الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٥٤ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 256 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٤ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى بأنه خلق هذا العالم : سماواته وأرضه ، وما بين ذلك في ستة أيام ، كما أخبر بذلك في غير ما آية من القرآن ، والستة الأيام هي : الأحد ، والاثنين ، والثلاثاء ، والأربعاء ، والخميس ، والجمعة - وفيه اجتمع الخلق كله ، وفيه خلق آدم ، عليه السلام .
واختلفوا في هذه الأيام : هل كل يوم منها كهذه الأيام كما هو المتبادر إلى الأذهان ؟
أو كل يوم كألف سنة ، كما نص على ذلك مجاهد ، والإمام أحمد بن حنبل ، ويروى ذلك من رواية الضحاك عن ابن عباس ؟
فأما يوم السبت فلم يقع فيه خلق; لأنه اليوم السابع ، ومنه سمي السبت ، وهو القطع .
فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال : حدثنا حجاج ، حدثنا ابن جريج ، أخبرني إسماعيل بن أمية ، عن أيوب بن خالد ، عن عبد الله بن رافع - مولى أم سلمة - عن أبي هريرة قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال : " خلق الله التربة يوم السبت ، وخلق الجبال فيها يوم الأحد ، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين ، وخلق المكروه يوم الثلاثاء ، وخلق النور يوم الأربعاء ، وبث فيها الدواب يوم الخميس ، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق ، في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل " فقد رواه مسلم بن الحجاج في صحيحه والنسائي من غير وجه ، عن حجاج - وهو ابن محمد الأعور - عن ابن جريج به وفيه استيعاب الأيام السبعة ، والله تعالى قد قال في ستة أيام; ولهذا تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ في هذا الحديث ، وجعلوه من رواية أبي هريرة ، عن كعب الأحبار ، ليس مرفوعا ، والله أعلم .
وأما قوله تعالى : ( ثم استوى على العرش ) فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا ، ليس هذا موضع بسطها ، وإنما يسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح : مالك ، والأوزاعي ، والثوري ، والليث بن سعد ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه وغيرهم ، من أئمة المسلمين قديما وحديثا ، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل .
والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله ، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه ، و ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) [ الشورى : 11 ] بل الأمر كما قال الأئمة - منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري - : " من شبه الله بخلقه فقد كفر ، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر " وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه ، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة ، على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى ، ونفى عن الله تعالى النقائص ، فقد سلك سبيل الهدى .
وقوله تعالى : ( يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا ) أي : يذهب ظلام هذا بضياء هذا ، وضياء هذا بظلام هذا ، وكل منهما يطلب الآخر طلبا حثيثا ، أي : سريعا لا يتأخر عنه ، بل إذا ذهب هذا جاء هذا ، وإذا جاء هذا ذهب هذا ، كما قال تعالى : ( وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ) [ يس : 37 - 40 ] فقوله : ( ولا الليل سابق النهار ) أي : لا يفوته بوقت يتأخر عنه ، بل هو في أثره لا واسطة بينهما; ولهذا قال : ( يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ) - منهم من نصب ، ومنهم من رفع ، وكلاهما قريب المعنى ، أي : الجميع تحت قهره وتسخيره ومشيئته; ولهذا قال منبها : ( ألا له الخلق والأمر ) ؟
أي : له الملك والتصرف ، ( تبارك الله رب العالمين ) كما قال تعالى ( تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا ) [ الفرقان : 61 ] .
وقال ابن جرير : حدثني المثنى ، حدثنا إسحاق ، حدثنا هشام أبو عبد الرحمن ، حدثنا بقية بن الوليد ، حدثنا عبد الغفار بن عبد العزيز الأنصاري ، عن عبد العزيز الشامي ، عن أبيه - وكانت له صحبة - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من لم يحمد الله على ما عمل من عمل صالح ، وحمد نفسه ، فقد كفر وحبط عمله .
ومن زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئا ، فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه ; لقوله : ( ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ) .
وفي الدعاء المأثور ، عن أبي الدرداء - وروي مرفوعا - : " اللهم لك الملك كله ، ولك الحمد كله ، وإليك يرجع الأمر كله ، أسألك من الخير كله ، وأعوذ بك من الشر كله "
القول في تأويل قوله : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن سيدكم ومصلح أموركم، أيها الناس، هو المعبود الذي له العبادة من كل شيء (16) =" الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام "، وذلك يوم الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة، كما:- 14773 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن مجاهد قال: بدءُ الخلق العرشُ والماء والهواء، وخلقت الأرض من الماء، وكان بدء الخلق يوم الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، وجُمع الخلق في يوم الجمعة، وتهوَّدت اليهودُ يوم السبت.
ويوم من الستة الأيام كألف سنة مما تعدّون.
* * * =" ثم استوى على العرش ".
* * * وقد ذكرنا معنى " الاستواء " واختلاف الناس فيه، فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته.
(17) * * * وأما قوله: " يغشي الليل النهار يطلبه حثيثًا " ، فإنه يقول: يورد الليل على النهار فيلبسه إياه، حتى يذهب نضرته ونوره (18) =" يطلبه " ، يقول: يطلب الليل النهار =" حثيثًا " ، يعني: سريعًا.
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 14774 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " يطلبه حثيثًا " ، يقول: سريعًا.
14775 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " يغشي الليل النهار يطلبه حثيثًا " ، قال: يغشي الليل النهارَ بضوئه، ويطلبه سريعًا حتى يدركه.
* * * القول في تأويل قوله : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم، كلّ ذلك بأمره، أمرهن الله فأطعن أمرَه، ألا لله الخلق كله، والأمرُ الذي لا يخالف ولا يردّ أمره، دون ما سواه من الأشياء كلها، ودون ما عبده المشركون من الآلهة والأوثان التي لا تضر ولا تنفع، ولا تخلق ولا تأمر، تبارك الله معبودُنا الذي له عبادة كل شيء، رب العالمين.
(19) 14776 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا هشام أبو عبد الرحمن قال، حدثنا بقية بن الوليد قال، حدثني عبد الغفار بن عبد العزيز الأنصاري، عن عبد العزيز الشامي، عن أبيه، وكانت له صحبة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ لم يحمد الله على ما عمل من عمل صالح وحمد نفسه، قلَّ شكره، وحَبِط عمله.
ومَنْ زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئًا فقد كفر بما أنـزل الله على أنبيائه، لقوله: " ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ".
(20) ----------------- الهوامش : (16) انظر تفسير"الرب" فيما سلف 1: 142- 143/ 12: 286.
(17) انظر تفسير"الاستواء" فيما سلف 1: 428- 431.
(18) انظر تفسير"الغشاوة" فيما سلف 1: 265 ، 266.
(19) انظر تفسير"تبارك" فيما سلف ص: 238 ، تعليق 2 ، والمراجع هناك.
= وتفسير"رب" فيما سلف قريبًا ص: 482 ، تعليق: 2 والمراجع هناك.
= وتفسير"العالمين" فيما سلف من فهارس اللغة (علم).
(20) الأثر: 14776 -"عبد الغفار بن عبد العزيز الأنصاري" ، هكذا جاء هنا في المخطوطة والمطبوعة ، وهكذا نقله الحافظ ابن حجر عن هذا الموضع من التفسير في ترجمة (أبو عبد العزيز) من الإصابة ، وهكذا نقله ابن كثير في تفسيره 3: 489.
ولكن الذي أطبقت عليه كتب التراجم ، والأسانيد الأخرى التي نقلها الحافظ ابن حجر ، في موضع آخر من الإصابة أنه : "عبد الغفور بن عبد العزيز" ، وكنوه"أبو الصباح" ، ونسبوه"الواسطي" ، وهو مترجم في لسان الميزان 4: 43 ، 44 ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 55 ، وميزان الاعتدال 2 : 142 ، وهو ضعيف منكر الحديث ، وأخرجه البخاري في الضعفاء .
وأبوه هو: "عبد العزيز الشامي" ، ولم أجد له ذكرًا ، إلا في أثناء هذه الأسانيد .
وأبوه ، الذي له صحبة يقال اسمه"سعيد الشامي" ، وهو مترجم بذلك في الإصابة ، وكنيته"أبو عبد العزيز" ، وهو مترجم أيضًا في باب الكنى من الإصابة ، وفي أسد الغابة 5: 247.
وهذا الخبر ، رواه الحافظ ابن حجر في الموضعين من ترجمة"أبي عبد العزيز" و"سعيد" ، وابن الأثير في أسد الغابة 5: 247 ، وابن كثير في تفسيره 3 : 489 ، والسيوطي في الدر المنثور 3 : 92 .
وهو خبر ضعيف هالك الإسناد .
و"بقية بن الوليد" كما قال ابن المبارك : (( كان صدوقًا ، ولكنه يكتب عمن أقبل وأدبر )) .
وقال أحمد: "إذا حدث عن قوم ليسوا بمعروفين فلا تقبلوه".
وقال يحيى بن معين: "كان يحدث عن الضعفاء بمئة حديث قبل أن يحدث عن الثقات".
وقال أبو زرعة: "بقية عجب!!
إذا روى عن الثقات فهو ثقة".
وذكر قول ابن المبارك الذي تقدم ، ثم قال: "وقد أصاب ابن المبارك.
ثم قال: هذا في الثقات ، فأما في المجهولين ، فيحدث عن قوم لا يعرفون ولا يضبطون".
قوله تعالى إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمينقوله تعالى إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام بين أنه المنفرد بقدرة الإيجاد ، فهو الذي يجب أن يعبد .
وأصل " ستة " سدسة ، فأرادوا إدغام الدال في السين فالتقيا عند مخرج التاء فغلبت عليهما .
وإن شئت قلت : أبدل من إحدى السينين تاء [ ص: 197 ] وأدغم في الدال ; لأنك تقول في تصغيرها : سديسة ، وفي الجمع أسداس ، والجمع والتصغير يردان الأسماء إلى أصولها .
ويقولون : جاء فلان سادسا وسادتا وساتا ; فمن قال : سادتا أبدل من السين تاء .
واليوم : من طلوع الشمس إلى غروبها .
فإن لم يكن شمس فلا يوم ; قال القشيري .
وقال : ومعنى في ستة أيام أي من أيام الآخرة ، كل يوم ألف سنة ; لتفخيم خلق السماوات والأرض .
وقيل : من أيام الدنيا .
قال مجاهد وغيره : أولها الأحد وآخرها الجمعة .
وذكر هذه المدة ولو أراد خلقها في لحظة لفعل ; إذ هو القادر على أن يقول لها كوني فتكون .
ولكنه أراد أن يعلم العباد الرفق والتثبت في الأمور ، ولتظهر قدرته للملائكة شيئا بعد شيء .
وهذا عند من يقول : خلق الملائكة قبل خلق السماوات والأرض .
وحكمة أخرى - خلقها في ستة أيام ; لأن لكل شيء عنده أجلا .
وبين بهذا ترك معاجلة العصاة بالعقاب ; لأن لكل شيء عنده أجلا .
وهذا كقوله : ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون .
بعد أن قال : وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا .قوله تعالى ثم استوى على العرش هذه مسألة الاستواء ; وللعلماء فيها كلام وإجراء .
وقد بينا أقوال العلماء فيها في " الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى " وذكرنا فيها هناك أربعة عشر قولا .
والأكثر من المتقدمين والمتأخرين أنه إذا وجب تنزيه الباري سبحانه عن الجهة والتحيز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عليه عند عامة العلماء المتقدمين وقادتهم من المتأخرين تنزيهه تبارك وتعالى عن الجهة ، فليس بجهة فوق عندهم ; لأنه يلزم من ذلك عندهم متى اختص بجهة أن يكون في مكان أو حيز ، ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون للمتحيز ، والتغير والحدوث .
هذا قول المتكلمين .
وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك ، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله .
ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة .
وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته ، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته .
قال مالك رحمه الله : الاستواء معلوم - يعني في اللغة - والكيف مجهول ، والسؤال عن هذا بدعة .
وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها .
وهذا القدر كاف ، ومن أراد زيادة عليه فليقف عليه في موضعه من كتب العلماء .
والاستواء في كلام العرب هو العلو والاستقرار .
قال [ ص: 198 ] الجوهري : واستوى من اعوجاج ، واستوى على ظهر دابته ; أي استقر .
واستوى إلى السماء أي قصد .
واستوى أي استولى وظهر .
قال :قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراقواستوى الرجل أي انتهى شبابه .
واستوى الشيء إذا اعتدل .
وحكى أبو عمر بن عبد البر عن أبي عبيدة في قوله تعالى : الرحمن على العرش استوى قال : علا .
وقال الشاعر :فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة وقد حلق النجم اليماني فاستوىأي علا وارتفع .قلت : فعلو الله تعالى وارتفاعه عبارة عن علو مجده وصفاته وملكوته .
أي ليس فوقه فيما يجب له من معاني الجلال أحد ، ولا معه من يكون العلو مشتركا بينه وبينه ; لكنه العلي بالإطلاق سبحانه .على العرش لفظ مشترك يطلق على أكثر من واحد .
قال الجوهري وغيره : العرش سرير الملك .
وفي التنزيل نكروا لها عرشها ، ورفع أبويه على العرش .
والعرش : سقف البيت .
وعرش القدم : ما نتأ في ظهرها وفيه الأصابع .
وعرش السماك : أربعة كواكب صغار أسفل من العواء ، يقال : إنها عجز الأسد .
وعرش البئر : طيها بالخشب ، بعد أن يطوى أسفلها بالحجارة قدر قامة ; فذلك الخشب هو العرش ، والجمع عروش .
والعرش اسم لمكة .
والعرش الملك والسلطان .
يقال : ثل عرش فلان إذا ذهب ملكه وسلطانه وعزه .
قال زهير :تداركتما عبسا وقد ثل عرشها وذبيان إذ ذلت بأقدامها النعلوقد يؤول العرش في الآية بمعنى الملك ، أي ما استوى الملك إلا له جل وعز .
وهو قول حسن وفيه نظر ، وقد بيناه في جملة الأقوال في كتابنا .
والحمد لله .قوله تعالى يغشي الليل النهار أي يجعله كالغشاء ، أي يذهب نور النهار ليتم قوام [ ص: 199 ] الحياة في الدنيا بمجيء الليل .
فالليل للسكون ، والنهار للمعاش .
وقرئ ( يغشي ) بالتشديد ; ومثله في " الرعد " .
وهي قراءة أبي بكر عن عاصم وحمزة والكسائي .
وخفف الباقون .
وهما لغتان أغشى وغشى .
وقد أجمعوا على فغشاها ما غشى مشددا .
وأجمعوا على فأغشيناهم فالقراءتان متساويتان .
وفي التشديد معنى التكرير والتكثير .
والتغشية والإغشاء : إلباس الشيء الشيء .
ولم يذكر في هذه الآية دخول النهار على الليل ، فاكتفى بأحدهما عن الآخر ، مثل سرابيل تقيكم الحر .
بيدك الخير .
وقرأ حميد بن قيس ( يغشي الليل النهار ) ومعناه أن النهار يغشي الليل .يطلبه حثيثا أي يطلبه دائما من غير فتور .
و يغشي الليل النهار في موضع نصب على الحال .
والتقدير : استوى على العرش مغشيا الليل النهار .
وكذا يطلبه حثيثا حال من الليل ; أي يغشي الليل النهار طالبا له .
ويحتمل أن تكون الجملة مستأنفة ليست بحال .
حثيثا بدل من طالب المقدر أو نعت له ، أو نعت لمصدر محذوف ; أي يطلبه طلبا سريعا .
والحث : الإعجال والسرعة .
وولى حثيثا أي مسرعا .والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره قال الأخفش : هي معطوفة على السماوات ; أي وخلق الشمس .
وروي عن عبد الله بن عامر بالرفع فيها كلها على الابتداء والخبر .قوله تعالى ألا له الخلق والأمر فيه مسألتان الأولى : صدق الله في خبره ، فله الخلق وله الأمر ، خلقهم وأمرهم بما أحب .
وهذا الأمر يقتضي النهي .
قال ابن عيينة : فرق بين الخلق والأمر ; فمن جمع بينهما فقد كفر .
فالخلق المخلوق ، والأمر كلامه الذي هو غير مخلوق وهو قوله : كن إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون وفي تفرقته بين الخلق والأمر دليل بين على فساد قول من قال بخلق القرآن ; إذ لو كان كلامه الذي هو أمر مخلوقا لكان قد قال : ألا له الخلق والخلق .
وذلك عي من الكلام ومستهجن ومستغث .
والله يتعالى عن التكلم بما لا فائدة فيه .
ويدل عليه قوله سبحانه .
ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره .
والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره .
فأخبر سبحانه أن المخلوقات قائمة بأمره ; فلو كان الأمر مخلوقا لافتقر [ ص: 200 ] إلى أمر آخر يقوم به ، وذلك الأمر إلى أمر آخر إلى ما لا نهاية له .
وذلك محال .
فثبت أن أمره الذي هو كلامه قديم أزلي غير مخلوق ; ليصح قيام المخلوقات به .
ويدل عليه أيضا قوله تعالى : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأخبر تعالى أنه خلقهما بالحق ، يعني القول وهو قوله للمكونات : كن .
فلو كان الحق مخلوقا لما صح أن يخلق به المخلوقات ; لأن الخلق لا يخلق بالمخلوق .
يدل عليه ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين .
إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون .
ولكن حق القول مني .
وهذا كله إشارة إلى السبق في القول في القدم ، وذلك يوجب الأزل في الوجود .
وهذه النكتة كافية في الرد عليهم .
ولهم آيات احتجوا بها على مذهبهم ، مثل قوله تعالى : ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث الآية .
ومثل قوله تعالى : وكان أمر الله قدرا مقدورا .
و مفعولا وما كان مثله .
قال القاضي أبو بكر : معنى ما يأتيهم من ذكر أي من وعظ من النبي صلى الله عليه وسلم ووعد وتخويف إلا استمعوه وهم يلعبون ; لأن وعظ الرسل صلوات الله عليهم وسلامه وتحذيرهم ذكر .
قال الله تعالى : فذكر إنما أنت مذكر .
ويقال : فلان في مجلس الذكر .
ومعنى وكان أمر الله قدرا مقدورا و مفعولا أراد سبحانه عقابه وانتقامه من الكافرين ونصره للمؤمنين وما حكم به وقدره من أفعاله .
ومن ذلك قوله تعالى : حتى إذا جاء أمرنا وقال عز وجل : وما أمر فرعون برشيد يعني به شأنه وأفعاله وطرائقه .
قال الشاعر :لها أمرها حتى إذا ما تبوأت بأخفافها مرعى تبوأ مضجعاالثانية : وإذا تقرر هذا فاعلم أن الأمر ليس من الإرادة في شيء .
والمعتزلة تقول : الأمر نفس الإرادة .
وليس بصحيح ، بل يأمر بما لا يريد وينهى عما يريد .
ألا ترى أنه أمر إبراهيم بذبح ولده ولم يرده منه ، وأمر نبيه أن يصلي مع أمته خمسين صلاة ، ولم يرد منه إلا خمس صلوات .
وقد أراد شهادة حمزة حيث يقول : ويتخذ منكم شهداء .
وقد نهى الكفار عن قتله ولم يأمرهم به .
وهذا صحيح نفيس في بابه ، فتأمله .[ ص: 201 ] قوله تعالى تبارك الله رب العالمين تبارك تفاعل ، من البركة وهي الكثرة والاتساع .
يقال : بورك الشيء وبورك فيه ; قاله ابن عرفة .
وقال الأزهري : تبارك تعالى وتعاظم وارتفع .
وقيل : إن باسمه يتبرك ويتيمن .
وقد مضى في الفاتحة معنى رب العالمين
يقول تعالى مبينا أنه الرب المعبود وحده لا شريك له: { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ } وما فيهما على عظمهما وسعتهما، وإحكامهما، وإتقانهما، وبديع خلقهما.
{ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } أولها يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة، فلما قضاهما وأودع فيهما من أمره ما أودع { اسْتَوَى } تبارك وتعالى { عَلَى الْعَرْشِ } العظيم الذي يسع السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، استوى استواء يليق بجلاله وعظمته وسلطانه، فاستوى على العرش، واحتوى على الملك، ودبر الممالك، وأجرى عليهم أحكامه الكونية، وأحكامه الدينية، ولهذا قال: { يُغْشِي اللَّيْلَ } المظلم { النَّهَارَ } المضيء، فيظلم ما على وجه الأرض، ويسكن الآدميون، وتأوى المخلوقات إلى مساكنها، ويستريحون من التعب، والذهاب والإياب الذي حصل لهم في النهار.
{ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا } كلما جاء الليل ذهب النهار، وكلما جاء النهار ذهب الليل، وهكذا أبدا على الدوام، حتى يطوي اللّه هذا العالم، وينتقل العباد إلى دار غير هذه الدار.
{ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ } أي: بتسخيره وتدبيره، الدال على ما له من أوصاف الكمال، فخلْقُها وعظَمُها دالٌّ على كمال قدرته، وما فيها من الإحكام والانتظام والإتقان دال على كمال حكمته، وما فيها من المنافع والمصالح الضرورية وما دونها دال على سعة رحمته وذلك دال على سعة علمه، وأنه الإله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له.
{ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ } أي: له الخلق الذي صدرت عنه جميع المخلوقات علويها وسفليها، أعيانها وأوصافها وأفعالها والأمر المتضمن للشرائع والنبوات، فالخلق: يتضمن أحكامه الكونية القدرية، والأمر: يتضمن أحكامه الدينية الشرعية، وثم أحكام الجزاء، وذلك يكون في دار البقاء، { تَبَارَكَ اللَّهُ } أي: عظم وتعالى وكثر خيره وإحسانه، فتبارك في نفسه لعظمة أوصافه وكمالها، وبارك في غيره بإحلال الخير الجزيل والبر الكثير، فكل بركة في الكون، فمن آثار رحمته، ولهذا قال: فـ { تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } ولما ذكر من عظمته وجلاله ما يدل ذوي الألباب على أنه وحده، المعبود المقصود في الحوائج كلها أمر بما يترتب على ذلك.
قوله تعالى : ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ) أراد به في مقدار ستة أيام لأن اليوم من لدن طلوع الشمس إلى غروبها ، ولم يكن يومئذ يوم ولا شمس ولا سماء ، قيل : ستة أيام كأيام الآخرة وكل يوم كألف سنة .
وقيل : كأيام الدنيا ، قال سعيد بن جبير : كان الله - عز وجل - قادرا على خلق السماوات والأرض في لمحة ولحظة ، فخلقهن في ستة أيام تعليما لخلقه التثبت والتأني في الأمور وقد جاء في الحديث : " التأني من الله والعجلة من الشيطان " .
( ثم استوى على العرش ) قال الكلبي ومقاتل : استقر .
وقال أبو عبيدة : صعد .
وأولت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء ، وأما أهل السنة فيقولون : الاستواء على العرش صفة لله تعالى ، بلا كيف ، يجب على الرجل الإيمان به ، ويكل العلم فيه إلى الله - عز وجل - .
وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله : ( الرحمن على العرش استوى ) طه - 5 ، كيف استوى؟
فأطرق رأسه مليا ، وعلاه الرحضاء ، ثم قال : الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، وما أظنك إلا ضالا ثم أمر به فأخرج .
وروي عن سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهة : أمروها كما جاءت بلا كيف .
والعرش في اللغة : هو السرير .
وقيل : هو ما علا فأظل ، ومنه عرش الكروم .
وقيل : العرش الملك .
( يغشي الليل النهار ) قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر ويعقوب : " يغشي " بالتشديد هاهنا وفي سورة الرعد ، والباقون بالتخفيف ، أي : يأتي الليل على النهار فيغطيه ، وفيه حذف أي : ويغشي النهار الليل ، ولم يذكره لدلالة الكلام عليه وذكر في آية أخرى فقال : " يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل " الزمر - 5 ، ( يطلبه حثيثا ) أي : سريعا ، وذلك أنه إذا كان يعقب أحدهم الآخر ويخلفه ، فكأنه يطلبه .
( والشمس والقمر والنجوم مسخرات ) قرأ ابن عامر كلها بالرفع على الابتداء والخبر ، والباقون بالنصب ، وكذلك في سورة النحل عطفا على قوله : " لخلق السماوات والأرض " ، أي : خلق هذه الأشياء مسخرات ، أي : مذللات ( بأمره ألا له الخلق والأمر ) له الخلق لأنه خلقهم وله الأمر ، يأمر في خلقه بما يشاء .
قال سفيان بن عيينة : فرق الله بين الخلق والأمر فمن جمع بينهما فقد كفر .
( تبارك الله ) أي : تعالى الله وتعظم .
وقيل : ارتفع .
والمبارك المرتفع .
وقيل : تبارك تفاعل من البركة وهي النماء والزيادة ، أي : البركة تكتسب وتنال بذكره .
وعن ابن عباس قال : جاء بكل بركة .
وقال الحسن : تجيء البركة من قبله وقيل : تبارك : تقدس .
والقدس : الطهارة .
وقيل : تبارك الله أي : باسمه يتبرك في كل شيء .
وقال المحققون : معنى هذه الصفة ثبت ودام بما لم يزل ولا يزال .
وأصل البركة الثبوت .
ويقال : تبارك الله ولا يقال : متبارك ولا مبارك ، لأنه لم يرد به التوقيف .
( رب العالمين ) .
«إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام» من أيام الدنيا، أي في قدرها لأنه لم يكن ثَمَّ شمس ولو شاء خلقهم في لمحة، والعدول عنه لتعليم خلقه التثبيت «ثم استوى على العرش» هو في اللغة: سرير الملك استواء يليق به «يُغْشِي الليل النهار» مخففا ومشددا أي يغطي كلا منهما بالآخر طلبا «يطلبه حثيثا» سريعا «والشمس والقمر والنجوم» بالنصب عطفا على السماوات والرفع مبتدأ خبره «مسخرات» مذلَّلات «بأمره» بقدرته «ألا له الخلق» جميعا «والأمر» كله «تبارك» تعاظم «الله ربُّ» مالك «العالمين».
إن ربكم -أيها الناس- هو الله الذي أوجد السموات والأرض من العدم في ستة أيام، ثم استوى -سبحانه- على العرش -أي علا وارتفع- استواءً يليق بجلاله وعظمته، يُدخل سبحانه الليل على النهار، فيلبسه إياه حتى يذهب نوره، ويُدخل النهار على الليل فيذهب ظلامه، وكل واحد منهما يطلب الآخر سريعًا دائمًا، وهو -سبحانه- الذي خلق الشمس والقمر والنجوم مذللات له يسخرهن -سبحانه- كما يشاء، وهنَّ من آيات الله العظيمة.
ألا له سبحانه وتعالى الخلق كله وله الأمر كله، تعالى الله وتعاظم وتنزَّه عن كل نقص، رب الخلق أجمعين.
ثم ذكر - سبحانه - جانبا من بديع صنعه ، وجليل قدرته ، لكى يدل على أنه هو المعبود الحق فقال - تعالى - : ( إِنَّ رَبَّكُمُ .
.
.
) .أى : إن سيدكم ومالككم الذى يجب عليكم أن تفردوه بالعبادة هو الله الذى أنشأ السموات والرض على غير مثال سابق فى مقدار ستة أيام .قال الشهاب : اليوم فى اللغة مطلق الوقت ، فإن أريد هذا فالمعنى فى ستة أوقات .
وإن أريد المعارف وهو زمان طلوع الشمس إلى غروبها فالمعنى فى مقدار ستة أيام ، لأن اليوم إنما كان بعد خلق الشمس والسموات فيقدر فيه مضاف .وقال صاحب فتح البيان : " قيل هذه الأيام من أيام الدنيا ، وقيل من أيام الآخرة ، قال ابن عباس : يوم مقداره ألف سنة وبه قال الجمهور وقال سعيد ابن جبير ، " كان الله قادرا على أن يخلق السموات والأرض وما بينهما فى لمحة ولحظة ، فخلقهن فى ستة أيام تعليما لخلقه التثبت والتأنى فى الأمور " .وقوله : ( ثُمَّ استوى عَلَى العرش ) قال الشيخ القاسمى :ورد الاستواء على معان اشترك لفظه فيها ، فجاء بمعنى الاستقرار ، ومنه ( واستوت عَلَى الجودي ) وبمعنى القصد ومنه ( ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌْ ) وكل من فرغ من أمر وقصد لغيره فقد استوى له وإليه .
قال الفراء : تقول العرب استوى إلى يخاصمنى أى : قصد لى وأقبل على .
ويأتى بمعنى الاستيلاء .قال الشاعر :قد استوى بشر على العراق ...
ويأتى بمعنى العلو ومنه هذه الآية .قال البخاري فى آخر صحيحه فى كتاب الردل على الجهمية فى باب قوله - تعالى - : ( وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المآء ) أى : علا وارتفع .وعرش الله - كما قال الراغب - مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم ، وليس كما تذهب إليه أوهام العامة ، فإنه لو كان كذلك لكان حاملا له - تعالى الله عن ذلك - لا محمولا .وقد ذكر العرش فى إحدى وعشرين آية .
وذكر الاستواء على العرش فى سبع آيات .أما الاستواء على العرش فذهب سلف الأمة إلى أن صفة لله - تعالى - بلا كيف ولا انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل لاستحالة اتصافه - سبحانه - بصفات المحدثين ، ولوجوب تنزيهه عما لا يليق به ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السميع البصير ) وأنه يجب الإيمان بها كما ورت وتفويض العلم بحقيقتها إليه - تعالى - .فعن أم سلمة - رضى الله عنها - فى تفسير قوله - تعالى - : ( الرحمن عَلَى العرش استوى ) أنها قالت : الكيف غير معقول ، والاستواء غير مجهول ، والاقرار به من الإيمان ، والجحود به كفر .وقال الإمام مالك : الكيف غير معقول ، والاستواء غير مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة .وقال محمد بن الحسن : اتفق الفقهاء جميعا على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه .وقال الإمام الرازى : إن هذا المذهب هو الذى نقول به ونختاره ونعتمد عليه .وذهب بعض علماء الخلف إلى وجوب صرفه - أى الاستواء - عن ظاهره لاستحالته ، وأن المراد منه - كما قال الإمام القفال - أنه استقام ملكه ، واطرد أمره ونفذ حكمه - تعالى - فى مخلوقاته ، والله - تعالى - دل على ذاته وصفاته وكيفية تدبيره للعالم على الوجه الذى ألفوه من ملوكهم واستقر فى قلوبهم " تنبيها على عظمته وكمال قدرته " وذلك مشروط بنفى التشبيه ، ويشهد بذلك قوله - تعالى - : ( ثُمَّ استوى عَلَى العرش يُدَبِّرُ الأمر ) هذا وللعلماء كلام طويل حول هذه المسألة التى تتعلق بالمحكم والمتشابه فليرجع إليها من شاء .وقوله : ( يُغْشِي الليل النهار ) التغشية : التغطية والستر ، أى : يجعل الليل غاشيا للنهار مغطيا له فيذهب بنوره ، ويصير الكون مظلما بعد أن كان مضيئا ، ويجعل النهار غاشية لليل فيصير الكون مضيئا بعد أن كان مظلما ، وفى ذلك من منافع الناس ما فيه وبه تتم الحياة ، وهو دليل القدرة والحكمة والتدبير من الإله العلى العظيم .ولم يذكر فى هذه الآية يغشى الليل بالنهار اكتفاء بأحد الأمرين عن الآخر كقوله - تعالى - : ( سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر ) أو لدلالة الحال عليه ، أو لأن اللفظ يحتملهما : يجعل الليل مفعولا أول والنهار مفعولا ثانيا أو بالعكس .والآية الكريمة من باب أعطيت زيداً عمراً ، لأن كلا من الليل والنهار يصلح أن يكون غاشياً ومغشياً ، فوجب جعل الليل هو الفاعل المعنوى ، والنهار ه المفعول من غير عكس لئلا يلتبس المعنى .وقد قال - تعالى - فى آية أخرى : ( يُكَوِّرُ الليل عَلَى النهار وَيُكَوِّرُ النهار عَلَى الليل ) وقوله : ( يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ) أى : يطلب الليل النهار أو كلاهما بطلب الآخر طلباً سريعاً حتى يلحقه ويدركه ، وهو كناية عن أن أحدهما يأتى عقب الآخر ويخلفه بلا فاصل ، فكأنه يطلبه طلباً سريعاً لا يفتر عنه يحلقه .والحث على الشىء : الحض عليه .
يقال : حث الفرس على العدو يحثه حثاً صاحب ه أو وكزه برجل أو ضرب .
وذهب حثيثاً أى : مسرعاً .والجملة حال من الليل ، لأنه هو المتحدث عنه أو حال من النهار أى : مطلوب حثيثاً ، أو من كل منهما على الرأى الثانى الذى يفسر " يطلبه حثيثاً " بأن كليهما يطلب الأخر .وقوله : ( والشمس والقمر والنجوم مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ) أى : وخلق الشمس والقمر والنجوم كونهن مذللات خاضعات لتصرفه ، منقادات لمشيئته ، كأنهن مميزات أمرن فانقدن ، فتسمية ذلك أمر على سبيل التشبيه .قال الآلوسى : ويصح حمل الآمر على الإرادة .
أى : هذه الأجرام العظيمة والمخلوقات البديعة منقادة لإرادته : ومنهم من حمل الأمر على الأمر الكلامى وقال : إنه - سبحانه - أمر هذه الأجرام بالسير الدائم والحركة المستمرة على الوجه المخصوص إلى حيث شاء ولا مانع أن يعطيها الله إدراكا وفهما لذلك " .وقرأ الجمهور بنصب الألفاظ الثلاثة على أنها معطوفة على السموات ، أى : خلق السموات وخلق الشمس والقمر والنجوم .
وبنصب ( مُسَخَّرَاتٍ ) أيضا على أنها حال من هذه الثلاثة .وقرأ أبو عامر بالرفع فى جميعها على الابتداء والخبر مسخرات .وقوله : ( أَلاَ لَهُ الخلق والأمر ) ألا : أداة يفتتح بها القول الذة يهتم بشأنه بأجل تنبيه المخاطب لمضمونه وحمله على تأمله .
والخلق : إيجاد الشىء من العدم .
والأمر : التدبير والتصرف على حسب الإرادة لما خلقه .
فهو - سبحانه - الخالق والمدبر للعالم على حسب إرادته وحكمته لا شريك له فى ذلك .وهذه الجملة الكريمة كالتدليل للكلام السابق أى : أنه - سبحانه - هو الذى خلق الأشياء كلها ويدخل فى ذلك السموات والأرض وغيرهما ، وهو الذى دبر هذا الكون على حسب إرادته ويدخل فى ذلك ما أشار إليه بقوله : ( مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ) .وقوله : ( تَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين ) .تبارك : فعل ماض لا يتصرف ، أى لم يجىء منه مضارع ولا أمر ولا اسم فاعل .
من البركة بمعنى الكثرة من كل خير .
وأصلها النماء والزيادة .
أى : كثر خيره وإحسانه وتعاظمت وتزايدت بركات الله رب العالمين .أو من البركة بمعنى الثبوت .
يقال : برك البعير ، إذا أناخ فى موضعه فلزمه وثبت فيه .
وكل شىء ثبت ودام فقد برك .
أى : ثبت ودام خيره على خلقه .أو المعنى : تعالى الله رب العالمين وتعظيم وارتفع وتنزه عن كل نقص .
اعلم أنا بينا أن مدار أمر القرآن على تقدير هذه المسائل الأربع، وهي التوحيد والنبوة والمعاد والقضاء والقدر، ولا شك أن مدار إثبات المعاد على إثبات التوحيد والقدرة والعلم، فلما بالغ الله تعالى في تقرير أمر المعاد عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على التوحيد، وكمال القدرة، والعلم، لتصير تلك الدلائل مقررة لأصول التوحيد، ومقررة أيضاً لإثبات المعاد وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: حكى الواحدي عن الليث أنه قال: الأصل في الست والستة سدس وسدسة أبدل السين تاء، ولما كان مخرج الدال والتاء قريباً أدغم أحدهما في الآخر واكتفى بالتاء، عليه أنك تقول في تصغير ستة سديسة، وكذلك الأسداس وجميع تصرفاته يدل عليه.
والله أعلم.
المسألة الثانية: ﴿ الخلق ﴾ التقدير على ما قررناه فخلق السموات والأرض إشارة إلى تقدير حالة من أحوالهما، وذلك التقدير يحتمل وجوهاً كثيرة: أولها: تقدير ذواتهما بمقدار معين مع أن العقل يقضي بأن الأزيد منه والأنقص منه جائز، فاختصاص كل واحد منهما بمقداره المعين لابد وأن يكون بتخصيص مخصص، وذلك يدل على افتقار خلق السموات والأرض إلى الفاعل المختار.
وثانيها: أن كون هذه الأجسام متحركة في الأزل محال، لأن الحركة انتقال من حال إلى حال، فالحركة يجب كونها مسبوقة بحالة أخرى، والأزل ينافي المسبوقية فكان الجمع بين الحركة وبين الأزل محالاً.
إذا ثبت هذا فنقول: هذه الأفلاك والكواكب إما أن يقال: أن ذواتها كانت معدومة في الأزل ثم وجدت، أو يقال: إنها وإن كانت موجودة لكنها كانت واقفة ساكنة في الأزل، ثم ابتدأت بالحركة، وعلى التقديرين فتلك الحركات ابتدأت بالحدوث والوجود في وقت معين مع جواز حصولها قبل ذلك الوقت وبعده، وإذا كان كذلك كان اختصاص ابتداء تلك الحركات بتلك الأوقات المعينة تقديراً وخلقاً، ولا يحصل ذلك الاختصاص إلا بتخصيص مخصص قادر ومختار.
وثالثها: أن أجرام الأفلاك والكواكب والعناصر مركبة من أجزاء صغيرة، ولا بد وأن يقال: إن بعض تلك الأجزاء حصلت في داخل تلك الأجرام وبعضها حصلت على سطوحها فاختصاص حصول كل واحدة من تلك الأجزاء بحيزه المعين ووضعه المعين لابد وأن يكون لتخصيص المخصص القادر المختار.
ورابعها: أن بعض الأفلاك أعلى من بعض، وبعض الكواكب حصل في المنطقة وبعضها في القطبين، فاختصاص كل واحد منهما بموضعه المعين لابد وأن يكون لتخصيص مخصص قادر مختار.
وخامسها: أن كل واحد من الأفلاك متحرك إلى جهة مخصوصة، وحركة مختصة بمقدار معين مخصوص من البطء والسرعة، وذلك أيضاً خلق وتقدير ويدل على وجود المخصص القادر.
وسادسها: أن كل واحد من الكواكب مختص بلون مخصوص مثل كمودة زحل، ودرية المشتري، وحمرة المريخ، وضياء الشمس، وإشراق الزهرة، وصفرة عطارد، وزهور القمر، والأجسام متماثلة في تمام الماهية فكان اختصاص كل واحد منها بلونه المعين خلقاً وتقديراً ودليلاً على افتقارها إلى الفاعل المختار.
وسابعها: أن الأفلاك والعناصر مركبة من الأجزاء الصغيرة، وواجب الوجود لا يكون أكثر من واحد فهي ممكنة الوجود في ذواتها، فكل ما كان ممكناً لذاته فهو محتاج إلى المؤثر، والحاجة إلى المؤثر لا تكون في حال البقاء، وإلا لزم تكون الكائن فتلك الحاجة لا تحصل إلا في زمان الحدوث، أو في زمان العدم وعلى التقديرين فيلزم كون هذه الأجزاء محدثة ومتى كانت محدثة كان حدوثها مختصاً بوقت معين وذلك خلق وتقدير ويدل على الحاجة إلى الصانع القادر المختار.
وثامنها: أن هذه الأجسام لا تخلو عن الحركة والسكون وهما محدثان، وما لا يخلو عن المحدث فهو محدث، فهذه الأجسام محدثة، وكل محدث فقد حصل حدوثه في وقت معين، وذلك خلق وتقدير ولا بد له من الصانع القادر المختار.
وتاسعها: أن الأجسام متماثلة فاختصاص بعضها بالصفات التي لأجلها كانت سموات وكواكب، والبعض الآخر بالصفات التي لأجلها كانت أرضاً أو ماء أو هواء أو ناراً لابد وأن يكون أمراً جائزاً، وذلك لا يحصل إلا بتقدير مقدر وتخصيص مخصص وهو المطلوب.
وعاشرها: أنه كما حصل الامتياز المذكور بين الأفلاك والعناصر فقد حصل أيضاً مثل هذا الامتياز بين الكواكب وبين الأفلاك وبين العناصر، بل حصل مثل هذا الامتياز بين كل واحد من الكواكب، وذلك يدل على الافتقار إلى الفاعل القادر المختار.
واعلم أن الخلق عبارة عن التقدير، فإذا دللنا على أن الأجسام متماثلة وجب القطع بأن كل صفة حصلت لجسم معين، فإن حصول تلك الصفة ممكن لسائر الأجسام، وإذا كان الأمر كذلك كان اختصاص ذلك الجسم المعين بتلك الصفة المعينة خلقاً وتقديراً فكان داخلاً تحت قوله سبحانه: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السموات والأرض ﴾ ، والله أعلم.
المسألة الثالثة: لسائل أن يسأل فيقول: كون هذه الأشياء مخلوقة في ستة أيام لا يمكن جعله دليلاً على إثبات الصانع؟
وبيانه من وجوه: الأول: أن وجه دلالة هذه المحدثات على وجود الصانع هو حدوثها أو إمكانها أو مجموعهما فأما وقوع ذلك الحدوث في ستة أيام أو في يوم واحد فلا أثر له في ذلك ألبتة.
والثاني: أن العقل يدل على أن الحدوث على جميع الأحوال جائز، وإذا كان كذلك فحينئذ لا يمكن الجزم بأن هذا الحدوث وقع في ستة أيام إلا بأخبار مخبر صادق، وذلك موقوف على العلم بوجود الإله الفاعل المختار، فلو جعلنا هذه المقدمة مقدمة في إثبات الصانع لزم الدور.
والثالث: أن حدوث السموات والأرض دفعة واحدة أدل على كمال القدرة والعلم من حدوثها في ستة أيام.
إذا ثبت ما ذكرناه من الوجوه الثلاثة فنقول: ما الفائدة في ذكر أنه تعالى إنما خلقها في ستة أيام في إثبات ذكر ما يدل على وجود الصانع؟
والرابع: أنه ما السبب في أنه اقتصر هاهنا على ذكر السموات والأرض، ولم يذكر خلق سائر الأشياء؟
السؤال الخامس: اليوم إنما يمتاز عن الليلة بسبب طلوع الشمس وغروبها فقبل خلق الشمس والقمر كيف يعقل حصول الأيام؟
والسؤال السادس: أنه تعالى قال: ﴿ وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ واحدة كَلَمْحٍ البصر ﴾ وهذا كالمناقض لقوله: ﴿ خَلَقَ السموات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ .
والسؤال السابع: أنه تعالى خلق السموات والأرض في مدة متراخية، فما الحكمة في تقييدها وضبطها بالأيام الستة؟
فنقول: أما على مذهبنا فالأمر في الكل سهل واضح، لأنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا اعتراض عليه في أمر من الأمور، وكل شيء صنعه ولا علة لصنعه.
ثم نقول: أما السؤال الأول: فجوابه أنه سبحانه ذكر في أول التوراة أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام، والعرب كانوا يخالطون اليهود والظاهر أنهم سمعوا ذلك منهم فكأنه سبحانه يقول لا تشتغلوا بعبادة الأوثان والأصنام فإن ربكم هو الذي سمعتم من عقلاء الناس أنه هو الذي خلق السموات والأرض على غاية عظمتها ونهاية جلالتها في ستة أيام.
