الآية ١٥ من سورة القيامة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 75 القيامة > الآية ١٥ من سورة القيامة

وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ ١٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 104 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥ من سورة القيامة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥ من سورة القيامة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقال مجاهد : ( ولو ألقى معاذيره ) ولو جادل عنها فهو بصير عليها .

وقال قتادة : ( ولو ألقى معاذيره ) ولو اعتذر يومئذ بباطل لا يقبل منه .

وقال السدي : ( ولو ألقى معاذيره ) حجته .

وكذا قال ابن زيد والحسن البصري ، وغيرهم .

واختاره ابن جرير .

وقال قتادة ، عن زرارة ، عن ابن عباس : ( ولو ألقى معاذيره ) يقول : لو ألقى ثيابه .

وقال الضحاك : ولو أرخى ستوره ، وأهل اليمن يسمون الستر : المعذار .

والصحيح قول مجاهد وأصحابه ، كقوله : ( ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ) [ الأنعام : 23 ] وكقوله ( يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون ) [ المجادلة : 18 ] .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( ولو ألقى معاذيره ) هي الاعتذار ، ألم تسمع أنه قال : ( لا ينفع الظالمين معذرتهم ) [ غافر : 52 ] وقال ( وألقوا إلى الله يومئذ السلم ) [ النحل : 87 ] ( فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء ) [ النحل : 28 ] وقولهم ( والله ربنا ما كنا مشركين )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ) يقول تعالى ذكره: بل للإنسان على نفسه من نفسه رقباء يرقبونه بعمله، ويشهدون عليه به.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ) يقول: سمعه وبصره ويداه ورجلاه وجوارحهوالبصيرة على هذا التأويل ما ذكره ابن عباس من جوارح ابن آدم وهي مرفوعة بقوله: ( عَلَى نَفْسِهِ ) ، والإنسان مرفوع بالعائد من ذكره في قوله: نفسه.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: بل الإنسان شاهد على نفسه وحده، ومن قال هذا القول جعل البصيرة خبرًا للإنسان، ورفع الإنسان بها.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ) يقول: الإنسان شاهد على نفسه وحده.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله: ( بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ) قال: شاهد عليها بعملها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ) إذا شئت والله رأيته بصيرا بعيوب الناس وذنوبهم، غافلا عن ذنوبه؛ قال: وكان يقال: إن في الإنجيل مكتوبا: يا ابن آدم تبصر القذاة في عين أخيك، ولا تبصر الجذع المعترض في عينك.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ) قال: هو شاهد على نفسه، وقرأ: اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ومن قال هذه المقالة يقول: أدخلت الهاء في قوله ( بَصِيرَةٌ ) وهي خبر للإنسان، كما يقال للرجل: أنت حجة على نفسك، وهذا قول بعض نحويِّي البصرة.

وكان بعضهم يقول: أدخلت هذه الهاء في بصيرة وهي صفة للذكر، كما أدخلت في راوية وعلامة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولو ألقى معاذيره ومعناه لو اعتذر بعد الإقرار لم يقبل منه .

وقد اختلف العلماء فيمن رجع بعدما أقر في الحدود التي هي خالص حق الله ; فقال أكثرهم منهم الشافعي وأبو حنيفة : يقبل رجوعه بعد الإقرار .

وقال به مالك في أحد قوليه ، وقال في القول الآخر : لا يقبل إلا أن يذكر لرجوعه وجها صحيحا .والصحيح جواز الرجوع مطلقا ; لما روى الأئمة منهم البخاري ومسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رد المقر بالزنا مرارا أربعا كل مرة يعرض عنه ، ولما شهد على نفسه أربع مرات دعاه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال : " أبك جنون ؟

" قال : لا .

قال : " أحصنت ؟

" قال : نعم .

وفي حديث البخاري : " لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت " .

وفي [ ص: 95 ] النسائي وأبي داود : حتى قال له في الخامسة " أجامعتها ؟

" قال : نعم .

قال : " حتى غاب ذلك منك في ذلك منها " قال : نعم .

قال : " كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر " .

قال : نعم .

ثم قال : " هل تدري ما الزنا " قال : نعم ، أتيت منها حراما مثل ما يأتي الرجل من أهله حلالا .

قال : " فما تريد مني ؟

قال : أريد أن تطهرني .

قال : فأمر به فرجم .

قال الترمذي وأبو داود : فلما وجد مس الحجارة فر يشتد ، فضربه رجل بلحي جمل ، وضربه الناس حتى مات .

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " هلا تركتموه " وقال أبو داود والنسائي : ليتثبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأما لترك حد فلا .

وهذا كله طريق للرجوع وتصريح بقبوله .

وفي قوله - عليه السلام - : " لعلك قبلت أو غمزت " إشارة إلى قول مالك : إنه يقبل رجوعه إذا ذكر وجها .وهذا في الحر المالك لأمر نفسه ، فأما العبد فإن إقراره لا يخلو من أحد قسمين : إما أن يقر على بدنه ، أو على ما في يده وذمته ; فإن أقر على ما في بدنه فيما فيه عقوبة من القتل فما دونه نفذ ذلك عليه .وقال محمد بن الحسن : لا يقبل ذلك منه ; لأن بدنه مستغرق لحق السيد ، وفي إقراره إتلاف حقوق السيد في بدنه ; ودليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم - : من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله ، فإن من يبد لنا صفحته نقم عليه الحد .

المعنى أن محل العقوبة أصل الخلقة ، وهي الدمية في الآدمية ، ولا حق للسيد فيها ، وإنما حقه في الوصف والتبع ، وهي المالية الطارئة عليه ; ألا ترى أنه لو أقر بمال لم يقبل ، حتى قال أبو حنيفة : إنه لو قال سرقت هذه السلعة أنه لم تقطع يده ويأخذها المقر له .وقال علماؤنا : السلعة للسيد ويتبع العبد بقيمتها إذا عتق ; لأن مال العبد للسيد إجماعا ، فلا يقبل قوله فيه ولا إقراره عليه ، لا سيما [ ص: 96 ] وأبو حنيفة يقول : إن العبد لا ملك له ولا يصح أن يملك ولا يملك ، ونحن وإن قلنا إنه يصح تملكه .

ولكن جميع ما في يده لسيده بإجماع على القولين .

والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ } فإنها معاذير لا تقبل، ولا تقابل ما يقرر به العبد ، فيقر به، كما قال تعالى: { اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا } .

فالعبد وإن أنكر، أو اعتذر عما عمله، فإنكاره واعتذاره لا يفيدانه شيئا، لأنه يشهد عليه سمعه وبصره، وجميع جوارحه بما كان يعمل، ولأن استعتابه قد ذهب وقته وزال نفعه: { فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولو ألقى معاذيره ) يعني يشهد عليه الشاهد ولو اعتذر وجادل عن نفسه لم ينفعه ، كما قال تعالى : " يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم " ( غافر - 52 ) وهذا قول مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير وابن زيد وعطاء : قال الفراء : ولو اعتذر فعليه من نفسه من يكذب عذره ومعنى الإلقاء : القول ، كما قال : فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون ( النحل - 86 ) .

وقال الضحاك والسدي : " ولو ألقى معاذيره " يعني : ولو أرخى الستور وأغلق الأبواب .

وأهل اليمن يسمون الستر : معذارا ، وجمعه : معاذير ، ومعناه على هذا القول : وإن أسبل الستر ليخفي ما يعمل ، فإن نفسه شاهدة عليه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولو ألقى معاذيره» جمع معذرة على غير قياس، أي لو جاء بكل معذرة ما قُبلت منه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

بل الإنسان حجة واضحة على نفسه تلزمه بما فعل أو ترك، ولو جاء بكل معذرة يعتذر بها عن إجرامه، فإنه لا ينفعه ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( وَلَوْ ألقى مَعَاذِيرَهُ ) أى : ولو جاء بكل معذرة يعتذر بها عن نفسه ويجادل عنها .وعن الضحاك : ولو أرخى ستوره ، وقال : المعاذير : الستور ، واحدها معذار ، فإن صح فلأنه يمنع رؤية المحتجب ، كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب .فإن قلت : أليس قياس المعذرة أن تجمع لا معاذير؟

قلت : المعاذير ليس بجمع معذرة ، إنما هو اسم جمع لها .ونحوه : المناكير فى المنكر .فالمقصود بهاتين الآيتين : بيان أن الإِنسان لن يستطيع أن يهرب من نتائج عمله مهما حاول ذلك ، لأن جوارحه شاهدة عليه ، ولأن أعذاره لن تكون مقبولة ، لأنها جاءت فى غير وقتها ، كما قال - تعالى - : ( لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ .

إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ .

فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ .

ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

للمفسرين فيه أقوال: الأول: قال الواحدي: المعاذير جمع معذرة يقال: معذرة ومعاذر ومعاذير: قال صاحب الكشاف جمع المعذرة معاذر والمعاذير ليس جمع معذرة، وإنما هو اسم جمع لها، ونحوه المناكير في المنكر، والمعنى أن الإنسان وإن اعتذر عن نفسه وجادل عنها وأتى بكل عذر وحجة، فإنه لا ينفعه ذلك لأنه شاهد على نفسه القول الثاني: قال الضحاك والسدي والفراء والمبرد والزجاج المعاذير الستور واحدها معذار، قال المبرد: هي لغة يمانية، قال صاحب الكشاف: إن صحت هذه الرواية فذاك مجاز من حيث إن الستر يمنع رؤية المحتجب كما تمنع المعذرة عقوبة الذنب، والمعنى على هذا القول: أنه وإن أسبل الستر ليخفي ما يعمل، فإن نفسه شاهدة عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ بَرِقَ البصر ﴾ تحير فزعا؛ وأصله من برق الرجل إذا نظر إلى البرق فدهش بصره.

وقرئ: ﴿ برق ﴾ من البريق، أي لمع من شدة شخوصه.

وقرأ أبو السمال ﴿ بلق ﴾ إذا انفتح وانفرج.

يقال: بلق الباب وأبلقته وبلقته: فتحته ﴿ وَخَسَفَ القمر (8) ﴾ وذهب ضوؤه، أو ذهب بنفسه.

وقرئ: ﴿ وخسف ﴾ على البناء للمفعول ﴿ وَجُمِعَ الشمس والقمر (9) ﴾ حيث يطلعهما الله من المغرب.

وقيل: وجمعا في ذهاب الضوء وقيل: يجمعان أسودين مكوّرين كأنهما ثوران عقيران في النار.

وقيل يجمعان ثم يقذفان في البحر، فيكون نار الله الكبرى ﴿ المفر ﴾ بالفتح المصدر؛ وبالكسر: المكان.

ويجوز أن يكون مصدراً كالمرجع.

وقرئ بهما ﴿ كَلاَّ ﴾ ردع عن طلب المفرّ ﴿ لاَ وزر ﴾ لا ملجأ، وكل ما التجأت إليه من جبل أو غيره وتخلصت به فهو وزرك ﴿ إلى رَبِّكَ ﴾ خاصة ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ مستقرّ العباد، أي استقرارهم.

يعني: أنهم لا يقدرون أن يستقرّوا إلى غيره وينصبوا إليه أو إلى حكمه ترجع أمور العباد، لا يحكم فيها غيره، كقوله: ﴿ لّمَنِ الملك اليوم ﴾ [غافر: 16] ، أو إلى ربك مستقرّهم، أي: موضع قرارهم من جنة أو نار، أي: مفوّض ذلك إلى مشيئته، من شاء أدخله الجنة ومن شاء أدخله النار ﴿ بِمَا قَدَّمَ ﴾ من عمل عمله ﴿ و ﴾ بما ﴿ أَخَّرَ ﴾ منه لم يعمله أو بما قدم من ماله فتصدق به، وبما أخره فخلفه.

أو بما قدم من عمل الخير والشر، وبما أخر من سنة حسنة أو سيئة فعمل بها بعده.

وعن مجاهد: بأوّل عمله وآخره.

ونحوه: فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه ﴿ بَصِيرَةٌ ﴾ حجة بينة وصفت بالبصارة على المجاز، كما وصفت الآيات بالإبصار في قوله: ﴿ فَلَمَّا جَاءتْهُمْ ءاياتنا مُبْصِرَةً ﴾ [النمل: 13] أو عين بصيرة.

والمعنى أنه ينبأ بأعماله وإن لم ينبأ، ففيه ما يجزئ عن الإنباء؛ لأنه شاهد عليها بما عملت؛ لأنّ جوارحه تنطق بذلك ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [النور: 24] ، ﴿ وَلَوْ ألقى مَعَاذِيرَهُ ﴾ ولو جاء بكل معذرة يعتذر بها عن نفسه ويجادل عنها.

وعن الضحاك: ولو أرخى ستوره، وقال: المعاذير الستور، واحدها معذار، فإن صح فلأنه يمنع رؤية المحتجب، كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب.

فإن قلت: أليس قياس المعذرة أن تجمع معاذر لا معاذير؟

قلت: المعاذير ليس بجمع معذرة، إنما هو اسم جمع لها، ونحوه: المناكير في المنكر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾ حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ عَلى أعْمالِها لِأنَّهُ شاهِدٌ بِها، وصَفَها بِالبِصارَةِ عَلى المَجازِ، أوْ عَيْنٌ بَصِيرَةٌ فَلا يَحْتاجُ إلى الإنْباءِ.

﴿ وَلَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ ﴾ وَلَوْ جاءَ بِكُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يَعْتَذِرَ بِهِ جَمْعُ مِعْذارٍ وهو العُذْرُ، أوْ جَمْعُ مَعْذِرَةٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ كالمَناكِيرِ في المُنْكَرِ فَإنَّ قِياسَهُ مَعاذِرُ وذَلِكَ أوْلى وفِيهِ نَظَرٌ.

﴿ لا تُحَرِّكْ ﴾ يا مُحَمَّدُ، ﴿ بِهِ ﴾ بِالقُرْآنِ.

﴿ لِسانَكَ ﴾ قَبْلَ أنْ يَتِمَّ وحْيُهُ.

﴿ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ لِتَأْخُذَهُ عَلى عَجَلَةٍ مَخافَةَ أنْ يَنْفَلِتَ مِنكَ.

﴿ إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ ﴾ فِي صَدْرِكَ.

﴿ وَقُرْآنَهُ ﴾ وَإثْباتَ قِراءَتِهِ في لِسانِكَ وهو تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ.

﴿ فَإذا قَرَأْناهُ ﴾ بِلِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْكَ.

﴿ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾ قِراءَتَهُ وتَكَرَّرْ فِيهِ حَتّى يَرْسَخَ في ذِهْنِكَ.

﴿ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ﴾ بَيانَ ما أشْكَلَ عَلَيْكَ مِن مَعانِيهِ، وهو دَلِيلٌ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ، وهو اعْتِراضٌ بِما يُؤَكِّدُ التَّوْبِيخَ عَلى حُبِّ العَجَلَةِ لِأنَّ العَجَلَةَ إذا كانَتْ مَذْمُومَةً فِيما هو أهَمُّ الأُمُورِ وأصْلُ الدِّينِ فَكَيْفَ بِها في غَيْرِهِ، أوْ بِذِكْرِ ما اتُّفِقَ في أثْناءِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ.

وقِيلَ: الخِطابُ مَعَ الإنْسانِ المَذْكُورِ والمَعْنى أنَّهُ يُؤْتى كِتابَهُ فَيَتَلَجْلَجُ لِسانُهُ مِن سُرْعَةِ قِراءَتِهِ خَوْفًا، فَيُقالُ لَهُ: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ فَإنَّ عَلَيْنا بِمُقْتَضى الوَعْدِ جَمْعَ ما فِيهِ مِن أعْمالِكَ وقِراءَتَهُ، فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قِراءَتَهُ بِالإقْرارِ أوِ التَّأمُّلِ فِيهِ، ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَ أمْرِهِ بِالجَزاءِ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَوْ ألقى مَعَاذِيرَهُ} أرخى ستوره والمعذار الستر وقيل ولو جاء بكل معذرة ما قبلت منه فعليه من يكذب عذره والمعاذير ليس بجمع معذرة لأن جمعها معاذر بل هي اسم جمع لها ونحوه المناكير في المنكر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ ﴾ أيْ ولَوْ جاءَ بِكُلِّ مَعْذِرَةٍ يُمْكِنُ أنْ يَعْتَذِرَ بِها عَنْ نَفْسِهِ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنَّ في بَصِيرَةٌ أوْ مِن مَرْفُوعِ يُنَبَّؤُا أيْ هو عَلى نَفْسِهِ حُجَّةٌ وهو شاهِدٌ عَلَيْها ولَوْ أتى بِكُلِّ عُذْرٍ في الذَّبِّ عَنْها فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الذَّبَّ لا رَواجَ لَهُ أوْ يُنَبَّأُ بِأعْمالِهِ ويُجازى ويُعاقَبُ لا مَحالَةَ ولَوْ أتى بِكُلِّ عُذْرٍ فَهو تَأْكِيدٌ لِما يُفْهَمُ مِن مَجْمُوعِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ يُنَبَّأُ الإنْسانُ ﴾ إلَخِ.

والمَعاذِيرُ جَمْعُ مَعْذِرَةٍ بِمَعْنى العُذْرِ عَلى خِلافِ القِياسِ والقِياسُ مَعاذِرُ بِغَيْرِ ياءٍ وأطْلَقَ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ اسْمَ الجَمْعِ كَعادَتِهِ في إطْلاقِ ذَلِكَ عَلى الجُمُوعِ المُخالِفَةِ لِلْقِياسِ وإلّا فَهو لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ اسْمِ الجَمْعِ.

وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ الأصْلُ فِيهِ مَعاذِرُ فَحَصَلَتِ الياءُ مِن إشْباعِ الكَسْرَةِ وهو كَما تَرى أوْ جَمْعُ مِعْذارٍ عَلى القِياسِ وهو بِمَعْنى العُذْرِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بِهَذا المَعْنى لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الثِّقاتِ نَعَمْ قالَ السُّدِّيُّ والضَّحّاكُ: المَعاذِيرُ السُّتُورُ بِلُغَةِ اليَمَنِ واحِدُها مِعْذارٌ وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ أيْ ولَوْ أرْخى سُتُورَهُ، والمَعْنى أنَّ احْتِجابَهُ في الدُّنْيا واسْتِتارَهُ لا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا لِأنَّ عَلَيْهِ مِن نَفْسِهِ بَصِيرَةً وفِيهِ تَلْوِيحٌ إلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ  ﴾ الآيَةَ وقِيلَ البَصِيرَةُ عَلَيْهِ الكاتِبانِ يَكْتُبانِ ما يَكُونُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، فالمَعْنى بَلِ الإنْسانُ عَلَيْهِ كاتِبانِ يَكْتُبانِ أعْمالَهُ ولَوْ تَسَتَّرَ بِالسُّتُورِ ولا يَكُونُ في الكَلامِ عَلى هَذا شائِبَةُ تَجْرِيدٍ كَما تَقَدَّمَ، والإلْقاءُ عَلى إرادَةِ السُّتُورِ ظاهِرٌ وأمّا عَلى إرادَةِ الأعْذارِ فَقِيلَ شَبَّهَ المَجِيءَ بِالعُذْرِ بِإلْقاءِ الدَّلْوِ في البِئْرِ لِلِاسْتِقاءِ بِهِ فَيَكُونُ فِيهِ تَشْبِيهُ ما يُرادُ بِذَلِكَ بِالماءِ المَرْوِيِّ لِلْعَطَشِ ويُشِيرُ إلى هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ في ذَلِكَ ولَوْ أدْلى بِحُجَّةٍ وعُذْرٍ وقِيلَ المَعْنى ولَوْ رَمى بِأعْذارِهِ وطَرَحَها واسْتَسْلَمَ وقِيلَ ولَوْ أحالَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ كَما يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿ لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ  ﴾ ولَوْ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ إمّا أنْ يَكُونَ مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ مُنْسَلِخًا عَنْها كَما قِيلَ فَلا جَوابَ لَها، وإمّا أنْ يَكُونَ باقِيًا فِيها فالجَوابُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلُ.

واسْتَظْهَرَ الخَفاجِيُّ الأوَّلَ وفي الآيَةِ عَلى بَعْضِ وُجُوهِها دَلِيلٌ كَما قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ عَلى قَبُولِ إقْرارِ المَرْءِ عَلى نَفْسِهِ وعَدَمِ قَبُولِ الرُّجُوعِ عَنْهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنِّسائِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ مَعًا في الدَّلائِلِ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ  يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً فَكانَ يُحَرِّكُ بِهِ لِسانَهُ وشَفَتَيْهِ مَخافَةَ أنْ يَنْفَلِتَ مِنهُ يُرِيدُ أنْ يَحْفَظَهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ ﴾ إلَخِ فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ  بَعْدَ ذَلِكَ إذا أتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أطْرَقَ وفي لَفْظٍ اسْتَمَعَ فَإذا ذَهَبَ قَرَأهُ كَما وعَدَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ يعني: يسأل متى يوم القيامة، تكذيباً بالبعث.

فكأنه قال: بل يريد الإنسان أن يكذب بيوم القيامة، وهو أمامه، وهو يسأل متى يكون.

فبين الله تعالى في أي يوم يكون فقال: فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ يعني: شخص البصر، وتحير.

قرأ نافع فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ بنصب الراء، والباقون بالكسر.

فمن قرأ بالنصب، فهو من برق يبرق بريقاً، ومعناه: شخص فلا يطرق من شدة الفزع.

ومن قرأ بالكسر، يعني: فزع وتحير.

وأصله: أن الرجل إذا رأى البرق تحير، وإذا رأى من أعاجيب يوم القيامة، تحير ودهش.

وَخَسَفَ الْقَمَرُ يعني: ذهب ضوؤه وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يعني: كالثورين المقرنين.

ويقال: برق البصر، وخسف القمر.

قال كوكب العين ذهب ضوؤه.

وروى علي بن أبي طالب، -  - أنه قال: يجعلان في نور الحجاب.

ويقال: جمع الشمس والقمر، يعني: سوى بينهما في ذهاب نورهما، وإنما قال: وجمع الشمس والقمر، ولم يقل وجمعت، لأن المؤنث والمذكر إذا اجتمعا، فالغلبة للمذكر.

يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ يقول: أين الملجأ من النار؟

قرئ في الشاذ، أين المفر بالكسر للفاء، على معنى: أين مكان الفرار.

وقراءة العامة بالنصب، يعني: أين الفرار.

ثم قال: كَلَّا لاَ وَزَرَ يعني: حقاً لا جبل يلجئون إليه، فيمنعهم من النار، ولا شجر يواريهم.

والوزر في كلام العرب، الجبل الذي يلتجئ إليه، والوزر والستر هنا، الشيء الذي يستترون به.

وقال عكرمة: ولا وزر.

يعني: منعه.

وقال الضحاك: يعني: لا حصن لهم يوم القيامة.

ثم قال عز وجل: إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ يعني: المرجع يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ يعني: يسأل ويبين له، ويجازى بما قدم من الأعمال وأخر، من سنة صالحة أو سيئة.

قوله عز وجل: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ يعني: جوارح العبد شاهدة عليه.

ومعناه على الإنسان من نفسه شاهد، يشهد عليه كل عضو بما فعل.

ويقال يعني: جوارح، العبد شاهدة عليه، ومعناه رقيب بعضها على بعض.

والبصيرة أدخلت فيها الهاء للمبالغة، كما يقال: رجل علامة.

وقال الحسن: على نفسه بصيرة، يعني: بعيوب غيره، الجاهل بعيوب نفسه وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ يعني: ولو تكلم بعذر لم يقبل منه.

ويقال: ولو أرخى ستوره، يعني: أنه شاهد على نفسه، وإن أذنب في الستور.

قوله تعالى: لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ يعني: لا تعجل بقراءة القرآن، من قبل أن يفرغ جبريل-  - من قراءته وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، -  ما- قال: كان رسول الله  ، إذا نزل عليه القرآن، تعجل به للحفظ فنزل: لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ يعني: حفظه في قلبك وَقُرْآنَهُ يعني: يقرأ عليك جبريل، حتى تحفظه فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ يعني: إذا قرأ عليك جبريل فاقرأ أنت بعد قراءته وفراغه وقال محمد بن كعب: فاتبع قراءته، يعني: فاتبع حلاله وحرامه.

وقال الأخفش: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ يعني: تأليفه فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ يعني: تأليفه ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ يعني: بيان أحكامه وحدوده.

ويقال: علينا بيانه، يعني: شرحه.

ويقال: بيان فرائضه، كما بين على لسان النبيّ  .

ثم نزل بعد هذه الأحكام، قوله تعالى: كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ يعني: تحبون العمل للدنيا وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ يعني: تتركون العمل للآخرة.

قرأ ابن كثير، وأبو عمرو بل يحبون بالياء، على معنى الخبر عنهم.

والباقون بالتاء، على معنى المخاطبة.

ثم بين حال ذلك اليوم فقال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ أي: حسنة مشرقة مضيئة، كما قال في آية أخرى: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) [المطففين: 24] إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ يعني: ناظرين يومئذ إلى الله تبارك وتعالى.

وقال مجاهد: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ يعني: تنتظر الثواب من ربها.

وهذا القول لا يصح، لأنه مقيد بالوجوه، موصول بإلى، ومثل هذا، لا يستعمل في الانتظار.

ثم قال عز وجل: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ يعني: عابسة.

ويقال: كريهة.

ويقال: كاسفة ومسودة تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ يعني: تعلم أنه قد نزل بها العذاب والشدة.

يعني: تعلم هذه الأنفس.

ويقال: الفاقرة الداهية، ويقال: قد أيقنت أن العذاب نازل بها.

ثم قال عز وجل: كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ يعني: حقاً إذا بلغت النفس إلى الحلقوم.

يعني: خروج الروح وَقِيلَ مَنْ راقٍ يعني: يقول من حضر عند الموت، هل من طبيب حاذق يداويه؟

ويقال: من راق، يعني: من يشفي من هذا الحال.

ويقال: من راق، يعني: من يقدر أن يرقي من الموت.

يعني: لا يقدر أحد أن يرقي من الموت.

والعرب تقول: من الرقية، رقى يرقي رقيةً، ومن الرقيّ وهو الصعود، رقي يرقى رقياً، فهو راق منهما.

وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ يعني: استيقن أنه ميت، وأنه يفارق الروح من الجسد.

ويقال: وقيل من راق، أن الملائكة الذين حضروا لقبض روحه يقول: بعضهم لبعض، من راق يعني من يصعد منا بروحه إلى السماء، فأيقن عند ذلك أنه الفراق وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ قال ابن عباس: يعني: التفت شدتان أخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من الآخرة.

وروى وكيع، عن بشير بن المهاجر قال: سمعت الحسن يقول: والتفت الساق بالساق، قال: هما ساقان إذا التفتا في الكفن، إلى ربك يومئذٍ المساق يعني: يساق العبد إلى ربه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ أي: الدنيا وشهواتِها قال الغزاليُّ في «الإحياء» : اعلم أَنَّ رأس الخطايا المهلكة هو حُبُّ الدنيا، ورأسَ أسبابِ النجاة هو التجافي بالقلب عن دار الغرور، وقال رحمه اللَّه: اعلم أَنَّهُ لا وصولَ إلى سعادة لقاء اللَّه سبحانه في الآخرة إلاَّ بتحصيل محبته والأُنْسِ به في الدنيا، ولا تحصلُ المحبة إلاَّ بالمعرفة، ولا تحصل المعرفةُ إلاَّ بدوام الفكر، ولا يحصل الأُنْسُ إلاَّ بالمحبة ودوام الذكر، ولا تتيسر المواظبة على الذكر والفكر إلاَّ بانقلاع حُبِّ الدنيا من القلب، ولا ينقلع ذلك إلاَّ بترك لَذَّاتِ الدنيا وشهواتها، ولا يمكن تركُ المشتهيات إلاَّ بقمع الشهوات، ولا تَنْقَمِعُ الشهواتُ بشيء كما تنقمعُ بنار الخوف المُحْرِقَة لِلشهوات، انتهى.

وقرأ ابن كثير «١» وغيره: «يُحِبُّونَ» و «يَذَرُونَ» بالياء على ذكر الغائب، ولما ذكر سبحانه الآخرة، أخبر بشيء من حال أهلها فقال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ أي: ناعمة، والنُّضْرَةُ: النعمة وجمال البشرة قال الحسن: وحُقَّ لها أن تُنَضَّر وهي تنظر إلى خالقها «٢» .

وقوله تعالى: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ حمل جميع أهل السُّنَّةِ هذه الآية على أَنَّها متضمنة رؤية المؤمنين لله عز وجل بلا تكييف ولا تحديد/ كما هو معلوم موجود، لا يشبه الموجودات، كذلك هو سبحانه مَرْئِيٌّ لا يشبه المَرْئِيَّاتِ في شيء فإِنَّه ليس كمثله شيء لا إله إلاَّ هو، وقد تقدم استيعاب الكلام على هذه المسألة، وما في ذلك من صحيح الأحاديث، والباسرة: العابسة المغمومة النفوس، والبسور: أشد العُبُوسِ، وإنَّما ذكر تعالى الوجوه لأَنَّهُ فيها يظهر ما في النفس من سرور أو غَمٍّ، والمراد أصحاب الوجوه، والفاقرة: المصيبة التي تكسر فَقَارِ الظهر وقال أبو عبيدة: هي من فَقَرْتُ [البعير] إذا وسمت أنفه بالنار «٣» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ القِيامَةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا أُقْسِمُ ﴾ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المَعْنى "أُقْسِمُ" واخْتَلَفُوا في "لا" فَجَعَلَها بَعْضُهم زائِدَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ  ﴾ وجَعَلَها بَعْضُهم رَدًّا عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ.

ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ "أقْسَمَ" عَلى كَوْنِ البَعْثِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: زِيدَتْ "لا" عَلى نِيَّةِ الرَّدِّ عَلى المُكَذِّبِينَ، كَما تَقُولُ: لا واللَّهِ ما ذاكَ، ولَوْ حَذَفْتَ جازَ، ولَكِنَّهُ أبْلَغُ في الرَّدِّ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ إلّا ابْنَ فُلَيْحٍ "لَأُقْسِمُ" بِغَيْرِ ألِفٍ بَعْدِ اللّامِ، فَجُعِلَتْ لامًا دَخَلَتْ عَلى "أُقْسِمُ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ "لَأُقْسِمُ" فاللّامُ لامُ القَسَمِ والتَّوْكِيدِ.

وهَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ، لِأنَّ لامَ القَسَمِ لا تَدْخُلُ عَلى الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ إلّا مَعَ النُّونِ، تَقُولُ: لَأضْرِبَنَّ زَيْدًا.

ولا يَجُوزُ: لَأضْرِبُ زَيْدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ ﴾ قالَ الحَسَنُ: أقْسَمَ بِالأوْلى ولَمْ يُقْسِمْ بِالثّانِيَةِ.

وقالَ قَتادَةُ: حُكْمُها حُكْمُ الأُولى.

وَفِي "النَّفْسِ اللَّوّامَةِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها المَذْمُومَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

فَعَلى هَذا: هي الَّتِي تَلُومُ نَفْسَها حِينَ لا يَنْفَعُها اللَّوْمُ.

والثّانِي: أنَّها النَّفْسُ المُؤْمِنَةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

قالَ: لا يُرى المُؤْمِنُ إلّا يَلُومُ نَفْسَهُ عَلى كُلِّ حالٍ.

والثّالِثُ: أنَّها جَمِيعُ النُّفُوسِ.

قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ مِن نَفْسٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ إلّا وهي تَلُومُ نَفْسَها، إنْ كانَتْ عَمِلَتْ خَيْرًا قالَ: هَلّا زِدْتِ.

وإنْ كانَتْ عَمِلَتْ سُوءًا، قالَ لَيْتَنِي لَمْ أفْعَلْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ ها هُنا: الكافِرُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أبا جَهْلٍ.

وقالَ مُقاتِلٌ: عُدَيُّ بْنُ رَبِيعَةَ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: أيَجْمَعُ اللَّهُ هَذِهِ العِظامَ؟

فَقالَ النَّبِيُّ  لَهُ: "نَعَمْ" فاسْتَهْزَأ مِنهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيُّ: وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ: لَتُبْعَثُنَّ، لَتُحاسَبُنَّ، فَدَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ ﴾ عَلى الجَوابِ، فَحُذِفَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلى ﴾ وقْفٌ حَسَنٌ.

ثُمَّ يُبْتَدَأُ "قادِرِينَ" عَلى مَعْنى: بَلى نَجْمَعُها قادِرِينَ.

ويَصْلُحُ نَصْبُ "قادِرِينَ" عَلى التَّكْرِيرِ: بَلى فَلْيَحْسَبْنا قادِرِينَ ﴿ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنْ نَجْعَلَ أصابِعَ يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ شَيْئًا واحِدًا كَخُفِّ البَعِيرِ، وحافِرِ الحِمارِ، فَيَعْدَمَ الِارْتِفاقَ بِالأعْمالِ اللَّطِيفَةِ، كالكِتابَةِ والخِياطَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: نَقْدِرُ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ كَما كانَتْ، وإنْ صَغُرَتْ عِظامُها، ومَن قَدَرَ عَلى جَمْعِ صِغارِ العِظامِ، كانَ عَلى جَمْعِ كِبارِها أقْدَرَ، هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ.

وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى البَنانِ في [الأنْفالِ: ١٢] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يُكَذِّبُ بِما أمامَهُ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يُقَدِّمُ الذَّنْبَ ويُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ، ويَقُولُ: سَوْفَ أتُوبُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

فَعَلى هَذا: يَكُونُ المُرادُ بِالإنْسانِ: المُسْلِمُ.

وعَلى الأوَّلِ: الكافِرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ ﴾ أيْ: مَتى هُوَ؟

تَكْذِيبًا بِهِ، وهَذا هو الكافِرُ ﴿ فَإذا بَرِقَ البَصَرُ ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ "بَرَقَ" بِفَتْحِ الرّاءِ، والباقُونَ بِكَسْرِها.

قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ: بَرِقَ البَصَرُ يَبْرَقُ، وبَرَقَ يَبْرُقُ: إذا رَأى هَوْلًا يَفْزَعُ مِنهُ.

و"بَرِقَ" أكْثَرُ وأجْوَدُ.

قالَ الشّاعِرُ: فَنَفْسَكَ فانْعَ ولا تَنْعَنِي وداوِ الكُلُومَ ولا تَبْرَقِ بِالفَتْحِ.

يَقُولُ: لا تَفْزَعْ مِن هَوْلِ الجِراحِ الَّتِي بِكَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: يَشْخَصُ بَصَرُ الكافِرِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا يَطْرِفُ لِما يَرى مِنَ العَجائِبِ الَّتِي كانَ يُكَذِّبُ بِها في الدُّنْيا.

وقالَ مُجاهِدٌ: بَرِقَ البَصَرُ عِنْدَ المَوْتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخَسَفَ القَمَرُ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كَسَفَ وخَسَفَ بِمَعْنًى واحِدٍ، أيْ: ذَهَبَ ضَوْؤُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ ﴾ إنَّما قالَ "جُمِعَ" لِتَذْكِيرِ القَمَرِ، هَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ.

وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما لَمْ يَقُلْ: جُمِعَتْ، لِأنَّ المَعْنى: جُمِعَ بَيْنَهُما.

وفي مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: جُمِعَ بَيْنَ ذاتَيْهِما.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: جُمِعا كالبَعِيرَيْنِ القَرِينَيْنِ.

وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: يُجْمَعانِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ.

وقِيلَ: يُقْذَفانِ في النّارِ.

وقِيلَ يُجْمَعانِ، فَيَطْلُعانِ مِنَ المَغْرِبِ.

والثّانِي: جُمِعَ بَيْنَهُما في ذَهابِ نُورِهِما، قالَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَقُولُ الإنْسانُ ﴾ يَعْنِي: المُكَذِّبَ بِيَوْمِ القِيامَةِ "أيْنَ المَفَرُّ" قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ المِيمِ، والفاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُعاوِيَةُ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِكَسْرِ الفاءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: فَمَن فَتَحَ، فالمَعْنى: أيْنَ الفِرارُ؟

ومَن كَسَرَ، فالمَعْنى: أيْنَ مَكانُ الفِرارِ؟

تَقُولُ: جَلَسْتُ مَجْلَسًا بِالفَتْحِ، يَعْنِي: جُلُوسًا.

فَإذا قُلْتَ: مَجْلِسًا بِالكَسْرِ، فَأنْتَ تُرِيدُ المَكانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا لا وزَرَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا مَلْجَأ.

وأصْلُ الوَزَرِ: الجَبَلُ الَّذِي يُمْتَنَعُ فِيهِ "إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ" أيِ: المُنْتَهى والمَرْجِعُ.

﴿ يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: بِما قَدَّمَ قَبْلَ مَوْتِهِ، وما سَنَّ مِن شَيْءٍ فَعُمِلَ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يُنَبَّأُ بِأوَّلِ عَمَلِهِ وآخِرِهِ.

قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: بِما قَدَّمَ مِنَ الشَّرِّ، وأخَّرَ مِنَ الخَيْرِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والرّابِعُ: بِما قَدَّمَ مِن فَرْضٍ، وأخَّرَ مِن فَرْضٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والخامِسُ: بِما قَدَّمَ مِن مَعْصِيَةٍ، وأخَّرَ مِن طاعَةٍ.

والسّادِسُ: بِما قَدَّمَ مِن أمْوالِهِ، وما خَلَّفَ لِلْوَرَثَةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: بَلْ عَلى الإنْسانِ مِن نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، أيْ: رُقَباءُ يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِعَمَلِهِ، وهِيَ: الجَوارِحُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَلَمّا كانَتْ جَوارِحُهُ مِنهُ، أقامَها مَقامَهُ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جاءَتِ الهاءُ في "بَصِيرَةٍ" في صِفَةِ الذَّكَرِ، كَما جاءَتْ في رَجُلٍ "راوِيَةٍ"، و"طاغِيَةٍ"، وعَلّامَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ ﴾ في المَعاذِيرِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ عُذْرٍ، فالمَعْنى: لَوِ اعْتَذَرَ، وجادَلَ عَنْ نَفْسِهِ، فَعَلَيْهِ مَن يُكَذِّبُ عُذْرَهُ، وهِيَ: الجَوارِحُ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّ المَعاذِيرَ جَمْعُ مِعْذارٍ، وهُوَ: السِّتْرُ.

والمَعاذِيرُ: السُّتُورُ.

فالمَعْنى: ولَوْ أرْخى سُتُورَهُ، هَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ، والزَّجّاجِ.

فَيَخْرُجُ في مَعْنى "ألْقى" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: قالَ، ومِنهُ "فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ" [النَّحْلِ: ٣٦]، وهَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.

والثّانِي: أرْخى، وهَذا عَلى القَوْلِ الثّانِي.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ القِيامَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: مَن سَألَ عَنِ القِيامَةِ أو أرادَ أنْ يَعْرِفَ حَقِيقَةَ وُقُوعِها فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ السُورَةَ، وقالَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: يَقُولُ الناسُ: القِيامَةُ القِيامَةُ، وإنَّما قِيامَةُ المَرْءِ مَوْتُهُ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ حَضَرَ جِنازَةَ رَجُلٍ فَقالَ: أمّا هَذا فَقَدَ قامَتْ قِيامَتُهُ، ورُوِي مِثْلُهُ عن عَلْقَمَةِ، وذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقِيامَةُ الرَجُلِ في خاصَّتِهِ لَيْسَتْ بِالقِيامَةِ الجامِعَةِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ بَعْدَ البَعْثِ، لَكِنَّ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ كَأنَّهُ قالَ هَذا لِمَن يَسْتَبْعِدُ قِيامَ الآخِرَةِ، ويَظُنُّ طُولَ الأمَدِ بَيْنَهُ وبَيْنَها، فَتَوَعَّدَهُ بِقِيامِ نَفْسِهِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ ﴾ ﴿ وَلا أُقْسِمُ بِالنَفْسِ اللَوّامَةِ ﴾ ﴿ أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ ﴾ ﴿ بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ ﴾ ﴿ بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ ﴾ ﴿ يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ ﴾ ﴿ فَإذا بَرِقَ البَصَرُ ﴾ ﴿ وَخَسَفَ القَمَرُ ﴾ ﴿ وَجُمِعَ الشَمْسُ والقَمَرُ ﴾ ﴿ يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ ﴾ ﴿ كَلا لا وزَرَ ﴾ ﴿ إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ ﴾ ﴿ يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ ﴾ ﴿ بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾ ﴿ وَلَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والحَسَنُ -بِخِلافٍ عنهُ- والأعْرَجُ: "لِأُقْسِمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ ولِأُقْسِمَ" فَأمّا القِراءَةُ الأُولى فاخْتُلِفَ في تَأْوِيلِها، فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: "لا" اسْتِفْتاحَ كَلامٍ بِمَنزِلَةِ "ألا"، وأنْشَدُوا عَلى ذَلِكَ فَلا وأبِيكَ ابْنَةَ العامِرِيِّ لا يُدْعى القَوْمُ أنِّي أفِرُّ وقالَ أبُو عَلِيٍّ: "لا" صِلَةَ زائِدَةٌ كَما زِيدَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ  ﴾ ويُعْتَرَضَ هَذا بِأنَّ هَذِهِ في ابْتِداءِ كَلامٍ، ولا تُزادُ "لا" و"ما" ونَحْوَهُما مِنَ الحُرُوفِ إلّا في تَضاعِيفِ كَلامٍ، فَيَنْفَصِلُ عن هَذا بِأنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ كالسُورَةِ الواحِدَةِ وهو في مَعْنى الِاتِّصالِ فَجازَ فِيهِ هَذا.

وقالَ الفَرّاءُ: "لا" نَفْيَ لِكَلامِ الكُفّارِ وزَجْرَ لَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ.

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ تَعالى -عَلى هَذِهِ الأقْوالِ الثَلاثَةِ- قَوْلُهُ تَعالى: أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وأقْسَمَ اللهُ تَعالى بِيَوْمِ القِيامَةِ تَنْبِيهًا مِنهُ لِعَظَمَتِهِ وهَوْلِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا أُقْسِمُ ﴾ القَوْلُ في "لا" عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ.

وأمّا القِراءَةُ الثانِيَةُ فَتَحْتَمِلُ أحَدَ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ تَكُونَ اللامُ دَخَلَتْ عَلى فِعْلِ الحالِ، والتَقْدِيرُ: لَأنا أُقْسِمُ، فَلا تَلْحَقُ النُونَ إنَّما تَدْخُلُ في الأكْثَرِ لِتُفَرِّقَ بَيْنَ فِعْلِ الحالِ والفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ، فَهي تَلْزَمُ المُسْتَقْبَلَ في الأكْثَرِ، وإمّا أنْ يَكُونَ الفِعْلُ خالِصًا لِلِاسْتِقْبالِ، فَكَأنَّ الوَجْهُ والأكْثَرُ أنْ تَلْحَقَ النُونَ، إمّا الخَفِيفَةَ وإمّا الثَقِيلَةَ، لَكِنْ قَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ أنَّ النُونَ قَدْ تَسْقُطُ مَعَ إرادَةِ الِاسْتِقْبالِ وتُغْنِي اللامُ عنها، كَما تَسْقُطُ اللامُ وتُغْنِي النُونُ عنها، وذَلِكَ في قَوْلِ الشاعِرِ: وقَتِيلُ مُرَّةَ أثْأرُنَّ فَإنَّهُ ∗∗∗ فَرَغَ، وإنَّ قَتِيلَهم لَمْ يَثْأرِ المُرادُ: لَأثارَنِ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: "وَلا أُقْسِمُ بِالنَفْسِ اللَوّامَةِ" فَقِيلَ: "لا" نافِيَةٌ، وإنَّ اللهَ تَعالى أقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ ونَفى أنْ يُقْسِمَ بِالنَفْسِ اللَوّامَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ الحَسَنُ، وقَدْ ذَهَبَ هَذا المَذْهَبَ قَوْمٌ مِمَّنْ قَرَأ: "لا أُقْسِمُ" وذَلِكَ قَلَقٌ، وهو في القِراءَةِ الثانِيَةِ أمْكَنُ، وجُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ عَلى أنَّ اللهَ تَعالى أقْسَمَ بِالأمْرَيْنِ.

واخْتَلَفَ في "النَفْسِ اللَوّامَةِ"، ما مَعْناهُ؟

فَقالَ الحَسَنُ: هي اللَوّامَةُ لِصاحِبِها في تَرْكِ الطاعَةِ ونَحْوِهِ، فَهي -عَلى هَذا- مَمْدُوحَةٌ، ولِذَلِكَ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هى الفاجِرَةُ الجَشِعَةُ اللَوّامَةُ لِصاحِبِها عَلى ما فاتَهُ مِن سَعْيِ الدُنْيا وأعْراضِها فَهي -عَلى هَذا- ذَمِيمَةٌ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ يَحْسُنُ نَفْيُ القَسَمِ بِها، والنَفْسُ في الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ لِنُفُوسِ البَشَرِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ ما مَعْناهُ: إنَّ القَسَمَ بِها مِنَ اسْمِ الجِنْسِ لِأنَّها تَلُومُ عَلى الخَيْرِ والشَرِّ، وقِيلَ: المُرادُ نَفْسُ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ لِأنَّها لَمْ تَزَلْ لائِمَةً لَهُ عَلى فِعْلِهِ الَّذِي أخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكُلُّ نَفْسٍ مُتَوَسِّطَةٍ لَيْسَتْ بِالمُطَمْئِنَةِ ولا بِالأمّارَةِ بِالسُوءِ فَإنَّها لَوّامَةٌ في الطَرَفَيْنِ، مَرَّةً تَلُومُ عَلى تَرْكِ الطاعَةِ، ومَرَّةً تَلُومُ عَلى فَوْتٍ ما تَشْتَهِي، فَإذا اطْمَأنَّتْ خَلُصَتْ وصَفَتْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيَحْسَبُ الإنْسانُ ﴾ تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ، و"الإنْسانُ" اسْمُ الجِنْسِ، وهَذِهِ أقْوالٌ كانَتْ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، فَعَلَيْها الرَدُّ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَجْمَعَ عِظامَهُ" بِالنُونِ ونَصْبِ المِيمِ مِنَ العِظامِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِالتاءِ ورَفَعَ المِيمَ مِنَ العِظامِ، ومَعْنى ذَلِكَ: في القِيامَةِ وبَعْدَ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإدْغامِ العَيْنِ في العَيْنِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: "بَلى"، وهي إيجابُ ما نُفِي، وبابُها أنْ تَأْتِيَ بَعْدَ النَفْيِ، والمَعْنى: بَلْ نَجْمَعُها قادِرِينَ فَنَصَبَ "قادِرِينَ" عَلى الحالِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "قادِرُونَ" بِالرَفْعِ.

وقالَ القَتَبِيُّ: "نُسَوِّيَ بَنانَهُ" مَعْناهُ: نُتْقِنُها سَوِيَّةً، والبَنانُ: الأصابِعُ، وكَأنَّ الكُفّارَ لَمّا اسْتَبْعَدُوا جَمْعَ العِظامِ بَعْدَ الفَناءِ، والإرْمامَ قِيلَ لَهُمْ: إنَّها تُجْمَعُ ويُسَوّى أكْثَرُها تَفَرُّقًا وأدَقُّها أجْزاءً وهي عِظامُ الأنامِلِ ومَفاصِلُها، وهَذا كُلُّهُ عِنْدَ البَعْثِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ "نُسَوِّيَ بَنانَهُ: نَجْعَلُها في حَياتِهِ هَذِهِ بِضْعَةً أو عَظْمًا واحِدًا كَخُفِّ البَعِيرِ لا تَفارِيقَ فِيهِ، فَكَأنَّ المَعْنى: قادِرِينَ الآنَ في الدُنْيا عَلى أنْ نَجْعَلَها دُونَ تَفَرُّقٍ فَتَقِلُّ مَنفَعَتُهُ بِيَدِهِ، فَكَأنَّ التَقْدِيرُ: بَلى نَحْنُ أهْلٌ أنْ نَجْمَعَها، قادِرِينَ عَلى إزالَةِ مَنفَعَتِهِ بِيَدِهِ، فَفي هَذا تَوَعَّدُ ما.

والقَوْلُ الأوَّلُ أجْرى مَعَ رَصْفِ الكَلامِ، ولَكِنْ عَلى هَذا القَوْلِ الآخَرِ جُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ ﴾ .

قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: الضَمِيرُ في "أمامَهُ" عائِدٌ عَلى الإنْسانُ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ الإنْسانَ إنَّما يُرِيدُ شَهَواتِهِ ومَعاصِيَهُ لِيَمْضِيَ فِيها أبَدًا قُدُمًا راكِبًا رَأْسَهُ ومُطِيعًا أمَلَهُ ومُسَوِّفًا بِتَوْبَتِهِ.

قالَهُ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ والسُدِّيُّ، وقالَ السُدِّيُّ: المَعْنى لِيَظْلِمَ عَلى قَدْرِ طاقَتِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: المَعْنى: يَرْكَبُ رَأْسَهُ في طَلَبِ الدُنْيا دائِمًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: "لِيَفْجُرَ" تَقْدِيرُهُ: لَكى يَفْجُرَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ما يَقْتَضِي أنَّ الضَمِيرَ في "أمامَهُ" عائِدٌ عَلى "يَوْمِ القِيامَةِ"، والمَعْنى أنَّ الإنْسانَ هو في زَمَنِ وُجُودِهِ أمامَ يَوْمِ القِيامَةِ وبَيْنَ يَدَيْهِ، ويَوْمُ القِيامَةِ خَلْفَهُ، فَهو يُرِيدُ شَهَواتِهِ لِيَفْجُرَ في تَكْذِيبِهِ بِالبَعْثِ وغَيْرِ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ يَوْمِ القِيامَةِ، وهو لا يَعْرِفُ قَدْرَ الضَرَرِ الَّذِي هو فِيهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ ﴾ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ: أرَدْتُ لِكَيْما يَعْرِفُ الناسُ أنَّها ∗∗∗ سَراوِيلُ قَيْسٍ والوُفُودُ شُهُودُ و"بَلْ" في أوَّلِ الآيَةِ إضْرابٌ عَلى مَعْنى التَرْكِ لا عَلى مَعْنى إبْطالِ الكَلامِ الأوَّلِ، وقَدْ تَجِيءُ "بَلْ" لِإبْطالِ القَوْلِ الَّذِي قَبْلَها.

وسُؤالُ الكافِرِ "أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ" هو عَلى مَعْنى التَكْذِيبِ والهَزْءِ، كَما تَقُولُ لِمُحَدِّثٍ بِأمْرٍ تُكَذِّبُهُ: مَتى يَكُونُ هَذا؟

و"أيّانَ" لَفْظَةٌ بِمَعْنى "مَتى"، وهي مُبَيِّنَةٌ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، فَأشْبَهَتِ الحُرُوفُ المُتَضَمَّنَةُ المَعانِيَ، وكانَ حَقُّها أنْ تُبْنى عَلى السُكُونِ، ولَكِنْ فُتِحَتِ النُونُ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ: الألِفُ وهي.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "بَرِقَ" بِكَسْرِ الراءِ بِمَعْنى: شَخَصَ وشَقَّ وحارَ، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ بِخِلافٍ- وعَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ: "بَرَقَ" بِفَتْحِ الراءِ بِمَعْنى: لَمَعَ وصارَ لَهُ بَرْقٌ عِنْدَ المَوْتِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ في القِراءَتَيْنِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بَرَقَ بِالفَتْحِ: شَقَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ، وقالَ الحَسَنُ: هَذا في يَوْمِ القِيامَةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَخَسَفَ القَمَرُ" عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَخُسِفَ" بِضَمِّ الخاءِ وكَسْرِ السِينِ "القَمَرَ" مَفْعُولٌ لِما يُسَمَّ فاعِلُهُ، يُقالُ خَسَفَ القَمَرُ وخَسَفَهُ اللهُ، وكَذَلِكَ الشَمْسُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وجَماعَةٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ: الخُسُوفُ والكُسُوفُ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ ابْنُ أبِي أُوَيْسٍ: الكُسُوفُ: ذَهابُ بَعْضِ النُورِ والخُسُوفُ: ذَهابُ جَمِيعِهِ، ورَوى عُرْوَةُ وسُفْيانُ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "لا تَقُولُوا كَسَفَتِ الشَمْسُ ولَكِنْ قُولُوا خَسَفَتْ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجُمِعَ الشَمْسُ والقَمَرُ ﴾ ، غُلِبَ التَذْكِيرُ عَلى التَأْنِيثِ وقِيلَ: ذَلِكَ لِأنَّ تَأْنِيثَ الشَمْسِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وقِيلَ: المُرادُ: وجَمَعَ بَيْنَ الشَمْسِ والقَمَرِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ولِذَلِكَ أسْقَطَ عَلامَةَ التَأْنِيثِ، وفى مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ "وَجَمَعَ بَيْنَ الشَمْسِ والقَمَرِ".

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى الجَمْع بَيْنَهُما، وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: يُجْمَعانِ فَيُقْذَفانِ في النارِ، وقِيلَ: في البَحْرِ، فَيَصِيرُ نارَ اللهِ العُظْمى، وقِيلَ: يُجْمَعُ الضَوْءانِ فَيَذْهَبُ بِهِما.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "أيْنَ المَفَرُّ" بِفَتْحِ المِيمِ والفاءِ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: أيْنَ الفِرارُ؟

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وأيُّوبُ السِخْتِيانِيُّ، وكُلْثُومُ بْنُ عِياضٍ، ومُجاهِدٌ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "أيْنَ المَفَرُّ" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ، عَلى مَعْنى: أيْنَ مَوْضِعُ الفِرارِ؟

وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "أيْنَ المَفَرُّ" بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ، بِمَعْنى: أيْنَ الجَيِّدُ الفِرارِ.

و"كَلّا" زَجْرٌ يُقالُ لِلْإنْسانِ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ يُعْلِنُ أنَّهُ لا وِزْرَ لَهُ، أيْ لا مَلْجَأ ولا مُعِينَ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن "الوِزْرِ" بِالجَبَلِ، قالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِخِّيرِ وغَيْرُهُ: "وَهُوَ كانَ وِزْرَ فِرارِ العَرَبِ في بِلادِهِمْ فَلِذَلِكَ اسْتُعْمِلَ" والحَقِيقَةُ أنَّهُ المَلْجَأُ جَبَلًا كانَ أو حِصْنًا أو سِلاحًا أو رَجُلًا أو غَيْرَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ ﴾ مَعْناهُ: إلى حُكْمِ رَبِّكَ ونَحْوِهُ مِنَ التَقْدِيرِ، و"المُسْتَقَرُّ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في المُقَدَّرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ المَجْرُورُ المُتَقَدِّمُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: المُسْتَقِرُّ ثابِتٌ أو كائِنٌ إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ، والمُسْتَقَرُّ مَوْضِعُ الِاسْتِقْرارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ ﴾ قِسْمَةٌ تَسْتَوِفي كُلَّ عَمَلٍ، أيْ: يَعْلَمُ بِكُلِّ ما فَعَلَ، وَيَجِدُهُ مُحَصِّلًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: المَعْنى: بِما قَدَّمَ في حَياتِهِ وأخَّرَ مِن سَنَةٍ يَعْمَلُ بِها بَعْدَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بِما قَدَّمَ مِنَ المَعاصِي وأخَّرَ مِنَ الطاعاتِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِما قَدَّمَ مِن مالِهِ لِنَفْسِهِ وبِما أخَّرَ مِنهُ لِلْوارِثِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بَلِ" إضْرابٌ بِمَعْنى التَرْكِ، لا عَلى مَعْنى إبْطالِ القَوْلِ الأوَّلِ، و"بَصِيرَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ "الإنْسانِ" ولَحِقَتْهُ هاءُ التَأْنِيثِ كَما لَحِقَتْ "عَلّامَةً، ونَسّابَةً"، والمَعْنى: إنَّهُ فِيهِ وفي عَقْلِهِ وفِطْرَتِهِ حُجَّةٌ وشاهِدٌ مُبْصِرٌ عَلى نَفْسِهِ، ولَوِ اعْتَذَرَ عن قَبِيحِ أفْعالِهِ فَهو يَعْلَمُ قُبْحَها، وكَذَلِكَ لَوِ اسْتَتَرَ بِسُتُورِهِ واخْتَفى بِأفْعالِهِ -عَلى التَأْوِيلَيْنِ في المَعاذِيرِ-: ويُحْتَمَلُ"بَصِيرَةً" أنْ يَكُونَ ابْتِداءً وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلى نَفْسِهِ ﴾ والهاءُ لِلتَّأْنِيثِ، ويُرادُ بِالبَصِيرَةِ جَوارِحُهُ، والمَلائِكَةُ الحَفَظَةُ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

و"المَعاذِيرُ" هُنا، قالَ الجُمْهُورُ: هي الأعْذارُ، جَمْعُ "مَعْذِرَةً"، وقالَ السُدِّيُّ، والضَحّاكُ: هي السُتُورُ بِلُغَةِ اليَمَنِ، يَقُولُونَ لِلسَّتْرِ، المِعْذارُ، وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَلِيَّةٌ ومِحْنَةٌ، كَأنَّهُ ذَهَبَ إلى البَصِيرَةِ الَّتِي هي طَرِيقَةُ الدَمِ وداعِيَةُ طَلَبِ الثَأْرِ.

وفي هَذا نَظَرٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

إضراب انتقالي، وهو للترقي من مضمون ﴿ يُنَبَّأُ الإِنسان يومئذٍ بما قدم وأخّر ﴾ [القيامة: 13] إلى الإِخبار بأن الكافر يَعلَم ما فعله لأنهم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، إذ هو قرأ كتاب أعماله فقال: ﴿ يا ليتني لم أوتَ كتابِيَهْ ولم أدر ما حِسَابيهْ ﴾ [الحاقة: 25، 26]، ﴿ ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً ﴾ [الكهف: 49].

وقال تعالى: ﴿ اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ﴾ [الإسراء: 14].

ونظم قوله: ﴿ بل الإِنسان على نفسه بصيرة ﴾ صالح لإِفادة معنيين: أولهما أن يكون ﴿ بصيرة ﴾ بمعنى مبصر شديد المراقبة فيكون ﴿ بصيرة ﴾ خبراً عن ﴿ الإنسان ﴾ .

و ﴿ على نفسه ﴾ متعلقاً ب ﴿ بصيرة ﴾ ، أي الإِنسان بصيرٌ بنفسه.

وعُدّي بحرف ﴿ على ﴾ لتضمينه معنى المراقبة وهو معنى قوله في الآية الأخرى: ﴿ كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ﴾ .

وهاء ﴿ بصيرة ﴾ تكون للمبالغة مثل هاء علامة ونسَّابة، أي الإِنسان عليم بصير قوي العلم بنفسه يومئذٍ.

والمعنى الثاني: أن يكونَ ﴿ بصيرة ﴾ مبتدأ ثانياً، والمراد به قرين الإِنسان من الحفظة وعلى نفسه خبرَ المبتدأ الثاني مقدماً عليه، ومجموعُ الجملة خبراً عن ﴿ الإنسان ﴾ ، و ﴿ بصيرة ﴾ حينئذٍ يحتمل أن يكون بمعنى بصير، أي مبصر والهاء للمبالغة، كما تقدم في المعنى الأول، وتكون تعدية ﴿ بصيرة ﴾ ب ﴿ على ﴾ لتضمينه معنى الرقيب كما في المعنى الأول.

ويحتمل أن تكون ﴿ بصيرة ﴾ صفة لموصوف محذوف، تقديرة: حجة بصيرة، وتكون ﴿ بصيرة ﴾ مجازاً في كونها بينة كقوله تعالى: ﴿ قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلاّ ربّ السماوات والأرض بصائر ﴾ [الإسراء: 102] ومنه قوله تعالى: ﴿ وآتينا ثمودَ الناقة مبصرة ﴾ [الإسراء: 59] والتأنيثُ لتأنيث المَوصوف.

وقد جرت هذه الجملة مجرى المثل لإِيجازها ووفرة معانيها.

وجملة ﴿ ولو ألقَى معاذيرَه ﴾ في موضع الحال من المبتدأ وهو الإِنسان، وهي حالة أجدر بثبوت معنى عاملها عند حصولها.

﴿ لو ﴾ هذه وَصْلِيَّةٌ كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ فلن يقبل من أحدهم مِلْءُ الأرض ذهباً ولو افتدى به ﴾ في آل عمران (91).

والمعنى: هو بصيرة على نفسه حتى في حال إلقائه معاذيره.

والإِلقاء: مراد به الإِخبار الصريح على وجه الاستعارة، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ فألْقَوا إليهم القول إنكم لكاذبون ﴾ في سورة النحل (86).

والمعاذير: اسم جمع مَعذرة، وليس جمعاً لأن معذرة حقه أن يُجمع على معَاذر، ومثل المعاذير قولهم: المناكير، اسم جمع مُنْكَر.

وعن الضحاك: أن معاذير هُنا جمع مِعْذار بكسر الميم وهو السِتر بلغة اليمن يكون الإِلقاء مستعملاً في المعنى الحقيقي، أي الإِرخاء، وتكون الاستعارة في المعاذير بتشبيه جحد الذنوب كذباً بإلقاء الستر على الأمر المراد حجبه.

والمعنى: أن الكافر يعلم يومئذٍ أعماله التي استحق العقاب عليها ويحاول أن يعتذر وهو يعلم أن لا عذر له ولو أفصح عن جميع معاذيره.

ومعاذيره } : جمع معرف بالإِضافة يدل على العموم.

فمن هذه المعاذير قولهم: ﴿ رب ارجعون لعليَ أعْمَلُ صالحاً فيما تركتُ ﴾ [المؤمنون: 99، 100] ومنها قولهم: ﴿ ما جاءَنا من بشير ﴾ [المائدة: 19] وقولهم: ﴿ هؤلاء أضَلونا ﴾ [الأعراف: 38] ونحو ذلك من المعاذير الكاذبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ القِيامَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ ﴾ اخْتَلَفُوا في (لا) المُبْتَدَإ بِها في أوَّلِ الكَلامِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها صِلَةٌ دَخَلَتْ مَجازًا ومَعْنى الكَلامِ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو عُبَيْدَةَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ تَذَكَّرْتُ لَيْلى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ وكادَ ضَمِيرُ القَلْبِ لا يَتَقَطَّعُ.

الثّانِي: أنَّها دَخَلَتْ تَوْكِيدًا لِلْكَلامِ كَقَوْلِهِ: لا واَللَّهِ، وكَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ فَلا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ ∗∗∗ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرْ.

قالَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ.

الثّالِثُ: أنَّها رَدٌّ لِكَلامٍ مَضى مِن كَلامِ المُشْرِكِينَ في إنْكارِ البَعْثِ، ثُمَّ ابْتَدَأ القَسَمَ فَقالَ: أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، فَرْقًا بَيْنَ اليَمِينِ المُسْتَأْنِفَةِ وبَيْنَ اليَمِينِ تَكُونُ مُجَدَدًا، قالَهُ الفَرّاءُ.

وَقَرَأ الحَسَنُ: لَأُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، فَجَعَلَها لامًا دَخَلَتْ عَلى ما أُقْسِمَ إثْباتًا لِلْقَسَمِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ.

﴿ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ كَما أقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ فَيَكُونانِ قَسَمَيْنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ أقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ ولَمْ يُقْسِمْ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، ويَكُونُ تَقْدِيرُ الكَلامِ: أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ.

وَفي وصْفِها بِاللَّوّامَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها صِفَةُ مَدْحٍ، وهو قَوْلُ مَن جَعَلَها قَسَمًا: الثّانِي: أنَّها صِفَةُ ذَمٍّ، وهو قَوْلُ مَن نَفى أنْ يَكُونَ قَسَمًا.

فَمَن جَعَلَها صِفَةَ مَدْحٍ فَلَهم في تَأْوِيلِها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها الَّتِي تَلُومُ عَلى ما فاتَ وتَنْدَمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، فَتَلُومُ نَفْسَها عَلى الشَّرِّ لِمَ فَعَلَتْهُ، وعَلى الخَيْرِ أنْ لَمْ تَسْتَكْثِرْ مِنهُ.

الثّانِي: أنَّها ذاتُ اللَّوْمِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: أنَّها الَّتِي تَلُومُ نَفْسَها بِما تَلُومُ عَلَيْهِ غَيْرَها.

فَعَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ تَكُونُ اللَّوّامَةُ بِمَعْنى اللّائِمَةِ.

وَمَن جَعَلَها صِفَةَ ذَمٍّ فَلَهم في تَأْوِيلِها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها المَذْمُومَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّها الَّتِي تُلامُ عَلى سُوءِ ما فَعَلَتْ.

الثّالِثُ: أنَّها الَّتِي لا صَبْرَ لَها عَلى مِحَنِ الدُّنْيا وشَدائِدِها، فَهي كَثِيرَةُ اللَّوْمِ فِيها، فَعَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ تَكُونُ اللَّوّامَةُ بِمَعْنى المَلُومَةِ.

﴿ أيَحْسَبُ الإنْسانُ ﴾ يَعْنِي الكافِرَ.

﴿ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ ﴾ فَنُعِيدُها خَلْقًا جَدِيدًا بَعْدَ أنْ صارَتْ رُفاتًا.

﴿ بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ ﴾ في قَوْلِهِ (بَلى) وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَمامُ قَوْلِهِ ﴿ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ ﴾ أيْ بَلى نَجْمَعُها، قالَهُ الأخْفَشُ.

الثّانِي: أنَّها اسْتِئْنافٌ بَعْدَ تَمامِ الأوَّلِ بِالتَّعَجُّبِ بَلى قادِرِينَ، الآيَةَ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ مَفاصِلَهُ ونُعِيدَها لِلْبَعْثِ خَلْقًا جَدِيدًا، قالَهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ.

الثّانِي: بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نَجْعَلَ كَفَّهُ الَّتِي يَأْكُلُ بِها ويَعْمَلُ حافِرَ حِمارٍ أوْ خُفَّ بَعِيرٍ، فَلا يَأْكُلُ إلّا بِفِيهِ، ولا يَعْمَلُ بِيَدِهِ شَيْئًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

﴿ بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أنْ يُقَدِّمَ الذَّنْبَ ويُؤَخِّرَ التَّوْبَةَ، قالَهُ القاسِمُ بْنُ الوَلِيدِ.

الثّانِي: يَمْضِي أمامَهُ قُدُمًا لا يَنْزِعُ عَنْ فُجُورٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: بَلْ يُرِيدُ أنْ يَرْتَكِبَ الآثامَ في الدُّنْيا لِقُوَّةِ أمَلِهِ، ولا يَذْكُرُ المَوْتَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: بَلْ يُرِيدُ أنْ يُكَذِّبَ بِالقِيامَةِ ولا يُعاقَبَ بِالنّارِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا خامِسًا: بَلْ يُرِيدُ أنْ يُكَذِّبَ بِما في الآخِرَةِ كَما كَذَّبَ بِما في الدُّنْيا، ثُمَّ وجَدْتُ ابْنَ قُتَيْبَةَ قَدْ ذَكَرَهُ وقالَ إنَّ الفُجُورَ التَّكْذِيبُ واسْتَشْهَدَ بِأنْ أعْرابِيًّا قَصَدَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ وشَكا إلَيْهِ نَقَبَ إبِلِهِ ودَبَرَها، وسَألَهُ أنْ يَحْمِلَهُ عَلى غَيْرِها، فَلَمْ يَحْمِلْهُ، فَقالَ الأعْرابِيُّ أقْسَمَ بِاَللَّهِ أبُو حَفْصٍ عُمَرْ ∗∗∗ ما مَسَّها مِن نَقَبٍ ولا دَبَرْ فاغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ إنْ كانَ فَجَرْ يَعْنِي إنْ كانَ كَذَّبَنِي بِما ذَكَرْتُ.

﴿ فَإذا بَرِقَ البَصَرُ ﴾ فِيهِ قِراءَتانِ: إحْداهُما: بِفَتْحِ الرّاءِ، وقَرَأ بِها أبانٌ عَنْ عاصِمٍ، وفي تَأْوِيلِها وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي خَفَتَ وانْكَسَرَ عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ.

الثّانِي: شَخَصَ وفَتَحَ عَيْنَهُ عِنْدَ مُعايَنَةِ مَلَكِ المَوْتِ فَزَعًا، وأنْشُدَ الفَرّاءُ: فَنَفْسَكَ فانْعَ ولا تَنْعَنِي ∗∗∗ وداوِ الكُلُومَ ولا تَبْرَقِ.

ايْ ولا تَفْزَعْ مِن هَوْلِ الجِراحِ.

الثّانِيَةُ: بِكَسْرِ الرّاءِ وقَرَأ بِها الباقُونَ، وفي تَأْوِيلِها وجْهانِ: أحَدُهُما: عَشّى عَيْنَيْهِ البَرْقُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ أشْهَبُ العَقِيلِيُّ، قالَ الأعْشى وكُنْتُ أرى في وجْهِ مَيَّةَ لَمْحَةً ∗∗∗ فَأُبْرِقُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ مَكانِيا.

الثّانِي: شَقُّ البَصَرِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وأنْشَدَ قَوْلَ الكِلابِيِّ لَمّا أتانِي ابْنُ عُمَيْرٍ راغِبًا ∗∗∗ أعْطَيْتُهُ عِيسًا صِهابًا فَبَرَقَ.

﴿ وَخَسَفَ القَمَرُ ﴾ أيْ ذَهَبَ ضَوْؤُهُ، حَتّى كَأنَّ نُورَهُ ذَهَبَ في خَسْفٍ مِنَ الأرْضِ.

﴿ وَجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُما في طُلُوعِهِما مِنَ المَغْرِبِ [أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ] مُظْلِمَيْنِ مُقَرَّنَيْنِ.

الثّانِي: جَمَعَ بَيْنَهُما في ذَهابِ ضَوْئِهِما بِالخُسُوفِ لِتَكامُلِ إظْلامِ الأرْضِ عَلى أهْلِها، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّالِثُ: جَمَعَ بَيْنَهُما في البَحْرِ حَتّى صارا نارَ اللَّهِ الكُبْرى.

﴿ يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ ﴾ أيْ أيْنَ المَهْرَبُ، قالَ الشّاعِرُ أيْنَ أفِرُّ والكِباشُ تَنْتَطِحْ ∗∗∗ وأيُّ كَبْشٍ حادٍّ عَنْها يَفْتَضِحْ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ﴿ أيْنَ المَفَرُّ ﴾ مِنَ اللَّهِ اسْتِحْياءً مِنهُ.

الثّانِي: ﴿ أيْنَ المَفَرُّ ﴾ مِن جَهَنَّمَ حَذَرًا مِنها.

وَيَحْتَمِلُ هَذا القَوْلُ مِنَ الإنْسانِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مِنَ الكافِرِ خاصَّةً مِن عَرْصَةِ القِيامَةِ دُونَ المُؤْمِنِ، ثِقَةَ المُؤْمِنِ بِبُشْرى رَبِّهِ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المُؤْمِنِ والكافِرِ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ لِهَوْلِ ما شاهَدُوهُ مِنها.

وَيَحْتَمِلُ هَذا القَوْلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِن قَوْلِ اللَّهِ لِلْإنْسانِ إذا قالَهُ ﴿ أيْنَ المَفَرُّ ﴾ قالَ اللَّهُ لَهُ ﴿ كَلا لا وزَرَ ﴾ الثّانِي: مِن قَوْلِ الإنْسانِ إذا عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَفَرٌّ قالَ لِنَفْسِهِ ﴿ كَلا لا وزَرَ ﴾ ﴿ كَلا لا وزَرَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أيْ لا مَلْجَأ مِنَ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لا حِصْنَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّالِثُ: لا جَبَلَ، [قالَهُ الحَسَنُ ] .

الرّابِعُ: لا مَحِيصَ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

﴿ إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُسْتَقَرَّ المُنْتَهى، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ اسْتِقْرارُ أهْلِ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأهْلِ النّارِ في النّارِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ وفي ﴿ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ ﴾ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ما قَدَّمَ قَبْلَ مَوْتِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ يَعْلَمُ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّانِي: ما قَدَّمَ مِن مَعْصِيَةٍ، وأخَّرَ مِن طاعَةٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: بِأوَّلِ عَمَلِهِ وآخِرِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: بِما قَدَّمَ مِنَ الشَّرِّ وأخَّرَ مِنَ الخَيْرِ، قالَ عِكْرِمَةُ.

الخامِسُ: بِما قَدَّمَ مِن فَرْضٍ وأخَّرَ مِن فَرْضٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: ما قَدَّمَ لِدُنْياهُ، وما أخَّرَ لِعُقْباهُ.

﴿ بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِما تُقَدَّمُ بِهِ الحُجَّةُ عَلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ الثّانِي: أنَّ جَوارِحَهُ شاهِدَةٌ عَلَيْهِ بِعَمَلِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ الثّالِثُ: مَعْناهُ بَصِيرٌ بِعُيُوبِ النّاسِ غافِلٌ عَنْ عَيْبِ نَفْسِهِ فِيما يَسْتَحِقُّهُ لَها وعَلَيْها مِن ثَوابٍ وعِقابٍ.

والهاءُ في (بَصِيرَةٌ) لِلْمُبالَغَةِ.

﴿ وَلَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ لَوِ اعْتَذَرَ يَوْمَئِذٍ لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: يَعْنِي لَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ أيْ لَوْ تَجَرَّدَ مِن ثِيابِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: لَوْ أظْهَرَ حُجَّتَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ وقالَ النّابِغَةُ: لَدى إذا ألْقى البَخِيلُ مَعاذِرَهُ.

الرّابِعُ: مَعْناهُ ولَوْ أرْخى سُتُورَهُ، والسِّتْرُ بِلُغَةِ اليَمَنِ مِعْذارٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ، قالَ الشّاعِرُ ولَكِنَّها ضَنَّتْ بِمَنزِلِ ساعَةٍ ∗∗∗ عَلَيْنا وأطَّتْ فَوْقَها بِالمَعاذِرِ وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ لَوْ تَرَكَ الِاعْتِذارَ واسْتَسْلَمَ لَمْ يُتْرَكْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر من طريق عن ابن عباس في قوله: ﴿ بل الإِنسان على نفسه بصيرة ﴾ قال: الإِنسان شهيد على نفسه وحده ﴿ ولو ألقى معاذيره ﴾ قال: ولو اعتذر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير مثله.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ بل الإِنسان على نفسه بصيرة ﴾ قال: شاهد عليها بعملها ﴿ ولو ألقى معاذيره ﴾ قال: واعتذر يومئذ بباطل لم يقبل الله ذلك منه يوم القيامة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره ﴾ قال: لو جادل عنها هو بصير عليها.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ ولو ألقى معاذيره ﴾ قال: حجته.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عمران بن جبير قال: قلت لعكرمة: ﴿ بل الإِنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره ﴾ فسكت وكان يستاك، فقلت: إن الحسن قال: يا ابن آدم عملك أحق بك، قال: صدقت.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ بل الإِنسان على نفسه بصيرة ﴾ قال: إذا شئت رأيته بصيراً بعيون الناس غافلاً عن عيبه، قال: وكان يقال في الإِنجيل: مكتوب يا ابن آدم أتبصر القذاة في عين أخيك ولا تبصر الجذل المعترض في عينك؟.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ بل الإِنسان على نفسه بصيرة ﴾ قال: سمعه وبصره ويده ورجليه وجوارحه ﴿ ولو ألقى معاذيره ﴾ قال: ولو تجرد من ثيابه.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ ولو ألقى معاذيره ﴾ قال: ستوره بلغة أهل اليمن.

أخرج الطيالسي وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة وكان يحرك به لسانه وشفتيه مخافة أن يتلفت منه يريد أن يحفظه فأنزل الله: ﴿ لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه ﴾ قال: يقول إن علينا أن نجمعه في صدرك ثم تقرؤه ﴿ فإذا قرأناه ﴾ يقول: إذا أنزلناه عليك ﴿ فاتبع قرآنه ﴾ فاستمع له وأنصت ﴿ ثم إن علينا بيانه ﴾ بينه بلسانك، وفي لفظ علينا أن نقرأه فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل أطرق.

وفي لفظ استمع فإذا ذهب قرأكما وعده الله عز وجل.

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه القرآن تعجل بقراءته ليحفظه فنزلت هذه الآية ﴿ لا تحرك به لسانك ﴾ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم ختم سورة حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفتر عن القرآن مخافة أن ينساه فقال الله: لا تحرك به لسانك ﴿ إن علينا جمعه ﴾ أن نجمعه لك ﴿ وقرآنه ﴾ أن تقرأه فلا تنسى ﴿ فإذا قرأناه ﴾ عليك ﴿ فاتبع قرآنه ﴾ يقول: إذا يتلى عليك فاتبع ما فيه ﴿ ثم إن علينا بيانه ﴾ يقول: حلاله وحرامه فذلك بيانه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه القرن تعجل بقراءته ليحفظه فنزلت هذه الآية ﴿ لا تحرك به لسانك ﴾ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم ختم سورة حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفتر عن القرآن مخافة أن ينساه فقال الله: لا تحرك به لسانك ﴿ إن علينا جمعه ﴾ أن نجمعه لك ﴿ وقرآنه ﴾ أن تقرأه فلا تنسى ﴿ فإذا قرأناه ﴾ عليك ﴿ فاتبع قرآنه ﴾ يقول: إذا يتلى عليك فاتبع ما فيه ﴿ ثم إن علينا بيانه ﴾ يقول: حلاله وحرامه فذلك بيانه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ فإذا قرأناه ﴾ قال: بيناه ﴿ فاتبع قرآنه ﴾ يقول: اعمل به.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ لا تحرك به لسانك ﴾ قال: كان يستذكر القرآن مخافة النسيان، فقيل له: كفيناكه يا محمد.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ لا تحرك به لسانك لتعجل به ﴾ قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يحرك لسانه بالقرآن مخافة النسيان.

فأنزل الله ما تسمع ﴿ إن علينا جمعه وقرآنه ﴾ يقول: إن علينا حفظه وتأليفه ﴿ فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ﴾ يقول اتبع حلاله واجتنب حرامه ﴿ ثم إن علينا بيانه ﴾ قال: بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)﴾ جمع معذرة، يقال: معذرة، ومعاذر، ومعاذير.

قال المفسرون: يعني لو اعتذر.

وهو قول ابن عباس (١) (٢) (٣) (٤) (٥) قال الفراء: أي وإن اعتذر فعليه من يكذب عذره (٦) وقال الزجاج: ولو أدلى بكل حجة عنده (٧) وقال (الضحاك) (٨) (٩) (١٠) وذكر الفراء والزجاج والمبرد (١١) (١٢) وقال الزجاج: المَعاذير: السُّتُور، واحِدُها: مِعْذار (١٣) وقال المبرد هي: لغة يمانية (١٤) والمعنى على هذا القول: أنه وإن أُسبل الستر لتخفى ما يعمل فإن نفسه شاهد عليه.

(١) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 334، و"جامع البيان" 29/ 185، و"زاد المسير" 8/ 136 حكاه عن الأكثرون، و"الدر المنثور" 8/ 347 وعزاه إلى ابن المنذر.

(٢) "جامع البيان" 29/ 186، و"النكت والعيون" 6/ 155 بمعناه، و"معالم التنزيل" 4/ 423، و"زاد المسير" 8/ 136 حكاه عن الأكثرين، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 99، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 478 بمعناه، و"الدر المنثور" 8/ 347 وعزاه إلى عبد الرزاق -ولم أجد عنده-، وعبد حميد، وابن المنذر، و"فتح القدير" 5/ 338.

(٣) المراجع السابقة عدا النكت، والدر.

انظر كشف البيان: 13: 7/ أ.

(٤) "تفسير مقاتل" 218/ أ، و"الكشف والبيان" 13: 7/ أبمعناه، و"زاد المسير" 8/ 136 حكاه عن الأكثرين، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 99، و"فتح القدير" 5/ 338.

(٥) المراجع السابقة، و"الدر المنثور" 8/ 347 وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وانظر: "تفسير سعيد بن جبير" 362.

(٦) "معاني القرآن" 3/ 211 بنصه.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 253 بنصه.

(٨) "جامع البيان" 29/ 186، و"الكشف والبيان" 13: 7/ أ، و"المحرر الوجيز" 5/ 404 بمعناه، و"زاد المسير" 8/ 136، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 99.

(٩) ساقطة من (أ).

(١٠) "الكشف والبيان" 13: 7/ أ، بمعناه، و"المحرر الوجيز" 5/ 404، و"زاد المسير" 8/ 136، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 99، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 478، وانظر: "تفسير السدي" 468.

(١١) في (أ): بهذا.

(١٢) "معاني القرآن" 3/ 211 بنصه.

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 253 بنصه (١٤) لم أعثر عليه في "الكامل" ولا "المقتضب"، وقد ورد عنه منسوبًا إليه في "التفسير الكبير" 30/ 222، و"فتح القدير" 5/ 338.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾ في معناه قولان: أحدهما: أنه شاهد على نفسه بأعماله، إذ تشهد عليه جوارحه يوم القيامة، والآخر: أنه حجة بينه لأن خلقته تدل على خالقه، فوصف بالبصارة مجازاً لأن من نظر فيه أبصر الحق، والأول أليق بما قبله وما بعده، كأنه قال: ينبؤ الإنسان يومئذ بأعماله بل هو يشهد بأعماله وإن لم ينبأ بها، وكذلك يلئتم مع قوله: ولو ألقى معاذيره، ويكون هو جواب لو حسبما نذكره ﴿ وَلَوْ ألقى مَعَاذِيرَهُ ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن المعاذير الأعذار أي الإنسان يشهد على نفسه بأعماله ولو اعتذر عن قبائحها، والآخر أن المعاذير: الستور، أي الإنسان يشهد على نفسه يوم القيامة ولو سدل الستور على نفسه في الدنيا، حين يفعل القبائح.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: روى الهاشمي وابن ربيعة عن قنبل ﴿ لأقسم ﴾ على أن اللام حرف الابتداء أي لأنا أقسم ولا خلاف في قوله ﴿ ولا أقسم بالنفس اللوامة ﴾ ﴿ برق ﴾ بفتح الراء: أبو جعفر ونافع.

الآخرون: بكسرها ﴿ تحبون ﴾ و ﴿ تذرون ﴾ على الخطاب أبو جعفر ونافع وعاصم وحمزة وعلي وخلف ﴿ ولا صلى ﴾ إلى اخر السورة بالإمالة اللطيفة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

وقرأ حمزة وعلي وخلف بالأمالة الشديدة.

﴿ يمنى ﴾ علىالتذكير: حفص والمفضل وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ورويس.

الباقون: بتاء التأنيث.

الوقوف: ﴿ القيامة ﴾ ه لا ﴿ اللوامة ﴾ ه ﴿ عظامه ﴾ ه ط لاستئناف الجواب أي بلى نجمعها ﴿ بنانه ﴾ ه ﴿ أمامه ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ القيامة ﴾ ه ج ﴿ البصر ﴾ ه لا ﴿ القمر ﴾ ه ك ﴿ المفر ﴾ ه ك لأن كلاً يصلح للردع عن الفرار والأجوز ﴿ لا وزر ﴾ ه ط ﴿ المستقر ﴾ ه ط ﴿ وأخر ﴾ ه ط ﴿ بصيرة ﴾ ه لا ﴿ معاذيره ﴾ ه لا ﴿ لتعجل به ﴾ ه ط ﴿ وقرآنه ﴾ ه ج لاحتمال أن " ثم " لترتيب الأخبار ﴿ بيانه ﴾ ه ط ﴿ العاجلة ﴾ ه ﴿ الآخرة ﴾ ه ﴿ ناضرة ﴾ ه ج ﴿ ناظرة ﴾ ه ج للفصل بين أهل السعادة والشقاوة ﴿ باسرة ﴾ ه ﴿ فاقرة ﴾ ه ط ﴿ التراقي ﴾ ه لا ﴿ راق ﴾ ه ك ﴿ الفراق ﴾ ه ك ﴿ بالساق ﴾ ه ك ﴿ المساق ﴾ ه ك ﴿ ولا صلى ﴾ ه لا ﴿ وتولى ﴾ ه ك ﴿ يتمطى ﴾ ه ط للعدول إلى الخطاب ﴿ فأولى ﴾ ه لا ﴿ سدى ﴾ ه ط ﴿ يمنى ﴾ ه ﴿ فسوى ﴾ ه ك ﴿ والأنثى ﴾ ه ط ﴿ الموتى ﴾ ه.

التفسير: المشهور أن " لا " في ﴿ لا أقسم ﴾ صلة زائدة كما مر في قوله ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم  ﴾ واعترض عليه بوجوه أحدها: أنه يوجب الطعن في القرآن بحيث أنه لا يبقى الوثوق بنفيه وإثباته قلت: إذا عرف من استعمالات العرب زيادة لا في هذا الفعل المخصوص لم يبق للطاعن مجال على أن الحكم بزيادتها إنما هو بالنظر إلى أصل المعنى وإلا فلها في التركيب معان: الأول كأنها نفي لكلام قبل القسم وذلك أنهم أنكروا البعث كما أخبر الله في آخر السورة المتقدمة فقيل: ليس الأمر على ما ذكرتم ثم أقسم بكذا وكذا إنه لواقع.

والثاني أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظاماً له فكأنه بإدخال حرف القسم يقول: إن إعظامي له بإقسامي به كلا اعظام إنه يستأهل فوق ذلك.

الإعتراض الثاني أن هذا الحرف إنما يزاد في وسط الكلام لا في أوّله وأجيب بالمنع، ألا ترى أن أمرأ القيس كيف زادها في مستهل قصيدته: فلا وأبيك ابنة العامري *** لا يدّعي القوم أني أفرّ وفائدة الزيادة كما تقرر.

وقد يجاب بأن القرآن كله في حكم كلام واحد متصل بعضه ببعض ولا سيما هذه السورة وآخر السورة المتقدمة عليها ولكني أسألك غير مقسم أتحسب أنا لا تجمع عظامك إذا تفرقت بالموت، فإن كنت تحسب ذلك فاعلم أنّا قادرون عليه.

وقيل: المعنى على الاستفهام الإنكاري والتقدير: ألا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة على أن الحشر حق.

وهذا التأويل يعضده قراءة من قرأ ﴿ لأقسم ﴾ على أن اللام للابتداء.

وقال بعضهم: على هذه القراءة إنه أقسم بالقيامة تعظيماً لها ولم يقسم بالنفس اللوامة تحقيراً لها لأنها إما كافرة بالقيامة مع عظم أمرها، وإما فاسقة مقصرة في العمل.

أما تفسير النفس اللوامة فقد سبق لنا في سورة يوسف في قوله ﴿ إن النفس لأمارة بالسوء  ﴾ بيان سبب تسمية النفس تارة بالأمارة وأخرى باللوامة ثم بالملهمة ثم بالمطمئنة.

والذي ذكره المفسرون ههنا وجوه منها ما قال ابن عباس: كل نفس فإنها تلوم نفسها يوم القيامة على ترك الازدياد من الطاعة إن كانت محسنة، أو على التفريط إن كانت مسيئة.

وضعف بعضهم هذا النقل بناء على أن أهل الجنة لا يكون لهم مثل هذه الخواطر وإلا لدام حزنهم.

وعن الحسن أن هذا اللوم في الدنيا والمؤمن لا تراه إلا لائماً نفسه وإن الكافر يمضي على سيرته لا يعاتب نفسه.

ومنها أنها النفوس المتقية التي تلوم النفس العاصية يوم القيامة بسبب أنها تركت التقوى.

ولا يخفى وجه المناسبة بين القسمين أعني بين القيامة وبين النفس اللوامة على هذه الوجوه.

وخص النفس اللوامة بعضهم بآدم  وذلك أنه لم يزل يتلوم على فعله الذي خرج به من الجنة.

وقيل: أن الإنسان خلق هلوعاً فأي شيء طلبه إذا وجده مله فيلوم نفسه على أني لم طلبت فلكثرة هذا العمل سميت باللوامة.

والجمهور على أن جواب القسم محذوف وهو لتبعثن دل عليه قوله ﴿ أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه ﴾ وفي الأقسام بيوم القيامة على وقوع يوم القيامة مزيد تقرير وتأكيد لوقوعه فإن الإقسام بالمعدوم لا يعقل معناه، وفي ضم النفس الوامة إليه تنبيه على أن الغرض من القيامة وهو إظهار أحوال النفس ومراتبها في السعادة وضدها.

قال جمع من الأصوليين: الإنسان في الآية هو المكذب بالبعث على الإطلاق وقال ابن عباس: هو أبو جهل.

وقال آخرون: إن عدي بن ربيعة ختن الأخنس بن شريق وهما اللذان كان رسول الله  يقول فيهما: اللهم اكفني جاري السوء.

قال: يا محمد حدثنا عن يوم القيامة كيف أمره فأخبره النبي  فقال: لو عانيت ذلك اليوم لم أصدقك يا محمد ولم أؤمن به، أو يجمع الله العظام؟

فأنزل الله  ﴿ أيحسب الإنسان ﴾ الآية.

قوله ﴿ قادرين ﴾ حال مؤكدة لأنه يستحيل جمع العظام بدون القدرة الكاملة التي نبه عليها بقوله ﴿ أن نسوي بناته ﴾ لأن من قدر على ضم سلاميات الأصبع مع صغرها ولطافتها كما كانت، كان على ضم العظام الكبار أقدر، وإنما خص البنان وهو الأنملة بالذكر لأنه آخر ما يتم به خلقه فذكره يدل على تمام الأصبع يدل على تمام سائر الأعضاء التي هي أطرافها.

وقيل: معنى التسوية جعلها شيئاً واحداً كخف البعير وحافر الحمار بحيث لا يقدر على البطش، والمراد أنه قادر على رد العظام والمفاصل إلى هيأتها الأولى وعلى ضد ذلك قوله ﴿ بل يريد ﴾ إضراب عن قوله والظاهر أنه إيجاب ويجوز أن يكون استفهاماً مقدراً.

ومعنى ﴿ ليفجر أمامه ﴾ ليدوم على فجوره في الأوقات التي بين يديه وهي المستقبلة.

وهذا فحوى قول سعيد بن جبير يقدم الذنب ويؤخر التوبة حتى يأتيه الموت على شر أحواله.

قال أهل النظم: وإن إنكاراً البعث يتولد تارة من الشبهة بأن يستبعد اجتماع الأجزاء بعد تفرقها وتلاشيها، وأخرى من التهور بأن ينكر المعاد باسترسال الطبع والميل إلى الفجور، فأشار إلى الجواب عن الشبهة بقوله ﴿ أيحسب الإنسان ﴾ إلى قوله ﴿ بناته ﴾ وأنكر على الثني بقوله ﴿ بل يريد ﴾ أن يكذب بما أمامه من البعث والحساب لئلا تنتقص عنه اللذات العاجلة ﴿ يسئل ﴾ سؤال تنعت ﴿ أيان يوم القيامة ﴾ ثم ذكر من أمارات الساعة أموراً أولها ﴿ فإذا برق البصر ﴾ أي تحير فزعاً وأصله من برق الرجل بالكسر إذا تأثر ناظره من تأمل البرق، ثم استعمل في كل حيرة.

ومن قرأ بفتح الراء فهو من البريق أي لمع من شدة شخوصه كقوله ﴿ إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار  ﴾ وثانيها ﴿ وخسف القمر ﴾ أي ذهب ضوءه كما يشاهد في الدنيا وقت خسوفه, أو ذهب بنفسه من قوله ﴿ فخسفنا به وبداره الأرض  ﴾ وهذا التفسير عندي لا يلائم ما بعده أن الجمع بينه وبين الشمس بعد انعدامه غير معقول ظاهراً.

وثالثها ﴿ وجمع الشمس والقمر ﴾ قيل: أي في اطلاعهما من المغرب.

وقيل: في ذهاب الضوء.

وقيل: يجتمعان أسودين مكورين كأنهما ثوران عقيران كما جاء في الحديث، ولعل ذلك لأنهما عبدا من دون الله، و الثور مثل في الذل والبلادة فإذا كان عقيراً أي جريحاً كان أبلغ في ذلك.

وقيل: يجمعان ثم يقذفان في البحر فيكون نار الله الكبرى.

طعن الملاحدة في الآية بأن خسوف القمر لا يحصل باجتماع الشمس والقمر.

وأجيب بأنه  قادر على خسف القمر في غير حالة المقابلة وحيلولة الأرض.

والأولى عندي أن يجاب بأن اجتماعهما بمعنى آخر غير ما هو المعهود بين أهل التنجيم كما مر من الأقوال.

ولئن سلمنا أن المراد هو الإجتماع المعهود فالقمر حينئذ في المحق وهو خسفه، أو لعل القمر خسف في وسط الشهر والاجتماع يكون في آخره فإن اتحاد الزمان في هذه الأمور غير مذكور.

ومنهم من جعل هذه الأمور من علامات الموت، أما شخوص البصر تحيره حين الموت فظاهر، وأما خسوف القمر فمعناه ذهاب ضوء البصر بعد الحيرة: يقال: عين خاسفة إذا فقئت فغارت حدقتها في الرأس.

وأما جمع الشمس والقمر فكناية عن اتصال الروح بعالم الآخرة، فالروح كالقمر وعالم الآخرة وهو عالم الأنوار والكشوف كالشمس وكما أن القمر يقبل النور من الشمس فالروح تقبل نور المعارف من ذلك العالم وهذا التفسير بالتأويل أشبه.

قال الفراء: إنما قال ﴿ جمع ﴾ ولم يقل " جمعت " مع أن التأنيث أحسن لأن المراد أنه جمع بينهما في زوال النور.

وقال الكسائي: المعنى جمع النوران والضياآن.

وقال أبو عبيدة: القمر شارك الشمس في الجمع فغلب جانب التذكير ﴿ يقول الإنسان ﴾ المنكر للقيامة ﴿ أين المفر ﴾ والاستفهام على أصله وهو إقرار منه بأنه لا مفر كما إذا أيس من وجدان زيد فيقول: أين زيد ﴿ كلا ﴾ ردع عن طلب مكان الفرار وهذا أصح عند أهل اللغة.

قال الأخفش والزجاج: المصدر من يفعل بكسر العين مفتوح العين، وبالكسر المكان.

وجوز بعضهم أن يكون المفتوح موضعاً.

وأصل الوزر المحل المنيع ثم استعمل لكل ما التجأت إليه وتحصنت به، والمعنى أنه لا شيء يعتصم به وقتئذ من أمر الله إلا الله فلذلك قال ﴿ إلى ربك ﴾ خاصة دون غيره ﴿ يومئذ المستقر ﴾ أي إستقرار العباد ولا بد من تقدير مضاف أي إلى حكم ربك أو إلى جنته أو ناره.

﴿ ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم ﴾ من عمل ﴿ وأخر ﴾ فلم يعلمه، أو بما قدم من ماله وتصدق به وما أخر فخلف أو بما قدم من عمل الخير والشر وما أخر من سنة حسنة أو سيئة.

وعن مجاهد بأول عمله وآخره أي بجميع أعماله.

والأظهر أن هذا الإنباء إنما هو في يوم القيامة.

وجوز أن يكون عند الموت حين رأى مقعده من الجنة والنار.

ثم بين أن الإنسان لأعماله بصير وإن لم ينبأ فقال ﴿ بل الإنسان على نفسه بصيرة ﴾ أي حجة بينة.

وقال أبو عبيدة: التاء للمبالغة كعلامة.

قال الأخفش: جعله في نفسه بصيرة كما يقال " فلان جود وكرم " وذلك أنه يعلم بالضرورة متى رجع إلى عقله أن طاعة خالقه واجبة وعصيانه منكر فهو حجة على نفسه بعقله السليم.

قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل: إن المراد شهادة جوارحه عليه.

قوله ﴿ ولو ألقى معاذيره ﴾ تأكيد أي ولو جاء بكل معذرة يحاج بها عن نفسه فإنها لا تنفعه لأنه لا يخفى شيئاً من أفعاله فإن نفسه وأعضاءه تشهد عليه.

وقال الواحدي والزمخشري: المعاذير اسم جمع للمعذرة كالمناكير للمنكر، ولو كان جمعاً لقيل معاذر بغير ياء.

وعن الضحاك والسدي أن المعاذير جمع معذار وهو الستر، والمعنى إنه إن أسبل الستور لن يخفى شيء من عمله قال جار الله: إن صح هذا النقل فالسبب في التسمية أن الستر يمنع رؤية المحتجب كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب.

فمدار التركيب على الحجب والمنع ومنه العذران قال الإمام فخر الدين الرازي: زعم قوم من قدماء الشيعة أن هذا القرآن مغير بالزيادة والنقصان، ومن جملة إستدلالاتهم أنه لا مناسبة بين هذه الآية وبين قوله عقيبها ﴿ لا تحرك به ﴾ أي بالقرآن الذي نتلوه عليك ﴿ لسانك لتعجل به ﴾ أي بأخذه.

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي  كان يشتد عليه حفظ التنزيل فكان إذا نزل عليه الوحي حرك لسانه وشفتيه قبل فراغ جبرائيل مخافة النسيان فنهاه الله  عن ذلك، نظيره ما مر في " طه " ﴿ ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه  ﴾ وهذا من قبيل ترك الأولى، أو لعل هذا كان مأذوناً فيه أولاً ثم ورد النهي ناسخاً له ﴿ أن علينا ﴾ بحكم الوعد أو بالنظر إلى الحكمة ﴿ جمعه ﴾ في صدرك ﴿ وقرآنه ﴾ سيعيده عليك جبرائيل أو توقيفك لدراسته وحفظ لقوله ﴿ سنقرئك فلا تنسى  ﴾ فالقارىء على الأول جبرائيل، وعلى الثاني محمد  .

وقيل: أراد بالجمع ترتيبه على ما هو عليه في الخارج وبالقرآن جمعه في ذهنه، والتركيب يدل على الضم ومنه القرء ﴿ فإذا قرأناه ﴾ بقراء جبرائيل ﴿ فاتبع قرآنه ﴾ قال قتادة: أي حلاله وحرامه وضعف بأن هذا ليس موضع الأمر باتباع الحلال والحرام بل المراد أنه لا ينبغي أن تكون قراءتك مقارنة لقراءة جبرائيل  لكن يجب أن تسكت حتى يتم جبرائيل القراءة ثم تأخذ أنت في القراءة.

قال ابن عباس: فكان النبي  بعد ذلك إذا نزل عليه جبرائيل أطرق واستمع فإذا ذهب قرأ.

ثم إنه  كما كان حريصاً على القراءة حتى لا ينسى لفظه كان حريصاً على فهم المعنى، وكان يسأل جبرائيل في أثناء الوحي عن المعاني المشكلة فنهي عن هذا أيضاً بوعد البيان وهو قوله ﴿ إن علينا بيانه ﴾ قال بعضهم: وفيه دليل على أن تأخير البيان عن وقت الخطاب جائز.

إذا عرفت تفسير الآية فاعلم أن العلماء استنبطوا للنظم وجوهاً منها: أن هذا الإستعجال لعله اتفق النبي  عند نزول هذه الآيات فلا جرم نهي عن ذلك في الوقت كما أن المدرس إذا كان يلقي على تلميذه شيئاً من العلم وأخذ التلميذ يلتفت يميناً وشمالاً فيقول المدرس في أثناء درسه: لا تلتفت يميناً وشمالاً، ثم يعود إلى الدرس مع هذا الكلام في أثنائه اشتبه وجه المناسب على من لم يعرف الواقعة.

ومنها أنه علت كلمته أخبر عن الإنسان أنه يحب السعادة العاجلة فيفجر لذلك أمامه، فبين بين ذلك أن التعجل مذموم مطلقاً ولو في أمور الدين فقال ﴿ لا تحرك به لسانك ﴾ ورتب على ذم الإستعجال قوله ﴿ كلا بل تحبون العاجلة ﴾ ومنها أنه لما قال ﴿ ولو ألقى معاذيره ﴾ وكان النبي  يظهر التعجيل في القراءة خوف النسيان قيل له: إنك وإن أتيت بهذه المعذرة لكنك يجب أن تعلم أن الحفظ لا يحصل إلا بتوفيق الله وإعانته فاترك هذا التعجيل واعتمد على هدايتنا، ولا تستعن في طلب الحفظ بالتكرار، وفيه أن الكافر كان يفر من الله إلى غيره حين قال ﴿ أين المفر ﴾ فعلى المؤمن أن يضاده ويفر من غير الله إلى الله ولا يستعين في كل أموره إلا به.

ومنها أنه  كأنه قال: يا محمد إن غرضك من هذا هو التبليغ لكنه لا حاجة إليه فإن الإنسان على نفسه بصيرة يعرف قبح الكفر مهما رجع إلى نفسه.

وقال القفال: يجوز أن يكون المخاطب بهذا هو الإنسان المذكور في قوله ﴿ ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ﴾ كأنه حين عرض كتابه يقال له ﴿ إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً  ﴾ فإذا أخذ في القراءة ينبأ بقبح أعماله فيتلجلج لسانه من الفزع ويسرع له القراءة فيقال له ﴿ لا تحرك به لسانك لتعجل به ﴾ فإنه يجب علينا بحكم الوعد والحكمة أن نجمع أعمالك عليك وأن نقرأها عليك، فإذا قرأناه عليك فاتبع قرآنه بالاعتراف والإقرار، ثم أن علينا بيان أمره وشرح مراتب عقوبته.

قوله  .

﴿ كلا بل تحبون ﴾ قال بعضهم: هو بمعنى حقاً.

وقال جار الله: هو ردع لرسول الله  عن عادة العجلة وحيث له على الأناة والتؤدة وقد بالغ في ذلك باتباعه قوله ﴿ بل تحبون العاجلة ﴾ كأنه قيل: بل أنتم يا بني آدم خلقتم من عجل تعجلون في كل شيء، ومن ثم تحبون الدنيا وتتركون الأخرى.

ثم وصف اليوم الآخر بقوله ﴿ وجوه يومئذ ناضرة ﴾ ذات نضارة وبهاء.

والوجه عبارة عن الجملة قاله في الكشاف: والأولى عندي تقليلاً للمجاز أن راد بالوجوه العيون فيكون من إطلاق الكل على الجزء لا عكسه ﴿ إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة ﴾ شديدة العبوس ﴿ تظن أن يفعل بها فاقرة ﴾ فعل هو في شدته وفظاعته فاقرة أي داهية تقصم فقار الظهر كما توقعت الوجوه الناضرة أن يفعل بها كل خير.

قال الأصمعي: الفقر أن يحز أنف البعير حتى يخلص إلى العظم أو يقرب منه ثم يجعل فيه خشبة يجر بها البعير، ومنه قيل: عملت به الفاقرة.

وقال الكلبي: هي أن تحجب عن رؤية ربها فلا تنظر إليه.

وأعلم أن أهل السنة استدلوا بالآية على إمكان رؤية الله تعالى في الآخرة بل على وجوبها بحكم الوعد وحاصل كلامهم أن النظر إن كان بمعنى الرؤية فهو المطلوب، وإن كان بمعنى تقليب الحدقة نحو المرئي فهذا في حقه  محال لأنه منزه عن الجهة والمكان فوجب حمله على مسببه وهو الرؤية وهذا مجاز مشهور وأما المعتزلة فزعموا أن النظر المقرون بـ "إلى " إنما يراد به تقليب الحدقة نحو المرئي التماساً للرؤية فقد تحصل الرؤية وقد لا تحصل كما قال  ﴿ وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ﴾ ويقال: دور فلان متناظرة أي متقابلة ولا ريب أن تقليب الحدقة نحو الشيء يستدعي جهة لذلك الشيء وهذا في حق الله  محال فوجب حمل النظر على الانتظار أي منتظرة ثواب ربها كقولك: أنا ناظر إلى فلان ما يصنع فيّ.

والانتظار إذا كان في شيء متيقن الوقوع لا يوجب الغم والحزن بل يزيد اللذة والفرح.

واعترض بأن النظر إذا كان بمعنى الانتظار لا يعدّى بـ" إلى " كقوله ﴿ أنظرونا نقتبس من نوركم  ﴾ ﴿ هل ينظرون إلى تأويله  ﴾ وأجيب بأن ذلك إنما يكون إذا كان منتظراً للشخص، أما إذا كان منتظراً لرفده ومعونته فإنه يستعمل مقروناً بإلى كقول الرجل: إنما نظري إلى الله ثم إليك.

وقد يقول الأعمى: عيني ناظرة إليك.

سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون " إلى " واحد الآلاء أي نعمة ربها منتظرة، وتقديم المفعول لأجل الفاصلة أو للاختصاص أي لا ينتظرون إلا إلى نعمة الله ورحمته، قال في الكشاف: وهذا المعنى أعني إفادة الاختصاص أحد الدلائل الدالة، على أن النظر ههنا ليس بمعنى تقليب الحدقة ولا بمعنى الرؤية لأنهم ينظرون إلى أشياء ويرون أشياء لا تدخل تحت الحصر فلا بد من حمل النظر على معنى يصح معه الإختصاص وهو التوقع والرجاء.

وحين وصف القيامة الكبرى أتبعه نعت القيامة الصغرى فروّعهم عن إيثار العاجلة على الآجلة.

وذكرهم حالة الموت التي هي أول منزلة من منازل الآخرة.

والضمير في ﴿ بلغت ﴾ للنفس لدلالة قرينة الحال والمقال كما في قوله ﴿ فلولا إذا بلغت الحلقوم  ﴾ والتراقي العظام المكتنفة ثغرة النحر من الجانبين واحدها ترقوة، والمراد زهوق الروح لأن متعلق النفس هو الروح الحيواني الذي منبعه القلب فإذا فارق المنبع لم يبق من آثاره في حواليه إلا قليل كما لو غارت العين لم يبق في نواحيها إلا أثر قليل من النداوة فيزول عن قرب.

قوله ﴿ وقيل من راق ﴾ إن كان من الرقية يقال رقاه يرقيه إذا عوذه بما يشفيه ومنه " بسم الله أرقيك من كل يؤذيك " فالقائل هم بعض أصحاب الميت وأقاربه، والاستفهام إما على أصله لأن العادة جارية على طلب الطبيب والراقي في وقت ما يشتد المرض، وإما بمعنى الإنكار أي من الذي يقدر أن يرقي هذا الإنسان المشرف على الموت، وإن كان اشتقاقه من الرقي الصعود ومنه المرقاة قال الله تعالى ﴿ ولن نؤمن لرقيك  ﴾ فالقائل بعض الملائكة يعني أيكم يرقي بروح هذا المحتضر ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب.

وعن ابن عباس: إن الملائكة يكرهون القرب من الكافرين فيقول ملك الموت: من يرقى بروح هذا الكافر؟

وقال الكلبي: يحضر العبد عند الموت سبعة أملاك من ملائكة العذاب مع ملك الموت فإذا بلغت نفس العبد التراقي نظر بعضهم إلى بعض أيهم يعرج بروحه إلى السماء ﴿ وظن ﴾ المحتضر أي تيقن ﴿ أنه ﴾ وقت ﴿ الفراق ﴾ عن الدنيا وأوان الفطام عن مألفواتها.

وفي التعبير عن اليقين ههنا بالظن تهكم بالميت وإشارة إلى أن الإنسان لتهالكه على الدنيا وحرصه على الحياة العاجلة لا يكاد يقطع بحلول الأجل وإن لم يبق منه إلا حشاشة يسيرة، غايته أنه يغلب على ظنه الموت مع رجاء الحياة العاجلة لا يكاد يقطع بالموت.

واستدل بهذه الآية على أن النفس باقٍ بعد خراب البدن لأن الله سمى الموت فراقاً والفراق والوصال صفة والصفة تستدعي وجود الموصوف.

﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ فيه وجهان أحدهما: أنه كناية عن الشدّة كما مر في قوله ﴿ يوم يكشف عن ساق  ﴾ أي اتصلت شدة فراق الدنيا وترك الأهل والولد والجاه وشماتة الأعداء وحزن الأولياء وغير ذلك بشدّة الإقبال على أحوال الآخرة وأهوالها.

الثاني أن الساق هي العضو المخصوص.

قال الشعبي: أما رأيته في النزع كيف يضرب بإحدى رجليه على الأخرى؟

قال الحسن وسعيد بن المسيب: هما ساقاه التفتا في أكفانه.

وقيل: التفاف ساقيه وهو أنه إذا مات يبست ساقاه ولصقت إحدهما بالأخرى.

وقريب منه قول قتادة ماتت رجلاه فلا يحملانه وقد كان عليهما جوالاً ﴿ إلى ربك ﴾ أي حكمة خاصة ﴿ يومئذ المساق ﴾ أي السوق.

وقيل: أراد أن سوقه وقتئذ يفوض إلى الله دون غيره، والفرق أن الرب أي حكمه في الأول هو المسوق إليه وهو في الثاني سائق يسوقه إلى الجنة أو إلى النار.

قوله ﴿ فلا صدّق ولا صلى ﴾ الضمير فيه عائد إلى الإنسان المذكور في قوله ﴿ أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه ﴾ وقد سبق أن تعينه صنفيّ أو شخصي أخبر الله  عن اختلال حال أعماله فيما يتعلق بأصول الدين وفروعه قائلاً ﴿ فلا صدق ﴾ أي فلا صدّق بالرسول أو بالقرآن أو بالبعث ﴿ ولا صلى ﴾ ﴿ ولكن كذب ﴾ بالحق ﴿ وتولى ﴾ عن الطاعة ﴿ ثم ذهب إلى أهله يتمطى ﴾ متبختراً مفتخراً بذلك وأصله يتمطط أي يتمدد لأن المتبختر يمد خطاه، قلبت الطاء الأخيرة ياء كما في " تقضى البازي".

ويحتمل أن يكون من مطا الظهر لأن المتبختر يلوي ظهره.

قال أهل العربية " لا " ههنا بمعنى " لم " وقلما تقع لا الداخلة على الماضي إلا مكررة ومنه الحديث " لا أكل ولا شرب ولا استهل " أما قوله عز من قائل ﴿ فلا أقتحم العقبة  ﴾ فسيجيء قال قتادة والكلبي ومقاتل: أخذ رسول الله  بيد أبي جهل ثم قال له ﴿ أولى لك فأولى ﴾ يوعده ويدعو عليه بالهلاك والبعد عن الخير والقرب من المكاره، وقد مر في قوله ﴿ فأولى لهم  ﴾ وذلك في سورة القتال.

فقال أبو جهل: بأي شيء تهددني؟

لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا فيّ شيئاً وأني لأعز أهل هذا الوادي ثم سل يده ذاهباً فأنزل الله كما قال الرسول.

قال القفال: هذا محتمل، ويحتمل أن يكون أيضاً وعيداً مبتدأ من الله للكافر على طريقة الإلتفات.

ويحتمل أن يكون أمراً من الله لنبيه بأن يقوله لعدو الله فيكون القول مقدراً أي فقلنا لك يا محمد قل له هذا.

ثم قال دليلين على صحة الخبر الأول ﴿ أيحسب الإنسان أن يترك سدى ﴾ أي هملاً لا يكلف ولا يحاسب بعمله وهذا خلاف الحكمة نظيره ﴿ أفحسبتم أنما خلقنا كم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون ﴾ \[المؤمنون: 115\] الثاني الاستدلال بالخلق الأول على الإعادة و ﴿ منيّ يمنى ﴾ يراق في الرحم.

من ذكّر فللمني، ومن أنّث فللنطفة.

والنطفة اسم لما ينطف كالقبضة لما يقبض والغرفة لما يغرف إلا أنها غلبت على الماء المخصوص الذي هو للحيوان بمنزلة البذر للنبات.

والمني " فعيل " بمعنى " مفعول " من المني بالسكون وهو الدفق غلب أيضاً على الماء المخصوص فقوله ﴿ من مني ﴾ أي من هذا الجنس كالتأكيد لها.

وقوله ﴿ يمنى ﴾ تأكيد على تأكيد وفيه إشارة إلى حقارة الإنسان في ذاته وأنه لا يليق به التمطي والفخر والإستكبار عن طاعة خالقه فإنه مخلوق من المني الذي جرى على مجرى النجاسة نظيره في عيسى وأمه ﴿ كانا يأكلان الطعام  ﴾ والمراد به قضاء الحاجة.

قوله ﴿ فخلق فسوى ﴾ أي قدّر فعدّل أركانه.

وقيل: خلق فيه الروح فصير أعضاءه متناسبة ﴿ فجعل منه ﴾ أي من الإنسان ﴿ الزوجين ﴾ الصنفين ﴿ الذكر والأنثى ﴾ عن رسول الله  أنه اكن إذا قرأ خاتمة السورة قال عقيبها: سبحانك بلى.

والله الموفق وإليه المصير والمآب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ * وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ ﴾ ، اختلف في تأويله: فمنهم من ذكر: أنه أقسم الله  بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة، ذكر ذلك عن الحسن، ويكون معناه: لأقسم بسوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة.

لكن ذكر عنه أنه يقول في قوله  : ﴿ لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ  وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ  وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ  ﴾ : إن القسم يقع على البلد [ووالد وما ولد، والوالد هو آدم]  ، وما ولد جملة أولاده  ، فإذا كان القسم جائزا بالوالد والمولود جميعا، كانت النفس اللوامة داخلة في جملة المولود فقد أقسم بالنفس اللوامة عنده؛ فلا معنى للرد هاهنا [ثم موقع "لا" في قوله: ﴿ لاَ أُقْسِمُ ﴾ وتأويله - يذكر في قوله: ﴿ لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ﴾ في سورة يذكر فيها الكبد.

ومنهم من ذكر أن القسم وقع بهما جميعا، ولله  أن يقسم بما شاء من خلقه.

ثم صرف بعض أهل التأويل معنى القسم إلى قوله  : ﴿ أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ ﴾ ، وجعله موضع القسم، فإن كان على هذا، فالإشكال عليه أن يقول قائل: كيف أكد أمر البعث، وجمع العظام بالقسم بيوم القيامة، وقد جرى من القوم الذين احتج عليهم بهذه الآية الإنكار بيوم القيامة، فكأنه أكد القسم بشيء جرى به الإنكار؟

والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن يكون القيم منصرفا إلى الحكمة التي توجب القول بالبعث؛ إذ قد بينا في غير موضع: أنه بالبعث ما خرج خلق هذا العالم مخرج الحكمة، ولولا البعث، لكان خلقه عبثا باطلا، كقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\]، كأنه قال: لا أقسم بحكمته الداعية إلى كون القايمة كذا أن يكون كذا.

وجائز أن يكون القسم في الحقيقة بالدلائل والبراهين التي من تفكر وأمعن النظر فيها، حمله ذلك على القول بالبعث، وإذا كان محتملا صح القسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة؛ لأن التفكر في النفس اللوامة والاعتبار بها يدعو إلى القول بالبعث.

ثم العادة جرت على القسم بالأشياء التي عظم خطرها، وجل قدرها في القلوب؛ وجلالة خطرها يكون بأحد وجهين: إما بما كثرت منافعها؛ فيكون خطرها مشاهدا معروفا.

أو يعظم خطرها بالدلائل الأخبار، فالسماوات والأرضون قد عرف الخلق جلالة أقدارهما بالعيان؛ بما كثرت منافع الخلق بهما.

وعظم يوم القيامة بما جل خطره في القلوب؛ وثبت القول بكونه بالدلالات والبراهين.

ثم قد وصفنا أن الله -  - أقسم بأشياء؛ لتأكيد ما يعرف بيانه ويجب القول به لولا القسم لو أمعن النظر فيه؛ وأعملت فيه الروية؛ لذلك استقام القسم بها، والله أعلم.

واختلف في النفس اللوامة: قال بعضهم: النفس اللوامة هي النفس الكافرة، تلوم ربها في الدنيا أبدا في تضييق العيش عليها، وتشكو ربها من الفقر والإقتار عليها، مع كثرة نعم الله عليها وإحسانه إليها.

ومنهم من صرف التأويل إلى كل نفس مؤمنة كانت أو كافرة، فهي تلوم غيرها؛ لتعاطيها أشياء قد تعاطت نفسه مثلها، وامتحنت بها، والحق على كل أحد ألا يلوم أخاه بما تعاطى فعلا قد أتى هو ذلك الفعل بعينه أو مثله، ولكنها أنشئت كذلك لوامة، كما قال: ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً  إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً  ﴾ .

ومنهم من ذكر أن هذا يكون في الآخرة، فالكافر إذا أيقن بالعذاب وما حل به من نقمة الله  ندم على ما فرط في جنب الله، وأدركته الحسرة؛ فعند ذلك يلوم نفسه، والمؤمن إذا عاين الثواب يلوم نفسه لما أمسك عن المعصية وتاب، وأطال المقام في المحراب؛ و أبصر للعاملين بالطاعة حسن المآب، وللعاصي نفسه بما شذ منه وغاب، عند كمال القوة وعنفوان الشباب، وقال: كيف لم أزدد في العمل؛ لأزداد في الثواب!

ومنهم من خص الكافر في الآخرة باللوم على نفسه، وهذا أظهر؛ لأن المسلم إذا أكرم بالثواب فشكره لذلك بشغله عن اللوم [على نفسه]؛ فلا يتفرغ له.

ولأن الله -  - يضاعف له من الحسنات، ويعطيه من الدرجات زيادة على ما استوجبه ب عمله؛ فضلا منه وإنعاما، فكيف يلوم انفسه بتقصيرها في العمل، وهو يعل أن ما وصل إليه من الكرامات، لم ينل جملتها بعمله، بل بفضل الله  وبكرمه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ ﴾ : فقوله: ﴿ أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ ﴾ وإن خرج مخرج الاستفهام في الظاهر فليس هو باستفهام؛ ولكنه تحقيق حسبان من الإنسان؛ فجائز أن يكون [ما] حمله على الحسبان هو أن القدرة لا تنتهي إلى هذا في أن تجمع العظام وتؤلف بعد تفتتها وتلاشيها، فيدفع حسبانه هذا بقوله: ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ فمن تفكر في النشاة الأولى، علم أن القدرة تنتهي إلى جمع العظام بعد أن صارت رميما، وأن الذي قدر على إنشائها لقادر على جمعها بعد تفريقها.

وجائز أن يكون حسب أن العظام لا تجمع بعد تفريقها؛ لأنها لو جمعت بعد التفريقب، لم تكن تفرق بعد أن وجدت مجموعة؛ ألا ترى أن المرء في الشاهد لا يقصد إلى نقض ما بنى؛ ليعيده مرة أخرى إلى الجهة المقتدمة، ومن فعل ذلك كان عابثا في هدمه، ولم يكن حكيما، فإن كان هذا المعنى هو الذي حمله على الحسبان، فجوابه أن يقال بأن الجمع الأول وقع لمكان المحنة والابتلاء، والجمع بعد التفريق لمكان الجزاء؛ فإذا كان الجمع الثاني لغير الوجه الذي وقع [له] الجمع في الابتداء، كان مستقيما صحيحاً، وإنما يخرج عن حد الحكمة إذا لم تكن الإعادة إلا للوجه الذي وقع الابتداء [له]؛ ألا ترى أن الذي نقض بناءه إذا أعاده لا للوجه الذي كان يني أول مرة، لم ينكر عليه.

وفيما ذكرنا رد قول الباطنية؛ لأنهم زعموا أن هذه الأنفس تتلاشى وتتلف؛ فلا تبعث، وأن البعث يقع على الأنفس الروحانية، ولو كان كما زعموا، لم يكن لقوله: ﴿ أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ ﴾ معنى؛ لأن العظام لا تجمع على قولهم بعدما صارت رميمة؛ فيكون الأمر إذن على ما وقع في حسبان هذا الإنسان؛ فلا معنى للرد عليه بقوله: ﴿ بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾ ؛ ألا ترى أن الذي حمله على الإنكار لجمع العظام بعد تفريقها هو أنه لم ير هذا موجودا في الشاهد، ولو كان الأمر على ما زعمت الباطنية، لكن الإنكار مدفوعا؛ إذ وجد النفس الروحانية مبعوثة في الشاهد بعد توفيها، وقال [الله]  : ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ ، فأخبر أن الأنفس التي أنشئت أول مرة هي التي تحيا، لا غير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾ : فمنهم من حمل هذه الآية على الابتداء، وزعم أنه ليس فيها جواب لما يقتضيه قوله - عز وجل -: ﴿ أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ ﴾ .

ومنهم من ذكر أن قوله: ﴿ بَلَىٰ ﴾ ، جواب قوله: ﴿ أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ ﴾ ، فاكتفى بقوله: ﴿ بَلَىٰ ﴾ بما سبق منه من الدلالات والحجج على القول بالبعث؛ فاقتصر على قوله: ﴿ بَلَىٰ ﴾ على الوصل بما تقدم من الدلالات.

ومنهم من جعل جوابه في قوله: ﴿ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾ ، معنى تسوية البنان: هو الجعل من عظم واحد، مجموعا غير متفرق، مثل خف البعير، وحافر الدواب.

ووجه الاستدلال: أنهم أقروا بأن الله  قادر على [أن يسوي] البنان؛ لما رأوا التسوية موجودة في الدواب، ثم الجمع بعد التفريق أظهر وجودا أيسر فعلا من تسوية البنان؛ ألا ترى أن المرء في الشاهد قد يقدر على التأليف والجمع بين أشياء متفرقة، ويعجز عن تسوية البنان؛ فإذا كانت التسوية أعسر وجودا من الجمع بعد التفريق، ثم وصفوا الله  بالقدرة على تسوية البنان، فكيف أنكروا قدرته على جمع العظام بعد تفريقها؟

 الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيرا!!.

ومنهم من يقول بأن الله  لم يسو بين بنان الإنسان، وسوى بين بنان الدواب؛ ليصل إلى الأخذ والإعطاء، وإلى التقديم والتأخير، والقبض والبسط، وأنواع المنافع التي خص بها من نحو ما يملكون بالبنان تسخير الدواب والأنعام؛ فعلم بالتفريق بين الدواب وبينهم أن البشر هم المقصودون بالمحنة، وألا يتركهم سدى، لا بأمرهم، ولا ينهاهم، ولا يستأديهم شكر ما أنعم الله عليهم؛ وقد ائتمر البعض وعصى البعض؛ فلا بد من دار أخرى للمجازاة؛ فالنظر في هذا يحمله على القول بالبعث والجزاء.

ولأن الاستواء يقع في الابتداء، والجمع بعد التفريق يكون عند الإعادة، والعقول تشهد على أن أمر الإعادة أيسر من أمر الابتداء، فإذا لم يتعذر عليه الاستواء في الابتداء؛ فأنى يعسر عليه إعادة الجمع مع قدرته على الجمع في الابتداء؟

ولأ،هم لما لم يخلقوا مستوية البنان، فليعلموا أن في ترك الاستواء حكمة، ولو كان الأمر على ما قدروا أن لا بعث لكان ذل يخرج عن حد الحكمة؛ فيكون فيما ذكر تثبيت البعث والقول بالقدرة على جمع العظام بعد تفرقها، وتفتتها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ﴾ : قال أهل التفسير: يؤخر التوبة، ويقدم المعصية، ويقول: "سوف أتوب"، فيأتيه الموت على شر حاله.

وعندنا يخرج على وجهين: أحدهما: جائز أن يكون ذكر الإرادة لا على تحقيقها؛ ولكن من فعل شيئا فعله على الإرادة والاختيار، فكنى بالإرادة عن الفعل؛ لأنها تقترن بالفعل؛ فيكون في ذكرها ذكر الفعل، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ  ﴾ ولم يظن أحد من الكفرة أن السماء والأرض خلقتا باطلاً، ولكن خلقهما خرج على الحكمة بالبعث والجزاء، ففي تركم القول بالبعث وصف بأن خلقهما للعب والباطل، ويؤدي إلى هذا؛ فيصير كأنهم قالوا ذلك، وظنوا كذلك؛ فعلى هذا يحمل الأمر على الظن، لا أن وجد منهم الظن في الحقيقة؛ فكذلك إذا فعلوا فعل الفجور، وكان فعلهم على الإرادة والاختيار؛ فكأنهم أرادوا أن يفجروا أمامهم، لا أن كانت الإرادة منهم متحققة مقصودا.

وجائز أن يكون ذلك على تحقيق الإرادة، وذلك أن للشر والفجور سبلا من سلكها أفضت به إلى أن يستحق اسم الفجور، وللخير والهدى سبلا من سلكها أفضى به الأمر إلى أن يستحق اسم البر والتقوى، فإنما صار إلى الفجور وإلى أنواع الشرور بسلوكه ذلك السبيل، وصار مريدا من هذه الجهة.

ثم قوله: ﴿ أَمَامَهُ ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: فيما بقي من عمره؛ لأنه يترك الاستهداء والاسترشاد، ويمضي على العادة التي عود نفسه على ذلك من الشرور والضلال.

ويحتمل أن يكون الأمام هو يوم القيامة، ثم قال في موضع: ﴿ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً  ﴾ بعد ذكر ذلك اليوم بالأمام والوراء جميعا؛ فيكون قوله: ﴿ وَرَآءَهُمْ ﴾ ، أي: وراء الأوقات التي خلت ومضت؛ فعلى اعتبار الإضافة إلى الأوقات الماضية يكون يوم القيامة وراءها، وعلى اعتبار الإضافة إلى ذلك الفاجر يكون أماما؛ لأنه يكون أمام هذال الفاجر؛ فكذلك استقام الوصف بالأمام والوراء جميعا.

ثم ذكر الفجور، ولم يذكر الكفر وإن كان الإنسان الذي يريد أن يفجر أمامه كافرا؛ لأن في ذكر الفجور تعبيراً وتنشييناً؛ إذ هو اسم للتعيير خاصة، وليس في نفس الكفر تعيير؛ إذ كل أحد - مؤمنا كان أو كفارا - مؤمن بشيء كافر بشيء، فالكافر من حيث اسمه لم يصر قبيحا؛ بل بمعناه ما قبح؛ فكان الفجور أبلغ في التعبير من الكفر؛ فسمي به، والله أعلم.

وقال أبو بكر: معنى قوله: ﴿ يُرِيدُ ٱلإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ﴾ ، أي: يريد أن يعاين يوم القيامة، ويعلم به أنه متى هو؟

تفسيره على أثره.

قوله - عز وجل -: ﴿ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ ، أي: يريد أن يعلمه بسؤاله متى هو؟

فأخبر أنها تقوم إذا ﴿ بَرِقَ ٱلْبَصَرُ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ سؤاله هذا سؤال تعنت واستهزاء؛ لما ذكرنا أنه ليس في تعرف وقت كونه مزجر ولا مرغب، وإنما يقع الزجر والرغبة بتكذير الأحوال التي تكون في ذلك اليوم؛ فلذلك ذكر الأحوال التي تكومن في ذكل اليوم، ولم يوقفهم على ذلك الوقت متى يكون؟

إذ ليس في معرفة وقته كثير حكم، فيجيبهم رسول الله  بجواب الحكماء، لا أن يجيبهم بجواب مثلهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ ﴾ : قيل: دهش وتحير، ثم اختلف بعد هذا: فمنهم من صرف هذا إلى حالة الموت.

ومنهم من ذكر أن هذه الأحوال تكون يوم القيامة.

وإلى أي الحالين صرف التأويل، فهو مستقيم؛ لأن المنكر بالبعث إذا جاءه بأس الله  ، ورأى ما حل به من الأهوال - أيقن بالبعث، وعلم به.

ثم إن كان المراد به حالة الموت؛ فقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ * وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ * وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ * يَقُولُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ ﴾ يخرج على التمثيل، ليس على التحقيق؛ لأن بصره إذا دهش وتحير، صار بحيث لا ينتفع ببصر وجهه، ولا ببصر قلبه، لا يرى ضوء القمر؛ فيصير القمر كالمنخسف، وتصير الشمس والقمر كالمجموعين، ولا يرى ضوء الشمس ولا نور القمر؛ فيصير النهار عليه ليلا، والليل نهارا؛ شغلا بما حل به من البلايا والأهوال، وهو كما روي عن النبي  أنه قا ل: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، والآخرة جنة المؤمن وسجن الكافر" ، وقال النبي  : "من كره لقاء الله، كره الله لقاءه، ومن أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه" فصرفوا تأويل هذه الخبرين إلى حالة الموت؛ وذلك أن الكافر يعاين في ذلك الوقت ما أوعد من الأهوال والشدائد؛ فكره مفارقة روحه من جسده؛ لئلا يقع في تلك الأهوال والشدائد، وتصير الدنيا له في ذلك الوقت كالجنة، لا يجب مفارقتها.

والمؤمن إذا عاين ما وعد له من البشارات، وأنواع الكرامات، ود الخروج من الدنيا؛ ليصل إلى ما أعد له؛ فتصير الدنيا عليه كالسجن في ذلك الوقت؛ فيكون هذا كله على التمثيل من الوجه الذي ذكرنا.

وإن كان ذلك على يوم القيامة، فهو على تحقيق الخسف، وجمع الشمس والقمر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَقُولُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ ﴾ : يحتمل أن يكون قوله -  -: ﴿ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ ﴾ ، أي: ليس لي موضع فرار عما حل بي.

أو يقول: إلى أين المفر؟

وإلى من ألتجئ؛ لأتخلص من العذاب؟

والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ ﴾ : قال بعضهم: إذا شخص البصر نحو الداعي يوم القيامة، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ  ﴾ ، فيشخص ببصره إلى الداعي؛ لأنه قد علم أن الذي حل به من بأس الله  هو لامتناعه عن الإجابة للداعي في هذه الدنيا؛ فيسارع يوم القيامة في إشخاص بصره إلى الداعي؛ ابتدارا منه إلى إجابة الداعي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ ﴾ ، أي ذهب ضوءه ونوره؛ ففيه أن العالم في ذلك اليوم يغير ويبدل، كقوله -  -: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً  ﴾ ، وقال: ﴿ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً  فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً  ﴾ .

وقوله -  -: ﴿ وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ﴾ : فيه أن سلطانهما يذهب؛ فلا يعملان عملهما بعد ذلك.

ثم من الناس من زعم أنهما يجمعان يوم القيام كالبعيرين القرينين، أو كالثورين القرينين، فيلقيان في النار، ويعذبان بها.

وذكر عن ابن عباس -  ما - أنه أنكر هذا، وقال: "إنهما خَلقْان لله  ، طائعان له - عز وجل - ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ  ﴾ يدأبان في طاعة الله  ، ومن كان هذا وصفه؛ فلا يجوز أن يعذب".

وعندنا إن إلقاءهما إن ثبت، فهما يلقيان في النار؛ ليعذب بهما غيرهما، وهم الذي عبدوهما من دون الله  ، وذلك كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ الآية [الأنبياء: 98]، ومعلوم أن الأصنام التي عبدت من ون الله لا تعذب بالنار، ولكنها تجعل حصبا ونارا يعذب بها من عبدها، وقال [الله]  : ﴿ وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً  ﴾ ، ولا يجوز أن يكون الملائكة يمسهم أذى النار، بل هم الذين يُعَذِبُون؛ فعلى ذلك الشمس والقمر إن ثبت أنهما يلقيان في النار، فهما يلقيان؛ ليعذب بهما من عبدهما، لا أن يعذبا بأنفسهما، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَقُولُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ ﴾ على طلب الحيلة أن كيف أحتال إلى أن أفر؟

وإلى من ألتجئ؛ لأتخلص من بأس الله وعذابه؟!

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ ﴾ ، أي: ليس لي موضع فرار عما حل بي؛ لإيقانه أن ليس له مفر.

وجائز أن يكون هذا كله عند الموت على ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ لاَ وَزَرَ ﴾ .

ذكر أهل التأويل أن الوزر هو الجبل بلغة حمير؟

وذكر عن الحسن قال: كانت العرب يخيف بعضها بعضا، ويغير بعضها على بعض؛ فكان يكون الرجلان في ماشيتهما فلا يشعران حتى يريا نواصي الخيل، فيقول أحدهما لصاحبه: الوزر الوزر، يعني: الجبل؛ فكأنه يقول: ليس لهما إذ ذاك تفريج ولا تسلٍّ من الأحزان كما يتسلى من يأوي إلى الجبل في الدنيا عن بعض ما يحل به من الأفزاع.

وقيلأ: الوزر: الملجأ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُنَبَّأُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ﴾ ، فتأويله: أنه ينبأ من أول ما عمل إلى آخر ما انتهى إليه عمله؛ كقوله: ﴿ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا  ﴾ .

وقال بعض أهل التأويل: بما قدم من أنواع الطاعة، وما أخر من حق الله  من اللوازم التي كانت عليه.

وقال بعضهم: بما أعلن، وأسر.

وقال بعضهم: بما قدم في حياته من أعمال، وما أخر، أي: ما سن من سنة، فاستن [بها] بعد موته.

وقد ذكرنا أنه باللطف من الله  ما يعلم بالذي قدم من الأعمال وأخرها، فيتذكر بذلك حتى يصير ما كتب في الكتاب حجة عليه؛ وإلا فالمرء في هذه الدنيا إذا كتب كتابا، ثم أتت عليه مدة، لم يتذكر جميع ما كتب فيه، ولا وقف على علم ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ ﴾ : هذا يخرج على وجهين: أحدهما: جائز أن يكون أراد بهذا في الدنيا: أن الإنسان بصير بعمل نفسه، وإن جادل عنها: أنه لم يفعل ذلك، وأسر ذلك عن الناس، ﴿ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ ﴾ ، أي: أرخى الستور بما كسبت نفسه، والمعذار هو الستر.

والوجه الثاني: أن يكون في الآخرة، وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن الإنسان وإن كان يعتذر يوم القيامة بقوله: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ، وقال: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ  ﴾ ، فيقدمون على الحلف؛ اعتذارا منهم على العلم منهم أنهم مبطلون في جدالهم.

والثاني: أن يكون معنى البصيرة: الشاهد، أي: أن الإنسان على نفسه شاهد يوم القيامة بسوء أفعاله، ﴿ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ ﴾ ، أي: وإن ستر على نفسه، شهدت عليه جوارحه، وذلك نحو قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ  ﴾ وقوله - عز وجل -: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ...

﴾ الآية [فصلت: 20].

فإن قيل: إن الإنسان مذكر، كيف وصف بالبصر بلفظه التأنيث بقوله: ﴿ بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾ ، ولم يقل "بصير"؟

فجوابه من أوجه: أحدها: ما قيل: إن الإنسان تسمية جنسٍ فيه الجماعة، لا أن يكون تسمية للشخص الواحد فقط؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَٱلْعَصْرِ  إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ  إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ  ﴾ ، استثنى الذين آمنوا من قوله: ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ ﴾ ، ولا يستثنى الجماعة من الواحد، وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ  ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ  إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ  ﴾ ، فاستثنى الذين آمنوا من الإنسان؛ فثبت أن الإنسان تسمية جنس، والجنس جماعة، وتكون الجماعة مضمرة فيه؛ كأنه قال: إن جماعة الناس على أنفسهم بصيرة؛ فيكون قوله: ﴿ بَصِيرَةٌ ﴾ راجعا إلى الجماعة، والله أعلم.

وجواب ثاني قوله: ﴿ بَصِيرَةٌ ﴾ وصف للإنسان بالغاية من البصر بكل ما عمل، حتى لا يعزب عنه شيء، والهاء قد تدخل في خطاب المذكر عند الوصف بالمبالغة؛ كقولك: فلان علامة ونسابة، ورواية للشعر، وبالغة في النحو.

والثالث: أن الإنسان تسمية ما يراه بجوارحه كلها من الأيدي والأرجل والسمع والبصر والرأس وغير ذلك، وفيها نفس أمارة بالسوء؛ فتصير جوارحه كلها بصيرة، أي: شاهدة عليه بما قدم وأخر.

وجائز أن يكون هذا على الإضمار؛ فيكون قوله: ﴿ بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾ ، أي: نفس الإنسان بصيرة بما عملت.

ثم من الناس من ثبت للجوارح العلم بما كسبت نفسه؛ حتى تصير شاهدة عليه يوم القيامة بقوله: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  ﴾ ، ولو لم يكن لها العلم بما قدمت نفسه، لكانت لا تشهد بما لا تعلم.

وليس الأمر عندنا على ما زعموا؛ لأنها لو علمت بذلك، لكان صاحبها يصل إلى العلم من جهتها؛ ألا ترى أن القلب لما ثبت له المعرفة، وقع لصاحبه علم المسموع به، ولما كان بعينه يبصر الأشياء كان علم البصر واقعا من جهتها؛ فلما لم يقع له العلم بيديه، ولا برجليه، ولا بشيء من جوارحه سوى القلب - علم أنه لا حظ لها في المعرفة، ولكن جعلت هي شاهدة وحجة يوم القيامة تشهد على صاحبها، بما يحدث الله  فيها علما ضروريّاً بذلك، لا أن كان لها علم بالذي شهدت قبل ذلك، كما جعلت نطوقة في ذلك الوقت، لا أن كان النطق فيها موجودا من قبل، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولو جاء بأعذار يجادل بها عن نفسه أنَّه ما عمل سوءًا لم تنفعه.

<div class="verse-tafsir" id="91.v1gRw"

مزيد من التفاسير لسورة القيامة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله