الآية ٤ من سورة المزمل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 73 المزمل > الآية ٤ من سورة المزمل

أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا ٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 151 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤ من سورة المزمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤ من سورة المزمل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ورتل القرآن ترتيلا ) أي : اقرأه على تمهل ، فإنه يكون عونا على فهم القرآن وتدبره .

وكذلك كان يقرأ صلوات الله وسلامه عليه ، قالت عائشة : كان يقرأ السورة فيرتلها ، حتى تكون أطول من أطول منها .

وفي صحيح البخاري ، عن أنس : أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : كانت مدا ، ثم قرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) يمد " بسم الله " ، ويمد " الرحمن " ، ويمد " الرحيم " .

وقال ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة : أنها سئلت عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : كان يقطع قراءته آية آية ، ( بسم الله الرحمن الرحيم .

الحمد لله رب العالمين .

الرحمن الرحيم .

مالك يوم الدين ) رواه أحمد وأبو داود والترمذي .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يقال لصاحب القرآن : اقرأ وارق ، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا ، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها " .

ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث سفيان الثوري به ، وقال الترمذي : حسن صحيح .

وقد قدمنا في أول التفسير الأحاديث الدالة على استحباب الترتيل وتحسين الصوت بالقراءة ، كما جاء في الحديث : " زينوا القرآن بأصواتكم " ، و " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " ، و " لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود " يعني : أبا موسى ، فقال أبو موسى : لو كنت أعلم أنك كنت تسمع قراءتي لحبرته لك تحبيرا .

وعن ابن مسعود أنه قال : لا تنثروه نثر الرمل ولا تهذوه هذ الشعر ، قفوا عند عجائبه ، وحركوا به القلوب ، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة .

رواه البغوي .

وقال البخاري : حدثنا آدم ، حدثنا شعبة ، حدثنا عمرو بن مرة : سمعت أبا وائل قال : جاء رجل إلى ابن مسعود فقال : قرأت المفصل الليلة في ركعة ، فقال : هذا كهذ الشعر .

لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن ، فذكر عشرين سورة من المفصل ، سورتين في ركعة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا ) يقول جلّ وعزّ: وبين القرآن إذا قرأته تبيينا، وترسل فيه ترسلا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال.

ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا أبو رجاء، عن الحسن، في قوله: ( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا ) قال: اقرأه قراءة بينة.

حدثنا ابن بشار، قال.

ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد ( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا ) فقال: بعضه على أثر بعض.

حدثنا محمد بن عبد الله المخزومي، قال.

ثنا جعفر بن عون، قال: أخبرنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد ( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا ) فقال: بعضه على أثر بعض، على تؤدة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله الله ( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا ) قال: ترسل فيه ترسلا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا ) فقال: بعضه على أثر بعض.

حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج بن محمد، قال، قال ابن جريج، عن عطاء ( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا ) قال: الترتيل النَّبْذ: الطَّرْح.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا ) قال بينه بيانا.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مِقْسم، عن ابن عباس ( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا ) قال: بيِّنه بيانا.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا ) قال: بعضه على أثر بعض.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ورتل القرآن ترتيلا أي لا تعجل بقراءة القرآن بل اقرأه في مهل وبيان مع تدبر المعاني .

وقال الضحاك : اقرأه حرفا حرفا .وقال مجاهد : أحب الناس في القراءة إلى الله أعقلهم عنه .

والترتيل التنضيد والتنسيق وحسن النظام ; ومنه ثغر رتل ورتل ، بكسر العين وفتحها : إذا كان حسن التنضيد .

وتقدم بيانه في مقدمة الكتاب .وروى الحسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر برجل يقرأ آية ويبكي ، فقال : " ألم تسمعوا إلى قول الله - عز وجل - : ورتل القرآن ترتيلا هذا الترتيل " .

وسمع علقمة رجلا يقرأ قراءة حسنة فقال : لقد رتل القرآن ، فداه أبي وأمي ، وقال أبو بكر بن طاهر : تدبر في لطائف خطابه ، وطالب نفسك بالقيام بأحكامه ، وقلبك بفهم معانيه ، وسرك بالإقبال عليه .وروى عبد الله بن عمرو قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : يؤتى بقارئ القرآن يوم القيامة ، فيوقف في أول درج الجنة ويقال له اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا ، فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها خرجه أبو داود وقد تقدم في أول الكتاب .

وروى أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمد صوته بالقراءة مدا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ } أي: على النصف، فيكون الثلثين ونحوها.

{ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا } فإن ترتيل القرآن به يحصل التدبر والتفكر، وتحريك القلوب به، والتعبد بآياته، والتهيؤ والاستعداد التام له،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أو زد عليه ) على النصف إلى الثلثين ، خيره بين هذه المنازل ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يقومون على هذه المقادير ، وكان الرجل لا يدري متى ثلث الليل ومتى نصف الليل ومتى الثلثان ، فكان [ الرجل ] يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب ، واشتد ذلك عليهم حتى انتفخت أقدامهم فرحمهم الله وخفف عنهم ونسخها بقوله : فاقرءوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى " الآية .

فكان بين أول السورة وآخرها سنة .

أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفراييني ، أخبرنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ ، حدثنا الحسن بن علي بن عفان ، حدثنا يحيى بن بشير ، حدثنا سعيد - يعني ابن أبي عروبة - حدثنا قتادة عن زرارة بن أبي أوفى عن سعيد بن هشام قال : انطلقت إلى عائشة رضي الله عنها فقلت : يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت : [ ألست ] تقرأ القرآن ؟

قلت : بلى ، قالت : فإن خلق نبي الله - صلى الله عليه وسلم - كان القرآن ، قلت : فقيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا أم المؤمنين ؟

قالت : ألست تقرأ : " يا أيها المزمل " قلت : بلى ، قالت : فإن الله افترض القيام في أول هذه السورة ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرا في السماء ، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة ، فصار قيام الليل تطوعا بعد الفريضة .

قال مقاتل وابن كيسان : كان هذا بمكة قبل أن تفرض الصلوات الخمس ، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس .

( ورتل القرآن ترتيلا ) قال ابن عباس : بينه بيانا .

وقال الحسن : اقرأه قراءة بينة .

وقال مجاهد : ترسل فيه ترسلا .

وقال قتادة : تثبت فيه تثبتا .

وعن ابن عباس أيضا : اقرأه على هينتك ثلاث آيات أو أربعا أو خمسا .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا عمرو بن عاصم ، حدثنا همام عن قتادة قال : سئل أنس كيف كانت قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : كانت مدا مدا ، ثم قرأ : بسم الله الرحمن الرحيم ، يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا آدم ، حدثنا شعبة ، حدثنا عمرو بن مرة قال : سمعت أبا وائل قال : جاء رجل إلى ابن مسعود ، قال : قرأت المفصل الليلة في ركعة ، فقال : هذا كهذ الشعر ؟

لقد عرفت النظائر التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرن بينهن ، فذكر عشرين سورة من المفصل سورتين [ من آل حاميم ] في [ كل ] ركعة .

أخبرنا أبو جعفر أحمد بن أبي أحمد بن مثويه ، أخبرنا الشريف أبو القاسم علي بن محمد بن علي بن الحسيني الحراني فيما كتبه إلي [ أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين الآجري ] أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن حميد الواسطي ، حدثنا زيد بن أخزم ، حدثنا محمد بن الفضل ، حدثنا سعيد بن زيد ، عن أبي حمزة ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله - يعني ابن مسعود - قال : لا تنثروه نثر الدقل ولا تهذوه هذ الشعر ، قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة .

أخبرنا أبو جعفر أحمد بن أبي أحمد بن مثويه ، أخبرنا الشريف أبو القاسم علي بن محمد بن علي بن الحسين الحراني فيما كتب إلي ، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين الآجري ، حدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد ، حدثنا الحسين بن الحسن المروزي ، حدثنا ابن المبارك ، ح ، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة ، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث ، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي ، أخبرنا عبد الله بن محمد ، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، عن موسى بن عبيدة ، عن عبد الله بن عبيدة وهو أخوه عن سهل بن سعد الساعدي قال : بينا نحن نقرأ إذ خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " الحمد لله كتاب الله واحد وفيكم الأخيار وفيكم الأحمر والأسود اقرءوا [ القرآن ] قبل أن يأتي أقوام يقرءونه ، يقيمون حروفه كما يقام السهم لا يجاوز تراقيهم ، يتعجلون أخره ولا يتأجلونه " .

أخبرنا أبو عثمان الضبي ، أخبرنا أبو محمد الجراحي ، حدثنا أبو العباس المحبوبي ، حدثنا أبو عيسى الترمذي ، حدثنا أبو بكر محمد بن نافع البصري ، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، عن إسماعيل بن مسلم العبدي ، عن أبي المتوكل الناجي ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : قام النبي - صلى الله عليه وسلم - بآية من القرآن ليلة .

ورواه أبو ذر ، قال : قام النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة حتى أصبح بآية [ من القرآن ] والآية : " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " ( المائدة - 118 ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أو زد عليه» إلى الثلثين وأو للتخيير «ورتل القرآن» تثبت في تلاوته «ترتيلا».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها المتغطي بثيابه، قم للصلاة في الليل إلا يسيرًا منه.

قم نصف الليل أو انقص من النصف قليلا حتى تَصِلَ إلى الثلث، أو زد على النصف حتى تصل إلى الثلثين، واقرأ القرآن بتُؤَدَة وتمهُّلٍ مبيِّنًا الحروف والوقوف.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ولك - أيها الرسول الكريم - أن تزيد على ذلك ، بأن تجعل ثلثى الليل للعبادة ، وثلثه للنوم والراحة ..فأنت ترى أن الله - تعالى - قد رخص لنبيه صلى الله عليه وسلم فى أن يجعل نصف الليل أو ثلثه ، أو ثلثيه للعبادة والطاعة ، وأن يجعل المقدار الباقى من الليل للنوم والراحة .

.وخص - سبحانه - الليل بالقيام ، لأنه وقت سكون الأصوات .

.

فتكون العبادة فيه أكثر خشوعا ، وأدى لصفاء النفس ، وطهارة القلب ، وحسن الصلة بالله - عز وجل - .هذا ، وقد استمر وجوب الليل على الرسول صلى الله عليه وسلم حتى بعد فرض الصلوات الخمس عليه وعلى أمته .

تعظيما لشأنه ، ومداومة له على مناجاة ربه ، خصوصا فى الثلث الأخير من الليل ، يدل على ذلك قوله - تعالى - : ( وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً ) وقد كان المسلمون يقتدون بالرسول صلى الله عليه وسلم فى قيام الليل وقد أثنى - سبحانه - عليهم بسبب ذلك فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - : ( تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ .

فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) وقد ذكر الإِمام أحمد حديثا طويلا عن سعيد بن هشام ، وفيه أنه سأل السيدة عائشة عن قيامه صلى الله عليه وسلم بالليل ، فقالت له : ألست تقرأ هذه السورة ، يأيها المزمل .

.

؟إن الله افترض قيام الليل فى أول هذه السورة ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم .

وأمسك الله ختامها فى السماء اثنى عشر شهرا ، ثم أنزل التخفيف فى آخر هذه السورة ، فصار قيام الليل تطوعا من بعد فريضة .

.قال القرطبى ما ملخصه : واختلف : هل كان قيام الليل فرضا وحتما ، أو كان ندبا وحضا؟

والدلائل تقوى أن قيامه كان حتما وفرضا ، وذلك أن الندب والحض ، لا يقع على بعض الليل دون بعض ، لأن قيامه ليس مخصوصا به وقت دون وقت .واختلف - أيضا - هل كان فرضا على النبى صلى الله عليه وسلم وحده؟

أو عليه وعلى من كان قبله من الأنبياء؟

أو عليه وعلى أمته؟

ثلاثة أقوال .

.

أصحها ثالثها للحديث المتقدم الذى رواه سعيد بن هشام عن عائشة - رضى الله عنها - .وقال بعض العلماء بعد أن ساق العلماء فى هذه المسألة بشئ من التفصيل : والذى يستخلص من ذلك أن أرجح الأقوال ، هو القول القائل بأن التهجد كانفريضة على النبى صلى الله عليه وسلم وعلى أمته ، إذ هو الذى يمكن أن تأتلف عليه النصوص القرآنية ، ويشهد له ما تقدم من الآثار عن ابن عباس وعائشة وغيرهما .ويرى بعض العلماء أن وجوب التهجد باق على الناس جميعا ، وأنه لم ينسخ ، وإنما الذى نسخ هو وجوب قيام جزء مقدر من الليل ، لا ينقص كثيرا عن النصف .ويرد على هذا القول بما ثبت فى الصحيحين ، من " أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذى سأله عما يجب عليه من صلاة؟

قال : خمس صلوات فى اليوم والليلة .

قال : هل على غيرها؟

قال : لا إلا أن تطوع " .ويرى فريق آخر : أن قيام الليل نسخ عن الرسول وعن أمته بآخر سورة المزمل .

واستبدل به قراءة القرآن ، على ما يعطيه قوله - تعالى - ( عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن ) ويدل عليه - أيضا - ظاهر ما روى عن عائشة ، من قولها : فصار قيام الليل تطوعا من بعد الفريضة ، دون أن تقيد ذلك بقيد .ويرى فريق ثالث : أن وجوب التهجد استمر على النبى وعلى الأمة ، حتى نسخ بالصلوات الخمس ليلة المعراج .ويرى فريق رابع : أن قيام الليل نسخ عن الأمة وحدها ، وبقى وجوبه على النبى صلى الله عليه وسلم على ما يعطيه ظاهر آية الإِسراء .ولعل أرجح هذه الأقوال هو القول الرابع .

.

فإن آية سورة الإِسراء وهى قوله - تعالى - : ( وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ .

.

.

) تدل على أن وجوب التهجد قد بقى عليه صلى الله عليه وسلم .وقوله - تعالى - : ( وَرَتِّلِ القرآن تَرْتِيلاً ) إرشاد له صلى الله عليه وسلم ولأمته إلى أفضل طريقة لقراءة القرآن الكريم ، حتى يستمروا عليها ، وهم فى أول عهدهم بنزول القرآن الكريم .والترتيل : جعل الشئ مرتلا ، أى : منسقا منظما ، ومنه قولهم : ثغر مرتل ، أى : منظم الأسنان ، لم يشذ بعضها عن بعض .أى : قم - أيها الرسول الكريم - الليل إلا قليلا منه .

.

متعبدا لربك مرتلا للقرآن ترتيلا جميلا حسنا ، تستبين معه الكلمات والحروف ، حتى يفهمها السامع ، وحتى يكون ذلك أعون على حسن تدبره ، وأثبت لمعانيه فى القلب .

.قال الإِمام ابن كثير : وكذلك كان يقرأ صلى الله عليه وسلم فقد قالت عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ السورة فيرتلها .

.

وسئل أنس عن قراءته صلى الله عليه وسلم فقال : كانت مدا .

.

وقال صلى الله عليه وسلم : " زينوا القرآن بأصواتكم " .وقال عبد الله بن مسعود : لا تنثروه نثر الرمَل ، ولا تهذوه هذَّ الشِّعر وقفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب - أى لا تسرعوا فى قراءته كما تسرعوا فى قراءة الشعر .والهذ : سرعة القطع - هذا ، وليس معنى قوله - سبحانه - : ( وَرَتِّلِ القرآن تَرْتِيلاً ) ، أن يقرأ بطريقة فيها تلحين أو تطريب يغير من ألفاظ القرآن ، ويخل بالقراءة الصحيحة من حيث الأداء ، ومخارج الحروف ، والغن والمد ، والإِدغام والإِظهار .

.

وغير ذلك مما يقتضيه القراءة السليمة للقرآن الكريم .وإنما معنى قوله - تعالى - : ( وَرَتِّلِ القرآن تَرْتِيلاً ) أن يقرأه بصوت جميل وبخشوع وتدبر ، وبالتزام تام للقراءة الصحيحة ، من حيث مخارج الحروف ومن حيث الوقف والمد والإِظهار والإِخفاء ، وغير ذلك .

.وقد بسط القول فى هذه المسألة بعض العلماء فارجع إليه إن شئت .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وقوله تعالى: ﴿ قُمِ اليل ﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى: قال ابن عباس: إن قيام الليل كان فريضة على رسول الله لقوله: ﴿ قُمِ اليل ﴾ وظاهر الأمر للوجوب ثم نسخ، واختلفوا في سبب النسخ على وجوه أولها: أنه كان فرضاً قبل أن تفرض الصلوات الخمس ثم نسخ بها.

وثانيها: أنه تعالى لما قال: ﴿ قُمِ اليل إِلاَّ قَلِيلاً * نّصْفَهُ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ﴾ فكان الرجل لا يدري كم صلى وكم بقي من الليل فكان يقوم الليل كله مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب وشق عليهم ذلك حتى ورمت أقدامهم وسوقهم، فنسخ الله تعالى ذلك بقوله في آخر هذه السورة: ﴿ فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ  ﴾ وذلك في صدر الإسلام، ثم قال ابن عباس: وكان بين أول هذا الإيجاب وبين نسخه سنة، وقال في رواية أخرى: إن إيجاب هذا كان بمكة ونسخه كان بالمدينة، ثم نسخ هذا القدر أيضاً بالصلوات الخمس، والفرق بين هذا القول وبين القول الأول أن في هذا القول نسخ وجوب التهجد بقوله: ﴿ فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرءان  ﴾ ثم نسخ هذا بإيجاب الصلوات، وفي القول الأول نسخ إيجاب التهجد بإيجاب الصلوات الخمس ابتداء، وقال بعض العلماء: التهجد ما كان واجباً قط، والدليل عليه وجوه أولها: قوله: ﴿ وَمِنَ اليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ  ﴾ فبين أن التهجد نافلة له لا فرض، وأجاب ابن عباس عنه بأن المعنى زيادة وجوب عليك.

وثانيها: أن التهجد لو كان واجباً على الرسول لوجب على أمته لقوله: ﴿ واتبعوه  ﴾ وورود النسخ على خلاف الأصل.

وثالثها: استدل بعضهم على عدم الوجوب بأنه تعالى قال: ﴿ نّصْفَهُ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ﴾ ففوض ذلك إلى رأي المكلف وما كان كذلك لا يكون واجباً وهذا ضعيف لأنه لا يبعد في العقل أن يقول: أوجبت عليك قيام الليل فأما تقديره بالقلة والكثرة فذاك مفوض إلى رأيك، ثم إن القائلين بعدم الوجوب أجابوا عن التمسك بقوله: ﴿ قُمِ اليل ﴾ وقالوا ظاهر الأمر يفيد الندب، لأنا رأينا أوامر الله تعالى تارة تفيد الندب وتارة تفيد الإيجاب، فلابد من جعلها مفيدة للقدر المشترك بين الصورتين دفعاً للاشتراك والمجاز، وما ذاك إلا ترجيح جانب الفعل على جانب الترك، وأما جواز الترك فإنه ثابت بمقتضى الأصل، فلما حصل الرجحان بمقتضى الأمر وحصل جواز الترك بمقتضى الأصل كان ذلك هو المندوب، والله أعلم.

المسألة الثانية: قرأ أبو السمال ﴿ قُمِ اليل ﴾ بفتح الميم وغيره بضم الميم، قال أبو الفتح بن جني: الغرض من هذه الحركة الهرب من التقاء الساكنين، فأي الحركات تحرك فقد حصل الغرض وحكى قطرب عنهم: ﴿ قم الليل ﴾ ، و ﴿ قل الحق  ﴾ برفع الميم واللام وبع الثوب ثم قال: من كسر فعلى أصل الباب ومن ضم أتبع ومن فتح فقد مال إلى خفة الفتح.

قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً * نّصْفَهُ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ﴾ .

اعلم أن الناس قد أكثروا في تفسير هذه الآية وعندي فيه وجهان ملخصان الأول: أن المراد بقوله: ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ الثلث، والدليل عليه قوله تعالى في آخر هذه السورة: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَىِ اليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ  ﴾ فهذه الآية دلت على أن أكثر المقادير الواجبة الثلثان، فهذا يدل على أن نوم الثلث جائز، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المراد في قوله: ﴿ قُمِ اليل إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ هو الثلث، فإذاً قوله: ﴿ قُمِ اليل إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ معناه قم ثلثي الليل ثم قال: ﴿ نّصْفَهُ ﴾ والمعنى أو قم نصفه، كما تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين، أي جالس ذا أو ذا أيهما شئت، فتحذف واو العطف فتقدير الآية: قم الثلثين أو قم النصف أو انقص من النصف أو زد عليه، فعلى هذا يكون الثلثان أقصى الزيادة، ويكون الثلث أقصى النقصان، فيكون الواجب هو الثلث، والزائد عليه يكون مندوباً، فإن قيل: فعلى هذا التأويل يلزمكم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد ترك الواجب، لأنه تعالى قال: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَىِ اليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ ﴾ فمن قرأ نصفه وثلثه بالخفض كان المعنى أنك تقوم أقل من الثلثين، وأقل من النصف، وأقل من الثلث، فإذا كان الثلث واجباً كان عليه السلام تاركاً للواجب، قلنا: إنهم كانوا يقدرون الثلث بالاجتهاد، فربما أخطأوا في ذلك الاجتهاد ونقصوا منه شيئاً قليلاً فيكون ذلك أدنى من ثلث الليل المعلوم بتحديد الأجزاء عند الله، ولذلك قال تعالى لهم: ﴿ عِلْمٍ أَلَّن تُحْصُوهُ  ﴾ ، الوجه الثاني: أن يكون قوله: ﴿ نّصْفَهُ ﴾ تفسيراً لقوله: ﴿ قَلِيلاً ﴾ وهذا التفسير جائز لوجهين: الأول: أن نصف الشيء قليل بالنسبة إلى كله والثاني: أن الواجب إذا كان هو النصف لم يخرج صاحبه عن عهدة ذلك التكليف بيقين إلا بزيادة شيء قليل عليه فيصير في الحقيقة نصفاً وشيئاً، فيكون الباقي بعد ذلك أقل منه، وإذا ثبت هذا فنقول: ﴿ قُمِ اليل إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ معناه قم الليل إلا نصفه، فيكون الحاصل: قم نصف الليل، ثم قال: ﴿ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً ﴾ يعني أو انقص من هذا النصف نصفه حتى يبقى الربع، ثم قال: ﴿ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ﴾ يعني أو زد على هذا النصف نصفه حتى يصير المجموع ثلاثة أرباعه، وحينئذ يرجع حاصل الآية إلى أنه تعالى خيره بين أن يقوم تمام النصف، وبين أن يقوم ربع الليل، وبين أن يقوم ثلاثة أرباعه، وعلى هذا التقدير يكون الواجب الذي لابد منه هو قيام الربع، والزائد عليه يكون من المندوبات والنوافل، وعلى هذا التأويل يزول الإشكال الذي ذكرتم بالكلية لأن قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَىِ اليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ  ﴾ يدل على أنه عليه الصلاة والسلام لم يقم ثلثي الليل، ولا نصفه ولا ثلثه لأن الواجب لما كان هو الربع فقط لم يلزم من ترك قيام الثلث ترك شيء من الواجبات، فزال السؤال المذكور، والله أعلم.

قوله تعالى: ﴿ وَرَتّلِ القرءان تَرْتِيلاً ﴾ قال الزجاج: رتل القرآن ترتيلاً، بينه تبييناً، والتبيين لا يتم بأن يعجل في القرآن، إنما يتم بأن يتبين جميع الحروف، ويوفي حقها من الإشباع، قال المبرد: أصله من قولهم: ثغر رتل إذا كان بين الثنايا افتراق ليس بالكثير، وقال الليث: الترتيل تنسيق الشيء، وثغر رتل، حسن التنضيد، ورتلت الكلام ترتيلاً، إذا تمهلت فيه وأحسنت تأليفه، وقوله تعالى: ﴿ تَرْتِيلاً ﴾ تأكيد في إيجاب الأمر به، وأنه مما لابد منه للقارئ.

واعلم أنه تعالى لما أمره بصلاة الليل أمره بترتيل القرآن حتى يتمكن الخاطر من التأمل في حقائق تلك الآيات ودقائقها، فعند الوصول إلى ذكر الله يستشعر عظمته وجلالته، وعند الوصول إلى الوعد والوعيد يحصل الرجاء والخوف، وحينئذ يستنير القلب بنور معرفة الله، والإسراع في القراءة يدل على عدم الوقوف على المعاني، لأن النفس تبتهج بذكر الأمور الإلهية الروحانية، ومن ابتهج بشيء أحب ذكره، ومن أحب شيئاً لم يمر عليه بسرعة، فظهر أن المقصود من الترتيل إنما هو حضور القلب وكما المعرفة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ المزمل ﴾ المتزمّل، وهو الذي تزمّل في ثيابه: أي تلفف بها، بإدغام التاء في الزاي: ونحوه: ﴿ المدثر ﴾ في المتدثر وقرئ ﴿ المتزمّل ﴾ على الأصل: والمزمل بتخفيف الزاي وفتح الميم وكسرها.

