الآية ١٦ من سورة القيامة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 75 القيامة > الآية ١٦ من سورة القيامة

لَا تُحَرِّكْ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِۦٓ ١٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 86 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦ من سورة القيامة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٦ من سورة القيامة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا تعليم من الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في كيفية تلقيه الوحي من الملك ، فإنه كان يبادر إلى أخذه ، ويسابق الملك في قراءته ، فأمره الله عز وجل إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له ، وتكفل له أن يجمعه في صدره ، وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه ، وأن يبينه له ويفسره ويوضحه ، فالحالة الأولى جمعه في صدره ، والثانية تلاوته ، والثالثة تفسيره وإيضاح معناه ; ولهذا قال : ( لا تحرك به لسانك لتعجل به ) أي : بالقرآن ، كما قال : ( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما ) [ طه : 114 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) اختلف أهل الرواية في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: بل للإنسان على نفسه شهود من نفسه، ولو اعتذر بالقول مما قد أتى من المآثم، وركب من المعاصي، وجادل بالباطل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ( وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) يعني الاعتذار، ألم تسمع أنه قال: لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وقال الله: وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ ، مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ (13) .

وقولهم: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ .

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جُبير، في قولة: ( بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ) قال: شاهد على نفسه ولو اعتذر.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) ولو جادل عنها، فهو بصيرة عليها.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن عمران بن حدير، قال: سألت عكرِمة، عن قوله: ( بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) قال: فسكت، فقلت له: إن الحسن يقول: ابن آدم عملك أولى بك، قال: صدق.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) قال: معاذيرهم التي يعتذرون بها يوم القيامة فلا ينتفعون بها، قال: وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ويوم يؤذن لهم فيعتذرون فلا تنفعهم ويعتذرون بالكذب.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: بل للإنسان على نفسه من نفسه بصيرة ولو تجرّد.

* ذكر من قال ذلك: حدثني نصر بن عليّ الجهضمي، قال: ثني أبي، عن خالد بن قيس، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن ابن عباس، في قوله: ( وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) قال: لو تجرّد.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولو أرخى الستور وأغلق الأبواب.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثنا رَوّاد، عن أبي حمزة، عن السديّ في قوله: ( وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) ولو أرخى الستور، وأغلق الأبواب.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ( وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) لم تقبل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثني أ بي، عن خالد بن قيس، عن قتادة، عن الحسن: ( وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) لم تُقبل معاذيره.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) قال: ولو اعتذر.

وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال: معناه: ولو اعتذر لأن ذلك أشبه المعاني بظاهر التنـزيل، وذلك أن الله جلّ ثناؤه أخبر عن الإنسان أن عليه شاهدًا من نفسه بقوله: ( بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ) فكان الذي هو أولى أن يتبع ذلك، ولو جادل عنها بالباطل، واعتذر بغير الحقّ، فشهادة نفسه عليه به أحقّ وأولى من اعتذاره بالباطل.

---------------- الهوامش : (13) في سورة النحل: { فألقوا السلم ما كنا ...

} إلخ.

وفي آية أخرى منها: { وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ...

} الآية.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لا تحرك به لسانك لتعجل به في الترمذي : عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا نزل عليه القرآن يحرك به لسانه ، يريد أن يحفظه ، فأنزل الله تبارك وتعالى : لا تحرك به لسانك لتعجل به قال : فكان يحرك به شفتيه .

وحرك سفيان شفتيه .قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .

ولفظ مسلم عن ابن جبير عن ابن عباس قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعالج من التنزيل شدة ، كان يحرك شفتيه ، فقال لي ابن عباس : أنا أحركهما كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحركهما ; فقال سعيد : أنا أحركهما كما كان ابن عباس يحركهما ، فحرك شفتيه ; فأنزل الله - عز وجل - : لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه قال " جمعه " في صدرك ثم تقرؤه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه قال فاستمع له وأنصت .

ثم إن علينا أن نقرأه ; قال : فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك إذا أتاه جبريل عليهما السلام استمع ، وإذا انطلق جبريل - عليه السلام - قرأه النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قرأه ; خرجه البخاري أيضا .ونظير هذه الآية قوله تعالى : ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقد تقدم .

وقال عامر الشعبي : إنما كان يعجل بذكره إذا نزل عليه من حبه له ، وحلاوته في لسانه ، فنهي عن ذلك حتى يجتمع ; لأن بعضه مرتبط ببعض ، وقيل : كان - عليه السلام - إذا نزل عليه الوحي حرك لسانه مع الوحي مخافة أن ينساه ، فنزلت ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ونزل : سنقرئك فلا تنس ونزل : لا تحرك به لسانك قاله ابن عباس : وقرآنه أي وقراءته عليك .

والقراءة والقرآن في قول الفراء مصدران .

وقال قتادة : فاتبع قرآنه أي فاتبع شرائعه وأحكامه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه جبريل بالوحي، وشرع في تلاوته عليه، بادره النبي صلى الله عليه وسلم من الحرص قبل أن يفرغ، وتلاه مع تلاوة جبريل إياه، فنهاه الله عن هذا، وقال: { وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ } وقال هنا: { لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ } ثم ضمن له تعالى أنه لا بد أن يحفظه ويقرأه، ويجمعه الله في صدره،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - ( لا تحرك به لسانك لتعجل به ) أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا جرير ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله - عز وجل - : " لا تحرك به لسانك لتعجل به " قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا نزل [ عليه ] جبريل بالوحي كان ربما يحرك لسانه وشفتيه فيشتد عليه ، وكان يعرف منه ، فأنزل الله - عز وجل - الآية التي في لا أقسم بيوم القيامة : " لا تحرك به لسانك لتعجل به "

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

قال تعالى لنبيه: «لا تحرك به» بالقرآن قبل فراغ جبريل منه «لسانك لتعجل به» خوف أن ينفلت منك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لا تحرك -أيها النبي- بالقرآن لسانك حين نزول الوحي؛ لأجل أن تتعجل بحفظه، مخافة أن يتفلَّت منك.

إن علينا جَمْعه في صدرك، ثم أن تقرأه بلسانك متى شئت.

فإذا قرأه عليك رسولنا جبريل فاستمِعْ لقراءته وأنصت له، ثم اقرأه كما أقرأك إياه، ثم إن علينا توضيح ما أشكل عليك فهمه من معانيه وأحكامه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ .

إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ .

فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ .

ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) .والضمير فى ( به ) يعود إلى القرآن الكريم المفهوم من المقام .

والمراد بقوله : ( لاَ تُحَرِّكْ ) نهيه صلى الله عليه وسلم عن التعجيل فى القراءة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: زعم قوم من قدماء الروافض أن هذا القرآن قد غير وبدل وزيد فيه ونقص عنه، واحتجوا عليه بأنه لا مناسبة بين هذه الآية وبين ما قبلها ولو كان هذا الترتيب من الله تعالى لما كان الأمر كذلك.

واعلم أن في بيان المناسبة وجوهاً أولها: يحتمل أن يكون الاستعجال المنهي عنه، إنما اتفق للرسول عليه السلام عند إنزال هذه الآيات عليه، فلا جرم.

نهى عن ذلك الاستعجال في هذا الوقت، وقيل له: لا تحرك به لسانك لتعجل به وهذا كما أن المدرس إذا كان يلقي على تلميذه شيئاً، فأخذ التلميذ يلتفت يميناً وشمالاً، فيقول المدرس في أثناء ذلك الدرس لا تلتفت يميناً وشمالاً ثم يعود إلى الدرس، فإذا نقل ذلك الدرس مع هذا الكلام في أثنائه، فمن لم يعرف السبب يقول: إن وقوع تلك الكلمة في أثناء ذلك الدرس غير مناسب، لكن من عرف الواقعة علم أنه حسن الترتيب.

وثانيها: أنه تعالى نقل عن الكفار أنهم يحبون السعادة العاجلة، وذلك هو قوله: ﴿ بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ  ﴾ ثم بين أن التعجيل مذموم مطلقاً حتى التعجيل في أمور الدين، فقال: ﴿ لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ وقال في آخر الآية: ﴿ كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة  ﴾ .

وثالثها: أنه تعالى قال: ﴿ بَلِ ٱلْإِنسَٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ بَصِيرَةٌ  وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ  ﴾ فهاهنا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يظهر التعجيل في القراءة مع جبريل، وكان يجعل العذر فيه خوف النسيان، فكأنه قيل له: إنك إذا أتيت بهذا العذر لكنك تعلم أن الحفظ لا يحصل إلا بتوفيق الله وإعانته فاترك هذا التعجيل واعتمد على هداية الله تعالى، وهذا هو المراد من قوله: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِۦٓ  إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُۥ وَقُرْءَانَهُۥ  ﴾ .

ورابعها: كأنه تعالى قال: يا محمد إن غرضك من هذا التعجيل أن تحفظه وتبلغه إليهم لكن لا حاجة إلى هذا فإن الإِنسان على نفسه بصيرة وهم بقلوبهم يعلمون أن الذي هم عليه من الكفر وعبادة الأوثان، وإنكار البعث منكر باطل، فإذا كان غرضك من هذا التعجيل أن تعرفهم قبح ما هم عليه، ثم إن هذه المعرفة حاصلة عندهم، فحينئذ لم يبق لهذا التعجيل فائدة، فلا جرم قال: ﴿ لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ ﴾ .

وخامسها: أنه تعالى حكى عن الكافر أنه يقول: أين المفر، ثم قال تعالى: ﴿ كَلَّا لَا وَزَرَ  إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ  ﴾ فالكافر كأنه كان يفر من الله تعالى إلى غيره فقيل: لمحمد إنك في طلب حفظ القرآن، تستعين بالتكرار وهذا استعانة منك بغير الله، فاترك هذه الطريقة، واستعن في هذا الأمر بالله فكأنه قيل: إن الكافر يفر من الله إلى غيره، وأما أنت فكن كالمضاد له فيجب أن تفر من غير الله إلى الله وأن تستعين في كل الأمور بالله، حتى يحصل لك المقصود على ما قال: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءانَهُ  ﴾ وقال في سورة أخرى: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بالقرءان مِن قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَبّى زِدْنِى عِلْماً  ﴾ أي لا تستعن في طلب الحفظ بالتكرار بل اطلبه من الله تعالى.

وسادسها: ما ذكره القفال وهو أن قوله: ﴿ لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ ﴾ ليس خطاباً مع الرسول عليه السلام بل هو خطاب مع الإنسان المذكور في قوله: ﴿ يُنَبَّأُ الإنسان يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ  ﴾ فكان ذلك للإنسان حال ما ينبأ بقبائح أفعاله وذلك بأن يعرض عليه كتابه فيقال له: ﴿ اقرأ كتابك كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيبًا  ﴾ فإذا أخذ في القراءة تلجلج لسانه من شدة الخوف وسرعة القراءة فيقال له لا تحرك به لسانك لتعجل به، فإنه يجب علينا بحكم الوعد أو بحكم الحكمة أن نجمع أعمالك عليك وأن نقرأها عليك فإذا قرأناه عليك فاتبع قرآنه بالإقرار بأنك فعلت تلك الأفعال، ثم إن علينا بيان أمره وشرح مراتب عقوبته، وحاصل الأمر من تفسير هذه الآية أن المراد منه أنه تعالى يقرأ على الكافر جميع أعماله على سبيل التفصيل، وفيه أشد الوعيد في الدنيا وأشد التهويل في الآخرة، ثم قال القفال: فهذا وجه حسن ليس في العقل ما يدفعه وإن كانت الآثار غير واردة به.

المسألة الثانية: احتج من جوز الذنب على الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية، فقال: إن ذلك الاستعجال إن كان بإذن الله تعالى فكيف نهاه عنه وإن كان لا بإذن الله تعالى فقد صدر الذنب عنه الجواب: لعل ذلك الاستعجال كان مأذوناً فيه إلى وقت النهي عنه، ولا يبعد أن يكون الشيء مأذوناً فيه في وقت ثم يصير منهياً عنه في وقت آخر، ولهذا السبب قلنا: يجوز النسخ.

المسألة الثالثة: روى سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه حفظ التنزيل وكان إذا نزل عليه الوحي يحرك لسانه وشفتيه قبل فراغ جبريل مخافة أن لا يحفظ، فأنزل تعالى: ﴿ لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ ﴾ أي بالوحي والتنزيل والقرآن، وإنما جاز هذا الإضمار وإن لم يجر له ذكر لدلالة الحال عليه، كما أضمر في قوله: ﴿ إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةِ القدر  ﴾ ونظير قوله: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بالقرءان مِن قَبْلِ أَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ  ﴾ وقوله: ﴿ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ أي لتعجل بأخذه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الضمير في ﴿ بِهِ ﴾ للقرآن.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقن الوحي نازع جبريل القراءة، ولم يصبر إلى أن يتمها، مسارعة إلى الحفظ وخوفاً من أن يتفلت منه، فأمر بأن يستنصت له ملقياً إليه بقلبه وسمعه، حتى يقضى إليه وحيه، ثم يقفيه بالدراسة إلى أن يرسخ فيه.

والمعنى: لا تحرّك لسانك بقراءة الوحي ما دام جبريل صلوات الله عليه يقرأ ﴿ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ لتأخذه على عجلة، ولئلا يتفلت منك.

ثم علل النهي عن العجلة بقوله ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ ﴾ في صدرك وإثبات قراءته في لسانك ﴿ فَإِذَا قرأناه ﴾ جعل قراءة جبريل قراءته: والقرآن القراءة ﴿ فاتبع قُرْءَانَهُ ﴾ فكن مقفياً له فيه ولا تراسله، وطأمن نفسك أنه لا يبقى غير محفوظ، فنحن في ضمان تحفيظه ﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ إذا أشكل عليك شيء من معانيه، كأنه كان يعجل في الحفظ والسؤال عن المعنى جميعاً، كما ترى بعض الحراص على العلم؛ ونحوه ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بالقرءان مِن قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ [طه: 114] ، ﴿ كَلاَّ ﴾ ردع لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن عادة العجلة وإنكار لها عليه، وحثّ على الأناة والتؤدة، وقد بالغ في ذلك بإتباعه قوله: ﴿ بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة ﴾ كأنه قال: بل أنتم يا بني آدم لأنكم خلقتم من عجل وطبعتم عليه تعجلون في كل شيء، ومن ثم تحبون العاجلة ﴿ وَتَذَرُونَ الأخرة ﴾ وقرئ بالياء وهو أبلغ فإن قلت: كيف اتصل قوله ﴿ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ﴾ إلى آخره، بذكر القيامة؟

قلت: اتصاله به من جهة هذا للتخلص منه، إلى التوبيخ بحب العاجلة، وترك الأهتمام بالآخرة.

