الآية ٣٨ من سورة القيامة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 75 القيامة > الآية ٣٨ من سورة القيامة

ثُمَّ كَانَ عَلَقَةًۭ فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ ٣٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 55 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٨ من سورة القيامة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٨ من سورة القيامة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي فصار علقة ثم مضغة ثم شكل ونفخ فيه الروح فصار خلقا آخر سويا سليم الأعضاء ذكرا أو أنثى بإذن الله وتقديره؟.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً ) يقول تعالى ذكره: ثم كان دما من بعد ما كان نطفة، ثم علقة، ثم سوّاه بشرًا سويا، ناطقا سميعا بصيرا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ثم كان علقة أي دما بعد النطفة ، أي قد رتبه تعالى بهذا كله على خسة قدره .

ثم قال : فخلق أي فقدر فسوى أي فسواه تسوية ، وعدله تعديلا ، بجعل الروح فيه

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

[ ثُمَّ كَانَ } بعد المني { عَلَقَةً } أي: دما، { فَخَلَقَ } الله منها الحيوان وسواه أي: أتقنه وأحكمه،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"ثم كان علقةً فخلق فسوى"، فجعل فيه الروح فسوى خلقه.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ثم كان» المني «علقة فخلق» الله منها الإنسان «فسوى» عدل أعضاءه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أيظنُّ هذا الإنسان المنكر للبعث أن يُترك هَمَلا لا يُؤمر ولا يُنْهى، ولا يحاسب ولا يعاقب؟

ألم يك هذا الإنسان نطفة ضعيفة من ماء مهين يراق ويصب في الأرحام، ثم صار قطعة من دم جامد، فخلقه الله بقدرته وسوَّى صورته في أحسن تقويم؟

فجعل من هذا الإنسان الصنفين: الذكر والأنثى، أليس ذلك الإله الخالق لهذه الأشياء بقادر على إعادة الخلق بعد فنائهم؟

بلى إنه - سبحانه وتعالى- لقادر على ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ( كَانَ ) بعد ذلك ( عَلَقَةً ) أى : قطعة دم متجمد ( فَخَلَقَ فسوى ) أى : فخلقه الله - تعالى - خلقا آخر بقدرته ، وسواه فى أحسن تقويم ، كما قال : ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ .

.

).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً ﴾ أي الإنسان كان علقة بعد النطفة.

أما قوله تعالى: ﴿ فَخَلَقَ فسوى ﴾ ففيه وجهان الأول: فخلق فقدر فسوى فعدل الثاني: فخلق، أي فنفخ فيه الروح، فسوى فكمل أعضاءه، وهو قول ابن عباس ومقاتل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَخَلَقَ ﴾ فقدر ﴿ فسوى ﴾ فعدل ﴿ مِنْهُ ﴾ من الإنسان ﴿ الزوجين ﴾ الصنفين ﴿ أَلَيْسَ ذَلِكَ ﴾ الذي أنشأ هذا الإنشاء ﴿ بقادر ﴾ على الإعادة.

وروي: أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأها قال «سبحانك بلى» .

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة القيامة شهدت له أنا وجبريل يوم القيامة أنه كان مؤمناً بيوم القيامة» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾ مُهْمَلًا لا يُكَلَّفُ ولا يُجازى، وهو يَتَضَمَّنُ تَكْرِيرَ إنْكارِهِ لِلْحَشْرِ والدَّلالَةِ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِي الأمْرَ بِالمَحاسِنِ والنَّهْيَ عَنِ القَبائِحِ، والتَّكْلِيفُ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِالمُجازاةِ وهي قَدْ لا تَكُونُ في الدُّنْيا فَتَكُونُ في الآخِرَةِ.

﴿ ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى ﴾ ﴿ ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى ﴾ فَقَدَّرَهُ فَعَدَّلَهُ.

﴿ فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ ﴾ الصِّنْفَيْنِ ﴿ الذَّكَرَ والأُنْثى ﴾ وهو اسْتِدْلالٌ آخَرُ بِالإبْداءِ عَلى الإعادَةِ عَلى ما مَرَّ تَقْرِيرُهُ مِرارًا ولِذَلِكَ رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى ﴾ عَنِ النَّبِيِّ  : «أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها قالَ: سُبْحانَكَ بَلى» وَعَنْهُ  : «مَن قَرَأ سُورَةَ القِيامَةِ شَهِدْتُ لَهُ أنا وجِبْرِيلُ يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا بِهِ».»

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً} أي صار المني قطعة دم جامد بعد أربعين يوماً {فَخَلَقَ فسوى} فخلق الله منه بشراً سوياً

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ثُمَّ كانَ عَلَقَةً ﴾ أيْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ تَعالى ﴿ ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً  ﴾ ﴿ فَخَلَقَ ﴾ أيْ فَقَدَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِأنْ جَعَلَها سُبْحانَهُ مُخَلَّقَةً ﴿ فَسَوّى ﴾ فَعَدَّلَ وكَمَّلَ ﴿ فَجَعَلَ مِنهُ ﴾ أيْ مِنَ الإنْسانِ وقِيلَ مِنَ المَنِيِّ ﴿ الزَّوْجَيْنِ ﴾ أيِ الصِّنْفَيْنِ ﴿ الذَّكَرَ والأُنْثى ﴾ بَدَلٌ مِنَ الزَّوْجَيْنِ والخُنْثى لا يَعْدُوهُما.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّوْجانِ بِالألْفِ عَلى لُغَةِ بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ ومَن وافَقَهم مِنَ العَرَبِ مِن كَوْنِ المُثَنّى بِالألْفِ في جَمِيعِ حالاتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وهو أبو جهل بن هشام، يعني: لم يصدق بتوحيد الله تعالى، وبمحمد  ، ولم يصل لله تعالى.

ويقال: وَلا صَلَّى يعني: ولا أسلم.

فسمي المسلم مصلياً وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى يعني: كذب بالتوحيد، وتولى يعني: أعرض عن الإيمان ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى قال القتبي: يعني: وأصله في اللغة يتمطط فقلبت الطاء ياء فصار يتمطى يعني: ذهب إلى أهله يتمطى يعني: ويتبختر في مشيته أَوْلى لَكَ فَأَوْلى وعيد على أثر وعيد، يعني: احذر يا أبا جهل.

ومعنى أَوْلى لَكَ أي: قرب لك يا أبا جهل.

وقال سعيد بن جبير: قال النبيّ  لأبي جهل: أولى لك فأولى ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ثم نزل به القرآن.

وقال الزجاج: معناه أولى لك يعني: يوجب لك المكروه يا أبا جهل، والعرب تقول أولى بفلان، إذا وعد له مكروهاً.

وقال القتبي: أولى لك تهديد ووعيد كما قال: فأولى لهم ثم ابتدأ فقال: طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ [محمد: 21] .

ثم قال: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً يعني: أن يترك مهملاً، لا يؤمر ولا ينهى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى يعني: أليس قد خلق من ماء مهين.

قرأ ابن عامر وحفص، عن عاصم، من منى يمنى بالهاء، والباقون بالتاء على معنى التأنيث، لأن النطفة مؤنثة.

ومن قرأ بالياء، انصرف إلى المعنى وهو الماء ثُمَّ كانَ عَلَقَةً يعني: صارت بعد النطفة علقة فَخَلَقَ فَسَوَّى يعني: جمع خلقه في بطن أمه مستوياً، معتدل القامة فَجَعَلَ مِنْهُ يعني: خلق من المني الزَّوْجَيْنِ يعني: لونين من الخلق الذَّكَرَ وَالْأُنْثى أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التقرير، يعني: إن هذا الذي يفعل مثل هذا، هو قادر.

على أن يحيي الموتى.

وذكر عن ابن عباس، أنه كان إذا قرأ أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى قال: سبحانك اللهم بلى قادر، والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يَتَمَطَّى فإنَّها كانت مشيته، وقوله: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى تقديره: فلم يُصَدِّقْ ولم يُصَلِّ ف «لا» في الآية: نفي لا عاطفة.

- ص-: فَلا صَدَّقَ فيه دليل على أَنَّ «لا» تدخل على الماضي فتنفيه كقول الراجز: [من الرجز]

إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِر جَمَّا ...

وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لاَ أَلَمَّا «١»

انتهى.

وصَدَّقَ معناه: برسالة اللَّه ودينه، وذهب قوم إلى أنّه من الصدقة، والأول أصوب ويَتَمَطَّى معناه: يمشي المَطيطاء، وهي مشية بتبختر، وهي مؤخوذة من المَطا وهو الظهر لأَنَّهُ يتثنى فيها، زاد- ص-: وقيل: أصله يتمطط، أي: يتمدد في مشيه ومدّ منكبيه، انتهى.

فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩) أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠)

وقوله: أَوْلى لَكَ: وعيد.

فَأَوْلى وعيد ثانٍ، وكرَّر ذلك تأكيداً، ومعنى أَوْلى لَكَ الازدجار والانتهار، والعرب تستعمل هذه الكلمة زجراً ومنه فأولى لهم طاعة، ويروى أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لَبَّبَ أَبَا جَهْلٍ يَوْماً في البَطْحَاءِ وَقَالَ لَهُ: «إنَّ اللَّهَ يَقُولُ لَكَ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى» فنزل القرآن على نحوها «٢» وفي شعر الخنساء: [المتقارب]

هَمَمْتُ بِنَفْسِيَ كُلَّ الْهُمُومِ ...

فأولى لِنَفْسِيَ أولى لها «١»

وقوله تعالى: أَيَحْسَبُ: توبيخ وسُدىً: معناه: مُهْمَلاً لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهَى، ثم قَرَّر تعالى أحوال ابن آدم في بدايته التي إذا تأمّلت لَم/ يُنْكِرْ معها جوازَ البعث من القبور عاقلٌ، والعَلَقَةُ القطعة من الدم.

فَخَلَقَ فَسَوَّى أي: فخلق اللَّه منه بشراً مركباً من أشياء مختلفة، فسواه شخصا مستقلا، والزَّوْجَيْنِ: النوعين، ثم وقف تعالى توقيفَ توبيخ بقوله: أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى روي: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان إذا قرأ هذه الآية قال: بَلَى، ورُوِيَ أَنَّه كَانَ يَقُولُ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، بلى» «٢» انظر «سنن أبي داود» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "كَلّا" رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ.

المَعْنى: ارْتَدِعُوا عَمّا يُؤَدِّي إلى العَذابِ.

وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى ﴿ كَلا ﴾ : لا يُؤْمِنُ الكافِرُ بِهَذا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا بَلَغَتِ ﴾ يَعْنِي: النَّفْسَ.

وهَذِهِ كِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ.

وَ ﴿ التَّراقِيَ ﴾ العِظامُ المُكْتَنِفَةُ لِنُقْرَةِ النَّحْرِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ.

وواحِدَةُ التَّراقِي: تَرْقُوَةٌ، ويُكَنّى بِبُلُوغِ النَّفْسِ التَّراقِيَ عَنِ الإشْفاءِ عَلى المَوْتِ، ﴿ وَقِيلَ مَن راقٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُ المَلائِكَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: مَن يَرْقى رُوحَهُ، مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ، أوْ مَلائِكَةُ العَذابِ؟

رَواهُ أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ أهْلِهِ: هَلْ مِن راقٍ يَرْقِيهِ بِالرُّقى؟

وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وأبُو قُلابَةَ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَظَنَّ ﴾ أيْ: أيْقَنَ الَّذِي بَلَغَتْ رُوحُهُ التَّراقِيَ "أنَّهُ الفِراقُ" لِلدُّنْيا ﴿ والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أمْرُ الدُّنْيا بِأمْرِ الآخِرَةِ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: اجْتَمَعَ فِيهِ الحَياةُ والمَوْتُ، قالَهُ الحَسَنُ.

وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: التَفَّتْ ساقاهُ في الكَفَنِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ.

والرّابِعُ: التَفَّتْ ساقاهُ عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

والخامِسُ: الشِّدَّةُ بِالشِّدَّةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قالَ الزَّجّاجُ: آخِرُ شِدَّةِ الدُّنْيا بِأوَّلِ شِدَّةِ الآخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ ﴾ أيْ: إلى اللَّهِ المُنْتَهى ﴿ فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "لا" ها هُنا" في مَوْضِعِ "لَمْ" .

قالَ المُفَسِّرُونَ: هو أبُو جَهْلٍ ﴿ وَلَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى ﴾ عَنِ الإيمانِ ﴿ ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى ﴾ أيْ: رَجَعَ إلَيْهِمْ يَتَبَخْتَرُ ويَخْتالُ.

قالَ الفَرّاءُ: "يَتَمَطّى" أيْ: يَتَبَخْتَرُ، لِأنَّ الظَّهْرَ هو المَطا، فَيَلْوِي ظَهْرَهُ مُتَبَخْتِرًا.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُهُ يَتَمَطَّطُ، فَقُلِبَتِ الطّاءُ فِيهِ ياءً، كَما قِيلَ: يَتَظَنّى، وأْصْلُهُ: يَتَظَنَّنُ، ومِنهُ المِشْيَةُ المُطَيْطاءُ.

وأصْلُ الطّاءِ في هَذا كُلِّهِ دالٌ.

إنَّما هو مَدُّ يَدِهِ في المَشْيِ إذا تَبَخْتَرَ.

يُقالُ: مَطَطْتُ ومَدَدْتُ بِمَعْنًى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْلى لَكَ فَأوْلى ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ.

وقالَ الزَّجّاجُ: العَرَبُ تَقُولُ: أوْلى لِفُلانٍ: إذا دَعَتْ عَلَيْهِ بِالمَكْرُوهِ، ومَعْناهُ: ولِيَكَ المَكْرُوهُ يا أبا جَهْلٍ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ أيَحْسَبُ الإنْسانُ ﴾ يَعْنِي: أبا جَهْلٍ ﴿ أنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يُهْمَلُ فَلا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى ولا يُعاقَبُ، يُقالُ: أسْدَيْتُ الشَّيْءَ، أيْ: أهْمَلْتَهُ.

ثُمَّ دَلَّ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "تُمْنى" بِالتّاءِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ "يُمْنى" بِالياءِ.

وعَنْ أبى عَمْرٍو كالقِراءَتَيْنِ.

وقَدْ شَرَحْنا هَذا في [النَّجْمِ: ٢٤] "ثُمَّ كانَ عَلَقَةً" بَعْدَ النُّطْفَةِ "فَخَلَقَ" فِيهِ الرُّوحَ، وسَوّى خَلْقَهُ ﴿ فَجَعَلَ مِنهُ ﴾ أيْ: خَلَقَ مِن مائِهِ أوْلادًا ذُكُورًا وإناثًا ﴿ ألَيْسَ ذَلِكَ ﴾ الَّذِي فَعَلَ هَذا ﴿ بِقادِرٍ؟

﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ "يَقْدِرُ" ﴿ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى؟!

﴾ وهَذا تَقْرِيرٌ لَهُمْ، أيْ: إنَّ مَن قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ قَدَرَ عَلى الإعادَةِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا قَرَأ أحَدُكم هَذِهِ الآيَةَ، فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ بَلى.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى ﴾ ﴿ وَلَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى ﴾ ﴿ ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى ﴾ ﴿ أولى لَكَ فَأولى ﴾ ﴿ ثُمَّ أولى لَكَ فَأولى ﴾ ﴿ أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾ ﴿ ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى ﴾ ﴿ ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى ﴾ ﴿ فَجَعَلَ مِنهُ الزَوْجَيْنِ الذَكَرَ والأُنْثى ﴾ ﴿ ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى ﴾ هَذِهِ الآياتُ كُلُّها إنَّما نَزَلَتْ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، ثُمَّ كادَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنْ تُصَرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَتَمَطّى" فَإنَّها كانَتْ مِشْيَةُ بَنِي مَخْزُومٍ، وكانَ أبُو جَهْلٍ يُكْثِرُ مِنها، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى" تَقْدِيرُهُ: فَلَمْ يُصَدِّقْ ولَمْ يُصَلِّ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ فَأيُّ خَمِيسٍ فَإنّا لا أبانا نَهابُهُ وأسْيافُنا يَقْطُرْنَ مِن كَبْشِهِ دَمًا؟

وَقَوْلُ الآخَرِ: إنْ تَغْفِرْ اللهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا؟

فَـ "لا" في الآيَةِ نافِيَةٌ لا عاطِفَةَ.

و"صَدَّقَ" مَعْناهُ: بِرِسالَةِ اللهِ ودِينِهِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ مِنَ الصَدَقَةِ والأوَّلُ أصْوَبُ.

و"يَتَمَطّى" مَعْناهُ: يَمْشِي المَطِيطا، وهي مِشْيَةٌ بِتَبَخْتُرٍ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَتْ مِشْيَةُ بَنِي مَخْزُومٍ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ المَطا وهو الظَهْرُ، لِأنَّهُ يَنْثَنِي فِيها، وقالَ النَبِيُّ  : « "إذا مَشَتْ أُمَّتِي المَطِيطا، وخَدَمَتْهُمُ الرُومُ وفارِسُ، سَلَّطَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ"،» وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أولى لَكَ فَأولى ﴾ وعِيدٌ ثانٍ، ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا، والمَعْنى: أولى لَكَ الِازْدِجارُ والِانْتِهاءُ، وهو مَأْخُوذٌ مَن "وَلّى"، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذِهِ الكَلِمَةَ زَجْرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأولى لَهُمْ  ﴾ ﴿ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ  ﴾ ، ويُرْوى «أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَبَّبَ أبا جَهْلٍ يَوْمًا في البَطْحاءِ وقالَ لَهُ: إنَّ اللهَ يَقُولُ لَكَ: ﴿ أولى لَكَ فَأولى ﴾ فَنَزَلَ القُرْآنُ عَلى نَحْوِها،» وفي شِعْر الخَنْساءِ: هَمَمْتُ بِنَفْسِي كُلَّ الهُمُومِ ∗∗∗ فَأولى لِنَفْسِي أولى لَها وقَوْلُهُ تَعالى: "أيَحْسَبُ" تَوْبِيخٌ وتَوْقِيفٌ، و"سُدًى" مَعْناهُ: مُهْمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى، ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى عَلى أحْوالِ ابْنِ آدَمَ في يَدِ اللهِ الَّتِي إذا تُؤُمِّلَتْ لَمْ يُنْكِرْ مَعَها جَوازَ البَعْثِ عاقِلٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ألَمْ يَكُ" بِالياءِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "ألَمْ تَكُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، و"النُطْفَةُ" القِطْعَةُ مِنَ الماءِ، يُقالُ ذَلِكَ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ.

والمَنِيُّ مَعْرُوفٌ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ- وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والجَحْدَرِيُّ، وسَلامُ، ويَعْقُوبُ: "يُمَنّى" بِالياءِ، يُرادُ بِذَلِكَ المَنِيَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "يُمْنى" مِن قَوْلِكَ: "أمْنى الرَجُلُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "مَنِيَ اللهُ الخَلْقَ"، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: مِن مَنِيٍّ يخْلُقُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، والناسُ: تُمْنى" بِالتاءِ، يُرادُ بِذَلِكَ النُطْفَةُ، و"تَمَنّى" تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا.

و"العَلَقَةُ" القِطْعَةُ مِنَ الدَمِ؛ لِأنَّ الدَمَ هو العَلَقُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَخَلَقَ فَسَوّى" مَعْناهُ: فَخَلَقَ اللهُ تَعالى مِنهُ بَشَرًا مُرَكَّبًا مِن أشْياءَ مُخْتَلِفَةٍ، فَسَوّاهُ شَخْصًا مُسْتَقِلًّا، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "يَخْلُقُ" بِالياءِ فِعْلًا مُسْتَقْبَلًا.

و"الزَوْجَيْنِ": النَوْعَيْنِ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المُزْدَوَجَيْنِ مِنَ البَشَرِ.

ثُمَّ وقَفَ تَعالى تَوْقِيفَ تَوْبِيخٍ وإقامَةِ حُجَّةٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى ﴾ ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الياءِ الأخِيرَةِ مَن "يُحْيِي"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، والفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ بِسُكُونِها، وهي تُحْذَفُ مِنَ اللَفْظِ لِسُكُونِ اللامِ مِن "المَوْتى".

ويُرْوى «أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "سُبْحانَكَ اللهُمَّ وبِحَمْدِكَ، وبَلى"، ويُرْوى أنَّهُ كانَ يَقُولُ: "بَلى"» فَقَطْ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [القِيامَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف هو علة وبيان للإِنكار المسوق للاستدلال بقوله: ﴿ أيحسب الإِنسان أن يُترك ﴾ [القيامة: 36] الذي جعل تكريراً وتأييداً لمضمون قوله: ﴿ كما بدأنا أول خلق نعيده ﴾ [الأنبياء: 104].

وهذه الجمل تمهيد لقوله: ﴿ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ﴾ .

وهذا البيان خاص بأحد معنيي التَّرك في الآية وهو تركه دون إحياء وأكتفي ببيان هذا عن بيان المعنى الآخر الذي قيَّده قوله: ﴿ سُدَّى ﴾ [القيامة: 36] أي تركه بدون جَزاء على أعماله لأن فائدة الإِحياء أن يجازى على عمله.

والمعنى: أيحسب أن يترك فانياً ولا تجدد حياته.

ووقع وصف ﴿ سدى ﴾ في خلال ذلك موقع الاستدلال على لزوم بعث الناس من جانب الحكمة، وانتُقل بعده إلى بيان إمكان البعث من جانب المادة، فكان وقوعه إدماجاً.

فالإِنسان خُلق من ماء وطُوِّر أطواراً حتى صار جسداً حيّاً تامّ الخلقة والإِحساسسِ فكان بعضه من صنف الذكور وبعضه من صنف الإِناث، فالذي قدر على هذا الخلق البديع لا يعجزه إعادة خلق كل واحد كما خلقه أول مرة بحكمة دقيقة وطريقة أخرى لا يعلمها إلاّ هو.

والنُطفة: القليل من الماء سمي بها ماء التناسل، وتقدم في سورة فاطر.

واختلف في تفسير معنى ﴿ تُمنَى ﴾ فقال كثير من المفسرين معناه: تراق.

ولم يُذكر في كتب اللغة أن فعل: مَنَى أو أمْنَى يطلق بمعنى أراق سوى أن بعض أهل اللغة قال في تسمية (مِنًى) التي بمكة إنها سميت كذلك لأنها تُراق بها دماء الهدي، ولم يبينوا هل هو فعل مجرد أو بهمزة التعدية.

وأحسب هذا من التلفيقات المعروفة من أهل اللغة من طلبهم إيجاد أصل لاشتقاق الأعلام وهو تكلف صراح، فاسم (مِنى) عَلَم مرتجل، وقال ثعلب: سميت بذلك من قولهم: منَى الله عليه الموت، أي قدَّره لأنها تنحر فيها الهدايا ومثله عن ابن شميل وعن ابن عيينة.

وفسر بعضهم ﴿ تُمنى ﴾ بمعنى تخلق من قولهم منَى الله الخلق، أي خلقهم.

والأظهر قول بعض المفسرين أنه مضارع أمنى الرجل فيكون كقوله: ﴿ أفرأيتم ما تُمْنُون ﴾ في سورة الواقعة (58).

والعلقة: القطعة الصغيرة من الدم المتعقد.

وعطف فعل كان علقة } بحرف ﴿ ثم ﴾ للدلالة على التراخي الرتبي فإنّ كَوْنه علقة أعجب من كونه نطفةً لأنه صار علقة بعد أن كان ماءً فاختلط بما تفرزه رحم الأنثى من البويضات فكان من مجموعهما عَلقة كما تقدم في فائدة التقييد بقوله في سورة النجم (46) ﴿ من نطفة إذا تمنى ﴾ ولما كان تكوينه علقة هو مبدأ خلق الجسم عطف عليه قوله: فخلق} بالفاء، لأن العلقة يعقبها أن تصير مضغة إلى أن يتم خلق الجسد وتنفخ فيه الروح.

وضمير ﴿ خلق ﴾ عائد إلى ﴿ ربك ﴾ [القيامة: 30].

وكذلك عطف ﴿ فسَوّى ﴾ بالفاء.

والتسوية: جعل الشيء سواء، أي معدلاً مقوماً قال تعالى: ﴿ فسواهن سبع سماوات ﴾ [البقرة: 29] وقال: ﴿ الذي خلق فسوى ﴾ [الأعلى: 2]، أي فجعله جسداً من عظم ولحم.

ومفعول (خلق) ومفعول (سوى) محذوفان لدلالة الكلام عليهما، أي فخلقه فسوّاه.

وعُقب ذلك بخلقه ذكراً أو أنثى زوجين ومنهما يكون التناسل أيضاً.

وقرأ الجمهور ﴿ تُمنى ﴾ بالفوقية على أنه وصف ل ﴿ نطفة ﴾ .

وقرأه حفص ويعقوب بالتحتية على أنه وصف ﴿ مَنِيّ ﴾ .

وجملة ﴿ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ﴾ واقعة موقع النتيجة من الدليل لأن خلق جسم الإِنسان من عدم وهو أمر ثابت بضرورة المشاهدة، أحق بالاستبعاد من إعادة الحياة إلى الجسم بعد الموت سواء بقي الجسم غير ناقص أو نقص بعضُه أو معظمه فهو إلى بَثثِ الحياة فيه وإعادةِ ما فنِيَ من أجزائه أقرب من إيجاد الجسم من عدم.

والاستفهام إنكار للمنفي إنكارَ تقرير بالإِثبات وهذا غالب استعمال الاستفهام التقريري أن يقع على نفي ما يراد إثباته ليكون ذلك كالتوسعة على المقرَّر إن أراد إنكاراً كناية عن ثقة المتكلم بأن المخاطب لا يستطيع الإِنكار.

وقد جاء في هذا الختام بمحسّن ردّ العجز على الصدر، فإن السورة افتتحت بإنكار أن يحسب المشركون استحالة البعث، وتسلسلَ الكلام في ذلك بأفانين من الإِثبات والتهديد والتشريط والاستدلال، إلى أن أفضى إلى استنتاج أن الله قادر على أن يحييَ الموتى وهو المطلوب الذي قدم في قوله: ﴿ أيحسب الإِنسان أن لن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوّي بَنَانه ﴾ [القيامة: 3، 4].

وتعميم الموتى في قوله: ﴿ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ﴾ بعدَ جريان أسلوببِ الكلام على خصوص الإِنسان الكافر أو خصوص كافر معيّن، يجعل جملة ﴿ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ﴾ تذييلاً.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ كَلا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ ﴾ يَعْنِي بُلُوغَ الرُّوحِ عِنْدَ مَوْتِهِ إلى التَّراقِي، وهي أعْلى الصَّدْرِ، واحِدُها تَرْقُوَةٌ.

﴿ وَقِيلَ مَن راقٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قالَ أهْلُهُ: مَن راقٍ يَرْقِيهِ بِالرُّقى وأسْماءِ اللَّهِ الحُسْنى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مَن طَبِيبٌ شافٍ، قالَهُ أبُو قِلابَةَ، قالَ الشّاعِرُ: هَلْ لِلْفَتى مِن بَناتِ الدَّهْرِ مِن واقِي أمْ هَلْ لَهُ مِن حِمامِ المَوْتِ مِن راقِي الثّالِثُ: قالَ المَلائِكَةُ: مَن راقٍ يَرْقى بِرُوحِهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ أوْ مَلائِكَةُ العَذابِ، رَواهُ أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

﴿ وَظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ ﴾ أيْ تَيَقَّنَ أنَّهُ مُفارِقٌ الدُّنْيا.

﴿ والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: اتِّصالُ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: الشِّدَّةُ بِالشِّدَّةِ والبَلاءُ بِالبَلاءِ، وهو شِدَّةُ كَرْبِ المَوْتِ بِشِدَّةِ هَوْلِ المَطْلَعِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ حُذَيْفَةَ بْنِ أنَسٍ الهُذَلِيِّ أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّها ∗∗∗ وإنْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا.

الثّالِثُ: التَفَّتْ ساقاهُ عِنْدَ المَوْتِ، وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّ التِفافَ السّاقِ بِالسّاقِ عِنْدَ المِيثاقِ، قالَ الحَسَنُ: ماتَتْ رِجْلاهُ فَلَمْ تَحْمِلاهُ وقَدْ كانَ عَلَيْهِما جَوّالًا.

الرّابِعُ: أنَّهُ اجْتَمَعَ أمْرانِ شَدِيدانِ عَلَيْهِ: النّاسُ يُجَهِّزُونَ جَسَدَهُ، والمَلائِكَةُ يُجَهِّزُونَ رُوحَهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُنْطَلَقُ، قالَهُ خارِجَةُ.

الثّانِي: المُسْتَقَرُّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى ﴾ هَذا في أبِي جَهْلٍ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَلا صَدَّقَ بِكِتابِ اللَّهِ ولا صَلّى لِلَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: فَلا صَدَّقَ بِالرِّسالَةِ ولا آمَنَ بِالمُرْسَلِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: فَلا آمَنَ بِقَلْبِهِ ولا عَمَلَ بِبَدَنِهِ.

﴿ وَلَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كَذَّبَ الرَّسُولَ وتَوَلّى عَنِ المُرْسَلِ.

الثّانِي: كَذَّبَ بِالقُرْآنِ وتَوَلّى عَنِ الطّاعَةِ.

﴿ ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى ﴾ يَعْنِي أبا جَهْلٍ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَخْتالُ في نَفْسِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: يَتَبَخْتَرُ في مِشْيَتِهِ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وهي مِشْيَةُ بَنِي مَخْزُومٍ.

الثّالِثُ: أنْ يَلْوِيَ مَطاهُ، والمَطا: الظَّهْرُ، وجاءَ النَّهْيُ عَنْ مِشْيَةِ المُطَيْطاءِ وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ يُلْقِي يَدَيْهِ مَعَ الكَفَّيْنِ في مَشْيِهِ.

﴿ أوْلى لَكَ فَأوْلى ﴾ ﴿ ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى ﴾ حَكى الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: «أنَّ النَّبِيَّ  لَقِيَ أبا جَهْلٍ بِبَطْحاءِ مَكَّةَ وهو يَتَبَخْتَرُ في مِشْيَتِهِ، فَدَفَعَ في صَدْرِهِ وهَمَزَهُ بِيَدِهِ وقالَ: ﴿ أوْلى لَكَ فَأوْلى ﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: إلَيْكَ عَنِّي أوْعِدْنِي يا ابْنَ أبِي كَبْشَةَ ما تَسْتَطِيعُ أنْتَ ولا رَبُّكَ الَّذِي أرْسَلَكَ شَيْئًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .

وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولِيَكَ الشَّرُّ، قالَ قَتادَةُ، وهَذا وعِيدٌ عَلى وعِيدٍ.

الثّانِي: ويْلٌ لَكَ، قالَتِ الخَنْساءُ هَمَمْتُ بِنَفْسِي بَعْضَ الهُمُومِ ∗∗∗ فَأوْلى لِنَفْسِيَ أوْلى لَها.

∗∗∗ سَأحْمِلُ نَفْسِي عَلى آلَةٍ ∗∗∗ فَإمّا عَلَيْها وإمّا لَها.

الآلَةُ: الحالَةُ، والآلَةُ: السَّرِيرُ أيْضًا الَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ المَوْتى.

﴿ أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَهَلْ لا يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ عَمَلٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: يَظُنُّ ألّا يُبْعَثَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: مُلْغًى لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: عَبَثٌ لا يُحاسَبُ ولا يُعاقَبُ، قالَ الشّاعِرُ: فَأُقْسِمُ بِاَللَّهِ جَهْدَ اليَمِينِ ∗∗∗ ما تَرَكَ اللَّهُ شَيْئًا سُدى ﴿ ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى يُمْنى يُراقُ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ مِنى لِإراقَةِ الدِّماءِ فِيها.

الثّانِي: بِمَعْنى يَنْشَأُ ويَخْلُقُ، ومِنهُ قَوْلُ يَزِيدَ بْنِ عامِرٍ فاسْلُكْ طَرِيقَكَ تَمْشِي غَيْرَ مُخْتَشِعٍ ∗∗∗ حَتّى تُلاقِيَ ما يُمَنِّي لَكَ المانِي.

الثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى يَشْتَرِكُ أيِ اشْتِراكُ ماءِ الرَّجُلِ بِماءِ المَرْأةِ.

﴿ ثُمَّ كانَ عَلَقَةً ﴾ يَعْنِي أنَّهُ كانَ بَعْدَ النُّطْفَةِ عَلَقَةً.

﴿ فَخَلَقَ فَسَوّى ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: خَلَقَ مِنَ الأرْحامِ قَبْلَ الوِلادَةِ وسَوّى بَعْدَها عِنْدَ اسْتِكْمالِ القُوَّةِ وتَمامِ الحَرَكَةِ.

الثّانِي: خَلَقَ الأجْسامَ وسَوّاها لِلْأفْعالِ، فَجَعَلَ لِكُلِّ جارِحَةٍ عَمَلًا، واَللَّهُ أعْلَمُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذا بلغت التراقي ﴾ قال: الحلقوم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وقيل من راق ﴾ قال: من طبيب شاف.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي قلابة رضي الله عنه ﴿ وقيل من راق ﴾ قال: التمسوا الأطباء فلم يغنوا عنه من قضاء الله شيئاً ﴿ وظن أنه الفراق ﴾ قال: استيقن أنه الفراق ﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ قال: ماتت ساقاه فلم تحملاه، وكان عليهما جوّالاً.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ وقيل من راق ﴾ قال: هو الطبيب.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وقيل من راق ﴾ قال: من راق يرقي.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة مثله.

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقيل من راق ﴾ قيل: تنتزع نفسه حتى إذا كانت في تراقيه قيل من يرقى بروحه؟

ملائكة الرحمة، أو ملائكة العذاب ﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ قال: التفت عليه الدنيا والآخرة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أبي العالية في قوله: ﴿ وقيل من راق ﴾ قال: يختصم فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب أيهم يرقى به؟.

وأخرج ابن جرير عن أبي الجوزاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقيل من راق ﴾ قال: قالت الملائكة بعضهم لبعض من يصعد به أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ: ﴿ وأيقن أنه الفراق ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ يقول: آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، فتلقى الشدة بالشدة إلا من رحم الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ قال: التف أمر الدنيا بأمر الآخرة عند الموت.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ قال: لفت ساق الآخرة بساق الدنيا، وذكر قول الشاعر: وقامت الحرب بنا على ساق وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة والربيع وعطية والضحاك مثله.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ قال: بلاء ببلاء.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ قال: اجتمع فيه الحياة والموت.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك رضي الله عنه ﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ قال: تلف ساقاه عند الموت للنزع.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر ﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ قال: التفت ساقاه عند الموت.

وأخرج ابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ قال: أما رأيت إذا حضر ضرب برجله رجله الأخرى.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ قال: الناس مجهزون بدنه والملائكة مجهزون روحه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه أنه سئل عن قوله: ﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ قال: هما ساقاه إذا التفتا في الأكفان.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلى ربك يومئذ المساق ﴾ قال: في الآخرة.

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلا صدق ﴾ قال: بكتاب الله ﴿ ولا صلى ولكن كذب ﴾ بكتاب الله ﴿ وتولى ﴾ عن طاعة الله ﴿ ثم ذهب إلى أهل يتمطى ﴾ قال: يتبختر، وهو أبو جهل بن هشام كانت مشيته.

ذكر لنا أن نبي الله أخذ بمجامع ثوبه فقال: ﴿ أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى ﴾ وعيداً على وعيد، فقال: ما تستطيع أنت ولا ربك لي شيئاً وإني لأعز من مشى بين جبليها، وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إن لكل أمة فرعوناً وإن فرعون هذه الأمة أبو جهل» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثم ذهب إلى أهله يتمطى ﴾ قال: يتبختر، وهو أبو جهل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يتمطى ﴾ قال: يختال.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس عن قول الله: ﴿ أولى لك فأولى ﴾ أشيء قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جهل من قبل نفسه، أم أمره الله به؟

قال: بلى.

قاله من قبل نفسه، ثم أنزله الله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أن يترك سدى ﴾ قال: هملاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ أن يترك سدى ﴾ قال: باطلاً لا يؤمر ولا ينهى.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ أن يترك سدى ﴾ قال: أن يهمل، وفي قوله: ﴿ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ﴾ قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا قرأها: «سبحانه وبلى» .

وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف عن صالح أبي الخليل قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ هذه الآية ﴿ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ﴾ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان ربي وبلى» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ ﴿ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ﴾ قال: «سبحانك اللهم وبلى» .

وأخرج البخاري في تاريخه عن أبي أمامة قال: «صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد حجته فكان يكثر من قراءة ﴿ لا أقسم بيوم القيامة ﴾ فإذا قال: ﴿ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ﴾ سمعته يقول: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين» .

وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والبيهقي في سننه عن موسى بن أبي عائشة قال: كان رجل يصلي فوق بيته فكان إذا قرأ ﴿ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ﴾ قال: سبحانك فبلى، فسألوه عن ذلك فقال: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ منكم ﴿ والتين والزيتون ﴾ فانتهى إلى آخرها ﴿ أليس الله بأحكم الحاكمين ﴾ فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين.

ومن قرأ ﴿ لا أقسم بيوم القيامة ﴾ فانتهى إلى ﴿ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ﴾ فليقل: بلى، ومن قرأ ﴿ والمرسلات ﴾ فبلغ ﴿ فبأي حديث بعده يؤمنون ﴾ فليقل: آمنا بالله» .

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قرأت ﴿ لا أقسم بيوم القيامة ﴾ فبلغت ﴿ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ﴾ فقل: بلى» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس قال: إذا قرأت ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ فقل: سبحان ربي الأعلى، وإذا قرأت ﴿ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ﴾ فقل: سبحانك وبلى.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى ﴾ هذا توبيخ ومعناه أيظن أن يترك من غير بعث ولا حساب ولا جزاء، فهو كقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ﴾ [المؤمنون: 115]، والإنسان هنا جنس، وقيل نزلت في أبي جهل، ولا يبعد أن يكون سببها خاصاً ومعناها عام ﴿ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يمنى ﴾ النطفة النقطة وتمنى من قولك: أمني الرجل، ومعنى الآية: الاستدلال بخلقة الإنسان على بعثه، كقوله: ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ [ياسين: 79] والعلق: الدم لأن المني يصير في الرحم دماً ﴿ فَخَلَقَ فسوى ﴾ أي خلقه بشراً فسوى صورته أي أتقنها ﴿ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِيَ الموتى ﴾ هذا تقرير واحتجاج، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ آخر هذه السورة قال: بلى.

وفي رواية: سبحانك اللهم بلى.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: روى الهاشمي وابن ربيعة عن قنبل ﴿ لأقسم ﴾ على أن اللام حرف الابتداء أي لأنا أقسم ولا خلاف في قوله ﴿ ولا أقسم بالنفس اللوامة ﴾ ﴿ برق ﴾ بفتح الراء: أبو جعفر ونافع.

الآخرون: بكسرها ﴿ تحبون ﴾ و ﴿ تذرون ﴾ على الخطاب أبو جعفر ونافع وعاصم وحمزة وعلي وخلف ﴿ ولا صلى ﴾ إلى اخر السورة بالإمالة اللطيفة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

وقرأ حمزة وعلي وخلف بالأمالة الشديدة.

﴿ يمنى ﴾ علىالتذكير: حفص والمفضل وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ورويس.

الباقون: بتاء التأنيث.

الوقوف: ﴿ القيامة ﴾ ه لا ﴿ اللوامة ﴾ ه ﴿ عظامه ﴾ ه ط لاستئناف الجواب أي بلى نجمعها ﴿ بنانه ﴾ ه ﴿ أمامه ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ القيامة ﴾ ه ج ﴿ البصر ﴾ ه لا ﴿ القمر ﴾ ه ك ﴿ المفر ﴾ ه ك لأن كلاً يصلح للردع عن الفرار والأجوز ﴿ لا وزر ﴾ ه ط ﴿ المستقر ﴾ ه ط ﴿ وأخر ﴾ ه ط ﴿ بصيرة ﴾ ه لا ﴿ معاذيره ﴾ ه لا ﴿ لتعجل به ﴾ ه ط ﴿ وقرآنه ﴾ ه ج لاحتمال أن " ثم " لترتيب الأخبار ﴿ بيانه ﴾ ه ط ﴿ العاجلة ﴾ ه ﴿ الآخرة ﴾ ه ﴿ ناضرة ﴾ ه ج ﴿ ناظرة ﴾ ه ج للفصل بين أهل السعادة والشقاوة ﴿ باسرة ﴾ ه ﴿ فاقرة ﴾ ه ط ﴿ التراقي ﴾ ه لا ﴿ راق ﴾ ه ك ﴿ الفراق ﴾ ه ك ﴿ بالساق ﴾ ه ك ﴿ المساق ﴾ ه ك ﴿ ولا صلى ﴾ ه لا ﴿ وتولى ﴾ ه ك ﴿ يتمطى ﴾ ه ط للعدول إلى الخطاب ﴿ فأولى ﴾ ه لا ﴿ سدى ﴾ ه ط ﴿ يمنى ﴾ ه ﴿ فسوى ﴾ ه ك ﴿ والأنثى ﴾ ه ط ﴿ الموتى ﴾ ه.

التفسير: المشهور أن " لا " في ﴿ لا أقسم ﴾ صلة زائدة كما مر في قوله ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم  ﴾ واعترض عليه بوجوه أحدها: أنه يوجب الطعن في القرآن بحيث أنه لا يبقى الوثوق بنفيه وإثباته قلت: إذا عرف من استعمالات العرب زيادة لا في هذا الفعل المخصوص لم يبق للطاعن مجال على أن الحكم بزيادتها إنما هو بالنظر إلى أصل المعنى وإلا فلها في التركيب معان: الأول كأنها نفي لكلام قبل القسم وذلك أنهم أنكروا البعث كما أخبر الله في آخر السورة المتقدمة فقيل: ليس الأمر على ما ذكرتم ثم أقسم بكذا وكذا إنه لواقع.

والثاني أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظاماً له فكأنه بإدخال حرف القسم يقول: إن إعظامي له بإقسامي به كلا اعظام إنه يستأهل فوق ذلك.

الإعتراض الثاني أن هذا الحرف إنما يزاد في وسط الكلام لا في أوّله وأجيب بالمنع، ألا ترى أن أمرأ القيس كيف زادها في مستهل قصيدته: فلا وأبيك ابنة العامري *** لا يدّعي القوم أني أفرّ وفائدة الزيادة كما تقرر.

وقد يجاب بأن القرآن كله في حكم كلام واحد متصل بعضه ببعض ولا سيما هذه السورة وآخر السورة المتقدمة عليها ولكني أسألك غير مقسم أتحسب أنا لا تجمع عظامك إذا تفرقت بالموت، فإن كنت تحسب ذلك فاعلم أنّا قادرون عليه.

وقيل: المعنى على الاستفهام الإنكاري والتقدير: ألا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة على أن الحشر حق.

وهذا التأويل يعضده قراءة من قرأ ﴿ لأقسم ﴾ على أن اللام للابتداء.

وقال بعضهم: على هذه القراءة إنه أقسم بالقيامة تعظيماً لها ولم يقسم بالنفس اللوامة تحقيراً لها لأنها إما كافرة بالقيامة مع عظم أمرها، وإما فاسقة مقصرة في العمل.

أما تفسير النفس اللوامة فقد سبق لنا في سورة يوسف في قوله ﴿ إن النفس لأمارة بالسوء  ﴾ بيان سبب تسمية النفس تارة بالأمارة وأخرى باللوامة ثم بالملهمة ثم بالمطمئنة.

والذي ذكره المفسرون ههنا وجوه منها ما قال ابن عباس: كل نفس فإنها تلوم نفسها يوم القيامة على ترك الازدياد من الطاعة إن كانت محسنة، أو على التفريط إن كانت مسيئة.

وضعف بعضهم هذا النقل بناء على أن أهل الجنة لا يكون لهم مثل هذه الخواطر وإلا لدام حزنهم.

وعن الحسن أن هذا اللوم في الدنيا والمؤمن لا تراه إلا لائماً نفسه وإن الكافر يمضي على سيرته لا يعاتب نفسه.

ومنها أنها النفوس المتقية التي تلوم النفس العاصية يوم القيامة بسبب أنها تركت التقوى.

ولا يخفى وجه المناسبة بين القسمين أعني بين القيامة وبين النفس اللوامة على هذه الوجوه.

وخص النفس اللوامة بعضهم بآدم  وذلك أنه لم يزل يتلوم على فعله الذي خرج به من الجنة.

وقيل: أن الإنسان خلق هلوعاً فأي شيء طلبه إذا وجده مله فيلوم نفسه على أني لم طلبت فلكثرة هذا العمل سميت باللوامة.

والجمهور على أن جواب القسم محذوف وهو لتبعثن دل عليه قوله ﴿ أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه ﴾ وفي الأقسام بيوم القيامة على وقوع يوم القيامة مزيد تقرير وتأكيد لوقوعه فإن الإقسام بالمعدوم لا يعقل معناه، وفي ضم النفس الوامة إليه تنبيه على أن الغرض من القيامة وهو إظهار أحوال النفس ومراتبها في السعادة وضدها.

قال جمع من الأصوليين: الإنسان في الآية هو المكذب بالبعث على الإطلاق وقال ابن عباس: هو أبو جهل.

وقال آخرون: إن عدي بن ربيعة ختن الأخنس بن شريق وهما اللذان كان رسول الله  يقول فيهما: اللهم اكفني جاري السوء.

قال: يا محمد حدثنا عن يوم القيامة كيف أمره فأخبره النبي  فقال: لو عانيت ذلك اليوم لم أصدقك يا محمد ولم أؤمن به، أو يجمع الله العظام؟

فأنزل الله  ﴿ أيحسب الإنسان ﴾ الآية.

قوله ﴿ قادرين ﴾ حال مؤكدة لأنه يستحيل جمع العظام بدون القدرة الكاملة التي نبه عليها بقوله ﴿ أن نسوي بناته ﴾ لأن من قدر على ضم سلاميات الأصبع مع صغرها ولطافتها كما كانت، كان على ضم العظام الكبار أقدر، وإنما خص البنان وهو الأنملة بالذكر لأنه آخر ما يتم به خلقه فذكره يدل على تمام الأصبع يدل على تمام سائر الأعضاء التي هي أطرافها.

وقيل: معنى التسوية جعلها شيئاً واحداً كخف البعير وحافر الحمار بحيث لا يقدر على البطش، والمراد أنه قادر على رد العظام والمفاصل إلى هيأتها الأولى وعلى ضد ذلك قوله ﴿ بل يريد ﴾ إضراب عن قوله والظاهر أنه إيجاب ويجوز أن يكون استفهاماً مقدراً.

ومعنى ﴿ ليفجر أمامه ﴾ ليدوم على فجوره في الأوقات التي بين يديه وهي المستقبلة.

وهذا فحوى قول سعيد بن جبير يقدم الذنب ويؤخر التوبة حتى يأتيه الموت على شر أحواله.

قال أهل النظم: وإن إنكاراً البعث يتولد تارة من الشبهة بأن يستبعد اجتماع الأجزاء بعد تفرقها وتلاشيها، وأخرى من التهور بأن ينكر المعاد باسترسال الطبع والميل إلى الفجور، فأشار إلى الجواب عن الشبهة بقوله ﴿ أيحسب الإنسان ﴾ إلى قوله ﴿ بناته ﴾ وأنكر على الثني بقوله ﴿ بل يريد ﴾ أن يكذب بما أمامه من البعث والحساب لئلا تنتقص عنه اللذات العاجلة ﴿ يسئل ﴾ سؤال تنعت ﴿ أيان يوم القيامة ﴾ ثم ذكر من أمارات الساعة أموراً أولها ﴿ فإذا برق البصر ﴾ أي تحير فزعاً وأصله من برق الرجل بالكسر إذا تأثر ناظره من تأمل البرق، ثم استعمل في كل حيرة.

ومن قرأ بفتح الراء فهو من البريق أي لمع من شدة شخوصه كقوله ﴿ إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار  ﴾ وثانيها ﴿ وخسف القمر ﴾ أي ذهب ضوءه كما يشاهد في الدنيا وقت خسوفه, أو ذهب بنفسه من قوله ﴿ فخسفنا به وبداره الأرض  ﴾ وهذا التفسير عندي لا يلائم ما بعده أن الجمع بينه وبين الشمس بعد انعدامه غير معقول ظاهراً.

وثالثها ﴿ وجمع الشمس والقمر ﴾ قيل: أي في اطلاعهما من المغرب.

وقيل: في ذهاب الضوء.

وقيل: يجتمعان أسودين مكورين كأنهما ثوران عقيران كما جاء في الحديث، ولعل ذلك لأنهما عبدا من دون الله، و الثور مثل في الذل والبلادة فإذا كان عقيراً أي جريحاً كان أبلغ في ذلك.

وقيل: يجمعان ثم يقذفان في البحر فيكون نار الله الكبرى.

طعن الملاحدة في الآية بأن خسوف القمر لا يحصل باجتماع الشمس والقمر.

وأجيب بأنه  قادر على خسف القمر في غير حالة المقابلة وحيلولة الأرض.

والأولى عندي أن يجاب بأن اجتماعهما بمعنى آخر غير ما هو المعهود بين أهل التنجيم كما مر من الأقوال.

ولئن سلمنا أن المراد هو الإجتماع المعهود فالقمر حينئذ في المحق وهو خسفه، أو لعل القمر خسف في وسط الشهر والاجتماع يكون في آخره فإن اتحاد الزمان في هذه الأمور غير مذكور.

ومنهم من جعل هذه الأمور من علامات الموت، أما شخوص البصر تحيره حين الموت فظاهر، وأما خسوف القمر فمعناه ذهاب ضوء البصر بعد الحيرة: يقال: عين خاسفة إذا فقئت فغارت حدقتها في الرأس.

وأما جمع الشمس والقمر فكناية عن اتصال الروح بعالم الآخرة، فالروح كالقمر وعالم الآخرة وهو عالم الأنوار والكشوف كالشمس وكما أن القمر يقبل النور من الشمس فالروح تقبل نور المعارف من ذلك العالم وهذا التفسير بالتأويل أشبه.

قال الفراء: إنما قال ﴿ جمع ﴾ ولم يقل " جمعت " مع أن التأنيث أحسن لأن المراد أنه جمع بينهما في زوال النور.

وقال الكسائي: المعنى جمع النوران والضياآن.

وقال أبو عبيدة: القمر شارك الشمس في الجمع فغلب جانب التذكير ﴿ يقول الإنسان ﴾ المنكر للقيامة ﴿ أين المفر ﴾ والاستفهام على أصله وهو إقرار منه بأنه لا مفر كما إذا أيس من وجدان زيد فيقول: أين زيد ﴿ كلا ﴾ ردع عن طلب مكان الفرار وهذا أصح عند أهل اللغة.

قال الأخفش والزجاج: المصدر من يفعل بكسر العين مفتوح العين، وبالكسر المكان.

وجوز بعضهم أن يكون المفتوح موضعاً.

وأصل الوزر المحل المنيع ثم استعمل لكل ما التجأت إليه وتحصنت به، والمعنى أنه لا شيء يعتصم به وقتئذ من أمر الله إلا الله فلذلك قال ﴿ إلى ربك ﴾ خاصة دون غيره ﴿ يومئذ المستقر ﴾ أي إستقرار العباد ولا بد من تقدير مضاف أي إلى حكم ربك أو إلى جنته أو ناره.

﴿ ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم ﴾ من عمل ﴿ وأخر ﴾ فلم يعلمه، أو بما قدم من ماله وتصدق به وما أخر فخلف أو بما قدم من عمل الخير والشر وما أخر من سنة حسنة أو سيئة.

وعن مجاهد بأول عمله وآخره أي بجميع أعماله.

والأظهر أن هذا الإنباء إنما هو في يوم القيامة.

وجوز أن يكون عند الموت حين رأى مقعده من الجنة والنار.

ثم بين أن الإنسان لأعماله بصير وإن لم ينبأ فقال ﴿ بل الإنسان على نفسه بصيرة ﴾ أي حجة بينة.

وقال أبو عبيدة: التاء للمبالغة كعلامة.

قال الأخفش: جعله في نفسه بصيرة كما يقال " فلان جود وكرم " وذلك أنه يعلم بالضرورة متى رجع إلى عقله أن طاعة خالقه واجبة وعصيانه منكر فهو حجة على نفسه بعقله السليم.

قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل: إن المراد شهادة جوارحه عليه.

قوله ﴿ ولو ألقى معاذيره ﴾ تأكيد أي ولو جاء بكل معذرة يحاج بها عن نفسه فإنها لا تنفعه لأنه لا يخفى شيئاً من أفعاله فإن نفسه وأعضاءه تشهد عليه.

وقال الواحدي والزمخشري: المعاذير اسم جمع للمعذرة كالمناكير للمنكر، ولو كان جمعاً لقيل معاذر بغير ياء.

وعن الضحاك والسدي أن المعاذير جمع معذار وهو الستر، والمعنى إنه إن أسبل الستور لن يخفى شيء من عمله قال جار الله: إن صح هذا النقل فالسبب في التسمية أن الستر يمنع رؤية المحتجب كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب.

فمدار التركيب على الحجب والمنع ومنه العذران قال الإمام فخر الدين الرازي: زعم قوم من قدماء الشيعة أن هذا القرآن مغير بالزيادة والنقصان، ومن جملة إستدلالاتهم أنه لا مناسبة بين هذه الآية وبين قوله عقيبها ﴿ لا تحرك به ﴾ أي بالقرآن الذي نتلوه عليك ﴿ لسانك لتعجل به ﴾ أي بأخذه.

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي  كان يشتد عليه حفظ التنزيل فكان إذا نزل عليه الوحي حرك لسانه وشفتيه قبل فراغ جبرائيل مخافة النسيان فنهاه الله  عن ذلك، نظيره ما مر في " طه " ﴿ ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه  ﴾ وهذا من قبيل ترك الأولى، أو لعل هذا كان مأذوناً فيه أولاً ثم ورد النهي ناسخاً له ﴿ أن علينا ﴾ بحكم الوعد أو بالنظر إلى الحكمة ﴿ جمعه ﴾ في صدرك ﴿ وقرآنه ﴾ سيعيده عليك جبرائيل أو توقيفك لدراسته وحفظ لقوله ﴿ سنقرئك فلا تنسى  ﴾ فالقارىء على الأول جبرائيل، وعلى الثاني محمد  .

وقيل: أراد بالجمع ترتيبه على ما هو عليه في الخارج وبالقرآن جمعه في ذهنه، والتركيب يدل على الضم ومنه القرء ﴿ فإذا قرأناه ﴾ بقراء جبرائيل ﴿ فاتبع قرآنه ﴾ قال قتادة: أي حلاله وحرامه وضعف بأن هذا ليس موضع الأمر باتباع الحلال والحرام بل المراد أنه لا ينبغي أن تكون قراءتك مقارنة لقراءة جبرائيل  لكن يجب أن تسكت حتى يتم جبرائيل القراءة ثم تأخذ أنت في القراءة.

قال ابن عباس: فكان النبي  بعد ذلك إذا نزل عليه جبرائيل أطرق واستمع فإذا ذهب قرأ.

ثم إنه  كما كان حريصاً على القراءة حتى لا ينسى لفظه كان حريصاً على فهم المعنى، وكان يسأل جبرائيل في أثناء الوحي عن المعاني المشكلة فنهي عن هذا أيضاً بوعد البيان وهو قوله ﴿ إن علينا بيانه ﴾ قال بعضهم: وفيه دليل على أن تأخير البيان عن وقت الخطاب جائز.

إذا عرفت تفسير الآية فاعلم أن العلماء استنبطوا للنظم وجوهاً منها: أن هذا الإستعجال لعله اتفق النبي  عند نزول هذه الآيات فلا جرم نهي عن ذلك في الوقت كما أن المدرس إذا كان يلقي على تلميذه شيئاً من العلم وأخذ التلميذ يلتفت يميناً وشمالاً فيقول المدرس في أثناء درسه: لا تلتفت يميناً وشمالاً، ثم يعود إلى الدرس مع هذا الكلام في أثنائه اشتبه وجه المناسب على من لم يعرف الواقعة.

ومنها أنه علت كلمته أخبر عن الإنسان أنه يحب السعادة العاجلة فيفجر لذلك أمامه، فبين بين ذلك أن التعجل مذموم مطلقاً ولو في أمور الدين فقال ﴿ لا تحرك به لسانك ﴾ ورتب على ذم الإستعجال قوله ﴿ كلا بل تحبون العاجلة ﴾ ومنها أنه لما قال ﴿ ولو ألقى معاذيره ﴾ وكان النبي  يظهر التعجيل في القراءة خوف النسيان قيل له: إنك وإن أتيت بهذه المعذرة لكنك يجب أن تعلم أن الحفظ لا يحصل إلا بتوفيق الله وإعانته فاترك هذا التعجيل واعتمد على هدايتنا، ولا تستعن في طلب الحفظ بالتكرار، وفيه أن الكافر كان يفر من الله إلى غيره حين قال ﴿ أين المفر ﴾ فعلى المؤمن أن يضاده ويفر من غير الله إلى الله ولا يستعين في كل أموره إلا به.

ومنها أنه  كأنه قال: يا محمد إن غرضك من هذا هو التبليغ لكنه لا حاجة إليه فإن الإنسان على نفسه بصيرة يعرف قبح الكفر مهما رجع إلى نفسه.

وقال القفال: يجوز أن يكون المخاطب بهذا هو الإنسان المذكور في قوله ﴿ ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ﴾ كأنه حين عرض كتابه يقال له ﴿ إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً  ﴾ فإذا أخذ في القراءة ينبأ بقبح أعماله فيتلجلج لسانه من الفزع ويسرع له القراءة فيقال له ﴿ لا تحرك به لسانك لتعجل به ﴾ فإنه يجب علينا بحكم الوعد والحكمة أن نجمع أعمالك عليك وأن نقرأها عليك، فإذا قرأناه عليك فاتبع قرآنه بالاعتراف والإقرار، ثم أن علينا بيان أمره وشرح مراتب عقوبته.

قوله  .

﴿ كلا بل تحبون ﴾ قال بعضهم: هو بمعنى حقاً.

وقال جار الله: هو ردع لرسول الله  عن عادة العجلة وحيث له على الأناة والتؤدة وقد بالغ في ذلك باتباعه قوله ﴿ بل تحبون العاجلة ﴾ كأنه قيل: بل أنتم يا بني آدم خلقتم من عجل تعجلون في كل شيء، ومن ثم تحبون الدنيا وتتركون الأخرى.

ثم وصف اليوم الآخر بقوله ﴿ وجوه يومئذ ناضرة ﴾ ذات نضارة وبهاء.

والوجه عبارة عن الجملة قاله في الكشاف: والأولى عندي تقليلاً للمجاز أن راد بالوجوه العيون فيكون من إطلاق الكل على الجزء لا عكسه ﴿ إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة ﴾ شديدة العبوس ﴿ تظن أن يفعل بها فاقرة ﴾ فعل هو في شدته وفظاعته فاقرة أي داهية تقصم فقار الظهر كما توقعت الوجوه الناضرة أن يفعل بها كل خير.

قال الأصمعي: الفقر أن يحز أنف البعير حتى يخلص إلى العظم أو يقرب منه ثم يجعل فيه خشبة يجر بها البعير، ومنه قيل: عملت به الفاقرة.

وقال الكلبي: هي أن تحجب عن رؤية ربها فلا تنظر إليه.

وأعلم أن أهل السنة استدلوا بالآية على إمكان رؤية الله تعالى في الآخرة بل على وجوبها بحكم الوعد وحاصل كلامهم أن النظر إن كان بمعنى الرؤية فهو المطلوب، وإن كان بمعنى تقليب الحدقة نحو المرئي فهذا في حقه  محال لأنه منزه عن الجهة والمكان فوجب حمله على مسببه وهو الرؤية وهذا مجاز مشهور وأما المعتزلة فزعموا أن النظر المقرون بـ "إلى " إنما يراد به تقليب الحدقة نحو المرئي التماساً للرؤية فقد تحصل الرؤية وقد لا تحصل كما قال  ﴿ وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ﴾ ويقال: دور فلان متناظرة أي متقابلة ولا ريب أن تقليب الحدقة نحو الشيء يستدعي جهة لذلك الشيء وهذا في حق الله  محال فوجب حمل النظر على الانتظار أي منتظرة ثواب ربها كقولك: أنا ناظر إلى فلان ما يصنع فيّ.

والانتظار إذا كان في شيء متيقن الوقوع لا يوجب الغم والحزن بل يزيد اللذة والفرح.

واعترض بأن النظر إذا كان بمعنى الانتظار لا يعدّى بـ" إلى " كقوله ﴿ أنظرونا نقتبس من نوركم  ﴾ ﴿ هل ينظرون إلى تأويله  ﴾ وأجيب بأن ذلك إنما يكون إذا كان منتظراً للشخص، أما إذا كان منتظراً لرفده ومعونته فإنه يستعمل مقروناً بإلى كقول الرجل: إنما نظري إلى الله ثم إليك.

وقد يقول الأعمى: عيني ناظرة إليك.

سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون " إلى " واحد الآلاء أي نعمة ربها منتظرة، وتقديم المفعول لأجل الفاصلة أو للاختصاص أي لا ينتظرون إلا إلى نعمة الله ورحمته، قال في الكشاف: وهذا المعنى أعني إفادة الاختصاص أحد الدلائل الدالة، على أن النظر ههنا ليس بمعنى تقليب الحدقة ولا بمعنى الرؤية لأنهم ينظرون إلى أشياء ويرون أشياء لا تدخل تحت الحصر فلا بد من حمل النظر على معنى يصح معه الإختصاص وهو التوقع والرجاء.

وحين وصف القيامة الكبرى أتبعه نعت القيامة الصغرى فروّعهم عن إيثار العاجلة على الآجلة.

وذكرهم حالة الموت التي هي أول منزلة من منازل الآخرة.

والضمير في ﴿ بلغت ﴾ للنفس لدلالة قرينة الحال والمقال كما في قوله ﴿ فلولا إذا بلغت الحلقوم  ﴾ والتراقي العظام المكتنفة ثغرة النحر من الجانبين واحدها ترقوة، والمراد زهوق الروح لأن متعلق النفس هو الروح الحيواني الذي منبعه القلب فإذا فارق المنبع لم يبق من آثاره في حواليه إلا قليل كما لو غارت العين لم يبق في نواحيها إلا أثر قليل من النداوة فيزول عن قرب.

قوله ﴿ وقيل من راق ﴾ إن كان من الرقية يقال رقاه يرقيه إذا عوذه بما يشفيه ومنه " بسم الله أرقيك من كل يؤذيك " فالقائل هم بعض أصحاب الميت وأقاربه، والاستفهام إما على أصله لأن العادة جارية على طلب الطبيب والراقي في وقت ما يشتد المرض، وإما بمعنى الإنكار أي من الذي يقدر أن يرقي هذا الإنسان المشرف على الموت، وإن كان اشتقاقه من الرقي الصعود ومنه المرقاة قال الله تعالى ﴿ ولن نؤمن لرقيك  ﴾ فالقائل بعض الملائكة يعني أيكم يرقي بروح هذا المحتضر ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب.

وعن ابن عباس: إن الملائكة يكرهون القرب من الكافرين فيقول ملك الموت: من يرقى بروح هذا الكافر؟

وقال الكلبي: يحضر العبد عند الموت سبعة أملاك من ملائكة العذاب مع ملك الموت فإذا بلغت نفس العبد التراقي نظر بعضهم إلى بعض أيهم يعرج بروحه إلى السماء ﴿ وظن ﴾ المحتضر أي تيقن ﴿ أنه ﴾ وقت ﴿ الفراق ﴾ عن الدنيا وأوان الفطام عن مألفواتها.

وفي التعبير عن اليقين ههنا بالظن تهكم بالميت وإشارة إلى أن الإنسان لتهالكه على الدنيا وحرصه على الحياة العاجلة لا يكاد يقطع بحلول الأجل وإن لم يبق منه إلا حشاشة يسيرة، غايته أنه يغلب على ظنه الموت مع رجاء الحياة العاجلة لا يكاد يقطع بالموت.

واستدل بهذه الآية على أن النفس باقٍ بعد خراب البدن لأن الله سمى الموت فراقاً والفراق والوصال صفة والصفة تستدعي وجود الموصوف.

﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ فيه وجهان أحدهما: أنه كناية عن الشدّة كما مر في قوله ﴿ يوم يكشف عن ساق  ﴾ أي اتصلت شدة فراق الدنيا وترك الأهل والولد والجاه وشماتة الأعداء وحزن الأولياء وغير ذلك بشدّة الإقبال على أحوال الآخرة وأهوالها.

الثاني أن الساق هي العضو المخصوص.

قال الشعبي: أما رأيته في النزع كيف يضرب بإحدى رجليه على الأخرى؟

قال الحسن وسعيد بن المسيب: هما ساقاه التفتا في أكفانه.

وقيل: التفاف ساقيه وهو أنه إذا مات يبست ساقاه ولصقت إحدهما بالأخرى.

وقريب منه قول قتادة ماتت رجلاه فلا يحملانه وقد كان عليهما جوالاً ﴿ إلى ربك ﴾ أي حكمة خاصة ﴿ يومئذ المساق ﴾ أي السوق.

وقيل: أراد أن سوقه وقتئذ يفوض إلى الله دون غيره، والفرق أن الرب أي حكمه في الأول هو المسوق إليه وهو في الثاني سائق يسوقه إلى الجنة أو إلى النار.

قوله ﴿ فلا صدّق ولا صلى ﴾ الضمير فيه عائد إلى الإنسان المذكور في قوله ﴿ أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه ﴾ وقد سبق أن تعينه صنفيّ أو شخصي أخبر الله  عن اختلال حال أعماله فيما يتعلق بأصول الدين وفروعه قائلاً ﴿ فلا صدق ﴾ أي فلا صدّق بالرسول أو بالقرآن أو بالبعث ﴿ ولا صلى ﴾ ﴿ ولكن كذب ﴾ بالحق ﴿ وتولى ﴾ عن الطاعة ﴿ ثم ذهب إلى أهله يتمطى ﴾ متبختراً مفتخراً بذلك وأصله يتمطط أي يتمدد لأن المتبختر يمد خطاه، قلبت الطاء الأخيرة ياء كما في " تقضى البازي".

ويحتمل أن يكون من مطا الظهر لأن المتبختر يلوي ظهره.

قال أهل العربية " لا " ههنا بمعنى " لم " وقلما تقع لا الداخلة على الماضي إلا مكررة ومنه الحديث " لا أكل ولا شرب ولا استهل " أما قوله عز من قائل ﴿ فلا أقتحم العقبة  ﴾ فسيجيء قال قتادة والكلبي ومقاتل: أخذ رسول الله  بيد أبي جهل ثم قال له ﴿ أولى لك فأولى ﴾ يوعده ويدعو عليه بالهلاك والبعد عن الخير والقرب من المكاره، وقد مر في قوله ﴿ فأولى لهم  ﴾ وذلك في سورة القتال.

فقال أبو جهل: بأي شيء تهددني؟

لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا فيّ شيئاً وأني لأعز أهل هذا الوادي ثم سل يده ذاهباً فأنزل الله كما قال الرسول.

قال القفال: هذا محتمل، ويحتمل أن يكون أيضاً وعيداً مبتدأ من الله للكافر على طريقة الإلتفات.

ويحتمل أن يكون أمراً من الله لنبيه بأن يقوله لعدو الله فيكون القول مقدراً أي فقلنا لك يا محمد قل له هذا.

ثم قال دليلين على صحة الخبر الأول ﴿ أيحسب الإنسان أن يترك سدى ﴾ أي هملاً لا يكلف ولا يحاسب بعمله وهذا خلاف الحكمة نظيره ﴿ أفحسبتم أنما خلقنا كم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون ﴾ \[المؤمنون: 115\] الثاني الاستدلال بالخلق الأول على الإعادة و ﴿ منيّ يمنى ﴾ يراق في الرحم.

من ذكّر فللمني، ومن أنّث فللنطفة.

والنطفة اسم لما ينطف كالقبضة لما يقبض والغرفة لما يغرف إلا أنها غلبت على الماء المخصوص الذي هو للحيوان بمنزلة البذر للنبات.

والمني " فعيل " بمعنى " مفعول " من المني بالسكون وهو الدفق غلب أيضاً على الماء المخصوص فقوله ﴿ من مني ﴾ أي من هذا الجنس كالتأكيد لها.

وقوله ﴿ يمنى ﴾ تأكيد على تأكيد وفيه إشارة إلى حقارة الإنسان في ذاته وأنه لا يليق به التمطي والفخر والإستكبار عن طاعة خالقه فإنه مخلوق من المني الذي جرى على مجرى النجاسة نظيره في عيسى وأمه ﴿ كانا يأكلان الطعام  ﴾ والمراد به قضاء الحاجة.

قوله ﴿ فخلق فسوى ﴾ أي قدّر فعدّل أركانه.

وقيل: خلق فيه الروح فصير أعضاءه متناسبة ﴿ فجعل منه ﴾ أي من الإنسان ﴿ الزوجين ﴾ الصنفين ﴿ الذكر والأنثى ﴾ عن رسول الله  أنه اكن إذا قرأ خاتمة السورة قال عقيبها: سبحانك بلى.

والله الموفق وإليه المصير والمآب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى ﴾ .

جائز أن يكون هذا الإنسان دهري المذهب؛ فيكون قوله: ﴿ أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ ﴾ على حقيقة الحسبان؛ لأنه يحسب أن لا بع ث ولا حساب، وقد كان في أهل مكة من هو دهري المذهب، وإن كان الخطاب في قوله: ﴿ أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى ﴾ ليس على تحقيق الحسبان، ولكن معناه: أيفعل فعل من يُؤْذِن عن أمره، كان فعله موافقا لفعل من يحسب أن يترك سدى؛ كما ذكرنا في قولخه: ﴿ بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ  ﴾ ، وهو لا يريد أن يكون فاجرا في الحقيقة؛ ولكن يفعل فعل من يعقب فعله الفجور، وهو كقوله: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ  ﴾ ، وليس على حقيقة الظن؛ ولكن إذا لم يقل بالبعث، ولم يؤمن به، فقد وصف أن خلقهما إذن على باطل، وذلك الفعل الذي ذكرنا يكون في ترك الإيمان بالبعث وفي جحد الرسالة؛ لأن المحاسن لا بد من أن يكون لها عواقب، وكذلك المساوئ، ثم تمر هذه الدار على المسيء والمحسن مرّاً واحدا؛ فلا بد من أن يكون بعده دار أخرى فيها تتبين مرتبة المحسن ومذلة المسيء، فما لم يؤمن بالبعث فهو لا يجعل للمحاسن والمساوئ عواقب، وسوى بين مرتبة المسيء ومرتبة المحسن، وذلك عبث.

والثاني: أن من عرف أنه لم يخلق عبثا، ولا يترك سدى؛ فلا بد لمثله من أن يرغب ويرهب، ويؤمر وينهى؛ ولا يعرف ذلك إلا بالرسول، فالضرورة أحوجت إلى رسول، يبين لهم ما يأتون وما يتقون، وما يرغبون في مثله، وعما يحذرون، فمن أنكر الرسالة فقد أهمل نفسه عن المرغوب والمرهوب، وعن الأمر والنهي، وذلك حال من خلق سدى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ ﴾ : فالوجه فيه أن كل أحد يعلم أن نشوءه كان من نطفة، وتلك النطفة لو رئيت موضوعة على طبق، ثم اجتمع حكماء الأرض على أن يقدروا منها بشرا سويا كما قدره الله - عز وجل - في تلك الظلمات، لم يصلوا إليه أبدا وإن استفرغوا مجهودهم وأنفدوا حيلهم وقواهم، ولو أرادوا أن يتعرفوا المعنى الذي لذلك المعنى صلحت النطفة أن ينشء منها العلقة والمضغة إلى أن أنشأ منها بشرا سويا، ولم يقفوا عليه، فيعلمون أن من بلغت قدرته هذا هو أحكم الحاكمين.

ولو كان الأمر على ما زعموا: أن لا بعث، لم يكن هو أحكم الحاكمين؛ بل كان واحدا من اللاعبين.

[وتبين بما] ذكرنا أن الذي بلغت قدرته [ذلك] لا يوصف بالعجز، ومن زعم أن قدرته لا تنتهي إلى البعث فقد وصف الرب بالعجز،  الله عما يشركون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ : فقوله: ﴿ أَلَيْسَ ﴾ ، في موضع التحقيق والتقرير، وإن كان خارجا مخرج الاستفهام على ما ذكرنا: أن ما يخرج مخرج الاستفهام من الله  ، فحقه أن نصرفه إلى الوجه الذي يقتضيه ذلك الخطاب أن لو كان من مستفهم؛ فمن قال لآخر في الشاهد: أليس الله  بقادر على إحياء الموتى؟

فحقه أن يقول: بلى هو قادر على ذلك، وكذلك ذكر "أن النبي  قال حين تلا هذه الآية: سبحانك، فبلى" فقوله: ﴿ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ ﴾ أي: هو قادر على إحياء الموتى، والله الموفق.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ثم كان بعد ذلك قطعة من دم جامد، ثم خلقه الله، وجعل خلقه سويًّا.

<div class="verse-tafsir" id="91.jNjJo"

مزيد من التفاسير لسورة القيامة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله