الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ١٣ من سورة الأنفال
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 79 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ولذلك قال [ الله ] تعالى : ( ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ) أي : خالفوهما فساروا في شق ، وتركوا الشرع والإيمان به واتباعه في شق - وهو مأخوذ أيضا من شق العصا ، وهو جعلها فرقتين - ( ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ) أي : هو الطالب الغالب لمن خالفه وناوأه ، لا يفوته شيء ، ولا يقوم لغضبه شيء ، تبارك وتعالى ، لا إله غيره ، ولا رب سواه .
القول في تأويل قوله : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (13) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: (ذلك بأنهم)، هذا الفعل من ضرب هؤلاء الكفرة فوق الأعناق وضرب كل بنان منهم, جزاءٌ لهم بشقاقهم الله ورسوله, وعقاب لهم عليه.
* * * ومعنى قوله: (شاقوا الله ورسوله)، فارقوا أمرَ الله ورسوله وعصوهما, وأطاعوا أمرَ الشيطان.
(59) * * * ومعنى قوله: (ومن يشاقق الله ورسوله)، ومن يخالف أمرَ الله وأمر رسوله ففارق طاعتهما (60) =(فإن الله شديد العقاب)، له.
وشدة عقابه له: في الدنيا، إحلالُه به ما كان يحلّ بأعدائه من النقم, وفي الآخرة، الخلودُ في نار جهنم= وحذف " له " من الكلام، لدلالة الكلام عليها.
----------------------- الهوامش : (59) انظر تفسير " الشقاق " فيما سلف 3 : 115 ، 116 ، 336 8 : 319 9 : 204.
(60) في المخطوطة والمطبوعة : " وفارق " ، والسياق يقتضي ما أثبت .
قوله تعالى ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقابقوله تعالى ذلك بأنهم شاقوا الله ذلك في موضع رفع على الابتداء ، والتقدير : ذلك الأمر ، أو الأمر ذلك .
شاقوا الله أي أولياءه .
والشقاق : أن يصير كل واحد في شق .
[ ص: 340 ] وقد تقدم .
شاقوا الله ورسوله أي: حاربوهما وبارزوهما بالعداوة. {وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} ومن عقابه تسليط أوليائه على أعدائه وتقتيلهم.
( ذلك بأنهم شاقوا الله ) خالفوا الله ، ( ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب )
«ذلك» العذاب الواقع بهم «بأنهم شاقوا» خالفوا «الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب» له.
ذلك الذي حدث للكفار من ضَرْب رؤوسهم وأعناقهم وأطرافهم؛ بسبب مخالفتهم لأمر الله ورسوله، ومَن يخالف أمر الله ورسوله، فإن الله شديد العقاب له في الدنيا والآخرة.
ثم بين سبحانه - السبب فى تكليفه المؤمنين بمجاهدة الكافرين والإِغلاظ عليهم وقتلهم .فقال - تعالى - ( ذلك بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ الله وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب ) .فاسم الإِشارة ( ذلك ) يعود إلى ما سبق بيانه من تأييد المؤمنين ، وأمرهم بضرب الكافرين .
.
وهو فى محل رفع على الابتداء .
وقوله ( بِأَنَّهُمْ ) خبره .
والباء للسببية .وقوله : ( شَآقُّواْ ) من المشاقة بمعنى المخالفة والمعاداة مشتقة من الشق - أى الجانب - فكل واحد من المتعاديين أو المتخالفين صار فى شق غير شق صاحبه .والمعنى : ذلك الذى ذكره الله - تعالى - فيما سبق ، من تأييده للمؤمنين وأمره إياهم بضرب الكافرين ، سببه أن هؤلاء الكافرين ( شَآقُّواْ الله وَرَسُولَهُ ) أى : عاد وهما وخالفوا شرعهما : ( وَمَن يُشَاقِقِ الله وَرَسُولَهُ ) بأن يسير فى غير الطريق الذى أمرا به ، ( فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب ) لهذا المادى والمخالف .قال الآلوسى : وقوله : ( فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب ) إما نفس الجزاء ، وقد حذف منه العائد عند من يكتفى ولا يلتزم بالعائد فى الربط .
أى : شديد العقاب له .
أو قائم مقام الجزاء المحذوف أى : يعاقبه الله - تعالى - فإن الله شديد العقاب .
وأياما كان فالشرطية بيان للسببية السابقة بطريق برهانى .
كأنه قيل : ذلك العقاب الشديد المشاقة لله - تعالى - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وكل من يشاقق الله ورسوله كائنا من كان ، فله بسبب ذلك عقاب شديد ، فإن لهم بسبب مشاقة الله ورسوله عقابا شديدا .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الزجاج: ﴿ إِذْ ﴾ موضعها نصب على معنى ﴿ وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى ﴾ في ذلك الوقت.
ويجوز أيضاً أن يكون التقدير: اذكروا إذ يغشيكم النعاس أمنة.
المسألة الثانية: في ﴿ يغشاكم ﴾ ثلاث قراآت: الأولى: قرأ نافع بضم الياء، وسكون الغين، وتخفيف الشين ﴿ يُغَشّيكُمُ النعاس ﴾ بالنصب.
الثانية: ﴿ يغشاكم ﴾ بالألف وفتح الياء وسكون العين ﴿ يُغَشّيكُمُ النعاس ﴾ بالرفع وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير.
الثالثة: قرأ الباقون ﴿ يُغَشّيكُمُ ﴾ بتشديد الشين وضم الياء من التغشية ﴿ النعاس ﴾ بالنصب، أي يلبسكم النوم.
قال الواحدي: القراءة الأولى من أغشى، والثانية من غشي، والثالثة من غشي فمن قرأ ﴿ يغشاكم ﴾ فحجته قوله: ﴿ الغم أَمَنَةً نُّعَاساً ﴾ يعني: فكما أسند الفعل هناك إلى النعاس والأمنة التي هي سبب النعاس كذلك في هذه الآية ومن قرأ ﴿ يُغَشّيكُمُ ﴾ أو ﴿ يُغَشّيكُمُ ﴾ فالمعنى واحد وقد جاء التنزيل بهما في قوله تعالى: ﴿ فأغشيناهم فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ﴾ وقال: ﴿ فغشاها مَا غشى ﴾ وقال: ﴿ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ ﴾ وعلى هذا فالفعل مسند إلى الله.
المسألة الثالثة: أنه تعالى لما ذكر أنه استجاب دعاءهم ووعدهم بالنصر فقال: ﴿ وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله ﴾ ذكر عقيبه وجوه النصر وهي ستة أنواع: الأول: قوله: ﴿ إِذ يُغَشّيكُمُ النعاس أَمَنَةً مّنْهُ ﴾ أي من قبل الله، واعلم أن كل نوم ونعاس فإنه لا يحصل إلا من قبل الله تعالى فتخصيص هذا النعاس بأنه من الله تعالى لابد فيه من مزيد فائدة وذكروا فيه وجوهاً: أحدها: أن الخائف إذا خاف من عدوه الخوف الشديد على نفسه وأهله فإنه لا يؤخذه النوم، وإذا نام الخائفون أمنوا، فصار حصول النوم لهم في وقت الخوف الشديد يدل على إزالة الخوف وحصول الأمن.
وثانيها: أنهم خافوا من جهات كثيرة.
أحدها: قلة المسلمين وكثرة الكفار.
وثانيها: الأهبة والآلة والعدة للكافرين وقلتها للمؤمنين.
وثالثها: العطش الشديد فلولا حصول هذا النعاس وحصول الاستراحة حتى تمكنوا في اليوم الثاني من القتال لما تم الظفر.
والوجه الثالث: في بيان كون ذلك النعاس نعمة في حقهم، أنهم ما ناموا نوماً غرقاً يتمكن العدو من معاقصتهم بل كان ذلك نعاساً يحصل لهم زوال الأعياء والكلال مع أنهم كانوا بحيث لو قصدهم العدو لعرفوا وصوله ولقدروا على دفعه.
والوجه الرابع: أنه غشيهم هذا النعاس دفعة واحدة مع كثرتهم، وحصول النعاس للجمع العظيم في الخوف الشديد أمر خارق للعادة.
فلهذا السبب قيل: إن ذلك النعاس كان في حكم المعجز.
فإن قيل: فإن كان الأمر كما ذكرتم فلو خافوا بعد ذلك النعاس؟
قلنا: لأن المعلوم أن الله تعالى يجعل جند الإسلام مظفراً منصوراً وذلك لا يمنع من صيرورة قوم منهم مقتولين.
فإن قيل: إذا قرئ ﴿ يُغَشّيكُمُ ﴾ بالتخفيف والتشديد ونصب ﴿ النعاس ﴾ فالمضير لله عز وجل ﴿ وأمنة ﴾ مفعول له.
أما إذا قرئ ﴿ يُغَشّيكُمُ النعاس ﴾ فكيف يمكن جعل قوله: ﴿ ءامِنَةً ﴾ مفعولاً له، مع أن المفعول له يجب أن يكون فعلاً لفاعل الفعل المعلل؟
قلنا: قوله: ﴿ يغشاكم ﴾ وإن كان في الظاهر مسنداً إلى النعاس، إلا أنه في الحقيقة مسند إلى الله تعالى، فصح هذا التعليل نظراً إلى المعنى.
قال صاحب الكشاف: وقرئ ﴿ كَانَتْ ءامِنَةً ﴾ بسكون الميم، ونظير أمن أمنة، حي حياة، ونظير أمن أمنة، رحم رحمة.
قال ابن عباس: النعاس في القتال أمنة من الله، وفي الصلاة وسوسة من الشيطان.
النوع الثاني: من أنواع نعم الله تعالى المذكورة في هذا الموضع قوله تعالى: ﴿ وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السماء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان ﴾ ولا شبهة أن المراد منه المطر، وفي الخبر أن القوم سبقوا إلى موضع الماء، واستولوا عليه، وطمعوا لهذا السبب أن تكون لهم الغلبة، وعطش المؤمنون وخافوا، وأعوزهم الماء للشرب والطهارة، وأكثرهم احتلموا وأجنبوا، وانضاف إلى ذلك أن ذلك الموضع كان رملاً تغوص فيه الأرجل ويرتفع منه الغبار الكثير، وكان الخوف حاصلاً في قلوبهم، بسبب كثرة العدو وسبب كثرة آلاتهم وأدواتهم، فلما أنزل الله تعالى ذلك المطر صار ذلك دليلاً على حصول النصرة والظفر، وعظمت النعمة به من جهات: أحدها: زوال العطش، فقد روي أنهم حفروا موضعاً في الرمل، فصار كالحوض الكبير، واجتمع فيه الماء حتى شربوا منه وتطهروا وتزودوا.
وثانيها: أنهم اغتسلوا من ذلك الماء، وزالت الجنابة عنهم، وقد علم بالعادة أن المؤمن يكاد يستقذر نفسه إذا كان جنباً، ويغتم إذا لم يتمكن من الاغتسال ويضطرب قلبه لأجل هذا السبب فلا جرم عد تعالى وتقدس تمكينهم من الطهارة من جملة نعمه.
وثالثها: أنهم لما عطشوا ولم يجدوا الماء ثم ناموا واحتلموا تضاعفت حاجتهم إلى الماء ثم إن المطر نزل فزالت عنهم تلك البلية والمحنة وحصل المقصود.
وفي هذه الحالة ما قد يستدل به على زوال العسر وحصول اليسر والمسرة.
أما قوله: ﴿ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان ﴾ ففيه وجوه: الأول: أن المراد منه الاحتلام لأن ذلك من وساوس الشيطان.
الثاني: أن الكفار لما نزلوا على الماء، وسوس الشيطان إليهم وخوفهم من الهلاك، فلما نزل المطر زالت تلك الوسوسة، روى أنهم لما ناموا واحتلم أكثرهم، تمثل لهم إبليس وقال أنتم تزعمون أنكم على الحق وأنتم تصلون على الجنابة، وقد عطشتم ولو كنتم على الحق لما غلبوكم على الماء فأنزل الله تعالى المطر حتى جرى الوادي واتخذ المسلمون حياضاً واغتسلوا وتلبد الرمل حتى ثبتت عليه الأقدام.
الثالث: أن المراد من رجز الشيطان سائر ما يدعو الشيطان إليه من معصية وفساد.
فإن قيل: فأي هذه الوجوه الثلاثة أولى؟
قلنا: قوله: ﴿ لّيُطَهّرَكُمْ ﴾ معناه ليزيل الجنابة عنكم، فلو حملنا قوله: ﴿ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان ﴾ على الجنابة لزم منه التكرير وأنه خلاف الأصل، ويمكن أن يجاب عنه فيقال المراد من قوله: ﴿ لّيُطَهّرَكُمْ ﴾ حصول الطهارة الشرعية.
والمراد من قوله: ﴿ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان ﴾ إزالة جوهر المني عن أعضائهم فإنه شيء مستخبث، ثم تقول: حمله على إزالة أثر الاحتلام أولى من حمله على إزالة الوسوسة وذلك لأن تأثير الماء في إزالة العين عن العضو تأثير حقيقي أما تأثيره في إزالة الوسوسة عن القلب فتأثير مجازي وحمل اللفظ على الحقيقة أولى من حمله على المجاز، واعلم أنا إذا حملنا الآية على هذا الوجه لزم القطع بأن المني رجز الشيطان، وذلك يوجب الحكم بكونه نجساً مطلقاً لقوله تعالى: ﴿ والرجز فاهجر ﴾ .
النوع الثالث: من النعم المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ ﴾ والمراد أن بسبب نزول هذا المطر قويت قلوبهم وزال الخوف والفزع عنهم، ومعنى الربط في اللغة الشد، وقد ذكرنا ذلك في قوله تعالى: ﴿ وَرَابِطُواْ ﴾ ويقال لكل من صبر على أمر، ربط قلبه عليه كأنه حبس قلبه عن أن يضطرب يقال: رجل رابط أي حابس.
قال الواحدي: ويشبه أن يكون ﴿ على ﴾ هاهنا صلة والمعنى وليربط قلوبكم بالنصر وما وقع من تفسيره يشبه أن لا يكون صلة لأن كلمة ﴿ على ﴾ تفيد الاستعلاء.
فالمعنى أن القلوب امتلأت من ذلك الربط حتى كأنه علا عليها وارتفع فوقها.
والنوع الرابع: من النعم المذكورة هاهنا قوله تعالى: ﴿ وَيُثَبّتَ بِهِ الاقدام ﴾ وذكروا فيه وجوهاً: أحدها: أن ذلك المطر لبد ذلك الرمل وصيره بحيث لا تغوص أرجلهم فيه، فقدروا على المشي عليه كيف أرادوا، ولولا هذا المطر لما قدروا عليه، وعلى هذا التقدير، فالضمير في قوله: ﴿ بِهِ ﴾ عائد إلى المطر.
وثانيها: أن المراد أن ربط قلوبهم أوجب ثبات أقدامهم، لأن من كان قلبه ضعيفاً فر ولم يقف، فلما قوى الله تعالى قلوبهم لا جرم ثبت أقدامهم، وعلى هذا التقدير فالضمير في قوله: ﴿ بِهِ ﴾ عائد إلى الربط.
وثالثها: روى أنه لما نزل المطر حصل للكافرين ضد ما حصل للمؤمنين، وذلك لأن الموضع الذي نزل الكفار فيه كان موضع التراب والوحل، فلما نزل المطر عظم الوحل، فصار ذلك مانعاً لهم من المشي كيفما أرادوا فقوله: ﴿ وَيُثَبّتَ بِهِ الاقدام ﴾ يدل دلالة المفهوم على أن حال الأعداء كانت بخلاف ذلك.
النوع الخامس: من النعم المذكورة هاهنا قوله: ﴿ إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الملئكة أَنّي مَعَكُمْ ﴾ وفيه بحثان: الأول: قال الزجاج: ﴿ إِذْ ﴾ في موضع نصب، والتقدير: وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام حال ما يوحي إلى الملائكة بكذا وكذا، ويجوز أيضاً أن يكون على تقدير اذكروا.
الثاني: قوله: ﴿ إِنّى مَعَكُمْ ﴾ فيه وجهان: الأول: أن يكون المراد أنه تعالى أوحى إلى الملائكة بأنه تعالى معهم أي مع الملائكة حال ما أرسلهم ردأً للمسلمين.
والثاني: أن يكون المراد أنه تعالى أوحى إلى الملائكة أني مع المؤمنين فانصروهم وثبتوهم، وهذا الثاني أولى لأن المقصود من هذا الكلام إزالة التخويف والملائكة ما كانوا يخافون الكفار، وإنما الخائف هم المسلمون.
ثم قال: ﴿ فَثَبّتُواْ الذين ءامَنُواْ ﴾ واختلفوا في كيفية هذا التثبيت على وجوه: الأول: أنهم عرفوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله ناصر المؤمنين والرسول عرف المؤمنين ذلك، فهذا هو التثبيت والثاني: أن الشيطان كما يمكنه إلقاء الوسوسة إلى الإنسان، فكذلك الملك يمكنه إلقاء الإلهام إليه فهذا هو التثبيت في هذا الباب.
والثالث: أن الملائكة كانوا يتشبهون بصور رجال من معارفهم وكانوا يمدونهم بالنصر والفتح والظفر.
والنوع السادس: من النعم المذكورة في هذه الآية قوله: ﴿ سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب ﴾ وهذا من النعم الجليلة، وذلك لأن أمر النفس هو القلب فلما بين الله تعالى أنه ربط قلوب المؤمنين بمعنى أنه قواها وأزال الخوف عنها ذكر أنه ألقى الرعب والخوف في قلوب الكافرين فكان ذلك من أعظم نعم الله تعالى على المؤمنين.
أما قوله تعالى: ﴿ فاضربوا فَوْقَ الاعناق ﴾ ففيه وجهان: الأول: أنه أمر للملائكة متصل بقوله تعالى: ﴿ فَثَبّتُواْ ﴾ وقيل: بل أمر للمؤمنين وهذا هو الأصح لما بينا أنه تعالى ما أنزل الملائكة لأجل المقاتلة والمحاربة، واعلم أنه تعالى لما بين أنه حصل في حق المسلمين جميع موجبات النصر والظفر، فعند هذا أمرهم بمحاربتهم، وفي قوله: ﴿ فاضربوا فَوْقَ الاعناق ﴾ قولان: الأول: أن ما فوق العنق هو الرأس، فكان هذا أمراً بإزالة الرأس عن الجسد.
والثاني: أن قوله: ﴿ فاضربوا فَوْقَ الاعناق ﴾ أي فاضربوا الأعناق.
ثم قال: ﴿ واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ يعني الأطراف من اليدين والرجلين، ثم اختلفوا فمنهم من قال المراد أن يضربوهم كما شاؤوا، لأن ما فوق العنق هو الرأس، وهو أشرف الأعضاء، والبنان عبارة عن أضعف الأعضاء، فذكر الأشرف والأخس تنبيهاً على كل الأعضاء، ومنهم من قال: بل المراد إما القتل، وهو ضرب ما فوق الأعناق أو قطع البنان، لأن الأصابع هي الآلات في أخذ السيوف والرماح وسائر الأسلحة، فإذا قطع بنانهم عجزوا عن المحاربة.
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الوجوه الكثيرة من النعم على المسلمين.
قال: ﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ شَاقُّواْ الله وَرَسُولَهُ ﴾ والمعنى: أنه تعالى ألقاهم في الخزي والنكال من هذه الوجوه الكثيرة بسبب أنهم شاقوا الله ورسوله.
قال الزجاج: ﴿ شَاقُّواْ ﴾ جانبوا، وصاروا في شق غير شق المؤمنين، والشق الجانب ﴿ وَشَاقُّواْ الله ﴾ مجاز، والمعنى: شاقوا أولياء الله، ودين الله.
ثم قال: ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب ﴾ يعني أن هذا الذي نزل بهم في ذلك اليوم شيء قليل مما أعده الله لهم من العقاب في القيامة، والمقصود منه الزجر عن الكفر والتهديد عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ذلكم ﴾ إشارة إلى ما أصابهم من الضرب والقتل والعقاب العاجل، ومحله الرفع على الابتداء و ﴿ بِأَنَّهُمْ ﴾ خبره، أي ذلك العقاب وقع عليهم بسبب مشاقتهم.
والمشاقة: مشتقة من الشق، لأن كلا المتعاديين في شق خلاف شق صاحبه، وسئلت في المنام عن اشتقاق المعاداة فقلت: لأن هذا في عدوة وذاك في عدوة، كما قيل: المخاصمة والمشاقة، لأن هذا في خصم أي في جانب، وذاك في خصم، وهذا في شق، وذاك في شق.
والكاف في ﴿ ذلك ﴾ لخطاب الرسول عليه الصلاة و السلام، أو لخطاب كل واحد، وفي ﴿ ذلكم ﴾ للكفرة، على طريقة الالتفات.
ومحل ﴿ ذلكم ﴾ الرفع على ذلكم العقاب، أو العقاب ذلكم ﴿ فَذُوقُوهُ ﴾ ويجوز أن يكون نصباً على: عليكم ذلكم فذوقوه، كقولك: زيداً فاضربه ﴿ وَأَنَّ للكافرين ﴾ عطف على ذلكم في وجهيه، أو نصب على أن الواو بمعنى مع.
والمعنى: ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة، فوضع الظاهر موضع الضمير، وقر الحسن ﴿ وإن للكافرين ﴾ بالكسر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الضَّرْبِ أوِ الأمْرِ بِهِ والخِطابُ لِلرَّسُولِ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ المُخاطِبِينَ قَبْلُ.
﴿ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ بِسَبَبِ مُشاقَّتِهِمْ لَهُما واشْتِقاقُهُ مِنَ الشَّقِّ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَعادِينَ في شَقٍّ خِلافَ شَقِّ الآخَرِ كالمُعاداةِ مِنَ العُدْوَةِ والمُخاصَمَةِ مِنَ الخَصْمِ وهو الجانِبُ.
﴿ وَمَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ تَقْرِيرٌ لِلتَّعْلِيلِ أوْ وعِيدٌ بِما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ بَعْدَ ما حاقَ بِهِمْ في الدُّنْيا.
﴿ ذَلِكُمْ ﴾ الخِطابُ فِيهِ مَعَ الكَفَرَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ أيِ: الأمْرُ ذَلِكم أوْ ذَلِكم واقِعٌ أوْ نُصِبَ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ.
﴿ فَذُوقُوهُ ﴾ أوْ غَيْرُهُ مِثْلُ باشَرُوا أوْ عَلَيْكم فَتَكُونُ الفاءُ عاطِفَةً.
﴿ وَأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ ﴾ عُطِفَ عَلى ذَلِكم أوْ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ، والمَعْنى ذُوقُوا ما عُجِّلَ لَكم مَعَ ما أُجِّلَ لَكم في الآخِرَةِ.
ووُضِعَ الظّاهِرُ فِيهِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الكُفْرَ سَبَبُ العَذابِ الآجِلِ أوِ الجَمْعِ بَيْنَهُما.
وَقُرِئَ (وَإنَّ) بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ.
<div class="verse-tafsir"
{ذلك} إشارة إلى ما أصابهم من الضرب والقتل والعقاب العاجل وهو مبتدأ خبره {بِأَنَّهُمْ شَاقُّواْ الله وَرَسُولَهُ} أي ذلك العقاب وقع عليهم بسبب مشاقتهم أي مخالفتهم وهي مشتقة من الشق لأن كلا المتاديين في شق خلاف شق صاحبه وكذا المعاداة والمخاصمة لأن هذا في
عدوة وخُصم أي جانب وذا في عدوة وخصم {وَمَن يُشَاقِقِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب} والكاف في ذلك لخطاب الرسول أو لكم أحد وفى ذلم للكفرة على طريقة الالتفات ومحله الرفع على ذلكم العقاب أو العقاب
﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةً إلى الضَّرْبِ والأمْرِ بِهِ أوْ إلى جَمِيعِ ما مَرَّ.
والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ مَن ذُكِرَ قَبْلُ مِنَ المَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ عَلى البَدَلِ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَلِيقُ بِالخِطابِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْجَمْعِ، والكافُ تُفْرَدُ مَعَ تَعَدُّدِ مَن خُوطِبَ بِها، ولَيْسَتْ كالضَّمِيرِ عَلى ما صَرَّحُوا بِهِ، ومَحَلُّ الِاسْمِ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ .
وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّ ذَلِكَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ ولَيْسَ الأمْرُ ذَلِكَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ والمُشاقَّةُ العَداوَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ أخْذًا مِن شَقِّ العَصا وهي المُخالَفَةُ أوْ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَعادِيَيْنِ يَكُونُ في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّ الآخَرِ كَما أنَّ العَداوَةَ سُمِّيَتْ عَداوَةً لِأنَّ كُلًّا مِنهُما في عَدْوَةٍ، أيْ: جانِبٍ وكَما أنَّ المُخاصَمَةَ مِنَ الخَصْمِ بِمَعْنى الجانِبِ أيْضًا، والمُرادُ بِها هُنا المُخالَفَةُ أيْ: ذَلِكَ ثابِتٌ لَهم أوْ واقِعٌ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ مُخالَفَتِهِمْ لِمَن لا يَنْبَغِي لَهم مُخالَفَتُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
﴿ ومَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ أيْ: يُخالِفُ أمْرَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإظْهارِ كَمالِ شَناعَةِ ما اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ والإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ الحُكْمِ، وبِئْسَ خَطِيبُ القَوْمِ أنْتَ اقْتَضاهُ الجَمْعُ عَلى وجْهٍ لا يَبِينُ مِنهُ الفَرْقُ مِمَّنْ هو في رِبْقَةِ التَّكْلِيفِ وأيْنَ هَذا مِن ذاكَ لَوْ وقَعَ مِمَّنْ لا حَجْرَ عَلَيْهِ، وإنَّما لَمْ يُدْغَمِ المِثْلانِ لَأنَّ الثّانِيَ ساكِنٌ في الأصْلِ والحَرَكَةِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَلا يُعْتَدُّ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ إمّا نَفْسُ الجَزاءِ قَدْ حُذِفَ مِنهُ العائِدُ عِنْدَ مَن يَلْتَزِمُهُ ولا يَكْتَفِي بِالفاءِ في الرَّبْطِ.
أيْ: شَدِيدُ العِقابِ لَهُ، أوْ تَعْلِيقٌ لِلْجَزاءِ المَحْذُوفِ أيْ: يُعاقِبُهُ اللَّهُ تَعالى فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ، وأيًّا ما كانَ فالشَّرْطِيَّةُ بَيانٌ لِلسَّبَبِيَّةِ السّابِقَةِ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ العِقابُ الشَّدِيدُ بِسَبَبِ المُشاقَّةِ لِلَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكُلُّ مَن يُشاقِقُ اللَّهَ ورَسُولَهُ كائِنًا مَن كانَ فَلَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ عِقابٌ شَدِيدٌ فَإذَنْ لَهم بِسَبَبِ مُشاقَّةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ عِقابٌ شَدِيدٌ، وقِيلَ: هو وعِيدٌ بِما أُعِدَّ لَهم في الآخِرِ بَعْدَ ما حَلَّقَ بِهِمْ في الدُّنْيا، قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: ويَرُدُّهُ <div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ، يعني: ألهم ربك الملائكة، أَنِّي مَعَكُمْ، أي: معينكم وناصركم، فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا، يعني: بشّروا المؤمنين بالنصرة، فكان الملك يمشي أمام الصف فيقول: أبشروا فإنكم كثير وعدوكم قليل، والله تعالى ناصركم.
سَأُلْقِي، يعني: سأقذف فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ، يعني: الخوف من رسول الله والمؤمنين.
ثم علَّم المؤمنين كيف يضربون ويقتلون، فقال تعالى: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ، يعني: على الأعناق وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ، يعني: أطراف الأصابع وغيرها، ويقال: كل مفصل.
قال الفقيه: سمعت من حكى عن أبي سعيد الفاريابي أنه قال: أراد الله إلاَّ يلطخ سيوفهم بفرث المشركين، فأمرهم أن يضربوا على الأعناق ولا يضربوا على الوسط ويقال: معناه اضربوا كل شيء استقبلكم من أعضائهم ولا ترحموهم.
لِكَ بِأَنَّهُمْ ، يعني: ذلك الضرب والقتل بسبب أَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، يعني: عادوا الله ورسوله، وخالفوا الله ورسوله.
مَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، يعني: من يخالف الله ورسوله إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ إذا عاقب.
ثم قال تعالى: ذلِكُمْ، القتل يوم بدر، فَذُوقُوهُ في الدنيا، وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ يوم القيامة مع القتل في الدنيا، يعني: إن القتل والضرب لم يصر كفارة لهم.
<div class="verse-tafsir"
وروي في «الصحيح» : الأشهر أن المَلاَئِكَةَ قاتلت يَوْمَ بَدْرٍ.
واختلف في غيره قال ابن إسحاق: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّه بن أبي بكر أنه حُدِّثَ عن ابن عباس، أنه قال: حدثني رَجُلٌ من بني غِفَارٍ، قال: أقبلت أنا وابن عَمٍّ لي حتى صَعَدْنَا في جَبَل يُشْرِفُ بنا على بَدْرٍ، ونحن مشركان ننتظر الوَقْعَةَ على من تكون، فَنَنْتَهِبُ مع من يَنْتَهِبُ.
قال: فبينما نحن في الجَبَلِ، إذ دنت منا سَحَابَةٌ، فسمعنا فيها حَمْحَمَةَ الخَيْلِ، / فسمعت قائلاً يقول: أقدمَ حَيْزُوْم، فأما ابن عمي، فانكشف قِنَاعُ قَلْبِهِ، فمات مكانه، وأما أنا فَكِدْتُ أَهْلَكُ، ثم تَمَاسَكْتُ «١» .
قال ابن إسحاق: وحدثني عَبْدُ اللَّه بن أبي بَكْرٍ عن بعض بني سَاعِدَةَ عن أبي سعيد مالك بن رَبِيعَةَ، وكان شهد بَدْراً، قال بعد أن ذهب بَصَرُهُ: لو كنت اليوم ببدر، ومعى بَصَرِي لأريتكم الشِّعْبَ الذي خَرَجَتْ منه المَلاَئِكَةُ لا أَشَكُّ ولا أَتَمَارَى.
انتهى من «سيرة ابن هِشَامٍ» .
وقوله سبحانه: وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ الضمير في «جعله» عائد على الوَعْدِ، وهذا عندي أَمْكَنُ الأقوال من جهة المَعْنَى.
وقيل: عائد على المَدَدِ، والإِمداد.
وقيل: عائد على الإرداف.
وقيل: عائد على الأَلْف، وقوله: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ توقيف على أن الأَمْرَ كُلَّهُ للَّه وأن تَكَسُّبَ المَرْءِ لا يغني، إذا لم يساعده القَدَرُ، وإن كان مَطْلُوباً بالجدّ، كما ظاهر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بين در عين.
وقوله سبحانه: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ.
القصد تعديد نعمه سبحانه على
المؤمنين في يوم بَدْرٍ، والتقدير: اذكروا إذ فعلنا بكم كذا، وإذ فعلنا كذا، والعامل في «إذ» «اذكروا» وقرأ نافع: «يُغْشِيكُم» - بضم «١» الياء، وسكون الغين- وقرأ حمزة وغيره:
يُغَشِّيكُمُ- بفتح الغين وَشَدِّ الشين المكسورة، وقرأ ابن كثير وغيره: «يَغْشَاكم» - بفتح الياء وألف بعد الشين- «النُّعَاسُ» بالرفع، ومعنى يُغَشِّيكُمُ: يغطيكم، والنُّعَاسُ أَخَفُّ النوم، وهو الذي يصيب الإِنْسَانَ، وهو واقف أو مَاشٍ، وينص على ذلك قَصَصُ هذه الآية أنهم إنما كان بهم خَفْقٌ بالرُّؤُوس، وقوله: أَمَنَةً مصدر من أَمِنَ يَأْمَنُ أَمْنَاً وأَمَنَةً وأَمَاناً، والهاء فيه لتأنيث المصدر، كما هي في المَسَاءَةِ والحَمَاقَةِ والمَشَقَّةِ.
وروي عن ابن مَسْعُودٍ أنه قال: النُّعَاسُ عند حضور القِتَالِ عَلاَمَةُ أمن، وهو من اللَّه، وهو في الصَّلاَةِ من الشيطان «٢» .
قال ع «٣» : وهذا إنما طريقه الوَحْيُ، فهو لا مَحَالَةَ يسنده وقوله سبحانه:
وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ.
وذلك أن قَوْماً من المؤمنين لحقتهم جَنَابَاتٌ في سفرهم، وعدموا المَاءَ قَرِيبَ بَدْرٍ، فصلوا كذلك، فَوَسْوَسَ الشيطان في نفوس بعضهم مع تخويفه لهم من كثرة العَدُوِّ وقلتهم، وأيضاً فكانت بينهم وبين مَاءِ بَدْرٍ مَسَافَةٌ، من رمل دَهْسٍ «٤» تَسُوخُ «٥» فيها الأَرْجُلُ، فكانوا يتوقعون أن يسبقهم الكُفَّارُ إلى ماء بدر، فأنزل اللَّه تلك المَطَرَةَ فَسَالَتِ الأودية، فاغتسلوا، وطهرهم اللَّه تعالى فذهب رِجْزُ الشيطان، وَتَدَمَّثَ «٦» الطريق، وتَلَبَّدَتْ «٧» تلك الرِّمَالُ، فسهل اللَّه عليهم السير، وأمكنهم الإسراع
حتى سبقوا إلى ماءَ بَدْرٍ، وأصاب المشركين من ذلك المَطَرَ ما صَعَّبَ عليهم طريقهم، فسر المؤمنون، وتبينوا من فِعْلِ اللَّه بهم ذلك قَصْدَ المعونة لهم، فطابت نفوسهم، واجتمعت، وتَشَجَّعَتْ، فذلك الرَّبْطُ على قلوبهم، وتثبيت أقدامهم على الرملة اللَّيِّنَةِ.
والضمير في «به» على هذا الاحتمال عَائِدٌ على الماء، ويحتمل عَوْدُهُ على رَبْطِ القلوب، ويكون تثبيت/ الأقدام عِبَارَةً عن النصر والمعونة في مَوْطِنِ الحَرْبِ، ونزول الماء كان في الزمن قبل تَغْشِيَةِ النعاس، ولم يترتب كذلك في الآية، إذ القَصْدُ فيها تَعْدِيدُ النعم فقط.
وقوله سبحانه: فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا وتثبيتهم يكون بقتالهم، وبحضورهم، وبأقوالهم المُؤْنِسَةِ، ويحتمل أن يكون التَّثْبِيتُ بما يلقيه المَلَكُ في القلب بِلَمَّتِهِ من تَوَهُّمِ الظَّفَرِ، واحتقار الكفار، وبخواطر تشجعه.
قال ع «١» : ويقوي هذا التأويل مطابقة قوله تعالى: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ وعلى هذا التأويل يجيء قوله: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ مخاطبة للملائكة، ويحتمل أن يكون مخاطبة للمؤمنين.
وقوله سبحانه: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ قال عكرمة: هي على بابها، وأراد الرؤوس «٢» ، وهذا أنبل الأقوال.
قال ع»
: ويحتمل عندي أن يريد وَصْفَ أبْلَغِ ضربات العنق وأحكمها، وهي الضربة التي تكون فَوْقَ عَظْمِ العنق دون عَظْمِ الرأس في المفصل، كما وصف دريد بن الصِّمَّة «٤» ، فيجيء على هذا فوق الأَعْنَاقِ متمكناً.
والبَنَان: قالت فرقة: هي المَفَاصِلُ حيث كانت من الأعضاء.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "إذْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والمَعْنى: ولِيَرْبِطَ إذْ يُوحِي.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: واذْكُرُوا إذْ يُوحِي.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذا الوَحْيُ إلْهامٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى المَلائِكَةِ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ أمَدَّ بِهِمُ المُسْلِمِينَ.
﴿ أنِّي مَعَكُمْ ﴾ بِالعَوْنِ والنُّصْرَةِ.
﴿ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قاتِلُوا مَعَهم.، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: بَشِّرُوهم بِالنَّصْرِ؛ فَكانَ المَلِكُ يَسِيرُ أمامَ الصَّفِّ في صُورَةِ الرَّجُلِ، ويَقُولُ: أبْشِرُوا فَإنَّ اللَّهَ ناصِرُكم، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: ثَبَّتُوهم بِأشْياءَ تُلْقُونَها في قُلُوبِهِمْ تَقْوى بِها، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
والرّابِعُ: صَحَّحُوا عَزائِمَهم ونِيّاتِهِمْ عَلى الجِهادِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
فَأمّا الرُّعْبُ، فَهو الخَوْفُ.
قالَ السّائِبُ بْنُ يَسارٍ: كُنّا إذا سَألْنا يَزِيدَ بْنَ عامِرٍ السِّوائِي عَنِ الرُّعْبِ الَّذِي ألْقاهُ اللَّهُ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ كَيْفَ؟
كانَ يَأْخُذُ الحَصى فَيَرْمِي بِهِ الطَّسْتَ فَيَطِنُّ، فَيَقُولُ: كَما نَجِدُ في أجْوافِنا مِثْلَ هَذا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ ﴾ في المُخاطَبِ بِهَذا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمْ تَعْلَمِ المَلائِكَةُ أيْنَ تَقْصِدُ بِالضَّرْبِ مِنَ النّاسِ، فَعَلَّمَهُمُ اللهُ تَعالى ذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: فاضْرِبُوا الأعْناقَ، و"فَوْقَ" صِلَةٌ، وهَذا قَوْلُ عَطِيَّةَ، والضَّحّاكِ، والأخْفَشِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "فَوْقَ" بِمَعْنى "عَلى"، تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ فَوْقَ الرَّأْسِ، وضَرَبْتُهُ عَلى الرَّأْسِ.
والثّانِي: اضْرِبُوا الرُّؤُوسَ بِها فَوْقَ الأعْناقِ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ.
وَفِي المُرادِ بِالبَنانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الأطْرافُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ.
وقالَ الفَرّاءُ: عَلَّمَهم مَواضِعَ الضَّرْبِ، فَقالَ: اضْرِبُوا الرُّؤُوسَ والأيْدِي والأرْجُلَ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: البَنانُ: أطْرافُ الأصابِعِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: واكْتَفى بِهَذا مِن جُمْلَةِ اليَدِ والرِّجْلِ.
والثّانِي: أنَّهُ كُلُّ مُفَصَّلٍ، قالَهُ عَطِيَّةُ، والسُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الأصابِعُ وغَيْرُها مِن جَمِيعِ الأعْضاءِ، والمَعْنى: أنَّهُ أباحَهم قَتْلَهم بِكُلِّ نَوْعٍ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
قالَ: واشْتِقاقُ البَنانِ مِن قَوْلِهِمْ: أبَنَّ بِالمَكانِ: إذا أقامَ بِهِ؛ فالبَنانُ بِهِ يَعْتَمِلُ كُلَّ ما يَكُونُ لِلْقامَةِ والحَياةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ﴾ "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الضَّرْبِ، و"شاقُّوا" بِمَعْنى: جانَبُوا، فَصارُوا في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّ المُؤْمِنِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكم فَذُوقُوهُ ﴾ خِطابٌ لَلْمُشْرِكِينَ؛ والمَعْنى: ذُوقُوا هَذا في عاجِلِ الدُّنْيا.
وفي فَتْحِ "أنْ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: بِإضْمارِ فِعْلٍ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكم فَذُوقُوهُ واعْلَمُوا أنَّ لَلْكافِرِينَ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ذَلِكَ بِأنَّ لَلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ.
فَإذا ألْقَيْتَ الباءَ، نَصَبْتَ.
وإنْ شِئْتَ، جَعَلْتَ "أنْ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ يُرِيدُ: ذَلِكم فَذُوقُوهُ، وذَلِكم أنَّ لَلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ، هَذا مَعْنى قَوْلِ الفَرّاءِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللهَ ورَسُولَهُ ومَن يُشاقِقِ اللهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ ﴿ ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النارِ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ ﴾ ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أو مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ هَذا الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ، والمُؤْمِنُونَ داخِلُونَ فِيهِ بِالمَعْنى، والضَمِيرُ في "بِأنَّهُمْ" عائِدٌ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا، و ﴿ شاقُّوا ﴾ مَعْناهُ: خالَفُوا ونابَذُوا وقَطَعُوا، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشِقِّ وهو القَطْعُ والفَصْلُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، وهَذِهِ مُفاعَلَةٌ، فَكَأنَّ اللهَ لَمّا شَرَعَ شَرْعًا وأمَرَ بِأوامِرَ وكَذَّبُوا هم وصَدُّوا تَباعَدَ ما بَيْنَهم وانْفَصَلَ وانْشَقَّ، مَأْخُوذٌ مِن هَذا لِأنَّهُ مَعَ شِقِّهِ الآخَرِ تَباعَدا وانْفَصَلا.
وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ شاقُّوا ﴾ أيْ: صارُوا في شَقٍّ غَيْرِ شَقِّهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وإنْ كانَ مَعْناهُ صَحِيحًا فَتَحْرِيرُ الِاشْتِقاقِ إنَّما هو ما ذَكَرْناهُ، والمِثالُ الأوَّلُ إنَّما هو الشَقُّ بِفَتْحِ الشِينِ، وأجْمَعُوا عَلى الإظْهارِ في "يُشاقِقِ" اتِّباعًا لِخَطِّ المُصْحَفِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فإنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ جَوابُ الشَرْطِ تَضَمَّنَ وعِيدًا وتَهْدِيدًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكم فَذُوقُوهُ ﴾ المُخاطَبَةُ لِلْكُفّارِ، أيْ: ذَلِكُمُ الضَرْبُ والقَتْلُ وما أوقَعَ اللهُ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: الأمْرُ ذَلِكم فَذُوقُوهُ، وكَذا فَسَّرَهُ سِيبَوَيْهِ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ ذَلِكم فَذُوقُوهُ ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، كَقَوْلِهِ: "زَيْدًا فاضْرِبْهُ".
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَأنَّ" بِفَتْحِ الألِفِ، فَإمّا عَلى تَقْدِيرِ: "وَحَتْمٌ أنَّ"، فَيُقَدَّرُ عَلى ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ يَكُونُ "أنَّ" خَبَرَهُ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ "واعْلَمُوا أنَّ" فَهي -عَلى هَذا- في مَوْضِعِ نَصْبٍ.
ورَوى سُلَيْمانُ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ: "وَإنَّ" عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا ﴾ الآيَةُ.
"زَحْفًا" يُرادُ بِهِ: مُتَقابِلِي الصُفُوفِ والأشْخاصِ، أيْ: يَزْحَفُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وأصْلُ الزَحْفِ الِانْدِفاعُ عَلى الألْيَةِ ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ ماشٍ إلى آخَرَ في الحَرْبِ رُوَيْدًا زاحِفًا، إذْ في مِشْيَتِهِ مِنَ التَماهُلِ والتَباطُؤِ ما في مَشْيِ الزاحِفِ، ومِنَ الزَحْفِ الَّذِي هو الِانْدِفاعُ قَوْلُهم لِنارِ العَرْفَجِ وما جَرى مَجْراهُ في سُرْعَةِ الِاتِّقادِ: نارُ الزَحْفَتَيْنِ.
ومِنَ التَباطُؤِ في المَشْيِ قَوْلُ الشاعِرِ: كَأنَّهُنَّ بِأيْدِي القَوْمِ في كَبَدٍ ∗∗∗ طَيْرُ تَكَشَّفُ عن جَوْنٍ مَزاحِيفِ ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: عَلى عَمائِمِنا تُلْقى وأرْجُلُنا ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى زَواحِفَ نُزْجِيها مَحاسِيرَ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: لِمَنِ الظَعائِنُ سَيْرُهُنَّ تَزَحُّفُ ∗∗∗ ∗∗∗..................
ومِنَ التَزَحُّفِ بِمَعْنى التَدافُعِ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: كَأنَّ مَزاحِفَ الحَيّاتِ فِيهِ ∗∗∗ ∗∗∗ قُبَيْلَ الصُبْحِ آثارُ السِياطِ وأمَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ الآيَةِ ألّا يُوَلِّيَ المُؤْمِنُونَ أمامَ الكُفّارِ، وهَذا الأمْرُ مُقَيَّدٌ بِالشَرِيطَةِ المَنصُوصَةِ في مِثْلَيِ المُؤْمِنِينَ، فَإذا لَقِيَتْ فِئَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِئَةً هي ضِعْفُ المُؤْمِنَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ، فالفَرْضُ ألّا يَفِرُّوا أمامَهُمْ، فالفِرارُ هُناكَ كَبِيرَةٌ مُوبِقَةٌ بِظاهِرِ القُرْآنِ والحَدِيثِ وإجْماعِ أكْثَرِ الأُمَّةِ، والَّذِي يُراعى العَدَدُ حَسَبَ ما في كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ الأُمَّةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ ابْنُ الماجِشُونَ في "الواضِحَةِ": يُراعى أيْضًا الضَعْفُ والقُوَّةُ والعِدَّةُ، فَيَجُوزُ -عَلى قَوْلِهِمْ- أنْ يَفِرَّ مِائَةُ فارِسٍ إذا عَلِمُوا أنَّ عِنْدَ المُشْرِكِينَ مِنَ العُدَّةِ والنَجْدَةِ والبَسالَةِ ضِعْفَ ما عِنْدَهُمْ، وأمامَ أقَلَّ أو أكْثَرَ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وأمّا عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ فَلا يَحِلُّ فِرارُ مِائَةٍ إلّا أمامَ ما زادَ عَلى مِائَتَيْنِ.
والعِبارَةُ بِالدُبُرِ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَمَكِّنَةُ الفَصاحَةِ لِأنَّها بَشِعَةٌ عَلى الفارِّ ذامَّةٌ لَهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "دُبُرَهُ" بِضَمِّ الباءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "دُبْرَهُ" بِسُكُونِ الباءِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: "يَوْمَئِذٍ" فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ إلى يَوْمِ بَدْرٍ وما ولِيَهُ، وفي ذَلِكَ اليَوْمِ وقَعَ الوَعِيدُ بِالغَضَبِ عَلى مَن فَرَّ، ونُسِخَ -بَعْدَ ذَلِكَ- حُكْمُ الآيَةِ بِآيَةِ الضَعْفِ وبَقِيَ الفِرارُ مِنَ الزَحْفِ لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ، وقَدْ فَرَّ الناسُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَعَفا اللهُ عنهُمْ، وقالَ فِيهِمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ: ﴿ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾ ولَمْ يَقَعْ عَلى ذَلِكَ تَعْنِيفٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ الجُمْهُورُ مِنَ الأُمَّةِ: الإشارَةُ بِـ "يَوْمَئِذٍ" إلى يَوْمِ اللِقاءِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿ إذا لَقِيتُمُ ﴾ ، وحُكْمُ الآيَةِ باقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِشَرْطِ الضِعْفِ الَّذِي بَيَّنَهُ اللهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى، ولَيْسَ في الآيَةِ نَسْخٌ، وأمّا يَوْمُ أُحُدٍ فَإنَّما فَرَّ الناسُ مِن أكْثَرَ مِن ضِعْفِهِمْ، ومَعَ ذَلِكَ عُنِّفُوا لِكَوْنِ رَسُولِ اللهِ فِيهِمْ وفِرارِهِمْ عنهُ، وأمّا يَوْمُ حُنَيْنٍ فَكَذَلِكَ مَن فَرَّ إنَّما انْكَشَفَ أمامَ الكَثْرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ عَفْوَ اللهِ عَمَّنْ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ كانَ عَفْوًا عن كَبِيرَةٍ.
ومُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ يُرادُ بِهِ الَّذِي يَرى أنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ أنَكى لِلْعَدُوِّ وأعْوَدُ عَلَيْهِ بِالشَرِّ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ نَصْبُ "مُتَحَيِّزًا".
وأمّا الِاسْتِثْناءُ فَهو مِنَ المُوَلِّينَ الَّذِينَ يَتَضَمَّنُهم "مَن"، وقالَ قَوْمٌ: الِاسْتِثْناءُ هو مِن أنْواعِ التَوَلِّي.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَوْ كانَ كَذَلِكَ؛ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ: "إلّا تَحَرُّفًا وتَحَيُّزًا".
والفِئَةُ هاهُنا-: الجَماعَةُ مِنَ الناسِ الحاضِرَةُ لِلْحَرْبِ.
هَذا عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ في أنَّ الفِرارَ مِنَ الزَحْفِ كَبِيرَةٌ، وأمّا عَلى القَوْلِ الآخَرِ فَتَكُونُ "الفِئَةُ": المَدِينَةُ والإمامُ وجَماعَةُ المُسْلِمِينَ حَيْثُ كانُوا، رُوِيَ هَذا القَوْلُعن عُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأنَّهُ قالَ: أنا فِئَتُكم أيُّها المُسْلِمُونَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مِنهُ عَلى جِهَةِ الحَيْطَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ كانُوا في ذَلِكَ الزَمَنِ يَثْبُتُونَ لِأضْعافِهِمْ مِرارًا، وفي مُسْنَدِ ابْنِ أبِي شَيْبَةَ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ «أنَّ النَبِيَّ قالَ لِجَماعَةٍ فَرَّتْ في سَرِيَّةٍ مِن سَراياهُ: "أنا فِئَةُ المُسْلِمِينَ" حِينَ قَدِمُوا عَلَيْهِ.» وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: « "اتَّقُوا السَبْعَ المُوبِقاتِ"، وعَدَّدَ فِيها الفِرارَ مِنَ الزَحْفِ.» و"باءَ" بِمَعْنى نَهَضَ مُتَحَمِّلًا لِلثِّقْلِ المَذْكُورِ في الكَلامِ غَضَبًا كانَ أو نَحْوَهُ، والغَضَبُ مِن صِفاتِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ إذا أُخِذَ بِمَعْنى الإرادَةِ فَهي صِفَةُ ذاتٍ، وإذا أُخِذَ بِمَعْنى إظْهارِ أفْعالِ الغاضِبِ عَلى العَبْدِ فَهي صِفَةُ فِعْلٍ، وهَذا المَعْنى أشْبَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، والمَأْوى: المَوْضِعُ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ الإنْسانُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إذ ﴾ ظرف متعلق بقوله: ﴿ فاستجاب لكم أني ممدكم بألففٍ من الملائكة مردفين ﴾ [الأنفال: 9].
وجعل الخطاب هنا للنبيء صلى الله عليه وسلم تلطفاً به، إذ كانت هذه الآية في تفصيل عمل الملائكة يوم بدر، وما خاطبهم الله به فكان توجيه الخطاب بذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم أولى لأنه أحق من يعلم مثل هذا العلم ويحصل العلم للمسلمين تبعاً له، وأن الذي يهم المسلمين من ذلك هو نصر الملائكة إياهم وقد حصل الإعلام بذلك من آية ﴿ إذ تستغيثون ربكم ﴾ [الأنفال: 9] ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول من استغاث الله، ولذلك عرف الله هنا باسم الرب وإضافته إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم ليوافق أسلوب ﴿ إذ تستغيثون ربكم ﴾ [الأنفال: 9] ولما فيه من التنويه بقدر نبيه صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أنه فعل ذلك لطفاً به ورفعاً لشأنه.
والوحي إلى الملائكة المرسلين: إما بطريق إلقاء هذا الأمر في نفوسهم بتكوين خاص، وإما بإبلاغهم ذلك بواسطة.
و ﴿ أنّي معكم ﴾ قيل هو في تأويل مصدر وذلك المصدر مفعول يوحي، أي يوحي إليهم ثبوتَ معيّتِه لهم، فيكون المصدر، منصوباً على المفعول به ليوحي، بهذا التأويل وقيل على تقدير باء الجر.
وأنت على ذُكْر مما قدمناه قريباً في قوله تعالى: ﴿ أني ممدكم بألففٍ من الملائكة ﴾ [الأنفال: 9] من تحقيق أن تكون (أن) المفتوحة الهمزةِ المشددة النوننِ مفيدة معنى (أنْ) التفسيرية، إذا وقعت معمولة لما فيه معنى القول دون حروفه.
والمعية حقيقتها هنا مستحيلة فتحمل على اللائِقة بالله تعالى أعني المعية المجازية، فقد يَكون معناها توجه عنايته إليهم وتيسير العمل لهم، وقد تكرر إطلاق (مع) بمثل هذا في القرآن كقوله: ﴿ وهْو مَعكم أينما كنتم ﴾ [الحديد: 4].
وإيحاء الله إلى الملائكة بهذا مقصود منه تشريفهم وتشريف العمل الذي سيكلفون به، لأن المعية تؤذن إجمالاً بوجود شيء يستدعي المصاحبة، فكان قوله لهم: ﴿ أني معكم ﴾ مقدمة للتكليف بعمل شريف ولذلك يذكْر ما تتعلق به المعية لأنه سيعلم من بقية الكلام، أي أني معكم في عملكم الذي أكفلكم به.
ومن هنا ظهر موقع فَاء الترتيب في قوله: ﴿ فثبتوا الذين آمنوا ﴾ من حيث ما دل عليه ﴿ أني معكم ﴾ من التهيئة لتلقي التكليف بعمل عظيم وإنما كان هذا العمل بهذه المثابة لأنه إبدال للحقائق الثابتة باقتلاعها ووضع أضدادها لأنه يجعل الجبن شجاعة، والخوف إقداماً والهلع ثباتاً، في جانب المؤمنين، ويجعل العزة رعباً في قلوب المشركين، ويقطع أعناقهم وأيديهم بدون سَبب من أسباب القطع المعتادة فكانت الأعمال التي عُهد للملائكة عملُها خوارقَ عادات.
والتثبيت هنا مجاز في إزالة الاضطراب النفساني مما ينشأ عن الخوف ومن عدم استقرار الرأي واطمئنانه.
وعُرف المثبتُون بالموصول لما تومئ إليه صلة ﴿ آمنوا ﴾ من كون إيمانهم هو الباعث على هذه العناية، فتكون الملائكة بعناية المؤمنين لأجل وصف الإيمان.
وتثبيت المؤمنين إيقاع ظن في نفوسهم بأنهم منصورون ويسمى ذلك إلهاماً وتثبيتاً، لأنه إرشاد إلى ما يطابق الواقع، وإزالة للاضطراب الشيطاني، وإنما يكون خيراً إذا كان جارياً على ما يحبه الله تعالى بحيث لا يكون خاطراً كاذباً، وإلاّ صار غروراً، فتشجيع الخائف حيث يريد الله منه الشجاعة خاطر ملكي وتشجيعه حيث ينبغي أن يتوقى ويخاف خاطر شيطاني ووسوسة، لأنه تضليل عن الواقع وتخذيل.
ولم يسند إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا إلى الملائكة بل أسنده الله إلى نفسه وحده بقوله: ﴿ سألقي في قلوب الذين كفروا الرعْب ﴾ لأن أولئك الملائكة المخاطبين كانوا ملائكة نصر وتأييد فلا يليق بقواهم إلقاء الرعب، لأن الرعب خاطر شيطاني ذميم، فجعله الله في قلوب الذين كفروا بواسطة أخرى غير الملائكة.
وأسند إلقاء الرعْب في قلوب الذين كفروا إلى الله على طريقةٌ الإجمال دون بيان لكيفية إلقائه، وكل ما يقع في العالم هو من تقدير الله على حسب إرادته، وأشار ذلك إلى أنه رعب شديد قدره الله على كيفية خارقة للعادة، فإن خوارق العادات قد تصدر من القُوى الشيطانية بإذن الله وهو ما يسمى في اصطلاح المتكلمين بالإهانة وبالاستدراج، ولا حاجة إلى قصد تحقير الشيطان بإلقاء الرعب في قلوب المشركين كما قصد تشريف الملائكة، لأن إلقاء الرعب في قلوب المشركين يعود بالفائدة على المسلمين، فهو مبارك أيضاً، وإنما كان إلقاء الرعْب في قلوب المشركين خارقَ عادة، لأن أسباب ضده قائمة، وهي وفرة عددهم وعُددهم وإقدامُهم على الخروج إلى المسلمين، وحرصهم على حماية أموالهم التي جاءت بها العير.
فجملة: ﴿ سألقي في قلوب الذين كفروا ﴾ مستأنفة استئنافاً ابتدائياً إخباراً لهم بما يقتضي التخفيف عليهم في العمل الذي كلفهم الله به بأن الله كفاهم تخذيل الكافرين بعمل آخر غير الذي كَلف الملائكة بعمله، فليست جملة ﴿ سألقي ﴾ مفسرة لمعنى ﴿ أني معكم ﴾ .
ولم يقل سنلقي لئلا يتوهم أن للملائكة المخاطبين سبباً في إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا كما علمتَ آنفاً.
وتفريع ﴿ فاضربوا فوق الأعناق ﴾ على جملة: ﴿ سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ﴾ المفرعة هنا أيضاً على جملة: ﴿ فثبتوا الذين آمنوا ﴾ في المعنى، يؤذن بما اقتضته جملة ﴿ سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ﴾ من تخفيف عمل الملائكة عليهم بعض التخفيف الذي دل عليه إجمالاً قوله: ﴿ أني معكم ﴾ كما تقدم ﴿ فوق الأعناق ﴾ على الظرفية لاضْربوا.
و ﴿ الأعناق ﴾ أعناق المشركين وهو بيّن من السياق، واللام فيه والمراد بعض الجنس بالقرينة للجنس أو عوض عن المضاف إليه بقرينة قوله بعد: ﴿ واضْربوا منهم كل بنان ﴾ .
والبنان اسم جمع بَنَانَة وهي الأصبع وقيل طرف الأصبع، وإضافة (كل) إليه لاستغراق أصحابها.
وإنما خصت الأعناق والبنان لأن ضرب الأعناق إتلاف لأجساد المشركين وضرب البنان، يبطل صلاحية المضروب للقتال، لأن تناول السلاح إنما يكون بالأصابع، ومن ثَم كثر في كلامهم الاستغناء بذكر ما تتناوله اليد أو ما تتناوله الأصابع، عن ذكر السيف، قال النابغة: وأن تلادي أن نظرت وشِكّتي *** ومُهري وما ضَمَّتْ إليّ الأنامل يعني سيفه، وقال أبو الغول الطهوي: فدت نفسي وما ملكتْ يميني *** فوارسَ صُدِّقت فيهم ظنوني يريد السيف ومثل ذلك كثير في كلامهم فضرب البنان يحصل به تعطيل عمل اليد فإذا ضُربت اليد كلها فذلك أجدر.
وضرب الملائكة يجوز أن يكون مباشرة بتكوين قطع الأعناق والأصابع بواسطة فعل الملائكة على كيفية خارقة للعادة وقد ورد في بعض الآثار عن بعض الصحابة ما يشهد لهذا المعنى، فإسناد الضرب حقيقة.
ويجوز أن يكون بتسديد ضربات المسلمين وتوجيه المشركين إلى جهاتها، فإسناد الضرب إلى الملائكة مجاز عقلي لأنهم سببه، وقد قيل: الأمر بالضرب للمسلمين، وهو بعيد، لأن السورة نزلت بعد انكشاف الملحمة.
وجملة: ﴿ ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ﴾ تعليل لأن الباء في قوله ﴿ بأنهم ﴾ باء السببية فهي تفيد معنى التعليل ولهذا فُصلت الجملة.
والمخاطب بهذه الجملة: إما الملائكة، فتكون من جملة الموحى به إليهم إطْلاعاً لهم على حكمة فعل الله تعالى.
لزيادة تقريبهم، ولا يريبك إفراد كاف الخطاب في اسم الإشارة لأن الأصل في الكاف مع اسم الإشارة الإفراد والتذكير، وإجراؤها على حسب حال المخاطب بالإشارة جائز وليس بالمتعين، وإما من تبلغهم الآية من المشركين الأحياء بعد يوم بدر، ولذا فالجملة معترضة للتحذير من الاستمرار على مشاقة الله ورسوله.
والقول في إفراد الكاف هُو هُو إذ الخطاب لغير معين والمراد نوع خاص، ويجوز أن يكون المخاطب به النبي صلى الله عليه وسلم والمشار إليه ما أمروا به من ضرب الأعناق وقطع البنان.
وإفراد اسم الإشارة بتأويله بالمذكور، وتقدم غير مرة.
والمشاقة العداوة بعصيان وعناد، مشتقة من الشّق بكسر الشين وهو الجانب، هو اسم بمعنى المشقوق أي المفرق، ولما كان المخالف والمعادي يكون متباعداً عن عدوه فقد جعل كأنه في شق آخر، أي ناحية أخرى، والتصريح بسبب الانتقام تعريض للمؤمنين ليستزيدوا من طاعة الله ورسوله، فإن المشيئة لما كانت سبب هذا العقاب العظيم فيوشك ما هو مخالفة للرسول بدون مشاقة أن يُوقع في عذاب دون ذلك، وخليق بأن يكون ضدها وهو الطاعة موجباً للخير.
وجملة: ﴿ ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ﴾ تذييل يعم كل من يشاقق الله ويعم أصناف العقائد.
والمراد من قوله: ﴿ فإن الله شديد العقاب ﴾ الكناية عن عقاب المشاقين وبذلك يظهر الارتباط بين الجزاء وبين الشرط باعتبار لازم الخبر وهو الكناية عن تعلق مضمون ذلك الخبر بمن حصل منه مضمون الشرط، كقول عنترة: إن تُغْدِ في، دونِي القناع فإنني *** طَبُّ بأخذ الفارس المستلْئمِ يريد فأني لا يخفى عليَّ من يستر وجهه مني وأني أتوسّمه وأعرفه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ ﴾ وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ وكَثِيرًا مِن أصْحابِهِ غَشِيَهُمُ النُّعاسُ بِبَدْرٍ.
قالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: النُّعاسُ يَحِلُّ في الرَّأْسِ مَعَ حَياةِ القَلْبِ، والنَّوْمُ يَحِلُّ في القَلْبِ بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ الرَّأْسِ، فَهَوَّمَ رَسُولُ اللَّهِ حَتّى نامُوا فَبَشَّرَ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ بِالنَّصْرِ فَأخْبَرَ بِهِ أبا بَكْرٍ.
وَفي امْتِنانِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالنَّوْمِ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قَوّاهم بِالِاسْتِراحَةِ عَلى القِتالِ مِنَ الغَدِ.
الثّانِي: أنْ أمَّنَهم بِزَوالِ الرُّعْبِ مِن قُلُوبِهِمْ، كَما قالَ: الأمْنُ مُنِيمٌ، والخَوْفُ مُسْهِرٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمَنَةً مِنهُ ﴾ يَعْنِي بِهِ الدَّعَةَ وسُكُونَ النَّفْسِ مِنَ الخَوْفِ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أمَنَةٌ مِنَ العَدُوِّ.
الثّانِي: أمَنَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ﴾ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ عَلَيْهِمْ ماءَ السَّماءِ مَعُونَةً لَهم بِثَلاثَةِ أُمُورٍ: أحَدُها: الشُّرْبُ وإنْ كانُوا عَلى ماءٍ.
الثّانِي: وهو أخَصُّ أحْوالِهِ بِهِمْ في ذَلِكَ المَكانِ وهو أنَّ الرَّمْلَ تَلَبَّدَ بِالماءِ حَتّى أمْكَنَ المُسْلِمِينَ القِتالُ عَلَيْهِ.
والثّالِثُ: ما وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن حالِ التَّطْهِيرِ.
وَفي تَطْهِيرِهِمْ بِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن وساوِسِ الشَّيْطانِ الَّتِي ألْقى بِها في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والثّانِي: مِنَ الأحْداثِ والأنْجاسِ الَّتِي نالَتْهم، قالَهُ الجُمْهُورُ.
قالَ ابْنُ عَطاءٍ: أنْزَلَ عَلَيْهِمْ ماءً طَهَّرَ بِهِ ظَواهِرَ أبْدانِهِمْ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمْ رَحْمَةً نَقّى بِها سَرائِرَ قُلُوبِهِمْ.
وَإنَّما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِأمْرَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّها أخَصُّ صِفاتِهِ.
والثّانِي: أنَّها ألْزَمُ صِفاتِهِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ وَيُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وسْوَسَتُهُ أنَّ المُشْرِكِينَ قَدْ غَلَبُوهم عَلى الماءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: كَيْدُهُ وهو قَوْلُهُ: لَيْسَ لَكم بِهَؤُلاءِ القَوْمِ طاقَةٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ثِقَةٌ بِالنَّصْرِ.
والثّانِي: بِاسْتِيلائِهِمْ عَلى الماءِ.
﴿ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالصَّبْرِ الَّذِي أفْرَغَهُ اللَّهُ تَعالى حَتّى يَثْبُتُوا لِعَدُوِّهِمْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّانِي: تَلْبِيدُ الرَّمْلِ بِالمَطَرِ الَّذِي لا يَثْبُتُ عَلَيْهِ قَدَمٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ ﴾ مَعْناهُ مُعِينُكم ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ إنِّي مَعَكم في نُصْرَةِ الرَّسُولِ، فَتَكُونُ المَلائِكَةُ لِتَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ، واللَّهُ تَعالى مُتَوَلِّي النَّصْرِ بِما ألْقاهُ مِنَ الرُّعْبِ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ.
﴿ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَثَبِّتُوهم بِحُضُورِكم مَعَهم في الحَرْبِ.
والثّانِي: بِقِتالِكم مَعَهم يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: بِإخْبارِهِمْ أنَّهُ لا بَأْسَ عَلَيْهِمْ مِن عَدُوِّهِمْ.
﴿ سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾ يَعْنِي الخَوْفَ، ويَحْتَمِلُ أحَدَ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ إلْقاءُ الرُّعْبِ بِتَخاذُلِهِمْ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِتَكْثِيرِ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِهِمْ.
وَفي ذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِلْمَلائِكَةِ مَعُونَةً لَهم.
والثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لَهُ لِيُثَبِّتُوا بِهِ الَّذِينَ آمَنُوا.
﴿ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فاضْرِبُوا الأعْناقَ، وفَوْقَ صِلَةٌ زائِدَةٌ في الكَلامِ، قالَهُ عَطِيَّةُ والضَّحّاكُ.
وَقَدْ رَوى المَسْعُودِيُّ عَنِ القاسِمِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لِأُعَذِّبَ بِعَذابِ اللَّهِ وإنَّما بُعِثْتُ بِضَرْبِ الأعْناقِ وشَدِّ الوَثاقِ» .
والثّانِي: مَعْناهُ واضْرِبُوا الرُّؤُوسَ فَوْقَ الأعْناقِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: فاضْرِبُوا عَلى الأعْناقِ.
والرّابِعُ: فاضْرِبُوا عَلى الأعْناقِ.
والخامِسُ: فاضْرِبُوا فَوْقَ جِلْدَةِ الأعْناقِ.
﴿ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ ﴾ يَعْنِي المَفاصِلَ مِن أطْرافِ الأيْدِي والأرْجُلِ والبَنانِ: أطْرافُ الأصابِعِ مِنَ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم أخبرنا أبو بدر عباد بن الوليد المغبري فيما كتب إلي قال: سمعت أبا سعيد أحمد بن داود الحداد يقول: إنه لم يقل الله لشيء أنه معه إلا للملائكة يوم بدر.
قال: إني معكم بالنصر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه قال: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر.
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: قال أبي: يا بني لقد رأيتنا يوم بدر وان أحدنا ليشير بسيفه إلى رأس المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إن المشركين من قريش لما خرجوا لينصروا العير ويقاتلوا عليها نزلوا على الماء يوم بدر فغلبوا المؤمنين عليه، فأصاب المؤمنين الظمأ فجعلوا يصلون مجنبين ومحدثين؟
فألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحزن فقال لهم: أتزعمون أن فيكم النبي صلى الله عليه وسلم وإنكم أولياء الله وقد غلبتم على الماء وأنتم تصلون مجنبين ومحدثين؟
حتى تعاظم ذلك في صدور أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فأنزل الله من السماء ماء حتى سال الوادي، فشرب المؤمنون، وملأوا الأسقية، وسقوا الركاب، واغتسلوا من الجنابة، فجعل الله في ذلك طهوراً وثبت أقدامهم، وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة، فبعث الله المطر عليها فلبدها حتى اشتدت وثبت عليها الأقدام، ونفر النبي صلى الله عليه وسلم بجميع المسلمين وهم يومئذ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً، منهم سبعون ومائتان من الأنصار وسائرهم من المهاجرين، وسيد المشركين يومئذ عتبة بن ربيعة لكبر سنه.
فقال عتبة: يا معشر قريش إني لكم ناصح وعليكم مشفق لا أدخر النصيحة لكم بعد اليوم، وقد بلغتم الذي تريدون وقد نجا أبو سفيان فارجعوا وأنتم سالمون، فإن يكن محمد صادقاً فأنتم أسعد الناس بصدقه، وإن يك كاذباً فأنتم أحق من حقن دمه.
فالتفت إليه أبو جهل فشتمه وفج وجهه وقال له: قد امتلأت أحشاؤك رعباً.
فقال له عتبة: سيعلم اليوم من الجبان المفسد لقومه.
فنزل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، حتى إذا كانوا أقرب أسنة المسلمين قالوا: ابعثوا إلينا عدتنا منكم نقاتلهم.
فقام غلمة من بني الخزرج فاجلسهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا بني هاشم أتبعثون إلى أخويكم- والنبي منكم- غلمة بني الخزرج؟
فقام حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث، فمشوا إليهم في الحديد فقال عتبة: تكلموا نعرفكم، فإن تكونوا أكفاءنا نقاتلكم.
فقال حمزة رضي الله عنه: أنا أسد الله وأسد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال له عتبة: كفء كريم.
فوثب إليه شيبة فاختلفا ضربتين فضربه حمزة فقتله، ثم قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى الوليد بن عتبة فاختلفا ضربتين فضربه علي رضي الله عنه فقتله، ثم قام عبيدة فخرج إليه عتبة فاختلفا ضربتين فجرح كل واحد منهما صاحبه، وكر حمزة على عتبة فقتله، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فقال» اللهم ربنا أَنْزَلْتَ عليَّ الكتاب وأمرتني بالقتال ووعدتني النصر ولا تخلف الميعاد «فأتاه جبريل عليه السلام، فأنزل عليه ﴿ ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ﴾ [ آل عمران: 124] فأوحى الله إلى الملائكة ﴿ إني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ﴾ فقتل أبو جهل في تسعة وستين رجلاً، وأسر عقبة بن أبي معيط فقتل صبراً، فوفى ذلك سبعين وأسر سبعون.
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن بعض بني ساعدة قال: سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة رضي الله عنه بعدما أصيب بصره يقول: لو كنت معكم ببدر الآن ومعي بصري لأخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أشك ولا أتمارى، فلما نزلت الملائكة ورآها إبليس، وأوحى الله: إليهم إني معكم فثبتوا الذين آمنوا، وتثبيتهم أن الملائكة عليهم السلام تأتي الرجل في صورة الرجل يعرفه فيقول: ابشروا فإنهم ليسوا بشيء والله معكم كروا عليهم، فلما رأى إبليس الملائكة نكص على عقبيه وقال: إني بريء منكم وهو في صورة سراقة، وأقبل أبو جهل يحضض أصحابه ويقول: لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم فإنه كان على موعد من محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم قال: واللات والعزى لا نرجع حتى نقرن محمداً وأصحابه في الحبال، فلا تقتلوا وخذوهم أخذاً» .
وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لما حضر القتال ورسول الله صلى الله عليه وسلم رافع يديه يسأل الله النصر، ويقول: اللهم إن ظهروا على هذه العصابة ظهر الشرك، ولا يقوم لك دين، وأبو بكر رضي الله عنه يقول: والله لينصرنك الله وليبيضن وجهك، فأنزل الله عز وجل ألفاً من الملائكة مردفين عند أكتاف العدو، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشر يا أبا بكر هذا جبريل عليه السلام معتجر بعمامة صفراء آخذ بعنان فرسه بين السماء والأرض، فلما نزل إلى الأرض تغيب عني ساعة ثم نزل على ثناياه النقع، يقول: أتاك نصر الله إذ دعوته» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال: كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة عليهم السلام ممن قتلوهم بضرب على الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاضربوا فوق الأعناق ﴾ يقول: الرؤوس.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عطية رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاضربوا فوق الأعناق ﴾ قال: اضربوا الأعناق.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاضربوا فوق الأعناق ﴾ يقول: اضربوا الرقاب.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ واضربوا منهم كل بنان ﴾ قال: كل مفصل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي رضي الله عنه في قوله: ﴿ واضربوا منهم كل بنان ﴾ قال: أضرب منه الوجه والعين، وارمه بشهاب من نار.
وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى ﴿ واضربوا منهم كل بنان ﴾ قال: أطراف الأصابع وبلغة هذيل الجسد كله.
قال: فأنشدني في كلتيهما؟
قال: نعم، أما أطراف الأصابع فقول عنترة العبسي: فنعم فوارس الهيجاء قومي ** إذا علق الأعنة بالبنان وقال الهذلي في الجسد: لها أسد شاكي البنان مقذف ** له لبد أظفاره لم تقلم وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن أبي داود المازني رضي الله عنه قال: بينا أنا أتبع رجلاً من المشركين يوم بدر، فاهويت إليه بسيفي فوقع رأسه قبل أن يصل سيفي إليه، فعرفت أن قد قتلته غيري.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ﴾ قال: ما وقعت يومئذ ضربة إلا برأس أو وجه أو مفصل.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ الإشارة تعود إلى ما أمر به من ضربهم؛ يقول: ضرب أعناقهم وبنانهم بما ارتكبوا من الشقاق، وذكرنا معنى الشقاق فيما تقدم (١) وقال أبو إسحاق: شاقوا: جانبوا وصاروا في شق غير شق المؤمنين (٢) (٣) وقال ابن عباس: ﴿ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ يريد: حاربوا الله وحاربوا رسوله (٤) (٥) وشاقوا الله: مجاز، وحقيقته (٦) (٧) (٨) (١) انظر: البسيط (النسخة الأزهرية) 1/ 91 أ، ونص قوله في هذا الموضع: ("شقاق": أي خلاف وعداوة، وتأويله: أنهم صاروا في شق غير شق المسلمين، والعداوة تسمى شقاقًا،؛ لأن كل واحد من المعادين يأتي بما يشق على صاحبه، أو لأن كل واحد صار في شق غير شق صاحبه).
(٢) اهـ كلام الزجاج.
انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 405.
(٣) "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 188.
(٤) "الوسيط" 2/ 448.
(٥) في (م): تباين اهـ.
والضمير في قوله (أنه) ضمير الشأن، و (من) فاعل (باين) والمعنى: إن من لا يحارب من الكفار قد باين، ويقال له: قد شاق الله ورسوله، فتبين أن تفسير ابن عباس المشاقة بالمحاربة من باب التمثيل.
(٦) في (ح): (وحقيقة).
(٧) بل مشاقة الله لا تقتصر على مشاقة أوليائه فهي تعني مخالفته وسبه بادعاء الشركاء والولد له، ومحاربة دينه، وترك شرعه، وغير ذلك من أنواع المشاقة، قال الإمام ابن كثير 2/ 325: ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله، أي: خالفوهما فساروا في شق، وتركوا الشرع والإيمان به واتّباعه في شق.
(٨) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 405.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِذْ يُوحِى ﴾ يحتمل أن يكون ذلك بدلاً من إذ المتقدمة كما أنها بدل من التي قبلها، أو يكون العامل فيه يثبت ﴿ فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ ﴾ يحتمل أن يكون التثبيت بقتال الملائكة مع المؤمنين أو بأقوال مؤنسة مقوية للقلب قالوها: إذا تصوروا بصور بني آدم أو بإلقاء الأمن في نفوس المؤمنين ﴿ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب ﴾ يحتمل أن يكون من خطاب الله للملائكة في شأن غزوة بدر تكميلاً لتثبيت المؤمنين، أو استئناف إخبار عما يفعله الله في المستقبل ﴿ فاضربوا فَوْقَ الأعناق ﴾ يحتمل أيضاً أن يكون خطاباً للملائكة أو للمؤمنين، ومعنى فوق الأعناق: أي على الأعناق، حيث المفصل بين الرأس والعنق لأنه مذبح، والضرب فيها يطيّر الرأس، وقيل: المراد الرؤوس، لأنها فوق الأعناق، وقيل: المراد الأعناق وفوق زائدة ﴿ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ قيل: هي المفاصل، وقيل: الأصابع وهو الأشهر في اللغة، وفائدة ذلك أن المقاتل إذا ضربت أصابعه تعطل عن القتال فأمكن أسره وقتله ﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ الله وَرَسُولَهُ ﴾ الإشارة إلى ما أصاب الكفار يوم بدر، والباء للتعليل، وشاقوا من الشقاق وهو العداوة والمقاطعة ﴿ ذلكم فَذُوقُوهُ ﴾ الخطاب هنا للكفار، وذلكم مرفوع تقديره ذلكم العقاب أو العذاب، ويحتمل أن يكون منصوباً بقوله: فذوقوه، كقولك زيداً فاضربه ﴿ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ ﴾ عطف على ذلك على تقدير رفعه، أو نصبه، أو مفعول معه، والواو بمعنى مع.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يغشاكم النعاس ﴾ ابن كثير وأبو عمرو.
﴿ يغشيكم النعاس ﴾ من باب الأفعال: أبو جعفر ونافع.
الباقون ﴿ يغشكيم النعاس ﴾ من باب التفعيل.
ويقال من الإنزال: ابن كثير وسهل ويعقوب وأبو عمر.
والآخرون: بالتشديد ﴿ رمى ﴾ بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى.
﴿ موهن ﴾ من الأفعال ﴿ كيد ﴾ بالنصب: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص وسهل ورويس ﴿ موهن ﴾ من الأفعال ﴿ كيد ﴾ بالجر للإضافة: حفص.
الباقون ﴿ موهن ﴾ بالتشديد ﴿ كيد ﴾ بالنصب ﴿ وإن الله ﴾ بالفتح: ابن عامر وأبو جعفر ونافع وحفص والمفضل.
الباقون: بالكسر.
الوقوف: ﴿ الإقدام ﴾ ه ط لتعلق "إذ" بمحذوف هو "اذكر".
﴿ الذين آمنوا ﴾ ط ﴿ كل بنان ﴾ ط ﴿ ورسوله ﴾ الأوّل ج ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ الأدبار ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ط ﴿ قتلهم ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ رمى ﴾ ج لاحتمال أن تكون الواو مقحمة واللام متعلقاً بما قبله واحتمال أن تكون عاطفة على ﴿ ولكن الله رمى ﴾ أو على محذوف أي لتستبشروا وليبلى ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ الفتح ﴾ ج للفصل بين الجملتين المتضادتين مع العطف ﴿ خير لكم ﴾ ج لذلك ﴿ نعد ﴾ ج ﴿ كثرت ﴾ ط لمن قرأ "وإن" بالكسر ﴿ المؤمنين ﴾ ه.
التفسير: قال في الكشاف ﴿ إذ يغشيكم ﴾ "إذ" بدل ثانٍ من ﴿ إذ يعدكم ﴾ أو منصوب بالنصر أبو بما في عند الله من معنى الفعل أو بما جعله الله أو بإضمار اذكروا و ﴿ أمنة ﴾ مفعول لأجله ﴿ ومنه ﴾ صفة لها أي أمنة حاصلة لكم من عند الله.
ولما كان غشيان النعاس وكذا إغشاؤه وتغشيته متضمناً لمعنى تنعسون كان فاعل الفعل المعلل والعلة واحداً كما هو شريطة انتصاب المفعول له.
والمعنى إذ تنعسون لأمنتكم أو يغشاكم النعاس فتنعسون أمناً.
وجوّز على قراءة الإغشاء والتغشية أن تكون الأمنة بمعنى الإيمان أي ينعسكم إيماناً منه.
وجوّز أن ينتصب الأمنة على أنها للنعاس الذي هو فاعل ﴿ يغشاكم ﴾ أي يغشاكم النعاس لأمنه على أن إسناد الأمن إلى النعاس إسناد مجازي وهو لأصحاب النعاس على الحقيقة، أو على أن المراد أنه أنامكم في وقت كان من حق النعاس في مثل ذلك الوقت المخوف أن لا يقدم على غشيانكم وإنما غشاكم أمنة حاصلة له من الله لولاها لم يغشكم على طريقة التمثيل والتخييل، وقد مر فوائد هذا النعاس في سورة آل عمران.
ومن نعم الله تعالى عليهم في تلك الواقعة إنزال المطر عليهم وكان فيه فوائد: إحداها: تحصيل الطهارة، والثانية: إذهاب رجز الشيطان.
وقيل: هو الجنابة التي أصابتهم لأنها من تخييل الشيطان ولا تكرار لأن الأولى عام وهذه خاص.
وقيل: المراد المني لأنه شيء مستخبث مستقذر وعلى هذا يكون في الآية دلالة على نجاسة المني لقوله ﴿ والرجز فاهجر ﴾ وقيل: المراد وسوسة الشيطان إليهم وتخويفه إياهم من العطش وذلك أن المشركين سبقوهم إلى الماء ونزل المؤمنون في كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام على غير ماء فناموا فاحتلم أكثرهم فتمثل لهم إبليس في صورة إنسان فقال لهم: أنتم يا أصحاب محمد تزعمون أنكم على الحق وأنكم تصلون على غير وضوء وعلى الجنابة قد عطشتم، ولو كنتم على حق لما غلبكم هؤلاء على الماء وما ينتظرون بكم إلا أن يجهدكم العطش فإذا قطع العطش أعناقكم مشوا إليكم فقتلوا من أحبوا وساقوا بقيتكم إلى مكة.
فحزنوا حزناً شديداً وأشفقوا فأنزل الله المطر فمطروا ليلاً حتى جرى الوادي واتخذ أصحاب رسول الله الحياض على عدوة الوادي وسقوا الركاب واغتسلوا وتوضأوا وتلبد الرمل الذي كان بينهم وبين العدوّ حتى ثبتت عليه الأقدام وكانت هذه ثالثة الفوائد وأشار إليها بقوله ﴿ ويثبت به ﴾ أي بالماء ﴿ الأقدام ﴾ وقيل: الضمير عائد إلى الربط الذي يدل عليه قوله ﴿ ليربط على قلوبكم ﴾ والمراد من تثبيت الأقدام الصبر في مواطن القتال، وذلك أن من كان قلبه ضعيفاً فرّ ولم يقف فلما ربط الله على قلوبهم أي قوّاها ثبتت أقدامهم ومعنى "على" أن القلوب امتلأت من ذلك الربط حتى كأن علاها وارتفع فوقها.
قال الواحدي: يشبه أن يكون على صلة والمعنى وليربط قلوبكم بالنصر وما أوقع فيها من اليقين.
روي أن المطر نزل على الكافرين أيضاً ولكن الموضع الذي نزل الكفار فيه كان موضع التراب فعظم الوحل وصار مانعاً لهم من المشي والاستقرار.
فقوله ﴿ ويثبت به الأقدام ﴾ يدل مفهومه على أن حال الأعداء كان بخلاف ذلك.
ومن جملة النعم قوله ﴿ إذ يوحي ربك ﴾ وهو بدل ثالث من ﴿ إذ يعدكم ﴾ ومنصوب بـ ﴿ يثبت ﴾ أو بذكر أني معكم الخطاب للملائكة والمراد أني معينكم على التثبيت فثبتوهم.
وقيل: الخطاب للمؤمنين لأن المقصود من هذا الكلام إزالة التخويف والملائكة ما كانوا يخافون الكفار.
وقوله ﴿ فثبتوا الذين آمنوا ﴾ في هذا التثبيت وجوه: أحدها: أنه مفسر لقوله ﴿ سألقي ﴾ ﴿ فاضربوا ﴾ ولا معونة أعظم من إلقاء الرعب في قلوب الكفرة، ولا تثبيت أبلغ من ضرب أعناقهم واجتماعهما غاية النصرة.
وثانيها: أن يراد بالتثبيت أن يخطروا ببالهم ما تقوى به قلوبهم وتصح عزائمهم ونياتهم في القتال فالإلهام من الملائكة كالوسوسة من الشياطين.
وثالثها: أن الملائكة كانوا يتشبهون بصور رجال من معارفهم وكانوا يعدونهم النصر والظفر.
ومعنى ﴿ فوق الأعناق ﴾ أعالي الأعناق التي هي المذابح لأنها مفاصل، فكان إيقاع الضرب فيها إزالة الرأس من الجسد.
وقيل: أراد ضرب إلهام لأن الرؤوس فوق الأعناق.
والبنان الأصابع سميت بذلك لأن بها صلاح أحوال الإنسان التي يريد أن يقيمها من أبن بالمكان أي أقام به، والمراد نفي الأطراف من اليدين والرجلين.
ثم اختلفوا فمنهم من قال: المراد أن يضربوهم كما شاؤا لأن ما فوق العنق هو الرأس وهو أشرف الأعضاء والبنان عبارة عن أضعف الأعضاء فذكر الأشرف والأخس تنبيهاً على كل الأعضاء.
بوجه أخر الضرب إما وقع على مقتل أو غير مقتل، فأمرهم بأن يجمعوا عليهم النوعين معاً.
ومنهم من قال: الأوّل إشارة إلى القتل، وقطع البنان عبارة عن إفناء آلات المدافعة والمحاربة ليعجزوا عن القتال.
وجوّز في الكشاف أن يكون قوله ﴿ سألقي ﴾ إلى قوله ﴿ كل بنان ﴾ تلقيناً للملائكة ما يثبتونهم به أي قولوا لهم قول سألقي، أو يكون وارداً على الاستئناف كأنهم قالوا: كيف نثبتهم؟
فقيل: قولوا لهم قول سألقي.
فالضاربون على هذا هم المؤمنون ﴿ ذلك ﴾ العقاب العاجل من الضرب والقتل وقع عليهم ﴿ بأنهم شاقوا ﴾ بسبب مشاقتهم ومخالفتهم ﴿ الله ورسوله ﴾ ثم بيّن أن الذي نزل بهم في ذلك اليوم شيء يسير وقدر نزر في جنب ما أعد الله لهم ولأمثالهم في الآجل فقال ﴿ ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ﴾ أي له.
والكاف في ﴿ ذلك ﴾ للرسول أو لكل من له أهلية الخطاب، في ﴿ ذلكم ﴾ للكفرة على طريقة الالتفات ومحله الرفع تقديره: ذلكم العذاب المعجل من القتل والأسر أو العذاب ذلكم، أو النصب والتقدير: عليكم ذلكم أي الزموه فذوقوه أو هو كقولك زيداً فاضربه.
قال في الكشاف: ﴿ وإن للكافرين ﴾ عطف على ﴿ ذلكم ﴾ في وجهيه أو نصب على أن الواو بمعنى "مع" والمعنى: ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة.
فوضع الظاهر موضع ضمير الخطاب.
قلت: ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر أي وأن للكافرين عذاب النار حق أو بالعكس أي والحكم والشأن أن للكافرين.
وفي ذكر الذوق إشارة إلى أن عذاب الدنيا شيء قليل بالنسبة إلى عذاب الآخرة.
قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً ﴾ قال الأزهري: أصل الزحف هو أن يزحف الصبي على أسته قبل أن يقوم، شَبَّهَ بزحف الصبي مشي الطائفتين تتمشى كل فئة مشياً رويداً إلى الفئة الأخرى تتدانى للضرب.
فانتصابه على الحال من الفريقين أي، إذا لقيتموهم متزاحفين هم وأنتم، ويجوز أن يكون حالاً من الذين كفروا.
والزحف الجيش الدهم الذي يرى لكثرته كأنه يزحف أي يدب دبيباً سمي بالمصدر، والجمع زحوف والمعنى: إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير جم وأنتم قليل فلا تفروا فضلاً عن حالتي المداناة والمساواة، ويجوز أن يكون حالاً من المخاطبين وهم المؤمنون أي إذا ذهبتم إليهم للقتال فلا تنهزموا ومعنى ﴿ فلا تولوهم الأدبار ﴾ لا تجعلوا ظهوركم مما يليهم أو هو تقدمه نهي عن الفرار يوم حنين حين تولوا مدبرين وهم زحف من الزحوف اثنا عشرألفاً.
وفي قوله ﴿ من يولهم يومئذ دبره ﴾ أمارة عليه، ثم بين أن الانهزام محرم إلا في حالتين فقال ﴿ إلا متحرفاً لقتال ﴾ هو المكر بعد الفرّ يخيل إلى عدوّه أنه منهزم ثم يعطف عليه وهو نوع من خدع الحرب ﴿ أو متحيزاً ﴾ أي منحازاً ﴿ إلى فئة ﴾ إلى جماعة أخرى من المسلمين سوى الفئة التي هو فيها.
وعلى هذا انتصب ﴿ متحرفاً ﴾ و ﴿ متحيزاً ﴾ على أنه استثناء مفرغ من أعم الأحوال ووجد صحته من أنه ليس في الكلام نفي ظاهر هو أنه في معنى النفي كأنه قيل: ومن لا يقدم أو لا يعطف عليهم في حال من الأحوال إلا في حال التحرف أن التحيز، ويجوز أن يكون الاستثناء تاماً على أن الموصوف محذوف والتقدير: ومن يولهم دبره إلا رجلاً منهم متحرفاً أو متحيزاً.
ووزن متحيزاً "متفيعل" لأنه من حاز يحوز فعل به ما فعل بأيام، لو كان "متفعلاً" لقيل "متحوزاً".
عن ابن عمر: خرجت سرية وأنا فيهم ففروا، فلما رجعوا إلى المدينة استحيوا فدخلوا البيوت فقلت: يا رسول الله نحن الفرارون فقال: بل أنتم العكارون وأنا فئتكم.
والعكرة البكرة.
وعن ابن عباس أن الفرار من الزحف في غير هاتين الصورتين من أكبر الكبائر.
واحتج القاضي بالآية على القطع بوعيد الفساق من أهل الصلاة.
وأجيب بأنه مشروط بعدم العفو.
وعن أبي سعيد الخدري والحسن وقتادة والضحاك أن هذا الحكم مختص بيوم بدر لأن رسول الله كان حاضراً بنفسه، لأنه وعدهم النصرة، ولأنه كان أول جهاده فناسب التشديد ولهذا منع من أخذ الفداء.
وأكثر المفسرين على أنه عام في جميع الحروب لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قال أكثر المفسرين: إن المؤمنين لما كسروا أهل مكة وقتلوا وأسروا أقبلوا على التفاخر وكان القائل يقول قتلت وأسرت فقيل لهم: فلم تقتلوهم.
والفاء جواب شرط محذوف تقديره إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن قتلهم لأنه هو الذي أنزل الملائكة وألقى الرعب في قلوبهم وشاء النصر والظفر وقوّى قلوبكم وربط عليها.
ولما طلعت قريش قال رسول الله : "هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك اللهم إني أسألك ما وعدتني" فأتاه جبرائيل فقال: خذ قبضة من تراب فارمهم بها فقال: -لما التقى الجمعان - لعلي: أعطني قبضة من حصباء الوادي فأعطاه فرمى بها في وجوههم وقال: "شاهت الوجوه" فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه فانهزموا فنزلت ﴿ وما رميت إذ رميت ﴾ أي وما رميت أنت يا محمد إذ رميت ﴿ ولكن الله رمى ﴾ أثبت الرمية للرسول الله لأن صورتها وجدت منه ونفاها عنه لأن أثرها فوق حد تأثير القوى البشرية.
قال حكيم بن حزام: لما كان يوم بدر سمعنا صوتاً وقع من السماء إلى الأرض كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله بتلك الحصباء فانهزمنا، وعن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: أقبل أبي بن خلف يوم أحد إلى النبي يريده فاعترض له رجال من المؤمنين فأمرهم رسول الله فخلوا سبيله فاستقبله مصعب ابن عمير أخو بني عبد الدار ورأى رسول الله ترقوه أبيّ من فرجة بين سابغة البيضة والدرع فطعنه بحربته فسقط أبي من فرسه ولم يخرج من طعنته دم وكسر ضلعاً من أضلاعه، فأتاه أصحابه وهو يخور خوار الثور فقالوا له: ما أعجزك إنما هو خدش فقال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لما أتوا أجمعين فمات أبيّ إلى النار قبل أن يقدم مكة فأنزل الله في ذلك ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ وقيل: نزلت في خيبر حين دعا رسول الله بقوس فرمى منها بسهم فأقبل السهم يهوي حتى قتل كنانة بن أبي الحقيق وهو على فراشه.
وأصح الأقوال هو الأوّل كيلا يدخل في أثناء القصة كلام أجنبي، نعم لا يبعد أن يدخل تحته سائر الوقائع لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
﴿ وليبلى المؤمنين منه بلاء حسناً ﴾ وليعطهم عطاء جميلاً فعل ما فعل وما فعله إلا لذلك.
قال القاضي: ولولا أن المفسرين أجمعوا على أن معنى البلاء ههنا النعمة وإلا لكان يحتمل المحنة أي الذي فعله يوم بدر كان كالسبب في حصول تكليف شاق عليهم فيما بعد ذلك من الغزوات.
﴿ إن الله سميع ﴾ لكلامكم ﴿ عليم ﴾ بضمائركم.
وهذا يجري مجرى التحذير والترهيب كيلا يغتر العبد بظواهر الأمور ﴿ ذلكم ﴾ الغرض أي الغرض ذلكم ﴿ وإن الله موهن كيد الكافرين ﴾ إعرابه كما مر في قوله ﴿ وأن للكافرين عذاب النار ﴾ قال ابن عباس: ينبىء رسول الله ويقول إني قد أوهنت كيد عدوّك حتى قتلت جبابرتهم وأسرت أشرافهم.
قال السدي والكلبي والحسن: كان المشركين حين خرجوا إلى رسول الله من مكة أخذوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدينين فأنزل الله خطاباً لهم على سبيل التهكم ﴿ إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ﴾ وقال عكرمة: قال المشركون: اللهم لا نعرف ما جاء به محمد فافتح بيننا وبينه بالحق فنزلت.
وروي أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم أينا كان أفجر وأقطع للرحم فأحنه اليوم أي فأهلكه.
وقيل: إنه خطاب للمؤمنين الذين استغاثوا الله وطلبوا النصر.
ثم خاطب الكفار بقوله ﴿ وأن تنتهوا ﴾ أي عن عداوة رسول الله ﴿ فهو خير لكم ﴾ وأسلم وإن تعودوا لمحاربته نعد لنصرته عليكم.
وجوّز بعضهم أن يكون الخطاب في الجميع للمؤمنين أي إن تكفوا عن المنازعة في أمر القتال أو عن طلب الفداء فهو خير لكم ﴿ وإن تعودوا ﴾ إلى تلك المنازعات ﴿ نعد ﴾ إلى ترك نصرتكم.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ وإن الله مع المؤمنين ﴾ تقديره على قراءة الفتح ولأن الله معين المؤمنين كان ذلك.
التأويل: ﴿ إذ يغشاكم النعاس أمنة ﴾ فيه تغليب الحال إلى ضده بأمر التكوين كما قال للنار ﴿ كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ﴾ كذلك قال للخوف كن أمناً على محمد وأصحابه فكان ﴿ ينزل عليكم ﴾ من سماء الروحانية ماء الإلهام الرباني ﴿ ليطهركم به ﴾ من دنس الصفات النفسانية والحيوانية ﴿ ويذهب عنكم ﴾ وساوس الشيطان وهواجسه ﴿ وليربط على قلوبكم ﴾ بالصدق والإخلاص والمحبة والتوكل واليقين ﴿ ويثبت بهالأقدام ﴾ على طريق الطلب ﴿ إني معكم فثبتوا ﴾ فيه أن التثبيت من الله لا من غيره، وكذلك إلقاء الرعب في قلوبهم وغير ذلك.
﴿ إذا لقيتم الذين كفروا ﴾ إذا لقيتم كفار النفوس وصفاتها مجتمعين على قهر القلوب وصفاتها فلا تنهزموا فتقعوا عن صراط الطلب ﴿ إلا متحرفاً ﴾ إلا قلباً يتحرك ليتهيأ لأسباب القتال مع النفس أو راجعاً إلى الاستمداد من الروح وصفاتها أو إلى ولاية الشيخ أو إلى حضرة الله مستمداً في قمع النفس وقهرها بطريق المجاهدة فإنها تورث المشاهدة ﴿ فلم تقتلوهم ﴾ نفى القتل عن الصحابة بالكلية أو حاله إلى نفسه فقال ﴿ ولكن ﴾ ولم ينف الرمي عن النبي بالكلية حيث قال ﴿ إذ رميت ﴾ لأن الله كان قد تجلى بالقدرة وكأن يده يد الله كما كان حل عيسى حين تجلى له بصفة الإحياء كان يحيي الموتى ﴿ وليبلى المؤمنين منه ﴾ فيجتهدوا في متابعته إلى أن يبلغوا هذا المقام ﴿ إن تستفتحوا ﴾ أي تفتحوا أبواب قلوبكم بمفتاح الصدق والإخلاص وترك ما سوى الله في طلب التجلي ﴿ فقد جاءكم الفتح ﴾ بالتجلي فأنه متجل في ذاته أزلاً وأبداً فلا تغير له وإنما التغير في أحوال الخلق، فهم عند انغلاق أبواب قلوبهم محرومون وعند انفتاح أبوابها محظوظون ﴿ وأن تنتهوا ﴾ عن طلب غير الله ﴿ فهو خير لكم وأن تعودوا ﴾ إلى طلب الدنيا وزخارفها ﴿ نعد ﴾ إلى خذلانكم ونكالكم ونكلكم إلى أنفسكم ودواعيها ﴿ ولن تغني عنكم ﴾ لا يقوم شيء من الدنيا والآخرة وما فيهما مقام شيء مما أعدّ لأهل الله وخاصته.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ﴾ ذكر النعاس بعد شدة خوفهم، والنعاس لا يكون ممن اشتد به الخوف ويغشيه إلا بعد الأمن، فذكر لطفه ومنته الأمن بعد شدة الخوف، ذكر عظيم ما من عليهم من الأمن لما ذكر من إلقاء النعاس عليهم والنعاس إنما يكون بعد الأمن، بعد ما كان من حالهم ما ذكر حيث قال: ﴿ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ﴾ ذكر في بعض القصة أن المشركين سبقوا فأخذوا الماء؛ فبقي المسلمون في رمل لا تثبت أقدامهم عطشى، فوسوس إليهم الشيطان أنهم لو كانوا على حق ما بلوا بمثل ذلك في رمل لا تثبت أقدامهم عطشى؛ فأبدل الله مكان الخوف أمناً يأمنون به، وأنزل عليهم من السماء ماء ليطهرهم به ويشربون ويشدد به الرمل وتثبت أقدامهم، فذلك قوله: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ ﴾ قال أهل التأويل: [الرجز]: وسوسة الشيطان التي وسوس إليهم.
وقيل: الرجز: الإثم؛ أذهب ذلك عنهم؛ كقوله: ﴿ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ﴾ ذكر هذا - والله أعلم - على المبالغة [في المنة أنه] أخبر أنه أنزل من السماء ماء فضل عن حوائجهم حتى وجدوا ماء لتطهير أنفسهم وأبدانهم، وأذهب عنهم رجز الشيطان؛ ذكر السبب الذي به يذهب الرجز؛ لأن الرجز هو العذاب، فذكر الرجز والمراد منه سبب الرجز.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ ﴾ .
يحتمل: حقيقة تثبيت الأقدام.
ويحتمل: الثبات على ما هم عليه.
والربط: هو الشد لشيء، فيحتمل قوله: ﴿ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ ﴾ أي شدها حتى لا يزول أحدهم عما هو فيه، ولا يزيع عن ذلك، وإن ابتلاه الله - - بأنواع الشدائد والبلايا؛ ذكر في التوحيد والإيمان الربط والتثبيت بقوله: ﴿ كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ﴾ ، وذكر في الشرك والكفر الطبع والختم والقفل ونحوه؛ فهو - والله أعلم - عقوبة لهم لما اختاروا ذلك.
وقوله: ﴿ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ .
قيل: وسوسة الشيطان، وهو ما ذكر في بعض القصة أن المسلمين أصابهم ضعف شديد، وألقى الشيطان في قلوبهم القنوط، ويوسوسهم، ويقول لهم: تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلون مجنبين، فأمطر الله عليهم مطراً شديداً، فشرب المسلمون وتطهروا، وأذهب عنهم رجز الشيطان، ونشف الرمل حين أصابه المطر، فمشى الناس عليه والدواب فساروا إلى القوم، وأمدّ الله - عز وجل - نبيه والمؤمنين بألف من الملائكة، فذلك قوله: ﴿ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ .
ثم قال: ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .
الوحي [و] كان يسمى وحياً لسرعة قذفه في القلوب ووقوعه فيها؛ ولذلك سمى - والله أعلم - وساوس الشيطان: وحياً بقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ ﴾ ، أي: يقذفون في قلوبهم، ويدعونهم إلى أشياء من غير أن علموا بذلك أنه ممن جاء ذلك، وما سبب ذلك؛ لسرعة قذفه ووقوعه في القلوب، وكذلك سمى الإلهام وحياً لسرعة وقوعه في القلوب؛ قال - -: ﴿ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ ﴾ .
وقيل: هو الإلهام؛ أي: ألهم النحل لتتخذ من الجبال بيوتاً، وقال - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ ﴾ ، أخبر أن ليس له أن يكلمه إلا وحياً، وهو ما ألهمه، سمى وحياً لسرعة وقوعه في القلب وقذفه [فيه] على غير علم منهم أنه من أين كان؟
ومم كان.
وفيه دلالة أن غيراً هو الذي أخطر ذلك في القلوب وقذفه فيها، لا أنه يحدث ذلك بنفسه على غير إخطار أحد ولا قذفه، فإن كان ما قذف فيه خيراً فهو من الملك، وإن كان شرّاً فهو من قذف الشيطان ووسوسته؛ ففيه دليل ثبوت الملك والشيطان، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنِّي مَعَكُمْ ﴾ .
[قيل: إني معكم] في النصر، والمعونة، ودفع العدو عنكم.
أو يقول: إني معكم في التوفيق.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ ﴾ أي: أخبر المؤمنين أني معكم بما ذكرنا من النصر والمعونة والدفع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .
أمر ملائكته أن يثبتوا الذين آمنوا بالنصر لهم والأمن، بعد ما كانوا خائفين فشلين جبنين لما أجابوا ربهم، مع ضعف أبدانهم، وقلة عددهم، فأبدلهم الله مكان الخوف لهم أمناً، ومكان الضعف القوة والنصر، ومكان الذل العز، وأبدل المشركين مكان الأمن لهم خوفاً، ومكان العز الذل، ومكان الكثرة الضعف والفشل؛ فذلك - والله أعلم - [قوله]: ﴿ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .
جائز أن يكون نفس نزول الملائكة تثبيتهم؛ لأنهم سبب تثبيتهم، [أو ثبتهم] من غير أن علم المؤمنون بهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ .
قال قائلون: قوله: ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ ﴾ إذا ظفروا بهم ووقعوا في أيديهم، فعند ذلك يضرب فوق الأعناق، وهو الفصل الذي يبين الرأس بالضرب؛ لما نهى عن المثلة، وفي الضرب في غير ذلك مثلة.
ويحتمل قوله: ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ ﴾ ، أي: اضربوا الأعناق وما فوق الأعناق.
﴿ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ معناه - والله أعلم - أي: اضربوا على ما تهيأ لكم من الأطراف وغيرها.
وأما قوله: ﴿ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ في الحرب؛ لأنه لا سبيل في الحرب إلى أن يضرب ضرباً لا يكون مثلة؛ فكأنه قال: فاضربوا فوق الأعناق إذا قدرتم عليهم ووقعوا في أيديكم، ﴿ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ \[كيفما تقدرون\]، وحيثما تقدرون، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ .
يعني - والله أعلم -: ذلك الضرب والقتل.
﴿ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ ﴾ .
أي: حاربوا الله ورسوله، والمشاقة: الخلاف؛ خالفوا الله ورسوله.
﴿ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ : له في الآخرة.
وقوله: ﴿ ذٰلِكُمْ ﴾ .
أي: ذلكم العقاب والعذاب.
﴿ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ ﴾ .
بالخلاف لله ورسوله، والمحاربة معهم.
<div class="verse-tafsir"
ذلك الواقع بالكفار من القتل وضرب الأطراف سببه أنهم خالفوا الله ورسوله، فلم يأتمروا بما أمروا به، ولم ينتهوا عما نهوا عنه، ومن يخالف الله ورسوله في ذلك فإن الله شديد العقاب له في الدنيا بالقتل والأسر، وفي الآخرة بالنار.
<div class="verse-tafsir" id="91.aWOPL"