وأما السؤال الثالث: فجوابه أن المقصود منه أنه سبحانه وتعالى وإن كان قادراً على إيجاد جميع الأشياء دفعة واحدة لكنه جعل لكل شيء حداً محدوداً ووقتاً مقدراً، فلا يدخله في الوجود إلا على ذلك الوجه، فهو وإن كان قادراً على إيصال الثواب إلى المطيعين في الحال، وعلى إيصال العقاب إلى المذنبين في الحال، إلا أنه يؤخرهما إلى أجل معلوم مقدر، فهذا التأخير ليس لأجل أنه تعالى أهمل العباد بل لما ذكرنا أنه خص كل شيء بوقت معين لسابق مشيئته فلا يفتر عنه، ويدل على هذا قوله تعالى في سورة ق: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ ﴾ بعد أن قال قبل هذا: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِى ٱلْبِلَٰدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ فأخبرهم بأنه قد أهلك من المشركين به والمكذبين لأنبيائه من كان أقوى بطشاً من مشركي العرب، إلا أنه أمهل هؤلاء لما فيه من المصلحة، كما خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام متصلة لا لأجل لغوب لحقه في الإمهال، ولما بين بهذا الطريق أنه تعالى إنما خلق العالم لا دفعة لكن قليلاً قليلاً قال بعده: ﴿ فاصبر على مَا يَقُولُونَ ﴾ من الشرك والتكذيب ولا تستعجل لهم العذاب بل توكل على الله تعالى وفوض الأمر إليه، وهذا معنى ما يقوله المفسرون من أنه تعالى إنما خلق العالم في ستة أيام ليعلم عباده الرفق في الأمور والصبر فيها ولأجل أن لا يحمل المكلف تأخر الثواب والعقاب على الإهمال والتعطيل.
ومن العلماء من ذكر فيه وجهين آخرين: الوجه الأول: أن الشيء إذا أحدث دفعة واحدة ثم انقطع طريق الإحداث فلعله يخطر ببال بعضهم أن ذاك إنما وقع على سبيل الاتفاق، أما إذا حدثت الأشياء على التعاقب والتواصل مع كونها مطابقة للمصلحة والحكمة، كان ذلك أقوى في الدلالة على كونها واقعة بإحداث محدث قديم حكيم، وقادر عليم رحيم.
الوجه الثاني: أنه قد ثبت بالدليل أنه تعالى يخلق العاقل أولاً ثم يخلق السموات والأرض بعده، ثم إن ذلك العاقل إذا شاهد في كل ساعة وحين حدوث شيء آخر على التعاقب والتوالي، كان ذلك أقوى لعلمه وبصيرته، لأنه يتكرر على عقله ظهور هذا الدليل لحظة بعد لحظة، فكان ذلك أقوى في إفادة اليقين.
وأما السؤال الرابع: فجوابه أن ذكر السموات والأرض في هذه الآية يشتمل أيضاً على ذكر ما بينهما، والدليل عليه أنه تعالى ذكر سائر المخلوقات في سائر الآيات فقال: ﴿ الله الذي خَلَقَ السموات والارض وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش مَا لَكُمْ مّن دُونِهِ مِن وَلِيّ وَلاَ شَفِيعٍ ﴾ وقال: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَىِّ ٱلَّذِى لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِۦ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًا ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱلرَّحْمَٰنُ فَسْـَٔلْ بِهِۦ خَبِيرًا ﴾ وقال: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ .
وأما السؤال الخامس: فجوابه أن المراد أنه تعالى خلق السموات والأرض في مقدار ستة أيام وهو كقوله: ﴿ لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ والمراد على مقدار البكرة والعشي في الدنيا لأنه لا ليل ثم ولا نهار.
وأما السؤال السادس: فجوابه أن قوله: ﴿ وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ واحدة كَلَمْحٍ بالبصر ﴾ محمول على إيجاد كل واحد من الذوات وعلى إعدام كل واحد منها، لأن إيجاد الذات الواحدة وإعدام الموجود الواحد لا يقبل التفاوت فلا يمكن تحصيله إلا دفعة واحدة، وأما الإمهال والمدة فذاك لا يحصل إلا في المدة.
وأما السؤال السابع: وهو تقدير هذه المدة بستة أيام، فهو غير وارد لأنه تعالى لو أحدثه في مقدار آخر من الزمان لعاد ذلك السؤال، وأيضاً قال بعضهم لعدد السبعة شرف عظيم، وهو مذكور في تقرير أن ليلة القدر هي ليلة السابع والعشرين، وإذا ثبت هذا قالوا: فالأيام الستة في تخليق العالم واليوم السابع في حصول كمال الملك والملكوت وبهذا الطريق حصل الكمال في الأيام السبعة انتهى.
المسألة الرابعة: في هذه الآية بشارة عظيمة للعقلاء لأنه قال: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السموات والارض ﴾ والمعنى أن الذي يربيكم ويصلح شأنكم ويوصل إليكم الخيرات ويدفع عنكم المكروهات هو الذي بلغ كمال قدرته وعلمه وحكمته ورحمته إلى حيث خلق هذه الأشياء العظيمة وأودع فيها أصناف المنافع وأنواع الخيرات، ومن كان له مرب موصوف بهذه الحكمة والقدرة والرحمة، فكيف يليق أن يرجع إلى غيره في طلب الخيرات أو يعول على غيره في تحصيل السعادات؟
ثم في الآية دقيقة أخرى فإنه لم يقل أنتم عبيده بل قال هو ربكم، ودقيقة أخرى وهي أنه تعالى لما نسب نفسه إلينا سمى نفسه في هذه الحالة بالرب، وهو مشعر بالتربية وكثرة الفضل والإحسان، فكأنه يقول من كان له مرب مع كثرة هذه الرحمة والفضل، فكيف يليق به أن يشتغل بعبادة غيره؟
أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ استوى عَلَى العرش ﴾ فاعلم أنه لا يمكن أن يكون المراد منه كونه مستقراً على العرش ويدل على فساده وجوه عقلية، ووجوه نقلية.
أما العقلية فأمور: أولها: أنه لو كان مستقراً على العرش لكان من الجانب الذي يلي العرش متناهياً وإلا لزم كون العرش داخلاً في ذاته وهو محال، وكل ما كان متناهياً فإن العقل يقضي بأنه لا يمنع أن يصير أزيد منه أو أنقص منه بذرة والعلم بهذا الجواز ضروري، فلو كان الباري تعالى متناهياً من بعض الجوانب لكانت ذاته قابلة للزيادة والنقصان، وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بذلك المقدار المعين لتخصيص مخصص وتقدير مقدر، وكل ما كان كذلك فهو محدث، فثبت أنه تعالى لو كان على العرش لكان من الجانب الذي يلي العرش متناهياً، ولو كان كذلك لكان محدثاً وهذا محال فكونه على العرش يجب أن يكون محالاً.
وثانيها: لو كان في مكان وجهة لكان إما أن يكون غير متناه من كل الجهات، وإما أن يكون متناهياً في كل الجهات.
وإما أن يكون متناهياً من بعض الجهات دون البعض والكل باطل فالقول بكونه في المكان والحيز باطل قطعاً.
بيان فساد القسم الأول: أنه يلزم أن تكون ذاته مخالطة لجميع الأجسام السفلية والعلوية، وأن تكون مخالطة للقاذورات والنجاسات، وتعالى الله عنه، وأيضاً فعلى هذا التقدير: تكون السموات حالة في ذاته، وتكون الأرض أيضاً حالة في ذاته.
إذا ثبت هذا فنقول: الشيء الذي هو محل السموات، إما أن يكون هو عين الشيء الذي هو محل الأرضين أو غيره، فإن كان الأول لزم كون السموات والأرضين حالتين في محل واحد من غير امتياز بين محليهما أصلاً، وكل حالين حلا في محل واحد، لم يكن أحدهما ممتازاً عن الآخر، فلزم أن يقال: السموات لا تمتاز عن الأرضين في الذات، وذلك باطل، وإن كان الثاني: لزم أن تكون ذات الله تعالى مركبة من الأجزاء والأبعاض وهو محال.
والثالث: وهو أن ذات الله تعالى إذا كانت حاصلة في جميع الأحياز والجهات، فإما أن يقال: الشيء الذي حصل فوق هو عين الشيء الذي حصل تحت، فحينئذ تكون الذات الواحدة قد حصلت دفعة واحدة في أحياز كثيرة، وإن عقل ذلك فلم لا يعقل أيضاً حصول الجسم الواحد في أحياز كثيرة دفعة واحدة؟
وهو محال في بديهة العقل.
وأما إن قيل: الشيء الذي حصل فوق غير الشيء الذي حصل تحت، فحينئذ يلزم حصول التركيب والتبعيض في ذات الله تعالى وهو محال.
وأما القسم الثاني: وهو أن يقال: أنه تعالى متناه من كل الجهات.
فنقول: كل ما كان كذلك فهو قابل للزيادة والنقصان في بديهة العقل، وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بالمقدار المعين، لأجل تخصيص مخصص، وكل ما كان كذلك فهو محدث، وأيضاً فإن جاز أن يكون الشيء المحدود من كل الجوانب قديماً أزلياً فاعلاً للعالم، فلم لا يعقل أن يقال: خالق العالم هو الشمس، أو القمر، أو كوكب آخر، وذلك باطل باتفاق.
وأما القسم الثالث: وهو أن يقال: أنه متناه من بعض الجوانب، وغير متناه من سائر الجوانب، فهذا أيضاً باطل من وجوه: أحدها: أن الجانب الذي صدق عليه كونه متناهياً غير ما صدق عليه كونه غير متناه، وإلا لصدق النقيضان معاً وهو محال.
وإذا حصل التغاير لزم كونه تعالى مركباً من الأجزاء والأبعاض.
وثانيها: أن الجانب الذي صدق حكم العقل عليه بكونه متناهياً، إما أن يكون مساوياً للجانب الذي صدق حكم العقل عليه بكونه غير متناه، وإما أن لا يكون كذلك، والأول باطل، لأن الأشياء المتساوية في تمام الماهية كل ما صح على واحد منها صح على الباقي، وإذا كان كذلك: فالجانب للذي هو غير متناه يمكن أن يصير متناهياً، والجانب الذي هو متناه يمكن أن يصير غير متناه، ومتى كان الأمر كذلك كان النمو والذبول والزيادة والنقصان والتفرق والتمزق على ذاته ممكناً، وكل ما كان كذلك فهو محدث، وذلك على الإله القديم محال، فثبت أنه تعالى لو كان حاصلاً في الحيز والجهة، لكان إما أن يكون غير متناه من كل الجهات وإما أن يكون متناهياً من كل الجهات، أو كان متناهياً من بعض الجهات، وغير متناه من سائر الجهات، فثبت أن الأقسام الثلاثة باطلة، فوجب أن نقول القول بكونه تعالى حاصلاً في الحيز والجهة محال.
والبرهان الثالث: لو كان الباري تعالى حاصلاً في المكان والجهة، لكان الأمر المسمى بالجهة إما أن يكون موجوداً مشاراً إليه، وإما أن لا يكون كذلك، والقسمان باطلان، فكان القول بكونه تعالى حاصلاً في الحيز والجهة باطلاً.
أما بيان فساد القسم الأول: فلأنه لو كان المسمى بالحيز والجهة موجوداً مشاراً إليه، فحينئذ يكون المسمى بالحيز والجهة بعداً وامتداد، والحاصل فيه أيضاً يجب أن يكون له في نفسه بُعْدُ وامتداد، وإلا لامتنع حصوله فيه، وحينئذ يلزم تداخل البعدين، وذلك محال للدلائل الكثيرة، المشهورة في هذا الباب، وأيضاً فيلزم من كون الباري تعالى قديماً أزلياً كون الحيز والجهة أزليين، وحينئذ يلزم أن يكون قد حصل في الأزل موجود قائم بنفسه سوى الله تعالى، وذلك بإجماع أكثر العقلاء باطل.
وأما بيان فساد القسم الثاني: فهو من وجهين: أحدهما: أن العدم نفي محض، وعدم صرف، وما كان كذلك امتنع كونه ظرفاً لغيره وجهة لغيره.
وثانيهما: أن كل ما كان حاصلاً في جهة فجهته ممتازة في الحس عن جهة غيره، فلو كانت تلك الجهة عدماً محضاً لزم كون العدم المحض مشاراً إليه بالحس، وذلك باطل، فثبت أنه تعالى لو كان حاصلاً في حيز وجهة لأفضى إلى أحد هذين القسمين الباطلين، فوجب أن يكون القول به باطلاً.
فإن قيل: فهذا أيضاً وارد عليكم في قولكم: الجسم حاصل في الحيز والجهة.
فنقول: نحن على هذا الطريق لا نثبت للجسم حيزاً ولا جهة أصلاً ألبتة، بحيث تكون ذات الجسم نافدة فيه وسارية فيه، بل المكان عبارة عن السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوي، وهذا المعنى محال بالاتفاق في حق الله تعالى، فسقط هذا السؤال.
البرهان الرابع: لو امتنع وجود الباري تعالى إلا بحيث يكون مختصاً بالحيز والجهة، لكانت ذات الباري مفتقرة في تحققها ووجودها إلى الغير، وكل ما كان كذلك فهو ممكن لذاته ينتج أنه لو امتنع وجود الباري إلا في الجهة والحيز، لزم كونه ممكناً لذاته، ولما كان هذا محالاً كان القول بوجوب حصوله في الحيز محالاً.
بيان المقام الأول: هو أنه لما امتنع حصول ذات الله تعالى، إلا إذا كان مختصاً بالحيز والجهة.
فنقول: لا شك أن الحيز والجهة أمر مغاير لذات الله تعالى، فحينئذ تكون ذات الله تعالى مفتقرة في تحققها إلى أمر يغايرها، وكل ما افتقر تحققه إلى ما يغايره، كان ممكناً لذاته.
والدليل عليه: أن الواجب لذاته هو الذي لا يلزم من عدم غيره عدمه، والمفتقر إلى الغير هو الذي يلزم من عدم غيره عدمه، فلو كان الواجب لذاته مفتقراً إلى الغير لزم أن يصدق عليه النقيضان، وهو محال.
فثبت أنه تعالى لو وجب حصوله في الحيز لكان ممكناً لذاته، لا واجباً لذاته، وذلك محال.
والوجه الثاني: في تقرير هذه الحجة: هو أن الممكن محتاج إلى الحَيّز والجهة.
أما عند من يثبت الخلاء.
فلا شك أن الحيز والجِهة تتقرر مع عدم التمكن، وأما عند من ينفي الخلاء فلا، لأنه وإن كان معتقداً أنه لابد من متمكن يحصل في الجهة، إلا أنه لا يقول بأنه لابد لتلك الجهة من متمكن معين، بل أي شيء كان فقد كفى في كونه شاغلاً لذلك الحيز.
إذا ثبت هذا فلو كان ذات الله تعالى مختصة بجهة وحيز لكانت ذاته مفتقرة إلى ذلك الحيز، وكان ذلك الحيز غنياً تحققه عن ذات الله تعالى وحينئذ يلزم أن يقال: الحيز واجب لذاته غني عن غيره وأن يقال ذات الله تعالى مفتقرة في ذاتها واجبة بغيرها وذلك يقدح في قولنا: الإله تعالى واجب الوجود لذاته.
فإن قيل: الحيز والجهة ليس بأمر موجود حتى يقال ذات الله تعالى مفتقرة إليه ومحتاجة إليه.
فنقول: هذا باطل قطعاً لأن بتقدير أن يقال إن ذات الله تعالى مختصة بجهة فوق فإنما نميز بحسب الحس بين تلك الجهة وبين سائر الجهات وما حصل فيه الامتياز بحسب الحس كيف يعقل أن يقال إنه عدم محض ونفي صرف؟
ولو جاز ذلك لجاز مثله في كل المحسوسات وذلك يوجب حصول الشك في وجود كل المحسوسات، وذلك لا يقوله عاقل.
البرهان الخامس: في تقرير أنه تعالى يمتنع كونه مختصاً بالحيز والجهة نقول: الحيز والجهة لا معنى له إلا الفراغ المحض، والخلاء الصرف، وصريح العقل يشهد أن هذا المفهوم مفهوم واحد لا اختلاف فيه ألبتة.
وإذا كان الأمر كذلك كانت الأحياز بأسرها متساوية في تمام الماهية.
وإذا ثبت هذا فنقول: لو كان الإله تعالى مختصاً بحيز، لكان محدثاً، وهذا محال؛ فذاك محال.
وبيان الملازمة: أن الأحياز لما ثبت أنها بأسرها متساوية، فلو اختص ذات الله تعالى بحيز معين لكان اختصاصه به، لأجل أن مخصصاً خصصه بذلك الحيز وكل ما كان فعلاً لفاعل مختار، فهو محدث فوجب أن يكون اختصاص ذات الله بالحيز المعين محدثاً، فإذا كانت ذاته ممتنعة الخلو عن الحصول في الحيز، وثبت أن الحصول في الحيز محدث، وبديهة العقل شاهدة بأن ما لا يخلو عن المحدث فهو محدث، لزم القطع بأنه لو كان حاصلاً في الحيز لكان محدثاً، ولما كان هذا محالاً كان ذلك أيضاً محالاً.
فإن قالوا: الأحياز مختلفة بحسب أن بعضها علو وبعضها سفل، فلم لا يجوز أن يقال ذات الله تعالى مختصة بجهة علو؟
فنقول: هذا باطل، لأن كون بعض تلك الجهات علو، وبعضها سفلاً، أحوال لا تحصل، إلا بالنسبة إلى وجود هذا العالم، فلما كان هذا العالم محدثاً كان قبل حدوثه لا علو ولا سفل ولا يمين ولا يسار، بل ليس إلا الخلاء المحض، وإذا كان الأمر كذلك، فحينئذ يعود الإلزام المذكور بتمامه، وأيضاً لو جاز القول بأن ذات الله تعالى مختصة ببعض الأحياز على سبيل الوجوب؟
فلم لا يعقل أيضاً أن يقال: إن بعض الأجسام اختص ببعض الأحياز على سبيل الوجوب؟
وعلى هذا التقدير، فذلك اسم لا يكون قابلاً للحركة والسكون، فلا يجري فيه دليل حدوث الأجسام، والقائل بهذا القول، لا يمكنه إقامة الدلالة على حدوث كل الأجسام بطريق الحركة والسكون، والكرامية وافقونا على أن تجويز هذا يوجب الكفر والله أعلم.
البرهان السادس: لو كان الباري تعالى حاصلاً في الحيز والجهة لكان مشاراً إليه بحسب الحس وكل ما كان كذلك، فإما أن لا يقبل القسمة بوجه من الوجوه وإما أن يقبل القسمة.
فإن قلنا: إنه تعالى يمكن أن يشار إليه بحسب الحس، مع أنه لا يقبل القسمة المقدارية ألبتة، كان ذلك نقطة لا تنقسم، وجوهراً فرداً لا ينقسم، فكان ذلك في غاية الصغر والحقارة، وهذا باطل بإجماع جميع العقلاء، وذلك لأن الذين ينكرون كونه تعالى في الجهة ينكرون كونه تعالى كذلك، والذين يثبتون كونه تعالى في الجهة ينكرون كونه تعالى في الصغر والحقارة مثل الجزء الذي لا يتجزأ، فثبت أن هذا بإجماع العقلاء باطل، وأيضاً فلو جاز ذلك، فلم لا يعقل أن يقال: إله العالم جزء من ألف جزء من رأس إبرة، أو ذرة ملتصقة بذنب قملة، أو نملة؟
ومعلوم أن كل قول يفضي إلى مثل هذه الأشياء، فإن صريح العقل يوجب تنزيه الله تعالى عنه.
وأما القسم الثاني: وهو أنه يقبل القسمة، فنقول: كل ما كان كذلك، فذاته مركبة وكل مركب فهو ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فهو مفتقر إلى الموجد والمؤثر، وذلك على الإله الواجب لذاته محال.
البرهان السابع: أن نقول: كل ذات قائمة بنفسها مشاراً إليها بحسب الحس فهو منقسم وكل منقسم ممكن فكل ذات قائمة بنفسها مشار إليها بحسب الحس فهو ممكن.
فما لا يكون ممكناً لذاته بل كان واجباً لذاته امتنع كونه مشاراً إليه بحسب الحس.
أما المقدمة الأولى: فلأن كل ذات قائمة بالنفس مشار إليها بحسب الحس فلابد وأن يكون جانب يمينه مغايراً لجانب يساره وكل ماهو كذلك فهو منقسم.
وأما المقدمة الثانية: وهي أن كل منقسم ممكن فإنه يفتقر إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره، وكل منقسم فهو مفتقر إلى غيره، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته.
واعلم أن المقدمة الأولى من مقدمات هذا الدليل إنما تتم بنفي الجوهر الفرد.
البرهان الثامن: لو ثبت كونه تعالى في حيز لكان إما أن يكون أعظم من العرش أو مساوياً له أو أصغر منه فإن كان الأول كان منقسماً لأن القدر الذي منه يساوي العرش يكون مغايراً للقدر الذي يفضل على العرش وإن كان الثاني كان منقسماً لأن العرش منقسم والمساوي للمنقسم منقسم وإن كان الثالث، فحينئذ يلزم أن يكون العرش أعظم منه وذلك باطل بإجماع الأمة أما عندنا فظاهر، وأما عند الخصوم فلأنهم ينكرون كون غير الله تعالى أعظم من الله تعالى، فثبت أن هذا المذهب باطل.
البرهان التاسع: لو كان الإله تعالى حاصلاً في الحيز والجهة لكان إما أن يكون متناهياً من كل الجوانب.
وإما أن لا يكون كذلك والقسمان باطلان، فالقول بكونه حاصلاً في الحيز والجهة باطل أيضاً.
أما بيان أنه لا يجوز أن يكون متناهياً من كل الجهات، فلأن على هذا التقدير يحصل فوقه أحياز خالية، وهو تعالى قادر على خلق الجسم في ذلك الحيز الخالي، وعلى هذا التقدير لو خلق هناك عالماً آخر لحصل هو تعالى تحت العالم وذلك عند الخصم محال وأيضاً فقد كان يمكن أن يخلق من الجوانب الستة لتلك الذات أجساماً أخرى، وعلى هذا التقدير فتحصل ذاته في وسط تلك الأجسام محصورة فيها ويحصل بينه وبين الأجسام الاجتماع تارة والافتراق أخرى، وكل ذلك على الله تعالى محال.
وأما القسم الثاني: وهو أن يكون غير متناه من بعض الجهات فهذا أيضاً محال، لأنه ثبت بالبرهان أنه يمتنع وجود بعد لا نهاية له، وأيضاً فعلى هذا التقدير لا يمكن إقامة الدلالة على أن العالم متناه لأن كل دليل يذكر في تناهي الأبعاد، فإن ذلك الدليل ينتقض بذات الله تعالى فإنه على مذهب الخصم بعد لا نهاية له، وهو وإن كان لا يرضى بهذا اللفظ إلا أنه يساعد على المعنى، والمباحث العقلية مبنية على المعاني، لا على المشاحة في الألفاظ.
البرهان العاشر: لو كان الإله تعالى حاصلاً في الحيز والجهة لكان كونه تعالى هناك إما أن يمنع من حصول جسم آخر هناك أو لا يمنع، والقسمان باطلان فبطل القول بكونه حاصلاً في الحيز.
أما فساد القسم الأول: فلأنه لما كان كونه هناك مانعاً من حصول جسم آخر هناك كان هو تعالى مساوياً لسائر الأجسام في كونه حجماً متحيزاً ممتداً في الحيز والجهة مانعاً من حصول غيره في الحيز الذي هو فيه، وإذا ثبت حصول المساواة في ذلك المفهوم بينه وبين سائر الأجسام فإما أن يحصل بينه وبينها مخالفة من سائر الوجوه أو لا يحصل، والأول باطل لوجهين: الأول: أنه إذا حصلت المشاركة بين ذاته تعالى وبين ذوات الأجسام من بعض الوجوه، والمخالفة من سائر الوجوه كان ما به المشاركة مغايراً لما به المخالفة، وحينئذ تكون ذات الباري تعالى مركبة من هذين الاعتبارين، وقد دللنا على أن كل مركب ممكن فواجب الوجود لذاته ممكن الوجود لذاته هذا خلف.
والثاني: وهو أن ما به المشاركة وهو طبيعة البعد والامتداد.
إما أن يكون محلاً لما به المخالفة.
وإما أن يكون حالاً فيه وإما أن يقال: إنه لا محل له ولا حالاً فيه.
أما الأول: وهو أن يكون محلاً لما به المخالفة، فعلى هذا التقدير طبيعة البعد والامتداد هي الجوهر القائم بنفسه، والأمور التي حصلت بها المخالفة أعراض وصفات، وإذا كانت الذوات متساوية في تمام الماهية فكل ما صح على بعضها وجب أن يصح على البواقي، فعلى هذا التقدير كل ما صح على جميع الأجسام، وجب أن يصح على الباري تعالى وبالعكس، ويلزم منه صحة التفرق والتمزق والنمو والذبول والعفونة والفساد على ذات الله تعالى وكل ذلك محال.
وأما القسم الثاني: وهو أن يقال: ما به المخالفة محل وذات، وما به المشاركة حال وصفة فهذا محال، لأن على هذا التقدير تكون طبيعة البعد والامتداد صفة قائمة بمحل، وذلك المحل إن كان له أيضاً اختصاص بحيز وجهة، وجب افتقاره إلى محل آخر لا إلى نهاية، وإن لم يكن كذلك فحينئذ يكون موجوداً مجرداً لا تعلق له بالحيز والجهة والإشارة الحسية ألبتة، وطبيعة البعد والامتداد واجبة الاختصاص بالحيز والجهة والإشارة الحسية، وحلول ما هذا شأنه في ذلك المحل يوجب الجمع بين النقيضين وهو محال.
وأما القسم الثالث: وهو أن لا يكون أحدهما حالاً في الآخر ولا محلاً له فنقول: فعلى هذا التقدير يكون كل واحد منهما متبايناً عن الآخر، وعلى هذا التقدير فتكون ذات الله تعالى مساوية لسائر الذوات الجسمانية في تمام الماهية، لأن ما به المخالفة بين ذاته وبين سائر الذوات ليست حالة في هذه الذوات، ولا محالاً لها بل أمور أجنبية عنها فتكون ذات الله تعالى مساوية لذوات الأجسام في تمام الماهية، وحينئذ يعود الإلزام المذكور، فثبت أن القول: بأن ذات الله تعالى مختصة بالحيز والجهة بحيث يمنع من حصول جسم آخر في ذلك الحيز يفضي إلى هذه الأقسام الثلاثة الباطلة فوجب كونه باطلاً.
وأما القسم الثاني: وهو أن يقال: إن ذات الله تعالى وإن كانت مختصة بالحيز والجهة، إلا أنه لا يمنع من حصول جسم آخر في ذلك الحيز والجهة، فهذا أيضاً محال لأنه يوجب كون ذاته مخالطة سارية في ذات ذلك الجسم الذي يحصل في ذلك الجنب والحيز وذلك بالإجماع محال، ولأنه لو عقل ذلك فلم لا يعقل حصول الأجسام الكثيرة في الحيز الواحد؟
فثبت أنه تعالى لو كان حاصلاً في حيز لكان إما أن يمنع حصول جسم آخر في ذلك الحيز أو لا يمنع، وثبت فساد القسمين، فكان القول بحصوله تعالى في الحيز والجهة محالاً باطلاً.
البرهان الحادي عشر: على أنه يمتنع حصول ذات الله تعالى في الحيز والجهة هو أن نقول: لو كان مختصاً بحيز وجهة لكان.
إما أن يكون بحيث يمكنه أن يتحرك عن تلك الجهة أو لا يمكنه ذلك، والقسمان باطلان، فبطل القول بكونه حاصلاً في الحيز.
أما القسم الأول: وهو أنه يمكنه أن يتحرك فنقول: هذه الذات لا تخلو عن الحركة والسكون وهما محدثان، لأن على هذا التقدير السكون جائز عليه والحركة جائزة عليه، ومتى كان كذلك لم يكن المؤثر في تلك الحركة ولا في ذلك السكون ذاته، وإلا لامتنع طريان ضده والتقدير: هو تقدير أنه يمكنه أن يتحرك وأن يسكن، وإذا كان كذلك ان المؤثر في حصول تلك الحركة، وذلك السكون هو الفاعل المختار وكل ما كان فعلاً لفاعل مختار فهو محدث، فالحركة والسكون محدثان وما لا يخلو عن المحدث فهو محدث فيلزم أن تكون ذاته تعالى محدثة وهو محال.
وأما القسم الثاني: وهو أنه يكون مختصاً بحيز وجهة مع أنه لا يقدر أن يتحرك عنه فهذا أيضاً محال لوجهين: الأول: أن على هذا التقدير يكون كالزمن المقعد العاجز، وذلك نقص، وهو على الله محال.
والثاني: أنه لو لم يمتنع فرض موجود حاصل في حيز معين بحيث يكون حصوله فيه واجب التقرر ممتنع الزوال لم يبعد أيضاً فرض أجسام أخرى مختصة بأحياز معينة بحيث يمتنع خروجها عن تلك الأحياز، وعلى هذا التقدير فلا يمكن إثبات حدوثها بدليل الحركة والسكون، والكرامية يساعدون على أنه كفر.
والثالث: أنه تعالى لما كان حاصلاً في الحيز والجهة كان مساوياً للأجسام في كونه متحيزاً شاغلاً للأحياز، ثم نقيم الدلالة المذكورة على أن المتحيزات لما كانت متساوية في صفة التحيز وجب كونها متساوية في تمام الماهية، لأنه لو خالف بعضها بعضاً لكان ما به المخالفة إما أن يكون حالاً في المتحيز أو محلاً له أو لا حالاً ولا محلاً، والأقسام الثلاثة باطلة على ما سبق.
وإذا كانت متساوية في تمام الماهية فكما أن الحركة صحيحة على هذه الأجسام وجب القول بصحتها على ذات الله تعالى وحينئذ يتم الدليل.
الحجة الثانية عشرة: لو كان تعالى مختصاً بحيز معين لكنا إذا فرضنا وصول إنسان إلى طرف ذلك الشيء وحاول الدخول فيه فإما أن يمكنه النفوذ والدخول فيه أو لا يمكنه ذلك، فإن كان الأول كان كالهواء اللطيف، والماء اللطيف، وحينئذ يكون قابلاً للتفرق والتمزق وإن كان الثاني كان صلباً كالحجر الصلد الذي لا يمكنه النفوذ فيه، فثبت أنه تعالى لو كان مختصاً بمكان وحيز وجهة لكان إما أن يكون رقيقاً سهل التفرق والتمزق كالماء والهواء، وإما أن يكون صلباً جاسئاً كالحجر الصلد، وقد أجمع المسلمون على أن إثبات هاتين الصفتين في حق الإله كفر وإلحاد في صفته، وأيضاً فبتقدير أن يكون مختصاً بمكان وجهة، لكان إما أن يكون نورانياً وظلمانياً، وجمهور المشبهة يعتقدون أنه نور محض، لاعتقادهم أن النور شريف والظلمة خسيسة، إلا أن الاستقراء العام دل على أن الأشياء النورانية رقيقة لا تمنع النافذ من النفوذ فيها، والدخول فيما بين أجزائها، وعلى هذا التقدير فإن ذلك الذي ينفذ فيه يمتزج به ويفرق بين أجزائه ويكون ذلك الشيء جارياً مجرى الهواء الذي يتصل تارة وينفصل أخرى.
ويجتمع تارة ويتمزق أخرى، وذلك مما لا يليق بالمسلم أن يصف إله العالم به، ولو جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال إن خالق العالم هو بعض هذه الرياح التي تهب؟
أو يقال إنه بعض هذه الأنوار والأضواء التي تشرق على الجدران؟
والذين يقولون إنه لا يقبل التفرق والتمزق ولا يتمكن النافذ من النفوذ فإنه يرجع حاصل كلامهم إلى أنه حصل فوق العالم جبل صلب شديد وإله هذا العالم هو ذلك الجبل الصلب الواقف في الحيز العالي، وأيضاً فإن كان له طرف وحد ونهاية فهل حصل لذلك الشيء عمق وثخن أو لم يحصل؟
فإن كان الأول فحينئذ يكون ظاهره غير باطنه وباطنه غير ظاهره، فكان مؤلفاً مركباً من الظاهر والباطن مع أن باطنه غير ظاهره وظاهره غير باطنه، وإن كان الثاني فحينئذ يكون ذاته سطحاً رقيقاً في غاية الرقة مثل قشرة الثوم بل أرق منه ألف ألف مرة، والعاقل لا يرضى أن يجعل مثل هذا الشيء إله العالم، فثبت أن كونه تعالى في الحيز والجهة يفضي إلى فتح باب هذه الأقسام الباطلة الفاسدة.
الحجة الثالثة عشرة: العالم كرة، وإذا كان الأمر كذلك امتنع أن يكون إله العالم حاصلاً في جهة فوق.
أما المقام الأول: فهو مستقصي في علم الهيئة إلا إنا نقول أنا إذا اعتبرنا كسوفاً قمرياً حصل في أول الليل بالبلاد الغربية كان عين ذلك الكسوف حاصلاً في البلاد الشرقية في أول النهار، فعلمنا أن أول الليل بالبلاد الغربية هو بعينه أول النهار بالبلاد الشرقية، وذلك لا يمكن إلا إذا كانت الأرض مستديرة من المشرق إلى المغرب، وأيضاً إذا توجهنا إلى الجانب الشمالي فكلما كان توغلنا أكثر، كان ارتفاع القطب الشمالي أكثر وبمقدار ما يرتفع القطب الشمالي ينخفض القطب الجنوبي وذلك يدل على أن الأرض مستديرة من الشمال إلى الجنوب، ومجموع هذين الاعتبارين يدل على أن الأرض كرة.
وإذا ثبت هذا فنقول: إذا فرضنا إنسانين وقف أحدهما على نقطة المشرق والأخر على نقطة المغرب صار أخمص قدميهما متقابلين، والذي هو فوق بالنسبة إلى أحدهما يكون تحت بالنسبة إلى الثاني، فلو فرضنا أن إله العالم حصل في الحيز الذي فوق بالنسبة إلى أحدهما، فذلك الحيز بعينه هو تحت بالنسبة إلى الثاني، وبالعكس فثبت أنه تعالى لو حصل في حيز معين لكان ذلك الحيز تحتاً بالنسبة إلى أقوام معينين، وكونه تعالى تحت أهل الدنيا محال بالاتفاق، فوجب أن لا يكون حاصلاً في حيز معين، وأيضاً فعلى هذا التقدير أنه كلما كان فوق بالنسبة إلى أقوام كان تحت بالنسبة إلى أقوام آخرين، وكان يميناً بالنسبة إلى ثالث، وشمالاً بالنسبة إلى رابع، وقدام الوجه بالنسبة إلى خامس، وخلق الرأس بالنسبة إلى سادس، فإن كون الأرض كرة يوجب ذلك إلا أن حصول هذه الأحوال بإجماع العقلاء محال في حق إله العالم إلا إذا قيل إنه محيط بالأرض من جميع الجوانب فيكون هذا فلكاً محيطاً بالأرض وحاصله يرجع إلى أن إله العالم هو بعض الأفلاك المحيطة بهذا العالم، وذلك لا يقوله مسلم، والله أعلم.
الحجة الرابعة عشرة: لو كان إله العالم فوق العرش لكان إما أن يكون مماساً للعرش، أو مبايناً له ببعد متناه أو ببعد غير متناه، والأقسام الثلاثة باطلة، فالقول بكونه فوق العرش باطل.
أما بيان فساد القسم الأول: فهو أن بتقدير أن يصير مماساً للعرش كان الطرف الأسفل منه مماساً للعرش، فهل يبقى فوق ذلك الطرف منه شيء غير مماس للعرش أو لم يبق؟
فإن كان الأول فالشيء الذي منه صار مماساً لطرف العرش غير ما هو منه غير مماس لطرف العرش، فيلزم أن يكون ذات الله تعالى مركباً من الأجزاء والأبعاض فتكون ذاته في الحقيقة مركبة من سطوح متلاقية موضوعة بعضها فوق بعض، وذلك هو القول بكونه جسماً مركباً من الأجزاء والأبعاض وذلك محال، وإن كان الثاني فحينئذ يكون ذات الله تعالى سطحاً رقيقاً لا ثخن له أصلاً، ثم يعود التقسيم فيه، وهو أنه إن حصل له تمدد في اليمين والشمال والقدام والخلف كان مركباً من الأجزاء والأبعاض، وإن لم يكن له تمدد ولا ذهاب في الأحياز بحسب الجهات الستة كان ذرة من الذرات وجزءاً لا يتجزأ مخلوطاً بالهباآت، وذلك لا يقوله عاقل.
وأما القسم الثاني: وهو أن يقال بينه وبين العالم بعد متناه، فهذا أيضاً محال، لأن على هذا التقدير لا يمتنع أن يرتفع العالم من حيزه إلى الجهة التي فيها حصلت ذات الله تعالى إلى أن يصير العالم مماساً له، وحينئذ يعود المحال المذكور في القسم الأول.
وأما القسم الثالث: وهو أن يقال أنه تعالى مباين للعالم بينونة غير متناهية، فهذا أظهر فساداً من كل الأقسام لأنه تعالى لما كان مبايناً للعالم كانت البينونة بينه تعالى وبين غيره محدودة بطرفين وهما ذات الله تعالى وذات العالم، ومحصوراً بين هذين الحاصرين، والبعد المحصور بين الحاصرين والمحدود بين الحدين والطرفين يمتنع كونه بعداً غير متناه.
فإن قيل: أليس أنه تعالى متقدم على العالم من الأزل إلى الأبد، فتقدمه على العالم محصور بين حاصرين ومحدود بين حدين وطرفين أحدهما: الأزل، والثاني: أول وجود العالم ولم يلزم من كون هذا التقدم محصوراً بين حاصرين أن يكون لهذا التقدم أول وبداية، فكذا هاهنا، وهذا هو الذي عول عليه محمد بن الهيثم في دفع هذا الإشكال عن هذا القسم.
والجواب: أن هذا هو محض المغالطة، لأنه ليس الأزل عبارة عن وقت معين وزمان معين حتى يقال إنه تعالى متقدم على العالم <div class="verse-tafsir"
﴿ يُغْشِى اليل النهار يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ﴾ وقرئ: ﴿ يغشى ﴾ بالتشديد، أي يلحق الليل النهار، أو النهار بالليل يحتملهما جميعاً.
والدليل على الثاني قراءة حميد بن قيس: يغشى الليل النهار، بفتح الياء ونصب الليل ورفع النهار، أي يدرك النهار الليل ويطلبه حثيثاً، حسن الملاءمة لقراءة حميد ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ بمشيئته وتصريفه، وهو متعلق بمسخرات، أي خلقهن جاريات بمقتضى حكمته وتدبيره، وكما يريد أن يصرفها سمي ذلك أمراً على التشبيه، كأنهن مأمورات بذلك.
وقرئ: ﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخرات ﴾ ، بالرفع.
لما ذكر أنه خلقهنّ مسخرات بأمره قال: ﴿ أَلاَ لَهُ الخلق والامر ﴾ أي هو الذي خلق الأشياء كلها، وهو الذي صرفها على حسب إرادته.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ﴾ أيْ في سِتَّةِ أوْقاتٍ كَقَوْلِهِ: ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ﴾ أوْ في مِقْدارِ سِتَّةِ أيّامٍ، فَإنَّ المُتَعارَفَ بِاليَوْمِ زَمانُ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها ولَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ، وفي خَلْقِ الأشْياءِ مُدْرَجًا مَعَ القُدْرَةِ عَلى إيجادِها دَفْعَةً دَلِيلٌ لِلِاخْتِيارِ واعْتِبارٌ لِلنُّظّارِ وحَثٌّ عَلى التَّأنِّي في الأُمُورِ.
﴿ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ﴾ اسْتَوى أمْرُهُ أوِ اسْتَوْلى، وعَنْ أصْحابِنا أنَّ الِاسْتِواءَ عَلى العَرْشِ صِفَةٌ لِلَّهِ بِلا كَيْفٍ، والمَعْنى: أنَّ لَهُ تَعالى اسْتِواءً عَلى العَرْشِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي عَناهُ مُنَزَّهًا عَنِ الِاسْتِقْرارِ والتَّمَكُّنِ، والعَرْشُ الجِسْمُ المُحِيطُ بِسائِرِ الأجْسامِ سُمِّيَ بِهِ لِارْتِفاعِهِ، أوْ لِلتَّشْبِيهِ بِسَرِيرِ المُلْكِ فَإنَّ الأُمُورَ والتَّدابِيرَ تَنْزِلُ مِنهُ وقِيلَ المُلْكُ.
﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ﴾ يُغَطِّيهِ بِهِ ولَمْ يَذْكُرْ عَكْسَهُ لِلْعِلْمِ بِهِ، أوْ لِأنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُما ولِذَلِكَ قُرِئَ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ بِنَصْبِ ﴿ اللَّيْلَ ﴾ ورَفْعِ ﴿ النَّهارَ ﴾ .
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالتَّشْدِيدِ فِيهِ وفي « الرَّعْدِ» لِلدَّلالَةِ عَلى التَّكْرِيرِ.
﴿ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا ﴾ يَعْقُبُهُ سَرِيعًا كالطّالِبِ لَهُ لا يَفْصِلُ بَيْنَهُما شَيْءٌ، والحَثِيثُ فَعِيلٌ مِنَ الحَثِّ وهو صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ حالٌ مِنَ الفاعِلِ بِمَعْنى حاثًّا، أوِ المَفْعُولُ بِمَعْنى مَحْثُوثًا.
﴿ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ﴾ بِقَضائِهِ وتَصْرِيفِهِ ونَصْبُها بِالعَطْفِ عَلى السَّمَواتِ ونَصْبُ مُسَخَّراتٍ عَلى الحالِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ كُلَّها بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ.
﴿ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ ﴾ فَإنَّهُ المُوجِدُ والمُتَصَرِّفُ.
﴿ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ تَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ في الأُلُوهِيَّةِ وتَعَظَّمَ بِالتَّفَرُّدِ في الرُّبُوبِيَّةِ.