الوجه: عبارة عن الجملة والناضرة من نضرة النعيم ﴿ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ تنظر إلى ربها خاصة لا تنظر إلى غيره، وهذا معنى تقديم المفعول، ألا ترى إلى قوله: ﴿ إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر (12) ﴾ [القيامة: 12] ، ﴿ إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق (30) ﴾ ، ﴿ إِلَى الله تَصِيرُ الامور ﴾ [الشورى: 53] ، ﴿ وإلى الله المصير ﴾ [آل عمران: 28] ، ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة: 245] ، ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [هود: 88] ، كيف دلّ فيها التقديم على معنى الاختصاص، ومعلوم أنهم ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها الحصر ولا تدخل تحت العدد في محشر يجتمع فيه الخلائق كلهم، فإنّ المؤمنين نظارة ذلك اليوم لأنهم الآمنون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فاختصاصه بنظرهم إليه لو كان منظوراً إليه: محال، فوجب حمله على معنى يصح معه الاختصاص، والذي يصح معه أن يكون من قول الناس: أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي، تريد معنى التوقع والرجاء.

ومنه قول القائل: وَإذَا نَطَرْتُ إلَيْكَ مِنْ ملك ** وَالْبَحْرُ دُونَكَ زِدْتَني نِعَمَا وسمعت سروية مستجدية بمكة وقت الظهر حين يغلق الناس أبوابهم، ويأوون إلى مقائلهم، تقول: عيينتي نويظرة إلى الله وإليكم، والمعنى: أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم، كما كانوا في الدنيا لا يخشون ولا يرجون إلا إياه، والباسر: الشديد العبوس، والباسل: أشد منه، ولكنه غلب في الشجاع إذا اشتد كلوحه ﴿ تَظُنُّ ﴾ تتوقع أن يفعل بها فعل هو في شدّته وفظاعته ﴿ فَاقِرَةٌ ﴾ داهية تقصم فقار الظهر، كما توقعت الوجوه الناضرة أن يفعل بها كل خير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾ حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ عَلى أعْمالِها لِأنَّهُ شاهِدٌ بِها، وصَفَها بِالبِصارَةِ عَلى المَجازِ، أوْ عَيْنٌ بَصِيرَةٌ فَلا يَحْتاجُ إلى الإنْباءِ.

﴿ وَلَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ ﴾ وَلَوْ جاءَ بِكُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يَعْتَذِرَ بِهِ جَمْعُ مِعْذارٍ وهو العُذْرُ، أوْ جَمْعُ مَعْذِرَةٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ كالمَناكِيرِ في المُنْكَرِ فَإنَّ قِياسَهُ مَعاذِرُ وذَلِكَ أوْلى وفِيهِ نَظَرٌ.

﴿ لا تُحَرِّكْ ﴾ يا مُحَمَّدُ، ﴿ بِهِ ﴾ بِالقُرْآنِ.

﴿ لِسانَكَ ﴾ قَبْلَ أنْ يَتِمَّ وحْيُهُ.

﴿ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ لِتَأْخُذَهُ عَلى عَجَلَةٍ مَخافَةَ أنْ يَنْفَلِتَ مِنكَ.

﴿ إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ ﴾ فِي صَدْرِكَ.

﴿ وَقُرْآنَهُ ﴾ وَإثْباتَ قِراءَتِهِ في لِسانِكَ وهو تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ.

﴿ فَإذا قَرَأْناهُ ﴾ بِلِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْكَ.

﴿ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾ قِراءَتَهُ وتَكَرَّرْ فِيهِ حَتّى يَرْسَخَ في ذِهْنِكَ.

﴿ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ﴾ بَيانَ ما أشْكَلَ عَلَيْكَ مِن مَعانِيهِ، وهو دَلِيلٌ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ، وهو اعْتِراضٌ بِما يُؤَكِّدُ التَّوْبِيخَ عَلى حُبِّ العَجَلَةِ لِأنَّ العَجَلَةَ إذا كانَتْ مَذْمُومَةً فِيما هو أهَمُّ الأُمُورِ وأصْلُ الدِّينِ فَكَيْفَ بِها في غَيْرِهِ، أوْ بِذِكْرِ ما اتُّفِقَ في أثْناءِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ.

وقِيلَ: الخِطابُ مَعَ الإنْسانِ المَذْكُورِ والمَعْنى أنَّهُ يُؤْتى كِتابَهُ فَيَتَلَجْلَجُ لِسانُهُ مِن سُرْعَةِ قِراءَتِهِ خَوْفًا، فَيُقالُ لَهُ: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ فَإنَّ عَلَيْنا بِمُقْتَضى الوَعْدِ جَمْعَ ما فِيهِ مِن أعْمالِكَ وقِراءَتَهُ، فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قِراءَتَهُ بِالإقْرارِ أوِ التَّأمُّلِ فِيهِ، ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَ أمْرِهِ بِالجَزاءِ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لاَ تُحَرِّكْ بِهِ} بالقرآن {لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} بالقرآن وكان صلى الله عليه وسلم يأخذ في القراءة قبل فراغ جبريل كراهة أن يتفلت منه فقيل له لا تحرك لسانك بقراءة الوحي ما دام جبريل يقرأ لتعجل به لتأخذه على عجلة ولئلا يتفلت منك ثم علل النهي عن العجلة بقوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

فالخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ ﴾ لِلنَّبِيِّ  والضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ لِدَلالَةِ سِياقِ الآيَةِ نَحْوَ ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ  ﴾ أيْ لا تُحَرِّكْ بِالقُرْآنِ لِسانَكَ عِنْدَ إلْقاءِ الوَحْيِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ ﴿ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ أيْ لِتَأْخُذَهُ عَلى عَجَلَةٍ مَخافَةَ أنْ يَنْفَلِتَ مِنكَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الحَبْرِ.

وقِيلَ لِمَزِيدِ حُبِّكَ لَهُ وحِرْصِكَ عَلى أداءِ الرِّسالَةِ رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ ولا يُنافِي ما ذَكَرَ والباءُ عَلَيْهِما لِلتَّعْدِيَةِ ﴿ إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ ﴾ في صَدْرِكَ بِحَيْثُ لا يَذْهَبُ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن مَعانِيهِ ﴿ وقُرْآنَهُ ﴾ أيْ إثْباتَ قِراءَتِهِ في لِسانِكَ بِحَيْثُ تَقْرَأُهُ مَتى شِئْتَ فالقُرْآنُ هُنا وكَذا فِيما بَعْدُ مَصْدَرٌ كالرُّجْحانِ بِمَعْنى القِراءَةِ كَما في قَوْلِهِ: ضَحَّوْا بِأشْمَطَ عُنْوانُ السُّجُودِ بِهِ يَقْطَعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وقُرْآنًا مُضافٌ إلى المَفْعُولِ وثُمَّ مُضافٌ مُقَدَّرٌ وقِيلَ ﴿ قُرْآنَهُ ﴾ أيْ تَأْلِيفِهِ والمَعْنى ﴿ إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ ﴾ أيْ حِفْظَهُ في حَياتِكَ وتَأْلِيفَهُ عَلى لِسانِكَ.

وقِيلَ: ﴿ قُرْآنَهُ ﴾ تَأْلِيفَهُ وجَمْعَهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ قَرَأْتُ أيْ جَمَعْتُ ومِنهُ قَوْلُهم لِلْمَرْأةِ الَّتِي لَمْ تَلِدْ ما قَرَأتْ سَلى قَطُّ وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: ذِراعَيْ بَكَرَةَ أدْماءُ بَكْرٍ ∗∗∗ هَجّانُ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينًا ويُرادُ مِن ﴿ جَمْعَهُ ﴾ الأوَّلُ جَمْعُهُ في نَفْسِهِ ووُجُودُهُ الخارِجِيُّ ومِن ﴿ قُرْآنَهُ ﴾ بِهَذا المَعْنى جَمْعُهُ في ذِهْنِهِ  وكِلا القَوْلَيْنِ لا يَخْفى حالُهُما وإنْ نُسِبَ الأوَّلُ إلى مُجاهِدٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ يعني: يسأل متى يوم القيامة، تكذيباً بالبعث.

فكأنه قال: بل يريد الإنسان أن يكذب بيوم القيامة، وهو أمامه، وهو يسأل متى يكون.

فبين الله تعالى في أي يوم يكون فقال: فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ يعني: شخص البصر، وتحير.

قرأ نافع فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ بنصب الراء، والباقون بالكسر.

فمن قرأ بالنصب، فهو من برق يبرق بريقاً، ومعناه: شخص فلا يطرق من شدة الفزع.

ومن قرأ بالكسر، يعني: فزع وتحير.

وأصله: أن الرجل إذا رأى البرق تحير، وإذا رأى من أعاجيب يوم القيامة، تحير ودهش.

وَخَسَفَ الْقَمَرُ يعني: ذهب ضوؤه وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يعني: كالثورين المقرنين.

ويقال: برق البصر، وخسف القمر.

قال كوكب العين ذهب ضوؤه.

وروى علي بن أبي طالب، -  - أنه قال: يجعلان في نور الحجاب.

ويقال: جمع الشمس والقمر، يعني: سوى بينهما في ذهاب نورهما، وإنما قال: وجمع الشمس والقمر، ولم يقل وجمعت، لأن المؤنث والمذكر إذا اجتمعا، فالغلبة للمذكر.

يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ يقول: أين الملجأ من النار؟

قرئ في الشاذ، أين المفر بالكسر للفاء، على معنى: أين مكان الفرار.

وقراءة العامة بالنصب، يعني: أين الفرار.

ثم قال: كَلَّا لاَ وَزَرَ يعني: حقاً لا جبل يلجئون إليه، فيمنعهم من النار، ولا شجر يواريهم.

والوزر في كلام العرب، الجبل الذي يلتجئ إليه، والوزر والستر هنا، الشيء الذي يستترون به.

وقال عكرمة: ولا وزر.

يعني: منعه.

وقال الضحاك: يعني: لا حصن لهم يوم القيامة.

ثم قال عز وجل: إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ يعني: المرجع يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ يعني: يسأل ويبين له، ويجازى بما قدم من الأعمال وأخر، من سنة صالحة أو سيئة.

قوله عز وجل: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ يعني: جوارح العبد شاهدة عليه.

ومعناه على الإنسان من نفسه شاهد، يشهد عليه كل عضو بما فعل.

ويقال يعني: جوارح، العبد شاهدة عليه، ومعناه رقيب بعضها على بعض.

والبصيرة أدخلت فيها الهاء للمبالغة، كما يقال: رجل علامة.

وقال الحسن: على نفسه بصيرة، يعني: بعيوب غيره، الجاهل بعيوب نفسه وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ يعني: ولو تكلم بعذر لم يقبل منه.

ويقال: ولو أرخى ستوره، يعني: أنه شاهد على نفسه، وإن أذنب في الستور.

قوله تعالى: لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ يعني: لا تعجل بقراءة القرآن، من قبل أن يفرغ جبريل-  - من قراءته وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، -  ما- قال: كان رسول الله  ، إذا نزل عليه القرآن، تعجل به للحفظ فنزل: لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ يعني: حفظه في قلبك وَقُرْآنَهُ يعني: يقرأ عليك جبريل، حتى تحفظه فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ يعني: إذا قرأ عليك جبريل فاقرأ أنت بعد قراءته وفراغه وقال محمد بن كعب: فاتبع قراءته، يعني: فاتبع حلاله وحرامه.

وقال الأخفش: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ يعني: تأليفه فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ يعني: تأليفه ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ يعني: بيان أحكامه وحدوده.

ويقال: علينا بيانه، يعني: شرحه.

ويقال: بيان فرائضه، كما بين على لسان النبيّ  .

ثم نزل بعد هذه الأحكام، قوله تعالى: كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ يعني: تحبون العمل للدنيا وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ يعني: تتركون العمل للآخرة.

قرأ ابن كثير، وأبو عمرو بل يحبون بالياء، على معنى الخبر عنهم.

والباقون بالتاء، على معنى المخاطبة.

ثم بين حال ذلك اليوم فقال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ أي: حسنة مشرقة مضيئة، كما قال في آية أخرى: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) [المطففين: 24] إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ يعني: ناظرين يومئذ إلى الله تبارك وتعالى.

وقال مجاهد: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ يعني: تنتظر الثواب من ربها.

وهذا القول لا يصح، لأنه مقيد بالوجوه، موصول بإلى، ومثل هذا، لا يستعمل في الانتظار.

ثم قال عز وجل: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ يعني: عابسة.

ويقال: كريهة.

ويقال: كاسفة ومسودة تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ يعني: تعلم أنه قد نزل بها العذاب والشدة.

يعني: تعلم هذه الأنفس.

ويقال: الفاقرة الداهية، ويقال: قد أيقنت أن العذاب نازل بها.

ثم قال عز وجل: كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ يعني: حقاً إذا بلغت النفس إلى الحلقوم.

يعني: خروج الروح وَقِيلَ مَنْ راقٍ يعني: يقول من حضر عند الموت، هل من طبيب حاذق يداويه؟

ويقال: من راق، يعني: من يشفي من هذا الحال.

ويقال: من راق، يعني: من يقدر أن يرقي من الموت.

يعني: لا يقدر أحد أن يرقي من الموت.

والعرب تقول: من الرقية، رقى يرقي رقيةً، ومن الرقيّ وهو الصعود، رقي يرقى رقياً، فهو راق منهما.

وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ يعني: استيقن أنه ميت، وأنه يفارق الروح من الجسد.

ويقال: وقيل من راق، أن الملائكة الذين حضروا لقبض روحه يقول: بعضهم لبعض، من راق يعني من يصعد منا بروحه إلى السماء، فأيقن عند ذلك أنه الفراق وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ قال ابن عباس: يعني: التفت شدتان أخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من الآخرة.