على أنه اسم فاعل أو مفعول، من زمله، وهو الذي زمله غيره أو زمل نفسه؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم نائماً بالليل متزملاً في قطيعة فنبه ونودي بما يهجن إليه الحالة التي كان عليها من التزمل في قطيفته واستعداده للاستثقال في النوم، كما يفعل من لا يهمه أمر ولا يعنيه شأن.

ألا ترى إلى قول ذي الرمّة: وَكَائِنْ تَخَطَّتْ نَاقتِي مِنْ مَفَازَةٍ ** وَمِنْ نَائِمٍ عَنْ لَيْلِهَا مُتَزَمِّلِ يريد: الكسلان المتقاعس الذي لا ينهض في معاظم الأمور وكفايات الخطوب، ولا يحمل نفسه المشاق والمتاعب، ونحوه: فَأَنْتَ بِهِ حُوشَ الْفُؤَادِ مُبَطَّناً ** سُهُداً إذَا مَا نَامَ لَيْلُ الْهَوْجَلِ وفي أمثالهم: أَوْرَدَهَا سَعْدٌ وَسَعْدٌ مُشْتَمِلْ ** مَا هكَذَا تُورَدُ يَا سَعْدُ الإِبِلْ فذمه بالاشتمال بكسائه، وجعل ذلك خلاف الجلد والكيس، وأمر بأن يختار على الهجود التهجد، وعلى التزمل التشمر، والتخفف للعبادة والمجاهدة في الله، لا جرم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تشمر لذلك مع أصحابه حق التشمر، وأقبلوا على إحياء لياليهم، ورفضوا له الرقاد والدعة، وتجاهدوا فيه حتى انتفخت أقدامهم واصفرت ألوانهم، وظهرت السيمى في وجوههم وترامى أمرهم إلى حد رحمهم له ربهم.

فخفف عنهم.

وقيل: كان متزملا في مرط لعائشة يصلي، فهو على هذا ليس بتهجين، بل هو ثناء عليه وتحسين لحاله التي كان عليها، وأمر بأن يدوم على ذلك ويواظب عليه.

وعن عائشة رضي اللَّه عنها: أنها سئلت ما كان تزميله؟

قالت: كان مرطا طوله أربع عشرة ذراعاً نصفه علي وأنا نائمة ونصفه عليه وهو يصلي، فسئلت: ما كان؟

قالت: والله ما كان خزاً ولا قزاً ولا مرعزي ولا إبريسما ولا صوفاً: كان سداه شعراً ولحمته وبراً.

وقيل: دخل على خديجة، وقد جَثَتْ فرقا أول ما أتاه جبريل وبوادره ترعد، فقال: زملوني زملوني، وحسب أنه عرض له؛ فبينا هو على ذلك إذ ناداه جبريل: يا أيها المزمل.

وعن عكرمة: أنّ المعنى: يا أيها الذي زمل أمراً عظيماً، أي: حمله، والزمل: الحمل.

وازدمله: احتمله وقرئ ﴿ قم الليل ﴾ بضم الميم وفتحها.

قال عثمان بن جنى: الغرض بهذه الحركة التبلغ بها هرباً من التقاء الساكنين، فبأي الحركات تحرّك فقد وقع الغرض ﴿ نِّصْفَهُ ﴾ بدل من الليل.

وإلا قليلاً: استثناء من النصف، كأنه قال: قم أقل من نصف الليل.

والضمير في منه وعليه للنصف، والمعنى التخيير بين أمرين؛ بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت، وبين أن يختار أحد الأمرين وهما النقصان من النصف والزيادة عليه.

وإن شئت جعلت نصفه بدلا من قليلاً، وكان تخييراً بين ثلاث: بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص منه وبين قيام الزائد عليه؛ وإنما وصف النصف بالقلة بالنسبة إلى الكل، وإن شئت قلت: لما كان معنى ﴿ قُمِ اليل إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ ﴾ إذا أبدلت النصف من الليل، قم أقل من نصف الليل، رجع الضمير في منه وعليه إلى الأقل من النصف، فكأنه قيل: قم أقل من نصف الليل.

أو: قم أنقص من ذلك الأقل أو أزيد منه قليلاً.

فيكون التخيير فيما وراء النصف بينه وبين الثلث.

ويجوز إذا أبدلت نصفه من قليلا وفسرته به أن تجعل قليلاً الثاني بمعنى نصف النصف: وهو الربع، كأنه قيل أو انقص منه قليلاً نصفه.

وتجعل المزيد على هذا القليل، أعني الربع، نصف الربع كأنه قيل: أو زد عليه قليلاً نصفه.

ويجوز أن تجعل الزيادة لكونها مطلقة تتمة الثلث، فيكون تخييراً بين النصف والثلث والربع.

فإن قلت: أكان القيام فرضاً أم نفلاً؟

قلت: عن عائشة رضي اللَّه عنها أنّ الله جعله تطوّعاً بعد أن كان فريضة.

وقيل كان فرضاً قبل أن تفرض الصلوات الخمس، ثم نسخ بهنّ إلا ما تطوّعوا به.

وعن الحسن: كان قيام ثلث الليل فريضة، وكانوا على ذلك سنة.

وقيل: كان واجباً، وإنما وقع التخيير في المقدار، ثم نسخ بعد عشر سنين.

وعن الكلبي: كان يقوم الرجل حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ ما بين النصف والثلث والثلثين؛ ومنهم من قال: كان نفلاً بدليل التخيير في المقدار، ولقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ اليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ ﴾ [الإسراء: 79] ، ترتيل القرآن: قراءته على ترسل وتؤدة بتبيين الحروف وإشباع الحركات، حتى يجيء المتلوّ منه شبيها بالثغر المرتل: وهو المفلج المشبه بنور الأقحوان، وألا بهذّه هذا ولا يسرده سرداً، كما قال عمر رضي الله عنه: شر السير الحقحقة.

وشر القراءة الهذرمة، حتى يشبه المتلو في تتابعه الثغر الألص.

وسئلت عائشة رضي الله عنها عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فقالت: لا كسردكم هذا، لو أراد السامع أن يعد حروفه لعدها و ﴿ تَرْتِيلاً ﴾ تأكيد في إيجاب الأمر به، وأنه ما لابد منه للقارئ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا ﴾ ﴿ أوْ زِدْ عَلَيْهِ ﴾ الِاسْتِثْناءُ مِنَ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ بَدَلٌ مِن قَلِيلًا وقِلَّتُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ، والتَّخْيِيرُ بَيْنَ قِيامِ النِّصْفِ والزّائِدِ عَلَيْهِ كالثُّلُثَيْنِ والنّاقِصِ عَنْهُ كالثُّلُثِ، أوْ نِصْفَهُ بَدَلٌ مِنَ اللَّيْلَ والِاسْتِثْناءُ مِنهُ والضَّمِيرُ في مِنهُ وعَلَيْهِ لِلْأقَلِّ مِنَ النِّصْفِ كالثُّلُثِ فَيَكُونُ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأقَلِّ مِنهُ كالرُّبُعِ، والأكْثَرِ مِنهُ كالنِّصْفِ أوْ لِلنِّصْفِ والتَّخْيِيرُ بَيْنَ أنْ يَقُومَ أقَلَّ مِنهُ عَلى البَتِّ وأنْ يَخْتارَ أحَدَ الأمْرَيْنِ مِنَ الأقَلِّ والأكْثَرِ، أوِ الِاسْتِثْناءُ مِن إعْدادِ اللَّيْلِ فَإنَّهُ عامٌّ والتَّخْيِيرُ بَيْنَ قِيامِ النِّصْفِ والنّاقِصِ عَنْهُ والزّائِدِ عَلَيْهِ.

﴿ وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا ﴾ اقْرَأْهُ عَلى تُؤَدَةٍ وتَبْيِينِ حُرُوفٍ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ السّامِعُ مِن عَدِّها مِن قَوْلِهِ: ثَغْرٌ رَتَّلَ ورَتَّلَ إذا كانَ مُفَلَّجًا.

﴿ إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ فَإنَّهُ لِما فِيهِ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ ثَقِيلٌ عَلى المُكَلَّفِينَ سِيَّما عَلى الرَّسُولِ  إذْ كانَ عَلَيْهِ أنْ يَتَحَمَّلَها ويُحَمِّلَها أُمَّتَهُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ يَسْهُلُ التَّكْلِيفُ عَلَيْهِ بِالتَّهَجُّدِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُشْقٍ مُضادٌّ لِلطَّبْعِ مُخالِفٌ لِلنَّفْسِ، أوْ رَصِينٌ لِرَزانَةِ لَفْظِهِ ومَتانَةِ مَعْناهُ، أوْ ثَقِيلٌ عَلى المُتَأمِّلِ فِيهِ لِافْتِقارِهِ إلى مَزِيدِ تَصْفِيَةٍ لِلسِّرِّ وتَجْرِيدٍ لِلنَّظَرِ، أوْ ثَقِيلٌ في المِيزانِ أوْ عَلى الكُفّارِ والفُجّارِ، أوْ ثَقِيلٌ تَلَقِّيهِ لِقَوْلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: «رَأيْتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ في اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ وإنَّ جَبِينَهُ لَيَرْفَضُّ عَرَقًا.» وَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمَصْدَرِ والجُمْلَةُ عَلى هَذِهِ الأوْجُهِ لِلتَّعْلِيلِ مُسْتَأْنَفٌ، فَإنَّ التَّهَجُّدَ يُعِدُّ لِلنَّفْسِ ما بِهِ تُعالِجُ ثِقَلَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} على النصف إلى الثلثين والمراد التخيير بين أمرين بين أين يقوم أقل من نصف الليل على البت وبين أن يختار أحد الأمرين وهما النقصان من النصف والزيادة عليه وإن جعلت نِّصْفَهُ بدلاً من قَلِيلاً كان مخيراً بين ثلاثة أشياء بين قيام نصف الليل تاماً وبين قيام الناقص منه وبين قيام الزائد عليه وإنا وصف النصف بالقلة بالنسبة إلى الكل وإلا فإطلاق لفظ القليل ينطلق على ما دون النصف ولهذا قلنا إذا أقرّ أن لفلان عليه ألف درهم إلا قليلاً أنه يلزمه أكثر من نصف الألف {ورتل القرآن} بين

وفصل من الثغر المرتل أي المفلج الأسنان وكلام رَتَلٌ بالتحريك أي مرتل وثغر رتل أيضاً إذا كان مستوي البنيان أو اقرأ على تؤدة بتبيين الحروف وحفظ الوقوف وإشباع الحركات {تَرْتِيلاً} هو تأكيد في إيجاب الامر به وانه لا بد منه للقارئ

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أوْ زِدْ عَلَيْهِ ﴾ عَطْفٌ كَما سَبَقَ وكَذا الكَلامُ في الضَّمِيرِ ولا يَخْتَلِفُ المَعْنى عَلى القَوْلَيْنِ فِيهِ وهو تَخْيِيرُهُ  بَيْنَ أنْ يَقُومَ نِصْفَ اللَّيْلِ أوْ أقَلَّ مِنَ النِّصْفِ أوْ أكْثَرَ بَيْدَ أنَّهُ رَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّ فِيهِ جَعْلَ مِعْيارِ النَّقْصِ والزِّيادَةِ النِّصْفَ المُقارِنَ لِلْقِيامِ وهو أوْلى مِن جَعْلِهِ لِلنِّصْفِ العارِي مِنهُ بِالكُلِّيَّةِ وإنْ تَساوَيا كَمِّيَّةً وجَهِلَ بَعْضُهُمِ الإبْدالَ مِنَ اللَّيْلِ الباقِي بَعْدَ الثُّنْيا والضَّمِيرَيْنِ لَهُ وقالَ في الإبْدالِ مِن قَلِيلٍ لَيْسَ بِسَدِيدٍ لِهَذا ولِأنَّ الحَقِيقِيَّ بِالِاعْتِناءِ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ الإبْدالُ هو الجُزْءُ الباقِي بَعْدَ الثُّنْيا المُقارِنِ لِلْقِيامِ لا لِلْجُزْءِ المُخْرَجِ العارِي عَنْهُ ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى طَرَفِ التَّمامِ.

وكَذا اعْتَرَضَ أبُو حَيّانٍ ذَلِكَ الإبْدالَ بِقَوْلِهِ: إنَّ ضَمِيرَ ﴿ نِصْفَهُ ﴾ حِينَئِذٍ إمّا أنْ يَعُودَ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ أوْ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ وهو ( اللَّيْلَ ) لا جائِزَ أنْ يَعُودَ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ لِأنَّهُ يَكُونُ اسْتِثْناءَ مَجْهُولٍ مِن مَجْهُولٍ إذِ التَّقْدِيرُ إلّا قَلِيلًا نِصْفَ القَلِيلِ، وهَذا لا يَصِحُّ لَهُ مَعْنى البَتَّةَ ولا جائِزَ أنْ يَعُودَ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ لِأنَّهُ يَلْغُو فِيهِ الِاسْتِثْناءُ إذْ لَوْ قِيلَ قُمِ اللَّيْلَ نَصِفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا أوْ زِدْ عَلَيْهِ أفادَ مَعْناهُ عَلى وجْهٍ أخْصَرَ وأوْضَحَ وأبْعَدَ عَنِ الإلْباسِ وفِيهِ أنّا نَخْتارُ الثّانِي وما زَعَمَهُ مِنَ اللُّغَوِيَّةِ قَدْ أشَرْنا إلى دَفْعِهِ وأوْضَحَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ بِقَوْلِهِ: إنَّ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلى تَخْفِيفِ القِيامِ وتَسْهِيلِهِ لِأنَّ قِلَّةَ أحَدِ النِّصْفَيْنِ تُلازِمُ قِلَّةَ الآخَرِ وتَنْبِيهًا عَلى تَفاوُتِ ما شُغِلَ بِالطّاعَةِ وما خَلا مِنها الإشْعارُ بِأنَّ البَعْضَ المَشْغُولَ بِمَنزِلَةِ الكُلِّ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ البَيانِ بَعْدَ الإبْهامِ الدّاعِي لِلتَّمَكُّنِ في الذَّهَبِ وزِيادَةِ التَّشْوِيقِ وتَعَقَّبَ السَّمِينُ الشِّقَّ الأوَّلَ أيْضًا بِأنَّ قَوْلَهُ اسْتِثْناءُ مَجْهُولٍ مِن مَجْهُولٍ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ ( اللَّيْلَ ) مَعْلُومٌ وكَذا بَعْضُهُ مِنَ النِّصْفِ وما دُونَهُ وما فَوْقَهُ ولا ضَيْرَ في اسْتِثْناءِ المَجْهُولِ مِنَ المَعْلُومِ نَحْوَ ﴿ فَشَرِبُوا مِنهُ إلا قَلِيلا  ﴾ بَلْ لا ضَمِيرَ في إبْدالِ مَجْهُولٍ مِن مَجْهُولٍ كَجاءَنِي جَماعَةٌ بَعْضُهم مُشاةٌ ومَعَ هَذا المُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما سَلَفَ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ نِصْفَهُ ﴾ بَدَلًا مِن ﴿ اللَّيْلَ ﴾ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ والِاسْتِثْناءُ مِنهُ والكَلامُ عَلى نِيَّةِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ والأصْلُ ثُمَّ نِصْفَ اللَّيْلِ إلّا قَلِيلًا وضَمِيرُ مِنهُ وعَلَيْهِ لِلْأقَلِّ مِنَ النِّصْفِ المَفْهُومِ مِن مَجْمُوعِ المُسْتَثْنى مِنهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ قُمْ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ بِأنْ تَقُومَ ثُلْثَ اللَّيْلِ أوِ انْقُصْ مِن ذَلِكَ الأقَلِّ قَلِيلًا بِأنْ تَقُومَ رُبْعَ اللَّيْلِ أوْ زِدْ عَلى ذَلِكَ الأقَلِّ بِأنْ تَقُومَ النِّصْفَ فالتَّخْيِيرُ عَلى هَذا بَيْنَ الأقَلِّ مِنَ النِّصْفِ والأقَلِّ مِنَ الأقَلِّ وإلّا زِيدَ مِنهُ وهو النِّصْفُ بِعَيْنِهِ ومَآلُهُ إلى التَّخْيِيرِ بَيْنَ النِّصْفِ والثُّلْثِ والرُّبْعِ، فالفَرْقُ بَيْنَ هَذا الوَجْهِ وما ذَكَرَ قِيلَ مِثْلَ الصُّبْحِ ظاهِرٌ وفي الكَشّافِ ما يُفْهَمُ مِنهُ عَلى ما قِيلَ إنَّ التَّخْيِيرَ فِيما وراءَ النِّصْفِ أيْ فِيما يَقِلُّ عَنِ النِّصْفِ ويَزِيدُ عَلى الثُّلْثِ فَلا يَبْلُغُ بِالزِّيادَةِ النِّصْفَ ولا بِالنُّقْصانِ الثُّلْثَ.

قالَ في الكَشْفِ وإنَّما جَعَلَ الزِّيادَةَ دُونَ النِّصْفِ والنُّقْصانَ فَوْقَ الثُّلْثِ لِأنَّهُما لَوْ بَلَغا إلى الكَسْرِ الصَّحِيحِ لَكانَ الأشْبَهُ أنْ يُذْكَرَ بِصَرِيحِ اسْمَيْهِما وأيْضًا إيثارُ القِلَّةِ ثانِيًا دَلِيلٌ عَلى التَّقْرِيبِ مِن ذَلِكَ الأقَلِّ وما انْتَهى إلى كَسْرٍ صَحِيحٍ فَلَيْسَ بِناقِصٍ قَلِيلٍ في ذَوْقِ هَذا المَقامِ وذا القَوْلُ في جانِبِ الزِّيادَةِ كَيْفَ وقَدْ بَنى الأمْرَ عَلى كَوْنِهِ أقَلَّ مِنَ النِّصْفِ انْتَهى وهو وجْهٌ مُتَكَلَّفٌ ونَحْوَهُ فِيما أرى ما سَمِعْتُ قَبِيلَهُ وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ ذِكْرَ الثُّلُثِ والرُّبْعِ والنِّصْفِ فِيهِ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لا أنَّ الأقَلَّ والأنْقَصَ والأزْيَدَ مَحْصُوراتٌ فِيما ذَكَرَ.

وجَوَّزَ أيْضًا كَوْنَ الكَلامِ عَلى نِيَّةِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ كَما مَرَّ آنِفًا لَكِنْ مَعَ جَعْلِ الضَّمِيرَيْنِ لِلنِّصْفِ لا لِلْأقَلِّ مِنهُ كَما في ذَلِكَ والمَعْنى التَّخْيِيرُ بَيْنَ أمْرَيْنِ بَيْنَ أنْ يَقُومَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ عَلى البَتِّ وبَيْنَ أنْ يَخْتارَ أحَدَ الأمْرَيْنِ وهُما النُّقْصانُ مِنَ النِّصْفِ والزِّيادَةُ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ قُمْ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ عَلى البَتِّ أوِ انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ أوْ زِدْ عَلَيْهِ تَخْيِيرًا قِيلَ ولِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الأقَلِّ لِأنَّهُ الأصْلُ الواجِبُ كُرِّرَ عَلى نَحْوِ أكْرِمْ إمّا زَيْدًا وإمّا زَيْدًا أوْ عَمْرًا وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ تَكَلُّفًا لِأنَّ تَقْدِيمَ الِاسْتِثْناءِ عَلى البَدَلِ ظاهِرٌ في أنَّ البَدَلَ مِنَ الحاصِلِ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ لِأنَّ في تَقْدِيرِ تَأْخِيرِ الِاسْتِثْناءِ عُدُولًا عَنِ الأصْلِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ.

ولِأنَّ الظّاهِرَ عَلى هَذا رُجُوعُ الضَّمِيرَيْنِ إلى النِّصْفِ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ لِأنَّهُ السّابِقُ لا النِّصْفُ المُطْلَقُ وأيْضًا الظّاهِرَ أنَّ النُّقْصانَ رُخْصَةٌ لِأنَّ الزِّيادَةَ نَفْلٌ والِاعْتِناءَ بِشَأْنِ العَزِيمَةِ أوْلى ثُمَّ فِيهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ قِيامُ النِّصْفِ ويَرُدُّهُ القِراءَةُ الثّابِتَةُ في السَّبْعَةِ: ﴿ إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ  ﴾ بِالجَرِّ فَإنِ اسْتَدَلَّ مِن جَوازِ الأقَلِّ عَلى جَوازِهِ لِمَفْهُومِ المُوافَقَةِ لَزِمَ أنَّ يُلْغُوا التَّعَرُّضَ لِلزِّيادَةِ عَلى النِّصْفِ لِذَلِكَ أيْضًا ولا يَخْفى أنَّ بَعْضَ هَذا يُرَدُّ عَلى الوَجْهِ المارِّ آنِفًا واعْتُرِضَ قَوْلُهُ الظّاهِرُ أنَّ النُّقْصانَ رُخْصَةٌ بِأنَّهُ مَحَلُّ نَظَرٍ إذِ الظّاهِرُ أنَّهُ مِن قَبِيلِ ﴿ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ  ﴾ فالتَّخْيِيرُ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ وفِيهِ بَحْثٌ.

وجَوَّزَ أيْضًا كَوْنَ الإبْدالِ مِن ﴿ قَلِيلا ﴾ الثّانِي بِمَعْنى نِصْفِ النِّصْفِ وهو الرُّبْعُ وضَمِيرُ عَلَيْهِ لِهَذا القَلِيلِ وجَعَلَ المَزِيدَ عَلى هَذا القَلِيلِ أعْنِي الرُّبْعَ نِصْفَ الرُّبْعِ كَأنَّهُ قِيلَ قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ أوِ انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ قَلِيلًا نِصْفَهُ أوْ زِدْ عَلى هَذا القَلِيلِ قَلِيلًا نِصْفَهُ ومَآلُهُ قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ أوْ نِصْفَ أوْ زِدْ عَلى نِصْفِ النِّصْفِ نِصْفَ نِصْفِ النِّصْفِ فَيَكُونُ التَّخْيِيرُ فِيما إذا كانَ اللَّيْلُ سِتَّ عَشْرَةَ ساعَةً مَثَلًا بَيْنَ قِيامِ ثَمانِي ساعاتٍ وأرْبَعٍ وسِتٍّ ولا يَخْفى أنَّ الإطْلاقَ في أوْ زِدْ عَلَيْهِ ظاهِرُ الإشْعارِ بِأنَّهُ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِقَلِيلًا إذْ لَوْ كانَ لِلِاسْتِغْناءِ لاكْتَفى في أوِ انْقُصْ إلَخِ بِالأوَّلِ أيْضًا ومِن هُنا قِيلَ يَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ الزِّيادَةُ لِكَوْنِها مُطْلَقَةً تَتِمَّةً لِلثُّلْثِ فَيَكُونُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ النِّصْفِ والثُّلْثِ والرُّبْعِ وفِيهِ أنَّ جَعْلَها تَتِمَّةَ الثُّلْثِ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ سِوى مُوافَقَةِ القِراءَةِ بِالجَرِّ في نِصْفِهِ وثُلْثِهِ بَعْدُ.

وجَوَّزَ الإمامُ أنْ يُرادَ بِقَلِيلًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إلا قَلِيلا ﴾ الثُّلُثَ وقالَ إنَّ ﴿ نِصْفَهُ ﴾ عَلى حَذْفِ حَرْفِ العَطْفِ فَكَأنَّهُ قِيلَ ثُلْثَيِ اللَّيْلِ أوْ قُمْ نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ أوْ زِدْ عَلَيْهِ وأطالَ في بَيانِ ذَلِكَ والذَّبِّ عَنْهُ ومَعَ ذَلِكَ لا يَخْفى حالُهُ وذَكَرَ أيْضًا وجْهًا ثانِيًا لا يَخْفى أمْرُهُ عَلى مَن أحاطَ بِما تَقَدَّمَ خَبَرًا نَعَمْ تَفْسِيرُهُ القَلِيلَ بِالثُّلْثِ مَرْوِيٌّ عَنِ الكَلْبِي ومُقاتِلٍ وعَنْ وهَبِ بْنِ مُنَبِّهٍ تَفْسِيرُهُ بِما دُونَ المِعْشارِ والسُّدْسِ وهو عَلى ما قَدَّمْنا نِصْفٌ.

واسْتَدَلَّ بِهِ مَن قالَ بِجَوازِ اسْتِثْناءِ النِّصْفِ وما فَوْقَهُ عَلى ما فُصِّلَ في الأُصُولِ وقالَ التَّبْرِيزِيُّ الأمْرُ بِالقِيامِ والتَّخْيِيرِ في الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ وقَعَ عَلى الثُّلْثَيْنِ مِن آخَرِ اللَّيْلِ لِأنَّ الثُّلْثَ الأوَّلَ وقْتُ العَتَمَةِ والِاسْتِثْناءَ وارِدٌ عَلى المَأْمُورِ بِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ قُمْ ثُلْثَيِ اللَّيْلِ ( إلّا ) قَلِيلًا ثُمَّ جَعَلَ نِصْفَهُ بَدَلًا مِن قَلِيلًا فَصارَ القَلِيلُ مُفَسَّرًا بِالنِّصْفِ مِنَ الثُّلْثَيْنِ وهو قَلِيلٌ عَلى ما تَقَدَّمَ أوِ انْقَصْ مِنهُ أيْ مِنَ المَأْمُورِ بِهِ وهو قِيامُ الثُّلْثَيْنِ قَلِيلًا أيْ ما دُونَ نِصْفِهِ أوْ زِدْ عَلَيْهِ فَكانَ التَّخْيِيرُ في الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ واقِعًا عَلى الثُّلْثَيْنِ انْتَهى.

وهُوَ كَما تَرى وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مِن أعْدادِ اللَّيْلِ لا مِن أجْزائِهِ فَإنَّ تَعْرِيفَهُ لِلِاسْتِغْراقِ إذْ لا عَهْدَ فِيهِ والضَّمِيرُ راجِعٌ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ الأجْزاءِ عَلى أنَّ هُناكَ اسْتِخْدامًا أوْ شِبْهَهُ والتَّخْيِيرُ بَيْنَ قِيامِ النِّصْفِ والنّاقِصِ عَنْهُ والزّائِدِ عَلَيْهِ وهو بِمَكانٍ مِنَ البُعْدِ وبِالجُمْلَةِ قَدْ أكْثَرَ المُفَسِّرُونَ الكَلامَ في هَذِهِ الآيَةِ حَتّى ذَكَرُوا ما لا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى العَزِيزِ عَلَيْهِ وأظْهَرُ الوُجُوهِ عِنْدِي وأبْعَدُها عَنِ التَّكَلُّفِ وألْيَقُها بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ هو ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما في كِتابِهِ الجَلِيلِ الجَزِيلِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَتَعَلَّقُ بِالأمْرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ قُمِ اللَّيْلَ ﴾ إلَخِ ﴿ ورَتِّلِ القُرْآنَ ﴾ أيْ في أثْناءِ ما ذَكَرَ مِنَ القِيامِ أيِ اقْرَأْهُ عَلى تُؤَدَةٍ وتَمَهُّلٍ وتَبْيِينِ حُرُوفٍ ﴿ تَرْتِيلا ﴾ بَلِيغًا بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ السّامِعُ مِن عَدِّها مِن قَوْلِهِمْ ثَغْرٌ رَتْلٌ بِسُكُونِ التّاءِ ورَتِلٌ بِكَسْرِها إذا كانَ مُفَلَّجًا لَمْ تَتَّصِلْ أسْنانُهُ بَعْضُها بِبَعْضٍ وأخْرَجَ العَسْكَرِيُّ في المَواعِظِ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: بَيِّنْهُ تَبْيِينًا ولا تَنْثُرُهُ نَثْرَ الدَّقْلِ ولا تَهُذَّهُ هَذا الشِّعْرِ قِفُوا عِنْدَ عَجائِبِهِ وحَرِّكُوا بِهِ القُلُوبَ ولا يَكُنْ هَمُّ أحَدِكم آخَرَ السُّورَةِ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي عشرون آية مكية قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ يعني الملتف في ثيابه وأصله في اللغة المتزمل وهو الذي يتزمل في الثياب وكل من التف بثوبه فهو متزمل وقد تزمل فأدغمت التاء في الزاء وشددت الزاء فقيل مزمل يعني: النبي  قُمِ اللَّيْلَ يعني: قم الليل للصلاة إِلَّا قَلِيلًا من الليل نِصْفَهُ يعني قم نصفه فاكتفى بذكر الفعل الأول من الثاني لأنه دليل عليه أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا يعني أو انقص من النصف قليلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ يعني: زد على النصف يعني ما بين الثلث إلى الثلثين ثم قال: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا يعني: توسل فيه وقال الحسن بينه إذا قرأته فلما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين فنزلت الرخصة في آخر السورة، وقال مقاتل هذا قبل أن يفرض الصلوات الخمس، وقال الضحاك: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا قال: اقرأه حرفاً حرفاً وقال مجاهد: أحب الناس إلى الله تعالى في القراءة أعقلهم عنه قوله تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا يعني: سننزل عليك القرآن بالأمر والنهي يعني: يثقل لما فيه من الأمر والنهي والحدود وكان هذا في أول الأمر ثم سهل الله تعالى الأمر في قيام الليل، وقال قتادة في قوله: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا قال: يثقل الله فرائضه وحدوده.

ويقال: يعني: قيام الليل ثقيل على المجرمين، ويقال: ثقيل على من خالفه، ويقال: ثقيل في الميزان خفيف على اللسان، ويقال: نزوله ثقيل كما قال: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ [الحشر: 21] الآية وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي  كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها وما تستطيع أن تترحك حتى يسري عنه أي: يذهب عنه ثم قال: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً يعني: ساعات الليل أشد موافقة للقراءة وأسمع، ويقال هي أشد نشاطاً من النهار إذا كان الرجل محتسباً، ويقال: هي أوفى لقلوبهم وَأَقْوَمُ قِيلًا وأبين وأصوب وأثبت قراءة، وقال القتبي: ناشئة الليل يعني: ساعاته وهي مأخوذة من نشأت أي: ابتداء شيئاً بعد شيء فكأنه قال: إن ساعات الليل الناشئة فاكتفى بالوصف من الاسم قوله تعالى: أَشَدُّ وَطْئاً يعني: أثقل على المصلي من ساعات النهار فأخبر أن الثواب على قدر الشدة وأقوم قيلاً يعني: أخلص للقول وأسمع له لأن الليل تهدأ فيه الأصوات وتنقطع فيه الحركات قرأ أبو عمرو وابن عامر أشد وطأ بكسر الواو ومد الألف والباقون بنصب الواو بغير مد فمن قرأ بالكسر يعني: أشد وطأ أي: موافقة لقلة السمع يعني: أن القرآن في الليل يتواطأ فيه قلب المصلي ولسانه وسمعه على التفهم يعني: أبلغ في القيام وأبين في القول.

ويقال: أغلظ على اللسان.

قوله تعالى: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا يعني: فراغاً طويلاً بقضاء حوائجك فيه ففرغ نفسك لصلاة الليل، وقال القتبي: سبحاً أي: تصرفاً إقبالاً وإدباراً بحوائجك وأشغالك قوله عز وجل: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ يعني: اذكر توحيد ربك ويقال: فاذكر ربك.

ويقال: صل لربك وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا يعني: أخلص إليه إخلاصاً في دعائك بعبادتك وهو قول مجاهد وقتادة ويقال: وتبتل إليه تبتيلا يعني: انقطع إليه وأصل التبتل القطع قيل لمريم العذراء البتول لأنها انقطعت إلى الله تعالى في العبادة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يكتفِي في الشهر بمرةٍ لحاجَتِهِ إلى كَثْرَةِ التَّرْدِيدِ والتأمُّل، انتهى، ورَوَى ابنُ المباركِ في «رقائقه» : قال: حدثنا إسماعيل عن أبي المتوكِّل الناجي: «أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَامَ ذَاتَ لَيْلَةٍ بِآيَةٍ مِنَ القُرْآنِ يُكَرِّرُهَا على نفسه» «١» ، انتهى.

إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (٥) إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً (٩)

وقوله تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا يعني القُرآن، واخْتُلِفَ لم سمّاه ثقيلاً، فقال جماعةٌ مِنَ المفسرينَ: لِمَا كَانَ يَحُلُّ برسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم مِنْ ثِقْلِ الجِسْمِ حَتَّى إنَّه كَانَ إذا أُوحي إليه وهُو على نَاقَتِهِ بَرَكَتْ بهِ وحَتَّى كَادَتْ فَخِذُه أنْ تَرُضُّ «٢» فَخِذَ زَيْدِ بن ثابت- رضي اللَّه عنه-، وقيل: لثِقَلِهِ على الكفارِ والمنافقينَ بإعْجَازِه ووَعْدِه ووعيدهِ ونحو ذلك، وقال حُذَّاقُ العلماء: معناه: ثَقِيلُ المَعانِي من الأَمْرِ بالطاعاتِ، والتكاليفِ الشرعية من الجهاد، ومزاولةِ الأعمال الصالحاتِ دائماً، قال الحسن: إنَّ الهَذَّ خَفِيفٌ ولَكِنَّ العَمَل ثقيل «٣» ت: والصوابُ عندي أَنْ يُقَالَ: أما ثِقَلُه باعتبارِ النبي صلّى الله عليه وسلّم، فهو ما كان يجده ع من الثقل المَحْسُوسِ وأما ثِقَلُه باعتبارِ سائرِ الأمةِ فهو ما ذُكِرَ من ثقل المعاني، وقَدْ زَجَرَ مالكٌ سائِلاً سأله عن مسألةٍ وَقَالَ: يا أبا عَبْدِ اللَّه إنها مسألةٌ خفيفةٌ فغَضِبَ مالكٌ وقال: لَيْسَ في العِلم خَفِيفٌ أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّه تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا فَالْعِلْمُ كُلُّه ثقيلُ، انتهى من «المدارك» لعياضٍ.

وقوله سبحانه: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ قال ابن جُبَيْرٍ وغيره: هي لَفْظَةٌ حَبَشِيَّةٌ نَشَأَ الرجلُ إذا قَامَ من الليلِ «٤» ف ناشِئَةَ على هذا جَمْعُ ناشىء أي: قَائِمٌ، وأَشَدُّ وَطْئاً معناه:

ثُبُوتاً واسْتِقْلاَلاً بالقيام، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وجماعة كابن عباس وابن الزبير

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ المُزَّمِّلِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ، إلّا أنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: سِوى آيَتَيْنِ مِنها، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ﴾ والَّتِي بَعْدَها [المُزَّمِّلِ: ١١،١٠] .

وقالَ ابْنُ يَسارٍ، ومُقاتِلٌ: فِيها آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ  ﴾ .

﴿ يا أيُّها المُزَّمِّلُ ﴾ ﴿ قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا ﴾ ﴿ نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا ﴾ ﴿ أوْ زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا ﴾ ﴿ إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا ﴾ ﴿ إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلا ﴾ ﴿ إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلا ﴾ ﴿ واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا ﴾ ﴿ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلا ﴾ ﴿ واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا ﴾ ﴿ وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلا ﴾ ﴿ إنَّ لَدَيْنا أنْكالا وجَحِيمًا ﴾ ﴿ وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا ﴾ ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا ﴾ ﴿ إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا ﴾ ﴿ فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا ﴾ ﴿ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا ﴾ ﴿ السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها المُزَّمِّلُ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو عِمْرانَ، والأعْمَشُ "المُتَزَمِّلِ" بِإظْهارِ التّاءِ.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وابْنُ يَعْمَرَ: "المُزَمِّلُ" بِحَذْفِ التّاءِ، وتَخْفِيفِ الزّايِ.

قالَ اللُّغَوِيُّونَ: "المُزَّمِّلُ" المُلْتَفُّ في ثِيابِهِ، وأصْلُهُ "المُتَزَمِّلُ" فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ، فَثَقُلَتْ.

وكُلُّ مَنِ التَفَّ بِثَوْبِهِ فَقَدْ تَزَمَّلَ.

قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما أُدْغِمَتْ فِيها لِقُرْبِها مِنها.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ النَّبِيُّ  يَتَزَمَّلُ في ثِيابِهِ في أوَّلِ ما جاءَ جِبْرِيلُ فَرَقًا مِنهُ حَتّى أنِسَ بِهِ.

وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ قَدْ تَزَمَّلَ لِلنَّوْمِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: خَرَجَ مِنَ البَيْتِ وقَدْ لَبِسَ ثِيابَهُ، فَناداهُ جِبْرِيلُ: يا أيُّها المُزَّمِّلُ.

وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ مُتَزَمِّلُ النُّبُوَّةِ.

قالَ عِكْرِمَةُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: زُمِّلْتَ هَذا الأمْرَ فَقُمْ بِهِ.

وقِيلَ: إنَّما لَمْ يُخاطَبْ بِالنَّبِيِّ والرَّسُولِ ها هُنا، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَلَّغَ، وإنَّما كانَ في بَدْءِ الوَحْيِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُمِ اللَّيْلَ ﴾ أيْ: لِلصَّلاةِ.

وكانَ قِيامُ اللَّيْلِ فَرْضًا عَلَيْهِ "إلّا قَلِيلًا نِصْفَهُ" هَذا بَدَلٌ مِنَ اللَّيْلِ، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا رَأْسَهُ.

فَإنَّما ذَكَرْتَ زَيْدًا لِتَوْكِيدِ الكَلامِ، لِأنَّهُ أوْكَدُ مِن قَوْلِكَ: ضَرَبْتَ رَأْسَ زَيْدٍ.

والمَعْنى: قُمْ مِنَ اللَّيْلِ النِّصْفَ إلّا قَلِيلًا "أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا" أيْ: مِنَ النِّصْفِ "أوْ زِدْ عَلَيْهِ" أيْ: عَلى النِّصْفِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ إلى الثُّلُثِ، أوْ زِدْ عَلَيْهِ إلى الثُّلُثَيْنِ، فَجَعَلَ لَهُ سَعَةً في مُدَّةِ قِيامِهِ، إذْ لَمْ تَكُنْ مَحْدُودَةً، فَكانَ يَقُومُ ومَعَهُ طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ، فَكانَ الرَّجُلُ لا يَدْرِي كَمْ صَلّى، وكَمْ بَقِيَ مِنَ اللَّيْلِ، فَكانَ يَقُومُ اللَّيْلَ كُلَّهُ مَخافَةَ أنْ لا يَحْفَظَ القَدْرَ الواجِبَ، فَنُسِخَ ذَلِكَ عَنْهُ وعَنْهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ.

.

.

﴾ الآيَةُ، هَذا مَذْهَبُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وقالُوا: لَيْسَ في القُرْآنِ سُورَةٌ نَسَخَ آخِرُها أوَّلَها سِوى هَذِهِ السُّورَةِ.

وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ نُسِخَ قِيامُ اللَّيْلِ في حَقِّهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ  ﴾ ، ونُسِخَ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ.

وقِيلَ: نُسِخَ عَنِ الأُمَّةِ، وبَقِيَ عَلَيْهِ فَرْضُهُ أبَدًا.

وقِيلَ: إنَّما كانَ مَفْرُوضًا عَلَيْهِ دُونَهم.

وفي مُدَّةِ فَرْضِهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: سَنَةٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ بَيْنَ أوَّلِ "المُزَّمِّلِ" وآخِرِها سَنَةٌ.

والثّانِي: سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَتِّلِ القُرْآنَ ﴾ قَدْ ذَكَرْنا التَّرْتِيلَ في [الفُرْقانِ: ٣٢] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا ﴾ وهو القُرْآنُ.

وفي مَعْنى ثِقَلِهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَثْقُلُ عَلَيْهِ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ.

قالَتْ: «وَلَقَدْ رَأيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ في اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ، يَعْنِي يَتَخَلَّصُ عَنْهُ، وَإنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا.» والثّانِي: أنَّ العَمَلَ بِهِ ثَقِيلٌ في فُرُوضِهِ وأحْكامِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ يَثْقُلُ في المِيزانِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ المَهِيبُ، كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ العاقِلِ: هو رَزِينٌ راجِحٌ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى.

والخامِسُ: أنَّهُ لَيْسَ بِالخَفِيفِ ولا السَّفْسافِ، لِأنَّهُ كَلامُ الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والسّادِسُ: أنَّهُ قَوْلٌ لَهُ وزْنٌ في صِحَّتِهِ وبَيانِهِ ونَفْعِهِ، كَما تَقُولُ: هَذا كَلامٌ رَصِينٌ، وهَذا قَوْلُ وزْنٍ: إذا اسْتَجَدْتَهُ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: هي قِيامُ اللَّيْلِ بِلِسانِ الحَبَشَةِ.

وهَلْ هي في وقْتٍ مَخْصُوصٍ مِنَ اللَّيْلِ، أمْ في جَمِيعِهِ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها في جَمِيعِ اللَّيْلِ.

ورَوى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: اللَّيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ.

وإلى هَذا ذَهَبَ اللُّغَوِيُّونَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ: ساعاتُهُ النّاشِئَةُ، مِن نَشَأتْ: إذا ابْتَدَأتْ.

وقالَ الزَّجّاجُ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ: ساعاتُ اللَّيْلِ، كُلُّ ما نَشَأ مِنهُ، أيْ: كُلُّ ما حَدَثَ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: كَأنَّ المَعْنى: إنَّ صَلاةَ ناشِئَةِ، أوْ عَمَلَ ناشِئَةِ اللَّيْلِ.

والثّانِي: أنَّها في وقْتٍ مَخْصُوصٍ مِنَ اللَّيْلِ.

ثُمَّ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.

والثّانِي: أنَّها القِيامُ بَعْدَ النَّوْمِ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ، وابْنِ الأعْرابِيِّ.

وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ في رِوايَةِ المَرْوَذِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّها ما بَعْدَ العِشاءِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو مِجْلَزٍ.

والرّابِعُ: أنَّها بَدْءُ اللَّيْلِ، قالَهُ عَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ.

والخامِسُ: أنَّها القِيامُ مِن آخِرِ اللَّيْلِ، قالَهُ يَمانٌ، وابْنُ كَيْسانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هِيَ أشَدُّ وطْئًا ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، "وِطاءً" بِكَسْرِ الواوِ مَعَ المَدِّ، وهو مَصْدَرُ واطَأْتُ فُلانًا عَلى كَذا مُواطَأةً، ووِطاءً، وأرادَ أنَّ القِراءَةَ في اللَّيْلِ يَتَواطَأُ فِيها قَلْبُ المُصَلِّي ولِسانُهُ وسَمْعُهُ عَلى التَّفَهُّمِ لِلْقُرْآنِ والإحْكامِ لِتَأْوِيلِهِ.

ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ  ﴾ .

وقَرَأ الباقُونَ "وَطْأً" بِفَتْحِ الواوِ مَعَ القَصْرِ.

والمَعْنى: إنَّهُ أثْقَلُ عَلى المُصَلِّي مِن ساعاتِ النَّهارِ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: اشْتَدَّتْ عَلى القَوْمِ وطْأةُ السُّلْطانِ: إذا ثَقُلَ عَلَيْهِمْ ما يَلْزَمُهم.

ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ  : « "اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ" .» ذَكَرَ مَعْنى القِراءَتَيْنِ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "أشَدُّ وطاءً" بِفَتْحِ الواوِ، والطّاءِ، وبِالمَدِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقْوَمُ قِيلا ﴾ أيْ: أخْلَصُ لِلْقَوْلِ وأسْمَعُ لَهُ، لِأنَّ اللَّيْلَ تَهْدَأُ فِيهِ الأصْواتُ فَتَخْلُصُ القِراءَةُ، ويَفْرُغُ القَلْبُ لِفَهْمِ التِّلاوَةِ، فَلا يَكُونُ دُونَ سَمْعِهِ وتَفَهُّمِهِ حائِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلا ﴾ أيْ: فَراغًا لِنَوْمِكَ وراحَتِكَ، فاجْعَلْ ناشِئَةَ اللَّيْلِ لِعِبادَتِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ.

وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "سَبَخًا" بِالخاءِ المُعْجَمَةِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناها في اللُّغَةِ صَحِيحٌ.

يُقالُ: قَدْ سَبَّخْتُ القُطْنَ بِمَعْنى نَفَّشْتُهُ.

ومَعْنى، نَفَّشْتُهُ: وسَّعْتُهُ، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّ لَكَ في النَّهارِ تَوَسُّعًا طَوِيلًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ ﴾ أيْ: بِالنَّهارِ أيْضًا ﴿ وَتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا ﴾ قالَ مُجاهِدٌ.

أخْلِصْ لَهُ إخْلاصًا.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: انْقَطِعْ إلَيْهِ، مِن قَوْلِكَ: بَتَّلْتُ الشَّيْءَ: إذا قَطَعْتَهُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: انْقَطِعْ إلَيْهِ في العِبادَةِ.

ومِنهُ قِيلَ لِمَرْيَمَ: البَتُولُ، لِأنَّها انْقَطَعَتْ إلى اللَّهِ تَعالى في العِبادَةِ.

وكَذَلِكَ صَدَقَةٌ بَتْلَةٌ: مُنْقَطِعَةٌ مِن مالِ المُصَّدِّقِ.

والأصْلُ في مَصْدَرِ تَبَتَّلَ تَبَتُّلًا.

وإنَّما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبْتِيلا ﴾ مَحْمُولٌ عَلى مَعْنى: تَبَتَّلْ "رَبُّ المَشْرِقِ" قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ "رَبُّ" بِالرَّفْعِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالكَسْرِ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ [الشُّعَراءِ: ٢٨] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ﴾ مِنَ التَّكْذِيبِ لَكَ والأذى ﴿ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا ﴾ لا جَزَعَ فِيهِ.

وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿ وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ ﴾ أيْ: لا تَهْتَمَّ بِهِمْ، فَأنا أكْفِيكَهم ﴿ أُولِي النَّعْمَةِ ﴾ يَعْنِي: التَّنَعُّمَ.

وفِيمَن عُنِيَ بِهَذا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ المُطْعِمُونَ بِبَدْرٍ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

والثّانِي: أنَّهم بَنُو المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُسْتَهْزِئُونَ، وهم صَنادِيدُ قُرَيْشٍ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَهِّلْهم قَلِيلا ﴾ قالَتْ عائِشَةُ: فَلَمْ يَكُنْ إلّا اليَسِيرُ حَتّى كانَتْ وقْعَةُ بَدْرٍ.

وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ لَدَيْنا أنْكالا ﴾ وهي القُيُودُ، واحِدُها: نَكْلٌ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى "الجَحِيمِ" في [البَقَرَةِ: ١١٩] ﴿ وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ ﴾ وهو الَّذِي لا يَسُوغُ في الحَلْقِ.

وفِيهِ لِلْمُفَسِّرِينَ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ شَوْكٌ يَأْخُذُ الحَلْقَ فَلا يَدْخُلُ ولا يَخْرُجُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ.

والثّانِي: الزَّقُّومُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: الضَّرِيعُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: الزَّقُّومُ والغِسْلِينُ والضَّرِيعُ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ لَدَيْنا أنْكالا ﴾ والمَعْنى: يُنَكِّلُ الكافِرِينَ ويُعَذِّبُهم ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ ﴾ أيْ: تُزَلْزَلُ وتُحَرَّكُ أغْلَظَ حَرَكَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَتِ الجِبالُ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى: وصارَتْ بَعْدَ الشِّدَّةِ، والقُوَّةِ ﴿ كَثِيبًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: "الكَثِيبُ": الرَّمْلُ.

و"المَهِيلُ": الَّذِي تَحَرَّكَ أسْفَلُهُ، فَيَنْهالُ عَلَيْكَ مِن أعْلاهُ.

والعَرَبُ تَقُولُ: مَهِيلٌ ومَهْيُولٌ، ومَكِيلٌ ومَكْيُولٌ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الكَثِيبُ جَمْعُهُ كُثْبانٌ، وهي القِطَعُ العِظامُ مِنَ الرَّمْلِ.

والمَهِيلُ: السّائِلُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أرْسَلْنا إلَيْكُمْ ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿ رَسُولا ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا  ﴿ شاهِدًا عَلَيْكُمْ ﴾ بِالتَّبْلِيغِ وإيمانِ مَن آمَنَ، وكُفْرِ مَن كَفَرَ ﴿ كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا ﴾ وهو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

والوَبِيلُ: الشَّدِيدُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن قَوْلِكَ: اسْتَوْبَلْتُ المَكانَ: [إذا اسْتَوْخَمْتَهُ] ويُقالُ: كَلَأٌ مُسْتَوْبَلٌ أيْ: لا يُسْتَمْرَأُ.

قالَ الزَّجّاجُ: الوَبِيلُ: الثَّقِيلُ الغَلِيظُ جِدًّا.

ومِنهُ قِيلَ لِلْمَطَرِ العَظِيمِ: وابِلٌ.

قالَ مُقاتِلٌ: والمُرادُ بِهَذا الأخْذِ الوَبِيلِ: الغَرَقُ.

وهَذا تَخْوِيفٌ لِكَفّارِ مَكَّةَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمُ العَذابُ لِتَكْذِيبِهِمْ، كَما نَزَلَ بِفِرْعَوْنَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا ﴾ أيْ: عَذابَ يَوْمٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: بِأيِّ شَيْءٍ تَتَحَصَّنُونَ مِن عَذابِ يَوْمٍ مِن هَوْلِهِ يَشِيبُ الصَّغِيرُ مِن غَيْرِ كِبَرٍ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو عِمْرانَ "نَجْعَلُ الوِلْدانَ" بِالنُّونِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: السَّماءُ تُذَكَّرُ وتُؤَنِّثُ.

وهي ها هُنا في وجْهِ التَّذْكِيرِ.

قالَ الشّاعِرُ: فَلَوْ رَفَعَ السَّماءُ إلَيْهِ قَوْمًا لَحِقْنا بِالسَّماءِ مَعَ السَّحابِ قالَ الزَّجّاجُ: وتَذْكِيرُ السَّماءِ عَلى ضَرْبَيْنِ.

أحَدُهُما: عَلى أنَّ مَعْنى السَّماءِ مَعْنى السَّقْفِ.

والثّانِي: عَلى قَوْلِهِمُ: امْرَأةٌ مُرْضِعٍ عَلى جِهَةِ النَّسَبِ.

فالمَعْنى: السَّماءُ ذاتُ انْفِطارٍ، كَما أنَّ المُرْضِعَ ذاتُ الرَّضاعِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى الآيَةِ: السَّماءُ مُنْشَقٌّ بِهِ، أيْ: فِيهِ، يَعْنِي في ذَلِكَ اليَوْمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ وعْدٌ بِالبَعْثِ، فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُزَّمِّلِ] وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ المَهْدَوِيِّ وجَماعَةٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ  ﴾ إلى آخِرِ السُورَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها المُزَّمِّلُ ﴾ ﴿ قُمِ اللَيْلَ إلا قَلِيلا ﴾ ﴿ نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا ﴾ ﴿ أو زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا ﴾ ﴿ إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا ﴾ ﴿ إنَّ ناشِئَةَ اللَيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلا ﴾ ﴿ إنَّ لَكَ في النَهارِ سَبْحًا طَوِيلا ﴾ ﴿ واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا ﴾ ﴿ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلا ﴾ ﴿ واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها المُزَّمِّلُ ﴾ نِداءٌ لِلنَّبِيِّ  ، واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ نُودِيَ بِها؟

فَقالَتْ عائِشَةُ، والنَخْعِيُّ، وجَماعَةٌ: لِأنَّهُ كانَ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مُتَزَمِّلًا بِكِساءٍ، والتَزَمُّلُ: الِالتِفافُ في الثِيابِ بِضَمٍّ وتَشْمِيرٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: كَأنَّ أبانا في أفانِينَ ودِقَّةٍ ∗∗∗ كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍّ مُزَّمِّلٍ وخُفِضَ "مُزَّمِّلٍ" في هَذا البَيْتِ هو عَلى الجِوارِ، وإنَّما هو نَعْتٌ لـ "كَبِيرٍ"، فَهو عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- إنَّما دُعِيَ بِهَيْئَةٍ في لِباسِهِ، وقالَ قَتادَةُ، كانَ تَزَمُّلٌ في ثِيابِهِ لِلصَّلاةِ واسْتَعَدَّ فَنُودِيَ عَلى مَعْنى: يا أيُّها المُسْتَعِدُّ لِلْعِبادَةِ المُتَزَمِّلِ لَها، وهَذا القَوْلُ أمْدَحُ لَهُ  ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: يا أيُّها المُتزَّمِّلُ لِلنُّبُوءَةِ وأعْبائِها، أيِ: المُتَشَمِّرُ المُجِدُّ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ والزَهْرِيُّ بِما في البُخارِيِّ مِن «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمّا جاءَهُ المَلَكُ في غارِ حِراءٍ وحاوَرَهُ بِما حاوَرَهُ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ  إلى خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها فَقالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ  ﴾ ،» وعَلى هَذا نَزَلَتْ يا "أيُّها المُزَّمِّلُ"، وفي مُصْحَفِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [يا أيُّها المُزَّمِّلُ] بِفَتْحِ الزايِ وتَخْفِيفِها وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّها، والمَعْنى: الَّذِي زَمَّلَهُ أهْلُهُ أو زُمِّلَ لِلنُّبُوةِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "يا أيُّها المُزَّمِّلُ" بِكَسْرِ المِيمِ وشَدِّها وتَخْفِيفِ الزايِ، أيِ: المُزَّمِّلُ نَفْسَهُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الأمْرِ بِقِيامِ اللَيْلِ كَيْفَ كانَ؟

فَقالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: هو أمْرٌ عَلى جِهَةِ النَدْبِ قَدْ كانَ لَمْ يُفْرَضْ قَطُّ، ويُؤَيِّدُ هَذا الحَدِيثُ الصَحِيحُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  قامَ لَيْلَةً في رَمَضانَ خَلْفَ حَصِيرِ الحُجْرَةِ، فَصَلّى وصَلّى بِصَلاتِهِ ناسٌ، ثُمَّ كَثُرُوا مِنَ اللَيْلَةِ القابِلَةِ، ثُمَّ غَصَّ المَسْجِدُ بِهِمْ في الثالِثَةِ أوِ الرابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ اللهِ  ، فَحَصَبُوا بابَهُ فَخَرَجَ مُغْضَبًا وقالَ: "إنِّي إنَّما تَرَكْتُ الخُرُوجَ لِأنِّي خِفْتُ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ"،» وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمْ يُكَلِّمْهم إلّا بَعْدَ أصْبَحَ وقالَ آخَرُونَ: كانَ فَرْضًا في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ فَرْضًا عَلى النَبِيِّ  خاصَّةً وبَقِيَ كَذَلِكَ حَتّى تُوُفِّيَ  ، وقِيلَ: بَلْ نُسِخَ عنهُ ولَمْ يَمُتْ إلّا والقِيامُ تَطَوُّعٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ فَرْضًا عَلى الجَمِيعِ، ودامَ الأمْرُ- عَلى ما قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ - عَشْرَ سِنِينَ، وقالَتْ عائِشَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: دامَ عامًا، ورُوِيَ عنها أيْضًا أنَّهُ دامَ ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ ثُمَّ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعالى فَنَزَلَتْ: ﴿ إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ  ﴾ فَخَفَّفَ عنهُمْ، وقالَ قَتادَةُ: بَقِيَ عامًا أو عامَيْنِ.

وقَرَأ أبُو السَمالِ: "قُمُ اللَيْلَ" بِضَمِّ المِيمِ لِاجْتِماعِ الساكِنَيْنِ، والكَسْرُ في كَلامِ العَرَبِ أكْثَرُ كَما قَرَأ الناسُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "نِصْفَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "قَلِيلًا"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ "اللَيْلِ"، وكَيْفَ تُقَلِّبُ المَعْنى فَإنَّهُ أمَرَ بِقِيامِ نِصْفِ اللَيْلِ أو أكْثَرَ شَيْئًا أو أقَلَّ شَيْئًا.

فالأكْثَرُ عِنْدَ العُلَماءِ لا يَزِيدُ عَلى الثُلُثَيْنِ، والأقَلُّ لا يَنْقُصُ عَنِ الثُلُثِ، ويُقَوِّي هَذا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في بَيْتِ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالَ: فَلَمّا انْتَصَفَ اللَيْلُ أو قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ قامَ رَسُولُ اللهِ  .

ويَلْزَمُ عَلى هَذا البَدَلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنْ يَكُونَ اللَيْلُ قَدْ وقَعَ عَلَيْهِ الوَصْفُ بِـ "قَلِيلٍ"، وقَدْ يُحْتَمَلُ عِنْدِي قَوْلُهُ تَعالى: "إلّا قَلِيلًا" أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ القِيامِ، فَيُجْعَلُ اللَيْلُ اسْمَ جِنْسٍ، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: "إلّا قَلِيلًا"، أيِ اللَيالِي الَّتِي تَخِلُّ بِقِيامِها عِنْدَ العُذْرِ ونَحْوِهِ، وهَذا النَظَرُ يَحْسُنُ مَعَ النَدْبِ جِدًّا، وقَدْ تَكَلَّمَ الجُرْجانِيُّ في نَظْمِهِ في هَذِهِ الآيَةِ بِتَطْوِيلٍ وتَدْقِيقٍ غَيْرِ مُفِيدٍ، أكْثَرُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أوُ انْقُصْ" بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ عِيسى بِالوَجْهَيْنِ، والضَمِيرانِ في "مِنهُ"، "عَلَيْهِ" عائِدانِ عَلى "النِصْفِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَرَتِّلِ" مَعْناهُ في اللُغَةِ: تَمَهَّلْ وفَرِّقْ بَيْنَ الحُرُوفِ لِتُبَيِّنَ، والمَقْصِدُ أنْ يَجِدَ الفِكْرُ فُسْحَةً لِلنَّظَرِ وفَهْمِ المَعانِي، وبِذَلِكَ يَرِقُّ القَلْبُ ويَفِيضُ عَلَيْهِ النُورُ والرَحْمَةُ، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: المُرادُ تَفَهُّمُهُ تالِيًا لَهُ، ومِنهُ: "الثَغْرُ الرَتَلُ" أى الَّذِي بَيَّنَهُ فَسْخٌ وفُتُوحٌ، ورُوِيَ أنَّ قِراءَةَ رَسُولِ اللهِ  كانَتْ بَيِّنَةً مُتَرَسِّلَةً، لَوْ شاءَ أحَدٌ أنْ يَعُدَّ الحُرُوفَ لَعَدَّها.

وَ"القَوْلُ الثَقِيلُ" هو القُرْآنُ، واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ سَمّاهُ ثَقِيلًا؟

فَقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: لَمّا كانَ يَحِلُّ في رَسُولِ اللهِ  مِن ثِقَلِ الجِسْمِ حَتّى أنَّهُ كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ وهو عَلى ناقَتِهِ بَرَكَتْ بِهِ، وحَتّى كادَتْ فَخْذُهُ أنْ تَرُضَّ فَخْذَ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ والقُرْطُبِيُّ: بَلْ سَمّاهُ ثَقِيلًا لِثِقَلِهِ عَلى الكُفّارِ والمُنافِقِينَ بِإعْجازِهِ ووَعِيدِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ حُذّاقُ العُلَماءِ: مَعْناهُ: ثَقِيلُ المَعانِي مِنَ الأمْرِ بِالطاعاتِ والتَكالِيفِ الشَرْعِيَّةِ مِنَ الجِهادِ ونَحْوِهِ ومُزاوَلَةِ الأعْمالِ الصالِحَةِ دائِمًا، قالَ الحَسَنُ: "إنَّ الهَذَّ خَفِيفٌ ولَكِنَّ العَمَلَ ثَقِيلٌ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ ناشِئَةَ اللَيْلِ ﴾ ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: هي لَفْظَةٌ حَبَشِيَّةٌ، نَشَأ الرَجُلُ إذا قامَ مِنَ اللَيْلِ، فَـ "ناشِئَةَ" -عَلى هَذا- جَمْعُ "ناشِئٍ" أيْ: قائِمٍ، و"أشَدُّ وطْئًا" مَعْناهُ: ثُبُوتًا واسْتِقْلالًا بِالقِيامِ، "وَأقْوَمُ قِيلًا" أيْ بِخُلُوِّ أفْكارِهِمْ وإقْبالِهِمْ عَلى ما يَقْرَءُونَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: ناشِئَةُ اللَيْلِ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، وقالَتْ عائِشَةُ، ومُجاهِدٌ: الناشِئَةُ القِيامُ بَعْدَ النَوْمِ، ومَن قامَ أوَّلَ اللَيْلِ قَبْلَ النَوْمِ فَلَمْ يَقُمْ ناشِئَةَ اللَيْلِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ: ناشِئَةُ اللَيْلِ ساعاتُهُ كُلُّها، لِأنَّها تَنْشَأُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وأبُو مِجْلَزٍ، والحَسَنُ: ما كانَ بَعْدَ العَشاءِ فَهو ناشِئَةُ اللَيْلِ وما كانَ قَبْلَها فَلَيْسَ بِناشِئَةَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ صَلاتُهم أوَّلَ اللَيْلِ فَهي أشَدُّ وطْئًا، أيْ: أجْدَرُ أنْ تَخُصُّوا ما فَرَضَ اللهُ عَلَيْكم مِنَ القِيامِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ مَتى نامَ لَم يَدْرِ مَتى يَسْتَيْقِظُ، وقالَ الكِسائِيُّ: ناشِئَةُ اللَيْلِ أوَّلُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ أيْضًا: اللَيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ، و"أشَدُّ وطْئًا" -عَلى هَذا- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: أشَدَّ ثُبُوتًا، فَيَكُونُ نَسَبُ الثُبُوتِ إلَيْها مِن حَيْثُ هو للْقائِمِ فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّها صَعْبَةُ القِيامِ لِمَنعِها النَوْمَ، كَما قالَ « "اللهُمَّ اشْدُدْ وطَأتَكَ عَلى مُضَرٍ"،» فَذَكَّرَها تَعالى بِالصُعُوبَةِ لِيَعْلَمَ عِظَمَ الأجْرِ فِيها، كَما وعَدَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَلى الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ والمَشْيِ في الظَلامِ إلى المَساجِدِ ونَحْوُهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَطْئًا" بِفَتْحِ الواوِ وسُكُونِ الطاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ومُجاهِدٌ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وابْنُ عَبّاسٍ: "وِطاءٍ" عَلى وزْنِ فِعالٍ، والمَعْنى: مُوافَقَةٌ؛ لِأنَّهُ يَخْلُو البالُ مِن أشْغالِ النَهارِ يُوافِقُ قَلْبَ المَرْءِ لِسانَهُ وفِكْرَهُ عِبارَتَهُ، فَهَذِهِ مُواطَأةٌ صَحِيحَةٌ، وبِهَذا المَعْنى فَسَّرَ اللَفْظَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقَرَأ قَتادَةُ -فِي رِوايَةِ حُسَيْنٍ -: "وِطْاءَ" بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الطاءِ والهَمْزَةُ مَقْصُورَةٌ، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ "وَأصْوَبُ قِيلًا"، فَقِيلَ لَهُ: إنَّما هو "أقْوَمُ" فَقالَ: أقْوَمُ وأصْوَبُ وأهْيَأُ واحِدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ لَكَ في النَهارِ سَبْحًا طَوِيلا ﴾ أيْ تَصَرُّفًا وتَرَدُّدًا في أُمُورِكَ كَما يَتَرَدَّدُ السابِحُ في الماءِ، ومِنهُ سُمِّي الفَرَسُ سابِحًا لِتَثَنِّيهِ واضْطِرابِهِ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّما مَعْنى الآيَةِ التَنْبِيهُ عَلى أنَّهُ إنْ فاتَ حِزْبُ اللَيْلِ بِنَوْمٍ أو عُذْرٍ فَلْيُخْلِفْ بِالنَهارِ؛ فَإنَّ فِيهِ سَبْحًا طَوِيلًا.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "سَبْخًا طَوِيلًا" بِالخاءِ المُعْجَمَةِ، ومَعْناهُ: خِفَّةٌ لَكَ مِنَ التَكالِيفِ، والتَسْبِيخُ: التَخْفِيفُ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ  لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها في السارِقِ الَّذِي سَرَقَها، فَكانَتْ تَدْعُو عَلَيْهِ: "لا تَسْبِخِي عنهُ"،» فَمَعْناهُ: لا تُخَفِّفِي عنهُ.

قالَ أبُو حاتِمٍ: فَسَّرَ يَحْيى السَبْخَ بِالنَوْمِ.

وقالَ سَهْلُ: ﴿ واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ ﴾ يُرادُ بِهِ: بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ في ابْتِداءِ صَلاتِكَ.

و"تَبَتَّلْ" مَعْناهُ: انْقَطَعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِنهُ، وافْرُغْ إلَيْهِ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: التَبَتُّلُ" رَفْضُ الدُنْيا، ومِنهُ: تَبَتَّلَ الحَبْلُ، وقَوْلُهم في المُطَلَّقَةِ: بَتْلَةٌ، ومِنهُ البَتُولُ، و"تَبْتِيلًا" مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَدْرِ.

وَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - "رَبِّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ" بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن "رَبِّكَ"، وقَرَأ الباقُونَ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ، أيْ: هو رَبُّ، أو عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ "لا إلَهَ إلّا هُوَ" وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "رَبُّ المَشارِقِ والمَغارِبِ" بِالجَمْعِ، و"الوَكِيلُ": القائِمُ بِالأُمُورِ الَّذِي تُوكَلُ إلَيْهِ الأشْياءُ،.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ﴾ الآيَةُ، قِيلَ: هي مُوادَعَةٌ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ، والمُرادُ بِالآيَةِ قُرَيْشٌ.

وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قَوْلُهُ ﴿ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا ﴾ مَنسُوخٌ، وأمّا الصَبْرُ عَلى ما يَقُولُونَ فَقَدْ يَتَوَجَّهُ أحْيانًا ويَبْقى حُكْمُهُ فِيما يُتَوَجَّهُ مِنَ الهَجْرِ الجَمِيلِ مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَ أبُو الدَرْداءِ: إنّا لِنُكَشِّرُ في وُجُوهِ قَوْمٍ وإنَّ قُلُوبَنا لَتَلْعَنَهُمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّ الآيَةَ إنَّما هي في كُفْرِ قُرَيْشٍ ورَدِّهِمْ رِسالَتَهُ وإعْلامَهم بِذَلِكَ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الحُكْمُ في هَذا المَقامِ باقِيًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

افتتاح الكلام بالنداء إذا كان المخاطب واحداً ولم يكن بعيداً يدل على الاعتناء بما سيلقى إلى المخاطب من كلام.

والأصل في النداء أن يكون باسم المنادَى العلم إذا كان معروفاً عند المتكلم فلا يعدل من الاسم العلم إلى غيره من وصف أو إضافة إلاّ لغرض يقصده البلغاء من تعظيم وتكريم نحو ﴿ يا أيها النبي ﴾ [الأنفال: 65]، أو تلطف وتقرب نحو: يا بُنيِّ ويا أبتتِ، أو قصد تهكم نحو: ﴿ وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ﴾ [الحجر: 6] فإذا نودي المنادى بوصف هيئته من لِبسة أو جِلسة أو ضِجعة كان المقصود في الغالب التلطف به والتحبب إليه ولهيئته، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب وقد وجده مضطجعاً في المسجد وقد علق تراب المسجد بجنبه «قُم أَبا تراب» وقوله لحذيفة بن اليمان يوم الخندق «قم يا نَوْمانُ»، وقولِه لعَبْد الرحمان بن صخر الدوسي وقد رءاه حاملاً هِرّة صَغيرةً في كمه «يا أبا هُريرة».

فنداء النبي ب ﴿ يا أيها المزمل ﴾ نداء تلطف وارتفاق ومثله قوله تعالى: ﴿ يا أيها المدثر ﴾ [المدثر: 1].

و ﴿ المزمل ﴾ : اسم فاعل من تزمل، إذا تلفف بثوبه كالمقرور، أو مريد النوم وهو مثل التدثر في مآل المعنى وإن كان بينهما اختلاف في أصل الاشتقاق فالتزمل مشتق من معنى التلفف، والتدثُر مشتق من معنى اتخاذ الدثار للتدفؤ.

وأصل التزمل مشتق من الزَّمْل بفتح فسكون وهو الإِخفاء ولا يعرف ل (تزمَّل) فعل مجرد في معناه فهو من التفعل الذي تنوسي منه معنى التكلف للفعل، وأريد في إطلاقه معنى شدة التلبس، وكثر مثل هذا في الاشتمال على اللباس، فمنه التزمل ومنه التعَمّم والتأزّر والتقمّص، وربما صَاغوا له صيغة الافتعال مثل: ارتَدى وائتزر.

وأصل ﴿ المزمل ﴾ : المتزمل، أدغمت التاء في الزاي بعد قلبها زاياً لتقاربهما.

وهذا التزمل الذي أشارت إليه الآية قال الزهري وجمهور المفسرين: إنه التزمل الذي جرى في قول النبي صلى الله عليه وسلم «زَمِّلُوني زَمِّلُوني» حين نزل من غار حراء بعد أن نزل عليه ﴿ اقرأ باسم ربك ﴾ [العلق: 1] الآيات كما في حديث عروة عن عائشة في كتاب بدء الوحي من «صحيح البخاري» وإن لم يذكر في ذلك الحديث نزول هذه السورة حينئذٍ، وعليه فهو حقيقة.

وقيل: هو ما في حديث جابر بن عبد الله قال: «لما اجتمعت قريش في دار الندوة فقالوا: سَمُّوا هذا الرجل اسماً تصدر الناس عنه (أي صِفوه وصفاً تتفق عليه الناس) فقالوا: كاهن، وقالوا: مجنون، وقالوا: ساحر، فصدر المشركون على وصفه ب (ساحر) فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فحزن وتزمل في ثيابه وتدثر، فأتاه جبريل فقال: ﴿ يا أيها المزمل ﴾ ﴿ يا أيها المدثر ﴾ [المدثر: 1].

وسيأتي في سورة المدثر أن سبب نزولها رؤيتُه المَلكَ جالساً على كرسي بين السماء والأرض فرجع إلى خديجة يرجف فؤاده فقال: «دثروني»، فيتعين أن سبب ندائه ب ﴿ يا أيها المزمل ﴾ كان عند قوله: «زَمِّلِوني»، فذلك عندما اغتمّ من وصف المشركين إياه بالجنون وأن ذلك غير سبب ندائه ب وقيل: هو تزمُّل للاستعداد للصلاة فنودي يا أيها المزمل قم اللّيل إلاّ قليلاً} وهذا مروي عن قتادة.

وقريب منه عن الضحاك وهي أقوال متقاربة.

ومحملها على أن التزمُّل حقيقة، وقال عكرمة: معناه زُمِّلْتَ هذا الأمر فقم به، يريد أمر النبوءة فيكون قوله: ﴿ الليل إلاّ قليلاً ﴾ مع قوله: ﴿ إن لك في النهار سبحاً طويلاً ﴾ [المزمل: 7] تحريضاً على استفراغ جهده في القيام بأمر التبليغ في جميع الأزمان من ليل ونهار إلاّ قليلاً من الليل وهو ما يضطر إليه من الهجوع فيه.

ومحمل التزمل عنده على المجاز.

فإذا كانت سورة المزمل قد أنزلت قبل سورة المدثر كان ذلك دالاً على أن الله تعالى بعد أن ابتدأ رسوله بالوحي بصدر سورة ﴿ اقرأ باسم ربك ﴾ [العلق: 1] ثم أنزل عليه سورة القلم لدحض مقالة المشركين فيه التي دبرها الوليد بن المغيرة أن يقولوا: إنه مجنون.

أنزل عليه التلطف به على تزمله بثيابه لما اعتراه من الحزن من قول المشركين فأمره الله بأن يدفع ذلك عنه بقيام الليل، ثم فتر الوحي فلما رأى المَلَكَ الذي أرسل إليه بحِراء تدثر من شدة وقع تلك الرؤية فأنزل عليه {يا أيها المدثر.

فنداء النبي بوصف المزمل} باعتبار حالته وقت ندائه وَليس المزمل معدوداً من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم قال السهيلي: ولم يعرف به وذهب بعض الناس إلى عدّه من أسمائه.

وفعل ﴿ قم ﴾ مُنزل منزلة اللازم فلا يحتاج إلى تقدير متعلق لأن القيام مراد به الصلاة، فهذا قيام مغاير للقيام المأمور به في سورة المدثر بقوله ﴿ قم فأنذر ﴾ [المدثر: 2] فإن ذلك بمعنى الشروع كما يأتي هنالك.

و ﴿ الليل ﴾ : زمن الظلمة من بعد العشاء إلى الفجر.

وانتصب ﴿ الليل ﴾ على الظرفية فاقتضى الأمر بالصلاة في جميع وقت الليل، ويعلم استثناء أوقات قضاء الضرورات من إغفاء بالنوم ونحوه من ضرورات الإِنسان.

وقيام الليل لقب في اصطلاح القرآن والسنة للصلاة فيه ما عدا صلاتي المغرب والعشاء ورواتبهما.

وأمْر الرسول بقيام الليل أمْر إيجاب وهو خاص به لأن الخطاب موجه إليه وحده مثل السور التي سبقت نزولَ هذه السورة، وأما قيام الليل للمسلمين فهم اقتدوا فيه بالرسول صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿ إن ربك يعلم أنك تقوم إلى قوله: وطائفة من الذين معك ﴾ [المزمل: 20] الآيات قال الجمهور وذلك قبل أن تفرض الصلوات الخمس في أوقات النهار والليل ولعل حكمة هذا القيام الذي فرض على الرسول صلى الله عليه وسلم في صدر رسالته هو أن تزداد به سريرته زكاء يقوي استعداده لتلقي الوحي حتى لا يحرجه الوحي كما ضغطه عند نزوله كما ورد في حديث البخاري: " فغطني حتى بلغ مني الجَهد " ثم قال: ﴿ اقرأ باسم ربّك ﴾ [العلق: 1] الحديث، ويدل لهذه الحكمة قوله تعالى عقبه: ﴿ إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً ﴾ [المزمل: 5].

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحنث في غار حراء قبيل بعثته بإلهام من الله تعالى، فالذي ألهمه ذلك قبل أن يوحي إليه يجدر بأن يأمره به بعد أن أوحى إليه فلا يبقى فترة من الزمن غير متعبد لعبادة، ولهذا نرجح أن قيام الليل فرض عليه قبل فرض الصلوات الخمس عليه وعلى الأمة.

وقد استمر وجوب قيام الليل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فرض الصلوات الخمس تعظيماً لشأنه بكثرة الإِقبال على مناجاة ربه في وقت فراغه من تبليغ الوحي وتدبير شؤون المسلمين وهو وقت الليل كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿ ومن الليل فتهجّد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً، أي زيادة قرب لك ﴾ وقد تقدم في سورة [الإسراء: 79].

فكان هذا حكماً خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكره الفقهاء في باب خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن واجباً على غيره ولم تفرض على المسلمين صلاة قبل الصلوات الخمس.

وإنما كان المسلمون يقتدون بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرّهم على ذلك فكانوا يرونه لِزاماً عليهم، وقد أثنى الله عليهم بذلك في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿ تتجافى جنوبُهم عن المضاجع ﴾ [السجدة: 16]، وسيأتي ذلك عند قوله تعالى: ﴿ إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ﴾ [المزمل: 20] الآية، قالت عائشة: «إن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة فقام النبي وأصحابه»، على أنه لا خلاف في رفع فرض القيام عن المسلمين.

وتقرر أنه مندوب فيه.

واختلف في استمرار وجوبه على النبي صلى الله عليه وسلم ولا طائل وراء الاستدلال على ذلك أو عدمه.

وقوله: ﴿ إلاّ قليلاً ﴾ استثناء من ﴿ الليل ﴾ أي إلاّ قليلاً منه، فلم يتعلق إيجاب القيام عليه بأوقات الليل كلها.

و ﴿ نصفه ﴾ بدل من ﴿ قليلاً ﴾ بدلاً مطابقاً وهو تبيين لإِجمال ﴿ قليلاً ﴾ فجعل القليل هنا النصفَ أو أقلَّ منه بقليل.

وفائدة هذا الإِجمال الإِيماء إلى أن الأوْلى أن يكون القيام أكثر من مدة نصف الليل وأن جعله نصف الليل رحمة ورخصة للنبيء صلى الله عليه وسلم ويدل لذلك تعقيبُه بقوله: ﴿ أو انقص منه قليلاً ﴾ أي انقص من النصف قليلاً، فيكون زمن قيام الليل أقلّ من نصفه، وهو حينئذٍ قليل فهو رخصة في الرخصة.

وقال ﴿ أو زد عليه ﴾ وهو عود إلى الترغيب في أن تكون مدة القيام أكثر من نصف الليل ولذلك لم يقيد ﴿ أو زد عليه ﴾ بمثل ما قيد به ﴿ أو انقص منه ﴾ لتكون الزيادة على النصف متسعة، وقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بالعزيمة فقام حتى تورمت قدماه وقيل له في ذلك: «إن الله غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر» فقال: «أفَلا أكونُ عبداً شكوراً».

والتخيير المستفاد من حرف ﴿ أو ﴾ منظور فيه إلى تفاوت الليالي بالطول والقصر لأن لذلك ارتباطاً بسعة النهار للعمل ولأخذ الحظ الفائت من النوم.

وبعد فذلك توسيع على النبي صلى الله عليه وسلم لرفع حرج تحديده لزمن القيام فسلك به مسلك التقريب.

وجعل ابن عطية ﴿ الليل ﴾ اسم جنس يصدق على جميع الليالي، وأن المعنى: إلاّ قليلاً من الليالي، وهي الليالي التي يكون فيها عذر يمنعه من قيامها، أي هو استثناء من الليالي باعتبار جزئياتها لا باعتبار الأجزاء، ثم قال: ﴿ نصفه ﴾ إلى آخره.

وتخصيص الليل بالصلاة فيه لأنه وقتُ النوم عادة فأُمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالقيام فيه زيادة في إشغال أوقاته بالإِقبال على مناجاة الله: ولأن الليل وقت سكون الأصوات واشتغال الناس فتكون نفس القائم فيه أقوى استعداداً لتلقي الفيض الرباني.

يجوز أن يكون متعلقاً بقيام الليل، أي رتل قراءتك في القيام.

ويجوز أن يكون أمراً مستقلاً بكيفية قراءة القرآن جرى ذكره بمناسبة الأمر بقيام الليل، وهذا أولى لأن القراءة في الصلاة تدخل في ذلك.

وقد كان نزول هذه السورة في أول العهد بنزول القرآن فكان جملة القرآن حين نزول هذه السورة سورتين أو ثلاثَ سور بناء على أصح الأقوال في أن هذا المقدار من السورة مكي، وفي أن هذه السورة من أوائل السور، وهذا مما أشعر به قوله: ﴿ إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً ﴾ [المزمل: 5] أي سنوحي إليك قرآناً.

فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرأ القرآن بمهل وتبيين.

والترتيل: جعل الشيء مرتَّلاً، أي مفرقاً، وأصله من قولهم: ثَغْر مرتَّل، وهو المفلج الأسنان، أي المفرق بين أسنانه تفرقاً قليلاً بحيث لا تكون النواجذ متلاصقة.

وأريد بترتيل القرآن ترتيل قراءته، أي التمهل في النطق بحروف القرآن حتى تخرج من الفم واضحةً مع إشباع الحركات التي تستحق الإِشباع.

ووصَفَتْ عائشة الترتيل فقالت: «لو أراد السامع أن يعُد حروفه لعدها لا كسَرْدِكم هذا».

وفائدة هذا أن يرسخ حفظه ويتلقاه السامعون فيعلَقُ بحوافظهم، ويتدبر قارئه وسامعه معانيَه كي لا يسبق لفظُ اللسان عملَ الفهم.

قال قائل لعبد الله بن مسعود: قرأت المفصل في ليلة فقال عبد الله: «هَذًّا كهَذًّ الشعر» لأنهم كانوا إذا أنشدوا القصيدة أسرعوا ليظهر مِيزان بَحرها، وتتعاقب قوافيها على الأسماع.

والهذُّ إسراع القطع.

وأكد هذا الأمر بالمفعول المطلق لإِفادة تحقيق صفة الترتيل.

وقرأ الجمهور ﴿ أو انقص ﴾ بضم الواو للتخلص من التقاء الساكنين عند سقوط همزة الوصل، حركوا الواو بضمّة لمناسبة ضمة قاف ﴿ انقص ﴾ بعدها.

وقرأه حمزة وعاصم بكسر الواو على الأصل في التخلص من التقاء الساكنين.

ووقع في قوله تعالى: ﴿ أو زِدْ عليه ورتل القرآن ﴾ إذا (شبعت) فتحة نون القرآن محسِّن الاتِّزان بأن يكون مصراعاً من بحر الكامل أحَذَّ دخَله الإِضمار مرتين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ المُزَّمِّلِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ إلّا آيَتَيْنِ مِنها: قَوْلُهُ ﴿ واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ﴾ واَلَّتِي بَعْدَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها المُزَّمِّلُ ﴾ قالَ الأخْفَشُ: أصْلُهُ المُتَزَمِّلُ فَأدْغَمَ التّاءَ في الزّايِ، وكَذا المُدَّثِّرُ.

وَفي أصْلِ المُزَّمِّلِ: قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُحْتَمِلُ، يُقالُ زَمَلَ الشَّيْءَ إذا حَمَلَهُ، ومِنهُ الزّامِلَةُ الَّتِي تَحْمِلُ القُماشَ.

الثّانِي: المُزَّمِّلُ هو المُتَلَفِّفُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: كَأنَّ ثَبِيرًا في عَراثِينِ وبْلِهِ كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ.

وَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يا أيُّها المُزَّمِّلُ بِالنُّبُوَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: بِالقُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: بِثِيابِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قالَ إبْراهِيمُ: نَزَلَتْ عَلَيْهِ وهو في قَطِيفَةٍ.

﴿ قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا ﴾ يَعْنِي صَلِّ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلّا قَلِيلًا مِن أعْدادِ اللَّيالِي لا تَقُمْها.

الثّانِي: إلّا قَلِيلًا مِن زَمانِ كُلِّ لَيْلَةٍ لا تَقُمْهُ وقَدْ كانَ فَرْضًا عَلَيْهِ.

وَفي فَرْضِهِ عَلى مَن سِواهُ مِن أُمَّتِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَرْضٌ عَلَيْهِ دُونَهم لِتُوَجِّهِ الخِطابِ إلَيْهِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَوْلَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: أنَّهُ فَرْضٌ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ فَقامُوا حَتّى ورِمَتْ أقْدامُهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعائِشَةُ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَقُومُونَ نَحْوَ قِيامِهِ في شَهْرِ رَمَضانَ ثُمَّ نُسِخَ فَرْضُ قِيامِهِ عَلى الأُمَّةِ، واخْتُلِفَ بِماذا نُسِخَ عَنْهم عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ وهو قَوْلُ عائِشَةَ.

الثّانِي: بِآخِرِ السُّورَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

واخْتَلَفُوا مِن مُدَّةِ فَرْضِهِ إلى أنْ نُسِخَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: سَنَةٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ بَيْنَ أوَّلِ المُزَّمِّلِ وآخِرِها سَنَةٌ.

الثّانِي: سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، قالَتْهُ عائِشَةُ، فَهَذا حُكْمُ قِيامِهِ في فَرْضِهِ ونَسْخِهِ عَلى الأُمَّةِ.

فَأمّا رَسُولُ اللَّهِ  فَقَدْ كانَ فَرْضًا عَلَيْهِ، وفي نَسْخِهِ عَنْهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُدَّةُ المَفْرُوضَةُ عَلى أُمَّتِهِ في القَوْلَيْنِ الماضِيَيْنِ.

الثّانِي: أنَّها عَشْرُ سِنِينَ إلى أنْ خُفِّفَ عَنْها بِالنَّسْخِ زِيادَةً في التَّكْلِيفِ لِتَمَيُّزِهِ بِفَضْلِ الرِّسالَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

وَقَوْلُهُ ﴿ قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا ﴾ لِأنَّ قِيامَ جَمِيعِهِ عَلى الدَّوامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فاسْتَثْنى مِنهُ القَلِيلَ لِراحَةِ الجَسَدِ، والقَلِيلُ مِنَ الشَّيْءِ ما دُونَ النِّصْفِ.

حُكِيَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ قالَ: القَلِيلُ ما دُونَ المِعْشارِ والسُّدُسُ.

وَقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: القَلِيلُ الثُّلُثُ.

وَحَدُّ اللَّيْلِ ما بَيْنَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وطُلُوعِ الفَجْرِ الثّانِي.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا ﴾ فَكانَ ذَلِكَ تَخْفِيفًا إذا لَمْ يَكُنْ زَمانُ القِيامِ مَحْدُودًا، فَقامَ النّاسُ حَتّى ورِمَتْ أقْدامُهم، فَرَوَتْ عائِشَةُ «أنَّ النَّبِيَّ  قامَ في اللَّيْلِ فَقالَ: أيُّها النّاسُ اكْلُفُوا مِنَ الأعْمالِ ما تُطِيقُونَ، فَإنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ مِنَ الثَّوابِ حَتّى تَمَلُّوا مِنَ العَمَلِ، وخَيْرُ الأعْمالِ ما دِيمَ عَلَيْهِ» .

ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكم فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ ﴾ .

﴿ أوْ زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بَيِّنِ القُرْآنَ تِبْيانًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الثّانِي: فَسِّرْهُ تَفْسِيرًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: أنْ تَقْرَأهُ عَلى نَظْمِهِ وتَوالِيهِ، لا تُغَيِّرْ لَفْظًا ولا تُقَدِّمْ مُؤَخِّرًا مَأْخُوذٌ مِن تَرْتِيلِ الأسْنانِ إذا اسْتَوى نَبْتُها وحَسُنَ انْتِظامُها، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا ﴾ وهو القُرْآنُ، وفي كَوْنِهِ ثَقِيلًا أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ كانَ ثَقِيلًا عَلَيْهِ لا يَقْدِرُ عَلى الحَرَكَةِ حَتّى يَنْجَلِيَ عَنْهُ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.

الثّانِي: العَمَلُ بِهِ ثَقِيلٌ في فُرُوضِهِ وأحْكامِهِ وحَلالِهِ وحَرامِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ في المِيزانِ يَوْمَ القِيامَةِ ثَقِيلٌ، قالَهُ ابْنُ زُبَيْرٍ.

الرّابِعُ: ثَقِيلٌ بِمَعْنى كَرِيمٍ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ثَقِيلٌ عَلَيَّ أيْ كَرِيمٌ عَلَيَّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا خامِسًا: أنْ يَكُونَ ثَقِيلٌ بِمَعْنى ثابِتٍ، لِثُبُوتِ الثَّقِيلِ في مَحَلِّهِ، ويَكُونُ مَعْناهُ أنَّهُ ثابِتُ الإعْجازِ لا يَزُولُ إعْجازُهُ أبَدًا.

﴿ إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا ﴾ فِيها سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ قِيامُ اللَّيْلِ، بِالحَبَشِيَّةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّانِي: أنَّهُ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.

الثّالِثُ: ما بَعْدُ العِشاءِ الآخِرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: أنَّها ساعاتُ اللَّيْلِ لِأنَّها تَنْشَأُ ساعَةً بَعْدَ ساعَةٍ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الخامِسُ: أنَّهُ بَدْءُ اللَّيْلِ، قالَهُ عَطاءٌ وعِكْرِمَةُ.

السّادِسُ: أنَّ اللَّيْلَ كُلُّ ناشِئَةٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِأنَّهُ يَنْشَأُ بَعْدَ النَّهارِ.

وَفي ﴿ أشَدُّ وطْئًا ﴾ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مُواطَأةُ قَلْبِكَ وسَمْعِكَ وبَصَرِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: مُواطَأةُ قَوْلِكَ لِعَمَلِكَ، وهو مَأْثُورٌ.

الثّالِثُ: مُواطَأةُ عَمَلِكَ لِفَراغِكَ، وهو مُحْتَمَلٌ.

الرّابِعُ: أشَدُّ نَشاطًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ، لِأنَّهُ زَمانُ راحَتِكَ.

الخامِسُ: قالَهُ عِبادَةُ: أشُدُّ وأثْبَتُ وأحْفَظُ لِلْقِراءَةِ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ وَأقْوَمُ قِيلا ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أبْلَغُ في الخَيْرِ وأمْعَنُ في العَدْلِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أصْوَبُ لِلْقِراءَةِ وأثْبَتُ لِلْقَوْلِ لِأنَّهُ زَمانُ التَّفَهُّمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ (وَأهْيَأُ قِيلًا) وقالَ أهْيَأُ وأقْوَمُ سَواءٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ أعْجَلُ إجابَةً لِلدُّعاءِ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

﴿ إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي فَراغًا طَوْيًا لِنَوْمِكَ وراحَتِكَ، فاجْعَلْ ناشِئَةَ اللَّيْلِ لِعِبادَتِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ.

الثّانِي: دُعاءً كَثِيرًا، قالَهُ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ والسَّبْحُ بِكَلامِهِمْ هو الذَّهابُ، ومِنهُ سَبَحَ السّابِحُ في الماءِ.

﴿ واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اقْصُدْ بِعَمَلِكَ وجْهَ رَبِّكَ.

الثّانِي: أنَّهُ إذا أرَدْتَ القِراءَةَ فابْدَأْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ في وعْدِهِ ووَعِيدِهِ لِتَتَوَفَّرَ عَلى طاعَتِهِ وتَعْدِلَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ.

﴿ وَتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أخْلِصْ إلَيْهِ إخْلاصًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: تَعَبَّدْ لَهُ تَعَبُّدًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: انْقَطِعْ إلَيْهِ انْقِطاعًا، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ، ومِنهُ مَرْيَمُ البَتُولُ لِانْقِطاعِها إلى اللَّهِ تَعالى، وجاءَ في الحَدِيثِ النَّهْيُ عَنِ التَّبَتُّلِ الَّذِي هو الِانْقِطاعُ عَنِ النّاسِ والجَماعاتِ.

الرّابِعُ: وتَضَرَّعْ إلَيْهِ تَضَرُّعًا.

﴿ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: رَبُّ العالَمِ بِما فِيهِ لِأنَّهم بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: يَعْنِي مَشْرِقَ الشَّمْسِ ومَغْرِبَها.

وَفي المُرادِ بِالمَشْرِقِ والمَغْرِبِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ اسْتِواءُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

الثّانِي: أنَّهُ دُجْنَةُ اللَّيْلِ ووَجْهُ النَّهارِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ أوَّلُ النَّهارِ وآخِرُهُ، لِأنَّ نِصْفَ النَّهارِ أوَّلُهُ فَأُضِيفَ إلى المَشْرِقِ، ونِصْفَهُ آخِرُهُ فَأُضِيفَ إلى المَغْرِبِ.

﴿ فاتَّخِذْهُ وكِيلا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُعِينًا.

الثّانِي: كَفِيلًا.

الثّالِثُ: حافِظًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البزار والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الدلائل عن جابر قال: اجتمعت قريش في دار الندوة فقالوا: سموا هذا الرجل اسماً تصدر الناس عنه، فقالوا: كاهن، قالوا: ليس بكاهن، قالوا: مجنون.

قالوا: ليس بمجنون.

قالوا: يفرق بين الحبيب وحبيبه، فتفرق المشركون على ذلك، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فتزمل في ثيابه وتدثر فيها، فأتاه جبريل فقال: ﴿ يا أيها المزمل ﴾ ﴿ يا أيها المدثر ﴾ .

وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة والبيهقي في سننه عن سعد بن هشام قال: قلت لعائشة: أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قالت: ألست تقرأ هذه السورة ﴿ يا أيها المزمل ﴾ قلت: بلى قالت: فإن الله قد افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولاً حتى انتفخت أقدامهم وأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهراً، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعاً من بعد فريضة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عائشة قالت: نزل القرآن ﴿ يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً ﴾ حتى كان الرجل يربط الحبل ويتعلق فمكثوا بذلك ثمانية أشهر فرأى الله ما يبتغون من رضوانه فرحمهم وردهم إلى الفريضة وترك قيام الليل.

وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة والحاكم وصححه عن جبير بن نفير قال: سألت عائشة عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل فقالت: ألست تقرأ ﴿ يا أيها المزمل ﴾ قلت: بلى.

قالت: هو قيامه.

وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم قلما ينام من الليل لما قال الله له: ﴿ قم الليل إلا قليلاً ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم ومحمد بن نصر والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: لما نزلت أول المزمل كانوا يقومون نحواً من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها، وكان بين أولها وآخرها نحو من سنة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن نصر عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: نزلت ﴿ يا أيها المزمل ﴾ قاموا حولاً حتى ورمت أقدامهم وسوقهم حتى نزلت ﴿ فاقرءُوا ما تيسر منه ﴾ فاستراح الناس.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت ﴿ يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً ﴾ مكث النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الحال عشر سنين يقوم الليل كما أمره الله، وكانت طائفة من أصحابه يقومون معه، فأنزل الله بعد عشر سنين ﴿ إن ربك يعلم أنك تقوم ﴾ إلى قوله: ﴿ فأقيموا الصلاة ﴾ فخفف الله عنهم بعد عشر سنين.

وأخرج أبو داود في ناسخه ومحمد بن نصر وابن مردويه والبيهقي في السنن من طريق عكرمة عن ابن عباس قال في المزمل: ﴿ قم الليل إلا قليلاً نصفه ﴾ الآية التي فيها ﴿ علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرأوا ما تيسر منه ﴾ وناشئة الليل أوله.

كانت صلاتهم أول الليل يقول: هو أجدر أن تحصوا ما فرض الله عليكم من قيام الليل، وذلك أن الإِنسان إذا نام لم يدر متى يستيقظ وقوله: ﴿ وأقوم قيلاً ﴾ يقول: هو أجدر أن تفقه قراءة القرآن وقوله: ﴿ إن لك في النهار سبحاً طويلاً ﴾ يقول: فراغاً طويلاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي في قوله: ﴿ يا أيها المزمل ﴾ قال: نزلت وهو في قطيفة.

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ يا أيها المزمل ﴾ قال: زملت هذا الأمر فقم به.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن نصر عن عكرمة في قوله: ﴿ يا أيها المزمل ﴾ قال: زملت هذا الأمر فقم به وفي قوله: ﴿ يا أيها المدثر ﴾ قال: دثرت هذا الأمر فقم به.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ يا أيها المزمل ﴾ قال: النبي صلى الله عليه وسلم يتدثر بالثياب.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن نصر عن قتادة في قوله: ﴿ يا أيها المزمل ﴾ قال: هو الذي تزمل بثيابه.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ يا أيها المزمل ﴾ قال: النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج الفريابي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ورتل القرآن ترتيلاً ﴾ قال: يقرأ آيتين ثلاثة ثم يقطع لا يهذرم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن منيع في مسنده ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ورتل القرآن ترتيلاً ﴾ قال: بينه تبييناً.

وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقال لصاحب القرآن يوم القيامة اقرأ وأرق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» .

وأخرج الديلمي بسند واه عن ابن عباس مرفوعاً إذا قرأت القرآن فرتله ترتيلاً وبينه تبييناً، لا تنثره نثر الدقل ولا تهذه هذا الشعر، قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب، ولا يكونن هم أحدكم آخر السورة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن نصر والبيهقي في سننه عن إبراهيم قال: قرأ علقمة على عبدالله فقال: رتله فإنه يزين القرآن.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ورتل القرآن ترتيلاً ﴾ قال: ترسل فيه ترسيلاً.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن نصر وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ورتل القرآن ترتيلاً ﴾ قال: بلغنا أن عامة قراءة النبي صلى الله عليه وسلم كانت المد.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ ورتل القرآن ترتيلاً ﴾ قال: بينه تبييناً.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله: ﴿ ورتل القرآن ترتيلاً ﴾ قال: اقرأه قراءة بينة.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن نصر والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد في قوله: ﴿ ورتل القرآن ترتيلاً ﴾ قال: بعضه على أثر بعض.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ورتل القرآن ترتيلاً ﴾ قال: فسره تفسيراً.

وأخرج العسكري في المواعظ عن علي: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله: ﴿ ورتل القرآن ترتيلاً ﴾ قال: بينه تبييناً ولا تنثره نثر الدقل ولا تهذه هذا الشعر، قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي مليكة عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنها سئلت عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إنكم لا تستطيعونها، فقيل لها: أخبرينا بها، فقرأت قراءة ترسلت فيها.

وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أحسن قراءة؟

قال: الذي إذا سمعته يقرأ رأيت أنه يخشى الله» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: مر رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على رجل يقرأ آية ويبكي ويرددها فقال: ألم تسمعوا إلى قول الله: ﴿ ورتل القرآن ترتيلاً ﴾ هذا الترتيل.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس عن أبي هريرة أو أبي سعيد قال: يقال لصاحب القرآن يوم القيامة اقرأ وأرق فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس عن مجاهد قال: القرآن يشفع لصاحبه يوم القيامة يقول: يا رب جعلتني في جوفه فأسهرت ليله، ومنعته من كثير من شهواته، ولكل عامل من عمله عماله، فيقال له: أبسط يدك فيملأ من رضوان، فلا يسخط عليه بعده، ثم يقال له: اقرأ وأرقه، فيرفع بكل آية درجة ويزاد بكل آية حسنة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك بن قيس قال: يا أيها الناس علموا أولادكم وأهاليكم القرآن فإنه من كتب له من مسلم يدخله الله الجنة أتاه ملكان فاكتنفاه فقالا له: اقرأ وارتق في درج الجنة حتى ينزلا به حيث انتهى علمه من القرآن.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس عن بريدة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب، فيقول له: هل تعرفني؟

فيقول: ما أعرفك، فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة.

قال: فيعطى الملك بيمينه والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسي والده حلتين لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان: بم كسينا هذا؟

فيقال لهما: بأخذ ولدكما القرآن.

ثم يقال له: اقرأ واصعد درج الجنة وعرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ هذا كان أو ترتيلاً» .

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن نصر عن قتادة في قوله: ﴿ إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً ﴾ قال: يثقل من الله فرائضه وحدوده.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن نصر عن الحسن في قوله: ﴿ قولاً ثقيلاً ﴾ قال: العمل به.

وأخرج ابن نصر وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ قولاً ثقيلاً ﴾ قال: ثقيل في الميزان يوم القيامة.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن نصر والحاكم وصححه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحى إليه، وهو على ناقته، وضعت جرانها فما تستطيع أن تتحوّل حتى يسري عنه، وتلت ﴿ إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً ﴾ .

وأخرج أحمد «عن عبدالله بن عمرو قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله هل تحس بالوحي؟

فقال: أسمع صلاصل ثم أسكت عند ذلك فما من مرة يوحى إليّ إلا ظننت أن نفسي تقبض» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوحي إليه لم يستطع أحد منا أن يرفع إليه طرفه حتى ينقضي الوحي.

أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن نصر وابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن ناشئة الليل ﴾ قال: قيام الليل بلسان الحبشة إذا قام الرجل قالوا: نشأ.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن أبي مليكة قال: سألت ابن عباس وابن الزبير عن ناشئة الليل قالا: قيام الليل.

وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: ناشئة الليل أوّله.

وأخرج ابن المنذر وابن الضريس عن ابن عباس قال: الليل كله ناشئة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن مسعود في قوله: ﴿ إن ناشئة الليل ﴾ قال: هي بالحبشية قيام الليل.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك ﴿ إن ناشئة الليل ﴾ قال: قيام الليل بلسان الحبشة.

وأخرج عبد بن حميد وابن نصر عن أبي ميسرة قال: هو بلسان الحبشة نشأ أي: قام.

وأخرج عبد بن حميد وابن نصر عن أبي مليكة قال: سئل ابن عباس عن قوله: ﴿ ناشئة الليل ﴾ قال: أي الليل قمت فقد أنشأت.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ إن ناشئة الليل ﴾ قال: كل شيء بعد العشاء الآخرة ناشئة.

وأخرج عبد بن حميد وابن نصر والبيهقي في سننه عن الحسن قال: كل صلاة بعد العشاء الآخرة فهو ناشئة الليل.

وأخرج عبد بن حميد وابن نصر عن أبي مجلز ﴿ إن ناشئة الليل ﴾ قال: ما كان بعد العشاء الآخرة إلى الصبح فهو ناشئة.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن نصر عن مجاهد ﴿ إن ناشئة الليل ﴾ قال: أي ساعة تهجدت فيها فتهجد من الليل.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن نصر والبيهقي في سننه عن أنس بن مالك في قوله: ﴿ إن ناشئة الليل ﴾ قال: ما بين المغرب والعشاء.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير مثله.

وأخرج ابن نصر والبيهقي عن عليّ بن حسين قال: ﴿ ناشئة الليل ﴾ قيام ما بين المغرب والعشاء.

وأخرج ابن المنذر عن حسين بن عليّ أنه رؤي يصلي فيما بين المغرب والعشاء فقيل له: في ذلك فقال: إنها من الناشئة.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ ناشئة الليل ﴾ مهموزة الياء هي ﴿ أشد وطأ ﴾ بنصب الواو وجزم الطاء يعني المواطاة.

وأخرج أبو يعلى وابن جرير ومحمد بن نصر وابن الأنباري في المصاحف عن أنس بن مالك أنه قرأ هذه الآية «إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأصوب قيلاً» فقال له رجل: انا نقرؤها ﴿ وأقوم قيلاً ﴾ فقال: إن أصوب وأقوم وأهيأ وأشباه هذا واحد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن نصر وابن المنذر عن مجاهد ﴿ هي أشد وطأ ﴾ قال: أشد مواطاة لك في القول ﴿ وأقوم قيلاً ﴾ قال: افرغ لقلبك.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد ﴿ أشد وطأ ﴾ قال: أن توطئ سمعك وبصرك وقلبك بعضه بعضاً ﴿ وأقوم قيلاً ﴾ قال: أثبت للقراءة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن نصر عن قتادة ﴿ أشد وطأ ﴾ قال: أثبت في الخير ﴿ وأقوم قيلاً ﴾ أجرأ على القراءة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأقوم قيلاً ﴾ قال: أدنى من أن يفقه القرآن، وفي قوله: ﴿ إن لك في النهار سبحاً طويلاً ﴾ قال: فراغاً، وفي قوله: ﴿ تبتل إليه تبتيلاً ﴾ قال: أخلص لله إخلاصاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم في الكني عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن لك في النهار سبحاً طويلاً ﴾ قال: السبح الفراغ للحاجة والنوم.

وأخرج عبد بن حميد وابن نصر عن مجاهد في قوله: ﴿ سبحاً طويلاً ﴾ قال: فراغاً.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك والربيع مثله.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن نصر وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ سبحاً طويلاً ﴾ قال: فراغاً طويلاً ﴿ وتبتل إليه تبتيلاً ﴾ قال: أخلص له الدعوة والعبادة.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد ﴿ وتبتل إليه تبتيلاً ﴾ قال: أخلص له المسألة والدعاء إخلاصاً.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ وتبتل إليه تبتيلاً ﴾ قال: أخلص له إخلاصاً.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ رب المشرق والمغرب ﴾ بخفض رب.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ رب المشرق والمغرب ﴾ قال: وجه الليل ووجه النهار.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ واهجرهم هجراً جميلاً ﴾ قال: اصفح ﴿ وقل سلام ﴾ قال: هذا قبل السيف والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُمِ اليل ﴾ هذا الأمر بقيام الليل اختلف هل هو واجب أو مندوب، فعلى القول بالندب فهو ثابت غير منسوخ، وأما على القول بالوجوب ففيه ثلاثة أقوال: أحدها أنه فرض على النبي صلى الله عليه وسلم وحده، ولم يزل فرضاً عليه حتى توفي، الثاني أنه فرض عليه وعلى أمته فقاموا حتى انتفخت أقدامهم، ثم نسخ بقوله في آخر السورة: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ ﴾ [المزمل: 20] الآية: وصار تطوعاً، هذا قول عائشة رضي الله عنها وهو الصحيح، واختلف كما بقي فرضاً فقالت عائشة: عاماً وقيل: ثمانية أشهر وقيل: عشرة أعوام فالآية الناسخة على هذا مدنية، الثالث أنه فرض عليه صلى الله عليه وسلم وعلى أمته وهو ثابت غير منسوخ، ولكن ليس الليل كله إلا ما تيسر منه، وهو مذهب الحسن وابن سيرين ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ﴾ في معنى هذا الكلام أربعة أقوال: الأول وهو الأشهر والأظهر أن الاستثناء من الليل، وقوله نصفه بدل من الليل أو من قليلاً، وجعل النصف قليلاً بالنسبة إلى الجميع والضميران في قوله: أو انقص منه، أو زد عليه: عائدان على النصف.

والمعنى أن الله خيَّره بين ثلاثة أحوال: وهو أن يقوم نصف الليل، أو ينقص من النصف قليلاً أو يزد عليه.

الثاني: قال الزمخشري: إلا قليلاً استثناء من النصف كأنه قال نصف الليل إلا قليلاً.

فخيّره على هذا بين حالتين وهما أن يقوم أقل من النصف أو أكثر منه.

وهذا ضعيف، لأن قوله أو انقص منه قليلاً تضمن معنى النقص من النصف فلا فائدة زائدة في استثناء القليل من النصف، القول الثالث قاله الزمخشري أيضاً: يجومز أن يريد بقوله أو انقص منه قليلاً نصف النصف، وهو الرابع ويكون الضمير في قوله: ﴿ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ﴾ يعود على ذلك، أي زد على الربع فيكون ثلثاً، فيكون التخيير على هذا بين قيام النصف أو الثلث أو الربع، وهذا ايضاً بعيد، القول الرابع قاله ابن عطية: يحتمل أن يكون معنى إلا قليلاً الليالي التي يمنعه العذر من القيام فيها، والمراد بالليل على هذا: الليالي، فهو جنس.

وهذا بعيد، لأنه قد فسر هذا القليل المستثنى بما بعد ذلك من نصف الليل أو النقص منه أو الزيادة عليه، فدل ذلك على أن المراد بالليل المستثنى بعض أجزاء الليل، لا بعض الليالي، إن قيل: لم قيد النقص من النصف بالقلة فقال: أو انقص منه قليلاً، وأطلق في الزيادة فقال: أو زد عليه، ولم يقل قليلاً؟

فالجواب: أن الزيادة تحسن فيها الكثرة فلذلك لم يقيدها بالقلة بخلاف النقص، فإنه لو أطلقه لاحتمل أن ينقص من النصف كثيراً.

﴿ وَرَتِّلِ القرآن تَرْتِيلاً ﴾ الترتيل هو التمهل والمد وإشباع الحركات وبيان الحروف، وذلك مُعينٌ على التفكر في معاني القرآن، بخلاف الهذر الذي لا يفقه صاحبه ما يقول، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقَطِّع قراءته حرفاً حرفاً، ولا يمرُّ بآية رحمة إلا وقف وسأل، ولا يمرّ بآية عذاب، إلا وقف وتعوَّذ.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أو انقص ﴾ بكسر الواو للساكنين: حمزة وعاصم وسهل.

الآخرون: بضمها للإتباع ﴿ ناشية ﴾ بالياء: يزيد والشموني والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

الباقون.

بالهمزة ﴿ وطأ ﴾ بكسر الواو وسكون الطاء: ابن عامر وأبو عمرو.

الآخرون: بالمد مصدر واطأت مواطأة ووطاء ﴿ رب المشرق ﴾ بالخفض على البدل ﴿ من ربك ﴾ ابن عامر ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل.

الباقون: بالرفع على المدح أي هورب.

﴿ ونصفه وثلثه ﴾ بالنصب فيهما: عاصم وحمزة وعلى وابن كثير وخلف.

الوقوف ﴿ المزمل ﴾ ه لا ﴿ إلا قليلاً ﴾ ه لا ﴿ قليلاً ﴾ ه لا ﴿ ترتيلاً ﴾ ه ﴿ ثقيلاً ﴾ ه ﴿ قيلاً ﴾ ه ط ﴿ طويلاً ﴾ ه ط ﴿ تبتيلاً ﴾ ه ط بالخفض لا يقف ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ جميلاً ﴾ ه م ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ وجحيماً ﴾ ه لا ﴿ أليماً ﴾ ه وقد قيل يوصل بناء على أن يوم ظرف لدينا والوقف أجوز لأن ثبوت إلا نكال لا يختص بذلك اليوم بل المراد ذكر يوم كذا أو يوم كذا ترون ما ترون.

﴿ مهيلاً ﴾ ه ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ وبيلا ﴾ ه ﴿ شيباً ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده صفة يوماً ﴿ به ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ تذكرة ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ط ﴿ والنهار ﴾ ه ﴿ القرآن ﴾ ط ﴿ مرضى ﴾ لا للعطف ﴿ من فضل الله ﴾ لا لذلك ﴿ في سبيل الله ﴾ ج لطول الكلام والوصل أولى للتكرار ﴿ فاقرؤا ﴾ ه ﴿ منة ﴾ لا للعطف ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ أجرأ ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه.

التفسير ﴿ المزمل ﴾ أصله المتزمل وهو الذي تزمل في ثيابه أي تلفف بها، فأدغم التاء في الزاء ونحوه المدثر في المثر والخطاب للنبي  بالإتفاق إلا أنهم اختلفوا في سببه.

فعن ابن عباس: أول ما جاءه جبرائيل  خافه فظن أن به مساً من الجن فرجع من الجبل مرتعداً وقال: زملوني فبينا هو كذلك إذ جاءه الملك وناداه ﴿ يا أيها المزمل ﴾ فهذه السورة على هذا القول من أوائل ما نزل من القرآن قال الكلبي: إنما تزمل النبي  بثيابه ليتهيأ للصلاة فأمر بأن يدوم على ذلك ويواظب عليه.

ومثله عن عائشة وقد سئلت عن تزمله فقال: إنه  كان تزمل مرطاً سداه شعر ولحمته وبر طوله أربع عشرة ذراعاً نصفه علي وأنا نائمة ونصفه عليه وهو يصلي.

وقيل: أنه  كان نائماً بالليل متزملاً في قطيفة فنودي بما يهجن تلك الحالة لأنها فعل من لا يهمه أمر ولا يعنيه شأن فأمر أن يختار على الهجود التهجد وعلى التزمل الموجب للاستثقال في النوم التشمر للعبادة، وقال عكرمة: إشتقاقه من الزمل الحمل ومنه أزدمله أي احتمله، والمعنى يأيها الذي احتمل أمراً عظيماً يريد أعباء النبوة ويناسبه التكليف بعده بقيام الليل.

قال ابن عباس: إنه كان فريضة عليه بناء على ظاهر الأمر ثم نسخ.

وقيل: كان واجباً عليه وعلى أمته في صدر الإسلام فكانوا على ذلك سنة أو عشر سنين، ثم نسخ بالصلوات الخمس، قال جار الله: قوله ﴿ نصفه ﴾ بدل من الليل و ﴿ إلا قليلاً ﴾ استثناء من النصف كأنه قال: قم أقل من نصف الليل أو انقص من النصف قليلاً أو زد على النصف، خيره بين أمرين بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت، وبين أن يختار أحد الأمرين: النقصان من النصف أو الزيادة عليه.

وإن شئت جعلت ﴿ نصفه ﴾ بدلاً من ﴿ قليلاً ﴾ لأن النصف قليل بالنسبة إلى الكل، ولأن الواجب إذا كان هو النصف لم يخرج صاحبه عن العهدة لا بزيادة شيء فيصير الواجب بالحقيقة نصفاً فشيئاً فيكون الباقي أقل منه، فكان تخييراً بين ثلاث بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص منه، وبين قيام الزائد عليه، فلك أن تقول: على تقدير إبدال النصف من الليل إن الضمير في ﴿ منه ﴾ و ﴿ عليه ﴾ راجع إلى الأقل من النصف فكأنه قيل: قم أقل من نصف الليل أو قم أنقص القليل أو أزيد منه قليلاً فيكون التخيير فيما وراء النصف إلى الثلث مثلاً، وإن شئت على تقدير إبدال النصف من ﴿ قليلاً ﴾ جعلت ﴿ قليلاً ﴾ الثاني بمعنى نصف النصف وهو الربع كأنه قال: أو انقص منه قليلاً نصفه ويجعل المزيد على هذا القليل أعني الربع كأنه قيل: أو زد عليه أي على الربع قليلاً نصفه وهو الثمن فيكون تخييراً بين النصف وحده والرابع والثمن معاً والربع وحده، هذا حاصل كلامه مع بعض الإيضاح.

وأما في التفسير الكبير فقد اختار أن المراد بقوله ﴿ قليلاً ﴾ الثلث لقوله  في السورة ﴿ إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة ﴾ ففيه دليل على أن أكثر المقادير الواجبة كان الثلثين إلا أن النبي  ربما يتفق له خطأ بالإجتهاد أو النوم فينقص شيء منه إلى النصف أو إلى الثلث على قراءة الخفض.

وليس هذا مما يقدح في العصمة لعسر هذا الضبط على البشر ولا سيما عند اشتغاله بالنوم ولذلك قال ﴿ علم أن لن تحصوه ﴾ فيصير تقدير الآية.

قم الثلثين ثم نصف الليل.

أو انقص من النصف، أو زد عليه.

والغرض التوسعة وأن أكثر الفرض هو الثلثان وأقله الثلث ليكون النقصان من النصف بقدر الزيادة.

عن الكلبي قال: كان الرجل يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ ما بين النصف والثلث والثلثين.

ثم علم أدب القراءة فقال ﴿ ورتل القرآن ترتيلاً ﴾ وهو قراءة على تأن وتثبت ولا تحصل إلا بتبيين الحروف وإشباع الحركات ومنه " ثغر مرتل " إذا كان بين الثنايا افتراق ليس بالكثير، ومنه قال الليث: الترتيل تنسيق الشيء وثغر رتل حسن التنضيد كنور الأقحوان.

سئلت عائشة عن قراءة النبي  فقالت: لا كسر دكم.

هذا لو أراد السامع أن يعد حروفه لعدها.

وفي قوله ﴿ ترتيلاً ﴾ زيادة تأكيد في الإيجاب وأنه لا بد للقاريء منه لتقع قراءته عن حضور القلب وذكر المعاني فلا يكون كمن يعثر على كنز من الجواهر عن غفلة وعدم شعور.

حين أمره بقيام الليل وبتدبر القرآن فيه وعده بقوله ﴿ إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً ﴾ كأنه قال: صير نفسك بأنوار العبادة والتلاوة مستعداً لقبول الفيض الأعظم وهو القرآن وما فيه من الأوامر والنواهي التي هي تكاليف شاقة على نفوس البشر.

وقيل: ثقله أنه كان إذا نزل عليه الوحي تربد جلده وارفض جبينه عرقاً.

ومنه قيل " برحاء الوحي ".

وقال الحسن: أراد ثقله في الميزان وقال أبو علي الفارسي: ثقيل على المنافقين من حيث إنه يهتك أستارهم وقال الفراء: كلام له وزن وموقع لأنه حكمة وبيان ليس بالسفساف وما لا يعبأ به.

وقيل: باقٍ على وجه الدهر لأن الثقيل من شأنه أن لا يزول عن حيزه.

وقيل: يثقل إدراك معانيه وإحضارها.

والفرق بين أقسامها من المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ والظاهر والمؤل.

ثم عاد إلى حكمة الأمر بقيام الليل فقال ﴿ إن ناشئة الليل ﴾ فيها قولان: أحدهما أنها ساعات الليل إما كلها لأنها تنشأ أي تحدث واحدة بعد أخرى، وإما الساعات الأول ما بين المغرب والعشاء وهو قول زين العابدين وسعيد بن جبير والضحاك والكسائي وذلك أنها مباديء نشوء الليل.

والثاني أنها عبارة عن الأمور التي تحدث في الليل.

وعلى هذا اختلفوا فمنهم من قال: هي النفس الناشئة بالليل أي التي تنشأ من مضجعها للعبادة أي تنهض وترتفع من نشأت السحابة إذا ارتفعت.

ومنهم من قال: هي مصدر كالعاقبة أي قيام الليل.

ولا بد من سبق النوم لما روي عبيد بن عمير قلت لعائشة: رجل قام من أول الليل أتقولين له قام ناشئة الليل؟

قالت: لا إنما الناشئة القيام بعد النوم.

وقد فسرها بعض أهل المعنى بالواردات الروحانية والخواطر النورانية والإنفعالات النفسانية للإبتهاج بعالم القدس وفراغ النفس من الشواغل الحسية التي تكون بالنهار.

الوطاء والمواطأة الموافقة.

قال الحسن: يعني النفس أشد موافقة بين السر والعلانية أو القلب أو اللسان لانقطاع رؤية الخلائق، أو يواطيء فيها قلب القائم لسانه، إن أردت الساعات، أو القيام.

ومن قرأ وطأ بغير فالمعنى أشد ثبات قدم وأبعد من الزلل وأثقل وأغلظ على المصلي من صلاة النهار ومنه قوله " اللهم أشدد وطأتك على مضر " ﴿ وأقوم قيلاً ﴾ وأشد مقالاً وأثبت قراءة لهدوّ الأصوات وسكون الحركات فلا يكون بين القراءة وبين تفهم معانيها حائل ولا مشوش.

قال في الكشاف: عن أنس إنه قرأ و "أصوب قيلاً " فقيل له: يا أبا حمزة إنما هي ﴿ أقوم ﴾ فقال: إنهما واحد.

قال ابن جني: وهذا يدل على أن القوم كانوا يعتبرون المعاني ولا يلتفتون نحو الألفاظ.

قال العلماء الراسخون: هذا النقل يوجب القدح في القرآن فالواجب أن يحمل النقل لو صح على أنه فسر أحد اللفظين بالآخر لا أنه زعم أن تغيير لفظ القرآن جائز.

ثم أكد أمر قيام الليل بقوله ﴿ إن لك في النهار سبحاً طويلاً ﴾ قال المبرد: أي تصرفاً وتقلباً في مهماتك فلا تفرغ لخدمة الله إلا بالليل ومنه السابح لتقلبه بيديه ورجليه.

وقال الزجاج: أراد أن ما فاتك من الليل شيء فلك في النهار فراغ تقدر على تداركه فيه.

وقيل: أن لك في النهار مجالاً للنوم والإستراحة وللتصرف في الحوائج.

ثم بين أن أشرف الأعمال عند قيام الليل ما هو فصله في شيئين ذكر إسم الرب والتبتل إليه وهو الإنقطاع إلى الله بالكلية والتبتل القطع، الأول مقام السالك والثاني مقام المشاهد.

فالأول كالأثر والثاني كالعين وإنما لم يقل وبتل نفسك إليه تبتيلاً لأن المقصود بالذات هو التبتل فبين أولاً ما هو المقصود ثم أشار أخيراً إلى سببه تأكيداً مع رعاية الفاصلة.

ثم أشار إلى الباعث إلى التبتل فقال ﴿ رب المشرق والمغرب ﴾ لأن التكميل والأحسان موجب المحبة وجبلت القلوب على حب من أحسن إليها والمحبة تقتضي الإقبال على المحبوب بالكلية ﴿ لا إله إلا هو ﴾ وهو إشارة إلى كماله  في ذاته والكمال محبوب لذاته، وهذا منتهى مقامات الطالبين وإنه يستدعي رفع الإختيار من البين وتفويض الأمر بالكلية إلى المحبوب الحقيقي حتى أن المحبوب لو كان رضاه في عدم التبتل إليه رضي المحب بذلك، وإن كان رضاه في التبتل والتوجه نحوه فهو المطلوب لا من حيث إنه تبتل بل من حيث إنه مراد المحبوب الحق جل ذكره.

وقوله ﴿ فاتخذه وكيلاً ﴾ كالنتيجة لما قبله، وفيه إن من لم يفوض كل الأمور إليه لم يكن راضياً بإلهيته معترفاً بربوبيته، وفيه تسلية للنبي  أنه سيكفيه شر الكفار وأعداء الدين.

ثم أمره بالصبر عند الإختلاط بالهجر الجميل إذا أراد أن لا يخالطهم.

والهجر الجميل أن يخالفهم بقلبه ويداريهم بالإغضاء وترك المكافآت ومن المفسرين من قال: إنه منسوخ بآية القتال وقد عرفت مراراً أنه لا ضرورة إلى التزام النسخ.

في أمثال هذه الآية.

ثم أمره بأن يخلي بينه وبين المكذبين أصحاب الترفه.

والنعمة بالفتح التنعم وهم صناديد قريش ولم يكن هناك منع ولكنه  أجرى الكلام على عادة المحاورات، والغرض أنه  يكفي في رفع شرور الكفرة ودفع إيذائهم ثم فصل ما سيعذب به أهل التكذيب مما يضاد تنعمهم.

والإنكال جمع نكل بالكسر أو نكل بالضم وهي القيود الثقال.

عن الشعبي: إذا ارتفعوا استلفت بهم.

والطعام ذو الغصة هو الذي ينشب في الحلق كالزقوم والضريع فلا ينساغ، وقد يمكن حمل هذه الأمور على العقوبات الروحانية فالإنكال عبارة عن بقاء النفس في قيود العلائق الحسية والملكات الوهمية، والجحيم نيران الحسرة والحيرة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة.

ثم إنه يتجرع غصة الحرمان وألم الفراق الجلال والبقاء في ظلمة الضلال والتنوين في هذه الألفاظ للتعظيم أو النوع.

ثم وصف اليوم فيه هذه الأحوال والأهوال فقال ﴿ يوم ترجف الأرض والجبال ﴾ الرجفة الزلزلة والكثيب الرمل المجتمع " فعلي" " بمعنى " " مفعول " من كثب الشيء جمعه.

وقال الليث: الكثيب نثر التراب أو الشيء يرمي به.

وسمي الكثيب كثيباً لأن ترابه دقاق كأنه نثر بعضه على بعض لرخاوته، والمهيل السائل تراب مهيل ومهيول أي مصبوب وإنما لم يقل كثيبة مهيلة لأنها باسرها تجتمع فتصير واحداً، أو المراد كل واحد منها، وحين خوف المكذبين بأهوال الآخرة خوفهم بأهوال الدنيا مثل ما جرى على الأمم السابقة لا سيما فرعون وجنوده.

وإنما خصص قصة موسى بالذكر لأن أمته أكثر الأمم الباقية ومعجزاته أبهر فكان تشبيه نبينا  بحال أنسب.

ومعنى ﴿ شاهدا عليكم ﴾ كما مر في قوله ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً  ﴾ إنما عرّف الرسول ثانياً لأنه ينصرف إلى المعهود السابق في الذكر والأخذ الوبيل الثقيل الغليظ ومنه الوابل للمطر العظيم.

قال أبو زيد: هو الذي لا يستمر ألو خامته ومنه كلأ مستوبل.

ثم عاد إلى توبيخهم مرة بعد أخرة قائلاً ﴿ فكيف تتقون إن كفرتم يوماً ﴾ وانتصب ﴿ يوماً ﴾ على أنه مفعول به ﴿ لتتقون ﴾ أي كيف تحذرون ذلك اليوم لو كفرتم أي إن جحدتم يوم الجزاء فكيف تدعون تقوى الله وخوف عقابه؟

ويجوز أن يكون ظرفاً ﴿ لتتقون ﴾ أي فكيف لكم بالتقوى يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا؟

ثم ذكر من هول ذلك اليوم شيئين: الأول أنه يجعل الولدان شيئاً جمع أشيب نحو بيض جمع أبيض فقيل: إنه وصفه بالطول بحيث يبلغ الأطفال فيه أوان الشيخوخة والشيب.

والأكثرون على أنه مثل في الشدة كما قيل " يوم يشيب نواصي الأطفال " والأصل فيه قول الحكماء إن الهموم والأحزاب تسرع الشيب لإقتضائهما احتباس الروح إلى داخل القلب المستتبع لانطفاء الحرارة الغريزية المستعقب لفجاجة الأخلاط واستيلاء البلغم المتكرج.

وليس المراد أن هول ذلك اليوم يجعل الولدان شيباً حقيقة لأن إيصال الألم والخوف إلى الصبيان غير جائز.

وجوزه بعضهم بناء على أن ذلك اليوم أمر غير داخل تحت التكليف وقد حكي أن رجلاً أمسى فاحم الشعر كحنك الغراب وأصبح وهو أبيض الرأس واللحية فقال: أرأيت القيامة والنار في المنام ورأيت الناس يقادون في السلاسل إلى النار، فمن هول ذلك وأصبحت كما ترون.

الثاني قوله ﴿ السماء منفطر به ﴾ وإنما ذكر السماء لأن تأنيثه غير حقيقي، أو بتأويل السقف، أو بتأويل الشيء المنفطر أو ذات انفطار.

والباء في ﴿ به ﴾ بمعنى " في " عند الفراء، أو للآلة نحو فطرت العود بالقدوم أي أنها تنفطر بسبب هول ذلك اليوم، أو تثقل به إثقالاً يؤدي إلى إنفطارها كقوله ﴿ ثقلت في السموات والأرض  ﴾ ﴿ كان وعده ﴾ أي وعد الله وقيل وعد اليوم فيكون من باب إضافة المصدر إلى المفعول ﴿ إن هذه ﴾ الآيات المشتملة على التكاليف والتخاويف ﴿ تذكرة ﴾ موعظة شافية ﴿ فمن شاء إتخذ إلى ﴾ قرب ﴿ ربه سبيلاً ﴾ بالإتعاظ والإدكار والتوسل بالطاعة والتجنب عن المعصية.

قال المفسرون: إن النبي  وأصحابه شمروا بعد نزول أوائل السورة عن ساق الجد في شأن قيام الليل، وتركوا الرقاد حتى انتفخت أقدامهم واصفرت ألوانهم فلا جرم رحمهم ربهم وخفف عنهم قائلاً ﴿ إن ربك يعلم أنّك تقوم أدنى من ثلثي الليل ﴾ أقل منهما.

قال أهل المعاني والبيان: إنما استعير الأدنى للأقل لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما من الأحياز ﴿ و ﴾ تقوم ﴿ نصفة وثلثه ﴾ وهذا مطابق لما مر أو لأن التخيير بين النصف والناقص منه إلى الثلث وبين الزائد على النصف إلى الثلثين.

ومن قرأ بالجر فمعناه يقوم أقل من الثلثين وهو النصف، وأقل من النصف وهو ثلثه، وأقل من الثلث وهو الربع وهو مطابق للوجه الآخر.و قوله ﴿ وطائفة ﴾ عطف على المستتر في ﴿ يقوم ﴾ وجاز من غير تأكيد للفصل ﴿ والله يقدر الليل والنهار ﴾ فلا يعرف ما مضى من كل منهما أي آن يفرض إلا هو.

وهذا الحصر ينبيء عنه بناء الكلام على الإسم دون الفعل.

ثم أكد المعنى المذكور بقوله ﴿ علم أن لن تحصوه ﴾ أي لا يصح منكم ضبط أوقات الليل كما هي إلا أن تأخذوا بالأوسع الأحوط وذلك شاق عليكم ﴿ فتاب عليكم ﴾ ما فرط منكم في مساهلة حصر الأوقات ورفع تبعته عنكم ﴿ فاقرؤا ما تيسر من القرآن ﴾ الأكثرون على أن القراءة ههنا عبارة عن الصلاة كما يعبر عنها بالقيام والركوع والسجود، والمعنى فصلوا ما تيسر عليكم بالليل فيكون هذا ناسخاً للأول.

ثم إنهما نسخاً جميعاً بالصلوات الخمس، أو نسخ هذا وحده بهن.

وعن بعضهم أنها القراءة حقييقة.

وروي " "من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن ومن قرأ مائة آية أو خمسين كتب من القانتين " ثم بيّن الحكمة في النسخ فقال ﴿ علم ﴾ وهو استئناف على تقدير السؤال عن وجه النسخ.

و" أن " في قوله ﴿ أن سيكون ﴾ مخففة من الثقيلة اسمها الشأن و " كان " تامة أي سيوجد ﴿ منكم مرضى ﴾ هي جمع مريض ﴿ وآخرون ﴾ عطف عليه في الموضعين سوى الله  بين المسافرين للكسب الحلال والمجاهدين في سبيله فما أنصف من جانبه من العلماء مستنكفاً عنه إلى طلب ما لم يجوز أخذ الأجرة عليه كالإمامة والقضاء والتدريس يرى أنه منصب من المناصب الدينية فيضع دينه للذة خيالية لا اعتداد بها عند العقلاء.

عن عبد الله بن عمر: ما خلق الله موتة أموتها بعد القتل في سبيل الله أحب إليّ من أن أموت بين شعبتي رحل أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله، وعن عبد الله ابن مسعود مرفوع ظناً.

أيما رجل جلب شيئاًً إلى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً فباعه بسعر يومه كان عند الله من الشهداء.

وظاهر أن المرضى لا يمكنهم الإشتغال بالتجهد لمرضهم.

وأما المسافرون والمجاهدون فمشتغلون في النهار بالأعمال الشاقة، فلو اشتغلوا بالعبادة في الليل لتوالت أسباب المشقة عليهم قوله ﴿ فاقرؤا ما تيسر منه ﴾ من إعادة الأوّل تأكيداً للرخصة، عن ابن عباس: سقط عن أصحاب النبي قيام الليل وصار تطوعاً وبقي ذلك فريضاً على النبي  .ثم أمر بإقامة الصلوات الخمس وإيتاء الزكاة وهذا أيضاً مما يغلب على الظن أن الآية مدنية.

وقيل: هي زكاة الفطر.

ثم أشار إلى صدقة التطوع بقوله ﴿ وأقرضوا الله ﴾ ويحتمل أني عود هذا أيضاً إلى الزكاة أي أقرضوا الله بإيتاء الزكاة، وفيه أن إخراج الزكاة ينبغي أن يكون على أحسن وجه من مراعاة النية الخالصة والصرف إلى المستحقين وكونها من أطيب الأموال لا أقل من الوسط.

ثم حث على الإنفاق مطلقاً بقوله ﴿ وما تقدموا ﴾ الآية وقوله ﴿ هو ﴾ صيغة الفصل.

وقوله ﴿ خيراً ﴾ ثاني مفعولي ﴿ تجدوه ﴾ ثم حرض على الإستغفار في جميع الأحوال وإن كان طاعات لما عسى أن يقع فيها تفريط وإليه المرجع والمآب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ ﴾ .

المزمل والمدثر يقتضيان معنى واحدا، على ما نذكر في سورة المدثر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ﴾ .

جائز أن يكون هذا الأمر كله منصرفا إلى وقت واحد، فإذا صرفته إلى وقت واحد، فإما أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ﴾ منصرفا إلى قوله: ﴿ قُمِ ٱلَّيلَ ﴾ ، أو إلى قوله: ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ، فإن صرفت النقصان إلى قوله: ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ، زدت في الأمر بالقيام، وإن صرفت النقصان إلى قوله: ﴿ قُمِ ٱلَّيلَ ﴾ ، فقد زدت في قوله: ﴿ نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً ﴾ ؛ فإلى أيهما صرف، اقتضى الزيادة في أحدهما، والنقصان في الآخر؛ فيتفق معناهما، وهذا نظير قوله  : ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ  ﴾ ؛ فمنهم من جعل الكلالة اسما للميت الموروث عنه، ومنهم من أوقع هذا الاسم على الحي الذي يرث الميت، وأيهما كان فهو يقتضي معنى واحدا؛ لأن منزلة الحي من مورثه ومنزلة المورث من الحي واحدة، لا تختلف.

وجائز أن يكون هذا على اختلاف الأوقات، على ما ذكره أهل التفسير؛ فيكون قوله: ﴿ قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ أمر بإحياء أكثر الليل، ثم يكون في قوله: ﴿ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً ﴾ تخفيف الأمر عليه؛ فيكون فيه أن له أن ينقص عن الأكثر.

وقوله: ﴿ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ﴾ ، أي: على المقدار الذي أبيح له الانتقاص، وإذا ارتفع الانتقاص عاد الأمر إلى ما كان مأمورا به في الابتداء.

ثم القليل ليس باسم لأعين الأشياء؛ ولكنه من الأسماء المضافة، فإذا قيل اقتضى ذكره تثبيت ما هو أكثر منه حتى يصير هذا قليلا إذا قوبل بما هو أكثر منه؛ فلذلك قالوا بأن قوله ﴿ قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ، يقتضي أمر القيام أكثر الليل؛ ولهذا قال أصحابنا فيمن أقر أن لفلان عليه ألف درهم إلا قليلا: [إنه] يلزمه أكثر من نصف الألف؛ لأنه استثنى القليل؛ فلا بد [من] أن يكون المستثنى منه أكثر من المستثنى حتى [يكون المستثنى قليلا، كما استثنى] والله أعلم.

[وقوله] - عز وجل -: ﴿ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ﴾ : [الترتيل] هو التبيين في اللغة، أي: بينه تبيينا.

وقيل: اقرأه حرفا حرفا على التقطيع؛ لما ذكر أن رسول الله  كان يقطع القراءة، ولكن جائز أن يكون على قراءة التقطيع؛ لأن التبيين كان في تقطيعه؛ وإنما أمر بالتبيين لأن القرآن لم ينزل لمجرد قراءته فقط، لكنه لمعان ثلاثة: أحدهما: أن يقرأ للحفظ والبقاء إلى يوم القيامة؛ لئلا يذهب، ولا ينسى.

والثاني: أن يقرأ؛ لتذكر ما فيه، وفهم ما أودع من الأحكام، وما لله عليهم من الحقوق، وما لبعضهم على بعض.

والثالث: يقرأ؛ ليعمل بما فيه، ويتعظ بمواعظه، ويجعلونه إماما يتبعون أمره، وينتهون عما نهى عنه؛ فنفذ قراءته في الصلاة يلزمنا هذا كله، ولا ندرك ذلك إلا بالتأمل، وذلك عند قراءته على الترتيل، وهذا الذي ذكرناه يوجب اختيار من يرى الوقوف في القرآن؛ لأن ذلك يدل على المعنى وأقرب إلى الإفهام.

وفيه دلالة أن المستحب فيه ترك الإدغام، وترك الهمز الفاحش؛ لأن ذلك أبلغ في التبيين، والأصل أن السامع للقرآن مأمور بالاستماع إليه، وإذا لزمه الاستماع، وفي الاستماع الوقوف على حسن نظمه وعجيب حكمته، والوقوف على معانيه؛ فلزم القارئ تبيينه؛ ليصل السامع إلى معرفة معانيه، ويقف على حسن نظمه، وعجيب تأليفه، وذلك يكون أقرب في إفهام السامع والقارئ؛ لما فيه من لطائف المعاني.

ثم الترتيل منصرف إلى القراءة، وسمى القراءة: قرآنا على جهة المصدر؛ إذ ما هو كلام الله  لا يوصف بالترتيل، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ﴾ ، ولم يقل: ثقيلا على من؟

فجائز أن يكون الثقل راجعا إلى الكفرة والمنافقين، ويكون الثقيل الأمر بالجهاد؛ لأنه اشتد على الفريقين جميعا، وأيس الكفار من المسلمين أن يعودوا إلى ملتهم؛ قال الله  : ﴿ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ  ﴾ ، وتخلف المنافقون عن القتال مع رسول الله  وثقل ذلك عليهم، فجائز أن يكون قوله ﴿ ثَقِيلاً ﴾ ؛ أي: على الكفرة والمنافقين، وكذا على أهل الكبائر ثقيل أيضا؛ لأنهم لم يتمنوا أن ينزل عليهم الكتاب، وأما على المسلمين فليس بثقيل بل هو كما قال  : ﴿ وَلَقَد يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ  ﴾ .

وجائز أن يصرف ذلك إلى رسول الله  ؛ لأنه أمر بتبليغ الرسالة إلى الفراعنة وإلى الخلق كافة، وفي القيام بالتبليغ إلى الفراعنة مخاطرة بالروح والجسد، والقيام بما فيه مخاطرة بالروح والجسد أمر ثقيل صعب جدّاً.

أو يكون ذلك منصرفا إلى قيام الليل؛ فيكون معنى: ﴿ قَوْلاً ثَقِيلاً ﴾ ،: أي الوفاء بما يوجبه ذلك القول.

وجائز أن يكون هذا منصرفا إلى اتباع رسول الله  وأنصاره؛ فيكون ثقله من الوجه الذي كلفوا القيام بفرائضه، وحفظ حدوده، وتحليل حلاله، واجتناب حرامه.

وزعمت الباطنية أن القول الثقيل هو أن كلف الناطق - وهو الرسول  - بتفويض الأمر إلى الأساس، وهو الباب، وذلك الأساس والباب هو علي [بن أبي طالب] -  - عندهم، وهم يسمون [الرسول -  -: ناطقا]، ويقولون بأن رسول الله  كان مأمورا بتبليغ التنزيل إلى الخلق؛ فلما بلغ التنزيل إليهم، واستغنوا عنه، احتاجوا إلى من يعلمهم التأويل؛ فأمر رسول الله  بأن يسند أمر التأويل إلى علي بن أبي طالب -  - ليكون هو الذي يتولى تعليم الخلق تأويله؛ فذلك هو القول الثقيل؛ إذ أمر أن يستند إلى غيره؛ فاشتد عليه إذ صار غيره ولي الأمر، وبقي هو ساكنا لا ينطق.

فيقال لهم: إن في الأمر بإسناد الأمر إلى من ذكر تخفيفَ الأمر على رسول الله  بزعمكم؛ لأن من مذهبكم: أنه إذا فوض الأمر إلى علي -  - قبض هو -  - وصورة القبض عندكم: أن يميز الصورة الروحانية النورانية من الصورة الجسدانية التي كانت محتبسة في الصورة الجسدانية، ثم تتلف الصورة الجسدانية، وتبعث الصورة الروحانية النورانية إلى دار الكرامة والحبور والخلاص من الحبس - لم يشتد ذلك عليه، ولم يثقل؛ بل كان فيه ما يرغبه إلى التفويض، ويدعوه إليه.

ومن مذهب الباطنية: أنهم لا يعلمون أحدا مذهبهم إلا بعد أن يحلفوه بالأيمان المغلظة بألا يخبر به أحداً؛ إشفاقا على أنفسهم، ولو كان الأمر على ما قدروا أن التلف يرد على الصورة الجسدانية التي هي سبب لحبس الصورة الروحانية، وإذا تلفت ردت الروحانية إلى دار فيها كل أنواع السرور - فما الذي يحوجهم إلى الاستحلاف، وما بالهم يشفقون على أنفسهم، وليس في إتلاف أنفسهم إلا الخلاص من الحبس، والوصول إلى الكرامات، ومن هذا وصفه حق عليه الموت؛ ليعلموا أنهم يعاملون الخلق على خلاف ما يوجبه اعتقادهم، ولو كان ما اعتقدوا حقا، لما استجازوا مخالفته، ولكن الذي دعاهم إلى ما ذكرنا تسويل الشيطان وتزيينه في قلوبهم، وما مثلهم إلا مثل اليهود، الذين ادعوا أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس؛ فقيل لهم: ﴿ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ  ﴾ ؛ لأنكم لا تصلون إلى الآخرة إلا بالموت، فإن كنتم محقين في دعواكم فتمنوا [الموت] لتصلوا إليها؛ فكان في امتناعهم عن التمني ما يظهر كذبهم، ويبطل مقالتهم، ويبين تمويههم؛ فكذلك في إشفاق هؤلاء على أنفسهم من الهلاك إظهار وإنباء أنهم قصدوا به قصد التمويه على الضعفة؛ ليصلوا إلى المأكلة ويتوسعوا به في أمر دنياهم من غير حجة لهم في ذلك.

وبهذا الفصل الذي ذكرنا يحتج على الثنوية؛ فإن من مذهبهم تحريم القتل والذبح، وأحق من يرى القتل والذبح مباحين هم؛ لأن من مذهبهم: أن العالم إنما هو بامتزاج النور والظلمة، فما من جزء من أجزاء النور إلا هو مشوب بجزء من أجزاء الظلمة، وكانا متباينين، فغلبت الظلمة على النور، فامتزجت به؛ فصارت الظلمة حابسة للنور، ومعلوم أن في القتل تخليص أجزاء النوراني من [حبس الظلمات]؛ لأن في القتل إزالة السمع والبصر والعقل، ومعلوم أن السمع والبصر في هذه الأشياء، إذ بها رؤية الأنوار، فإذا امتازت هذه الأشياء من الجسد، وبقي الجسد الظلماني لا يبصر شيئا، فقد وصل جوهر النور إلى غرضه ومقصوده بالقتل، وصار إلى مقره، فإذا كان القتل يوصله إلى غرضه ويخلصه عن وثاق الظلمة وحبسه، فقد أحسن القاتل إليه بالقتل والذبح؛ فلا يجيء أن يجرَّم القتل على مذهبهم: بل يجب أن يمدح المرء على ذلك الفعل، ويستصوب ذلك منه.

وقال القتبي: القول الثقيل كلام الله  ، وثقله: هو تبجيله وتعظيم حرمته، ليس كلام السفهاء الذي لا يكترث به، ولا يؤبه له.

وقال الزجاج: الثقيل: الوزين، [أي]: الذي له وزن وقدر في القلوب، الذي يجب أن يعظم ويوقر، ليس بالقول الذي يستصغر.

وجائز أن يكون القول الثقيل [هو] الحق؛ على ما روي في بعض الأخبار: "إن الحق ثقيل مر، والباطل خفيف وفر" وروي عن أبي بكر الصديق -  - أنه قال: "حق لميزان لا يوضع فيه إلا الخير أن يثقل، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف"؛ فيكون ثقله العمل بما فيه.

وجائز أن يكون القول الثقيل هو تكليف القيام عامة الليل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً ﴾ : قرئ: ﴿ وطاء ﴾ و ﴿ وَطْأً ﴾ ، فمن قرأ: ﴿ وطاء ﴾ بالمد، فتأويله من المواطأة، وهي الموافقة، أي: موافق للسمع، والبصر، والفؤاد؛ لأن القلب يكون أفرغ بالليالي عن الأشغال التي تحول المرء عن الوصول إلى حقيقة درك [معاني الأشياء]، وكذلك السمع والبصر يكون أحفظ للقرآن، وأشد استدراكا لمعانيه.

ومن قرأه: ﴿ وَطْأً ﴾ ، فهو من الوطء بالأقدام؛ فتأويله: أنه أشد على البدن وأصعب؛ لأن المرء قد اعتاد التقلب والانتشار في الأرض بالنهار، ولم يعتد ذلك بالليل، بل اعتاد الراحة فيه، فإذا كلف القيام والانتصاب برجليه في الوقت الذي لم يعتد فيه القيام، كان ذلك أشد عليه وأصعب على بدنه.

ولأن المرء بالنهار ليس ينتصب قائما في مكان واحد، فيمكث فيه [كذلك]؛ بل ينتقل من موضع إلى موضع، ولو كلف الانتصاب في مكان اشتد عليه ذلك، ولحقه الكلال والعناء من ذلك.

ثم أمر رسول الله  أن ينتصب قائما يصلي إلى نصف الليل أو أكثر؛ فكان في ذلك محنة شديدة، وكلفة شاقة، والله أعلم.

ثم الأصل أن المرء ينتشر بالنهار؛ لطلب ما يعيش به وليصل إلى ما يتمتع به في أمر دنياه، وينام الليل؛ طلبا للراحة، وإيثاراً للتخفيف، وكان رسول الله  ممنوعا عن اكتساب الأشياء التي يتوصل بها إلى سعة الدنيا إلا القدر الذي يقيم به مهجته، وكذلك منع عن الراحة بالليالي، وأمر بإحياء الليل إلا القدر الذي لا بد منه، والله أعلم.

وجائز أن يكون في الأمر بقيام الليل نوع [من الراحة والتخفيف]؛ وذلك أن رسول الله  ألزم بتبليغ الرسالة إلى الناس كافة، فحُمِّل تبليغها إليهم بالنهار، ورفعت عنه الكلفة بالليل، وأمر بأن يتفرغ لعبادة ربه، وكان الأمر بالتفرغ للعبادة أيسر من الأمر بتبليغ الرسالة؛ لأن في الأمر بالتبليغ أمراً بما فيه المخاطرة بالروح والجسد، وليس في الأمر بالانتصاب قائما أكثر الليل ذلك؛ وإنما فيه إيصال الوجع إلى بعض أعضائه؛ فيكون فيه بعض التخفيف.

فإن قيل على التأويل [الأول]: كيف خص رسول الله  في باب النكاح؛ حيث أبيح له فضل العدد، ولم يبح لأمته، وفي ذلك زيادة تمتع بشهوات الدنيا؟

فجوابه أن يقال: بأن المعنى الذي به حظر على غيره الزيادة على الأربع، وقصر الأمر على الأربع هو خوف الجور؛ ألا ترى إلى قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً  ﴾ ، وإذا كان التحريم للوجه الذي ذكرنا، ارتفع الحظر عن رسول الله  ؛ لأن الله - عز وجل - عصمه عن الجور، ومكنه من العدل بين نسائه، ثم ليس في إباحة زيادة العدد سوى فضل محنة وكلفة لرسول الله  [لأنه إذا أمر أن يقوم فيما بينهن بالعدل، وأن يبتغي مرضاتهن بحسن العشرة معهن، وإنما يصل المرء إلى الإرضاء بالأموال، ولم يتمتع هو من الدنيا مقدار ما يصل إلى إرضائهن بالأموال، ولم يتهيأ له أن يصيبهن إلا بسعة الأخلاق، وأن يبين لهن لتقر أعينهن ولا يحزن - فثبت أنه ليس في إباحة العدد فضل تمتع، بل فيه زيادة محنة وابتلاء.

وفيه أيضا ما يحقق رسالته، ويثبت نبوته؛ لأن المرء إنما يصل إلى توفير الحقوق الواجبة عليه بالنكاح إذا تناول من فضول الدنيا وطعم لذاتها، وأعطى النفس شهواتها، ثم رسول الله  كان ممنوعا من إعطائه النفس شهواتها، ومع ذلك قام بإيفاء حقوق الأزواج؛ فثبت أنه باللطف من الله  وصل إلى إيفاء حقهن، ليس بأسباب البشرية.

وفي هذه الآية دلالة أن الصلاة تشتمل على الذكر والفعل جميعا؛ لأنه قال: أشد على البدن، وشدته تكون بالفعل، وقال: ﴿ وَأَقْوَمُ قِيلاً ﴾ ، وذلك يرجع إلى الذكر.

ثم يجوز أن يكون رسول الله  لم يكلف تبليغ الرسالة بالليالي؛ لأن أعداءه من الفراعنة وغيرهم كانت همتهم أن يقتلوه ويمكروا [به]، ولم يكن يتهيأ لهم إيصال الأذى به؛ لمكان أتباعه، والليالي هي أوقات غفلة الأتباع، [فلو] كلف التبليغ فيها لتمكنوا من إيصال المكر به؛ فوضع عنه التبليغ، وامتحنه بالقيام لعبادة ربه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ ﴾ قيل: هو من نشأ ينشأ، أي: نما، فسميت: ناشئة؛ لأن الأوقات تحدث، وتترادف.

وجائز أن يكون المراد من ناشئة الليل، أي: ما يوجد من الأحوال في الليل من القيام للصلاة، والاشتغال بعبادة الرب،  .

وقوله: ﴿ وَأَقْوَمُ قِيلاً ﴾ ، أي: أصوب كلاما، والأقوم: هو المبالغة في الوصف بما أريد بالقيام؛ فإن أريد به الكلام، فحقه أن نصرفه إلى الصدق؛ إذ الأقوم من الأخبار أصدقها، وإن أريد به القيام بقاء ما يقتضيه لك الكلام فمعنى قوله ﴿ أَقْوَمُ ﴾ ، أي: أبلغ في وفاء ما يوجبه القول، وإن أريد [به] القراءة نفسها فهو بالليالي أقوم قراءة.

[و] قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً ﴾ : أي: فراغا وسعة ومنقلبا؛ فالسبح يذكر ويراد به الفراغ، ويذكر ويراد به المشي والتقلب، وهذا الذي قالوه محتمل، ولكن لا يجيء أن يصرف تأويل الآية إلى الفراغ، والتقلب إلى حوائج نفسه؛ لأن رسول الله  لم يكن يتناول من الدنيا إلا قدر ما يقيم به مهجته؛ فلا يحتاج إلى فضل تقلب، ولا إلى كثير فراغ؛ ليتوسع في أمر دنياه.

ولكن حقه أن يصرف قلبه إلى تبليغ الرسالة، ودعاء الخلق إلى توحيد الله  ، وإلى ما يحق عليهم؛ فيكون في قوله: ﴿ إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً ﴾ ترخيص لرسول الله  في أن ينصب بالليالي للقيام بين يديه، واجتزأ منه بتبليغ الرسالة بالنهار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ ﴾ : أي: اذكر ربك؛ دليله قوله على أثره: ﴿ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً ﴾ ، والتبتل يقع إليه لا إلى اسمه، ثم ذكر المولى  - هو أن ينظر إلى أحوال نفسه، ما الذي يلزمه من العبادة في تلك الحال؟

فيكون ذكر ربه بإقامة تلك العبادة، لا بأن يذكر الله  بلسانه فقط، وهو كقوله: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً  ﴾ ، واستغفارهم أن يأتمروا بما أمروا، وينتهوا عما نهوا، لا أن يقولوا بألسنتهم: "نستغفر الله"؛ لأنهم وإن قالوا "نستغفر الله"، لم يقبل ذلك منهم إذا كانوا كفرة؛ فثبت أن استغفارهم أن يجيبوا إلى ما دعاهم إليه نوح؛ فكذلك ذكر الله  يقع بوفاء ما يلزمهم حالة القيام به، وذلك يكون بالأفعال مرة، وبالأقوال ثانيا.

ومنهم من صرف الأمر إلى الاسم على ما يؤديه ظاهر اللفظ، فأمر بذكر اسم الرب لما يحصل له من الفوائد بذكره؛ لأن من أسمائه أسماء ترغبه في اكتساب الخيرات] والإقبال على [عبادة الرب]، ومنها ما يدعو الذاكر إلى الخوف والرهبة، ومنها ما يوقفه على عجائب حكمته، ولطيف تدبيره، وتقرير سلطانه وعظمته في قلبه، ومنها ما يحدث له زيادة علم وبصيره، وهي الأسماء المشتقة من الأفعال، فإذا تأمل فيها عرف الوجه الذي منه اشْتَقَّ تلك الأسماء، فذكر أسمائه يحدث له ما ذكرنا من الفوائد والعلوم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً ﴾ .

التبتل هو الانقطاع إلى الله  ، وأن يقطع نفسه من شهواتها، ويصرفها عن لذاتها؛ فكأنه قال: وتبتل إليه، وبتل نفسك تبتيلا من الشهوات واللذات؛ ولذلك سميت مريم -  ا -: البتول؛ لأنها قطعت نفسها عن منافع الدنيا، وأقبلت إلى الآخرة، وانقطعت إليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: تأويله: [ملك المشرق والمغرب]، وحقه أن يقال: مالك المشرق والمغرب؛ لأنه هو المالك على التحقيق.

وقال بعضهم: الرب هو المصلح، ثم خص المشرق والمغرب بالذكر وإن كان هو مالكهما ومالك الخلائق أجمع؛ لأن ذكر المشرق يقتضي ذكر السماوات والأرضين، وفي ذكر السماوات والأرضين ذكر أعلى العليين وأسفل السافلين؛ لأنه إذا نظر إلى المشرق ورأى ما يطلع في المشرق من عين الشمس، ثم تجري في أقطار السماء، وتقطع كل يوم مسيرة ألف عام، ثم تغرب في عين حمئة؛ فتصير إلى أسفل السافلين، وتجري كذلك حتى تصل إلى مطلعها، ثم تطلع هنالك؛ فدل ذلك على أن مدبر السماوات والأرضين ومنشئهما واحد، وأن سلطانه في الأرض كسلطانه في السماء، ويعلم أن من بلغت قدرته هذا المبلغ في أن يسير عين الشمس في يوم واحد مسيرة ألف عام ما يشتد على الخلق قطع هذه المسافة في مدد كثيرة - لا يجوز أن يعجزه شيء، ودل على أن ملكه دائم لا ينقطع؛ لأن عين الشمس تجري في كل يوم، على ما سخرت، لا تتبدل، ولا تتغير باختلاف الأزمنة والأوقات، وجعل منافع أهل الأرض متصلة بمنافع السماء، ولو لم يكن مدبرهما واحدا لارتفع الاتصال، وانقطعت منافع السماء عن أهل الأرض؛ فكان في ذكر المشرق والمغرب دلالة وحدانيته، وإظهار قوته وسلطانه، والوقوف على عجائب حكمته ولطائف تدبيره.

ثم تخصيص ذكر المشرق والمغرب دون السماء والأرض؛ هو - والله أعلم - لأن هذا أوصل إلى معرفة التوحيد، وأسرع إلى الإدراك من ذكر السماوات والأض، وإن كان في [التدبر في] أمر السماء والأرض تحقيق ذلك.

وفي قوله - عز وجل -: ﴿ رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ ﴾ ، أي: الذي أمرت بذكره هو رب المشرق والمغرب، وفيه تعريف الوجه الذي يوصل إلى معرفة ربوبيته.

وقوله: ﴿ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ ، أي: لا معبود يستحق العبادة إلا هو؛ لأن الذي يحمل الإنسان على عبادة المعبود الخوف والرجاء، وإذا عرفهم بذكر المشرق والمغرب أن تدبير الخلائق كلها راجع إليه، وأنه هو القاهر عليهم والقادر [عليهم]، وبيده الخزائن والمنافع أجمع، علموا أنه هو الإله الحق، والرب القاهر، وأن من سواه مربوب مقهور، لا يملك نفعا ولا ضرّاً، فكيف يستوجب العبادة والإلهية؟!.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً ﴾ : جائز أن يكون أراد به أن كِلْ أمورك كلها إلى الله  حتى يكون هو الذي يدبر ويحكم، ولا تر لنفسك فيها تدبيرا.

والوكيل في الشاهد هو الذي يدخل في أمر آخر على جهة التبرع؛ لينصره فيه، ويعينه؛ فيكون قوله: ﴿ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً ﴾ ، أي: اطلب من عنده النصر والمعونة، والمرء في الشاهد إنما يفزع إلى الوكيل؛ ليزيح [عن نفسه] علله، ويقضي عنه حوائجه، ويقوم عنه في النوائب؛ فكأنه يقول: افزع إلى الله  في نوائبك، فيكون هو الذي يزيح عنك العلل، ويقضي عنك الحوائج، ويكون معتمدك في النوائب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ﴾ .

قال أهل التفسير: تأويله: اصبر على تكذيبهم إياك؛ ألا ترى إلى قوله في سياق الآية: ﴿ وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ ﴾ ، فثبت أنه دعي إلى الصبر على التكذيب.

وجائز أن يكون منصرفا إلى هذا وإلى غيره؛ لأنهم كانوا لا يقتصرون على تكذيبه، بل كانوا ينسبونه إلى الكذب مرة، وإلى السحر ثانيا، وإلى الجنون ثالثا، وإلى أنه يتيم رابعا؛ فكانوا يؤذونه بأنواع الأذى؛ فجائز أن يكون قوله: ﴿ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ﴾ منصرفا إلى كل ذلك.

ثم الأمر بالصبر يقع بخصال ثلاث: أحدها: ألا تجازهم على تكذيبهم إياك تكذيبك إياهم، أو لا تجزع عليهم، وفي الجزع بعض التسلي والتشفي.

ولا تدع عليهم بالهلاك والتبار بل اصبر لذلك.

ولقائل أن يقول: كيف كان يشتد عليه تكذيبهم إياه حتى كاد يتحزن لذلك، والذين نسبوه إلى الكذب كانوا من أعدائه، وليس يستثقل التكذيب من العدو، ولا يستكثر منه؛ لأنه بما يعاديه يعتقد أن يسيء إليه بجميع ما يمكنه وسعه، وإنما يستثقل التكذيب من أهل الصفوة والمودة؛ فكيف استثقله؟

وكيف بلغ به التكذيب مبلغا يحزن به؛ حتى يدعى إلى الصبر بقوله: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ...

﴾ الآية [الأنعام: 33]، وبقوله: ﴿ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ﴾ ؟

والجواب عن هذا أن الكذب والجهل مما يستثقلهما العقل والطبع جميعا، وكذلك التكذيب والتجهيل، أمر ثقيل على الطبع والعقل جميعا، حتى إن الكذاب إذا نسب إلى الكذب، اشتد عليه ذلك، ولم يتحامل، وكذلك الجهول إذا عرف بالجهل، ثقل ذلك عليه؛ فإذا كان التكذيب مستقبحا في عقول الخلق وطبائعهم، وإن كانت طبائعهم مشوبة بالآفات وفي عقولهم نقص، فرسول الله  مع صفاء عقله، وسلامة طبعه عن الآفات أحق أن يثقل عليه؛ فيحزن لذلك.

ثم ما من إنسان ينسب إلى الكذب فيما يحدث عن نفسه أو عمن سواه من الخلائق ممن علت رتبتهم أو انحطت إلا وهو يجد لذلك ثقلاً، فكيف إذا أخبر [عن] الله  وكذب فيه، أليس هذا أحق أن يثقل على القلب ويتحزن له؟!

ويجوز أن يكون حمله على الحزن شدة إشفاقه على المكذبين؛ لأن تكذيبهم يفضي بهم إلى العطب والهلاك؛ فأشفق عليهم باشتغالهم بما به هلاكهم، وحزن لذلك.

أو يكون حزنه غضبا لله  ؛ إذ الرسل كانوا يغضبون لله  ، ويشتدون على أعدائه.

والجواب عن قوله: إن المكذبين كانوا من أعدائه، فكيف اشتد عليه تكذيبهم، وذلك أمر غير مستشنع من الأعداء؟

فنقول: إن رسول الله  كان يعاملهم معاملة الولي مع وليه الصفي، ولم يكن يعاملهم بما يعامل به الأعداء؛ لأنه كان يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم وشرفهم في أمر دنياهم وآخرتهم، ومن عامل آخر معاملة أقرب الأصفياء معه، كان الحق عليهم أن يجازوه بالإحسان؛ فإذا تركوا ذلك، وقابلوه بالتكذيب، اشتد عليه، وحزن لذلك.

ثم في قوله: ﴿ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ﴾ ، وفي قوله: ﴿ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ  ﴾ إبطال قول من قال: إن الله  لا يفعل بعبده إلا ما هو أصلح له؛ لأنا نعلم أنه إذا أذن لنبي من الأنبياء بالدعاء على استعجال الهلاك، واستجيب [له] فيما دعا، كان فيه ما يحمل القوم على الإيمان، ويردعهم عن التكذيب؛ لأنهم يخافون حلول النقمة عليهم؛ فيتركون التكذيب، ويقبلون على الإجابة؛ فيكون فيه نجاتهم عن الهلاك، وشرفهم في أمر دنياهم وآخرتهم، فإذا لم يؤذن دل أنه ليس من شرط الله  أن يفعل بعباده ما هو أصلح لهم.

فإن قيل: كيف لم يؤذن بالدعاء عليهم؛ ليحملهم ذلك على الإسلام، ويمنعهم عن التكذيب؟

قيل له: لأن فيما ذكرته رفع المحنة والابتلاء؛ لأن الحجة إذ ذاك تقع من جهة الضرورة؛ لأنهم إذا علموا أنهم يستأصلون بالتكذيب، امتنعوا عنه، وأجابوا إلى الإسلام كرها؛ فتصير الحجج اضطرارية، لا تمييزية واختيارية، وحجج الرسل - عليهم السلام - اختيارية، لا ضرورية؛ لما ذكرنا أنها لو جعلت اضطرارية، لارتفعت المحنة؛ فجعلت حججهم من وجه يقع بها الشبه؛ ليوصل إلى معرفتها بالفكر؛ لئلا ترتفع المحنة.

فإن قال قائل: إن أبا حنيفة - رحمه الله - ذكر في كتاب العالم والمتعلم: أن إيمان الملائكة وإيمان الرسل وإيماننا واحد، ثم قال: فإذا استوينا نحن والرسل في الإيمان، فكيف صار الثواب لهم أكمل، وخوفهم من الله أشد؟

فأجاب عن هذا السؤال بأجوبة، وقال في جملة ما أجاب: إنهم لو ارتكبوا الزلات يحل بهم العقاب عقيب الزلل؛ فصار خوفهم بالله  ألزم من هذه الجهة.

ولسائل أن يسأل على هذا، فيقول: فإذن إيمانهم بالله  ، وتركهم المعاصي ضروري لا اختياري؟!

فيجاب عنه بأن يقال بأن الأنبياء - عليهم السلام - لم يُبَيَّنْ لهم العصمة، بل كانوا على خوف من وقوعهم في المهالك؛ ألا ترى إلى قول إبراهيم -  -: ﴿ وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ  ﴾ ، ولو كانت العصمة له ظاهرة، لكان يستغني عن السؤال.

وقال في قصة شعيب -  -: ﴿ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً  ﴾ ، فثبت أنه لم يبين لهم العصمة، ونحن إنما شهدنا لهم بالعصمة بالوجود؛ لأن الحكمة توجب العصمة، والرسل - عليهم السلام - أمروا بتبليغ الرسالة، ولم يؤذن لهم بالنظر في أمر من تقدمهم من الرسل؛ ليظهر لهم العصمة بالتدبر والتفكر؛ فثبت أنهم كانوا على الخوف والرجاء في فكاك أنفسهم، وفي وقوعها [في المهالك]، وأن إيمانهم بالله  لم يكن ضروريّاً، بل وصلوا إلى معرفته بالتمييز؛ لذلك عظمت درجاتهم.

والثاني: أن الأنبياء - عليهم السلام - قد كان تقرر في قلوبهم هيبة الله  وعظمته؛ فكانت المعرفة هي التي دعتهم إلى الإيمان به، لا خوف حلول العقوبة بهم لو ارتكبوا الزلات، وأما الكفرة، فلم يعرفوا عظمة الله  ، ولا قدرته، ولا سلطانه حتى يحملهم ذلك على الإيمان به، فلو حلت العقوبة بهم بالتكذيب، لكان الخوف هو الذي يحملهم على الإيمان لا غير؛ فيصير إيمانهم ضروريا؛ فلهذا لم يعاقبوا بالتكذيب؛ لئلا ترتفع المحنة، وخولف بينهم وبين غيرهم، وهذا كما نقول بأن أنباء من تقدم من الرسل حجة لرسولنا  في إثبات نبوته، وإن كانت تلك الأنباء قد عرفها أهل الكتاب، وأخبروا بها؛ لأن أهل الكتاب عرفوا تلك الأنباء بالتعلم والتلقين، ولم يختلف رسول الله  إلى من عنده علم تلك الأنباء؛ فعلم أنه بالله  علم، لا بتعليم أحد؛ فصارت الأنباء حججا لذلك، ولو لم تصر لغيره حجة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً ﴾ : جائز أن يكون تأويله: اهجرهم وقت سبهم، ونسبتهم إياك إلى ما لا يليق بك، ولا تعبأ بهم، ولا تكترث إليهم، وإلى ما يتقولون عليك؛ لأن ذلك بعض ما يزجر المتقول والساب عما هو فيه، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً  ﴾ .

ويحتمل أن يكون تأويله: أن انقطع عنهم انقطاعا جميلا، والانقطاع الجميل: ألا يترك شفقته عليهم، ولا يدعو عليهم بالهلاك، ولا يمتنع عن دعائهم إلى ما فيه رشدهم وصلاحهم؛ ولذلك قال في وقت أذاهم إياه: "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون" ويحتمل أن يكون هجره إياهم هجرا جميلا هو ألا يكافئهم بالسيئة السيئة، بل يدفع السيئة بالحسنة؛ كقوله  : ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ ﴾ \[المؤمنون: 96\]؛ إذ ذاك أدعى للخلق إلى إجابة من يفعل ذلك بهم عند المعاملة، والله أعلم.

ثم من الناس من يقول بأن هذه الآية نسختها آية السيف.

ومنهم من قال بأنها لم تنسخ، وصرفوا تأويل الآية إلى جهة لا يعمل عليها النسخ، وذلك أن في قوله: ﴿ وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً ﴾ منع المكافأة لأجل ما آذوه، ولم يفرض عليه القتال؛ ليكافئهم بأذاهم، وينتقم منهم بذلك؛ بل رجع قتاله إلى نصرة الدين؛ ولتكون كلمة الله  هي العليا؛ لذلك لم يكن في آية السيف ما يوجب نسخ هذا، ولا نسخ العمل بقوله: ﴿ فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ  ﴾ .

الثاني: أنه ليس في قتالهم انتقام منهم، بل فيه ما يدعوهم إلى الإيمان بالله  ورسوله، وإذا آمنوا بذلك نجوا من العقاب، وفازوا بعظيم الثواب؛ فيصير القتال رحمة لهم لا عقوبة.

ووجه جعله رحمة: هو أنهم إذا رأوا غلبة المسلمين عليهم مع قلة عددهم والضعف الذي حل بأبدانهم؛ لاشتغالهم بعبادتهم ربهم، وكثرة عدد المشركين مع قوة أبدانهم - أيقنوا أنهم لم ينالوا الغلبة بالحيل والأسباب؛ بل الله  هو الذي قواهم عليهم، وقام بنصرهم؛ فيتقرر عندهم كون أهل الإسلام على الحق، وإذا أيقنوا بالحق التزموه فيحرزون به جزيل الثواب، وكريم المآب؛ فصار القتال رحمة لهم، لا أن يكون عقوبة عليهم؛ لسوء صنيعهم، وإذا كان كذلك، بقي العمل بقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً ﴾ ثابتا باقيا، وبهذا يجاب من سأل فقال: إن الله  يقول لنبيه  : ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ ، وفي القتال ترك الرحمة؛ فيكف فرض عليه؟

فيقال أن ليس في القتال ترك الرحمة؛ بل هو من أبلغ الرحمة وتمامها؛ إذ يحملهم على الإيمان، وترك التكذيب؛ فتعلو منزلتهم، ويشرف قدرهم في الدنيا والآخرة، والله أعلم.

وجواب آخر: أن يقال بأن الحجة في القتال ليس في القتل؛ لأنهم إذا خافوا القتال، تركوا التكذيب، وأقبلوا على الداعي؛ ألا ترى أنه ذكر أن القوم قبل أن يفرض عليهم القتال، كان يدخل الواحد منهم بعد الواحد في هذا الدين؛ فلما شرع القتال، جعلوا يدخلون فيه فوجا فوجا، وقبيلة قبيلة.

ثم إباحة القتل يكون بالضرورة؛ لأنهم إذا علموا [أنهم] لا يقتلون، لم يقع لهم الخوف بالقتال، وإذا لم يخافوا تركوا الإجابة؛ فشرع القتل فيه؛ لتحقيق الخوف؛ فلم يكن فيه ترك الرحمة، وهو كقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ  ﴾ ، وفي إقامة القصاص تلف النفس، وليس فيه إحياء، ولكن وجه الإحياء فيه: هو أن القاتل إذا فكر [في] قتل نفسه بقتل صاحبه، ردعه ذلك عن القتل؛ فيكون فيه إحياء النفسين جميعا؛ فيصير إيجاب القصاص سببا للإحياء في الحقيقة، وإن كان في الظاهر سببا للإتلاف؛ فكذلك هؤلاء إذا أيقنوا بالقتل بامتناعهم عن الإجابة، تركوا الامتناع، وأقبلوا على الإجابة؛ فيكون موضوع القتل للرحمة في التحقيق، وإن كان في الظاهر خارجا مخرج ترك الرحمة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ ﴾ ففيه أن أهل الخصب والرغد هم الذين اشتغلوا بالتكذيب، وهم الذين كانوا يصدون الناس عن سبيل الله؛ كما قال: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا  ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ  ﴾ ؛ فخص أولي النعمة بالذكر لهذا.

ثم في قوله: ﴿ وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ إيهام بأن رسول الله  سبق منه المنع، ولم يوجد من رسول الله حيلولة ومنع، ولكن مثل هذا الخطاب موجود في كتاب الله  في غير آي من كتابه، وهو أن يخرج مخرجا يوهم أن هناك مقدمة، وإن لم يكن فيها مقدمة في التحقيق؛ قال الله  : ﴿ وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا  ﴾ ، ولم يكن فيه تحقيق الوضع، وإن كان الرفع يستعمل في الشيء الموضوع؛ فكان تأويل الرفع هاهنا بأنها خلقت مرفوعة.

وقال: ﴿ وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ  ﴾ ، ولم تكن مرفوعة فوضعها، وكان معناه: أنها خلقت موضوعة.

وقال يوسف -  -: ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ  ﴾ ، ولم يسبق منه دخول في دين أولئك؛ فيكون تاركا له بعدما دخل فيه.

وقال الله  : ﴿ ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ  ﴾ ، ولم يقتضِ قوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ كونهم في الظلمات، ولا اقتضى قوله: ﴿ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ ﴾ كونهم في النور، فيخرجهم منه، وإن كان في الظاهر يؤدي ذلك؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ وإن كان في الظاهر يقتضي حيلولة ومنعا، فليس في الحقيقة إثبات منع.

ويذكر غير هذا في سورة المدثر.

ثم قوله: ﴿ وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ معناه: لا تجازهم بصنيعهم، ولا تستعجل عليهم بالدعاء؛ بل أمهلهم قليلا ﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ  ﴾ .

وقيل في الفرق بين النِّعَمِ والنَّعْمَةِ: إن النَّعْمَة ما يعطى للعبد إرادة استدراجه فيها وهلاكه، كقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ  ﴾ ، والنعم هي منة الله  على عباده؛ تفضلا عليهم، كقوله، ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً  ﴾ ، والله أعلم.

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً * وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً ﴾ .

قال ابن عباس -  -: الأنكال هي السلاسل والقيود.

وقال أبو بكر الأصم: الأنكال: ما ينكل به ويعتبر به غيره؛ قال الله  : ﴿ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً  ﴾ تأويله ما بين يديها من القرى وما خلفها من القرى أيضا.

فإن كان على ما ذكره أبو بكر الأصم فقد يكون في الدنيا، ويكون منصرفا إلى يوم بدر [وكأن الأول أشبه.

والجحيم: هو معظم النار.

ثم في هذه الآية دلالة نبوة نبينا  ، وآية رسالته] لأن قوله: ﴿ إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً ﴾ راجع إلى قوله: ﴿ وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ ﴾ ، فإن لهم لدينا أنكالا وجحيما، وإنما ينكلون ويعذبون بالجحيم إذا ماتوا على الكفر؛ ففيه إبانة أنهم يموتون وهم كفار، وعلى ذلك ماتوا، وختم أمرهم، ولم يسلم منهم أحد؛ فيخرج ما أخبر عن غيب كما أخبر، وذلك لا يعلم لا بالله -  - فثبت أنه لم يخترعه من تلقاء نفسه، بل علم بالله  ، وعلم الغيب من أعظم آيات رسالته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً ﴾ فالذي يغص، ولا يقدر على ابتلاعه ليس بطعام في الحقيقة، وقال: ﴿ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ  ﴾ والحميم ليس بشراب في التحقيق؛ ولكن سمي الأول: طعاما؛ لأنه يمضغ مضغ الطعام، والصديد والحميم يسيلان سيل الشراب، فذكر في الأول طعاما، وفي الثاني شرابا لهذا.

ولأن الطعام اسم لما يطعم؛ فهو مطعوم، وإن كان كريها، والحميم مشروب وإن كان في نفسه كريها.

ثم الأصل أن الكفرة بكفرهم تركوا شكر نعم الله -  ذكره - وقابلوها بالكفران؛ فأبدل الله  لهم في الآخرة مكان كل نعمة نقمة؛ ألا ترى إلى قوله  : ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً  ﴾ ، فأبدلهم مكان البصر عمى، ومكان السمع صمما؛ لتركهم شكر ما أنعموا من البصر والسمع واللسان، وأبدلهم مكان اللباس قطرانا، ومكان المراكب: السحْب إلى النار على أقدامهم ووجوههم؛ فكذلك أبدلهم مكان الطعام والشراب زقوما وحميما؛ لتركهم شكر نعم الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً ﴾ .

قد ذكرنا الرجفة في غير موضع.

وقوله: ﴿ كَثِيباً مَّهِيلاً ﴾ ، أي: رملا سائلا؛ ففيه إخبار عن شدة هول ذلك اليوم؛ لأن الجبال من أصلب الأشياء وأشدها في أنفسها، ثم يبلغ هول ذلك اليوم مبلغا لا يحتمله الجبال مع شدتها وصلابتها، فالإنسان الضعيف المهين أنى يقوم لشدته وهوله؟

فذكرهم حال ذلك اليوم؛ ليرتدعوا، وينتهوا عما هم عليه في التكذيب والضلال.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أو زد عليه حتَّى تبلغ الثلثين، وبيّن القرآن إذا قرأته وتمهّل في قراءته.

<div class="verse-tafsir" id="91.evrbn"

مزيد من التفاسير لسورة المزمل

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله