الآية ٣٢ من سورة القيامة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 75 القيامة > الآية ٣٢ من سورة القيامة

وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ٣٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 60 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٢ من سورة القيامة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٢ من سورة القيامة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا إخبار عن الكافر الذي كان في الدار الدنيا مكذبا للحق بقلبه متوليا عن العمل بقالبه فلا خير فيه باطنا ولا ظاهرا ولهذا قال تعالى "فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى".

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى ) لا صدّق بكتاب الله، ولا صلى لله

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

أي كذب بالقرآن وتولى عن الإيمان

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

[وَلَكِنْ كَذَّبَ } بالحق في مقابلة التصديق، { وَتَوَلَّى } عن الأمر والنهي، هذا وهو مطمئن قلبه، غير خائف من ربه،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"ولكن كذب وتولى"، عن الإيمان.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولكن كذب» بالقرآن «وتولى» عن الإيمان.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فلا آمن الكافر بالرسول والقرآن، ولا أدَّى لله تعالى فرائض الصلاة، ولكن كذَّب بالقرآن، وأعرض عن الإيمان، ثم مضى إلى أهله يتبختر مختالا في مشيته.

هلاك لك فهلاك، ثم هلاك لك فهلاك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ولكنه كذب بكل ذلك ، وتولى ، وأعرض عن سبيل الرشاد .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى شرح كيفية عمله فيما يتعلق بأصول الدين وبفروعه، وفيما يتعلق بدنياه.

أما ما يتعلق بأصول الدين فهو أنه ما صدق بالدين، ولكنه كذب به، وأما ما يتعلق بفروع الدين، فهو أنه ما صلى ولكنه تولى وأعرض، وأما ما يتعلق بدنياه، فهو أنه ذهب إلى أهله يتمطى، ويتبختر، ويختال في مشيته، واعلم أن الآية دالة على أن الكافر يستحق الذم والعقاب بترك الصلاة كما يستحقهما بترك الإيمان.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ فَلاَ صَدَّقَ ﴾ حكاية عمن؟

فيه قولان: الأول: أنه كناية عن الإنسان في قوله: ﴿ أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ  ﴾ ألا ترى إلى قوله: ﴿ أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى  ﴾ وهو معطوف على قوله: ﴿ يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ القيامة  ﴾ والقول الثاني: أن الآية نزلت في أبي جهل.

المسألة الثالثة: في يتمطى قولان: أحدهما: أن أصله يتمطط أي يتمدد، لأن المتبختر يمد خطاه، فقلبت الطاء فيه ياء، كما قيل: في تقصى أصله تقصص والثاني: من المطا وهو الظهر لأنه يلويه، وفي الحديث: «إذا مشت أمتي المطيطي» أي مشية المتبختر.

المسألة الرابعة: قال أهل العربية: ﴿ لا ﴾ هاهنا في موضع لم فقوله: ﴿ فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى ﴾ أي لم يصدق ولم يصل، وهو كقوله: ﴿ فَلاَ اقتحم العقبة  ﴾ أي لم يقتحم، وكذلك ما روي في الحديث: «أرأيت من لا أكل ولا شرب ولا استهل».

قال الكسائي: لم أر العرب قالت في مثل هذا كلمة وحدها حتى تتبعها بأخرى، إما مصرحاً أو مقدراً، أما المصرح فلا يقولون: لا عبدالله خارج حتى يقولون، ولا فلان، ولا يقولون: مررت برجل لا يحسن حتى يقولوا، ولا يجمل، وأما المقدر فهو كقوله: ﴿ فَلاَ اقتحم العقبة ﴾ ثم اعترض الكلام، فقال: ﴿ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ  فَكُّ رَقَبَةٍ  أَوْ إِطْعَٰمٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ  ﴾ وكان التقدير لا فك رقبة، ولا أطعم مسكيناً، فاكتفى به مرة واحدة، ومنهم من قال التقدير في قوله: ﴿ فَلاَ اقتحم ﴾ أي أفلا اقتحم، وهلا اقتحم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى (31) ﴾ يعني الإنسان في قوله: ﴿ أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ ﴾ [القيامة: 3] ألا ترى إلى قوله: ﴿ أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى ﴾ [القيامة: 36] ، وهو معطوف على ﴿ يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ القيامة ﴾ [القيامة: 6] أي: لا يؤمن بالبعث، فلا صدق بالرسول والقرآن.

ولا صلى ويجوز أن يراد: فلا صدق ماله، بمعنى: فلا زكاة.

وقيل: نزلت في أبي جهل ﴿ يتمطى ﴾ يتبختر.

وأصله يتمطط، أي: يتمدد، لأن المتبختر يمدّ خطاه.

وقيل: هو من المطا وهو الظهر، لأنه يلويه.

وفي الحديث: «إذا مشت أمتى المطيطاء وخدمتهم فارس والروم فقد جعل بأسهم بينهم» يعني: كذب برسول الله صلى الله عليه وسلم وتولى عنه وأعرض، ثم ذهب إلى قومه يتبختر افتخاراً بذلك ﴿ أولى لَكَ ﴾ بمعنى ويل لك، وهو دعاء عليه بأن يليه ما يكره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلا صَدَّقَ ﴾ ما يَجِبُ تَصْدِيقَهُ، أوْ فَلا صَدَّقَ مالَهُ أيْ فَلا زَكّاهُ.

﴿ وَلا صَلّى ﴾ ما فُرِضَ عَلَيْهِ والضَّمِيرُ فِيهِما لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ في أيَحْسَبُ الإنْسانُ.

﴿ وَلَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى ﴾ عَنِ الطّاعَةِ.

﴿ ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى ﴾ يَتَبَخْتَرُ افْتِخارًا بِذَلِكَ مِنَ المَطِّ، فَإنَّ المُتَبَخْتِرَ يَمُدُّ خُطاهُ فَيَكُونُ أصْلُهُ يَتَمَطَّطُ، أوْ مِنَ المَطا وهو الظَّهْرُ فَإنَّهُ يَلْوِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ولكن كَذَّبَ} بالقرآن {وتولى} عن الإيمان أو فلا صدق ما له يعني فلا زكاه}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَلا صَدَّقَ ﴾ أيْ ما يَجِبُ تَصْدِيقُهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والرَّسُولِ  والقُرْآنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿ ولا صَلّى ﴾ ما فُرِضَ عَلَيْهِ أيْ لَمْ يُصَدِّقْ ولَمْ يُصَلِّ فَلا داخِلَةٌ عَلى الماضِي كَما في قَوْلِهِ: إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا والضَّمِيرُ في الفِعْلَيْنِ لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ أيَحْسَبُ الإنْسانُ ﴾ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ ﴾ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فالمَعْنى بِناءً عَلى ما عَلِمْتَ مِن أنَّ السُّؤالَ سُؤالُ اسْتِهْزاءٍ واسْتِبْعادٍ اسْتَبْعَدَ البَعْثَ وأنْكَرَهُ فَلَمْ يَأْتِ بِأصْلِ الدِّينِ وهو التَّصْدِيقُ بِما يَجِبُ تَصْدِيقُهُ بِهِ ولا بِأهَمِّ فُرُوعِهِ وهو الصَّلاةُ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِذِكْرِ ما يُضادُّهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى ﴾ نَفْيًا لِتَوَّهُمِ السُّكُوتِ أوِ الشَّكِّ أيْ ومَعَ ذَلِكَ أظْهَرَ الجُحُودَ والتَّوَلِّيَ عَنِ الطّاعَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وهو أبو جهل بن هشام، يعني: لم يصدق بتوحيد الله تعالى، وبمحمد  ، ولم يصل لله تعالى.

ويقال: وَلا صَلَّى يعني: ولا أسلم.

فسمي المسلم مصلياً وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى يعني: كذب بالتوحيد، وتولى يعني: أعرض عن الإيمان ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى قال القتبي: يعني: وأصله في اللغة يتمطط فقلبت الطاء ياء فصار يتمطى يعني: ذهب إلى أهله يتمطى يعني: ويتبختر في مشيته أَوْلى لَكَ فَأَوْلى وعيد على أثر وعيد، يعني: احذر يا أبا جهل.

ومعنى أَوْلى لَكَ أي: قرب لك يا أبا جهل.

وقال سعيد بن جبير: قال النبيّ  لأبي جهل: أولى لك فأولى ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ثم نزل به القرآن.

وقال الزجاج: معناه أولى لك يعني: يوجب لك المكروه يا أبا جهل، والعرب تقول أولى بفلان، إذا وعد له مكروهاً.

وقال القتبي: أولى لك تهديد ووعيد كما قال: فأولى لهم ثم ابتدأ فقال: طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ [محمد: 21] .

ثم قال: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً يعني: أن يترك مهملاً، لا يؤمر ولا ينهى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى يعني: أليس قد خلق من ماء مهين.

قرأ ابن عامر وحفص، عن عاصم، من منى يمنى بالهاء، والباقون بالتاء على معنى التأنيث، لأن النطفة مؤنثة.

ومن قرأ بالياء، انصرف إلى المعنى وهو الماء ثُمَّ كانَ عَلَقَةً يعني: صارت بعد النطفة علقة فَخَلَقَ فَسَوَّى يعني: جمع خلقه في بطن أمه مستوياً، معتدل القامة فَجَعَلَ مِنْهُ يعني: خلق من المني الزَّوْجَيْنِ يعني: لونين من الخلق الذَّكَرَ وَالْأُنْثى أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التقرير، يعني: إن هذا الذي يفعل مثل هذا، هو قادر.

على أن يحيي الموتى.

وذكر عن ابن عباس، أنه كان إذا قرأ أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى قال: سبحانك اللهم بلى قادر، والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: كَلَّا إِذا بَلَغَتِ ...

زجر وتذكير أيضاً بموطن من مواطن الهول، وهي حالة الموت الذي لا محيد عنه، وبَلَغَتِ يريد: النفس والتَّراقِيَ جمع تَرْقُوَةٍ، وهي عظام أعلى الصدر، ولكل أحد تَرْقُوَتَانِ، لكن جُمِعَ من حيثُ أَنَّ النفس المرادةَ اسمُ جنس، والتراقي هي موارية للحلاقيم، فالأمر كله كناية عن حال الحَشْرَجَةِ ونزع الموت- يَسَّرَهُ اللَّه علينا بِمَنِّهِ، وجعله لنا راحةً من كل شَرٍّ- واخْتُلِفَ في معنى قوله تعالى: وَقِيلَ مَنْ راقٍ

فقال ابن عباس وجماعة: معناه: مَنْ يُرْقِي، ويَطُبُّ، ويَشْفِي «١» ، ونحو هذا مِمَّا يتمناه أهل المريض، وقال ابن عباس أيضاً، وسليمانُ التَّيْمِيُّ، ومقاتل: هذا القول للملائكة، والمعنى: مَنْ يرقى بروحه، أي: يصعد بها إلى السماء أملائكة الرحمة، أم ملائكة العذاب «٢» .

وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ أي: أيقن، وهذا يقين فيما لم يَقَعْ بعد ولذلك اسْتُعْمِلَتْ فيه لَفْظَةُ الظن.

وقوله تعالى: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ قال ابن المُسَيِّبِ، والحسن: هي حقيقة، والمراد: ساقا المَيِّتِ عند تكفينه، أي: لَفَّهُمَا الكَفَنُ «٣» ، وقيل: هو التفافهما من شدة المرض، وقيل غير هذا.

وقوله تعالى: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى الآية: قال جمهور المتأولين: هذه الآية كلها إنَّما نزلت في أبي جهل قال- عليه السلام «٤» : ثم كادت هذه الآية أَنْ تُصَرِّحَ به في قوله:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "كَلّا" رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ.

المَعْنى: ارْتَدِعُوا عَمّا يُؤَدِّي إلى العَذابِ.

وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى ﴿ كَلا ﴾ : لا يُؤْمِنُ الكافِرُ بِهَذا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا بَلَغَتِ ﴾ يَعْنِي: النَّفْسَ.

وهَذِهِ كِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ.

وَ ﴿ التَّراقِيَ ﴾ العِظامُ المُكْتَنِفَةُ لِنُقْرَةِ النَّحْرِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ.

وواحِدَةُ التَّراقِي: تَرْقُوَةٌ، ويُكَنّى بِبُلُوغِ النَّفْسِ التَّراقِيَ عَنِ الإشْفاءِ عَلى المَوْتِ، ﴿ وَقِيلَ مَن راقٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُ المَلائِكَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: مَن يَرْقى رُوحَهُ، مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ، أوْ مَلائِكَةُ العَذابِ؟

رَواهُ أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ أهْلِهِ: هَلْ مِن راقٍ يَرْقِيهِ بِالرُّقى؟

وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وأبُو قُلابَةَ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَظَنَّ ﴾ أيْ: أيْقَنَ الَّذِي بَلَغَتْ رُوحُهُ التَّراقِيَ "أنَّهُ الفِراقُ" لِلدُّنْيا ﴿ والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أمْرُ الدُّنْيا بِأمْرِ الآخِرَةِ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: اجْتَمَعَ فِيهِ الحَياةُ والمَوْتُ، قالَهُ الحَسَنُ.

وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: التَفَّتْ ساقاهُ في الكَفَنِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ.

والرّابِعُ: التَفَّتْ ساقاهُ عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

والخامِسُ: الشِّدَّةُ بِالشِّدَّةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قالَ الزَّجّاجُ: آخِرُ شِدَّةِ الدُّنْيا بِأوَّلِ شِدَّةِ الآخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ ﴾ أيْ: إلى اللَّهِ المُنْتَهى ﴿ فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "لا" ها هُنا" في مَوْضِعِ "لَمْ" .

قالَ المُفَسِّرُونَ: هو أبُو جَهْلٍ ﴿ وَلَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى ﴾ عَنِ الإيمانِ ﴿ ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى ﴾ أيْ: رَجَعَ إلَيْهِمْ يَتَبَخْتَرُ ويَخْتالُ.

قالَ الفَرّاءُ: "يَتَمَطّى" أيْ: يَتَبَخْتَرُ، لِأنَّ الظَّهْرَ هو المَطا، فَيَلْوِي ظَهْرَهُ مُتَبَخْتِرًا.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُهُ يَتَمَطَّطُ، فَقُلِبَتِ الطّاءُ فِيهِ ياءً، كَما قِيلَ: يَتَظَنّى، وأْصْلُهُ: يَتَظَنَّنُ، ومِنهُ المِشْيَةُ المُطَيْطاءُ.

وأصْلُ الطّاءِ في هَذا كُلِّهِ دالٌ.

إنَّما هو مَدُّ يَدِهِ في المَشْيِ إذا تَبَخْتَرَ.

يُقالُ: مَطَطْتُ ومَدَدْتُ بِمَعْنًى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْلى لَكَ فَأوْلى ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ.

وقالَ الزَّجّاجُ: العَرَبُ تَقُولُ: أوْلى لِفُلانٍ: إذا دَعَتْ عَلَيْهِ بِالمَكْرُوهِ، ومَعْناهُ: ولِيَكَ المَكْرُوهُ يا أبا جَهْلٍ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ أيَحْسَبُ الإنْسانُ ﴾ يَعْنِي: أبا جَهْلٍ ﴿ أنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يُهْمَلُ فَلا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى ولا يُعاقَبُ، يُقالُ: أسْدَيْتُ الشَّيْءَ، أيْ: أهْمَلْتَهُ.

ثُمَّ دَلَّ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "تُمْنى" بِالتّاءِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ "يُمْنى" بِالياءِ.

وعَنْ أبى عَمْرٍو كالقِراءَتَيْنِ.

وقَدْ شَرَحْنا هَذا في [النَّجْمِ: ٢٤] "ثُمَّ كانَ عَلَقَةً" بَعْدَ النُّطْفَةِ "فَخَلَقَ" فِيهِ الرُّوحَ، وسَوّى خَلْقَهُ ﴿ فَجَعَلَ مِنهُ ﴾ أيْ: خَلَقَ مِن مائِهِ أوْلادًا ذُكُورًا وإناثًا ﴿ ألَيْسَ ذَلِكَ ﴾ الَّذِي فَعَلَ هَذا ﴿ بِقادِرٍ؟

﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ "يَقْدِرُ" ﴿ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى؟!

﴾ وهَذا تَقْرِيرٌ لَهُمْ، أيْ: إنَّ مَن قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ قَدَرَ عَلى الإعادَةِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا قَرَأ أحَدُكم هَذِهِ الآيَةَ، فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ بَلى.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى ﴾ ﴿ وَلَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى ﴾ ﴿ ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى ﴾ ﴿ أولى لَكَ فَأولى ﴾ ﴿ ثُمَّ أولى لَكَ فَأولى ﴾ ﴿ أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾ ﴿ ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى ﴾ ﴿ ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى ﴾ ﴿ فَجَعَلَ مِنهُ الزَوْجَيْنِ الذَكَرَ والأُنْثى ﴾ ﴿ ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى ﴾ هَذِهِ الآياتُ كُلُّها إنَّما نَزَلَتْ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، ثُمَّ كادَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنْ تُصَرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَتَمَطّى" فَإنَّها كانَتْ مِشْيَةُ بَنِي مَخْزُومٍ، وكانَ أبُو جَهْلٍ يُكْثِرُ مِنها، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى" تَقْدِيرُهُ: فَلَمْ يُصَدِّقْ ولَمْ يُصَلِّ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ فَأيُّ خَمِيسٍ فَإنّا لا أبانا نَهابُهُ وأسْيافُنا يَقْطُرْنَ مِن كَبْشِهِ دَمًا؟

وَقَوْلُ الآخَرِ: إنْ تَغْفِرْ اللهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا؟

فَـ "لا" في الآيَةِ نافِيَةٌ لا عاطِفَةَ.

و"صَدَّقَ" مَعْناهُ: بِرِسالَةِ اللهِ ودِينِهِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ مِنَ الصَدَقَةِ والأوَّلُ أصْوَبُ.

و"يَتَمَطّى" مَعْناهُ: يَمْشِي المَطِيطا، وهي مِشْيَةٌ بِتَبَخْتُرٍ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَتْ مِشْيَةُ بَنِي مَخْزُومٍ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ المَطا وهو الظَهْرُ، لِأنَّهُ يَنْثَنِي فِيها، وقالَ النَبِيُّ  : « "إذا مَشَتْ أُمَّتِي المَطِيطا، وخَدَمَتْهُمُ الرُومُ وفارِسُ، سَلَّطَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ"،» وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أولى لَكَ فَأولى ﴾ وعِيدٌ ثانٍ، ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا، والمَعْنى: أولى لَكَ الِازْدِجارُ والِانْتِهاءُ، وهو مَأْخُوذٌ مَن "وَلّى"، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذِهِ الكَلِمَةَ زَجْرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأولى لَهُمْ  ﴾ ﴿ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ  ﴾ ، ويُرْوى «أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَبَّبَ أبا جَهْلٍ يَوْمًا في البَطْحاءِ وقالَ لَهُ: إنَّ اللهَ يَقُولُ لَكَ: ﴿ أولى لَكَ فَأولى ﴾ فَنَزَلَ القُرْآنُ عَلى نَحْوِها،» وفي شِعْر الخَنْساءِ: هَمَمْتُ بِنَفْسِي كُلَّ الهُمُومِ ∗∗∗ فَأولى لِنَفْسِي أولى لَها وقَوْلُهُ تَعالى: "أيَحْسَبُ" تَوْبِيخٌ وتَوْقِيفٌ، و"سُدًى" مَعْناهُ: مُهْمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى، ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى عَلى أحْوالِ ابْنِ آدَمَ في يَدِ اللهِ الَّتِي إذا تُؤُمِّلَتْ لَمْ يُنْكِرْ مَعَها جَوازَ البَعْثِ عاقِلٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ألَمْ يَكُ" بِالياءِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "ألَمْ تَكُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، و"النُطْفَةُ" القِطْعَةُ مِنَ الماءِ، يُقالُ ذَلِكَ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ.

والمَنِيُّ مَعْرُوفٌ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ- وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والجَحْدَرِيُّ، وسَلامُ، ويَعْقُوبُ: "يُمَنّى" بِالياءِ، يُرادُ بِذَلِكَ المَنِيَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "يُمْنى" مِن قَوْلِكَ: "أمْنى الرَجُلُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "مَنِيَ اللهُ الخَلْقَ"، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: مِن مَنِيٍّ يخْلُقُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، والناسُ: تُمْنى" بِالتاءِ، يُرادُ بِذَلِكَ النُطْفَةُ، و"تَمَنّى" تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا.

و"العَلَقَةُ" القِطْعَةُ مِنَ الدَمِ؛ لِأنَّ الدَمَ هو العَلَقُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَخَلَقَ فَسَوّى" مَعْناهُ: فَخَلَقَ اللهُ تَعالى مِنهُ بَشَرًا مُرَكَّبًا مِن أشْياءَ مُخْتَلِفَةٍ، فَسَوّاهُ شَخْصًا مُسْتَقِلًّا، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "يَخْلُقُ" بِالياءِ فِعْلًا مُسْتَقْبَلًا.

و"الزَوْجَيْنِ": النَوْعَيْنِ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المُزْدَوَجَيْنِ مِنَ البَشَرِ.

ثُمَّ وقَفَ تَعالى تَوْقِيفَ تَوْبِيخٍ وإقامَةِ حُجَّةٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى ﴾ ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الياءِ الأخِيرَةِ مَن "يُحْيِي"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، والفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ بِسُكُونِها، وهي تُحْذَفُ مِنَ اللَفْظِ لِسُكُونِ اللامِ مِن "المَوْتى".

ويُرْوى «أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "سُبْحانَكَ اللهُمَّ وبِحَمْدِكَ، وبَلى"، ويُرْوى أنَّهُ كانَ يَقُولُ: "بَلى"» فَقَطْ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [القِيامَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع على قوله: ﴿ يسأل أيان يوم القيامة ﴾ [القيامة: 6].

فالضمير عائد إلى الإِنسان في قوله: ﴿ أيحسب الإِنسان أن لن نجمع عظامه ﴾ [القيامة: 3] أي لجهله البعث لم يستعد له.

وحذف مفعول ﴿ كذّب ﴾ ليشمل كلَّ ما كذب به المشركون، والتقدير: كذب الرسولَ والقرآنَ وبالبعث، وتولى عن الاستجابة لشرائع الإِسلام.

ويجوز أن يكون الفاء تفريعاً وعطفاً على قوله: ﴿ إلى ربك يومئذٍ المساق ﴾ [القيامة: 30]، أي فقد فارق الحياة وسيق إلى لقاء الله خالياً من العُدّة لذلك اللقاء.

وفي الكلام على كلا الوجهين حذف يدل عليه السياق تقديره: فقد علم أنه قد خسر وتندم على ما أضاعه من الاستعداد لذلك اليوم.

وقد ورد ذلك في قوله تعالى: ﴿ إذا دُكّت الأرض دكاً دكاً وجاء ربك والملَك صفاً صفاً وجيء يومئذٍ بجهنم يومئذٍ يتذكر الإِنسان وأنّى له الذكرى يقول يا ليتني قدمت لحياتي ﴾ [الفجر: 21 24].

وفعل ﴿ صَدَّق ﴾ مشتق من التصديق، أي تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن وهو المناسب لقوله: ﴿ ولكن كذّب ﴾ .

والمعنى: فلا ءامن بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وبَعض المفسرين فَسَّر ﴿ صدَّق ﴾ بمعنى أعطى الصَّدَقة، وهو غير جار على قياس التصريف إذ حقه أن يقال: تَصَدق، على أنه لا يساعد الاستدراك في قوله: ﴿ ولكن كذب ﴾ .

وعُطف ﴿ ولا صلّى ﴾ على نفس التصديق تشويهاً له بأن حاله مبائن لأحْوَال أهل الإِسلام.

والمعنى: فلم يؤمن ولم يسلم.

و ﴿ لا ﴾ نافية دخلت على الفعل الماضي والأكثر في دخولها على الماضي أن يعطف عليها نفي آخر وذلك حين يقصد المتكلم أمرين مثل ما هنا وقول زهير: فَلا هو أخفاها ولم يتقدم *** وهذا معنى قول الكسائي «(لا) بمعنى (لَم) ولكنه يقرن بغيره يقول العرب: لا عبدُ الله خارج ولا فلان، ولا يقولون: مررت برجل لاَ محسن حتى يقال: ولا مجمل» اه فإذا لم يعطف عليه نفي آخر فلا يؤتى بعدها بفعل مُضِيَ إلاّ في إرادة الدعاء نحو: «لا فُضَّ فُوك» وشذ ما خالف ذلك.

وأما قوله تعالى: ﴿ فَلاَ اقْتَحَمَ العقَبَةَ ﴾ [البلد: 11] فإنّه على تأويل تكرير النّفي لأنّ مفعول الفعل المنفي بحرف ﴿ لا ﴾ وهو العقبة يتضمن عدة أشياء منفية بيَّنها قوله: ﴿ من الذين ءامنوا ﴾ [البلد: 12 17].

فلما كان ذلك متعلق الفعل المنفي كان الفعل في تأويل تكرير النفي كأنه قيل: فَكَّ رقبة ولا أطعَم يتيماً ولا أطعم مسكيناً ولا آمن.

وجملة ﴿ ولكن كذب ﴾ معطوفة على جملة ﴿ فلا صدّق ﴾ .

وحرف ﴿ لكن ﴾ المخفف النون بالأصالة أي الذي لم يكن مُخفَّفَ النون المشددة أختَ (إنّ) هو حرف استدراك، أي نقض لبعض ما تضمنته الجملة التي قبله إِما لمجرد توكيد المعنى بذكر نقيضه مثل قوله تعالى: ﴿ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمّدت قلوبكم ﴾ [الأحزاب: 5]، وإما لبيان إجمال في النفي الذي قبله نحو ﴿ ما كان محمدٌ أبَاً أحد من رجالكم ولكن رسولَ الله ﴾ [الأحزاب: 40].

وحرف ﴿ لكن ﴾ المخفف لا يعمل إعراباً فهو حرف ابتداء ولذلك أكثر وقوعه بعد واو العطف وجُملة ﴿ ولكن كذب وتولى ﴾ أفادت معنيين: أحدهما توكيد قوله ﴿ فلا صدَّق ﴾ بقوله: ﴿ كَذب ﴾ ، وثانيهما زيادة بيان معنى ﴿ فَلا صدق ﴾ بأنه تولَّى عمداً لأنّ عدم التصديق له أحوال، ونظيره في غير الاستدراك قوله تعالى: ﴿ إلاّ إبليس أبى واستكبر ﴾ [البقرة: 34].

والتكذيب: تكذيبه بالبعث وبالقرآن وبرسالة محمد صلى الله عليه وسلم والتولي: الإِعراض عن دعوته إلى النظر والتدبر في القرآن.

وفاعل ﴿ صَدق ﴾ والأفعال المذكورة بعده ضمائر عائدة على الإِنسان المتقدم ذكره.

و ﴿ يتمطّى ﴾ : يمشي المُطَيْطَاءَ (بضم الميم وفتح الطاء بعدها ياء ثم طاء مقصورة وممدودة) وهي التبختر.

وأصل ﴿ يتمطى ﴾ : يتمطط، أي يتمدد لأن المتبختر يمُدّ خطاه وهي مشية المعجب بنفسه.

وهنا انتهى وصف الإِنسان المكذب.

والمعنى: أنه أهمل الاستعداد للآخرة ولم يعبأ بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وذهب إلى أهله مزدهياً بنفسه غير مفكر في مصيره.

قال ابن عطية: قال جمهور المتأولين: هذه الآية كلها من قوله: ﴿ فَلا صدّق ولا صلّى ﴾ نزلت في أبي جهل بن هشام، قال: ثم كادت هذه الآية تصرح به في قوله تعالى: ﴿ يتمطى ﴾ فإنها كانت مشية بني مخزوم وكان أبو جهل يكثر منها اه.

وفيه نظر سيأتي قريباً.

فقوله: ﴿ أولَى لك ﴾ وعيد، وهي كلمة تَوعُّد تجري مَجرى المَثَل في لزوم هذا اللفظ لكن تلحقه علامات الخطاب والغيبة والتكلم، والمراد به ما يراد بقولهم: ويل لك، من دعاء على المجرور باللام بعدها، أي دعاء بأن يكون المكروه أدنى شيء منه.

﴿ فأوْلى ﴾ : اسم تفضيل من وَلي، وفاعله ضمير محذوف عائد على مقدر معلوم في العرف، فيقدره كل سامع بما يدل على المكروه، قال الأصمعي: معناه: قاربكَ ما تَكره، قالت الخنساء: همَمْتُ بنفسيَ كُلَّ الهموم *** فأولى لنفسيَ أولى لها وكان القانص إذا أفلتَه الصيدُ يخاطب الصيد بقوله: ﴿ أولى لك ﴾ وقد قيل: إن منه قوله تعالى: ﴿ فأولى لهم ﴾ من قوله: ﴿ فأولى لهم طاعة وقول معروف ﴾ في سورة القتال (20، 21) على أحد تأويلين يجعل طاعة وقول معروف } مستأنفاً وليس فاعلاً لاسم التفضيل، وذهب أبو علي الفارسي إلى أن ﴿ أولى ﴾ عَلم لمعنى الوَيل وأن وزنه أفْعل من الويل وهو الهلاك، فأصل تصريفه أوْيَل لك، أي أشدُّ هلاكاً لك فوقع فيه القلب (لطلب التخفيف) بأن أخرت الياء إلى آخر الكلمة وصار أوْلَى بوزن أفلَحَ، فلما تحرك حرف العلة وانفتح ما قبله قلب ألفاً فقالوا: أولى في صورة وزن فَعْلى.

والكاف خطاب للإِنسان المصرح به غير مرة في الآيات السابقة بطريق الغيبة إظهاراً وإضماراً، وعدل هنا عن طريق الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات لمواجهة الإِنسان بالدعاء لأن المواجهة أوقع في التوبيخ، وكان مقتضى الظاهر أن يقال: أولَى له.

وقوله: ﴿ فأولى ﴾ تأكيد ل ﴿ أَوْلى لك ﴾ جيء فيه بفاء التعقيب للدلالة على أنه يدعي عليه بأن يعقبه المكروه ويعقب بدعاء آخر.

قال قتادة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المسجد فاستقبله أبو جهل على باب بني مخزوم فأخذ رسول الله فلبَّبَ أبا جهل بثيابه وقال له ﴿ أولى لك فأولى ثم أولَى لك فأولى ﴾ قال أبو جهل: يتهددني محمد (أي يستعمل كلمة الدعاء في إرادة التهديد) فوالله إني لأَعَزُّ أهللِ الوادي.

وأنزل الله تعالى ﴿ أولى لك فأولى ﴾ كما قَال لأبي جهل.

وقوله: ﴿ ثم أولى لك فأولى ﴾ تأكيد للدعاء عليه ولتأكيده السابق.

وجيء بحرف ﴿ ثم ﴾ لعطف الجملة دلالة على أن هذا التأكيد ارتقاء في الوعيد، وتهديد بأشدَّ مما أفاده التهديد الأول وتأكيدُه كقوله تعالى: ﴿ كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون ﴾ [التكاثر: 3، 4].

وأحسب أن المراد: كُلُّ إنسان كافر كما يقتضيه أول الكلام من قوله ﴿ أيحسب الإِنسان أن لن نجمع عظامه ﴾ إلى قوله: ﴿ بل الإِنسان على نفسه بصيرة ﴾ [القيامة: 3 14]، وما أبو جهل إلاّ مِن أولهم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم توعده باللفظ الذي أنزله الله تهديداً لأمثاله.

وكلمات المتقدمين في كون الشيء سبب نزول شيء من القرآن كلمات فيها تسامح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ كَلا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ ﴾ يَعْنِي بُلُوغَ الرُّوحِ عِنْدَ مَوْتِهِ إلى التَّراقِي، وهي أعْلى الصَّدْرِ، واحِدُها تَرْقُوَةٌ.

﴿ وَقِيلَ مَن راقٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قالَ أهْلُهُ: مَن راقٍ يَرْقِيهِ بِالرُّقى وأسْماءِ اللَّهِ الحُسْنى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مَن طَبِيبٌ شافٍ، قالَهُ أبُو قِلابَةَ، قالَ الشّاعِرُ: هَلْ لِلْفَتى مِن بَناتِ الدَّهْرِ مِن واقِي أمْ هَلْ لَهُ مِن حِمامِ المَوْتِ مِن راقِي الثّالِثُ: قالَ المَلائِكَةُ: مَن راقٍ يَرْقى بِرُوحِهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ أوْ مَلائِكَةُ العَذابِ، رَواهُ أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

﴿ وَظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ ﴾ أيْ تَيَقَّنَ أنَّهُ مُفارِقٌ الدُّنْيا.

﴿ والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: اتِّصالُ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: الشِّدَّةُ بِالشِّدَّةِ والبَلاءُ بِالبَلاءِ، وهو شِدَّةُ كَرْبِ المَوْتِ بِشِدَّةِ هَوْلِ المَطْلَعِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ حُذَيْفَةَ بْنِ أنَسٍ الهُذَلِيِّ أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّها ∗∗∗ وإنْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا.

الثّالِثُ: التَفَّتْ ساقاهُ عِنْدَ المَوْتِ، وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّ التِفافَ السّاقِ بِالسّاقِ عِنْدَ المِيثاقِ، قالَ الحَسَنُ: ماتَتْ رِجْلاهُ فَلَمْ تَحْمِلاهُ وقَدْ كانَ عَلَيْهِما جَوّالًا.

الرّابِعُ: أنَّهُ اجْتَمَعَ أمْرانِ شَدِيدانِ عَلَيْهِ: النّاسُ يُجَهِّزُونَ جَسَدَهُ، والمَلائِكَةُ يُجَهِّزُونَ رُوحَهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُنْطَلَقُ، قالَهُ خارِجَةُ.

الثّانِي: المُسْتَقَرُّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى ﴾ هَذا في أبِي جَهْلٍ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَلا صَدَّقَ بِكِتابِ اللَّهِ ولا صَلّى لِلَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: فَلا صَدَّقَ بِالرِّسالَةِ ولا آمَنَ بِالمُرْسَلِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: فَلا آمَنَ بِقَلْبِهِ ولا عَمَلَ بِبَدَنِهِ.

﴿ وَلَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كَذَّبَ الرَّسُولَ وتَوَلّى عَنِ المُرْسَلِ.

الثّانِي: كَذَّبَ بِالقُرْآنِ وتَوَلّى عَنِ الطّاعَةِ.

﴿ ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى ﴾ يَعْنِي أبا جَهْلٍ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَخْتالُ في نَفْسِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: يَتَبَخْتَرُ في مِشْيَتِهِ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وهي مِشْيَةُ بَنِي مَخْزُومٍ.

الثّالِثُ: أنْ يَلْوِيَ مَطاهُ، والمَطا: الظَّهْرُ، وجاءَ النَّهْيُ عَنْ مِشْيَةِ المُطَيْطاءِ وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ يُلْقِي يَدَيْهِ مَعَ الكَفَّيْنِ في مَشْيِهِ.

﴿ أوْلى لَكَ فَأوْلى ﴾ ﴿ ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى ﴾ حَكى الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: «أنَّ النَّبِيَّ  لَقِيَ أبا جَهْلٍ بِبَطْحاءِ مَكَّةَ وهو يَتَبَخْتَرُ في مِشْيَتِهِ، فَدَفَعَ في صَدْرِهِ وهَمَزَهُ بِيَدِهِ وقالَ: ﴿ أوْلى لَكَ فَأوْلى ﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: إلَيْكَ عَنِّي أوْعِدْنِي يا ابْنَ أبِي كَبْشَةَ ما تَسْتَطِيعُ أنْتَ ولا رَبُّكَ الَّذِي أرْسَلَكَ شَيْئًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .

وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولِيَكَ الشَّرُّ، قالَ قَتادَةُ، وهَذا وعِيدٌ عَلى وعِيدٍ.

الثّانِي: ويْلٌ لَكَ، قالَتِ الخَنْساءُ هَمَمْتُ بِنَفْسِي بَعْضَ الهُمُومِ ∗∗∗ فَأوْلى لِنَفْسِيَ أوْلى لَها.

∗∗∗ سَأحْمِلُ نَفْسِي عَلى آلَةٍ ∗∗∗ فَإمّا عَلَيْها وإمّا لَها.

الآلَةُ: الحالَةُ، والآلَةُ: السَّرِيرُ أيْضًا الَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ المَوْتى.

﴿ أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَهَلْ لا يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ عَمَلٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: يَظُنُّ ألّا يُبْعَثَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: مُلْغًى لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: عَبَثٌ لا يُحاسَبُ ولا يُعاقَبُ، قالَ الشّاعِرُ: فَأُقْسِمُ بِاَللَّهِ جَهْدَ اليَمِينِ ∗∗∗ ما تَرَكَ اللَّهُ شَيْئًا سُدى ﴿ ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى يُمْنى يُراقُ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ مِنى لِإراقَةِ الدِّماءِ فِيها.

الثّانِي: بِمَعْنى يَنْشَأُ ويَخْلُقُ، ومِنهُ قَوْلُ يَزِيدَ بْنِ عامِرٍ فاسْلُكْ طَرِيقَكَ تَمْشِي غَيْرَ مُخْتَشِعٍ ∗∗∗ حَتّى تُلاقِيَ ما يُمَنِّي لَكَ المانِي.

الثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى يَشْتَرِكُ أيِ اشْتِراكُ ماءِ الرَّجُلِ بِماءِ المَرْأةِ.

﴿ ثُمَّ كانَ عَلَقَةً ﴾ يَعْنِي أنَّهُ كانَ بَعْدَ النُّطْفَةِ عَلَقَةً.

﴿ فَخَلَقَ فَسَوّى ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: خَلَقَ مِنَ الأرْحامِ قَبْلَ الوِلادَةِ وسَوّى بَعْدَها عِنْدَ اسْتِكْمالِ القُوَّةِ وتَمامِ الحَرَكَةِ.

الثّانِي: خَلَقَ الأجْسامَ وسَوّاها لِلْأفْعالِ، فَجَعَلَ لِكُلِّ جارِحَةٍ عَمَلًا، واَللَّهُ أعْلَمُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذا بلغت التراقي ﴾ قال: الحلقوم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وقيل من راق ﴾ قال: من طبيب شاف.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي قلابة رضي الله عنه ﴿ وقيل من راق ﴾ قال: التمسوا الأطباء فلم يغنوا عنه من قضاء الله شيئاً ﴿ وظن أنه الفراق ﴾ قال: استيقن أنه الفراق ﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ قال: ماتت ساقاه فلم تحملاه، وكان عليهما جوّالاً.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ وقيل من راق ﴾ قال: هو الطبيب.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وقيل من راق ﴾ قال: من راق يرقي.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة مثله.

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقيل من راق ﴾ قيل: تنتزع نفسه حتى إذا كانت في تراقيه قيل من يرقى بروحه؟

ملائكة الرحمة، أو ملائكة العذاب ﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ قال: التفت عليه الدنيا والآخرة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أبي العالية في قوله: ﴿ وقيل من راق ﴾ قال: يختصم فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب أيهم يرقى به؟.

وأخرج ابن جرير عن أبي الجوزاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقيل من راق ﴾ قال: قالت الملائكة بعضهم لبعض من يصعد به أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ: ﴿ وأيقن أنه الفراق ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ يقول: آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، فتلقى الشدة بالشدة إلا من رحم الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ قال: التف أمر الدنيا بأمر الآخرة عند الموت.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ قال: لفت ساق الآخرة بساق الدنيا، وذكر قول الشاعر: وقامت الحرب بنا على ساق وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة والربيع وعطية والضحاك مثله.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ قال: بلاء ببلاء.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ قال: اجتمع فيه الحياة والموت.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك رضي الله عنه ﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ قال: تلف ساقاه عند الموت للنزع.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر ﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ قال: التفت ساقاه عند الموت.

وأخرج ابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ قال: أما رأيت إذا حضر ضرب برجله رجله الأخرى.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ قال: الناس مجهزون بدنه والملائكة مجهزون روحه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه أنه سئل عن قوله: ﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ قال: هما ساقاه إذا التفتا في الأكفان.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلى ربك يومئذ المساق ﴾ قال: في الآخرة.

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلا صدق ﴾ قال: بكتاب الله ﴿ ولا صلى ولكن كذب ﴾ بكتاب الله ﴿ وتولى ﴾ عن طاعة الله ﴿ ثم ذهب إلى أهل يتمطى ﴾ قال: يتبختر، وهو أبو جهل بن هشام كانت مشيته.

ذكر لنا أن نبي الله أخذ بمجامع ثوبه فقال: ﴿ أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى ﴾ وعيداً على وعيد، فقال: ما تستطيع أنت ولا ربك لي شيئاً وإني لأعز من مشى بين جبليها، وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إن لكل أمة فرعوناً وإن فرعون هذه الأمة أبو جهل» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثم ذهب إلى أهله يتمطى ﴾ قال: يتبختر، وهو أبو جهل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يتمطى ﴾ قال: يختال.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس عن قول الله: ﴿ أولى لك فأولى ﴾ أشيء قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جهل من قبل نفسه، أم أمره الله به؟

قال: بلى.

قاله من قبل نفسه، ثم أنزله الله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أن يترك سدى ﴾ قال: هملاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ أن يترك سدى ﴾ قال: باطلاً لا يؤمر ولا ينهى.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ أن يترك سدى ﴾ قال: أن يهمل، وفي قوله: ﴿ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ﴾ قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا قرأها: «سبحانه وبلى» .

وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف عن صالح أبي الخليل قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ هذه الآية ﴿ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ﴾ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان ربي وبلى» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ ﴿ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ﴾ قال: «سبحانك اللهم وبلى» .

وأخرج البخاري في تاريخه عن أبي أمامة قال: «صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد حجته فكان يكثر من قراءة ﴿ لا أقسم بيوم القيامة ﴾ فإذا قال: ﴿ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ﴾ سمعته يقول: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين» .

وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والبيهقي في سننه عن موسى بن أبي عائشة قال: كان رجل يصلي فوق بيته فكان إذا قرأ ﴿ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ﴾ قال: سبحانك فبلى، فسألوه عن ذلك فقال: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ منكم ﴿ والتين والزيتون ﴾ فانتهى إلى آخرها ﴿ أليس الله بأحكم الحاكمين ﴾ فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين.

ومن قرأ ﴿ لا أقسم بيوم القيامة ﴾ فانتهى إلى ﴿ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ﴾ فليقل: بلى، ومن قرأ ﴿ والمرسلات ﴾ فبلغ ﴿ فبأي حديث بعده يؤمنون ﴾ فليقل: آمنا بالله» .

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قرأت ﴿ لا أقسم بيوم القيامة ﴾ فبلغت ﴿ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ﴾ فقل: بلى» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس قال: إذا قرأت ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ فقل: سبحان ربي الأعلى، وإذا قرأت ﴿ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ﴾ فقل: سبحانك وبلى.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى ﴾ لا هنا نافية وصدّق هنا يحتمل أن يكون من التصديق بالله ورسله أو من الصدقة، ونزلت هذه الآية وما بعدها في أبي جهل ﴿ يتمطى ﴾ أي يتبختر في مشيته، وذلك عبارة عن التكبر والخيلاء، وكانت هذه المشيئة معروفة في بني مخزوم الذين كان أبو جهل منهم ﴿ أولى لَكَ ﴾ وعيد وتهديد ﴿ فأولى ﴾ وعيد ثان ثم كرر ذلك تأكيداً، وروي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبَّبَ أبا جهل وقال له: إن الله يقول لك: أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى.

فنزل القرآن بموافقة ذلك» .

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: روى الهاشمي وابن ربيعة عن قنبل ﴿ لأقسم ﴾ على أن اللام حرف الابتداء أي لأنا أقسم ولا خلاف في قوله ﴿ ولا أقسم بالنفس اللوامة ﴾ ﴿ برق ﴾ بفتح الراء: أبو جعفر ونافع.

الآخرون: بكسرها ﴿ تحبون ﴾ و ﴿ تذرون ﴾ على الخطاب أبو جعفر ونافع وعاصم وحمزة وعلي وخلف ﴿ ولا صلى ﴾ إلى اخر السورة بالإمالة اللطيفة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

وقرأ حمزة وعلي وخلف بالأمالة الشديدة.

﴿ يمنى ﴾ علىالتذكير: حفص والمفضل وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ورويس.

الباقون: بتاء التأنيث.

الوقوف: ﴿ القيامة ﴾ ه لا ﴿ اللوامة ﴾ ه ﴿ عظامه ﴾ ه ط لاستئناف الجواب أي بلى نجمعها ﴿ بنانه ﴾ ه ﴿ أمامه ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ القيامة ﴾ ه ج ﴿ البصر ﴾ ه لا ﴿ القمر ﴾ ه ك ﴿ المفر ﴾ ه ك لأن كلاً يصلح للردع عن الفرار والأجوز ﴿ لا وزر ﴾ ه ط ﴿ المستقر ﴾ ه ط ﴿ وأخر ﴾ ه ط ﴿ بصيرة ﴾ ه لا ﴿ معاذيره ﴾ ه لا ﴿ لتعجل به ﴾ ه ط ﴿ وقرآنه ﴾ ه ج لاحتمال أن " ثم " لترتيب الأخبار ﴿ بيانه ﴾ ه ط ﴿ العاجلة ﴾ ه ﴿ الآخرة ﴾ ه ﴿ ناضرة ﴾ ه ج ﴿ ناظرة ﴾ ه ج للفصل بين أهل السعادة والشقاوة ﴿ باسرة ﴾ ه ﴿ فاقرة ﴾ ه ط ﴿ التراقي ﴾ ه لا ﴿ راق ﴾ ه ك ﴿ الفراق ﴾ ه ك ﴿ بالساق ﴾ ه ك ﴿ المساق ﴾ ه ك ﴿ ولا صلى ﴾ ه لا ﴿ وتولى ﴾ ه ك ﴿ يتمطى ﴾ ه ط للعدول إلى الخطاب ﴿ فأولى ﴾ ه لا ﴿ سدى ﴾ ه ط ﴿ يمنى ﴾ ه ﴿ فسوى ﴾ ه ك ﴿ والأنثى ﴾ ه ط ﴿ الموتى ﴾ ه.

التفسير: المشهور أن " لا " في ﴿ لا أقسم ﴾ صلة زائدة كما مر في قوله ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم  ﴾ واعترض عليه بوجوه أحدها: أنه يوجب الطعن في القرآن بحيث أنه لا يبقى الوثوق بنفيه وإثباته قلت: إذا عرف من استعمالات العرب زيادة لا في هذا الفعل المخصوص لم يبق للطاعن مجال على أن الحكم بزيادتها إنما هو بالنظر إلى أصل المعنى وإلا فلها في التركيب معان: الأول كأنها نفي لكلام قبل القسم وذلك أنهم أنكروا البعث كما أخبر الله في آخر السورة المتقدمة فقيل: ليس الأمر على ما ذكرتم ثم أقسم بكذا وكذا إنه لواقع.

والثاني أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظاماً له فكأنه بإدخال حرف القسم يقول: إن إعظامي له بإقسامي به كلا اعظام إنه يستأهل فوق ذلك.

الإعتراض الثاني أن هذا الحرف إنما يزاد في وسط الكلام لا في أوّله وأجيب بالمنع، ألا ترى أن أمرأ القيس كيف زادها في مستهل قصيدته: فلا وأبيك ابنة العامري *** لا يدّعي القوم أني أفرّ وفائدة الزيادة كما تقرر.

وقد يجاب بأن القرآن كله في حكم كلام واحد متصل بعضه ببعض ولا سيما هذه السورة وآخر السورة المتقدمة عليها ولكني أسألك غير مقسم أتحسب أنا لا تجمع عظامك إذا تفرقت بالموت، فإن كنت تحسب ذلك فاعلم أنّا قادرون عليه.

وقيل: المعنى على الاستفهام الإنكاري والتقدير: ألا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة على أن الحشر حق.

وهذا التأويل يعضده قراءة من قرأ ﴿ لأقسم ﴾ على أن اللام للابتداء.

وقال بعضهم: على هذه القراءة إنه أقسم بالقيامة تعظيماً لها ولم يقسم بالنفس اللوامة تحقيراً لها لأنها إما كافرة بالقيامة مع عظم أمرها، وإما فاسقة مقصرة في العمل.

أما تفسير النفس اللوامة فقد سبق لنا في سورة يوسف في قوله ﴿ إن النفس لأمارة بالسوء  ﴾ بيان سبب تسمية النفس تارة بالأمارة وأخرى باللوامة ثم بالملهمة ثم بالمطمئنة.

والذي ذكره المفسرون ههنا وجوه منها ما قال ابن عباس: كل نفس فإنها تلوم نفسها يوم القيامة على ترك الازدياد من الطاعة إن كانت محسنة، أو على التفريط إن كانت مسيئة.

وضعف بعضهم هذا النقل بناء على أن أهل الجنة لا يكون لهم مثل هذه الخواطر وإلا لدام حزنهم.

وعن الحسن أن هذا اللوم في الدنيا والمؤمن لا تراه إلا لائماً نفسه وإن الكافر يمضي على سيرته لا يعاتب نفسه.

ومنها أنها النفوس المتقية التي تلوم النفس العاصية يوم القيامة بسبب أنها تركت التقوى.

ولا يخفى وجه المناسبة بين القسمين أعني بين القيامة وبين النفس اللوامة على هذه الوجوه.

وخص النفس اللوامة بعضهم بآدم  وذلك أنه لم يزل يتلوم على فعله الذي خرج به من الجنة.

وقيل: أن الإنسان خلق هلوعاً فأي شيء طلبه إذا وجده مله فيلوم نفسه على أني لم طلبت فلكثرة هذا العمل سميت باللوامة.

والجمهور على أن جواب القسم محذوف وهو لتبعثن دل عليه قوله ﴿ أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه ﴾ وفي الأقسام بيوم القيامة على وقوع يوم القيامة مزيد تقرير وتأكيد لوقوعه فإن الإقسام بالمعدوم لا يعقل معناه، وفي ضم النفس الوامة إليه تنبيه على أن الغرض من القيامة وهو إظهار أحوال النفس ومراتبها في السعادة وضدها.