وروى وكيع، عن بشير بن المهاجر قال: سمعت الحسن يقول: والتفت الساق بالساق، قال: هما ساقان إذا التفتا في الكفن، إلى ربك يومئذٍ المساق يعني: يساق العبد إلى ربه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ أي: الدنيا وشهواتِها قال الغزاليُّ في «الإحياء» : اعلم أَنَّ رأس الخطايا المهلكة هو حُبُّ الدنيا، ورأسَ أسبابِ النجاة هو التجافي بالقلب عن دار الغرور، وقال رحمه اللَّه: اعلم أَنَّهُ لا وصولَ إلى سعادة لقاء اللَّه سبحانه في الآخرة إلاَّ بتحصيل محبته والأُنْسِ به في الدنيا، ولا تحصلُ المحبة إلاَّ بالمعرفة، ولا تحصل المعرفةُ إلاَّ بدوام الفكر، ولا يحصل الأُنْسُ إلاَّ بالمحبة ودوام الذكر، ولا تتيسر المواظبة على الذكر والفكر إلاَّ بانقلاع حُبِّ الدنيا من القلب، ولا ينقلع ذلك إلاَّ بترك لَذَّاتِ الدنيا وشهواتها، ولا يمكن تركُ المشتهيات إلاَّ بقمع الشهوات، ولا تَنْقَمِعُ الشهواتُ بشيء كما تنقمعُ بنار الخوف المُحْرِقَة لِلشهوات، انتهى.

وقرأ ابن كثير «١» وغيره: «يُحِبُّونَ» و «يَذَرُونَ» بالياء على ذكر الغائب، ولما ذكر سبحانه الآخرة، أخبر بشيء من حال أهلها فقال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ أي: ناعمة، والنُّضْرَةُ: النعمة وجمال البشرة قال الحسن: وحُقَّ لها أن تُنَضَّر وهي تنظر إلى خالقها «٢» .

وقوله تعالى: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ حمل جميع أهل السُّنَّةِ هذه الآية على أَنَّها متضمنة رؤية المؤمنين لله عز وجل بلا تكييف ولا تحديد/ كما هو معلوم موجود، لا يشبه الموجودات، كذلك هو سبحانه مَرْئِيٌّ لا يشبه المَرْئِيَّاتِ في شيء فإِنَّه ليس كمثله شيء لا إله إلاَّ هو، وقد تقدم استيعاب الكلام على هذه المسألة، وما في ذلك من صحيح الأحاديث، والباسرة: العابسة المغمومة النفوس، والبسور: أشد العُبُوسِ، وإنَّما ذكر تعالى الوجوه لأَنَّهُ فيها يظهر ما في النفس من سرور أو غَمٍّ، والمراد أصحاب الوجوه، والفاقرة: المصيبة التي تكسر فَقَارِ الظهر وقال أبو عبيدة: هي من فَقَرْتُ [البعير] إذا وسمت أنفه بالنار «٣» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ ﴾ رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ  يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وكانَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ حَفْظُهُ، وكانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ يُحَرِّكُ لِسانَهُ وشَفَتَيْهِ قَبْلَ فَراغِ جِبْرِيلَ مِن قِراءَةِ الوَحْيِ، مَخافَةَ أنْ لا يَحْفَظَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.» ومَعْناها: لا تُحَرِّكْ بِالقُرْآنِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِأخْذِهِ ﴿ إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: ضَمَّهُ وجَمْعَهُ في صَدْرِكَ ﴿ فَإذا قَرَأْناهُ ﴾ أيْ: جَمَعْناهُ ﴿ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾ أيْ: جَمْعَهُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي: اقْرَأْ إذا فَرَغَ جِبْرِيلُ مِن قِراءَتِهِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾ ، أيِ: اعْمَلْ بِهِ.

وقالَ قَتادَةُ: فاتَّبِعْ حَلالَهُ وحَرامَهُ ﴿ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: نُبَيِّنُهُ بِلِسانِكَ، فَتَقْرَؤُهُ كَما أقْرَأكَ جِبْرِيلُ.

وكانَ إذا أتاهُ جِبْرِيلُ أطْرَقَ، فَإذا ذَهَبَ، قَرَأهُ كَما وعَدَهُ اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: إنَّ عَلَيْنا أنْ نَجْزِيَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ بِما فِيهِ مِن وعْدٍ ووَعِيدٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: إنَّ عَلَيْنا بَيانَ ما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ، والحَلالِ، والحَرامِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: عَلَيْنا أنْ نُنْزِلَهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، فِيهِ بَيانٌ لِلنّاسِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ قالَ عَطاءٌ: أيْ: لا يُؤْمِنُ أبُو جَهْلٍ بِالقُرْآنِ وبَيانِهِ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ مِن أنَّكم لا تُبْعَثُونَ، ولَكِنْ دَعاكم إلى قِيلِ ذَلِكَ مَحَبَّتُكم لِلْعاجِلَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو "بَلْ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ ويَذْرُونَ" بِالياءِ فِيهِما.

وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ فِيهِما.

والمُرادُ: كُفّارُ مَكَّةَ، يُحِبُّونَها ويَعْمَلُونَ لَها "وَيَذْرُونَ الآخِرَةَ" أيْ: يَتْرُكُونَ العَمَلَ لَها إيثارًا لِلدُّنْيا عَلَيْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ﴾ أيْ: مُشْرِقَةٌ بِالنَّعِيمِ ﴿ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ ﴾ رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إلى اللَّهِ ناظِرَةٌ.

قالَ الحَسَنُ: حُقَّ لَها أنْ تُنَضَّرَ وهي تَنْظُرُ إلى الخالِقِ، وهَذا مَذْهَبُ عِكْرِمَةَ.

ورُؤْيَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حَقٌّ لا شَكَّ فِيها.

والأحادِيثُ فِيها صِحاحٌ، قَدْ ذَكَرْتُ جُمْلَةً مِنها في "المُغْنِي" و"الحَدائِقِ" .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: عابِسَةٌ مُقَطِّبَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَظُنُّ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: تَعْلَمُ، و"الفاقِرَةُ" الدّاهِيَةُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّهُ مِن فَقارَةِ الظَّهْرِ، كَأنَّها تَكْسِرُهُ، يُقالُ: فَقَرْتُ الرَّجُلَ: إذا كَسَرْتَ فَقارَهُ، كَما يُقالُ: رَأسْتُهُ: إذا ضَرَبْتَ رَأسَهُ، وبَطَنْتَهُ: إذا ضَرَبْتَ بَطْنَهُ.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: والفاقِرَةُ: دُخُولُ النّارِ.

قالَ ابْنُ السّائِبِ: هي أنْ تُحْجَبَ عَنْ رَبِّها، فَلا تَنْظُرُ إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ ﴿ إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ ﴾ ﴿ فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾ ﴿ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ﴾ ﴿ كَلا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ ﴾ ﴿ وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ ﴾ ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ﴾ ﴿ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ ﴾ ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ ﴾ ﴿ تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ ﴾ ﴿ كَلا إذا بَلَغَتِ التَراقِيَ ﴾ ﴿ وَقِيلَ مَن راقٍ ﴾ ﴿ وَظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ ﴾ ﴿ والتَفَّتِ الساقُ بِالساقِ ﴾ ﴿ إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ ﴾ الضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى كِتابِ اللهِ تَعالى، ولَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ ولَكِنَّ القَرائِنَ تُبَيِّنُهُ، فَهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا إذا بَلَغَتِ"، يَعْنِي النَفْسَ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في السَبَبِ المُوجِبِ أنْ يُؤْمَرَ رَسُولُ اللهِ  الأمْرَ، فَقالَ الشَعْبِيُّ: كانَ رَسُولُ اللهِ  لِحِرْصِهِ عَلى أداءِ الرِسالَةِ والِاجْتِهادِ في ذاتِ اللهِ تَعالى، رُبَّما أرادَ النُطْقَ بِبَعْضِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ قَبْلَ كَمالِ أداءِ الوَحْيِ، فَأمَرَ أنْ لا يَجْعَلُ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُفْضى إلَيْهِ وحْيُهُ، وجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ في هَذا المَعْنى، وقالَ الضَحّاكُ: كانَ سَبَبُها أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ يَخافُ أنْ يَنْسى القُرْآنَ فَكانَ يَدْرُسُهُ حَتّى غَلَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وشُقَّ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وهو في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «كانَ رَسُولُ اللهِ  يُعالِجُ مِنَ التَنْزِيلِ شِدَّةً، وكانَ مِمّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ مَخافَةَ أنْ يَذْهَبَ عنهُ ما يُوحى إلَيْهِ لِحِينِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وأعْلَمَهُ اللهُ تَعالى أنَّهُ يَجْمَعُهُ لَهُ في صَدْرِهِ.» وقَوْلُهُ تَعالى: "وَقُرْآنُهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: وقِراءَتُهُ، أيْ تَقْرَؤُهُ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، والقُرْآنُ مَصْدَرٌ كالقِراءَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ في عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ضَحُّوا بِأشْمَطَ عُنْوانِ السُجُودِ بِهِ يُقَطَّعُ اللَيْلَ تَسْبِيحًا وقُرْآنًا ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: عَلَيْنا جَمْعُهُ وتَأْلِيفُهُ في صَدْرِكَ، فَهو مَصْدَرٌ مِن قَوْلِكَ: "قَرَأْتُ" أيْ جَمَعْتُ، ومِنهُ قَوْلُهم في المَرْأةِ الَّتِي لَمْ تَلِدْ: "ما قَرَأْتُ نَسْلًا قَطُّ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ذِراعِي بَكَرَةُ أدْماءِ بِكْرِ ∗∗∗ هِجانِ اللَوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا قَرَأْناهُ ﴾ ،أيْ قِراءَةَ المَلِكِ الرَسُولِ عَنّا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "فاتَّبِعْ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِذِهْنِكَ وفِكْرِكَ، أيْ فاسْتَمِعْ قِراءَتَهُ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فاتَّبِعْ في الأوامِرِ والنَواهِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ.

وقَرَأ أبُو العالِيَةِ: "وَقَرَتَهُ فَإذا قَرَتَهُ فاتَّبَعَ قِرَتَهُ" بِفَتْحِ القافِ والراءِ والتاءٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ ولا ألِفٍ في الثَلاثَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ﴾ ، قال قَتادَةُ وجَماعَةٌ مَعَهُ: مَعْناهُ: أنَّ نُبَيِّنَهُ لَكَ ونُحَفِّظَكَهُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: مَعْناهُ: أنْ تُبَيِّنَهُ أنْتَ، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: مَعْناهُ: أنْ نُبَيِّنَهُ حَلالَهُ وحَرامَهُ ومُجْمَلَهُ ومُفَسَّرَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ ﴾ رُجُوعٌ إلى مُخاطَبَةِ قُرَيْشٍ، يَرُدُّ عَلَيْهِمْ وعَلى أقْوالِهِمْ في رَدِّ الشَرِيعَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: "كَلّا"، أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ كَما تَقُولُونَ، وإنَّما أنْتُمْ قَوْمٌ قَدْ غَلَبَتْكُمُ الدُنْيا بِشَهَواتِها، فَأنْتُمْ تُحِبُّونَها حُبًّا تَتْرُكُونَ مَعَهُ الآخِرَةَ والنَظَرَ في أمْرِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ "تُحِبُّونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ: "يُحِبُّونَ" بِالياءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، وكَذَلِكَ "تذْرُوَنَ".

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى الآخِرَةَ أخْبَرَ بِشَيْءٍ مِن حالِ أهْلِها، فَقَوْلُهُ تَعالى: "وُجُوهٌ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، والِابْتِداءُ بِالنَكِرَةِ لِأنَّها تَخَصَّصَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَئِذٍ" و"ناضِرَةٌ" خَبَرُ "وُجُوهٌ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ ﴾ جُمْلَةٌ هي في مَوْضِعِ خَبَرٍ بَعْدَ خَبَرٍ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: "ناضِرَةٌ" نَعْتٌ لِـ "وُجُوهٌ"، و"إلى رَبِّها ناظِرَةٌ" خَبَرٌ عن "وُجُوهٌ"، فَعَلى هَذا كَثُرَ تَخْصِيصُ "الوُجُوهِ" فَحَسُنَ الِابْتِداءُ بِها، و"ناضِرَةٌ" مَعْناهُ.

ناعِمَةٌ، والنَضِرَةُ.

النِعْمَةُ وجَمالُ البَشَرَةِ، قالَ الحَسَنُ: وحَقَّ لَها أنْ تُنَضَّرَ وهي تَنْظُرُ إلى الخالِقِ جَلَّ وتَعالى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ ﴾ حَمَلَ هَذِهِ الآيَةَ أهْلُ السُنَّةِ عَلى أنَّها مُتَضَمِّنَةُ رُؤْيَةَ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ تَعالى، وهي رُؤْيَةٌ دُونَ مُحاذاةٍ ولا تَكْيِيفٍ ولا تَحْدِيدٍ، كَما هو تَعالى مَعْلُومٌ مَوْجُودٌ لا يُشْبِهُ المَوْجُوداتِ، كَذَلِكَ هو مَرْئِيٌّ لا يُشْبِهُ المَرْئِيّاتِ في شَيْءٍ، فَإنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، لا إلَهَ إلّا هو.

ورَوى عُبادَةُ بْنُ الصامِتِ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "حَدَّثْتُكم عَنِ الدَجّالِ أنَّهُ أعْوَرُ، وإنَّ رَبَّكم لَيْسَ بِأعْوَرَ، وإنَّكم لَنْ تَرَوْا رَبَّكم حَتّى تَمُوتُوا"،» وقالَ  : « "إنَّكم تَرَوْنَ رَبَّكم يَوْمَ القِيامَةِ كَما تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ لا تُضامُونَ في رُؤْيَتِهِ"،» وقالَ الحَسَنُ: تَنْظُرُونَ إلى اللهِ تَعالى بِلا إحاطَةٍ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ الَّذِينَ يَنْفُونَ رُؤْيَةَ اللهِ تَعالى، فَذَهَبُوا في هَذِهِ الآيَةِ إلى أنَّ المَعْنى: إلى رَحْمَةِ رَبِّها ناظِرَةٌ، أو إلى ثَوابِهِ أو مُلْكِهِ، فَقَدَّرُوا مُضافًا مَحْذُوفًا، وهَذا وجْهٌ سائِغٌ في العَرَبِيَّةِ، كَما تَقُولُ، "فُلانٌ ناظِرٌ إلَيْكَ في كَذا" أيْ إلى صُنْعِكَ في كَذا، والرِوايَةُ إنَّما يُثْبِتُها بِأدِلَّةٍ قَطْعِيَّةٍ غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَإذا ثَبَتَتْ حَسُنَ تَأْوِيلُ أهْلِ السُنَّةِ في هَذِهِ الآيَةِ وقَوِيَ، وذَهَبَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "إلى" لَيْسَتْ بِحَرْفِ الجَرِّ، وإنَّما هي "إلى" واحِدِ الآلاءِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: نِعْمَةُ رَبِّها مُنْتَظَرَةٌ أو ناظِرَةٌ، مِنَ النَظَرِ بِالعَيْنِ، ويُقالُ: "نَظْرَتُكَ" بِمَعْنى "انْتَظَرْتُكَ"، ومِنهُ قَوْلُ الحَطِيئَةِ: وقَدْ نَظَرَتْكم إيناءَ صادِرِهِ ∗∗∗ لِلْخَمْسِ طالَ بِها حَوْزى وتَبْساسِي والتَبْساسُ أنْ يُقالَ لِلنّاقَةِ "بَسَّ بَسَّ" لِتَدِرَّ عَلى الحالِبِ، وفَسَّرَ أبُو عُبَيْدَةَ في غَرِيبِهِ هَذا البَيْتَ عَلى رِوايَةٍ أُخْرى وهِيَ: .

.............

∗∗∗ طارَ بِها حُوزِيُّ وتَنْساسِي بِالنُونِ وهو السَيْرُ الشَدِيدُ فَتَأمَّلْهُ.

و"الباسِرَةُ": العابِسَةُ المَغْمُومَةُ النُفُوسِ، والبُسُورُ أشَدُّ العُبُوسِ، وإنَّما ذَكَرَ تَعالى الوُجُوهَ لِأنَّهُ فِيها يَظْهَرُ ما في النَفْوسِ مِن سُرُورٍ أو غَمٍّ، والمُرادُ أصْحابُ الوُجُوهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "تَظُنُّ" إَنْ جَعَلْناهُ بِمَعْنى "تُوقِنُ" فَهو لَمْ يَقَعْ بَعْدُ عَلى ما بَيَّنّاهُ، وإنْ جَعْلَنا الظَنَّ هُنا عَلى غَلَبَتِهِ فَذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، و"الفاقِرَةُ": المُصِيبَةُ الَّتِي تَكْسِرُ فَقارَ الإنْسانِ، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: هي قاصِمَةُ الظَهْرِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي مِن "فَقَرْتُ البَعِيرَ" إذا وسَمْتُ أنْفَهُ بِالنارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ لِقُرَيْشٍ وتَوْكِيدٌ لَهم بِمَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ الهَوْلِ وأمْرُ اللهِ تَعالى الَّذِي لا مَحِيدَ لِبَشَرٍ عنهُ، وهي حالَةُ المَوْتِ والمُنازَعَةِ الَّتِي كَتَبَها عَلى كُلِّ حَيَوانٍ، و"بَلَغَتْ" يُرِيدُ النَفْسَ، و"التَراقِيَ" جَمْعُ "تَرْقُوَةٍ" وهي عِظامٌ أعْلى الصَدْرِ، ولِكُلِّ أحَدٍ تُرْقُوَتانِ، لَكِنْ مِن حَيْثُ هَذِهِ الأفْرادُ في كَثِيرِينَ جَمْعٌ؛ إذِ النَفْسُ المُرادَةُ اسْمُ جِنْسٍ، والتَراقِي هي مُوازِيَةٌ لِلْحَلاقِيمِ، فالأمْرُ كُلُّهُ كِنايَةٌ عن حالِ الحَشْرَجَةِ ونِزاعِ المَوْتِ، يَسَّرَهُ اللهُ عَلَيْنا.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "مَن راقَ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وقَتادَةُ، وأبُو قُلابَةَ: مَعْناهُ: مَن يَرْقى ويَطِبْ ويَشْفى ونَحْوُ هَذا مِمّا يَتَمَنّاهُ أهْلُ المَرِيضِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وسُلَيْمانُ التَيْمِيُّ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: هَذا القَوْلُ لِلْمَلائِكَةِ، والمَعْنى: مَن يَرْقى بِرُوحِهِ -أيْ: يَصْعَدُ- إلى السَماءِ؟

أمَلائِكَةُ الرَحْمَةِ أمْ مَلائِكَةُ العَذابِ؟

وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ بِالوَقْفِ عَلى "مَن"، ويَبْتَدِئُ "راقٍ"، وأدْغَمَ الجُمْهُورُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: لا أعْرِفُ وجْهَ قِراءَةِ عاصِمٍ، وكَذَلِكَ قَرَأ "بَلْ رانَ".

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ ﴾ يُرِيدُ: وتَيَقَّنَ المَرِيضُ أنَّهُ فِراقُ الأحِبَّةِ والأهْلِ والمالِ والحَياةِ، وهَذا يَقِينٌ فِيما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ، ولِذَلِكَ اسْتُعْمِلَتْ فِيهِ لَفْظَةُ الظَنِّ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أيْقَنَ أنَّهُ الفِراقُ، وقالَ في تَفْسِيرِهِ: ذَهَبَ الظَنُّ.

واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والتَفَّتِ الساقُ بِالساقِ ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وإسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ: هَذِهِ اسْتِعارَةٌ لِشِدَّةِ كُرَبِ الدُنْيا في آخِرِ يَوْمٍ مِنها وشَدَّةِ كُرَبِ الآخِرَةِ في أوَّلِ يَوْمٍ مِنها، لِأنَّهُ بَيْنَ الحالَتَيْنِ قَدِ اخْتَلَطا لَهُ، وهَذا كَما يَقُولُونَ: "شَمَّرَتِ الحَرْبُ عن ساقٍ"، وعَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عن ساقٍ  ﴾ .

وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ، والحَسَنُ: هي حَقِيقَةٌ، والمُرادُ ساقا المَيِّتِ عِنْدَ تَكْفِينِهِ، أيْ: لَفَّهُما الكَفَنُ، وقالَ الشَعْبِيُّ: وأبُو مالِكٍ، وقَتادَةُ: هو التِفافُهُما بِشِدَّةِ المَرَضِ لِأنَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ ويَرْكَبُ هَذا عَلى هَذا وقالَ الضَحّاكُ: المُرادُ سَوْقُ حاضِرِيهِ مِنَ الإنْسِ والمَلائِكَةِ؛ لِأنَّ هَؤُلاءِ يُجَهِّزُونَ رُوحَهُ إلى السَماءِ، وهَؤُلاءِ يُجَهِّزُونَ بَدَنَهُ إلى القَبْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "إلى رَبِّكَ" مَعْناهُ: إلى حُكْمِ رَبِّكَ وعَدْلِهِ، فَإمّا إلى جَنَّةٍ وإمّا إلى نارٍ، و"المَساقُ" مَصْدَرٌ مِنَ السَوْقِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه الآية وقعت هنا معترضة.

وسبب نزولها ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس أنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه القرآن يُحرك به لسانه يُريد أن يحفَظَه مخافةَ أن يتَفَلَّتَ منه، أو من شدة رغبته في حِفْظه فكان يلاقي من ذلك شدة فأنَزَل الله تعالى: ﴿ لا تُحَرِّكْ به لسانك لتَعْجَل بِه إِنَّ علينا جمعَه وقرآنه ﴾ .

قال: جَمْعَه في صدرك ثم تَقْرَأُه فإذا قرأنَاه فاتّبعْ قُرْآنه قال فاستَمِعْ له وأنْصِتْ، ثم إن علينا أن نبيّنه بلسانك، أي أن تقرأه» اه.

فلما نزل هذا الوحي في أثناء نزول السورة للغرض الذي نزل فيه ولم يَكن سورةً مستقلة كان ملحقاً بالسورة وواقعاً بين الآي التي نَزَل بينها.

فضمير ﴿ به ﴾ عائد على القرآن كما هو المعروف في آيات كثيرة.

وقوله: ﴿ فإذا قرأناه ﴾ ، أي إذا قَرأه جبريل عنا، فأُسْنِدَتْ القراءةُ إلى ضمير الجلالة على طريقة المجاز العقلي، والقرينة واضحة.

ومعنى ﴿ فاتَّبع قرآنه ﴾ ، أي أنْصِتْ إلى قِرَاءتِنَا.

فضمير ﴿ قَرأناه ﴾ راجع إلى ما رجع إليه ضمير الغائب في ﴿ لا تُحرك به ﴾ وهو القرآن بالمعنى الأسمي، فيكون وقوع هذه الآية في هذه السورة مثل وقوع ﴿ ومَا نتنزّل إلاّ بأمر ربك ﴾ في سورة مريم (64)، ووقوع ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاةِ الوسطى في أثناء أحكام الزوجات ﴾ في سورة البقرة (238).

قالوا: نزلت هذه الآية في أثناء سورة القيامة: هذا ما لا خلاف فيه بين أهل الحديث وأيمة التفسير.

وذكر الفخر عن القفال أنه قال: إن قوله: لا تُحرك به لسانك } ليس خطاباً مع الرسول صلى الله عليه وسلم بل هو خطاب مع الإِنسان المذكور في قوله: ﴿ ينبَّأ الإِنسان ﴾ [القيامة: 13] فكان ذلك للإِنسان حا لَما يُنَبَّأُ بقبائح أفعاله فيقال له: اقرأ كتابك، فإذا أخذ في القراءة تلجلج لسانه فيقال له: لا تحرك به لسانك لتعجل به فإنه يجب علينا بحكم الوعد أو بحكم الحكمة أن نجمع أعمالك وأن نقرأها عليك فإذا قرأناه عليك فاتبع قرآنه بالإِقرار، ثمّ إن علينا بيان مراتب عقوبته، قال القفال: فهذا وجه حسن ليس في العقل ما يدفعه وإن كانت الآثار غير واردة به اه.

وأقول: إن كان العقل لا يدفعه فإن الأسلوب العربي ومعاني الألفاظ تنبو عنه.

والذي يلوح لي في موقع هذه الآية هنا دون أن تقع فيما سبق نزوله من السور قبل هذه السورة: أن سور القرآن حين كانت قليلة كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخشى تفلّت بعض الآيات عنه فلما كثرت السور فبلغت زهاء ثلاثين حسب ما عَده سعيد بن جبير في ترتيب نزول السور، صار النبي صلى الله عليه وسلم يخشى أن ينسى بعض آياتها، فلعله صلى الله عليه وسلم أخذ يحرك لسانه بألفاظ القرآن عند نزوله احتياطاً لحفظه وذلك من حرصه على تبليغ ما أنزل إليه بنصه، فلما تكفل الله بحفظه أمره أن لا يكلف نفسه تحريك لسانه، فالنهي عن تحريك لسانه نهي رحمة وشفقة لمَا كان يلاقيه في ذلك من الشدة.

و (قرآن) في الموضعين مصدر بمعنى القراءة مثل الغُفران والفُرقان، قال حسان في رثاء عثمان بن عفان: يقَطِّع الليلَ تسبيحاً وقُرآنا *** ولفظ ﴿ علينا ﴾ في الموضعين للتكفل والتعهّد.

و ﴿ ثم ﴾ في ﴿ ثم إن علينا بيانه ﴾ للتراخي في الرتبة، أي التفاوتتِ بين رتبة الجملة المعطوف عليها وهي قولُه ﴿ إنَّ علينا جَمْعه وقرآنه ﴾ ، وبين رتبة الجملة المعطوفة وهي ﴿ إِن علينا بيانه ﴾ .

ومعنى الجملتين: أن علينا جمع الوحي وأن تقرأه وفوق ذلك أن تبينه للناس بلسانك، أي نتكفل لك بأن يكون جمعه وقرآنه بلسانك، أي عن ظهر قلبك لا بكتابة تقرأها بل أن يكون محفوظاً في الصدور بيّناً لكل سامع لا يتوقف على مراجعة ولا على إحضار مصحف من قُرب أو بُعد.

فالبيان هنا بيان ألفاظه وليس بيان معانيه لأن بيان معانيه ملازم لورود ألفاظه.

وقد احتج بهذه الآية بعض علمائنا الذين يرون جواز تأخير البيان عن المبيّن متمسكين بأن ﴿ ثم ﴾ للتراخي وهو متمسَّك ضعيف لأن التراخي الذي أفادته ﴿ ثم ﴾ إنما هو تراخ في الرتبة لا في الزمن، ولأن ﴿ ثم ﴾ قد عَطفت مجموع الجملة ولم تعطف لفظ ﴿ بيانه ﴾ خاصة، فلو أريد الاحتجاج بالآية للزم أن يكون تأخير البيان حقاً لا يخلو عنه البيان وذلك غير صحيح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ النَّبِيَّ  كانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ حَرَّكَ بِهِ لِسانَهُ يَسْتَذْكِرُهُ.

مَخافَةَ أنْ يَنْساهُ، وكانَ نالَهُ مِنهُ شِدَّةٌ، فَنَهاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ وقالَ: ﴿ إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ ﴾ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ كانَ يُعَجِّلُ بِذِكْرِهِ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ مِن حُبِّهِ لَهُ وحَلاوَتِهِ في لِسانِهِ، فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ حَتّى يَجْتَمِعَ، لِأنَّ بَعْضَهُ مُرْتَبِطٌ بِبَعْضٍ، قالَهُ عامِرٌ الشَّعْبِيُّ.

﴿ إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ في قَلْبِكَ لِتَقْرَأهُ بِلِسانِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: عَلَيْنا حِفْظُهُ وتَأْلِيفُهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: عَلَيْنا أنْ نَجْمَعَهُ لَكَ حَتّى تُثْبِتَهُ في قَلْبِكَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَإذا بَيَّناهُ فاعْمَلْ بِما فِيهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: فَإذا أنْزَلْناهُ فاسْتَمِعْ قُرْآنَهُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

الثّالِثُ: فَإذا تُلِيَ عَلَيْكَ فاتَّبِعْ شَرائِعَهُ وأحْكامَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بَيانُ ما فِيهِ مِن أحْكامٍ وحَلالٍ وحَرامٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: عَلَيْنا بَيانُهُ بِلِسانِكَ إذا نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ حَتّى تَقْرَأهُ كَما أقْرَأكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: عَلَيْنا أنْ نَجْزِيَ يَوْمَ القِيامَةِ بِما فِيهِ مِن وعْدٍ أوْ وعِيدٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ كَلا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ ﴾ ﴿ وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تُحِبُّونَ ثَوابَ الدُّنْيا وتَذْرُوَنَ ثَوابَ الآخِرَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: تُحِبُّونَ عَمَلَ الدُّنْيا وتَذْرُوَنَ عَمَلَ الآخِرَةِ.

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي حَسَنَةً، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: مُسْتَبْشِرَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: ناعِمَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: مَسْرُورَةٌ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

﴿ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: تَنْظُرُ إلى رَبِّها في القِيامَةِ، قالَهُ الحَسَنُ وعَطِيَّةُ العُوفِيُّ.

الثّانِي: إلى ثَوابِ رَبِّها، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: تَنْتَظِرُ أمْرَ رَبِّها، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كالِحَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: مُتَغَيِّرَةٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الفاقِرَةَ الدّاهِيَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: الشَّرُّ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: الهَلاكُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الرّابِعُ: دُخُولُ النّارِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر من طريق عن ابن عباس في قوله: ﴿ بل الإِنسان على نفسه بصيرة ﴾ قال: الإِنسان شهيد على نفسه وحده ﴿ ولو ألقى معاذيره ﴾ قال: ولو اعتذر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير مثله.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ بل الإِنسان على نفسه بصيرة ﴾ قال: شاهد عليها بعملها ﴿ ولو ألقى معاذيره ﴾ قال: واعتذر يومئذ بباطل لم يقبل الله ذلك منه يوم القيامة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره ﴾ قال: لو جادل عنها هو بصير عليها.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ ولو ألقى معاذيره ﴾ قال: حجته.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عمران بن جبير قال: قلت لعكرمة: ﴿ بل الإِنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره ﴾ فسكت وكان يستاك، فقلت: إن الحسن قال: يا ابن آدم عملك أحق بك، قال: صدقت.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ بل الإِنسان على نفسه بصيرة ﴾ قال: إذا شئت رأيته بصيراً بعيون الناس غافلاً عن عيبه، قال: وكان يقال في الإِنجيل: مكتوب يا ابن آدم أتبصر القذاة في عين أخيك ولا تبصر الجذل المعترض في عينك؟.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ بل الإِنسان على نفسه بصيرة ﴾ قال: سمعه وبصره ويده ورجليه وجوارحه ﴿ ولو ألقى معاذيره ﴾ قال: ولو تجرد من ثيابه.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ ولو ألقى معاذيره ﴾ قال: ستوره بلغة أهل اليمن.

أخرج الطيالسي وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة وكان يحرك به لسانه وشفتيه مخافة أن يتلفت منه يريد أن يحفظه فأنزل الله: ﴿ لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه ﴾ قال: يقول إن علينا أن نجمعه في صدرك ثم تقرؤه ﴿ فإذا قرأناه ﴾ يقول: إذا أنزلناه عليك ﴿ فاتبع قرآنه ﴾ فاستمع له وأنصت ﴿ ثم إن علينا بيانه ﴾ بينه بلسانك، وفي لفظ علينا أن نقرأه فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل أطرق.

وفي لفظ استمع فإذا ذهب قرأكما وعده الله عز وجل.

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه القرآن تعجل بقراءته ليحفظه فنزلت هذه الآية ﴿ لا تحرك به لسانك ﴾ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم ختم سورة حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفتر عن القرآن مخافة أن ينساه فقال الله: لا تحرك به لسانك ﴿ إن علينا جمعه ﴾ أن نجمعه لك ﴿ وقرآنه ﴾ أن تقرأه فلا تنسى ﴿ فإذا قرأناه ﴾ عليك ﴿ فاتبع قرآنه ﴾ يقول: إذا يتلى عليك فاتبع ما فيه ﴿ ثم إن علينا بيانه ﴾ يقول: حلاله وحرامه فذلك بيانه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه القرن تعجل بقراءته ليحفظه فنزلت هذه الآية ﴿ لا تحرك به لسانك ﴾ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم ختم سورة حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفتر عن القرآن مخافة أن ينساه فقال الله: لا تحرك به لسانك ﴿ إن علينا جمعه ﴾ أن نجمعه لك ﴿ وقرآنه ﴾ أن تقرأه فلا تنسى ﴿ فإذا قرأناه ﴾ عليك ﴿ فاتبع قرآنه ﴾ يقول: إذا يتلى عليك فاتبع ما فيه ﴿ ثم إن علينا بيانه ﴾ يقول: حلاله وحرامه فذلك بيانه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ فإذا قرأناه ﴾ قال: بيناه ﴿ فاتبع قرآنه ﴾ يقول: اعمل به.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ لا تحرك به لسانك ﴾ قال: كان يستذكر القرآن مخافة النسيان، فقيل له: كفيناكه يا محمد.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ لا تحرك به لسانك لتعجل به ﴾ قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يحرك لسانه بالقرآن مخافة النسيان.

فأنزل الله ما تسمع ﴿ إن علينا جمعه وقرآنه ﴾ يقول: إن علينا حفظه وتأليفه ﴿ فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ﴾ يقول اتبع حلاله واجتنب حرامه ﴿ ثم إن علينا بيانه ﴾ قال: بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16)﴾.

قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كان رسول الله -  - يعالج من التنزيل شدة (١) (٢) ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ﴾ يعني بالقراءة (٣) ﴿ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ أي بالقرآن، كما قال: ﴿ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ  ﴾ .

والمعنى لتعجل بأخذه.

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ ﴾ ، أي نجمعه في صدرك، وقراءته (٤) (٥) (٦) وقال عطاء: (أي) (٧) (٨) وقال مقاتل (وقرآنه): يعني: ونقرئكه حتى تحفظه (٩) قال الزجاج: إن علينا أن نقرئكه فلا تنسى (١٠) ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6)  ﴾ .

وعلى هذا معنى قوله: (قرآنه) أي وقراءتك إياه بأن نقرئكه، والقارئ هو النبي -  -، وعلى القول الأول: القارئ هو جبريل.

وهذا الذي ذكرنا في قوله: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ﴾ هو قول مقاتل (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) قال قتادة في قوله: (جمعه وقرآنه) حفظه (١٧) (١٨) (وقد ذكرنا ذلك عند تفسير القُرء [[[البقرة: 228] وما جاء في معنى (القروء) جمع قرء، وجمعه القليل أقرؤ، وأقراء، والكثير: قروء، وهذا الحرف من الأضداد؛ لأن أصل القرء اسم للوقت، والقروء الأوقات، واحدها قرء.

وقال قوم: أصل القرء: الجمع، يقال: ما قرأت الناقة سلا قط، أي ما جمعت في رحمها ولدًا قط.]]) (١٩) قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ ﴾ .

قال ابن عباس: فإذا قرأه جبريل (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) وهذا معنى قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير قال: يقول: إنا أنزلناه فاتبع له، فكان النبي -  - إذا نزل عليه جبريل بعد هذا أطرق، فإذا ذهب فرأه كما وعده الله (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) وذكر أبو علي في "المسائل الحلبية" هذه الآية فقال: (قوله تعالى: ﴿ لَا تُحَرك بِهِ لِسَانَكَ ﴾ ، إنا سنحفظه عليك.

وهذا في المعنى مثل قوله: ﴿ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ  ﴾ ، وليس المراد بقوله: ﴿ جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴾ القرآن الذي هو اسم التنزيل، وإنما أضمر [في قوله: ﴿ لَا تُحَرِك بِهِ لِسَانَكَ ﴾ ، وإن لم يجر له ذكر لدلالة الحال عليه، كما أضمر] (٣١) ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1)  ﴾ ، وإن كان أول سورة، ولم يجر له ذكر، وإذا كان الذكر المضاف إليه المصدر في قوله: (وقرآنه) راجعًا إلى التنزيل ثبت أن المصدر ليس عبارة عنه؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، ألا ترى أنك لا تقول: رجلُ زيدٍ، وأنت تعني بـ: (رجل) زيدًا (٣٢) ﴿ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾ ، ومجاز الآية على قول أبي عبيدة: جمعه وتأليف بعضه إلى بعض (٣٣) (٣٤) لم تَقْرَأ جَنِينا (٣٥) (٣٦) (٣٧) (١) قوله: التنزيل شدة: بياض في (ع).

(٢) في (ع): يحفظ.

(٣) أخرج هذا الأثر البخاري في "الجامع الصحيح" 3/ 318: ح: 4927، 4928، 4929 بمعناه كتاب: التفسير: باب (75) سورة القيامة، ومسلم في "صحيحه" 1/ 330: ح: 147، 148: كتاب: الصلاة باب: الاستماع للقراءة، وأبو داود الطيالسي في "مسنده" 10/ 342: ح 2628، والإمام أحمد في "المسند" 1/ 343، والترمذي في "سننه" 5/ 430: ح 3329: كتاب: تفسير القرآن باب 721 ومن سورة القيامة.

وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في "سننه" 2/ 487: ح 934: كتاب الافتتاح باب 37 جامع ما جاء في القرآن، والطبراني في "المعجم الكبير" 11/ 458: ح: 12297، كما ورد في الأثر عن ابن عباس في "جامع البيان" 29/ 187 بمعناه، و"النكت والعيون" 6/ 155، و"معالم التنزيل" 4/ 423 ، و"زاد المسير" 8/ 137، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 104، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 479، و"الدر المنثور" 8/ 348 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في المصاحف، والطبراني وابن مردويه، وأبي نعيم، و"لباب القول" للسيوطي 225، وانظر: "دلائل النبوة" للبيهقي 7/ 56.

(٤) بياض في (ع).

(٥) قراءته: كررت في نسخة: (ع).

(٦) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد مثله في "الوسيط" غير منسوب 4/ 392.

(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٨) ساقطة من (أ).

(٩) لم أعثر على مصدر لقوله.

(١٠) "تفسير مقاتل" 218/ أ.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 253 برواية: (نقريك) بدلًا من: (نقريكه).

(١٢) "تفسير مقاتل" 218/ أ.

(١٣) لم أعثر على مصدر لقوله.

(١٤) لم أعثر على مصدر لقوله.

(١٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(١٦) قال بذلك أيضًا سيد بن جبير، والشعبى، وابن زيد، والضحاك.

انظر: "جامع البيان" 29/ 187 - 188.

وبه قال الفراء، والزجاج، وعزاه ابن عطية إلى كثير من == المفسرين، وقال به أيضًا ابن كثير.

انظر: "معاني القرآن" 3/ 211، و"معاني القرآن وإعرابه" 5/ 253، و"المحرر الوجيز" 5/ 404، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 479.

وقال آخرون: بل السبب الذي من أجله قيل له ذلك: أنه كان يكثر تلاوة القرآن مخافة نسيانه، فقيل له: لا تحرك به لسانك لتعجل به، إن علينا أن نجمعه لك، ونقرئكه، فلا تنسى.

وهو قول ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والضحاك.

انظر: "جامع البيان" 29/ 188، و"المحرر الوجيز" 5/ 404.

وقال آخرون -وهو قول الشعبي- كان رسول الله -  - لحرصه على أداء الرسالة والاجتهاد في ذات الله تعالى، ربما أراد النطق ببعض ما أوحى إليه قبل كمال إيراد الوحي، فأمر ألا يعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليه وحيه.

انظر: "المحرر" 5/ 404.

(١٧) غير مقروءة في نسخة: (ع).

(١٨) السلا: الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد، يكون ذلك في الدواب والإبل وفي الناس: المشيمة، والمعنى ما حملت ملقوحًا.

"النهاية في غريب الحديث والأثر" 2/ 396.

(١٩) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٢٠) "الوسيط" 4/ 393.

(٢١) "تفسير مقاتل" 218/ أ.

(٢٢) بياض في (ع).

(٢٣) "تفسير مقاتل" 218/ أ، وقد ورد بمعناه في "الوسيط" ع: 393 من غير عزو.

(٢٤) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 334، و"جامع البيان" 29/ 190، و"المحرر الوجيز" 5/ 405، و"زاد المسير" 8/ 137، و"الدر المنثور" 8/ 348 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.

(٢٥) بياض في (ع).

(٢٦) الأثر أخرجه البخاري 3/ 318: ح: 4929 كتاب: التفسير باب 75 سورة القيامة، ومسلم 1/ 330: ح: 147 - 148: "كتاب الصلاة" باب الاستماع للقراءة، كما أخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" 10/ 342: ح 2628، والنسائي في "سننه" 2/ 487: ح: 934: كتاب: الافتتاح باب: 37 جامع ما جاء في القرآن.

(٢٧) أي ابن عباس.

(٢٨) سبق تخريجه.

(٢٩) في (أ): قرة.

(٣٠) قوله: جبريل بالاتباع: بياض في (ع).

(٣١) ساقط من النسختين، وأثبته من المسائل الحلبية لاكتمال واتضاح المعنى بوجوده.

(٣٢) في كلا النسختين: زيد.

(٣٣) "مجاز القرآن" 2/ 278، وذكر بيت عمرو بن كلثوم.

(٣٤) في (أ): أن.

(٣٥) البيت كاملاً: ذِراعَيْ عَيْطَلٍ أدْماءَ بِكْرٍ ...

هِجانِ اللَّوْنِ لم تَقْرأْ جَنِينا ورد البيت في "شعر عمرو بن كلثوم" إعداد: طلال حرب: 25، "شرح المعلقات السبع" للزوزني 169، و"شرح المعلقات العشر" للشنقيطي 139، و"مجاز القرآن" 2/ 278، و"المحرر الوجيز" 5/ 404، و"روح المعاني" 29/ 142.

== ومعنى البيت: العيطل: الطويلة العنق من النوق.

الأدماء: البيضاء منها، والأدمة البياض في الإبل.

البكر: الناقة التي حملت بطنًا واحداً، الهجان: الأبيض الخالص البياض.

لم تقرأ جنينًا، أي: لم تضم في رحمها ولدًا.

شرح المعلقات السبع.

مرجع سابق، انظر: "ديوانه" 25 والذي ورد في ديوانه برواية: ذِرَاعَا عِيْطَلٍ أدْمَاءَ بكرٍ ...

تَرَبَّعَتِ الأجَارعَ والْمُتُونَا أما ما روي عنه في شرح المعلقات وغيرها ووضح ذلك في ديوانه، فهي رواية: ذراعي عيطل أدماء بكر ...

هجان اللون لم تقرأ جنينا (٣٦) في (أ): الأخرا.

(٣٧) ما بين القوسين من "المسائل الحلبية" باختصار: 290 - 293.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ الضمير في به يعود على القرآن دلت على ذلك قرينة الحال، وسبب الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه جبريل بالقرآن يحرك به شفتيه، مخافة أن ينساه لحينه، فأمره الله إن يُنصت ويستمع، وقيل: كان يخاف أن ينسى القرآن فكان يدرسه حتى غلب عليه ذلك، وشق عليه فنزلت الآية والأول هو الصحيح.

لأنه ورد في البخاري وغيره ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴾ ضمن الله له أن يجمعه في صدره، فلا يحتاج إلى تحريك شفتيه عند نزوله، ويحتمل قرآنه هنا وجهين، أحدهما: أن يكون بمعنى القراءة فإن القرآن قد يكون مصدراً من قرأت، والآخر: أن يكون معناه تأليفه في صدره فهو مصدر من قولك: قرأت الشيء أي جمعته ﴿ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ ﴾ أي إذا قرأه جبريل، فاجعل قراءة جبريل قراءة الله؛ لأنها من عنده، ومعنى اتبع قرآنه اسمع قراءته واتبعها بذهنك لتحفظها، وقيل: اتبع القرآن في الأوامر والنواهي ﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ أي علينا أن نبينه لك ونجعلك تحفظه، وقيل: علينا أن نبين معانيه وأحكامه، فإن قيل: ما مناسبة قوله: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ﴾ الآية، لما قبلها؟

فالجواب: أنه لعله نزل معه في حين واحد فجعل على ترتيب النزول.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: روى الهاشمي وابن ربيعة عن قنبل ﴿ لأقسم ﴾ على أن اللام حرف الابتداء أي لأنا أقسم ولا خلاف في قوله ﴿ ولا أقسم بالنفس اللوامة ﴾ ﴿ برق ﴾ بفتح الراء: أبو جعفر ونافع.

الآخرون: بكسرها ﴿ تحبون ﴾ و ﴿ تذرون ﴾ على الخطاب أبو جعفر ونافع وعاصم وحمزة وعلي وخلف ﴿ ولا صلى ﴾ إلى اخر السورة بالإمالة اللطيفة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

وقرأ حمزة وعلي وخلف بالأمالة الشديدة.

﴿ يمنى ﴾ علىالتذكير: حفص والمفضل وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ورويس.

الباقون: بتاء التأنيث.

الوقوف: ﴿ القيامة ﴾ ه لا ﴿ اللوامة ﴾ ه ﴿ عظامه ﴾ ه ط لاستئناف الجواب أي بلى نجمعها ﴿ بنانه ﴾ ه ﴿ أمامه ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ القيامة ﴾ ه ج ﴿ البصر ﴾ ه لا ﴿ القمر ﴾ ه ك ﴿ المفر ﴾ ه ك لأن كلاً يصلح للردع عن الفرار والأجوز ﴿ لا وزر ﴾ ه ط ﴿ المستقر ﴾ ه ط ﴿ وأخر ﴾ ه ط ﴿ بصيرة ﴾ ه لا ﴿ معاذيره ﴾ ه لا ﴿ لتعجل به ﴾ ه ط ﴿ وقرآنه ﴾ ه ج لاحتمال أن " ثم " لترتيب الأخبار ﴿ بيانه ﴾ ه ط ﴿ العاجلة ﴾ ه ﴿ الآخرة ﴾ ه ﴿ ناضرة ﴾ ه ج ﴿ ناظرة ﴾ ه ج للفصل بين أهل السعادة والشقاوة ﴿ باسرة ﴾ ه ﴿ فاقرة ﴾ ه ط ﴿ التراقي ﴾ ه لا ﴿ راق ﴾ ه ك ﴿ الفراق ﴾ ه ك ﴿ بالساق ﴾ ه ك ﴿ المساق ﴾ ه ك ﴿ ولا صلى ﴾ ه لا ﴿ وتولى ﴾ ه ك ﴿ يتمطى ﴾ ه ط للعدول إلى الخطاب ﴿ فأولى ﴾ ه لا ﴿ سدى ﴾ ه ط ﴿ يمنى ﴾ ه ﴿ فسوى ﴾ ه ك ﴿ والأنثى ﴾ ه ط ﴿ الموتى ﴾ ه.

التفسير: المشهور أن " لا " في ﴿ لا أقسم ﴾ صلة زائدة كما مر في قوله ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم  ﴾ واعترض عليه بوجوه أحدها: أنه يوجب الطعن في القرآن بحيث أنه لا يبقى الوثوق بنفيه وإثباته قلت: إذا عرف من استعمالات العرب زيادة لا في هذا الفعل المخصوص لم يبق للطاعن مجال على أن الحكم بزيادتها إنما هو بالنظر إلى أصل المعنى وإلا فلها في التركيب معان: الأول كأنها نفي لكلام قبل القسم وذلك أنهم أنكروا البعث كما أخبر الله في آخر السورة المتقدمة فقيل: ليس الأمر على ما ذكرتم ثم أقسم بكذا وكذا إنه لواقع.

والثاني أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظاماً له فكأنه بإدخال حرف القسم يقول: إن إعظامي له بإقسامي به كلا اعظام إنه يستأهل فوق ذلك.

الإعتراض الثاني أن هذا الحرف إنما يزاد في وسط الكلام لا في أوّله وأجيب بالمنع، ألا ترى أن أمرأ القيس كيف زادها في مستهل قصيدته: فلا وأبيك ابنة العامري *** لا يدّعي القوم أني أفرّ وفائدة الزيادة كما تقرر.

وقد يجاب بأن القرآن كله في حكم كلام واحد متصل بعضه ببعض ولا سيما هذه السورة وآخر السورة المتقدمة عليها ولكني أسألك غير مقسم أتحسب أنا لا تجمع عظامك إذا تفرقت بالموت، فإن كنت تحسب ذلك فاعلم أنّا قادرون عليه.

وقيل: المعنى على الاستفهام الإنكاري والتقدير: ألا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة على أن الحشر حق.

وهذا التأويل يعضده قراءة من قرأ ﴿ لأقسم ﴾ على أن اللام للابتداء.

وقال بعضهم: على هذه القراءة إنه أقسم بالقيامة تعظيماً لها ولم يقسم بالنفس اللوامة تحقيراً لها لأنها إما كافرة بالقيامة مع عظم أمرها، وإما فاسقة مقصرة في العمل.

أما تفسير النفس اللوامة فقد سبق لنا في سورة يوسف في قوله ﴿ إن النفس لأمارة بالسوء  ﴾ بيان سبب تسمية النفس تارة بالأمارة وأخرى باللوامة ثم بالملهمة ثم بالمطمئنة.

والذي ذكره المفسرون ههنا وجوه منها ما قال ابن عباس: كل نفس فإنها تلوم نفسها يوم القيامة على ترك الازدياد من الطاعة إن كانت محسنة، أو على التفريط إن كانت مسيئة.

وضعف بعضهم هذا النقل بناء على أن أهل الجنة لا يكون لهم مثل هذه الخواطر وإلا لدام حزنهم.

وعن الحسن أن هذا اللوم في الدنيا والمؤمن لا تراه إلا لائماً نفسه وإن الكافر يمضي على سيرته لا يعاتب نفسه.

ومنها أنها النفوس المتقية التي تلوم النفس العاصية يوم القيامة بسبب أنها تركت التقوى.

ولا يخفى وجه المناسبة بين القسمين أعني بين القيامة وبين النفس اللوامة على هذه الوجوه.

وخص النفس اللوامة بعضهم بآدم  وذلك أنه لم يزل يتلوم على فعله الذي خرج به من الجنة.

وقيل: أن الإنسان خلق هلوعاً فأي شيء طلبه إذا وجده مله فيلوم نفسه على أني لم طلبت فلكثرة هذا العمل سميت باللوامة.

والجمهور على أن جواب القسم محذوف وهو لتبعثن دل عليه قوله ﴿ أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه ﴾ وفي الأقسام بيوم القيامة على وقوع يوم القيامة مزيد تقرير وتأكيد لوقوعه فإن الإقسام بالمعدوم لا يعقل معناه، وفي ضم النفس الوامة إليه تنبيه على أن الغرض من القيامة وهو إظهار أحوال النفس ومراتبها في السعادة وضدها.

قال جمع من الأصوليين: الإنسان في الآية هو المكذب بالبعث على الإطلاق وقال ابن عباس: هو أبو جهل.

وقال آخرون: إن عدي بن ربيعة ختن الأخنس بن شريق وهما اللذان كان رسول الله  يقول فيهما: اللهم اكفني جاري السوء.

قال: يا محمد حدثنا عن يوم القيامة كيف أمره فأخبره النبي  فقال: لو عانيت ذلك اليوم لم أصدقك يا محمد ولم أؤمن به، أو يجمع الله العظام؟

فأنزل الله  ﴿ أيحسب الإنسان ﴾ الآية.

قوله ﴿ قادرين ﴾ حال مؤكدة لأنه يستحيل جمع العظام بدون القدرة الكاملة التي نبه عليها بقوله ﴿ أن نسوي بناته ﴾ لأن من قدر على ضم سلاميات الأصبع مع صغرها ولطافتها كما كانت، كان على ضم العظام الكبار أقدر، وإنما خص البنان وهو الأنملة بالذكر لأنه آخر ما يتم به خلقه فذكره يدل على تمام الأصبع يدل على تمام سائر الأعضاء التي هي أطرافها.

وقيل: معنى التسوية جعلها شيئاً واحداً كخف البعير وحافر الحمار بحيث لا يقدر على البطش، والمراد أنه قادر على رد العظام والمفاصل إلى هيأتها الأولى وعلى ضد ذلك قوله ﴿ بل يريد ﴾ إضراب عن قوله والظاهر أنه إيجاب ويجوز أن يكون استفهاماً مقدراً.

ومعنى ﴿ ليفجر أمامه ﴾ ليدوم على فجوره في الأوقات التي بين يديه وهي المستقبلة.

وهذا فحوى قول سعيد بن جبير يقدم الذنب ويؤخر التوبة حتى يأتيه الموت على شر أحواله.

قال أهل النظم: وإن إنكاراً البعث يتولد تارة من الشبهة بأن يستبعد اجتماع الأجزاء بعد تفرقها وتلاشيها، وأخرى من التهور بأن ينكر المعاد باسترسال الطبع والميل إلى الفجور، فأشار إلى الجواب عن الشبهة بقوله ﴿ أيحسب الإنسان ﴾ إلى قوله ﴿ بناته ﴾ وأنكر على الثني بقوله ﴿ بل يريد ﴾ أن يكذب بما أمامه من البعث والحساب لئلا تنتقص عنه اللذات العاجلة ﴿ يسئل ﴾ سؤال تنعت ﴿ أيان يوم القيامة ﴾ ثم ذكر من أمارات الساعة أموراً أولها ﴿ فإذا برق البصر ﴾ أي تحير فزعاً وأصله من برق الرجل بالكسر إذا تأثر ناظره من تأمل البرق، ثم استعمل في كل حيرة.

ومن قرأ بفتح الراء فهو من البريق أي لمع من شدة شخوصه كقوله ﴿ إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار  ﴾ وثانيها ﴿ وخسف القمر ﴾ أي ذهب ضوءه كما يشاهد في الدنيا وقت خسوفه, أو ذهب بنفسه من قوله ﴿ فخسفنا به وبداره الأرض  ﴾ وهذا التفسير عندي لا يلائم ما بعده أن الجمع بينه وبين الشمس بعد انعدامه غير معقول ظاهراً.

وثالثها ﴿ وجمع الشمس والقمر ﴾ قيل: أي في اطلاعهما من المغرب.

وقيل: في ذهاب الضوء.

وقيل: يجتمعان أسودين مكورين كأنهما ثوران عقيران كما جاء في الحديث، ولعل ذلك لأنهما عبدا من دون الله، و الثور مثل في الذل والبلادة فإذا كان عقيراً أي جريحاً كان أبلغ في ذلك.

وقيل: يجمعان ثم يقذفان في البحر فيكون نار الله الكبرى.

طعن الملاحدة في الآية بأن خسوف القمر لا يحصل باجتماع الشمس والقمر.

وأجيب بأنه  قادر على خسف القمر في غير حالة المقابلة وحيلولة الأرض.

والأولى عندي أن يجاب بأن اجتماعهما بمعنى آخر غير ما هو المعهود بين أهل التنجيم كما مر من الأقوال.

ولئن سلمنا أن المراد هو الإجتماع المعهود فالقمر حينئذ في المحق وهو خسفه، أو لعل القمر خسف في وسط الشهر والاجتماع يكون في آخره فإن اتحاد الزمان في هذه الأمور غير مذكور.

ومنهم من جعل هذه الأمور من علامات الموت، أما شخوص البصر تحيره حين الموت فظاهر، وأما خسوف القمر فمعناه ذهاب ضوء البصر بعد الحيرة: يقال: عين خاسفة إذا فقئت فغارت حدقتها في الرأس.

وأما جمع الشمس والقمر فكناية عن اتصال الروح بعالم الآخرة، فالروح كالقمر وعالم الآخرة وهو عالم الأنوار والكشوف كالشمس وكما أن القمر يقبل النور من الشمس فالروح تقبل نور المعارف من ذلك العالم وهذا التفسير بالتأويل أشبه.

قال الفراء: إنما قال ﴿ جمع ﴾ ولم يقل " جمعت " مع أن التأنيث أحسن لأن المراد أنه جمع بينهما في زوال النور.

وقال الكسائي: المعنى جمع النوران والضياآن.

وقال أبو عبيدة: القمر شارك الشمس في الجمع فغلب جانب التذكير ﴿ يقول الإنسان ﴾ المنكر للقيامة ﴿ أين المفر ﴾ والاستفهام على أصله وهو إقرار منه بأنه لا مفر كما إذا أيس من وجدان زيد فيقول: أين زيد ﴿ كلا ﴾ ردع عن طلب مكان الفرار وهذا أصح عند أهل اللغة.

قال الأخفش والزجاج: المصدر من يفعل بكسر العين مفتوح العين، وبالكسر المكان.

وجوز بعضهم أن يكون المفتوح موضعاً.

وأصل الوزر المحل المنيع ثم استعمل لكل ما التجأت إليه وتحصنت به، والمعنى أنه لا شيء يعتصم به وقتئذ من أمر الله إلا الله فلذلك قال ﴿ إلى ربك ﴾ خاصة دون غيره ﴿ يومئذ المستقر ﴾ أي إستقرار العباد ولا بد من تقدير مضاف أي إلى حكم ربك أو إلى جنته أو ناره.

﴿ ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم ﴾ من عمل ﴿ وأخر ﴾ فلم يعلمه، أو بما قدم من ماله وتصدق به وما أخر فخلف أو بما قدم من عمل الخير والشر وما أخر من سنة حسنة أو سيئة.

وعن مجاهد بأول عمله وآخره أي بجميع أعماله.

والأظهر أن هذا الإنباء إنما هو في يوم القيامة.

وجوز أن يكون عند الموت حين رأى مقعده من الجنة والنار.

ثم بين أن الإنسان لأعماله بصير وإن لم ينبأ فقال ﴿ بل الإنسان على نفسه بصيرة ﴾ أي حجة بينة.

وقال أبو عبيدة: التاء للمبالغة كعلامة.

قال الأخفش: جعله في نفسه بصيرة كما يقال " فلان جود وكرم " وذلك أنه يعلم بالضرورة متى رجع إلى عقله أن طاعة خالقه واجبة وعصيانه منكر فهو حجة على نفسه بعقله السليم.

قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل: إن المراد شهادة جوارحه عليه.

قوله ﴿ ولو ألقى معاذيره ﴾ تأكيد أي ولو جاء بكل معذرة يحاج بها عن نفسه فإنها لا تنفعه لأنه لا يخفى شيئاً من أفعاله فإن نفسه وأعضاءه تشهد عليه.

وقال الواحدي والزمخشري: المعاذير اسم جمع للمعذرة كالمناكير للمنكر، ولو كان جمعاً لقيل معاذر بغير ياء.

وعن الضحاك والسدي أن المعاذير جمع معذار وهو الستر، والمعنى إنه إن أسبل الستور لن يخفى شيء من عمله قال جار الله: إن صح هذا النقل فالسبب في التسمية أن الستر يمنع رؤية المحتجب كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب.

فمدار التركيب على الحجب والمنع ومنه العذران قال الإمام فخر الدين الرازي: زعم قوم من قدماء الشيعة أن هذا القرآن مغير بالزيادة والنقصان، ومن جملة إستدلالاتهم أنه لا مناسبة بين هذه الآية وبين قوله عقيبها ﴿ لا تحرك به ﴾ أي بالقرآن الذي نتلوه عليك ﴿ لسانك لتعجل به ﴾ أي بأخذه.

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي  كان يشتد عليه حفظ التنزيل فكان إذا نزل عليه الوحي حرك لسانه وشفتيه قبل فراغ جبرائيل مخافة النسيان فنهاه الله  عن ذلك، نظيره ما مر في " طه " ﴿ ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه  ﴾ وهذا من قبيل ترك الأولى، أو لعل هذا كان مأذوناً فيه أولاً ثم ورد النهي ناسخاً له ﴿ أن علينا ﴾ بحكم الوعد أو بالنظر إلى الحكمة ﴿ جمعه ﴾ في صدرك ﴿ وقرآنه ﴾ سيعيده عليك جبرائيل أو توقيفك لدراسته وحفظ لقوله ﴿ سنقرئك فلا تنسى  ﴾ فالقارىء على الأول جبرائيل، وعلى الثاني محمد  .

وقيل: أراد بالجمع ترتيبه على ما هو عليه في الخارج وبالقرآن جمعه في ذهنه، والتركيب يدل على الضم ومنه القرء ﴿ فإذا قرأناه ﴾ بقراء جبرائيل ﴿ فاتبع قرآنه ﴾ قال قتادة: أي حلاله وحرامه وضعف بأن هذا ليس موضع الأمر باتباع الحلال والحرام بل المراد أنه لا ينبغي أن تكون قراءتك مقارنة لقراءة جبرائيل  لكن يجب أن تسكت حتى يتم جبرائيل القراءة ثم تأخذ أنت في القراءة.

قال ابن عباس: فكان النبي  بعد ذلك إذا نزل عليه جبرائيل أطرق واستمع فإذا ذهب قرأ.

ثم إنه  كما كان حريصاً على القراءة حتى لا ينسى لفظه كان حريصاً على فهم المعنى، وكان يسأل جبرائيل في أثناء الوحي عن المعاني المشكلة فنهي عن هذا أيضاً بوعد البيان وهو قوله ﴿ إن علينا بيانه ﴾ قال بعضهم: وفيه دليل على أن تأخير البيان عن وقت الخطاب جائز.

إذا عرفت تفسير الآية فاعلم أن العلماء استنبطوا للنظم وجوهاً منها: أن هذا الإستعجال لعله اتفق النبي  عند نزول هذه الآيات فلا جرم نهي عن ذلك في الوقت كما أن المدرس إذا كان يلقي على تلميذه شيئاً من العلم وأخذ التلميذ يلتفت يميناً وشمالاً فيقول المدرس في أثناء درسه: لا تلتفت يميناً وشمالاً، ثم يعود إلى الدرس مع هذا الكلام في أثنائه اشتبه وجه المناسب على من لم يعرف الواقعة.

ومنها أنه علت كلمته أخبر عن الإنسان أنه يحب السعادة العاجلة فيفجر لذلك أمامه، فبين بين ذلك أن التعجل مذموم مطلقاً ولو في أمور الدين فقال ﴿ لا تحرك به لسانك ﴾ ورتب على ذم الإستعجال قوله ﴿ كلا بل تحبون العاجلة ﴾ ومنها أنه لما قال ﴿ ولو ألقى معاذيره ﴾ وكان النبي  يظهر التعجيل في القراءة خوف النسيان قيل له: إنك وإن أتيت بهذه المعذرة لكنك يجب أن تعلم أن الحفظ لا يحصل إلا بتوفيق الله وإعانته فاترك هذا التعجيل واعتمد على هدايتنا، ولا تستعن في طلب الحفظ بالتكرار، وفيه أن الكافر كان يفر من الله إلى غيره حين قال ﴿ أين المفر ﴾ فعلى المؤمن أن يضاده ويفر من غير الله إلى الله ولا يستعين في كل أموره إلا به.

ومنها أنه  كأنه قال: يا محمد إن غرضك من هذا هو التبليغ لكنه لا حاجة إليه فإن الإنسان على نفسه بصيرة يعرف قبح الكفر مهما رجع إلى نفسه.

وقال القفال: يجوز أن يكون المخاطب بهذا هو الإنسان المذكور في قوله ﴿ ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ﴾ كأنه حين عرض كتابه يقال له ﴿ إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً  ﴾ فإذا أخذ في القراءة ينبأ بقبح أعماله فيتلجلج لسانه من الفزع ويسرع له القراءة فيقال له ﴿ لا تحرك به لسانك لتعجل به ﴾ فإنه يجب علينا بحكم الوعد والحكمة أن نجمع أعمالك عليك وأن نقرأها عليك، فإذا قرأناه عليك فاتبع قرآنه بالاعتراف والإقرار، ثم أن علينا بيان أمره وشرح مراتب عقوبته.

قوله  .

﴿ كلا بل تحبون ﴾ قال بعضهم: هو بمعنى حقاً.

وقال جار الله: هو ردع لرسول الله  عن عادة العجلة وحيث له على الأناة والتؤدة وقد بالغ في ذلك باتباعه قوله ﴿ بل تحبون العاجلة ﴾ كأنه قيل: بل أنتم يا بني آدم خلقتم من عجل تعجلون في كل شيء، ومن ثم تحبون الدنيا وتتركون الأخرى.

ثم وصف اليوم الآخر بقوله ﴿ وجوه يومئذ ناضرة ﴾ ذات نضارة وبهاء.

والوجه عبارة عن الجملة قاله في الكشاف: والأولى عندي تقليلاً للمجاز أن راد بالوجوه العيون فيكون من إطلاق الكل على الجزء لا عكسه ﴿ إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة ﴾ شديدة العبوس ﴿ تظن أن يفعل بها فاقرة ﴾ فعل هو في شدته وفظاعته فاقرة أي داهية تقصم فقار الظهر كما توقعت الوجوه الناضرة أن يفعل بها كل خير.

قال الأصمعي: الفقر أن يحز أنف البعير حتى يخلص إلى العظم أو يقرب منه ثم يجعل فيه خشبة يجر بها البعير، ومنه قيل: عملت به الفاقرة.

وقال الكلبي: هي أن تحجب عن رؤية ربها فلا تنظر إليه.

وأعلم أن أهل السنة استدلوا بالآية على إمكان رؤية الله تعالى في الآخرة بل على وجوبها بحكم الوعد وحاصل كلامهم أن النظر إن كان بمعنى الرؤية فهو المطلوب، وإن كان بمعنى تقليب الحدقة نحو المرئي فهذا في حقه  محال لأنه منزه عن الجهة والمكان فوجب حمله على مسببه وهو الرؤية وهذا مجاز مشهور وأما المعتزلة فزعموا أن النظر المقرون بـ "إلى " إنما يراد به تقليب الحدقة نحو المرئي التماساً للرؤية فقد تحصل الرؤية وقد لا تحصل كما قال  ﴿ وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ﴾ ويقال: دور فلان متناظرة أي متقابلة ولا ريب أن تقليب الحدقة نحو الشيء يستدعي جهة لذلك الشيء وهذا في حق الله  محال فوجب حمل النظر على الانتظار أي منتظرة ثواب ربها كقولك: أنا ناظر إلى فلان ما يصنع فيّ.

والانتظار إذا كان في شيء متيقن الوقوع لا يوجب الغم والحزن بل يزيد اللذة والفرح.

واعترض بأن النظر إذا كان بمعنى الانتظار لا يعدّى بـ" إلى " كقوله ﴿ أنظرونا نقتبس من نوركم  ﴾ ﴿ هل ينظرون إلى تأويله  ﴾ وأجيب بأن ذلك إنما يكون إذا كان منتظراً للشخص، أما إذا كان منتظراً لرفده ومعونته فإنه يستعمل مقروناً بإلى كقول الرجل: إنما نظري إلى الله ثم إليك.

وقد يقول الأعمى: عيني ناظرة إليك.

سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون " إلى " واحد الآلاء أي نعمة ربها منتظرة، وتقديم المفعول لأجل الفاصلة أو للاختصاص أي لا ينتظرون إلا إلى نعمة الله ورحمته، قال في الكشاف: وهذا المعنى أعني إفادة الاختصاص أحد الدلائل الدالة، على أن النظر ههنا ليس بمعنى تقليب الحدقة ولا بمعنى الرؤية لأنهم ينظرون إلى أشياء ويرون أشياء لا تدخل تحت الحصر فلا بد من حمل النظر على معنى يصح معه الإختصاص وهو التوقع والرجاء.

وحين وصف القيامة الكبرى أتبعه نعت القيامة الصغرى فروّعهم عن إيثار العاجلة على الآجلة.

وذكرهم حالة الموت التي هي أول منزلة من منازل الآخرة.

والضمير في ﴿ بلغت ﴾ للنفس لدلالة قرينة الحال والمقال كما في قوله ﴿ فلولا إذا بلغت الحلقوم  ﴾ والتراقي العظام المكتنفة ثغرة النحر من الجانبين واحدها ترقوة، والمراد زهوق الروح لأن متعلق النفس هو الروح الحيواني الذي منبعه القلب فإذا فارق المنبع لم يبق من آثاره في حواليه إلا قليل كما لو غارت العين لم يبق في نواحيها إلا أثر قليل من النداوة فيزول عن قرب.

قوله ﴿ وقيل من راق ﴾ إن كان من الرقية يقال رقاه يرقيه إذا عوذه بما يشفيه ومنه " بسم الله أرقيك من كل يؤذيك " فالقائل هم بعض أصحاب الميت وأقاربه، والاستفهام إما على أصله لأن العادة جارية على طلب الطبيب والراقي في وقت ما يشتد المرض، وإما بمعنى الإنكار أي من الذي يقدر أن يرقي هذا الإنسان المشرف على الموت، وإن كان اشتقاقه من الرقي الصعود ومنه المرقاة قال الله تعالى ﴿ ولن نؤمن لرقيك  ﴾ فالقائل بعض الملائكة يعني أيكم يرقي بروح هذا المحتضر ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب.

وعن ابن عباس: إن الملائكة يكرهون القرب من الكافرين فيقول ملك الموت: من يرقى بروح هذا الكافر؟

وقال الكلبي: يحضر العبد عند الموت سبعة أملاك من ملائكة العذاب مع ملك الموت فإذا بلغت نفس العبد التراقي نظر بعضهم إلى بعض أيهم يعرج بروحه إلى السماء ﴿ وظن ﴾ المحتضر أي تيقن ﴿ أنه ﴾ وقت ﴿ الفراق ﴾ عن الدنيا وأوان الفطام عن مألفواتها.

وفي التعبير عن اليقين ههنا بالظن تهكم بالميت وإشارة إلى أن الإنسان لتهالكه على الدنيا وحرصه على الحياة العاجلة لا يكاد يقطع بحلول الأجل وإن لم يبق منه إلا حشاشة يسيرة، غايته أنه يغلب على ظنه الموت مع رجاء الحياة العاجلة لا يكاد يقطع بالموت.

واستدل بهذه الآية على أن النفس باقٍ بعد خراب البدن لأن الله سمى الموت فراقاً والفراق والوصال صفة والصفة تستدعي وجود الموصوف.

﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ فيه وجهان أحدهما: أنه كناية عن الشدّة كما مر في قوله ﴿ يوم يكشف عن ساق  ﴾ أي اتصلت شدة فراق الدنيا وترك الأهل والولد والجاه وشماتة الأعداء وحزن الأولياء وغير ذلك بشدّة الإقبال على أحوال الآخرة وأهوالها.

الثاني أن الساق هي العضو المخصوص.

قال الشعبي: أما رأيته في النزع كيف يضرب بإحدى رجليه على الأخرى؟

قال الحسن وسعيد بن المسيب: هما ساقاه التفتا في أكفانه.

وقيل: التفاف ساقيه وهو أنه إذا مات يبست ساقاه ولصقت إحدهما بالأخرى.

وقريب منه قول قتادة ماتت رجلاه فلا يحملانه وقد كان عليهما جوالاً ﴿ إلى ربك ﴾ أي حكمة خاصة ﴿ يومئذ المساق ﴾ أي السوق.

وقيل: أراد أن سوقه وقتئذ يفوض إلى الله دون غيره، والفرق أن الرب أي حكمه في الأول هو المسوق إليه وهو في الثاني سائق يسوقه إلى الجنة أو إلى النار.

قوله ﴿ فلا صدّق ولا صلى ﴾ الضمير فيه عائد إلى الإنسان المذكور في قوله ﴿ أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه ﴾ وقد سبق أن تعينه صنفيّ أو شخصي أخبر الله  عن اختلال حال أعماله فيما يتعلق بأصول الدين وفروعه قائلاً ﴿ فلا صدق ﴾ أي فلا صدّق بالرسول أو بالقرآن أو بالبعث ﴿ ولا صلى ﴾ ﴿ ولكن كذب ﴾ بالحق ﴿ وتولى ﴾ عن الطاعة ﴿ ثم ذهب إلى أهله يتمطى ﴾ متبختراً مفتخراً بذلك وأصله يتمطط أي يتمدد لأن المتبختر يمد خطاه، قلبت الطاء الأخيرة ياء كما في " تقضى البازي".

ويحتمل أن يكون من مطا الظهر لأن المتبختر يلوي ظهره.

قال أهل العربية " لا " ههنا بمعنى " لم " وقلما تقع لا الداخلة على الماضي إلا مكررة ومنه الحديث " لا أكل ولا شرب ولا استهل " أما قوله عز من قائل ﴿ فلا أقتحم العقبة  ﴾ فسيجيء قال قتادة والكلبي ومقاتل: أخذ رسول الله  بيد أبي جهل ثم قال له ﴿ أولى لك فأولى ﴾ يوعده ويدعو عليه بالهلاك والبعد عن الخير والقرب من المكاره، وقد مر في قوله ﴿ فأولى لهم  ﴾ وذلك في سورة القتال.

فقال أبو جهل: بأي شيء تهددني؟

لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا فيّ شيئاً وأني لأعز أهل هذا الوادي ثم سل يده ذاهباً فأنزل الله كما قال الرسول.

قال القفال: هذا محتمل، ويحتمل أن يكون أيضاً وعيداً مبتدأ من الله للكافر على طريقة الإلتفات.

ويحتمل أن يكون أمراً من الله لنبيه بأن يقوله لعدو الله فيكون القول مقدراً أي فقلنا لك يا محمد قل له هذا.

ثم قال دليلين على صحة الخبر الأول ﴿ أيحسب الإنسان أن يترك سدى ﴾ أي هملاً لا يكلف ولا يحاسب بعمله وهذا خلاف الحكمة نظيره ﴿ أفحسبتم أنما خلقنا كم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون ﴾ \[المؤمنون: 115\] الثاني الاستدلال بالخلق الأول على الإعادة و ﴿ منيّ يمنى ﴾ يراق في الرحم.

من ذكّر فللمني، ومن أنّث فللنطفة.

والنطفة اسم لما ينطف كالقبضة لما يقبض والغرفة لما يغرف إلا أنها غلبت على الماء المخصوص الذي هو للحيوان بمنزلة البذر للنبات.

والمني " فعيل " بمعنى " مفعول " من المني بالسكون وهو الدفق غلب أيضاً على الماء المخصوص فقوله ﴿ من مني ﴾ أي من هذا الجنس كالتأكيد لها.

وقوله ﴿ يمنى ﴾ تأكيد على تأكيد وفيه إشارة إلى حقارة الإنسان في ذاته وأنه لا يليق به التمطي والفخر والإستكبار عن طاعة خالقه فإنه مخلوق من المني الذي جرى على مجرى النجاسة نظيره في عيسى وأمه ﴿ كانا يأكلان الطعام  ﴾ والمراد به قضاء الحاجة.

قوله ﴿ فخلق فسوى ﴾ أي قدّر فعدّل أركانه.

وقيل: خلق فيه الروح فصير أعضاءه متناسبة ﴿ فجعل منه ﴾ أي من الإنسان ﴿ الزوجين ﴾ الصنفين ﴿ الذكر والأنثى ﴾ عن رسول الله  أنه اكن إذا قرأ خاتمة السورة قال عقيبها: سبحانك بلى.

والله الموفق وإليه المصير والمآب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ : هذا كلام مبتدأ منفصل عن الأول، وذكر أهل التأويل أن جبريل -  - كان إذا أتى نبي الله  بالوحي، فكان لا يفرغ من آخر آية حتى يقول نبي الله -  - في أولها؛ مخافة النسيان، على ما عليه عرف الخلق أنهم إذا أرادوا وعي الكلام وحفظه، كرروها بألسنتهم؛ كي يضبطوها ولا ينسوها؛ فكان النبي -  - يفعل ذلك؛ خشية النسيان؛ فَنُهِي عن ذلك بقوله: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ ، وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ  ﴾ .

وهذا عندنا مما لا يجوز أن نشهد على رسول الله  أنه كان يحرك لسانه قبل مجيء هذه الآية، ويستذكره؛ مخافة النسيان إلا بأخبار متواترة؛ لأن هذا في حق الشهادة على رسول الله  [ولا تجوز الشهادة على رسول الله  ] أنه كان يفعل كذلك إلا بتواتر الأخبار، فأما أن يثبت بخبر واحد فلا.

ولا يقال بأنه لو لم يتقدم منه التحريك، لكان لا معنى للنهي؛ فإنه ليس فيه ما ثيبت مقالتهم، ويصحح تأويلهم، ويسوغ لهم الشهادة؛ لأنه يستقيم في الابتداء أن ينهى فيقال: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ﴾ ، ولا تفعل كذا، وإن لم يسبق منه ارتكاب ذلك الفعل، ولا تقدم منه تحريك لسان؛ فثبت أنه ليس في ضمن هذه الآية بيان ما ادعوا.

هذا إذا ثبت أن قوله: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ  ﴾ على النهي؛ فكيف وهو يحتمل معنى آخر غير النهي، وهو أن يكون هذا على البشارة له بالكفاية: أن قد كفيت مؤنة الاستذكار للحفظ، وهذا من عظيم آيات الرسالة أن السورة تلقى عليه؛ فيحفظها كما هي، ما يشتد على الناس حفظه وقراءته إلا أن يتكلفوا، ويجتهدوا في ذلك؛ فيعلم بهذا أن الله - عز وجل - هو الذي أقدجره على ذلك، وجعله آية من آياته، والله أعلم.

ثم الأصل أن من ألقى إلى آخر كلاما متتابعا، نظر في ذلك الكلام: فإن كان القصد منه حفظ عين الكلام، فإن المخاطب به لا ينتظر فراغ المتكلم عن ذلك الكلام، بل يشتغل بالتقائه وتحفظه ساعة ما يلقى إليه، كمن ينشد بين يدي آخر شعراً، وأراد الآخر أن يحفظ ذلك الشعر ويعيه، فهو لا ينتظر فراغ المنشد عن شعره، بل هو يأخذ بالتقائه في أول ما يسمع منه؛ إذ الغرض من الأشعار حفظ أعينها دون معانيها؛ ألا ترى أن الألفاظ إذا حذفت منها خرجت عن أن تكون شعرا.

وأما إذا لم يكن القصد من الكلام ضبط عينه، وإنما أريد به تفهيم ما أودع فيه من المعنى، فالعادة في مثله الإصغاء إلى آخر الكلام؛ ليفهم معناه، وما يراد به؛ ألا ترى أن من كتب إلى آخر كتابا فإن المكتوب إليه يقرأ بالكتاب من أوله إلى آخره؛ ليعرف مراد الكتاب، لا أن يشتغل بضبط ما أودع فيه من الألفاظ؛ إذ ليس يقصد بالكتابة إلى حفظ الألفاظ.

فإذا كان المراد يتوجه من الكلام إلى ما ذكرنا، ثم القرآن قصد به الوجهان جميعا: ضبط حروفه ونظمه، وتعرف ما أودع فيه من المعاني؛ إذ صار حجة بنظمه ولفظه، وبالمعاني المودعة فيه - فقيل: لا تعجل بتحريك اللسان كما يفعل من يريد التقاء الكلام الذي يلقى إليه؛ فإنك وإن أحوجت إلى حفظ نظمه وحروفه، فقد كفيت حفظه بدون تحريك اللسان.

وجائز أن يكون نُهي عن تحريك اللسان والمبادرة إلى حفظه قبل أن يُقضى إليه بالوحي؛ لما فيه من ترك التعظيم لمن يأتيه بالوحي، فأمر أن يصغي إليه سمعه، ويستمع إلى آخره؛ تعظيما للذي أتاه بالوحي، وتوقيرا له.

ثم هذ هالآية تنقض على الباطنية قولهم؛ لأن من قولهم: إن القرآن لم ينزل على رسول الله  مؤلفا منظوما؛ بل أنزل على قلبه كالخيال، فصوره بقلبه، وألفه بلسانه؛ فأتى بتأليف، عجز الآخرون عن أن يؤلفوا مثله.

ونحن نقول: بل أنزل هذا القرآن مؤلفا منظوما على رسول الله  ، ولم يكن التأليف من فعله؛ والذي يدل على صحة مقالتنا قوله  : ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ﴾ ؛ لأن التأليف لو كان فعله -  - لكان لا يوجد منه تحريك اللسان وقتما نزل عليه؛ لأنه إذا كان كالخيال فهو يحتاج إلى أن يصوره في قلبه، ثم يصل إلى التأليف بعد التصوير، وتتأتى له العبارة باللسان، وإنما يقع التحريك من مؤلَّف منظوم، ثبت أنه أنُزل هذا مولفٌ منظوم.

والثاني: أنه قال: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ  ﴾ ، فهذه الآية نفت طعن أولئك الكفرة الذين زعموا أن هذا عليس بقرآن، بل إنما عليه فلان، وكان لسان ذلك البشر أعجميا، وهذا القرآن عربي؛ فكيف يستقيم أن يعلمه ذلك البشر، ولسانه غير هذا اللسان، ولو كان هذا القرآن وقتما أنزل كالخيال، ولكان ذلك الطعن قائما؛ لأنه كان يؤلفه، ويجمعه باللسان العربي، وإن علم بالأعجمية لما قدر أن يؤلفه، وينظمه بعد أن كان خيالا باللسان العربي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴾ : فقوله: ﴿ عَلَيْنَا ﴾ يخرج على أوجه ثلاثة: أحدها: أن علينا في حق الوعد جمعه وقرآنه؛ لأنه قد سبق منا الوعد في الكتب المتقدمة بإنزال هذا القرآن وإرسال هذا الرسول؛ فعلينا إنجاز ذلك الوعد ووفاؤه.

أو علينا في حق الحكمة جمعه؛ لأن رسول الله  أمر بتبليغ الرسالة، و لايتهيأ له ذلك إلا بعد أن يجمع له فيؤديه إلى الخلق.

ولأن الله  حكيم في فعله؛ ففعله موصوف بالحكمة، وإن لم نعرف نحن وجه الحكمة من فعله.

وجائم أن يكون قوله: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ ﴾ في حق الرحمة والرأفة على الخلق، ولا أن يكون ذلك حقا لهم قبله  ، وهو كقوله -  -: ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ...

﴾ إلى قوله: ﴿ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ  ﴾ ، فأخبر أنه أبقى القرآن، ولم يذهب به؛ رحمة منه على عباده وفضلا.

وقوله - عز وجل - ﴿ وَقُرْآنَهُ ﴾ ، أي: قراءته، وتسميته: قرآنا؛ كما قيل في تأويل قوله: ﴿ وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ  ﴾ ، أي: جعلناه فرقانا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾ : أي: جمعناه في قلبك، أو جمعنا حدوده، وما أودع فيه من المعاني.

أو جمعناه بعد أن فرقناه في التنزيل.

وقوله: ﴿ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾ اتباعه يكون بأوجه: في أن يبلغه إلى الخلق، ويعلم أمته، ويتبع حلاله، ويجتنب حرامه، وغير ذلك.

وقوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ : جائز أن يكون قوله: ﴿ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ ، أي: بيان ما أنزلناه إليك مجملا؛ فيكون بيانه في تعريف ما هو بحق الائتمار، وما هو في حلق الجواز، وما هو في حق التحسين والتزيين؛ لأن الفرائض لها شعب وأركان وحواشٍ.

أو نقول: فيها فرائض، ولوازم، وآداب، وأركان.

على هذا ففيه منع تعليق الحكم بظاهر المخرج؛ لأنه لو كان متعلقا به، لكان البيان منقضيا بنفس المنزل؛ فلا يحتاج إلى أن يبين، وفيه دلالة تأخير البيان عن وقت وقوع الخطاب في السمع.

ويحتمل أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ أي: بيان ما هو بحق الكنايات والنتائج منها، ما هو بحق الأصول والفروع، وما هو بحق المقصود، فبين لرسوله -  - معنى الأصول والكنايات؛ ليتعرف به فروعها ونتائجها، ويبين لمن بعده ممن جاهد في الله حق جهاده، ويهديه لذلك، قال الله  : ﴿ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا  ﴾ .

أو يكون قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ في أن نحفظك ونعصمك من الناس؛ لتمكن من تبليغ ما أنزل إليك إلى الخلق، وتبين لهم، والله أعلم.

ووجه آخر: أن رسول الله  بعث إلى كل من كان شاهدا من الخلائق إلى يوم التناد، ثم لم يمكن من تبليغ الرسالة إلى كل أحد مما ذكرنا بنفسه؛ فكأنه ضمن عن رسول الله  التبليغ إلى الخلائق كافة بما شاء  - بتسخير الرواة والحفاظ والعلماء ليبلغوا عن رسول الله  ما أدى إليهم.

أو يكون قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ ، أي: بيان المحق من المبطل، والولي من العدو، وذلك يكون يوم القيامة؛ فيعرف الأولياء بما يجنون من الكرامات، ويبين للأعداء والمبطلين ما يحل بهم من الحساب وأنواع العذاب.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لا تحرِّك -أيها الرسول- لسانك بالقرآن مُتَعَجِّلًا أن ينفلت منك.

<div class="verse-tafsir" id="91.kVEyK"

مزيد من التفاسير لسورة القيامة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده