الآية ٣٢ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٣٢ من سورة الأعراف

قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ ۚ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةًۭ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ ٣٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 107 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٢ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٢ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى ردا على من حرم شيئا من المآكل أو المشارب ، والملابس ، من تلقاء نفسه ، من غير شرع من الله : ( قل ) يا محمد ، لهؤلاء المشركين الذين يحرمون ما يحرمون بآرائهم الفاسدة وابتداعهم : ( من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ) الآية ، أي : هي مخلوقة لمن آمن بالله وعبده في الحياة الدنيا ، وإن شركهم فيها الكفار حسا في الدنيا ، فهي لهم خاصة يوم القيامة ، لا يشركهم فيها أحد من الكفار ، فإن الجنة محرمة على الكافرين .

قال أبو القاسم الطبراني : حدثنا أبو حصين محمد بن الحسين القاضي ، حدثنا يحيى الحماني ، حدثنا يعقوب القمي ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة ، يصفرون ويصفقون .

فأنزل الله : ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ) فأمروا بالثياب .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء الجهلة من العرب الذين يتعرّون عند طوافهم بالبيت, ويحرمون على أنفسهم ما أحللت لهم من طيبات الرزق: من حرَّم، أيها القوم، عليكم زينة الله التي خلقها لعباده أن تتزيَّنوا بها وتتجملوا بلباسها, والحلال من رزق الله الذي رزق خلقه لمطاعمهم ومشاربهم.

(12) * * * واختلف أهل التأويل في المعنيّ: بـ" الطيبات من الرزق "، بعد إجماعهم على أن " الزينة " ما قلنا.

فقال بعضهم: " الطيبات من الرزق " في هذا الموضع، اللحم.

وذلك أنهم كانوا لا يأكلونه في حال إحرامهم.

* ذكر من قال ذلك منهم: 14534- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي في قوله: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق)، وهو الودَك.

(13) 14535- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق)، الذي حرموا على أنفسهم.

قال: كانوا إذا حجُّوا أو اعتمروا، حرموا الشاة عليهم وما يخرج منها.

14536- وحدثني به يونس مرة أخرى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (قل من حرم زينة الله) إلى آخر الآية, قال: كان قوم يحرِّمون ما يخرج من الشاة، لبنها وسمنها ولحمها, فقال الله: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق)، قال: والزينة من الثياب.

14537- حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك, عن سفيان, عن رجل, عن الحسن قال: لما بعث محمدًا فقال: " هذا نبيي، هذا خياري, استنّوا به "، خذوا في سَنَنه وسبيله، (14) لم تغلق دونه الأبواب، ولم تُقَمْ دونه الحَجَبَة, (15) ولم يُغْدَ عليه بالجفان، ولم يُرْجع عليه بها، (16) وكان يجلس بالأرض, ويأكل طعامه بالأرض, ويلعق يده, ويلبس الغليظ, ويركب الحمار, ويُرْدِف بعده, (17) وكان يقول: " مَنْ رغب عن سنتي فليس مني".

قال الحسن: فما أكثر الراغبين عن سنته، التاركين لها!

ثم إنّ عُلُوجًا فُسَّاقًا, أكلة الربا والغُلول, (18) قد سفَّههم ربي ومقتهم, زعموا أن لا بأس عليهم فيما أكلوا وشربوا، وزخرفوا هذه البيوت, يتأوّلون هذه الآية: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق)، وإنما جعل ذلك لأولياء الشيطان, قد جعلها ملاعبَ لبطنه وفرجه (19) = من كلام لم يحفظه سفيان.

(20) * * * وقال آخرون: بل عنى بذلك ما كانت الجاهلية تحرم من البحائر والسوائب.

* ذكر من قال ذلك: 14538- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق)، وهو ما حرم أهل الجاهلية عليهم من أموالهم: البحيرة, والسائبة, والوصيلة, والحام.

14539- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي, عن ابن عباس قوله: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق)، قال: إن الجاهلية كانوا يحرمون أشياءَ أحلها الله من الثياب وغيرها, وهو قول الله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالا ، [سورة يونس: 59]، وهو هذا, فأنـزل الله: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) * * * القول في تأويل قوله : قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ قال أبو جعفر: يقول الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد = لهؤلاء الذين أمرتك أن تقول لهم: مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ، إذ عَيُّوا بالجواب، (21) فلم يدروا ما يجيبونك = : زينة الله التي أخرج لعباده, وطيبات رزقه، للذين صدّقوا الله ورسوله, واتبعوا ما أنـزل إليك من ربك، في الدنيا, وقد شركهم في ذلك فيها من كفر بالله ورسوله وخالف أمر ربه, وهي للذين آمنوا بالله ورسوله خالصة يوم القيامة, لا يشركهم في ذلك يومئذ أحدٌ كفر بالله ورسوله وخالف أمر ربه.

(22) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 14540- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة)، يقول: شارك المسلمون الكفار في الطيبات, فأكلوا من طيبات طعامها, ولبسوا من خِيار ثيابها, ونكحوا من صالح نسائها, وخلصوا بها يوم القيامة.

14541- وحدثني به المثنى مرة أخرى بهذا الإسناد بعينه, عن ابن عباس فقال: (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا)، يعني: يشارك المسلمون المشركين في الطيبات في الحياة الدنيا, ثم يُخْلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا, وليس للمشركين فيها شيء.

14542- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال: قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، يقول: قل هي في الآخرة خالصة لمن آمن بي في الدنيا, لا يشركهم فيها أحدٌ في الآخرة.

(23) وذلك أن الزينة في الدنيا لكل بني آدم, فجعلها الله خالصة لأوليائه في الآخرة.

14543- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سلمة بن نبيط, عن الضحاك: (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة)، قال: اليهود والنصارى يشركونكم فيها في الدنيا, وهي للذين آمنوا خالصة يوم القيامة.

14544- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الحسن: (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة)، خالصةً للمؤمنين في الآخرة، لا يشاركهم فيها الكفار.

فأما في الدنيا فقد شاركوهم.

14545- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة)، مَنْ عمل بالإيمان في الدنيا خلصت له كرامة الله يوم القيامة, ومَنْ ترك الإيمان في الدنيا قَدِم على ربّه لا عذرَ له.

14546- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السديّ: (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا)، يشترك فيها معهم المشركون =(خالصة يوم القيامة)، للذين آمنوا.

14547- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة)، يقول: المشركون يشاركون المؤمنين في الدنيا في اللباس والطعام والشراب, ويوم القيامة يَخْلُص اللباس والطعام والشراب للمؤمنين, وليس للمشركين في شيء من ذلك نصيبٌ.

14548- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: الدنيا يصيب منها المؤمن والكافر, ويخلص خيرُ الآخرة للمؤمنين, وليس للكافر فيها نصيب.

14549- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة)، قال: هذه يوم القيامة للذين آمنوا, لا يشركهم فيها أهل الكفر، ويشركونهم فيها في الدنيا.

وإذا كان يوم القيامة، فليس لهم فيها قليل ولا كثير.

* * * وقال سعيد بن جبير في ذلك بما:- 14550- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسماعيل بن أبان، وحبويه الرازي أبو يزيد، عن يعقوب القمي, عن سعيد بن جبير: (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة)، قال: ينتفعون بها في الدنيا، ولا يتبعهم إثمها.

(24) * * * واختلفت القرأة في قراءة قوله: " خالصة ".

فقرأ ذلك بعض قرأة المدينة: " خَالِصَةٌ"، برفعها, بمعنى: قل هي خالصة للذين آمنوا.

* * * وقرأه سائر قرأة الأمصار: (خَالِصَةً)، بنصبها على الحال من " لهم ", وقد ترك ذكرها من الكلام اكتفاءً منها بدلالة الظاهر عليها, على ما قد وصفت في تأويل الكلام أن معنى الكلام: قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا مشتركة, وهي لهم في الآخرة خالصة.

ومن قال ذلك بالنصب، جعل خبر " هي" في قوله: (للذين آمنوا) (25) * * * قال أبو جعفر: وأولى القراءتين عندي بالصحة، قراءة من قرأ نصبًا, لإيثار العرب النصبَ في الفعل إذا تأخر بعد الاسم والصفة، (26) وإن كان الرفع جائزًا, غير أن ذلك أكثر في كلامهم.

* * * القول في تأويل قوله : كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: كما بينت لكم الواجب عليكم في اللباس والزينة، والحلال من المطاعم والمشارب والحرام منها, وميزت بين ذلك لكم، أيها الناس, كذلك أبيِّن جميع أدلتي وحججي، وأعلامَ حلالي وحرامي وأحكامي، (27) لقوم يعلمون ما يُبَيَّن لهم، ويفقهون ما يُمَيَّز لهم.

-------------------- الهوامش : (12) انظر تفسير (( الزينة )) فيما سلف قريبًا ص : 389 ، وما بعدها .

= وتفسير (( الطيبات )) فيما سلف من فهارس اللغة ( طيب ) .

(13) (( الودك )) سلف تفسيره في ص : 395 ، تعليق : 1 .

(14) في المطبوعة : (( في سنته )) ، وقراءتها في المخطوطة ما أثبت .

(( السنن )) ( بفتحتين ) الطريقة : يقال : (( امض على سننك )) ، و (( استقام فلان على سننه )) ، أي طريقته .

(15) (( الحجبة )) جمع (( حاجب )) ، وهو الذي يحول بين الناس والملك أن يدخلوا عليه .

(16) في المطبوعة : (( ولم يغد عليه بالجبار )) ، علق عليها أنه في نسخة (( بالجباب )) ، وفي المخطوطة : (( بالجبان )) غير منقوطة ، وهي خطأ ، وصواب قراءتها ما أثبت ، كما وردت على الصواب في حلية الأولياء لأبي نعيم 2 : 153 .

و (( الجفان )) جمع (( جفنة )) ، وهي قصعة الطعام العظيمة .

ونص أبي نعيم : (( أما والله ما كان يغدي عليه بالجفان ولا يراح )) ، وهو أجود .

(17) في المطبوعة : (( ويردف عبده )) ، غير ما في المخطوطة ، وفي أبي نعيم : (( ويردف خلفه )) ، وهو بمعنى ما رواه الطبري .

أي : يردف خلفه على الدابة رديفًا .

(18) في المطبوعة والمخطوطة : (( ثم علوجًا )) بإسقاط (( إن )) ، والصواب من حلية الأولياء .

و (( الغلول )) : هو الخيانة في المغنم ، والسرقة من الغنيمة .

(19) يعني قد جعل الآية بما تأولها به ، لعبًا يلعب بتأويله ، ليفتح الباب لكل شهوة من شهوات بطنه وفرجه .

(20) الأثر : 14537 - الذي لم يحفظه سفيان ، حفظه غيره ، رواه أبو نعيم في حلية الأولياء 2 : 153 ، 154 من طريق محمد بن محمد ، عن الحسن بن أحمد بن محمد ، عن أبي زرعة ، عن مالك بن إسماعيل ، عن مسلمة بن جعفر ، عن الحسن ، بنحو هذا اللفظ ، وهي صفة تحفظ ، وموعظة تهدى إلى طغاتنا في زماننا ، من الناطقين بغير معرفة ولا علم في فتوى الناس بالباطل الذي زخرفته لهم شياطينهم (21) (( عي بالجواب )) : إذا عجز عنه ، وأشكل عليه ، ولم يهتد إلى صوابه .

(22) انظر تفسير (( خالصة )) فيما سلف 2 : 365 /12 : 148 ، 149 .

(23) أسقطت المطبوعة : (( في الآخرة )) من آخر هذه الجملة .

(24) الأثر : 14550 - (( إسماعيل بن أبان الوراق الأزدي ، أبو إسحاق )) ، شيعي ، ثقة صدوق في الرواية .

مترجم في التهذيب ، والكبير 1 /1 / 347 ، وابن أبي حاتم 1 /1 / 160 .

و (( حبويه الرازي )) ، أبو يزيد ، مضت ترجمته برقم : 14365 .

(25) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 376 ، 377 .

(26) (( الفعل )) ، يعني المصدر .

و (( الاسم )) ، هو المشتق .

و (( الصفة )) ، حرف الجر والظرف .

انظر فهارس المصطلحات .

وقد أسلف أبو جعفر في 2 : 365 أن (( خالصة )) مصدر مثل (( العافية )) (27) انظر تفسير (( التفصيل )) فيما سلف ص : 237 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

= وتفسير (( آية )) فيما سلف من فهرس اللغة ( أيي ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمونفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى قل من حرم زينة الله بين أنهم حرموا من تلقاء أنفسهم ما لم يحرمه الله عليهم .

والزينة هنا الملبس الحسن ، إذا قدر عليه صاحبه .

وقيل : جميع الثياب ; كما روي عن عمر : إذا وسع الله عليكم فأوسعوا .

وقد تقدم .

وروي عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب شيخ مالك رضي الله عنهم أنه كان يلبس كساء خز بخمسين دينارا ، يلبسه في الشتاء ، فإذا كان في الصيف تصدق به ، أو باعه فتصدق بثمنه ، وكان يلبس في الصيف ثوبين من متاع مصر ممشقين ويقول : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق .الثانية : وإذا كان هذا فقد دلت الآية على لباس الرفيع من الثياب ، والتجمل بها في الجمع والأعياد ، وعند لقاء الناس ومزاورة الإخوان .

قال أبو العالية : كان المسلمون إذا تزاوروا تجملوا .

وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب أنه رأى حلة سيراء تباع عند باب المسجد ، فقال : يا رسول الله ، لو اشتريتها ليوم الجمعة وللوفود إذا قدموا عليك ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة .

فما أنكر عليه ذكر التجمل ، وإنما أنكر عليه كونها سيراء .

وقد اشترى تميم الداري حلة بألف درهم كان يصلي فيها .

وكان مالك بن دينار يلبس الثياب العدنية الجياد .

وكان ثوب أحمد بن حنبل يشترى بنحو الدينار .

أين هذا ممن يرغب عنه ويؤثر لباس الخشن من الكتان والصوف من الثياب .

ويقول : ولباس التقوى ذلك خير هيهات !

أترى من ذكرنا تركوا لباس التقوى ، لا والله !

بل هم أهل التقوى وأولو المعرفة والنهى ، وغيرهم أهل دعوى ، وقلوبهم خالية من التقوى .

قال خالد بن شوذب : شهدت الحسن وأتاه فرقد ، فأخذه الحسن بكسائه فمده إليه وقال : يا فريقد ، يا بن أم فريقد ، إن البر ليس في هذا الكساء ، إنما البر ما وقر في الصدر وصدقه العمل .

ودخل أبو محمد ابن أخي معروف الكرخي على أبي الحسن بن يسار وعليه جبة صوف ، فقال له أبو الحسن : يا أبا [ ص: 177 ] محمد ، صوفت قلبك أو جسمك ؟

صوف قلبك والبس القوهي على القوهي .

وقال رجل للشبلي : قد ورد جماعة من أصحابك وهم في الجامع ، فمضى فرأى عليهم المرقعات والفوط ، فأنشأ يقول :أما الخيام فإنها كخيامهم وأرى نساء الحي غير نسائهقال أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله : وأنا أكره لبس الفوط والمرقعات لأربعة أوجه : أحدها : أنه ليس من لبس السلف ، وإنما كانوا يرقعون ضرورة .

والثاني : أنه يتضمن ادعاء الفقر ، وقد أمر الإنسان أن يظهر أثر نعم الله عليه .

والثالث : إظهار التزهد ; وقد أمرنا بستره .

والرابع : أنه تشبه بهؤلاء المتزحزحين عن الشريعة .

ومن تشبه بقوم فهو منهم وقال الطبري : ولقد أخطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان مع وجود السبيل إليه من حله .

ومن أكل البقول والعدس واختاره على خبز البر .

ومن ترك أكل اللحم خوفا من عارض شهوة النساء .

وسئل بشر بن الحارث عن لبس الصوف ، فشق عليه وتبينت الكراهة في وجهه ثم قال : لبس الخز والمعصفر أحب إلي من لبس الصوف في الأمصار .

وقال أبو الفرج : وقد كان السلف يلبسون الثياب المتوسطة ، لا المترفعة ولا الدون ، ويتخيرون أجودها للجمعة والعيد وللقاء الإخوان ، ولم يكن تخير الأجود عندهم قبيحا .

وأما اللباس الذي يزري بصاحبه فإنه يتضمن إظهار الزهد وإظهار الفقر ، وكأنه لسان شكوى من الله تعالى ، ويوجب احتقار اللابس ; وكل ذلك مكروه منهي عنه .

فإن قال قائل : تجويد اللباس هوى النفس وقد أمرنا بمجاهدتها ، وتزين للخلق وقد أمرنا أن تكون أفعالنا لله لا للخلق .

فالجواب ليس كل ما تهواه النفس يذم ، وليس كل ما يتزين به للناس يكره ، وإنما ينهى عن ذلك إذا كان الشرع قد نهى عنه أو على وجه الرياء في باب الدين .