وَتَحْقِيقُ الآيَةِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، أنَّ الكَفَرَةَ كانُوا مُتَّخِذِينَ أرْبابًا فَبَيَّنَ لَهم أنَّ المُسْتَحِقَّ لِلرُّبُوبِيَّةِ واحِدٌ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، لِأنَّهُ الَّذِي لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى خَلَقَ العالَمَ عَلى تَرْتِيبٍ قَوِيمٍ وتَدْبِيرٍ حَكِيمٍ فَأبْدَعَ الأفْلاكَ ثُمَّ زَيَّنَها بِالكَواكِبِ كَما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ ﴾ وعَمَدَ إلى إيجادِ الأجْرامِ السُّفْلِيَّةِ فَخَلَقَ جِسْمًا قابِلًا لِلصُّوَرِ المُتَبَدِّلَةِ والهَيْئاتِ المُخْتَلِفَةِ، ثُمَّ قَسَّمَها بِصُوَرٍ نَوْعِيَّةٍ مُتَضادَّةِ الآثارِ والأفْعالِ وأشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وخَلَقَ الأرْضَ أيْ ما في جِهَةِ السُّفْلِ في يَوْمَيْنِ، ثُمَّ أنْشَأ أنْواعَ المَوالِيدِ الثَّلاثَةِ بِتَرْكِيبِ مَوادِّها أوَّلًا وتَصْوِيرِها ثانِيًا كَما قالَ تَعالى بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ ﴾ ﴿ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ ﴾ أيْ مَعَ اليَوْمَيْنِ الأوَّلِينَ لِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ السَّجْدَةِ ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ﴾ ثُمَّ لَمّا تَمَّ لَهُ عالَمُ المُلْكِ عَمَدَ إلى تَدْبِيرِهِ كالمَلِكِ الجالِسِ عَلى عَرْشِهِ لِتَدْبِيرِ المَمْلَكَةِ، فَدَبَّرَ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ بِتَحْرِيكِ الأفْلاكِ وتَسْيِيرِ الكَواكِبِ وتَكْوِيرِ اللَّيالِي والأيّامِ، ثُمَّ صَرَّحَ بِما هو فَذْلَكَةُ التَّقْرِيرِ ونَتِيجَتُهُ فَقالَ: ﴿ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ ثُمَّ أمَرَهم بِأنْ يَدْعُوَهُ مُتَذَلِّلِينَ مُخْلِصِينَ فَقالَ: <div class="verse-tafsir"
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)
{إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذى خَلَقَ السماوات والأرض فِى سِتَّةِ أيّامٍ} أراد السموات
والأرض وما بينهما وقد فصلها في حم السجدة أي من لالاحد إلى الجمعة لاعتبار الملائكة شيئاً فشيئاً وللإعلام بالتانى فى الأمور لأن لكل عمل يوما ولأن غنشاء شيء بعد شيء أدل على عالم مدبر يصرّفه على اختياره ويجريه على مشيئته {ثمّ استوى} استولى {على العرش} أضاف الاستيلاء إلى العرش وإن كان سبحانه وتعالى مستولياً على جميع المخلوقات لأن العرش أعظمها وأعلاها وتفسير العرش بالسرير والاستواء بالاستقاررا كما تقوله الشبهة باطل لأنه تعالى كان قبل العرش ولا مكان وهو الآن كما كان لأن التغير من صفات الأكوان والمنقول عن الصادق والحسن وأبى حنيفة ومالكم رضى الله عنه أن الاسواء معلوم والتكييف فيه بجهول والإيمان به واجب والجحود له كفر والسؤال عنه بدعه {يغشي الليل النّهار} يغشى حمزة وعلي وأبو بكر أي يلحق الليل والنهار بالليل {يطلبه حثيثاً} حال من الليل أى سريعا والطالب
الأعراف ٥٣ ٥٦ هو الليل كأنه لسرعة يطلب النهار {والشّمس والقمر والنّجوم} أي وخلق المس والقمر والنجوم {مسخّراتٍ} حال أي مذللات والشمس والقمر والنجوم سمخرات شامي والشمس مبتدأ والبقية معطوفة عليها والخبر مسخرات {بأمره} هو أمر تكوين لما ذكر أنه خلقهن مسخرات بأمره قال {ألا له الخلق والأمر} أي هو الذي خلق الأشياء وله الأمر {تبارك الله} كثر خيره أو دام بره من البركة النماء أو من البروك الثبات ومنه البركة {ربّ العالمين}
﴿ إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مَبْدَأِ الفِطْرَةِ إثْرَ بَيانِ مَعادِ الكَفَرَةِ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ وأشارَ إلى عِبادَتِهِمْ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِمَقْدُوراتِهِ ومَصْنُوعاتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ودَلَّهم بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا مَعْبُودَ سِواهُ فَقالَ مُخاطِبًا بِالخِطابِ العامِّ ﴿ إنَّ رَبَّكُمُ ﴾ أيْ خالَقَكم ومالِكَكُمُ ﴿ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ ﴾ السَّبْعَ ﴿ والأرْضَ ﴾ بِما فِيها كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما في سُورَةِ السَّجْدَةِ عَلى ما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُهُ في سِتَّةِ أوْقاتٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ﴾ أوْ في مِقْدارِ سِتَّةِ أيّامٍ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ .
فَإنَّ المُتَعارَفَ أنَّ اليَوْمَ مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها ولَمْ تَكُنْ هي حِينَئِذٍ نَعَمِ العَرْشُ وهو المُحَدِّدُ عَلى المَشْهُورِ مَوْجُودٌ إذْ ذاكَ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ بَعْضُ الآياتِ ولَيْسَ بِقَدِيمٍ كَما يَقُولُهُ مَن ضَلَّ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ لَكِنَّ ذاكَ لَيْسَ نافِعًا في تَحَقُّقِ اليَوْمِ العُرْفِيِّ وإلى حَمْلِ اليَوْمِ عَلى المُتَعارَفِ وتَقْدِيرِ المُضافِ ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ العُلَماءِ وادَّعَوْا وهو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وكَعْبِ الأحْبارِ والضَّحّاكِ ومُجاهِدٍ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أنَّ ابْتِداءَ الخَلْقِ كانَ يَوْمَ الأحَدِ ولَمْ يَكُنْ في السَّبْتِ خَلْقٌ آخِذًا لَهُ مِنَ السَّبْتِ بِمَعْنى القَطْعِ لِقَطْعِ الخَلْقِ فِيهِ ولِتَمامِ الخَلْقِ في يَوْمِ الجُمُعَةِ واجْتِماعُهُ فِيهِ سُمِّيَ بِذَلِكَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَمّى تِلْكَ الأيّامَ بِأبُو جادٍ وهَوازٍ وحُطِّي وكَلَمُونَ وسَعْفَصْ وقِرِيشاتَ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: إنَّ ابْتِداءَ الخَلْقِ في يَوْمِ السَّبْتِ وسُمِّي سَبْتًا لِقَطْعِ بَعْضِ خَلْقِ الأرْضِ فِيهِ عَلى ما قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ أوْ لِما أنَّ الأمْرَ كَأنَّهُ قُطِعَ وشُرِعَ فِيهِ عَلى ما قِيلَ واسْتُدِلَّ لِهَذا القَوْلِ بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ بِيَدِي فَقالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ وخَلَقَ فِيها الجِبالَ يَوْمَ الأحَدِ وخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وخَلَقَ المَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ وخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأرْبَعاءِ وخَلَقَ فِيها الدَّوابَّ يَوْمَ الخَمِيسِ وخَلَقَ آدَمَ بَعْدَ العَصْرِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ في آخِرِ الخَلْقِ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الجُمُعَةِ فِيما بَيْنَ العَصْرِ إلى اللَّيْلِ» ولا يَخْفى أنَّ هَذا الخَبَرَ مُخالِفٌ لِلْآيَةِ الكَرِيمَةِ فَهو إمّا غَيْرُ صَحِيحٍ وإنْ رَواهُ مُسْلِمٌ وإمّا مُؤَوَّلٌ وأنا أرى أنَّ أوَّلَ يَوْمٍ وقَعَ فِيهِ الخَلْقُ يُقالُ لَهُ الأحَدُ وثانِيَ يَوْمٍ الِاثْنَيْنِ وهَكَذا ويَوْمَ جُمِعَ فِيهِ الخَلْقُ الجُمُعَةُ فافْهَمْ وإلى حَمْلِهِ عَلى اللُّغَوِيِّ وعَدَمِ التَّقْدِيرِ ذَهَبَ آخَرُونَ وقالُوا: كانَ مِقْدارُ كَلِّ يَوْمٍ ألْفَ سَنَةٍ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ وفِيهِ خَلْقُهُ سُبْحانَهُ الأشْياءَ مُدَرَّجًا عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ تَعْلِيمٌ لِلْخَلْقِ التَّثَبُّتَ والتَّأنِّيَ في الأُمُورِ كَما في الحَدِيثِ التَّأنِّي مِنَ اللَّهِ تَعالى والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطانِ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ في خَلْقِها مُدَرَّجًا مَعَ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ عَلى إبْداعِها دَفْعَةً دَلِيلٌ عَلى الِاخْتِيارِ واعْتِبارٌ لِلنُّظّارِ واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ مُوجِبًا ويَكُونُ وُجُودُ المَعْلُولِ مَشْرُوطًا بِشَرائِطَ تُوجَدُ وقْتًا فَوَقْتًا وبِأنَّ ذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلى ثُبُوتِ تَقَدُّمِ خَلْقِ المَلائِكَةِ عَلى خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِالمُحَقَّقِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ الأوَّلَ مَبْنِيٌّ عَلى الغَفْلَةِ عَنْ قَوْلِهِ مَعَ القُدْرَةِ عَلى إبْداعِها دَفْعَةً وبَيانِهِ أنَّ الفاعِلَ إذا كانَ مُخْتارًا كَما يَقُولُهُ أهْلُ الحَقِّ يَتَوَقَّفُ وُجُودُ المَعْلُولِ عَلى تَعَلُّقِ الإرادَةِ بِهِ فَهو جُزْءُ العِلَّةِ التّامَّةِ حِينَئِذٍ فَيَجُوزُ أنْ يَتَخَلَّفَ المَعْلُولُ عَنِ الفاعِلِ لِانْتِفاءِ تَعَلُّقِ الإرادَةِ فَلا يَلْزَمُ مِن قِدَمِهِ قِدَمُ المَعْلُولِ وأمّا إذا كانَ الفاعِلُ مُوجِبًا مُقْتَضِيًا لِذاتِهِ فَيَضانَ الوُجُودِ عَلى ما تَمَّ اسْتِعْدادُهُ فَإنْ كانَ المَعْلُولُ تامَّ الِاسْتِعْدادِ في ذاتِهِ كالكِبْرِيتِ بِالنِّسْبَةِ إلى النّارِ يَجِبُ وُجُودُهُ ويَمْتَنِعُ تَخَلُّفُهُ وإلّا لَزَمَ التَّخَلُّفُ عَنِ العِلَّةِ التّامَّةِ فَيَلْزَمُ مِن قِدَمِ الفاعِلِ حِينَئِذٍ قِدَمُهُ والأجْرامُ الفَلَكِيَّةُ مِن هَذا القَبِيلِ عِنْدَ الفَلاسِفَةِ وإنْ تَوَقَّفَ تَمامُ اسْتِعْدادِهِ عَلى أمْرٍ مُتَجَدِّدٍ فَما لَمْ يَحْصُلْ يَمْتَنِعُ إيجادُهُ كالحَطَبِ الرَّطْبِ فَإنَّهُ ما لَمْ يَيْبَسُ لَمْ تَحْرُقْهُ النّارُ والحَوادِثُ اليَوْمِيَّةُ مِن هَذا القَبِيلِ عِنْدَهم ولِهَذا أثْبُتُوا بَرْزَخًا بَيْنَ عالَمَيِ القِدَمِ والحُدُوثِ لِيَتَأتّى رَبْطُ الحَوادِثِ بِالمَبادِئِ القَدِيمَةِ فَفي صُورَةِ كَوْنِ الفاعِلِ مُوجِبًا مَشْرُوطًا وُجُودُ مَعْلُولِهِ بِشَرائِطَ مُتَعاقِبَةٍ يَمْتَنِعُ الإبْداعُ دَفْعَةً فِإمْكانُ وُجُودِ هَذِهِ الأشْياءِ المُنْبِئِ عَنْ عَدَمِ التَّوَقُّفِ عَلى شَيْءٍ آخَرَ أصْلًا دَفْعَةً مَعَ الخَلْقِ التَّدْرِيجِيِّ المُسْتَلْزِمِ لِتَأخُّرِ وُجُودِ المَعْلُولِ عَنْ وُجُودِ الفاعِلِ لا يُجامِعُ الوُجُوبَ المُسْتَلْزِمَ لِامْتِناعِ التَّأخُّرِ حِينَئِذٍ ويَسْتَلْزِمُ الِاخْتِيارُ المُصَحِّحُ لِذَلِكَ التَّأخُّرَ كَما عَلِمْتَ وبِأنَّ الإبْداعَ التَّدْرِيجِيَّ لِلْأشْياءِ عِبارَةٌ عَنْ إيجاداتٍ يَتَعَلَّقُ كُلٌّ مِنها بِشَيْءٍ فَيَدُلُّ عَلى تَعَلُّقِ العِلْمِ والإرادَةِ والقُدْرَةِ بِكُلٍّ مِنها تَفْصِيلًا بِخِلافِ الإيجادِ الدَّفْعِيِّ لَها فَإنَّهُ إيجادٌ واحِدٌ مُتَعَلِّقٌ بِالمَجْمُوعِ فَيَدُلُّ عَلى تَعَلُّقِ ما ذُكِرَ بِالمَجْمُوعِ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ إجْمالًا واسْتَوْضَحَ ذَلِكَ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ ضَرْبِ الخاتَمِ عَلى نَحْوِ القِرْطاسِ وبَيْنَ أنْ تُكْتَبَ تِلْكَ الكَلِماتُ فَإنَّكَ في الصُّورَةِ الثّانِيَةِ تَتَخَيَّلُها كَلِمَةً فَكَلِمَةً بَلْ حَرْفًا فَحَرْفًا وتُرِيدُها كَذَلِكَ فَتُوَقِّعُها في الصَّحِيفَةِ بِخِلافِ الصُّورَةِ الأُولى وهو ظاهِرٌ فالنُّظّارُ يَعْتَبِرُونَ مِنَ الخَلْقِ التَّدْرِيجِيِّ ويَفْهَمُونَ شُمُولَ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وإرادَتَهُ وقُدْرَتَهُ لِلْأشْياءِ تَفْصِيلًا قائِلِينَ: سُبْحانَ مَن لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ وأيْضًا قالُوا: إنّا فَعَلْنا شَيْئًا تَصَوَّرْناهُ أوَّلًا ثُمَّ اعْتَقَدْنا لَهُ فائِدَةٌ ثُمَّ تَحْصُلُ لَنا حالٌ شَوْقِيَّةٌ ثُمَّ مَيَلانٌ نَفْسانِيٌّ هي الإرادَةُ ثُمَّ تَنْبَعِثُ القُوَّةُ الباعِثَةُ لِلْقُوَّةِ المُحَرِّكَةِ لِلْأعْضاءِ نَحْوَ إيجادِهِ فَيَحْصُلُ لَنا ذَلِكَ الشَّيْءُ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأُمُورِ دَخْلٌ في وُجُودِ ذَلِكَ الشَّيْءِ ثُمَّ قالُوا: فَكَما لا بُدَّ في صُدُورِ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ فِينا مِن هَذِهِ الأُمُورِ كَذَلِكَ لا بُدَّ مِن صُدُورِ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ لِلْواجِبِ مِن نَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فَأثْبَتُوا لَهُ تَعالى عِلْمًا وإرادَةً وقُدْرَةً وفائِدَةً لِأفْعالِهِ واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ مِن كَوْنِهِ سُبْحانَهُ مُخْتارًا فالخَلْقُ التَّدْرِيجِيُّ لَمّا كانَ دالًّا عَلى الِاخْتِيارِ الدّالِّ عَلى ما ذُكِرَ صَدَقَ أنَّ فِيهِ اعْتِبارًا لِلنُّظّارِ.
وحاصِلُ هَذا أنَّ المُرادَ مِنَ النُّظّارِ أصْحابُ النَّظَرِ والبَصِيرَةِ مِنَ العُقَلاءِ فَلا يَتَوَقَّفُ ما ذُكِرَ عَلى ما تَقَدَّمَ خَلْقُ المَلائِكَةِ عَلى أنَّ مَن قالَ بِتَقَدُّمِ خَلْقِ العَرْشِ والكُرْسِيِّ عَلى خَلْقِ الأرْضِ والسَّمَواتِ قائِلٌ بِتَقَدُّمِ خَلْقِ المَلائِكَةِ بَلْ قِيلَ: إنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ بِتَقَدُّمِ خَلْقِ نَوْعٍ مِنَ المَلائِكَةِ قَبْلَ العَرْشِ والكُرْسِيِّ وسَمّاهُمُ المُهِيمِينَ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا لا يُفِيدُنا لِأنَّ المُهِيمِينَ عِنْدَ هَذا القائِلِ لا يَشْعُرُونَ بِسَماءٍ ولا أرْضٍ بَلْ هم مُسْتَغْرِقُونَ فِيهِ سُبْحانَهُ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِالمُحَقَّقِ كَما يَقُولُهُ المُعْتَرِضُ أيْضًا وقِيلَ: إنَّ الشَّيْءَ إذا حَدَثَ دُفْعَةً واحِدَةً فَلَعَلَّهُ يَخْطُرُ بِالبالِ أنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ إنَّما وقَعَ عَلى سَبِيلِ الِاتِّفاقِ فَإذا حَدَثَ شَيْئًا فَشَيْئًا عَلى سَبِيلِ المَصْلَحَةِ والحِكْمَةِ كانَ ذَلِكَ أبْلَغَ في القُدْرَةِ وأقْوى في الدَّلالَةِ وقِيلَ: إنَّ التَّعْجِيلَ في الخَلْقِ أبْلَغُ في القُدْرَةِ والتَّثَبُّتَ أبْلَغُ في الحِكْمَةِ فَأرادَ اللَّهُ تَعالى إظْهارَ حِكْمَتِهِ في خَلْقِ الأشْياءِ بِالتَّثْبِيتِ كَما أظْهَرَ قُدْرَتَهُ في خَلْقِ الأشْياءِ بِكُنْ.
﴿ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ﴾ وهو في المَشْهُورِ الجِسْمُ المُحِيطُ بِسائِرِ الأجْسامِ وهو فَلَكُ الأفْلاكِ سُمِّيَ بِهِ إمّا لِارْتِفاعِهِ أوْ لِلتَّشْبِيهِ بِسَرِيرِ المُلْكِ فَإنَّهُ يُقالُ لَهُ عَرْشٌ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ ﴾ لِأنَّ الأُمُورَ والتَّدْبِيراتِ تَنْزِلُ مِنهُ ويُكَنّى بِهِ عَنِ العِزِّ والسُّلْطانِ والمُلْكِ فَيُقالُ: فُلانٌ ثُلَّ عَرْشُهُ أيْ ذَهَبَ عِزُّهُ ومُلْكُهُ وأنْشَدُوا قَوْلَهُ.
إذا ما بَنُو مَرْوانَ ثُلَّتْ عُرُوشُهم وأوْدَتْ كَما أوْدَتْ إيادٌ وحِمْيَرُ وقَوْلُهُ.
إنْ يَقْتُلُوكَ فَقَدْ ثُلِلَتْ عُرُوشُهم ∗∗∗ بِعُيَيْنَةَ بْنِ الحَرْثِ بْنِ شِهابِ وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ العَرْشَ مِمّا لا يَعْلَمُهُ البَشَرُ إلّا بِالِاسْمِ ولَيْسَ هو كَما تَذْهَبُ إلَيْهِ أوْهامُ العامَّةِ فَإنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ حامِلًا لَهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ ولَيْسَ كَما قالَ قَوْمٌ إنَّهُ الفَلَكُ الأعْلى والكُرْسِيُّ فَلَكُ الكَواكِبِ وفِيهِ نَظَرٌ والنّاسُ في الكَلامِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها مُخْتَلِفُونَ فَمِنهم مَن فَسَّرَ العَرْشَ بِالمَعْنى المَشْهُورِ وفَسَّرَ الِاسْتِواءَ بِالِاسْتِقْرارِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ ورَواهُ البَيْهَقِيُّ في كِتابِهِ الأسْماءِ والصِّفاتِ بِرِواياتٍ كَثِيرَةٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ وضَعَّفَها كُلَّها وما رُوِيَ عَنْ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ كَيْفَ اسْتَوى فَأطْرَقَ رَأْسَهُ مَلِيًّا حَتّى عَلَتْهُ الرُّحَضاءُ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ: الِاسْتِواءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ والكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ والإيمانُ بِهِ واجِبٌ والسُّؤال عَنْهُ بِدَعَةٌ ثُمَّ قالَ لِلسّائِلِ: وما أظُنُّكَ إلّا ضالًّا ثُمَّ أمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ لَيْسَ نَصًّا في هَذا المَذْهَبِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: غَيْرُ مَجْهُولٍ أنَّهُ ثابِتٌ مَعْلُومُ الثُّبُوتِ لا أنَّ مَعْناهُ وهو الِاسْتِقْرارُ غَيْرُ مَجْهُولٍ ومِن قَوْلِهِ: والكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ أنَّ كَلَّ ما هو مِن صِفَةِ اللَّهِ تَعالى يُدْرِكُ العَقْلُ لَهُ كَيْفِيَّةً لِتَعالِيَهُ عَنْ ذَلِكَ فَكَفُّ الكَيْفِ عَنْهُ مَشْلُولَةٌ.
ويَدُلُّ عَلى هَذا ما جاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وهْبٍ أنَّ مالِكًا سُئِلَ عَنِ الِاسْتِواءِ فَأطْرَقَ وأخْذَتْهُ الرُّحَضاءُ ثُمَّ قالَ: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى ﴾ كَما وصَفَ نَفْسَهُ ولا يُقالُ لَهُ: كَيْفَ وكَيْفَ عَنْهُ مَرْفُوعٌ إلى آخِرِ ما قالَ ثُمَّ إنَّ هَذا إنْ كانَ مَعَ نَفْيِ اللَّوازِمِ فالأمْرُ فِيهِ هَيِّنٌ وإنْ كانَ مَعَ القَوْلِ بِها والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى فَهو ضَلالٌ وأيُّ ضَلالٍ وجَهْلٌ وأيُّ جَهْلٍ بِالمَلِكِ المُتَعالِ وما أعْرِفُ ما قالَهُ بَعْضُ العارِفِينَ الَّذِينَ كانُوا مِن تَيّارِ المَعارِفِ غارِفِينَ عَلى لِسانِ حالِ العَرْشِ مُوَجِّهًا الخِطابَ إلى النَّبِيِّ لَيْلَةَ المِعْراجِ حِينَ أشْرَقَتْ شَمْسُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في المَلَأِ الأعْلى فَتَضاءَلَ مَعَها كُلُّ نُورٍ وسِراجٍ كَما نَقَلَهُ الإمامُ القَسْطَلانِيُّ مُعَرِّضًا بِضَلالِ مِثْلِ أهْلِ المَذْهَبِ الثّانِي ولَفْظُهُ مَعَ حَذْفٍ ولَمّا انْتَهى إلى العَرْشِ تَمَسَّكَ بِأذْيالِهِ وناداهُ بِلِسانِ حالِهِ يا مُحَمَّدُ أنْتَ في صَفاءِ وقْتِكَ آمِنًا مِن مَقْتِكَ إلى أنْ قالَ: يا مُحَمَّدُ أنْتَ المُرْسَلُ رَحْمَةً لِلْعالِمِينَ ولا بُدَّ لِي مِن نَصِيبٍ مِن هَذِهِ الرَّحْمَةِ ونَصِيبِي يا حَبِيبِي أنَّ تَشْهَدَ بِالبَراءَةِ مِمّا نَسَبَهُ أهْلُ الزُّورِ إلَيَّ وتَقَوَّلَهُ أهْلُ الغُرُورِ عَلَيَّ وزَعَمُوا أنِّي أوْسَعُ مَن لا مَثَلَ لَهُ وأُحِيطُ بِمَن لا كَيْفِيَّةَ لَهُ يا مُحَمَّدُ مَن لا حَدَّ لِذاتِهِ ولا عَدَّ لِصِفاتِهِ كَيْفَ يَكُونُ مُفْتَقِرًا إلَيَّ ومَحْمُولًا عَلَيَّ إذا كانَ الرَّحْمَنُ اسْمَهُ والِاسْتِواءُ صِفَتَهُ وصِفَتُهُ مُتَّصِلَةٌ بِذاتِهِ كَيْفَ يَتَّصِلُ بِي أوْ يَنْفَصِلُ عَنِّي يا مُحَمَّدُ وعِزَّتُهُ لَسْتُ بِالقَرِيبِ مِنهُ وصْلًا ولا بِالبَعِيدِ عَنْهُ فَصْلًا ولا بِالمُطِيقِ لَهُ حَمْلًا أوَجَدَنِي مِنهُ رَحْمَةً وفَضْلًا ولَوْ مَحَقَنِي لَكانَ حَقًّا مِنهُ وعَدْلًا يا مُحَمَّدُ أنا مَحْمُولُ قُدْرَتِهِ ومَعْمُولُ حِكْمَتِهِ آهٍ وذَهَبَ المُعْتَزِلَةُ وجَماعَةٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ إلى أنَّ العَرْشَ عَلى مَعْناهُ واسْتَوى بِمَعْنى اسْتَوْلى واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ.
قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ ∗∗∗ مِن غَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مِهْراقِ وخُصَّ العَرْشُ بِالإخْبارِ عَنْهُ بِالِاسْتِيلاءِ عَلَيْهِ لِأنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ ورُدَّ هَذا المَذْهَبُ بِأنَّ العَرَبَ لا تَعْرِفُ اسْتَوى بِمَعْنى اسْتَوْلى وإنَّما يُقالُ اسْتَوْلى فُلانٌ عَلى كَذا إذا لَمْ يَكُنْ في مِلْكِهِ واسْتَوْلى عَلَيْهِ واللَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ مالِكًا لِلْأشْياءِ كُلِّها ومُسْتَوْلِيًا عَلَيْها ونُسِبَ ذَلِكَ لِلْأشْعَرِيَّةِ وبالَغَ ابْنُ القَيِّمِ في رَدِّهِمْ ثُمَّ قالَ: إنَّ لامَ الأشْعَرِيَّةِ كَنُونِ اليَهُودِيَّةِ وهو لَيْسَ مِنَ الدِّينِ القَيِّمِ عِنْدِي وذَهَبَ الفَرّاءُ واخْتارَهُ القاضِي إلى أنَّ المَعْنى ثُمَّ قَصَدَ إلى خَلْقِ العَرْشِ ويُبْعِدُهُ تَعَدِّي الِاسْتِواءِ بِعَلى وفِيهِ قَوْلٌ بِأنَّ خَلْقَ العَرْشِ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ وهو كَما تَرى وذَهَبَ القَفّالُ إلى أنَّ المُرادَ نَفاذُ القُدْرَةِ وجَرَيانُ المَشِيئَةِ واسْتِقامَةُ المُلْكِ لَكِنَّهُ أخْرَجَ ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ألِفَهُ النّاسُ مِن مُلُوكِهِمْ واسْتَقَرَّ في قُلُوبِهِمْ وقِيلَ: ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في سُورَةِ يُونُسَ: ﴿ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ فَإنَّ ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ جَرى مَجْرى التَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ ﴿ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ﴾ وسَيَأْتِي الكَلامُ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وذُكِرَ أنَّ القَفّالَ يُفَسِّرُ العَرْشَ بِالمُلْكِ ويَقُولُ ما يَقُولُ واعْتُرِضَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَزَلْ مُسْتَقِيمَ المُلْكِ مُسْتَوِيًا عَلَيْهِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا وأُجِيبَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ مالِكَها لَكِنْ لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: شَبِعَ زَيْدٌ إلّا بَعْدَ أكْلِهِ الطَّعامَ فَإذا فُسِّرَ العَرْشُ بِالمُلْكِ صَحَّ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى إنَّما اسْتَوى مُلْكُهُ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ ومِنهم مَن يَجْعَلُ الإسْنادَ مَجازِيًّا ويُقَدِّرُ فاعِلًا في الكَلامِ أيِ اسْتَوى أمْرُهُ ولا يَضُرُّ حَذْفُ الفاعِلِ إذا قامَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ مَقامَهُ وعَلى هَذا لا يَكُونُ الِاسْتِواءُ صِفَةً لَهُ تَعالى ولَيْسَ بِشَيْءٍ ومَن فَسَّرَهُ بِالِاسْتِيلاءِ أرْجَعَهُ إلى صِفَةِ القُدْرَةِ.
ونَقَلَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ أنَّ اللَّهَ تَعالى فَعَلَ في العَرْشِ فِعْلًا سَمّاهُ اسْتِواءً كَما فَعَلَ في غَيْرِهِ فِعْلًا سَمّاهُ رِزْقًا ونِعْمَةً وغَيْرَهُما مِن أفْعالِهِ سُبْحانَهُ لِأنَّ ثُمَّ لِلتَّراخِي إنَّما يَكُونُ في الأفْعالِ وحَكى الأُسْتاذُ أبُو بَكْرِ بْنُ فَوْرِكَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ اسْتَوى بِمَعْنى عَلا ولا يُرادُ بِذَلِكَ العُلُوُّ بِالمَسافَةِ والتَّحَيُّزُ والكَوْنُ في المَكانِ مُتَمَكِّنًا فِيهِ ولَكِنْ يُرادُ مَعْنًى يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وهو عَلى هَذا مِن صِفاتِ الذّاتِ وكَلِمَةُ ( ثُمَّ ) تَعَلَّقَتْ بِالمُسْتَوى عَلَيْهِ لا بِالِاسْتِواءِ أوْ أنَّها لِلتَّفاوُتِ في الرُّتْبَةِ وهو قَوْلٌ مَتِينٌ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَشْهُورَ مِن مَذْهَبِ السَّلَفِ في مِثْلِ ذَلِكَ تَفْوِيضُ المُرادِ مِنهُ إلى اللَّهِ تَعالى فَهم يَقُولُونَ: اسْتَوى عَلى العَرْشِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي عَناهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهًا عَنِ الِاسْتِقْرارِ والتَّمَكُّنِ وأنَّ تَفْسِيرَ الِاسْتِواءِ بِالِاسْتِيلاءِ تَفْسِيرٌ مَرْذُولٌ إذِ القائِلُ بِهِ لا يَسَعُهُ أنْ يَقُولَ كاسْتِيلائِنا بَلْ لا بُدَّ أنْ يَقُولَ: هو اسْتِيلاءٌ لائِقٌ بِهِ عَزَّ وجَلَّ فَلْيَقُلْ مِن أوَّلِ الأمْرِ هو اسْتِواءٌ لائِقٌ بِهِ جَلَّ وعَلا.
وقَدِ اخْتارَ ذَلِكَ السّادَةُ الصُّوفِيَّةُ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم وهو أعْلَمُ وأسْلَمُ وأحْكَمُ خِلافًا لِبَعْضِهِمْ ولَعَلَّ لَنا عَوْدَةً إلى هَذا البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ﴾ أيْ يُغَطِّي سُبْحانَهُ النَّهارَ بِاللَّيْلِ ولَمّا كانَ المُغَطِّي يَجْتَمِعُ مَعَ المُغَطّى وُجُودًا وذَلِكَ لا يُتَصَوَّرُ هُنا قالُوا: المَعْنى يُلْبِسُهُ مَكانَهُ فَيَصِيرُ الجَوُّ مُظْلِمًا بَعْدَ ما كانَ مُضِيئًا فَيَكُونُ التَّجَوُّزُ في الإسْنادِ بِإسْنادِ ما لِمَكانِ الشَّيْءِ إلَيْهِ ومَكانُهُ هو الجَوُّ عَلى مَعْنى أنَّهُ مَكانٌ لِلضَّوْءِ الَّذِي هو لازِمُهُ لا أنَّهُ مَكانٌ لِنَفْسِ النَّهارِ لِأنَّ الزَّمانَ لا مَكانَ لَهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ بِأنْ يَجْعَلَ غِشْيانَ مَكانِ النَّهارِ وإظْلامَهُ بِمَنزِلَةِ غِشْيانِهِ لِلنَّهارِ نَفْسِهِ فَكَأنَّهُ لَفٌّ عَلَيْهِ لَفَّ الغِشاءِ أوْ يُشْبِهُ تَغْيِيبَهُ لَهُ بِطَرَيانِهِ عَلَيْهِ بِسِتْرِ اللِّباسِ لِلْمُلابَسَةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى يُغَطِّي سُبْحانَهُ اللَّيْلَ بِالنَّهارِ.
ورُجِّحَ الوَجْهُ الأوَّلُ بِأنَّ التَّغْشِيَةَ بِمَعْنى السَّتْرِ وهي أنْسَبُ بِاللَّيْلِ مِنَ النَّهارِ وبِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلى الثّانِي أنْ يَكُونَ اللَّيْلُ مَفْعُولًا ثانِيًا والنَّهارُ مَفْعُولًا أوَّلًا وقَدْ ذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ المَفْعُولَيْنِ إذا تَعَدّى إلَيْهِما فِعْلٌ وأحَدُهُما فاعِلٌ مِن حَيْثُ المَعْنى يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ هو الأوَّلَ مِنهُما عِنْدَهم كَما لَزِمَ ذَلِكَ في مَلَّكْتُ زَيْدًا عَمْرًا ورُتْبَةُ التَّقْدِيمِ هي المُوَضِّحَةُ لِأنَّهُ الفاعِلُ مَعْنًى كَما لَزِمَ ذَلِكَ في ضَرَبَ مُوسى عِيسى بِخِلافِ أعْطَيْتُ زَيْدًا دِرْهَمًا فَإنَّ تَعَيُّنَ المَفْعُولِ الأوَّلِ يَتَوَقَّفُ عَلى التَّقْدِيمِ ورُجِّحَ الثّانِي بِأنَّ حُمَيْدَ بْنَ قَيْسٍ قَرَأ ( يَغْشى اللَّيْلَ النَّهارُ ) بِفَتْحِ الياءِ ونَصْبِ اللَّيْلِ ورَفْعِ النَّهارِ ويَلْزَمُ عَلَيْها أنْ يَكُونَ الطّالِبُ النَّهارَ واللَّيْلُ مُلْحَقٌ بِهِ وتَوافُقُ القِراءَتَيْنِ أوْلى مِن تَخالُفِهِما.
وبِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ ﴾ يُعْلَمُ مِنهُ عَلى ما قالَ المَرْزُوقِيُّ أنَّ اللَّيْلَ قَبْلَ النَّهارِ لِأنَّ المَسْلُوخَ مِنهُ يَكُونُ قَبْلَ المَسْلُوخِ فالنَّهارُ بِالإدْراكِ أوْلى وبِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا ﴾ أيْ مَحْمُولًا عَلى السُّرْعَةِ فَفَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أوْفَقُ بِهَذا الوَجْهِ فَإنَّ هَذا الطَّلَبَ مِنَ النَّهارِ أظْهَرُ وقَدْ قالُوا: إنَّ ضَوْءَ النَّهارِ هو الهاجِمُ عَلى ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وأنْشَدَ بَعْضُهم.
كَأنّا وضَوْءُ الصُّبْحِ يَسْتَعْجِلُ ∗∗∗ الدُّجى نُطَيِّرُ غُرابًا ذا قَوادِمَ جَوْنِ ولِبَعْضِ المُتَأخِّرِينَ مِن أبْياتٍ.
وكَأنَّ الشَّرْقَ بابٌ لِلدُّجى ما لَهُ ∗∗∗ خَوْفُ هُجُومِ الصُّبْحِ فُتِحَ وحَدِيثُ أنَّ التَّغْشِيَةَ أنْسَبُ بِاللَّيْلِ قِيلَ مُسَلَّمٌ لَوْ كانَ المُرادُ بِالتَّغْشِيَةِ حَقِيقَتَها لَكِنْ لَيْسَ المُرادُ ذَلِكَ بَلِ المُرادُ اللُّحُوقُ والإدْراكُ وهَذا أنْسَبُ بِالنَّهارِ كَما عَلِمْتَ والقاعِدَةُ المَذْكُورَةُ لا تَخْلُو عَنْ كَلامٍ عَلى أنَّهُ لا يَبْعُدُ عَلى ما نُقَرِّرُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مِن قَبِيلِ أعْطَيْتُ زَيْدًا دِرْهَمًا والقَوْلُ بِأنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَجْعَلُ اللَّيْلَ أغْشى بِالنَّهارِ أيْ مُبَيَّضًا بِنُورِ الفَجْرِ بِناءً عَلى ما في الصِّحاحِ مِن أنَّ الأغْشى مِنَ الخَيْلِ وغَيْرِهِ ما ابْيَضَّ رَأْسُهُ كُلُّهُ مِن بَيْنِ جَسَدِهِ كالأرْخَمِ مِمّا لا يَكادُ يُقْدَمُ عَلَيْهِ وذَكَرَ سُبْحانَهُ أحَدَ الأمْرَيْنِ ولَمْ يَذْكُرْهُما مَعًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ ﴾ لِلْعِلْمِ بِالآخَرِ مِنَ المَذْكُورِ لِأنَّهُ يُشِيرُ إلَيْهِ أوْ لِأنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ عَلى ما قِيلَ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ بِمَعْنى كُلِّ لَيْلٍ ونَهارٍ وهو بِتَعاقُبِ الأمْثالِ مُسْتَمِرُّ الِاسْتِبْدالِ فَيَدُلُّ عَلى تَغْيِيرِ كُلٍّ مِنهُما بِالآخَرِ بِأخْصَرِ عِبارَةٍ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ ومُخالَفَةٍ لِما اشْتُهِرَ مِن قَواعِدِ العَرَبِيَّةِ وجُمْلَةُ ﴿ يُغْشِي ﴾ عَلى ما قالَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ عَلى قِراءَةِ حُمَيْدٍ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ اسْتَوى ﴾ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ بِأمْرِهِ أوْ بِإذْنِهِ وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا ﴾ بَدَلٌ مَن ﴿ يُغْشِي ﴾ ..
إلَخْ.
لِلتَّوْكِيدِ وعَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ حالٌ مِنَ ﴿ اللَّيْلَ ﴾ أيْ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ طالِبًا لَهُ حَثِيثًا و ﴿ حَثِيثًا ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ يَطْلُبُهُ ﴾ وجَوَّزَ غَيْرُهُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ النَّهارِ عَلى تَقْدِيرِ قِراءَةِ حُمَيْدٍ أيْضًا.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ الِاسْتِئْنافَ في الجُمْلَةِ الأُولى وقالَ بَعْضُهم: يَجُوزُ في ﴿ حَثِيثًا ﴾ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ بِمَعْنى حاثًّا أوْ مِنَ المَفْعُولِ أيْ مَحْثُوثًا وأنْ يَكُونَ صِفَةَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ طَلَبًا حَثِيثًا وإنَّما وُصِفَ الطَّلَبُ بِذَلِكَ لِأنَّ تَعاقُبَ اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلى ما قالَ الإمامُ وغَيْرُهُ إنَّما يَحْصُلُ بِحَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ وهي أشَدُّ الحَرَكاتِ سُرْعَةً فَإنَّ الإنْسانَ إذا كانَ في أشَدِّ عَدْوِهِ بِمِقْدارِ رَفْعِ رِجْلِهِ ووَضْعِها يَتَحَرَّكُ الفَلَكُ ثَلاثَةَ آلافِ مِيلٍ وهي ألْفُ فَرْسَخٍ واعْتُرِضَ بِأنَّ الفَلَكَ الأعْظَمَ إنْ كانَ هو العَرْشُ كَما قالُوا فَحَرَكَتُهُ غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ عِنْدَ جُمْهُورِ المُحَدِّثِينَ بَلْ هم لا يُسَلِّمُونَ حَرَكَةَ شَيْءٍ مِن سائِرِ الأفْلاكِ أيْضًا وهو الكُرْسِيُّ والسَّمَواتُ السَّبْعُ بَلِ ادَّعَوْا أنَّ النُّجُومَ بِأيْدِي مَلائِكَةٍ تَسِيرُ بِها حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى وكَيْفَ شاءَ وقالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ إنَّها تَجْرِي في ثَخَنِ الأفْلاكِ جَرْيَ السَّمَكِ في الماءِ ﴿ كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ وفَسَّرَ فِيما نُقِلَ عَنْهُ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ﴾ يَجْعَلُهُ غاشِيًا لَهُ غِشْيانَ الرَّجُلِ المَرْأةَ وقالَ: ذَكَرَ سُبْحانَهُ الغِشْيانَ هُنا والإيلاجَ في آيَةٍ أُخْرى وهَذا هو التَّناكُحُ المَعْنَوِيُّ وجَعَلَهُ سارِيًا في جَمِيعِ المَوْجُوداتِ وإنْ صَحَّ هَذا فَما أصَحَّ قَوْلُهم: اللَّيْلَةُ حُبْلى وما ألْطَفَهُ وأمْرُ الحَثِّ عَلَيْهِ ظاهِرٌ لِمَن ذاقَ عُسَيْلَةَ النِّكاحِ والحاصِلُ مِن هَذا الغِشْيانِ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِهِ ما في هَذا العالَمِ مِن مَعْدِنٍ ونَباتٍ وحَيَوانٍ وهي المَوالِيدُ الثَّلاثُ أوْ مِنَ الحَوادِثِ مُطْلَقًا ويَقْرُبُ مِن هَذا قَوْلُهُ.
أشابَ الصَّغِيرَ وأفْنى الكَبِيرَ ∗∗∗ كَرُّ الغَداةِ ومَرُّ العَشِيِّ وأنْتَ تَعْلَمُ أنْ لا مُؤَثِّرَ في الوُجُودِ عَلى الحَقِيقَةِ إلّا اللَّهُ تَعالى ووَجْهُ ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ هَذا بَعْدَ ذِكْرِهِ الِاسْتِواءَ عَلى ما نُقِلَ عَنِ القَفّالِ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لَمّا أخْبَرَ العِبادَ بِاسْتِوائِهِ أخْبَرَ عَنِ اسْتِمْرارِ أُمُورِ المَخْلُوقاتِ عَلى وفْقِ مَشِيئَتِهِ وأراهم ذَلِكَ فِيما يُشاهِدُونَهُ لِيَنْضَمَّ العِيانُ إلى الخَبَرِ وتَزُولَ الشُّبْهَةُ مِن كُلِّ الجِهاتِ ولا يَخْفى أنَّ هَذا قَدْ يَحْسُنُ وجْهًا لِذِكْرِ ذَلِكَ وما بَعْدَهُ ذِكْرُ الِاسْتِواءِ وأمّا لِذِكْرِهِ بِخُصُوصِهِ هُناكَ دُونَ تَسْخِيرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ فَلا وذَكَرَ صاحِبُ الكَشْفِ في تَوْجِيهِ اخْتِيارِ صاحِبِ الكَشّافِ هُنا أنَّ الغاشِيَ هو النَّهارُ وفي الرَّعْدِ هو اللَّيْلُ وتَفْسِيرُهُ التَّغْشِيَةَ هُناكَ بِالإلْباسِ وهُنا بِالإلْحاقِ نَظَرًا إلى الخُلاصَةِ ما يُفْهَمُ مِنهُ وجْهُ تَقْدِيمِ التَّغْشِيَةِ عَلى التَّسْخِيرِ الآتِي في هَذِهِ الآيَةِ وعَكْسُهُ في آيَةِ الرَّعْدِ حَيْثُ قالَ: والنُّكْتَةُ في ذَلِكَ أنَّ تَسْخِيرَ الشَّمْسِ والقَمَرِ ذُكِرَ هُنالِكَ مِن قَبْلُ في تَعْدِيدِ الآياتِ فَلَمّا فَرَغَ ذَكَرَ إدْخالَ اللَّيْلِ عَلى النَّهارِ لِيُطابِقَهُ ولِأنَّهُ أظْهَرُ في الآيَةِ وأنَّ الشَّمْسَ مُسَخَّرَةٌ مَأْمُورَةٌ وها هُنا جاءَ بِهِ عَلى أُسْلُوبٍ آخَرَ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ ﴾ أيْ مِن هَذِهِ الطّاقَةِ وآياتِهِ في شَأْنِكم فَرُجِّحَ جانِبُ اللَّفْظِ عَلى الأصْلِ ولِلْجَمْعِ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ أيْضًا.
اهـ.
فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ.
وقُرِئَ ( يُغَشِّي ) بِالتَّشْدِيدِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّكْرارِ ﴿ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ﴾ أيْ خَلَقَهُنَّ حالَ كَوْنِهِنَّ مُذَلَّلاتٍ تِابِعاتٍ لِتَصَرُّفِهِ سُبْحانَهُ فِيهِنَّ بِما شاءَ غَيْرَ مُمْتَنِعاتٍ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ كَأنَّهُنَّ مُمَيِّزاتٌ أُمِرْنَ فانْقَدْنَ فَتَسْمِيَةُ ذَلِكَ أمْرًا عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ والِاسْتِعارَةِ ويَصِحُّ حَمْلُ الأمْرِ عَلى الإرادَةِ كَما قِيلَ أيْ هَذِهِ الأجْرامُ العَظِيمَةُ والمَخْلُوقاتُ البَدِيعَةُ مُنْقادَةٌ لِإرادَتِهِ ومِنهم مَن حَمَلَ الأمْرَ عَلى الأمْرِ الكَلامِيِّ وقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَ هَذِهِ الأجْرامَ بِالسَّيْرِ الدّائِمِ والحَرَكِيَّةِ المُسْتَمِرَّةِ عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ إلى حَيْثُ شاءَ ولا مانِعَ مِن أنْ يُعْطِيَها اللَّهُ تَعالى إدْراكًا وفَهْمًا لِذَلِكَ بَلِ ادَّعى بَعْضُهم أنَّها مُدْرِكَةٌ مُطْلَقًا وفي بَعْضِ الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ لِبَعْضِها إدْراكًا لِغَيْرِ ما ذُكِرَ وإفْرادُ الشَّمْسِ والقَمَرِ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِما في النُّجُومِ لِإظْهارِ شَرَفِهِما عَلَيْها لِما فِيها مِن مَزِيدِ الإشْراقِ والنُّورِ وبِسَيْرِهِما في المَنازِلِ تُعْرَفُ الأوْقاتُ وقِدَمِ الشَّمْسِ عَلى القَمَرِ ورِعايَةً لِلْمُطابَقَةِ مَعَ ما تَقَدَّمَ وهي مِنَ البَدِيعِ ولِأنَّها أسْنى مِنَ القَمَرِ وأسْمى مَكانَةً ومَكانًا بِناءً عَلى ما قِيلَ مِن أنَّها في السَّماءِ الرّابِعَةِ وأنَّهُ في السَّماءِ الأُولى ولَيْسَ بِمُسَلَّمٍ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ كالقَوْلِ بِأنَّ نُورَهُ مُسْتَفادٌ مِن نُورِها لِاخْتِلافِ تَشَكُّلاتِهِ عَلى أنْحاءَ مُتَفاوِتَةٍ بِحَسَبِ وضْعِهِ مِنَ الشَّمْسِ في القُرْبِ والبُعْدِ عَنْها مَعَ ما يَلْحَقُهُ مِنَ الخُسُوفِ لا لِاخْتِلافِ التَّشَكُّلاتِ وحْدَهُ فَإنَّهُ لا يُوجِبُ الحُكْمَ بِأنَّ نُورَ القَمَرِ مُسْتَفادٌ مِنَ الشَّمْسِ قَطْعًا لِجَوازِ أنْ يَكُونَ نِصْفُهُ مُضِيئًا مِن ذاتِهِ ونِصْفُهُ مُظْلِمًا ويَدُورُ عَلى نَفْسِهِ بِحَرَكَةٍ مُساوِيَةٍ لِحَرَكَةِ فَلَكِهِ فَإذا تَحَرَّكَ بَعْدَ المِحاقِ يَسِيرًا رَأيْناهُ هِلالًا ويَزْدادُ فَنَراهُ بَدْرًا ثُمَّ يَمِيلُ نِصْفُهُ المُظْلِمُ شَيْئًا فَشَيْئًا إلى أنْ يَؤُولَ إلى المِحاقِ وفي كَوْنِها مُسَخَّراتٍ دَلالَةٌ عَلى أنَّها لا تَأْثِيرَ لَها بِنَفْسِها في شَيْءٍ أصْلًا وقَرَأ جَمِيعَها ابْنُ عامِرٍ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ والنَّصْبِ بِالعَطْفِ عَلى ( السَّمَواتِ ) والحالِيَّةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ وجُوِّزَ تَقْدِيرُ جَعَلَ وجَعَلَ الشَّمْسَ مَفْعُولًا أوَّلًا و ﴿ مُسَخَّراتٍ ﴾ مَفْعُولًا ثانِيًا ﴿ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ ﴾ كالتَّذْيِيلِ لِلْكَلامِ السّابِقِ أيْ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي خَلَقَ الأشْياءَ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ السَّمَواتُ والأرْضُ دُخُولًا أوَّلِيًّا وهو الَّذِي دَبَّرَها وصَرَّفَها عَلى حَسَبِ إرادَتِهِ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ﴾ لا أحَدَ غَيْرُهُ كَما يُؤْذِنُ بِهِ تَقْدِيمُ الظَّرْفِ.
وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الأمْرَ هُنا بِالإرادَةِ أيْضًا وفَسَّرَ آخَرُونَ الأمْرَ بِما هو مُقابِلُ النَّهْيِ والخَلْقِ بِالمَخْلُوقِ أيْ لَهُ تَعالى المَخْلُوقُونَ لِأنَّهُ خَلَقَهم ولَهُ أنْ يَأْمُرَهم بِما أرادَ واسْتَخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ مِن هَذا أنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَّقَ بَيْنَ الخَلْقِ والأمْرِ فَمَن جَمَعَ بَيْنَهُما فَقَدْ كَفَرَ يَعْنِي مَن جَعَلَ الأمْرَ الَّذِي هو كَلامُهُ سُبْحانَهُ مِن جُمْلَةِ ما خَلَقَهُ فَقَدْ كَفَرَ لِأنَّ المَخْلُوقَ لا يَقُومُ إلّا بِمَخْلُوقٍ مِثْلِهِ كَذا في تَفْسِيرِ الخازِنِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ أنَّ الخَلْقَ ما دُونَ العَرْشِ والأمْرَ ما فَوْقَ ذَلِكَ وشاعَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ إطْلاقُ عالَمِ الأمْرِ عَلى عالَمِ المُجَرَّداتِ ﴿ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ (54) أيْ تَقَدَّسَ وتَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ ويُدْخِلُ في ذَلِكَ تَنَزُّهُهُ تَعالى عَنْ نَقْصٍ في الخَلْقِ أوْ في الأمْرِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
فَفِي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُما طِبْقُ الحِكْمَةِ وفي غايَةِ الكَمالِ ولا يُقالُ ذَلِكَ في غَيْرِهِ تَعالى بَلْ هو صِفَةٌ خاصَّةٌ بِهِ سُبْحانَهُ كَما في القامُوسِ وقالَ الإمامُ: إنَّ البَرَكَةَ لَها تَفْسِيرانِ أحَدُهُما البَقاءُ والثَّباتُ والثّانِي كَثْرَةُ الآثارِ الفاضِلَةِ فَإنْ حَمَلْتَهُ عَلى الأوَّلِ فالثّابِتُ الدّائِمُ هو اللَّهُ تَعالى وإنْ حَمَلْتَهُ عَلى الثّانِي فَكُلُّ الخَيْراتِ والكَمالاتِ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَهَذا الثَّناءُ لا يَلِيقُ إلّا بِحَضْرَتِهِ جَلَّ وعَلا واخْتارَ الزَّجّاجُ أنَّهُ مِنَ البَرَكَةِ بِمَعْنى الكَثْرَةِ مِن كُلِّ خَيْرٍ ولِمَ يَجِئْ مِنهُ مُضارِعٌ ولا أمْرٌ ولا اسْمُ فاعِلٍ مَثَلًا وقالَ البَيْضاوِيُّ: المَعْنى تَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ والأُلُوهِيَّةِ وتَعَظَّمَ بِالتَّفَرُّدِ والرُّبُوبِيَّةِ وعَلى هَذا فَهو خِتامٌ لُوحِظَ فِيهِ مَطْلَعُهُ ثُمَّ حَقَّقَ الآيَةَ بِما لا يَخْلُو مِن دَغْدَغَةٍ ومُخالَفَةٍ لِما عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ <div class="verse-tafsir"
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وذلك أن النبي لما عيّر المشركين بعبادة آلهتهم، ونزل قوله: لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج: 73] وقوله: كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً [العنكبوت: 41] سألوا رسول الله فقالوا: من ربك الذي تدعونا إليه؟
وأرادوا أن يجحدوا في اسمه طعناً أو في شيء من أفعاله فنزلت هذه الآية.
فتحيروا وعجزوا عن الجواب.
فقال: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ أي خالقكم ورازقكم الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ.
قال ابن عباس أي من أيام الآخرة.
طول كل يوم ألف سنة.
وقال الحسن البصري: من أيام الدنيا.
ويقال: يعني في ست ساعات من ستة أيام من أطول أيام الدنيا، ولو شاء أن يخلقها في ساعة واحدة لخلقها، ولكن علَّم عباده التأني والرفق والتدبير في الأمور.
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ قال بعضهم: هذا من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله.
وذكر عن يزيد بن هارون أنه سئل عن تأويله فقال تأويله: الإيمان به.
وذكر أن رجلاً دخل على مالك بن أنس فسأله عن قوله الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [طه: 5] فقال: الاستواء غير مجهول والكيفية غير معقولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا ضالاً.
فأخرجوه.
وذكر عن محمد بن جعفر نحو هذا.
وقد تأوله بعضهم وقال ثُمَّ بمعنى الواو فيكون على معنى الجمع والعطف، لا على معنى التراخي والترتيب.
ومعنى قوله: اسْتَوى أي استولى، كما يقال فلان استوى على بلد كذا يعني: استولى عليه فكذلك هذا.
معناه: خالق السموات والأرض، ومالك العرش.
ويقال: ثم صعد أمره إلى العرش.
وهذا معنى قول ابن عباس.
قال صعد على العرش.
يعني: أمره، ويقال قال له: كن فكان، ويقال: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ أي كان فوق العرش قبل أن يخلق السموات والأرض، ويكون عَلَى بمعنى العلو والارتفاع، ويقال استوى يعني استولى.
وذكر أن أول شيء خلقه الله تعالى القلم ثم اللوح.
فأمر القلم بأن يكتب في اللوح ما هو كائن إلى يوم القيامة.
ثم خلق ما شاء.
ثم خلق العرش ثم حملة العرش ثم خلق السموات والأرض.
وإنما خلق العرش لا لحاجة نفسه ولكن لأجل عباده ليعلموا أين يتوجهون في دعائهم لكي لا يتحيّروا في دعائهم، كما خلق الكعبة علماً لعبادتهم، ليعلموا إلى أين يتوجهون في العبادة.
فكذلك خلق العرش علماً لدعائهم ليعلموا إلى أين يتوجهوا بدعائهم.
ثم قال تعالى: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يعني: إن الليل يأتي على النهار فيغطيه ولم يقل يغشي النهار الليل لأن في الكلام دليلاً عليه.
وقد بيّن في آية أخرى يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ [الزمر: 5] فكذلك هاهنا معناه يغشي النهار الليل ويغشي الليل النهار.
يعني: إذا جاء النهار يذهب بظلمة الليل وإذا جاء الليل يذهب بنور النهار.
قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر يُغْشِي بتشديد الشين ونصب الغين.
وقرأ الباقون بجزم الغين مع التخفيف، وهما لغتان غَشَّى ويُغَشِّي وأَغْشَى يُغْشِي بقوله يَطْلُبُهُ حَثِيثاً أي: سريعاً في طلبه أبداً ما دامت الدنيا باقية.
ثم قال: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أي جاريات مذللات لبني آدم بأمره.
قرأ ابن عامر وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ كلها بالضم على معنى الابتداء.
وقرأ الباقون بالنصب.
ومعناه خلق الشمس والقمر والنجوم مسخرات بِأَمْرِهِ.
ثم قال: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ألا كلمة التنبيه، يعني: اعلموا أن الخلق لله تعالى، وهو الذي خلق الأشياء كلها وأمره نافذ في خلقه.
قال سفيان بن عيينة: الخلق هو الخلق والأمر هو القرآن وهو كلام الله، وليس بمخلوق، ولا هو بائن منه، وتصديقه قوله: ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ [الطلاق: 5] ويقال: الأمر هو القضاء، ثم قال تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ قال ابن عباس ما يعني: تعالى الله عما يقول الظالمون، ويقال تبارك الله تفاعل من البركة أي: ذو البركة يعني: أن البركة كلها من الله تعالى.
والبركة فيما يذكر عليه اسم الله رب العالمين.
أي: سيد الخلق أجمعين فلما وصف وبالغ في ذلك وأعجزهم فأمرهم بأن يدعوه فقال: <div class="verse-tafsir"
وقال السدي: مآله في الدنيا وقعة بَدْرٍ وغيرها، ويوم القيامة «١» أيضاً، ثم أخبر تعالى أن مآل حال هذا الدين يوم يأتي يَقَعُ معه نَدَمُهُمْ، ويقولون تأسُّفاً على ما فاتهم من الإيمان:
لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ، فالتأويل على هذا من آل يؤول، وَنَسُوهُ يحتمل أن يكون بمعنى الترك، وباقي الآية بَيِّنٌ.
ت: وهذا التقرير يرجّح تأويل ابن سلام المتقدم.
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)
وقوله سبحانه: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ...
الآية خطاب عام يقتضي التوحيد، والحجة عليه بدلائله، وجاء في التفسير والأحاديث أن اللَّه سبحانه ابتدأ الخَلْقَ يوم الأَحدِ، وكملت المَخْلُوقَاتُ يوم الجمعة، وهذا كله والساعة اليَسِيرَةُ في قُدْرَةِ اللَّه سبحانه سواء.
قال م: فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ «ستة» أصلها سِدْسَة، فأبدلوا من السِّين تاء، ثم أدغموا الدال في التاء، وتصغيره سديس وسديسة.
انتهى.
وقوله سبحانه: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ معناه عند أبي المعالي وغيره من حُذَّاق المتكلمين: الملك، والسلطان «٢» ، وخصّ العرش بالذِّكْرِ تشريفاً له إذ هو أَعْظَمُ المخلوقات.
وقوله سبحانه: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ «ألا» : استفتاح كلام.
وأخذ المفسرون «الخَلْق» بمعنى المخلوقات، أي: هي كلها مِلْكُهُ، واختراعه، وأخذوا الأمر مَصْدَراً من أمر يأمر.
قال ع «٣» : ويحتمل أن تؤخذ لفظة «الخَلْقِ» على المصدر من: خلق يخلق خَلْقاً، أي: له هذه الصفة إذ هو المُوجِدُ للأشياء بعد العَدَمِ، ويؤخذ الأمر على أنه واحد
الأمورِ، فيكون بمنزلة قوله: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [هود: ١٢٣] وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [البقرة: ٢١٠] .
وكيف ما تَأَوَّلَتِ الآية، فالجميع للَّه سبحانه.
وتَبارَكَ معناه: عظم، وتعالى، وكثرت بركاته، ولا يوصف بها إلا الله سبحانه.
وتَبارَكَ لا يَتَصَرَّفُ في كلام العرب، فلا يقال منه: يتبارك، والْعالَمِينَ جمع عالم.
قوله عز وجل: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ هذا أمر بالدعاء، وتعبد به، ثم قرن سبحانه بالأَمْرِ به صفات تحسن معه.
وقوله: تَضَرُّعاً معناه بخشوع، واستكانة، والتضرع لفظة تَقْتَضِي الجَهْرَ، لأن التضرع إنما يكون بإشَارَاتِ جوارح وهيئات أعضاء تقترن بالطلب، وخُفْيَةً يريد في النفس خاصة، وقد أثنى اللَّه سبحانه على ذلك في قوله سبحانه: إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا [مريم: ٣] ، ونحو هذا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «خَيْرُ الذِّكْرِ الخَفِيُّ» «١» والشريعة مقررة أن السر فيما لم يفرض من أعمال البر أعظم أَجْراً من الجَهْرِ.
ت: ونحو هذا لابن العربي لما تكلَّمَ على هذه الآية، قال: الأَصْلُ في الأعمال الفرضية الجَهْرُ، والأصل في الأعمال النَّفْلية السِّرُّ، وذلك لما يتطرق إلى النفل من الرِّيَاءِ، والتَّظَاهُر بذلك في الدنيا، والتفاخر على الأصحاب بالأعمال، وقلوب الخَلْقِ جُبِلَتْ بالمَيْلِ إلى أهل الطاعة.
انتهى/ من «الأحكام» .
وقوله سبحانه: إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ يريد في الدعاء، وإن كان اللفظ عامّاً، والاعتداء في الدعاء على وجوه منها: الجَهْرُ الكثير، والصياح، وفي «الصحيح» عنه صلّى الله عليه وسلّم:
«أيها النَّاسُ ارْبَعُوا على أَنفُسِكُمْ إِنَّكُمْ لاَ تدعون أصمّ ولا غائبا» «٢» .
ومنها: أن يدعو في مُحَالٍ، ونحو هذا من التشطّط وروي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قالُّ:
«سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ في الدُّعَاءِ، وحَسْبُ المرء أن يَقُولَ: اللَّهُمَّ إني أَسْأَلُكَ الجَنَّةَ وَمَا قَرَّب إِلَيْهَا من قَوْلٍ، أو عَمَلٍ، وأَعُوذُ بك من النَّارِ، وما قَرَّبَ إلَيْهَا مِنْ قَوْلِ، أو عَمَلٍ» «١» .
وقال البخاري: إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ أي: في الدعاء وغيره.
انتهى.
ت: قال الخطابي: وليس معنى الاعتداء الإكثار، فقد جاء عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدّعاءِ» «٢» ، وقال: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَكْثرْ، فإنما هُوَ يَسْأَلُ رَبَّهُ» «٣» .
انتهى.
وروى أبو داودَ في «سُنَنَهِ» عن عبد اللَّه بن مُغَفَّل، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «سَيَكُونُ في هَذِهِ الأُمَّةِ قوم يَعْتَدُونَ في الطّهر والدّعاء» «٤» انتهى.
أحَدُها: أنَّهُ يَوْمُ السَّبْتَ.
رَوى مُسْلِمٌ في "صَحِيحِهِ" مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ بِيَدِي، فَقالَ: «خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتَ، وخَلَقَ الجِبالَ فِيها يَوْمَ الأحَدِ، وخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وخَلَقَ المَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاثاءَ، وخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ، وبَثَّ فِيها الدَّوابَّ يَوْمَ الخَمِيسِ، وخَلَقَ آَدَمَ بَعْدَ العَصْرِ [مِن] يَوْمِ الجُمْعَةِ [فِي] آَخِرِ الخَلْقِ، في آَخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الجُمْعَةِ فِيما بَيْنَ العَصْرِ إلى اللَّيْلِ» وهَذا اخْتِيارُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا إجْماعُ أهْلِ العِلْمِ.
والثّانِي: يَوْمَ الأحَدِ، قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ، وكَعْبٌ، والضَّحّاكُ، ومُجاهِدٌ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وبِهِ يَقُولُ أهْلُ التَّوْراةِ.
والثّالِثُ: يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وبِهَذا يَقُولُ أهْلُ الإنْجِيلِ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فِي سِتَّةِ أيّامٍ ﴾ أيْ: في مِقْدارِ ذَلِكَ، لِأنَّ اليَوْمَ يُعْرَفُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، ولَمْ تَكُنِ الشَّمْسُ حِينَئِذٍ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِقْدارُ كَلِّ يَوْمٍ مِن تِلْكَ الأيّامِ ألْفُ سَنَةٍ، وبِهِ قالَ كَعْبٌ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، ولا نَعْلَمُ خِلافًا في ذَلِكَ.
ولَوْ قالَ قائِلٌ: إنَّها كَأيّامِ الدُّنْيا، كانَ قَوْلُهُ بَعِيدًا مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: خِلافُ الآَثارِ.
والثّانِي: أنَّ الَّذِي يَتَوَهَّمُهُ المُتَوَهِّمُ مِنَ الإبْطاءِ في سِتَّةِ آَلافِ سَنَةٍ، يَتَوَهَّمُهُ في سِتَّةِ أيّامٍ عِنْدَ تَصَفُّحِ قَوْلِهِ: ﴿ إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: فَهَلّا خَلَقَها في لَحْظَةٍ، فَإنَّهُ قادِرٌ؟
فَعَنْهُ خَمْسَةُ أجْوِبَةٍ.
أحَدُها: أنَّهُ أرادَ أنْ يُوَقَّعَ في كُلِّ يَوْمٍ أمْرًا تَسْتَعْظِمُهُ المَلائِكَةُ ومَن يُشاهِدُهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
والثّانِي: أنَّ التَّثَبُّتَ في تَمْهِيدِ ما خَلَقَ لِآَدَمَ وذُرِّيَّتِهِ قَبْلَ وُجُودِهِ، أبْلَغُ في تَعْظِيمِهِ عِنْدَ المَلائِكَةِ.
والثّالِثُ: أنَّ التَّعْجِيلَ أبْلَغُ في القُدْرَةِ، والتَّثْبِيتُ أبْلَغُ في الحِكْمَةِ، فَأرادَ إظْهارَ حِكْمَتِهِ في ذَلِكَ، كَما يُظْهِرُ قُدْرَتَهُ في قَوْلِهِ: " كُنْ فَيَكُونُ " والرّابِعُ: أنَّهُ عَلَّمَ عِبادَهُ التَّثَبُّتَ، فَإذا تَثَبَّتَ مَن لا يَزَلُّ كانَ ذُو الزَّلَلِ أوَّلُ بِالتَّثَبُّتِ.
والخامِسُ: أنَّ ذَلِكَ الإمْهالَ في خَلْقِ شَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ، أبْعَدُ مِن أنْ يَظُنَّ أنَّ ذَلِكَ وقَعَ بِالطَّبْعِ أوْ بِالِاتِّفاقِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ﴾ قالَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: العَرْشُ: السَّرِيرُ؛ وكُلُّ سَرِيرٍ لَمَلِكٍ يُسَمّى عَرْشًا؛ وقَلَّما يُجْمَعُ العَرْشُ إلّا في اضْطِرارٍ؛ واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ العَرْشِ مَشْهُورٌ عِنْدَ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ.
قالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ: مَجِّدُوا اللَّهِ فَهو لَلْمَجْدِ أهْلٌ رَبُّنا في السَّماءِ أمْسى كَبِيرًا ∗∗∗ بِالبِناءِ الأعْلى الَّذِي سَبَقَ النّاسَ ∗∗∗ وسَوّى فَوْقَ السَّماءِ سَرِيرًا ∗∗∗ شَرْجَعًا لا يَنالُهُ ناظِرُ العَيْ ∗∗∗ نِ تَرى دُونَهُ المَلائِكَ صُورا وَقالَ كَعْبٌ: إنَّ السَّماواتِ في العَرْشِ كالقِنْدِيلِ مُعَلَّقٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.
وَرَوى إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ عَنْ سَعْدٍ الطّائِيِّ قالَ: العَرْشُ ياقُوتَةٌ حَمْراءُ.
وإجْماعُ السَّلَفِ مُنْعَقِدٌ عَلى أنْ لا يَزِيدُوا عَلى قِراءَةِ الآَيَةِ.
وقَدْ شَذَّ قَوْمٌ فَقالُوا: العَرْشُ بِمَعْنى المَلِكِ.
وهَذا عُدُولٌ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى التَّجَوُّزِ، مَعَ مُخالَفَةِ الأثَرِ؛ ألَمْ يَسْمَعُوا قَوْلَهُ تَعالى: وكانَ عُرُوشه عَلى الماءِ [هُودَ:٧] أتَراهٍ كانَ المُلْكُ عَلى الماءِ؟
وكَيْفَ يَكُونُ المُلْكُ ياقُوتَةً حَمْراءَ؟
وبَعْضُهم يَقُولُ: اسْتَوى بِمَعْنى أسْتَوْلى؛ ويَحْتَجُّ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: حَتّى اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ ∗∗∗ مِن غَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مِهْراقٍ وَيَقُولُ الشّاعِرُ أيْضًا: هُما اسْتَوَيا بِفَضْلِهِما جَمِيعًا ∗∗∗ عَلى عَرْشِ المُلُوكِ بِغَيْرِ زُورِ وَهَذا مُنْكَرٌ عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ.
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: العَرَبُ لا تَعْرِفُ اسْتَوى بِمَعْنى اسْتَوْلى، ومَن قالَ ذَلِكَ فَقَدْ أعْظَمَ.
قالُوا: وإنَّما يُقالُ: اسْتَوْلى فَلانٌ عَلى كَذا، إذا كانَ بَعِيدًا عَنْهُ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ مِنهُ، ثُمَّ تَمَكَّنَ مِنهُ؛ واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَزَلْ مُسْتَوْلِيًا عَلى الأشْياءِ؛ والبَيْتانِ لا يُعْرَفُ قائِلُهُما، كَذا قالَ ابْنُ فارِسِ اللُّغَوِيُّ.
ولَوْ صَحّا، فَلا حُجَّةَ فِيهِما لِما بَيَّنّا مِنِ اسْتِيلاءِ مَن لَمْ يَكُنْ مُسْتَوْلِيًا.
نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن تَعْطِيلِ المُلْحِدَةِ وتَشْبِيهِ المُجَسِّمَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "يُغْشِي" ساكِنَةَ الغَيْنِ خَفِيفَةً.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "يُغْشِي" مَفْتُوحَةَ الغَيْنِ مُشَدَّدَةً؛ وكَذَلِكَ قَرَؤُوا في (الرَّعْدِ:٣) قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ اللَّيْلَ يَأْتِي عَلى النَّهارِ فَيُغَطِّيهِ؛ وإنَّما لَمْ يَقُلْ: ويُغْشِي النَّهارَ اللَّيْلَ، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ؛ وقَدْ قالَ فى مَوْضِعٍ آَخَرَ: ﴿ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارِ عَلى اللَّيْلَ ﴾ وقالَ أبُو عَلِيٍّ: إنَّما لَمْ يَقُلْ: يُغْشِي النَّهارَ اللَّيْلَ، لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مِن فَحْوى الكَلامِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ ، وانْتَصَبَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مَفْعُولٌ بِهِ.
فَأمّا الحَثِيثُ، فَهو السَّرِيعُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: بِالنَّصْبِ فِيهِنَّ، وهو عَلى مَعْنى: خَلَقَ السَّماواتِ والشَّمْسَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٍ" بِالرَّفْعِ فِيهِنَّ هاهُنا وفي [النَّحْلِ:١٢] تابَعَهُ حَفْصٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ ﴾ في [النَّحْلِ: ١٢] فَحَسْبُ.
والرَّفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ.
والمُسَخَّراتُ: المُذَلَّلاتُ لِما يُرادُ مِنهُنَّ مِن طُلُوعٍ وأُفُولٍ وسَيْرٍ عَلى حَسْبِ إرادَةِ المُدَبِّرِ لَهُنَّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا لَهُ الخَلْقُ ﴾ لِأنَّهُ خَلْقُهم (والأمْرُ) فَلَهُ أنْ يَأْمُرَ بِما يَشاءُ.
وقِيلَ: الأمْرُ: القَضاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبارَكَ اللَّهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وكَذَلِكَ قالَ القُتَيْبِيُّ، والزَّجّاجُ.
وقالَ أبُو مالِكٍ: أفْتَعِلُ مِنَ البَرَكَةِ؛ وقالَ الحَسَنُ: تَجِيءُ البَرَكَةُ مِن قِبَلِهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: تَبارَكَ: مِنَ البَرَكَةِ؛ وهو في العَرَبِيَّةِ كَقَوْلِهِ: تَقَدَّسَ رَبُّنا.
والثّانِي: أنْ تَبارَكَ بِمَعْنى تَعالى، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وكَذَلِكَ قالَ أبُو العَبّاسِ: تَبارَكَ: ارْتَفَعَ؛ والمُتَبارِكُ: المُرْتَفِعُ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: بِاسْمِهِ يُتَبَرَّكُ في كُلِّ شَيْءٍ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى "تَبارَكَ" تَقَدَّسَ، أيْ: تَطَهَّرَ ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ أيْضًا.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلَهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أو نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَيْلَ النَهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشَمْسَ والقَمَرَ والنُجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ "يَنْظُرُونَ"؛ مَعْناهُ: يَنْتَظِرُونَ؛ و"اَلتَّأْوِيلُ" - في هَذا المَوْضِعِ - بِمَعْنى: "اَلْمَآلُ"؛ و"اَلْعاقِبَةُ"؛ قالَهُ قَتادَةُ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُما؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "تَأْوِيلَهُ": مَآلَهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ وقالَ السُدِّيُّ: ذَلِكَ في الدُنْيا؛ وقْعَةُ بَدْرٍ وغَيْرُها؛ ويَوْمَ القِيامَةِ أيْضًا؛ والمُرادُ: "هَلْ يَنْتَظِرُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ إلّا مَآلَ الحالِ في هَذا الدِينِ؛ وما دُعُوا إلَيْهِ؛ وما صَدُّوهم عنهُ؛ وهم يَعْتَقِدُونَ مَآلَهُ جَمِيلًا لَهُمْ"؛ فَأخْبَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ مَآلَهُ يَوْمَ يَأْتِي يَقَعُ مَعَهُ نَدَمُهُمْ؛ ويَقُولُونَ تَأسُّفًا عَلى ما فاتَهم مِنَ الإيمانِ: لَقَدْ صَدَقَتِ الرُسُلُ وجاؤُوا بِالحَقِّ؛ فالتَأْوِيلُ - عَلى هَذا - مَأْخُوذٌ مِن: "آلَ؛ يَؤُولُ"؛ وقالَ الخَطابِيُّ: "أوَّلْتُ الشَيْءَ": رَدَدْتُهُ إلى أوَّلِهِ؛ فاللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن "اَلْأوَّلُ"؛ حَكاهُ النَقّاشُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ قِيلَ: "أوَّلْتُ"؛ مَعْناهُ: طَلَبْتُ أوَّلَ الوُجُوهِ؛ والمَعانِي.
و"نَسُوهُ"؛ في الآيَةِ؛ يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ النِسْيانُ مِن أوَّلِ الآيَةِ بِمَعْنى التَرْكِ.
ويُقِرُّونَ بِالحَقِّ ويَسْتَفْهِمُونَ عن وُجُوهِ الخَلاصِ في وقْتٍ لا مُسْتَعْتَبَ لَهم فِيهِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أو نُرَدُّ"؛ بِرَفْعِ الفِعْلِ؛ عَلى تَقْدِيرِ: "أو هَلْ نُرَدُّ؟"؛ وبِنَصْبِ "فَنَعْمَلَ"؛ في جَوابِ هَذا الِاسْتِفْهامِ الأخِيرِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "أو نُرَدُّ فَنَعْمَلُ"؛ بِالرَفْعِ فِيهِما؛ عَلى عَطْفِ "نَعْمَلُ"؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ؛ وأبُو حَيْوَةَ: "أو نُرَدَّ فَنَعْمَلُ"؛ ونَصْبُ "نُرَدَّ"؛ في هَذِهِ القِراءَةِ إمّا عَلى العَطْفِ عَلى قَوْلِهِ: "فَيَشْفَعُوا"؛ وإمّا بِما حَكاهُ الفَرّاءُ مِن أنَّ "أو"؛ تَكُونُ بِمَعْنى "حَتّى"؛ كَنَحْوِ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: .................
∗∗∗..........أو نَمُوتَ فَنُعْذَرا ويَجِيءُ المَعْنى أنَّ الشَفاعَةَ تَكُونُ في أنْ يُرَدُّوا؛ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن خَسارَتِهِمْ أنْفُسَهُمْ؛ واضْمِحْلالِ افْتِرائِهِمْ عَلى اللهِ تَعالى وكَذِبِهِمْ في جَعْلِ الأصْنامِ آلِهَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ خِطابٌ عامَّ يَقْتَضِي التَوْحِيدَ والحُجَّةَ عَلَيْهِ بِدَلائِلِهِ؛ و"اَلرَّبُّ"؛ أصْلُهُ في اللُغَةِ: اَلْمُصْلِحُ؛ مِن "رَبَّ؛ يُرَبُّ"؛ وهو يَجْمَعُ في جِهَةِ ذِكْرِ اللهِ تَعالى "اَلْمالِكُ"؛ و"اَلسَّيِّدُ"؛ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ اسْتِعْمالاتِ العَرَبِ؛ ولا يُقالُ: "اَلرَّبُّ"؛ مُعَرَّفًا؛ إلّا لِلَّهِ تَعالى ؛ وإنَّما يُقالُ في البَشَرِ بِإضافَةٍ؛ ورَوى بَكّارُ بْنُ الشُقَيْرِ: "إنَّ رَبَّكُمُ اللهَ"؛ بِنَصْبِ الهاءِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فِي سِتَّةِ أيّامٍ ﴾ ؛ حَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّ اليَوْمَ كَألْفِ سَنَةٍ؛ وهَذا كُلُّهُ والساعَةُ اليَسِيرَةُ سَواءٌ في قُدْرَةِ اللهِ تَعالى ؛ وأمّا وجْهُ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ فَمِمّا انْفَرَدَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِعِلْمِهِ؛ كَسائِرِ أحْوالِ الشَرائِعِ؛ وما ذَهَبَ إلَيْهِ مَن أرادَ أنْ يُوَجِّهَ هَذا - كالمَهْدَوِيِّ وغَيْرِهِ - تَخَرُّصٌ؛ وجاءَ في التَفْسِيرِ؛ وفي الأحادِيثِ؛ أنَّ اللهَ تَعالى ابْتَدَأ الخَلْقَ يَوْمَ الأحَدِ؛ وكَمُلَتِ المَخْلُوقاتُ يَوْمَ الجُمُعَةِ؛ ثُمَّ بَقِيَ دُونَ خَلْقٍ يَوْمَ السَبْتِ؛ ومِن ذَلِكَ اخْتارَتْهُ اليَهُودُ لِراحَتِها؛ وعَلى هَذا تَوالَتْ تَفاسِيرُ الطَبَرِيِّ وغَيْرِهِ؛ ولِلْيَهُودِ - لَعَنَهُمُ اللهُ تَعالى - في هَذا كَلامُ سُوءٍ - تَعالى اللهُ عَمّا يَصِفُونَ.
وَوَقَعَ حَدِيثٌ في كِتابِ مُسْلِمِ بْنِ الحَجّاجِ ؛ في كِتابِ "اَلدَّلائِلُ"؛ لِثابِتٍ السَرَقُسْطِيِّ أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ التُرْبَةَ يَوْمَ السَبْتِ؛ وذَكَرَهُ مَكِّيٌّ في "اَلْهِدايَةُ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ﴾ ؛ مَعْناهُ عِنْدَ أبِي المَعالِي؛ وغَيْرِهِ مِن حُذّاقِ المُتَكَلِّمِينَ: "بِالمُلْكِ والسُلْطانِ"؛ وخُصَّ العَرْشُ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ؛ إذْ هو أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ؛ وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: فَعَلَ فِعْلًا في العَرْشِ سَمّاهُ "اِسْتِواءً".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والعَرْشُ مَخْلُوقٌ مُعَيَّنٌ؛ جِسْمٌ ما؛ هَذا الَّذِي قَرَّرَتْهُ الشَرِيعَةُ؛ وبَلَغَنِي عن أبِي الفُضَيْلِ بْنِ النَحْوِيِّ أنَّهُ قالَ: اَلْعَرْشُ: مَصْدَرُ "عَرَشَ؛ يَعْرِشُ؛ عَرْشًا"؛ والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ﴾ هَذا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا خُرُوجٌ كَثِيرٌ عن ما فُهِمَ مِنَ العَرْشِ في غَيْرِ ما حَدِيثٍ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "يُغْشِي"؛ مِن "أغْشى"؛ وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "يُغَشِّي"؛ بِالتَشْدِيدِ؛ مِن "غَشّى"؛ وهُما طَرِيقانِ في تَعْدِيَةِ "غَشى"؛ إلى مَفْعُولٍ ثانٍ؛ وقَرَأ حُمَيْدٌ: "يَغْشى"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ والشِينِ؛ ونَصْبِ "اَللَّيْلَ"؛ ورَفْعِ "اَلنَّهارُ"؛ كَذا قالَ أبُو الفَتْحِ؛ وقالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ بِرَفْعِ "اَللَّيْلُ"؛ ونَصْبِ "اَلنَّهارَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وأبُو الفَتْحِ أثْبَتُ.
وَ"حَثِيثًا"؛ مَعْناهُ: سَرِيعًا؛ و ﴿ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا ﴾ ؛ حالٌ مِن "اَللَّيْلَ"؛ بِحَسَبِ اللَفْظِ؛ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ ومِن "اَلنَّهارَ"؛ بِحَسَبِ المَعْنى؛ وأمّا عَلى قِراءَةِ حُمَيْدٍ؛ فَمِن "اَلنَّهارَ"؛ في الوَجْهَيْنِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنهُما؛ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ ﴾ ؛ فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ "تَحْمِلُهُ"؛ حالًا مِنها؛ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنهُ؛ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنهُما؛ و"مُسَخَّراتٍ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ: "والشَمْسُ والقَمَرُ والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ"؛ بِالرَفْعِ في جَمِيعِها؛ ونَصَبَ الباقُونَ هَذِهِ الحُرُوفَ كُلَّها؛ وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ: "والشَمْسَ والقَمَرَ"؛ بِالنَصْبِ؛ "والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ"؛ بِالرَفْعِ.
و"ألا"؛ اِسْتِفْتاحُ كَلامٍ؛ فاسْتَفْتَحَ بِها؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ هَذا الخَبَرَ الصادِقَ المُرْشِدَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وأخَذَ المُفَسِّرُونَ "اَلْخَلْقُ"؛ بِمَعْنى: اَلْمَخْلُوقاتُ؛ أيْ: "هِيَ لَهُ كُلُّها؛ ومِلْكُهُ واخْتِراعُهُ"؛ وأخَذُوا "اَلْأمْرُ"؛ مَصْدَرًا مِن "أمَرَ؛ يَأْمُرُ"؛ وعَلى هَذا قالَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ: إنَّ الآيَةَ تَرُدُّ عَلى القائِلِينَ بِخَلْقِ القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ فَرَّقَ فِيها بَيْنَ المَخْلُوقاتِ؛ وبَيْنَ الأمْرِ؛ إذْ "والأمْرُ"؛ كَلامُهُ - عَزَّ وجَلَّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنْ تُؤْخَذَ لَفْظَةُ "اَلْخَلْقُ"؛ عَلى المَصْدَرِ مِن "خَلَقَ؛ يَخْلُقُ؛ خَلْقًا"؛ أيْ: "لَهُ هَذِهِ الصِفَةُ؛ إذْ هو المُوجِدُ لِلْأشْياءِ بَعْدَ العَدَمِ"؛ ويُؤْخَذَ "والأمْرُ" عَلى أنَّهُ واحِدُ "اَلْأُمُورُ"؛ إلّا أنَّهُ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ؛ فَيَكُونَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴾ ؛ وبِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ ؛ فَإذا أُخِذَتِ اللَفْظَتانِ هَكَذا؛ خَرَجَتا عن مَسْألَةِ الكَلامِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَمّا تَقَدَّمَ في الآيَةِ "خَلَقَ"؛ و"بِأمْرِهِ"؛ تَأكَّدَ في آخِرِهِ أنَّ لَهُ الخَلْقَ والأمْرَ المُصَدَّرَيْنِ حَسَبَ تَقَدُّمِهِما؛ وكَيْفَما تَأوَّلْتَ الآيَةَ فالجَمِيعُ لِلَّهِ تَعالى ؛ وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "مَن زَعَمَ أنَّ اللهَ - تَبارَكَ وتَعالى - جَعَلَ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ شَيْئًا مِنَ الأمْرِ فَقَدْ كَفَرَ بِما أنْزَلَ اللهُ تَعالى لِقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ ﴾ ".» قالَ النَقّاشُ: ذَكَرَ اللهُ تَعالى الإنْسانَ في القُرْآنِ في ثَمانِيَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا؛ في جَمِيعِها أنَّهُ مَخْلُوقٌ؛ وذَكَرَ القُرْآنَ في أرْبَعَةٍ وخَمْسِينَ مَوْضِعًا؛ لَيْسَ في واحِدٍ مِنها إشارَةٌ إلى أنَّهُ مَخْلُوقٌ؛ وقالَ الشَعْبِيُّ: "اَلْخَلْقُ"؛ عِبارَةٌ عَنِ الدُنْيا؛ و"اَلْأمْرُ"؛ عِبارَةٌ عَنِ الآخِرَةِ؛ و"تَبارَكَ"؛ لا يُتَصَرَّفُ في كَلامِ العَرَبِ؛ لا يُقالُ مِنهُ "يَتَبارَكُ"؛ وهَذا مَنصُوصٌ عَلَيْهِ لِأهْلِ اللِسانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعِلَّةُ ذَلِكَ أنَّ "تَبارَكَ"؛ لَمّا لَمْ يُوصَفْ بِها غَيْرُ اللهِ تَعالى ؛ لَمْ تَقْتَضِ مُسْتَقْبَلًا؛ إذِ اللهُ تَعالى قَدْ تَبارَكَ في الأزَلِ؛ وقَدْ غَلِطَ بِها أبُو عَلِيٍّ القالِي؛ فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ المُسْتَقْبَلُ مِن "تَبارَكَ"؟
فَقالَ: "يَتَبارَكُ"؛ فَوَقَفَ عَلى أنَّ العَرَبَ لَمْ تَقُلْهُ؛ و"اَلرَّبُّ": اَلسَّيِّدُ المُصْلِحُ؛ و"اَلْعالَمِينَ"؛ جَمْعُ "عالَمٌ".
<div class="verse-tafsir"
جاءت أغراض هذه السّورة متناسبة متماسكة، فإنّها ابتدئت بذكر القرآن والأمرِ باتّباعه ونبذِ ما يصدّ عنه وهو اتّباع الشّرك؛ ثمّ التّذكيرِ بالأمم التي أعرضت عن طاعة رسل الله، ثمّ الاستدلال على وحدانية الله، والامتناننِ بخلق الأرض والتّمكين منها، وبخلق أصل البشر وخَلقهم، وخُلَل ذلك بالتّذكير بعداوة الشّيطان لأصل البشر وللبشر في قوله: ﴿ لأقعدن لهم صراطك المستقيم ﴾ [الأعراف: 16].
وانتُقل من ذلك إلى التّنديد على المشركين فيما اتّبعوا فيه تسويل الشّيطان من قوله: ﴿ وإذا فعلوا فاحشة ﴾ [الأعراف: 28]، ثمّ بتذكيرهم بالعهد الذي أخذه الله على البشر في قوله: ﴿ يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم ﴾ [الأعراف: 35] الآية.
وبأن المشركين ظَلموا بنكث العهد بقوله: ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته ﴾ [الأعراف: 37] وتوعدهم وذكّرهم أحوال أهل الآخرة، وعَقِب ذلك عاد إلى ذكر القرآن بقوله: ﴿ ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم ﴾ [الأعراف: 52] وأنهاه بالتّذييل بقوله: ﴿ قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ [الأعراف: 53].
فلا جرم تهيأت الأسماع والقلوب لتلقي الحجّة على أنّ الله إله واحد، وأنّ آلهة المشركين ضلال وباطل، ثمّ لِبيان عظيم قدرته ومجده فلذلك استؤنف بجملة ﴿ إن ربكم الله ﴾ الآية، استئنافاً ابتدائياً عاد به التّذكير إلى صدر السّورة في قوله: ﴿ ولا تتبعوا من دونه أولياء ﴾ [الأعراف: 3]، فكان ما في صدر السّورة بمنزلة المطلوب المنطقي، وكان ما بعده بمنزله البرهان، وكان قوله: ﴿ إن ربكم الله ﴾ بمنزلة النّتيجة للبرهان، والنتيجة مساوية للمطلوب إلاّ أنّها تؤخَذُ أوضحَ وأشد تفصيلاً.
فالخطاب موجّه إلى المشركين ابتداء، ولذلك كان للتّأكيد بحرف (إنّ) موقعه لرد إنكار المشركين انفراد الله بالرّبوبيه.
وإذ كان ما اشتملت عليه هذه الآية يزيد المسلمين بصيرة بعظم مجد الله وسعة ملكه، ويزيدهم ذكرى بدلائل قدرته، كان الخطاب صالحاً لتناول المسلمين، لصلاحية ضمير الخطاب لذلك، ولا يكون حرف (إن) بالنّسبة إليهم سدى، لأنّه يفيد الاهتمام بالخبر، لأنّ فيه حظاً للفريقين، ولأنّ بعض ما اشتمل عليه (ما) هو بالمؤمنين أعلق مثل ﴿ ادعوا ربكم تضرعاً وخفية ﴾ [الأعراف: 55] وقوله: ﴿ إن رحمت الله قريب من المحسنين ﴾ [الأعراف: 56] وبعضه بالكافرين أنسب مثل قوله: ﴿ كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون ﴾ [الأعراف: 57].
وقد جعل المخبرُ عنه الرب، والخبرُ اسمَ الجلالة: لأن المعنى أنّ الرب لكم المعلومَ عندكم هو الذي اسمه الدال على ذاته: اللَّهُ، لا غيره ممَن ليس له هذا الاسم، على ما هو الشّأن، فهي تعريف المسند في نحو: أنا أخوك، يقال لمن يعرف المتكلّم ويعرف أنّ له أخاً ولا يعرف أنّ المتكلم هو أخوه.
فالمقصود من تعريف المسند إفادة ما يسمّى في المنطق بحمل المواطاة، وهو حمل (هُو هُو) ولذلك يخيّر المتكلّم في جعل أحد الجزأين مسند إليه، وجعل الآخر مسنداً، لأنّ كليهما معروف عند المخاطب، وإنّما الشّأن أن يجعل أقواهما معرفة عند المخاطب هو المسندَ إليه.
ليكون الحمل أجدى إفادة، ومن هذا القبيل قول المعرّي يصف فارساً في غارة: يخُوض بَحْراً نَقْعه ماؤُه *** يحُمله السّابح في لِبْدِهِ إذ قد عَلِم السامع أنّ للفارس عند الغارة نقعاً.
وعلم أنّ الشّاعر أثبت للفارس بَحراً وأنّ للبحر ماء، فقد صار النّقع والبحر معلومين للسّامع، فأفاده أنّ نقع الفارس هو ماء البحر المزعوم، لأنّه أجدى لمناسبة استعارة البحر للنّقع، وإلاّ فما كان يعوز المعرّي أن يقول: ماؤه نقعه فمن انتقد البيت فإنّه لم ينصفه.
وأُكِّد هذا الخبر بحرف التّوكيد، وإن كان المشركون يثبتون الربوبيّة لله، والمسلمون لا يمترون في ذلك، لتنزيل المشركين مِن المخاطبين منزلة من يتردّد في كون الله ربّاً لهم لكثرة إعراضهم عنه في عباداتهم وتوجهاتهم.
وقولُه: ﴿ الذي خلق السموات والأرض ﴾ صفة لاسم الجلالة، والصّلة مؤذنة بالإيماء إلى وجه بناء الخبر المتقدّم، وهو ﴿ إن ربكم الله ﴾ لأنّ خلق السّماوات والأرض يكفيهم دليلاً على انفراده بالإلهية، كما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ﴾ بسورة الأنعام (1).
وقوله: في ستة أيام ثم استوى على العرش } تعليم بعظيم قدرته، ويحصل منه للمشركين زيادة شعور بضلالهم في تشريك غيره في الإلهية، فلا يدلّ قوله: ﴿ في ستة أيام ﴾ على أنّ أهل مكّة كانوا يعلمون ذلك، وفيه تحَدّ لأهل الكتاب كما في قوله تعالى: ﴿ أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ﴾ [الشعراء: 197] وليس القصد من قوله: ﴿ في ستة أيام ﴾ الاستدلال على الواحدانية، إذ لا دلالة فيه على ذلك.
وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون خلق السّماوات والأرض مدّرجاً، وأن لا يكون دفعة، لأنّه جعل العوالم متولِّداً بعضُها من بعض، لتكون أتقن صنعاً ممّا لو خُلقت دَفعة، وليكون هذا الخلق مَظْهَراً لصفتي علممِ الله تعالى وقدرتِه، فالقدرة صالحة لخلقها دفعة، لكنّ العلم والحكمة اقتضيا هذا التّدرج، وكانت تلك المدّة أقل زمن يحصل فيه المراد من التّولّد بعظيم القدرة.
ولعلّ تكرّر ذكر هذه الأيّام في آيات كثيرة لقصد التّنبيه إلى هذه النّكتة البديعة، من كونها مظهر سعة العلم وسعة القدرة.
وظاهر الآيات أنّ الأيّام هي المعروفة للنّاس، التي هي جمعُ اليوم الذي هو مدّة تقدّر من مبدأ ظهور الشّمس في المشرق إلى ظهُورها في ذلك المكان ثانية، وعلى هذا التّفسير فالتّقدير في ما يماثل تلك المدّة ستّ مرّات، لأنّ حقيقة اليوم بهذا المعنى لم تتحقّق إلاّ بعد تمام خلق السّماء والأرض، ليمكن ظهور نور الشّمس على نصف الكرة الأرضية وظهور الظلمة على ذلك النّصف إلى ظهور الشّمس مرّة ثانية، وقد قيل: إنّ الأيّام هنا جمع اليوم من أيّام الله تعالى الذي هو مدّة ألف سنة، فستّة أيام عبارة عن ستّة آلاف من السّنين نظراً لقوله تعالى: ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون ﴾ [الحج: 47] وقوله: ﴿ يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ﴾ [السجدة: 5]، ونقل ذلك عن زيد بن أرقم واختاره النّقاش، وما هو ببعيد، وإن كان مخالفاً لما في التّوراة، وقيل المراد: في ستّة أوقات، فإنّ اليوم يطلق على الوقت كما في قوله تعالى: ﴿ ومن يولهم يومئذ دبره ﴾ [الأنفال: 16] أي حين إذ يلقاهم زَحْفاً، ومقصود هذا القائل أنّ السماوات والأرض خُلقت عالَماً بعد عالم ولم يشترك جميعُها في أوقات تكوينها، وأيّاً مّا كان فالأيام مراد بها مقادير لا الأيام التي واحدها يوم الذي هو من طلوع الشّمس إلى غروبها إذ لم تكن شمس في بعض تلك المدّة، والتّعمّق في البحث في هذا خروج عن غرض القرآن.
والاستواء حقيقتهُ الاعتدال، والذي يؤخذ من كلام المحقّقين من علماء اللّغة والمفسّرين أنّه حقيقة في الارتفاع والاعتلاء، كما في قوله تعالى في صفة جبريل ﴿ فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى ﴾ [النجم: 6 8].
والاستواء له معان متفرّعة عن حقيقته، أشهرها القصد والاعتلاء، وقد التُزم هذا اللّفظ في القرآن مسنداً إلى ضمير الجلالة عند الإخبار عن أحوال سماوية، كما في هذا الآية.
ونظائرُها سبعُ آيات من القرآن: هنا.
وفي يونس، والرّعد، وطه، والفرقان، وألم السجدة، والحديد، وفُصِّلت.
فظهر لي أنّ لهذا الفعل خصوصيّة في كلام العرب كان بِسببها أجدرَ بالدّلالة على المعنى المرادِ تبليغُه مجملاً ممّا يليق بصفات الله ويقرّب إلى الأفهام من معنى عظمته، ولذلك اختِير في هذه الآيات دون غيره من الأفعال التي فسّره بها المفسّرون.
فالاستواء يعبِّر عن شأن عظيم من شؤون عظمة الخالق تعالى، اختير التّعبير به على طريق الاستعارة والتّمثيلِ: لأنّ معناه أقرب معاني المواد العربيّة إلى المعنى المعبّر عنه من شؤونه تعالى، فإنّ الله لمّا أراد تعليم معاننٍ من عالم الغيب لم يكن يتأتى ذلك في اللّغة إلاّ بأمثلة معلومة من عالم الشّهادة، فلم يكن بد من التّعبير عن المعاني المغيّبة بعبارات تقرّبها ممّا يعبر به عن عالم الشّهادة، ولذلك يكثر في القرآن ذكر الاستعارات التّمثيليّة والتّخييليّة في مثل هذا.
وقد كان السّلف يتلقّون أمثالها بلا بحثثٍ ولا سؤال لأنّهم علموا المقصود الإجمالي منها فاقتنعوا بالمعنى مجملاً، ويسمّون أمثالَها بالمتشابهات، ثمّ لمّا ظهر عصر ابتداء البحث كانوا إذا سئلوا عن هذه الآية يقولون: استوى الله على العرش ولا نعرف لذلك كيفاً، وقد بيّنتُ أنّ مثل هذا من القسم الثّاني من المتشابه عند قوله تعالى: ﴿ وأخر متشابهات ﴾ في سورة آل عمران (7)، فكانوا يأبون تأويلها.
وقد حكى عياض في المدارك } عن سفيان بن عيينة أنّه قال: سأل رجل مالكاً فقال: الرّحمانُ على العرش استوى.
كيفَ استوى يا أبا عبد الله؛ فسكت مالكٌ مليّاً حتّى علاه الرّحَضاء ثمّ سُرّيَ عنه، فقال: «الاستواء معلوم والكيف غير معقول والسؤال عن هذا بدعة والإيمان به واجب وإنّي لأظنّك ضالاً» واشتهر هذا عن مالك في روايات كثيرة، وفي بعضها أنّه قال لمن سأله: «وأظنّك رجُلَ سوء أخْرِجُوه عنّي» وأنّه قال: «والسؤالُ عنه بدعة».
وعن سفيان الثّوري أنّه سئل عنها: «فقال: فَعَلَ الله فعلا في العرش سمّاه استواء».
قد تأوّله المتأخّرون من الأشاعرة تأويلات، أحسنها: ما جنح إليه إمام الحرمين أنّ المراد بالاستواء الاستيلاء بقرينة تعديته بحرف على، وأنشدوا على وجه الاستيناس لذلك قولَ الأخطل: قد استوى بِشْرٌ على العراق *** بغيرِ سيف ودم مُهْرَاق وأُراه بعيداً، لأنّ العرش ما هو إلاّ من مخلوقاته فلا وجه للإخبار باستيلائه عليه، مع احتمال أن يكون الأخطل قد انتزعه من هذه الآية، وقد قال أهل اللّغة: إنّ معانيه تختلف باختلاف تعديته بعَلى أو بإلى، قال البخاري، عن مجاهد: استوى عَلا على العرش، وعن أبي العالية: استوى إلى السّماء ارتفع فسَوى خلقهن.
وأحسب أنّ استعارته تختلف بقرينة الحَرف الذي يُعدّى به فعله، فإن عُدّي بحرف (على) كما في هذه الآية ونظائرها فهو مستعار من معنى الاعتلاء، مستعمل في اعتلاء مجازي يدلّ على معنى التّمكّن، فيحتمل أنّه أريد منه التّمثيل، وهو تمثيل شأننِ تصرّفه تعالى بتدبير العوالم، ولذلك نجده بهذا التّركيب في الآيات السّبع واقعاً عقب ذكر خلق السّماوات والأرض، فالمعنى حينئذ: خلقَها ثمّ هو يدبّر أمورها تدبير المَلِك أمور مملكته مستوياً على عَرشه.
وممّا يقرب هذا المعنى قول النّبيء صلى الله عليه وسلم " يَقْبِض الله الأرضَ ويطوي السّماوات يومَ القيامة ثمّ يقول: أنا المَلِك أيْنَ ملوك الأرض ".
ولذلكَ أيضاً عُقب هذا التّركيب في مواقعه كلّها بما فيه معنى التّصرف كقوله هنا ﴿ يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ﴾ وقوله في سورة الرّعد (2): ﴿ وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات ﴾ وقوله في سورة ألم السجدة (4، 5): ﴿ مالكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ﴾ وكمال هذا التّمثيل يقتضي أن يكون كلّ جزءٍ من أجزاء الهيئة الممثّلة مشبهاً بجزء من أجزاء الهيئة الممثَّل بها، فيقتضي أن يكون ثمة موجود من أجزاء الهيئة الممثّلة مشابهاً لعرش المَلك في العظمة، وكونه مصدر التّدبير والتّصرف الإلهي يفيض على العوالم قوى تدبيرها.
وقد دلّت الآثار الصّحيحة من أقوال الرّسول عليه الصّلاة والسّلام على وجود هذا المخلوق العظيم المسمّى بالعرش كما سنبيّنه.
فأمّا إذا عُدّي فعل الاستواء بحرف اللاّم فهو مستعار من معنى القصد والتّوجّه إلى معنى تعلّق الإرادة، كما في قوله: ﴿ ثم استوى إلى السماء ﴾ [البقرة: 29].
وقد نحا صاحب «الكشاف» نحواً من هذا المعنى، إلاّ أنّه سلك به طريقة الكناية عن المُلك: يقولون استوى فلان على العرش يريدون مُلك.
والعرش حقيقته الكرسي المرتفع الذي يجلس عليْه المَلِك، قال تعالى: ﴿ ولها عرش عظيم ﴾ [النما: 23] وقال: ﴿ ورفع أبويه على العرش ﴾ [يوسف: 100]، وهو في هذه الآية ونظائرها مستعمل جزءا من التّشبيه المركّب، ومن بداعة هذا التّشبيه أن كان كلّ جزء من أجزاءِ الهيئة المشبهة مماثلاً لجزءٍ من أجزاء الهيئة المشبَّه بها، وذلك أكمل التّمثيل في البلاغة العربيّة، كما قدّمتُه آنفاً.
وإذ قد كان هذا التّمثيل مقصوداً لتقريب شأن من شؤون عظمة مُلك الله بحال هيئةٍ من الهيئات المتعارفة، ناسب أن يشتمل على ما هو شعار أعظم المدبّرين للأمور المتعارفة أعني الملوك، وذلك شعارُ العرش الذي من حَوْله تصدر تصرّفات الملك، فإنّ تدبير الله لمخلوقاته بأمر التّكوين يكون صدوره بواسطة الملائكة، وقد بيّن القرآن عَمَل بعضهم مثل جبريل عليه السّلام وملَككِ الموت، وبيَّنت السنة بعضها: فذكرت ملك الجبال، وملك الرّياح، والملك الذي يباشر تكوين الجنين، ويكتُب رزقَه وأجلَه وعاقبتَه، وكذلك أشار القرآن إلى أن من الموجودات العلويّة موجوداً منوّها به سمّاه العرش ذكره القرآن في آيات كثيرة.
ولمّا ذكر خلق السّماوات والأرض وذكر العرش ذكره بما يشعر بأنّه موجود قبل هذا الخلق.
وبيّنت السنّة أنّ العرش أعظم من السماوات وما فيهن، من ذلك حديث عمران بن حصين أنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم قال: " كان الله ولم يكن شيء قبلَه وكان عرشه على الماء ثمّ خلق السّماوات والأرض " وحديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال في حديث طويل: " فإذا سألتم الله فاسألُوه الفِردوس فإنّه أوسط الجنّة، وأعلَى الجنّة وفوقَه عرش الرّحمان ومنه تفجَّر أنهار الجنّة " وقد قيل إنّ العرشِ هو الكرسي وأنّه المراد في قوله تعالى: ﴿ وسع كرسيه السماوات والأرض ﴾ كما تقدّم الكلام عليه في سورة البقرة (255).
وقد دلّت (ثُمّ) في قوله: ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ على التّراخي الرّتبي أي وأعظم من خلق السّماوات والأرض استواءه على العرش، تنبيهاً على أنّ خلق السّماوات والأرض لم يحدث تغييراً في تصرّفات الله بزيادة ولا نقصان، ولذلك ذكر الاستواء على العرش عقب ذكر خلق السّماوات والأرض في آيات كثيرة، ولعلّ المقصد من ذلك إبطال ما يقوله اليهود: إنّ الله استراح في اليوم السّابع فهو كالمقصد من قوله تعالى: ﴿ ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب ﴾ [ق: 38].
وجملة ﴿ يغشى الليل النهار ﴾ في موضع الحال من اسم الجلالة، ذكر به شيء من عموم تدبيره تعالى وتصرّفه المضمّن في الاستواء على العرش، وتنبيه على المقصود من الاستواء، ولذلك جاء به في صورة الحال لا في صورة الخبر، كما ذكر بوجه العموم في آية سورة يونس (3) وسورة الرّعد (2) بقوله: ﴿ يدبر الأمر ﴾ وخصّ هذا التّصرف بالذّكر لما يدلّ عليه من عظيم المقدرة، وما فيه من عبرة التّغيّر ودليللِ الحدوث، ولكونه متكرّراً حدوثه في مشاهدة النّاس كلّهم.
والإغشاء والتّغشية: جعل الشّيء غاشياً، والغَشْي والغشيان حقيقته التّغطيّة والغمّ.
فمعنى: ﴿ يغشى الليل النهار ﴾ أنّ الله يجعل أحدهما غاشياً الآخر.
والغشي مستعار للإخفاء، لأنّ النّهار يزيل أثر اللّيل واللّيل يزيل أثر النّهار، ومن بديع الإيجاز ورشاقة التّركيب: جعل الليل والنّهار مفعولين لفعل فاعل الإغشاء، فهما مفعولان كلاهما صالح لأن يكون فاعل الغشي، ولهذا استغنى بقوله: ﴿ يغشى الليل النهار ﴾ عن ذكر عكسه ولم يقل: والنّهار اللّيل، كما في آية ﴿ يكور الليل على النهار ﴾ [الزمر: 5] لكن الأصل في ترتيب المفاعيل في هذا الباب أن يكون الأوّلُ هو الفاعل في المعنى، ويجوز العكس إذا أمِن اللّبس، وبالأحرى إذا استوى الاحتمالان.
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم في رواية حفص ﴿ يُغْشِي ﴾ بضمّ الياء وسكون الغين وتخفيف الشّين.
وقرأه حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر، ويعقوب، وخلَف بضمّ الياء وفتح الغين وتشديد الشّين وهما بمعنى واحد في التّعدية.
وجملة: ﴿ يطلبه ﴾ إن جعلت استينافاً أو بدلَ اشتمال من جملة (يغشي) فأمرها واضح، واحتمل الضّمير المنصوب في (يطلبه) أن يعود إلى اللّيل وإلى النّهار، وإن جعلت حالا تعين أن تعتبر حالاً من أحد المفعولين على السَّواء فإنّ كلاً اللّيل والنّهار يعتبر طالباً ومطلوباً، تبعاً لاعتبار أحدهما مفعولاً أوّل أو ثانياً.
وشُبّه ظهور ظلام اللّيل في الأفق ممتداً من المشرق إلى المغرب عند الغروب واختفاء نور النّهار في الأفق ساقطاً من المشرق إلى المغرب حتّى يعمّ الظّلامُ الأفقَ بطلب اللّيل النّهارَ، على طريقة التّمثيل، وكذلك يفهم تشبيه امتداد ضوء الفجر في الأفق من المشرق إلى المغرب واختفاءُ ظلام اللّيل في الأفق ساقطاً في المغرب حتّى يعمّ الضياء الأفقَ: بطلب النّهار اللّيلَ على وجه التّمثيل، ولا مانع من اعتبار التّنازع للمفعولين في جملة الحال كما في قوله تعالى: ﴿ فأتت به قومها تحمله ﴾ [مريم: 27] وقوله: ﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ﴾ .
والحثيث: المسرع، وهو فعيل بمعنى مفعول، من حثَه إذا أعجله وكَرّر إعجاله ليبادر بالعجلة، وقريب من هذا قول سلامة من جَنْدَل يذكر انتهاء شبابه وابتداء عصر شيْبه: أوْدَى الشّبابُ الذي مَجْدٌ عواقِبه *** فيهِ نَلَذَّ ولا لَذّاتتِ للشّيب ولَّى حثيثاً وهذا الشّيبُ يَتَبَعُه *** لو كان يُدْرِكه ركْضُ اليَعاقيبِ فالمعنى يطلبه سريعاً مُجدّاً في السّرعة لأنّه لا يلبث أن يعفى أثره.
﴿ والشمس والقمر والنجوم ﴾ بالنّصب في قراءة الجمهور معطوفات على السّماوات والأرض، أي وخلق الشّمسَ والقمر والنّجوم، وهي من أعظم المخلوقات التي اشتملت عليها السّماوات.
و ﴿ مسخرات ﴾ حال من المذكورات.
وقرأ ابن عامر برفع ﴿ الشمس ﴾ وما عطف عليه ورفْععِ ﴿ مسخرات ﴾ ، فتكون الجملة حالا من ضمير اسم الجلاله كقوله: ﴿ يغشى الليل النهار ﴾ .
وتقدّم الكلام على اللّيل والنّهار عند قوله تعالى: ﴿ إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ﴾ في سورة البقرة (164) ويأتي في سورة الشّمس.
والتّسخير حقيقته تذلِيل ذي عمل شاققٍ أو شاغللٍ بقهر وتخويف أو بتعليم وسياسة بدون عوض، فمنه تسخير العبيد والأسرى، ومنه تسخير الأفراس والرّواحل، ومنه تسخير البقر للحلب، والغنم للجزّ.
ويستعمل مجازاً في تصريف الشّيء غير ذي الإرادة في عمل عجيب أو عظيم من شأنه أن يصعب استعماله فيه، بحيلة أو إلهام تصريفاً يصيّره من خصائصه وشؤونه، كتسخير الفُلك للمخر في البحر بالرّيح أو بالجذف، وتسخير السّحاب للأمطار، وتسخير النّهار للعمل، واللّيل للسّكون، وتسخير اللّيل للسّير في الصّيف، والشّمس للدّفء في الشّتاء، والظلّ للتبرد في الصّيف، وتسخير الشّجر للأكل من ثماره حيث خلق مجرّداً عن موانع تمنع من اجتنائه مثل الشّوك الشّديد، فالأسد غير مسخّر بهذا المعنى ولكنّه بحيث يسخر إذا شاء الإنسان الانتفاع بلحمه أو جلده بحيلة لصيده بزُبية أو نحوها، ولذلك قال الله تعالى: ﴿ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه ﴾ [الجاثية: 13] باعتبار هذا المجاز على تفاوت في قوّة العلاقة.
فقوله: ﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ﴾ أطلق التّسخير فيه مجازاً على جعلها خاضعة للنّظام الذي خلقها الله عليه بدون تغيير، مع أنّ شأن عظمها أن لا يستطيعَ غيره تعالى وضعها على نظام محدود منضبط.
ولفظ الأمر في قوله: ﴿ بأمره ﴾ مستعمل مجازاً في التّصريف بحسب القدرة الجارية على وفق الإرادة.
ومنه أمر التّكوين المعبّر عنه في القرآن بقوله: ﴿ إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ﴾ [يس: 82] لأن (كن) تقريب لنفاذ القدرة المسمّى بالتّعلّق التّسخيري عند تعلّق الإرادة التّنجيزي أيضاً فالأمر هنا من ذلك، وهو تصريف نظام الموجودات كلّها.
وجملة: ﴿ ألا له الخلق والأمر ﴾ مستأنفة استئناف التّذييل للكلام السّابق من قوله: ﴿ الذي خلق السموات والأرض ﴾ لإفادة تعميم الخَلْق.
والتّقدير: لما ذُكر آنفاً ولِغيره.
فالخلق: إيجاد الموجودات، والأمر تسخيرها للعمل الذي خلقت لأجله.
وافتتحت الجملة بحرف التّنبيه لتَعِي نفوسُ السّامعين هذا الكلام الجامع.
واللام الجارة لضمير الجلالة لام المِلك.
وتقديم المسند هنا لتخصيصه بالمسند إليه.
والتّعريف في الخلق والأمر تعريف الجنس، فتفيد الجملة قصر جنس الخلق وجنس الأمر على الكون في مِلك الله تعالى، فليس لغيره شيء من هدا الجنس، وهو قصر إضافي معناه: ليس لآلهتهم شيء من الخلق ولا من الأمر، وأمّا قصر الجنس في الواقع على الكون في مِلك الله تعالى فذلك يرجع فيه إلى القرائن، فالخلق مقصور حقيقة على الكون في ملكه تعالى، وأمّا الأمر فهو مقصور على الكون في ملك الله قصراً ادعائياً لأنّ لكثيرٍ من الموجودات تدبيرَ أمور كثيرة، ولكن لما كان المدبِّر مخلوقاً لله تعالى كان تدبيره راجعاً إلى تدبير الله كما قيل في قصر جنس الحمْد في قوله: ﴿ الحمد لله ﴾ [الفاتحة: 2].
وجملة ﴿ تبارك الله رب العالمين ﴾ تذييل معترضة بين جملة ﴿ إن ربكم الله ﴾ وجملة ﴿ ادعوا ربكم تضرعا وخفية ﴾ [الأعراف: 55] إذ قد تهيّأ المقام للتّذكير بفضل الله على النّاس، وبنافع تصرّفاته، عقب ما أجرى من إخبار عن عظيم قدرته وسعة علمه وإتقاننِ صنعه.
وفعل ﴿ تبارك ﴾ في صورة اشتقاقه يؤذن بإظهار الوصف على صاحبه المتّصف به مثل: تثاقل، أظهر الثّقل في العمل، وتعالل، أي أظهر العلّة، وتعاظم: أظهر العظمة، وقد يستعمل بمعنى ظهور الفعل على المتّصف به ظهوراً بيِّناً حتى كأنّ صاحبه يُظهره، ومنه: ﴿ تعالى الله ﴾ [النمل: 63] أي ظَهر علوّه، أي شرفه على الموجودات كلّها، ومنه ﴿ تبارك ﴾ أي ظَهرت بركته.
والبركة: شدّة الخير، وقد تقدّم الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً ﴾ في سورة آل عمران (96)، وقوله: ﴿ وهذا كتاب أنزلناه مبارك ﴾ في سورة الأنعام (92).
فبركة الله الموصوفُ بها هي مجده ونزاهته وقدسه، وذلك جامع صفات الكمال، ومن ذلك أنّ له الخلق والأمر.
وإتْباع اسم الجلالة بالوصف وهو رب العالمين في معنى البيان لاستحقاقه البركة والمجد، لأنّه مفيض خيرات الإيجاد والإمداد، ومدبّر أحوال الموجودات، بوصف كونه ربّ أنواع المخلوقات، ومضى الكلام على ﴿ العالمين ﴾ في سورة الفاتحة (2).
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ﴾ وفي تَرْكِ تَعْجِيلِ خَلْقِها في أقَلِّ الزَّمانِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ إنْشاءَها شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وحالًا بَعْدَ حالٍ أبْلَغُ في الحِكْمَةِ وأدَلُّ عَلى صِحَّةِ التَّدْبِيرِ لِيَتَوالى مَعَ الأوْقاتِ بِما يُنْشِئُهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ تَكْرارُ المَعْلُومِ بِأنَّهُ عالِمٌ قادِرٌ يُصَرِّفُ الأُمُورَ عَلى اخْتِيارِهِ ويُجْرِيها عَلى مَشِيئَتِهِ.
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ لِاعْتِبارِ المَلائِكَةِ، خَلَقَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.
والثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ تَرَتَّبَ عَلى الأيّامِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ والثُّلاثاءِ والأرْبِعاءِ والخَمِيسِ والجُمُعَةِ وهي سِتَّةُ أيّامٍ فَأخْرَجَ الخَلْقَ فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: لِيُعَلِّمَنا بِذَلِكَ، الحِسابَ كُلَّهُ مِن سِتَّةٍ ومِنهُ يَتَفَرَّعُ سائِرُ العَدَدِ قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
﴿ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ اسْتَوى أمْرُهُ عَلى العَرْشِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: اسْتَوْلى عَلى العَرْشِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ مِن غَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مُهْراقٍ وَفِي ﴿ العَرْشِ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ المُلْكُ كُنِّيَ عَنْهُ بِالعَرْشِ والسَّرِيرِ كَعادَةِ مُلُوكِ الأرْضِ في الجُلُوسِ عَلى الأسِرَّةِ، حَكاهُ ابْنُ بَحْرٍ.
والثّانِي: أنَّهُ السَّماواتُ كُلُّها لِأنَّها سَقْفٌ، وكُلُّ سَقْفٍ عِنْدَ العَرَبِ هو عَرْشٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ﴾ [الحَجَّ: ٤٥] أيْ عَلى سُقُوفِها.
والثّالِثُ: أنَّهُ مَوْضِعٌ في السَّماءِ في أعْلاها وأشْرَفِها، مَحْجُوبٌ عَنْ مَلائِكَةِ السَّماءِ.
﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ﴾ أيْ يُغْشِي ظُلْمَةَ اللَّيْلِ ضَوْءَ النَّهارِ.
﴿ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا ﴾ لِأنَّ سُرْعَةَ تَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ تَجْعَلُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما كالطّالِبِ لِصاحِبِهِ.
﴿ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مُذَلَّلاتٌ بِقُدْرَتِهِ.
والثّانِي: جارِياتٌ بِحُكْمِهِ.
﴿ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مالِكُ الخَلْقِ وتَدْبِيرِهِمْ.
والثّانِي: إلَيْهِ إعادَتُهم وعَلَيْهِ مُجازاتُهُمْ <div class="verse-tafsir"
أخرج أبو الشيخ عن سميط قال: دلنا ربنا تبارك وتعالى على نفسه في هذه الآية ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض...
﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الدعاء والخطيب في تاريخه عن الحسن بن علي قال: أنا ضامن لمن قرأ هذه العشرين آية أن يعصمه الله من كل سلطان ظالم، ومن كل شيطان مريد، ومن كل سبع ضار، ومن كل لص عاد: آية الكرسي، وثلاث آيات من الأعراف ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض ﴾ وعشراً من أول الصافات، وثلاث آيات من الرحمن ﴿ يا معشر الجن ﴾ [ الرحمن: 33] وخاتمة سورة الحشر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة قال: نزلت هذه الآية ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ﴾ [ آل عمران: 7] لقي ركب عظيم لا يرون أنهم من العرب، فقالوا لهم: من أنتم؟
قالوا: من الجنة، خرجنا من المدينة أخرجتنا هذه الآية.
وأخرج أبو الشيخ عن عبيد بن أبي مرزوق قال: من قرأ عند نومه ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض...
﴾ الآية.
بسط عليه ملك جناحه حتى يصبح، وعوفي من السرق.
وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن قيس صاحب عمر بن عبد العزيز قال: مرض رجل من أهل المدينة فجاءه زمرة من أصحابه يعوذونه، فقرأ رجل منهم ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض...
﴾ الآية كلها.
وقد أصمت الرجل، فتحرك ثم استوى جالساً، ثم سجد يومه وليلته حتى كان من الغد من الساعة التي سجد فيها قال له أهله: الحمد لله الذي عافاك.
قال: بعث إلى نفسي ملك يتوفاها، فلما قرأ صاحبكم الآية التي قرأ، سجد الملك وسجدت بسجوده فهذا حين رفع رأسه، ثم مال فقضى.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ خلق السماوات والأرض في ستة أيام ﴾ لكل يوم منها اسم: أبي جاد، هواز، حطى، كلمون، صعفص، قرشات.
وأخرج سمويه في فوائده عن زيد بن أرقم قال: إن الله عزَّ وجلَّ خلق السموات والأرض في ستة أيام، قال: كل يوم مقداره ألف سنة.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد قال: بدء الخلق العرش والماء والهواء، وخلقت الأرض من الماء، وكان بدء الخلق يوم الأحد ويوم الإِثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وجميع الخلق في يوم الجمعة، وتهودت اليهود يوم السبت، ويوم من الستة أيام كألف سنة مما تعدون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: إن الله بدأ خلق السموات والأرض وما بينهما يوم الأحد، ثم استوى على العرش يوم الجمعة في ثلاث ساعات، فخلق في ساعة منها الشموس كي يرغب الناس إلى ربهم في الدعاء والمسألة، وخلق في ساعة النتن الذي يقع على ابن آدم إذا مات لكي يقبر.
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن حيان الأعرج قال: كتب يزيد بن أبي سلم إلى جابر بن زيد يسأله عن بدء الخلق؟
قال: العرش والماء والقلم، والله أعلم أي ذلك بدأ قبل.
وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: بدأ الله بخلق السموات والأرض يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، وجعل كل يوم ألف سنة.
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: «يا أبا هريرة إن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش فخلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الاثنين، وآدم يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، والدواب يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة، في اخر ساعة من النهار» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ قال: يوم السابع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار قال: إن الله حين خلق الخلق استوى على العرش فسبَّحه العرش.
وأخرج ابن مردويه واللالكائي في السنة عن أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها في قوله: ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ قالت: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والاقرار به ايمان، والجحود به كفر.
وأخرج اللالكائي عن ابن عيينة قال: سئل ربيعة عن قوله: ﴿ استوى على العرش ﴾ كيف استوى؟
قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ وعلينا التصديق.
وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات من طريق عبد الله بن صالح بن مسلم قال: سئل ربيعة...
فذكره.
وأخرج اللالكائي عن جعفر بن عبد الله قال: جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال له: يا أبا عبد الله استوى على العرش كيف استوى؟
قال: فما رأيت مالكاً وجد من شيء كموجدته من مقالته وعلاه الرُّحَضاء يعني العرق وأطرق القوم قام: فسرى عن مالك فقال: الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والايمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن تكون ضالاً وأمر به فأخرج.
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن وهب قال: كنا عند مالك بن أنس، فدخل رجل فقال: يا أبا عبد الله ﴿ الرحمن على العرش استوى ﴾ كيف استواؤه؟
فاطرق مالك وأخذته الرحضاء، ثم رفع رأسه فقال: ﴿ الرحمن على العرش استوى ﴾ كما وصف نفسه، ولا يقال له كيف، وكيف عنه مرفوع، وأنت رجل سوء صاحب بدعة أخرجوه.
قال: فأخرج الرجل.
وأخرج البيهقي عن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت سفيان بن عيينه يقول: كلما وصف الله من نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه.
وأخرج البيهقي عن إسحاق بن موسى قال: سمعت ابن عيينه يقول: ما وصف الله به نفسه فتفسيره قراءته، ليس إلا لأحد أن يفسره إلا الله تعالى ورسله صلوات الله عليهم.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي عيسى قال: لما استوى على العرش خر ملك ساجداً، فهو ساجد إلى أن تقوم الساعة، فإذا كان يوم القيامة رفع رأسه فقال: سبحانك ما عبدتك حق عبادتك إلا اني لم أشرك بك شيئاً، ولم اتخذ من دونك ولياً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ قال: يغشي الليل النهار فيذهب بضوئه، ويطلبه سريعاً حتى يدركه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ حثيثاً ﴾ قال: سريعاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ يغشى الليل النهار ﴾ قال: يلبس الليل النهار.
أما قوله: ﴿ والشمس والقمر والنجوم ﴾ .
أخرج الطبراني في الأوسط وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الشمس والقمر والنجوم خلقن من نور العرش» .
أخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينه في قوله: ﴿ ألا له الخلق والأمر ﴾ قال: الخلق: ما دون العرش، والأمر: ما فوق ذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن سفيان بن عيينه قال: الخلق: هو الخلق، والأمر، هو الكلام.
وأخرج ابن جرير عن عبد العزيز الشامي عن أبيه وكانت له صحبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يحمد الله على ما عمل من عمل صالح وحمد نفسه فقد كفر وحبط ما عمل: ومن زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئاً فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه لقوله: ﴿ ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ﴾ » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ ادعوا ربكم تضرعاً وخفية ﴾ قال: السر.
﴿ إنه لا يحب المعتدين ﴾ في الدعاء ولا في غيره.
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال: التضرع: علانية، والخفية: سر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ادعوا ربكم تضرعاً ﴾ يعني مستكيناً ﴿ وخفية ﴾ يعني في خفض وسكون في حاجاتكم من أمر الدنيا والآخرة ﴿ إنه لا يحب المعتدين ﴾ يقول: لا تدعوا على المؤمن والمؤمنه بالشر: اللهمَّ اخزه والعنه ونحو ذلك، فإن ذلك عدوان.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي مجلز في قوله: ﴿ إنه لا يحب المعتدين ﴾ قال: لا تسألوا منازل الأنبياء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم: كان يرى أن الجهر بالدعاء الاعتداء.
وأخرج عبد بن حميد وأبو والشيخ عن قتادة ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض ﴾ إلى قوله: ﴿ تبارك الله رب العالمين ﴾ قال: لما أنبأكم الله بقدرته وعظمته وجلاله، بيَّن لكم كيف تدعونه على تفئه ذلك فقال: ﴿ ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين ﴾ قال: تعلموا إن في بعض الدعاء اعتداء فاجتنبوا العدوان والاعتداء إن استطعتم ولا قوة إلا بالله.
قال: وذكر لنا أن مجالد بن مسعود أخا بني سليم سمع قوماً يعجون في دعائهم، فمشى إليهم فقال: أيها القوم لقد أصبتم فضلاً على من كان قبلكم أو لقد هلكتم، فجعلوا يتسللون رجلاً رجلاً حتى تركوا بقعتهم التي كانوا فيها قال: وذكر لنا أن ابن عمر أتى على قوم يرفعون أيديهم فقال: ما يتناول هؤلاء القوم؟
فوالله لو كانوا على أطول جبل في الأرض ما ازدادوا من الله قرباً.
قال قتادة: وإن الله إنما يتقرب إليه بطاعته، فما كان من دعائكم الله فليكن في سكينة، ووقار، وحسن سمت، وزي وهدي، وحسن دعة.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود وابن ماجة وابن حبان والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن مغفل.
أنه سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها.
فقال: أي بني سل الله الجنة وتعوّذ به من النار، فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور» .
وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن سعد بن أبي وقَّاص.
أنه سمع ابناً له يدعو ويقول: اللهمَّ إني أسألك الجنة ونعيمها واستبرقها ونحو هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، فقال: لقد سألت الله خيراً وتعوّذت به من شر كثير، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء» وقرأ هذه الآية ﴿ ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين ﴾ وأن بحسبك أن تقول: اللهم إني أسلك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل.
وأخرج أبو الشيخ عن الربيع في الآية قال: إياك أن تسأل ربك أمراً قد نهيت عنه أو ما ينبغي لك.
وأخرج ابن المبارك وابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن قال: لقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله يقول ﴿ ادعوا ربكم تضرعاً وخفية ﴾ وذلك أن الله ذكر عبداً صالحاً فرضي له قوله، فقال: ﴿ إذ نادى ربه نداء خفياً ﴾ [ مريم: 2] .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج في الآية قال: إن من الدعاء اعتداء، يكره رفع الصوت والنداء والصياح بالدعاء، ويؤمر بالتضرع والاستكانة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ الآية.
قال الليث: (السِّتُّ والسِّتة في التأسيس على غير لفظيهما، وهما في الأصل سِدْس وسِدْسَة، ولكنهم أرادوا إدغام الدال في السين فالتقتا عند مخرج التاء فغلبت (١) (٢) (٣) (٤) ابن السكيت: (يقال: جاء فلان سادسًا، وساديًا، وساتًّا؛ فسادس على لفظ السُّدس، وساتّ على لفظ ستَّة أدغموا الدال في السين فصارت تاء مشددة، ومن قال ساديًا أبدل من السين ياء) (٥) قال أهل التفسير: (قوله ﴿ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ ، أراد: في مقدار ستة أيام؛ لأن اليوم من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، فكيف [يكون] (٦) ﴿ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ﴾ على مقادير البكرة والعشي في الدنيا؛ إذ لا ليل ثم ولا نهار (٧) ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ ، ولو خلقهن في طرفة عين كان أدل على نفاذ قدرته، والله تعالى يقول: ﴿ وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ﴾ ، والجواب: ما قال سعيد بن جبير: (قدر الله على خلق السموات والأرض في لمحة ولحظة، وإنما خلقهن في ستة أيام تعليمًا لخلقه الرفق والتثبت في الأمور) (٨) وقال أهل المعاني: (إن تدبير الحوادث على إنشاء شيء بعد شيء على ترتيب، أدل على عالم مدبر يصرفه على اختياره ويجريه على مشيئته) وقيل: (أراد بذلك زيادة البصيرة للملائكة في يقينهم (٩) (١٠) وقال أبو بكر بن الأنباري: (إن الله (١١) ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ﴾ الآية [البقرة: 22]، وفي قوله: ﴿ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾ ، فلما كان خلق هذه الأشياء تكرمة لآدم وولده، وكانت الأيام سبعة أوقع في كل يوم منها ضربًا من التكرمة نبه به الملائكة على عظم شأن آدم وولده عنده، وكان خلق السموات والأرض في ستة أيام عن غير عجز من الله عز وجل أن يكون في لمحة، ولكنه تعالى أراد أن يوقع في كل يوم منها أمرًا من خلقه تستعظمه الملائكة وجميع المشاهدين له) (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ أي: أقبل على خلقه، وقصد إلى ذلك بعد خلق السموات والأرض، وهذا قول الفراء (١٤) (١٥) (١٦) وقال آخرون: ﴿ اسْتَوَى ﴾ معناه استولى (١٧) (١٨) ثم اسْتَوَى بِشْرُ على العِرَاقِ ...
من غير سيفٍ ودمٍ مُهْرَاقِ (١٩) (٢٠) وقال الأخفش: ( ﴿ اسْتَوَى ﴾ أي: علا، يقال: استويت على ظهر البيت أي: علوته) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) و ﴿ الْعَرْشِ ﴾ في كلام العرب (٢٥) ﴿ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) ﴾ ، والعرش في اللغة: قد يكون عبارة عن الملك، يقال: (٢٦) تَدَاركتُما الأَحلافَ قد ثُلَّ عَرْشُهَا (٢٧) غير أنه لا يسوغ أن يكون المراد بالعرش في هذه الآية الملك؛ لأنه يوجب أن الله لم يكن مستويًا على ملكه قبل خلق السموات (٢٨) وقوله تعالى: ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ﴾ وقرئ ﴿ يُغْشِي ﴾ (٢٩) (٣٠) والتغشية: إلباس الشيء (٣١) (٣٢) (٣٣) ﴿ فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى ﴾ ، ومما (٣٤) ﴿ فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾ (٣٥) قال أبو إسحاق: (والمعنى: أن الليل يأتي على النهار ويغطيه ولم يقل: يغشي (٣٦) ﴿ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ﴾ (٣٧) قال أبو علي: (وهذا (٣٨) ﴿ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ ﴾ ، ولم يذكر تقيكم البرد للعلم بذلك من الفحوى، ومثل هذا لا يضيق، وكل واحد من الليل والنهار منتصب بأنه مفعول به، والفعل قبل النقل غشي الليلُ النهارَ (٣٩) (٤٠) وقوله تعالى: ﴿ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا ﴾ ، قال الليث: (الحث: الإعجال والاتصال (٤١) (٤٢) قال الأعشي: تَدَلَّى حثيثًا كَأَنَّ الصِّوَارَ ...
أَتْبَعَهُ أَزْرِقيٌّ لَحِمْ (٤٣) (٤٤) قال ابن عباس: (يريد (٤٥) (٤٦) و (٤٧) (٤٨) وقال غيره: (معنى: ﴿ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا ﴾ هو أن يستمر الليل في طلب النهار على منهاج من غير فتور يوجب الاضطراب، كما يكون في السوق الحثيث) (٤٩) (٥٠) وقوله تعالى: ﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ﴾ ، معنى التسخير: التذليل (٥١) (٥٢) (٥٣) وقرأ (٥٤) (٥٥) ﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ ﴾ رفعًا كلها، والنصب (٥٦) ﴿ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ ﴾ فكما أخبر في هذه الآية أنه خلق الشمس والقمر، كذلك يُحمل على ﴿ خَلَقَ ﴾ (٥٧) ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ ﴾ ، وحجة ابن عامر قوله: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا في اَلسَّمَاوَاتِ وَمَا في اَلأَرْضِ ﴾ ، ومما في السماء الشمس والقمر، فإذا أخبر بتسخيرها حسن الإخبار عنها به، كما أنك إذا قلت: ضربت زيدًا استقام أن تقول: زيد مضروب (٥٨) وقوله تعالى: ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾ ، قال أصحاب المعاني: ( ﴿ لَهُ الْخَلْقُ ﴾ لأنه خلقهم، وله أن يأمر فيهم بما أحب (٥٩) (٦٠) ﴿ الْأَمْرُ ﴾ هاهنا الذي هو نقيض النهي (٦١) (٦٢) ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾ (يريد: لم يبق شيء، من وجد بعد ذلك شيئًا فليأخذه) (٦٣) (٦٤) (٦٥) وقوله تعالى: ﴿ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ ، قال الليث: (تفسير ﴿ تَبَارَكَ اللَّهُ ﴾ تمجيد وتعظيم) (٦٦) وقال أبو العباس: ( ﴿ تَبَارَكَ اللَّهُ ﴾ ارتفع، والمتبارك المرتفع) (٦٧) وقال ابن الأنباري: ( ﴿ تَبَارَكَ اللَّهُ ﴾ باسمه يتبرك في كل شيء) (٦٨) وقال الزجاج: ( ﴿ تَبَارَكَ ﴾ تفاعل من البركة، كذلك يقول أهل اللغة) (٦٩) وكذلك روي عن ابن عباس: (ومعنى: البركة الكثرة في كل خير، وقال في موضع آخر: ( ﴿ تَبَارَكَ ﴾ تعالى وتعاظم) (٧٠) وقال أصحاب المعاني: ( ﴿ تَبَارَكَ اللَّهُ ﴾ أي: ثبت ما به استحق التعظيم فيما لم يزل ولا يزال) (٧١) ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ ﴾ .
(١) في (ب): (فقلبت)، وهو تصحيف.
(٢) لفظ: (تصغر) ساقط من (أ).
(٣) في (ب): (تصريفها) وعند الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1623: (تصغيرها).
(٤) "تهذيب اللغة" 2/ 1623، وانظر: "العين" 7/ 186 (ست).
(٥) "إصلاح المنطق" ص 301، و"تهذيب اللغة" 2/ 1623.
وانظر: "الصحاح" 1/ 251 (ستت)، و"المفردات" ص 403 (سدس)، و"اللسان" 4/ 1935 (ستت).
(٦) لفظ: (يكون) ساقط من (ب).
(٧) قال ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 211: (أي في مقدار ذلك ولم تكن الشمس حينئذ، قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وكعب: مقدار كل يوم من تلك الأيام ألف سنة.
ولا نعلم خلافًا في ذلك) اهـ.
بتصرف.
وانظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 545، والبغوي 3/ 235، وابن عطية 5/ 525، والرازي 14/ 118، والقرطبي 7/ 219.
(٨) ذكره الثعلبي في "الكشف" 191 أ، والبغوي 3/ 235، و"الخازن" 2/ 237.
(٩) في (ب): (في نفسهم).
(١٠) ذكر هذه الأوجه الماوردي 2/ 230، وابن الجوزي 3/ 212، والرازي 14/ 118 و"الخازن" 2/ 237، وقال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 617: (لأنه علم أن ذلك أصلح ليظهر قدرته للملائكة شيئاً بعد شيء) اهـ.
(١١) في (ب): (الله تعالى).
(١٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 191، وابن الجوزي 3/ 212 مختصرًا.
(١٣) أخرجه الطبري 8/ 205، والبيهقي في "الأسماء والصفات" 2/ 243 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 169.
(١٤) "معاني الفراء" 1/ 25 وفيه حكى أوجه منها: (أن يستوي الرجل وينتهي شبابه أو يستوي عن اعوجاج، وبمعنى أقبل، وبمعنى صعد، وكل في كلام العرب جائز).
(١٥) "تهذيب اللغة" 2/ 1794، وفي "مجالس ثعلب" 1/ 174 و269 قال: (يقال فيه ضروب، الفراء وأصحابنا يقولون أقبل.
ويقال: استوى عليه من الاستواء، والمعتزلة يقولون: استولى) اهـ.
(١٦) "معاني الزجاج" 1/ 107 قال: (فيه قولان: عمد وقصد إلى السماء، كما تقول: قد فرغ الأمير من بلد كذا وكذا ثم استوى إلى بلد كذا، معناه قصد الاستواء إليه، وقد قيل أيضاً: استوى أي صعد أمره إلى السماء).
(١٧) هذا قول أهل التأويل من المعتزلة والجهمية والحرورية وغيرهم، وقد اتفق أهل العلم على إبطاله وأجمعوا على أن المراد بالاستواء على العرش، إنما هو الاستعلاء والارتفاع عليه، فهو سبحانه مستو على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته ولا يلزم لهذا أي لازم باطل مما يلزم لاستواء المخلوقين.
انظر: "الإبانة" ص 36، و"الأسماء والصفات" 2/ 306 - 308، و"الفتاوى" 5/ 143 - 149، و"مختصر العلو" للألباني ص 26.
(١٨) البعيث: هو خداش بن بشير بن خالد المجاشعي، أبو مالك البصري المعروف بالبَعِيث، شاعر أموي مجيد وخطيب بني تميم، كانت بينه وبين جرير مهاجاة دامت نحو 40 سنة، توفي سنة 134.
انظر: "طبقات فحول الشعراء" 2/ 386، و"الشعر والشعراء" ص 329، و"معجم الأدباء" 3/ 289، و"الأعلام" 2/ 302.
(١٩) الشاهد بدون نسبة فى "الصحاح" 6/ 2385 (سوا)، و"تفسير الماوردي" 2/ 229، و"الأسماء والصفات" للبيهقي 2/ 309، و"زاد المسير" 3/ 213، والقرطبي 7/ 220، و "رصف المباني" ص 434، و"اللسان" 4/ 2163 (سوا)، و"الخازن" == 2/ 339، و"الدر المصون" 1/ 243، ونسب في "تاج العروس" 19/ 551 (سوا)، إلى الأخطل، وفي هذه المراجع (قد استوى)، وقال شيخ الإسلام في "الفتاوى" 5/ 146: (لم يثبت نقل صحيح أنه شعر عربي، وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه، وقالوا: إنه بيت مصنوع لا يعرف في اللغة) اهـ.
ونسبه ابن كثير في "البداية والنهاية" 9/ 7 إلى الأخطل، وقال: (الأخطل نصراني، والاستدلال به باطل من وجوه كثيرة) اهـ.
وهو ليس في ديوان الأخطل والواحدي نسبه هنا وفي "الوسيط" 1/ 192 (إلى البعيث) وانظر: "مختصر الصواعق المرسلة" 3/ 890، 898.
(٢٠) بشر بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي: أمير كان سمحًا جوادًا، ولى إمرة العراق لأخيه عبد الملك، وتوفي سنة 75 هـ، وله نيف وأربعون سنة.
انظر: "سر أعلام النبلاء" 4/ 145، و"البداية والنهاية" 9/ 7، و"تهذيب تاريخ ابن عساكر" 3/ 251، و"الأعلام" 2/ 55.
(٢١) "تهذيب اللغة" 2/ 1794، وانظر: "معاني الأخفش" 1/ 55 - 56.
(٢٢) "تفسير الطبري" 1/ 192، واختار أن معنى قوله: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ﴾ : (علا عليهن وارتفع فدبرهن بقدرته وخلقهن سبع سموات) اهـ.
(٢٣) الطبري -رحمه الله تعالى- رجح في معنى الاستواء ما قال به السلف، ثم أخذ يناقش المؤولين، ومن باب إلزام الحجة لهم، قال: (قل علا عليها علو ملك وسلطان) اهـ، وهذه العبارة ليست من نهج السلف في الإثبات، والله اعلم.
(٢٤) انظر: "البسيط" البقرة: 29.
(٢٥) العرش: سرير الملك وسقف البيت، انظر: "العين" 1/ 249، و"الجمهرة" 2/ 728، و"تهذيب اللغة" 3/ 2391، و"الصحاح" 3/ 1009، و"المجمل" 3/ 658، و "مقاييس اللغة" 4/ 264، و"المفردات" ص 558، و"اللسان" 5/ 2880 (عرش).
(٢٦) هذا مثل يضرب لمن ذهب عزه وزال قوام أمره وساءت حاله.
انظر: "جمهرة الأمثال" 1/ 290، و"المستقصى" للزمخشري 2/ 43، و"مجمع الأمثال" 1/ 271.
(٢٧) "ديوان زهير" ص 105، و"العين" 1/ 249، و"المنجد" لكراع ص 105، و"تهذيب اللغة" 3/ 2392، و"الصحاح" 3/ 1010، و"مقاييس اللغة" 4/ 265، و"اللسان" 5/ 2881 (عرش)، وتمامه: وَذُبْيَانَ قد زَلَّتْ بِأَقْدامِهَا النَّعْلُ قال ثعلب في "شرحه": (الأحلاف عبس وفزارة وثل عرشها هذا مثل أي: أصابها ما كسرها وهدمها) اهـ.
(٢٨) هذا هو الصحيح والآيات والأحاديث والآثار تدفع أن يكون المراد بالعرش الملك، وأهل السنة والجماعة يثبتون العرش واستواء الله تعالى عليه كيف يشاء، قال شيخ الإِسلام في "الفتاوى" 6/ 584 - 585: (العرش موجود بالكتاب والسنة وإجماع الأمة والآيات والأحاديث فيه صريحة متواترة وهو غير الكرسي والكرسي ثابت بالكتاب والسنة وإجماع جمهور السلف) اهـ.
ملخصًا.
وانظر: "الأسماء والصفات" ص 272، و "شرح العقيدة الطحاوية" لابن أبي العز ص 256، 257.
(٢٩) قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: ﴿ يُغْشِي ﴾ بفتح الغين، وتشديد الشين، وقرأ الباقون بإسكان الغين وتخفيف الشين.
انظر: "السبعة" ص 282، و"المبسوط" ص 180 - 181، و"التذكرة" 2/ 419، و"التيسير" ص 110، و"النشر" 2/ 269.
(٣٠) الغِشَاء: الغطاء والإغشاء، والتغشية: تغطية شيء بشيء.
انظر: "العين" 4/ 429، و"المنجد" لكراع ص 274، و"تهذيب اللغة" 3/ 2668، و"الصحاح" 6/ 2446، و"مقاييس اللغة" 4/ 425، و"المجمل" 3/ 696، و"المفردات" ص 607، و"اللسان" 6/ 3261 (غشى).
(٣١) في (ب): (إلباس الشيء بالشيء).
(٣٢) في (ب): (فما جاء).
(٣٣) في "الحجة" لأبي علي 4/ 27 - 28: (غشى فعل متعدٍّ إلى مفعول واحد فإذا نقلت الفعل المتعدي إلى المفعول الواحد بالهمزة أو بتضعيف العين تعدى إلى مفعولين، وقد جاء التنزيل بالأمرين جميعًا) ثم ذكر نحو ما ذكره الواحدي.
(٣٤) في (ب): (وما جاء).
(٣٥) في (أ): (وهو لا ينصرون)، وهو تصحيف.
(٣٦) في (ب): (ويغشى).
(٣٧) "معاني الزجاج" 2/ 342، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 3/ 42.
(٣٨) في (ب): (فهذا).
(٣٩) في (ب): (بالنهار).
(٤٠) "الحجة" لأبي علي 4/ 28، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 408، و"إعراب القراءات" 1/ 185، و"الحجة" لابن خالويه ص 156، ولابن زنجلة ص 284، و"الكشف" لمكي 1/ 464، ونقل قول الواحدي، والرازي في "تفسيره" 14/ 117.
(٤١) في (ب): (والإيصال)، وعند الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 739، عن الليث: (الإعجال في الاتصال).
(٤٢) "تهذيب اللغة" 1/ 739، وانظر: "الجمهرة" 1/ 81، و"الصحاح" 1/ 278، و"المجمل" 1/ 221، و"مقاييس اللغة" 2/ 29، و"المفردات" ص 218، و"اللسان" 2/ 773 (حثث).
(٤٣) "ديوانه" ص 199، وهو في "تهذيب اللغة" 1/ 740، و"اللسان" 2/ 774 (حثث)، و"الدر المصون" 5/ 342، وجاء في حاشية "الديوان" (الصوار: القطيع من بقر الوحش، وحثيثًا: سريعًا والأزرقي اللحم: الصقر، والمعنى يشبه هذا الفرس بسرعة الصقر الشره إلى أكل اللحم) اهـ.
(٤٤) في (ب): (شبه الفرس لسرعته بالبازي).
والبازي واحد البُزاة التي تَصِيد، ضَرْب من الصُّقور.
انظر: "اللسان" 1/ 278 (بزا).
(٤٥) لفظ: (يريد) ساقط من (ب).
(٤٦) ينظر: "تنوير المقباس" 2/ 100، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 193، وأخرج الطبري 8/ 206 بسند جيد عن ابن عباس قال: (يطلبه سريعًا) اهـ.
(٤٧) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).
(٤٨) لم أقف عليه.
(٤٩) انظر: "تفسير الطبري" 8/ 206، والسمرقندي 1/ 546، والماوردي 2/ 230، والرازي 14/ 117.
(٥٠) لفظ: (له) ساقط من (ب).
(٥١) انظر: "الصحاح" 2/ 679، و"المفردات" ص 402، و"اللسان" 4/ 1963 (سخر).
(٥٢) "معاني الزجاج" 2/ 342.
(٥٣) انظر: الطبري 8/ 206، والسمرقندي 1/ 546، والماوردي 2/ 230، والبغوي 3/ 236، وابن الجوزى 3/ 214، و"الخازن" 2/ 240.
(٥٤) في أصل (أ): (وقول) ثم صحح إلى (قرأ).
(٥٥) قرأ ابن عامر: ( ﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ ﴾ بالرفع في الأربع، وقرأ الباقون بالنصب غير أن التاء مكسورة من ﴿ مُسَخَّرَاتٍ ﴾ لأنها تاء جمع المؤنث السالم.
انظر: "السبعة" ص 282 - 283، و"المبسوط" ص 181، و"التذكرة" 2/ 419، و"التيسير" ص 110، و"النشر" 2/ 169.
(٥٦) وكذا قال مكي في "الكشف" 1/ 465، ونقل قول الواحدي الرازي في "تفسيره" 14/ 118.
(٥٧) انظر: "معاني الأخفش" 2/ 300، و"إعراب النحاس" 1/ 617.
(٥٨) هذا نص كلام أبي علي في "الحجة" 4/ 29 غير أنه لم يختر قراءة النصب.
وانظر: "معاني القراءات" 1/ 408، و"إعراب القراءات" 1/ 185 - 186، و"الحجة" لابن خالويه ص 156 - 157، ولابن زنجلة ص 284.
(٥٩) في (ب): (بما حب).
(٦٠) لفظ: (المعنى) ساقط من (ب).
(٦١) انظر: "تفسير الطبري" 8/ 206، والسمرقندي 1/ 546، والماوردي 2/ 230، والبغوي 3/ 236.
(٦٢) "تفسير سفيان بن عيينة" ص 249، وأخرجه الثعلبي في "الكشف" ص 191/ أ، والبيهقي في "الأسماء والصفات" 1/ 556، وزاد السيوطي في "الدر" 3/ 171 نسبته إلى ابن أبي حاتم، وذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 546، والبغوي 3/ 236، والقرطبي 7/ 221، و"الخازن" 2/ 240، وفي "أصول السنة" لأبي بكر الحميدي في مجلة الحكمة 1/ 286 قال سفيان بن عيينة: (القرآن كلام الله، ومن قال مخلوق فهو مبتدع لم نسمع أحدًا يقول هذا) اهـ.
وقال النحاس في "معانيه" 3/ 42 - 43 في تفسير الآية: (فرق بين الشيء المخلوق وبين الأمر وهو كلام، فدل أن كلامه غير مخلوق، وهو قول "كن") اهـ.
وقال القرطبي في "تفسيره" 7/ 222: (وفي تفريقه بين الخلق والأمر دليل بيّن على فساد قول من قال يخلق القرآن؛ إذ لو كان كلامه الذي هو أمر مخلوقًا لكان قد قال: ألا له الخلق والخلق وذلك عِيٌّ من الكلام ومستهجن ومستغث والله يتعالى عن التكلم بما لا فائدة فيه) اهـ.
وهذا هو الحق وأهل السنة والجماعة من السلف والخلف متفقون على أن القرآن كلام الله غير مخلوق.
انظر: "الإبانة" ص 21، و"الفتاوى" 12/ 37، و"شرح الطحاوية" لابن أبي العز ص 137.
(٦٣) لم أقف عليه.
(٦٤) في (أ): (أن جميع الخلق ما في العالم).
ثم ضرب على لفظ (الخلق) وهو الأولى.
(٦٥) ذكره الخازن 2/ 240.
(٦٦) "تهذيب اللغة" 1/ 319، وانظر: "العين" 5/ 368، و"الجمهرة" 1/ 325، و"الصحاح" 4/ 1575، و"المجمل" 1/ 121، و"مقاييس اللغة" 1/ 230، و"المفردات" ص 119، و"اللسان" 1/ 226 (برك).
(٦٧) "تهذيب اللغة" 1/ 319.
(٦٨) "تهذيب اللغة" 1/ 319، وفي "الزاهر" 1/ 53، قال ابن الأنباري: (فيه قولان: قال قوم: معنى تبارك: تقدس أي: تطهير، والقدس عند العرب: الطهر، وقال قوم: معنى تبارك اسمك: تفاعل من البركة أي: البركة تُكسب وتنال بذكر اسمك) اهـ.
(٦٩) "تهذيب اللغة" 1/ 319، ولم أقف عليه في "معانيه".
(٧٠) "تهذيب اللغة" 1/ 319، و"تفسير السمرقندي" 1/ 546، والبغوي 3/ 236، وابن الجوزي 3/ 214، و"الخازن" 2/ 240، و"تنوير المقباس" 2/ 100.
(٧١) ذكره البغوي 3/ 236، و"الخازن" 2/ 240 عن المحققين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ استوى عَلَى العرش ﴾ حيث وقع حمله قوم على ظاهره منهم ابن أبي زيد وغيره، وتأوّله قولم بمعنى: قصد كقوله: ثنم استوى إلى السماء، ولو كان ذلك لقال: ثم استوى إلى العرش، وتأوّلها الأشعرية أنّ معنى استوى استولى بالملك والقدرة، والحق: الإيمان به من غير تكييف، فإنّ السلامة في التسليم، ولله در مالك بن أنس في قوله للذي سأله عن ذلك: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والسؤال عن هذا بدعة، وقد روي مثل قول مالك عن أبي حنيفة، وجعفر الصادق، والحسن: البصري، ولم يتكلم الصحابة ولا التابعون في معنى الاستواء، بل أمسكوا عنه ولذلك قال مالك السؤال عن هذا بدعة ﴿ يُغْشِي اليل النهار ﴾ أي يلحق الليل بالنهار، ويحتمل الوجهين، هكذا قال الزمخشري، وأصل اللفظة من الغشاء، أي يجعل أحدهم غشاء للآخر يغطيه فتغطي ظلمة الليل ضوء النهار ﴿ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ﴾ أي سريعاً، والجملة في موضع الحال من الليل أي طلب الليل النهار فيدركه ﴿ أَلاَ لَهُ الخلق والأمر ﴾ قيل: الخلق المخلوقات، والأمر مصدر أمر يأمر، وقيل: الخلق مصدر خلق، والأمر واحد الأمور: كقوله: إلى الله تصير الأمور، والكل صحيح ﴿ تَبَارَكَ ﴾ من البركة، وهو فعل غير منصرف لم تنطق له العرب بمضارع ﴿ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ﴾ مصدر في موضع الحال وكذلك خوفاً وطمعاً، وخفية من الإخفاء، وقرئ خيفة من الخوف ﴿ المعتدين ﴾ المجاوزين للحد، وقيل هنا هو رفع الصوت بالدعاء والتشطط فيه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يغشي ﴾ بالتشديد حيث كان: حمزة وعلي وخلف وأبو بكر وحماد وسهل ويعقوب غير روح.
﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخرات ﴾ كلها بالرفع: ابن عامر.
الآخرون بالنصب.
﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلى خلف ﴿ نشرا ﴾ بالنون وسكون الشين: ابن عامر.
وبفتح النون وسكون الشين: حمزة وعلي وخلف وأبو زيد عن المفضل.
وبضم الباء الموحدة والشين الساكنة: عاصم غير أبي زيد الباقون بضم النون والشين.
﴿ ميت ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف وحفص والمفضل ﴿ نكداً ﴾ بفتح الكاف: يزيد.
الآخرون بكسرها.
الوقوف: ﴿ حثيثاً ﴾ ط لمن قرأ ﴿ والشمس ﴾ وما بعده مرفوعات ﴿ بأمره ﴾ ط ﴿ والأمر ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ وخفية ﴾ ط ﴿ المعتدين ﴾ ه للعطف مع الآية.
﴿ وطمعاً ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ الثمرات ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ بإذن ربه ﴾ ج للابتداء مع العطف ﴿ نكداً ﴾ ط ﴿ يشكرون ﴾ ه.
التفسير: لما بالغ في تقرير أمر المعاد عاد على عادته إلى بيان المبدإ وهو ذكر الدلائل الدالة على التوحيد وكمال القدرة والعلم تأكيداً للمعاد.
والمعنى إن الذي يربيكم ويصلح شأنكم ويوصل إليكم الخيرات ويدفع عنكم المكاره هو الذي بلغ كمال قدرته وعلمه وحكمته ورحمته إلى حيث خلق هذه الأجسام الجسام وأودع فيها أنواع المنافع وأصناف الفوائد، فكيف يليق أن يرجع إلى غيره في طلب الخيرات ويعوّل على غيره في تحصيل السعادات؟
قال علماء الأدب: أصل ست سدس بدليل سديس وأسداس.
ثم إن العرب كانوا يخاطبون اليهود فالظاهر أنهم سمعوا بعض أوصاف الخالق منهم فكأنه يقول: لا تشتغلوا بعبادة الأوثان والأصنام فإن ربكم هو الذي سمعتم من عقلاء الناس أنه هو الذي خلق السموات والأرض على غاية عظمتها ونهاية جلالتهما في ستة أيام.
قيل: إنه كان قادراً على إيجادهما دفعة واحدة فما الفائدة في ذكر أنه خلقهما في ستة أيام في أثناء ذكر ما يدل على وجود الصانع؟
وأجيب بأنه أراد أن يعلم عباده الرفق والتأني في الأمور والصبر فيها كيلا يحمل المكلف تأخير الثواب والعقاب على التعطيل.
ومن العلماء من قال: إن الشيء إذا أحدث دفعة واحدة ثم انقطع الإحداث فلعله يخطر ببال بعضهم أن ذلك إنما وقع على سبيل الاتفاق، أما إذا أحدثت الأشياء على التعاقب والتواصل مع كونها مطابقة للحكمة والمصلحة كان ذلك أقوى في الدلالة على كونها واقعة بإحداث محدث حكيم عليم قادر رحيم.
وأيضاً ثبت بالدليل أنه يخلق العاقل أوّلاً ثم يخلق السموات والأرض بعده لأن خلق ما لا ينتفع به في الحال يجر إلى العبث.
ثم إن ذلك العاقل - ملكاً كان أو جنياً - إذا شاهد في كل ساعة وحين حدوث شيء آخر على سبيل التعاقب والتوالي كان ذلك أقوى في إفادة اليقين لأنه يتكرر على عقله ظهور هذه الدلائل لحظة فلحظة.
وأما تقدير المدة بستة أيام فلا يرد عليه إشكال لأن السؤال يعود على أي مقدار فرض، وقيل: إن لعدد السبعة شرفاً عظيماً ولهذا خصت ليلة القدر بالسابع والعشرين.
فالأيام الستة لتخليق العالم والسابع لتحصيل كمال الملك والملكوت.
فإن قيل: كيف يعقل حصول الأيام قبل خلق الشمس التي نيط تقدير الأزمنة بطلوعها وغروبها؟
فالجواب أن المراد خلق السموات والأرض في مقدار ستة أيام كقوله: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ والمراد مقدار البكرة والعشي في الدنيا لأنه لا صباح عند الله ولا مساء.
وعن ابن عباس أن هذه الأيام أيام الآخرة كل يوم ألف سنة مما تعدون.
والأكثرون على أنها أيام الدنيا لأن التعريف بها يقع.
والظاهر أنها الأيام بلياليها لا النهار.
ونقول: يمكن أن تحمل الأيام الستة على الأطوار الستة التي للأجسام الهيولي والصورة والجسم البسيط ثم المركب المعدني والنباتي والحيواني والله أعلم بمراده.
أما قوله : ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ فحمل بعضهم الاستواء على الاستقرار وزيف بوجوه عقلية ونقلية منها: أن استقراره على العرش يستلزم تناهيه من الجانب الذي يلي العرش، وكل ما هو متناهٍ فاختصاصه بذلك الحد المعين يستند لا محالة إلى محدث مخصص فلا يكون واجباً.
ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون الإله نوراً غير متناهٍ ويراد باستقراره على العرش بلا تناهيه إحاطته به من الجوانب ونفوذه في الكل لا كإحاطة الفلك الحاوي بالمحوى.
ولا كنفوذ النور المحسوس في الشرف، بل على نحو آخر تعوزه العبارة.
ومنها أنه لو كان في مكان وجهة لكان إما أن يكون غير متناهٍ من كل الجهات أو متناهياً من بعضها دون بعض.
وعلى الأول يلزم اختلاطه بجميع الأجسام حتى للقاذورات ومع ذلك فالشيء الذي هو محل السموات، إما أن يكون عين الشيء الذي هو محل الأرض أو غيره، وعلى الأول يلزم أن يكون السماء والأرض حالين في محل واحد فهما شيء واحد لا شيئان.
وعلى الثاني يلزم التركيب والتجزئة في ذاته .
وأما إن كان متناهياً من الجهات فلو حصل في جميع الأحياز فهو محال بالبديهة، وإن حصل في حيز واحد فلو كان جوهراً فرداً لزم أن يكون واجب الوجود أحقر الأشياء وإلا لزم التبعيض لأن جهة الفوق منه تكون مغايرة لمقابلتها.
وكذا الكلام فيه إن كان متناهياً من بعض الجهات، ولو جاز أن يكون الشيء المحدود من جانب أو جوانب قديماً أزلياً فاعلاً للعالم فلم لا يجوز أن يقال فاعل العالم هو الشمس والقمر أو كوكب آخر؟
وأيضاً يصح على الشق المتناهي أن يكون غير متناهٍ وعلى غير المتناهي أن يكون متناهياً، لأن الأشياء المتساوية في تمام الماهية كل ما صح على واحد منها صح على الباقي فيصح النمو والذبول والزيادة والنقصان والتفريق والتمزق على ذاته فيكون ممكناً محدثاً لا واجباً قديماً.
ولقائل أن يقول: إنه غير متناهٍ ولا يلزم من ذلك أن يكون محلاً للعالم ولا حالاً فيه، واستصحاب الشيء للمحل غير كونه نفس المحل أو مفتقراً إلى المحل.
وحديث اختلاطه بالقاذورات تخييل لا أصل له عند الرجل البرهاني.
ومنها أنه لو كان الباري يتعالى حاصلاً في المكان والجهة لكان الأمر المسمى بالجهة إما أن يكون موجوداً مشاراً إليه أو لا يكون.
فإن كان موجوداً كان له بعد وامتداد وللحاصل فيه أيضاً بعد وامتداد فيلزم تداخل البعدين ومع ذلك يلزم كون الجهة والحيز أزليين ضرورة كون الباري أزلياً ومحال أن يكون ما سوى الواجب أزلياً، وإن لم يكن موجوداً لزم كون العدم المحض ظرفاً لغيره ومشاراً إليه بالحس وذلك باطل.
واعترض بأن ذلك أيضاً وارد عليكم في قولكم: "الجسم حاصل في الحيز والجهة".
وأجيب بأن مكان الجسم عندنا عبارة عن السطح الظاهر من الجسم المحوي وهذا المعنى بالاتفاق في حق الله محال فسقط الاعتراض.
ولقائل أن يقول: الجهة مقطع الإشارة الحسية وهذا في حقه محال لعدم تناهيه.
ولم لا يجوز أن يكون المكان خلاء فلا يلزم تداخل البعدين ولو لزم هناك لزم في الأجسام أيضاً بل لا بعد هناك ولا امتداد، ولو فرض فلن يلزم منه الانقسام في الخارج، ومنها أنه لو امتنع وجود الباري بحيث لا يكون مختصاً بالحيز والجهة لكانت ذاته مفتقرة في تحققها ووجودها إلى غيره فيكون ممكناً.
والجواب ما مر من أن استصحاب المكان لا يوجب الافتقار إليه.
ومنها أن الحيز والجهة لا معنى له إلا الفراغ المحض، ولأن هذا المفهوم واحد فالأحياز بأسرها متساوية في تمام الماهية.
فلو اختص ذاته بحيز معين لكان اختصاصه به لمخصص مختار، وكل ما كان فعل الفاعل المختار فهو محدث، فحصوله في الحيز محدث وكل ما لا يخلو عن الحادث فهو أولى بالحدوث فالواجب محدث هذا خلف.
ولقائل أن يقول: ما لا يتناهى لا يعقل له حيز معين ولو فرض لا تناهي الأحياز أيضاً فافتقاره إليها ممنوع، وكيف يفتقر الشيء إلى ما تأخر وجوده عن وجود ذلك الشيء والمعية بعد ذلك لا تضر؟
ومنها لو كان في الحيز والجهة لكان مشاراً إليه بالحسن، ثم إن كان قابلاً للقسمة لزم التجزي وإلا لكان نقطة أو جوهراً فرداً فلا يبعد أن يقال: إن إله العام جزء من ألف جزء من رأس إبرة ملتصقة بذنب قملة أو نملة.
ولقائل أن يقول: لا نسلم أن كونه مع الحيز من جميع الجهات المفروضة يستلزم كونه مشاراً إليه حساً فإن العقل يعجز عن إدراكه فضلاً عن الحس وباقي الكلام لا يستحق الجواب.
ومنها كل ذات قائمة بالنفس يشار إليها بحسب الحس فلا بد أن يكون جانب يمينه مغايراً لجانب شماله فيكون منقسماً وكل منقسم مفتقر ممكن.
قالوا: هذا الدليل مبني على نفي الجوهر الفرد.
ومنها لو كان في حيز لكان إما أعظم من العرش أو مساوياً له أو أصغر منه والثالث باطل بالإجماع والأولان يستلزمان الانقسام لأن المساوي للمنقسم منقسم وكذا الزائد عليه، لأن القدر الذي فضل به عليه مغاير لما سواه.
ولقائل أن يقول: لا نسبة بين الجسم وبين نور الأنوار وتستحيل هذه التقادير.
ومنها أنه لو فرض كونه غير متناهٍ من جميع الجهات كما يزعم الخصم لزم لا تناهي الأبعاد وإنه محال لبرهان تناهي الأبعاد.
ولقائل أن يقول: إن برهان تناهي الأبعاد لا يسلم ولو سلم فلا بعد فيما وراء العالم الجسماني ولا امتداد.
ومنها أنه لو كان حاصلاً في الحيز لكان كونه هناك أما أن يمنع من حصول جسم آخر فيه أو لا يمنع.
وعلى الأول كان تعالى مساوياً لجميع الأجسام في هذا المعنى، ثم إنه إن لم تحصل بينه وبينها ومخالفة بوجه آخر صح عليه ما يصح عليها من التغيرات وإنه محال، وإن حصل بينه وبينها مخالفة من سائر الوجوه كان ما به المشاركة مغايراً لما به المخالفة فيكون الواجب مركبا بل ممكناً.
وأيضاً إن ما به المشاركة وهو طبيعة البعد والامتداد إما أن يكون محلاً لما به المخالفة أو حالاً فيه أو لا هذا ولا ذاك.
فإن كان محلاً له كان البعد جوهراً قائماً بنفسه والأمور التي بها حصلت المخالفة أعراضاً وصفات، وإذا كانت الذوات متساوية في تمام الماهية فكل ما يصح على بعضها يصح على البواقي، وكل ما يصح على بعض الأجسام من التفرق والتمزق والنمو والذبول والعفونة والفساد يصح على ذاته .
وإن كان ما به المخالفة محلاً وذوات وما به المشاركة حالاً وصفة فذلك المحل إن كان له أيضاً اختصاص بحيز وجهة فيجب افتقاره إلى محل آخر لا إلى نهاية وإلا كان موجوداً مجرداً فلا يكون بعداً وامتداداً هذا خلف.
وإن لم يكن حالاً ولا محلاً كان أجنبياً مبايناً فتكون ذات الله مساوية لتمام الأجسام في الماهية ويصح عليه ما يصح عليها هذا محال، وعلى التقدير الثاني - وهو أن ذاته لا تمنع من حصول جسم آخر في حيزه - لزم سريانه في ذلك الجسم وتداخل البعدين كما مر والكل محال، فالمقدم وهو كونه في حيز محال.ولقائل أن يقول: كون البارىء مع الحيز مغاير لكون الجسم في الحيز فأين الاشتراك؟
ولو سلم فالاشتراك في اللوازم لا يوجب الاشتراك في الملزومات فمن أين يلزم التركيب؟
قوله: "فإن كان محلاً له كان البعد جوهراً قائماً بنفسه" قلنا: كون البعد جوهراً قائماً بنفسه حق، ولكن الملازمة ممنوعة، وكذا قوله: "الأمور التي بها حصلت المخالفة" أعراض وصفات لجواز قيام العرض بالعرض كالبطء والسرعة القائمين بالحركة، قوله: "وإلا كان موجوداً مجرداً فلا يكون بعداً" ممنوع لما قلنا من احتمال وجود بعد مجرد بلا وجوبه، والكلام في سريانه في الموجودات قد مر.
ومنها أنه لو كان في حيز فإن أمكنه التحرك منه بعد سكونه فيه كان المؤثر في حركته وسكونه فاعلاً مختاراً، وكل فعل لفاعل مختار فهو محدث وما لا يخلو عن المحدث أولى بأن يكون محدثاً وإن لم يمكنه التحرك منه كان كالزمن المعقد العاجز وذلك محال.
وأيضاً لا يبعد فرض أجسام أخرى مختصة بأحياز معينة بحيث يمتنع خروجها عنها فلا يمكن إثبات حدوث الأجسام بدليل الحركة والسكون والكرامية يساعدون على أنه كفر.
ولقائل أن يقول: إن الحركة والسكون من خواص الأجسام المفتقرة إلى أحياز، فأما النور المجرد فلا يوصف بالحركة والسكون وإن كان مع الحيز والمتحيز.
سلمنا وجوب اتصافه بأحدهما فلم لا يجوز أن لا يمكنه التحرك لا لكونه زمناً مقعداً ولكن لأنه نور غير متناهٍ لا يصح وصفة بالتخلخل والتكاثف ونحو ذلك، فتستحيل عليه الحركة لأنها موقوفة على شغل حيز وتفريغ حيز آخر، ولأن العالم النوراني الذي لا نهاية له مملوء منه فكيف يتصور خلو حيز عنه؟
ومنها أنه لو كان مختصاً بحيز فإن كان لطيفاً كالماء والهواء كان قابلاً للتفرق والتمزق، وإن كان صلباً كان إله العالم جبلاً واقفاً في الحيز العالي، وإن كان نوراً محضاً جاز أن تفرض هذه الأنوار التي تشرق على الجدران إلهاً.
وأيضاً إن كان له طرف وحدّ فإن كان ذا عمق وثخن كان باطنه غير ظاهره وإلا كان سطحاً في غاية الرقة مثل قشرة الثوم بل أرق منها ألف ألف مرة.
قلت: إن أمثال هذه الكلمات لا تصدر إلا عمن لا يفرق بين النور المعقول والنور المحسوس، والجوهر المجرد والجوهر المادي، والشيء القائم بذاته والمفتقر إلى غيره.
ومن العجب العجاب أن هذا المستدل قد سمع من جمهور العقلاء أن الأجرام الفلكية لا تطلق عليها الصلابة واللين، وإذا جاز أن يكون في أنواع الأجسام نوع لا يمكن أن يتصف بهذين المتقابلين لأن ذلك الموضع أجل وأشرف من أن يتصف بأحدهما، فلم لا يجوز أن يكون فيما هو أشرف من ذلك النوع شيء لا يتصف بهما؟!
ومنها لو كان إله العالم فوق العرش لكان مماساً للعرش أو مبايناً له ببعد متناهٍ أو غير متناهٍ.
وعلى الأول فإن لم يكن له ثخن كان سطحاً رقيقاً كما مر، وإن كان له ثخن فالمماس مغاير لغير المماس ويلزم تركيبه، وإن كان مبايناً ببعد متناهٍ فلا يمتنع أن يرتفع العالم من حيزه إلى أن يماسه ويعدو الإلزام المذكور، وإن كان مبايناً ببعد غير متناهٍ لزم أن يكون غير المتناهي محصوراً بين الحاصرين، ولقائل أن يقول: المباينة والمماسة من خواص الأجسام وإنه نور مجرد محض فلا يصلح عليه الاتصال والانفصال والتماس والتباين والتداخل وأشباه ذلك.
ومنها أن الاستقراء قد دل على أن الجرمية كلما كانت أقوى كانت الفاعلية والتأثير أضعف وبالعكس، ولهذا كان تأثير الأرض أقل من تأثير الماء، وتأثير الماء من تأثير الهواء، وتأثير الهواء من تأثير النار بالإحراق والطبخ، وتأثير النار من تأثير الأفلاك المؤثرة في العنصريات.
ثم إنه لا قدرة ولا قوة أشد من قدرة الواجب لذاته فيكون بريئاً من الحجم والجرم والكثافة والرزانة.
قلت: في الاستقراء نزاع إنه صحيح تام أولاً، ولكن لا نزاع في أن واجب الوجود شأنه بريء عن الحجمية والكثافة وعن كل شيء يقدح في قيوميته.
وههنا حجج قد أوردت في أوائل سورة الأنعام في تفسير قوله : ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ وقد عرفت ما عليها فهذه حجج عقلية عول عليها الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير، وقد أوردنا عليها ما كانت ترد من المنوع والاعتراضات لا اعتقاداً للتشبيه والتجسم أو تقليداً لأولئك الأقوام بل تشحيذاً للذهن وتقريباً إلى المعارف والحقائق وجذباً بضبع المتأمل في المضايق والمزالق فليختر المنصف ما أراد والله الموفق للرشاد.
ولعل هذا المقام مما لا يكشف المقال عنه غير الخيال والله أعلم بحقيقة الحال.
ثم قال : وأما الدلائل السمعية فكثيرة منها قوله : ﴿ قل هو الله أحد ﴾ والأحد مبالغة في كونه واحداً والذي يمتلىء منه العرش ويفضل عن العرش يكون مركباً من أجزاء فوق أجزاء العرش وذلك ينافي كونه أحداً.
وأجيب بأنه ذات واحدة حصلت في كل الأحياز دفعة واحدة، وزيف بأن هذا معلوم الفساد بالضرورة لو جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال جميع العرش إلى ما تحت الثرى جوهر واحد وموجود واحد إلا أن ذلك الجزء الذي لا يتجزأ حصل في جملة الأحياز فظن أنه أشياء كثيرة.
قلت: وهذه مغالطة فإن هذا الجزء الذي لا يتجزأ لصغره غير الشيء الذي لا يقبل التجزئة والأنقسام لذاته.
وأيضاً المتحيز الذي مقداره ذراع في ذراع لا يشغل بالبديهة حيزين كل منهما ذراع في ذراع فلزم منه أن لا يشغل ذينك الحيزين متحيز مقداره.
ضعف ذلك على أن الحق ما عرفت مراراً أن نور الأنوار قيوم في ذاته حاصل في جميع الأشياء لا منفصل عنها انفصال المحيط عن المحاط، ولا متصل بها اتصال العرض الساري في الأجسام، ولهذا لا يلزمه بانقسامها الانقسام.
ومنها قوله: ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية ﴾ ويلزم منه أن يكون حامل العرش حاملاً للإله.
والجواب أنك إن سميت المعية حملاً فلا نزاع.
ومنها قوله: ﴿ والله الغني ﴾ فوجب أن يكون غير مفتقر إلى المكان والجهة، والجواب أن الاستصحاب غير الافتقار.
ومنها أن فرعون طلب حقيقة الإله في قوله: ﴿ وما رب العالمين ﴾ ولم يزد موسى على ذكر الأوصاف.
وأما فرعون فقد طلب الإله في السماء في قوله ﴿ فأطلع إلى إله موسى ﴾ فعلمنا أن التنزية دين موسى ووصفه بالمكان والحيز دين فرعون.
والجواب لا نزاع في أن حقيقة ذاته كما هي لا يعلمها إلا هو والبسائط المحضة لا تعرف إلا بلوازم، وطلب فرعون إنما كان مذموماً لأنه تصور أن يكون الإله شخصاً مثله على تقدير وجوده لقوله: ﴿ ما علمت لكم من إله غيري ﴾ .
ومنها هذه الآية لأنها تدل على أنه استقر على العرش بعد تخليق السموات والأرض وكان قبل ذلك مضطرباً.
والجوب المراد بالاستقرار أنه كان ولم يكن معه شيء فإذا خلق ما خلق من عالم الأجسام والأختلاط بقي ما وراءه نوراً محضاً.
ومنها قصة إبراهيم وتبرئه من الآفلين ولو كان جسماً لكان آفلاً في أفق الإمكان.
والجواب أن نور الأنوار أجل من ذلك ولا يلزم من كونه مع جميع الأحياز ومع ما سواها أن يكون في مرتبة الأجسام بل النفوس والعقول.
ومنها أن أول الآية أعني قوله: ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض ﴾ يدل على قدرته وحكمته وكذا قوله ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ إلى آخر الآية.
فلو كان المراد من الاستواء هو الاستقرار كان أجنبياً عما قبله وعما بعده لأنه ليس من صفات المدح إذ لو استقر عليه بق وبعوض صدق عليه أنه استقر على العرش.
فإذن المراد بالاستواء كمال قدرته في تدبير الملك والملكوت حتى تصير هذه الكلمة مناسبة لما قبلها ولما بعدها.
والجواب أن الاستقرار بالتفسير الذي ذكرناه أدل شيء على المدح والثناء، وحديث البق والبعوض خراف وهل هو إلا كقول القائل: لو كان واجب الوجود بقاً أو بعوضاً صدق عليه أنه إله فلا يكون الإله دالاً على المدح.
ومنها أنه حكم في آيات كثيرة بأنه خالق السموات فلو كان فوق العرش كان سماء لساكني العرش لأن السماء عبارة عن كل ما علا وسما، ومن هنا قد يسمى السحاب سماء فيلزم أن يكون خالقاً لنفسه.
والجواب بعد تسليم أن كل ما سما وارتفع فهو سماء من غير اعتبار أنه نور أو جسم، أن ذاته مخصوصة بدليل منفصل كقوله: ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ هذا ولغير الموسومين بالمجسمة والمشبهة في الآية قولان: الأول القطع بكونه متعالياً عن المكان والجهة ثم الوقوف عن تأويل الآية وتفويض علمها إلى الله، والثاني الخوض في التأويل وذلك من وجوه: أحدها تفسير العرش بالملك والاستواء بالاستعلاء أي استعلى على الملك.
وثانيها: أن "استوى" بمعنى "استولى" كقول الشاعر: قد استوى بشر على العراق *** من غير سيف ودم مهراق وثالثها ذكر القفال أن العرش في كلامهم هو السرير الذي يجلس عليه الملوك، ثم جعل العرش كناية عن نفس الملك.
يقال: استوى على عرشه واستقر على سرير ملكه إذا استقام له أمره واطرد.
وفي ضدّه خلا عرشه أي انتقض ملكه وفسد.
فالله دلّ على ذاته وصفاته وكيفية تدبيره للعالم بالوجه الذي ألفوه من ملوكهم ورؤسائهم لتستقر عظمة الله تعالى في قلوبهم إلا أن ذلك مشروط بنفي التشبيه، فإذا قال: إنه عالم فهموا منه أنه لا يخفى عليه شيء، ثم علموا بعقولهم أنه لم يحصل ذلك العلم بفكرة أو روية ولا باستعمال حاسة وإذا قال: قادر.
علموا منه أنه متمكن من إيجاد الكائنات وتكوين الممكنات ثم عرفوا أنه غني في ذلك الإيجاد والتكوين عن الآلات والأدوات وسبق المادة والمدّة والفكرة والروية، وكذا القول في كل من صفاته.
وإذا أخبر أن له بيتاً يجب على عباده حجه فهموا منه أنه نصب موضعاً يقصدونه لمآربهم وحوائجهم كما يقصدون بيوت الملوك والرؤساء لهذا المطلوب، ثم علموا بعقولهم نفي التشبيه وأنه لم يجعل ذلك البيت مسكناً لنفسه ولم ينتفع به لدفع الحر والبرد.
وإذا أمرهم بتحميده وتمجيده فهموا منه أنه أمرهم بنهاية تعظيمه ثم علموا أنه لا يفرح بذلك التحميد والتمجيد ولا يحزن بتركه والإعراض عنه.
وإذا أخبر أنه خلق السموات والأرض ثم استوى على العرش فهموا منه أنه بعد أن خلقهما استوى على عرش الملك والجلال.
ومعنى التراخي أنه يظهر تصرفه في هذه الأشياء وتدبيره لها بعد خلقها لأن تأثير الفاعل لا يظهر إلا في القابل.
وقال أبو مسلم: العرش لغة هو البناء والعارش الباني قال : ﴿ ومن الشجر ومما يعرشون ﴾ فالمراد أنه بعد أن خلقها قصد إلى تعريشها وتسطيحها وتشكيلها بالأشكال الموافقة لها.
قوله : ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ قال صاحب الكشاف: يلحق الليل بالنهار أو النهار بالليل يحتملهما اللفظ جميعاً.
وقال القفال: لما أخبر بالاستواء على العرش وأن أمر المخلوقات منوط بتدبيره ومشيئته أراهم ذلك عياناً فيما يشاهدونه لينضم العيان إلى الخبر.
وقدم ذكر الليل والنهار لما في تعاقبهما من المنافع الجليلة فبهما تتم أمور الحياة، ثم وصف الحركة التي يحصلان منها بالسرعة والشدةّ فقال ﴿ يطلبه حثيثاً ﴾ قال الليث: الحث الإعجال وذلك أن حركة الفلك الأعظم أشدّ الحركات سرعة حتى إنها في مقدار ما تقول واحد واحد واحد يتحرك ألفاً وسبعمائة واثنين وثلاثين فرسخاً من مقعر فلكه والله أعلم بتحرك محدبه.
فإن قيل: ما محل الجملتين؟
قلت: أما الأولى فمستأنفة كأنه قيل: فماذا يفعل بعد خلق السموات والأرض؟
فأجيب يغشي الليل النهار.
وعلى قول من يفسر الاستواء بالتدبير والتصرف يحتمل أن تكون هذه الجملة مبينة.
وأما الثانية ففي محل النصب على الحال من الملحق كما أن ﴿ حثيثاً ﴾ منصوب على الحال من الطالب وهو الملحق بعينه.
ثم قال: ﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخّرات ﴾ من قرأهن منصوبات فمعناه وخلق هذه الأجرام حال كونهن تحت تسخيره، ومن قرأها مرفوعات فعلى الابتداء والخبر، وكلتا القراءتين حسنة لأنك إذا قلت: ضربت زيداً استقام أن يقال زيد مضروب.
وقوله: ﴿ بأمره ﴾ متعلق بمسخرات أي خلقهن جاريات بمقتضى حكمته وتدبيره.
قال في الكشاف: سمي ذلك أمراً على التشبيه كأنهن مأمورات بذلك.
ومنهم من حمل هذا الأمر على الأمر الذي هو الكلام، وعلى هذا لا يبعد أن يكون ﴿ بأمره ﴾ متعلقاً بـ ﴿ خلق ﴾ .
بدأ بالشمس لأنه سلطان الكواكب، وثنى بالقمر لأنه كالنائب، وثلث بسائر النجوم لأنها كالخدم.
فالشمس سلطان النهار، والقمر سلطان الليل، والشمس تأثيرها بالتسخين، والقمر تأثيره بالترطيب، وتوليد المواليد الثلاثة المعادن والنبات والحيوان لا يتم ولا يكمل إلا بتأثير الحرارة في الرطوبة.
ثم إنه وتعالى خص كل كوكب بخاصية عجيبة وتأثير غريب لا يعلمه بتمامه إلا مبدعه وخالقه، واعلم أن الأجسام متماثلة في الجسمية؛ فاختصاص جرم الشمس بالنور الباهر والتسخين الشديد والتدبيرات العجيبة في العالم العلوي والسفلي وكذا تخصيص كل واحد من سائر السيارات والثوابت بقوّة أخرى لا بد أن يستند إلى فاعل حكيم قدير عليم فلهذا قال: ﴿ مسخرات بأمره ﴾ .
وأيضاً إن لكل واحد من أجرام الشمس والقمر والكواكب سيراً خاصاً من المغرب إلى المشرق، وسيراً آخر سريعاً بسبب حركة الفلك الأعظم، فقوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ تنبيه على أن حدوث الليل والنهار إنما هو بحركة الفلك الأعظم المسمى بالعرش، وقوله: ﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ﴾ إشارة إلى أن العرش يحرك جميع الأفلاك والكواكب وأنه أودع في جرمه قوّة قاهرة قاسرة باعتبارها قويت على تحريك من دونه على خلاف طبعها من المشرق إلى المغرب.
وأيضاً أن أقسام الأجسام ثلاثة: متحرك إلى الوسط وهما العنصران الثقيلان، ومتحرك عن الوسط وهما الخفيفان، ومتحرك على الوسط وهي الأجرام الفلكية، فيكون الأفلاك والكواكب متحركة بالاستدارة لا إلى المركز ولا عن المركز لا يكون إلا بتسخير الله ، ولأمر ما أكثر الله في كتابه الكريم من الاستدلال على العلم والقدرة والحكمة بأحوال السموات والأرض وتعاقب الليل والنهار وكيفية تبدل الضياء بالظلام وبالعكس، وأحوال الشمس والقمر والنجوم، وأمر بالنظر في ملكوت السماء والغبراء وبالتفكر فيهما قائلاً: ﴿ أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ﴾ ﴿ أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ﴾ ﴿ أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ وإن من صنف كتاباً شريفاً مشتملاً على دقائق العلوم العقلية والنقلية فالمعتقدون في شرفه وفضيلته فريقان: منهم من اعتقد كونه كذلك على الإجمال، ومنهم من وقف على دقائقها على سبيل التفصيل والكمال، ولا ريب أن اعتقاد الفريق الثاني يكون أكمل وأقوى إذا ثبت هذا فنقول: من اعتقد أن جملة هذا العالم محدث وكل محدث فله محدث حصل له بهذا الطريق إثبات الصانع، أما الذي ضم إلى هذه المعرفة البحث عن أحوال هذا العالم العلوي والعالم السفلي على التفصيل الممكن لا يزال ينتقل من برهان إلى برهان ومن دليل إلى دليل فإن يقينه يتزايد وبصيرته تتكامل إلى أن يصير علماً معقولاً مضاهياً لما عليه الموجود، ولمثل هذه الفوائد والأغراض والغايات أنزل هذا الكتاب الكريم لا لتكثير وجوه الإعراب والاشتقاقات المؤدية إلى الإطناب والإسهاب، وأما قوله عز من قائل ﴿ ألا له الخلق والأمر ﴾ فالخلق عبارة عن التقدير ويختص بكل ما هو جسم وجسماني لأنه خص بمقدار معين، فكل ما كان بريئاً عن الحجم والمقدار فهو من عالم الأرواح وعالم الأمر لأنه أوجد بأمر "كن" من غير سبق مادّة ومدّة، فعالم الخلق في تسخيره وعالم الأمر في تدبيره واستيلاء الروحانيات على الجسمانيات بتقديره.
وههنا مسائل ذكرها العلماء: الأولى أنه متكلم آمر ناهٍ مخبر مستخبر لأن قوله: ﴿ ألا له الخلق والأمر ﴾ دل على أن له الأمر فوجب أن يكون له النهي وسائر أنواع الكلام ضرورة أنه لا قائل بالفرق.
الثانية لا خالق إلا هو لأن قوله: ﴿ ألا له الخلق ﴾ بتقديم الخبر يفيد الحصر.
ولو سلم أنه لا يفيده فلا أقل من إفادة أنه خالق بعض الأشياء، وحينئذٍ يثبت المطلوب لأن افتقار المخلوق إلى الخالق لإمكانه والإمكان مفهوم واحد في الممكنات وإنه علة للحاجة إلى موجود معين، فجميع الممكنات محتاجة إلى ذلك المعين فالذي يكون مؤثراً في وجود شيء واحد يجب أن يكون هو المؤثر في جميع الممكنات ولا يحتاج إلى الممكنات.
الثالثة قالت الأشاعرة: كل أثر يصدر عن فلك أو ملك أو جني أو إنسي فخالق ذلك الأثر في الحقيقة هو الله لقوله: ﴿ ألا له الخلق والأمر ﴾ ويتفرع على هذا أنه لا إله إلا الله وإلا كان الثاني مدبراً وخالقاً، وأنه لا تأثير للكواكب في أحوال هذا العالم، وأن القول بالطبائع والعقول والنفوس على ما يزعم الفلاسفة وأصحاب الطلسمات باطل، وأن خالق أعمال العباد هو الله والقول بأن العلم يوجب العالمية والقدرة توجب القادرية باطل، كل ذلك لئلا يلزم خالق ومؤثر غير الله .
الرابعة كلام الله قديم لأنه ميز بين الخلق وبين الأمر ولو كان أمر الله مخلوقاً لما صح هذا التمييز.
أجاب الجبائي بأنه لا يلزم من إفراد الأمر بالذكر عقيب الخلق أن لا يكون الأمر داخلاً في الخلق كقوله: ﴿ وملائكته ورسله وجبريل وميكال ﴾ {البقرة: 98] وعارض الكعبي بقوله: ﴿ فآمنوا بالله ورسوله النبي الأميّ الذي يؤمن بالله وكلماته ﴾ فإنه لو وجب مغايرة المعطوف للمعطوف عليه لزم أن تكون الكلمات غير الله ، وكل ما كان غير الله فإنه محدث ومخلوق فكلمات الله مخلوقة.
وقال القاضي: اتفق المفسرون على أنه ليس المراد بهذا الأمر كلام الله بل المراد به نفاذ إرادته وإظهار قدرته، وقال قوم: لا يبعد أن يقال الأمر داخل في الخلق ولكنه من حيث كونه أمراً يدل على نوع آخر من الكمال والجلال.
والمعنى له الخلق والإيجاد في المرتبة الأولى.
ثم بعد الإيجاد والتكوين له الأمر والتكليف في المرتبة الثانية.
وقال آخرون: معنى قوله: ﴿ ألا له الخلق ﴾ أنه إن شاء خلق وإن شاء لم يخلق، فقوله: ﴿ والأمر ﴾ يجب أن يكون معناه إن شاء أمر وإن شاء لم يأمر، ويلزم منه أن يكون الأمر محدثاً مخلوقاً لأنه لو كان قديماً لم يكن ذلك الأمر بحسب مشيئته بل كان من لوازم ذاته فلا يصدق أنه إن شاء أمر وإن شاء لم يأمر هذا خلف.
وأجيب بأنه لو كان الأمر داخلاً تحت الخلق لزم التكرار والأصل عدمه فلا يصار إليه إلا للضرورة ولا ضرورة ههنا.
الخامسة في الآية دلالة على أنه ليس لأحد أن يلزم غيره شيئاً إلا الله، ففعل الطاعة لا يوجب الثواب، وفعل المعصية لا يوجب العقاب، وإيصال الألم لا يوجب العوض.
السادسة دلت الآية على أن القبيح لا يجوز أن يقبح لوجه عائد إليه، وأن الحسن لا يحسن لأمر عائد إليه وإلا لم يأمر إلا بما حصل فيه وجه الحسن ولم ينه إلا عما حصل فيه وجه القبح، فلا يكون متمكناً من الأمر والنهي كيف شاء وأراد هذا خلف.
السابعة أطلق الخلق والأمر فيعلم أنه لو أراد خلق ألف عالم بما فيه من العرش والكرسي والكواكب في أقل من لحظة لقدر عليه، لأن هذه الماهيات ممكنة والحق قادر على كل الممكنات.
الثامنة قال قوم: الخلق صفة من صفات الله وهو غير المخلوق لأن أهل السنة يقولون: معنى قوله: ﴿ الأمر لله ﴾ أنه صفة له فكذا الخلق صفة قائمة بذاته فلا يكون مخلوقاً، وأجيب بأن الخلق لو كان غير المخلوق فإما أن يكون قديماً ويلزم من قدمه قدم المخلوق، وإما أن يكون حادثاً فيفتقر إلى خلق آخر ويتسلسل، ويمكن أن يقال: الصفة قديمة والتعلق حادث.
التاسعة له الأمر يقتضي أن لا أمر لله.
وقول النبي صلّى الله عليه وآله: "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" لا ينافي ذلك لأن الموجب لأمره في الحقيقة هو أمر الله ، العاشرة في الآية دلالة على أن الله أمراً ونهياً على عباده والخلاف مع نفاة التكليف.
قالوا: إن كان التكليف معلوم الوقوع كان واجب الوقوع فكان الأمر به تحصيلاً للحاصل، وإن كان غير معلوم الوقوع كان ممتنع الوقوع فكان الأمر به أمراً بما يمتنع وقوعه وهو محال.
وأيضاً إنه إن خلق الداعي إلى فعله كان واجب الوقوع وإلا فلا فائدة في الأمر به.
وأيضاً الكافر أو الفاسق لا يستفيد بالتكليف، إلا الضرر المحض لأنه يعلم أنه لا يؤمن ولا يطيع وخلاف علم الله محال فلا يحصل من الأمر إلا مجرد استحقاق العذاب وهذا لا يليق بالرحيم الحليم.
وأيضاً التكليف إن لم يكن لفائدة في الأمر فهو عبث، وإن كان لفائدة فلا بد أن تعود إلى المكلف لأنه غني فجميع الفوائد منحصرة في تحصيل نفع أو دفع ضر والله قادر على تحصيلهما للمكلف من غير واسطة التكليف فكان توسيط التكليف إضراراً محضاً.
والجواب أن أوّل الآية دل على أنه هو الخالق لكل العبيد، وإذا كان خالقاً لهم كان مالكاً لهم، وتصرف المالك في ملك نفسه كيف شاء مستحسن، ويحسن منه أن يأمر عباده بما شاء بمجرد كونه خالقاً لا كما يقول المعتزلة من كون ذلك الفعل صلاحاً أو من كونه موجب عوض أو ثواب.
ولما بين أن له الأمر والنهي والحكم والتكليف ذكر أنه يستحق الثناء والتقديس فقال: ﴿ تبارك الله رب العالمين ﴾ وللبركة تفسيران: أحدهما الثبات والدوام ولا ريب أنه الواجب لذاته القائم بذاته الدائم الغني بذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه عن كل ما سواه.
وثانيهما كثرة الآثام الفاضلة.
ولا شك أن كل الخيرات والكمالات فائضة من جوده وإحسانه بل جميع الممكنات رشحة من بحار فضله وامتنانه.
ثم لما بيّن كمال قدرته وحكمته وأرشد إلى التكليف الموصل إلى سعادة الدارين أتبعه ذكر ما يستعان به على تحصيل المطالب والمآرب الدينية والدنيوية فقال: ﴿ ادعوا ربكم تضرعاً وخفية ﴾ قال في الكشاف: نصب على الحال أي ذوي تضرع وخفية وكذلك ﴿ خوفاً وطمعاً ﴾ قلت: ويحتمل الانتصاب على المصدر مثل: رجع القهقرى.
والتضرع التذلل وهو إظهار ذل النفس والخفية بالضم أو الكسر ضد العلانية.
قال بعض العلماء: الدعاء ههنا بمعنى العبادة لئلا يلزم التكرار وعطف الشيء على نفسه في قوله: ﴿ وادعوه خوفاً وطمعاً ﴾ والأظهر أنه على الأصل.
ومن الناس من أنكر الدعاء قال: لأن المطلوب بالدعاء إن كان معلوم الوقوع أو كان مراداً في الأزل أو كان على وفق الحكمة والمصلحة وقع لا محالة وإلا فلا فائدة فيه.
وأيضاً إنه نوع من سوء الأدب وعدم الرضا بالقضاء وقد يطب ما ليس بنافع له.
وفيه من الاشتغال بغير الله وعدم التوكل عليه ما لا يخفى.
والحق أن الدعاء نوع من أنواع العبادة ورفضه يستدعي رفض كثير من السوائل والوسائط والروابط، ولو لم يكن فيه إلاّ معرفة ذلة العبودية وعزة الربوبية لكفى بذلك فائدة، ولهذا روي عنه وآله: "ما من شيء أكرم على الله من الدّعاء" إلا أنه لا بد فيه من الإخلاص والصون عن الرياء والسمعة، وإليهما أشار بقوله: ﴿ تضرعاً وخفية ﴾ ونحن قد أطنبنا في تحقيق الدعاء وشرائطه في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ وإذا سألك عبادي عني ﴾ ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إنه لا يحب المعتدين ﴾ وللمسلمين اتفاق على أنه ليس معنى المحبة عند إطلاقها على الله شهوة النفس وميل الطبع ولكنها عبارة عن إيصاله الثواب والخير إلى العبد، وهذا مبني على قول الكعبي وأبي الحسين أنه غير موصوف بالإرادة، وأن كونه مريداً لأفعال نفسه عبارة عن إيجادها وفعلها، وكونه مريداً لأفعال غيره هو كونه آمراً بها.
وأما الأشاعرة ومعتزلة البصرة القائلون بصفة الإرادة فإنهم فسروا المحبة بإرادة إيصال الثواب.
وقال بعض العلماء: إنا نجد في الشاهد أن الأب يحب ابنه فيترتب على تلك المحبة إرادة إيصال الخيرات إلى ذلك الابن وكانت هذه الإرادة أثراً من آثار تلك المحبة وثمرة من ثمراتها.
غاية ما في الباب أن هذه المحبة في الشاهد عبارة عن الشهوة وميل الطبع ورغبة في النفس وذلك في حقه محال.
إلا أنا نقول: لم لا يجوز أن يقال أن محبة الله صفة أخرى يترتب عليها إيصال الثواب أو إرادة الإيصال؟
لكنا لا نعرف تلك المحبة ما هي وكيف هي لأن عدم العلم بالشيء لا يوجب العلم بعدم ذلك الشيء.
نظير ذلك أن أهل السنة يثبتون كونه مرئياً ثم يقولون إن تلك الرؤية لا كرؤية الأجسام والألوان.
ويعني بالمعتدين المجاوزين ما أمروا به فيشمل كل من خالف أمر الله ونهيه.
وقال الكلبي وابن جريج: من الاعتداء رفع الصوت في الدعاء ويؤيده أنه أمر بالدعاء مقروناً بالإخفاء وظاهره الوجوب إذ قد أثنى على زكريا فقال: ﴿ إذ نادى ربه نداء خفياً ﴾ وعن النبي : "دعوة في السر تعدل سبعين دعوة في العلانية" وعنه "خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي" وعنه صلى الله عليه وآله: "سيكون قوم يعتدون في الدعاء وحسب المرء أن يقول اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ثم قرأ قوله إنه لا يحب المعتدين" .
ومن هنا اختلف أرباب الطريقة أن الأولى في العبادات الإخفاء أم الإظهار فقيل: الأولى الإخفاء صوناً لها عن الرياء.
وقيل: الأولى الإظهار ليرغب غيره فيالاقتداء.
وتوسط الشيخ محمد بن علي الحكيم الترمذي فقال: إن كان خائفاً على نفسه من الرياء فالأولى في حقه الإخفاء، وإن بلغ في الصفاء وقوة اليقين إلى حيث صار آمناً من شائبة الرياء فالأولى في حقه الإظهار ليحصل فائدة الاقتداء.
قال الشافعي: إظهار التأمين أفضل.
وقال أبو حنيفة: الإخفاء أفضل لأنه إن كان دعاء وجب إخفاؤه لقوله: ﴿ ادعوا ربكم تضرعاً وخفية ﴾ وإن كان اسماً من أسماء الله على ما قيل فكذلك لقوله : ﴿ واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ﴾ فإن لم يثبت الوجوب فلا أقل من الندبية، ثم نهى عن مجامع المفاسد والمضار بقوله: ﴿ ولا تفسدوا في الأرض ﴾ فيدخل فيه خمسة أشياء: المنع من إفساد النفوس بالقتل، ومن إفساد الأموال بقطع الطريق والسرقة، وإفساد الأنساب بالزنا واللواط والقذف، وإفساد العقول بشرب المسكرات، وإفساد الأديان بالكفر والبدعة، وذلك أن قوله: ﴿ لا تفسدوا ﴾ منع عن إدخال ماهية الفساد في الوجود والمنع من الماهية يقتضي المنع من جميع أنواعه.
ومعنى: ﴿ بعد إصلاحها ﴾ بعد أن أصلح خلق الأرض على الوجه المطابق لمنافع الخلق الموافق لمصالح المكلفين، أو المراد إصلاح الأرض بسبب إرسال الأنبياء وإنزال الكتب وتفصيل الشرائع، فإن الإقدام على تكذيب الرسل وإنكار الكتب والتمرد عن قبول الشرائع يقتضي وقوع الهرج والمرج وحدوث الفتن في الأرض.
وفي الآية دلالة على أن الأصل في المضار الحرمة فإن وجدنا نصاً خاصاً يدل على جواز الإقدام على بعض المضار قضينا به تقديماً للخاص على العام.
وفيها أيضاً دلالة على أن كل عقد وقع التراضي به بين الخصمين فإنه منعقد صحيح لأن رفعه بعد ثبوته يكون إفساداً بعد الإصلاح، فإن وجدنا نصاً يدل على عدم صحة بعض تلك العقود قضينا فيه بالبطلان عملاً بالأخص.
فجميع أحكام الله داخلة تحت عموم هذه الآية الدالة على أن الأصل في المضار والآلام الحرمة كما كانت داخلة تحت عموم قوله: ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ﴾ بأنها كانت تدل على أن الأصل في المنافع واللذات الإباحة والحل، فكل واحدة من الآيتين مطابقة ومؤكدة للأخرى، ثم لما بين أن الدعاء لا بد أن يكون مقروناً بالتضرع والإخفاء وبعدم المنافي وهو الإفساد بالوجوه الخمسة، ذكر أن فائدة الدعاء والباعث عليه أحد الأمرين الخوف من العقاب والطمع في الثواب.
واعترض عليه بأن أهل السنة يقولون: التكاليف إنما وردت بمقتضى الإلهية والعبودية أي كونه إلهاً لنا، وكوننا عبيداً له اقتضى أن يحسن منه أن يأمر عبيده بما شاء كيف شاء ولا يعتبر فيه كونه في نفسه صلاحاً وحسناً.
والمعتزلة يقولون: إنها وردت لأنها في نفسها مصالح.
فعلى القولين من أتى بها للخوف من العقاب والطمع في الثواب لم يأت بها لوجه وجوبها فوجب أن لا يصح.
وأجيب بأن المراد من الآية ادعوه مع الخوف من وقوع التقصير في بعض الشرائط المعتبرة في قبول ذلك الدعاء ومع الطمع في حصول تلك الشرائط بأسرها أي كونوا جامعين في نفوسكم بين الخوف والرجاء في جميع أعمالكم ولا تقطعوا أنكم وإن اجتهدتم قد أديتم حق ربكم كقوله: ﴿ والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة ﴾ \[المؤمنون: 6\].
والجواب الصحيح عندي أن غاية التكليف من الآمر غير غايته من المأمور إذاً فهب أن الغاية الأولى هي المصلحة أو الإلهية والعبودية فلم لا يجوز أن تكون الغاية الثانية الخلاص من العذاب والوصول إلى الثواب؟
ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إن رحمة الله قريب من المحسنين ﴾ ظاهره أن يقال قريبة.
وذكروا في حذف علامة التأنيث وجوهاً: فقيل: لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي.
وقال الزجاج: لأن الرحمة غير حقيقي.
وقال الزجاج: لأن الرحمة والغفران والعفو والإنعام بمعنى واحد، أو لأن المراد بالرحمة الترحم أو الرحم.
وقيل: إنه صفة موصوف محذوف أي شيء قريب، أو شبه بفعيل الذي بمعنى مفعول كما شبه ذاك به فقيل: قتلاء وأسراء، وقيل: لأنه بزنة المصدر كالنقيض صوت العقبان أو الدجاجة والضغيب صوت الأرنب.
وقيل: المراد ذات مكان قريب كلابن وتامر، وروى الواحدي بإسناده عن ابن السكيت تقول العرب: هو قريب مني وهما قريب مني وهي قريب لأنه في تأويل هو في مكان قريب مني.
قال بعض المفسرين: معنى هذا القرب أن الإنسان يزداد بعداً عن الماضي وقرباً من المستقبل أي الآخرة التي هي مقام رحمة الله.
ويمكن أن يقال: المراد به قرب الحصول سواء كان في الدنيا أو في الآخرة كقوله: ﴿ ألا إن نصر الله قريب ﴾ قالت المعتزلة: إن ماهية الرحمة لما كانت حصة المحسنين وجب أن لا يحصل للكافر والفاسق منها شيء، والغرض أن صاحب الكبيرة لا يكون له نصيب من العفو.
وأجيب بأن المحسن من صدر عنه الإحسان ولو من بعض الوجوه، فكل من آمن بالله تعالى وأقر بالتوحيد والنبوة فقد أحسن والدليل عليه الإجماع.
على أن الصبي إذا بلغ وقت الضحوة وآمن بالله ورسوله واليوم الآخر ومات قبل الوصول إلى الظهر فإنه يسمى مؤمناً محسناً، على أن قوله ماهية الرحمة نصيب المحسنين ممنوع لأن الكافر أيضاً في رحمة الله ونعمته في الدنيا بدليل قوله: ﴿ ومن كفر فأمتعه ﴾ ثم إنه لما ذكر دلائل الآلهية وكمال العلم والقدرة من العالم العلوي أتبعه ذكر الدلائل من أحوال هذا العالم وهي الآثار العلوية من المعادن والنبات والحيوان ومن جملتها أحوال الرياح والسحب والأمطار.
وأيضاً لما أقام الدلالة في الآية الأولى على وجود الإله القادر العليم الحكيم الرحيم أقام الدلالة في هذه الآية على صحة القول بالحشر والنشر ليتم بالآيتين تقرير المبدأ والمعاد فقال: ﴿ وهو الذي يرسل الرياح ﴾ الريح هواء متحرك، وتحركه ليس لذاته ولا للوازم ذاته وإلا دام بدوام الذات، فهو بتحريك الفاعل المختار.
قالت الحكماء: من أسباب الريح أن يرتفع من الأرض أجزاء أرضية لطيفة تسخنت تسخيناً شديداً، فبسبب تلك السخونة ترتفع وتتصاعد، فإذا وصلت إلى قريب من الفلك فإن الهواء الملتصق بمقعر الفلك يمنع هذه الأدخنة من الصعود بل يردها عن سمت حركتها لتحرك تلك الطبقة على الاستدارة تشيعاً للفلك، فحينئذٍ ترجع الأدخنة وتتفرق في الجوانب وبسبب تفرقها تحصل الرياح.
وكلما كانت تلك الأدخنة أكثر وكان صعودها أقوى كان رجوعها أيضاً أشد فكانت الرياح أقوى، وزيف بأن صعود تلك الأجزاء الأرضية إنما يكون لأجل شدة تسخينها بالعرض، فإذا تصاعدت ووصلت إلى الطبقة الباردة بردت فامتنع صعودها إلى الطبقة العليا المتحركة بحركة الفلك.
سلمنا أنها تصعد إلى الطبقة المتحركة بالاستدارة لكن رجوعها يجب أن يكون على الاستقامة كما هو مقتضى طبيعة الأرض لكنها تتحرك يمنة ويسرة.
وأيضاً إن حركة تلك الأجزاء لا تكون قاهرة فإن الرياح إذا أصعدت الغبار الكثير ثم عاد ذلك الغبار ونزل على السطوح لم يحس أحد بنزولها، ونحن نرى هذه الرياح تقلع الأشجار وتهدم الجبال وتموج البحار، وأيضاً لو كان الأمر على ما قالوا لكانت الرياح كلما كانت أشد وجب أن يكون حصول الأجزاء الغبارية الأرضية أكثر وليس كذلك، لأنه قد توجد الرياح العاصفة في وجه البحر وليس فيها شيء من الغبار.
ويمكن أن يجاب بأن الحكم بامتناع الصعود استبعاد محض وحديث الرجوع على الاستقامة مبني على أن الريح هي تلك الأجزاء الراجعة فقط وليس كذلك، فإن الراجع إذا خرق الهواء حدث فيما يجاوره من الهواء تحرك واضطراب وتموج شبه ما يحدث في الماء إذا ألقي فيه حجر، وكذا الكلام في الوجهين الباقيين.
وقال المنجمون: قد يحدث بسبب وصول كوكب معين إلى موضع معين من البروج ريح عاصفة، وزيف بأنه لو كان كذلك لزم تحرك كل الهواء.
والجواب أن وصول الكوكب إلى الموضع الفلاني إنما يوجب تحرك الهواء بتسخين أو تلطيف أو تكثيف يحدث في بعض المواد المستعدة لذلك فيطلب ذلك القابل مكاناً أكثر أو أقل مما كان عليه، فيلزم من ذلك تحرك الهواء المجاور له لاستحالة التداخل والخلاء لا يتدافع إلى أن يتحرك جميع كرة الهواء بل يتموج بعض أجزاء الهواء ثم يستقر كل في موضعه، ويختلف مقدار ذلك بحسب المؤثر والمتأثر والكل يستند إلى تدبير الله وتقديره، وإنما قال في هذه السورة ﴿ يرسل الرياح ﴾ بلفظ المستقبل وكذا في "الروم" لأن ما قبله ههنا ذكر الخوف والطمع وأنهما يناسبان المستقبل، وأما في "الروم" فليناسب ما قبل ﴿ ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات ﴾ وقال في الفرقان: ﴿ أرسل الرياح ﴾ بلفظ الماضي ليناسب ما قبله: ﴿ كيف مد الظل ﴾ وما بعده ﴿ وهو الذي جعل ﴾ وكذا في "فاطر" مبني على أول السورة ﴿ فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة ﴾ وهما بمعنى الماضي والله أعلم.
أما قوله: ﴿ نشراً ﴾ بنون مفتوحة وشين ساكنة فإنه مصدر نشر.
وانتصابه إما على الحال بمعنى منتشرات وإما لأن أرسل ونشر متقاربان كأنه قيل: نشرها نشراً.
ومن قرأ ﴿ نشراً ﴾ بضمتين فلأنه جمع نشور كرسول ورسل، وقد تخفف كرسل، ومن قرأ ﴿ بشراً ﴾ بضم الباء الموحدة وسكون الشين فلأنه مخفف بشر جمع بشير.
ومعنى: ﴿ بين يدي رحمته ﴾ أمام نعمته وهي الغيث الذي هو من أجلِّ النعم وأحسنها وهذا بحسب الأغلب، فإن المطر قلما لا يتقدمه رياح يسلطها الله على السحاب والعرب تستعمل اليدين بدل قدام وأمام مجازاً لأن اليدين من الحيوان متقدمان على الرجلين.
﴿ حتى إذا أقلت ﴾ حملت ورفعت واشتقاقه من القلة لأن الرافع الذي يقدر على حمل الثقيل يزعم أن ما يرفعه قليل ﴿ سحاباً ﴾ جمع سحابة ولهذا قال: ﴿ ثقالاً ﴾ على الجمع جمع ثقيلة والضمير في ﴿ سقناه ﴾ يعود إلى السحاب على لفظه، وضمير المتكلم في ﴿ سقناه ﴾ على أصله.
وأما الذي في قوله: ﴿ وهو الذي ﴾ فعلى طريقة الالتفات وإلا فالظاهر أن يقال: نحن أرسلنا.
واعلم أن السحاب المستمطر للمياه العظيمة إنما يبقى معلقاً في الهواء لأنه دبر بحكمته أن يحرك الرياح تحريكاً شديداً.
ولتلك الحركات فوائد منها: أن أجزاء السحاب ينضم بعضها إلى بعض ويتراكم وينعقد السحاب الكثيف الماطر ثم تصير متفرقة.
ومنها أن تتحرك الرياح يمنة ويسرة فتمنع الأجزاء المائية الرشية عن النزول فيبقى معلقاً في الهواء.
ومنها أن ينساق السحاب إلى موضع علم الله احتياجهم إلى نزول الأمطار، ومن الرياح مقوية للزروع والأشجار ومكملة لما فيها من النشوء والنماء وهي اللواقح.
ومنها مبطلة لها كما في الخريف.
ومنها طيبة لذيذة وموافقة للأبدان.
ومنها مهلكة للحر الشديد كالسموم أو البرد الشديد.
ومنها مشرقية ومغربية وشمالية وجنوبية، وبالحقيقة تهب الرياح من كل جانب ولكنها ضبطت كذلك، وقد يصعد الريح من قعر الأرض فقد يشاهد غليان شديد في البحر بسبب تولد الرياح في قعره ثم لا يزال يتزايد ذلك الغليان إلى أن ينفصل الريح إلى ما فوق البحر، وحينئذٍ يعظم هبوب الرياح في وجه البحر، وعن ابن عمر: الرياح ثمان: أربع منها عذاب وهو العاصف والقاصف والصرصر والعقيم، وأربع منها رحمة الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات، وعن النبي صلى الله عليه وآله: "نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور والجنوب من ريح الجنة" وعن كعب: لو حبس الله الريح عن عباده ثلاثة أيام لأنتن أكثر الأرض، وعن السدي أنه يرسل الرياح فتأتي بالسحاب، ثم إنه يبسطه في السماء كيف يشاء ثم يفتح أبواب السماء فينزل الماء على السحاب، ثم يمطر السحاب بعد ذلك برحمته وهي المطر.
ومعنى ﴿ لبلد ميت ﴾ أي لأجل بلد ميت ليس فيه نبات ولا زرع، والبلد كل موضع من الأرض عامر أو غير عامر خالٍ أو مسكون.
﴿ فأنزلنا به الماء ﴾ قال الزجاج وابن الأنباري: أي بالبلد.
وجائز أن يراد بالسحاب أو بالسوق فالباء للسببية.
﴿ فأخرجنا به ﴾ قال الزجاج: أي بالبلد.
﴿ من كل الثمرات ﴾ ويجوز أن يراد أي بالماء.
قال جمهور الحكماء: إنه أودع في الماء قوّة وطبيعة توجب حدوث الأحوال المخصوصة عند امتزاج الماء بالتراب.
وقال أكثر المتكلمين: إن الثمار ليست متولدة من الماء وإنما أجرى الله عادته بخلق النبات ابتداء عقيب اختلاط الماء بالتراب ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك الأخراج وهو إخراج الثمرات.
﴿ نخرج الموتى ﴾ فالتشبيه إنما وقع في أصل الإحياء أي كما أحيا هذا البلد وأنبت فيه الشجر وجعل فيه الثمر كذلك يحيي الموتى بعد أن كانوا تراباً لأن من قدر على إحداث الجسم وخلق الرطوبة والطعم فيه كان قادراً على إحداث الحياة في بدن الميت.
وقال كثر من المفسرين: المراد أنه كما يخلق النبات بواسطة إنزال الماء كذلك يحيي الموتى بواسطة إنزال مطر على الأجساد الرميمة.
يروى أنه يمطر على أجساد الموتى فيما بين النفختين مطر كالمني أربعين يوماً فينبتون عند ذلك أحياء.
وعن مجاهد: تمطر السماء عليهم حتى تنشق عنهم الأرض كما ينشق الشجر عن النور والثمر، ثم يرسل الأرواح فتعود كل روح إلى جسدها.
قال العلماء: إن هؤلاء المفسرين ذهبوا إلى هذا بناء على النقل وعلى إجراء العادة وإلا فإنه تعالى قادر على خلق الحياة في الجسم ابتداء من غير واسطة المطر كما أنه يجمع بقدرته الأجزاء المتفرقة والمتمزقة غاية التفرق والتمزق ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ والمعنى أنكم شاهدتم أن الأرض كانت مزينة وقت الربيع والصيف والخريف بالأزهار والثمار والأشجار ثم صارت وقت الشتاء ميتة عارية عن تلك الزينة، ثم أحياها مرة أخرى، فالقادر على إحيائها قادر على إحياء الأجساد بعد موتها، ثم ضرب الله مثلاً للمؤمن والكافر وشبه القرآن بالمطر، وذلك أن الأرض الحرة إذا نزل بها المطر حصل فيها أنواع الأزهار والثمار والأرض السبخة بعد نزول المطر لا يخرج منها إلا النزر القليل من النبات، فكذلك النفس الطاهرة النقية من شوائب الأخلاق الذميمة إذا اتصل بها أنوار القرآن ظهرتعليها أنواع المعارف والأخلاق الفاضلة، والنفس الخبيثة لا ترجع من ذلك إلا بخفي حنين.
وقيل: ليس المراد من الآية تمثيل المؤمن والكافر وإنما المراد أن الأرض السبخة يقل نفعها وثمرتها، ومع ذلك فإن صاحبها لا يهمل أمرها بل يتعب نفسه في إصلاحها طمعاً منه في تحصيل ما يليق بها من المنفعة.
فمن يطلب هذا النفع اليسير فلأن يطلب النفع العظيم الموعود به في الدار الآخرة بالمشقة التي لابد منها ومن تحملها في أداء الطاعات كان أولى.
وفي الآية دلالة على أن السعيد لا ينقلب شقياً وبالعكس، لأنها دلت على أن الأرواح قسمان: منها ما تكون في أصل جوهرها طاهرة نقية مستعدة لأن تعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به، ومنها ما تكون بالضد لا تقبل المعارف الحقيقية والأخلاق الفاضلة كالأرض السبخة التي لا يتولد فيها الأشجار والأنهار والثمار.
ومما يقوّي هذا الكلام أن النفوس نراها مختلفة في الصفات؛ فمنها مجبولة على حب الإلهيات منصرفة عن اللذات الجسمانيات كقوله : ﴿ ترى أعينهم تفيض من الدمع ﴾ ﴿ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ﴾ ومنها قاسية قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة، ومنها مائلة إلى الشهوة دون الغضب، ومنها على العكس، ومنها راغبة في المال دون الجاه، ومنها بالخلاف ومن الراغبين في المال من يرغب في العقار دون الأثمان والنقود، ومنهم من هو بالعكس.
ومما يؤكد هذه المعاني قوله وتعالى : ﴿ بإذن ربه ﴾ أي بتيسيره وهو في موضع الحال كأنه قيل: يخرج نباته حسناً كاملاً لوقوعه في طباق ﴿ نكداً ﴾ والنكد الذي لا خير فيه.
وتقدير الآية ونبات البلد الخبيث لا يخرج، أو البلد الخبيث لا يخرج نباته إلا نكداً فحذف المضاف الذي هو النبات وأقيم المضاف إليه وهو الضمير الراجع إلى البلد مقامه فانقلب مرفوعاً مستكناً بعد أن كان مجروراً بارزاً.
من قرأ ﴿ نكداً ﴾ بفتح الكاف فعلى المصدر أي ذا نكد ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك التصريف نردّد الآيات ونكررها ﴿ لقوم يشكرون ﴾ نعمة الله لأن فائدة التصريف تعود عليهم وإنما ختم الآية بالحث على الشكر لأن الذي سبق ذكره هو أن الله يرسل الرياح النافعة فيجعلها سبباً للمطر الذي هو سبب الملاذ والطيبات فهذا يدل من أحد الوجهين على وجود الصانع وقدرته، ومن الوجه الثاني على عظيم نعمته وقدرته فوجب من هذا الوجه مقابتلها بالشكر والله أعلم.
التأويل: عرّف ذاته للخلق بصفات الهوية والألوهية والقادرية والخالقية والمدبرية والحكيمية والاستوائية فقال: ﴿ إن ربكم الله ﴾ الآية وإنما خص ستة أيام لأن أنواع المخلوقات ستة: الأوّل الأرواح الإنسانية (ب) الملكوتيات منها الملائكة والجن والشياطين وملكوت السموات والأرض ومنها العقول المفردة والمركبة.
(ج) النفوس السماوية الأرضية.
(د) الأجرام البسيطة العلوية كالعرش والكرسي والسموات والجنة والنار.
(هـ) الأجسام البسيطة السفلية وهي العناصر، والأجسام الكثيفة المركبة من العناصر، فلما خلق الأنواع الستة استوى على العرش بعد الفراغ من خلقها استواء التصرف في العالم وما فيه.
وخص العرش بالاستواء لأنه مبدأ الأجسام اللطيفة القبلة للفيض الرحماني.
والاستواء كالعلم صفة من صفاته لا يشبه استواء المخلوقين كما أن علمه لا يشبه علم المخلوقين.
ومن أسرار الخلافة الروح تتصرف في النطفة أيام الحمل فتجعلها عالماً صغيراً، فبدنه كالأرض.
ورأسه كالسماء والقلب كالعرش، والسر كالكرسي، والقلب يقسم فيض الروح إلى القالب كما أن العرش يقسم فيض الإله إلى سائر المخلوقات ﴿ يغشى ﴾ أي يستولي ليل ظلمات النفس وصفاتها على نهار أنوار القلب وبالعكس.
﴿ ألا له الخلق ﴾ بواسطة ﴿ الأمر ﴾ بلا واسطة ﴿ ادعوا ربكم تضرعاً ﴾ بالجوارح ﴿ وخفية ﴾ بالقلوب.
أو تضرعاً بأداء حق العبودية وخفية بمطالب حق الربوبية ﴿ إنه لا يحب المعتدين ﴾ الذين يطلبون منه سواه ﴿ ولا تفسدوا ﴾ في أرض القلوب بعد أن أصلحها الله برفع الوسائط.
﴿ وادعوه خوفاً ﴾ من الانقطاع ﴿ وطمعاً ﴾ في الاصطناع، أو خوفاً من الاثنينية وطمعاً في الوحدة، أو خوفاً من الانفصال وطمعاً في الوصال.
﴿ إن رحمة الله قريب من المحسنين ﴾ الذين لا يرون سواه يرسل رياح العناية فينشر سحاب الهداية سحاباً ثقالاً بأمطار المحبة، سقناه لكل قلب ميت فأنزلنا به ماء المحبة فأخرجنا به ثمرات المكاشفات والمشاهدات، كذلك نخرج موت القلوب من قبور الصدور ولعلكم تذكرون أيام حياتكم في عالم الأرواح إذ كنتم في رياض القدس وحياض الأنس.
والبلد الطيب الحي يتخلق بأخلاقه الحميدة ﴿ كذلك نصرف الآيات ﴾ أي النفوس وصفاتها إلى أوصاف القلب وأخلاقه.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ .
وذكر ما بينهما في مواضع، ولم يذكر في مواضع، وذلك داخل في ذلك بقوله: ﴿ قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، الذي صنع ذلك ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا ﴾ ثم جمع اليومين الأولين مع هذا الذي ذكر فيه وقال: ﴿ فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ ﴾ ، ليعلم أن ذا خلق في يومين، ثم قال: ﴿ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ ، فتصير ستة الأيام التي أبهمها في غير ذلك، والله أعلم.
ثم قد بين - عز وجل - فساد قول كل من عبد غيره، وعجز كل ذلك عما له يُعبد وجهله بمعنى العبادة، وخروجه عن الاستحقاق بما فيه من آثار التدبير، وعليه من دلالة التقدير واستحقاق جميع معاني الخلقة، ودخوله تحت الصنعة، وحاجته إلى من احتاج إليه كل مما هي التي تبعث على العبادة وتوجب إظهار الذلة والخضوع لمن هو كذلك في الخلقة والجوهر، فألزمهم الفزع إلى من يدلهم إلى الرب الحق، ويدعوهم إلى المعبود المتعالي عن الأشباه والأضداد بما يوجب الشبه والمشاكلة، وفي وجوب ذلك دليل جاعل أخذ له شكلا، وذلك آية الصنعة ودلالة الحدث، وفي تحقيق الضد خوف ذهاب وفساد فتضمحل الألوهية وتستوجب حق الدخول تحت التقدير، والقيام على ما شاء من له التدبير؛ جل الله عن توهم ذلك، فأكرم من بعثته الحاجة إلى معرفته ورفعته الخلقة إلى العلم بمن أنعم عليه واختصه من بين كثير من خلقه بما ركب فيه ما به يدبر أمر غيره، وبه يعرف قدر النعم عليه لمن أكرمه به؛ ليشكر له فيما أولاه ويحمده على ما أعطاه، فمن بإظهار ذلك على لسان رسوله الذي عرف خلقه بما نصب من أدلة صدقه، وأبان من حجج عصمته عن الكذب فيما ينبئ، وإصابته فيما يخبر، فقال: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ﴾ \[أي\] الذي لا ربّ لكم سواه ولا لأحد من الخلائق، هو الله الذي لا إله غيره؛ ليوجهوا إليه العبادة في الحقيقة، وليؤدوا إليه شكر ما أنعم عليهم، وإن كانت نعمه أعظم من أن يجزيها العباد، وحقه أجل من أن يقوم به العباد، [و] لولا أن الله - - لم يورد من البيان على ربوبيته، والدليل على ألوهيته سوى ما أنطق به [على] لسان رسوله بعد الإيضاح أنه لا ينطق إلا بالحق، ولا يقول إلا الصدق لكان ذلك بياناً شافياً، لكنه بفضل رحمته بين الأدلة التي تحقق ذلك وتعلم أنه كما جاء به رسوله، إلا أن يعانَد الحق ويكابَر العقل، فقال عز وجل: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ ﴾ إلى آخر ما ذكر دلالة خلق ما ذكر من آثار التدبير وعجيب التقدير الذي به قوام كل ممن يحتمل المنافع والمضار واتصال ما بين السماء والأرض على تباعد بعض من بعض في المنافع مع جميع الأضداد التي من طبعها التنافر في أصل ما ذكر حتى صارت كالأشكال، بعد أن كانت السماوات والأرض مشبهة لا تشعر بما فيها من الحكمة، ولا بالذي فيه من أنه من أي وجه يقضي الحاجة؛ ليدل أن مدبّر الكل واحد، وأنه عليم حكيم وضع كل شيء موضعه ودل كل ذي عقل على الوجه الذي يظفر بحاجته، ويقيم به أوده، ويصل إلى بغيته، وسخر الذي ذكر، فصير كلا من ذلك جارياً دائباً بما لا ينتفع هو به، ولا مضرة عليه فيه؛ ليعلم أنه لغيره قدر ولحاجة غيره سير، وكذلك الذي جبل على القرار وأمسك عن الزوال من غير أن كان له في حقيقة أحد الوجهين نفع أو ضرر؛ ليعلم أن تدبير ذلك جرى لا له، ولكن لأهل الممتحنين الذين بهم يظهر العز والشرف ونيل الجود والكرم، ويعظم الملك والسلطان؛ إذ عندهم تمييز الأحوال، وتفريق الأمور، وتوجيه إلى حقه وإعطاء كل ذي فضل فضله.
فيعلم من هذا وصفه أنه لم ينشأ عبثاً، ولا خلق باطلاً؛ إذ به يعظم قدر كل خلق، ويشرف جلالة كل جليل، لم يجز إمهال مثله، فيكون خلق الجميع لغير شيء مما في ذلك من فنائه وتبدّده الذي في الحكمة قصد مثله في العقل يوجب العبث ثبت أنه خلق للمحنة ولدار البقاء، لكن جعل البقاء جزاء، والفناء محنة؛ ليكون البقاء هو المنتهى، فيعظم القصد في الابتداء؛ إذ فاسد أن يجعل المحنة للبقاء، فيدل على حاجة الممتحن مع ما في ذلك زوال الجزاء؛ إذ محال تقديمه على ما له الجزاء، والله الموفق.
ثم الأصل أن الله جعل العقل جزءاً من عالمه، وجعله دليلاً لأهله في معرفة المساوئ والمحاسن، وعلماً للتمييز بين الحكمة والسفه، وبين الإتقان والعبث، وجعله بالذي يعرف المحمود من المذموم، والمرغوب فيه من المزجور عنه، فلم يجز أن يكون إنشاء كل العالم على غير الحكمة؛ لأنه سفه، وهو بالذي جزء من العالم يعلم به الذميم من الحميد ثبت أنه أنشئ للحكمة.
وعلى ذلك تقدير كل عاقل على احتمال ما يضره وينفعه بحق الجزاء والمحنة، فثبت أن ذلك للمحنة، وأن المحنة ثم الهلاك بلا جزاء ولا نفع للممتحن عبث - أيضاً - وسفه، فلزم به القول بالبعث وإثبات دارين مما كان لكل شاهد دليل غائب يحمد عليه أو يذم، وكذا فعل كل ذي عقل إنما هو لعاقبة يحمد عليها، أو بفعل عبث فيذم عليه.
فعلى ذلك أمر تدبير هذه الدار من أخرى، فلا يجوز أن يخلي الجملة عن الدلالة، ولا يخلو كل جزء منها؛ إذ جملة الأفعال عن العواقب، والواحد منها إذا خرج يصير عبثاً وسفهاً، فثبت بالذي ذكرت القول بالتوحيد، وبالدارين، وبالرسالة؛ إذ بها تعرف العواقب بما هي غائبة، وحقائق كل غائب تعرف بالإخبار عنها والدلالة عليها، ثم لا دلالة على ماهية الجزاء ولا بالشكر ولا العبادة، إنما الدلالة من حيث التدبير على العلم بها جملة، فلزم القول بالرسل، ولا قوة إلا بالله.
ثم قوله: ﴿ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ يحتمل وجهين.
أحدهما: خلق أصول الأشياء التي يكون غيرها بحق التولد عن ذلك والانقلاب.
ويحتمل أن يكون على خلق كليّة كل شيء، مما عليه تركيب هذا العالم إلى أن يبدل بعالم آخر، لا يبيد ولا يفنى؛ فإن كان على الأول فهو ستة من السبعة التي عليها مدار المدد والأزمنة؛ إذ جعل - جل ثناؤه - جميع ما ذكر من الخلائق تحت الأزمنة والأوقات، ويزول بزوال مدارها، وكذلك عندنا كل الحوادث؛ إذ لكل منها بدء يصير ذلك وقت ابتدائه، وذلك ينقض على الباطنية قولهم: المبدع الأول لا يقع عن الزمان والمكان، وأنه لا يبيد ولا يفنى، ولو كان كذلك لم يكن مبدعاً، ولكن كان قديماً لا يقع عليه الإبداع، فلمّا وقت ثبت له البدء؛ فيجب وصفه بالوقت من حيث الابتداء، وهو - أيضاً - معلول عندهم، وعلته فيه وهو الإبداع، مما لو زالت علته لباد، وإذا ثبت أنه معلول ثبت أن علة أوجبته وأحدثته بعد أن لم يكن، فوجب له وقت به كان أو كان فيه، والله أعلم.
ثم على هذا كان إنشاء من ذكر في الأيام الستة، ولم يذكر في ذلك ممتحناً؛ فيشبه أن يكون وقت كون الممتحنين يوم السابع، وبهم تم ظهور الملك، واستوى على العرش، وهو الملك إذا لم يكن قبل ذلك من له التمييز، ومعرفة الملك والسلطان، وقدر العلم بالمحامد والمعالي، وأضداد ذلك إنما يكون بأولئك الذين ركب فيهم العقول، وأكرموا بالتمييز، ومما لهم يجعل العالم وهم المقصودون من الإنشاء؛ لذلك جعل كل من سواهم مسخراً لمنافعهم، داخلاً تحت أفهامهم، مما يحتمل أكثر ذلك تدبير ليعلم أنهم قصدوا لأنفسهم، أو لمعرفة ما عليهم من شكر النعم والعبادة، فكان بهم ظهور تمام الملك، وبلوغه النهاية، فأخبر بالاستواء إذ هو وصف العلو والرفعة، ووصف التمام في الرتبة والقدر؛ كقوله: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾ وذلك في معنى الاستواء على العرش؛ من حيث ظهور الملك، وبيان الحجة والربوبية للمستدلِّين والمعبرين.
وإن كان التأويل هو الثاني يخرج على وجهين.
أحدهما: ما قال بعض أهل التفسير: إن كل يوم من أيام الآخرة، وذلك ألف سنة، لم يبين لنا مقدار ذلك؛ فجائز أن يكون منتهى تدبير هذا العالم إلى ذلك ستة أيام، بمعنى ستة آلاف سنة على القدر الذي قدره الله، ثم يكون اليوم السابع هو يوم القيامة، لا يبيد أبداً، ولا ينقضي، فيه يبدل العالم، ويُقر كل ممتحن له بالملك والجلال، وإن كان كذلك في الأزل ففي ذلك اتفاق القول من طريق الاختيار، والعلم بذلك من كل جبار وغيره.
وعلى نحو ما قيل: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ﴾ وقيل: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ وقيل: ﴿ وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ ونحو ذلك.
على أن له الملك أبداً، وكذلك لم يكن يخفى عليه شيء، لكن ذلك مما يعلم كلٌ أنه كذلك، فبذلك يتم ظهور كل معنى من ذلك، وإن كانت حقيقته موجودة قبل ذلك.
وعلى ذلك القول: ﴿ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ ﴾ ونحو ذلك.
إنه إذ ذلك يظهر لكل معلومه: فأضيف إليه بحرف الابتداء، وهو عن ذلك متعال؛ فعلى هذا جميع ما بيّنا، وبذلك ظهور تمام شرائط الملك، والاعتراف من الكل بذلك، والله أعلم.
والثاني: أن تكون تلك الأيام الستة على ما في علم الله تقديرها، لا يعلمه أحد سواه إلا من طريق الجملة التي أدى، وقد بيّن يوماً كخمسين ألف سنة، ويوماً كألف سنة حده لا يعلمه غيره، ثم كان يوم السابع يوم تبلى السائر وتقع العقوبة والمثوبة، وهو المقصود من خلق العالم الأول؛ فيكون ما ذكرت من تمام الظهور، والله الموفق.
وعلى هذا لو قيل لما قيل يحملون العرش، ﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ﴾ - قيل: ليس أن المراد من هذا العرش الأوّل، وجائز أن يكون هذا هو السرير المعروف، منشأه من النور، ومما شاء؛ ليكرم به أولياءه يوم القيامة، والأول هو الملك الذي ظهر تمامه وعلوه على ما بينا.
ثم لو كان العرش الذي قال - عز وجل -: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ ﴾ هو ما فهمه أهل التشبيه من مكان، لم يكن ليجب أن يفهم من الاستواء عليه الاستقراء.
وأن يكون لله مكان يوصف بالكون فيه وعليه؛ لأنه ليس في كون أحد في مكان - وإن جل قدره، وعظم خطره - رفعة ولا نباهة فيما يتعارف من أمر الملوك والأجلة، بل كل منسوب إلى مكان من جهة التمكين فيه والقرار، منسوب إلى استعانة وحاجة منه إليه، جل الله عن ذلك، وعلى أنه إما أن يكون مثله أو أعظم منه، لكان له عديلاً بالعظمة أو دونه، ومن السخف الجلوس على مكان لا يطمئن به أو يقصر عنه، إذ قد يجوز أن يزاد فيه؛ فيكون أعظم منه، جل الله عن هذا الوصف وتعالى.
"بل كان ولا مكان فهو على ما كان يتعالى عن الاستحالة والتغير": إذ هو أثر الحدث، وأمارة الكون، بعد أن لم يكن، ولا قوة إلا بالله.
ثم الأصل أنه لو كان فهو بإضافة الله إلى العلو عليه تعظيماً له، وعلى ذلك في كل [شيء] يضاف إلى الله أو لله إليه من جهة الخضوع فهو على تعظيم ذلك، لا على أن يفهم منه ما يفهم مثله من الخلائق؛ نحو القول بأن المساجد لله، وناقة الله وزينة الله، وحدود الله، ونحو ذلك.
فما بال المشبهة فهمت من إضافة الاستواء على العرش المعنى المكروه على احتمال الاستواء معاني سوى الذي ذكر، أو أن يقال: استوى: ثم واستوى: قصد، واستوى: علا، واستوى: استقر، واستوى: استولى؛ فإذا [كان] معناه يتوجَّه إلى هذه الوجوه، لم يحتمل أن يكون أحد يقدر من ذلك؛ إذ هو ما يتوجه إليه، ويعتمد عليه لولا الجهل به.
ثم الأصل أن الإضافات إلى الأشياء يفترق المقصود بها، وإن كان في ظاهر المخرج واحداً باختلاف مَنْ إليه القصد بالإضافة، والإضافة جميعاً.
يقال: جاء الحق، وجاء فلان، وبيت فلان، وبيت الله.
وقيل في الملائكة: ﴿ وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً ﴾ ، وقال في الفسقة: ﴿ أُولَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ﴾ ، ونحو ذلك لا على الجمع في المعنى، فالاستواء الذي يتوجّه إلى وجوه أحق بذلك، والله الموفق.
ثم قد قيل في قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ بوجوه.
أحدها: ما قال أبو بكر الأصم: هو [على] التقديم والتأخير، كأنه قال: إن ربكم الله الذي استوى على العرش ثم خلق ما ذكر؛ فيكون معناه: خلق كذا، وقد استوى على العرش؛ كقوله ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ بمعنى: وقد جعل منها زوجها، وعلى هذا ليس في قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ...
﴾ ﴿ ...ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ الشبهة التي في الأول كما لم يكن في قوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ﴾ إذا صرف إلى "عند" شبهة؛ فيكون: وقد استوى: خلق العرش؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾ بمعنى: ثم خلق السماء أو قصد خلقها، ونحو ذلك.
وقال الحسن: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ أي: استوى عليه أمره، وصنعه، أي: لم يختلف عليه صنع العرش، وأمره، - وإن جل - أمر غيره وصنعه، كقوله: ﴿ مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ على استواء الأمر في التدبير والصنع.
وقال الحسن: معناه: استولى على العرش، كما يقال: استوى فلان على بغداد، بمعنى: استولى.
وقال قوم: معناه: استوى عليه، وهو فوق كل شيء في القدرة والعظمة، تعظيماً له على غير اختلاف عليه في التحقيق بينه وبين غيره؛ كالذي ذكر بأن الأمر كله يوم القيامة له، والمساجد له، على التفصيل دون تخصيص له في ذاته من حيث ذلك.
وقال قوم: إذ كان العرش فوق كل شيء في تقدير المعارف، فقال: هو علاه بمعنى لا يوصف في الخلق، ولكن على ما كان، ولا خلق.
ونحن نقول - وبالله التوفيق -: قد ثبت من طريق التنزيل بأنه استوى على العرش، وقد لزم القول بأنه ليس كمثله شيء، وعلى ذلك اتفاق القول ألاَّ يقدر كلامه بما عرف من كلام الخلق، ولا فعله به، وما يوجبه، ولا علمه، ولا ما قيل: هو ربّ كذا، أو مالك كذا، لا يراد به المفهوم من الخلق، لكن الوجه الذي يليق به، وما يوجبه حق الربوبية؛ فمثله في الأوّل.
ثم يلزم تسليم المراد لما عنده إذ لم يبينه لنا، وقد ثبت نفي ما يفهم من غيره.
وبعد؛ فإن القول فيه بالمكان يفسد بالذي به يحتج بوجوه.
أحدها: إن قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ إخبار عن فعله الذي في التحقيق، يضاف إليه في خلق [الخلق] على اختلاف المخرج في القول؛ نحو: أن ذكر مرة أبدع، ومرة ﴿ فَطَرَ ﴾ ، ﴿ وَجَعَلَ ﴾ ، ﴿ وَأَنزَلَ ﴾ وأثبت، وكتب، ﴿ وَأَعْطَىٰ ﴾ ، وأنشأ، وغير ذلك من الألفاظ.
حقيقة ذلك: أنه خلق إذ ذلك معنى فعله في الحقيقة، وعلى ذلك كون وفعل وأمر في بعض المواضع، ثم يجب توجيه كل من ذلك إلى الوجه الذي يليق فيه القول بخلق، وكذا في ﴿ هُدًى ﴾ ﴿ وَأَضَلُّ ﴾ ﴿ وَزَيَّنَ ﴾ وأتقن وأحكم، ونحو ذلك.
فكذلك في قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ يجب أن يقابل ذلك بخلق؛ إذ هو إضافة إلى فعله.
ثم يخرج على وجهين.
أحدهما: ثم خلق العرش، ورفعه، وأعلاه، بعد أن كان العرش على الماء؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ ، وليس ثم تَنَقُّلٌ من حال إلى حال؛ إذ لو كان كذلك لكان يصير حيث ثم ينتقل من خلق إلى خلق فيما يخلق، فيكون في الوقت الذي يصير إلى العرش صائراً إلى الثرى، وفي الوقت الذي يحدث خلق ما في الأرض؛ وما في السماء، متنقلاً من ذا إلى ذا، وذلك تناقض فاسد، وفي ذلك بطلان معنى القول بالاستواء على العرش، بل يكون أبداً غير مستوٍ عليه حتى يفرغ من خلق جميع ما يكون أبداً، وذلك متناقض فاسد، جل الله عن هذا التوهم، وبالله التوفيق.
والثاني: أن يكون قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ أي: إلى العرش في خلقه، ورفعه، وإتمامه، دليل احتماله على ذلك أن [على] من حروف الخفض [و] قد يوضع بعض موضع بعض؛ كقوله: ﴿ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ بمعنى: عن الناس، وقوله: ﴿ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ﴾ بمعنى: عند ربهم، مع ما قال الله: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ ﴿ وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ ﴾ بمعنى إليه، وعلى ذلك: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ \[أي\]: إلى العرش وهو على الماء كما ذكر ما فرفعه وأتمه؛ كما قال: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ ، فخلق ما ذكر، والله أعلم.
[والوجه الثاني: المذكور في الآية من اسم الرب وخلق ما ذكر وتسخير الذي وصفه ثم لم يتوهم في شيء من ذلك المعنى الذي يضاف إلى الخلق أنه رب كذا أو سخر كذا أو صنع كذا ملحد ولا موحد فكيف احتمل قلبي المشبهي في قوله: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ ﴾ لولا جهله به وتقديره بالذي عليه أمر نفسه، والله الموفق].
والثالث: أن الناس في خلق الله الخلق مختلفون.
فمنهم من جعله الخلق نفسه، دون أن يكون الله بذاته يلحقه وصف سوى إضافة الخلق إليه في أن كان به، فعلى ذلك قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ إنما هو ما ذكر من غير أن كان يلحقه وصف لم يكن له.
ومنهم مَنْ يراه خالقاً بذاته؛ ليكون جميع الخلائق إلى الأبد بتكوينه الذي يعبر عنه بقوله: كن من غير أن كان ثَمَّ كاف أو نون على كون كل شيء عليه به من غير تغيير عليه، ولا زوال عما كان عليه إذ لا شيء غيره، فكل معنى لو حقق أوجب تغيراً أو زوالاً أو قراراً أو نحو ذلك، فالله يجل عنه ويتعالى؛ إذ ذلك علم الحدث، وأمارة الغيرية، ولا قوة إلا بالله.
والرابع: هو الذي يرى فعله على ما عليه فعل الخلق من التحرك والزوال والسكون والقرار، إضافة من ذلك وصفه إلى مكان دون مكان، وحال دون حال، محال فاسد؛ لذلك بطل القول بالمكان في جميع الأقاويل، وأيّد الذي ذكرت ما ختم به الآية من قوله: ﴿ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ وصف ذاته بالربوبية [و] بالتعالي عن جميع معاني المربوبين؛ إذ من حيث التشاكل يوجب خروجه من أن يكون ربّاً، والآخر [من أن يكون] مربوباً، فإذا ثبت أن كل شيء من كل جهة مربوب ثبتت سبحانيته من ذلك الوجه، والله الموفق.
ثم قوله: ﴿ خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ هو على وجهين: أحدهما: إضمار ما بينهما على ما جرى الذكر به في غيره.
والثاني: أن ذكر من وقت ابتداء الكون إلى الانتهاء لا على تحقيق ذلك في كل وقت كما يقال: كان كذا [في شهر كذا] لا على إحاطة كلية أجزاء الشهر به؛ فمثله معنى ﴿ سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ ومعنى التوقيت ليس على حاجة إلى ذلك؛ إذ الوقت داخل فيما خلق، لكن على وجوه، وإن كان الله وتعالى قادراً على إنشاء جميع ما ذكر بدفعة واحدة: أحدها: ما ذكرت من معنى أن الأيام لمدار مدد الخلق وأطول ما عليه تفنى الأعمار.
والثاني: على بيان منتهى العالم.
والثالث: على إدخال كل ذلك مع علو درجات كثير منها وجلالة أقدارها في الأعين، حتى لا أحد ينظر إليها إلا [بعين] التعظيم، وحتى بكثير منها قام تدبير العالم و [حتى عبد] دون الله تعظيماً، وإن كان في ذلك دلالة خروجه عن الاستحقاق، فصيرها الله داخلة تحت الأزمنة والمدد مقهورة بها، حتى لو أريد بكل جهد وحيل إخراج شيء من ذلك أو تخليص الجبابرة من ذلك، لما تهيأ لهم ليعلم ذلة الخلق وأمارات الحدث، وعلامة الحاجة، ثم كانت الأوقات مترادفة متتابعة، لو أسقطت عنها الأولية لبطل الكل، ولما جاوز الحساب بالواحد، ولما انتهى إلى ما هو بعد لما مضى ليعلم به أوليّة كل شيء من العالم، وحدثه مع ما جعلت الأيام تدور على [أمر] واحد بها بجميع المحتاجين ممن ذكرت، فثبت لذلك بأسماء معروفة أمكن قصد كل منها على الإشارة إليه باسمه المعروف يحفظ فيه المواعيد، ويعلم به ما يجب من الحقوق، ويبطل، والله أعلم.
ثم الأصل إذ جعلت هذه الدار دار المحنة، والمحنة إنما كونها تختلف الأحوال جعلت الأحوال مختلفة، نحو: موت وحياة، وصحة وسقم، وغنى وفقر، وجمع الخلق على حالة منها بأضدادها، وفي ذلك الجهل باللذات والآلام، فيجب بذلك اختلاف الأحوال، وعلى ذلك جرى أمر خلق الخلائق، وعلى هذا أمر الأرزاق وغير ذلك، فعلى ذلك أمر خلق ما ذكر في أيام مختلفة ثم يجمع في البعث بمرة، وفي حال من حال اللذات، والبعث بمرة مع ما كان اختلاف الأحوال أقرب إلى الدلالة، وأوضح للحجة؛ فلذلك جعل في هذا الدار إلزام الحجة وإظهار المحنة والكلفة، والله الموفق.
والأصل أن العقول إنشاءات متناهية تقصر عن الإحاطة بكلية الأشياء، والأفهام متناقصة عن بلوغ غاية الأمور؛ إذ هن من أجزاء العالم الذي هو بكليته متناهٍ، وأسباب الإدراك التي يدرك بها بأداء المشاعر التي تعجز عن كنه ما يقع عليها من الظواهر، فضلاً عما استتر منها، وإذا كان هذا وصف ما يدرك به مبلغ الحكمة، فهو قاصر عن الإحاطة بالحكمة الموضوعة من البشر، فمن رام الإحاطة بها أو بلوغ حكمة الربوبية من غير إشارة منه، فهو يظلم العقل، ويحمل عليه ما يعلم عجزه عنه، ومعلوم أن المذكور من الأيام في خلق ما ذكر حكمة بالغة، وإن قصرت العقول عن الإحاطة [بها]؛ إذ الذي قدّرها هو الذي حمد الحكمة، وأوجب لأهل العقل [في] ذمّ السفه وأهله، فأوجب ذلك تحقيق الحكمة لذلك، وإن لم يبلغها إلا مقدار ما يكرم به، والله الموفق.
وقوله: و ﴿ مُسَخَّرَاتٍ ﴾ ما ذكره، فكذلك سخرهن بالسير فيما يرجع إلى منافع الخلق، وجعل فيهن آية لولا العيان لم يكن يصدق به أحد ممن يجحد البعث والرسل ونحوهم، إذ الخبر عن سير جوهر واحد في اليوم الواحد مسيرة أكثر من ألف سنة، وتولد جواهر بمعونة من يبعد عنه مقدار خمسمائة [عام] ونضج كل شيء وصلاحه به أبعد عن احتمال القبول من إعادة شيء بعد الفناء أو إرسال الرسل بإعلام ما خفي من المصالح والأمور، إذ ذلك أمر متعالم في صنع الخلق معاني ذلك فيما به تقلّب الزمان من الليل والنهار، ولكن الله أظهر لهم من قدرته، وعظيم حكمته بما بسط لهم [الأرض] بغلظها وسعتها، ورفع عليها السماء بغير عمد ترى، فأقر كلاً من ذلك لحاجة أهلها إلى إقرارها، وسيّر فيها بالتسخير ما ذكر؛ لحاجة الأهل في تسيير ذلك؛ ليعلم ألا يعجزه شيء ولا يخفى عليه أمر، ولا يدخل في تدبيره عوج، ولا في خلقه تفاوت، وأن الذي أظهر إذا قوبل بالذي وعد يضاعف عليه بوجوه له مع ما كان الذي أظهر هو إبداع على غير احتذاء، وإنشاء الإعادة، والله الموفق.
ثم من عجيب قدرته في قوله: ﴿ يُغْشِي ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ﴾ أن الله يظهر النور في ابتداء النهار من طرف [من أطراف] السماء، والظلمة في أوّل الليل، ثم ينشر ذلك ويبسطه في جميع أطراف السماء والأرض، وما بينهما من جميع الأقطار والجوانب، في قدر لحظة بصر، وطرفة العين، ما لو أريد تقدير ذلك بالهندسة، وبجميع ما في الخلق من المقادير لما أحيط بالذي انبسط ذلك النور والظلام؛ ليعلم أن الله على ما يشاء قدير، وأنه لو أراد لخلق جميع ما ذكر في أدق مدة وألطف وقت، وأنه القادر على البعث، وجميع ما جاءت به الرسل، على أنه بالذي ذكرت يلبس وجوه كلية الأشياء السنن، ويجليها بطرف عين بالتدبير، والعلم الذي [له] يوجب ذلك مما يعجز عن توهم مثله جميع الحكماء، فضلاً عن إدراكه؛ ليعلم أنه عليم لا يجهل، عزيز لا يعجزه شيء، حكيم لا يتفاوت صنعه، ولا يتناقض تدبيره، ولا قوة إلا بالله.
وقريباً من ذلك ما جعل في جوهر الإنسان من البصر الذي يبصر بأول أحوال الفتح قدر خمسمائة سنة، والفكر الذي يبلغ به من غير أن يزول عن مكانه، منتهى مرجع الخلق من الجنة والنار، ويبصر به المعاد والمعاش، والعقل الذي يعرف حقائق من غاب عنه وحضر، مما له صورة وطينة أو إحداهما وما ليس له واحد من الأمرين على قصور الحواس عن إدراك صورة شيء لا طينة له؛ ليعلم أن الذي قدر على تقدير مثله في جوهر واحد وعلم كيف يصنع فيه؛ ليعلم ذلك العلم، قادر على كل شيء، حكيم، عليم.
وهذا معنى ما قيل إن الإنسان هو العالم الصغير، بمعنى أنه يوجد فيه لكل أمر من الأمور للعالم الكبير فيه مثالاً، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ .
قال أبو بكر: يحتمل وجهين: أحدهما: أنه أمره كما يقال: أتاه أمر الله، أي: الموت، والعذاب، ونحو ذلك على إرادة ذلك [الذي نزل به].
والثاني: أن يطلعن ويغربن بأمر توحيد الله والإيمان به بما هو فيهن من عجيب الحكمة، ورفع التقدير.
وقال الحسن: بأمره الذي به كون الأشياء من "كن".
فالقول الأول هو قول من لا يرى خلق الخلق غير الخلق.
والثاني: قول من يرى "كن" عبارة عن التكوين الذي يكون [به الخلق] [أبد الآبدين] من غير أن كان ثَم في الحقيقة كاف أو نون.
لكنه جاء ما يفهم به المراد من الكلام يراد في ذلك نفي الصعوبة عنه، وتيسير الأمر عليه، [وذلك] يكون في الحقيقة غير الخلق إذ أخبر في الخلق أنه كان به، وكل شيء يكون بشيء في المتعارف من القول يكون غيره.
وكذلك قوله: ﴿ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ ﴾ فيه وجهان: أحدهما: الإخبار عن تكوين الخلق الذي هو له.
والثاني: عن الأمر في خلقه بما شاء ولا يُرَدُّ شيء من أمره عن الوجه الذي أمر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُغْشِي ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ ﴾ يذهب بضوء النهار ظلمة الليل، وضوء النهار بظلمة الليل، إذا جاء هذا ذهب سلطان الآخر.
﴿ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ﴾ قيل: سريعاً، وهو أن الله - عز وجل - يظهر النور في ابتداء النهار في طرف من أطراف السماء، والظلمة في أول الليل، ثم ينشر ذلك في جميع أطراف السماء والأرض وما بينهما من جميع الآفاق والجوانب في قدر لحظة بصر وطرفة عين، ما لو أريد تقدير ذلك بجميع ما في الخلق من المقادير ما قدروا عليه؛ ليعلم أن الله على ما يشاء قدير، وأنه لو أراد أن يخلق جميع ما ذكر أنه خلق في ستة أيام لقادر أن يخلقه في طرفة عين، لكنه خلقه في ستة أيام لحكمة في ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ﴾ لا يكون مما ذكر طلب حقيقة، لكن ذكر الطلب؛ لأن ما كان من كل واحد منهما للآخر لو كان ممن يكون له الطلب كان طلباً وهرباً من غلبة كل واحد منهما صاحبه، وهو ما ذكرنا في قوله : ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ أنها أنشئت على هيئة وجهة لو كان ذلك ممن يكون منه التغرير كان غروراً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ﴾ أي: بتكوينه، أي أنشأها، وكَوَّنَها مسخرات لهم.
[و] قال بعضهم بأمره ينفعن البشر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ ﴾ .
قال بعضهم: الأمر ها هنا هو التكوين.
وقيل: ألا له الخلق والتدبير في الخلق.
وقيل: له الأمر في الخلق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ : الله عما فهمت المشبهة من قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ .
وقوله: ﴿ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ ﴾ .
قال بعضهم: ادعوا، أي: اعبدوا ربكم؛ كقوله: ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ﴾ ذكر في الابتداء الدعاء وفي آخر العبادة، فكان الأمر بالدعاء أمراً بالعبادة.
وقال بعضهم: الدعاء ها هنا هو الدعاء، وقد جاء "أن الدعاء مخ العبادة"؛ لأن العبادة قد تكون بالتقليد، والدعاء لا يحتمل التقليد، ولكن إنما يكون عند الحاجة لما رأى في نفسه من الحاجة والعجز عن القيام بذلك؛ فعند ذلك يفزع إلى ربه، فهو مخ العبادة من هذا الوجه.
وقال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ ﴾ أي: وحِّدوا ربكم تضرعاً وخفية.
قيل: ﴿ تَضَرُّعاً ﴾ خضوعاً، ﴿ وَخُفْيَةً ﴾ إخلاصاً.
وقيل: ﴿ تَضَرُّعاً ﴾ : ظاهراً.
﴿ وَخُفْيَةً ﴾ : سراً.
وأصله: أن اعبدوا ربكم في كل وقت وكل ساعة، أو ادعوا خاضعين مخلصين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ ﴾ : قيل: المتجاوزين الحد بالإشراك بالله.
وقيل: لا يجب الاعتداء في الدعاء؛ نحو أن يقول: اللهم اجعلني نبياً أو ملكاً أو أنزلني في الجنة منزل كذا، وموضع كذا.
وروي عن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: "اللهم إني أسألك الفردوس؛ وأسألك كذا، فقال له عبد الله: سل الله الجنة، وتعوذ به من النار، فإني سمعت النبي يقول: سيكون قوم يعتدون في الدعاء والطهور" ويحتمل الاعتداء في الدعاء: هو أن يسأل ربه ما ليس [هو] بأهل له؛ نحو: أن يسأل كرامة الأخيار والرسل.
وأصل الاعتداء: هو المجاوزة عن الحد الذي جعل له.
وعن الحسن، قال في قوله: ﴿ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ﴾ : علمكم كيف تدعون ربكم، وقال للعبد الصالح [حيث] رضي دعاءه: ﴿ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً ﴾ .
وقال أنس، قال رسول الله : "عمل البر كله نصف العبادة، والدعاء نصف العبادة" ومنهم من صرف قوله: ﴿ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ﴾ إلى الدعاء، وقال: يكره للرجل أن يرفع صوته في الدعاء، ويروون على ذلك حديثاً عن النبي أنه سمع قوماً يرفعون أصواتهم في الدعاء، فقال: "أيها الناس إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، ولكن..." وقوله: ﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ﴾ بعد ما بعث الرسل بإصلاحها من الدعاء إلى عبادة الله، والطاعة، ويأمرون بالحلال، وينهون عن الحرام.
وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ﴾ : بعد ما خلقها طاهرة عن جميع أنواع المعاصي، والفواحش، وسفك الدماء، وغير ذلك.
ويقال: ﴿ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ﴾ بعد ما أعطاكم أسباباً تقدرون [بها] على الإصلاح، وما به تملكون إصلاحها.
وجائز أن يكون المراد بإصلاح الأرض: أهلها، أي: لا تفسدوا أهلها؛ وهو كقوله: ﴿ وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا ﴾ والقرية لا توصف بالعتوِّ، ولكن أهلها.
وقوله - عز وجلّ - ﴿ وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ .
قال بعضهم: خوفاً: لما كان في العبادة من التقصير، وطمعاً في التجاوز والقبول؛ لأنه لا أحد يقدر أن يعبد ربه حق عبادة لا تقصير فيها.
وعلى ذلك روي عن رسول الله أنه قال: "لا يدخل الجنة أحد إلا برحمته، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟:!
قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" وعلى ذلك ما روي: "أن الملائكة يقولون يوم القيامة: ما عبدناك حق عبادتك" ويجب على كل مؤمن أن يكون في كل فعل الخير خائفاً، راجياً الخوف للتقصير، والرجاء للقبول.
وقال بعضهم: خوفاً من عذابه ونقمته، وطمعاً في جنته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
قال أهل التأويل إن الجنة قريب من المحسنين، ويقولون: أراد بالقريب: الوقوع فيها، والنزول، ويحتمل أن يكون المراد بالرحمة صفته، فيكون تأويله: إن منفعة رحمة الله قريب من المحسنين.
وقال الحسن: إن رحمة الله - وهي الجنة - قريب من الخائفين.
وقال بعضهم: في قوله: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ أي: إجابة الله قريب إلى من استجاب دعاءه، ويحتمل ما ذكرنا من منفعة رحمة الله قريب إلى من ذكر.
ثم المحسنين يحتمل المحسنين إلى أنفسهم، أو المحسنين إلى خلقه، أو المحسنين إلى نعم الله، أي: أحسنوا صحبة نعمه، والقيام لشكرها، واجتناب الكفران بها.
أو يريد الموحدين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ .
يذكرهم عز وجل في هذا حكمته وقدرته ونعمه؛ ليحتج بها عليهم بالبعث، أما حكمته فبما يرسل الرياح والأمطار، ويسوقها إلى المكان الذي يريد أن يمطر فيه ما لم يعاينوا ذلك وشاهدوه ما عرفوا، أنْ كيف يرسل المطر من السماء، وكيف يرسل الريح، ويسوق السحاب، ففي ذلك تذكير حكمته إياهم.
وأما نعمه: فهو ما يسوق السحاب بالريح إلى المكان الذي فيه حاجة إلى المطر، فيرسل على ذلك المكان المطر، وذلك من عظيم نعمه؛ ليعلم أن ذلك كان برحمته، لا أنهم كانوا مستوجبين لذلك.
وأما ما ذكرهم من قدرته: فهو ما ذكر من إحياء الأرض بعد ما كان ميتة؛ ليعلم أن الذي قدر على إحياء الأرض، وإخراج النبات والثمر بعدما كان ميتاً، لقادر على إحياء الموتى وبعثهم بعد موتهم، على ما قدر على إحياء الأرض بالنبات وإحياء النخل بالثمار بعدما كان علم كلٌّ أن لا نبات فيها ولا ثمار فيه؛ فإذا خرج النبات منها والثمار من النخيل على ما خرج في العام الأول، دل ذلك على وحدانيته وقدرته على إحياء الموتى وبعثهم بعدما ماتوا وصاروا تراباً على قدر ما ذكرنا، والله أعلم.
وفي قوله: ﴿ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ دلالة ألا تفهم من اليدين الجارحتين على ما يفهم من الخلق، كما لم يفهم أحد بذكر اليد في المطر الجارحة؛ لأنه لا جارحة له؛ فعلى ذلك لا يفهم من ذكر اليد له الجارحة من قوله: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ لم يفهم من قوله: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ الجارحة للقرآن، فعلى ذلك لا يفهم [مما ذكر] من يديه الجارحة، ومن فهم ذلك فإنما يفهم لفساد في اعتقاده.
وكذلك ما ذكر من الاستواء على العرش، والاستواء إلى السماء، لا يفهم [منه ما يفهم] من استواء الخلق؛ لأنه بريء عن جميع مشابه الخلق، ومعانيهم، وهو ما وصف حيث قال: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: يرسل الرياح - نَشْراً - نَشَراً - بُشْرى - والنشر: هو من جمع نشور، وهو من الإحياء، ونشراً من التفريق، وبشْرى بالباء -: من البشارة، ثم قيل في قوله: "نشراً" الله عز وجل هو الذي يفرق ويسوق ذلك السحاب.
وقيل: الريح هو الذي يرسل، ويسوق ذلك السحاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً ﴾ قيل: أقلت: حملت.
وقيل: رفعت الماء، وهو واحد، ثقالاً مما فيه من الماء ﴿ سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ ﴾ إلى بلد ميت، فأنزلنا به الماء؛ أي: البلد.
﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ .
[قال بعضهم: من كل الثمرات ما يشاهدون من الثمرات].
كذلك يخرج الموتى بعد ما ماتوا وذهب أثرهم كما أخرج النبات والثمار من الأرض والنخل من بعد ما ماتوا وذهب أثر ذلك النبات وذلك الثمار، فعلى ذلك يخرج الموتى بعد ما ذهب أثرهم حتى لم يبق شيء.
﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ : وتتفكرون وتعرفون قدرته وسلطانه على الإحياء بعد الموت، أو تذكرون، أي: تتعظون.
وبعد، فإن إعادة الشيء في عقول الخلق أهون وأيسر من ابتداء الإنشاء.
ألا ترى أن الدهرية والثنوية وهؤلاء قد أنكروا الإنشاء لا من شيء، ورأوا وجود الأشياء وخروجها وإعادتها عن أصل وكيان وهو ما ذكر.
"وهو أهون عليه"، أي: في عقولكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً ﴾ .
ذكر المثل ولم يذكر المضروب، وأهل التأويل قالوا: ضرب المثل للمؤمن والكافر، ثم يحتمل ضرب المثل وجوهاً.
أحدها: أنه وصف الأرض التي يخرج منها النبات بالطيب، ووصف الأرض التي لا يخرج منها النبات بالخبث، فعلى ذلك المؤمن لما كان منه من الأعمال من الطاعة لربه، والائتمار لأمره موصوف هو بالطيب، وجعله من جوهر الطيب، والكافر لما يكون منه من الأعمال الخبيثة، ولا يكون له من الأعمال الصالحة من الطاعة لربه خبيث، كما أن الأرض التي يخرج منها النبات الذي ينتفع به موصوفة بطيب الأصل والجوهر، والتي لا يخرج منها النبات ولا ينتفع به موصوفة بخبث الأصل.
وأمكن أن يكون من وجه آخر، وهو أن الله - عز وجل - جعل هذا القرآن مباركاً، شفاء للخلق على ما وصفه الله في غير موضع من الكتاب، ووصف الماء الذي ينزل من السماء بالبركة والرحمة، فإذا نزل ذلك الماء المبارك في الأرض الطيبة الجوهر، خرج منها النبات، والأنزال ينتفع بها، وإذا نزل في الأرض السبخة الخبيثة، لم يخرج لخبث أصلها، فعلى ذلك هذا القرآن هو مبارك شفاء، فيسمعه المؤمن، فيتبعه، ويعمل به، والكافر يسمعه ولا يتبعه، ولا يعمل به، فصار مثل المؤمن الذي يسمع هذا القرآن ويتبعه ويعمل بما فيه، كمثل الماء الذي يدخل في الأرض فيخرج منه النبات؛ لطيب جوهرها وأصلها، والكافر مثل الأرض التي لا يخرج منها النبات لخبث أصلها وجوهرها، وأصله: أنه ضرب مثل الذي هو مستحسن بالعقل بالذي هو مستحسن بالطبع؛ لأن ما حسن في الطبع فإنما معرفته حسن، وما حسن في العقل فإنما يعرف حسنه بالدلائل وهو غائب، فضرب مثل الذي معرفة حسنه بالعقل [وهو غائب بالذي معرفة حسنه حس ومشاهدة فالإيمان حسن وغائب ضرب مثله بالذي طريق معرفة حسنه بالحس] والمشاهدة، وهو ما ذكر من النبات الذي يخرج من الأرض، وذلك يدلّ على طيب أصلها وجوهرها، والتي لا تخرج شيئاً [هو] لخبث جوهرها وأصلها، فعلى ذلك المؤمن والكافر، ثم حسن عمل هذا وطيبه وقبح عمل الآخر وخبثه إنما يظهر في الآخرة وذلك يوجب البعث لأنهما جميعاً استويا في هذه الدنيا، فدل أن هنالك داراً أخرى فيها يظهر الطيب من الخبيث طاب عمل المؤمن، وجميع ما يكون منه حسناً لطيب أصله، وخبث عمل الكافر وقبح ما يكون منه لخبث أصله، كالأرض التي ذكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾ يحتمل بعلمه وتكوينه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ نَكِداً ﴾ .
قال الحسن: خبيثاً، أي: لا يخرج إلا خبيثاً.
وقال أبو بكر: نكداً، أي: لا منفعة فيه.
وقيل: إلا عسيراً.
وقيل: إلا قليلاً وهو واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ﴾ .
أي: لقوم ينتفعون بالآيات.
<div class="verse-tafsir"
إن ربكم -أيها الناس- هو الله الذي خلق السماوات وخلق الأرض على غير مثال سابق في ستة أيام، ثم علا وارتفع سبحانه على العرش علوا يليق بجلاله لا ندرك كيفيته، يُذْهِب ظلام الليل بضياء النهار، وضياء النهار بظلام الليل، وكل منهما يطلب الآخر طلبًا سريعًا بحيث لا يتأخر عنه، فإذا ذهب هذا دخل هذا، وخلق سبحانه الشمس، وخلق القمر، وخلق النجوم مُدلَّلات مُهَيَّآت، ألا لله وحده الخلق كله، فمن خالق غيره؟!
وله الأمر وحده، وعظم خيره وكثر إحسانه، فهو المتصف بصفات الجلال والكمال، رب العالمين.
<div class="verse-tafsir" id="91.W38Mg"