قال جمع من الأصوليين: الإنسان في الآية هو المكذب بالبعث على الإطلاق وقال ابن عباس: هو أبو جهل.

وقال آخرون: إن عدي بن ربيعة ختن الأخنس بن شريق وهما اللذان كان رسول الله  يقول فيهما: اللهم اكفني جاري السوء.

قال: يا محمد حدثنا عن يوم القيامة كيف أمره فأخبره النبي  فقال: لو عانيت ذلك اليوم لم أصدقك يا محمد ولم أؤمن به، أو يجمع الله العظام؟

فأنزل الله  ﴿ أيحسب الإنسان ﴾ الآية.

قوله ﴿ قادرين ﴾ حال مؤكدة لأنه يستحيل جمع العظام بدون القدرة الكاملة التي نبه عليها بقوله ﴿ أن نسوي بناته ﴾ لأن من قدر على ضم سلاميات الأصبع مع صغرها ولطافتها كما كانت، كان على ضم العظام الكبار أقدر، وإنما خص البنان وهو الأنملة بالذكر لأنه آخر ما يتم به خلقه فذكره يدل على تمام الأصبع يدل على تمام سائر الأعضاء التي هي أطرافها.

وقيل: معنى التسوية جعلها شيئاً واحداً كخف البعير وحافر الحمار بحيث لا يقدر على البطش، والمراد أنه قادر على رد العظام والمفاصل إلى هيأتها الأولى وعلى ضد ذلك قوله ﴿ بل يريد ﴾ إضراب عن قوله والظاهر أنه إيجاب ويجوز أن يكون استفهاماً مقدراً.

ومعنى ﴿ ليفجر أمامه ﴾ ليدوم على فجوره في الأوقات التي بين يديه وهي المستقبلة.

وهذا فحوى قول سعيد بن جبير يقدم الذنب ويؤخر التوبة حتى يأتيه الموت على شر أحواله.

قال أهل النظم: وإن إنكاراً البعث يتولد تارة من الشبهة بأن يستبعد اجتماع الأجزاء بعد تفرقها وتلاشيها، وأخرى من التهور بأن ينكر المعاد باسترسال الطبع والميل إلى الفجور، فأشار إلى الجواب عن الشبهة بقوله ﴿ أيحسب الإنسان ﴾ إلى قوله ﴿ بناته ﴾ وأنكر على الثني بقوله ﴿ بل يريد ﴾ أن يكذب بما أمامه من البعث والحساب لئلا تنتقص عنه اللذات العاجلة ﴿ يسئل ﴾ سؤال تنعت ﴿ أيان يوم القيامة ﴾ ثم ذكر من أمارات الساعة أموراً أولها ﴿ فإذا برق البصر ﴾ أي تحير فزعاً وأصله من برق الرجل بالكسر إذا تأثر ناظره من تأمل البرق، ثم استعمل في كل حيرة.

ومن قرأ بفتح الراء فهو من البريق أي لمع من شدة شخوصه كقوله ﴿ إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار  ﴾ وثانيها ﴿ وخسف القمر ﴾ أي ذهب ضوءه كما يشاهد في الدنيا وقت خسوفه, أو ذهب بنفسه من قوله ﴿ فخسفنا به وبداره الأرض  ﴾ وهذا التفسير عندي لا يلائم ما بعده أن الجمع بينه وبين الشمس بعد انعدامه غير معقول ظاهراً.

وثالثها ﴿ وجمع الشمس والقمر ﴾ قيل: أي في اطلاعهما من المغرب.

وقيل: في ذهاب الضوء.

وقيل: يجتمعان أسودين مكورين كأنهما ثوران عقيران كما جاء في الحديث، ولعل ذلك لأنهما عبدا من دون الله، و الثور مثل في الذل والبلادة فإذا كان عقيراً أي جريحاً كان أبلغ في ذلك.

وقيل: يجمعان ثم يقذفان في البحر فيكون نار الله الكبرى.

طعن الملاحدة في الآية بأن خسوف القمر لا يحصل باجتماع الشمس والقمر.

وأجيب بأنه  قادر على خسف القمر في غير حالة المقابلة وحيلولة الأرض.

والأولى عندي أن يجاب بأن اجتماعهما بمعنى آخر غير ما هو المعهود بين أهل التنجيم كما مر من الأقوال.

ولئن سلمنا أن المراد هو الإجتماع المعهود فالقمر حينئذ في المحق وهو خسفه، أو لعل القمر خسف في وسط الشهر والاجتماع يكون في آخره فإن اتحاد الزمان في هذه الأمور غير مذكور.

ومنهم من جعل هذه الأمور من علامات الموت، أما شخوص البصر تحيره حين الموت فظاهر، وأما خسوف القمر فمعناه ذهاب ضوء البصر بعد الحيرة: يقال: عين خاسفة إذا فقئت فغارت حدقتها في الرأس.

وأما جمع الشمس والقمر فكناية عن اتصال الروح بعالم الآخرة، فالروح كالقمر وعالم الآخرة وهو عالم الأنوار والكشوف كالشمس وكما أن القمر يقبل النور من الشمس فالروح تقبل نور المعارف من ذلك العالم وهذا التفسير بالتأويل أشبه.

قال الفراء: إنما قال ﴿ جمع ﴾ ولم يقل " جمعت " مع أن التأنيث أحسن لأن المراد أنه جمع بينهما في زوال النور.

وقال الكسائي: المعنى جمع النوران والضياآن.

وقال أبو عبيدة: القمر شارك الشمس في الجمع فغلب جانب التذكير ﴿ يقول الإنسان ﴾ المنكر للقيامة ﴿ أين المفر ﴾ والاستفهام على أصله وهو إقرار منه بأنه لا مفر كما إذا أيس من وجدان زيد فيقول: أين زيد ﴿ كلا ﴾ ردع عن طلب مكان الفرار وهذا أصح عند أهل اللغة.

قال الأخفش والزجاج: المصدر من يفعل بكسر العين مفتوح العين، وبالكسر المكان.

وجوز بعضهم أن يكون المفتوح موضعاً.

وأصل الوزر المحل المنيع ثم استعمل لكل ما التجأت إليه وتحصنت به، والمعنى أنه لا شيء يعتصم به وقتئذ من أمر الله إلا الله فلذلك قال ﴿ إلى ربك ﴾ خاصة دون غيره ﴿ يومئذ المستقر ﴾ أي إستقرار العباد ولا بد من تقدير مضاف أي إلى حكم ربك أو إلى جنته أو ناره.

﴿ ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم ﴾ من عمل ﴿ وأخر ﴾ فلم يعلمه، أو بما قدم من ماله وتصدق به وما أخر فخلف أو بما قدم من عمل الخير والشر وما أخر من سنة حسنة أو سيئة.

وعن مجاهد بأول عمله وآخره أي بجميع أعماله.

والأظهر أن هذا الإنباء إنما هو في يوم القيامة.

وجوز أن يكون عند الموت حين رأى مقعده من الجنة والنار.

ثم بين أن الإنسان لأعماله بصير وإن لم ينبأ فقال ﴿ بل الإنسان على نفسه بصيرة ﴾ أي حجة بينة.

وقال أبو عبيدة: التاء للمبالغة كعلامة.

قال الأخفش: جعله في نفسه بصيرة كما يقال " فلان جود وكرم " وذلك أنه يعلم بالضرورة متى رجع إلى عقله أن طاعة خالقه واجبة وعصيانه منكر فهو حجة على نفسه بعقله السليم.

قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل: إن المراد شهادة جوارحه عليه.

قوله ﴿ ولو ألقى معاذيره ﴾ تأكيد أي ولو جاء بكل معذرة يحاج بها عن نفسه فإنها لا تنفعه لأنه لا يخفى شيئاً من أفعاله فإن نفسه وأعضاءه تشهد عليه.

وقال الواحدي والزمخشري: المعاذير اسم جمع للمعذرة كالمناكير للمنكر، ولو كان جمعاً لقيل معاذر بغير ياء.

وعن الضحاك والسدي أن المعاذير جمع معذار وهو الستر، والمعنى إنه إن أسبل الستور لن يخفى شيء من عمله قال جار الله: إن صح هذا النقل فالسبب في التسمية أن الستر يمنع رؤية المحتجب كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب.

فمدار التركيب على الحجب والمنع ومنه العذران قال الإمام فخر الدين الرازي: زعم قوم من قدماء الشيعة أن هذا القرآن مغير بالزيادة والنقصان، ومن جملة إستدلالاتهم أنه لا مناسبة بين هذه الآية وبين قوله عقيبها ﴿ لا تحرك به ﴾ أي بالقرآن الذي نتلوه عليك ﴿ لسانك لتعجل به ﴾ أي بأخذه.

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي  كان يشتد عليه حفظ التنزيل فكان إذا نزل عليه الوحي حرك لسانه وشفتيه قبل فراغ جبرائيل مخافة النسيان فنهاه الله  عن ذلك، نظيره ما مر في " طه " ﴿ ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه  ﴾ وهذا من قبيل ترك الأولى، أو لعل هذا كان مأذوناً فيه أولاً ثم ورد النهي ناسخاً له ﴿ أن علينا ﴾ بحكم الوعد أو بالنظر إلى الحكمة ﴿ جمعه ﴾ في صدرك ﴿ وقرآنه ﴾ سيعيده عليك جبرائيل أو توقيفك لدراسته وحفظ لقوله ﴿ سنقرئك فلا تنسى  ﴾ فالقارىء على الأول جبرائيل، وعلى الثاني محمد  .

وقيل: أراد بالجمع ترتيبه على ما هو عليه في الخارج وبالقرآن جمعه في ذهنه، والتركيب يدل على الضم ومنه القرء ﴿ فإذا قرأناه ﴾ بقراء جبرائيل ﴿ فاتبع قرآنه ﴾ قال قتادة: أي حلاله وحرامه وضعف بأن هذا ليس موضع الأمر باتباع الحلال والحرام بل المراد أنه لا ينبغي أن تكون قراءتك مقارنة لقراءة جبرائيل  لكن يجب أن تسكت حتى يتم جبرائيل القراءة ثم تأخذ أنت في القراءة.

قال ابن عباس: فكان النبي  بعد ذلك إذا نزل عليه جبرائيل أطرق واستمع فإذا ذهب قرأ.

ثم إنه  كما كان حريصاً على القراءة حتى لا ينسى لفظه كان حريصاً على فهم المعنى، وكان يسأل جبرائيل في أثناء الوحي عن المعاني المشكلة فنهي عن هذا أيضاً بوعد البيان وهو قوله ﴿ إن علينا بيانه ﴾ قال بعضهم: وفيه دليل على أن تأخير البيان عن وقت الخطاب جائز.

إذا عرفت تفسير الآية فاعلم أن العلماء استنبطوا للنظم وجوهاً منها: أن هذا الإستعجال لعله اتفق النبي  عند نزول هذه الآيات فلا جرم نهي عن ذلك في الوقت كما أن المدرس إذا كان يلقي على تلميذه شيئاً من العلم وأخذ التلميذ يلتفت يميناً وشمالاً فيقول المدرس في أثناء درسه: لا تلتفت يميناً وشمالاً، ثم يعود إلى الدرس مع هذا الكلام في أثنائه اشتبه وجه المناسب على من لم يعرف الواقعة.

ومنها أنه علت كلمته أخبر عن الإنسان أنه يحب السعادة العاجلة فيفجر لذلك أمامه، فبين بين ذلك أن التعجل مذموم مطلقاً ولو في أمور الدين فقال ﴿ لا تحرك به لسانك ﴾ ورتب على ذم الإستعجال قوله ﴿ كلا بل تحبون العاجلة ﴾ ومنها أنه لما قال ﴿ ولو ألقى معاذيره ﴾ وكان النبي  يظهر التعجيل في القراءة خوف النسيان قيل له: إنك وإن أتيت بهذه المعذرة لكنك يجب أن تعلم أن الحفظ لا يحصل إلا بتوفيق الله وإعانته فاترك هذا التعجيل واعتمد على هدايتنا، ولا تستعن في طلب الحفظ بالتكرار، وفيه أن الكافر كان يفر من الله إلى غيره حين قال ﴿ أين المفر ﴾ فعلى المؤمن أن يضاده ويفر من غير الله إلى الله ولا يستعين في كل أموره إلا به.

ومنها أنه  كأنه قال: يا محمد إن غرضك من هذا هو التبليغ لكنه لا حاجة إليه فإن الإنسان على نفسه بصيرة يعرف قبح الكفر مهما رجع إلى نفسه.

وقال القفال: يجوز أن يكون المخاطب بهذا هو الإنسان المذكور في قوله ﴿ ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ﴾ كأنه حين عرض كتابه يقال له ﴿ إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً  ﴾ فإذا أخذ في القراءة ينبأ بقبح أعماله فيتلجلج لسانه من الفزع ويسرع له القراءة فيقال له ﴿ لا تحرك به لسانك لتعجل به ﴾ فإنه يجب علينا بحكم الوعد والحكمة أن نجمع أعمالك عليك وأن نقرأها عليك، فإذا قرأناه عليك فاتبع قرآنه بالاعتراف والإقرار، ثم أن علينا بيان أمره وشرح مراتب عقوبته.

قوله  .

﴿ كلا بل تحبون ﴾ قال بعضهم: هو بمعنى حقاً.

وقال جار الله: هو ردع لرسول الله  عن عادة العجلة وحيث له على الأناة والتؤدة وقد بالغ في ذلك باتباعه قوله ﴿ بل تحبون العاجلة ﴾ كأنه قيل: بل أنتم يا بني آدم خلقتم من عجل تعجلون في كل شيء، ومن ثم تحبون الدنيا وتتركون الأخرى.

ثم وصف اليوم الآخر بقوله ﴿ وجوه يومئذ ناضرة ﴾ ذات نضارة وبهاء.

والوجه عبارة عن الجملة قاله في الكشاف: والأولى عندي تقليلاً للمجاز أن راد بالوجوه العيون فيكون من إطلاق الكل على الجزء لا عكسه ﴿ إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة ﴾ شديدة العبوس ﴿ تظن أن يفعل بها فاقرة ﴾ فعل هو في شدته وفظاعته فاقرة أي داهية تقصم فقار الظهر كما توقعت الوجوه الناضرة أن يفعل بها كل خير.

قال الأصمعي: الفقر أن يحز أنف البعير حتى يخلص إلى العظم أو يقرب منه ثم يجعل فيه خشبة يجر بها البعير، ومنه قيل: عملت به الفاقرة.

وقال الكلبي: هي أن تحجب عن رؤية ربها فلا تنظر إليه.

وأعلم أن أهل السنة استدلوا بالآية على إمكان رؤية الله تعالى في الآخرة بل على وجوبها بحكم الوعد وحاصل كلامهم أن النظر إن كان بمعنى الرؤية فهو المطلوب، وإن كان بمعنى تقليب الحدقة نحو المرئي فهذا في حقه  محال لأنه منزه عن الجهة والمكان فوجب حمله على مسببه وهو الرؤية وهذا مجاز مشهور وأما المعتزلة فزعموا أن النظر المقرون بـ "إلى " إنما يراد به تقليب الحدقة نحو المرئي التماساً للرؤية فقد تحصل الرؤية وقد لا تحصل كما قال  ﴿ وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ﴾ ويقال: دور فلان متناظرة أي متقابلة ولا ريب أن تقليب الحدقة نحو الشيء يستدعي جهة لذلك الشيء وهذا في حق الله  محال فوجب حمل النظر على الانتظار أي منتظرة ثواب ربها كقولك: أنا ناظر إلى فلان ما يصنع فيّ.

والانتظار إذا كان في شيء متيقن الوقوع لا يوجب الغم والحزن بل يزيد اللذة والفرح.

واعترض بأن النظر إذا كان بمعنى الانتظار لا يعدّى بـ" إلى " كقوله ﴿ أنظرونا نقتبس من نوركم  ﴾ ﴿ هل ينظرون إلى تأويله  ﴾ وأجيب بأن ذلك إنما يكون إذا كان منتظراً للشخص، أما إذا كان منتظراً لرفده ومعونته فإنه يستعمل مقروناً بإلى كقول الرجل: إنما نظري إلى الله ثم إليك.

وقد يقول الأعمى: عيني ناظرة إليك.

سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون " إلى " واحد الآلاء أي نعمة ربها منتظرة، وتقديم المفعول لأجل الفاصلة أو للاختصاص أي لا ينتظرون إلا إلى نعمة الله ورحمته، قال في الكشاف: وهذا المعنى أعني إفادة الاختصاص أحد الدلائل الدالة، على أن النظر ههنا ليس بمعنى تقليب الحدقة ولا بمعنى الرؤية لأنهم ينظرون إلى أشياء ويرون أشياء لا تدخل تحت الحصر فلا بد من حمل النظر على معنى يصح معه الإختصاص وهو التوقع والرجاء.

وحين وصف القيامة الكبرى أتبعه نعت القيامة الصغرى فروّعهم عن إيثار العاجلة على الآجلة.

وذكرهم حالة الموت التي هي أول منزلة من منازل الآخرة.

والضمير في ﴿ بلغت ﴾ للنفس لدلالة قرينة الحال والمقال كما في قوله ﴿ فلولا إذا بلغت الحلقوم  ﴾ والتراقي العظام المكتنفة ثغرة النحر من الجانبين واحدها ترقوة، والمراد زهوق الروح لأن متعلق النفس هو الروح الحيواني الذي منبعه القلب فإذا فارق المنبع لم يبق من آثاره في حواليه إلا قليل كما لو غارت العين لم يبق في نواحيها إلا أثر قليل من النداوة فيزول عن قرب.

قوله ﴿ وقيل من راق ﴾ إن كان من الرقية يقال رقاه يرقيه إذا عوذه بما يشفيه ومنه " بسم الله أرقيك من كل يؤذيك " فالقائل هم بعض أصحاب الميت وأقاربه، والاستفهام إما على أصله لأن العادة جارية على طلب الطبيب والراقي في وقت ما يشتد المرض، وإما بمعنى الإنكار أي من الذي يقدر أن يرقي هذا الإنسان المشرف على الموت، وإن كان اشتقاقه من الرقي الصعود ومنه المرقاة قال الله تعالى ﴿ ولن نؤمن لرقيك  ﴾ فالقائل بعض الملائكة يعني أيكم يرقي بروح هذا المحتضر ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب.

وعن ابن عباس: إن الملائكة يكرهون القرب من الكافرين فيقول ملك الموت: من يرقى بروح هذا الكافر؟

وقال الكلبي: يحضر العبد عند الموت سبعة أملاك من ملائكة العذاب مع ملك الموت فإذا بلغت نفس العبد التراقي نظر بعضهم إلى بعض أيهم يعرج بروحه إلى السماء ﴿ وظن ﴾ المحتضر أي تيقن ﴿ أنه ﴾ وقت ﴿ الفراق ﴾ عن الدنيا وأوان الفطام عن مألفواتها.

وفي التعبير عن اليقين ههنا بالظن تهكم بالميت وإشارة إلى أن الإنسان لتهالكه على الدنيا وحرصه على الحياة العاجلة لا يكاد يقطع بحلول الأجل وإن لم يبق منه إلا حشاشة يسيرة، غايته أنه يغلب على ظنه الموت مع رجاء الحياة العاجلة لا يكاد يقطع بالموت.

واستدل بهذه الآية على أن النفس باقٍ بعد خراب البدن لأن الله سمى الموت فراقاً والفراق والوصال صفة والصفة تستدعي وجود الموصوف.

﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ فيه وجهان أحدهما: أنه كناية عن الشدّة كما مر في قوله ﴿ يوم يكشف عن ساق  ﴾ أي اتصلت شدة فراق الدنيا وترك الأهل والولد والجاه وشماتة الأعداء وحزن الأولياء وغير ذلك بشدّة الإقبال على أحوال الآخرة وأهوالها.

الثاني أن الساق هي العضو المخصوص.

قال الشعبي: أما رأيته في النزع كيف يضرب بإحدى رجليه على الأخرى؟

قال الحسن وسعيد بن المسيب: هما ساقاه التفتا في أكفانه.

وقيل: التفاف ساقيه وهو أنه إذا مات يبست ساقاه ولصقت إحدهما بالأخرى.

وقريب منه قول قتادة ماتت رجلاه فلا يحملانه وقد كان عليهما جوالاً ﴿ إلى ربك ﴾ أي حكمة خاصة ﴿ يومئذ المساق ﴾ أي السوق.

وقيل: أراد أن سوقه وقتئذ يفوض إلى الله دون غيره، والفرق أن الرب أي حكمه في الأول هو المسوق إليه وهو في الثاني سائق يسوقه إلى الجنة أو إلى النار.

قوله ﴿ فلا صدّق ولا صلى ﴾ الضمير فيه عائد إلى الإنسان المذكور في قوله ﴿ أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه ﴾ وقد سبق أن تعينه صنفيّ أو شخصي أخبر الله  عن اختلال حال أعماله فيما يتعلق بأصول الدين وفروعه قائلاً ﴿ فلا صدق ﴾ أي فلا صدّق بالرسول أو بالقرآن أو بالبعث ﴿ ولا صلى ﴾ ﴿ ولكن كذب ﴾ بالحق ﴿ وتولى ﴾ عن الطاعة ﴿ ثم ذهب إلى أهله يتمطى ﴾ متبختراً مفتخراً بذلك وأصله يتمطط أي يتمدد لأن المتبختر يمد خطاه، قلبت الطاء الأخيرة ياء كما في " تقضى البازي".

ويحتمل أن يكون من مطا الظهر لأن المتبختر يلوي ظهره.

قال أهل العربية " لا " ههنا بمعنى " لم " وقلما تقع لا الداخلة على الماضي إلا مكررة ومنه الحديث " لا أكل ولا شرب ولا استهل " أما قوله عز من قائل ﴿ فلا أقتحم العقبة  ﴾ فسيجيء قال قتادة والكلبي ومقاتل: أخذ رسول الله  بيد أبي جهل ثم قال له ﴿ أولى لك فأولى ﴾ يوعده ويدعو عليه بالهلاك والبعد عن الخير والقرب من المكاره، وقد مر في قوله ﴿ فأولى لهم  ﴾ وذلك في سورة القتال.

فقال أبو جهل: بأي شيء تهددني؟

لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا فيّ شيئاً وأني لأعز أهل هذا الوادي ثم سل يده ذاهباً فأنزل الله كما قال الرسول.

قال القفال: هذا محتمل، ويحتمل أن يكون أيضاً وعيداً مبتدأ من الله للكافر على طريقة الإلتفات.

ويحتمل أن يكون أمراً من الله لنبيه بأن يقوله لعدو الله فيكون القول مقدراً أي فقلنا لك يا محمد قل له هذا.

ثم قال دليلين على صحة الخبر الأول ﴿ أيحسب الإنسان أن يترك سدى ﴾ أي هملاً لا يكلف ولا يحاسب بعمله وهذا خلاف الحكمة نظيره ﴿ أفحسبتم أنما خلقنا كم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون ﴾ \[المؤمنون: 115\] الثاني الاستدلال بالخلق الأول على الإعادة و ﴿ منيّ يمنى ﴾ يراق في الرحم.

من ذكّر فللمني، ومن أنّث فللنطفة.

والنطفة اسم لما ينطف كالقبضة لما يقبض والغرفة لما يغرف إلا أنها غلبت على الماء المخصوص الذي هو للحيوان بمنزلة البذر للنبات.

والمني " فعيل " بمعنى " مفعول " من المني بالسكون وهو الدفق غلب أيضاً على الماء المخصوص فقوله ﴿ من مني ﴾ أي من هذا الجنس كالتأكيد لها.

وقوله ﴿ يمنى ﴾ تأكيد على تأكيد وفيه إشارة إلى حقارة الإنسان في ذاته وأنه لا يليق به التمطي والفخر والإستكبار عن طاعة خالقه فإنه مخلوق من المني الذي جرى على مجرى النجاسة نظيره في عيسى وأمه ﴿ كانا يأكلان الطعام  ﴾ والمراد به قضاء الحاجة.

قوله ﴿ فخلق فسوى ﴾ أي قدّر فعدّل أركانه.

وقيل: خلق فيه الروح فصير أعضاءه متناسبة ﴿ فجعل منه ﴾ أي من الإنسان ﴿ الزوجين ﴾ الصنفين ﴿ الذكر والأنثى ﴾ عن رسول الله  أنه اكن إذا قرأ خاتمة السورة قال عقيبها: سبحانك بلى.

والله الموفق وإليه المصير والمآب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ ﴾ فقوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون أريد به: حقا.

ويحتمل أن يكون على الردع والرد؛ أي: لا تفعل مثل هذا؛ فإنك ستندم في الوقت الذي قال: ﴿ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ ﴾ ؛ كأنهم سألوا رسول الله  عن وقت ندمه، فبين لهم ذلك بقوله  : ﴿ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ ﴾ ، والتراقي: هي عروق العنق، كأنه يقول: حين تزول النفس، أي: الروح عن مكانها، وتنتهي إلى التراقي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ ﴾ جائز: أن يكون الملائكة هم الذين يقولون هذا، فيقول بعضهم: من يرقى بروحه: أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟

مِنْ رقي يرقى، أي: صعد.

أو: من يقبض روحه؟

ويحتمل أن يقول أهله: من الذي يرقيه رقية فيشفى؟

فيكون فيه إخبار عما حل به من الضعف والشدة؛ أنه يمتنع عن أن يقول: ادعوا لي راقيا لعلي أُشفَى؛ فيكون أهله هم الذين يقولون هذا فيما بينهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلْفِرَاقُ ﴾ : جائز أن يكون الظن على الإيقان هاهنا؛ لما وقع له اليأس من الحياة، وكذلك روي في قراءة ابن عباس -  -: (وأيقن أنه الفراق).

وجائز أن يكون على حقيقة الظن؛ لما لم يقع له الإياس من حياته بعد، فهو يأملها بعد.

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ ﴾ : اختلفوا في تأويله: قيل: لفت ساقاه إحداهما على الأخرى؛ فلا يفترقان؛ كالتفاف الأشجار حتى لا يجد نفاذا فيها ولا هربا.

وقيل: إن ساقيه في القايمة لتضعف عن حمله؛ من شدة الفزع.

وقيل: أريد بالساق: الشدة، يقال: قامت الحرب على ساق؛ أي: على شدة؛ أي وصلت شدة الموت بشدة الآخرة، واجتمعت شدة الدنيا مع شدة الآخرة عليه؛ لأنه قد حل به سكرات الموت، ونزلت به شدائد الآخرة، وذلك آخر يومه من الدنيا وأول يوم من الآخرة.

وقيل: ما من ميت يموت إلا التفت ساقاه من شدة ما يقاسي من الموت.

وقال بعضهم: ﴿ وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ ﴾ ، معناه: أن الملائكة يجهزون روحه، وبني آدم يجهزون بدنه، فذلك التفاف الساق بالساق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ ﴾ : أي: إلى ما وعد ربك يومئذ يساق: إما إلى خير، وإما إلى شر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ صَدَّقَ ﴾ ، أي: فلا صدق بما جاء من عند الله  من الأخبار، ولا صدق رسوله  .

﴿ وَلاَ صَلَّىٰ ﴾ يحتمل أن يكون أريد به نفس الصلاة، وذلك أن الصلاة حببت إلى الأنفس كلها حتى لا ترى أه ل دين إلا وقد حببت الصلاة إليهم؛ فيكون في قوله: ﴿ فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ ﴾ إبانة سفهه وجهله.

أو يكون قوله: ﴿ وَلاَ صَلَّىٰ ﴾ ، أي: ولا أتى بالمعنى الذي له الصلاة، وهو الاستسلام والانقياد لله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ﴾ : أي: ولكن كذب بالأخبار التي جاءته.

﴿ وَتَوَلَّىٰ ﴾ ، أي: أعرض عن طاعة الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ ﴾ ، أي: يتبختر ويتكبر، وذكل أن الاحتيال والتكبر إنما يليق بمن أتى بفعل عظيم يعجز غيره عن إتيان مثله؛ نحو أن يهزم جندا عظيما، أو يفتح كورة حصينة، وهذا الذي تمطى لم يفعل سوى أن كذب بآيات الله  ، وأعرض عن طاعته، وما هذا إلا فعل السفهاء الحمقى، فأنى يليق بمثله التمطي؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ ﴾ : جائز أن يكون رسول الله  قيل له: قل: أولى لك فأولى.

أو كان رسول الله قال له: أولى لك فأولى، فبين الله  ذلك في كتابه.

وقال أهل التأويل: هذا وعيد على وعيد، كأنه قال: "ويل لك فويل، ثم ويل لك فويل".

وذكر أن رسول الله  أخذ بجميع ثيابه، وقال له هذا، فلم يتهيأ لذلك المسكين أن يدفع رسول الله  عن نفسه، وكان يفتخر بكثرة أنصاره، وأنه أعز من يمشي بين الجبلين، فاله  بلطفه أذله وأهانه حتى لم يتهيأ له الحراك عما نزل به، ولا نفعه قواه وكثرة أتباعه.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ ﴾ أي: أجدر لك، وأحرى، لا أن يكون محمولاً على الإبعاد؛ فيكون قوله: ﴿ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ ﴾ ، أي: الأجدر لك أن تنظر فيما جاء به محمد  ؛ وفي الذي كان عليك آباؤك؛ ليظهر لك الصواب من الخطأ، ولاحق من الباطل، فتتبع الصواب من ذلك فتحرز به شرف الدنيا والآخرة؛ إذ كان يفتخر بشرفه وعزه، فإن أردت أن يدوم لك الشرف، فالأولى لك أن تنظر إلى ما ذكرنا، فتتبع الصواب من ذلك.

والثاني: أن العرب كانت عادتها أن تقوم بنصر قبيلتها والذب عنها، [سواء] كانت ظالمة في ذلك أو لم تكن ظالمة، ورسول الله  كان من قبيلة أبي جهل - لعنه الله - فلو كان على غير حق عنده، كان الأولى به أن ينصره، ويعينه، وعلى ما عليه عادة العرب، وإن كان محقا فهو أولى، فترك ما هو أولى به من النصر والحماية، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولكن كذب بما جاءه به رسوله، وأعرض عنه.

<div class="verse-tafsir" id="91.oWKP0"

مزيد من التفاسير لسورة القيامة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله