الإسلام > القرآن > سور > سورة 73 المزمل > الآية ١٩ من سورة المزمل
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 62 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٩ من سورة المزمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : ( إن هذه ) أي : السورة ) تذكرة ) أي : يتذكر بها أولو الألباب ; ولهذا قال : ( فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ) أي : ممن شاء الله هدايته ، كما قيده في السورة الأخرى : ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما ) [ الإنسان : 30 ] .
قوله تعالى : إن هذه تذكرة يريد : هذه السورة أو الآيات عظة .
وقيل : آيات القرآن ، إذ هو كالسورة الواحدة .فمن شاء اتخذ إلى ربه أي من أراد أن يؤمن ويتخذ بذلك إلى ربه سبيلا أي طريقا إلى رضاه ورحمته فليرغب ، فقد أمكن له ; لأنه أظهر له الحجج والدلائل .
ثم قيل : نسخت بآية السيف ، وكذلك قوله تعالى : فمن شاء ذكره قال الثعلبي : والأشبه أنه غير منسوخ .
{ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا } [أي:] إن هذه الموعظة التي نبأ الله بها من أحوال يوم القيامة وأهواله ، تذكرة يتذكر بها المتقون، وينزجر بها المؤمنون، { فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا } أي: طريقا موصلا إليه، وذلك باتباع شرعه، فإنه قد أبانه كل البيان، وأوضحه غاية الإيضاح، وفي هذا دليل على أن الله تعالى أقدر العباد على أفعالهم، ومكنهم منها، لا كما يقوله الجبرية: إن أفعالهم تقع بغير مشيئتهم، فإن هذا خلاف النقل والعقل.
"إن هذه"، أي: آيات القرآن "تذكرة"، تذكير وموعظة، "فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً"، بالإيمان والطاعة.
«إن هذه» الآيات المخوِّفة «تذكرة» عظة للخلق «فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا» طريقا بالإيمان والطاعة.
إن هذه الآيات المخوفة التي فيها القوارع والزواجر عظة وعبرة للناس، فمن أراد الاتعاظ والانتفاع بها اتخذ الطاعة والتقوى طريقًا توصله إلى رضوان ربه الذي خلقه وربَّاه.
ثم ختم - سبحانه - هذه التهديدات بقوله : ( إِنَّ هذه تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً ) .واسم الإِشارة " هذه " يعود إلى الآيات المتقدمة ، المشتملة على الكثير من القوارع والزواجر .والتذكرة : اسم مصدر بمعنى التذكير والاتعاظ والاعتبار .
ومفعول " شاء " محذوف .والمعنى : إن هذه الآيات التى سقناها لكم تذكرة وموعظة ، فمن شاء النجاة من أهوال يوم القيامة ، فعليه أن يؤمن بالله - تعالى - إيمانا حقا ، وأن يتخذ بسبب إيامنه وعمله الصالح ، طريقا وسبيلا إلى ربه ورحمته ومغفرته .والتعبير بقوله : ( فَمَن شَآءَ اتخذ ..
.
) ليس من قبيل التخبير ، وإنما المقصود به الحض والحث على سلوك الطريق الموصل إلى الله - تعالى - بدليل قوله - تعالى - قبل ذلك : ( إِنَّ هذه تَذْكِرَةٌ ) أى : هذه الآيات تذكرة وموعظة ، فمن ترك العمل بها ساءت عاقبته ، ولم يكن من الذين سلكوا طريق النجاة .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( وَقُلِ الحق مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ) هذا ، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة ، - من أول السورة إلى هنا - يراها قد نادت الرسول صلى الله عليه وسلم نداء فيه ما فيه من الملاطفة والمؤانسة ، وأمرته بأن يقوم الليل إلا قليلا متعبدا لربه ، كما أمرته بالصبر على أذى المشركين ، حتى يحكم الله - تعالى - بينه وبينهم .كما يراها قد هددت المكذبين بأشد أنواع التهديد ، وذكرتهم بأهوال يوم القيامة ، وبما حل بالمكذبين من قبلهم ، وحرضتهم على سلوك الطريق المستقيم .
أي هذه الآيات تذكرات مشتملة على أنواع الهداية والإرشاد ﴿ فَمَن شَاء اتخذ إلى رَبّهِ سَبِيلاً ﴾ واتخاذ السبيل عبارة عن الاشتغال بالطاعة والاحتراز عن المعصية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ هذه ﴾ الآيات الناطقة بالوعيد الشديد ﴿ تَذْكِرَةٌ ﴾ موعظة ﴿ فَمَن شَآءَ ﴾ اتعظ بها.
واتخذ سبيلاً إلى الله بالتقوى والخشية.
ومعنى اتخاذ السبيل إليه: التقرّب والتوسل بالطاعة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ ﴾ أنْفُسَكم.
﴿ إنْ كَفَرْتُمْ ﴾ بَقِيتُمْ عَلى الكُفْرِ.
﴿ يَوْمًا ﴾ عَذابَ يَوْمٍ.
﴿ يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا ﴾ مِن شِدَّةِ هَوْلِهِ وهَذا عَلى الفَرْضِ أوِ التَّمْثِيلِ، وأصْلُهُ أنَّ الهُمُومَ تُضْعِفُ القُوى وتُسْرِعُ الشَّيْبَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفًا لِلْيَوْمِ بِالطُّولِ.
﴿ السَّماءُ مُنْفَطِرٌ ﴾ مُنْشَقٌّ والتَّذْكِيرُ عَلى تَأْوِيلِ السَّقْفِ أوْ إضْمارِ شَيْءٍ.
﴿ بِهِ ﴾ بِشِدَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى عِظَمِها وأحْكامِها فَضْلًا عَنْ غَيْرِها والباءُ لِلْآلَةِ.
﴿ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا ﴾ الضَّمِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ لِلْيَوْمِ عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ.
﴿ إنَّ هَذِهِ ﴾ أيِ الآياتِ المُوعِدَةَ.
﴿ تَذْكِرَةٌ ﴾ عِظَةٌ.
﴿ فَمَن شاءَ ﴾ أنْ يَتَّعِظَ.
﴿ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا ﴾ أيْ يَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِسُلُوكِ التَّقْوى.
<div class="verse-tafsir"
{إِنَّ هذه} الآيات الناطقة بالوعيد {تَذْكِرَةٌ} موعظة {فَمَن شَاءَ اتخذ إلى رَبّهِ سَبِيلاً} أي فمن شاء تعظ بها واتخذ سبيلاً إلى الله بالتقوى والخشية
﴿ إنَّ هَذِهِ ﴾ إشارَةٌ إلى الآياتِ المُنْطَوِيَةِ عَلى القَوارِعِ المَذْكُورَةِ ﴿ تَذْكِرَةٌ ﴾ أيْ مَوْعِظَةٌ ﴿ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا ﴾ بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ تَعالى بِالإيمانِ والطّاعَةِ فَإنَّهُ المِنهاجُ المُوصِلُ إلى مَرْضاتِهِ عَزَّ وجَلَّ ومَفْعُولُ ( شاءَ ) مَحْذُوفٌ والمَعْرُوفُ في مِثْلِهِ أنْ يُقَدَّرَ مِن جِنْسِ الجَوابِ أيْ فَمَن شاءَ اتِّخاذَ سَبِيلٍ إلى رَبِّهِ تَعالى اتَّخَذَ إلَخِ وبَعْضٌ قَدَّرَهُ الِاتِّعاظَ لِمُناسَبَةِ ما قَبْلُ أيْ فَمَن شاءَ الِاتِّعاظَ ﴿ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا ﴾ والمُرادُ مَن نَوى أنْ يَحْصُلَ لَهُ الِاتِّعاظُ تَقَرَّبَ إلَيْهِ تَعالى لَكِنْ ذُكِرَ السَّبَبُ وأُرِيدَ مُسَبِّبُهُ فَهو الجَزاءُ في الحَقِيقَةِ واخْتارَ في البَحْرِ ما هو المَعْرُوفُ وقالَ إنَّ الكَلامَ عَلى مَعْنى الوَعْدِ والوَعِيدِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قرأ حمزة وابن عامر والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر رب المشرق بالكسر والباقون رب بالضم فمن قرأ بالكسر وتبعه قوله واذكر اسم ربك رب المشرق والمغرب ومن قرأ بالضم فهو على الابتداء ويقال: معناه: هو رب المشرق والمغرب.
ثم قال: لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ وقد ذكرناه فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا يعني: ولياً وحافظاً وناصراً وكفيلاً ثم قال عز وجل: وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ يعني: على ما يقولون من التكذيب والإذاء وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا يعني: اعتزلهم اعتزالاً حصناً بلا جزع ولا فحش ثم قال: وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ هذا كلام على ما جرت به عادات الناس لأن الله تعالى لا يحول بينه وبين إرادته أحد ولكن معناه: فوض أمورهم إليَّ يعني: أمور المكذبين أُولِي النَّعْمَةِ يعني: ذا المال والغنى وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا يعني: أجلهم يسيراً لأن الدنيا كلها قليل يعني: إلى قوم القيامة ثم بين ما لهم من العقوبة يوم القيامة فقال عز وجل: إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا يعني: قيوداً في الآخرة، ويقال: عقوبة من ألوان العذاب وَجَحِيماً ما عظم من النار وَطَعاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً يعني: ذا شوك مستمسك في الحلق لا يدخل ولا يخرج فيبقى في الحلق ومع ذلك لهم عذاب أليم قول الله تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ يوم تتحرك وتتزلزل صار اليوم منصوباً لنزع الخافض يعني: هذه العقوبة في يوم ترجف الأرض وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا يعني: صارت الجبال رملاً سائلاً وهو كقوله: فكانت هباءً منبثاً ثم قال: إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِداً عَلَيْكُمْ يعني: محمدا يشهد عليكم بتبليغ الرسالة كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا يعني: موسى بن عمران فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ يعني: كذبه ولم يقبل قوله: فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا يعني: عاقبناه عقوبة شديدة وهو الغرق فهذا تهديد لهم يعني: إنكم إن كذبتموه فهو قادر على عقوبتكم قوله عز وجل: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يعني: توجدون في الآخرة إن كفرتم في الدنيا، ويقال فيه تقديم ومعناه: إن كفرتم في الدنيا كيف تحذرون وتنجون.
يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً يعني: يوم القيامة من هيبته يشيب الصبيان وهذا على وجه المثل لأن يوم القيامة لا يكون فيه ولدان ولكن معناه أن هيبة ذلك اليوم بحال لو كان هناك صبي يشيب رأسه من الهيبة ويقال: هذا وقت الفزع قبل أن ينفخ في الصور نفخة الصعق ثم قال عز وجل: السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ يعني: انشقت السماء من هيبة الرحمن كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا يعني: كائناً في البعث ثم قال: إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ يعني: هذه الصورة موعظة فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا يعني: من أراد أن يؤمن ويتخذ بذلك التوحيد إلى ربه مرجعاً فليفعل وقال أهل اللغة في قوله: السماء منفطر به ولم يقل منفطرة به فالتذكير على وجهين: أحدهما: أنه انصرف إلى المعنى ومعنى السماء السقف كقوله وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً [الأنبياء: 32] ، والثاني: أن معناه السماء ذات الانفطار كما يقال امرأة مرضع أي: ذات رضع على وجه النسب.
ويقال: قوله السماء منفطر به يعني: فيه شيء في يوم القيامة، ويقال: يعني: بالله تعالى يعني: من هيبته قوله تعالى: إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ يعني: إن هذه الآيات التي ذكرت موعظة بليغة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا يعني: من شاء أن يرغب فليرغب فقد أمكن له لأنه أظهر الحجج والدلائل.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ أي ذاتُ انْفِطارٍ، والانفطارُ التَّصَدُّعُ والانْشِقَاقُ، والضميرُ في بِهِ قال منذر وغيره: عائِدُ على اليومِ وكذا قَال- ص-: إن ضمير بِهِ يعودُ على اليومِ والباء سببيةٌ/ أو ظرفيةٌ، انتهى، وفي «صحيح مسلم» من رواية عبد الله بن عمرو: وذكر صلّى الله عليه وسلّم: بَعْثُ النَّارِ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ إلَى النَّارِ وَوَاحِدٌ إلَى الجَنَّةِ، قَالَ: فَذَلِكَ يَوْمَ يَجْعَلُ الوِلْدَانَ شِيباً، وذلك يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ [القلم: ٤٢] الحديث «١» ، انتهى، وقيل: عائدٌ على اللَّه، أي مُنْفَطِرٌ بأمْرِه وقُدْرَتهِ، والضميرُ في قوله: وَعْدُهُ الظاهر أنَّه يعود على اللَّه تعالى.
وقوله تعالى: إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ ...
الآية، الإشَارَةُ ب «هذه» تحتملُ: إلى ما ذُكِرَ من الأَنْكَالِ والجحيمِ، والأَخْذِ الوبيل، وتحتملُ: أنْ تَكُونَ إلى السورةِ بجُمْلَتِها، وتحتملُ: أنْ تَكُونَ إلى آياتِ القرآن بجُمْلَتِها.
وقوله سبحانه: فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا لَيْسَ معناه إبَاحَةُ الأمْرِ وضِدِّه، بل الكلامُ يتضمَّنُ الوَعْدَ والوعيدَ، والسبيلُ هنا سبيلُ الخيرِ والطاعة.
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)
وقوله سبحانه: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ ...
الآية، المعنى أنَّ اللَّهَ تعالى يعلمُ أنَّكَ تَقُومُ أنْتَ وغيرك من أُمَّتِك قياماً مختلفاً مَرَّةً يكْثُرُ ومرَّةً يَقلّ، ومرة أدْنَى من الثلثين،
ومرة أدنى من النصفِ، ومرة أدْنَى من الثلث، وذلك لِعَدَمِ تَحْصِيل البَشَرِ لِمَقَادِيرِ الزمان، مع عُذْرِ النَّوْمِ، وتقديرُ الزمان حقيقةٌ إنما هو للَّهِ تعالى، وأما البشَرُ فلا يُحْصِي ذلك، فتابَ اللَّه عليهمْ، أي: رَجَعَ بهم من الثِّقَلِ إلى الخِفَّةِ وأمرهم بقراءةِ ما تيسَّر، ونحوَ هذَا تُعْطِي عِبَارةُ الفراء، ومنذر فإنهما قالا: تُحْصُوه تَحْفَظُوه، وهذا التأويلُ هو على قراءة الخفضِ عَطْفاً على الثلثين وهي قراءة أبي عمرٍو ونافعٍ وابن عامر، وأمَّا مَنْ قَرأَ: «ونصفَه وثلثَه» بالنَّصْبِ عَطْفاً على أدْنَى وهي قراءة باقي السبعةِ «١» ، فالمعنى عندَهم أنَّ اللَّه تعالى قَدْ عَلِمَ أنهم يَقْدِرُونَ الزمانَ على نحو مَا أَمَرَ بهِ تعالى، في قوله: نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ [المزمل: ٣- ٤] فلم يبقَ إلا قوله: أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فمعناه لَنْ يُطِيقُوا قيامَه/ لِكَثْرَتِهِ وشدتهِ، فَخَفَّفَ اللَّهُ عنهم فَضْلاً منه لا لِعِلَّةِ جهلهم بالتقدير وإحصاء الأوقاتِ، ونَحوَ هذا تُعْطي عبارةُ الحسن وابن جبير فإنهما قالا: تحصُوه: تُطِيقُوه «٢» ، وعبارةُ الثعلبيِّ: ومَنْ قَرَأَ بالنَّصْبِ فالمعنى: وتَقُومُ نصْفَه وثلثَه، قال الفراء: وهو الأشْبَه بالصَّوَابِ لأنه قَالَ أَقَلَّ مِنَ الثلثينِ، ثم ذكر تفسيرَ القلةِ لا تَفْسِيرَ أَقَلِّ مِنَ القلةِ، انتهى، ولو عَبَّر الفَرَّاءُ بالأَرْجَحِ، لكانَ أحْسَنَ أدَباً، وعَنْ عُبَادَةَ بن الصامت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال:
«مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: لا إله لا اللَّه وَحْده لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله وسبحانه اللَّهِ وَلاَ إله إلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ» «٣» ثم قال: «اللَّهُمَّ، اغفر لي، أوْ دَعَا، استجيب لَهُ، فإنْ تَوَضَّأَ، ثمَّ صلى قُبِلَتْ صَلاَتُهُ» ، رواه الجماعة إلا مسلماً، وَتَعَارَّ- بتشديدِ الرَّاءِ- مَعْنَاه: اسْتَيْقَظَ، انتهى من «السلاح» .
وقوله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ قال الثعلبيُّ أي: مَا خَفَّ وَسَهُلَ بغير مِقْدَارٍ مِنَ القِرَاءَةِ، والمُدَّةِ، وقيل: المعنى فَصَلُّوا ما تيسَّر فَعَبَّر بالقراءةِ عنها.
ت:
وهذا هو الأصَحُّ عند ابن العربي، انتهى، قال ع «٤» : قوله: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ
هو أمْرُ نَدْبٍ في قولِ الجمهور، وقال جماعة: هو فَرْضٌ لاَ بُدَّ منه ولو خَمْسِينَ آيةً، وقال الحسنُ وابن سيرين: قيامُ الليل فَرْضٌ «١» وَلَوْ قَدْرُ حَلْبِ شَاةٍ، إلا أنَّ الحسنَ قال: مَنْ قَرأَ مِائَة آيةٍ لَمْ يُحَاجَّهُ القرآن «٢» واسْتَحْسَنَ هذا جماعةٌ من العلماء قال بعضهم:
والركعتانِ بَعْدَ العشاءِ مَعَ الوِتْرِ دَاخِلَتَانِ في امتثالِ هذا الأَمْرِ ومن زَادَ زَادَهُ اللَّه ثواباً، ت: ينبغي للعاقِل المبَادَرَةُ إلى تَحْصِيلِ الخَيْرَاتِ قَبْلَ هُجُومِ صَوْلَةِ المَمَاتِ، قَالَ البَاجِيُّ في «سنن الصالحين» له: قَالَتْ بنت الربيعِ بْنِ خُثَيْمٍ لأبيها: يا أبَتِ/ ما لِي أَرَى النَّاسَ يَنَامُونَ وأنْتَ لاَ تَنَامُ، قال: إنَّ أَبَاكِ يَخَافُ البَيَاتَ، قال الباجيُّ- رحمه اللَّه تعالى-:
ولي في هذا المعنى: [من الرجز]
قَدْ أَفْلَحَ القَانِتُ في جُنْحِ الدجى ...
يَتْلُو الْكِتَابَ العَرَبِيَّ النَّيِّرَا
[فَقَائِماً وَرَاكِعاً وَسَاجِدا ...
مُبْتَهِلاً مُسْتَعْبِراً مُسْتَغْفِرَا] «٣»
لَهُ حَنِينٌ وَشَهِيقٌ وَبُكَا ...
يَبُلُّ مِنْ أَدْمُعِهِ تُرْبَ الثرى
إنَّا لَسَفْرٌ نَبْتَغِي نَيْلَ الهدى ...
فَفِي السرى بُغْيَتُنَا لاَ في الْكَرَا
مَنْ يَنْصَبِ اللَّيْلَ يَنَلْ رَاحَتَهُ ...
عِنْد الصَّبَاحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السرى
انتهى، والضربُ في الأرضِ هو السَّفَرُ للتجارةِ ابتغاءَ فضلِ اللَّهِ سبحانه، فذكرَ اللَّه سبحانه أعْذَارَ بني آدمَ التي هي حائلةٌ بينَهم وبيْنَ قيامِ الليل، ثم كرَّر سبحانَه الأَمْرَ بقراءةِ ما تَيَسَّر منه تأكِيداً، والصلاةُ والزكاة هنا هما المفروضَتَانِ، فمن قال: إن القِيَامَ من الليلِ غَيْرُ واجبٍ قال: معنى الآية خُذُوا من هذا النَّفْلِ بما تَيَسَّر وحَافِظُوا على فَرَائِضِكم، ومَنْ قال:
إن شَيْئاً من القيامِ واجبٌ قال: قَدْ قَرَنَه اللَّهُ بالفرائِضِ لأنه فَرْضٌ وإقْراضُ اللَّه تعالى هو إسْلاَفُ العملِ الصالحِ عنده، وقرأ جمهورُ الناس «٤» «هو خيراً» على أن يكونَ «هو» فَصْلاً، قال بعضُ العلماءِ: الاستِغفارُ بَعْدَ الصلاة مُسْتَنْبَطٌ من هذه الآيةِ، ومن قوله تعالى: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات: ١٧- ١٨] قال
ع «١» : وَعَهَدْتُ أبي- رحمه اللَّه- يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ إثْرَ كل مكتُوبةٍ ثَلاَثَاً بِعَقِبِ السلام، ويأثر في ذلك حديثاً، فكان هذا الاستغفارُ من التقصيرِ وتَقَلُّبِ الفِكْرِ أثْنَاء الصلاة، وكان السلفُ الصالحُ يُصَلُّونَ إلى طلوع الفجر ثم يجلسُون للاسْتِغْفَارِ.
ت: وما ذكره ع: رحمه اللَّه- عَنْ أبيه رَوَاهُ مسلم وأبو داودَ والترمذيُّ والنسائي وابنُ ماجَه عن ثوبان قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا انصرف/ مِنْ صَلاَتِهِ، استغفر ثَلاَثاً وقَالَ: «اللهمّ، أنت السّلام ومنك السّلام تباركت ذَا الجَلاَلِ والاكرام» «٢» ، قال الوليدُ: فقلتُ للأوزاعيِّ: كَيْفَ الاسْتِغْفَارُ؟
قال: تَقُولُ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وفي روايةٍ لمسلم من حديثِ عائشةَ: «يَا ذَا الجَلاَلِ والإكْرَامِ» ، انتهى من «سلاح المؤمن» .
"إنَّ هَذِهِ" يَعْنِي: آياتَ القُرْآنِ "تَذْكِرَةٌ" أيْ: تَذْكِيرٌ ومَوْعِظَةٌ "فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا" بِالإيمانِ والطّاعَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى ﴾ أيْ: أقَلَّ ﴿ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأهْلُ الكُوفَةِ بِفَتْحِ الفاءِ والثّاءِ.
والباقُونَ: بِكَسْرِهِما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ﴾ يَعْنِي: المُؤْمِنِينَ ﴿ واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ ﴾ يَعْلَمُ مَقادِيرَهُما، فَيَعْلَمُ القَدْرَ الَّذِي تَقُومُونَ بِهِ مِنَ اللَّيْلِ ﴿ عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لَنْ تُطِيقُوا قِيامَ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ، ولا ثُلُثَ اللَّيْلِ، ولا نِصْفَ اللَّيْلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: لَنْ تَحْفَظُوا مَواقِيتَ اللَّيْلِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
﴿ فَتابَ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ: عادَ عَلَيْكم بِالمَغْفِرَةِ والتَّخْفِيفِ ﴿ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ ﴾ عَلَيْكم ﴿ مِنَ القُرْآنِ ﴾ يَعْنِي: في الصَّلاةِ، مِن غَيْرِ أنْ يُوَقِّتَ وقْتًا.
وقالَ الحَسَنُ: هو ما يَقْرَأُ في صَلاةِ المَغْرِبِ والعَشاءِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أعْذارَهم فَقالَ تَعالى: ﴿ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى ﴾ فَلا يُطِيقُونَ قِيامَ اللَّيْلِ ﴿ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ ﴾ وهُمُ المُسافِرُونَ لِلتِّجارَةِ ﴿ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾ أيْ: مِن رِزْقِهِ فَلا يُطِيقُونَ قِيامَ اللَّيْلِ ﴿ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ وهُمُ المُجاهِدُونَ فَلا يُطِيقُونَ قِيامَ اللَّيْلِ ﴿ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ ﴾ وذَكَرُوا أنَّ هَذا نُسِخَ عَنِ المُسْلِمِينَ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ أيِ: الصَّلَواتِ الخَمْسَ في أوْقاتِها ﴿ وَأقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الحَدِيدِ: ١٨] .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ سِوى الزَّكاةِ في صِلَةِ الرَّحِمِ، وقِرى الضَّيْفِ ﴿ وَما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ: تَجِدُوا ثَوابَهُ في الآخِرَةِ.
﴿ هُوَ خَيْرًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: تَجِدُوهُ خَيْرًا.
قالَ الزَّجّاجُ: ودَخَلَتْ "هُوَ" فَصْلًا.
وقالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنًى "خَيْرًا" أيْ: أفْضَلَ مِمّا أعْطَيْتُمْ ﴿ وَأعْظَمَ أجْرًا ﴾ مِنَ الَّذِي تُؤَخِّرُونَهُ إلى وقْتِ الوَصِيَّةِ عِنْدَ المَوْتِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ وطائِفَةٌ مِن الَّذِينَ مَعَكَ واللهُ يُقَدِّرُ اللَيْلِ والنَهارَ عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكم فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِن القُرْآنِ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللهِ وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ وأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ وأقْرِضُوا اللهِ قَرْضًا حَسَنًا وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هو خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا واسْتَغْفِرُوا اللهِ إنَّ اللهِ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ الإشارَةُ بِـ "هَذِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِما ذَكَرَ مِنَ الأنْكالِ والجَحِيمِ والأخْذِ الوَبِيلِ وَنَحْوِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى السُورَةِ بِأجْمَعِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى القُرْآنِ بِمَعْنى أنَّ الأقْوالَ المَنصُوبَةَ فِيهِ تَذْكِرَةٌ، والتَذْكِرَةُ مَصْدَرٌ كالذِكْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَمَن شاءَ" الآيَةُ لَيْسَ مَعْناهُ إباحَةُ الأمْرِ وضِدُّهُ، بَلْ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الوَعِيدِ والوَعْدِ، و"السَبِيلُ" هُنا سَبِيلُ الخَيْرِ والطاعَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ ﴾ الآيَةُ، نَزَلَتْ تَخْفِيفًا لِما كانَ اسْتَمِرَّ اسْتِعْمالُهُ مِن أمْرِ قِيامِ اللَيْلِ إمّا عَلى الوُجُوبِ أو عَلى النَدْبِ حَسَبَ الخِلافِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللهَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أنْتَ وغَيْرُكُ مَن أُمِّتِكَ قِيامًا مُخْتَلِفًا، مَرَّةً يُكْثِرُ ومَرَّةً يَقِلُّ، ومَرَّةً أدْنى مِنَ الثُلُثَيْنِ ومَرَّةً أدْنى مِنَ الثُلُثِ، وذَلِكَ لِعَدَمِ تَحْصِيلِ البَشَرِ لِمَقادِيرِ الزَمانِ مَعَ عُزْرِ النَوْمِ، وتَقْدِيرُ الزَمانِ حَقِيقَةٌ إنَّما هو لِلَّهِ تَعالى، وأمّا البَشَرُ فَلا يُحْصِي ذَلِكَ، فَتابَ اللهُ عَلَيْهِمْ، أيْ: رَجَعَ بِهِمْ مِنَ الثِقَلِ إلى الخِفَّةِ، وأمَرَهم بِقِراءَةِ ما تَيَسَّرَ مِنهُ، ونَحْوُ هَذا يُعْطِي عِبارَةَ الفَرّاءِ ومُنْذِرٍ فَإنَّهُما قالا: "تُحْصُوهُ": تَحْفَظُوهُ، وهَذا التَأْوِيلُ هو عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "وَنِصْفِهِ وثُلُثِ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "الثُلُثَيْنِ"، وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو، ونافِعٍ، وابْنِ عامِرٍ، وأمّا مَن قَرَأ "وَنِصْفَهُ وثُلُثَهُ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "أدْنى"، وهي قِراءَةُ باقِي السَبْعَةِ، فالمَعْنى عِنْدَهُ آخَرُ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ قَدَّرَ أنَّهم يُقَدِّرُونَ الزَمانَ عَلى نَحْوِ ما أمَرَ بِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا ﴾ ﴿ أو زِدْ عَلَيْهِ ﴾ ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ ﴾ "بِمَعْنى": لَنْ تُطِيقُوا قِيامَهُ لِكَثْرَتِهِ وشِدَّتِهِ، فَخَفَّفَ اللهُ عنهم فَضْلًا مِنهُ لا لِعِلَّةِ جَهْلِهِمْ بِالتَقْدِيرِ وإحْصاءِ الأوقاتِ، ونَحْوُ هَذا تُعْطِي عِبارَةُ الحَسَنِ وابْنُ جُبَيْرٍ، فَإنَّهُما قالا: "تُحْصُوهُ" تُطِيعُوهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسُ "وَثُلُثُهُ" بِضَمِّ اللامِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ شِبْلٍ عنهُ: "وَثُلْثُهُ" بِسُكُونِ اللامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ ﴾ إباحَةٌ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وجَماعَةٌ: هو فَرْضٌ لا بُدَّ مِنهُ ولَوْ خَمْسِينَ آيَةً، وقالَ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: قِيامُ اللَيْلِ فَرْضٌ، ولَوْ قَدْرَ حَلْبِ شاةٍ، إلّا أنَّ الحَسَنَ قالَ: مَن قَرَأ مِائَةَ آيَةٍ لَمْ يُحاجِّهِ القُرْآنُ، واسْتَحْسَنَ هَذا جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، قالَ بَعْضُهُمْ: والرَكْعَتانِ بَعْدَ العَتَمَةِ مَعَ الوِتْرِ تَدْخُلانِ في حُكْمِ هَذا الأمْرِ وامْتِثالِهِ، ومَن زادَ زادَهُ اللهُ تَعالى ثَوابًا.
و"إنَّ" في قَوْلِهِ تَعالى: "عَلِمَ أنْ" مُخَفَّفَةً مِنَ الثَقِيلَةِ، والتَقْدِيرُ أنَّهُ يَكُونُ، فَجاءَتِ السِينُ عِوَضًا مِنَ المَحْذُوفِ، وكَذَلِكَ جاءَتْ لا في قَوْلِ أبِي مِحْجَنٍ: ولا تَدْفِنُنِّي بِالفَلاةِ فَإنَّنِي ∗∗∗ أخافُ إذا ما مُتُّ أنْ لا أذُوقَها و"الضَرْبُ في الأرْضِ" هو السَفَرُ لِلتِّجارَةِ، وضَرْبُ الأرْضِ هو المَشْيُ لِلتَّبَرُّزِ والغائِطِ، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى أعْذارَ بَنِي آدَمَ الَّتِي هي حائِلَةٌ بَيْنَهم وبَيْنَ قِيامِ اللَيْلِ، وهي المَرَضُ والسَفَرُ في تِجارَةٍ أو غَزْوٍ، فَخَفَّفَ عنهُمُ القِيامَ لِهَذا، وفي هَذِهِ الآيَةِ فَضِيلَةُ الضَرْبِ في الأرْضِ لِلتِّجارَةِ وسُوقِ لَها مَعَ سَفَرِ الجِهادِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أحَبُّ المَوْتِ إلَيَّ بَعْدَ القَتْلِ في سَبِيلِ اللهِ أنْ أمُوتَ بَيْنَ شُعْبَتَيْ رَحْلِي أضْرِبُ في الأرْضِ أبْتَغِي مِن فَضْلِ اللهِ.
ثُمَّ كَرَّرَ اللهُ تَعالى الأمْرَ بِقِراءَةِ ما تَيَسَّرَ مِنهُ تَأْكِيدًا، والصَلاةُ والزَكاة هُنا المَفْرُوضَتانِ، فَمَن قالَ إنَّ القِيامَ بِاللَيْلِ غَيْرُ واجِبٍ قالَ: مَعْنى الآيَةِ: خُذُوا مِن هَذا النَفْلِ بِما تَيَسَّرَ وحافِظُوا عَلى فَرائِضِكُمْ، ومَن قالَ إنَّ شَيْئًا مِنَ القِيامِ واجِبٌ قالَ: قَرَنَهُ اللهُ بِالفَرائِضِ لِأنَّهُ فَرْضٌ.
وإقْراضُ اللهِ تَعالى هو اسْتِلافُ العَمَلِ الصالِحِ عِنْدَهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "هُوَ خَيْرًا" عَلى أنْ يَكُونَ "هُوَ" فَصْلًا، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ، وأبُو السَمالِ: "هُوَ خَيْرٌ" عَلى أنْ يَكُونَ "هُوَ" ابْتِداءٌ، و"خَيْرٌ" خَبَرُهُ والجُمْلَةُ تَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولِ الثانِي لـ "تَجِدُوهُ".
ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى بِالِاسْتِغْفارِ، وأوجَبَ لِنَفْسِهِ صِفَةَ الغُفْرانِ، لا إلَهَ غَيْرُهُ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: فالِاسْتِغْفارُ بَعْدَ الصَلاةِ مُسْتَنْبَطٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ ومِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَيْلِ ما يَهْجَعُونَ ﴾ ﴿ وَبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَهِدْتُ أبِي رَحِمَهُ اللهُ يَسْتَغْفِرُ إثْرَ كُلِّ مَكْتُوبَةٍ ثَلاثًا بِعَقِبِ السَلامِ ويَأْثِرُ في ذَلِكَ حَدِيثًا، فَكَأنَّ هَذا الِاسْتِغْفارَ مِنَ النَقْصِ وتَقَلُّبِ الفِكْرِ أثْناءَ الصَلاةِ، وكانَ السَلَفُ الصالِحُ يُصَلُّونَ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ ثُمَّ يَجْلِسُونَ لِلِاسْتِغْفارِ إلى صَلاةِ الصُبْحِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُزَّمِّلِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
تذييل أي تذكرة لمن يتذكر فإن كان من منكري البعث آمن به وإن كان مؤمناً استفاق من بعض الغفلة التي تعرض للمؤمن فاستدرك ما فاته، وبهذا العموم الشامل لأحوال المتحدث عنهم وأحوال غيرهم كانت الجملة تذييلاً.
والإِشارة ب ﴿ هذه ﴾ إلى الآيات المتقدمة من قوله: ﴿ إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم ﴾ [المزمل: 15].
وتأكيد الكلام بحرف التأكيد لأن المواجَهين به ابتداءً هم منكرون كون القرآن تذكرة وهدًى فإنهم كذبوا بأنه من عند الله ووسموه بالسحر وبالأساطير، وذلك من أقوالهم التي أرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبر عليها قال تعالى: ﴿ واصبر على ما يقولون ﴾ [المزمل: 10].
والتذكِرة: اسم لمصدر الذُكر بضم الذال، الذي هو خطور الشيء في البال، فالتذكرة: الموعظة لأنه تذكر الغافل عن سوء العواقب، وهذا تنويه بآيات القرآن وتجديد للتحريض على التدبر فيه والتفكر على طريقة التعريض.
وفرع على هذا التحريض التعريضيَّ تحريضٌ صريح بقوله: ﴿ فمن شاء اتخذ إلى ربّه سبيلاً ﴾ أي من كان يريد أن يتخذ إلى ربّه سبيلاً فقد تهيأ له اتخاذ السبيل إلى الله بهذه التذكرة فلم تَبق للمتغافل معذرة.
والإِتيان بموصول ﴿ من شاء ﴾ من قبيل التحريض لأنه يقتضي أن هذا السبيل موصل إلى الخير فلا حائل يحول بين طالب الخير وبين سلوك هذا السبيل إلاّ مشيئته، لأن قوله: ﴿ إن هذه تذكرة ﴾ قرينة على ذلك.
ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿ وقل الحقُ من ربّكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ﴾ [الكهف: 29].
فليس ذلك إباحةً للإِيمان والكفر ولكنه تحريض على الإِيمان، وما بعده تحذير من الكفر، أي تبعة التفريط في ذلك على المفرط.
ولذلك قال ابن عطية: ليس معناه إباحة الأمر وضده بل يتضمن معنى الوعد والوعيد.
وفي تفسير ابن عرفة الذي كان بعض شيوخنا يحملها على أنه مخير في تعيين السبيل فمتعلق التخيير عنده أن يبين سبيلاً ما من السُبل قال: وهو حسن، فيبقى ظاهر الآية على حاله من التّخيير اه.
وقد علمت ممّا قرّرناه أنه لا حاجة إليه وأن ليس في الآية شيء بمعنى التخيير.
وفي قوله: ﴿ إلى ربّه ﴾ تمثيل لحال طالب الفوز والهُدى بحال السائر إلى ناصر أو كريم قد أريَ السبيلَ الذي يبلِّغه إلى مقصده فلم يبق له ما يعوقه عن سلوكه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ ﴾ يَعْنِي يُقَدِّرُ ساعَتَهُما، فاحْتَمَلَ ذَلِكَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَقْدِيرُهُما لِأعْمالِ عِبادِهِ.
الثّانِي: لِقَضائِهِ في خَلْقِهِ.
﴿ عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَنْ تُطِيقُوا قِيامَ اللَّيْلِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: يُرِيدُ تَقْدِيرَ نِصْفِ اللَّيْلِ وثُلُثِهِ ورُبُعِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ فَتابَ عَلَيْكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فَتابَ عَلَيْكم مِن تَقْصِيرِكم فِيما مَضى، فاقْرَؤُوا في المُسْتَقْبَلِ ما تَيَسَّرَ.
الثّانِي: فَخَفَّفَ عَنْكم.
﴿ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَصَلُّوا ما تَيَسَّرَ مِنَ الصَّلاةِ، فَعَبَّرَ عَنِ الصَّلاةِ بِالقُرْآنِ لِما يَتَضَمَّنُها مِنَ القُرْآنِ.
فَعَلى هَذا يُحْتَمَلُ في المُرادِ بِما تَيَسَّرَ مِنَ الصَّلاةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما يُتَطَوَّعُ بِهِ مِن نَوافِلِهِ لِأنَّ الفَرْضَ المُقَدَّرَ لا يُؤْمَرُ فِيهِ بِما تَيَسَّرَ.
الثّانِي: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى فُرُوضِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ لِانْتِقالِ النّاسِ مِن قِيامِ اللَّيْلِ إلَيْها، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿ ما تَيَسَّرَ ﴾ مَحْمُولًا عَلى صِفَةِ الأداءِ في القُوَّةِ والضَّعْفِ، والصِّحَّةِ والمَرَضِ، ولا يَكُونُ مَحْمُولًا عَلى العَدَدِ المُقَدَّرِ شَرْعًا.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ قِراءَةُ ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ حَمْلًا لِلْخِطابِ عَلى ظاهِرِ اللَّفْظِ.
فَعَلى هَذا فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِهِ قِراءَةُ القُرْآنِ في الصَّلاةِ فَيَكُونُ الأمْرُ بِهِ واجِبًا لِوُجُوبِ القِراءَةِ في الصَّلاةِ.
واخْتُلِفَ في قَدْرِ ما يَلْزَمُهُ أنْ يُقْرَأ بِهِ مِنَ الصَّلاةِ، فَقَدَّرَهُ مالِكٌ والشّافِعِيُّ بِفاتِحَةِ الكِتابِ، لا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْها ولا الِاقْتِصارُ عَلى بَعْضِها، وقَدَّرَها أبُو حَنِيفَةَ بِآيَةٍ واحِدَةٍ مِن أيِّ القُرْآنِ كانَتْ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ قِراءَةُ القُرْآنِ مِن غَيْرِ الصَّلاةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مُطْلَقُ هَذا الأمْرِ مَحْمُولًا عَلى الوُجُوبِ أوْ عَلى الِاسْتِحْبابِ؟
عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الوُجُوبِ لِيَقِفَ بِقِراءَتِهِ عَلى إعْجازِهِ، ودَلائِلِ التَّوْحِيدِ فِيهِ وبَعْثِ الرُّسُلِ، ولا يَلْزَمُهُ إذا قَرَأهُ وعَرَفَ إعْجازَهُ ودَلائِلَ التَّوْحِيدِ مِنهُ أنْ يَحْفَظَهُ، لِأنَّ حِفْظَ القُرْآنِ مِنَ القُرَبِ المُسْتَحَبَّةِ دُونَ الواجِبَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الِاسْتِحْبابِ دُونَ الوُجُوبِ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ لِأنَّهُ لَوْ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَقْرَأهُ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَحْفَظَهُ.
وَفي قَدْرِ ما تَضَمَّنَهُ هَذا الأمْرُ مِنَ القِراءَةِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: جَمِيعُ القُرْآنِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَسَّرَهُ عَلى عِبادِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: ثُلُثُ القُرْآنِ، حَكاهُ جُوَيْبِرٌ.
الثّالِثُ: مِائَتا آيَةٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: مِائَةُ آيَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الخامِسُ: ثَلاثُ آياتٍ كَأقْصَرِ سُورَةٍ، قالَهُ أبُو خالِدٍ الكِنانِيُّ.
﴿ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى ﴾ ذَكَرَ اللَّهُ أسْبابَ التَّخْفِيفِ، فَذَكَرَ مِنها المَرَضَ لِأنَّهُ يُعْجِزُ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُسافِرُونَ، كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ﴾ الثّانِي: أنَّهُ التَّقَلُّبُ لِلتِّجارَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾ ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ يَرْفَعُهُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
﴿ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي في طاعَتِهِ، وهُمُ المُجاهِدُونَ.
﴿ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ ﴾ نَسَخَ ما فَرَضَهُ في أوَّلِ السُّورَةِ مِن قِيامِ اللَّيْلِ وجَعَلَ ما تَيَسَّرَ مِنهُ تَطَوُّعًا ونَفْلًا، لِأنَّ الفَرْضَ لا يُؤْمَرُ فِيهِ بِفِعْلٍ ما تَيَسَّرَ مِنهُ.
وَقَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ السُّورَةِ الأقاوِيلَ في مُدَّةِ الفَرْضِ.
﴿ وَأقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ يَعْنِي المَفْرُوضَةَ، وهي الخَمْسُ لِوَقْتِها.
﴿ وَآتُوا الزَّكاةَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها ها هُنا طاعَةُ اللَّهِ والإخْلاصُ لَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها صَدَقَةُ الفِطْرِ، قالَهُ الحارِثُ العُكْلِيُّ.
الثّالِثُ: أنَّها زَكاةُ الأمْوالِ كُلِّها، قالَهُ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ.
﴿ وَأقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ النَّوافِلُ بَعْدَ الفُرُوضِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: قَوْلُ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واَللَّهُ أكْبَرُ، قالَهُ ابْنُ حِبّانَ.
الثّالِثُ: النَّفَقَةُ عَلى الأهْلِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الرّابِعُ: النَّفَقَةُ مِن سَبِيلِ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ عَمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الخامِسُ: أنَّهُ أمَرَ بِفِعْلِ جَمِيعِ الطّاعاتِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْها الثَّوابَ.
﴿ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي تَجِدُوا ثَوابَهُ عِنْدَ اللَّهِ ﴿ هُوَ خَيْرًا ﴾ يَعْنِي مِمّا أعْطَيْتُمْ وفَعَلْتُمْ.
﴿ وَأعْظَمَ أجْرًا ﴾ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: الجَنَّةُ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ " أعْظَمَ أجْرًا " الإعْطاءُ بِالحَسَنَةِ عَشْرًا.
﴿ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ﴾ يَعْنِي مِن ذُنُوبِكم.
﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾ لِما كانَ قَبْلَ التَّوْبَةِ.
﴿ رَحِيمٌ ﴾ بِكم بَعْدَها، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً ﴾ قال: تتقون ذلك اليوم إن كفرتم قال: «والله ما أتقى ذلك اليوم قوم كفروا بالله وعصوا رسوله» .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن ﴿ فكيف تتقون إن كفرتم يوماً ﴾ قال: بأي صلاة تتقون؟
بأي صيام تتقون؟.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن خيثمة في قوله: ﴿ يوماً يجعل الولدان شيباً ﴾ قال: ينادي مناد يوم القيامة يخرج بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون فمن ذلك يشيب الولدان.
وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود في قوله: ﴿ يوماً يجعل الولدان شيباً ﴾ قال: إذا كان يوم القيامة فإن ربنا يدعو آدم، فيقول: يا آدم أخرج بعث النار، فيقول: أي رب لا علم لي إلا ما علمتني، فيقول الله: أخرج بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين يساقون إلى النار سوقاً مقرنين زرقاً كالحين، فإذا خرج بعث النار شاب كل وليد.
وأخرج الطبراني وابن مردويه «عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ يوماً يجعل الولدان شيباً ﴾ قال: ذلك يوم القيامة، وذلك يوم يقول الله لآدم: قم فابعث من ذريتك بعثاً إلى النار، قال: من كم يا رب؟
قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، وينجو واحد، فاشتد ذلك على المسلمين، فقال: حين أبصر ذلك في وجوههم: إن بني آدم كثير وإن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، وإنه لا يموت رجل منهم حتى يرثه لصلبه ألف رجل ففيهم وفي أشباههم جند لكم» .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله: ﴿ السماء منفطر به ﴾ قال: مثقلة بيوم القيامة.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ السماء منفطر به ﴾ قال: مثقلة به.
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ السماء منفطر ﴾ قال: ممتلئة به بلسان الحبشة.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس ﴿ السماء منفطر به ﴾ قال: مثقلة موقرة.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ منفطر به ﴾ قال: يعني تشقق السماء.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ منفطر به ﴾ قال: منصدع من خوف يوم القيامة قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت قول الشاعر: طباهن حتى أعرض الليل دونها ** أفاطير وسمى رواء جذورها وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ السماء منفطر به ﴾ قال: مثقلة بالله.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ السماء منفطر به ﴾ قال: مثقلة بذلك اليوم من شدته وهوله، وفي قوله: ﴿ إن ربك يعلم أنك تقوم ﴾ الآية، قال: أدنى من ثلثي الليل، وأدنى من نصفه، وأدنى من ثلثه.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن وسعيد بن جبير ﴿ علم أن لن تحصوه ﴾ قال: لن تطيقوه.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ فاقرأوا ما تيسر منه ﴾ قال: أرخص عليهم في القيام ﴿ علم أن لن تحصوه ﴾ قال: أن لن تحصوا قيام الليل ﴿ فتاب عليكم ﴾ قال: ثم أنبأنا الله عن خصال المؤمنين فقال: ﴿ علم أن سيكون منكم مرضى ﴾ إلى آخر الآية.
وأخرج عبد بن حميد وابن نصر عن قتادة قال: فرض قيام الليل في أول هذه السورة فقام أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت أقدامهم وأمسك الله خاتمتها حولاً، ثم أنزل التخفيف في آخرها، فقال: ﴿ علم أن سيكون منكم مرضى ﴾ إلى قوله: ﴿ فاقرأوا ما تيسر منه ﴾ فنسخ ما كان قبلها، فقال: ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ فريضتان واجبتان ليس فيهما رخصة.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً ﴾ قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام المسلمون معه حولاً كاملاً حتى تورمت أقدامهم، فأنزل الله بعد الحول ﴿ إن ربك يعلم ﴾ إلى قوله: ﴿ ما تيسر منه ﴾ قال: الحسن: فالحمد لله الذي جعله تطوعاً بعد فرضة، ولا بد من قيام الليل.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ يا أيها المزمل قم الليل ﴾ الآية، قال: لبثوا بذلك سنة فشق عليهم وتورمت أقدامهم، ثم نسخها آخر السورة ﴿ فاقرأوا ما تيسر منه ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس «عن النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿ فاقرأوا ما تيسر منه ﴾ قال: مائة آية» .
وأخرج الدارقطني والبيهقي في السنن وحسناه عن قيس بن أبي حازم قال: صليت خلف ابن عباس فقرأ في أول ركعة بالحمد لله وأول آية من البقرة، ثم ركع فلما انصرف أقبل علينا فقال: إن الله يقول: ﴿ فاقرأوا ما تيسر منه ﴾ .
وأخرج أحمد والبيهقي في سننه عن أبي سعيد قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن عمر بن الخطاب قال: ما من حال يأتيني عليه الموت بعد الجهاد في سبيل الله أحب إليّ من أن يأتيني وأنا بين شعبتي رحلي ألتمس من فضل الله، ثم تلا هذه الآية ﴿ وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من جالب يجلب طعاماً إلى بلد من بلاد المسلمين فيبيعه بسعر يومه إلا كانت منزلته عند الله منزلة الشهيد» ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً ﴾ ﴿ يوماً ﴾ مفعول به، وناصبه تتقون أي: كيف تتقون يوم القيامة وأهواله إن كفرتم، وقيل: هو مفعول به، على أن يكون كفرتم بمعنى جحدتم، وقيل، هو ظرف، أي كيف لكم بالتقوى يوم القيامة، ويحتمل أن يكون العامل فيه محذوف تقديره: اذكروا قوله: ﴿ السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ ﴾ ﴿ يَجْعَلُ الولدان شِيباً ﴾ الولدان جمع وليد وهو الطفل الصغير، والشيب بكسر الشين جمع أشيب ووزنه فُعُل بضم الفاء وكسرت لأجل الياء، ويجعل يحتمل أن يكون مسنداً إلى الله تعالى أو إلى اليوم، والمعنى أن الأطفال يشيبون يوم القيامة، فقيل: إن ذلك حقيقة، وقيل: إنه عبارة عن هول ذلك اليوم، وقيل: إنه عبارة عن طوله ﴿ السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ ﴾ الانفطار: الانشقاق، والضمير المجرور يعود على اليوم، أي: تتفطر السماء لشدة هوله ويحتمل أن يعود على الله أن تنفطر بأمره وقدرته.
والأول أظهر، والسماء مؤنثة، وجاء منفطر بالتذكير لأن تأنيثها غير حقيقة أو على الإضافة تقديره: ذات انفطار أو لأنه أراد السقف ﴿ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً ﴾ الضمير في وعده يحتمل أن يعود على اليوم أو على الله والأول أظهر؛ لأنه ملفوظ به ﴿ إِنَّ هذه تَذْكِرَةٌ ﴾ الإشارة إلى ما تقدم من المواعظ والوعيد ﴿ فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾ يريد سبيل التقرب إلى الله، ومعنى الكلام حض على ذلك وترغيب فيه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أو انقص ﴾ بكسر الواو للساكنين: حمزة وعاصم وسهل.
الآخرون: بضمها للإتباع ﴿ ناشية ﴾ بالياء: يزيد والشموني والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.
الباقون.
بالهمزة ﴿ وطأ ﴾ بكسر الواو وسكون الطاء: ابن عامر وأبو عمرو.
الآخرون: بالمد مصدر واطأت مواطأة ووطاء ﴿ رب المشرق ﴾ بالخفض على البدل ﴿ من ربك ﴾ ابن عامر ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل.
الباقون: بالرفع على المدح أي هورب.
﴿ ونصفه وثلثه ﴾ بالنصب فيهما: عاصم وحمزة وعلى وابن كثير وخلف.
الوقوف ﴿ المزمل ﴾ ه لا ﴿ إلا قليلاً ﴾ ه لا ﴿ قليلاً ﴾ ه لا ﴿ ترتيلاً ﴾ ه ﴿ ثقيلاً ﴾ ه ﴿ قيلاً ﴾ ه ط ﴿ طويلاً ﴾ ه ط ﴿ تبتيلاً ﴾ ه ط بالخفض لا يقف ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ جميلاً ﴾ ه م ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ وجحيماً ﴾ ه لا ﴿ أليماً ﴾ ه وقد قيل يوصل بناء على أن يوم ظرف لدينا والوقف أجوز لأن ثبوت إلا نكال لا يختص بذلك اليوم بل المراد ذكر يوم كذا أو يوم كذا ترون ما ترون.
﴿ مهيلاً ﴾ ه ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ وبيلا ﴾ ه ﴿ شيباً ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده صفة يوماً ﴿ به ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ تذكرة ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ط ﴿ والنهار ﴾ ه ﴿ القرآن ﴾ ط ﴿ مرضى ﴾ لا للعطف ﴿ من فضل الله ﴾ لا لذلك ﴿ في سبيل الله ﴾ ج لطول الكلام والوصل أولى للتكرار ﴿ فاقرؤا ﴾ ه ﴿ منة ﴾ لا للعطف ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ أجرأ ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه.
التفسير ﴿ المزمل ﴾ أصله المتزمل وهو الذي تزمل في ثيابه أي تلفف بها، فأدغم التاء في الزاء ونحوه المدثر في المثر والخطاب للنبي بالإتفاق إلا أنهم اختلفوا في سببه.
فعن ابن عباس: أول ما جاءه جبرائيل خافه فظن أن به مساً من الجن فرجع من الجبل مرتعداً وقال: زملوني فبينا هو كذلك إذ جاءه الملك وناداه ﴿ يا أيها المزمل ﴾ فهذه السورة على هذا القول من أوائل ما نزل من القرآن قال الكلبي: إنما تزمل النبي بثيابه ليتهيأ للصلاة فأمر بأن يدوم على ذلك ويواظب عليه.
ومثله عن عائشة وقد سئلت عن تزمله فقال: إنه كان تزمل مرطاً سداه شعر ولحمته وبر طوله أربع عشرة ذراعاً نصفه علي وأنا نائمة ونصفه عليه وهو يصلي.
وقيل: أنه كان نائماً بالليل متزملاً في قطيفة فنودي بما يهجن تلك الحالة لأنها فعل من لا يهمه أمر ولا يعنيه شأن فأمر أن يختار على الهجود التهجد وعلى التزمل الموجب للاستثقال في النوم التشمر للعبادة، وقال عكرمة: إشتقاقه من الزمل الحمل ومنه أزدمله أي احتمله، والمعنى يأيها الذي احتمل أمراً عظيماً يريد أعباء النبوة ويناسبه التكليف بعده بقيام الليل.
قال ابن عباس: إنه كان فريضة عليه بناء على ظاهر الأمر ثم نسخ.
وقيل: كان واجباً عليه وعلى أمته في صدر الإسلام فكانوا على ذلك سنة أو عشر سنين، ثم نسخ بالصلوات الخمس، قال جار الله: قوله ﴿ نصفه ﴾ بدل من الليل و ﴿ إلا قليلاً ﴾ استثناء من النصف كأنه قال: قم أقل من نصف الليل أو انقص من النصف قليلاً أو زد على النصف، خيره بين أمرين بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت، وبين أن يختار أحد الأمرين: النقصان من النصف أو الزيادة عليه.
وإن شئت جعلت ﴿ نصفه ﴾ بدلاً من ﴿ قليلاً ﴾ لأن النصف قليل بالنسبة إلى الكل، ولأن الواجب إذا كان هو النصف لم يخرج صاحبه عن العهدة لا بزيادة شيء فيصير الواجب بالحقيقة نصفاً فشيئاً فيكون الباقي أقل منه، فكان تخييراً بين ثلاث بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص منه، وبين قيام الزائد عليه، فلك أن تقول: على تقدير إبدال النصف من الليل إن الضمير في ﴿ منه ﴾ و ﴿ عليه ﴾ راجع إلى الأقل من النصف فكأنه قيل: قم أقل من نصف الليل أو قم أنقص القليل أو أزيد منه قليلاً فيكون التخيير فيما وراء النصف إلى الثلث مثلاً، وإن شئت على تقدير إبدال النصف من ﴿ قليلاً ﴾ جعلت ﴿ قليلاً ﴾ الثاني بمعنى نصف النصف وهو الربع كأنه قال: أو انقص منه قليلاً نصفه ويجعل المزيد على هذا القليل أعني الربع كأنه قيل: أو زد عليه أي على الربع قليلاً نصفه وهو الثمن فيكون تخييراً بين النصف وحده والرابع والثمن معاً والربع وحده، هذا حاصل كلامه مع بعض الإيضاح.
وأما في التفسير الكبير فقد اختار أن المراد بقوله ﴿ قليلاً ﴾ الثلث لقوله في السورة ﴿ إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة ﴾ ففيه دليل على أن أكثر المقادير الواجبة كان الثلثين إلا أن النبي ربما يتفق له خطأ بالإجتهاد أو النوم فينقص شيء منه إلى النصف أو إلى الثلث على قراءة الخفض.
وليس هذا مما يقدح في العصمة لعسر هذا الضبط على البشر ولا سيما عند اشتغاله بالنوم ولذلك قال ﴿ علم أن لن تحصوه ﴾ فيصير تقدير الآية.
قم الثلثين ثم نصف الليل.
أو انقص من النصف، أو زد عليه.
والغرض التوسعة وأن أكثر الفرض هو الثلثان وأقله الثلث ليكون النقصان من النصف بقدر الزيادة.
عن الكلبي قال: كان الرجل يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ ما بين النصف والثلث والثلثين.
ثم علم أدب القراءة فقال ﴿ ورتل القرآن ترتيلاً ﴾ وهو قراءة على تأن وتثبت ولا تحصل إلا بتبيين الحروف وإشباع الحركات ومنه " ثغر مرتل " إذا كان بين الثنايا افتراق ليس بالكثير، ومنه قال الليث: الترتيل تنسيق الشيء وثغر رتل حسن التنضيد كنور الأقحوان.
سئلت عائشة عن قراءة النبي فقالت: لا كسر دكم.
هذا لو أراد السامع أن يعد حروفه لعدها.
وفي قوله ﴿ ترتيلاً ﴾ زيادة تأكيد في الإيجاب وأنه لا بد للقاريء منه لتقع قراءته عن حضور القلب وذكر المعاني فلا يكون كمن يعثر على كنز من الجواهر عن غفلة وعدم شعور.
حين أمره بقيام الليل وبتدبر القرآن فيه وعده بقوله ﴿ إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً ﴾ كأنه قال: صير نفسك بأنوار العبادة والتلاوة مستعداً لقبول الفيض الأعظم وهو القرآن وما فيه من الأوامر والنواهي التي هي تكاليف شاقة على نفوس البشر.
وقيل: ثقله أنه كان إذا نزل عليه الوحي تربد جلده وارفض جبينه عرقاً.
ومنه قيل " برحاء الوحي ".
وقال الحسن: أراد ثقله في الميزان وقال أبو علي الفارسي: ثقيل على المنافقين من حيث إنه يهتك أستارهم وقال الفراء: كلام له وزن وموقع لأنه حكمة وبيان ليس بالسفساف وما لا يعبأ به.
وقيل: باقٍ على وجه الدهر لأن الثقيل من شأنه أن لا يزول عن حيزه.
وقيل: يثقل إدراك معانيه وإحضارها.
والفرق بين أقسامها من المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ والظاهر والمؤل.
ثم عاد إلى حكمة الأمر بقيام الليل فقال ﴿ إن ناشئة الليل ﴾ فيها قولان: أحدهما أنها ساعات الليل إما كلها لأنها تنشأ أي تحدث واحدة بعد أخرى، وإما الساعات الأول ما بين المغرب والعشاء وهو قول زين العابدين وسعيد بن جبير والضحاك والكسائي وذلك أنها مباديء نشوء الليل.
والثاني أنها عبارة عن الأمور التي تحدث في الليل.
وعلى هذا اختلفوا فمنهم من قال: هي النفس الناشئة بالليل أي التي تنشأ من مضجعها للعبادة أي تنهض وترتفع من نشأت السحابة إذا ارتفعت.
ومنهم من قال: هي مصدر كالعاقبة أي قيام الليل.
ولا بد من سبق النوم لما روي عبيد بن عمير قلت لعائشة: رجل قام من أول الليل أتقولين له قام ناشئة الليل؟
قالت: لا إنما الناشئة القيام بعد النوم.
وقد فسرها بعض أهل المعنى بالواردات الروحانية والخواطر النورانية والإنفعالات النفسانية للإبتهاج بعالم القدس وفراغ النفس من الشواغل الحسية التي تكون بالنهار.
الوطاء والمواطأة الموافقة.
قال الحسن: يعني النفس أشد موافقة بين السر والعلانية أو القلب أو اللسان لانقطاع رؤية الخلائق، أو يواطيء فيها قلب القائم لسانه، إن أردت الساعات، أو القيام.
ومن قرأ وطأ بغير فالمعنى أشد ثبات قدم وأبعد من الزلل وأثقل وأغلظ على المصلي من صلاة النهار ومنه قوله " اللهم أشدد وطأتك على مضر " ﴿ وأقوم قيلاً ﴾ وأشد مقالاً وأثبت قراءة لهدوّ الأصوات وسكون الحركات فلا يكون بين القراءة وبين تفهم معانيها حائل ولا مشوش.
قال في الكشاف: عن أنس إنه قرأ و "أصوب قيلاً " فقيل له: يا أبا حمزة إنما هي ﴿ أقوم ﴾ فقال: إنهما واحد.
قال ابن جني: وهذا يدل على أن القوم كانوا يعتبرون المعاني ولا يلتفتون نحو الألفاظ.
قال العلماء الراسخون: هذا النقل يوجب القدح في القرآن فالواجب أن يحمل النقل لو صح على أنه فسر أحد اللفظين بالآخر لا أنه زعم أن تغيير لفظ القرآن جائز.
ثم أكد أمر قيام الليل بقوله ﴿ إن لك في النهار سبحاً طويلاً ﴾ قال المبرد: أي تصرفاً وتقلباً في مهماتك فلا تفرغ لخدمة الله إلا بالليل ومنه السابح لتقلبه بيديه ورجليه.
وقال الزجاج: أراد أن ما فاتك من الليل شيء فلك في النهار فراغ تقدر على تداركه فيه.
وقيل: أن لك في النهار مجالاً للنوم والإستراحة وللتصرف في الحوائج.
ثم بين أن أشرف الأعمال عند قيام الليل ما هو فصله في شيئين ذكر إسم الرب والتبتل إليه وهو الإنقطاع إلى الله بالكلية والتبتل القطع، الأول مقام السالك والثاني مقام المشاهد.
فالأول كالأثر والثاني كالعين وإنما لم يقل وبتل نفسك إليه تبتيلاً لأن المقصود بالذات هو التبتل فبين أولاً ما هو المقصود ثم أشار أخيراً إلى سببه تأكيداً مع رعاية الفاصلة.
ثم أشار إلى الباعث إلى التبتل فقال ﴿ رب المشرق والمغرب ﴾ لأن التكميل والأحسان موجب المحبة وجبلت القلوب على حب من أحسن إليها والمحبة تقتضي الإقبال على المحبوب بالكلية ﴿ لا إله إلا هو ﴾ وهو إشارة إلى كماله في ذاته والكمال محبوب لذاته، وهذا منتهى مقامات الطالبين وإنه يستدعي رفع الإختيار من البين وتفويض الأمر بالكلية إلى المحبوب الحقيقي حتى أن المحبوب لو كان رضاه في عدم التبتل إليه رضي المحب بذلك، وإن كان رضاه في التبتل والتوجه نحوه فهو المطلوب لا من حيث إنه تبتل بل من حيث إنه مراد المحبوب الحق جل ذكره.
وقوله ﴿ فاتخذه وكيلاً ﴾ كالنتيجة لما قبله، وفيه إن من لم يفوض كل الأمور إليه لم يكن راضياً بإلهيته معترفاً بربوبيته، وفيه تسلية للنبي أنه سيكفيه شر الكفار وأعداء الدين.
ثم أمره بالصبر عند الإختلاط بالهجر الجميل إذا أراد أن لا يخالطهم.
والهجر الجميل أن يخالفهم بقلبه ويداريهم بالإغضاء وترك المكافآت ومن المفسرين من قال: إنه منسوخ بآية القتال وقد عرفت مراراً أنه لا ضرورة إلى التزام النسخ.
في أمثال هذه الآية.
ثم أمره بأن يخلي بينه وبين المكذبين أصحاب الترفه.
والنعمة بالفتح التنعم وهم صناديد قريش ولم يكن هناك منع ولكنه أجرى الكلام على عادة المحاورات، والغرض أنه يكفي في رفع شرور الكفرة ودفع إيذائهم ثم فصل ما سيعذب به أهل التكذيب مما يضاد تنعمهم.
والإنكال جمع نكل بالكسر أو نكل بالضم وهي القيود الثقال.
عن الشعبي: إذا ارتفعوا استلفت بهم.
والطعام ذو الغصة هو الذي ينشب في الحلق كالزقوم والضريع فلا ينساغ، وقد يمكن حمل هذه الأمور على العقوبات الروحانية فالإنكال عبارة عن بقاء النفس في قيود العلائق الحسية والملكات الوهمية، والجحيم نيران الحسرة والحيرة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة.
ثم إنه يتجرع غصة الحرمان وألم الفراق الجلال والبقاء في ظلمة الضلال والتنوين في هذه الألفاظ للتعظيم أو النوع.
ثم وصف اليوم فيه هذه الأحوال والأهوال فقال ﴿ يوم ترجف الأرض والجبال ﴾ الرجفة الزلزلة والكثيب الرمل المجتمع " فعلي" " بمعنى " " مفعول " من كثب الشيء جمعه.
وقال الليث: الكثيب نثر التراب أو الشيء يرمي به.
وسمي الكثيب كثيباً لأن ترابه دقاق كأنه نثر بعضه على بعض لرخاوته، والمهيل السائل تراب مهيل ومهيول أي مصبوب وإنما لم يقل كثيبة مهيلة لأنها باسرها تجتمع فتصير واحداً، أو المراد كل واحد منها، وحين خوف المكذبين بأهوال الآخرة خوفهم بأهوال الدنيا مثل ما جرى على الأمم السابقة لا سيما فرعون وجنوده.
وإنما خصص قصة موسى بالذكر لأن أمته أكثر الأمم الباقية ومعجزاته أبهر فكان تشبيه نبينا بحال أنسب.
ومعنى ﴿ شاهدا عليكم ﴾ كما مر في قوله ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً ﴾ إنما عرّف الرسول ثانياً لأنه ينصرف إلى المعهود السابق في الذكر والأخذ الوبيل الثقيل الغليظ ومنه الوابل للمطر العظيم.
قال أبو زيد: هو الذي لا يستمر ألو خامته ومنه كلأ مستوبل.
ثم عاد إلى توبيخهم مرة بعد أخرة قائلاً ﴿ فكيف تتقون إن كفرتم يوماً ﴾ وانتصب ﴿ يوماً ﴾ على أنه مفعول به ﴿ لتتقون ﴾ أي كيف تحذرون ذلك اليوم لو كفرتم أي إن جحدتم يوم الجزاء فكيف تدعون تقوى الله وخوف عقابه؟
ويجوز أن يكون ظرفاً ﴿ لتتقون ﴾ أي فكيف لكم بالتقوى يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا؟
ثم ذكر من هول ذلك اليوم شيئين: الأول أنه يجعل الولدان شيئاً جمع أشيب نحو بيض جمع أبيض فقيل: إنه وصفه بالطول بحيث يبلغ الأطفال فيه أوان الشيخوخة والشيب.
والأكثرون على أنه مثل في الشدة كما قيل " يوم يشيب نواصي الأطفال " والأصل فيه قول الحكماء إن الهموم والأحزاب تسرع الشيب لإقتضائهما احتباس الروح إلى داخل القلب المستتبع لانطفاء الحرارة الغريزية المستعقب لفجاجة الأخلاط واستيلاء البلغم المتكرج.
وليس المراد أن هول ذلك اليوم يجعل الولدان شيباً حقيقة لأن إيصال الألم والخوف إلى الصبيان غير جائز.
وجوزه بعضهم بناء على أن ذلك اليوم أمر غير داخل تحت التكليف وقد حكي أن رجلاً أمسى فاحم الشعر كحنك الغراب وأصبح وهو أبيض الرأس واللحية فقال: أرأيت القيامة والنار في المنام ورأيت الناس يقادون في السلاسل إلى النار، فمن هول ذلك وأصبحت كما ترون.
الثاني قوله ﴿ السماء منفطر به ﴾ وإنما ذكر السماء لأن تأنيثه غير حقيقي، أو بتأويل السقف، أو بتأويل الشيء المنفطر أو ذات انفطار.
والباء في ﴿ به ﴾ بمعنى " في " عند الفراء، أو للآلة نحو فطرت العود بالقدوم أي أنها تنفطر بسبب هول ذلك اليوم، أو تثقل به إثقالاً يؤدي إلى إنفطارها كقوله ﴿ ثقلت في السموات والأرض ﴾ ﴿ كان وعده ﴾ أي وعد الله وقيل وعد اليوم فيكون من باب إضافة المصدر إلى المفعول ﴿ إن هذه ﴾ الآيات المشتملة على التكاليف والتخاويف ﴿ تذكرة ﴾ موعظة شافية ﴿ فمن شاء إتخذ إلى ﴾ قرب ﴿ ربه سبيلاً ﴾ بالإتعاظ والإدكار والتوسل بالطاعة والتجنب عن المعصية.
قال المفسرون: إن النبي وأصحابه شمروا بعد نزول أوائل السورة عن ساق الجد في شأن قيام الليل، وتركوا الرقاد حتى انتفخت أقدامهم واصفرت ألوانهم فلا جرم رحمهم ربهم وخفف عنهم قائلاً ﴿ إن ربك يعلم أنّك تقوم أدنى من ثلثي الليل ﴾ أقل منهما.
قال أهل المعاني والبيان: إنما استعير الأدنى للأقل لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما من الأحياز ﴿ و ﴾ تقوم ﴿ نصفة وثلثه ﴾ وهذا مطابق لما مر أو لأن التخيير بين النصف والناقص منه إلى الثلث وبين الزائد على النصف إلى الثلثين.
ومن قرأ بالجر فمعناه يقوم أقل من الثلثين وهو النصف، وأقل من النصف وهو ثلثه، وأقل من الثلث وهو الربع وهو مطابق للوجه الآخر.و قوله ﴿ وطائفة ﴾ عطف على المستتر في ﴿ يقوم ﴾ وجاز من غير تأكيد للفصل ﴿ والله يقدر الليل والنهار ﴾ فلا يعرف ما مضى من كل منهما أي آن يفرض إلا هو.
وهذا الحصر ينبيء عنه بناء الكلام على الإسم دون الفعل.
ثم أكد المعنى المذكور بقوله ﴿ علم أن لن تحصوه ﴾ أي لا يصح منكم ضبط أوقات الليل كما هي إلا أن تأخذوا بالأوسع الأحوط وذلك شاق عليكم ﴿ فتاب عليكم ﴾ ما فرط منكم في مساهلة حصر الأوقات ورفع تبعته عنكم ﴿ فاقرؤا ما تيسر من القرآن ﴾ الأكثرون على أن القراءة ههنا عبارة عن الصلاة كما يعبر عنها بالقيام والركوع والسجود، والمعنى فصلوا ما تيسر عليكم بالليل فيكون هذا ناسخاً للأول.
ثم إنهما نسخاً جميعاً بالصلوات الخمس، أو نسخ هذا وحده بهن.
وعن بعضهم أنها القراءة حقييقة.
وروي " "من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن ومن قرأ مائة آية أو خمسين كتب من القانتين " ثم بيّن الحكمة في النسخ فقال ﴿ علم ﴾ وهو استئناف على تقدير السؤال عن وجه النسخ.
و" أن " في قوله ﴿ أن سيكون ﴾ مخففة من الثقيلة اسمها الشأن و " كان " تامة أي سيوجد ﴿ منكم مرضى ﴾ هي جمع مريض ﴿ وآخرون ﴾ عطف عليه في الموضعين سوى الله بين المسافرين للكسب الحلال والمجاهدين في سبيله فما أنصف من جانبه من العلماء مستنكفاً عنه إلى طلب ما لم يجوز أخذ الأجرة عليه كالإمامة والقضاء والتدريس يرى أنه منصب من المناصب الدينية فيضع دينه للذة خيالية لا اعتداد بها عند العقلاء.
عن عبد الله بن عمر: ما خلق الله موتة أموتها بعد القتل في سبيل الله أحب إليّ من أن أموت بين شعبتي رحل أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله، وعن عبد الله ابن مسعود مرفوع ظناً.
أيما رجل جلب شيئاًً إلى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً فباعه بسعر يومه كان عند الله من الشهداء.
وظاهر أن المرضى لا يمكنهم الإشتغال بالتجهد لمرضهم.
وأما المسافرون والمجاهدون فمشتغلون في النهار بالأعمال الشاقة، فلو اشتغلوا بالعبادة في الليل لتوالت أسباب المشقة عليهم قوله ﴿ فاقرؤا ما تيسر منه ﴾ من إعادة الأوّل تأكيداً للرخصة، عن ابن عباس: سقط عن أصحاب النبي قيام الليل وصار تطوعاً وبقي ذلك فريضاً على النبي .ثم أمر بإقامة الصلوات الخمس وإيتاء الزكاة وهذا أيضاً مما يغلب على الظن أن الآية مدنية.
وقيل: هي زكاة الفطر.
ثم أشار إلى صدقة التطوع بقوله ﴿ وأقرضوا الله ﴾ ويحتمل أني عود هذا أيضاً إلى الزكاة أي أقرضوا الله بإيتاء الزكاة، وفيه أن إخراج الزكاة ينبغي أن يكون على أحسن وجه من مراعاة النية الخالصة والصرف إلى المستحقين وكونها من أطيب الأموال لا أقل من الوسط.
ثم حث على الإنفاق مطلقاً بقوله ﴿ وما تقدموا ﴾ الآية وقوله ﴿ هو ﴾ صيغة الفصل.
وقوله ﴿ خيراً ﴾ ثاني مفعولي ﴿ تجدوه ﴾ ثم حرض على الإستغفار في جميع الأحوال وإن كان طاعات لما عسى أن يقع فيها تفريط وإليه المرجع والمآب.
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً ﴾ .
قوله: ﴿ شَاهِداً عَلَيْكُمْ ﴾ قال أبو بكر الأصم: تأويله: مبينا لكم ما لله عليكم من الحق.
وجائز أن يكون ﴿ شَاهِداً عَلَيْكُمْ ﴾ ، أي: لكم وعليكم جميعا؛ فيكون على الكفرة شاهدا بقوله: ﴿ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ ﴾ ، ويكون للمؤمنين شاهدا، وقد يذكر "عليكم" ويراد به "لكم" كقوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ ﴾ ، أي: للنصب؛ لأنهم كانوا يذبحون لها، لا عليها.
وخص ذكر موسى - - وفرعون من بين الجملة؛ ففائدة ذكر التخصيص هو - والله أعلم - أن رسول الله كان منشَؤه بين ظهراني الذين كذبوه، ولم يكن وقفوا منه على كذبة قط؛ بل كانوا عرفوه بالصيانة والعدالة، وكان بمحل يرونه أهلا للشهادة؛ فكيف ينسبونه إلى الكذب، ولم يعهدوا ذلك منه، وكذلك موسى - - كان نشأ بين ظهراني أولئك الذين أرسل إليهم، وكانوا عرفوه بالصيانة والعدالة، وعرفوا أنه يصلح للشهادة.
ومنهم من يقول بأنهم ازدروا برسول الله ، واستصغروه؛ اعتبارا بما شهدوا من حاله عند الصغر؛ إذ كان نشوءه فيهم؛ وكذلك ازدروا بموسى - - حين بعث إليهم، واستخفوا به استخفافهم به في حال الصغر، حتى قالوا: ﴿ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ﴾ ، فنزل بهم ما نزل بأولئك من الاستئصال بتكذيبهم إياه، وازدرائهم به، فذكرهم حال مكذبي موسى - - وما نزل بهم من مقت الله بتكذيبهم وازدرائهم به ليعتبروا به؛ فينقلعوا عن الازدراء؛ لئلا يحل بهم ما حل بأولئك.
ولئلا يغتروا بقواهم، وكثرة عددهم وأموالهم؛ فإن مكذبي موسى - - كانوا أكثر أموالا وأولادا وأعدادا، وأشد بطشا؛ فلم يغنهم ذلك من الله - - شيئا.
وجائز أن يكون خص ذكر موسى - - وفرعون ونبأهما؛ لأن خبره كان منتشرا فيما بين أهل مكة؛ لأنهم كانوا جيرة اليهود الذين عندهم نبأ موسى - - وفرعون، فكانوا يخبرونهم بما حل بفرعون وقومه بتكذيبهم الرسول؛ فذكرهم نبأ موسى - - لينتهوا ما هم عليه من التكذيب.
ولأن لله أن يحتج عليهم بآحاد الحجج، وله أن يحتج عليهم بجملتها؛ إذ في ذلك قطع الشبه، وإزاحة العذر.
أو ذكرهم نبأ موسى - - وقومه؛ لأن العهد بهم كان أقرب؛ إذ قومه كانوا آخر قوم استؤصلوا في الدنيا.
وقوله: ﴿ فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً ﴾ ، أي: شديدا: ومنه: المطر الشديد يسمى الوابل.
وقال أبو بكر: اسم لكل معضلة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً ﴾ ، فهو يحتمل أوجها: أحدها: أي: كيف تتقون النار في الآخرة إذا سلكتم في الدنيا سبيلها - وهو الكفر - وأنتم تعلمون أن من سلك طريقا لشيء ولا منفذ لذلك الطريق إلا إلى ذلك الشيء؛ فإنه يرد عليه لا محالة.
أو كيف تتقون النار في الآخرة، وقد تركتم القيام بما عليكم من شكر النعم.
أو كيف تتقون العذاب في الآخرة وأنتم تدفعون إليها، وتضطرون بقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ ، وبقوله: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ﴾ ، وبقوله: ﴿ خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ، وقد مكنتم في الدنيا من الإيمان بالله ، ومكنتم من الانتهاء عن الكفر، ثم لم تنقلعوا عنه، فأنى يتهيأ لكم المخلص من عذابه، وأنتم تدفعون إليه.
أو كيف تنتفعون بإيمانكم في الآخرة، ولم تؤمنوا في الدنيا، وقد مكنتم به.
والأصل أن دار الآخرة ليست بدار لاستحداث الأسباب، وإنما هي دار وقوع المسببات؛ فهم إذا لم يستحدثوا الأسباب التي جعلت لدفع العذاب في الدنيا، لم يمكنوا من استحداثها في الآخرة فينتفعوا بها، ولم يكونوا أهلا لوقوع المسببات؛ لما لم يستحدثوا الأسباب في الدنيا، وإنما قلنا: إنها ليست بدار محنة وابتلاء؛ لأن المحنة؛ لاستظهار الخفيات، والثواب والعقاب قد شوهد وعوين؛ فإذا قيل: إذا فعلت كذا، دخلت النار وهو يعاين النار، ويراها، فهو يمتنع عن الإقدام على ذلك الفعل، وإذا قيل له: إذا آمنت بالله أكرمت بالجنة، وهو يشاهد الجنة، ويراها، فهو يؤمن لا محالة؛ فلا وجه للابتلاء في الآخرة؛ بل هي دار وقوع المسببات يعني: الثواب والعقاب؛ والذي يدل على هذا قوله: ﴿ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً ﴾ ، فأخبر أنهم يشيبون لا بسبب المشيب، والمشيب في الدنيا لا يوجد إلا بعد وجود سببه، وهو الكبر ليعلم أن الدار الآخرة ليست بدار استحداث الأسباب؛ فما يستحدثون من الإيمان بالله لا ينفعهم في ذلك اليوم، ولا يقيهم من عذاب الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً ﴾ جائز أن يكون هذا على التحقيق، فيشيب الولدان لهول ذلك اليوم، ويصير الشيب سكارى؛ لشدة هوله؛ كما قال : ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ ﴾ .
وجائز أن يكون على التمثيل، لا على [تحقيق الشيب]، فمثله به؛ لعظم ذلك اليوم، وشدة هوله، وقد يجوز أن يمثل الشيء بما يبعد عن الأوهام تحقيقه؛ على تعظيم ذلك الشيء، كقوله: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً ﴾ ، فذكر هذا على التمثيل؛ لعظم ما قيل فيه، لا على تحقيق الانفطار والانشقاق.
وجائز أن يكون معناه: أنه لولا أن الله - - بعثهم للإبقاء وألا يتغيروا، ولا يتفانوا، وإلا كان هول ذلك اليوم يبلغ مبلغا يشيب به الولدان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلسَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ ﴾ : أي: بما يجعل الولدان شيبا، وهو هول ذلك اليوم، وشدة فزعه.
أو منفطر بالغمام.
وقيل: منفطر بالله، أي: بقضائه وحكمه، والله أعلم.
ثم قال: ﴿ مُنفَطِرٌ بِهِ ﴾ ، ولم يقل: "منفطرة"، والسماء مؤنث؛ فذكر الزجاج: أن معنى قوله: ﴿ مُنفَطِرٌ بِهِ ﴾ ، أي: ذات انفطار، فعبر بها كما يعبر عن الذكور؛ كما يقال: امرأة مرضع، أي: ذات إرضاع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً ﴾ : أي: الذي وقع به الوعد مفعول، لا أن يكون الوعد هو المفعول، وكذا قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً ﴾ ، والوعد لا يؤتى، بل الموعود هو الذي يؤتى، ولكن نسب الموعود إلى الوعد؛ لأنه من آثاره، وهذا كما يقال: المطر رحمة الله، أي: برحمة الله ما أمطروا، لا أن يكون المطر رحمته، ويقال: الصلاة أمر الله، أي: بأمر الله ما تقام، لا أن تكون أمره الذي يوصف به؛ فكذلك الموعود نسب إلى الوعد؛ إذ بالوعد ما استوجبوا، لا أن يكون الوعد هو المفعول وهو المأتي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ ﴾ : جائز أن يكون قوله: ﴿ هَـٰذِهِ ﴾ منصرفا إلى الأهوال التي ذكرها فيكون ذكرها تذكرة.
ويحتمل أن ينصرف إلى الرسالة، أي: رسالة محمد تذكرة.
ويحتمل: أي: هذه السورة، أو الآيات كلها تذكرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾ : قال بعضهم: من شاء اتخذ عند ربه جاهاً ومنزلة لنفسه.
أو ﴿ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾ .
[أي] إلى ما دعاه إليه ربه، وذلك يكون بالإجابة فيما دعاه إليه.
أو من شاء اتخذ إلى ما وعد له ربه في الآخرة سبيلا في أن يقبل على طاعته، ويشغل نفسه بعبادته.
<div class="verse-tafsir"
إنّ هذه الموعظة -المشتملة على بيان ما في يوم القيامة من هول وشدّة- تذكرة، ينتفع بها المؤمنون، فمن شاء اتخاذ طريق موصل إلى ربه اتخذه.
من فوائد الآيات أهمية قيام الليل وتلاوة القرآن وذكر الله والصبر للداعية إلى الله.
فراغ القلب في الليل له أثر في الحفظ والفهم.
تحمّل التكاليف يقتضي تربية صارمة.
الترف والتوسع في التنعم يصدّ عن سبيل الله.
<div class="verse-tafsir" id="91.LO6pQ"