكَ الغافِلِينَ عَنْهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وعَمّا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ عَزَّ شَأْنُهُ أثَرَ بَيانِ غَفْلَتِهِمِ التّامَّةِ وضَلالَتِهِمُ التّامَّةِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وجْهٌ آخَرُ لِذِكْرِ ذَلِكَ.
والمُرادُ بِالأسْماءِ كَما قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ وغَيْرُهُ الألْفاظُ المَصُوغَةُ الدّالَّةُ عَلى المَعانِي المُخْتَلِفَةِ، والحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّها أحْسَنُ الأسْماءِ وأجَلُّها لِإنْبائِها عَنْ أحْسَنِ المَعانِي وأشْرَفِها: وقِيلَ: المُرادُ بِالأسْماءِ الصِّفاتُ ويَكُونُ مِن قَوْلِهِمْ طارَ اسْمُهُ في البِلادِ أيْ: صِيتُهُ ونَعْتُهُ، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ لِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿ فادْعُوهُ بِها ﴾ لِأنَّهُ إمّا مِنَ الدَّعْوَةِ بِمَعْنى التَّسْمِيَةِ كَقَوْلِهِمْ: دَعَوْتُهُ زَيْدًا أوْ بِزَيْدٍ أيْ سَمَّيْتُهُ أوْ مِنَ الدُّعاءِ بِمَعْنى النِّداءِ كَقَوْلِهِمْ: دَعَوْتُ زَيْدًا أيْ: نادَيْتُهُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ إنَّما يُلائِمُ ظاهِرَ المَعْنى الأوَّلِ عَلى ما قِيلَ.
﴿ وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ ﴾ أيْ: يَمِيلُونَ ويَنْحَرِفُونَ فِيها عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ يُقالُ: ألْحَدَ إذا مالَ عَنِ القَصْدِ والِاسْتِقامَةِ، ومِنهُ لَحْدُ القَبْرِ لِكَوْنِهِ في جانِبِهِ بِخِلافِ الضَّرِيحِ فَإنَّهُ في وسَطِهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ هُنا وفي فُصِّلَتْ: (يَلْحَدُونَ) بِالفَتْحِ مِنَ الثُّلاثِيِّ، والمَعْنى واحِدٌ، ورَوى أبُو عُبَيْدَةَ عَنِ الأحْمَرِ أنَّ ألْحَدَ بِمَعْنى مارى وجادَلَ، ولَحَدَ بِمَعْنى مالَ وانْحَرَفَ، واخْتارَ الواحِدِيُّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ قالَ: ولا يَكادُ يُسْمَعُ لاحِدٍ بِمَعْنى مُلْحِدٍ، والإلْحادُ في أسْمائِهِ سُبْحانَهُ أنْ يُسَمّى بِما لا تَوْقِيفَ فِيهِ، أوْ بِما يُوهِمُ مَعْنًى فاسِدًا كَما في قَوْلِ أهْلِ البَدْوِ: يا أبا المَكارِمِ، يا أبْيَضَ الوَجْهِ، يا سَخِيُّ ونَحْوَ ذَلِكَ، فالمُرادُ بِالتَّرْكِ المَأْمُورِ بِهِ الِاجْتِنابُ عَنْ ذَلِكَ، وبِأسْمائِهِ ما أطْلَقُوهُ عَلَيْهِ تَعالى وسَمَّوْهُ بِهِ عَلى زَعْمِهِمْ لا أسْماؤُهُ تَعالى حَقِيقَةً، وعَلى ذَلِكَ يُحْمَلُ تَرْكُ الإضْمارِ بِأنْ يُقالَ: يُلْحِدُونَ بِها، وما قِيلَ: إنَّهُ أُرِيدَ بِالأسْماءِ التَّسْمِياتُ فَلِذا تَرْكُ الإضْمارِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، ومَن فَسَّرَ الإلْحادَ في الأسْماءِ بِما ذُكِرَ ذَهَبَ إلى أنَّ أسْماءَ اللَّهِ تَعالى تَوْقِيفِيَّةٌ يُراعى فِيها الكِتابُ والسُّنَّةُ والإجْماعُ فَكُلُّ اسْمٍ ورَدَ في هَذِهِ الأُصُولِ جازَ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ وما لَمْ يَرِدْ فِيها لا يَجُوزُ إطْلاقُهُ وإنْ صَحَّ مَعْناهُ، وبِهَذا صَرَّحَ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ في مَفاتِيحِ الحُجَجِ ومَصابِيحِ النُّهَجِ، وفي أبْكارِ الأفْكارِ لِلْآمِدِيِّ لَيْسَ مَأْخَذُ جَوازِ تَسْمِياتِ الأسْماءِ الحُسْنى دَلِيلًا عَقْلِيًّا ولا قِياسًا لَفْظِيًّا، وإلّا لَكانَ تَسْمِيَةُ الرَّبِّ تَعالى فَقِيهًا عاقِلًا مَعَ صِحَّةِ مَعانِي هَذِهِ التَّسْمِياتِ في حَقِّهِ وهي العِلْمُ والفِقْهُ أوْلى مِن تَسْمِيَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِكَثِيرٍ مِمّا يُشْكِلُ ظاهِرُهُ بَلْ مَأْخَذُ ذَلِكَ إنَّما هُوَ: الإطْلاقُ والإذْنُ مِنَ الشّارِعِ فَكُلُّ ما ورَدَ الإذْنُ بِهِ مِنهُ جَوَّزْناهُ وما ورَدَ المَنعُ مِنهُ مَنَعْناهُ وما لَمْ يُوجَدْ فِيهِ إطْلاقٌ ولا مَنعٌ فَقَدْ قالَ بَعْضُ أصْحابِنا بِالمَنعِ مِنهُ ولَيْسَ القَوْلُ بِالمَنعِ مَعَ عَدَمِ وُرُودِهِ أوْلى مِنَ القَوْلِ بِالجَوازِ مَعَ عَدَمِ وُرُودِهِ؛ إذِ المَنعُ والجَوازُ حُكْمانِ، ولَيْسَ إثْباتُ أحَدِهِما مَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ أوْلى مِنَ الآخَرِ بَلِ الحَقُّ في ذَلِكَ هو الوَقْفُ وهو أنّا لا نَحْكُمُ بِجَوازٍ ولا مَنعٍ والمُتَّبَعُ في ذَلِكَ كُلِّهِ الظَّواهِرُ الشَّرْعِيَّةُ كَما هو المُتَّبَعُ في سائِرِ الأحْكامِ وهو أنْ يَكُونَ ظاهِرًا في دَلالَتِهِ وفي صِحَّتِهِ ولا يُشْتَرَطُ فِيهِ القَطْعُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأصْحابِ لِكَوْنِ المَنعِ والجَوازِ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، والتَّفْرِقَةُ بَيْنَ حُكْمٍ وحُكْمٍ في اشْتِراطِ القَطْعِ في أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ تَحَكُّمٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
انْتَهى، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَشْهُورَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الأحْكامِ الأُصُولِيَّةِ الِاعْتِقادِيَّةِ والأحْكامِ الفَرْعِيَّةِ العَمَلِيَّةِ كَما سَنُشِيرُ إلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا، وخُلاصَةُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ أنَّ عُلَماءَ الإسْلامِ اتَّفَقُوا عَلى جَوازِ إطْلاقِ الأسْماءِ والصِّفاتِ عَلى البارِي تَعالى إذا ورَدَ بِها الإذْنُ مِنَ الشّارِعِ وعَلى امْتِناعِهِ إذا ورَدَ المَنعُ عَنْهُ، واخْتَلَفُوا حَيْثُ لا إذَنْ ولا مَنعَ في جَوازِ إطْلاقِ ما كانَ سُبْحانَهُ وتَعالى مُتَّصِفًا بِمَعْناهُ ولَمْ يَكُنْ مِنَ الأسْماءِ الأعْلامِ المَوْضُوعَةِ في سائِرِ اللُّغاتِ إذْ لَيْسَ جَوازُ إطْلاقِها عَلَيْهِ تَعالى مَحَلَّ نِزاعٍ لِأحَدٍ، ولَمْ يَكُنْ إطْلاقُهُ مُوهِمًا نَقْصًا بَلْ كانَ مُشْعِرًا بِالمَدْحِ، فَمَنَعَهُ جُمْهُورُ أهْلِ الحَقِّ مُطْلَقًا لِلْخَطَرِ، وجَوَّزَهُ المُعْتَزِلَةُ مُطْلَقًا، ومالَ إلَيْهِ القاضِي أبُو بَكْرٍ لِشُيُوعِ إطْلاقِ نَحْوِ: خُدا وتَكْرى مِن غَيْرِ نَكِيرٍ فَكانَ إجْماعًا، ورُدَّ بِأنَّ الإجْماعَ كافٍ في الإذْنِ الشَّرْعِيِّ إذا ثَبَتَ.
واعْتَرَضَهُ أيْضًا إمامُ الحَرَمَيْنِ بِأنَّهُ قَوْلٌ بِالقِياسِ وهو حُجَّةٌ في العَمَلِيّاتِ والأسْماءِ والصِّفاتِ مِنَ العَمَلِيّاتِ، ورَوى بَعْضُهم عَنْهُ التَّوَقُّفَ، وذَكَرَ في شَرْحِ المَواقِفِ أنَّ القاضِيَ أبا بَكْرٍ ذَهَبَ إلى أنَّ كُلَّ لَفْظٍ دَلَّ عَلى مَعْنًى ثابِتٍ لِلَّهِ تَعالى جازَ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ إذا لَمْ يَكُنْ مُوهِمًا لِما لا يَلِيقُ بِذاتِهِ تَعالى، ثُمَّ قالَ: وقَدْ يُقالُ: لا بُدَّ مَعَ نَفْيِ ذَلِكَ الإيهامِ مِنَ الإشْعارِ بِالتَّعْظِيمِ حَتّى يَصِحَّ الإطْلاقُ بِلا تَوَقُّفٍ وجَعْلِ مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ غَيْرَ مَذْهَبِهِ والمَشْهُورُ ما ذَكَرْناهُ.
وفَصَّلَ الغَزالِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ فَجَوَّزَ إطْلاقَ الصِّفَةِ وهو ما دَلَّ عَلى مَعْنًى زائِدٍ عَلى الذّاتِ ومَنَعَ إطْلاقَ الِاسْمِ وهو ما يَدُلُّ عَلى نَفْسِ الذّاتِ مُحْتَجًّا بِإباحَةِ الصِّدْقِ واسْتِحْبابِهِ والصِّفَةِ لِتَضَمُّنِها النِّسْبَةَ الخَبَرِيَّةَ راجِعَةً إلَيْهِ وهي لا تَتَوَقَّفُ إلّا عَلى تَحَقُّقِ مَعْناها بِخِلافِ الِاسْمِ فَإنَّهُ لا يَتَضَمَّنُ النِّسْبَةَ الخَبَرِيَّةَ وأنَّهُ لَيْسَ إلّا لِلْأبَوَيْنِ أوْ مَن يَجْرِي مَجْراهُما.
وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ حَيْثُ لا مانَعَ مِنَ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى تِلْكَ النِّسْبَةِ والخَطَرُ قائِمٌ، وأيْنَ التُّرابُ مِن رَبِّ الأرْبابِ؟
واخْتارَ جَمْعٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ مَذْهَبَ الجُمْهُورِ قالُوا: فَيُطْلَقُ ما سُمِعَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي سُمِعَ ولا يُتَجاوَزُ ذَلِكَ إلّا في التَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ سَواءٌ أوْهَمَ كالصَّبُورِ والشَّكُورِ والجَبّارِ والرَّحِيمِ أوْ لَمْ يُوهِمْ كالقادِرِ والعالِمِ، والمُرادُ بِالسَّمْعِيِّ ما ورَدَ بِهِ كِتابٌ أوْ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ أوْ إجْماعٌ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ خارِجٍ عَنْهُما في التَّحْقِيقِ بِخِلافِ الضَّعِيفَةِ، والقِياسُ أيْضًا إنْ قُلْنا: إنَّ المَسْألَةَ مِنَ العَمَلِيّاتِ أمّا إنْ قُلْنا: إنَّها مِنَ العَمَلِيّاتِ فالسُّنَّةُ الضَّعِيفَةُ كالحَسَنَةِ الواهِيَةِ جِدًّا، والقِياسُ كالإجْماعِ، وأطْلَقَ بَعْضُهُمُ المَنعَ في القِياسِ وهو الظّاهِرُ لِاحْتِمالِ إيهامِ أحَدِ المُتَرادِفَيْنِ دُونَ الآخَرِ.
وجَعَلَ بَعْضُهم مِنَ الثّابِتِ بِالقِياسِ المُتَرادِفاتِ مِن لُغَةٍ أوْ لُغاتٍ، ولَيْسَ بِذاكَ، ومِنَ الثّابِتِ بِالإجْماعِ الصّانِعُ والمَوْجُودُ والواجِبُ القَدِيمُ، قِيلَ: والعِلَّةُ، وقِيلَ: الصّانِعُ والقَدِيمُ مَسْمُوعانِ كالحَنّانِ والمَنّانِ، ونَصَّ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ عَلى أنَّهُ يُمْنَعُ إطْلاقُ غَيْرِ المُضافِ إذا كانَ مُرادِفًا لِلْمُضافِ المَسْمُوعِ قِياسًا كَما يُمْنَعُ إطْلاقُ ما ورَدَ عَلى وجْهِ المُشاكَلَةِ والمَجازِ، وأنَّهُ لا يَكْفِي وُرُودُ الفِعْلِ والمَصْدَرِ ونَحْوِهِما في صِحَّةِ إطْلاقِ الوَصْفِ فَلا يُطْلَقُ الحارِثُ والزّارِعُ والرّامِي والمُسْتَهْزِئُ والمُنْزِلُ والماكِرُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وإنْ جاءَتْ آياتٌ تُشْعِرُ بِذَلِكَ.
هَذا ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ الألْفاظَ عَلى الصِّفاتِ ثَلاثَةُ أقْسامٍ: الأوَّلُ ما يَدُلُّ عَلى صِفاتٍ واجِبَةٍ وهو أصْنافٌ: مِنها ما يَصِحُّ إطْلاقُهُ مُفْرَدًا لا مُضافًا نَحْوَ المَوْجُودِ والأزَلِيِّ والقَدِيمِ وغَيْرِها، ومِنها ما يَصِحُّ إطْلاقُهُ مُفْرَدًا ومُضافًا إلى ما لا هُجْنَةَ فِيهِ نَحْوَ المَلِكِ والمَوْلى والرَّبِّ والخالِقِ.
ومِنها ما يَصِحُّ مُضافًا غَيْرَ مُفْرَدٍ نَحْوَ يا مُنْشِئَ الرُّفاتِ ومُقِيلَ العَثَراتِ، والثّانِي ما يَدُلُّ عَلى صِفاتٍ مُمْتَنِعَةٍ نَحْوَ اليَدِ والوَجْهِ والنُّزُولِ والمَجِيءِ فَلا يَصِحُّ إطْلاقُهُ البَتَّةَ، وإنْ ورَدَ بِهِ السَّمْعُ كانَ التَّأْوِيلُ مِنَ اللَّوازِمِ.
والثّالِثُ ما لا يَدُلُّ عَلى صِفاتٍ واجِبَةٍ ولا مُمْتَنِعَةٍ بَلْ يَدُلُّ عَلى مَعانٍ ثابِتَةٍ نَحْوَ المَكْرِ والخِداعِ وأمْثالِهِما فَلا يَصِحُّ إطْلاقُهُ إلّا إذا ورَدَ التَّوْقِيفُ، ولا يُقالُ: يا مَكّارُ، يا خَدّاعُ البَتَّةَ وإنْ كانَ مَذْكُورًا ما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ ﴾ انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ.
وذَكَرَ الطِّيبِيُّ أنَّ الحَقَّ الِاعْتِمادُ في الإطْلاقِ عَلى الإطْلاقِ عَلى التَّوْقِيفِ، وأنَّ كُلَّ ما أذِنَ الشّارِعُ أنْ يُدْعى بِهِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ سَواءٌ كانَ مُشْتَقًّا أوْ غَيْرَ مُشْتَقٍّ فَهو اسْمٌ، وكُلُّ ما نُسِبَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن غَيْرِ ذَلِكَ الوَجْهِ سَواءٌ كانَ مُؤَوَّلًا أوْ غَيْرَ مُؤَوَّلٍ فَهو وصْفٌ، وجَعَلَ الحَيَّ وصْفًا والكِرِيمَ اسْمًا، وادَّعى أنَّهُ يُقالُ: يا كَرِيمُ، ولا يُقالُ: يا حَيُّ مَعَ وُرُودِ اللَّفْظَيْنِ فِيهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، مِن حَدِيثِ سَلْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««اللَّهُ تَعالى حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إذا رَفَعَ العَبْدُ يَدَهُ أنْ يَرُدَّها صِفْرًا حَتّى يَضَعَ فِيها خَيْرًا»» .
وذَكَرَ أنَّ التَّعْرِيفَ في الأسْماءِ لِلْعَهْدِ، وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَعْهُودِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أمَرَ بِالدُّعاءِ بِها ونَهى عَنِ الدُّعاءِ بِغَيْرِها وأوْعَدَ عَلى ذَلِكَ.
ورَوى الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««إنَّ لِلَّهِ تَعالى تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، مَن حَفِظَها دَخَلَ الجَنَّةَ» وفي رِوايَةٍ: أحْصاها،» وفي أُخْرى: ««إنَّ لِلَّهِ تَعالى تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إلّا واحِدًا»».
وأُوتِيَ فِيهِ بِالفَذْلَكَةِ والتَّأْكِيدِ لِئَلّا يُزادَ عَلى ما ورَدَ.
وجاءَتْ مَعْدُودَةً في بَعْضِ الرِّواياتِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««هُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ الغَفّارُ القَهّارُ الوَهّابُ الرَّزّاقُ الفَتّاحُ العَلِيمُ القابِضُ الباسِطُ الخافِضُ الرّافِعُ المُعِزُّ المُذِلُّ السَّمِيعُ البَصِيرُ الحَكَمُ العَدْلُ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ الحَلِيمُ العَظِيمُ الغَفُورُ الشَّكُورُ العَلِيُّ الكَبِيرُ الحَفِيظُ المُقِيتُ الحَسِيبُ الجَلِيلُ الكَرِيمُ الرَّقِيبُ المُجِيبُ الواسِعُ الحَكِيمُ الوَدُودُ المَجِيدُ الباعِثُ الشَّهِيدُ الحَقُّ الوَكِيلُ القَوِيُّ المَتِينُ الوَلِيُّ الحَمِيدُ المُحْصِي المُبْدِئُ المُعِيدُ المُحْيِيُ المُمِيتُ الحَيُّ القَيُّومُ الواجِدُ الماجِدُ الواحِدُ الصَّمَدُ القادِرُ المُقْتَدِرُ المُقَدِّمُ المُؤَخِّرُ الأوَّلُ الآخِرُ الظّاهِرُ الباطِنُ الوالِي المُتَعالِ البَرُّ التَّوّابُ المُنْتَقِمُ العَفُوُّ الرَّؤُوفُ مالِكُ المُلْكِ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ المُقْسِطُ الجامِعُ الغَنِيُّ المُغْنِي المانِعُ الضّارُّ النّافِعُ النُّورُ الهادِي البَدِيعُ الباقِي الوارِثُ الرَّشِيدُ الصَّبُورُ»».
ونُقِلَ عَنْ أهْلِ البَيْتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم غَيْرُ ذَلِكَ وأخَذُوها مِنَ القُرْآنِ وجاءَ أيْضًا عِنْدَنا ما يُخالِفُ هَذِهِ الرِّوايَةَ في بَعْضِ الأسْماءِ.
وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ أنَّ هَذِهِ الأسْماءَ مِنها ما يَرْجِعُ إلى صِفَةٍ فِعْلِيَّةٍ ومِنها ما يَرْجِعُ إلى صِفَةٍ نَفْسِيَّةٍ، ومِنها ما يَرْجِعُ إلى صِفَةٍ سَلْبِيَّةٍ.
ومِنها ما اخْتُلِفَ في رُجُوعِهِ إلى شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ وعَدَمِ رُجُوعِهِ، وهو اللَّهُ، والحَقُّ أنَّهُ اسْمٌ لِلذّاتِ وهو الَّذِي إلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ، ومِن هُنا ذَهَبَ الجُلُّ إلى أنَّهُ الِاسْمُ الأعْظَمُ، وتَنْقَسِمُ قِسْمَةً أُخْرى إلى ما لا يَجُوزُ إطْلاقُهُ عَلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كاللَّهِ والرَّحْمَنِ وما يَجُوزُ كالرَّحِيمِ والكَرِيمِ وإلى ما يُباحُ ذِكْرُهُ وحْدَهُ كَأكْثَرِها، وإلى ما لا يُباحُ ذِكْرُهُ كَذَلِكَ كالمُمِيتِ والضّارِّ فَإنَّهُ لا يُقالُ: يا مُمِيتُ يا ضارُّ بَلْ يُقالُ: يا مُحْيِي يا مُمِيتُ ويا نافِعُ يا ضارُّ، والَّذِي أراهُ أنَّهُ لا حَصْرَ لِأسْمائِهِ عَزَّتْ أسْماؤُهُ في التِّسْعَةِ والتِّسْعِينَ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن أصابَهُ هَمٌّ أوْ حَزَنٌ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُكَ وابْنُ عَبْدِكَ وابْنُ أمَتِكَ ناصِيَتِي في يَدِكَ ماضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضاؤُكَ، أسْألُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هو لَكَ سَمَّيْتَ لَهُ نَفْسَكَ أوْ أنْزَلْتَهُ في كِتابِكَ أوْ عَلَّمْتَهُ أحَدًا مِن خَلْقِكَ أوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ أنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي ونُورَ صَدْرِي وذَهابَ هَمِّي وجَلاءَ حُزْنِي»» الحَدِيثَ.
وهُوَ صَرِيحٌ في عَدَمِ الحَصْرِ لِمَكانِ أوْ وأوْ.
وحَكى مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ اتِّفاقَ العُلَماءِ عَلى ذَلِكَ، وأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الحَدِيثِ الإخْبارُ بِأنَّ هَذِهِ التِّسْعَةَ والتِّسْعِينَ مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ وهو لا يُنافِي أنَّ لَهُ تَعالى أسْماءً غَيْرَها غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ بِذَلِكَ.
ونَقَلَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ألْفَ اسْمٍ ثُمَّ قالَ: وهَذا قَلِيلٌ وهو كَما قالَ.
وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّها أرْبَعَةُ آلافٍ، وعَنْ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ أنَّها لا تَكادُ تُحْصى، والمُخْتارُ عِنْدِي عَدَمُ تَوَقُّفِ إطْلاقِ الأسْماءِ المُشْتَقَّةِ الرّاجِعَةِ إلى نَوْعٍ مِنَ الصِّفاتِ النَّفْسِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ وكَذا الصِّفاتُ السَّلْبِيَّةُ عَلَيْهِ تَعالى عَلى التَّوْقِيفِ الخاصِّ بَلْ يَصِحُّ الإطْلاقُ بِدُونِهِ لَكِنْ بَعْدَ التَّحَرِّي التّامِّ، وبِذَلِكَ الوُسْعِ فِيما هو نَصٌّ في التَّعْظِيمِ والتَّحَفُّظِ إلى الغايَةِ عَمّا يُوهِمُ أدْنى أدْنى نَقْصٍ مَعاذَ اللَّهِ تَعالى في حَقِّهِ سُبْحانَهُ؛ لِأنّا مَأْذُونُونَ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى بِالأقْوالِ والأفْعالِ ولَمْ يُحَدَّ لَنا حَدٌّ فِيهِ، فَمَتى كانَ في الإطْلاقِ تَعْظِيمٌ لَهُ عَزَّ وجَلَّ كانَ مَأْذُونًا بِهِ، والتَّكْلِيفُ مَنُوطٌ بِالوُسْعِ ﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ فَبَعْدَ بَذْلِ الوُسْعِ في التَّعْظِيمِ يَرْتَفِعُ الحَرَجُ.
وحَدِيثُ الخَطَرِ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ يَسْتَدْعِي أنْ لا يَصِحَّ إلّا إطْلاقُ ما ثَبَتَ تَواتُرًا إطْلاقُهُ عَلَيْهِ جَلَّ وعَلا أوِ اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى إطْلاقِهِ لِأنَّ الثُّبُوتَ فِيما عَدا ذَلِكَ ظَنِّيٌّ والخَطَرُ فِيهِ يَقِينِيٌّ، والأسْماءُ المُتَقَدِّمَةُ آنِفًا لَمْ يُوجَدْ في كَثِيرٍ مِنَ الرِّواياتِ ذِكْرُها، وهي مَشْهُورَةٌ مِن حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ، وقَدْ قالَ: إنَّهُ حَدَّثَنا بِهِ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ صَفْوانَ بْنِ صالِحٍ ولا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِهِ وهو ثِقَةٌ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيثِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا القَدْرَ لا يَثْبُتُ بِهِ اليَقِينُ بَلْ ولا بِمِثْلِهِ ومِثْلِهِ، عَلى أنَّ عَدَّ بَعْضِ أهْلِ البَيْتِ كَما في الدُّرِّ المَنثُورِ لِلتِّسْعَةِ والتِّسْعِينَ وكَذا غَيْرُهم كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ يُخالِفُ هَذا العَدَّ، وسَنَدُ ذَلِكَ الخَبَرِ وإنْ لَمْ يَكُنْ في المَتانَةِ كَسَنَدِ هَذا إلّا أنَّهُ لا أقَلَّ يُورِثُ الشُّبْهَةَ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: حَصَلَ الإجْماعُ عَلى ما في حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ، دُونَ ما في حَدِيثِ غَيْرِهِ المُخالِفِ لَهُ، لَكِنْ لَمْ أقِفْ عَلى مَن حَكى ذَلِكَ.
ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الأسْماءَ المَأْخُوذَةَ مِمّا ذَكَرْنا لا مانِعَ مِنَ الدُّعاءِ بِها ومِن إجْرائِها إخْبارًا عَنْهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أوْ أوْصافًا لَهُ جَلَّ وعَزَّ، وكُلُّها حُسْنى، وتَسْمِيَتُها بِذَلِكَ مِن جِهَةِ أنَّها بِالمَعْنى المُرادِ مِنها بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى مُخْتَصَّةٌ بِهِ جَلَّ وعَلا اخْتِصاصَ الِاسْمِ ولا تُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِ بِالمَعْنى المُرادِ مِنها حالَ إطْلاقِها عَلى اللَّهِ تَعالى، وإنَّما تُطْلَقُ عَلى الغَيْرِ بِمَعْنًى آخَرَ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ذَلِكَ المَعْنى إلّا كَما بَيْنَ السَّوادِ والبَياضِ؛ فَإنَّ بَيْنَهُما غايَةَ البُعْدِ الَّذِي لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ بُعْدٌ فَوْقَهُ، لَكِنَّهُما مُتَشارِكانِ في العَرْضِيَّةِ واللَّوْنِيَّةِ والمُدْرَكِيَّةِ بِالبَصَرِ وأُمُورٍ أُخَرَ سِوى ذَلِكَ، وبِهَذا لا يُعَدُّ البَياضُ مُماثِلًا لِلسَّوادِ أوْ بِالعَكْسِ؛ لِأنَّ المُماثَلَةَ عِبارَةٌ عَنِ المُشارَكَةِ في النَّوْعِ والماهِيَّةِ وهي مَفْقُودَةٌ هُنا وكَذا هي مَفْقُودَةٌ بَيْنَ العَلَمِ مَثَلًا الَّذِي يُوصَفُ اللَّهُ تَعالى بِهِ والعَلَمِ الَّذِي يُوصَفُ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهِ ولا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ ذَلِكَ وماهِيَّتَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى كَما لا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ اللَّهِ تَعالى إلّا اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
نَعَمْ لَوْ قالَ قائِلٌ: لا أعْرِفُ إلّا اللَّهَ تَعالى صَدَقَ، ولَكِنْ مِن جِهَةٍ أُخْرى، ونِهايَةُ مَعْرِفَةِ العارِفِينَ العَجْزُ عَنِ المَعْرِفَةِ، ومَعْرِفَتُهم بِالحَقِيقَةِ أنَّهم لا يَعْرِفُونَهُ، فَإذا انْكَشَفَ لَهم ذَلِكَ فَقَدْ عَرَفُوا وبَلَغُوا المُنْتَهى الَّذِي يُمْكِنُ في حَقِّ الخَلْقِ مِن مَعْرِفَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
وهَذا الَّذِي أشارَ إلَيْهِ الصِّدِّيقُ الأكْبَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَيْثُ قالَ: العَجْزُ عَنْ دَرْكِ الإدْراكِ إدْراكٌ.
بَلْ هو الَّذِي عَناهُ سَيِّدُ البَشَرِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: ««لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ أنْتَ كَما أثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ»».
فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أرادَ: إنِّي لا أُحِيطُ بِمَحامِدِكَ وصِفاتِ إلَهِيَّتِكَ وإنَّما أنْتَ المُحِيطُ بِهِ وحْدَكَ لا أنِّي أعْرِفُ مِنكَ ما لا أسْتَطِيعُ التَّعْبِيرَ عَنْهُ بِلِسانِي، وتَفاوُتُ دَرَجاتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمَلائِكَةِ والأوْلِياءِ في المَعْرِفَةِ إنَّما هُوَ: بِالوُقُوفِ عَلى عَجائِبِ آياتِهِ في مَلَكُوتِ السَّمَواتِ والأرْضِ وخَلْقِ الأرْواحِ والأجْسادِ وحِينَئِذٍ يَتَفاوَتُونَ في مَعْرِفَةِ الأسْماءِ والصِّفاتِ، ومَعْرِفَةُ أنَّ زَيْدًا عالِمٌ مَثَلًا لَيْسَ كَمَعْرِفَةِ تَفاصِيلِ عُلُومِهِ كَما لا يَخْفى، ولا يَرِدُ عَلى ما ذَكَرْنا مِنَ الِاخْتِصارِ أنَّهُ يَأْباهُ تَقْسِيمُهم أسْماءَهُ تَعالى إلى مُخْتَصٍّ كالرَّحْمَنِ وغَيْرِ مُخْتَصٍّ كالرَّحِيمِ؛ لِأنَّ مُرادَهم بِالمُخْتَصِّ ما اعْتُبِرَ في مَفْهُومِهِ المُطابَقِيِّ ما يَمْنَعُ مِنَ الإطْلاقِ عَلى الغَيْرِ، وقَدْ نَصَّ البَيْضاوِيُّ عَلى أنَّ مَعْنى الرَّحْمَنِ المُنْعِمُ الحَقِيقِيُّ البالِغُ في الرَّحْمَةِ غايَتَها؛ وذَلِكَ لا يَصْدُقُ عَلى غَيْرِهِ تَعالى؛ فَلِذا لا يُوصَفُ بِهِ، وبِغَيْرِ المُخْتَصِّ ما لَمْ يُعْتَبَرْ في مَفْهُومِهِ ذَلِكَ بَلِ اعْتُبِرَ فِيهِ مَعْنًى عامٌّ فَيُطْلَقُ لِذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى غَيْرِهِ، لَكِنْ حالَ إطْلاقِهِ عَلَيْهِ تَعالى يُرادُ الفَرْدُ الكامِلُ مِن ذَلِكَ المَفْهُومِ الَّذِي لا يَلِيقُ ولا يُمْكِنُ أنْ يُثْبَتَ إلّا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ يُقالُ: لا فَرْقَ بَيْنَ الأسْماءِ المُشْتَقَّةِ الَّتِي يُوجَدُ في الغَيْرِ مَبْدَأُ اشْتِقاقِها في الجُمْلَةِ مِن حَيْثُ إنَّ اعْتِبارَ ذَلِكَ الوُجُودِ يَقْتَضِي عَدَمَ الِاخْتِصاصِ، واعْتِبارُ الوُجُودِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأكْمَلِهِ يَقْتَضِي الِاخْتِصاصَ مِن غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ اسْمٍ واسْمٍ إلّا أنّا حَكَمْنا بِالِاخْتِصاصِ في بَعْضٍ وبِعَدَمِهِ في آخَرَ لِأمْرٍ آخَرَ كالِاسْتِعْمالِ وعَدَمِ الِاسْتِعْمالِ وإذْنِ الشّارِعِ وعَدَمِ إذْنِهِ فَلا يَأْبى ما قُلْناهُ أيْضًا، نَعَمْ اعْتِبارُ الِاخْتِصاصِ بِاللَّهِ تَعالى في الأسْماءِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ لا يَتَأتّى فِيها بِناءً عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الخَبَرِ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ أيْضًا فَيَكُونُ المَعْنى لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ الأسْماءُ الَّتِي تَخْتَصُّ بِهِ تَعالى ولا تُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِ، ويَؤُولُ ذَلِكَ إلى أنَّ الأسْماءَ المُخْتَصَّةَ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُخْتَصَّةٌ بِهِ جَلَّ وعَلا وهو مِمّا لا فائِدَةَ فِيهِ، وحِينَئِذٍ لا بُدَّ إمّا مِن حَمْلِ الأسْماءِ عَلى الصِّفاتِ كَما قالَ البَعْضُ، ومَعْنى الحُسْنى الكامِلَةُ مِن كُلِّ وجْهٍ، أيْ: لِلَّهِ تَعالى لا لِغَيْرِهِ الصِّفاتُ الكامِلَةُ لِأنَّ صِفاتِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كَيْفَما كانَتْ ناقِصَةً لا أقَلَّ مِن أنَّ العَدَمَ مُحِيطٌ بِطَرَفَيْها، ومَعْنى فادْعُوهُ بِها إلَخْ: سَمُّوهُ بِما يُشْتَقُّ مِنها أوْ نادُوهُ بِذَلِكَ، وذَرُوا الَّذِينَ يَمِيلُونَ عَنِ الحَقِّ في صِفاتِهِ فَيُسَمُّونَ بِها غَيْرَهُ أوْ يَدْعُونَ مُعْتَقِدِينَ الشَّرِكَةَ، ودَعُوهم وإلْحادَهُمْ، وأمّا مِنَ ارْتِكابِ ضَرْبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ، وما ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ مِن أنَّ التَّعْرِيفَ في الأسْماءِ لِلْعَهْدِ إلى آخِرِ ما قالَهُ مِمّا لا أظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِن رَكاكَتِهِ فَتَأمَّلْ.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالإلْحادِ العُدُولُ عَنْ تَسْمِيَتِهِ تَعالى بِبَعْضِ أسْمائِهِ الكَرِيمَةِ كَما قالُوا: وما الرَّحْمَنُ؟
أنّا لا نَعْرِفُ إلّا رَحْمَنَ اليَمامَةِ، وعَلَيْهِ فالمُرادُ بِالتَّرْكِ الِاجْتِنابُ كَما أُرِيدَ أوَّلًا بِالأسْماءِ أسْماؤُهُ تَعالى حَقِيقَةً، فالمَعْنى: سَمُّوهُ تَعالى بِجَمِيعِ أسْمائِهِ واجْتَنِبُوا إخْراجَ بَعْضِها مِنَ البَيْنِ، وأنْ يُرادَ بِهِ إطْلاقُها عَلى الأصْنامِ واشْتِقاقُ أسْمائِها مِنها كاللّاتِ مِنَ اللَّهِ تَعالى والعُزّى مِنَ العَزِيزِ، فالمُرادُ مِنَ الأسْماءِ أسْماؤُهُ تَعالى حَقِيقَةً، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ مَعَ التَّجْرِيدِ عَنِ الوَصْفِ في الكُلِّ لِلْإيذانِ بِأنَّ إلْحادَهم في نَفْسِ الأسْماءِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ الوَصْفِ.
والمُرادُ بِالتَّرْكِ الإعْراضُ وعَدَمُ المُبالاةِ بِما فَعَلُوا تَرَقُّبًا لِنُزُولِ العُقُوبَةِ فِيهِمْ عَنْ قَرِيبٍ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ لا نُبالِي؟
فَقِيلَ: لِأنَّهُ سَيَنْزِلُ بِهِمْ عُقُوبَةٌ وتَشْتَفُونَ عَنْ قَرِيبٍ، والمَعْنى عَلى الأمْرِ بِالِاجْتِنابِ: اجْتَنِبُوا إلْحادَهم كَيْلا يُصِيبَكم ما يُصِيبُهم فَإنَّهُ سَيَنْزِلُ بِهِمْ عُقُوبَةُ ذَلِكَ <div class="verse-tafsir"
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً يعني: خلقنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فإن قيل: قد قال في آية أخرى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56] فأخبر أنه خلق الجن والإنس لعبادته.
وهاهنا يقول: خلقهم لجهنم.
قيل له: قد خلقهم للأمرين جميعاً منهم من يصلح لجهنم فخلقه لها، ومنهم من يصلح للعبادة فخلقه لها، ولأن من لا يصلح لشيء لا يخلقه لذلك الشيء.
ويقال معنى قوله: إِلَّا لِيَعْبُدُونِ يعني: إلا للأمر والنهي.
ويقال: إِلَّا لِيَعْبُدُونِ يعني: إلا لكي يمكنهم أن يعبدوا، وقد بينت لهم الطريق.
ويقال: في هذه الآية تقديم وتأخير.
ومعناه: ولقد ذرأنا جهنم لكثير من الجن والإنس.
ثم وصفهم فقال تعالى: لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِها يعني: لا يعقلون بها.
الحق كما قال في آية أخرى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [البقرة: 7] ثم قال: وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِها يعني: الهدى وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها يعني: الهدى.
ثم ضرب لهم مثلا آخر فقال: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ فشبههم بالأنعام لقلة رغبتهم وتغافلهم عن الحق.
يعني: إنهم كالأنعام في ذهنهم لا في صورهم.
لأنه ليس للأنعام إلا الأكل والشرب، فهي تسمع ولا تعقل، كذلك الكافر هو غافل عن الأمر والنهي والوعد والوعيد.
ثم قال: بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً يعني: الكفار أخطأ طريقاً من الأنعام، لأن الأنعام إذا عرفت أنها تركت الطريق رجعت إلى الطريق، والكفار لا يرجعون إلى الطريق.
ولأن الأنعام تعرف ربها، والكفار لا يعرفون ربهم.
ويقال: لمَّا نزلت هذه الآية أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ تضرعت الأنعام إلى ربها.
فقالت: يا ربنا شبهت الكفار بنا ونحن لا ننكر وحدانيتك.
فأعذر الله تعالى الأنعام.
فقال: بَلْ هُمْ أَضَلُّ من الأنعام لأن الأنعام مطيعة لله تعالى.
والكفار غير مطيعين لله تَعَالَى.
ثم قال: أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ يعني: عن أمر الله تعالى وعما ينفعهم.
قال الفقيه أبو الليث: حدثنا أبو جعفر.
قال: حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن عبد الله القاري.
قال: حدثنا حازم بن يحيى الحلواني.
قال: حدثنا الحسين بن الأسود.
قال: حدثنا أبو أسامة عن يزيد بن سنان عن أبي منيب الحمصي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي الدرداء قال قال رسول الله : «خَلَقَ الله الجِنَّ ثَلاَثَةَ أصْنَافٍ صِنْفاً حَيَّاتٍ وَعَقَارِبَ وَخَشَاشَ الأَرْضِ، وَصِنْفاً كَالرِّيحِ فِي الهَوَاءِ، وَصِنْفَاً عَلَيْهِمُ الثَّوَابُ وَالعِقَابُ، وَخَلَقَ الله الإنْسَ ثَلاثَةَ أصْنَافٍ صِنْفاً كَالبَهَائِمِ وَهُمُ الكُفَّارُ، قال: قال الله تعالى: لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِها إلى قوله: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ وَصِنْفاً آخَرَ أَجْسَادُهُم كَأَجْسَادِ بَنِي آَدَم وَأَرْوَاحُهُم كَأَرْوَاحِ الشَّيَاطِينِ، وَصِنْفاً فِي ظِلِّ الله يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلَّهُ» .
قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وذلك أن رجلاً دعا الله في صلاته، ودعا الرحمن.
فقال أبو جهل: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون رباً واحداً فما بال هذا يدعو ربين اثنين؟
فأنزل الله تعالى وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها الرحمن الرحيم الملك القدوس ونحوه.
فدعا النبيّ الرجل فقال: «ادْعُ الله أَوْ ادْعُ الرحمن رَغْماً لأَنْفِ المُشْرِكِينَ» .
ويقال: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يعني: الصفات العلى فَادْعُوهُ بِها.
وروى أبو هريرة عن النبيّ أنه قال: «إن لله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً مائَةً إلاَّ وَاحِدَةً مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ وَمِنْ أسْمَائِهِ عَزَّ وَجَلَّ الرحمن الرَّحِيمُ» .
وقد ذكرنا تفسيرها ومن أسمائه الأحد وأصله الوحد بمعنى الواحد، وهو الذي ليس كمثله شيء، ومنها الصمد وهو السيد الذي صمد إليه كل شيء أي قصده.
ومنها القيوم وهو البالغ في القيام بكل ما خلق.
ومنها الولي يعني: المتولي أمور المؤمنين.
ومنها اللطيف وهو الذي يلطف بالخلق من حيث لا يعلمون، ولا يقدرون ومنها الودود المحب الشديد المحبة.
ومنها الظاهر والباطن الذي يعلم ما ظهر وما بطن.
ومنها البديع الذي ابتدع الخلق على غير مثال.
ومنها القدوس أي ذو البركة.
ويقال: الطاهر ومنها الشهيد الذي لا يغيب عنه شيء.
ومنها الحنان أي ذو الرحمة والعطف.
ومنها المنان الكثير المنّ على عباده.
ومنها الفتاح يعني: الحاكم.
ومنها الديان يعني: المجازي.
ومنها الرقيب: يعني الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء.
ومنها ذُو القوة المتين يعني الشديد القوة على أمره.
ومنها الوكيل الذي يتوكل بالقيام بجميع ما خلق.
ومنها السبوح الذي تنزه عن كل سوء ومنها السلام يعني: الذي سَلِم الخلق من ظلمه.
ومنها المؤمن الذي أمن الخلق من ظلمه.
ومنها العزيز أي: المنيع الذي لا يغلبه شيء.
ومنها المهيمن يعني: الشهيد.
ومنها الجبار الذي جبر الخلق على ما أراد.
ومنها المتكبر الذي تكبر عن ظلم العباد.
ومنها الباري يعني: الخالق وسائر الأسماء التي ثبتت عن رسول الله وعن الصحابة- م-.
وقال الزجاج: لا ينبغي لأحد أن يدعوه بما لم يصف به نفسه، ولم يسم به نفسه، فيقول: يا جواد ولا ينبغي له أن يقول: يا سخي، لأنه لم يسم به نفسه.
وكذلك يقول: يا قوي ولا يقول: يا جلد.
ثم قال: وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ قرأ حمزة يُلْحِدُونَ بنصب الياء والحاء.
وقرأ الباقون بضم الياء وكسر الحاء يُلْحِدُونَ فمن قرأ بالنصب فمعناه: وذروا الذين يميلون في أسمائه يعني: يُحَوِّرون ويمارون في أسمائه ويعدلون، فسموا اللات والعزى.
ومن قرأ بالضم فمعناه: وذروا الذين يجادلون ويمارون في أسمائه.
ويقال: إن الله تعالى قد احتج على الكفار بأربعة أشياء بالخلق.
وهو قوله تعالى: هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [لقمان: 11] وقال: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج: 73] والثاني في الملك وهو قوله وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ [البقرة: 116] .
وقال في الأوثان لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً [الزمر: 43] والثالث في القوة وهو قوله: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: 20] وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11] إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ [هود: 61] ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: 58] وقال في الأوثان: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها [الأعراف: 195] فوصفهم بالعجز.
والرابع بالأسماء فقال وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وقال في الأوثان وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ ويقال: إن الكفار أرادوا أن يسموا آلهتهم الله فجرى على لسانهم اللات وقال أهل اللغة: إنما سمي اللات لأنه كان عنده رجل كان يلت السويق.
وأرادوا أن يسموا العزيز فجرى على لسانهم العزى.
وأرادوا أن يسموا منان فجرى على لسانهم مناة.
وبقيت تلك الأسماء للأصنام.
وأصل الإلحاد هو الميل ولهذا سمي اللحد لحداً لأنه في ناحية.
ثم قال سَيُجْزَوْنَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ يعني: وسيهانون ويعاقبون بما كانوا يعملون من الشرك والإلحاد في الأسماء.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ، القول فيه: أن ذلك كلَّه من عند اللَّه: الهدايةُ منه وبخَلْقه واختراعه وكذلك الإِضلال، وفي الآيةِ تعجيبٌ مِنْ حال المذْكُورين.
وقوله سبحانه: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، هذا خبرٌ من اللَّه تعالى أنه خَلَق لسكنى جهنم والاحتراق فيها كثيرا، وفي ضِمْنه وعيدٌ للكفَّار، «وذرأ» : معناه:
خَلَق وأوْجَدَ، مع بَثٍّ ونَشْرٍ.
وقوله سبحانه: لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ...
الآيةَ: لما كانَتْ هذه الطائفةُ الكافرةُ المُعْرِضَةُ عن النَّظَر في آيات اللَّه، لم ينفعْهم النظَرُ بالقَلْب، ولا بالعَيْن، ولا ما سَمِعُوه من الآيات والمواعظ، استوجبوا الوصْفَ بأنهم لا يفقهون، ولا يُبْصرون، ولا يَسْمعون، والفِقْه: الفَهْم، أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ في أنَّ الأنعام لا تَفْقَهُ الأشياء، ولا تعقلُ المقاييسِ، ثم حَكَم سبحانه عَلَيْهم بأنهم أضَلُّ لأن الأنعام تلك هِيَ بِنْيَتُها وخِلْقَتُها، وهؤلاءِ مُعَدُّونَ للفَهْم والنظر، ثم بَيَّنَ سبحانه بقوله: أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ الطريق الذي به صاروا أضَلَّ من الأنعام، وهو الغَفْلة والتقصير.
قال الفَخْر «١» : أمَّا قوله تعالى: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ، فتقريره: أن الإِنسان وسائر الحيوانات مُتشَاركةٌ في قُوَى الطَّبيعة الغَاذِيَةِ، والنامية، والمُوَلِّدةِ، ومتشاركَةٌ أيضاً في منافع الحواسِّ الخَمْسِ الباطنةِ والظاهرةِ، وفي أحوالِ التخيُّل، والتفكُّر، والتذكُّر، وإِنما حَصَل الامتياز بيْنَ الإِنسان، وسائِرِ الحيواناتِ في القوَّة العقليَّة والفكْريَّة التي تهديه إِلى معرفة الحقِّ، فلما أعرضَ الكُفَّار عن أحْوالِ العَقْلِ والفكْرِ، ومعرفةِ الحقِّ، كانوا كالأنعام، بل هم أضلُّ لأن الحيواناتِ لا قدرةَ لها على تحْصيلِ هذهِ الفضائل، وقد قال حَكِيمُ الشّعراء: [البسيط]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ رَجُلًا دَعا اللَّهَ في صَلاتِهِ، ودَعا الرَّحْمَنَ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: ألَيْسَ يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ أنَّهم يَعْبُدُونَ رَبًّا واحِدًا، فَما بالُ هَذا يَدْعُو اثْنَيْنِ؟
فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآَيَةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
فَأمّا الحُسْنى، فَهي تَأْنِيثُ الأحْسَنِ.
ومَعْنى الآَيَةِ أنَّ أسْماءَ اللَّهِ حُسْنى، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ فِيها ما لَيْسَ بِحُسْنٍ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ ما مالَتْ إلَيْهِ النُّفُوسُ مِن ذِكْرِهِ بِالعَفْوِ والرَّحْمَةِ دُونَ السُّخْطِ والنِّقْمَةِ وقَوْلُهُ: ﴿ فادْعُوهُ بِها ﴾ أيْ: نادُوهُ بِها، كَقَوْلِكَ: يا اللَّهُ، يا رَحْمَنُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: " يُلْحِدُونَ " بِضَمِّ الياءِ، وكَذَلِكَ في [النَّحْلِ:١٠٣] و[السَّجْدَةِ ][فُصِّلَتْ:٤٠] .
وقَرَأ حَمْزَةُ: "يُلْحِدُونَ " بِفَتْحِ الحاءِ والياءِ فِيهِنَّ، ووافَقَهُ الكِسائِيُّ، وخَلْفٌ في [النَّحْلِ:١٠٣] .
قالَ الأخْفَشُ: ألْحَدَ ولَحَدَ: لُغَتانِ؛ فَمَن قَرَأ بِهِما أرادَ الأخْذَ بِاللُّغَتَيْنِ، فَكَأنَّ الإلْحادَ: العُدُولُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَجُورُونَ عَنِ الحَقِّ ويَعْدِلُونَ؛ [فَيَقُولُونَ: اللّاتُ والعُزّى ومَناةُ وأشْباهُ ذَلِكَ] ومِنهُ لَحْدُ القَبْرِ، لِأنَّهُ في جانِبٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: ولا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَدْعُوَهُ بِما لَمْ يُسَمِّ بِهِ نَفْسَهُ، فَيَقُولُ: يا جَوادُ، ولا يَقُولُ: يا سَخِيُّ؛ ويَقُولُ: يا قَوِيُّ، ولا يَقُولُ: يا جَلْدُ، ويَقُولُ: يا رَحِيمُ، ولا يَقُولُ: يا رَفِيقُ، لِأنَّهُ لَمْ يَصِفْ نَفْسَهُ بِذَلِكَ.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطابِيُّ: ودَلِيلٌ هَذِهِ الآَيَةِ أنَّ الغَلَطَ في أسْمائِهِ والزَّيْغَ عَنْها إلْحادٌ، ومِمّا يُسْمَعُ عَلى ألْسِنَةِ العامَّةِ قَوْلُهُمْ: يا سُبْحانُ، يا بُرْهانُ، وهَذا مَهْجُورٌ مُسْتَهْجَنٌ لا قُدْوَةَ فِيهِ، ورُبَّما قالَ بَعْضُهُمْ: يا رَبِّ طَهَ ويَسِ.
وقَدْ أنْكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى رَجُلٍ قالَ: يا رَبَّ القُرْآَنِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ إلْحادَهم في أسْمائِهِ أنَّهم سَمَّوْا بِها أوْثانَهم، وزادُوا فِيها ونَقَصُوا مِنها، فاشْتَقُّوا اللّاتَ مِنَ اللَّهِ، والعُزّى مِنَ العَزِيزِ، ومَناةَ مِنَ المَنّانِ.
* فَصْلٌ والجُمْهُورُ عَلى أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَحْكَمَةٌ، لِأنَّها خارِجَةٌ مَخْرَجَ التَّهْدِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ ذَرْنِي وَمَن خَلَقْتُ وحِيدًا ﴾ ، وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآَيَةِ القِتالِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ ﴾ يَقْتَضِي الإعْراضَ عَنِ الكُفّارِ، وهَذا قَوْلُ ابْنُ زَيْدٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولَئِكَ هم الغافِلُونَ ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ وُصِفَتْ هَذِهِ الصِنْفَةُ الكافِرَةُ المُعْرِضَةُ عَنِ النَظَرِ في آياتِ اللهِ بِأنَّ قُلُوبَهم لا تَفُقْهُ، وَأعْيُنَهم لا تُبْصِرُ، وآذانَهم لا تَسْمَعُ، ولَيْسَ الغَرَضُ مِن ذَلِكَ نَفْيَ هَذِهِ الإدْراكاتِ عن حَواسِّهِمْ جُمْلَةً، وإنَّما الغَرَضُ نَفْيُها في جِهَةٍ ما كَما تَقُولُ: فُلانٌ أصَمُّ عَنِ الخَنا، ومِنهُ قَوْلُ مِسْكِينٍ الدارِمِيِّ: أعْمى إذا ما جارَتِي خَرَجَتْ...
حَتّى يُوارِيَ جارَتِي السِتْرُ وأصَمُّ عَمّا كانَ بَيْنَهُما...
عَمْدًا وما بِالسَمْعِ مِن وقْرِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: وعَوْراءِ الكَلامِ صَمَمْتُ عنها ∗∗∗ ولَوْ أنِّي أشاءُ بِها سَمِيعُ وبادِرَةٍ وزَعْتُ النَفْسَ عنها ∗∗∗ ∗∗∗ وقَدْ بَقِيَتْ مِنَ الغَضَبِ الضُلُوعُ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ في وصاةِ مَن يَدْخُلُ إلى دارِ مَلِكٍ: وادْخُلْ إذا ما دَخَلْتَ أعْمى ∗∗∗ ∗∗∗ واخْرُجْ إذا ما خَرَجْتَ أخْرَسْ فَكَأنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ لَمّا لَمْ يَنْفَعْهُمُ النَظَرُ بِالقَلْبِ ولا بِالعَيْنِ ولا ما سَمِعُوهُ مِنَ الآياتِ والمَواعِظِ، اسْتَوْجَبُوا الوَصْفَ بِأنَّهم لا يَفْقَهُونَ ولا يُبْصِرُونَ ولا يَسْمَعُونَ، وفَسَّرَ مُجاهِدٌ هَذا بِأنْ قالَ: لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها شَيْئًا مِن أمْرِ الآخِرَةِ، وأعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها الهُدى، وآذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها الحَقَّ.
و"أُولَئِكَ" إشارَةٌ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الكَفَرَةِ، وشَبَّهَهم بِالأنْعامِ في أنَّ الأنْعامَ لا تَفْقَهُ قُلُوبُهُمُ الأشْياءَ، ولا تَعْقِلُ المَقايِيسَ، وكَذَلِكَ ما تُبْصِرُهُ لا يَتَحَصَّلُ لَها كَما يَجِبُ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ ما يُبْصِرُونَهُ ويَسْمَعُونَهُ لا يَتَحَصَّلُ لَهم مِنهُ عِلْمٌ عَلى ما هو بِهِ حِينَ أبْصَرَ وسَمِعَ، ثُمَّ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أضَلُّ، لِأنَّ الأنْعامَ تِلْكَ هي بِنْيَتُها وخِلْقَتُها، لا تُقَصِّرُ في شَيْءٍ، ولا لَها سَبِيلٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وهَؤُلاءِ مُعَدُّونَ لِلْفَهْمِ، وقَدْ خُلِقَتْ لَهم قُوًى يُصَرِّفُونَها، وأُعْطُوا طُرُقًا في النَظَرِ، فَهم -بِغَفْلَتِهِمْ وإعْراضِهِمْ- يُلْحِقُونَ أنْفُسَهم بِالأنْعامِ، فَهم أضَلُّ عَلى هَذا، ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ ﴾ الطَرِيقَ الَّذِي بِهِ صارُوا أضَلَّ مِنَ الأنْعامِ وهو الغَفْلَةُ والتَقْصِيرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ الآيَةُ، السَبَبُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما رُوِيَ «أنَّ أبا جَهْلٍ سَمِعَ بَعْضَ أصْحابِ النَبِيِّ يَقْرَأُ فَيَذْكُرُ اللهَ في قِراءَتِهِ، ومَرَّةً يَقْرَأُ فَيَذْكُرُ الرَحْمَنَ.
ونَحْوَ هَذا، فَقالَ: مُحَمَّدٌ يَزْعُمُ أنَّ الإلَهَ واحِدٌ وهو إنَّما يَعْبُدُ آلِهَةً كَثِيرَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ.» و"الأسْماءُ" هُنا بِمَعْنى: التَسْمِياتِ إجْماعًا مِنَ المُتَأوِّلِينَ لا يُمْكِنُ غَيْرُهُ، و"الحُسْنى": مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ تُقَدَّرَ "الحُسْنى" فُعْلى مُؤَنَّثُهُ "أحْسَنُ" فَأُفْرِدَ وصْفُ جَمِيعِ ما لا يَعْقِلُ، كَما قالَ: ﴿ مَآرِبُ أُخْرى ﴾ ، وكَما قالَ: ﴿ يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ ﴾ ، وهَذا كَثِيرٌ وحُسْنُ الأسْماءِ إنَّما يَتَوَجَّهُ بِتَحْسِينِ الشَرْعِ لِإطْلاقِها، والنَصِّ عَلَيْها، وانْضافَ إلى ذَلِكَ أيْضًا أنَّها إنَّما تَضَمَّنَتْ مَعانِيَ حِسانًا شَرِيفَةً.
واخْتَلَفَ الناسُ في الِاسْمِ الَّذِي يَقْتَضِي مَدْحًا خالِصًا ولا يَتَعَلَّقُ بِهِ شُبْهَةٌ ولا اشْتِراكٌ، إلّا أنَّهُ لَمْ يُرَ مَنصُوصًا -هَلْ يُطْلَقُ ويُسَمّى اللهُ بِهِ؟- فَنَصَّ ابْنُ الباقِلّانِيِّ عَلى جَوازِ ذَلِكَ، ونَصَّ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ عَلى مَنعِ ذَلِكَ، والفُقَهاءُ والجُمْهُورُ عَلى المَنعِ، وهو الصَوابُ ألّا يُسَمّى اللهُ تَعالى إلّا بِاسْمٍ قَدْ أطْلَقَتْهُ الشَرِيعَةُ ووَقَفَتْ عَلَيْهِ أيْضًا، فَإنَّ هَذِهِ الشَرِيطَةَ الَّتِي في جَوازِ إطْلاقِهِ مِن أنْ يَكُونَ مَدْحًا خالِصًا لا شُبْهَةَ فِيهِ ولا اشْتِراكَ أمْرٌ لا يُحْسِنُهُ إلّا الأقَلُّ مِن أهْلِ العُلُومِ، فَإذا أُبِيحَ ذَلِكَ تَسَوَّرَ عَلَيْهِ مَن يَظُنُّ بِنَفْسِهِ الإحْسانَ وهو لا يُحْسِنُ، فَأدْخَلَ في أسْماءِ اللهِ ما لا يَجُوزُ إجْماعًا.
واخْتُلِفَ أيْضًا في الأفْعالِ الَّتِي في القُرْآنِ مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ و ﴿ مَكْرَ اللهِ ﴾ ، ونَحْوِ ذَلِكَ -هَلْ يُطْلَقُ مِنها اسْمُ الفاعِلِ؟- فَقالَتْ فِرْقَةٌ: لا يُطْلَقُ ذَلِكَ بِوَجْهٍ، وجَوَّزَتْ فِرْقَةٌ أنْ يُقالَ ذَلِكَ مُقَيَّدًا بِسَبَبِهِ، فَيُقالُ: "اللهُ مُسْتَهْزِئٌ بِالكافِرِينَ" "وَماكِرٌ بِالَّذِينِ يَمْكُرُونَ بِالدِينِ"، وأمّا إطْلاقُ ذَلِكَ دُونَ تَقْيِيدٍ فَمَمْنُوعٌ إجْماعًا، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْوى، ولا ضَرُورَةَ تَدْفَعُ إلى القَوْلِ الثانِي لِأنَّ صِيغَةَ الفِعْلِ الوارِدَةَ في كِتابِ اللهِ تُغْنِي، ومِن أسْماءِ اللهِ تَعالى ما ورَدَ في القُرْآنِ، ومِنها ما ورَدَ في الحَدِيثِ وتَواتَرَ، وهَذا هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ، وقَدْ ورَدَ في التِرْمِذِيِّ حَدِيثٌ عن أبِي هُرَيْرَةَ ونَصَّ فِيهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، وفي بَعْضِها شُذُوذٌ، وذَلِكَ الحَدِيثُ لَيْسَ بِالمُتَواتِرِ، وإنَّما المُتَواتِرُ مِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إلّا واحِدًا، مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ"»، ومَعْنى أحْصاها: عَدَّها وحَفِظَها، وتَضَمَّنَ ذَلِكَ الإيمانَ بِها والتَعْظِيمَ لَها والرَغْبَةَ فِيها والعِبْرَةَ في مَعانِيها، وهَذا حَدِيثُ البُخارِيِّ، والمُتَحَصِّلُ مِنهُ أنَّ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى هَذِهِ الأسْماءَ مُباحًا إطْلاقُها، ووَرَدَ في بَعْضِ دُعاءِ النَبِيِّ : « "يا حَنّانُ يا مَنّانُ"،» ولَمْ يَقَعْ هَذانِ الِاسْمانِ في تَسْمِيَةِ التِرْمِذِيِّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فادْعُوهُ بِها ﴾ إباحَةٌ بِإطْلاقِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذَرُوا الَّذِينَ ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: اتْرُكُوهم ولا تُحاجُّوهم ولا تَعْرِضُوا لَهُمْ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: الوَعِيدُ كَقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا ﴾ ، وقَوْلِهِ: ﴿ ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ﴾ ، ويُقالُ ألْحَدَ ولَحَدَ بِمَعْنى جارَ ومالَ وانْحَرَفَ، وألْحَدَ: أشْهَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ........................
∗∗∗ ∗∗∗ لَيْسَ الإمامُ بِالشَحِيحِ المُلْحِدِ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولا يَكادُ يُسْمَعُ لِأحَدٍ، وفي القُرْآنِ ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ ﴾ ، ومِنهُ لَحْدُ القَبْرِ المائِلُ إلى أحَدِ شِقَّيْهِ.
وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يُلْحِدُونَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ، وكَذَلِكَ في النَحْلِ والسَجْدَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ الأحْرُفَ الثَلاثَةَ: "يَلْحَدُونَ" بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ، وكَذَلِكَ ابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، والأعْمَشُ.
ومَعْنى الإلْحادِ في أسْماءِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُسَمُّوا اللاتَ نَظِيرًا إلى اسْمِ اللهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والعُزّى نَظِيرًا إلى العَزِيزِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ويُسَمُّونَ اللهَ رَبًّا ويُسَمُّونَ أوثانَهم أرْبابًا، ونَحْوَ هَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ بِعَذابِ الآخِرَةِ، وذَهَبَ الكِسائِيُّ إلى الفَرْقِ بَيْنَألْحَدَ ولَحَدَ، وزَعَمَ أنْ ألْحَدَ بِمَعْنى مالَ وانْحَرَفَ، ولَحَدَ بِمَعْنى رَكَنَ وانْضَوى، قالَ الطَبَرِيُّ: وكانَ الكِسائِيُّ يَقْرَأُ جَمِيعَ ما في القُرْآنِ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ إلّا الَّتِي في النَحْلِ، فَإنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ ويَزْعُمُ أنَّها بِمَعْنى الرُكُونِ، وكَذَلِكَ ذَكَرَ عنهُ أبُو عَلِيٍّ.
<div class="verse-tafsir"
هذا خطاب للمسلمين، فتوسطه في خلال مذام المشركين؛ لمناسبة أن أفظع أحوال المعدودين لجنهم هو حال إشراكهم بالله غيره، لأن في ذلك إبطالاً لأخص الصفات بمعنى الإلهية: وهي صفة الوحدانية وما في معناها من الصفات نحو الفرد، الصمد.
وينضوي تحت الشرك تعطيل صفات كثيرة مثل: الباعث، الحسيب، والمُعيد، ونشأ عن عناد أهل الشرك إنكار صفة الرحمن.
فعقبت الآيات التي وصفت ضلال إشراكهم بتنبيه المسلمين للاقبال على دعاء الله بأسمائه الدالة على عظيم صفات الإلهية، والدوام على ذلك، وأن يُعرضوا عن شغب المشركين وجدالهم في أسماء الله تعالى.
وقد كان من جملة ما يتورك به المشركون على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، أن أنكروا اسمه تعالى الرحمن، وهو إنكار لم يقدمهم عليه جهلهم بأن الله موصوف بما يدل عليه وصف (رحمان) من شدة الرحمة، وإنما أقدمهم عليه ما يقدم كل معاند من تطلب التغليظ والتخطئة للمخالف، ولو فيما يعرف أنه حق، وذكر ابن عطية، وغيره.
أنه روي في سبب نزول قوله تعالى: ﴿ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ﴾ أن أبا جهل سمع بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ فيذكر الله في قراءته، ومرة يقرأ فيذكر الرحمان فقال أبو جهل «محمد يزعم أن الإله واحد وهو إنما يعبد آلهة كثيرة» فنزلت هذه الآية.
فعطفُ هذه الآية على التي قبلها عطفُ الإخبار عن أحوال المشركين وضلالهم، والغرض منها قوله: ﴿ وذروا الذين يلحدون في أسمائه ﴾ .
وتقديم المجرور المسند على المسند إليه؛ لمجرد الاهتمام المفيد تأكيد استحقاقه إياها، المستفاد من اللام، والمعنى أن اتسامه بها أمر ثابت، وذلك تمهيد لقوله: ﴿ فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه ﴾ ، وقد التزم مثل هذا التقديم في جميع الآي التي في هذا الغرض مثل قوله في سورة الإسراء (110) ﴿ فله الأسماء الحسنى ﴾ وسورة طه (8) ﴿ له الأسماء الحسنى ﴾ وفي سورة الحشر (24) ﴿ له الأسماء الحسنى ﴾ وكل ذلك تأكيد للرد على المشركين أن يكون بعض الأسماء الواردة في القرآن أو كلام النبي صلى الله عليه وسلم أسماء لله تعالى بتخييلهم أن تعدد الاسم تعدد للمسمى تمويهاً على الدهماء.
والأسماء هي الألفاظ المجعولة أعلاماً على الذات بالتخصيص أو بالغلبة فاسم الجلالة وهو (الله) علم على ذات الإله الحق بالتخصيص، شأن الأعلام، و(الرحمن) و(الرحيم) اسمان لله بالغلبة، وكذلك كل لفظ مفرد دل على صفة من صفات الله، وأطلق إطلاق الأعلام نحو الرب، والخالق، والعزيز، والحكيم، والغفور، ولا يدخل في هذا ما كان مركّباً إضافياً نحو: ذو الجلال، ورب العرش، فإن ذلك بالأوصاف أشبه، وإن كان دالاً على معنى لا يليق إلا بالله نحو: ﴿ مَلك يوم الدين ﴾ [الفاتحة: 4].
والحسنى مؤنث الأحسن، وهو المتصف بالحسن الكامل في ذاته، المقبول لدى العقول السليمة المجردة عن الهوى، وليس المراد بالحسن الملاءمةَ لجميع الناس، لأن الملاءمة وصف إضافة نسبي، فقد يلائم زيداً ما لا يلائم عمراً، فلذلك فالحسنُ صفة ذاتية للشيء الحسن.
ووصف الأسماء ب ﴿ الحسنى ﴾ : لأنها دالة على ثبوت صفات كمال حقيقي، أما بعضها فلأن معانيها الكاملة لم تثبت إلا لله نحو الحي، والعزيز، والحكيم، والغني، وأما البعض الآخر فلأن معانيها مطلقاً لا يحسن الاتصاف بها إلا في جانب الله نحو المتكبر، والجبّار، لأن معاني هذه الصفات وأشباهها كانت نقصاً في المخلوق من حيث أن المتسم بها لم يكن مستحقاً لها لعجزه أو لحاجته، بخلاف الإله، لأنه الغني المُطلق، فكان اتصافُ المخلوق بها منشأ فساد في الأرض، وكان اتصاف الخالق بها منشأ صلاح، لأنها مصدر العدالة والجزاء القسطِ.
والتفريع في قوله: ﴿ فادعوه بها ﴾ تفريع عن كونها أسماء له، وعن كونها حسنى، أي فلا حرج في دعائه بها؛ لأنها أسماء متعددة لمسمى واحد، لا كما يزعم المشركون، ولأنها حسنى فلا ضير في دعاء الله تعالى بها.
وذلك يشير إلى أن الله يُدعى بكل ما دل على صفاته وعلى أفعاله.
وقد دلت الآية على أن كل ما دل على صفة الله تعالى وشأن من شؤونه على وجه التقريب للأفهام بحسب المعتاد يسوغ أن يُطلق منه اسم لله تعالى ما لم يكن مجيئه على وجه المجاز نحو ﴿ الله يستهزئ بهم ﴾ [البقرة: 15] أو يُوهم معنى نقص في متعارف الناس نحو الماكر من قوله: ﴿ واللَّه خَيْرُ الماكرين ﴾ [آل عمران: 54].
وليست أسماء الله الحسنى منحصرة في التسعه والتسعين الواردة في الحديث الصحيح عن الأعرج، وعن أبي رافع، وعن همام بن منبه، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن لله تسعة وتسعين أسماً مَن أحصاها دخل الجنة " لأن الحديث الصحيح ليس فيه ما يقتضي حصر الأسماء في ذلك العدد، ولكن تلك الأسماءَ ذات العدد لها تلك المزية، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا فقال يا حنّان يا منّان ولم يقع هذان الاسمان فيما روي من التسعة والتسعين، وليس في الحديث المروي بأسانيد صحية مشهورة تعيين الأسماء التسعة والتسعين، ووقع في «جامع الترمذي» من رواية شعيب بن أبي حمزة، عن الأعرج، عن أبي هريرة بعد قوله: «دخل الجنة» هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمان الرحيم إلى آخرها، فعيّن صفات لله تعالى تسعاً وتسعين، وهي المشهورة بين الذين تصدوا لبيانها، قال الترمذي: «هذا حديث غريب حدَثنا به غير واحد عن صفوان بن صالح وهو ثقة عند أهل الحديث، ولا نعلم في شيء من الروايات لها إسناد صحيح ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث».
وتعيين هذه الأسماء لا يقتضي أكثر من أن مزيتها أن مَن أحصاها وحفظها دخل الجنة، فلا يمنع أن تُعد لله أسماء أخرى.
وقد عد ابن بَرّحان الإشبيلي في كتابه «أسماء الله الحسنى» مائة واثنتين وثلاثين اسماً مستخرجة من القرآن والأحاديث المقبولة، وذكر القرطبي: أن له كتاباً سماه «الأسنى في شرح الأسماء الحسنى» ذكر فيه من الأسماء ما يُنيف على مائتي اسم، وذكر أيضاً أن أبا بكر بن العربي ذكر عدة من أسمائه تعالى مثل مُتمّ نوره، وخير الوارثين، وخير الماكرين، ورابع ثلاثة، وسادس خمسة، والطيب، والمعلم إلخ.
ولا تخفى سماجة عد نحو رَابع ثلاثة، وسادس خمسة، فإنها وردت في القرآن في سياق المجاز الواضح ولا مناص من تحكيم الذوق السليم، وليس مجردَ الوقوف عند صورة ظاهرة من اللفظ، وذكر ابن كثير في «تفسيره» عن كتاب «الأحوذي في شرح الترمذي» لعله يعني «عارضة الأحوذي» «أن بعضهم جمع من الكتاب والسنة من أسماء الله تعالى ألف اسم» ولم أجده في نسخ «عارضة الأحواذي» لابن العربي، ولا ذكره القرطبي وهو من خاصة تلاميذ ابن العربي، والموجود في كتاب «أحكام القرآن» له أنه حضره منها مائة وستة وأربعون اسماً وساقها في كتاب «الأحكام»، وسقط واحد منها في المطبوعة، وذكر أنه أبلغها في كتابه «الآمد» (أي «الامد الأقصى») في شرح الأسماء إلى مائة وستة وسبعين اسماً.
قال ابن عطية: واختلف في الاسم الذي يقتضي مدحاً خالصاً، ولا تتعلق به شبهة ولا اشتراك إلا أنه لم يَرد منصوصاً هل يطلق ويسمى الله به، فنصُ الباقلاني على جواز ذلك، ونص أبي الحسن الأشعري على منع ذلك، والفقهاءُ والجمهور على المنع، والصواب: أن لا يُسمى الله تعالى إلا باسم قد أطلقته الشريعة، وأن يكون مدحاً خالصاً لا شبهة فيه ولا اشتراك أمر لا يحسنه، إلا الأقل من أهل العلوم، فإذا أبيح ذلك تسور عليه من يظن بنفسه الإحسان، فادخل في أسماء الله ما لا يجوز إجماعاً.
واختلف في الأفعال التي في القرآن نحو ﴿ الله يستهزئ بهم ﴾ [البقرة: 15] و ﴿ مكر اللَّهُ ﴾ [آل عمران: 54] ونحو ذلك هل يطلق منها اسم الفاعل، فقالت فرقة: لا يُطلق ذلك بوجه، وجوزت فرقة أن يقال ذلك مقيّداً بسببه نحو: اللَّهَ ماكر بالذين يمكرون بالدين، وأما إطلاق ذلك دون تقييد فممنوع إجماعاً.
والمراد من ترك ﴿ الذين يُلحدون في أسمائه ﴾ الإمساكُ عن الاسترسال في محاجتهم لظهور أنهم غير قاصدين معرفة الحق، أو تركُ الإصغاء لكلامهم؛ لئلا يفتنوا عامة المؤمنين بشبهاتهم، أي اتركوهم ولا تُغلّبوا أنفسكم في مجادلتهم، فإني سأجْزيهم وقد تقدم معنى «ذر» عند قوله تعالى: ﴿ وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً ﴾ في سورة الأنعام (70).
والإلحاد: الميل عن وسط الشيء إلى جانبه، وإلى هذا المعنى ترجع مشتقاته كلها، ولما كان وسط الشيء يشبّه به الحق والصواب، استتبع ذلك تشبيه العدول عن الحق إلى الباطل بالإلحاد، فأطلق الإلحاد على الكفر والإفساد، ويُعدى حينئذ ب (في) لتنزيل المجرور بها منزلة المكان للإلحاد، والأكثر أن يكون ذلك عن تعمد للإفساد، ويقال: لحَد وألحد، والأشهر ألحد.
وقرأ من عدا حمزة يُلحدون} بضم الياء وكسر الحاء من ألحد المهموز، وقرأه حمزة وحده: بفتح الياء والحاء، من لحد المجرد.
وإضافة الأسماء إلى الله تؤذن بأن المقصود أسماؤه التي ورد في الشرع ما يقتضي تسميته بها.
ومعنى الإلحاد في أسماء الله جعلها مظهراً من مظاهر الكفر، وذلك بإنكار تسميته تعالى بالأسماء الدالة على صفات ثابتة له، وهو الأحق بكمال مدلولها فإنهم أنكروا الرحمان، كما تقدم، وجعلوا تسميته به في القرآن وسيلة للتشنيع، ولمز النبي عليه الصلاة والسلام بأنه عدد الآلهة، ولا أعظم من هذا البهتان والجور في الجدال، فحُق بأن يُسمى إلحاداً؛ لأنه عدول عن الحق بقصد المكابرة والحسد.
وهذا يناسب أن يكون حرف (في) من قوله: ﴿ في أسمائه ﴾ مستعملاً في معنى التعليل كقول النبي صلى الله عليه وسلم «دَخلتْ امرأة النار في هرة» الحديث، وقول عُمر بن أبي ربيعة: وعصيْتُ فيك أقاربي فتقطعت *** بيني وبينهم عُرى أسبابي وقد جوّز المفسرون احتمالات أخرى في معنى الإلحاد في أسمائه: منها ثلاثة ذكرها الفخر، وأنا لا أراها مُلاقية لإضافة الأسماء إلى ضميره تعالى، كما لا يخفى عن الناظر فيها.
وجملة: ﴿ سيُجْزون ما كانوا يعملون ﴾ تتنزل منزلة التعليل للأمر بترك الملحدين، فلذلك فصلت، أي لا تهتموا بإلحادهم ولا تحزنوا له، لأن الله سيجزيهم بسوء صنيعهم، وسمي إلحادهم عملاً؛ لأنه من أعمال قلوبهم وألسنتهم.
و (ما) موصولة عامة أي سيجزون بجميع ما يعملونه من الكفر، ومن جملة ذلك إلحادهم في أسمائه.
والسين للاستقبال، وهي تفيد تأكيد.
وقيل: ﴿ ما كانوا يعملون ﴾ دون ما عملوا أو ما يعملون للدلالة على أن ذلك العمل سنة لهم ومتجدد منهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ أسْمائِهِ حُسْنى وفي المُرادِ بِالحُسْنى ها هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: ما مالَتْ إلَيْهِ القُلُوبُ مِن ذِكْرِهِ بِالعَفْوِ والرَّحْمَةِ دُونَ السُّخْطِ والنِّقْمَةِ.
والثّانِي: أسْماؤُهُ الَّتِي يَسْتَحِقُّها لِنَفْسِهِ ولِفِعْلِهِ ومِنها صِفاتٌ هي طَرِيقَةُ المَعْرِفَةِ بِهِ، وهي تِسْعَةٌ: القَدِيمُ الأوَّلُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ.
والباقِي بَعْدَ فَناءِ كُلِّ شَيْءٍ.
والقادِرُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ والعالِمُ الَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ.
والحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ.
والواحِدُ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءُ والسَّمِيعُ البَصِيرُ الَّذِي لا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ والغَنِيُّ بِنَفْسِهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ.
وَفي دُعائِهِ بِها وجْهانِ: أحَدُهُما: نِداؤُهُ بِها عِنْدَ الرَّغْبَةِ إلَيْهِ في الدُّعاءِ والطَّلَبِ.
والثّانِي: تَعْظِيمُهُ بِها تَعَبُّدًا لَهُ بِذِكْرِها.
﴿ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ يَكْذِبُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يُشْرِكُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: يُحَوِّرُونَ، قالَهُ الأخْفَشُ.
وَفي إلْحادِهِمْ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: اشْتِقاقُهم آلِهَتَهم مِن أسْماءِ اللَّهِ، كَما سَمَّوْا بَعْضَها بِاللّاتِ اشْتِقاقًا مِنَ اللَّهِ، وبَعْضَها بِالعُزّى اشْتِقاقًا مِنَ العَزِيزِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: تَسْمِيَتُهُمُ الأوْثانَ آلِهَةً واللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أبا المَسِيحِ وعُزَيْرٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج البخاري ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وأبو عوانة وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني وأبو عبد الله بن منده في التوحيد وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة، إنه وتر يحب الوتر» .
وأخرج أبو نعيم وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لله مائة اسم غير اسم، من دعا بها استجاب الله له دعاءه» .
وأخرج الدارقطني في الغرائب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال: قال الله عز وجل: لي تسعة وتسعون اسماً من أحصاها دخل الجنة» .
وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم عن ابن عباس وابن عمر قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة غير واحد، من أحصاها دخل الجنة» .
وأخرج الترمذي وابن المنذر وابن حبان وابن منده والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة، إنه وتر يحب الوتر، هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفّار، القهّار، الوهّاب، الرزّاق، الفتّاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، البر، التوّاب، المنتقم، العفو، الرؤوف، مالك، الملك، ذو الجلال والإِكرام، الوالي، المتعال، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور» .
وأخرج ابن أبي الدنيا في الدعاء والطبراني كلاهما وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله تسعة وتسعين اسماً، من أحصاها دخل الجنة، اسأل الله الرحمن، الرحيم، الإِله الرب، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصوّر، الحليم، العليم، السميع، البصير، الحي، القيوم، الواسع، اللطيف، الخبير، الحنان، المنان، البديع، الغفور، الودود، الشكور، المجيد، المبدئ، المعيد، النور، البادئ، وفي لفظ: القائم، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، العفوّ، الغفّار، الوهّاب، الفرد، وفي لفظ: القادر، الأحد، الصمد، الوكيل، الكافي، الباقي، المغيث، الدائم، المتعالي، ذا الجلال، والإِكرام، المولى، النصير، الحق، المبين، الوارث، المنير، الباعث، القدير، وفي لفظ: المجيب، المحيي، المميت، الحميد، وفي لفظ: الجميل، الصادق، الحفيظ، المحيط، الكبير، القريب، الرقيب، الفتّاح، التوّاب، القديم، الوتر، الفاطر، الرزاق، العلاَّم، العلي، العظيم، الغني، المليك، المقتدر، الإِكرام، الرؤوف، المدبر، المالك، القاهر، الهادي، الشاكر، الكريم، الرفيع، الشهيد، الواحد، ذا الطول، ذا المعارج، ذا الفضل، الكفيل، الجليل» .
وأخرج أبو نعيم عن ابن عباس وابن عمر قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لله تسعة وتسعون اسماً، من أحصاها دخل الجنة وهي في القرآن» .
وأخرج أبو نعيم عن محمد بن جعفر قال: سألت أبي جعفر بن محمد الصادق عن الأسماء التسعة والتسعين التي من أحصاها دخل الجنة؟
فقال: هي في القرآن، ففي الفاتحة خمسة أسماء.
يا ألله، يا رب، يا رحمن، يا رحيم، يا مالك.
وفي البقرة ثلاثة وثلاثون اسماً: يا محيط، يا قدير، يا عليم، يا حكيم، يا علي، يا عظيم، يا تواب، يا بصير، يا ولي، يا واسع، يا كافي، يا رؤوف، يا بديع، يا شاكر، يا واحد، يا سميع، يا قابض، يا باسط، يا حي، يا قيوم، يا غني، يا حميد، يا غفور، يا حليم، يا إله، يا قريب، يا مجيب، يا عزيز، يا نصير، يا قوي، يا شديد، يا سريع، يا خبير.
وفي آل عمران: يا وهَّاب، يا قائم، يا صادق، يا باعث، يا منعم، يا متفضل.
وفي النساء: يا رقيب، يا حسيب، يا شهيد، يا مقيت، يا وكيل، يا علي، يا كبير.
وفي الأنعام: يا فاطر، يا قاهر، يا لطيف، يا برهان.
وفي الأعراف: يا محيي، يا مميت.
وفي الأنفال: يا نعم المولى، يا نعم النصير.
وفي هود: يا حفيظ، يا مجيد، يا ودود، يا فعال لما يريد.
وفي الرعد: يا كبير، يا متعال.
وفي إبراهيم: يا منَّان، يا وارث.
وفي الحجر: يا خلاق.
وفي مريم: يا فرد.
وفي طه: يا غفّار.
وفي قد أفلح: يا كريم.
وفي النور: يا حق، يا مبين.
وفي الفرقان: يا هادي.
وفي سبأ: يا فتَّاح.
وفي الزمر: يا عالم.
وفي غافر: يا غافر، يا قابل التوبة، يا ذا الطول، يا رفيع.
وفي الذاريات: يا رزاق، يا ذا القوة، يا متين.
وفي الطور: يا بر.
وفي اقتربت: يا مليك، يا مقتدر.
وفي الرحمن: يا ذا الجلال والإِكرام، يا رب المشرقين، يا رب المغربين، يا باقي، يا مهيمن.
وفي الحديد: يا أول، يا آخر، يا ظاهر، يا باطن.
وفي الحشر: يا ملك، يا قدوس، يا سلام، يا مؤمن، يا مهيمن، يا عزيز، يا جبار، يا متكبر، يا خالق، يا بارئ، يا مصوّر.
وفي البروج: يا مبدئ، يا معيد.
وفي الفجر: يا وتر.
وفي الإِخلاص: يا أحد، يا صمد.
وأخرج البيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصابه هم أو حزن فليقل: اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي في يدك، ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور بصري، وذهاب همي، وجلاء حزني، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما قالهن مهموم قط إلا أذهب الله همه وأبدله بهمه فرجاً.
قالوا: يا رسول الله أفلا نتعلم هذه الكلمات؟
قال: بلى، فتعلموهن وعلموهن» .
وأخرج البيهقي عن عائشة.
أنها قالت: يا رسول الله علمني اسم الله الذي إذا دعى به أجاب.
قال لها «قومي فتوضئي وادخلي المسجد فصلي ركعتين، ثم ادعي حتى أسمع.
ففعلت، فلما جلست للدعاء قال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم وفقها.
فقالت: اللهم إني أسألك بجميع أسمائك الحسنى كلها ما علمنا منها وما لم نعلم، وأسألك باسمك العظيم الأعظم الكبير الأكبر الذي من دعاك به أجبته، ومن سألك به أعطيته.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: أصبته أصبته» .
قوله تعالى: ﴿ وذروا الذين يلحدون في أسمائه ﴾ .
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الإِلحاد التكذيب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وذروا الذين يلحدون في أسمائه ﴾ قال: اشتقوا العزى من العزيز، واشتقوا اللات من الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في الآية قال: الإِلحاد المضاهاة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش أنه قرأ ﴿ يلحدون ﴾ بنصب الياء والحاء من اللحد، وقال تفسيرها يدخلون فيها ما ليس منها.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وذروا الذين يلحدون في أسمائه ﴾ قال: يشركون.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ يلحدون في أسمائه ﴾ قال: يكذبون في أسمائه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ .
قال المفسرون: (هي ما ذكره أبو هريرة عن النبي قال: "إن لله تبارك وتعالى تسعة وتسعين اسمًا مائة غير واحدة" (١) (٢) (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ ؛ دعاؤه بها تعظيمه بذكرها؛ كقولك: يا قدير يا عليم يا كريم، قال أبو إسحاق (٥) وقال غيره: (في هذه الآية دليل على أن من أفضل الدعاء أن تدعوا الله بالأسماء الحسنى كما ذكر الله وأمر به) (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ﴾ .
وقرأ (٧) ﴿ يُلْحِدُونَ ﴾ ، ووافقه عاصم (٨) (٩) قال أهل اللغة (١٠) (١١) (١٢) ﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ ﴾ .
والإلحاد أكثر في كلامهم لقولهم: ملحد، ولا تكاد تسمع (١٣) (١٤) قال ابن عباس ومجاهد (١٥) ﴿ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ﴾ هم المشركون، عدلوا بأسماء الله عما هي عليه فسموا بها أوثانهم، وزادوا فيها ونقصوا منها، واشتقوا اللات من الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان).
وقال أهل المعاني: (الذين يلحدون في أسماء الله الذين (١٦) (١٧) يدل على صحة هذا ما روى عن ابن عباس أنه قال: ( ﴿ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ﴾ أي: يكذبون) (١٨) وقال زيد بن أسلم: (يميلون عن الحق) (١٩) (٢٠) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ أي: جزاء ما كانوا يعملون في الآخرة (٢٢) (١) أخرج البخاري في "صحيحه" رقم (2736) كتاب الشروط، باب: ما يجوز من الاشتراط والثُّنْيَا في الإقْرار، ورقم (7392) كتاب الدعوات، باب: لله مائة اسم غير واحدة، ورقم (6410) كتاب التوحيد، باب: لله عز وجل مائة اسم غير واحد، ومسلم رقم (2677) كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها، عن أبي هريرة - - أن رسول الله قال: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة" وفي رواية لمسلم: "من حفظها".
(٢) الحديث الذي فيه ذكر الأسماء، أخرجه ابن ماجه كتاب الدعاء رقم (3860) ، والترمذي رقم (3507) كتاب الدعوات عن رسول الله، والحاكم في "المستدرك" 1/ 16 - 17، والبيهقي في "سننه" 10/ 27، وفي "الأسماء والصفات" ص 15 - 19، عن أبي هريرة عن النبي قال: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة" ثم سرد الأسماء وفيها اختلاف وزيادة ونقص، وقال == الترمذي: (هذا حديث غريب، وذكر الأسماء ليس له إسناده صحيح) اهـ.
وقال شيخ الإسلام في "الفتاوى" 6/ 379 - 382، و8/ 96 - 97، و22/ 482: (إسناده ضعيف وتعيينها ليس من كلام النبي باتفاق أهل المعرفة بالحديث ولم يرد في تعيينها حديث صحيح عن النبي ) اهـ.
وقال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 298: (الذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه) اهـ.
وانظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 802 - 816، و"فتح الباري" 11/ 214 - 229، و"تلخيص الحبير" 4/ 172 - 174، و"الدر المنثور" 3/ 269 - 270.
(٣) أسماء الله سبحانه وتعالى توقيفية لا مجال للعقل فيها فلا يجوز تسميته بما لم يرد به السمع بل يجب الوقوف فيها على ما جاء في الكتاب والسنة؛ لأن ذلك من الأمور الغيبية، ولأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تعالى من الأسماء ولأن تسميته بما لم يسم به نفسه أو إنكار ما سمى به نفسه جناية في حقه تعالى فوجب سلوك الأدب في ذلك والاقتصار على ما جاء به النص، أفاده الشيخ: محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى- في "القواعد المثلى" ص 13، وانظر: "شرح أسماء الله الحسنى" للرازي ص 36.
(٤) قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين في "القواعد المثلى" ص 13 - 14: (أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد معين وما استأثر الله تعالى به في علم الغيب لا يمكن لأحد حصره ولا الإحاطة به والحديث لا يدل على حصر الأسماء بهذا العدد ولو كان المراد الحصر لكانت العبارة: إن أسماء الله تسعة وتسعون اسمًا من أحصاها دخل الجنة أو نحو ذلك، فمعنى الحديث أن هذا العدد من شأنه أن من أحصاها دخل الجنة وعلى هذا فيكون قوله: "من أحصاها دخل الجنة" جملة مكملة لما قبلها وليست مستقلة ونظير هذا أن تقول: عندي مدّة درهم أعددتها للصدقة، فإنه لا يمنع أن يكون عندك دراهم أخرى لم تعدها للصدفة) اهـ.
وقال النووي في "شرح مسلم" 17/ 7 - 8: (اتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه سبحانه وتعالى فليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين وإنما == مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصرها) اهـ.
وانظر: "الأسماء والصفات" ص 27، و"الفتاوى" لشيخ الإسلام 6/ 381، و"فتح الباري" 11/ 214.
(٥) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 392، وفيه بعض الاختلاف ونحوه قال النحاس في "معانيه" 3/ 108.
(٦) انظر: "بدائع التفسير" لابن القيم 2/ 316.
(٧) قرأ حمزة: ﴿ يُلْحِدُونَ ﴾ هنا، وفي النحل: ﴿ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ ﴾ ، وفي فصلت: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ ﴾ بفتح الياء والحاء في الثلاثة، ووافقه الكسائي في النحل، وقرأ الباقون جميع ذلك بضم الياء وكسر الحاء، انظر: "السبعة" ص 298، و"المبسوط" ص 186، و"التذكرة" 2/ 429، و"التيسير" ص 114، و"النشر" 2/ 273.
(٨) كذا في النسخ وعند الرازي 15/ 71، وهو وهم أو تحريف من الناسخ، فعاصم يقرأ بضم الياء وكسر الحاء في الثلاثة المواضع كما سبق، وانظر: سورة النحل في "السبعة" ص 375، و"المبسوط" ص 226، و"التذكرة" 2/ 464.
(٩) ذكره الرازي 15/ 71، ولم أقف عليه في "معانيه" وفي "تهذيب الأزهري" 4/ 3243 == (لحد) "معاني القراءات" 1/ 430، قال الفراء: (يقرأ ﴿ يُلْحِدُونَ ﴾ -بالفتح- أي: يميلون إليه وبالضم أي يعترضون) اهـ.
بتصرف.
وانظر: كتاب "الأفعال" للسرقسطي 2/ 411.
(١٠) لفظ: "اللغة" غير واضح في (ب).
(١١) هذا قول الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3242.
وانظر: "العين" 3/ 182، و"الجمهرة" 1/ 505، و"الصحاح" 2/ 534، و"مقاييس اللغة" 5/ 236، و"المجمل" 3/ 803، و"المفردات" ص 737، و"اللسان" 7/ 4005 (لحد).
وقال ابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 143 - 144: (الملحد في كلام العرب: الجائر عن الحق ويقال: قد لحدت الرجل إذا أدخلته اللحد وألحدته إذا صنعت له لحدًا، ويقال: قد ألحد الرجل ولحد: إذا جار، وفرق الكسائي بينهما فقال: ألحد: جار، ولحد: ركن) اهـ.
(١٢) هذا قول أبي علي في "الحجة" 4/ 108، ونحوه ذكر اليزيدي في "غريب القرآن" ص 153.
وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 233، و"تفسير غريب القرآن" ص 183، و"نزهة القلوب" ص 509، و"تفسير المشكل" ص 88.
(١٣) ذكره السمين في "الدر" 5/ 523، عن الواحدي وقال: (امتناعهم عن مجيء اسم فاعل الثلاثي يدل على قلته ومن كلامهم لحده اللاحد) اهـ.
(١٤) هذا قول أبي علي الفارسي في "الحجة" 4/ 108، وانظر: "إعراب القراءات" 1/ 215، و"الحجة" لابن خالويه ص 168 ، ولابن زنجلة ص 303، و"الكشف" 1/ 484 وقال الطبري في "تفسيره" 9/ 134: (الصواب أنهما لغتان بمعنى واحد، غير أن قراءة الضم أشهر وأفصح) اهـ.
وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 315، و"إعراب النحاس" 1/ 653، و"معانيه" 3/ 108.
(١٥) أخرج الطبري 9/ 133 - 134 بسند ضعيف عن ابن عباس ومجاهد نحوه، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1623، بسند ضعيف عن ابن عباس نحوه، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 6/ 25 ب، والماوردي 2/ 282، والواحدي في "الوسيط" 2/ 276، والبغوي 3/ 307، والخازن 2/ 319، عن ابن عباس ومجاهد، وقال ابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 143: (قال المفسرون: هو اشتقاقهم اللات من الله والعزى من العزيز) اهـ.
(١٦) لفظ: (الذين) ساقط من (ب).
(١٧) ذكره الثعلبي 6/ 25 ب، والبغوي 3/ 307، والخازن 2/ 319، عن أهل المعاني.
(١٨) أخرجه الطبري 9/ 134، وابن أبي حاتم 5/ 1623 بسند جيد.
(١٩) ذكره الثعلبي 6/ 25 ب.
(٢٠) كذا في النسخ: (ذلك)، والأولى (تلك).
(٢١) قال أهل العلم: (الإلحاد في أسماء الله تعالى أنواع أحدها: أن يسمى الأصنام بها، والثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله، والثالث: وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص، الرابع: تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها وأنها مجرد أعلام فقط وألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معاني، الخامس: تشبيه صفاته بصفات خلقه تعالى الله عما يقول المشبهون علوًا كبيرًا)، أفاده ابن القيم في "بدائع التفسير" 2/ 314، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 653، و"أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 816، والقرطبي 7/ 328.
(٢٢) لفظ: (أي جزاء ما كانوا يعملون) ساقط من (ب).
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَللَّهِ الأسمآء الحسنى ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله تسعة وتسعون اسماً من أحصاها دخل الجنة» وسبب نزول الآية: أن أبا جهل لعنه الله سمع بعض الصحابة يقرأ فيذكر الله مرة، والرحمن أخرى، فقال: يزعم محمد أنّ الإله واحد وها هو يعبد آلهة كثيرة، فنزلت الآية مبينة أن تلك الأسماء الكثيرة هي لمسمى واحد، والحسنى مصدر وصف به أو تأنيث أحسن وحسن أسماء الله هي أنها صفة مدح وتعظيم وتحميد ﴿ فادعوه بِهَا ﴾ أي سموه بأسمائه، وهنا إباحة لإطلاق الأسماء على الله تعالى، فأما ما ورد منها في القرآن أو الحديث، فيجوز إطلاقه على الله إجماعاً وأما ما لم يرد وفيه مدح لا تتعلق به شبهة، فأجاز أبو بكر بن الطيب إطلاقه على الله ومنع ذلك أبو الحسن الأشعري وغيره، ورأوا أن أسماء الله موقوفة على ما ورد في القرآن والحديث، وقد ورد في كتاب الترمذي عدّتها أعني تعيين التسعة والتسعين، واختلف المحدثون هل تلك الأسماء المعدودة فيه مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو موقوفة على أبي هريرة، وإنما الذي ورد في الصحيح كونها تسعة وتسعين من غير تعيين ﴿ وَذَرُواْ الذين يُلْحِدُونَ في أَسْمَآئِهِ ﴾ قيل: معنى ذروا: اتركوهم لا تجاوبوهم ولا تتعرضوا لهم، فالآية على هذا منسوخة بالقتال، وقيل: معنى ذروا الوعيد والتهديد كقوله: ﴿ وَذَرْنِي والمكذبين ﴾ [المزمل: 11] وهو الأظهر لما بعده وإلحادهم في أسماء الله: هو ما قال أبو جهل فنزلت الآية بسببه، وقيل: تسميته الأصنام باسمه كاشتقاقهم اللات من الله، والعزى من العزيز.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ذريتهم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف وابن كثير وعاصم سوى حفص والمفضل.
الباقون: على الجمع ﴿ يقولوا ﴾ بياء الغيبة في الحرفين: أبو عمرو ﴿ يلهث ذلك ﴾ بالإظهار: حفص والأصفهاني عن ورش، والحلواني عن قالون والنقاش عن أبي ربيعة عن قنبل ﴿ يلحدون ﴾ بفتح الياء والحاء: حمزة، الباقون: بضم الياء وكسر الحاء من الإلحاد ﴿ ولقد ذرأنا ﴾ مظهراً: أبو جعفر ونافع وابن كثير غير ورش وعاصم غير الأعشى ﴿ ذرأنا ﴾ بغير همزة: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف.
الباقون: بالهمز.
الوقوف: ﴿ أنفسهم ﴾ ج لأن التقدير وقال ألست بربكم مع اتحاد الكلام.
بربكم ط فصلاً بين السؤال والجواب.
﴿ بلى ﴾ ج لأن ﴿ شهدنا ﴾ يصلح أن يكون من قولهم فيوقف على ﴿ شهدنا ﴾ ويعلق أن بمحذوف أي فعلنا ذلك لئلا تقولوا، ويصلح أن يكون ﴿ شهدنا ﴾ من قول الملائكة أي قيل للملائكة اشهدوا فقالوا شهدنا فيكون منفصلاً من جملة بلى متصلاً بأن تقولوا.
﴿ غافلين ﴾ ه لا للعطف ﴿ من بعدهم ﴾ ج لابتداء الاستفهام واتحاد القائل.
﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ الغاوين ﴾ ه ﴿ هواه ﴾ ج لأن قوله ﴿ فمثله ﴾ مبتدأ ولدخول الفاء فيه ﴿ كمثل الكلب ﴾ ج لابتداء الشرط من أن الجملة تفسير للمثل ﴿ أو تتركه يلهث ﴾ ط ﴿ بآياتنا ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ المهتدي ﴾ ج للعطف ولأن التفصيل بين الجملتين أبلغ في التنبيه ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ والإنس ﴾ ط والوصل أولى لأن الجملة بعده صفة لـ ﴿ كثيراً ﴾ ، ﴿ لا يفقهون بها ﴾ ج لأن العطف صحيح ولكن الوقف لإمهال فرصة الاعتبار وكذا الثانية ولهذا كرر لفظة ﴿ لهم ﴾ في أول كل جملة ﴿ لا يسمعون بها ﴾ ط ﴿ أضل ﴾ ط ﴿ الغافلون ﴾ ه ﴿ فادعوه بها ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ في أسمائه ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ يعدلون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ وج وعطف ﴿ وأملي ﴾ على ﴿ سنستدرجهم ﴾ احسن من جعله مستأنفاً فيوقف على ﴿ أملي ﴾ ، ﴿ لهم ﴾ ، ﴿ متين ﴾ ه.
التفسير: لما شرح قصة موسى على أقصى الوجوه ذكر ما يجري مجرى تقرير الحجة على جميع المكلفين.
وفي الآية للمفسرين قولان: أحدهما ما روى مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب قال: سئل عنها رسول الله فقال : "إن الله تبارك خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية قال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون.
قال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟
فقال رسول الله : إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت في عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار" وهذا القول ذهب إليه كثير من قدماء المفسرين كسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والضحاك وعكرمة والكلبي وابن عباس.
وأما المعتزلة وأصحاب النظر والمعقولات فإنهم فسروا الآية بأنه أخرج الذرية وهم الأولاد من أصلاب آبائهم، وذلك الإخراج أنهم كانوا نطفة فأخرجها الله إلى أرحام الأمهات وجعلها علقة ثم مضغة ثم جعلهم بشراً سوياً وخلقاً كاملاً، ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب في عقولهم من دلائل وحدانيته وعجائب خلقته وغرائب صنعته وكأنه قررهم وقال ﴿ ألست بربكم ﴾ وكأنهم ﴿ قالوا بلى ﴾ أنت ربنا ﴿ شهدنا على أنفسنا ﴾ وأقررنا بوحدانيتك.
وباب التمثيل باب واسع في كلام الله ورسوله وفي كلام العرب نظيره ﴿ فقال له وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين ﴾ وقال الشاعر.
امتلأ الحوض وقال قطني *** وهذا القول الثاني غير منافٍ للقول الأول ولا هو مطعون في نفسه إنما الكلام في صحة القول الأول.
والمنكرون طعنوا فيه بوجوه: منها أن قوله ﴿ من ظهورهم ﴾ بدل ﴿ من بني آدم ﴾ بدل البعض من الكل.
فالمعنى وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم.
وعلى هذا فلم يذكر الله أنه أخذ من ظهر بني آدم شيئاً.
ويمكن أن يجاب بأنه يعلم أن الشخص الفلاني يتولد من آدم ومن فلان فلان آخر فعلى الترتيب الذي علم دخولهم في الوجود يخرجهم ويميز بعضهم من بعض فثبت إخراج الذرية من ظهور بني آدم بالقرآن، وثبت إخراج الذرية من ظهر آدم بالخير، فوجب المصير إليهما معاً صوناً للآية والخبر عن الطعن.
ومنها أن أولئك الذر إن لم يكونوا عقلاء لم يمكن أخذ الميثاق منهم وإن كانوا عقلاء وجب أن يتذكروا تلك الحالة في هذا الوقت، وبهذا الدليل بعينه يبطل التناسخ.
ويحتمل أن يجاب بالفرق وذلك أنا إذا كنا في أبدان أخرى وبقينا فيها سنين ودهوراً امتنع في مجرى العادة نسيانها، وأما أخذ هذا الميثاق فإنما حصل في أسرع زمان فلم يبعد حصور النسيان فيه.
ومنها أن جميع الخلق من أولاد آدم جمع عظيم وجم غفير، وصلب آدم على صغره لن يتسع لذلك المجموع على أن البنية شرط لحصول الحياة والعقل والفهم فكل واحدة من أولئك الذر لها بنية وإن كانت صغيرة والمجموع يبلغ مبلغاً عظيماً في الحجمية والمقدار، وأجيب بأن البنية عندنا ليست شرطاً في الحياة والعقل.
فمن الجائز أن يكون كل من الذر جوهراً فرداً.
ومنها أن فائدة أخذ الميثاق أن يكون حجة عليهم في ذلك الوقت أو في الدنيا، والإجماع منعقد على أنهم بسبب ذلك لا التكليف على الطفل فكيف يتوجه على الذر؟
وأجيب بأنه لا يسأل عما يفعل.
وإن المعتزلة إذا أرادوا تصحيح القول بوزن الأعمال وإنطاق الجوارح قالوا لا يبعد أن يكون لبعض المكلفين في إسماع هذه الأشياء نطق فكذا ههنا، ولا يبعد أن يكون لبعض الملائكة في تمييز السعداء من الأشقياء في وقت أخذ الميثاق نطق.
وقيل: إن الله يذكرهم ذلك الميثاق يوم القيامة.
ومنها أنه قال ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 12\] وقال ﴿ فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق ﴾ وكون أولئك الذر أناساً ينافي كون الإنسان مخلوقاً من الماء والطين.
والجواب لا يجوز أن يخرج الله من صلب آدم ذرة من الماء ثم منها ذرة أخرى وهلم جراً إلى آخر نسلها ثم يعدم الكل أو يميتها فتحصل الحياة للإنسان أربع مرات: أولها؟
وقت الميثاق، وثانيها: في الدنيا، وثالثا: في القبر، ورابعها في القيامة، ويحصل له الموت ثلاث مرات بين كل حياتين واحد.
ولا ينافي هذا حكاية قول الكفرة ﴿ ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ﴾ لأنهم قالوا ذلك بناء على حسب ظنونهم.
أما قوله ﴿ أن تقولوا ﴾ فالتقدير: وأشهدهم على أنفسهم بكذا لئلا يقولوا أو كراهة أن يقولوا ﴿ يوم القيامة أنا كنا عن هذا ﴾ المشهود له ﴿ غافلين ﴾ من قرأ بياء الغيبة فلأن الكلام على الغيبة وهو قوله ﴿ من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ﴾ لئلا يقولوا.
ومن قرأ على الخطاب فلأنه قد جرى في الكلام خطاب وهو قوله ﴿ ألست بربكم ﴾ وكلا الوجهين حسن لأن الغائبين هم المخاطبون في المعنى.
﴿ أو يقولوا ﴾ يعني الكفار إنما أشركنا لأن آباءنا أشركوا فقلدناهم في ذلك الشرك فكان الذنب لأسلافنا فكيف تعذبنا على هذا الشرك وهو معنى قوله ﴿ أفتهلكنا بما فعل المبطلون ﴾ والحاصل أن الله لما أخذ عليهم الميثاق امتنع منهم التمسك بهذا العذر.
وعند المعتزلة معناه أشهدنا عليهم كراهة أن يقولوا إنما أشركنا على سبيل التقليد لأسلافنا لأن نصب الأدلة على التوحيد قائم فلا عذر معهم في الإعراض عنه والإقبال على التقليد والاقتداء بالآباء.
وقال في الكشاف: المراد ببني آدم أسلاف اليهود الذين أشركوا بالله، وبذرياتهم الذين كانوا في عهد رسول الله من أخلافهم المقتدين بآبائهم لأن الآيات السابقة في شأن اليهود.
وكذلك قوله ﴿ واتل عليهم ﴾ أي على اليهود ﴿ نبأ الذي آتيناه آياتنا ﴾ أما قوله ﴿ وكذلك ﴾ أي ومثل ذلك التفصيل البليغ ﴿ نفصل الآيات ﴾ لهم ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ وإرادة أن يرجعوا إلى الحق ويعرضوا عن الباطل نفصلها أو يرجعوا إلى ما أخذ الله عليهم من الميثاق في التوحيد.
ولبعض العلماء في الآية قول ثالث وهو أن الأرواح البشرية موجودة قبل الأبدان والإقرار بوجود الإله من لوازم ذواتها وحقائقها، وهذا العلم ليس مما يحتاج في تحصيله إلى كسب وطلب وهو المراد بأخذ الميثاق عليهم، لكنها بعد التعلق بالأبدان يشغلها التعلق عن معلومها فربما تتذكر بالتذكير والتنبيه وربما لا تتذكر ﴿ واتل عليهم ﴾ على بني آدم أو اليهود خاصة.
وقال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد: نزلت في بلعم بن باعوراء؛ وذلك أن موسى قصد بلده الذي هو فيه وغزا أهله وكانوا كفاراً فطلبوا أن يدعو على موسى وقومه.
وكان مجاب الدعوة وعنده اسم الله الأعظم.
فامتنع منه فما زالوا يطلبونه منه حتى دعا عليهم فاستجيب له ووقع موسى وبنو إسرائيل بدعائه في التيه.
فقال موسى: يا رب بأيّ ذنب وقعنا في التيه؟
فقال: بدعاء بلعم.
فقال: كما سمعت دعاءه عليّ فاسمع دعائي عليه.
ثم دعا موسى أن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان فسلخه الله مما كان عليه ونزع عنه المعرفة فخرجت من صدره كحمامة بيضاء فهذه قصته.
ويقال أيضاً أنه كان نبياً من أنبياء الله فلما دعا عليه موسى انتزع الله منه الإيمان فكان كافراً وهذا بعيد لأنه قال ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالاته ﴾ وفيه أنه لا يشرف عبداً من عبيده بالرسالة إلا إذا علم امتيازه عن سائر عبيده بمزيد الشرف والفضل، ومن كان هذا حاله فكيف يليق به الكفر؟
وقال عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وأبو روق: نزلت في أمية بن أبي الصلت وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله تعالى يرسل رسولاً في ذلك الوقت فرجا أن يكون هو فلما أرسل الله محمد صلى الله عليه وآله حسده ثم مات كافراً ولم يؤمن بالنبي وهو الذي قال فيه النبي : "لقد كاد يسلم" .
وذلك أنه يوحد الله في شعره وذكر دلائل توحيده من خلق السماء والأرض وأحوال الآخرة والجنة والنار.
وقيل: نزلت في أبي عامر الراهب الذي سماه النبي بالفاسق وكان يتزهد في الجاهلية، فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام وأمر المنافقين باتخاذ مسجد الضرار وأتى قيصر واستنجده على النبي صلى الله عليه وآله فمات هناك طريداً وحيداً وهو قول سعيد بن المسيب.
وقيل: نزلت في منافقي أهل الكتاب وكانوا يعرفون أن النبي نبي الحق عن الحسن والأصم.
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: هو رجل أعطى ثلاث دعوات يستجاب له فيها، وكانت له امرأة يقال لها البسوس وكان له منها ولد وكان يحبها فقالت: اجعل لي منها دعوة.
قال: لك منها واحدة فماذا تأمرين؟
قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل.
فلما علمت أن ليس فيهم مثلها رغبت عنه وأرادت شيئاً آخر فدعا الله عليها أن يجعلها كلبة نباحة فذهب فيها دعوتان، وجاء بنوها فقالوا: ليس لنا على هذا إقرار قد صارت أمُّنا كلبة نباحة يعيرنا بها الناس فادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليها، فدعا الله فعادت كما كانت وذهبت الدعوات الثلاث وبها يضرب المثل فيقال: "أشأم من البسوس".
وقيل: هو عام فيمن عرض عليه الهدى فأعرض عنه وهو قول قتادة وعكرمة وأبي مسلم.
ومعنى قوله ﴿ آتيناه آياتنا ﴾ عند الأكثرين علمناه حجج التوحيد وفهمناه أدلته حتى صار عارفاً بها ﴿ فانسلخ منها ﴾ فخرج من محبة الله إلى معصيته ومن رحمته إلى سخطه.
يقال لكل من فارق شيئاً بالكلية إنه انسلخ منه.
وقال أبو مسلم ﴿ آتيناه آياتنا فانسلخ منها ﴾ أي بيناها فلم يقبل وعري منها وتباعد كما هو شأن كل كافر لم يؤمن بالأدلة وأقام على الكفر.
والقول الأول أولى لأن الانسلاخ يدل على أن الشيء كان موجوداً فيه ثم خرج منه لا على إنه لم يوجد فيه أصلاً.
وأيضاً ثبت بالأخبار أن الآية نزلت في إنسان كان عارفاً بدين الله ثم خرج من المعرفة إلى الكفر والغواية وذلك قوله ﴿ فأتبعه الشيطان ﴾ أي أدركه ولحقه وصار قريناً له، أو أتبعه الشيطان خطواته أو كفار الإنس وغواتهم أي الشيطان جعل كفار الإنس أتباعاً له ﴿ فكان من الغاوين ﴾ في علم الله أو فصار منهم ﴿ ولو شئنا لرفعناه ﴾ إلى منازل الأبرار ﴿ بها ﴾ أي بتلك الآيات ﴿ ولكنه أخلد إلى الأرض ﴾ أصل الإخلاد اللزوم على الدوام فكأنه قيل: لزم الميل إلى الأرض ومنه أخلد فلان بالمكان إذا لزم الإقامة به.
قال ابن عباس: معناه مال إلى الدنيا.
وقاتل مقاتل: رضي بالدنيا.
وقال الزجاج: سكن إلى الدنيا.
وقال الواحدي: فهؤلاء فسروا الأرض بالدنيا لأن ما في الدنيا من الضياع والعقار كلها أرض وسائر أمتعتها من المعادن والنبات والحيوان يستخرج من الأرض وبها يكمل ويقوى، ومعنى قوله ﴿ واتبع هواه ﴾ أنه أعرض عن التمسك بما آتاه من الآيات، ثم إنه لو جاء الكلام على ظاهره لقيل: ولو شئنا لرفعنا بها ولكنا لم نشأ إلا أن قوله ﴿ ولكنه أخلد إلى الأرض ﴾ لما دل على هذا المعنى لا جرم أقيم مقامه.
قالت الأشاعرة: لفظة "لو" تدل على أن الله قد لا يريد الإيمان ويريد الكفر.
وقال الجبائيّ: معناه ولو شئنا لرفعناه بأعماله بأن يحترمه ونزيل التكليف عنه قبل ذلك الكفر حتى تسلم له الرفعة لكنا عرضناه بزيادة التكليف لمنزلة زائدة فأبى أن يستمر على الإيمان، أو المراد لو شئنا لرفعناه بأن نحول بينه وبين الكفر قهراً أو جبراً إلا أن ذلك ينافي التكليف فلا جرم تركناه مع اختياره.
وقال صاحب الكشاف: ومعناه لو لزم العمل بالآيات ولم ينسلخ منها لرفعناه بها، وذلك أن مشيئة الله رفعه تابعة للزومه الآيات فذكرت المشيئة والمراد ما هي تابعة له ومسببة عنه كأنه قيل: ولو لزمها لرفعناه بها ألا ترى إلى قوله ﴿ ولكنه أخلد إلى الأرض ﴾ فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله فوجب أن يكون ﴿ ولو شئنا ﴾ في معنى ما هو فعله.
ثم وضع قوله ﴿ فمثله كمثل الكلب ﴾ موضع فحططناه أبلغ حط لأن تمثيله بالكلب في أخس أحواله وأذلها في هذا المعنى ومحل قوله ﴿ أن تحمل عليه ﴾ النصب على الحل كأنه قيل: كمثل الكلب ذليلاً دائم الذلة لاهثاً في الحالين، ويجوز أن يكون تفسيراً للمثل كما مر.
قال الليث: اللهث هو أن الكلب ونحوه إذا ناله الإعياء عند شدّة العدو وعند شدّة الحر فإنه يدلع لسانه من العطش، وكل شيء يلهث فإنه يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب اللاهث فإنه يلهث في جميع أحواله لا لحاجة وضرورة بل لطبيعته الخسيسة.
فمعنى الآية أن هذا الكلب إن شدّ عليه وهيج لهث، وإن ترك لهث أيضاً لأجل أن ذلك الفعل القبيح طبيعة أصلية له.
عن ابن عباس: الكلب منقطع الفؤاد يلهث إن حمل عليه أو لم يحمل عليه.
قيل: لما دعا بلعم على موسى خرج لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كما يلهث الكلب فيكون هذا وجه التمثيل.
واعلم أن التمثيل ما وقع بجميع الكلاب وإنما وقع بالكلب اللاهث وأخس الحيوانات هو الكلب وأخس الكلاب هو اللاهث، وإن الرجل إذا توسل بعلمه إلى طلب الدنيا فذلك إنما يكون لأجل أن يورد عليهم أنواع علومه ويظهر عندهم فضائل نفسه ومناقبها، ولا شك أنه عند ذكر تلك الكلمات يدلع لسانه ويخرجه لأجل ما تمكن من قلبه من حرارة الحرص وشدة العطش إلى الفوز بالدنيا فكانت حاله شبيهة بحال ذلك الكلب الذي أخرج لسانه أبداً من غير حاجة ولا ضرورة بل لمجرد الطبيعة الجسدية.
وأيضاً هذا الحريص الضال إن وعظته فهو ضال وإن لم تعظه فهو ضال لأجل أن ذلك الضلال والخسار عادة أصيلة وطبيعة ذاتية له كما أن ذلك الكلب إن شدّ عليه لهث وإن ترك لهث.
ثم عمم بالتمثيل جميع المكذبين الضالين فقال ﴿ ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ﴾ وقال ابن عباس: يريد أهل مكة كانوا يتمنون هادياً يهديهم وداعياً يدعوهم إلى طاعة الله، ثم لما جاءهم من لا يشكون في صدقه وديانته كذبوه.
وقيل: هم اليهود قرأوا نعت رسول الله في التوراة وذكر القرآن المعجز وما فيه وبشروا الناس باقتراب مبعثه وكانوا يستفتحون به فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به.
﴿ فاقصص القصص ﴾ يريد قصص المكذبين أو قصص بلعم الذي هو نحو قصص المكذبين ﴿ لعلهم يتفكرون ﴾ فيحذرون مثل عاقبته إذ ساروانحو سيرته.
ثم ذكر تأكيداً آخر في باب التحذير فقال ﴿ ساء مثلاً لقوم ﴾ ولا بد من تقدير مضاف ليناسب التمييز المخصوص بالذم فيصير التقدير: ساء مثلاً القوم، أو ساء أصحاب مثل القوم.
وفي ﴿ ساء ﴾ ضمير مبهم يفسره المنصوب بعده.
وظاهر الآية يقتضي كون المثل مذموماً فقيل: كيف يتصور ذلك مع أن الله ذكره؟
والجواب أن الذم إنما يتوجه إلى ما أفاده المثل من تكذيبهم بآيات الله وإعراضهم عنها حتى صاروا في ذلك بمنزلة الكلب اللاهث.
أما قوله ﴿ وأنفسهم كانوا يظلمون ﴾ فإما أن يكون معطوفاً على كذبوا فيدخل في حيز الصلة بمعنى الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم، وإما أن يكون كلاماً منقطعاً بمعنى وما ظلموا إلا أنفسهم بالتكذيب، وتقديم المفعول للاختصاص كأنه قيل: وخصوا أنفسهم بالظلم لم يتعدها إلى غيرها.
ثم بين أن الهداية والضلال بتقديره فقال ﴿ من يهد الله فهو المهتدي ﴾ وهو محمول على اللفظ من حيث إن "من" مفرد اللفظ ومن حيث إن اهتدى مطاوع هدى ﴿ ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ﴾ محمول على المعنى لأن من معناه ههنا الجمع ولأن الخسار ليس مطاوع والإضلال بل الإضلال.
مطاوع له والخسار لازم اللازم.
ولا يخفى أن ظاهر الآية موافق لمعتقد الأشاعرة أن الهداية والضلال بل جميع الأفعال بخلق الله ، والمعتزلة أولوها بأن المراد من يهد الله إلى الجنة والثواب فهو المهتدي في الدنيا، ومن يضلله عن الجنة والثواب يضلله عن طريق الجنة.
وقال بعضهم: التقدير من يهد الله فقبل هداه فهو المهتدي، ومن يضل بأن لم يقبل فهو الخاسر.
وقيل: من يهده الله بالألطاف وزيادة الهدى فهو المهتدي، ومن يضلله عن ذلك بما تقدم منه بسوء اختياره فأخرج لهذا السبب تلك الألطاف من أن تؤثر فيه فهو الخاسر، وزيف بالعلم والداعي وبأن الأصل عدم الإضمار وبأن كل ما في مقدور الله من الألطاف فقد فعله عند المعتزلة في حق جميع الكفار وبالآية بعدها وهي قوله ﴿ ولقد ذرأنا ﴾ إلى آخره.
وذلك أنه بين أنه خلق كثيراً من الجن والإنس لجهنم وقد علم ذلك في الأزل وخلاف مقدوره ومعلومه محال.
وأيضاً العاقل لا يريد الكفر والجهل.الموجبين لدخول النار، فحصول ذلك على خلاف قصده واجتهاده لا يكون إلا من قبل غيره، ولا يتسلسل بل ينتهي إلى مسبب الأسباب لا محالة.
لا يقال العبد إنما يسعى في تحصيل ذلك الاعتقاد الباطل لأنه اشتبه لأمر عليه وظنه اعتقاداً صحيحاً لأنا نقول على هذا التقدير إنما وقع في هذا الجهل لأجل جهل متقدم، ولا تسلسل بل ينتهي إلى جهل حصل ابتداء فيتوجه الإلزام.
قالت المعتزلة: الآيات الدالة على أنه أراد من العبد الطاعة والعبادة والخير فقط كثيره كقوله ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ وأيضاً أنه قال في معرض الذم ﴿ لهم قلوب لا يفقهون بها ﴾ إلى آخره.
ولو كانوا مخلوقين للنار غير قادرين على الإيمان لم يحسن ذمهم.
وأيضاً لو خلقهم للنار لما كان له نعمة على الكفار أصلاً لأن منافع الدنيا بأسرها لا اعتداد بها في جنب العذاب الدائم لكن القرآن مملوء من أنه تعالى منعم على جميع الخلائق.
وأيضاً مذهبكم يوجب أن لا يكون للمدح والذم والثواب والعقاب والترغيب والترهيب فائدة، ولو خلقهم للنار لوجب أن يخلقهم في النار ابتداء لأنه لا فائدة في أن يستدرجهم إلى النار بخلق الكفر فيهم.
وأيضاً الآية متروكة الظاهر لأن لام الاختصاص لا تفيد فيها إلا إذا قدر "ولقد ذرأناهم" لكي يكفروا فيصيروا إلى جهنم فيجب بناؤها على قوله ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ لأن ظاهره يصح من غير حذف.
وعلى هذا أوجب أن تؤول الآية بأن اللام فيها لام العاقبة كقوله ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّاً ﴾ أو يقال إنه جعلهم لإغراقهم في الكفر وشدّة شكائمهم فيه كأنهم مخلوقون للنار كقولهم ما خلق فلان إلا لكذا إذا كان غريقاً في بعض الأمور.
وأجيب إجمالاً بأنه لا يسأل عما يفعل، وتفصيلاً بأن النعمة وإن قلت فهي في نفسها نعمة، وبأن الوسائط معتبرة، وبأن حمل اللام على العاقبة تجوّز لا يصار إليه إلا لضرورة تصحيح المعنى، وههنا لا ضرورة فقد تعاضدت الدلائل العقلية كالعلم والداعي والنقلية كآيات كثيرة على أن الكل من الله فوجب المصير إلى طرف الجبر ولا سيما فإن ما قبل هذه الآية وهو قوله ﴿ من يهد الله فهو المهتدي ﴾ وما بعدها وهو قوله ﴿ والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم ﴾ يدل على ما قلنا.
وأيضاً لا ريب أن أولئك الكفار كانت لهم قلوب يفقهون بها مصالح الدنيا، وكذا أعين مبصرة وآذان سامعة، فالمراد أنهم كانوا يفقهون ويبصرون ويسمعون ما يرجع إلى مصالح الدين.
ثم إنه كلفهم تحصيل الدين مع عدم القابلية كيف وإن الكفار بلغوا في عداوة الرسول وفي شدة النفرة عن قبول دينه مبلغاً لا يكتنه كنهه.
والعلم الضروري حاصل بأن حصول الحب والبغض في القلب ليس باختيار الإنسان بل هو حالة حاصلة في القلب كره الإنسان أو أراد، حينئذ يثبت القول بالجبر.
وروى الشيخ أحمد البيهقي في كتاب مناقب الشافعي أن عليّ بن أبي طالب خط الناس فقال: وأعجب ما في الإنسان قلبه فيه مواد من الحكمة وأضدادها، فإن سنح له الرجاء أولهه الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن سعد بالرضا شقي بالسخط، وإن ناله الخوف شغله الحزن، وإن أصابته المصيبة قتله الجزع، وإن وجد مالاً أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة شغله البلاء، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف، فكل تقصير به مضر، وكل إفراط له مفسد.
وهذا الفصل كالمطلع على سر مسألة القضاء والقدر لأن أعمال الجوارح مربوطة بأحوال القلوب، وكل حالة من أحوال القلب فإنها مستندة إلى حالة أخرى حصلت قبلها.
وإذا وقف الإنسان على هذه الحالة علم أنه لا خلاص من الاعتراف بالجبر.
وذكر الإمام الغزالي في الإحياء فصلاً ثم قال: فإن قلت أني أجد من نفسي أني إن شئت الفعل فعلت وإن شئت الترك تركت فيكون فعلي حاصلاً بي لا بغيري.
أجبنا وقلنا: هب أنك وجدت من نفسك ذلك إلا أنا نقول: وهل تجد من نفسك أنك إن شئت أن تشاء شيئاً شئت، وإن شئت أن لا تشاءه لم تشأ، ما أظنك تقول ذلك وإلا لذهب الأمر فيه إلى ما لا نهاية له، فلا مشيئتك بك ولا حصول فعلك بعد حصول مشيئتك بك وإنما أنت مضطر في صورة مختار.
والله أعلم.
قال بعض العلماء أنه نفى الفقه والفهم عن قلوبهم في معرض الذم، وفيه دليل على أن محل الفقه هو القلب.
وأقول: ليس المراد بالقلب ههنا اللحم الصنوبري بل اللطيفة الربانية التي بها يكون الإنسان إنساناً وقد يعبر عنها بالنفس الناطقة وبالروح.
أما قوله ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل ﴾ فتقريره أن الإنسان يشاركه سائر الحيوان في القوى الطبعية الغاذية والنامية والمولدة، وفي منافع الحواس الخمس الظاهرة، وفي أحوال التخيل والتفكر.
وإنما يحصل الامتياز بالقوة العقلية والفكرية التي تهديه إلى معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به فإذا لم تحصل هذه الغاية للإنسان صار في درجة الأنعام بل أضل وأدون لأن الذي أعرض عن اكتساب الفضائل مع القدرة على تحصيلها من حيث النوع كان أخس حالاً ممن لم يكتسبها مع العجز عنها.
وقيل: وجه الأضلية أن الأنعام مطيعة لله والكافر غير مطيع.
وقال مقاتل: الأنعام تعرف ربها وتبصر منافعها ومضارها فتسعى في تحصيلها ودفعها، وهؤلاء الكفار أكثرهم معاندون مصرون وقيل: إنها تفر أبداً إلى أربابها ومن يقوم بمصالحها، والكافر يهرب عن ربه إلى الأصنام.
وقيل: إنها لا تضل إذا كان معها مرشد والكافر يضل بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب ﴿ أولئك هم الغافلون ﴾ الكاملون في الغفلة.
وقال عطاء: إنهم الغافلون عما أعد الله لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب.
ثم نبه بقوله ﴿ ولله الأسماء الحسنى ﴾ على أن الموجب لدخول جهنم هو الغفلة عن ذكره ، والمخلص من عذاب جهنم هو ذكره، وكل من له ذوق وجد من نفسه أن الأمر كذلك فإن القلب إذا غفل عن الذكر وأقبل على الدنيا وقع في نار الحرص وزمهرير الحرمان ولا يزال ينتقل من رغبة إلى رغبة ومن طلب إلى طلب ومن ظلمة إلى ظلمة فإذا فتح على قلبه الذكر خلص من نيران الآفات وخسران الحسرات إلى معرفة رب الأرض والسموات.
وهذا اللفظ مذكور في ثلاثة مواضع أخر: في آخر بني إسرائيل وفي أوّل طه وفي آخر الحشر.
ومعنى حسن الأسماء حسن معانيها ومفهوماتها لأنها أسماء دالة على معاني الكمال ونعوت الجلا وهي محصورة في نوعين: عدم افتقاره إلى غيره وثبوت افتقار غيره إليه.
وقد عرفت في تفسير البسملة أن أسماء الله لا تكاد تنحصر بحسب السلوب والإضافات، فكل من كان وقوفه على أسرار حكمه في مخلوقاته أكثر كان علمه بأسماء الله الحسنى أكثر.
والآن نقول: إن من تقسيمات أسماء الله ما يقوله المتكلمون من أن صفات الله أنواع ما يجب وما يجوز وما يستحيل عليه .
ومنها أن يقال إن أسماء الله إما أن يجوز إطلاقها على غيره كالرحيم والكريم وإن كان معناها في حق الله مغايراً لمعناها في حق غيره، وإما أن لا يجوز نحو "الله" و "الرحمن".
وقد يقيد القسم الأوّل بقيود مثل "يا أرحم الراحمين" و "يا أكرم الأكرمين" و "يا خالق السموات والأرضين".
ومنها أن يقال من الأسماء ما يمكن ذكره وحده كقولنا "يا الله يا رحمن يا حي يا حكيم".
ومنها ما لا يكون كذلك كقولنا "مميت" و "ضارّ" فإنه لا يجوز إفراده بالذكر بل يجب أن يقال "يا محيي يا مميت يا ضار يا نافع".
ومنها أن يقال أوّل ما يعلم من صفات الله كونه محدثاً للأشياء مرجحاً لوجودها على عدمها، وذلك إنما يعلم بواسطة الاستدلال بوجود الممكنات عليه، وذلك المرجح إما أن يرجح على سبيل الوجوب أو على سبيل الصحة، والأوّل باطل وإلا لزم دوام العالم بدوامه، والثاني هو المعنيّ بكونه قادراً.
ثم إنا بعد هذا نستدل بكون أفعاله محكمة متقنة على كونه عالماً ثم نقول: إن القادر العالم يمتنع أن لا يكون حياً فظهر أن العلم بصفاته وبأسمائه ليس واقعاً في درجة واحدة بل العلم بها علوم مترتبة يستفاد بعضها من بعض، ومن البين أن الأسماء الحسنى لا تكون إلا لله لأن كل الشرف والجلالة يستلزم وجوب الوجود، وكل نقص وخساسة فإنه يعقب الإمكان وكل اسم لا يفيد في المسمى صفة كمال وجلال فإنه لا يجوز إطلاقه على الله .
ومن هنا اختلف في أنه هل يطلق عليه اسم الشيء أم لا؟
وقد مر تحقيق ذلك في تفسير البسملة وفي الأنعام في قوله ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله ﴾ أما قوله ﴿ فادعوه بها ﴾ ففيه دليل على أن الإنسان لا يجوز أن يدعو ربه إلا بتلك الأسماء الحسنى بعد أن عرف معانيها ويكون مستحضراً الأمرين: عزة الربوبية وذلة العبودية، كما أنه في قوله عند التحريم "الله أكبر" يشير إلى أنه لا نسبة لكبريائه وعظمته إلى ما سواه من الروحانيات والجسمانيات والعلويات والسفليات وإنما هو أكبر من هذه الأشياء وأكبر من أن يقال له أكبر من هذه الأشياء ﴿ وذروا الذين يلحدون في أسمائه ﴾ قال ابن السكيت: الملحد العادل عن الحق والمدخل فيه ما ليس منه.
يقال قد ألحد في الدين ولحد.
وقال غيره من أهل اللغة: الإلحاد العدول عن الاستقامة والانحراف عنها ومنه للحد الذي يحفر إلى جانب القبر.
قال الواحدي: الأجود قراءة العامة ولا يكاد يسمع من العرب لأحد بمعنى ملحد.
والإلحاد في أسماء الله يقع على ثلاثة أوجه: الاوّل: إطلاق أسمائه المقدسة على الأصنام كاشتقاقهم اللات من الله والعزى من العزيز، ومناة من المنان، وكان مسيلمة الكذاب يسمى نفسه الرحمن.
والثاني أن يسموه بما لا يجوز عليه كما سمع عن البدو وإن قالوا بجهلهم "يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه، يا نخّي" بناء على أن النخوة مدح.
الثالث: أن يأبوا تسميته ببعض أسمائه الحسنى كالرحمن مثلاً.
قال بعض العلماء: إن ورود الإذن في بعض الأسماء لا يجوز إطلاق سائر الألفاظ المشتقة منه عليه، فلا يجوز أن يقال "يا معلم" وإن ورد ﴿ وعلم آدم الأسماء ﴾ وكذا في حق الأنبياء لا يجوز أن يقال إن آدم عاصٍ أو غاوٍ وإن ورد ﴿ وعصى آدم ربه فغوى ﴾ ثم أوعد الملحدين في أسمائه بقوله ﴿ سيجزون ما كانوا يعملون ﴾ ثم لما أخبر أن كثيراً من الثقلين مخلوقون لنار حكى أن بعضاً منهم مخلوقون للجنة فقال ﴿ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق ﴾ وقد مر مثل هذه الآية في قصة موسى فعن قتادة وابن جريج وابن عباس أن المراد في الآية أمة محمد صلى الله عليه وآله.
وروى الربيع أن النبي كان يقول: "إذ قرأها هذه لكم وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها" .
وعن الربيع بن أنس أن النبي قرأ هذه الآية فقال: "إن من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى" .
وعن الكلبي: هم الذين آمنوا من أهل الكتاب.
وقال الجبائي: هم العلماء والدعاة إلى الدين في كل حين ثم أعاد ذكر المكذبين وما عليهم من الوعيد فقال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ﴾ قال ابن عباس: يري أهل مكة والظاهر أنه عام.
والاستدراج استفعال من الدرجة ومنه درج الصبي إذا قارب بين خطاه، وأدرج الكتاب إذا طواه شيئاً بعد شيء.
ومعنى الآية سنقربهم إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم ﴿ من حيث لا يعلمون ﴾ ما يراد بهم.
وذلك أنهم كلما أقدموا على ذنب فتح الله عليهم باباً من أبواب الخير فيزدادون بطراً وانهماكاً في الغي والفساد، ثم يأخذهم أغفل ما يكونون ﴿ وأملي لهم ﴾ أطيل لهم مدة عمرهم ﴿ إن كيدي متين ﴾ عن ابن عباس: يريد أن مكري شديد والمتين من كل شيء هو القوي.
يقال متن متانة.
واحتجت الأشاعرة بألفاظ الاستدراج والإملاء والكيد في مسألة القضاء والقدر حتى قال بعض المجبرة: المراد سنستدرجهم إلى الكفر مع أنه فاسد لأن جزاء الكفر لا يكون كفراً آخر.
وحملها المعتزلة على أن المراد سنستدرجهم إلى العقوبات إما في الدنيا وفي الآخرة، وزيف بأن هذا الاستدراج والإمهال مما يزيد الكافر به كفراً وعتواً واستحقاقاً للعقاب، فلو أراد به الخير لأماته قبل أن يصير مستوجباً لتلك الزيادات من العقوبة بل كان يجب في حكمته ورعايته للأصلح أن لا يخلقه ابتداء، أو يميته قبل التكليف لما خلقه وألقاه في ورطة التكليف وأمهله ومكنه من المعاصي مع علمه بأن كل ذلك لا يفيده إلا مزيد استحقاق العقاب علمنا أنه ما خلقه إلا للنار كما قال ﴿ لقد ذرأنا لجهنم ﴾ الآية.
التأويل: ﴿ وإذا أخذ ربك ﴾ لم يقل "ربكم" ليعلم أن في الآية غموضاً لا يطلع عليه غيره وغير من أنعم الله به عليه من خواص متابعيه ، وأنه لم يكلم أحداً وهو يجيبه في العدم إلا بني آدم كلمهم وهم غير موجودين وأجابوه وهم معدومون فجرى بالجود ما جرى لا بالوجود، فهذا بدايتهم وإلى أن تنتهي نهايتهم بأن يكون الله سمعهم وأبصارهم وألسنتهم ﴿ إنما أشرك آباؤنا ﴾ بأن رضوا بالأثنينية وما جعلوا إلى الوحدة بالفناء في الله ﴿ بما فعل المبطلون ﴾ الذين أبطلوا استعداد الرجوع إلى الوحدة لله ﴿ ولعلهم يرجعون ﴾ بهذه الدلالات من البداية إلى النهاية وهو مقام الوحدة ﴿ فانسلخ منها ﴾ أي وقع فرخ همته العلية عن ذكر طلب الحق ومحبته فأدركته هزة الشيطان وجعلته من الهالكين ليعلم أن المعصوم من عصمة الله وأن السلك الواصل يجب أن لا يأمن مكر الله فلا يفتح على نفسه أبواب التنعم والترفه، ولا يميل إلى حب المال والجاه ﴿ ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً ﴾ وهم مظاهر القهر ﴿ فادعوه بها ﴾ بأن تتصفوا بصفاته بالنيات الصالحات وبالأعمال الزاكيات ثم تتخلقوا بها بالأحوال بتصفية مرآة القلب ومراقبته عن التعلق بما سوى الله تعالى ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ﴾ بأن لم توافق أقوالهم أفعالهم ﴿ سنستدرجهم ﴾ فينحطون عن مراتبهم بالتدريج والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ ﴾ قالت المعتزلة: لم يخلقهم الله - - لجهنم، ولكن خلقهم وذرأهم وأعطاهم من القوة ما يكسبون الجنة، غير أنهم عملوا أعمالا استوجبوا بها النار، فصاروا للنار بما عملوا من الأعمال، لا أن خلقهم لجهنم.
ثم اختلفوا هم في تأويل قوله: ﴿ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ ﴾ ؛ قال بعضهم: ذكر ما إليه آل عاقبة أمرهم؛ كقوله: ﴿ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ لم يلتقطوه ليكون لهم ما ذكر، ولكن إنما التقطوه ليكون لهم ما ذكر بقوله: ﴿ عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ ﴾ لهذا التقطوه، لكنه صار لهم ما ذكر، أخبر عما إليه آل أمره؛ فعلى ذلك هذا، وكما يقال: ....
....
....
*** لدوا للموت وابنوا للخراب ولا أحد يلد للموت ولا يبني للخراب، ولكنه أنبأ بما يئول إليه عاقبة أمره من الموت والخراب؛ إلى هذا يذهب عامة المعتزلة.
وقال أبو بكر الأصم: الآية على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: ولقد ذرأنا كثيراً من الجن والإنس، لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك لجهنم، وأولئك كالأنعام.
لكن هذا بعيد؛ لأنه لو جاز هذا في هذا لجاز مثله في جميع القرآن أن يجعل أول الآية في آخرها، وآخرها في أولها، فهذا محال.
وأما قولهم: إنه إخبار عما آل إليه عاقبة أمرهم، واستشهادهم بقوله: ﴿ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ...
﴾ فهو يصلح: لمن يجهل عواقب الأمور، يخرج ذلك منه على التنبيه والإيقاظ؛ لما لم يعرفوا عاقبة ما [به] صار إليه الأمر، فأما الله - عالم السر والعلانية وما كان ويكون في الأوقات التي تكون - لا يحتمل ذلك.
وقول الناس: لدوا للموت، وابنوا للخراب.
فهو إنما يذكرون هذا عند التنبيه والإيقاظ لجهلهم بعواقب الأمور، وإن كانوا لا يبنون، ولا يلدون للموت والخراب، وما قصدوا له.
وأما التأويل عندنا على ما ذكر في ظاهر الآية أنه خلق لجهنم كثيراً من الجن والإنس، لما علم في الأزل أنهم يختارون فعل الكفر والأعمال الخبيثة التي يستوجبون بها النار خلقهم لجهنم؛ لما علم منهم ذلك في الأزل أنهم يختارون الأعمال الخبيثة فذرأهم على ما علم منهم أنهم يختارون ويكون منهم، وكذلك خلق المؤمنين للجنة؛ لما علم في الأزل أنهم يختارون فعل الهدى، ويعملون أعمالاً طيبة يستوجبون بها الجنة، خلقهم للجنة لا أن خلقهم للجنة مرسلاً [أو خلقهم لجهنم مرسلا،] ولكن لما ذكرنا، والله أعلم.
وأما قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ .
إنما خلق منهم للعبادة من علم أنه يعبده ويطيعه، وأما من علم أنه يكفر به ويعصيه فهو إنما خلقه لما علم [أنه يكون منه]؛ فمن كان علم منه في الأزل أنه يكون منه العبادة خلقه للعبادة، ومن كان علم منه أنه يكون منه الكفر خلقه لذلك؛ لأنه لا يجوز أن يعلم منه المعصية وفعل الكفر فيخلقه على خلاف ذلك؛ دل أنه على ما ذكرناه، والله أعلم.
أو أن يقال: قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ الفريق الذي علم منه العبادة، لا الكل؛ دليله قوله: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ ﴾ ، ولم يقل: ذرأنا الكل؛ فهذه في فريق، وهذه في فريق آخر، وهذا التأويل يرجع إلى الخصوص؛ ألا ترى أن الصبيان والمجانين لم يدخلوا فيه؟!
أو أن يكون قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ أي: إلا لأكلفهم العبادة وآمرهم بها؛ فإن كان هذا فهي على الكل: على الكافر والمؤمن جميعاً، والله أعلم.
ويحتمل: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ أي: ما خلقت الجن والإنس إلا لتشهد خلقتهم على وحدانية الله، وصرف العبادة إليه، وقد شهدت خلقة كل كافر ومؤمن على وحدانية [الله] وألوهيته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾ .
الفقه: هو معرفة الشيء بمعناه الدال على نظيره، أو معرفة الشيء بمعناه الدال على مدبره؛ فهؤلاء الكفرة لم يفقهوا؛ لما لم ينظروا إلى الأشياء لمعناها وحقائقها، إنما نظروا إلى الأشياء لظواهرها، وكذلك قوله: ﴿ وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا ﴾ لما نظروا إلى ظواهرها، لم ينظروا إلى معانيها وحقيقتها؛ ليدلهم على تدبير منشئها وحكمته.
وكذلك قوله: ﴿ وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ ﴾ لما كانت للأنعام قلوب وأعين وآذان، لكن لا يفقهون معناها وحقيقتها، وإن كانوا يسمعون النداء، وينظرون ظواهر الأشياء؛ فعلى ذلك [هؤلاء] الكفار، وإن كانوا يسمعون ويبصرون ما ذكرنا بعد أن لم يفقهوا معانيها وتدبير مدبرها، فهم كالأنعام.
وأصله: أنهم لما لم يستعملوا تلك الحواس فيما جعلت لهم، [وإنما جعلت لهم] لمعرفة حقائق الأشياء، وما أدرج فيها من المعاني والحكمة، فصاروا في الحقيقة كمن لا حواس له؛ إذ لم ينتفعوا بها انتفاع من لهم تلك؛ [بل كانوا كمن ليس لهم تلك]؛ لذلك نفى عنهم، والله أعلم.
وقال قائلون: نفى عنهم هذه الحواس؛ لما لم ينتفعوا بها انتفاع من لهم تلك؛ بل كانوا كمن ليس لهم تلك الحواس للمعنى الذي جعلت تلك الحواس، فهم كالأنعام، بل هم أضل؛ لأن هؤلاء إذا ضلوا الطريق فهدوا [وأرشدوا لا يهتدون ولا يرجعون عن ذلك، والدواب إذا ضلوا الطريق فهدوا اهتدوا،] وعرفوا، ومالوا إليه، فهم أضل من الأنعام لما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل: ﴿ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾ لأن بنية الأنعام لا تحتمل فهم ذلك، وبنية هؤلاء تحتمل؛ إذ جعل لهم عقولاً تميز وتعرف حكمة مدبرها ومنشئها، لكنهم ضيعوها، ولم يكن من الأنعام تضييع؛ لذلك كان أولئك أضل.
قال ابن عباس - -: قوله: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ ﴾ لما ختم الله على قلوبهم؛ كقوله: ﴿ خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَٰرِهِمْ غِشَاوَةٌ ﴾ فمن ثمَّ لم تفقه قلوبهم، ولم تبصر أعينهم، ولم تسمع آذانهم.
وقال: ثم ضرب لهم مثلا فقال: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ ﴾ في الأكل؛ لأن همتهم ليست إلا الأكل والشرب، كهمة الأنعام والبهائم ليست همتهم إلا الأكل والشرب وقضاء الشهوة، فهي تسمع النداء ولا تعقل؛ فعلى ذلك الكافر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ ﴾ في فهم ما ألقي إليهم ﴿ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾ ؛ لأنهم أعطوا سبب فهم ذلك، والأنعام لا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾ ؛ لأن الأنعام تعرف ربها، وتوحده، وتذكره؛ لقول الله - -: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ الآية، وكقوله: ﴿ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ﴾ وهؤلاء لا يعرفونه، ولا يوحدونه؛ فهم أضل.
أو أن يقال: هم أضل لا يهتدون وإن هدوا ودعوا، والأنعام تهتدي.
أو هم أضل؛ لأنهم يُضَلُّون وَيُضِلُّون غيرهم، والأنعام لا.
أو هم أضل؛ لأنهم لا ينتفع بهم، والأنعام ينتفع بها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ ﴾ .
عن فهم ما ألقي إليهم وأمروا به.
أو غافلون عما أوعدوا.
وقوله: ﴿ وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا ﴾ .
يحتمل هذا وجهين: يحتمل أنهم قد ظنوا أن في إثبات عدد الأسماء إيجاب إثبات عدد من الذات، فأخبر أن ليس في إثبات عدد الأسماء إثبات أعداد من الذات؛ إذ قد يسمي الشيء الواحد بأسماء مختلفة، ثم لا يوجب ذلك إثبات عدد ذلك ولا تجزئته؛ من نحو ما تسمي الحركة: حركة، عرضاً، شيئاً، خلقاً، من غير أن أوجب ذلك إثبات عدد الحركة أو تجزئتها، وكذلك في جميع الأشياء؛ فعلى ذلك يخبر أنه ليس في إثبات عدد [من] الأسماء إثبات عدد من الذات؛ على ما ذكرنا.
ويحتمل أن يكون خرج هذا مقابل قول كان منهم، وهو أن وصفوا الله بشيء لا يحسن أن يوصف به، وأضافوا إليه أشياء لا يصلح أن تضاف؛ من نحو قولهم: يا خالق الخنازير، ويا خالق الخبائث، ويا إله القردة، ونحوه؛ فأخبر أن ادعوه بالأسماء الحسنى مما ثبت عند الخلق أنه مسمى به، من نحو ما أعطاهم؛ يقال: يا هادي؛ يا مرشد، ونحوه.
ويقال بما أعطاهم من النعم: يا كريم، يا جواد، ويا لطيف، ونحوه.
ويقال: يا خالق، يا رازق، يا الله، يا رحمن، يا رحيم؛ لما ظهر في أنفسهم من ألوهيته وربوبيته، فقال: لا تدعوا بكذا، ولكن ادعوا بالأسماء التي ثبت عند الخلق تحقيقها، وأنه يسمى بها، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.
وقد روي على هذا المعنى [خبر]؛ روي أن رجلاً دعا في صلاته فقال: يا الله، ويا رحمن، ويا رحيم، فقال رجل من المشركين: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون إلهاً واحداً، فما بال هذا يدعو ربين [اثنين؟!
فأنزل الله : ﴿ وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ ويحتمل قوله: ﴿ وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ أي: له الأسماء الحسنى لا الأصنام التي تعبدونها] نحو ما سموها آلهة وأرباباً، فقال: هذه الأسماء التي تدعون بها الأصنام لله فادعوه بها، ولا تدعوا بها الأصنام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ ﴾ .
[يحتمل أي: لا تكافئهم بصنيعهم ولا تجازهم بأذاهم إياك؛ فإن الله هو المكافىء لهم والمجازي بصنيعهم؛ ألا ترى أنه قال في آخره: ﴿ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ ﴾ ].
قيل: الإلحاد هو الجور والميل عن الحق، والوضع في غير موضعه، وهم سموا ملحدين لما سموا غيره بأسمائه، أو لإشراك غيره في أسمائه.
أو سموا بذلك لما صرفوا شكر نعمه إلى غيره، وعبدوا دونه، مع علمهم أنه لم يكن منهم إليهم شيء من ذلك، إنما كان ذلك لهم من الله.
قال ابن عباس: الإلحاد: الميل، في جميع القرآن.
وقيل: الإلحاد: التكذيب.
قال القتبي: ﴿ يُلْحِدُونَ ﴾ أي: يجورون عن الحق ويعدلون.
وأصله: الجور والميل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
قال: هذه بشارة لرسول الله بالنصر له، والظفر على أعدائه في الدنيا.
وقال قائلون: هو حرف وعيد؛ أوعدهم - عز وجل - بأذاهم رسول الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: يهدون الخلق بالحق الذي عندهم، وهو القرآن والكتب التي عندهم.
وأمكن أن يكون الحق هو رسول الله ، به يهدون الناس، وبه يعملون.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: يدعون الخلق إلى سبيل الله؛ على ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ﴾ .
ويحتمل الحق - هاهنا - هو الله؛ كقوله: ﴿ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ أي: بالحق الذي يهدون يعملون؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ...
﴾ الآية [هود: 88].
<div class="verse-tafsir"
ولله -سبحانه- الأسماء الحسنى التي تدل على جلاله وكماله، فتوسَّلوا بها إلى الله في طلب ما تريدون وأثنوا عليه بها، واتركوا الذين يميلون عن الحق في هذه الأسماء بجعلها لغير الله، أو نفيها عنه، أو تحريف معناها أو تشبيه غيره بها، سنجزي هؤلاء الذين يميلون بها عن الحقِّ: العذاب المؤلم بما كانوا يعملون.
<div class="verse-tafsir" id="91.anMop"