فإن الإنسان يحب أن يرى جميلا .

وذلك حظ للنفس لا يلام فيه .

ولهذا يسرح شعره وينظر في المرآة ويسوي عمامته ويلبس بطانة الثوب الخشنة إلى داخل وظهارته الحسنة إلى خارج .

وليس في شيء من هذا ما يكره ولا يذم .

وقد روى مكحول عن عائشة قالت : كان نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه على الباب ، فخرج يريدهم ، وفي الدار ركوة فيها ماء ; فجعل ينظر في الماء ويسوي لحيته وشعره .

فقلت : يا رسول الله ، وأنت تفعل هذا ؟

قال : نعم إذا خرج الرجل إلى إخوانه فليهيئ من نفسه فإن الله جميل يحب [ ص: 178 ] الجمال .

وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر .

فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة .

قال : إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس .

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ، تدل كلها على النظافة وحسن الهيئة .

وقد روى محمد بن سعد أخبرنا الفضل بن دكين قال حدثنا مندل عن ثور عن خالد بن معدان قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسافر بالمشط والمرآة والدهن والسواك والكحل .

وعن ابن جريج : مشط عاج يمتشط به .

قال ابن سعد : وأخبرنا قبيصة بن عقبة قال حدثنا سفيان عن ربيع بن صبيح عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر دهن رأسه ويسرح لحيته بالماء .

أخبرنا يزيد بن هارون حدثنا عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس قال : كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مكحلة يكتحل بها عند النوم ثلاثا في كل عين .الثالثة : قوله تعالى : والطيبات من الرزق الطيبات اسم عام لما طاب كسبا وطعما .

قال ابن عباس وقتادة : يعني بالطيبات من الرزق ما حرم أهل الجاهلية من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي .

وقيل : هي كل مستلذ من الطعام .

وقد اختلف في ترك الطيبات والإعراض عن اللذات ; فقال قوم : ليس ذلك من القربات ، والفعل والترك يستوي في المباحات .

وقال آخرون : ليس قربة في ذاته ، وإنما هو سبيل إلى الزهد في الدنيا ، وقصر الأمل فيها ، وترك التكلف لأجلها ; وذلك مندوب إليه ، والمندوب قربة .

وقال آخرون : ونقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله : لو شئنا لاتخذنا صلاء وصلائق وصنابا ، ولكني سمعت الله تعالى يذم أقواما فقال : أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا .

ويروى " صرائق " بالراء ، وهما جميعا الجرادق .

والصلائق " باللام " : ما يصلق من اللحوم والبقول .

والصلاء " بكسر [ ص: 179 ] الصاد والمد " : الشواء : والصناب : الخردل بالزبيب .

وفرق آخرون بين حضور ذلك كله بكلفة وبغير كلفة .

قال أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي شيخ أشياخنا : وهو الصحيح إن شاء الله عز وجل ; فإنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه امتنع من طعام لأجل طيبه قط ، بل كان يأكل الحلوى والعسل والبطيخ والرطب ، وإنما يكره التكلف لما فيه من التشاغل بشهوات الدنيا عن مهمات الآخرة .

والله تعالى أعلم .

قلت : وقد كره بعض الصوفية أكل الطيبات ; واحتج بقول عمر رضي الله عنه : إياكم واللحم فإن له ضراوة كضراوة الخمر .

والجواب أن هذا من عمر قول خرج على من خشي منه إيثار التنعم في الدنيا ، والمداومة على الشهوات ، وشفاء النفس من اللذات ، ونسيان الآخرة والإقبال على الدنيا ، ولذلك كان يكتب عمر إلى عماله : إياكم والتنعم وزي أهل العجم ، واخشوشنوا .

ولم يرد رضي الله عنه تحريم شيء أحله الله ، ولا تحظير ما أباحه الله تبارك اسمه .

وقول الله عز وجل أولى ما امتثل واعتمد عليه .

قال الله تعالى : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق .

وقال عليه السلام : سيد إدام الدنيا والآخرة اللحم .

وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل الطبيخ بالرطب ويقول : يكسر حر هذا برد هذا وبرد هذا حر هذا .

والطبيخ لغة في البطيخ ، وهو من المقلوب .

وقد مضى في " المائدة " الرد على من آثر أكل الخشن من الطعام .

وهذه الآية ترد عليه وغيرها ، والحمد لله .الرابعة : قوله تعالى قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا يعني بحقها من توحيد الله تعالى والتصديق له ; فإن الله ينعم ويرزق ، فإن وحده المنعم عليه وصدقه فقد قام بحق النعمة ، وإن كفر فقد أمكن الشيطان من نفسه .

وفي صحيح الحديث لا أحد أصبر على أذى من الله [ ص: 180 ] يعافيهم ويرزقهم وهم يدعون له الصاحبة والولد .

وتم الكلام على الحياة الدنيا .

ثم قال ( خالصة ) بالرفع وهي قراءة ابن عباس ونافع .

" ( خالصة يوم القيامة ) أي يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا ، وليس للمشركين فيها شيء كما كان لهم في الدنيا من الاشتراك فيها .

ومجاز الآية : قل هي للذين آمنوا مشتركة في الدنيا مع غيرهم ، وهي للمؤمنين خالصة يوم القيامة .

ف ( خالصة ) مستأنف على خبر مبتدأ مضمر .

وهذا قول ابن عباس والضحاك والحسن وقتادة والسدي وابن جريج وابن زيد .

وقيل : المعنى أن هذه الطيبات الموجودات في الدنيا هي خالصة يوم القيامة ، للمؤمنين في الدنيا ; وخلوصها أنهم لا يعاقبون عليها ولا يعذبون فقوله : في الحياة الدنيا متعلق ب آمنوا وإلى هذا يشير تفسير سعيد بن جبير .

وقرأ الباقون بالنصب على الحال والقطع ; لأن الكلام قد تم دونه .

ولا يجوز الوقف على هذه القراءة على الدنيا لأن ما بعده متعلق بقوله للذين آمنوا حالا منه ; بتقدير : قل هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا في حال خلوصها لهم يوم القيامة ; قاله أبو علي .

وخبر الابتداء للذين آمنوا والعامل في الحال ما في اللام من معنى الفعل في قوله للذين واختار سيبويه النصب لتقدم الظرف .

كذلك نفصل الآيات أي كالذي فصلت لكم الحلال والحرام أفصل لكم ما تحتاجون إليه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى منكرا على من تعنت، وحرم ما أحل اللّه من الطيبات { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ } من أنواع اللباس على اختلاف أصنافه، والطيبات من الرزق، من مأكل ومشرب بجميع أنواعه، أي: مَن هذا الذي يقدم على تحريم ما أنعم اللّه بها على العباد، ومن ذا الذي يضيق عليهم ما وسَّعه اللّه؟".

وهذا التوسيع من اللّه لعباده بالطيبات، جعله لهم ليستعينوا به على عبادته، فلم يبحه إلا لعباده المؤمنين، ولهذا قال: { قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ } أي: لا تبعة عليهم فيها.

ومفهوم الآية أن من لم يؤمن باللّه، بل استعان بها على معاصيه، فإنها غير خالصة له ولا مباحة، بل يعاقب عليها وعلى التنعم بها، ويُسأل عن النعيم يوم القيامة.

{ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ } أي: نوضحها ونبينها { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } لأنهم الذين ينتفعون بما فصله اللّه من الآيات، ويعلمون أنها من عند اللّه، فيعقلونها ويفهمونها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ) يعني لبس الثياب في الطواف ، ( والطيبات من الرزق ) يعني اللحم والدسم في أيام الحج .

وعن ابن عباس وقتادة : والطيبات من الرزق ما حرم أهل الجاهلية من البحائر والسوائب .

( قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ) فيه حذف تقديره : هي للذين آمنوا وللمشركين في الحياة الدنيا فإن أهل الشرك يشاركون المؤمنين في طيبات الدنيا ، وهي في الآخرة خالصة للمؤمنين لا حظ للمشركين فيها .

وقيل : هي خالصة يوم القيامة من التنغيص والغم للمؤمنين ، فإنها لهم في الدنيا مع التنغيص والغم .

قرأ نافع ( خالصة ) رفع ، أي : قل هي للذين آمنوا مشتركين في الدنيا ، وهي في الآخرة خالصة يوم القيامة للمؤمنين .

وقرأ الآخرون بالنصب على القطع ، ( كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل» إنكارا عليهم «من حرَّم زينة الله التي أخرج لعباده» من اللباس «والطيبات» المستلذات «من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا» بالاستحقاق وإن فيها غيرهم «خالصةٌ» خاصة بهم بالرفع والنصب حال «يوم القيامة كذلك نفصِّل الآيات» نبينها مثل ذلك التفصيل «قوم يعلمون» يتدبَّرون فإنهم المنتفعون بها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لهؤلاء الجهلة من المشركين: مَن الذي حرم عليكم اللباس الحسن الذي جعله الله تعالى زينة لكم؟

ومَن الذي حرَّم عليكم التمتع بالحلال الطيب من رزق الله تعالى؟

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: إنَّ ما أحله الله من الملابس والطيبات من المطاعم والمشارب حق للذين آمنوا في الحياة الدنيا يشاركهم فيها غيرهم، خالصة لهم يوم القيامة.

مثل ذلك التفصيل يفصِّل الله الآيات لقوم يعلمون ما يبيِّن لهم، ويفقهون ما يميز لهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

أى : قل يا محمد لأولئك الذين يطوفون بالبيت عرايا ، ويمتنعون عن أكل الطيبات : من أين أتيتم بهذا الحكم الذى عن طريقه حرمتم على أنفسكم بعض ما أحله الله لعباده؟

فالاستفهام فإنكار ما هم عليه بأبلغ وجه .ثم أمر رسوله أن يرد عليهم بأبلغ رد فقال : ( قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا خَالِصَةً يَوْمَ القيامة ) .أى : قل أيها الرسول لأمتك : هذه الزينة والطيبات من الرزق ثابتة للذين آمنوا فى الحياة الدنيا ، ويشاركهم فيها المشركون أيضاً ، أما فى الآخرة فهى خالصة للمؤمنين ولا يشاركهم فيها أحد ممن أشرك مع الله آلهة أخرى .وقوله - تعالى - : ( كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) معناه : مثل تفصيلنا هذا الحكم نفصل سائر الأحكام لقوم يعلمون ما فى تضاعيفها من توجيهات سامية ، وآداب عالية .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الله تعالى لما أمر بالقسط في الآية الأولى، وكان من جملة القسط أمر اللباس وأمر المأكول والمشروب، لا جرم أتبعه بذكرهما، وأيضاً لما أمر بإقامة الصلاة في قوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ  ﴾ وكان ستر العورة شرطاً لصحة الصلاة لا جرم أتبعه بذكر اللباس، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: إن أهل الجاهلية من قبائل العرب كانوا يطوفون بالبيت عُراة الرجال بالنهار، والنساء بالليل، وكانوا إذا وصلوا إلى مسجد منى، طرحوا ثيابهم وأتوا المسجد عُراة.

وقالوا: لا نطوف في ثياب أصبنا فيها الذنوب، ومنهم من يقول: نفعل ذلك تفاؤلاً حتى نتعرى عن الذنوب كما تعرينا عن الثياب، وكانت المرأة منهم تتخذ ستراً تعلقه على حقويها، لتستتر به عن الحمس، وهم قريش، فإنهم كانوا لا يفعلون ذلك، وكانوا يصلون في ثيابهم، ولا يأكلون من الطعام إلا قوتاً، ولا يأكلون دسماً، فقال المسلمون: يا رسول الله فنحن أحق أن نفعل ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية، أي: البسوا ثيابكم وكلوا اللحم والدسم واشربوا ولا تسرفوا.

المسألة الثانية: المراد من الزينة لبس الثياب، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ  ﴾ يعني الثياب، وأيضاً فالزينة لا تحصل إلا بالستر التام للعورات، ولذلك صار التزيين بأجود الثياب في الجمع والأعياد سنة، وأيضاً أنه تعالى قال في الآية المتقدمة: ﴿ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يوارى سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا  ﴾ فبين أن اللباس الذي يواري السوأة من قبيل الرياش والزينة، ثم إنه تعالى أمر بأخذ الزينة في هذه الآية، فوجب أن يكون المراد من هذه الزينة هو الذي تقدم ذكره في تلك الآية فوجب حمل هذه الزينة على ستر العورة، وأيضاً فقد أجمع المفسرون على أن المراد بالزينة هاهنا لبس الثوب الذي يستر العورة، وأيضاً فقوله: ﴿ خُذُواْ زِينَتَكُمْ ﴾ أمر والأمر للوجوب، فثبت أن أخذ الزينة واجب، وكل ما سوى اللبس فغير واجب، فوجب حمل الزينة على اللبس عملاً بالنص بقدر الإمكان.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ خُذُواْ زِينَتَكُمْ ﴾ أمر، وظاهر الأمر للوجوب، فهذا يدل على وجوب ستر العورة عنه إقامة كل صلاة، وهاهنا سؤالان: السؤال الأول: إنه تعالى عطف عليه قوله: ﴿ وَكُلُواْ واشربوا ﴾ ولا شك أن ذلك أمر إباحة فوجب أن يكون قوله: ﴿ خُذُواْ زِينَتَكُمْ ﴾ أمر إباحة أيضاً.

وجوابه: أنه لا يلزم من ترك الظاهر في المعطوف تركه في المعطوف عليه، وأيضاً فالأكل والشرب قد يكونان واجبين أيضاً في الحكم.

السؤال الثاني: أن هذه الآية نزلت في المنع من الطواف حال العري.

والجواب: أنا بينا في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ ﴾ يقتضي وجوب اللبس التام عند كل صلاة لأن اللبس التام هو الزينة.

ترك العمل به في القدر الذي لا يجب ستره من الأعضاء، إجماعاً، فبقي الباقي داخلاً تحت اللفظ، وإذا ثبت أن ستر العورة واجب في الصلاة، وجب أن تفسد الصلاة عند تركه، لأن تركه يوجب ترك المأمور به، وترك المأمور به معصية، والمعصية توجب العقاب على ما شرحنا هذه الطريقة في الأصول.

المسألة الثالثة: تمسك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في مسألة إزالة النجاسة بماء الورد.

فقالوا: أمرنا بالصلاة في قوله: ﴿ أَقِيمُواْ الصلاة  ﴾ والصلاة عبارة عن الدعاء، وقد أتى بها، والإتيان بالمأمور به يوجب الخروج عن العهدة، فمقتضى هذا الدليل أن لا تتوقف صحة الصلاة على ستر العورة، إلا أنا أوجبنا هذا المعنى عملاً بقوله تعالى: ﴿ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ ﴾ ولبس الثوب المغسول بماء الورد على أقصى وجوه النظافة أخذ الزينة، فوجب أن يكون كافياً في صحة الصلاة.

وجوابنا: أن الألف واللام في قوله: ﴿ أَقِيمُواْ الصلاة ﴾ ينصرفان إلى المعهود السابق، وذلك هو عمل الرسول صلى الله عليه وسلم، لم قلتم أن الرسول عليه الصلاة والسلام صلى في الثوب المغسول بماء الورد؟

والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ وَكُلُواْ واشربوا ﴾ فاعلم أنا ذكرنا أن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من الطعام في أيام حجهم إلا القليل، وكانوا لا يأكلون الدسم، يعظمون بذلك حجهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية لبيان فساد تلك الطريقة.

والقول الثاني: أنهم كانوا يقولون أن الله تعالى حرم عليهم شيئاً مما في بطون الأنعام فحرم عليهم البحيرة والسائبة، فأنزل الله تعالى هذه الآية بياناً لفساد قولهم في هذا الباب.

واعلم أن قوله: ﴿ وَكُلُواْ واشربوا ﴾ مطلق يتناول الأوقات والأحوال، ويتناول جميع المطعومات والمشروبات، فوجب أن يكون الأصل فيها هو الحل في كل الأوقات، وفي كل المطعومات والمشروبات إلا ما خصه الدليل المنفصل، والعقل أيضاً مؤكد له، لأن الأصل في المنافع الحل والإباحة.

وأما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُسْرِفُواْ ﴾ ففيه قولان: القول الأول: أن يأكل ويشرب بحيث لا يتعدى إلى الحرام، ولا يكثر الإنفاق المستقبح ولا يتناول مقداراً كثيراً يضره ولا يحتاج إليه.

والقول الثاني: وهو قول أبي بكر الأصم: أن المراد من الإسراف، قولهم بتحريم البحيرة والسائبة، فإنهم أخرجوها عن ملكهم، وتركوا الانتفاع بها، وأيضاً أنهم حرموا على أنفسهم في وقت الحج أيضاً أشياء أحلها الله تعالى لهم، وذلك إسراف.

واعلم أن حمل لفظ الإسراف على الاستكثار، مما لا ينبغي أولى من حمله على المنع من لا يجوز وينبغي.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين ﴾ وهذا نهاية التهديد، لأن كل ما لا يحبه الله تعالى بقي محروماً عن الثواب، لأن معنى محبة الله تعالى العبد إيصاله الثواب إليه، فعدم هذه المحبة عبارة عن عدم حصول الثواب، ومتى لم يحصل الثواب، فقد حصل العقاب، لانعقاد الإجماع على أنه ليس في الوجود مكلف، لا يثاب ولا يعاقب.

ثم قال تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ والطيبات مِنَ الرزق ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: إن هذه الآية ظاهرها استفهام، إلا أن المراد منه تقرير الإنكار، والمبالغة في تقرير ذلك الإنكار، وفي الآية قولان: القول الأول: أن المراد من الزينة في هذه الآية اللباس الذي تُسْتَر به العورة، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما، وكثير من المفسرين.

والقول الثاني: أنه يتناول جميع أنواع الزينة، فيدخل تحت الزينة جميع أنواع التزيين، ويدخل تحتها تنظيف البدن من جميع الوجوه، ويدخل تحتها المركوب، ويدخل تحتها أيضاً أنواع الحلي، لأن كل ذلك زينة، ولولا النص الوارد في تحريم الذهب والفضة والإبريسم على الرجال لكان ذلك داخلاً تحت هذا العموم، ويدخل تحت الطيبات من الرزق، كل ما يستلذ ويشتهيى من أنواع المأكولات والمشروبات، ويدخل أيضاً تحته التمتع بالنساء وبالطيب.

وروي عن عثمان بن مظعون: أنه أتى الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال: غلبني حديث النفس، عزمت على أن أختصي، فقال: مهلاً يا عثمان إن خصاء أمتي الصيام قال: فإن نفسي تحدثني بالترهب.

قال: إن ترهب أمتي القعود في المساجد لانتظار الصلاة فقال: تحدثني نفسي بالسياحة فقال: سياحة أمتي الغزو والحج والعمرة فقال: إن نفسي تحدثني أن أخرج مما أملك، فقال: الأولى أن تكفي نفسك وعيالك وأن ترحم اليتيم والمسكين فتعطيه أفضل من ذلك فقال: إن نفسي تحدثني أن أطلق خولة فقال: إن الهجرة في أمتي هجرة ما حرم الله قال: فإن نفسي تحدثني أن لا أغشاها.

قال: إن المسلم إذا غشى أهله أو ما ملكت يمينه فإن لم يصب من وقعته تلك ولداً كان له وصيف في الجنة وإذا كان له ولد مات قبله أو بعده كان له قرة عين وفرح يوم القيامة وإن مات قبل أن يبلغ الحنث كان له شفيعاً ورحمة يوم القيامة قال: فإن نفسي تحدثني أن لا آكل اللحم قال: مهلاً إني آكل اللحم إذا وجدته ولو سألت الله أن يطعمنيه كل يوم فعله قال: فإن نفسي تحدثني أن لا أمس الطيب.

قال: مهلاً فإن جبريل أمرني بالطيب غباً وقال لا تتركه يوم الجمعة ثم قال: «يا عثمان لا ترغب عن سنتي فإن من رغب عن سنتي ومات قبل أن يتوب صرفت الملائكة وجهه عن حوضي».

واعلم أن هذا الحديث يدل على أن هذه الشريعة الكاملة تدل على أن جميع أنواع الزينة مباح مأذون فيه، إلا ما خصه الدليل، فلهذا السبب أدخلنا الكل تحت قوله: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله ﴾ .

المسألة الثانية: مقتضى هذه الآية أن كل ما تزين الإنسان به، وجب أن يكون حلالاً، وكذلك كل ما يستطاب وجب أن يكون حلالاً، فهذه الآية تقتضي حل كل المنافع، وهذا أصل معتبر في كل الشريعة، لأن كل واقعة تقع، فإما أن يكون النفع فيها خالصاً، أو راجحاً أو الضرر يكون خالصاً أو راجحاً، أو يتساوى الضرر والنفع، أو يرتفعا.

أما القسمان الأخيران، وهو أن يتعادل الضرر والنفع، أو لم يوجدا قط ففي هاتين الصورتين، وجب الحكم ببقاء ما كان على ما كان، وإن كان النفع خالصاً، وجب الإطلاق بمقتضى هذه الآية، وإن كان النفع راجحاً والضرر مرجوحاً يقابل المثل بالمثل، ويبقى القدر الزائد نفعاً خالصاً، فيلتحق بالقسم الذي يكون النفع فيه خالصاً، وإن كان الضرر خالصاً، كان تركه خالص النفع، فيلتحق بالقسم المتقدم، وإن كان الضرر راجحاً بقي القدر الزائد ضرراً خالصاً، فكان تركه نفعاً خالصاً، فبهذا الطريق صارت هذه الآية دالة على الأحكام التي لا نهاية لها في الحل والحرمة، ثم إن وجدنا نصاً خالصاً في الواقعة، قضينا في النفع بالحل، وفي الضرر بالحرمة، وبهذا الطريق صار جميع الأحكام التي لا نهاية لها داخلاً تحت النص ثم قال نفاة القياس.

فلو تعبدنا الله تعالى بالقياس، لكان حكم ذلك القياس.

إما أن يكون موافقاً لحكم هذا النص العام، وحينئذ يكون ضائعاً، لأن هذا النص مستقل به.

وإن كان مخالفاً كان ذلك القياس مخصصاً لعموم هذا النص، فيكون مردوداً لأن العمل بالنص أولى من العمل بالقياس.

قالوا: وبهذا الطريق يكون القرآن وحده وافياً ببيان كل أحكام الشريعة، ولا حاجة معه إلى طريق آخر، فهذا تقرير قول من يقول: القرآن واف ببيان جميع الوقائع.

والله أعلم.

وأما قوله تعالى: ﴿ قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: تفسير الآية هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا غير خالصة لهم، لأن المشركين شركاؤهم فيها خالصة يوم القيامة، لا يشركهم فيها أحد.

فإن قيل: هلا قيل للذين آمنوا ولغيرهم؟

قلنا: فهم منه التنبيه على أنها خلقت للذين آمنوا على طريق الأصالة، وأن الكفرة تبع لهم، كقوله تعالى: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النار  ﴾ والحاصل: أن ذلك تنبيه على أن هذه النعم إنما تصفوا عن شوائب الرحمة يوم القيامة أما في الدنيا فإنها تكون مكدرة مشوبة.

المسألة الثانية: قرأ نافع ﴿ خَالِصَةٌ ﴾ بالرفع والباقون بالنصب، قال الزجاج: الرفع على أنه خبر بعد خبر، كما تقول: زيد عاقل لبيب، والمعنى: قل هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة.

قال أبو علي: ويجوز أن يكون قوله: ﴿ خَالِصَةٌ ﴾ خبر المبتدأ وقوله: ﴿ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ ﴾ متعلقاً بخالصة.

والتقدير: هي خالصة للذين آمنوا في الحياة الدنيا وأما القراءة بالنصب، فعلى الحال والمعنى: أنها ثابتة للذين آمنوا في حال كونها خالصة لهم يوم القيامة.

ثم قال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ نُفَصِلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ ومعنى تفصيل الآيات قد سبق وقوله: ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أي لقوم يمكنهم النظر به والاستدلال حتى يتوصلوا به إلى تحصيل العلوم النظرية، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ خُذُواْ زِينَتَكُمْ ﴾ أي ريشكم ولباس زينتكم ﴿ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ ﴾ كلما صليتم أو طفتم وكانوا يطوفون عراة.

وعن طاوس، لم يأمرهم بالحرير والديباج، وإنما كان أحدهم يطوف عرياناً ويدع ثيابه وراء المسجد، وإن طاف وهي عليه ضرب وانتزعت عنه، لأنهم قالوا: لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها، وقيل: تفاؤلاً ليتعروا من الذنوب كما تعروا من الثياب.

وقيل: الزينة المشط.

وقيل: الطيب.

والسنّة أن يأخذ الرجل أحسن هيئته للصلاة، وكان بنو عامر في أيام حجهم لا يأكلون الطعام إلاّ قوتاً، ولا يأكلون دسماً يعظمون بذلك حجهم فقال المسلمون: فإنا أحق أن نفعل، فقيل لهم: كلوا واشربوا ولا تسرفوا.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: «كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة.» ويحكى: أنّ الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق، فقال لعلي بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطب شيء.

والعلم علمان، علم الأبدان وعلم الأديان، فقال له: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه.

قال: وما هي؟

قال: قوله تعالى: ﴿ وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تُسْرِفُواْ ﴾ فقال النصراني: ولا يؤثر من رسولكم شيء في الطب؟

فقال: قد جمع رسولنا صلى الله عليه وسلم الطب في ألفاظ يسيرة، قال: وما هي؟

قال قوله: «المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء وأعط كل بدن ما عوّدته» فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طباً.

﴿ زِينَةَ الله ﴾ من الثياب وكل ما يتجمل به ﴿ والطيبات مِنَ الرزق ﴾ المستلذات من المآكل والمشارب.

ومعنى الاستفهام في من: إنكار تحريم هذه الأشياء.

قيل: كانوا إذا أحرموا حرّموا الشاة وما يخرج منها من لحمها وشحمها ولبنها ﴿ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي الحياوة الدنيا ﴾ غير خالصة لهم؛ لأنّ المشركين شركاؤهم فيها ﴿ خَالِصَةٌ ﴾ لهم ﴿ يَوْمُ القيامة ﴾ لا يشركهم فيها أحد.

فإن قلت: هلا قيل: هي للذين آمنوا ولغيرهم.

قلت: لينبه على أنها خلقت للذين آمنوا على طريق الأصالة، وأن الكفرة تبع لهم، كقوله تعالى: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النار ﴾ [البقرة: 126] وقرئ: ﴿ خالصةً ﴾ بالنصب على الحال، وبالرفع على أنها خبر بعد خبر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ ﴾ مِنَ الثِّيابِ وسائِرِ ما يُتَجَمَّلُ بِهِ.

﴿ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ ﴾ مِنَ النَّباتِ كالقُطْنِ والكَتّانِ، والحَيَوانِ كالحَرِيرِ والصُّوفِ، والمَعادِنِ كالدُّرُوعِ.

﴿ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ﴾ المُسْتَلَذّاتُ مِنَ المَآكِلِ والمُشارِبِ.

وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأصْلَ في المَطاعِمِ والمَلابِسِ وأنْواعِ التَّجَمُّلاتِ الإباحَةُ، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ في مَن لِلْإنْكارِ.

﴿ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ بِالأصالَةِ والكَفَرَةُ وإنْ شارَكُوهم فِيها فَتَبَعٌ.

﴿ خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ لا يُشارِكُهم فِيها غَيْرُهم، وانْتِصابُها عَلى الحالِ.

وقَرَأ نافِعٌ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ.

﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أيْ كَتَفْصِيلِنا هَذا الحُكْمَ نُفَصِّلُ سائِرَ الأحْكامِ لَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)

ثم استفهم إنكاراً على محرم الحلال بقوله

الأعراف (٣٢ _ ٣٥)

{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله} من الثياب وكلما يتجمل به {التى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} أي أصلها يعني القطن من الأرض والقز من الدود {والطيبات مِنَ الرزق} والمستلذات من المآكل والمشارب وقيل كانوا إذا أحرموا حرموا الشاة وما يخرج منها من لحمها وشحمها ولبنها {قُلْ هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا} غير خالصة لهم لأن المشركين شركاؤهم فيها {خَالِصَةً يَوْمَ القيامة} لا يشركهم فيها أحد ولم يقل للذين آمنوا ولغيرهم لينبه على انها خلقت اللذين آمنوا على طريق الأصالة والكفار تبع لهم خالصة بالرفع نافع فهى مبتدأ خبره للذين آمنوا وفى الحياة الدينا ظرف للخبر أو خَالِصَةٌ خبر ثانٍ أو خبر مبتدأ محذوف أي هي خالصة وغيره نصبها على الحال من الضمير الذي في الظرف الذى هو الخير أي هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا في حال خلوصها يوم القيامة {كذلك نُفَصّلُ الآيات} نميز الحلال من الحرام {لِقَوْمٍ يعلمون} أنه لاشريك له

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ ﴾ .

ورُوِيَ أنَّ الحُسَيْنَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أُصِيبَ وعَلَيْهِ جُبَّةٌ خَزٌّ وأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لَمّا بَعَثَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ إلى الخَوارِجِ لَبِسَ أفْضَلَ ثِيابِهِ وتَطَيَّبَ بِأطْيَبِ طِيبِهِ ورَكِبَ أحْسَنَ مَراكِبِهِ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَوافَقَهم فَقالُوا: يا ابْنَ عَبّاسٍ بَيْنا أنْتَ خَيْرُ النّاسِ إذْ أتَيْتَنا في لِباسِ الجَبابِرَةِ ومَراكِبِهِمْ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ لَكِنْ رُوِيَ عَنْ طاوُسٍ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: لَمْ يَأْمُرْكم سُبْحانَهُ بِالحَرِيرِ ولا الدِّيباجِ ولَكِنَّهُ كانَ إذا طافَ أحَدُهم وعَلَيْهِ ثِيابُهُ ضُرِبَ وانْتُزِعَتْ مِنهُ فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ والحَقُّ أنَّ كُلَّ ما لَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى حُرْمَتِهِ داخِلٌ في هَذِهِ الزِّينَةِ لا تَوَقُّفَ في اسْتِعْمالِهِ ما لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَحْوَ مَخِيلَةٍ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ.

وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ  خَرَجَ وعَلَيْهِ رِداءٌ قِيمَتُهُ ألْفُ دِرْهَمٍ وكانَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَرْتَدِي بِرِداءٍ قِيمَتُهُ أرْبَعُمِائَةِ دِينارٍ وكانَ يَأْمُرُ أصْحابَهُ بِذَلِكَ وكانَ مُحَمَّدٌ يَلْبَسُ الثِّيابَ النَّفِيسَةَ ويَقُولُ: إنَّ لِي نِساءً وجِوارِيَ فَأُزَيِّنُ نَفْسِي كَيْ لا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِي وقَدْ نَصَّ الفُقَهاءُ عَلى أنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّجَمُّلُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «إنَّ اللَّهَ تَعالى إذا أنْعَمَ عَلى عَبْدٍ أحَبَّ أنْ يَرى أثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ» وقِيلَ لِبَعْضِهِمْ: ألَيْسَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ يَلْبَسُ قَمِيصًا عَلَيْهِ كَذا رُقْعَةٍ فَقالَ: فَعَلَ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ هي أنَّهُ كانَ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ وعُمّالُهُ يَقْتَدُونَ بِهِ ورُبَّما لا يَكُونُ لَهم مالٌ فَيَأْخُذُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ نَعَمْ كَرِهَ بَعْضُ الأئِمَّةِ لُبْسَ المُعَصْفَرِ والمُزَعْفَرِ وكَرِهُوا أيْضًا أشْياءَ أُخَرَ تُطْلَبُ مِن مِحالِّها.

﴿ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ أيْ هي لَهم بِالأصالَةِ لِمَزِيدِ كَرامَتِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى والكَفَرَةُ وإنْ شارَكُوهم فِيها فَبِالتَّبَعِ فَلا إشْكالَ في الِاخْتِصاصِ المُسْتَفادِ مِنَ اللّامِ ﴿ خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ لا يُشارِكُهم فِيها غَيْرُهم وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّ المَعْنى هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا غَيْرَ خالِصَةٍ مِنَ الهُمُومِ والأحْزانِ والمَشَقَّةِ وهي خالِصَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ مِن ذَلِكَ وانْتِصابُ ( خالِصَةً ) عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ والعامِلَ فِيهِ مُتَعَلِّقُهُ وقَرَأ نافِعٌ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ هو الخَبَرُ و ﴿ لِلَّذِينَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ قُدِّمَ لِتَأْكِيدِ الخُلُوصِ والِاخْتِصاصِ ﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ﴾ أيْ مِثْلُ تَفْصِيلِنا هَذا الحُكْمَ نُفَصِّلُ سائِرَ الأحْكامِ ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ (32) ما في تَضاعِيفِها مِنَ المَعانِي الرّائِقَةِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا ﴾ ونَظائِرُهُ مِمّا تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ أي البسوا ثيابكم واستروا عوراتكم عند كل صلاة.

قال السدي: كان هؤلاء والذين يطوفون بالبيت عراة يحرمون الودك.

فقال الله تعالى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا في التحريم.

ويقال: الإسراف أن يأكل ما لا يحل أكله أو يأكل مما يحل له أكله فوق القصد ومقدار الحاجة.

وقيل لبعض الأطباء: هل وجدت الطب في كتاب الله تعالى؟

قال: نعم قد جمع الله الطب كله في هذه الآية وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا ثم قال: إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ أي لا تحرموا ما أحل الله لكم، فإنَّ المحرم ما أحل الله كالمحل ما حرم الله تعالى.

قوله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وهو أنه لما نزل قوله: خُذُوا زِينَتَكُمْ لبسوا الثياب وطافوا بالبيت مع الثياب فعيرهم المشركون، فنزل قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ يعني: لبس الثياب الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ أي خلقها لهم لعباده أي أوجد.

وقيل: أظهر وقيل على حقيقته كان في السماء أو في الأرض فأخرجه.

وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ يعني: الحلال وهو اللحم والشحم والدسم قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا قال مقاتل: في الآية تقديم.

ومعناه: قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق في الحياة الدنيا قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ قرأ نافع: خَالِصَةٌ بضم التاء وقرأ الباقون بالنصب خَالِصَةً فمن قرأ بالضم فهو خبر بعد خبر يعني: هي ثابتة لهم خالصة أي ثابتة.

معناه: قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا يشترك فيها المؤمن والكافر وهي خالصة للمؤمنين يوم القيامة وقال القتبي: هذا من الاختصار ومعناه: قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا مشتركة، وفي الآخرة خالصة ثم قال: كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ يعني: العلامات ويقال: نبيّن الآيات من أمره ونهيه وما يكون في الدنيا والآخرة لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أي يفهمون أمر الله تعالى.

ثم أخبرهم بما حرّم عليهم فقال: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ يعني: المعاصي.

ويقال الإثم يعني: الخمر كما قال القائل: شربت الإثم حتى ضل عقلي ...

كذاك الإثم يذهب بالعقول وَالْبَغْيَ يعني: حرم الاستطالة وظلم الناس بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ يقول: وحرّم أن تشركوا بالله ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً يقول: ما لم ينزل به كتاباً فيه عذركم وحجة لكم وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ أي وحرم عليكم أن تقولوا على الله ما لاَ تَعْلَمُونَ أنه حرم عليكم.

ثم خوفهم فقال: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ يعني: لكل أهل دين مُهلة للعذاب فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ بالعذاب لاَ يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً بعد الأجل وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ساعة قبل الأجل.

ثم قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقال ابن عَبَّاس في هذه الآية: أحلَّ اللَّه الأكل والشرب ما لم يكن سَرَفاً أو مخيلة «١» .

قال ابن العربي «٢» : قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا الإِسْرَافُ تَعَدِّي الحد، فنهاهم سبحانه عن تعدي الحَلاَل إلى الحرام.

وقيل: لا يزيد على قَدْرِ الحاجة، وقد اختلف فيه على قولين فقيل/ حرام.

وقيل: مكروه، وهو الأصح.

فإن قدر الشبع يختلف باختلاف البُلْدَانِ، والأَزْمَانِ، والإِنسان، والطعمان.

انتهى من «أحكام القرآن» .

قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)

وقوله سبحانه: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ أي: قل لهم على جِهَةِ التوبيخ.

وَزِينَةُ اللَّه هي ما حَسَّنته الشَّرِيعَةُ، وقررته، وزِينَةُ الدنيا كل ما اقتضته الشَّهْوَةُ، وطلب العلو في الأرض كالمَالِ والبنين.

والطَّيِّباتِ قال الجمهور: يريد المُحَلّلات.

وقال الشافعي وغيره: هي المُسْتَلَذَّاتُ أي: من الحلال، وإنما قاد الشَّافعي إلى هذا تحريمه المستقذرات كالوَزَغِ «٣» ونحوهَا، فإنه يقول: هي من الخَبَائِث.

ت: وقال مكي: المعنى قل مَنْ حَرَّمَ زينة اللَّه، أي: اللِّبَاس الذي يزين الإنسان بأَن يستر عَوْرَتهُ، ومن حرم الطيبات من الرزق المُبَاحَةِ.

وقيل عنى بذلك ما كَانَتِ الجَاهِلِيَّةُ تحرمه من السوائب والبَحَائِر.

انتهى.

وقوله سبحانه: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ قال ابن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ المُشْرِكِينَ عَيَّرُوا المُسْلِمِينَ، إذْ لَبِسُوا الثِّيابَ في الطَّوافِ، وأكَلُوا الطَّيِّباتِ، فَنَزَلَتْ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا يُحَرِّمُونَ أشْياءً أحَلَّها اللَّهُ، مِنَ الزُّرُوعِ وغَيْرِها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: نَزَلَتْ في طَوافِهِمْ بِالبَيْتِ عُراةً، قالَهُ طاوُسُ، وعَطاءٌ.

وفي زِينَةِ اللَّهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها سَتْرُ العَوْرَةِ؛ فالمَعْنى: مَن حَرَّمَ أنْ تَلْبَسُوا في طَوافِكم ما يَسْتُرُكُمْ؟

.

والثّانِي: أنَّها زِينَةُ اللِّباسِ.

وفي الطَّيِّباتِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الحَلالُ.

والثّانِي: المُسْتَلَذُّ.

ثُمَّ في ما عُنِيَ بِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها البَحائِرُ، والسَّوائِبُ، والوَصائِلُ، والحَوّامِي الَّتِي حَرَّمُوها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّها السَّمْنُ، والألْبانُ، واللَّحْمُ، وكانُوا حَرَّمُوهُ في الإحْرامِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: الحَرْثُ، والأنْعامُ، والألْبانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: "خالِصَةً" نُصِبَ عَلى الحالِ مِن لامٍ مُضْمَرَةٍ، تَقْدِيرُها: هي لَلَّذِينِ آَمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا مُشْتَرَكَةٌ، وهي لَهم في الآَخِرَةِ خالِصَةٌ، فَحُذِفَتِ اللّامُ لِوُضُوحِ مَعْناها، كَما تَحْذِفُ العَرَبُ أشْياءَ لا يَلْبَسُ سُقُوطُها.

قالَ الشّاعِرُ: تَقُولُ ابْنَتِي لَمّا رَأتْنِي شاحِبًا كَأنَّكَ يَحْمِيكَ الطَّعامَ طَبِيبُ ∗∗∗ تَتابُعُ أحْداثٍ تَخِرُّ مِن إخْوَتِي ∗∗∗ فَشَيَّبْنَ رَأْسِي والخُطُوبُ تَشِيبُ أرادَ: فَقُلْتُ لَها: الَّذِي اكْسَبْنِي ما تَرَيْنَ، تُتابُعُ أحْداثٍ، فَحَذَفَ لانْكِشافِ المَعْنى.

قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَ المُشْرِكِينَ شارَكُوا المُؤْمِنِينَ في الطَّيِّباتِ، فَأكَلُوا ولَبِسُوا ونَكَحُوا، ثُمَّ يُخْلِصُ اللَّهُ الطَّيِّباتِ في الآَخِرَةِ لَلْمُؤْمِنِينَ، ولَيْسَ لَلْمُشْرِكِينَ فِيها شَيْءٌ.

وقِيلَ: خالِصَةٌ لَهم مِن ضَرَرٍ أوْ إثْمٍ.

وقَرَأ نافِعٌ: "خالِصَةٌ" بِالرَّفْعِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ورَفَعَها عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ عاقِلٌ لَبِيبٌ؛ والمَعْنى: قُلْ هي ثابِتَةٌ لَلَّذِينِ آَمَنُوا في الدُّنْيا، خالِصَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ﴾ أيْ: هَكَذا نُبَيِّنُها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ ﴾ ﴿ قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَيِّباتِ مَن الرِزْقِ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ هَذا خِطابٌ عامٌّ لِجَمِيعِ العالَمِ؛ وأُمِرُوا بِهَذِهِ الأشْياءِ بِسَبَبِ عِصْيانِ حاضِرِي ذَلِكَ الوَقْتِ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ فِيها.

وَ"اَلزِّينَةُ"؛ هَهُنا: اَلثِّيابُ الساتِرَةُ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وقالَ طاوُسٌ: اَلشَّمْلَةُ مِنَ الزِينَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَدْخُلُ فِيها ما كانَ مِنَ الطِيبِ لِلْجُمُعَةِ؛ والسِواكُ؛ وبِدَلُ الثِيابِ؛ وكُلُّ ما وُجِدَ اسْتِحْسانُهُ في الشَرِيعَةِ؛ ولَمْ يَقْصِدْ بِهِ مُسْتَعْمِلُهُ الخُيَلاءَ.

و ﴿ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ ؛ عِنْدَ كُلِّ مَوْضِعِ سُجُودٍ؛ فَهي إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ؛ وسَتْرِ العَوْرَةِ فِيها؛ هَذا هو مُهِمُّ الأمْرِ؛ ويَدْخُلُ مَعَ الصَلاةِ مَواطِنُ الخَيْرِ كُلُّها؛ ومَعَ سَتْرِ العَوْرَةِ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الطِيبِ لِلْجُمُعَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وذَكَرَ مَكِّيٌّ حَدِيثًا أنَّ مَعْنى ﴿ خُذُوا زِينَتَكُمْ ﴾ ؛ صَلُّوا في النِعالِ؛ وما أحْسَبُهُ يَصِحُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَكُلُوا واشْرَبُوا ﴾ ؛ نَهْيٌ عَمّا كانُوا التَزَمُوهُ مِن تَحْرِيمِ اللَحْمِ؛ والوَدَكِ؛ في أيّامِ المَوْسِمِ؛ قالَهُ السُدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ ؛ وتَدْخُلُ مَعَ ذَلِكَ أيْضًا البَحِيرَةُ؛ والسائِبَةُ؛ ونَحْوُ ذَلِكَ؛ وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ قَتادَةُ ؛ وقالَ: إنَّ البَحِيرَةَ؛ وما جانَسَها؛ هي المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ والطَيِّباتِ مِنَ الرِزْقِ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلا تُسْرِفُوا ﴾ ؛ مَعْناهُ: "وَلا تُفَرِّطُوا"؛ قالَ أهْلُ التَأْوِيلِ: يُرِيدُ: "وَلا تُسْرِفُوا بِأنْ تُحَرِّمُوا عَلى أنْفُسِكم ما لَمْ يُحَرِّمِ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ"؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: لَيْسَ في الحَلالِ سَرَفٌ؛ إنَّما السَرَفُ في ارْتِكابِ المَعاصِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يُرِيدُ: "فِي الحَلالِ القَصْدُ"؛ واللَفْظُ يَقْتَضِي النَهْيَ عَنِ السَرَفِ مُطْلَقًا؛ فَمَن تَلَبَّسَ بِفِعْلِ حَرامٍ فَتَأوَّلَ تَلَبُّسَهُ بِهِ؛ حَصَلَ مِنَ المُسْرِفِينَ؛ وتُوُجِّهَ النَهْيُ عَلَيْهِ؛ ومَن تَلَبَّسَ بِفِعْلِ مُباحٍ؛ فَإنْ مَشى فِيهِ عَلى القَصْدِ؛ وأوساطِ الأُمُورِ؛ فَحَسَنٌ؛ وإنْ أفْرَطَ حَتّى دَخَلَ الضَرَرُ حَصَلَ أيْضًا مِنَ المُسْرِفِينَ؛ وتُوُجِّهَ النَهْيُ عَلَيْهِ؛ مِثْلُ ذَلِكَ: "أنْ يُفَرِّطَ الإنْسانُ في شِراءِ ثِيابٍ؛ ونَحْوِها؛ ويَسْتَنْفِدَ في ذَلِكَ جُلَّ مالِهِ؛ أو يُعْطِيَ مالَهُ أجْمَعَ؛ ويُكابِدَ بِعِيالِهِ الفَقْرَ بَعْدَ ذَلِكَ"؛ وَنَحْوُهُ؛ فاللهُ - عَزَّ وجَلَّ - لا يُحِبُّ شَيْئًا مِن هَذا؛ وقَدْ نَهَتِ الشَرِيعَةُ عنهُ؛ ولِذَلِكَ وقَفَ النَبِيُّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - بِالمُوصِي عِنْدَ الثُلُثِ؛ وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لَوْ حَطَّ الناسُ إلى الرُبُعِ لِقَوْلِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: "والثُلُثُ كَثِيرٌ"؛ وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - في هَذِهِ الآيَةِ -: أحَلَّ اللهُ تَعالى الأكْلَ والشُرْبَ؛ ما لَمْ يَكُنْ سَرَفًا؛ أو مَخْيَلَةً.

وأمَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنْ يَسْألَهم عَمَّنْ حَرَّمَ ما أحَلَّ اللهُ تَعالى ؛ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيرِ؛ ولَيْسَ يَقْتَضِي هَذا السُؤالُ جَوابًا؛ وإنَّما المُرادُ مِنهُ التَوْقِيفُ عَلى سُوءِ الفِعْلِ؛ وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ أنَّ السُؤالَ والجَوابَ جاءا في هَذِهِ الآيَةِ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ؛ وتُخُيِّلَ قَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ جَوابًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا نَظَرٌ فاسِدٌ؛ لَيْسَ ذَلِكَ بِجَوابِ السُؤالِ؛ ولا يَقْتَضِي هَذا النَوْعُ مِنَ الأسْئِلَةِ جَوابًا؛ و"زِينَةُ اللهِ"؛ هي كُلُّ ما اقْتَضَتْهُ الشَهْوَةُ؛ وطَلَبُ العُلُوِّ في الأرْضِ؛ كالمالِ؛ والبَنِينَ؛ وهي الزِينَةُ الَّتِي فَضَّلَ الشَرْعَ عَلَيْها.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ والطَيِّباتِ مِنَ الرِزْقِ ﴾ ؛ قالَ الجُمْهُورُ: يُرِيدُ: اَلْمُحَلَّلاتِ؛ وقالَ الشافِعِيُّ وغَيْرُهُ: يُرِيدُ: اَلْمُسْتَلَذّاتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: إلّا أنَّ ذَلِكَ - ولا بُدَّ - يُشْتَرَطُ فِيهِ أنْ يَكُونَ مِنَ الحَلالِ؛ وإنَّما قادَ الشافِعِيَّ إلى هَذا تَحْرِيمُهُ المُسْتَقْذَراتِ؛ كالوَزَغِ؛ وغَيْرِها؛ فَإنَّهُ يَقُولُ: هي مِنَ الخَبائِثِ؛ مُحَرَّمَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ .

قَرَأ نافِعٌ ؛ وحْدَهُ: "خالِصَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ والباقُونَ: "خالِصَةً"؛ بِالنَصْبِ؛ والآيَةُ تُتَأوَّلُ عَلى مَعْنَيَيْنِ.

أحَدُهُما: أنْ يُخْبِرَ أنَّ هَذِهِ الطَيِّباتِ المَوْجُوداتِ في الدُنْيا هي خالِصَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ في الدُنْيا؛ وخُلُوصُها أنَّهم لا يُعاقَبُونَ عَلَيْها؛ ولا يُعَذَّبُونَ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فِي الحَياةِ الدُنْيا ﴾ ؛ مُتَعَلِّقٌ بِـ "آمَنُوا"؛ وإلى هَذا يُشِيرُ تَفْسِيرُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ؛ فَإنَّهُ قالَ: "قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُنْيا؛ يَنْتَفِعُونَ بِها في الدُنْيا؛ ولا يَتْبَعُهم إثْمُها"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "خالِصَةً"؛ ﴾ بِالرَفْعِ؛ خَبَرُ "هِيَ"؛ و"لِلَّذِينَ"؛ تَبْيِينٌ لِلْخُلُوصِ؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "خالِصَةٌ"؛ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ؛ و"يَوْمَ القِيامَةِ"؛ يُرِيدُ بِهِ وقْتَ الحِسابِ؛ وقَرَأ قَتادَةُ والكِسائِيِّ: "قُلْ هي لِمَن آمَنَ في الحَياةِ الدُنْيا".

والمَعْنى الثانِي: هو أنْ يُخْبِرَ أنَّ هَذِهِ الطَيِّباتِ المَوْجُوداتِ؛ هي في الحَياةِ الدُنْيا لِلَّذِينِ آمَنُوا؛ وإنْ كانَتْ أيْضًا لِغَيْرِهِمْ مَعَهُمْ؛ وهي يَوْمَ القِيامَةِ خالِصَةٌ لَهُمْ؛ أيْ لا يُشارِكُهم أحَدٌ في اسْتِعْمالِها في الآخِرَةِ؛ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ والضَحّاكِ ؛ والحَسَنِ ؛ وقَتادَةَ ؛ والسُدِّيِّ ؛ وابْنِ جُرَيْجٍ ؛ وابْنِ زَيْدٍ ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فِي الحَياةِ الدُنْيا ﴾ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - مُتَعَلِّقٌ بِالمَحْذُوفِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ؛ كَأنَّهُ قالَ: "هِيَ خالِصَةٌ - أو ثابِتَةٌ - في الحَياةِ الدُنْيا لِلَّذِينِ آمَنُوا"؛ و"خالِصَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ؛ أو خَبَرُ ابْتِداءٍ مُقَدَّرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: وهي خالِصَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ؛ و"يَوْمَ القِيامَةِ"؛ يُرادُ بِهِ اسْتِمْرارُ الكَوْنِ في الجَنَّةِ؛ وأمّا مَن نَصَبَ "خالِصَةً"؛ فَعَلى الحالِ مِنَ الذِكْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ؛ والتَقْدِيرُ: "هِيَ ثابِتَةٌ - أو مُسْتَقِرَّةٌ - لِلَّذِينِ آمَنُوا؛ في حال خُلُوصٍ لَهُمْ"؛ والعامِلُ فِيها ما في اللامِ مِن مَعْنى الفِعْلِ؛ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ لِلَّذِينَ  ﴾ ؛ وقالَ أبُو عَلِيٍّ في "اَلْحُجَّةُ": ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فِي الحَياةِ الدُنْيا ﴾ ؛ بِقَوْلِهِ: "حَرَّمَ"؛ ولا يَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ "زِينَةَ" لِأنَّها مَصْدَرٌ قَدْ وُصِفَ؛ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ أخْرَجَ لِعِبادِهِ ﴾ ؛ ويَجُوزُ ذَلِكَ وإنْ فُصِلَ بَيْنَ الصِلَةِ والمَوْصُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كَلامٌ يَشُدُّ القِصَّةَ؛ ولَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ مِنها جِدًّا؛ كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ والَّذِينَ كَسَبُوا السَيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ  ﴾ ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ  ﴾ ؛ مَعْطُوفٌ عَلى "كَسَبُوا"؛ داخِلٌ في الصِلَةِ؛ والتَعَلُّقُ بِـ "أخْرَجَ"؛ هو قَوْلُ الأخْفَشِ ؛ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ "والطَيِّباتِ"؛ ﴾ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ مِنَ الرِزْقِ ﴾ ؛ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ "آمَنُوا".

﴾ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا الأخِيرُ هو أصَحُّ الأقْوالِ؛ عَلى هَذا التَأْوِيلِ الأوَّلِ؛ فِيما رَتَّبْناهُ هُنا؛ وأمّا عَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ فَيُضْعِفُ مَعْنى الآيَةِ هَذِهِ المُتَعَلِّقاتُ الَّتِي ذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ ؛ وإنَّما يَظْهَرُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمَحْذُوفِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى "كَذَلِكَ"؛ تَقْدِيرُ الكَلامِ: أيْ: "كَما فَصَّلْنا هَذِهِ الأشْياءَ المُتَقَدِّمَةَ الذِكْرِ فَكَذَلِكَ؛ وعَلى تِلْكَ الصُورَةِ؛ نُفَصِّلُ الآياتِ - أيْ: "نُبَيِّنُ الأماراتِ؛ والعَلاماتِ؛ والهِداياتِ -؛ لِقَوْمٍ لَهم عِلْمٌ يَنْتَفِعُونَ بِهِ"؛ و"نُفَصِّلُ" مَعْناهُ: نُقَسِّمُ؛ ونُبَيِّنُ؛ لِأنَّ بَيانَ الأُمُورِ المُشَبَّهاتِ إنَّما هو في تَقْسِيمِها بِالفُصُولِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف معتَرَض بين الخطابات المحكيّة والموجّهة، وهو موضع إبطال مزاعم أهل الجاهليّة فيما حرّموه من اللّباس والطّعام وهي زيادة تأكيد لإباحة التستر في المساجد، فابتدئ الكلام السابق بأنّ اللباس نعمة من لله.

وثني بالأمر بإيجاب التستر عند كل مسجد، وثلث بانكاران يوجد تحريم اللباس وافتتاح الجملة ب ﴿ قل ﴾ دلالة على أنّه كلام مسوق للردّ والإنكار والمحاورة.

والاستفهام إنكاري قصد به التّهكّم إذ جعلهم بمنزلة أهل علم يطلب منهم البيان والإفادة نظير قوله: ﴿ قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ﴾ [الأنعام: 148] وقوله ﴿ نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ﴾ [الأنعام: 143] وقرينة التّهكّم: إضافة الزّينة إلى اسم الله، وتعريفها بأنّها أخرجها الله لعباده، ووصفُ الرّزق بالطّيبات، وذلك يقتضي عدم التّحريم، فالاستفهام يؤول أيضاً إلى إنكار تحريمها.

ولوضوح انتفاء تحريمها، وأنّه لا يقوله عاقل، وأنّ السؤال سؤال عالم لا سؤال طالب علم، أُمر السّائل بأن يجيب بنفسه سؤَالَ نفسِه، فعُقب ما هو في صورة السؤال بقوله: ﴿ قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا ﴾ على طريقة قوله: ﴿ قل لمن ما في السموات والأرض قل لله ﴾ في سورة الأنعام (12)، وقوله ﴿ عم يتساءلون عن النبإ العظيم ﴾ [النبأ: 1، 2] فآل السؤال وجوابه إلى خبرين.

وضمير: ﴿ هي ﴾ عائد إلى الزينة والطّيبات بقطع النّظر عن وصْف تحريم من حرّمها، أي: الزّينةُ والطّيبات من حيث هي هي حلال للذين آمنوا فمن حرّمها على أنفسهم فقد حَرَمُوا أنفسهم.

واللاّم في: ﴿ للذين آمنوا ﴾ لام الاختصاص وهو يدلّ على الإباحة، فالمعنى: ما هي بحرام ولكنّها مباحة للذين آمنوا، وإنّما حَرَم المشركون أنفسهم من أصناف منها في الحياة الدّنيا كلّها مثل البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي وما في بطونها، وحَرَم بعض المشركين أنفسهم من أشياء في أوقات من الحياة الدّنيا ممّا حرّموه على أنفسهم من اللّباس في الطّواف وفي منى، ومن أكل اللّحوم والودَك والسّمن واللّبن، فكان الفوز للمؤمنين إذ اتّبعوا أمر الله بتحليل ذلك كلّه في جميع أوقات الحياة الدّنيا.

وقوله: ﴿ خالصة يوم القيامة ﴾ قرأه نافع، وحده: برفع خالصة على أنّه خبر ثان عن قوله: ﴿ هي ﴾ أي: هي لهم في الدّنيا وهي لهم خالصة يوم القيامة، وقرأه باقي العشرة: بالنّصب على الحال من المبتدأ أي هي لهم الآن حال كونها خالصة في الآخرة ومعنى القراءتين واحد، وهو أنّ الزّينة والطّيّبات تكون خالصة للمؤمنين يوم القيامة.

والأظهر أنّ الضّمير المستتر في ﴿ خالصة ﴾ عائد إلى الزّينة والطّيبات الحاصلة في الحياة الدّنيا بعينها، أي هي خالصة لهم في الآخرة، ولا شكّ أنّ تلك الزّينة والطّيّبات قد انقرضت في الدّنيا، فمعنى خلاصها صفاؤها، وكونه في يوم القيامة: هو أنّ يوم القيامة مظهر صفائِها أي خلوصها من التّبعات المنجرّة منها، وهي تبعات تحريمها، وتبعات تناول بعضها مع الكفر بالمنعِم بها، فالمؤمنون لمّا تناولوها في الدّنيا تناولوها بإذن ربّهم، بخلاف المشركين فإنّهم يسألون عنها فيعاقبون على ما تناولوه منها في الدّنيا، لأنّهم كفروا نعمة المنعِم بها، فأشركوا به غيره كما قال تعالى فيهم: ﴿ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ [الواقعة: 82] وإلى هذا المعنى يشير تفسير سعيد بن جبير، والأمر فيه على قراءة رفع: ﴿ خالصة ﴾ أنّه إخبار عن هذه الزّينة والطّيبات بأنّها لا تعقب المتمتّعين بها تبعات ولا أضراراً، وعلى قراءة النّصب فهو نصب على الحال المقدرة.

ويحتمل أن يكون الضّمير في ﴿ خالصة ﴾ عائداً إلى الزّينة والطّيبات، باعتبار أنواعها لا باعتبار أعيانها، فيكون المعنى: ولهم أمثالها يوم القيامة خالصة.

ومعنى الخلاص التّمحض وهو هنا التّمحض عن مشاركة غيرهم من أهل يوم القيامة، والمقصود أنّ المشركين وغيرهم من الكافرين لا زينة لهم ولا طيّبات من الرّزق يوم القيامة، أي أنّها في الدّنيا كانت لهم مع مشاركة المشركين إياهم فيها، وهذا المعنى مروي عن ابن عبّاس وأصحابه.

ومعنى: ﴿ كذلك نفصّل الآيات ﴾ كهذا التّفصيل المتبَدِيء من قوله: ﴿ يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً ﴾ [الأعراف: 26] الآيات أو من قوله: ﴿ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ﴾ [الأعراف: 3].

وتقدّم نظير هذا التّركيب في سورة الأنعام.

والمراد بالآيات الدّلائل الدّالة على عظيم قدرة الله تعالى، وانفراده بالإلهيّة، والدّالة على صدق رسوله محمّد صلى الله عليه وسلم إذ بيَّن فساد دين أهل الجاهليّة، وعلَّم أهل الإسلام علماً كاملاً لا يختلط معه الصّالح والفاسد من الأعمال، إذ قال: خُذوا زينتكم، وقال: ﴿ وكلوا واشربوا ﴾ [الأعراف: 31]، ثمّ قال: ﴿ ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ﴾ [الأعراف: 31]، وإذ عاقب المشركين على شركهم وعنادهم وتكذيبهم بعقاب في الدّنيا، فخذلهم حتّى وضعوا لأنفسهم شرعاً حَرَمَهم من طيّبات كثيرة وشوّه بهم بين الملإ في الحجّ بالعراء فكانوا مثَل سوءٍ ثمّ عاقبهم على ذلك في الآخرة، وإذ وفق المؤمنين لَمَّا استعدّوا لقبول دعوة رسوله فاتّبعوه، فمتّعهم بجميع الطّيبات في الدّنيا غير محرومين من شيء إلاّ أشياء فيها ضُر عَلِمه الله فحرّمها عليهم، وسلَّمهم من العقاب عليها في الآخرة.

واللاّم في قوله: ﴿ لقوم يعلمون ﴾ لام العلّة، وهو متعلّق بفعل ﴿ نفصل ﴾ ، أي تفصيل الآيات لا يفهمه إلاّ قوم يعلمون، فإنّ الله لمّا فصّل الآيات يَعلم أنّ تفصيلها لقوم يعلمون، ويجوز أن يكون الجارُّ والمجرور ظرفاً مستقراً في موضع الحال من الآيات، أي حال كونها دلائل لقوم يعلمون، فإنّ غير الذين لا يعلمون لا تكون آيات لهم إذ لا يفقهونها كقوله تعالى: ﴿ إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ﴾ في سورة الأنعام (99)، أي كذلك التّفصيل الذي فَصلتُه لكم هنا نفصّل الآيات ويتجدّد تفصلينا إياها حرصا على نفع قوم يعلمون.

والمراد بقوم يعلمون} الثّناءُ على المسلمين الذين فهموا الآيات وشكروا عليها، والتّعريضُ بجهل وضلال عقول المشركين الذين استمرّوا على عنادهم وضلالهم، رغم ما فصّل لهم من الآيات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ ﴾ يَعْنِي سَتْرَ العَوْرَةِ رَدًّا عَلى تَرْكِها مِنَ العَرَبِ في الطَّوافِ.

وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنْ يُرِيدَ زِينَتَها في اللِّباسِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يُحَرِّمُونَ في الإحْرامِ أكْلَ السَّمْنِ واللَّبَنِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّها البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ الَّتِي حَرَّمُوها عَلى أنْفُسِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

وَفي طَيِّباتِ الرِّزْقِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُسْتَلَذُّ.

والثّانِي: أنَّهُ الحَلالُ.

﴿ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ يَعْنِي أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا لَهُ الطَّيِّباتُ مِنَ الرِّزْقِ يَوْمَ القِيامَةِ لِأنَّهم في القِيامَةِ يَخْتَصُّونَ بِها وفي الدُّنْيا قَدْ يُشْرِكُهُمُ الكُفّارُ فِيها.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: خالِصَةٌ لَهم مِن دُونِ الكُفّارِ.

والثّانِي: خالِصَةٌ مِن مَضَرَّةٍ أوْ مَأْثَمٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة يصفرون ويصفقون، فأنزل الله: ﴿ قل من حرم زينة الله ﴾ فأمروا بالثياب أن يلبسوها ﴿ قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ﴾ قال: ينتفعون بها في الدنيا لا يتبعهم فيها إثم يوم القيامة.

وأخرج وكيع في الغرر عن عائشة.

أنها سئلت عن مقانع القز؟

فقالت: ما حرم الله شيئاً من الزينة.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن الضحاك ﴿ قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ﴾ قال: المشركون يشاركون المؤمنين في زهرة الدنيا وهي خالصة يوم القيامة للمؤمنين دون المشركين.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس والطيبات من الرزق قال: الودك واللحم والسمن.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد قال: كان قوم يحرمون من الشاة لبنها ولحمها وسمنها، فأنزل الله: ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ﴾ قال: والزينة الثياب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ والطيبات من الرزق ﴾ قال: هو ما حرم أهل الجاهلية عليهم في أموالهم البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحامي.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يحرمون أشياء أحلها الله من الثياب وغيرها، وهو قول الله: ﴿ قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً ﴾ [ يونس: 59] وهو هذا، فأنزل الله: ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا ﴾ يعني شارك المسلمون الكفار في الطيبات في الحياة الدنيا، فأكلوا من طيبات طعامها ولبسوا من جياد ثيابها، ونكحوا من صالح نسائها، ثم يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: الزينة تخلص يوم القيامة لمن آمن في الدنيا.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم قال: سمعت الحجاج بن يوسف يقرأ ﴿ قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة ﴾ بالرفع.

قال عاصم: ولم يبصر الحجاج اعرابها، وقرأها عاصم بالنصب ﴿ خالصة ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ ﴾ .

قال ابن عباس (١) (٢) قال أبو إسحاق: (أي: من حرم أن تلبسوا في طوافكم ما يستركم) (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ﴾ أي: الحلالات من الرزق، يعني ما حرموه على أنفسهم من البحائر والسوائب، قاله ابن عباس (٤) (٥) وقال الآخرون (٦) ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا  ﴾ في الآية الأولى (٧) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ قال الفراء: (نصب ﴿ خَالِصَةً ﴾ على القطع (٨) (٩) ﴿ لِلَّذِينَ ﴾ والخالصة ليست بقطع من هذه اللام، ولكنها قطع من لام أخرى مضمرة، والمعنى والله أعلم: ﴿ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ مشتركة وهي لهم في الآخرة ﴿ خَالِصَةً ﴾ على القطع) (١٠) قال أبو علي: (قوله: ﴿ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ \[يحتمل أن يكون ظرفًا لـ (هي)، وخبرها قوله: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ والتقدير: هي في الحياة الدنيا\] (١١) ﴿ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ متصلًا بالصلة التي هي (١٢) ﴿ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ في حياتهم -أي: الذين لم يكفروا فيها- ﴿ خَالِصَةً ﴾ ، فموضع (في) على هذا نصب بآمنوا، والعامل في الحال معنى اللام في: ﴿ لِلَّذِينَ ﴾ ، والمعنى: هي تثبت وتستقر ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً ﴾ .

قال: ويجوز أن يكون قوله: ﴿ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ في موضع حال (١٣) ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ، كما بينا، والمعنى: قل: هي تثبت لهم (١٤) ﴿ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ [أي: هي ثابتة للذين آمنوا في حال خلوصها يوم القيامة) (١٥) (١٦) وقرأ نافع (١٧) ﴿ خَالِصَةً ﴾ رفعًا، قال الزجاج: (ورفعها على أنه خبر بعد خبر كما تقول: زيد عاقل لبيب، والمعنى: قل هي ثابتة للمؤمنين ﴿ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ (١٨) قال أبو علي: (قوله: رفعها على أنه خبر بعد خبر جائز حسن، ويجوز أيضاً عندي أن لا يكون خبرًا بعد خبر، ولكن تكون ﴿ خَالِصَةً ﴾ خبر الابتداء كأنه في التقدير: قل هي خالصة للذين آمنوا في الحياة الدنيا، فيكون ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ متعلقاً بخالصة، وفي موضع نصب به، والمعنى: هي تخلص للذين آمنوا يوم القيامة وإن شركهم غيرهم من الكافرين [في الدنيا)] (١٩) قال ابن عباس: (شارك المسلمين المشركون في الطيبات في الحياة الدنيا؛ فأكلوا من طيبات طعامها، ولبسوا من جياد ثيابها، ونكحوا من صالح نسائها، ثم يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيء) (٢٠) (٢١) وقال عطاء في قوله تعالى: ﴿ خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ : (يريد: إن الله جعل لهم الجنة خالصة بطاعتهم الله في الدنيا) (٢٢) ﴿ الطَّيِّبَاتِ ﴾ بالجنة لأنها محل الطيبات في الآخرة.

قال أبو إسحاق: (أعلم الله عز وجل أن الطيبات تخلص للمؤمنين في الآخرة لا يشركهم فيها كافر) (٢٣) وقال بعض أصحاب المعاني: (الأولى أن يكون معنى ﴿ الطَّيِّبَاتِ ﴾ في هذه الآية المستلذ من الرزق) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ ﴾ ، يريد: تفسير ما أحللت من حلالي وما حرمت من حرامي، ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ ، يريد: علموا أني أنا الله وحدي لا شريك لي (٢٥) (١) سبق تخريجه.

(٢) ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 63، وقال: (المراد بالزينة اللباس الذي تستر به العورة، وهو قول ابن عباس وكثير من المفسرين) اهـ.

(٣) "معاني القرآن" 2/ 333.

(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 189 ب، والبغوي 3/ 225، وابن الجوزي 3/ 189 عن ابن عباس وقتادة، وذكره الماوردي 2/ 24 عن الحسن وقتادة.

(٥) أخرجه الطبري 8/ 164، وابن أبي حاتم 5/ 1467 بسند جيد.

(٦) أخرجه الطبري 8/ 163 من عدة طرق جيدة عن السدي، وابن زيد، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1467 من عدة طرق جيدة عن السدي، وسعيد بن جبير.

وانظر: "الدر المنثور" 3/ 150.

(٧) والآية عامة في كل ما يتزين به من ملبوس أو غيره، وفي الطيبات من المآكل والمشارب التي أباحها الله تعالى ورسوله  وإنكار عام على كل من أحل ما حرم الله أو حرم ما أحل الله، ومنها ما فعله أهل الجاهلية.

قال الطبري في "تفسيره" 8/ 163: (يقول الله تعالى ذكره لنبيه  قل لهؤلاء من حرم عليكم زينة الله التي خلقها لعباده؛ أن تتزينوا بها وتتجملوا بلباسها والحلال من رزق الله الذي رزقه خلقه لمطاعمهم ومشاربهم، وقد أجمعوا على أن الزينة ما قلنا) اهـ.

ملخصًا.

وانظر: "تفسير بن عطية" 5/ 482، 483، والقرطبي 7/ 195.

(٨) يعني بالقطع الحال، أفاده السمين في "الدر" 5/ 302، وانظر: "معجم المصطلحات النحوية" ص 188.

(٩) في "معاني الفراء" 1/ 377: (وجعلت الخبر في اللام التي في الذين ..) اهـ.

(١٠) "معاني الفراء" 1/ 377.

(١١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١٢) في (أ): (التي هي للذين آمنوا في حياتهم، أي: للذين لم يكفروا ..).

(١٣) في (ب): قال: (وصاحب الحال).

(١٤) في (ب): (قل هي يثبت ويستقر للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة).

(١٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١٦) هذا ملخص من "الإغفال" ص 771 - 772، و"الحجة" 4/ 15 - 17.

(١٧) قرأ نافع: في ﴿ خَالِصَةً ﴾ بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب.

انظر: "السبعة" ص 280، و"المبسوط" ص 180، و"التذكرة" 2/ 418، و"التيسير" ص 109، و"النشر" 2/ 269.

(١٨) "معاني القرآن" 2/ 333.

(١٩) لفظ: (في الدنيا) ساقط من (أ)، والنص من "الإغفال" ص 771، و"الحجة" 4/ 14 - 16، وانظر: في "توجيه القراءات وإعرابها"، و"تفسير الطبري" 8/ 165، و"إعراب النحاس" 1/ 609، و"معاني القراءات" 1/ 404، و"إعراب القراءات" 1/ 180، و"الحجة" لابن خالويه ص 154، ولابن زنجلة ص 281، و"الكشف" 1/ 461 - 462، و"المشكل" 1/ 288 - 290.

(٢٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 164، وابن أبي حاتم 5/ 1468 بسند جيد.

(٢١) أخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 164، 165 من عدة طرق جيدة عن الحسن والضحاك وابن جريج وابن زيد وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1468 عن الحسن والضحاك وقتادة وعكرمة، وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 228 بسند جيد عن الحسن.

وانظر: "الدر المنثور" 3/ 150.

(٢٢) لم أقف على من ذكره.

(٢٣) "معاني القرآن" 2/ 333.

(٢٤) انظر: "معاني النحاس" 3/ 27، و"تفسير السمرقندي" 1/ 538، و"تفسير الماوردي" 2/ 219، و"ابن الجوزي" 3/ 189.

(٢٥) انظر: "تفسير الطبري" 8/ 166، والسمرقندي 1/ 538، و"الخازن" 2/ 224.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله ﴾ إنكار لتحريمها هو ما شرعه الله لعباده من الملابس والمآكل، وكان بعض العرب إذا حجوا يجرّدون الثياب ويطوفون عراة، ويحرّمون الشحم واللبن، فنزل ذلك رداً عليهم ﴿ خَالِصَةً يَوْمَ القيامة ﴾ أي الزينة والطيب في الدنيا للذين آمنوا ولغيرهم، وفي الآخرة خالصة لهم دون غيرهم، وقرئ خالصةً بالنصب على الحال، والرفع على أنه خبر بعد خبر، أو خبر ابتداء مضمر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ورياشا ﴾ أبو زيد عن المفضل.

الباقون ﴿ ريشاً ﴾ ﴿ ولباس ﴾ بالنصب: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعليّ.

الباقون بالرفع.

﴿ خالصة ﴾ بالرفع: نافع.

الآخرون بالنصب ﴿ ربي الفواحش ﴾ مرسلة الباء: حمزة.

الوقوف: ﴿ وريشاً ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ولباس ﴾ مرفوعاً ومن قرأ بالنصب وقف على ﴿ التقوى ﴾ ﴿ خير ﴾ ط ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ سوآتهما ﴾ ط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ أمرنا بها ﴾ ط ﴿ بالفحشاء ﴾ ط ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ط ﴿ تعودون ﴾ ه على جواز الوصل لرد النهاية إلى البداية ﴿ الضلالة ﴾ ج ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ ولا تسرفوا ﴾ ج لاحتمال الفاء أو اللام.

﴿ المسرفين ﴾ ه ﴿ من الرزق ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ أجل ﴾ ج لأن جواب "إذا" منتظر مع دخول الفاء فيها ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر أن الأرض مستقر لبني آدم ذكر أنه أنزل كل ما يحتاجون إليه في الدين والدنيا فقال: ﴿ يا بني آدم قد أنزلنا ﴾ وأيضاً لما ذكر واقعة آدم في انكشاف العورة وأنه كان يخصف عليها أتبعه ذكر اللباس الساتر للعورة إظهاراً للمنّة وإشعاراً بأن التستر باب من أبواب التقوى.

ومعنى إنزال اللباس أنه قضى ثمة وكتب أو أنه حاصل بالمطر المنزل من أبواب التقوى.

ومعنى إنزال اللباس أنه قضى ثمة وكتب أو أنه حاصل بالمطر المنزل من السماء ومثله ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج  ﴾ ﴿ وأنزلنا الحديد  ﴾ والريش لباس الزينة استعير من ريش الطير لأنه لباسه وزينته أي أنزلنا عليكم لباسين لباساً يواري سوآتكم ولباساً لزينتكم لأن الزينة غرض صحيح كما قال: ﴿ لتركبوها وزينة ولكم فيها جمال  ﴾ ومن قرأ ﴿ رياشاً ﴾ فقد قيل: إنه جمع ريش كشعب وشعاب.

وقال الجوهري: الريش والرياش بمعنى كاللبس واللباس وهو لباس الفاخر.

ويقال: الريش والرياش المال والخصب والمعاش.

وبالجملة كل شيء يعيش به الإنسان ومنه قولهم رشت فلاناً أصلحت حاله، وقال ابن السكيت: الرياش مختص بالثياب والأثاث، والريش قد يطلق على سائر الأموال.

أما قوله: ﴿ ولباس التقوى ﴾ فمن قرأ بالنصب فعلى المنصوب قبله عطف، ومن رفع فعلى الابتداء وخبره إما الجملة التي هي ﴿ ذلك خير ﴾ كأنه قيل: ولباس التقوى وهو خير لأن أسماء الإشارة كالضمائر في صلاح العود بسببها، وإما المفرد الذي هو ﴿ خير ﴾ و ﴿ ذلك ﴾ بدل أو عطف بيان أو صفة بتأويل ولباس التقوى المشار إليه خير.

والعدول إلى الإشارة إما لتعظيم لباس التقوى وإما أن يكون المراد بلباس التقوى هو اللباس المواري للسوأة لأن مواراة السوأة من التقوى تفضيلاً له على لباس الزينة.

ثم من المفسرين من حمل لباس التقوى على نفس الملبوس أي اللباس الذي أنزله الله  ليواري به السوأة هو لباس التقوى لأن قوماً من أهل الجاهلية كانوا يتعبدون بالتعري وخلع الثياب ويطوفون بالبيت عراة فيكون كقول القائل: قد عرفتك الصدق في أبواب البر والصدق خير لك من غيره فيعيده.

أو المراد به ما يلبس من الدروع والجواشن والمغافر وغيرها في الحروب.

أو يراد الملبوسات المعدة لأجل إقامة الصلاة.

ومنهم من حمله على لباس التقوى مجازاً فقال قتادة والسدي وابن جريج: إنه الإيمان.

وقال ابن عباس: هو العمل الصالح.

وقيل: هو السمت الحسن.

وقيل: هو العفاف والتوحيد لأن المؤمن لا تبدو عورته وإن كان عارياً عن الثياب، والفاجر لا تزال عورته مكشوفة وإن كان كاسياً.

وقال معبد: هو الحياء.

وقيل: هو ما يظهر على الإنسان من السكينة والإخباث والأعمال الصالحات.

وعلى هذا فمعنى الآية إن لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به وأقرب إلى الله  مما خلق من اللباس والرياش الذي يتجمل به فأضاف اللباس إلى التقوى كما أضيف إلى الجوع والخوف في قوله: ﴿ فأذاقها الله لباس الجوع والخوف  ﴾ ﴿ وذلك من آيات الله ﴾ الدالة على فضله ورحمته على عباده ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ فيعرفون عظيم النعمة فيه.

ثم حذر أولاد آدم من قبول وسوسة الشيطان لأن المقصود من قصص الأنبياء عليهم السلام أن تكون عبرة لمن يسمعها فقال: ﴿ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان ﴾ الفتنة الامتحان، تقول: فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته.

وقال الخليل: الفتن الإحراق.

وورق فتين أي فضة محرقة، قال الله  : ﴿ يوم هم على النار يفتنون  ﴾ من قدر على إخراج الأب من الجنة مع كمال قوته وقرب عهده من فيضان ربه فهو على منع أولاده عن أن يدخلوا الجنة أقدر.

ومحل ﴿ كما أخرج ﴾ نصب على المصدر أي فتنة مثل إخراج أبويكم لأن هذا الإخراج نوع من الفتنة.

ومحل ﴿ ينزع عنهما لباسهما ﴾ حال أي أخرجهما نازعا لباسهما بأن كان سبباً في أن نزع عنهما.

واللام في ﴿ ليريهما سوآتهما ﴾ لام العاقبة أو لام الغرض كما تقدم في قوله: ﴿ ليبدي لهما  ﴾ قال ابن عباس: يرى آدم سوأة حواء ويرى حواء سوأة آدم وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر.

وعن عائشة  ا ما رأيت منه ولا رأى مني.

وحمله العلماء على الكراهية لا على التحريم.

واختلفوا في اللباس الذي نزع عنهما فقيل: الثوب الحائل بينهما وبين النظر.

وعن سعيد بن جبير: كان لباسهما من جنس الأظفار.

وقيل: اللباس الذي هو ثياب الجنة، قال الكعبي: في الآية دلالة على أن المعاصي والفتن كلها منسوبة إلى الشيطان.

وأجيب بأنه لا بد من الانتهاء إلى خالق الكل وموجد القدر والدواعي.

ثم علل النهي وأكد التحذير بقوله: ﴿ إنه يراكم هو وقبيله ﴾ أي جماعته من الثلاثة فصاعداً.

والقبيل بنو أب واحد.

وقال ابن قتيبة: أي أصحابه وجنده.

وقال الليث: هو وقبيله أي وجماعته.

﴿ من حيث لا ترونهم ﴾ أي يكيدون ويغتالون من حيث لا تشعرون.

قال بعض المتكلمين ومنهم المعتزلة: الوجه في أن الإنس لا يرون الجن رقة أجسام الجن ولطافتها، والوجه في رؤية الجن الإنس كثافة أجسام الإنس، والوجه في رؤية الجن بعضهم بعضاً أن الله  يقوي شعاع أبصار الجن ويزيد فيه ولو زاد الله في قوة أبصارنا لرأيناهم كما يرى بعضنا بعضاً، ولو أنه  كثف أجسامهم وبقيت أبصارنا على هذه الحالة لرأيناهم.

وقال أهل السنة: إنهم يرون الإنسان لأنه  خلق في عيونهم إدراكاً، والإنس لا يرونهم لأنه  لم يخلق هذا الإدراك في عيون الإنس.

قال بعض العلماء: ﴿ من حيث لا ترونهم ﴾ يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص ففيه دليل على أن الجن لا يرون ولا يظهرون للإنس، وأن إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وأن زعم من يدعي رؤيتهم فزور ومخرقة.

ولو قدر الجن على تغيير صور أنفسهم بأي صورة شاؤا لارتفع الوثوق عن الناس حتى الزوجة والولد، ولو كانوا قادرين على تخبيط الناس، وإزالة العقل عنهم لكان أولى الناس بذلك العلماء والمشايخ لأن العداوة بينهم وبين خواص الإنس أشد.

وعن مجاهد قال إبليس: أعطينا أربع خصال: نرى ولا نرى ونخرج من تحت الثرى ويعود شيخنا فتى.

وعن مالك بن دينار أن عدوّاً يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلا من عصمه الله.

والضمير في ﴿ إنه ﴾ للشأن وهو تأكيد ليصح العطف على المرفوع المتصل، ثم قال ﴿ إنا جعلنا الشياطين ﴾ الآية.

واحتج أهل السنة على أنه  هو الذي سلط الشيطان عليهم حتى أضلهم وأغواهم ويتأكد هذا النص بقوله: ﴿ إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً  ﴾ اعتذر القاضي بأن المراد من الجعل الحكم بأن الشيطان ولي لمن لا يؤمن أو المراد التخلية بينهم وبينهم كمن يربط الكلب في داره ولا يمنعه من التوثب على الداخل وأجيب بأن حمل الجعل على الحكم خلاف الظاهر، وهب أنه حكم بذلك فهل يمكن مخالفة حكم الله؟

وبأن الإرسال إنما يصدق على التسليط لا على التخلية المجردة قوله: ﴿ وإذا فعلوا فاحشة ﴾ قال بعضهم: نزلت في اتخاذهم البحائر والسوائب.

وقيل: في الطواف بالبيت عراة والأولى التعميم والفحشاء الخصلة المتزايدة في القبح أعني الكبيرة والمراد أنهم كانوا يفعلون أشياء هي في أنفسها فواحش ويعتقدون أنها طاعات فوبخوا على ذلك لينتهوا عنها.

ثم إنه حكى عنهم حجتين: الأولى التقليد ولم يذكر جوابها لظهور بطلانها عند كل عاقل، والثانية أن الله أمرهم بذلك فأجاب عنها بقوله: ﴿ قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ﴾ فللمعتزلة أن يحتجوا به على أن الشيء إنما يقبح لوجه عائد إليه وأن كونه في نفسه من الفحشاء مغاير لتعلق الأمر والنهي ولهذا أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ أتقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ ؟

والجواب أن عدم الأمر بالفحشاء لا ينافي إرادة الفحشاء ومشيئتها ونحن لا ندعي إلا أنه  مريد لجميع الكائنات وأن شيئاً منها لا يخرج عن حكمه وأرادته وتقديره مع أنه لا يأمر إلا بالعدل والصواب كما قال: ﴿ قل أمر ربي بالقسط ﴾ قال عطاء والسدي: أي بالعدل وبما ظهر في العقول كونه حسناً.

وعن ابن عباس هو قول لا إله إلا الله ويندرج فيه معرفة الله  بذاته وأفعاله وأحكامه.

أما قوله: ﴿ وأقيموا ﴾ فليس من باب عطف الطلب على الخبر وإنما التقدير: وقل أقيموا ﴿ وجوهكم ﴾ أي استقبلوا القبلة واستقيموا وأخلصوا ﴿ عند كل مسجد ﴾ في كل وقت سجود أو في مكان سجود كأن المعنى وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة.

وقال ابن عباس: المراد أنه إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلوا فيه ولا يقولن أحد إني لا أصلي إلا في مسجد قومي.

ثم لما أمر بالتوجه إلى القبلة أمر بعده بالدعاء والأظهر أن المراد به أعمال الصلاة سميت دعاء لأن أشرف أجزاء الصلاة هو الدعاء والذكر، ويمكن أن يقال: الدعاء بمعنى العبادة فيكون كقوله ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين  ﴾ ثم برهن على المعاد ليتحقق الجزاء فقال: ﴿ كما بدأكم تعودون ﴾ قال الحسن ومجاهد: كما بدأ خلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئاً كذلك تعودون أحياء.

وعن ابن عباس: المراد كما بدأ خلقكم مؤمناً أو كافراً تعودون فيبعث المؤمن مؤمناً والكافر كافراً، فإن من خلقه الله  في أول الأمر للشقاوة يعمل بعمل أهل الشقاوة وكانت عاقبته ذلك، ومن خلقه للسعادة فإنه يعمل عمل أهل السعادة وكانت عاقبته السعادة.

ويؤيد هذا التفسير قوله عقيب ذلك ﴿ فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة ﴾ وانتصاب ﴿ فريقاً ﴾ الثاني بفعل مضمر يفسره ما بعده أي وخذل أو أضل فريقاً حق عليهم الضلالة كقولك زيداً مررت به.

قال القاضي: المعنى فريقاً هدى إلى الجنة والثواب وفريقاً حق عليهم الضلالة أي العذاب والصرف عن طريق الثواب لأن هذا هو الذي يحق عليهم دون غيره إذ العبد لا يستحق أن يضل عن الدين إذ لو استحق ذلك لجاز أن يأمر أنبياءه بإضلالهم عن الدين كما أمرهم بإقامة الحدود المستحقة.

وأجيب بأن قوله: ﴿ هدى ﴾ و ﴿ حق ﴾ ماض وحمله على المستقبل خلاف الظاهر، وبأن الهدى إلى الجنة أو الضلال عنها لا بد أن يكون محكوماً به في الأزل وخلاف حكمه محال.

ثم بيّن ما لأجله حقت على هذه الفرقة الضلالة أعني السبب القريب وإلا فانتهاء الكل إلى مسبب الأسباب فقال: ﴿ إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ﴾ فقبلوا دعوتهم دون دعوته ولم يتأملوا في التمييز بين الحق والباطل.

ثم بين أن جهلهم مركب لا بسيط فقال: ﴿ ويحسبون أنهم مهتدون ﴾ وفيه أن مجرد الظن والحسبان لا يكفي في أصول الدين بل لا بد فيه من القطع واليقين.

ثم لما أمر بالقسط وكان من جملته أمر اللباس والمأكول والمشروب وأيضاً أمر بإقامة الصلاة وكان ستر العورة شرطاً لصحتها فلا جرم قال: ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم ﴾ عن ابن عباس قال: كان أناس من الأعراب يطوفون بالبيت عراة حتى إن كانت المرأة لتطوف بالبيت وهي عريانة فتعلق على سفليها سيوراً مثل هذه السيور التي تكون على وجه الحمر تقيها من الذباب وهي تقول: اليوم يبدو بعضه أو كله *** وما بدا منه فلا أحله .

*** وعن طاوس: لم يأمرهم بالحرير والديباج وإنما كان أحدهم يطوف عرياناً ويدع ثيابه وراء المسجد.

وإن طاف وهي عليه ضرب وانتزعت منه لأنهم قالوا لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها: وقيل: كانوا يفعلون ذلك تفاؤلاً ليتعروا من الذنوب كما تعروا من الثياب.

وقال الكلبي: كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام إلا قوتاً ولا يأكلون دسماً في أيام حجهم يعظمون بذلك حجهم فقال المسلمون: يا رسول الله نحن أحق بذلك فأنزل الله الآية.

قال أكثر المفسرين: المراد من الزينة لبس الثياب لقوله  : ﴿ ولا يبدين زينتهن  ﴾ يعني الثياب.

وأيضاً الزينة لا تحصل إلا بالستر التام للعورات ولأنه يناسب ما تقدم من ذكر اللباس والرياش، ولأن ظاهر الأمر الوجوب وكل ما سوى اللبس غير واجب فوجب حمل الزينة على اللبس عملاً بالنص بقدر الإمكان.

والسنة فيه أن يأخذ الرجل أحسن هيئة للصلاة.

وقيل: الزينة المشط.

وقيل: الطيب.

ثم إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فالآية تقتضي وجوب اللبس التام عند كل صلاة ترك العمل به في القدر الذي لا يجب ستره من الأعضاء إجماعاً بقي الباقي داخلاً تحت اللفظ.

فإذن ستر العورة واجب في الصلاة وإلا فسدت صلاته.

قال أصحاب أبي حنيفة: لبس الثوب المغسول بماء الورد على أقصى وجوه النظافة أخذ للزينة فيكفي في صحة الصلاة.

وأجيب بأن اللام في قوله: ﴿ وأقيموا الصلاة  ﴾ تنصرف إلى المعهود السابق وهو صلاة رسول الله  فلم قلتم إنه يصلي في الثوب المغسول بماء الورد؟

أما قوله: ﴿ وكلوا ﴾ أي اللحم والدسم.

﴿ واشربوا ﴾ فقد قيل إنهما أمر إباحة بالاتفاق فوجب أن يكون أخذ الزينة أيضاً على الإباحة.

وأجيب بأنه لا يلزم من ترك الظاهر في المعطوف تركه في المعطوف عليه مع أن الأكل والشرب قد يكونان واجبين.

أيضاً في الجملة وهما يشملان جميع المطعومات والمشربات ويتناولان الأحوال والأوقات إلا ما خصه الدليل المنفصل.

والعقل أيضاً مؤكد لهذا المعنى لأن الأصل في المنافع الحل والإباحة.

وفي قوله: ﴿ ولا تسرفوا ﴾ وجهان: الأول أنه يأكل ويشرب بحيث لا يتعدى إلى الحرام ولا يكثر الإنفاق المستقبح ولا يتناول مقداراً كثيراً يضره ولا يحتاج إليه.

الثاني - وهو قول أبي بكر الأصم - أن المراد من الإسراف قولهم بتحريم البحيرة والسائبة فإنهم أخرجوها عن ملكهم وتكروا الانتفاع بها.

وأيضاً إنهم حرموا على أنفسهم في وقت الحج ما أحله الله  لهم.

قال بعض العلماء: إن حمل الإسراف على الاستكثار مما لا ينبغي أولى من حمله على المنع مما يجوز وينبغي.

وعن ابن عباس: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة، ويحكى أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال لعلي بن الحسين بن واقد صاحب المغازي: ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان علم أبدان وعلم أديان.

فقال له: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه.

قال: وما هي؟

قال: قوله ﴿ كلوا واشربوا ولا تسرفوا ﴾ فقال النصراني: ولا يؤثر عن رسولكم شيء في الطب فقال: قد جمع رسولنا  الطب في ألفاظ يسيرة.

قال: وما هي؟

قال: قوله: "المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء وأعط كل بدن ما عودته" فقال: النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طباً.

قيل: كانوا إذا أحرموا حرموا الشاة وما يخرج منها من لحمها وشحمها ولبنها فأنكر ذلك عليهم بقوله: ﴿ قل من حرم زينة الله ﴾ قال ابن عباس وأكثر المفسرين: هي اللباس الساتر للعورة.

وقال آخرون: إنها تتناول جميع أنواع الزينة من الملابس والمراكب والحلي وكذا كل ما يستطاب ويستلذ من المآكل والمشارب والنساء والطيب.

عن عثمان بن مظعون أنه أتى رسول الله  وقال: غلبني حديث النّفس عزمت على أن اختصي فقال: مهلاً يا عثمان فإن خصاء أمتي الصيام.

قال: فإن نفسي تحدثني بالترهب فقال: إن ترهب أمتي القعود في المساجد لانتظار الصلوات.

فقال: تحدثني نفسي بالسياحة قال: سياحة أمتي الغزو والحج والعمرة.

فقال: أن نفسي تحدثني أن أخرج مما أملك.

فقال: الأولى أن تكفي نفسك وعيالك وأن ترحم المسكين واليتيم وتعطيه ما فضل من ذلك.

فقال: نفسي تحدثني أن أطلق خولة.

فقال: أن الهجرة في أمتي هجرة ما حرم الله  .

قال: فإن نفسي تحدثني أن لا أغشاها فقال: إن المسلم إذا غشى أهله وما ملكت يمينه فإن لم يصب من وقعته تلك ولداً كان له وصيف في الجنة وإن كان له ولد مات قبله أو بعده كان له قرة عين وفرح يوم القيامة، وإن مات قبل أن يبلغ الحنث كانله شفيعاً ورحمة يوم القيامة.

قال: فإن نفسي تحدثني أن لا آكل اللحم.

قال: مهلاً إني آكل اللحم إذا وجدته ولو سألت الله أن يطعمنيه كل يوم فعله.

قال: فإن نفسي تحدثني أن لا أمس الطيب.

قال: مهلاً فإن جبريل يأمرني بالطيب غباً وقال: لا تتركه يوم الجمعة.

ثم قال: يا عثمان لا ترغب عن سنتي فإنه من رغب عن سنتي ومات فليس مني، ولو مات قبل أن يتوب صرفت الملائكة وجهه عن حوضي.

واعلم أن كل واقعة تقع فإما أن لا يكون فيها نفع ولا ضر أو يتساوى ضرها ونفعها فوجب الحكم في القسمين ببقاء ما كان على ما كان، وإن كان النفع خالصاً وجب لإطلاق الآية، وإن كان الضرر خالصاً وكان تركه خالص النفع فيلتحق بالقسم المتقدم، وإن كان النفع راجحاً والضرر مرجوحاً تقابل المثل بالمثل وبقي القدر الزائد نفعاً خالصاً، وإن كان الضرر راجحاً بقي القدر الزائد ضرراً خالصاً وكان تركه نفعاً خالصاً، فبهذا الطريق صارت هذه الآية دالة على الأحكام التي لا نهاية لها في الحل والحرمة إلا أن نجد نصاً خاصاً في الواقعة فنقضي به تقديماً للخاص على العام.

قال نفاة القياس: لو تعبدنا الله  بالقياس لكان حكم ذلك القياس إما أن يكون موافقاً لحكم هذا النص العام وحينئذٍ يكون ضائعاً لأن هذا النص مستقبل به، وإن كان مخالفاً كان ذلك القياس تخصيصاً لعموم هذا النص فيكون مردوداً لأن العمل بالنص أولى من العمل بالقياس، فإذن القرآن وافٍ بجميع الأحكام الشرعية والله  أعلم.

ثم بيّن أن الزنية والطيبات خلقت في الحياة الدنيا لأجل المؤمنين بالأصالة وللكفرة بالتبعية كقوله: ﴿ ومن كفر فأمتعه قليلاً  ﴾ وأما في الآخرة فإنها خالصة لهم فقال: ﴿ قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة ﴾ من قرأ بالرفع فلأنه خبر بعد خبر.

قال أبو علي: أو على الخبر ﴿ والذين آمنوا ﴾ متعلق به والتقدير: هي خالصة للذين آمنوا في الحياة الدنيا ﴿ يوم القيامة ﴾ وعلى هذا يكون ﴿ في الحياة ﴾ ظرفاً لـ ﴿ آمنوا ﴾ و ﴿ يوم القيامة ﴾ ظرفاً لـ ﴿ خالصة ﴾ فيفهم من ذلك أنها في غير يوم القيامة غير خالصة لهم بل تكون مشوبة برحمة الكفار.

وعلى الأول يكون ﴿ في الحياة ﴾ ظرفاً لمحذوف أي هي للذين آمنوا غير خالصة في الحياة الدنيا وهي لهم خالصة يوم القيامة.

ومن قرأ بالنصب فعلى الحال وباقي التقدير كما ذكرنا آنفاً ﴿ كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ﴾ أي لقوم يمكنهم النظر والاستدلال حتى يتوصلوا به إلى تحصيل العلوم النظرية.

ثم بين أصول الأفعال المحرمة وحصرها في ستة أنواع لأن الجناية إما على الفروج وأشار إليها بقوله: ﴿ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ﴾ وإما أن تكون على العقول وهي شرب الخمر وإليها الإشارة بقوله: ﴿ والإثم ﴾ وقيل: الفواحش الكبائر والإثم الصغائر.

وقيل: الفواحش كل ما تزايد قبحه وتبالغ، والإثم عام لكل ذنب كأنه خصص أوّلاً ثم عمم.

وإما أن تكون الجناية على النفوس والأموال والأعراض وإليهن الإشارة بقوله: ﴿ والبغي بغير الحق ﴾ ومعنى بغير الحق أن لا يقدموا على إيذاء الناس بالقتل والقهر إلا أن يكون لهم فيه حق فحينئذٍ يخرج عن أن يكون بغياً، وإما أن تكون الجناية على الأديان إما بالطعن في التوحيد وإليه أشارة بقوله: ﴿ وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً ﴾ أي لا سلطان حتى ينزل وإما بالافتراء على الله وذلك قوله: ﴿ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ فإن قيل: الفاحشة وغيرها هي التي نهى الله  عنها فيصير تقدير الآية إنما حرم ربي المحرمات وهذا كلام خالٍ عن الفائدة.

فالجواب أن كون الفعل فاحشة عبارة عن اشتماله في ذاته على أمور باعتبارها يجب النهي عنه فيزول الإشكال.

ثم شدد أمر التكاليف بالآجال المحدودة والأنفاس المعدودة فقال: ﴿ ولكل أمة أجل ﴾ عن ابن عباس والحسن ومقاتل: معناه أنه  أمهل كل أمة كذبت رسولها إلى وقت معين لا يعذبهم قبل ذلك ولا يؤخرهم عنه والمقصود وعيد أهل مكة.

وقيل: معناه أن أجل العمر لا يتقدم ولا يتأخر سواء الهالك والمقتول.

وأورد على القول الأول أنه ليس لكل أمة من الأمم وقت معين في نزول عذاب الاستئصال.

وعلى الثاني أنه كان ينبغي أن يقال: ولكل إنسان أو أحد أجل.

ويمكن أن يقال: الأمة هي الجماعة في كل زمان والمعلوم من حالها التفاوت في الآجال فزال السؤال.

وليس المراد أنه  لا يقدر على تبقيته أزيد من ذلك ولا أنقص ولا يقدر على أن يميته إلا في ذلك الوقت لأن هذا يقتضي خروجه  وتعالى عن كونه قادراً مختاراً أو صيرورته كالموجب لذاته، بل المراد أنه  اختار أن الأمر يقع على هذا الوجه وإنما ذكر الساعة لأن هذا الجزء من الزمان أقل ما يستعمل في تقليل الأوقات عرفاً.

والساعة في اصطلاح أهل النجوم جزء من أربعة وعشرين جزءاً من يوم بليلته.

قيل: إن عند حضور الأجل يمتنع عقلاً وقوع ذلك الأجل في الوقت المتقدم فما معنى قوله: ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ؟

وأجيب بأن مجيء الأجل محمول على قرب حضور الأجل كقوله العرب: جاء الشتاء إذا قارب وقته ومع مقاربة الأجل يصح التقدم على ذلك الوقت تارة والتأخر عنه أخرى.

التأويل: ﴿ قد أنزلنا عليكم لباساً ﴾ هو لباس الشريعة ﴿ يواري ﴾ سوآت الأفعال القبيحة في الظاهر وسوآت الصفات الذميمة النفسانية والحيوانية بآداب الطريقة في الباطن ﴿ وريشاً ﴾ زينةً وجمالاً في الظاهر والباطن ﴿ ولباس التقوى ﴾ وهو لباس القلب والروح والسر والخفي.

فلباس القلب من التقوى هو الصدق في طلب المولى فيواري به سوآت الطمع في الدنيا وما فيها، ولباس الروح من التقوى هو محبة المولى فيواري به سوآت التعلق بغير المولى، ولباس السر من التقوى هو رؤية المولى فيواري بها رؤية غير المولى، ولباس الخفي من التقوى بقاؤه بهوية المولى فيواري بها هوية غير المولى ﴿ ذلك خير ﴾ لأن لباس البدن بالفتوى هو الشريعة ولباس القلب بالتقوى هو الحقيقة ﴿ ذلك من آيات الله ﴾ أي إنزال الشريعة والحقيقة مما يدل على المولى.

﴿ لا يفتننكم الشيطان ﴾ بالدنيا وما فيها ومتابعة الهوى فيخرجكم عن جنة الصدق في طلب الحق ﴿ كما أخرج أبويكم من الجنة ﴾ وجوار الحق ﴿ ينزع عنهما لباسهما ﴾ من الشرع وذلك نهيهما عن شجرة المحبة ﴿ ليريهما سوآتها ﴾ من مخالفة الحق وما علما أن فيها هذه الصفة، ومن جملة سوآتهما كل كمال ونقصان كان مستوراً فيهما فأراهما بعد تناول الشجرة ﴿ إنه يراكم هو وقبيله ﴾ يعني من الروحانيين الذين لا صورة لهم في الظاهر فإنهم يرون بنظر الملكوت الروحاني من الإنساني بعض الأفعال التي تتولد عن الأوصاف البشرية كما رأوا في آدم ﴿ وقالوا أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ ﴿ من حيث لا ترونهم ﴾ أي إنما يرونكم من حيث البشرية التي منشؤها الصفات الحيوانية فإنكم محجوبون بهذه الصفات عن رؤيتهم لا من حيث الروحانية التي هي منشأ علوم الأسماء والمعرفة فإنهم لا يرونكم في هذا المقام، وأنتم ترونهم بالنظر الروحاني بل بالنور الرباني.

﴿ إنا جعلنا الشياطين أولياء ﴾ خلقناهم مستعدين لتولية أمور أهل الغفلة والطبيعة.

﴿ وإذا فعلوا فاحشة ﴾ هي طلب الدنيا وحبها ﴿ قالوا إنا وجدنا آباءنا ﴾ على محبة الدنيا وشهواتها ﴿ والله أمرنا ﴾ بطلب الكسب الحلال ﴿ قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ﴾ وإنما يأمر بالكسب الحلال بقدر الحاجة الضرورية لقوام القالب بالقوت واللباس ليقوم بأداء حق العبودية وذلك قوله: ﴿ قل أمر ربي بالقسط ﴾ ﴿ كما بدأكم ﴾ لطفاً أو قهراً ﴿ تعودون ﴾ إليه.

فأهل اللطف يعودون إليه بالإخلاص والطاعة وأهل القهر الذين حقت عليهم الضلالة يعودون إليه جبراً واضطراراً فيسحبون في النار على وجوههم ﴿ خذوا زينتكم ﴾ فزينة الظاهر التواضع والخضوع، وزينة الباطن الانكسار والخشوع، وزينة نفوس العابدين آثار السجود، وزينة قلوب العارفين أنوار الوجود فالعابد على الباب بنعت العبودية والعارف على البساط بحكم الحرية ﴿ وكلوا واشربوا ﴾ في مقام العندية كما قال: "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ ولا تسرفوا ﴾ بالإفراط فوق الحاجة الضرورية والتفريط في حفظ القوة بحيث تضيع حقوق العبودية.

﴿ زينة الله ﴾ فزين الأبدان بالشرائع وآثارها، وزين النفوس بالآداب وأقدارها، وزين القلوب بالشواهد وأنوارها، وزين الأرواح بالمعارف وأسرارها، وزين الأسرار بالطوالع وآثارها، فمن تصدّى لطلب هذه المقامات فهي مباحة له من غير تأخير وقصور وحظر ومنع ﴿ والطيبات من الرزق ﴾ ما لم يكن مشوباً بحظوظ النفس، فهذه الكرامات والمقامات لهؤلاء السادة في الدنيا مشوبة بشواهد الآفات النفسانية وكدورات الصفات الحيوانية ﴿ خالصة يوم القيامة ﴾ من هذه الآفات والكدورات كما قال: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل  ﴾ ﴿ الفواحش ﴾ ما يقطع على العبد طريق السلوك إلى الرب؛ ففاحشة العوام ﴿ ما ظهر منها ﴾ ارتكاب المناهي ﴿ وما بطن ﴾ خطورها بالبال، وفاحشة الخواص ﴿ ما ظهر منها ﴾ تتبع ما لأنفسهم نصيب منه ولو بذرة ﴿ وما بطن ﴾ الصبر على المحبوب ولو بلحظة، وفاحشة الأخص ﴿ ما ظهر منها ﴾ ترك أدب من الآداب أو التعلق بسبب من الأسباب ﴿ وما بطن ﴾ الركون إلى شيء في الدارين والالتفات إلى غير الله من العالمين.

﴿ والإثم ﴾ الإعراض عن الله ولو طرفة عين ﴿ والبغي ﴾ وهو حب غير الله فإنه وضع في غير موضعه.

وأن يستغيثوا بغير الله ما لم يكن فيه رخصة وحجة من الشريعة ﴿ وأن تقولوا ﴾ بفتوى النفس وهواها أو بنظر العقل ﴿ على الله ما لا تعلمون ﴾ حقيقتها أو تقولوا في معرفة الله وبيان أحوال السائرين ما لستم به عارفين ﴿ ولكل أمة ﴾ من السائرين إلى الله أو إلى الجنة مدة مضروبة في الأزل، وفيه وعد للأولياء واستمالة لقلوبهم ووعيد للأعداء وسياسة لنفوسهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يَابَنِيۤ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ .

يحتمل أن يكون الخطاب - وإن خرج مخرج الأمر - بأخذ الزينة واللباس، فهو على النهي عن نزعها؛ لأن الناس يكونون آخذين الزينة وساترين عوراتهم غير بادين بها فإذا كان كذلك فهو على النهي عن نزع لباسهم وإبداء عوراتهم، وهو ما ذكر في بعض القصّة أن أهل الشرك كانوا إذا طافوا بالبيت نزعوا ثيابهم، ويقولون: لا نطوف في ثيابنا التي أذنبنا فيها، فإن كان التأويل [ما] قال ابن عباس وهؤلاء: فيكون فيه إضمار؛ كأنه قال: خذوا زينتكم عند هذا المسجد، كما تأخذون عند كل مسجد سواء.

وإلا خرج تأويل الآية على وجوه: أحدها: يقول: صلوا في كل مسجد، ذكر هذا لمن لا يرى الصلاة إلا في مسجده، على ما روي: "أن لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" والثاني: [يقول]: صلوا بكل مسجد، وبكل مكان؛ كقوله -  -: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً" والثالث: بجعل الزينة العبادة نفسها؛ بقوله: ﴿ خُذُواْ زِينَتَكُمْ ﴾ .

ويحتمل ما ذكره أهل التأويل: كانوا يستعيرون من أهل مكة ثياباً يطوفون فيها، فإن لم يجدوا بها طافوا فيها عراة بادين عوراتهم، فنهاهم الله -  - عن ذلك، وقال: ﴿ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ ، أي: لا تنزعوا ثيابكم التي على عوراتكم؛ فهو على النهي عن نزع الثياب وإبداء العورة، وكذلك قوله: ﴿ وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ ﴾ .

يخرج على النهي عما حرموا على أنفسهم من أنواع المنافع والنعم التي أحل الله لهم: من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، ومن نحو ما حرموا من الزرع والطعام، وكقوله: ﴿ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا ﴾ الآية [الأنعام: 138]، خرج قوله: ﴿ وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ ﴾ على النهي عما حرموا مما أحل لهم، لا على الأمر بالأكل والشرب؛ [لأن كل أحد يأكل ويشرب] ولا يدع ذلك؛ فدل أنه خرج على النهي عما حرموا؛ كأنه قال: لا تحرموا [ما تحرمون] ولكن كلوا واشربوا وانتفعوا بها.

فإن كان على ابتداء الأمر بأخذ الزينة، فهو - والله أعلم - أمر بأخذ الزينة والتجمل عند كل مسجد، والمسجد هو مكان كل عبادة ونسك، على ما يكون في غير ذلك من الأوقات يتزينون ويتجملون عند اجتماع الناس؛ فعلى ذلك يكونون في مكان العبادة والنسك.

أو أن يكون لما في المسجد من اجتماع الناس للعبادة، فأمروا بستر عوراتهم في ذلك.

ويكون قوله: ﴿ وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ ﴾ ، أي: كلوا واشربوا واحفظوا الحدّ في ذلك ولا تجاوزوه، وهو نهي عن الكثرة.

أو ما ذكرنا أنه نهاهم عن التحريم وترك الانتفاع بها، وفي تحريم ما أحل الله وترك الانتفاع بها إسراف.

﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ ﴾ ؛ لأنه لا يحب الإسراف، وقد ذكرنا أن المفروض من الستر هو ما يستر به العورة، وأما غيره فإنما هو على دفع الأذى والتجمل.

ألا ترى أنه قال: ﴿ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ  ﴾ ، وقال: ﴿ يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ  ﴾ ، منّ علينا بما أنزل مما نستر به عوراتنا، وإن كانت له المنة في الكل، وذلك [- أيضاً -] قبيح في الطبع أن ينظر أحد إلى عورة آخر، وعلى ذلك جاءت الآثار في الأمر بستر العورة، روي عن رسول الله  أنه قال: "احفظ عورتك، إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك، فقيل: يا رسول الله؛ فإن كان بعضنا في بعض، فقال: إن استطعت ألا تظهر عورتك فافعل، فقيل: فإذا كان أحدنا خالياً، فقال: فالله أحق أن يُسْتَحْيا منه" وعنه  قال: "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة" ، ومثله كثير، وفيما ذكرنا كفاية؛ وعلى ذلك يخرج الأمر بالإخبار بستر العورة؛ ألا ترى أنه قال -  -: ﴿ فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ...

 ﴾ الآية، لئلا تُرَى عورته؛ لأنه يكون جفاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: الزينة - هاهنا -: هي اللباس؛ لأنه ذكر على أثر ذلك اللباس، وهو قوله: ﴿ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِد ﴾ ، والطيبات من الرزق: ما حرموا مما أحل الله لهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي وغير ذلك، مما كانوا يحرمون الانتفاع به؛ كقوله: ﴿ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ  ﴾ .

وقال الحسن: زينة الله هي المرْكَب؛ كقوله: ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً  ﴾ جعل الله ما يركب زينة للخلق، وهم كانوا يحرمون الركوب والانتفاع بها، فقال: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ ﴾ : ألبانها ولحومها.

وقال غيره من أهل التأويل: زينة الله - هاهنا -: النبات وما يخرج من الأرض مما هو رزق للبشر، والدواب جميعاً؛ كقوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ...

 ﴾ الآية، وكقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ  ﴾ سمى لنا ما أخرج من الأرض: زينة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .

اختلف فيه؛ قال الحسن: هي، يعني: الطيبات خالصة للمؤمنين في الآخرة لا يشاركهم الكفرة فيها، فأمّا في الدنيا فقد شاركوهم؛ فالتأويل الأول يخرج على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: قل هي للذين آمنوا خالصة يوم القيامة، وفي الحياة الدنيا لهم جميعاً؛ كقوله: ﴿ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ ؛ لأنهم لم يحرموا الطيبات التي أحلّ الله لهم، بل انتفعوا بها، وحرمها أولئك ولم ينتفعوا بها، فكانت هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا؛ لما انتفعوا بها في الدنيا، وتزودوا بها للآخرة، وكانت [لهم] خالصة يوم القيامة، وإنما كان خالصاً لهم يوم القيامة، لما لا يكون لأهل الشرك ذلك؛ لما لم يتزودوا للمعاد، [و] قد كانت لهم في الدنيا لو لم يحرموها وانتفعوا بها.

وفي قوله -  -: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ ﴾ دليل إباحة الزينة والتناول من الطيبات، وقد يحتمل أن يكون خرج على النهي والإنكار على ما كان يفعله أهل الشرك؛ من نحو تحريم البحيرة، والسائبة، والوصيلة، فقال: قل من حرم ما حرمتم إذا لم يحرمه الله.

ألا ترى أنه قال: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾ يقول - والله أعلم - لم يحرم ما حرمتموه من هذه الأشياء؛ ولكن حرم الفواحش وما ذكر، ولم يذكر جوابهم أنهم ماذا يقولون؛ فهو يخرج على وجهين: إن قالوا: حرمه الله، فيقال لهم: من حرمه وأنتم قوم لا تؤمنون بالرسل والكتب؟!

فإن قالوا: حرمه فلان، فيقال: كيف صدقتم فلاناً في تحريم ذلك؛ ولا تصدقون الرسل فيما يخبرون عن الله -  - مع ظهور صدقهم؟!

يذكر سفههم في ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ﴾ ؛ كأنه يقول: ليس لأحد تحريم ما ذكرنا؛ إنما التحريم إلى الله، وإنما حرم ما ذكر، وقد يحتمل ما ذكرنا من نزعهم الثياب عند الطواف ويطوفون عراة، على ما ذكر في القصة، وإلى هذا يذهب ابن عباس والحسن وقتادة وعامة أهل التأويل، وعلى ذلك يخرج ما روي عن رسول الله  : [حيث قال] "ألا لا يطوفنَّ بهذا البيت عريان ولا مُحْدث" .

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ ﴾ .

أي: نبين الآيات.

﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ .

أي: لقوم ينتفعون بعلمهم، أو نقول: ﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ ﴾ ، أي: كذلك نفصل حكم آية من حكم آية أخرى، نفصل هذا من هذا، وهذا من هذا.

وقوله: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ﴾ إنه إذا لم يفهم من زينة الله ما يفهم من زينة الخلق - لأن زينة الخلق ما يتزينون به ويتجملون - لا يجب أن يفهم من استوائه استواء الخلق، ولا من مجيئه مجيء الخلق؛ لأن استواء الخلق هو انتقال من حال إلى حال، ولا يجوز أن يفهم منه ذلك، على ما لم يفهم من زينة الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلإِثْمَ وَٱلْبَغْيَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ﴾ .

يشبه أن تكون هذه الآية مقابل قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ  ﴾ ، كما خرج آخر الآية وهو قوله: ﴿ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ  ﴾ مقابل الأول وهو قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ  ﴾ ، والنهي [هناك نهي] تحريم [كالتنصيص على التحريم هاهنا]، وتكون الفحشاء التي ذكر في هذه الآية الفواحش التي ذكر في تلك، والمنكر الذي ذكر هاهنا هو الإثم الذي ذكر في تلك، وذكر البغي هاهنا وهنالك.

ثم الفحشاء: هو الذي ظهر قبحه في العقل، والسمع.

والمنكر: هو الذي ظهر الإنكار فيه على مرتكبه.

والإثم هو الذي يأثم المرء فيه.

والبغي: هو من مظالم الناس يظلم بعضهم على بعض.

وقال بعضهم: الفواحش هن الكبائر، والإثم هو الصغائر، والبغي هو أخذ ما عصم من مال أو نفس بعقد الإسلام، على ما روي عن نبي الله  أنه قال: "أمرت أن أقاتل الناس؛ حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" ، فكل ما صار معصوماً بالإسلام من مال أو نفس، فأخذ ذلك بغي وظلم إلا ما ذكر بحقها.

وأصل البغي هو المجاوزة عن الحدّ الذي جعل له.

وقال أهل التأويل: الفواحش هي الزنى، ما ظهر منها علانية، وما بطن منها: سرّاً، لكن الفواحش ما ذكرنا أن ما [ظهر قبحه] في العقل وفحشه السمع [فهو فاحشة، والفواحش هي ما ذكرنا أن ما قبح في العقل والسمع وأفحش فيهما] فهي الفاحشة.

وأصل المنكر: كل ما [لا] يعرف؛ كقول إبراهيم: ﴿ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ  ﴾ ، والمنكر: ما أنكره العقل والسمع أيضاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَن تُشْرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ﴾ .

أي: وحرم - أيضاً - أن تشركوا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ﴾ : ليس على أنه ينزل سلطاناً على الإشراك بحال؛ ولكن على أنهم يشركون بالله من غير حجج وسلطان؛ لأن أهل الإسلام هم الذين يدينون بدين ظهر بالحجج والآيات، وهم يدينون بدين لا يظهر بالحجج والآيات، ولكن بما هوت أنفسهم واشتهت.

ويحتمل قوله: ﴿ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ﴾ ، أي: عذراً؛ لأنه يجوز أن يعذر المرء بحال في إجراء كلمة الكفر على لسانه عند الإكراه، ولا يصير به كافراً إذا كان قلبه مطمئناً بالإسلام ومنشرحاً به؛ كقوله: ﴿ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ  ﴾ أي: يشركون بالله من غير أن ينزل بهم حال عذر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

أي: يعلمون أنهم يقولون على الله ما لا يعلمون أنه حرم كذا، وأمر بكذا.

وقوله: ﴿ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ [يحتمل وجهين: أحدهما: أنكم تقولون على الله ما لا تعلمون] هذا على الجهل، والأول على العلم؛ كقوله: ﴿ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ  ﴾ ، أي: تنبئون الله بما يعلم أنه ليس ما تقولون.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- ردًّا على المشركين الذين يُحَرِّمون ما أحل الله من اللباس والطيبات من المأكولات وغيرها: من الذي حَرَّم عليكم اللباس الذي هو زينة لكم؛ ومن الذي حَرَّم عليكم الطيبات من المأكولات والمشروبات وغيرها مما رزقكم الله؛ قل -أيها الرسول-: إن تلك الطيبات للمؤمنين في الحياة الدنيا، وإن شَرَكَهم غيرهم فيها في الدنيا فهي خاصة بهم يوم القيامة، لا يَشْركهم فيها كافر؛ لأن الجنة محرمة على الكافرين، مثل هذا التفصيل نُفَصِّل الآيات لقوم يدركون؛ لأنهم الذين ينتفعون بها.

<div class="verse-tafsir" id="91.eG1xw"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله