الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ١٧ من سورة الأنفال
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 116 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٧ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يبين تعالى أنه خالق أفعال العباد ، وأنه المحمود على جميع ما صدر عنهم من خير ؛ لأنه هو الذي وفقهم لذلك وأعانهم ؛ ولهذا قال : ( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ) أي : ليس بحولكم وقوتكم قتلتم أعداءكم مع كثرة عددهم وقلة عددكم ، أي : بل هو الذي أظفركم [ بهم ونصركم ] عليهم كما قال تعالى : ( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة [ فاتقوا الله لعلكم تشكرون ] ) [ آل عمران : 123 ] .
وقال تعالى : ( لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ) [ التوبة : 25 ] يعلم - تبارك وتعالى - أن النصر ليس عن كثرة العدد ، ولا بلبس اللأمة والعدد ، وإنما النصر من عند الله تعالى كما قال : ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ) [ البقرة : 249 ] .
ثم قال لنبيه - صلى الله عليه وسلم - أيضا في شأن القبضة من التراب ، التي حصب بها وجوه المشركين يومبدر ، حين خرج من العريش بعد دعائه وتضرعه واستكانته ، فرماهم بها وقال : شاهت الوجوه .
ثم أمر الصحابة أن يصدقوا الحملة إثرها ، ففعلوا ، فأوصل الله تلك الحصباء إلى أعين المشركين ، فلم يبق أحد منهم إلا ناله منها ما شغله عن حاله ؛ ولهذا قال [ تعالى ] ( وما رميت إذ رميت ) أي : هو الذي بلغ ذلك إليهم ، وكبتهم بها لا أنت .
قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : رفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه - يعني يوم بدر - فقال : يا رب إن تهلك هذه العصابة ، فلن تعبد في الأرض أبدا .
فقال له جبريل : خذ قبضة من التراب ، فارم بها في وجوههم ، فأخذ قبضة من التراب ، فرمى بها في وجوههم ، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة ، فولوا مدبرين .
وقال السدي : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعلي - رضي الله عنه - يوم بدر : أعطني حصبا من الأرض .
فناوله حصبا عليه تراب ، فرمى به في وجوه القوم ، فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه من ذلك التراب شيء ، ثم ردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم ، وأنزل الله : ( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) وقال أبو معشر المدني ، عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي قالا لما دنا القوم بعضهم من بعض ، أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبضة من تراب ، فرمى بها في وجوه القوم ، وقال : شاهت الوجوه .
فدخلت في أعينهم كلهم ، وأقبل أصحاب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يقتلونهم ويأسرونهم ، وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله : ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : في قوله [ تعالى ] ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) قال : هذا يوم بدر ، أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث حصيات فرمى بحصاة [ في ] ميمنة القوم ، وحصاة في ميسرة القوم ، وحصاة بين أظهرهم ، وقال : شاهت الوجوه ، فانهزموا .
وقد روي في هذه القصة عن عروة بن الزبير ، ومجاهد وعكرمة ، وقتادة وغير واحد من الأئمة : أنها نزلت في رمية النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر ، وإن كان قد فعل ذلك يوم حنين أيضا .
وقال أبو جعفر بن جرير : حدثنا أحمد بن منصور ، حدثنا يعقوب بن محمد ، حدثنا عبد العزيز بن عمران ، حدثنا موسى بن يعقوب بن عبد الله بن زمعة ، عن يزيد بن عبد الله ، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة ، عن حكيم بن حزام قال : لما كان يوم بدر ، سمعنا صوتا وقع من السماء ، كأنه صوت حصاة وقعت في طست ، ورمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك الرمية ، فانهزمنا .
غريب من هذا الوجه .
وهاهنا قولان آخران غريبان جدا .
أحدهما : قال ابن جرير : حدثني محمد بن عوف الطائي ، حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا صفوان بن عمرو ، حدثنا عبد الرحمن بن جبير ؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم ابن أبي الحقيق بخيبر ، دعا بقوس ، فأتى بقوس طويلة ، وقال : جيئوني غيرها .
فجاءوا بقوس كبداء ، فرمى النبي - صلى الله عليه وسلم - الحصن ، فأقبل السهم يهوي حتى قتل ابن أبي الحقيق ، وهو في فراشه ، فأنزل الله - عز وجل - : ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) وهذا غريب ، وإسناده جيد إلى عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، ولعله اشتبه عليه ، أو أنه أراد أن الآية تعم هذا كله ، وإلا فسياق الآية في سورة الأنفال في قصة بدر لا محالة ، وهذا مما لا يخفى على أئمة العلم ، والله أعلم .
والثاني : روى ابن جرير أيضا ، والحاكم في مستدركه ، بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب والزهري أنهما قالا أنزلت في رمية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد أبي بن خلف بالحربة وهو في لأمته ، فخدشه في ترقوته ، فجعل يتدأدأ عن فرسه مرارا ، حتى كانت وفاته [ بها ] بعد أيام ، قاسى فيها العذاب الأليم موصولا بعذاب البرزخ المتصل بعذاب الآخرة .
وهذا القول عن هذين الإمامين غريب أيضا جدا ، ولعلهما أرادا أن الآية تتناوله بعمومها ، لا أنها نزلت فيه خاصة كما تقدم ، والله أعلم .
وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير في قوله : ( وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا ) أي : ليعرف المؤمنين من نعمته عليهم ، من إظهارهم على عدوهم مع كثرة عدوهم ، وقلة عددهم ، ليعرفوا بذلك حقه ، ويشكروا بذلك نعمته .
وهكذا فسر ذلك ابن جرير أيضا .
وفي الحديث : وكل بلاء حسن أبلانا .
وقوله : ( إن الله سميع عليم ) أي : سميع الدعاء ، عليم بمن يستحق النصر والغلب .
القول في تأويل قوله : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله، ممن شهد بدرًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاتل أعداء دينه معه من كفار قريش: فلم تقتلوا المشركين، أيها المؤمنون، أنتم, ولكن الله قتلهم.
* * * وأضاف جل ثناؤه قتلهم إلى نفسه, ونفاه عن المؤمنين به الذين قاتلوا المشركين, إذ كان جل ثناؤه هو مسبِّب قتلهم, وعن أمره كان قتالُ المؤمنين إياهم.
ففي ذلك أدلُّ الدليل على فساد قول المنكرين أن يكون لله في أفعال خلقه صُنْعٌ به وَصَلوا إليها.
وكذلك قوله لنبيه عليه السلام: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)، فأضاف الرميَ إلى نبي الله, ثم نفاه عنه, وأخبر عن نفسه أنه هو الرامي, إذ كان جل ثناؤه هو الموصل المرميَّ به إلى الذين رُمُوا به من المشركين, والمسبِّب الرمية لرسوله.
فيقال للمنكرين ما ذكرنا (1) قد علمتم إضافة الله رَمْيِ نبيه صلى الله عليه وسلم المشركين إلى نفسه، بعد وصفه نبيَّه به، وإضافته إليه، وذلك فعلٌ واحد، (2) كان من الله تسبيبه وتسديده, (3) ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحذفُ والإرسال, فما تنكرون أن يكون كذلك سائر أفعال الخلق المكتسبة: من الله الإنشاء والإنجاز بالتسبيب, ومن الخلق الاكتسابُ بالقُوى؟
فلن يقولوا في أحدهما قولا إلا ألزموا في الآخر مثله.
* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 15817- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: (فلم تقتلوهم)، لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين قال هذا: " قتلت ", وهذا: " قتلت "=(وما رميت إذ رميت)، قال لمحمد حين حَصَب الكفار.
15818 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد,بنحوه.
15819- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر عن قتادة: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)، قال: رماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحصباء يوم بدر.
15820- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن أيوب, عن عكرمة قال: ما وقع منها شيء إلا في عين رجل.
15821 - حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثنا أبي قال، حدثنا أبان العطار قال، حدثنا هشام بن عروة قال: لما ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرًا قال: هذه مصارعهم!
ووَجد المشركون النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد سبقهم إليه ونـزل عليه, فلما طلعوا عليه زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " هذه قريش قد جاءت بجَلَبتها وفخرها، تحادُّك وتكذب رسولك, اللهم إني أسألك ما وعدتني!
".
فلما أقبلوا استقبلهم, فحثا في وجوههم, فهزمهم الله عز وجل.
(4) 15822- حدثنا أحمد بن منصور قال، حدثنا يعقوب بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز بن عمران قال، حدثنا موسى بن يعقوب بن عبد الله بن زمعة, عن يزيد بن عبد الله, عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة, عن حكيم بن حزام قال: لما كان يوم بدر, سمعنا صوتًا وقع من السماء كأنه صوت حصاة وقعت في طَسْت, ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الرمية فانهزمنا.
(5) 15823- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر, عن محمد بن قيس، ومحمد بن كعب القرظي قالا لما دنا القوم بعضهم من بعض, أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم, وقال: " شاهت الوجوه!"، فدخلت في أعينهم كلهم, وأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتلونهم ويأسرونهم, وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنـزل الله: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)، الآية, إلى: (إن الله سميع عليم) .
15824- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وما رميت إذ رميت)، الآية, ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أخذ يوم بدر ثلاثة أحجار ورمى بها وجوه الكفار, فهزموا عند الحجر الثالث.
15825- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين التقى الجمعان يوم بدر لعلي: " أعطني حصًا من الأرض "، فناوله حصى عليه تراب، فرمى به وجوه القوم, فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه من ذلك التراب شيء، ثم رَدِفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، (6) فذكر رميةَ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) .
15826- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)، قال: هذا يوم بدر, أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث حصيات, فرمى بحصاة في ميمنة القوم، وحصاة في ميسرة القوم، وحصاة بين أظهرهم، وقال: " شاهت الوجوه!
"، وانهزموا, فذلك قول الله عز وجل: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) .
15827- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قال: رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده يوم بدر فقال: يا رب، إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدًا!
فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب!
فأخذ قبضة من التراب, فرمى بها في وجوههم، فما من المشركين من أحد إلا أصابَ عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة, فولُّوا مدبرين.
15728- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: قال الله عز وجل في رمي رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين بالحصباء من يده حين رماهم: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)، أي: لم يكن ذلك برميتك، لولا الذي جعل الله فيها من نصرك, وما ألقى في صدور عدوك منها حين هزمهم الله.
(7) * * * وروي عن الزهري في ذلك قول خلاف هذه الأقوال, وهو ما:- 15829- حدثنا الحسن بن يحيى قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن الزهري: (وما رميت إذ رميت)، قال: جاء أبي بن خلف الجمحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم حائل, فقال: "آلله محيي هذا، يا محمد، وهو رميم؟
"، وهو يفتُّ العظم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يحييه الله, ثم يميتك, ثم يدخلك النار!
قال: فلما كان يوم أحد قال: والله لأقتلن محمدًا إذا رأيته!
فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بل أنا أقتله إن شاء الله.
(8) * * * وأما قوله: (وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنًا)، فإنّ معناه: وكي ينعم على المؤمنين بالله ورسوله بالظفر بأعدائهم, (9) ويغنّمهم ما معهم, ويكتب لهم أجور أعمالهم وجهادهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
(10) * * * وذلك " البلاء الحسن ", رمي الله هؤلاء المشركين، ويعني ب " البلاء الحسن "، النعمة الحسنة الجميلة, وهي ما وصفت وما في معناه.
(11) 15830- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال في قوله: (وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنًا)، أي ليعرِّف المؤمنين من نعمه عليهم، في إظهارهم على عدوهم مع كثرة عددهم وقلة عددهم, ليعرفوا بذلك حقه، وليشكروا بذلك نعمته.
(12) * * * وقوله: (إن الله سميع عليم)، يعني: إن الله سميع، أيها المؤمنون، لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، ومناشدته ربه، ومسألته إياه إهلاكَ عدوه وعدوكم، فقيل له: إنْ يَكُ إلا جحْش !
قال: أليسَ قال: أنا أقتلك؟
والله لو قالها لجميع الخلق لماتوا!" ولقِيلكم وقيل جميع خلقه= " عليم "، بذلك كله، وبما فيه صلاحكم وصلاح عباده, وغير ذلك من الأشياء، محيط به, فاتقوه وأطيعوا أمرَه وأمر رسوله.
(13) ---------------------- الهوامش : (1) في المطبوعة والمخطوطة : " للمسلمين ما ذكرنا " ، وهو خطأ صرف ، وظاهر أن كاتب النسخة التي نقل عنها ناسخ المخطوطة ، قد وصل " راء " المنكرين بالياء والنون ، ولم يضع شرطة الكاف كعادتهم ، فقرأها خطأ ، ونقلها خطأ .
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " ذلك " بغير واو ، والكلام لا يستقيم بغيرها .
(3) في المطبوعة والمخطوطة : " بتسبيبه " وهو خطأ من الناسخ ، صوابه ما أثبت بغير باء في أوله ، كما يدل عليه السياق .
(4) الأثر : 15821 - " أبان العطار " ، هو " أبان بن يزيد العطار " ، ثقة ، مضى : 3832 ، 9656 ، 13518 ، 15719 .
وهذا الخبر رواه أبو جعفر في تاريخه 2 : 268 في أثناء خبر طويل ، قد مضى بعضه برقم : 15719 ، وهو من كتاب عروة إلى عبد الملك بن مروان ، رواه أبو جعفر مفرقًا في التاريخ ، سأخرجه مجموعًا في تخريج الأثر رقم : 16083 .
وكان في المطبوعة هنا : " قد جاءت بخيلائها وفخرها " ، وهو تصرف قبيح .
وأثبت ما في المخطوطة ، وهو مطابق لما في التاريخ .
و " الجلبة " ، هو اختلاط الناس إذ تجمعوا ، وصاح بعضهم ببعض يذمره ويستحثه ، كالذي يكون في اجتماع الجيوش .
(5) الأثر : 15822 - " أحمد بن منصور بن سيار بن المعارك الرمادي " ، شيخ الطبري ، ثقة .
مضى برقم : 10260 ، 10521 .
و " يعقوب بن محمد الزهري " ، مختلف فيه ، وهو صدوق ، لكن لا يبالي عمن حدث .
مضى برقم : 2867 ، 8012 ، 15654 ، 15714 .
و " عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز الزهري " ، الأعرج ، يعرف بابن أبي ثابت .
ضعيف ، كان صاحب نسب ، لم يكن من أصحاب الحديث .
مضى برقم : 8012 ، 15756 .
و " موسى بن يعقوب بن عبد الله بن وهيب بن زمعة الأسدي القرشي " ، ثقة ، متكلم فيه ، وقال أحمد : " لا يعجبني حديثه " ، وقال أبو داود : " له مشايخ مجهولون " .
مضى برقم : 9923 ، 15756 .
و " يزيد بن عبد الله بن وهب بن زمعة الأسدي القرشي " ، روى عنه ابن أخيه " موسى بن يعقوب " .
مترجم في الكبير 4 2 346 ، وابن أبي حاتم 4 2 276 ، ولم يذكرا فيه جرحًا .
و " أبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة العدوي " ، كان من علماء قريش .
ثقة .
مترجم في التهذيب ، والكني البخاري : 13 ، وابن أبي حاتم 4 2 341 .
وهذا خبر ضعيف الإسناد ، لضعف " عبد العزيز بن عمران الزهري " ، وذكره ابن كثير في تفسيره 4 : 32 ، وقال : " غريب من هذا الوجه " ، فقصر في بيان إسناده .
بيد أن الهيثمي ذكره في مجمع الزائد 6 : 84 ، وقال : " رواه الطبراني في الكبير والأوسط ، وإسناده حسن " ، فلعله إسناد غير هذا ، فإنه قد ضعف عبد العزيز بن عمران في هذا الباب مرارًا كثيرة .
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 174 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم ، والطبراني ، وابن مردويه .
(6) " ردفه " ( بفتح فكسر ) : اتبعه ودهمه .
(7) الأثر : 15828 - سيرة ابن هشام 2 : 323 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 15783 .
وكان في المطبوعة والمخطوطة ، أغفل ذكر " وما رميت إذ رميت " ، وأتى ببقية الآية .
وكان في المخطوطة " حين هزمهم " ، بغير ذكر لفظ الجلالة ، فغيرها في المطبوعة فقال : " فهزمتهم " .
وأثبت ما في سيرة ابن هشام .
(8) أخشى أن يكون في هذا الموضع من التفسير نقص ، فإني وجدت ابن كثير ( 4 : 32 ) قد ذكر في تفسير هذه الآية ما نسبه إلى ابن جرير ، وهذا نصه بترتيبه وتعليقه : وههنا قولان آخران غريبان جدًّا : أحدهما : قال ابن جرير : حدثني محمد بن عوف الطائي ، حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا صفوان بن عمرو ، حدثنا عبد الرحمن بن جبير : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ابن أبي الحقيق بخيبر ، دعَا بقوس ، فأتِىَ بقوسٍ طويلة ، وقال : جيئوني بقوس غيرها .
فجاؤوه بقوسٍ كَبْداء ، فرمى النبيّ صلى الله عليه وسلم الحصن ، فأقبل السهم يهوي حتى قتل ابن أبي الحقيق ، وهو في فراشه ، فأنزل الله " وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى " .
وهذا غريب ، وإسناده جيد إلى عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، ولعله اشتبه عليه ، أو أنه أراد أن الآية تعم هذا كله ، وإلا فسياق الآية في سورة الأنفال في قصة بدرٍ لا مَحالة ، وهذا مما لا يخفي على أئمة العلم ، والله أعلم .
والثاني : روى ابن جرير أيضًا ، والحاكم في مستدركه ، بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيّب والزهري أنهما قالا : أنزلت في رمية النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحُدٍ أُبَيَّ بن خلفٍ بالحربة في لأْمَته ، فخدشه في تَرْقُوَته ، فجعل يتدأدأ عن فرسه مرارًا .
حتى كانت وفاتُه بعد أيام قاسى فيها العذاب الأليمَ ، موصولا بعذابِ البرزخ، المتصل بعذاب الآخرة .
وهذا القول عن هذين الإمامين غريب أيضًا جدًّا ، ولعلهما أرادَا أن الآية تتناوله بعمومها، لا أنها نزلت فيه خاصة، كما تقدم، والله أعلم " .
قلت : والخبر الأول منهما ، رواه الواحدي في أسباب النزول : 174 من طريق " صفوان بن عمرو ، عن عبد العزيز بن جبير " ، وقوله : " عبد العزيز " ، خطأ ، صوابه ما في تفسير ابن كثير .
ثم إن السيوطي في الدر المنثور 3 : 175 ، خرج هذين الخبرين منسوبين إلى ابن جرير أيضًا ، وزاد نسبته الأول منهما إلى ابن أبي حاتم .
وذكر الثاني وزاد نسبته إلى ابن المنذر ، وابن أبي حاتم .
ثم زاد السيوطي في الدر المنثور، وهذان الخبران أنقلهما أيضًا بنصهما منه : الأول : " أخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن سعيد بن المسيّب قال : لما كان يوم أُحُد ، أخذ أبيُّ بن خلفٍ يركض فرسه حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واعترض رجالٌ من المسلمين لأبيّ بن خلف ليقتلوه .
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : استأخروا !
استأخرُوا ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حربته في يده فرمى بها أبيّ بن خلف ، وكسر ضِلْعًا من أضلاعه ، فرجع أبيّ بن خلف إلى أصحابه ثقيلا ، فاحتملوه حين وَلَّوا قافلين ، فطفقوا يقولون : لا بأس !
فقال أبيّ حين قالوا ذلك : والله لو كانت بالناس لقتلتهم !
ألم يقلْ : إنِّي أقتلك إن شاء الله ؟
فانطلق به أصحابه يَنْعَشونه حتى مات ببعض الطريق ، فدفنوه .
قال ابن المسيب : وفي ذلك أنزل الله تعالى : " وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى الآية" .
الثاني : " وأخرج ابن جرير وابن المنذر ، عن الزهري في قوله : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى .
قال : حيث رمَى أبيَّ بنَ خلف يوم أُحُدٍ بحربته ، فهذا كله ، يوشك أن يرجح سقوط شيء من أخبار أبي جعفر في هذا الموضع .
إلا أن تكون هذه الأخبار ستأتي فيما بعد في غير هذا الموضع .
أما فيما سلف ، فإن خبر " أبي بن خلف " قد مضى في حديث السدى رقم : 7943 ( ج 7 : 255 ) والخبر الأول رواه الحاكم في المستدرك 2 : 327 ، من طريق محمد بن فليح ، عن موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي .
(9) في المطبوعة : " ولينعم " ، وأثبت ما في المخطوطة .
(10) في المطبوعة : " ويثبت لهم أجور أعمالهم " ، وهو لا معنى له ، ولم يحسن قراءة المخطوطة ، لخطأ في نقطها .
(11) انظر تفسير " البلاء " فيما سلف ص : 85 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك .
(12) الأثر : 15830 - سيرة ابن هشام 2 : 323 ، 324 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 15828 .
وفي السيرة سقط من السياق قوله : " مع كثرة عددهم " ، فيصحح هناك .
(13) انظر تفسير " سميع " و " عليم " فيما سلف من فهارس اللغة ( سمع ) ، ( علم ) .
قوله تعالى فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم[ ص: 344 ] قوله تعالى فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم أي يوم بدر .
روي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صدروا عن بدر ذكر كل واحد منهم ما فعل : قتلت كذا ، فعلت كذا ; فجاء من ذلك تفاخر ونحو ذلك .
فنزلت الآية إعلاما بأن الله تعالى هو المميت والمقدر لجميع الأشياء ، وأن العبد إنما يشارك بتكسبه وقصده .
وهذه الآية ترد على من يقول بأن أفعال العباد خلق لهم .
فقيل : المعنى فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم بسوقهم إليكم حتى أمكنكم منهم .
وقيل : ولكن الله قتلهم بالملائكة الذين أمدكم بهم .وما رميت إذ رميت مثله ولكن الله رمى .
واختلف العلماء في هذا الرمي على أربعة أقوال :الأول : إن هذا الرمي إنما كان في حصب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين رواه ابن وهب عن مالك .
قال مالك : ولم يبق في ذلك اليوم أحد إلا وقد أصابه ذلك .
وكذلك روى عنه ابن القاسم أيضا .الثاني : أن هذا كان يوم أحد حين رمى أبي بن خلف بالحربة في عنقه ; فكر أبي منهزما .
فقال له المشركون : والله ما بك من بأس .
فقال : والله لو بصق علي لقتلني .
أليس قد قال : بل أنا أقتله .
وكان أوعد أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتل بمكة ; فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل أنا أقتلك فمات عدو الله من ضربة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرجعه إلى مكة ، بموضع يقال له " سرف " .
قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب : لما كان يوم أحد أقبل أبي مقنعا في الحديد على فرسه يقول : لا نجوت إن نجا محمد ; فحمل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد قتله .
قال موسى بن عقبة قال سعيد بن المسيب : فاعترض له رجال من المؤمنين ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فخلوا طريقه ; فاستقبله مصعب بن عمير يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ; فقتل مصعب بن عمير ، وأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أبي بن خلف من فرجة بين سابغة البيضة والدرع ; فطعنه بحربته فوقع أبي عن فرسه ، ولم يخرج من طعنته دم .
قال سعيد : فكسر ضلعا من أضلاعه ; فقال : ففي ذلك نزل وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى .
وهذا ضعيف ; لأن الآية نزلت عقيب بدر .الثالث : أن المراد السهم الذي رمى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حصن خيبر ، فسار في الهواء [ ص: 345 ] حتى أصاب ابن أبي الحقيق وهو على فراشه .
وهذا أيضا فاسد ، وخيبر وفتحها أبعد من أحد بكثير .
والصحيح في صورة قتل ابن أبي الحقيق غير هذا .الرابع : أنها كانت يوم بدر ; قال ابن إسحاق .
وهو أصح ; لأن السورة بدرية ، وذلك أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم : خذ قبضة من التراب .
فأخذ قبضة من التراب فرمى بها وجوههم فما من المشركين من أحد إلا وأصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة وقاله ابن عباس وسيأتي .
قال ثعلب : المعنى وما رميت الفزع والرعب في قلوبهم إذ رميت بالحصباء فانهزموا ولكن الله رمى أي أعانك وأظفرك .
والعرب تقول : رمى الله لك ، أي أعانك وأظفرك وصنع لك .
حكى هذا أبو عبيدة في كتاب المجاز .
وقال محمد بن يزيد : وما رميت بقوتك ، إذ رميت ، ولكنك بقوة الله رميت .وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا البلاء هاهنا النعمة .
واللام تتعلق بمحذوف ; أي وليبليي المؤمنين فعل ذلك .
يقول تعالى ـ لما انهزم المشركون يوم بدر، وقتلهم المسلمون - {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ} بحولكم وقوتكم {وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ} حيث أعانكم على ذلك بما تقدم ذكره. {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} وذلك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقت القتال دخل العريش وجعل يدعو اللّه، ويناشده في نصرته،ثم خرج منه، فأخذ حفنة من تراب، فرماها في وجوه المشركين، فأوصلها اللّه إلى وجوههم،فما بقي منهم واحد إلا وقد أصاب وجهه وفمه وعينيه منها، فحينئذ انكسر حدهم، وفتر زندهم، وبان فيهم الفشل والضعف، فانهزموا. يقول تعالى لنبيه: لست بقوتك ـ حين رميت التراب ـ أوصلته إلى أعينهم، وإنما أوصلناه إليهم بقوتنا واقتدارنا. {وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا} أي: إن اللّه تعالى قادر على انتصار المؤمنين من الكافرين، من دون مباشرة قتال، ولكن اللّه أراد أن يمتحن المؤمنين، ويوصلهم بالجهاد إلى أعلى الدرجات، وأرفع المقامات، ويعطيهم أجرا حسنا وثوابًا جزيلًا. {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يسمع تعالى ما أسر به العبد وما أعلن، ويعلم ما في قلبه من النيات الصالحة وضدها، فيقدر على العباد أقدارا موافقة لعلمه وحكمته ومصلحة عباده، ويجزي كلا بحسب نيته وعمله.
قوله تعالى : ( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ) قال مجاهد سبب هذه الآية أنهم لما انصرفوا عن القتال كان الرجل يقول : أنا قتلت فلانا ويقول الآخر مثله ، فنزلت الآية .
ومعناه : فلم تقتلوهم أنتم بقوتكم ولكن الله قتلهم بنصره إياكم وتقويته لكم .
وقيل : لكن الله قتلهم بإمداد الملائكة .
( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) قال أهل التفسير والمغازي : ندب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس ، فانطلقوا حتى نزلوا بدرا ، ووردت عليهم روايا قريش ، وفيهم أسلم ، غلام أسود لبني الحجاج ، وأبو يسار ، غلام لبني العاص بن سعيد ، فأتوا بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال لهما : أين قريش؟
قالا هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى - والكثيب : العقنقل - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهما : كم القوم؟
قالا كثير ، قال : ما عدتهم؟
قالا لا ندري ، قال : كم ينحرون كل يوم؟
قالا يوما عشرة ويوما تسعة ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " القوم ما بين التسعمائة إلى الألف " ثم قال لهما : فمن فيهم من أشراف قريش؟
قالا عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو البختري ابن هشام ، وحكيم بن حزام ، والحارث بن عامر ، وطعيمة بن عدي ، والنضر بن الحارث ، وأبو جهل بن هشام ، وأمية بن خلف ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج ، وسهيل بن عمرو .
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها " فلما أقبلت قريش ورآها رسول الله تصوب من العقنقل ، وهو الكثيب الذي جاءوا منه إلى الوادي ، قال لهم : هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك ، اللهم فنصرك الذي وعدتني ، فأتاه جبريل عليه السلام وقال له : خذ قبضة من تراب فارمهم بها ، فلما التقى الجمعان تناول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كفا من حصى عليه تراب ، فرمى به في وجوه القوم ، وقال : شاهت الوجوه ، فلم يبق منهم مشرك إلا دخل في عينيه وفمه ومنخريه منها شيء ، فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم .
وقال قتادة ، وابن زيد : ذكر لنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ يوم بدر ثلاث حصيات فرمى بحصاة في ميمنة القوم وبحصاة في ميسرة القوم وبحصاة بين أظهرهم ، وقال : شاهت الوجوه ، فانهزموا ، فذلك قوله تعالى : " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " ، إذ ليس في وسع أحد من البشر أن يرمي كفا من الحصا إلى وجوه جيش فلا يبقى فيهم عين إلا ويصيبها منه شيء .
وقيل : معنى الآية وما بلغت إذ رميت ولكن الله بلغ .
وقيل : وما رميت بالرعب في قلوبهم إذ رميت بالحصباء ولكن الله رمى بالرعب في قلوبهم حتى انهزموا ، ( وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا ) أي : ولينعم على المؤمنين نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة ، ( إن الله سميع ) لدعائكم ، ( عليم ) بنياتكم .
«فلم تقتلوهم» ببدر بقوتكم «ولكنَّ الله قتلهم» بنصره إيّاكم «وما رميت» يا محمد لأعين القوم «إذ رميت» بالحصى لأن كفا من الحصى لا يملأ عيون الجيش الكثير برمية بشر «ولكنَّ الله رمى» بإيصال ذلك إليهم فعل ذلك ليقهر الكافرين «وليبلي المؤمنين منه بلاءً» عطاء «حسنا» هو الغنيمة «إن الله سميع» لأقوالهم «عليم» بأحوالهم.
فلم تقتلوا -أيها المؤمنون- المشركين يوم "بدر"، ولكن الله قتلهم، حيث أعانكم على ذلك، وما رميت حين رميت -أيها النبي- ولكن الله رمى، حيث أوصل الرمية التي رميتها إلى وجوه المشركين؛ وليختبر المؤمنين بالله ورسوله ويوصلهم بالجهاد إلى أعلى الدرجات، ويعرِّفهم نعمته عليهم، فيشكروا له سبحانه على ذلك.
إن الله سميع لدعائكم وأقوالكم ما أسررتم به وما أعلنتم، عليم بما فيه صلاح عباده.
ثم بين لهم - سبحانه - بعض مظاهر فضله عليهم ليزدادوا شكراً له ، وطاعة لأمره فقال - تعالى - : ( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكن الله قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى وَلِيُبْلِيَ المؤمنين مِنْهُ بلاء حَسَناً إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) .قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكن الله قَتَلَهُمْ ) ، أى يوم بدر .
روى أن أصحاب رسلو الله - صلى الله عليه وسلم لما صدروا عن بدر .ذكر كل واحد منهم ما فعل فقال : قتلت كذا ، وأسرت كذا ، فجاء من ذلك تفاخر ونحو ذلك .
فنزلت الآية إعلاما بأن الله هو المميت والمقدر لجميع الأشياء ، وأن العبد إنما يشارك بكسبه وقصده .
.وقال ابن كثير : قال على بن طلحة عن ابن عباس : " رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم - ، يديه - يعنى يوم بدر - فقال : " يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد فى الأرض أبدا ، فقال جبريل : " خذ قبضة من التراب فرمى بها فى وجوههم " فأخذ قبضة من التراب فرمى بها فى وجوههم " ، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين .وقال السدى : " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعلى يوم بدر " أعطنى حصا من الأرض " فناوله حصا عليه تراب ، فرمى به فى وجوه القوم " ، فلم يبق مشرك إلا دخل فى عينيه من ذلك التراب شئ ، ثم ردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم ، وأنزل الله : ( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكن الله قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى ) .وقال أبو معشر المدنى " عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظى قالا : لما دنا القوم بعضهم من بعض أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبضه من تراب فرمى بها فى جوه القوم وقال : " شاهت الوجوه " ، فدخلت فى أعينهم كلهم .
وأقبل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنزل الله .( وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى ) .وهناك روايات أخرى ذكرت أن قوله - تعالى - ( وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى ) المقصود به رميه - صلى الله عليه وسلم - لأبى بن خلف يوم أحد ، أو رميه لكنانة بن أبى الحقيق فى غزوة خيبر ، أو رميه المشركين فى غزوة حنين .قال ابن كثير : وقد روى فى هذه القصة عن عروة ومجاهد وعكرمة وقتادة وغير واحد من الأئمة أنها نزلت فى رمية النبى - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر .
.
وسياق الآية فى سورة الأنفال فى قصة بدر لا محالة ، وهذا مما لا يخفى على أئمة العلم .والمعنى : إنكم - أيها المؤمنون - لم تقتلوا المشركين فى بدر بقوتكم وشجاعتكم ، ولكن الله - تعالى - هو الذى أفظركم بحوله وقوته ، بأن خذلهم ، وقذف فى قلوبهم الرعب ، وقوى قلوبكم ، وأمدك بالملائكة ، ومنحكم من معونته ورعايته ما بلغكم هذا النصر .والفاء فى قوله : ( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ .
.
) يرى صاحب الكشاف أنها جواب شرط محذوف تقديره : إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ( ولكن الله قَتَلَهُمْ ) لأنه و الذى أنزل الملائكة ، وألقى الرعب فى قلوبهم ، وشاء النصر والظفر وأذهب عن قلوبكم الفزع والجزع .وقوله : ( وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى ) خطاب للنبى - صلى الله عليه وسلم بطريق التلوين .أى : ( وَمَا رَمَيْتَ ) بالرعب فى قلوب الأعداء ( إِذْ رَمَيْتَ ) فى وجوههم بالحصباء يوم بدر ( ولكن الله ) - تعالى - هو الذى ( رمى ) بالرعب فى قلوبهم فهزمهم ونصركم عليهم .أو المعنى : ما أوصلت الحصبا إلى أعينهم إذ رميتهم بها ، ولكن الله هو الذى أوصلها إليها .ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الجملة الكريمة : يعنى أن الرمية التى رميتها - يا محمد - لم ترمها أنت على الحقيقة ، لأنك لو رميتها ما بلغ أثرها إلا ما يبلغه أثر رمى البشر ، ولكنها كانت رمية الله ، حيث أثرت ذلك الأثر العظيم .
.
فأثبت الرمية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن صورتها وجدت منه ، ونفاها عنه ، لأن أثرها الذى لا تطيقه البشر فعل الله - عز وجل - ، فكان الله - تعالى - هو فاعل الرمية على الحقيقة ، وكأنها لم توجد من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصلا .وقال الآلوسى : واستدل بالآية على أن أفعال العباد بخلقه - تعالى - وإنما لهم كسبها ومباشرتها وقال الإِمام : أثبت - سبحانه - كونه - صلى الله عليه وسلم - راميا ، فوجب حمله على أنه - صلى الله عليه وسلم - رمى كسبا ، والله - تعالى - رمى خلقا .فإن قيل : لماذا ذرك مفعول القتل منفياً ومثبتاً ولم يذكر للرمى مفعول قط؟فالجواب - كما يقول أبو السعود - : " أن المقصود الأصلى بيان حال الرمى نفيا وإثباتا ، إذ هو الذى ظهر منه ما ظهر ، وهو المنشأ لتغير المرمى به فى نفسه وتكثره إلى حيث أصاب عينى كل واحد من أولئك الأمة الجمة شئ من ذلك .وقوله - سبحانه - : ( وَلِيُبْلِيَ المؤمنين مِنْهُ بلاء حَسَناً ) بيان لبعض وجوه حكمته - سبحانه - فى خذلان الكافرين ، ونصر المؤمنين .وقوله ( لِيُبْلِيَ ) من البلاء بمعنى الاختبار .
وهو يكون بالنعمة لإِظهار الشكر ، كما يكون بالمحنة لإِظهار الصبر .
والمراد به هنا : الإِحسان والنعمة والعطاء ، ليزداد المؤمنون شكراً لربهم لاذى وهبهم ما وهب من نعم .واللام للتعليل متعلقة بمحذوف مؤخر .والمعنى ، ولكى يحسن - سبحانه - إلى عباده المؤمنين ، وينعم عليهم بالنصر والغنائم ، ليزدادوا شكراً له ، فعل ما فعل من خذلان الكافرين وإذلالهم .وقوله ( إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) تذييل قصد به الحض على طاعة الله ، والتحذير من معصيته ، أى : إن الله سميع لأقوالكم ودعائكم ، عليم بضمائركم وقلوبكم ، فاستبقوا الخيرات لتنالوا المزيد من رعايته ونصره .
فيه مسائل: المسألة الأولى: قال مجاهد: اختلفوا يوم بدر.
فقال: هذا أنا قتلت.
وقال الآخر أنا قتلت فأنزل الله تعالى هذه الآية يعني أن هذه الكسرة الكبيرة لم تحصل منكم، وإنما حصلت بمعونة الله روي أنه لما طلعت قريش قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذه قريش، قد جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك اللهم إني أسألك ما وعدتني» فنزل جبريل وقال: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فلما التقى الجمعان قال لعلي أعطني قبضة من التراب من حصباء الوادي، فرمى بها في وجوههم، وقال شاهت الوجوه، فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه فانهزموا.
قال صاحب الكشاف والفاء في قوله: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ﴾ جواب شرط محذوف تقديره إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن الله قتلهم.
ثم قال: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى ﴾ يعني أن القبضة من الحصباء التي رميتها، فأنت ما رميتها في الحقيقة، لأن رميك لا يبلغ أثره إلا ما يبلغه رمي سائر البشر، ولكن الله رماها حيث نفذ أجزاء ذلك التراب وأوصلها إلى عيونهم، فصورة الرمية صدرت من الرسول عليه الصلاة والسلام وأثرها إنما صدر من الله، فلهذا المعنى صح فيه النفي والإثبات.
المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله عالى، وجه الاستدلال أنه تعالى قال: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكن الله قَتَلَهُمْ ﴾ ومن المعلوم أنهم جرحوا، فدل هذا على أن حدوث تلك الأفعال إنما حصل من الله.
وأيضاً قوله: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ﴾ أثبت كونه عليه السلام رامياً، ونفى عنه كونه رامياً، فوجب حمله على أنه رماه كسباً وما رماه خلقاً.
فأن قيل: أما قوله: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكن الله قَتَلَهُمْ ﴾ فيه وجوه: الأول: أن قتل الكفار إنما تيسر بمعونة الله ونصره وتأييده، فصحت هذه الإضافة.
الثاني: أن الجرح كان إليهم، وإخراج الروح كان إلى الله تعالى، والتقدير: فلم تميتوهم ولكن الله أماتهم.
وأما قوله: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذَا رَمَيْتَ ولكن الله رمى ﴾ قال القاضي فيه أشياء: منها أن الرمية الواحدة لا توجب وصول التراب إلى عيونهم، وكان إيصال أجزاء التراب إلى عيونهم ليس إلا بإيصال الله تعالى، ومنها أن التراب الذي رماه كان قليلاً، فيمتنع وصول ذلك القدر إلى عيون الكل، فدل هذا على أنه تعالى ضم إليها أشياء أخر من أجزاء التراب وأوصلها إلى عيونهم، ومنها أن عند رميته ألقى الله تعالى الرعب في قلوبهم، فكان المراد من قوله: ﴿ ولكن الله رمى ﴾ هو أنه تعالى رمى قلوبهم بذلك الرعب.
والجواب: أن كل ما ذكرتموه عدول عن الظاهر، والأصل في الكلام الحقيقة.
فإن قالوا: الدلائل العقلية تمنع من القول بأن فعل العبد مخلوق لله تعالى.
فنقول: هيهات فإن الدلائل العقلية في جانبنا والبراهين النقلية قائمة على صحة قولنا، فلا يمكنكم أن تعدلوا عن الظاهر إلى المجاز.
والله أعلم.
المسألة الثالثة: قرئ ﴿ ولكن الله قَتَلَهُمْ ولكن الله رمى ﴾ بتخفيف ولكن ورفع ما بعده.
المسألة الرابعة: في سبب نزول هذه الآية ثلاثة أقوال: الأول: وهو قول أكثر المفسرين أنها نزلت في يوم بدر.
والمراد أنه عليه السلام أخذ قبضة من الحصباء، ورمى بها وجوه القوم وقال شاهت الوجوه، فلم يبق مشرك إلا ودخل في عينيه ومنخريه منها شيء، فكانت تلك الرمية سبباً للهزيمة، وفيه نزلت هذه الآية.
والثاني: أنها نزلت يوم خيبر روي أنه عليه السلام أخذ قوساً وهو على باب خيبر.
فرمى سهماً.
فأقبل السهم حتى قتل ابن أبي الحقيق، وهو على فرسه، فنزلت ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى ﴾ والثالث: أنها نزلت في يوم أحد في قتل أبي بن خلف، وذلك أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم وقال يا محمد من يحيى هذا وهو رميم؟
فقال عليه السلام يحييه الله ثم يميتك ثم يحييك ثم يدخلك النار فأسر يوم بدر، فلما افتدى.
قال لرسول الله إن عندي فرساً أعتلفها كل يوم فرقاً من ذرة، كي أقتلك عليها.
فقال صلى الله عليه وسلم: «بل أنا أقتلك إن شاء الله» فلما كان يوم أحد أقبل أبي يركض على ذلك الفرس حتى دنا من الرسول عليه الصلاة والسلام فاعترض له رجال من المسلمين ليقتلوه.
فقال عليه السلام: «استأخروا» ورماه بحربة فكسر ضلعاً من أضلاعه، فحمل فمات ببعض الطريق ففي ذلك نزلت الآية والأصح أن هذه الآية نزلت في يوم بدر، وإلا لدخل في أثناء القصة كلام أجنبي عنها، وذلك لا يليق بل لا يبعد أن يدخل تحته سائر الوقائع، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
أما قوله تعالى: ﴿ وَلِيُبْلِىَ المؤمنين مِنْهُ بَلاء حَسَنًا ﴾ فهذا معطوف على قوله: ﴿ ولكن الله رمى ﴾ والمراد من هذا البلاء الأنعام، أي ينعم عليهم نعمة عظيمة بالنصرة والغنيمة والأجر والثواب، قال القاضي: ولولا أن المفسرين اتفقوا على حمل الابتلاء هاهنا على النعمة، وإلا لكان يحتمل المحنة بالتكليف فيما بعده من الجهاد، حتى يقال: إن الذي فعله تعالى يوم بدر، كان السبب في حصول تكليف شاق عليهم فيما بعد ذلك من الغزوات.
ثم إنه تعالى ختم هذا بقوله: ﴿ إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ أي سميع لكلامكم عليم بأحوال قلوبكم، وهذا يجري مجرى التحذير والترهيب، لئلا يغتر العبد بظواهر الأمور، ويعلم أن الخالق تعالى مطلع على كل ما في الضمائر والقلوب.
<div class="verse-tafsir"
لما كسروا أهل مكة وقتلوا وأسروا أقبلوا على التفاخر، فكان القائل يقول: قتلت وأسرت، ولما طلعت قريش قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسلك، اللهم إني أسألك ما وعدتني، فأتاه جبريل عليه السلام فقال: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فقال:- لما التقى الجمعان- لعلي رضي الله عنه: أعطني قبضة من حصباء الوادي، فرمى بها في وجوههم وقال: شاهت الوجوه» فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه، فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، فقيل لهم ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ﴾ والفاء جواب شرط محذوف تقديره: إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ﴿ ولكن الله قَتَلَهُمْ ﴾ لأنه هو الذي أنزل الملائكة وألقى الرعب في قلوبهم، وشاء النصر والظفر وقوّى قلوبكم، وأذهب عنها الفزع والجزع ﴿ وَمَا رَمَيْتَ ﴾ أنت يا محمد ﴿ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى ﴾ يعني أنّ الرمية التي رميتها لم ترمها أنت على الحقيقة، لأنك لو رميتها لما بلغ أثرها إلا ما يبلغه أثر رمي البشر، ولكنها كانت رمية الله حيث أثرت ذلك الأثر العظيم، فأثبت الرمية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنّ صورتها وجدت منه، ونفاها عنه لأنّ أثرها الذي لا تطيقه البشر فعل الله عزّ وجلّ، فكأن الله هو فاعل الرمية على الحقيقة، وكأنها لم توجد من الرسول عليه الصلاة والسلام أصلاً.
وقرئ ﴿ ولكن الله قتلهم ﴾ ولكن الله رمى، بتخفيف ﴿ لكن ﴾ ورفع ما بعده ﴿ وَلِيُبْلِىَ المؤمنين ﴾ وليعطيهم ﴿ بَلاء حَسَنًا ﴾ عطاء جميلاً.
قال زهير: فَأبلاَهُمَا خَيْرَ الْبَلاَءِ الَّذِي يَبْلُو والمعنى: وللإحسان إلى المؤمنين فعل ما فعل، وما فعله إلا لذلك ﴿ إِنَّ الله سَمِيعٌ ﴾ لدعائهم ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بأحوالهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ﴾ بِقُوَّتِكم.
﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ﴾ بِنَصْرِكم وتَسْلِيطِكم عَلَيْهِمْ وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ.
رُوِيَ: «أنَّهُ لَمّا طَلَعَتْ قُرَيْشٌ مِنَ العَقَنْقَلِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَذِهِ قُرَيْشٌ جاءَتْ بِخُيَلائِها وفَخْرِها يُكَذِّبُونَ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ ما وعَدْتَنِي فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ لَهُ: خُذْ قَبْضَةً مِن تُرابٍ فارْمِهِمْ بِها، فَلَمّا التَقى الجَمْعانِ تَناوَلَ كَفًّا مِنَ الحَصْباءِ فَرَمى بِها في وُجُوهِهِمْ وقالَ « شاهَتِ الوُجُوهُ»، فَلَمْ يَبْقَ مُشْرِكٌ إلّا شُغِلَ بِعَيْنَيْهِ فانْهَزَمُوا ورَدِفَهُمُ المُؤْمِنُونَ يَقْتُلُونَهم ويَأْسِرُونَهم، ثُمَّ لَمّا انْصَرَفُوا أقْبَلُوا عَلى التَّفاخُرِ فَيَقُولُ الرَّجُلُ قَتَلْتُ وأسَرْتُ، فَنَزَلَتْ.
والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إنِ افْتَخَرْتُمْ بِقَتْلِهِمْ فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم.
﴿ وَما رَمَيْتَ ﴾ يا مُحَمَّدُ رَمْيًا تَوَصِّلُهُ إلى أعْيُنِهِمْ ولَمْ تَقْدِرْ عَلَيْهِ.
﴿ إذْ رَمَيْتَ ﴾ أيْ إذْ أتَيْتَ بِصُورَةِ الرَّمْيِ.
﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمى ﴾ أتى بِما هو غايَةُ الرَّمْيِ فَأوْصَلَها إلى أعْيُنِهِمْ جَمِيعًا حَتّى انْهَزَمُوا وتَمَكَّنْتُمْ مِن قَطْعِ دابِرِهِمْ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ اللَّفْظَ يُطْلَقُ عَلى المُسَمّى وعَلى ما هو كَمالُهُ والمَقْصُودُ مِنهُ.
وقِيلَ مَعْناهُ ما رَمَيْتَ بِالرُّعْبِ إذْ رَمَيْتَ بِالحَصْباءِ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى بِالرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ.
وقِيلَ إنَّهُ نَزَلَ في طَعْنَةٍ طُعِنَ بِها أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَوْمَ أُحُدٍ ولَمْ يَخْرُجْ مِنهُ دَمٌ فَجَعَلَ يَخُورُ حَتّى ماتَ.
أوْ رَمْيَةِ سَهْمٍ رَماهُ يَوْمَ خَيْبَرٍ نَحْوَ الحِصْنِ فَأصابَ كِنانَةَ بْنَ أبِي الحَقِيقِ عَلى فِراشِهِ، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (وَلَكِنْ) بِالتَّخْفِيفِ ورَفْعِ ما بَعْدَهُ في المَوْضِعَيْنِ.
﴿ وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا ﴾ ولِيُنْعِمَ عَلَيْهِمْ نِعْمَةً عَظِيمَةً بِالنَّصْرِ والغَنِيمَةِ ومُشاهَدَةِ الآياتِ فَعَلَ ما فَعَلَ.
﴿ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ لِاسْتِغاثَتِهِمْ ودُعائِهِمْ.
﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِنِيّاتِهِمْ وأحْوالِهِمْ.
﴿ ذَلِكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى البَلاءِ الحَسَنِ، أوِ القَتْلِ أوِ الرَّمْيِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ أيِ المَقْصُودُ أوِ الأمْرُ ذَلِكم وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ أيِ المَقْصُودُ إبْلاءُ المُؤْمِنِينَ وتَوْهِينُ كَيْدِ الكافِرِينَ وإبْطالُ حِيَلِهِمْ.
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ﴿ مُوهِنُ ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وحَفْصٌ ﴿ مُوهِنُ كَيْدِ ﴾ بِالإضافَةِ والتَّخْفِيفِ.
<div class="verse-tafsir"
ولما كسروا أهل مكة وقتلوا وأسروا وكان القاتل منهم يقول تاخفار قتلت وأسرت قيل لهم {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكن الله قَتَلَهُمْ} والفاء جواب لشرط محذوف تقديره أن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن
الله قتلهم ولما قال جبريل للنبى صلى الله عليه وسلم خذ قبضة من تراب فارمهم بها فرماى بها فى وجوهم وقال شاهت الوجوه فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه فانهزموا قيل {وَمَا رَمَيْتَ} يا محمد {إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى} يعني أن الرمية التي رميتها أنت لم ترمها أنت على الحقيقة لأنك لو رميتها لما بلغ أثرها إلا ما يبلغه أثر رمي البشر ولكنها كانت رمية الله حيث أثرت ذلك الأثصر العظيم وفي الآية بيان أن فعل العبد مضاف إليه كسباً وإلى الله تعالى خلقاً لا كما تقول الجبرية والمعتزلة لأنه أثبت الفعل من العبد بقوله إِذْ رَمَيْتَ ثم نفاه عنه وأثبته لله تعالى بقوله ولكن الله رمى ولكنم الله قتلهم ولكمن الله رمى بتخفيف لَكِنِ شامي وحمزة وعلي {وليبلي المؤمنين} ولعيطيهم {منه بلاء حسنا} عطاء تجميلا والمعنى وللإحسان إلى المؤمنين فعل ما فعل وما فعل إلا لذلك {إِنَّ الله سَمِيعٌ} لدعائهم {عَلِيمٌ} بأحوالهم
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عادَ كَلامَهُ إلى بَيانِ بَقِيَّةِ أحْكامِ الواقِعَةِ وأحْوالِها وتَقْرِيرِ ما سَبَقَ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ﴾ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والفاءُ قِيلَ واقِعَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ ما مَرَّ مِن ذِكْرِ إمْدادِهِ تَعالى، وأمَرَهُ بِالتَّثْبِيتِ وغَيْرِ ذَلِكَ، كَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلَمْ تَقْتُلُوهم أنْتُمْ بِقُوَّتِكم وقُدْرَتِكم ﴿ ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ﴾ بِنَصْرِكم وتَسْلِيطِكم عَلَيْهِمْ وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إذا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَلَمْ تَقْتُلُوهم عَلى مَعْنى: فاعْلَمُوا أوْ فَأخْبَرَكم أنَّكم لَمْ تَقْتُلُوهُمْ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: إنِ افْتَخَرْتُمْ بِقَتْلِهِمْ فَلَمْ تَقْتُلُوهم لِما رُوِيَ أنَّهم لَمّا انْصَرَفُوا مِنَ المَعْرَكَةِ غالِبِينَ غائِمِينَ أقْبَلُوا يَتَفاخَرُونَ يَقُولُونَ: قَتَلْتُ وأسَرْتُ وفَعَلْتُ وتَرَكْتُ فَنَزَلَتْ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: لَيْسَتْ هَذِهِ الفاءُ جَوابَ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ كَما زَعَمُوا، وإنَّما هي لِلرَّبْطِ بَيْنَ الجُمَلِ؛ لِأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ ﴾ وكانَ امْتِثالُ ما أمَرَ بِهِ سَبَبًا لِلْقَتْلِ فَقِيلَ: فَلَمْ تَقْتُلُوهم أيْ: لَسْتُمْ مُسْتَبِدِّينَ بِالقَتْلِ؛ لِأنَّ الأقْدارَ عَلَيْهِ، والخَلْقُ لَهُ إنَّما هو لِلَّهِ تَعالى، قالَ السَّفاقِسِيُّ: وهَذا أوْلى مِن دَعْوى الحَذْفِ، وقالَ ابْنُ هِشامٍ: إنَّ الجَوابَ المَنفِيَّ لا تَدْخُلُ عَلَيْهِ الفاءُ.
ومِن هُنا مَعَ كَوْنِ الكَلامِ عَلى نَفْيِ الفاعِلِ دُونَ الفِعْلِ كَما قِيلَ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى اسْمِيَّةِ الجُمْلَةِ حَيْثُ قُدِّرَ المُبْتَدَأُ أيْ: فَأنْتُمْ لَمْ تَقْتُلُوهُمْ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ المَذْكُورَ عِلَّةَ الجَزاءِ أُقِيمَتْ مَقامَهُ وقالَ: إنَّ الأصْلَ: إنِ افْتَخَرْتُمْ بِقَتْلِهِمْ فَلا تَفْتَخِرُوا بِهِ لِأنَّكم لَمْ تَقْتُلُوهم ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ، ولَعَلَّ كَلامَ أبِي حَيّانَ كَما قالَ السَّفاقِسِيُّ أوْلى، والخِطابُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى ﴾ خِطابٌ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ وهو إشارَةٌ إلى رَمْيِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالحَصى يَوْمَ بَدْرٍ وما كانَ مِنهُ.
فَقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لَمّا طَلَعَتْ قُرَيْشٌ مِنَ العَقَنْقَلِ: هَذِهِ قُرَيْشٌ جاءَتْ بِخُيَلائِها وفَخْرِها، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ ما وعَدْتَنِي، فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ لَهُ: خُذْ قَبْضَةً مِن تُرابٍ فارْمِهِمْ بِها، فَلَمّا التَقى الجَمْعانِ قالَ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: أعْطِنِي قَبْضَةً مِن حَصْباءِ الوادِي فَرَمى بِها وُجُوهَهم فَقالَ: فَلَمْ يَبْقَ مُشْرِكٌ إلّا شُغِلَ بِعَيْنِهِ فانْهَزَمُوا ورَدَفَهُمُ المُؤْمِنُونَ يَقْتُلُونَهم ويَأْسِرُونَهم».
وجاءَ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ ذَكَرَها الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ أنَّ هَذا الرَّمْيَ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وزَعَمَ الطِّيبِيُّ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ إلّا يَوْمَ حُنَيْنٍ وأنَّ أئِمَّةَ الحَدِيثِ لَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ مِنهم أنَّهُ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ وهو كَما قالَ الحافِظُ السُّيُوطِيُّ ناشِئٌ مِن قِلَّةِ الِاطِّلاعِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الحِفاظِ ومُنْتَهى نَظَرِهِ الكُتُبُ السِّتُّ ومُسْنَدُ أحْمَدَ ومَسْنَدُ الدّارِمِيِّ وإلّا فَقَدْ ذَكَرَ المُحَدِّثُونَ أنَّ الرَّمْيَ قَدْ وقَعَ في اليَوْمَيْنِ فَنُفِيَ وُقُوعُهُ في يَوْمِ بَدْرٍ مِمّا لا يَنْبَغِي، وذِكْرُ ما في حُنَيْنٍ في هَذِهِ القِصَّةِ مِن غَيْرِ قَرِينَةٍ بَعِيدٌ جِدًّا، وما ذَكَرَهُ في تَقْرِيبِ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَهُ وأنْصَفَ، ويَرِدُ نَحْوُ هَذا عَلى ما رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ مِن أنَّ الآيَةَ إشارَةٌ إلى رَمْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَوْمَ أُحُدٍ فَإنَّ «اللَّعِينَ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ قَصَدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فاعْتَرَضَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ لَهُ لِيَقْتُلُوهُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: اسْتَأْخِرُوا فاسْتَأْخَرُوا، فَأخَذَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَرْبَتَهُ بِيَدِهِ فَرَماهُ بِها فَكَسَرَ ضِلْعًا مِن أضْلاعِهِ، وفي رِوايَةٍ خَدَشَ تَرْقُوَتَهُ فَرَجَعَ إلى أصْحابِهِ ثَقِيلًا وهو يَقُولُ: قَتَلَنِي مُحَمَّدٌ.
فَطَفِقُوا يَقُولُونَ: لا بَأْسَ عَلَيْكَ فَقالَ: واللَّهِ لَوْ كانَتْ بِالنّاسِ لَقَتَلَتْهم فَجَعَلَ يَخُورُ حَتّى ماتَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ».
وما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ ابْنِ أبِي الحَقِيقِ؛ وذَلِكَ في خَيْبَرَ دَعا بِقَوْسٍ فَأُتِيَ بِقَوْسٍ طَوِيلَةٍ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: جِيئُونِي بِقَوْسٍ غَيْرِها فَجاؤُوهُ بِقَوْسٍ كَبْداءَ فَرَمى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الحِصْنَ فَأقْبَلَ السَّهْمُ يَهْوِي حَتّى قَتَلَ ابْنَ أبِي الحَقِيقِ في فِراشِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ».
والحُقُّ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ هو الأوَّلُ، وتَجْرِيدُ الفِعْلِ عَنِ المَفْعُولِ بِهِ لِما أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ حالِ الرَّمْيِ نَفْيًا وإثْباتًا إذْ هو الَّذِي ظَهَرَ مِنهُ ما ظَهَرَ وهو المَنشَأُ لِتَغَيُّرِ المَرْمِيِّ بِهِ في نَفْسِهِ وتَكَثُّرِهِ إلى حَيْثُ أصابَ عَيْنَيْ كُلِّ واحِدٍ مِن أُولَئِكَ الجَمِّ الغَفِيرِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، والمَعْنى عَلى ما قِيلَ: وما فَعَلْتَ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، تِلْكَ الرَّمْيَةَ المُسْتَتْبِعَةَ لِتِلْكَ الآثارِ العَظِيمَةِ حَقِيقَةٌ حِينَ فَعَلْتَها صُورَةً ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى فَعَلَها أيْ: خَلَقَها حِينَ باشَرْتَها عَلى أكْمَلِ وجْهٍ حَيْثُ أوْصَلَ بِها الحَصْباءَ إلى أعْيُنِهِمْ جَمِيعًا، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ بِخَلْقِهِ تَعالى وإنَّما لَهم كَسْبُها ومُباشَرَتُها قالَ الإمامُ: أثْبَتَ سُبْحانَهُ كَوْنَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رامِيًا ونَفى كَوْنَهُ رامِيًا فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَمى كَسْبًا واللَّهُ تَعالى رَمى خَلْقًا، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: إنَّ عَلامَةَ المَجازِ أنْ يَصْدُقَ نَفْيُهُ حَيْثُ يَصْدُقُ ثُبُوتَهُ ألا تَراكَ تَقُولُ لِلْبَلِيدِ حِمارٌ ثُمَّ تَقُولُ لَيْسَ بِحِمارٍ، فَلَمّا أثْبَتَ سُبْحانَهُ الفِعْلَ لِلْخَلْقِ ونَفاهُ عَنْهم دَلَّ عَلى أنَّ نَفْيَهُ عَلى الحَقِيقَةِ وثُبُوتَهُ عَلى المَجازِ بِلا شُبْهَةٍ، فالآيَةُ تَكْفَحُ بَلْ تَلْفَحُ وُجُوهَ القَدَرِيَّةِ بِالرَّدِّ، فَإنْ قُلْتَ: إنَّ أهْلَ المَعانِي جَعَلُوا ذَلِكَ مِن تَنْزِيلِ الشَّيْءِ مَنزِلَةَ عَدِمَهُ وفَسَّرُوهُ بِما رَمَيْتَ حَقِيقَةً إذْ رَمَيْتَ صُورَةً والرَّمْيُ الصُّورِيُّ مَوْجُودٌ والحَقِيقِيُّ لَمْ يُوجَدْ فَلا تَنْزِيلَ (أُجِيبَ) بِأنَّ الصُّورِيَّ مَعَ وُجُودِ الحَقِيقِيِّ كالعَدَمِ وما هو إلّا كَنُورِ الشَّمْعِ مَعَ شَعْشَعَةِ الشَّمْسِ ولِذا أُتِيَ بِنَفْيِهِ مُطْلَقًا كَإثْباتِهِ، وما ذَكَرُوهُ بَيانٌ لِتَصْحِيحِ المَعْنى في نَفْسِ الأمْرِ وهو لا يُنافِي النُّكْتَةَ المَبْنِيَّةَ عَلى الظّاهِرِ، ولِذا قالَ في شَرْحِ المِفْتاحِ: النَّفْيُ والإثْباتُ وارِدانِ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ بِاعْتِبارَيْنِ فالمَنفِيُّ هو الرَّمْيُ بِاعْتِبارِ الحَقِيقَةِ كَما أنَّ المُثْبِتَ هو الرَّمْيُ بِاعْتِبارِ الصُّورَةِ، والمَشْهُورُ حَمْلُ الرَّمْيِ في حَيِّزِ الِاسْتِدْراكِ عَلى الكامِلِ وهو الرَّمْيُ المُؤَثِّرُ ذَلِكَ التَّأْثِيرَ العَظِيمَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ المُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلى الفَرْدِ الكامِلِ لِتَبادُرِهِ مِنهُ، وأمّا ما جَرى عَلى خِلافِ العادَةِ وخَرَجَ عَنْ طَرِيقِ البَشَرِ فَلا يَتَبادَرُ حَتّى يَنْصَرِفَ إلَيْهِ بَلْ ذَلِكَ لَيْسَ مِن أفْرادِهِ (وأُجِيبَ) بِأنّا لا نَدَّعِي إلّا الفَرْدَ الكامِلَ مِن ذاكَ المُطْلَقِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ القاعِدَةُ، وكَوْنُ ذَلِكَ الفَرْدِ جارِيًا عَلى خِلافِ العادَةِ وخارِجًا عَنْ طَوْقِ البَشَرِ إنَّما جاءَ مِن خارِجٍ، ووَصْفُ الرَّمْيِ بِما ذُكِرَ بَيانٌ لِكَمالِهِ، ولا يَسْتَدْعِي ذَلِكَ أنْ لا يَكُونَ مِن أفْرادِ المُطْلَقِ ومَنِ ادَّعاهُ فَقَدْ كابَرَ.
واعْتُرِضَ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ بِأنَّهُ مُشْعِرٌ بِتَفْسِيرِ (رَمى) في حَيِّزِ الِاسْتِدْراكِ بِخَلْقِ الرَّمْيِ وتَفْسِيرِ (رَمَيْتَ) في حَيِّزِ النَّفْيِ بِخَلَقْتَ الرَّمْيَ، فَحاصِلُ المَعْنى حِينَئِذٍ: وما خَلَقْتَ الرَّمْيَ إذْ صَدَرَ عَنْكَ صُورَةً، ولَكِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَهُ، ويَلْزَمُ مِنهُ صِحَّةُ أنْ يُقالَ مَثَلًا: ما قُمْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قامَ عَلى مَعْنى ما خَلَقْتَ القِيامَ إذْ صَدَرَ عَنْكَ صُورَةً ولَكِنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى خَلَقَهُ ولا أظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِن عَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ (وأُجِيبَ) بِأنَّ القِياسَ يَقْتَضِي صِحَّةَ ذَلِكَ إلّا أنَّ مَدارَ الأمْرِ عَلى التَّوْقِيفِ، واعْتُرِضَ عَلى ما يَسْتَدْعِيهِ كَلامُ ابْنِ المُنِيرِ مِن أنَّ المَعْنى وما رَمَيْتَ حَقِيقَةً إذْ رَمَيْتَ مَجازًا ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى رَمى حَقِيقَةً بِأنَّ نَفْيَ الرَّمْيِ حَقِيقَةً حِينَ إثْباتِهِ مَجازًا مَن أجْلى البَدِيهِيّاتِ فَأيُّ فائِدَةٍ في الإخْبارِ بِذَلِكَ، قِيلَ: ومِثْلُ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلى كَلامِ الإمامِ لِأنَّ كَسْبَ العَبْدِ لِلْفِعْلِ عِنْدَهم عَلى المَشْهُورِ عِبارَةٌ عَنْ مَحَلِّيَّةِ العَبْدِ لِلْفِعْلِ مِن غَيْرِ تَأْثِيرٍ لِقُدْرَتِهِ في إيجادِهِ ويَؤُولُ ذَلِكَ إلى مُباشَرَةٍ لَهُ مِن غَيْرِ خَلْقٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: وما خَلَقْتَ الرَّمْيَ إذْ باشَرْتَ ولَمْ تَخْلُقْ وهو كَما تَرى، وهو كَما تَرى، وبِالجُمْلَةِ كَلامُ أكْثَرِ أهْلِ الحَقِّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، والِاسْتِدْلالُ بِها وكَذا بِالآيَةِ قَبْلَها عَلى مَذْهَبِهِمْ لا يَخْلُو عَنْ مُناقَشَةٍ ما، ولَعَلَّ الجَوابَ عَنْها مُتَيَسِّرٌ لِأهْلِهِ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّهُ أثْبَتَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الرَّمْيَ لِصُدُورِهِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ونَفى عَنْهُ لِأنَّ أثَرَهُ لَيْسَ في طاقَةِ البَشَرِ، ولِذا عُدَّ ذَلِكَ مُعْجِزَةً حَتّى كَأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا مَدْخَلَ لَهُ فِيهِ، فَمَبْنى الكَلامِ عَلى المُبالَغَةِ ولا يَلْزَمُ مِنهُ عَدَمُ مُطابَقَتِهِ لِلْواقِعِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ الحَقِيقِيَّ غَيْرُ مَقْصُودٍ، ولا يَصِحُّ أنْ تُخَرَّجَ الآيَةُ عَلى الخَلْقِ والمُباشَرَةِ؛ لِأنَّ جَمِيعَ أفْعالِ العِبادِ بِمُباشَرَتِهِمْ وخَلْقِ اللَّهِ تَعالى فَلا يَكُونُ لِلتَّخْصِيصِ بِهَذا الرَّمْيِ مَعْنًى، ولَهُ وجْهٌ، وإنْ قِيلَ عَلَيْهِ ما قِيلَ.
وأنا أقُولُ: إنَّ لِلْعَبْدِ قُدْرَةً خَلَقَها اللَّهُ تَعالى لَهُ مُؤَثِّرَةٌ بِإذْنِهِ فَما شاءَ اللَّهُ سُبْحانَهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، لا أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ أصْلًا كَما يَقُولُ الجَبْرِيَّةُ، ولا أنَّ لَهُ قُدْرَةً غَيْرَ مُؤَثِّرَةٍ كَما هو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ الأشاعِرَةِ، ولا أنَّ لَهُ قُدْرَةً مُؤَثِّرَةً بِها يَفْعَلُ ما لا يَشاءُ اللَّهُ تَعالى فِعْلَهُ كَما يَقُولُ المُعْتَزِلَةُ، وأدِلَّةُ ذَلِكَ قَدْ بَسَطَتْ في مَحَلِّها وأُلِّفَتْ فِيها رَسائِلُ تُلْقِمُ المُخالِفَ حَجَرًا، ولَيْسَ إثْباتُ صِحَّةِ هَذا القَوْلِ وكَذا القَوْلُ المَشْهُورُ عِنْدَ الأشاعِرَةِ عِنْدَ مَن يَراهُ مَوْقُوفًا عَلى الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ حَتّى إذا لَمْ تَقُمِ الآيَةُ دَلِيلًا يَبْقى المَطْلَبُ بِلا دَلِيلٍ.
فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَأنا لا أرى بَأْسًا في أنْ يَكُونَ الرَّمْيُ المُثْبَتُ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هو الرَّمْيَ المَخْصُوصَ الَّذِي تَرَتَّبَ عَلَيْهِ ما تَرَتَّبَ مِمّا أبْهَرَ العُقُولَ وحَيَّرَ الألْبابَ، وإثْباتُ ذَلِكَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَقِيقَةً عَلى مَعْنى أنَّهُ فَعَلَهُ بِقُدْرَةٍ أُعْطِيَتْ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُؤْثِرَةٍ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ ما ذُكِرَ خارِجًا عَنِ العادَةِ إذِ المَعْرُوفُ في القُدَرِ المَوْهُوبَةِ لِلْبَشَرِ أنْ لا تُؤَثِّرَ مِثْلَ هَذا الأثَرِ نَفى ذَلِكَ عَنْهُ وأثْبَتَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ مُبالَغَةً، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ الرَّمْيَ وإنْ صَدَرَ مِنكَ حَقِيقَةً بِالقُدْرَةِ المُؤَثِّرَةِ بِإذْنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَكِنَّهُ لِعِظَمِ أمْرِهِ وعَدَمِ مُشابَهَتِهِ لِأفْعالِ البَشَرِ كَأنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنكَ بَلْ صَدَرَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِلا واسِطَةٍ، وكَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى وما رَمَيْتَ بِالرُّعْبِ إذْ رَمَيْتَ بِالحَصْباءِ ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى رَمى بِالرُّعْبِ، فالرَّمْيُ المَنفِيُّ أوَّلًا والمُثْبَتُ أخِيرًا غَيْرُ المُثْبَتِ في الأثْناءِ وعَلى الوَجْهَيْنِ يَظْهَرُ بِأدْنى تَأمُّلٍ وجْهُ تَخالُفِ أُسْلُوبَيِ الآيَتَيْنِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: وما رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى لِيَكُونَ عَلى أُسْلُوبِ: فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ، ولا فَلَمْ تَقْتُلُوهم إذْ قَتَلْتُمُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم لِيَكُونَ عَلى أُسْلُوبِ: ﴿ وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى ﴾ ولا يَظْهَرُ لِي نُكْتَةٌ في هَذا التَّخالُفِ عَلى الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَها المُعَظَّمُ، وكَوْنُها الإشارَةَ إلى أنَّ الرَّمْيَ لَمْ يَكُنْ في تِلْكَ الوَقْعَةِ كالقَتْلِ بَلْ كانَ في حُنَيْنٍ دُونَهُ عَلى ما فِيهِ مُخالِفٌ لِما صَحَّ مِن أنَّ كِلا الأمْرَيْنِ كانَ في تِلْكَ الوَقْعَةِ كَما عَلِمْتَ فَتَأمَّلْ فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اتِّساعٌ، وقُرِئَ: (ولَكِنِ اللَّهُ) بِالتَّخْفِيفِ ورَفْعِ الِاسْمِ الجَلِيلِ في المَحَلَّيْنِ.
﴿ ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا ﴾ أيْ: لِيُعْطِيَهم سُبْحانَهُ مِن عِنْدِهِ إعْطاءً جَمِيلًا غَيْرَ مَشُوبٍ بِالشَّدائِدِ والمَكارِهِ عَلى أنَّ البَلاءَ بِمَعْنى العَطاءِ كَما في قَوْلِ زُهَيْرٍ: جَزى اللَّهُ بِالإحْسانِ ما فَعَلا بِكم فَأبْلاهُما خَيْرَ البَلاءِ الَّذِي يُبْلِي واخْتارَ بَعْضُهم تَفْسِيرَهُ بِالإبْلاءِ في الحَرْبِ بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ يُقالُ: أبْلى فُلانٌ بَلاءً حَسَنًا أيْ: قاتَلَ قِتالًا شَدِيدًا وصَبَرَ صَبْرًا عَظِيمًا، سُمِّيَ بِهِ ذَلِكَ الفِعْلُ لِأنَّهُ ما يُخْبِرُ بِهِ المَرْءُ فَتَظْهَرُ جَلادَتُهُ وحُسْنُ أثَرِهِ، واللّامُ إمّا لِلتَّعْلِيلِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ مُتَأخِّرٍ فالواوُ اعْتِراضِيَّةٌ أيْ: ولِلْإحْسانِ إلَيْهِمْ بِالنَّصْرِ والغَنِيمَةِ فِعْلُ ما فُعِلَ لا لِشَيْءٍ آخَرَ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُجْدِيهِمْ نَفْعًا، وإمّا بِرَمْيٍ فالواوُ لِلْعَطْفِ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ أيْ: ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى لِيَمْحَقَ الكافِرِينَ ولِيُبْلِيَ إلَخْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ أيْ: لِدُعائِهِمْ واسْتِغاثَتِهِمْ أوْ لِكُلِّ مَسْمُوعٍ ويَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ ﴿ عَلِيمٌ ﴾ أيْ: بِنِيّاتِهِمْ وأحْوالِهِمُ الدّاعِيَةِ لِلْإجابَةِ أوْ لِكُلِّ مَعْلُومٍ ويَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ أيْضًا تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ.
وذلك أن المسلمين كانوا يقولون: قتلنا فلاناً وقتلنا فلاناً، فأراد الله تعالى أن لا يعجبوا بأنفسهم، فقال: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ يقول: فما قتلتموهم وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ، يعني: الله تعالى نصركم وأمدكم بالملائكة.
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى يعني: الله تعالى تولى ذلك، وذلك حين رمى النبيّ قبضة من التراب، فملأ الله تعالى أعينهم بها فانهزموا، قال الله تعالى: وَما رَمَيْتَ أي: لم تصب رميتك ولم تبلغ ذلك المبلغ، ولكن الله تعالى تولى ذلك.
ويقال: رمى النبيّ يوم أحد بالحربة فأصابت أبي بن خلف الجمحي فقتله.
قرأ حمزة والكسائي وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى بكسر النون والتخفيف واللَّهَ بالضم، وكذلك في قوله وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وقرأ الباقون: بنصب النون مع التشديد ونصب ما بعده.
ثم قال: وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً، يعني: لينصرهم نصراً جميلاً ويختبرهم بالتي هي أحسن، ويقال: ولينعم المؤمنين نعمة بينة.
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، يعني: سميع لدعاء النبيّ وعليم بإجابته.
ذلِكُمْ، يعني: الهلاك والهزيمة للكفار، ويقال: معناه، الأمر من ربكم.
ذلِكُمْ ثمّ ابتداء فقال: وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ، يعني: مضعف كيد الكافرين، يعني: صنيع الكافرين ببدر.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ بنصب الواو والتشديد منونة كَيْدِ بنصب الدال، وقرأ عاصم في رواية حفص مُوهِنُ بضم النون بغير تنوين كَيْدِ بكسر الدال على معنى الإضافة، وقرأ الباقون: مُوهِنُ بالتنوين والتخفيف كَيْدِ بنصب الدّال والمُوهِنُ والمُوهَنُ واحد، ويقال: وهنت الشيء وأوهنته، إذا جعلته واهنا ضعيفا.
<div class="verse-tafsir"
وعن مالك مثله.
انتهى.
وفهم ع «١» : الحديث على التَّعَجُّبِ، ذكره عند قوله: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ [التوبة:
٢٥] ، وما قاله ابنُ رشْدٍ هو الصواب.
والله أعلم.
ومُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ يراد به الذي يَرَى: أن فعله ذلك أنْكَى للعدو، ونصبه على الحال، وكذلك نصب مُتَحَيِّزاً، وأما الاسْتِثْنَاءُ، فهو من المولين الذين تضمنهم «من» .
والفِئَةُ هنا الجَمَاعَةُ الحاضرة للحرب، هذا قول الجمهور.
وقوله سبحانه: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى هذه الألفاظ تَرِدُ على من يزعم أن أَفْعَالَ العباد خَلْقٌ لهم، ومذهب أهل السنة أنها خلق للرب سبحانه كسْبٌ للعبد روي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أخذ يومئذٍ ثلاث قَبَضَاتٍ من حَصًى وتُرَابٍ، فرمى بها في وجوه القوم، فانهزموا عند آخر رمْيَةِ، ويروى أنه قال يوم بدر: «شَاهَتِ الوُجُوهُ» «٢» وهذه الفعلة أيضاً كانت يوم «حنين» بلا خلاف.
ولِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ أي: ليصيبهم ببلاء حَسَنٍ، وظاهر وصفه بالحسن يقتضي أنه أراد الغنيمة، والظفر، والعزة.
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لاستغاثتكم، عَلِيمٌ بوجوه الحكمة في جميع أفعاله لا إله إلا هو.
وقوله سبحانه: ذلِكُمْ إشارة إلى ما تقدم من قَتْلِ اللَّه لهم، ورميه إياهم، وموضع ذلِكُمْ من الإعراب رفع.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمًا "وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ" "وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمى" بِتَخْفِيفِ النُّونِ ورَفْعِ اسْمِ اللَّهِ فِيهِما.
وسَبَبُ نُزُولِ هَذا الكَلامِ أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ لَمّا رَجَعُوا عَنْ بَدْرٍ جَعَلُوا يَقُولُونَ: قَتَلْنا وقَتَلْنا، هَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ﴾ فَفي سَبَبِ نُزُولِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: « "أنَّ النَّبِيَّ قالَ لِعَلِّيٍّ: ناوِلْنِي كَفًّا مِن حَصْباءَ، فَناوَلَهُ، فَرَمى بِهِ في وُجُوهِ القَوْمِ، فَما بَقِيَ مِنهم أحَدٌ إلّا وقَعَتْ في عَيْنِهِ حَصاةٌ" .» وقِيلَ: «أخَذَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ، فَرَمى بِها، وقالَ: "شاهَتِ الوُجُوهُ" فَما بَقِيَ مُشْرِكٌ إلّا شَغَلَ بِعَيْنِهِ يُعالِجُ التُّرابَ الَّذِي فِيها، فَنَزَلَتْ ﴿ وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى ﴾ وذَلِكَ يَوْمُ بَدْرٍ؛» هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وتَأْوِيلُ شاهَتْ: قُبِّحَتْ؛ يُقالُ: شاهَ وجْهُهُ يَشُوهُ شَوْهًا وشُوهَةً، ويُقالُ: رَجُلٌ أُشْوَهُ، وامْرَأةٌ شَوْهاءُ: إذا كانا قَبِيحَيْنِ.
والثّانِي: «أنْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ أقْبَلَ يَوْمَ أُحُدٍ إلى النَّبِيِّ يُرِيدُهُ، فاعْتَرَضَ لَهُ رِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَأمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ، فَخُلُّوا سَبِيلَهُ، وطَعَنَهُ النَّبِيُّ بِحَرْبَتِهِ، فَسَقَطَ أبِي عَنْ فَرَسِهِ، ولَمْ يَخْرُجْ مِن طَعْنَتِهِ دَمٌ، فَأتاهُ أصْحابُهُ وهو يَخُورُ خُوارَ الثَّوْرِ، فَقالُوا: إنَّما هو خَدْشٌ، فَقالَ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ كانَ الَّذِي بِي بِأهْلِ المَجازِ لَماتُوا أجْمَعُونَ، فَماتَ قَبْلَ أنْ يُقْدُمَ مَكَّةَ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ عَنْ أبِيهِ.
والثّالِثُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَمى يَوْمَ خَيْبَرٍ بِسَهْمٍ، فَأقْبَلَ السَّهْمُ يَهْوِي حَتّى قَتَلَ ابْنَ أبِي الحَقِيقِ وهو عَلى فِراشِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ في آَخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ﴾ اخْتَلَفُوا في مَعْنى إضافَةِ قَتْلِهِمْ إلَيْهِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ قَتَلَهم بِالمَلائِكَةِ الَّذِينَ أرْسَلَهم.
والثّانِي: أنَّهُ أضافَ القَتْلَ إلَيْهِ لِأنَّهُ تَوَلّى نَصْرَهم.
والثّالِثُ: لِأنَّهُ ساقَهم إلى المُؤْمِنِينَ، وأمْكَنَهم مِنهم.
والرّابِعُ: لِأنَّهُ ألْقى الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ المَعْنى: وما ظَفِرْتَ أنْتَ ولا أصَبْتَ، ولَكِنَّ اللَّهَ أظْفَرَكَ وأيَّدَكَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّانِي: وما بَلَغَ رَمْيُكَ كَفًّا مِن تُرابٍ أوْ حَصًى أنْ تَمْلَأ عُيُونَ ذَلِكَ الجَيْشِ الكَثِيرِ، إنَّما اللَّهُ تَوَلّى ذَلِكَ؛ قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: وما رَمَيْتَ قُلُوبَهم بِالرُّعْبِ إذْ رَمَيْتَ وُجُوهَهم بِالتُّرابِ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا ﴾ أيْ: لَيُنْعِمَ عَلَيْهِمْ نِعْمَةً عَظِيمَةً بِالنَّصْرِ والأجْرِ.
إنَّ اللَّهَ سَمِيع لَدُعائِهِمْ عَلِيم بِنِيّاتِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ذَلِكم قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُهُ رَفْعٌ؛ والمَعْنى: الأمْرُ ذَلِكم.
وقالَ غَيْرُهُ: "ذَلِكُمْ" إشارَةً إلى القَتْلِ والرَّمْيِ والبَلاءِ الحَسَنِ.
وأنَّ اللَّهَ أيْ: واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ.
والَّذِي ذَكَرْناهُ في فَتْحِ "أنْ" في قَوْلِهِ: ﴿ وَأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ ﴾ هو مَذْكُورٌ في فَتْحِ "أنْ" هَذِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُوهِنُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عُمَرَ "مُوَهِّنٌ" بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الهاءِ مُنَوَّنَةً "كَيْدَ" بِالنَّصْبِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "مُوهِنٍ" ساكِنَةَ الواوِ "كَيْدَ" بِالنَّصْبِ.
ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ "مُوهِنٍ كَيْدَ" مُضافٌ.
والمُوهِنُ: المُضَعَّفُ، والكَيْدُ: المَكْرُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللهَ قَتَلَهم وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللهَ رَمى ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا إنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ ذَلِكم وأنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ ﴾ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أعْلَمَ اللهُ بِها أنَّ القَتَلَةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَيْسُوا هم مُسْتَبِدِّينَ بِالقَتْلِ بِالإقْدارِ عَلَيْهِ، والخَلْقُ والِاخْتِراعُ في جَمِيعِ حالاتِ القاتِلِ إنَّما هي لِلَّهِ تَعالى لَيْسَ لِلْقاتِلِ فِيها شَيْءٌ، وإنَّما يُشارِكُهُ بِتَكَسُّبِهِ وقَصْدِهِ، وهَذِهِ الألْفاظُ تَرُدُّ عَلى مَن يَقُولُ بِأنَّ أفْعالَ العِبادِ خَلْقٌ لَهم.
وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ -فِيما رُوِيَ- أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللهِ لَمّا صَدَرُوا عن بَدْرٍ ذَكَرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ما فَعَلَ، فَقالَ: قَتَلْتُ كَذا وفَعَلْتُ كَذا، فَجاءَ مِن ذَلِكَ تَفاخُرٌ ونَحْوُ ذَلِكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللهَ رَمى ﴾ يُرادُ بِهِ ما كانَ رَسُولُ اللهِ فَعَلَهُ يَوْمَئِذٍ، وذَلِكَ أنَّهُ أخَذَ قَبَضاتٍ مِن حَصًى وتُرابٍ فَرَمى بِها في وُجُوهِ القَوْمِ وتِلْقاءَهم ثَلاثَ مَرّاتٍ، فانْهَزَمُوا عِنْدَ آخِرِ رَمْيَةٍ.
ويُرْوى أنَّهُ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: "شاهَتِ الوُجُوهُ".
وهَذِهِ الفِعْلَةُ أيْضًا كانَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ بِلا خِلافٍ، ورُوِيَ أنَّ التُرابَ الَّذِي رَمى بِهِ لَمْ يَبْقَ كافِرٌ إلّا دَخَلَ في عَيْنَيْهِ مِنهُ شَيْءٌ، ورُوِيَ أنَّهُ رَمى بِثَلاثَةِ أحْجارٍ، فَكانَتِ الهَزِيمَةُ مَعَ الحَجَرِ الثالِثِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللهَ رَمى ﴾ ما قُلْناهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ ﴾ وذَلِكَ مَنصُوصٌ في الطَبَرِيِّ وغَيْرِهِ، وهو خارِجٌ في كَلامِ العَرَبِ عَلى مَعْنى: وما رَمَيْتَ الرَمْيَ الكافِيَ إذْ رَمَيْتَ، ونَحْوُ قَوْلِ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ: ..................
∗∗∗ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا ولَمْ أُمْنَعِ أيْ: لَنْ أُعْطَ شَيْئًا مُرْضِيًا.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وما رَمَيْتَ الرُعْبَ في قُلُوبِهِمْ إذْ رَمَيْتَ حَصَياتَكَ، ولَكِنَّ اللهَ رَماهُ، وهَذا أيْضًا مَنصُوصٌ في المَهْدَوِيِّ وغَيْرِهِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وما أغْنَيْتَ إذْ رَمَيْتَ حَصَياتَكَ، ولَكِنَّ اللهَ رَمى، أيْ: أعانَكَ وأظْفَرَكَ، والعَرَبُ تَقُولُ في الدُعاءِ: رَمى اللهُ لَكَ، أيْ: أعانَكَ وصَنَعَ لَكَ، وحَكى هَذا أبُو عُبَيْدَةَ في كِتابِ المَجازِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلَكِنَّ اللهَ رَمى" بِتَشْدِيدِ النُونِ، وفِرْقَةٌ: "وَلَكِنِ اللهُ رَمى" بِتَخْفِيفِها ورَفِعِ الهاءِ مِنَ "اللهِ".
و ﴿ وَلِيُبْلِيَ ﴾ أيْ: لِيُصِيبَهم بِبَلاءٍ حَسَنٍ، فَظاهِرُ وصْفِهِ بِالحُسْنِ يَقْتَضِي أنَّهُ أرادَ الغَنِيمَةَ والظَفَرَ والعِزَّةَ، وقِيلَ: أرادَ الشَهادَةَ لِمَنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ وهم أرْبَعَةَ عَشَرَ، مِنهم عُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ومَهْجَعٌ مَوْلى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومُعاذٌ وعَمْرٌو ابْنا عَفْراءَ، وغَيْرُهم.
﴿ إنَّ اللهَ سَمِيعٌ ﴾ لِاسْتِغاثَتِكم ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِوَجْهِ الحِكْمَةِ في جَمِيعِ أفْعالِهِ لا إلَهَ إلّا هو.
وَحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ﴾ رَمْيُ رَسُولِ اللهِ الحَرْبَةَ عَلى أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ يَوْمَ أُحُدٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ عَقِبَ بَدْرٍ، وعَلى هَذا تَكُونُ أجْنَبِيَّةً مِمّا قَبْلَها وما بَعْدَها وذَلِكَ بَعِيدٌ.
وحُكِيَ أيْضًا أنَّ المُرادَ السَهْمُ الَّذِي رَمى بِهِ رَسُولُ اللهِ في حِصْنِ خَيْبَرَ فَسارَ في الهَواءِ حَتّى أصابَ ابْنَ أبِي الحَقِيقِ، فَقَتَلَهُ وهو عَلى فِراشِهِ.
وهَذا فاسِدٌ، وخَيْبَرُ فَتْحُها أبْعَدُ مِن أُحُدٍ بِكَثِيرٍ، والصَحِيحُ في قَتْلِ ابْنِ أبِي الحَقِيقِ غَيْرُ هَذا.
فَهَذانِ القَوْلانِ ضَعِيفانِ لِما ذَكَرْناهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَتْلِ اللهِ ورَمْيِهِ إيّاهُمْ، ومَوْضِعُ "ذَلِكُمْ" مِنَ الإعْرابِ رَفْعٌ، قالَ سِيبَوَيْهِ: التَقْدِيرُ: الأمْرُ ذَلِكُمْ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ، "وَأنَّ" مَعْطُوفٌ عَلى "ذَلِكُمْ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: وحَتْمٌ وسابِقٌ وثابِتٌ ونَحْوُ هَذا.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَإنَّ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ.
و ﴿ مُوهِنُ ﴾ مَعْناهُ: مُضْعِفُ مُبْطِلٍ، يُقالُ وهَنَ الشَيْءُ، مِثْلُ: وعَدَ يَعِدُ.
ويُقالُ: وهِنَ مِثْلُ: ولِي يَلِي.
وقُرِئَ "فَما وهِنُوا لِما أصابَهُمْ" بِكَسْرِ الهاءِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "مُوهِنُ كَيْدِ" مِن أوهَنَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "مُوَهِّنُ كَيْدِ" مِن وهَّنَ.
وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ: "مُوهِنِ كَيْدِ" بِكَسْرِ الدالِ والإضافَةِ، وذَكَرَ الزَجّاجُ أنَّ فِيها أرْبَعَةَ أوجُهٍ؛ فَذَكَرَ هَذِهِ القِراءاتِ الثَلاثَ، وزادَ "مُوَهِّنِ كَيْدِ" بِتَشْدِيدِ الهاءِ والإضافَةِ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَنُصَّ أنَّها قِراءَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكن الله قَتَلَهُمْ}.
الأظهر أن الفاء فصيحة ناشئة عن جملة: ﴿ إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم ﴾ [الأنفال: 12] تفصح عن مقدر قبلها شرط أو غيره والأكثر أن يكون شرطاً فتكون رابطة لجوابه، والتقدير هنا إذا علمتم أن الله أوحى إلى الملائكة بضرب أعناق المشركين وقَطْع إيديهم فلَمْ تقتلوهم أنتم ولكن الله قتلهم أي فقد تبين أنكم لم تقتلوهم أنتم، وإلى هذا يشير كلام صاحب «الكشاف» هنا وتبعه صاحب «المفتاح» في آخر باب النهي.
ويجوز أن تكون الفاء عاطفة على جملة: ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذي كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار ﴾ [الأنفال: 15] أي يتفرع على النهي عن أن تولوا المشركين الأدبار تنبيهكم إلى أن الله هو الذي دفع المشركين عنكم وأنتم أقل منهم عَددا وعُدة، والتفريع بالفاء تفريع العلة على المعلول، فإن كون قتل المشركين ورميهم حاصلاً من الله لأمن المسلمين يفيد تعليلاً وتوجيهاً لنهيهم عن أن يولوهم الأدبار.
ولأَمْرهم الصبر والثبات وهو تعريض بضمان تأييد الله إياهم إن امتثلوا لقوله: ﴿ واصبروا إن الله مع الصابرين ﴾ [الأنفال: 46] فإنهم إذا امتثلوا ما أمرهم الله كان الله ناصرهم، وذلك يؤكد الوعيد على تولية الأدبار، لأنه يقطع عذر المتولين والفارين، ولذلك قال الله تعالى في وقعة أحد: ﴿ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمْعاننِ إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ﴾ [آل عمران: 155].
وإذ قد تضمنت الجملة إخباراً عن حالة أفعال فعلها المخاطبون، كان المقصود اعلامهم بنفي ما يظنونه من أن حصول قتل المشركين يوم بدر كان بأسباب ضَرب سيوف المسلمين، فأنباهم أن تلك السيوف ما كان يحق لها أن تؤثر ذلك التأثير المصيب المطرد العام الذي حل بإبطال ذوي شجاعة، وذوي شوكة وشِكّة، وإنما كان ضرب سيوف المسلمين صورياً، أكرم الله المسلمين بمقارنته فعلَ الله تعالى الخارقَ للعادة، فالمنفي هو الضرب الكائنُ سببَ القتل في العادة، وبذلك كان القتل الحاصل يومئذٍ معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم وكرامة لأصحابه، وليس المنفي تأثير الضرب في نفس الأمر بناء على القضاء والقدر، لأنه لو كان ذلك لم يكن للقتل الحاصل يوم بدر مزية على أي قتل يقع بالحق أو بالباطل، في جاهلية أو إسلام، وذلك سياق الآية الذي هو تكريم المسلمين وتعليل نهيهم عن الفرار إذا لقوا.
وليس السياق لتعليم العقيدة الحق.
وأصل الخبر المنفي أن يدل على انتفاء صدور المسند عن المسند إليه، لا أن يدل على انتفاء وقوع المسند أصلاً فلذلك صح النفي في قوله: ﴿ فلم تقتلوهم ﴾ مع كون القتل حاصلاً، وإنما المنفي كونه صادراً عن أسبابهم.
ووجه الاستدراك المفاد ب ﴿ لكن ﴾ أن الخبر نفى أن يكون القتل الواقع صادراً عن المخاطبين فكانَ السامعُ بحيث يتطلب أكان القتلُ حقيقة أم هو دون القتل، ومَن كان فاعلاً له، فاحتيج إلى الاستدراك بقوله: ﴿ ولكن الله قتلهم ﴾ .
وقدم المسند إليه على المسند الفعلي في قوله: ﴿ ولكن الله قتلهم ﴾ دون أن يقال ولكن قتلهم الله، لمجرد الاهتمام لا الاختصاص، لأن نفي اعتقاد المخاطبين أنهم القاتلون قد حصل من جملة النفي، فصار المخاطبون متطلبين لمعرفة فاعل قتل المشركين فكان مهمّاً عندهم تعجيل العلم به.
استطراد بذكر تأييد إلهي آخرَ لم يُجر له ذكر في الكلام السابق، وهو إشارة إلى ما ذكره المفسرون وابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن حرّض المؤمنين على القتال يوم بدر أتاه جبريل فقال خذ قُبْضة من تراب فارمهم بها فأخذ حفنة من الحصاء فاستقبل بها المشركين ثم قال: «شاهت الوجوه» ثم نفحهم بها ثم أمر أصحابه فقال: شُدوا فكانت الهزيمة على المشركين، وقال غيره لم يبق مشرك إلا أصابه شيء من الحصا في عينيه فشغل بعينيه فانهزموا، فلكون الرمي قصة مشهورة بينهم حذف مفعول الرمي في المواضع الثلاثة، وهذا أصح الروايات، والمراد بالرمي رمي الحصباء في وجوه المشركين يوم بدر، وفيه روايات أخرى لا تناسب مهيع السورة، فالخطاب في قوله: ﴿ رميت ﴾ للنبيء صلى الله عليه وسلم والرمي حقيقته إلقاء شيء أمسكتْه اليد، ويطلق الرمي على الإصابة بسوء من فِعل أو قول كما في قول النابغة: رمَى الله في تلك الأكففِ الكَوانع *** أي أصابها بما يُشلها وقول جميل: رمَى الله في عيني بُثينة بالقذى *** وفي الغُر من أنيابها بالقوازح وقوله تعالى: ﴿ والذين يرمون أزواجهم ﴾ [النور: 6] فيجوز أن يكون ﴿ رميتَ ﴾ الأول وقولَه: ﴿ ولكن الله رمى ﴾ مستعملين في معناهما المجازي أي وما أصبت أعينَهم بالقذى ولكن الله أصابها به لأنها إصابة خارقة للعادة فهي معجزة للنبيء صلى الله عليه وسلم وكرامة لأهل بدر فنفيت عن الرمي المعتاد وأسندت إلى الله لأنها بتقدير خفي من الله، ويكون قوله: ﴿ إذ رميت ﴾ مستعملاً في معناه الحقيقي، وفي «القرطبي» عن ثعلب أن المعنى وما رميتَ الفزع والرعب في قلوبهم إذ رميت بالحصباء فانهزموا، وفيه عن أبي عبيدة أن (رميتَ) الأول والثاني، و(رمى) مستعملة في معانيها الحقيقية، وهو ما درج عليه جمهور المفسرين وجعلوا المنفي هو الرمي الحقيقي والمثبت في قوله: ﴿ إذ رميت ﴾ هو الرمي المجازي وجعله السكاكي من الحقيقة والمجاز العقليين فجعل ما رميت نفياً للرمي الحقيقي وجعل (إذ رميت) للرمي المجازي.
وقوله: ﴿ إذ رميت ﴾ زيادة تقييد للرمي وأنه الرمي المعروف المشهور، وإنما احتيج إليه في هذا الخبر ولم يؤت بمثله في قوله: ﴿ فلم تَقتلوهم ﴾ لأن القتل لما كانت له أسباب كثيرة كان اختصاص سيوف المسلمين بتأثيره غير مشاهد، وكان من المعلوم أن الموت قد يحصل من غير فعل فاعل غيرِ الله، لم يكن نفي ذلك التأثير، وإسناد حصوله إلى مجرد فعل الله محتاجاً إلى التأكيد بخلاف كون رمي الحصى الحاصل بيد الرسول صلى الله عليه وسلم حاصلاً منه، فإن ذلك أمر مشاهد لا يقبل الاحتمال، فاحتيج في نفيه إلى التأكيد إبطالاً لاحتمال المجاز في النفي بأن يُحمل على نفي رمي كامل، فإن العرب قد ينفون الفعل ومرادهم نفي كماله حتى قد يَجمعون بين الشيء وإثباته أو نفي ضده بهذا الاعتبار، كقول عباس بن مرداس: فلم أعْطَ شيئاً ولم أمْنع *** أي شيئاً مجدياً، فدل قوله: ﴿ إذ رميت ﴾ على أن المراد بالنفي في قوله: ﴿ وما رميت ﴾ هو الرمي بمعنى أثره وحصول المقصود منه، وليس المراد نفي وقوع الرمي مثل المراد في قوله: ﴿ فلم تقتلوهم ﴾ لأن الرمي واقع من يد النبي صلى الله عليه وسلم ولكن المراد نفي تأثيره، فإن المقصود من ذلك الرمي إصابة عيون أهل جيش المشركين وما كان ذلك بالذي يحصل برمي اليد، لأن أثر رمي البشر لا يبلغ أثره مبلغ تلك الرمية، فلما ظهر من أثرها ما عم الجيش كلهم، عُلم انتفاء أن تكون تلك الرمية مدفوعة بيد مخلوق، ولكنها مدفوعة بقدرة الخالق الخارجة عن الحد المتعارف، وأن المراد بإثبات الرمي في قوله: ﴿ ولكن الله رمى ﴾ كالقول في ﴿ ولكن الله قتلهم ﴾ .
وقرأ نافع والجمهور ﴿ ولكن ﴾ بتشديد النون في الموضعين وقرأه ابن عامر، وحمزة، والكسائي بسكون النون فيهما.
عطف على محذوف يؤذن به قوله: ﴿ فلم تقتلوهم ﴾ الآية وقوله ﴿ وما رميت ﴾ الآية.
فإن قتلهم المشركين وإصابة أعينهم كانا الغرض هزم المشركين فهو العلة الأصلية، وله علة أخرى وهي أن يبلي الله المؤمنين بلاءً حسناً أي يعطيهم عطاءً حسناً يشكرونه عليه، فيظهر ما يدل عن قيامهم بشكره مما تختبر به طويتهم لمن لا يعرفها، وهذا العطاء هو النصر والغنيمة في الدنيا والجنةُ في الآخرة.
وأعلم أن أصل مادة هذا الفعل هي البلاء وجاء منه الإبلاء بالهمز وتصريفُ هذا الفعل أغفله الراغب في «المفردات» ومن رأيتُ من المفسرين، وهو مضارع أبلاه إذا أحسن إليه مشتق من البلاء والبلوى الذي أصله الاختيار ثم أطلق على إصابة أحد أحداً بشيء يظهر به مقدار تأثره، والغالب أن الإصابة بشرّ، ثم توسع فيه فأطلق على ما يشمل الإصابة بخير قال تعالى: ﴿ ونبلُوكم بالشر والخير فتنةً ﴾ [الأنبياء: 35] وهو إطلاق كنائي وشاع ذلك الإطلاق الكنائي حتى صار بمنزلة المعنى الصريح، وبقي الفعل المجرد صالحاً للإصابة بالشر والخير، واستعملوا أبلاه مهموز أي أصابةُ بخير قال ابن قتيبة: «يقال من الخير أبليته إبلاء ومن الشر بلوته أبلوه بلاءً».
قلت: جعلوا الهمزة فيه دالة على الإزالة أي إزالة البلاء الذي غلب في إصابة الشر ولهذا قال تعالى: ﴿ بلاء حسناً ﴾ وهو مفعول مطلق لفعل يُبليَ موكد له، لأن فعل يبلي دال على بلاء حسن وضمير ﴿ منه ﴾ عائد إلى اسم الجلالة و(من) الابتداء المجازي لتشريف ذلك الإبلاء ويجوز عود الضمير إلى المذكور من القتل والرمي ويكون (من) للتعليل والسببية.
وقوله: ﴿ إن الله سميع عليم ﴾ تذييل للكلام و(إن) هذا مقيدة للتعليل والربط أي فعل ذلك لأنه سميع عليم، فقد سمع دعاء المؤمنين واستغاثتهم وعلم أنهم لعنايته ونصره فقبل دعاءهم ونصرهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم بِسَوْقِهِمْ إلَيْكم حَتّى أمْكَنَكم مِنهم.
والثّانِي: ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم بِمَعُونَتِهِ لَكم حِينَ ألْقى في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ وفي قُلُوبِكُمُ النَّصْرَ.
وَفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ: ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم بِالمَلائِكَةِ الَّذِينَ أمَدَّكم بِهِمْ.
وَقِيلَ لَمْ تَقْتُلُوهم بِقُوَّتِكم وسِلاحِكم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم بِخِذْلانِهِمْ وقَبْضِ أرْماحِهِمْ.
﴿ وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما حَكاهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعُرْوَةُ، والسُّدِّيُّ: «أنَّ النَّبِيَّ قَبَضَ يَوْمَ بَدْرٍ قَبْضَةً مِن تُرابٍ رَماهم بِها وقالَ: (شاهَتِ الوُجُوهُ)» أيْ قَبُحَتْ ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: أرى لِي وجْهًا شَوَّهَ اللَّهُ خَلْقَهُ فَقُبِّحَ مِن وجْهٍ وقُبِّحَ حامِلُهُ فَألْقى اللَّهُ تَعالى القَبْضَةَ في أبْصارِهِمْ حَتّى شَغَلَتْهم بِأنْفُسِهِمْ وأظْفَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِهِمْ، فَهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى ﴾ الثّانِي: مَعْناهُ وما ظَفِرْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ أظْفَرَكَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الثّالِثُ: وما رَمَيْتَ قُلُوبَهم بِالرُّعْبِ إذْ رَمَيْتَ وُجُوهَهم بِالتُّرابِ ولَكِنَّ اللَّهَ مَلَأ قُلُوبَهم رُعْبًا.
والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ رَمى أصْحابُهُ بِالسَّهْمِ فَأصابَ رَمْيُهم.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمى ﴾ يَعْنِي بِما أرْسَلَهُ مِنَ الرِّيحِ المُعَيَّنَةِ لِسِهامِهِمْ حَتّى سُدِّدَتْ وأصابَتْ.
والمُرادُ بِالرَّمْيِ الإصابَةُ لِأنَّ مَعْنى الرَّمْيِ مَحْمُولٌ عَلى الإصابَةِ، فَإنْ لَمْ يُصِبْ قِيلَ رَمى فَأخْطَأ.
وَإذا قِيلَ مُطْلَقًا: قَدْ رَمى، لَمْ يُعْقَلْ مِنهُ إلّا الإصابَةُ.
ألا تَرى إلى قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: فَرَماها في فَرائِصِها فاسْتَغْنى بِذِكْرِ الرَّمْيِ عَنْ وصْفِهِ بِالإصابَةِ.
وَقالَ ذُو الرُّمَّةِ في الرَّأْيِ: رَمى فَأخْطَأ والأقْدارُ غالِبَةٌ ∗∗∗ فانْصاعَ والوَيْلُ هُجَيْراهُ والحَرْبُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا ﴾ قالَ أصْحابُ الخَواطِرِ: البَلاءُ الحَسَنُ ما يُورِثُكَ الرِّضا بِهِ والصَّبْرَ عَلَيْهِ.
وَقالَ المُفَسِّرُونَ: البَلاءُ الحَسَنُ ها هُنا النِّعْمَةُ بِالظَّفَرِ والغَنِيمَةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلم تقتلوهم ﴾ قال: لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين قال هذا قتلت وهذا قتلت ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ قال: محمد صلى الله عليه وسلم حين حصب الكفار.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما رميت إذ رميت ﴾ قال: رماهم يوم بدر بالحصباء.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال: ما وقع شيء من الحصباء إلا في عين رجل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ قال: هذا يوم بدر، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث حصيات فرمى بحصاة بين أظهرهم، فقال: شاهت الوجوه فانهزموا.
وأخرج ابن عساكر عن محكول رضي الله عنه قال: لما كرَّ علي وحمزة على شيبة بن ربيعة، غضب المشركون وقالوا: اثنان بواحد؟!
فاشتغل القتال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إنك أمرتني بالقتال ووعدتني النصر ولا خلف لوعدك، وأخذ قبضة من حصى فرمى بها في وجوههم فانهزموا بإذن الله تعالى، فذلك قوله: ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: «لما كان يوم بدر سمعنا صوتاً وقع من السماء إلى الأرض كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك الحصباء وقال: شاهت الوجوه.
فانهزمنا، فذلك قول الله تعالى ﴿ وما رميت إذ رميت ﴾ الآية» .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت صوت حصيات وقعن من السماء يوم بدر كأنهن وقعن في طست، فلما اصطف الناس أخذهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرمى بهن في وجوه المشركين فانهزموا، فذلك قوله: ﴿ وما رميت إذ رميت ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه «ناولني قبضة من حصباء» .
فناوله فرمى بها في وجوه القوم، فما بقي أحد من القوم إلا امتلأت عيناه من الحصباء، فنزلت هذه الآية ﴿ وما رميت إذ رميت ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي رضي الله عنهما قالا: لما دنا القوم بعضهم من بعض، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم وقال: شاهت الوجوه.
فدخلت في أعينهم كلهم، وأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتلونهم، وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ إلى قوله: ﴿ سميع عليم ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: لما كان يوم أحد أخذ أبي بن خلف يركض فرسه حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعترض رجال من المسلمين لأبي بن خلف ليقتلوه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استأخروا» فاستأخروا، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حربته في يده، فرمى بها أبي بن خلف وكسر ضلعاً من أضلاعه، فرجع أبي بن خلف إلى أصحابه ثقيلاً فاحتملوه حين ولوا قافلين، فطفقوا يقولون: لا بأس، فقال أبي حين قالوا له ذلك: والله لو كانت بالناس لقتلتهم، ألم يقل إني أقتلك إن شاء الله؟
فانطلق به أصحابه ينعشونه حتى مات ببعض الطريق فدفنوه، قال ابن المسيب رضي الله عنه: وفي ذلك أنزل الله تعالى ﴿ وما رميت إذ رميت...
﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب والزهري رضي الله عنهما قالا: أنزلت في رمية رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد أبي بن خلف بالحربة وهو في لامته، فخدشه في ترقوته فجعل يتدأدأ عن فرسه مراراً حتى كانت وفاته بها بعد أيام، قاسى فيها العذاب الأليم موصولاً بعذاب البرزخ المتصل بعذاب الآخرة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الزهري رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ قال: حيث رمى أبي بن خلف يوم أحد بحربته فقيل له: إن يك الأجحش.
قال: أليس قال: أنا أقتلك؟
والله لو قالها لجميع الخلق لماتوا.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن جبير رضي الله عنه «أن رسول الله- يوم ابن أبي الحقيق- دعا بقوس: فأتى بقوس طويلة فقال: جيئوني بقوس غيرها.
فجاءوه بقوس كيداء، فرمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحصن، فأقبل السهم يهوي حتى قتل ابن أبي الحقيق في فراشه، فأنزل الله: ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ » .
وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولكن الله رمى ﴾ أي لم يكن ذلك برميتك لولا الذي جعل الله تعالى من نصرك وما ألقى في صدور عدوك منها حتى هزمتهم ﴿ وليبلي المؤمنين منه بلاء حسناً ﴾ أي يعرف المؤمنين من نعمته عليهم في إظهارهم عدوّهم مع كثرة عدوّهم وقلة عددهم، ليعرفوا بذلك حقه ويشكروا بذلك نعمته.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ﴾ ، قال المفسرون: يعني يوم بدر (١) (٢) وأما معنى إضافة القتل إلى الله فقال أكثر أهل المعاني (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾ قال المفسرون (٩) يوم بدر: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فخرج رسول الله من العريش، وأخذ قبضة من حصباء الوادي فرمى به في وجوه القوم وقال: شاهت الوجوه؛ فلم يبق مشرك إلا دخل عينه منها شيء، وشغل بعينه؛ فكان ذلك سبب هزيمتهم، وقال عكرمة: ما وقع منها شيء إلا في عين رجل (١٠) فأما معنى نفيه ما أثبت من رمي الرسول وإسناد ذلك إلى نفسه، فقال أهل المعاني (١١) (١٢) (١٣) ومعنى إسناده إليه فلأنه كان منه التسبيب والتسديد.
واحتج أصحابنا (١٤) (١٥) .
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
وقال أبو إسحاق: أعلم الله أن كفًا من حصى لا يملأ عيون ذلك الجيش الكثير برمية بشر، وأنه جلّ وعزّ تولى إيصال ذلك إلى أبصارهم، فقال: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾ أي لم يصب رميك ذلك [ويبلغ ذلك] (١٦) (١٧) وروى أبو عمرو (١٨) (١٩) وقال المبرد: معناه: ما رميت بقوتك إذ رميت، ولكنك بقوة الله رميت (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا ﴾ ، قال المفسرون: أي ينعم عليهم نعمةً عظيمة بالنصر والغنيمة والأجر والمثوبة (٢١) وقال محمد بن إسحاق: أي ليعرف المؤمنين نعمته (٢٢) (٢٣) وقال أبو إسحاق: أي: لينصرهم نصرًا جميلاً، ويختبرهم بالتي هي أحسن (٢٤) وذكرنا معنى البلاء في سورة البقرة، وقال صاحب النظم: وليبلي المؤمنين فعل ذلك.
وذكرنا نظائر هذا في سورة آل عمران [126]، عند قوله: {وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ}، فاللام (٢٥) ﴿ مِنْهُ ﴾ (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ، قال ابن عباس: ﴿ سَمِيعٌ ﴾ لدعائهم، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بنياتهم (٢٧) (١) انظر: "تفسير ابن جرير" 9/ 201، والثعلبي 6/ 47 ب.
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 48 ب، ورواه بلفظ مقارب ابن جرير 9/ 204، وابن أبي حاتم 5/ 1672، والبغوي 3/ 339.
(٣) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 406، و"معاني القرآن" لأبي جعفر النحاس 3/ 141، و"الكشاف" 2/ 149.
(٤) ساقط من (م).
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 406.
(٦) هو: الحسين بن الفضل بن عمير البجلي الكوفي ثم النيسابوري، العلامة المفسر الإمام اللغوي المحدث، إمام عصره في معاني القرآن وكان آية في ذلك، توفي سنة 282 هـ.
انظر: "العبر" 1/ 406، و"سير أعلام النبلاء" 13/ 414، و"طبقات المفسرين" للداودي 1/ 159، وللسيوطي ص 37.
(٧) في (ح): (تميتيهم)، وفي (س): (تميتموهم).
(٨) "تفسير الثعلبي" 6/ 48 ب، ونص العبارة فيه: قال الحسين بن الفضل: أراد به: فلم تميتوهم ولكن الله أماتهم، وأنتم جرحتموهم؛ لأن إخراج الروح إليه لا إلى غيره.
(٩) انظر: "تفسير ابن جرير" 9/ 204، والثعلبي 6/ 47 ب، والبغوي 3/ 339، و"الدر المنثور" 3/ 317.
(١٠) رواه ابن جرير في "تفسيره" 9/ 204.
ومثل هذا لا يعرف بالرأي ، فإن كان عكرمة سمعه من أحد أصحاب النبي فله حكم الرفع وإلا فهو مردود.
(١١) لم أجد هذا القول فيما بين يدي من كتب أهل المعاني.
(١٢) يعني: إذا تكلم إنسان بكلام غير مفيد قيل له: لم تتكلم، وإذا صنع شيئًا غير محقق للغرض المطلوب، قيل له: لم تصنع شيئًا.
(١٣) ساقط من (س).
(١٤) يعني الأشاعرة، انظر: "تفسير الرازي" 15/ 139، ولم أجد الاستدلال بالآية فيما بين يدي من كتب العقيدة الأشعرية، وانظر المعنى في: "الإبانة" للأشعري ص 23، و"تمهيد الأوائل" للباقلاني ص 341، و"كتاب الإرشاد" للجويني ص 174، و"غاية المرام" للآمدي ص 207.
(١٥) يشير المؤلف رحمه الله إلى قضية طالما أشغلت الفكر الإسلامي، وتحددت فيها الآراء، وكثر حولها الجدال، وهي علاقة الخالق -سبحانه- بأفعال العباد.
والمؤلف سار على مذهب جمهور الأشاعرة القائلين بنظرية الكسب رغبة في تحقيق الوسطية بين المعتزله القدرية القائلين: إن الإنسان يخلق أفعاله، وبين الجهمية الجبرية القائلين: إن الإنسان مجبور على أفعاله وأنه كالريشة في مهب الريح.
== وخلاصة مذهب جمهور الأشاعرة بينه الزنجاني في "شرح المواقف" ص 237 بقوله: أفعال العباد واقعة بقدرة الله تعالى وحدها وليس لقدرتهم تأثير فيها، بل الله سبحانه أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختيارًا فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارنًا لهما، فيكون الفعل مخلوقًا لله إبداعًا وإحداثا، ومكسوبًا للعبد، والمراد بكسبه إياه: مقرنته لقدرته وإرادته، من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلًا له.
وقول الزنجاني هذا يفسر معنى كسب العباد عند الأشاعرة، والذي عرفه الآمدي في "غاية المرام من علم الكلام" ص 223 بقوله: إنه المقدور بالقدرة الحادثة، أو المقدور القائم بمحل القدرة، ويوضح هذه النظرية قول الشهرستاني في "الملل والنحل" بهامش "الفصل في الملل والأهواء والنحل" لابن حزم 1/ 128: المكتسب هو المقدور بالقدرة الحادثة أو الحاصل تحت القدرة الحادثة، ثم على أصل أبي الحسن: لا تأثير للقدرة الحادثة في الإحداث، غير أن الله تعالى أجرى سننه بأن يخلق عقيب القدرة الحادثة أو تحتها ومعها الفعل الحاصل إذا أراده العبد وتجرد له، وسمي هذا الفعل كسبًا، فيكون من الله تعالى إبداعًا وإحداثًا، وكسبًا من العبد مجعولًا تحت قدرته اهـ.
وإذ قد تبين معنى قول المؤلف: "وهكذا جميع أفعال العباد المكتسبة، من الله تعالى الإيجاد، ومن العباد الاكتساب" فإن لي حول ذلك وقفتين: الأولى: الاستدلال بهذه الآية على نظرية الكسب ونفي أثر قدرة العبد استدلال باطل؛ فإن واقعة الحال وأسباب النزول وأقوال الصحابة المعاصرين لنزول القرآن وتلاميذهم، تفسر مراد الله، وتوضح معناه.
قال الإمام ابن كثير في "تفسيره" 2/ 327: فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم: أي ليس بحولكم وقوتكم قتلتم أعداءكم مع كثرة عددهم وقلة عددكم، أي: بل هو الذي أظفركم عليهم، ثم قال تعالى لنبيه أيضًا في شأن القبضة من التراب التي حصب بها وجوه الكافرين يوم بدر حين خرج من العريش بعد دعائه وتضرعه واستكانته، فرماهم بها وقال: "شاهت الوجوه" ثم أمر أصحابه أن يصدقوا الجملة إثرها ففعلوا فأوصل الله تلك الحصباء إلى أعين المشركين فلم يبق أحد منهم إلا = (١٦) ما بين المعقوفين ساقط من (م).
(١٧) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 407.
(١٨) في (م) و (س): (أبو عمر).
وهو أبو عمرو بن العلاء، تقدمت ترجمته.
(١٩) هو: ثعلب، وانظر قوله هذا في: "تهذيب اللغة" (رمى) 2/ 1476.
(٢٠) المصدر السابق نفسه.
(٢١) انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 49 أ، والبغوي 3/ 340، وبنحو ذلك قال الإمام ابن جرير 9/ 206، والماوردي 2/ 305 ونسبه للمفسرين.
(٢٢) في (ح): وقال: نعمته ...
إلخ، وفي "السيرة النبوية": من نعمته.
(٢٣) "السيرة النبوية" لابن هشام 2/ 268 مع اختلاف يسير.
(٢٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 407.
(٢٥) يعني في قوله تعالى: ﴿ وَلِيُبْلِيَ ﴾ والتقدير: فعل ذلك ليبلي.
(٢٦) ساقط من (ح).
(٢٧) انظر نحوه في: "تنوير المقباس" ص 179، وانظر: "الوجيز" 6/ 251 وقد ذكر المؤلف في مقدمته أنه اعتمد قول ابن عباس.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ﴾ أي لم يكن قتلهم في قدرتكم لأنهم أكثر منكم وأقوى، لكن الله قتلهم بتأييدكم عليهم وبالملائكة ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ﴾ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ يوم بدر قبضة من تراب وحصى ورمى بها وجوه الكفار فانهزموا، فمعنى الآية أن ذلك من الله في الحقيقة ﴿ بلاء حَسَناً ﴾ يعني الأجر والنصر والغنيمة ﴿ مُوهِنُ ﴾ من الوهن وهو الضعف، وقرئ مُوَهِّن بالتشديد والتخفيف وهو بمعنى واحد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يغشاكم النعاس ﴾ ابن كثير وأبو عمرو.
﴿ يغشيكم النعاس ﴾ من باب الأفعال: أبو جعفر ونافع.
الباقون ﴿ يغشكيم النعاس ﴾ من باب التفعيل.
ويقال من الإنزال: ابن كثير وسهل ويعقوب وأبو عمر.
والآخرون: بالتشديد ﴿ رمى ﴾ بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى.
﴿ موهن ﴾ من الأفعال ﴿ كيد ﴾ بالنصب: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص وسهل ورويس ﴿ موهن ﴾ من الأفعال ﴿ كيد ﴾ بالجر للإضافة: حفص.
الباقون ﴿ موهن ﴾ بالتشديد ﴿ كيد ﴾ بالنصب ﴿ وإن الله ﴾ بالفتح: ابن عامر وأبو جعفر ونافع وحفص والمفضل.
الباقون: بالكسر.
الوقوف: ﴿ الإقدام ﴾ ه ط لتعلق "إذ" بمحذوف هو "اذكر".
﴿ الذين آمنوا ﴾ ط ﴿ كل بنان ﴾ ط ﴿ ورسوله ﴾ الأوّل ج ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ الأدبار ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ط ﴿ قتلهم ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ رمى ﴾ ج لاحتمال أن تكون الواو مقحمة واللام متعلقاً بما قبله واحتمال أن تكون عاطفة على ﴿ ولكن الله رمى ﴾ أو على محذوف أي لتستبشروا وليبلى ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ الفتح ﴾ ج للفصل بين الجملتين المتضادتين مع العطف ﴿ خير لكم ﴾ ج لذلك ﴿ نعد ﴾ ج ﴿ كثرت ﴾ ط لمن قرأ "وإن" بالكسر ﴿ المؤمنين ﴾ ه.
التفسير: قال في الكشاف ﴿ إذ يغشيكم ﴾ "إذ" بدل ثانٍ من ﴿ إذ يعدكم ﴾ أو منصوب بالنصر أبو بما في عند الله من معنى الفعل أو بما جعله الله أو بإضمار اذكروا و ﴿ أمنة ﴾ مفعول لأجله ﴿ ومنه ﴾ صفة لها أي أمنة حاصلة لكم من عند الله.
ولما كان غشيان النعاس وكذا إغشاؤه وتغشيته متضمناً لمعنى تنعسون كان فاعل الفعل المعلل والعلة واحداً كما هو شريطة انتصاب المفعول له.
والمعنى إذ تنعسون لأمنتكم أو يغشاكم النعاس فتنعسون أمناً.
وجوّز على قراءة الإغشاء والتغشية أن تكون الأمنة بمعنى الإيمان أي ينعسكم إيماناً منه.
وجوّز أن ينتصب الأمنة على أنها للنعاس الذي هو فاعل ﴿ يغشاكم ﴾ أي يغشاكم النعاس لأمنه على أن إسناد الأمن إلى النعاس إسناد مجازي وهو لأصحاب النعاس على الحقيقة، أو على أن المراد أنه أنامكم في وقت كان من حق النعاس في مثل ذلك الوقت المخوف أن لا يقدم على غشيانكم وإنما غشاكم أمنة حاصلة له من الله لولاها لم يغشكم على طريقة التمثيل والتخييل، وقد مر فوائد هذا النعاس في سورة آل عمران.
ومن نعم الله تعالى عليهم في تلك الواقعة إنزال المطر عليهم وكان فيه فوائد: إحداها: تحصيل الطهارة، والثانية: إذهاب رجز الشيطان.
وقيل: هو الجنابة التي أصابتهم لأنها من تخييل الشيطان ولا تكرار لأن الأولى عام وهذه خاص.
وقيل: المراد المني لأنه شيء مستخبث مستقذر وعلى هذا يكون في الآية دلالة على نجاسة المني لقوله ﴿ والرجز فاهجر ﴾ وقيل: المراد وسوسة الشيطان إليهم وتخويفه إياهم من العطش وذلك أن المشركين سبقوهم إلى الماء ونزل المؤمنون في كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام على غير ماء فناموا فاحتلم أكثرهم فتمثل لهم إبليس في صورة إنسان فقال لهم: أنتم يا أصحاب محمد تزعمون أنكم على الحق وأنكم تصلون على غير وضوء وعلى الجنابة قد عطشتم، ولو كنتم على حق لما غلبكم هؤلاء على الماء وما ينتظرون بكم إلا أن يجهدكم العطش فإذا قطع العطش أعناقكم مشوا إليكم فقتلوا من أحبوا وساقوا بقيتكم إلى مكة.
فحزنوا حزناً شديداً وأشفقوا فأنزل الله المطر فمطروا ليلاً حتى جرى الوادي واتخذ أصحاب رسول الله الحياض على عدوة الوادي وسقوا الركاب واغتسلوا وتوضأوا وتلبد الرمل الذي كان بينهم وبين العدوّ حتى ثبتت عليه الأقدام وكانت هذه ثالثة الفوائد وأشار إليها بقوله ﴿ ويثبت به ﴾ أي بالماء ﴿ الأقدام ﴾ وقيل: الضمير عائد إلى الربط الذي يدل عليه قوله ﴿ ليربط على قلوبكم ﴾ والمراد من تثبيت الأقدام الصبر في مواطن القتال، وذلك أن من كان قلبه ضعيفاً فرّ ولم يقف فلما ربط الله على قلوبهم أي قوّاها ثبتت أقدامهم ومعنى "على" أن القلوب امتلأت من ذلك الربط حتى كأن علاها وارتفع فوقها.
قال الواحدي: يشبه أن يكون على صلة والمعنى وليربط قلوبكم بالنصر وما أوقع فيها من اليقين.
روي أن المطر نزل على الكافرين أيضاً ولكن الموضع الذي نزل الكفار فيه كان موضع التراب فعظم الوحل وصار مانعاً لهم من المشي والاستقرار.
فقوله ﴿ ويثبت به الأقدام ﴾ يدل مفهومه على أن حال الأعداء كان بخلاف ذلك.
ومن جملة النعم قوله ﴿ إذ يوحي ربك ﴾ وهو بدل ثالث من ﴿ إذ يعدكم ﴾ ومنصوب بـ ﴿ يثبت ﴾ أو بذكر أني معكم الخطاب للملائكة والمراد أني معينكم على التثبيت فثبتوهم.
وقيل: الخطاب للمؤمنين لأن المقصود من هذا الكلام إزالة التخويف والملائكة ما كانوا يخافون الكفار.
وقوله ﴿ فثبتوا الذين آمنوا ﴾ في هذا التثبيت وجوه: أحدها: أنه مفسر لقوله ﴿ سألقي ﴾ ﴿ فاضربوا ﴾ ولا معونة أعظم من إلقاء الرعب في قلوب الكفرة، ولا تثبيت أبلغ من ضرب أعناقهم واجتماعهما غاية النصرة.
وثانيها: أن يراد بالتثبيت أن يخطروا ببالهم ما تقوى به قلوبهم وتصح عزائمهم ونياتهم في القتال فالإلهام من الملائكة كالوسوسة من الشياطين.
وثالثها: أن الملائكة كانوا يتشبهون بصور رجال من معارفهم وكانوا يعدونهم النصر والظفر.
ومعنى ﴿ فوق الأعناق ﴾ أعالي الأعناق التي هي المذابح لأنها مفاصل، فكان إيقاع الضرب فيها إزالة الرأس من الجسد.
وقيل: أراد ضرب إلهام لأن الرؤوس فوق الأعناق.
والبنان الأصابع سميت بذلك لأن بها صلاح أحوال الإنسان التي يريد أن يقيمها من أبن بالمكان أي أقام به، والمراد نفي الأطراف من اليدين والرجلين.
ثم اختلفوا فمنهم من قال: المراد أن يضربوهم كما شاؤا لأن ما فوق العنق هو الرأس وهو أشرف الأعضاء والبنان عبارة عن أضعف الأعضاء فذكر الأشرف والأخس تنبيهاً على كل الأعضاء.
بوجه أخر الضرب إما وقع على مقتل أو غير مقتل، فأمرهم بأن يجمعوا عليهم النوعين معاً.
ومنهم من قال: الأوّل إشارة إلى القتل، وقطع البنان عبارة عن إفناء آلات المدافعة والمحاربة ليعجزوا عن القتال.
وجوّز في الكشاف أن يكون قوله ﴿ سألقي ﴾ إلى قوله ﴿ كل بنان ﴾ تلقيناً للملائكة ما يثبتونهم به أي قولوا لهم قول سألقي، أو يكون وارداً على الاستئناف كأنهم قالوا: كيف نثبتهم؟
فقيل: قولوا لهم قول سألقي.
فالضاربون على هذا هم المؤمنون ﴿ ذلك ﴾ العقاب العاجل من الضرب والقتل وقع عليهم ﴿ بأنهم شاقوا ﴾ بسبب مشاقتهم ومخالفتهم ﴿ الله ورسوله ﴾ ثم بيّن أن الذي نزل بهم في ذلك اليوم شيء يسير وقدر نزر في جنب ما أعد الله لهم ولأمثالهم في الآجل فقال ﴿ ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ﴾ أي له.
والكاف في ﴿ ذلك ﴾ للرسول أو لكل من له أهلية الخطاب، في ﴿ ذلكم ﴾ للكفرة على طريقة الالتفات ومحله الرفع تقديره: ذلكم العذاب المعجل من القتل والأسر أو العذاب ذلكم، أو النصب والتقدير: عليكم ذلكم أي الزموه فذوقوه أو هو كقولك زيداً فاضربه.
قال في الكشاف: ﴿ وإن للكافرين ﴾ عطف على ﴿ ذلكم ﴾ في وجهيه أو نصب على أن الواو بمعنى "مع" والمعنى: ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة.
فوضع الظاهر موضع ضمير الخطاب.
قلت: ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر أي وأن للكافرين عذاب النار حق أو بالعكس أي والحكم والشأن أن للكافرين.
وفي ذكر الذوق إشارة إلى أن عذاب الدنيا شيء قليل بالنسبة إلى عذاب الآخرة.
قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً ﴾ قال الأزهري: أصل الزحف هو أن يزحف الصبي على أسته قبل أن يقوم، شَبَّهَ بزحف الصبي مشي الطائفتين تتمشى كل فئة مشياً رويداً إلى الفئة الأخرى تتدانى للضرب.
فانتصابه على الحال من الفريقين أي، إذا لقيتموهم متزاحفين هم وأنتم، ويجوز أن يكون حالاً من الذين كفروا.
والزحف الجيش الدهم الذي يرى لكثرته كأنه يزحف أي يدب دبيباً سمي بالمصدر، والجمع زحوف والمعنى: إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير جم وأنتم قليل فلا تفروا فضلاً عن حالتي المداناة والمساواة، ويجوز أن يكون حالاً من المخاطبين وهم المؤمنون أي إذا ذهبتم إليهم للقتال فلا تنهزموا ومعنى ﴿ فلا تولوهم الأدبار ﴾ لا تجعلوا ظهوركم مما يليهم أو هو تقدمه نهي عن الفرار يوم حنين حين تولوا مدبرين وهم زحف من الزحوف اثنا عشرألفاً.
وفي قوله ﴿ من يولهم يومئذ دبره ﴾ أمارة عليه، ثم بين أن الانهزام محرم إلا في حالتين فقال ﴿ إلا متحرفاً لقتال ﴾ هو المكر بعد الفرّ يخيل إلى عدوّه أنه منهزم ثم يعطف عليه وهو نوع من خدع الحرب ﴿ أو متحيزاً ﴾ أي منحازاً ﴿ إلى فئة ﴾ إلى جماعة أخرى من المسلمين سوى الفئة التي هو فيها.
وعلى هذا انتصب ﴿ متحرفاً ﴾ و ﴿ متحيزاً ﴾ على أنه استثناء مفرغ من أعم الأحوال ووجد صحته من أنه ليس في الكلام نفي ظاهر هو أنه في معنى النفي كأنه قيل: ومن لا يقدم أو لا يعطف عليهم في حال من الأحوال إلا في حال التحرف أن التحيز، ويجوز أن يكون الاستثناء تاماً على أن الموصوف محذوف والتقدير: ومن يولهم دبره إلا رجلاً منهم متحرفاً أو متحيزاً.
ووزن متحيزاً "متفيعل" لأنه من حاز يحوز فعل به ما فعل بأيام، لو كان "متفعلاً" لقيل "متحوزاً".
عن ابن عمر: خرجت سرية وأنا فيهم ففروا، فلما رجعوا إلى المدينة استحيوا فدخلوا البيوت فقلت: يا رسول الله نحن الفرارون فقال: بل أنتم العكارون وأنا فئتكم.
والعكرة البكرة.
وعن ابن عباس أن الفرار من الزحف في غير هاتين الصورتين من أكبر الكبائر.
واحتج القاضي بالآية على القطع بوعيد الفساق من أهل الصلاة.
وأجيب بأنه مشروط بعدم العفو.
وعن أبي سعيد الخدري والحسن وقتادة والضحاك أن هذا الحكم مختص بيوم بدر لأن رسول الله كان حاضراً بنفسه، لأنه وعدهم النصرة، ولأنه كان أول جهاده فناسب التشديد ولهذا منع من أخذ الفداء.
وأكثر المفسرين على أنه عام في جميع الحروب لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قال أكثر المفسرين: إن المؤمنين لما كسروا أهل مكة وقتلوا وأسروا أقبلوا على التفاخر وكان القائل يقول قتلت وأسرت فقيل لهم: فلم تقتلوهم.
والفاء جواب شرط محذوف تقديره إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن قتلهم لأنه هو الذي أنزل الملائكة وألقى الرعب في قلوبهم وشاء النصر والظفر وقوّى قلوبكم وربط عليها.
ولما طلعت قريش قال رسول الله : "هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك اللهم إني أسألك ما وعدتني" فأتاه جبرائيل فقال: خذ قبضة من تراب فارمهم بها فقال: -لما التقى الجمعان - لعلي: أعطني قبضة من حصباء الوادي فأعطاه فرمى بها في وجوههم وقال: "شاهت الوجوه" فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه فانهزموا فنزلت ﴿ وما رميت إذ رميت ﴾ أي وما رميت أنت يا محمد إذ رميت ﴿ ولكن الله رمى ﴾ أثبت الرمية للرسول الله لأن صورتها وجدت منه ونفاها عنه لأن أثرها فوق حد تأثير القوى البشرية.
قال حكيم بن حزام: لما كان يوم بدر سمعنا صوتاً وقع من السماء إلى الأرض كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله بتلك الحصباء فانهزمنا، وعن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: أقبل أبي بن خلف يوم أحد إلى النبي يريده فاعترض له رجال من المؤمنين فأمرهم رسول الله فخلوا سبيله فاستقبله مصعب ابن عمير أخو بني عبد الدار ورأى رسول الله ترقوه أبيّ من فرجة بين سابغة البيضة والدرع فطعنه بحربته فسقط أبي من فرسه ولم يخرج من طعنته دم وكسر ضلعاً من أضلاعه، فأتاه أصحابه وهو يخور خوار الثور فقالوا له: ما أعجزك إنما هو خدش فقال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لما أتوا أجمعين فمات أبيّ إلى النار قبل أن يقدم مكة فأنزل الله في ذلك ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ وقيل: نزلت في خيبر حين دعا رسول الله بقوس فرمى منها بسهم فأقبل السهم يهوي حتى قتل كنانة بن أبي الحقيق وهو على فراشه.
وأصح الأقوال هو الأوّل كيلا يدخل في أثناء القصة كلام أجنبي، نعم لا يبعد أن يدخل تحته سائر الوقائع لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
﴿ وليبلى المؤمنين منه بلاء حسناً ﴾ وليعطهم عطاء جميلاً فعل ما فعل وما فعله إلا لذلك.
قال القاضي: ولولا أن المفسرين أجمعوا على أن معنى البلاء ههنا النعمة وإلا لكان يحتمل المحنة أي الذي فعله يوم بدر كان كالسبب في حصول تكليف شاق عليهم فيما بعد ذلك من الغزوات.
﴿ إن الله سميع ﴾ لكلامكم ﴿ عليم ﴾ بضمائركم.
وهذا يجري مجرى التحذير والترهيب كيلا يغتر العبد بظواهر الأمور ﴿ ذلكم ﴾ الغرض أي الغرض ذلكم ﴿ وإن الله موهن كيد الكافرين ﴾ إعرابه كما مر في قوله ﴿ وأن للكافرين عذاب النار ﴾ قال ابن عباس: ينبىء رسول الله ويقول إني قد أوهنت كيد عدوّك حتى قتلت جبابرتهم وأسرت أشرافهم.
قال السدي والكلبي والحسن: كان المشركين حين خرجوا إلى رسول الله من مكة أخذوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدينين فأنزل الله خطاباً لهم على سبيل التهكم ﴿ إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ﴾ وقال عكرمة: قال المشركون: اللهم لا نعرف ما جاء به محمد فافتح بيننا وبينه بالحق فنزلت.
وروي أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم أينا كان أفجر وأقطع للرحم فأحنه اليوم أي فأهلكه.
وقيل: إنه خطاب للمؤمنين الذين استغاثوا الله وطلبوا النصر.
ثم خاطب الكفار بقوله ﴿ وأن تنتهوا ﴾ أي عن عداوة رسول الله ﴿ فهو خير لكم ﴾ وأسلم وإن تعودوا لمحاربته نعد لنصرته عليكم.
وجوّز بعضهم أن يكون الخطاب في الجميع للمؤمنين أي إن تكفوا عن المنازعة في أمر القتال أو عن طلب الفداء فهو خير لكم ﴿ وإن تعودوا ﴾ إلى تلك المنازعات ﴿ نعد ﴾ إلى ترك نصرتكم.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ وإن الله مع المؤمنين ﴾ تقديره على قراءة الفتح ولأن الله معين المؤمنين كان ذلك.
التأويل: ﴿ إذ يغشاكم النعاس أمنة ﴾ فيه تغليب الحال إلى ضده بأمر التكوين كما قال للنار ﴿ كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ﴾ كذلك قال للخوف كن أمناً على محمد وأصحابه فكان ﴿ ينزل عليكم ﴾ من سماء الروحانية ماء الإلهام الرباني ﴿ ليطهركم به ﴾ من دنس الصفات النفسانية والحيوانية ﴿ ويذهب عنكم ﴾ وساوس الشيطان وهواجسه ﴿ وليربط على قلوبكم ﴾ بالصدق والإخلاص والمحبة والتوكل واليقين ﴿ ويثبت بهالأقدام ﴾ على طريق الطلب ﴿ إني معكم فثبتوا ﴾ فيه أن التثبيت من الله لا من غيره، وكذلك إلقاء الرعب في قلوبهم وغير ذلك.
﴿ إذا لقيتم الذين كفروا ﴾ إذا لقيتم كفار النفوس وصفاتها مجتمعين على قهر القلوب وصفاتها فلا تنهزموا فتقعوا عن صراط الطلب ﴿ إلا متحرفاً ﴾ إلا قلباً يتحرك ليتهيأ لأسباب القتال مع النفس أو راجعاً إلى الاستمداد من الروح وصفاتها أو إلى ولاية الشيخ أو إلى حضرة الله مستمداً في قمع النفس وقهرها بطريق المجاهدة فإنها تورث المشاهدة ﴿ فلم تقتلوهم ﴾ نفى القتل عن الصحابة بالكلية أو حاله إلى نفسه فقال ﴿ ولكن ﴾ ولم ينف الرمي عن النبي بالكلية حيث قال ﴿ إذ رميت ﴾ لأن الله كان قد تجلى بالقدرة وكأن يده يد الله كما كان حل عيسى حين تجلى له بصفة الإحياء كان يحيي الموتى ﴿ وليبلى المؤمنين منه ﴾ فيجتهدوا في متابعته إلى أن يبلغوا هذا المقام ﴿ إن تستفتحوا ﴾ أي تفتحوا أبواب قلوبكم بمفتاح الصدق والإخلاص وترك ما سوى الله في طلب التجلي ﴿ فقد جاءكم الفتح ﴾ بالتجلي فأنه متجل في ذاته أزلاً وأبداً فلا تغير له وإنما التغير في أحوال الخلق، فهم عند انغلاق أبواب قلوبهم محرومون وعند انفتاح أبوابها محظوظون ﴿ وأن تنتهوا ﴾ عن طلب غير الله ﴿ فهو خير لكم وأن تعودوا ﴾ إلى طلب الدنيا وزخارفها ﴿ نعد ﴾ إلى خذلانكم ونكالكم ونكلكم إلى أنفسكم ودواعيها ﴿ ولن تغني عنكم ﴾ لا يقوم شيء من الدنيا والآخرة وما فيهما مقام شيء مما أعدّ لأهل الله وخاصته.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ ﴾ .
كان أول الأمر بالقتال وفرضه كان لبذل الأنفس للهلاك؛ لأنه ذكر الزحف، والزحف هوالجماعة والعدد الذي لا يعد، وليس للواحد القيام للجماعة، فكان فرض القتال لبذل الأنفس للقتل؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ ﴾ ، وليس في وسع الواحد القيام لعشرة إذا أحيط به، ويجوز أن يفرض بذل الأنفس للقتال؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ﴾ ، أخبر أنه لو أمر بذلك لم يفعل إلا القليل منهم، فجائز الأمر بذلك امتحاناً منه لهم، فإن احتمل ما ذكرنا كان قوله: ﴿ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ ﴾ هو على التحقيق؛ إذ إلى ذلك يساقون.
ويحتمل وجهاً آخر، وهو أن الله - عز وجل - أمر بذلك ليكون آية، ويعرف كل أحد أنه إنما قام بالله، لا بقوة نفسه؛ إذ ليس في وسع أحد القيام لعشرة أو لجماعة بقوته إذا أحيط به، فهو على الآية إن كان فيه ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ ﴾ .
والمتحرف للقتال: هو المتنقل من مكان إلى مكان للحرب، والمتحيز إلى فئة: هو الملتجئ إلى فئة على جهة العود إليهم والحرب، يقال: تحوزت وتحيزت، بالواو والياء جميعاً، وهما تحوز الحرب.
وفيه النهي عن الانهزام والتولي عن العدو، إلا ما ذكر من التحرف للقتال أو التحيز إلى الفئة على جهة العود إليهم.
ثم أخبر أن من ولى دبره بسوى ما ذكر ﴿ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ .
قالت المعتزلة: دل ما أوعد المتحرف بغير قتال والمتحيز إلى غير الفئة بقوله: ﴿ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ - أن مرتكب الكبيرة يخلد في النار؛ لأنه ذكر في أول الآية المؤمنين، ولهم خرج الخطاب بقوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً ﴾ ، ثم أوعد لهم الوعيد الشديد ما يوعد أهل النار غير أهل الإيمان؛ فدل أنه يخرج عن الإيمان بارتكاب الكبيرة، ويخلد في النار.
وقالوا: لا يجوز صرف الآية إلى أهل النفاق؛ لما ذكر في القصة أنه لم يكن يوم بدر منافق.
لكن هذا غلط؛ قال الله - -: ﴿ إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ ، وإنما قالوا ذلك يوم بدر؛ كذلك ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز جل -: ﴿ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ ﴾ ، فإن كان مستثنى من قوله: ﴿ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ، لم يكن فيه رخصة التولي، ولكن فيه دفع الوعيد الذي ذكر، وإن كان مستثنى من قوله: ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ﴾ ، ففيه رخصة التولي إلى ما ذكر.
ثم الدلالة على أنه مستثنى من هذا دون الأول ما جاء عن غير واحد من الصحابة توليه الدبر إلى ما ذكر، وكذلك روي عن رسول الله أنه قال: "أنا فئة لكل مسلم" وبعد، فإنه لم يكن لأهل الإسلام فئة يوم بدر يتحيزون إليها، فدل أنها في المنافقين وأهل الكفر، والله أعلم.
ثم يقال: يجوز أن يكون ما ذكر من الوعيد لمعنى في التولية عن الدبر والإعراض، لا لنفس التولية عن الدبر؛ إذ قد ذكر التولية عن الدبر في آية أخرى، والعفو عن ذلك، وهو قوله - -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ...
﴾ الآية.
فإن قيل: لعل التوبة مضمرة فيه، تابوا فعفا عنهم.
قيل: إن جاز أن تجعل التوبة مضمرة فيها، جاز أن يضمر في التولية عن الدبر الردة، فليست تلك أولى بإضمار التوبة من هذه بإضمار الردة، وفي الآية معان تدل على الإضمار؛ إضمار ما يوجب الوعيد الذي ذكر - والله أعلم -: أحدها: ذكر التحيز إلى الفئة، وإذا لم يكن للمسلم فئة يتحيز إليها، فإذا تحيز إنما يتحيز ليصير إلى العدو، فهو الردة التي ذكرنا.
والثاني: ما ذكر في بعض القصة أنه لما اصطف القوم رفع رسول الله يديه، فقال: "يا رب، إن تهلك هذه العصابة، فلن تعبد في الأرض أبداً" ، ومن هرب أو ولى الدبر عن مثل تلك الحال، لم يول إلا لقصد ألا يعبد، فهو كفر.
والثالث: قد وُعِدَ لهم النصر والظفر على العدو، فمن ولى الدبر، لم يول إلا لتكذيب بالوعد الذي وُعِدَ لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: يحتمل قوله: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ﴾ ، أي: لم تكن جراحاتكم التي أصابتهم بمصيبة المقتل، ولا عاملة في استخراج الروح، ولا كانت قاتلة، ولكن الله - - صيرها قاتلة مصيبة المقتل، عاملة في استخراج الروح؛ لأن من الجراحات ما إذا أصابت لم تصب المقتل، ولا عملت في استخراج الروح.
وقوله: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ...
﴾ الآية يخرج على وجوه: أحدها: أن العبد لا صنع له في القتل واستخراج الروح منه، إنما ذلك فعل الله، وإليه ذلك، وهو المالك لذلك؛ لأن الضربة والجرح قد يكون ولا موت هنالك؛ وكذلك الرمي، ليس كل من أرسل شيئاً من يده فهو رمي، إنما يصير رمياً بالله إنشاء السهم حتى يصل بطبعه المبلغ الذي يبلغ؛ فكأنه لا صنع له في الرمي.
ألا ترى أنه لا يملك رد السهم إذا أرسله، ولو كان فعله لملك رده؛ ولهذا قال أبو حنيفة - رحمه الله -: إن الاستئجار على القتل باطل.
والثاني: قتلوا بمعونة الله ونصره؛ كما يقول الرجل لآخر: إنك لم تقتله، وإنما قتله فلان، أي: بمعونة فلان قتلته؛ فعلى ذلك الأول.
وقوله: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ﴾ ، أي: ما أصاب رميك المقصد الذي قصدت، ولكن الله بالغ ذلك المقصد الذي قصدتم.
والثالث: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ﴾ ، أي: لم تطمعوا بخروجكم إليهم قتلهم؛ لأنهم كانوا بالمحل الذي وصفهم من الضعف وشدة الخوف والذلة كأنما يساقون إلى الموت، فإذا كانوا بالمحل الذي ذكر فيقول - والله أعلم -: لم تطمعوا بخروجكم إليهم وقصدكم إياهم قتلهم؛ لما كان فيكم من الضعف وقوة أولئك، ولكن الله أذلهم، وألقى في قلوبهم الرعب والخوف حتى قتلتموهم؛ وكذلك قوله: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ﴾ لا يطمع الإنسان برمي كف من تراب النكبة بأعدائه، ولكن الله رمى حيث بلغ ذلك، وغطى أبصارهم وأعينهم بذلك الكف من التراب؛ على ما ذكر في القصة أنه رمى كفّاً من تراب فغشى أبصار المشركين، فانهزموا لذلك.
ويحتمل أن تكون نسبة هذه الأفعال إلى نفسه وإضافتها إليها، لما نسب وأضاف كل خير ومعروف إلى نفسه؛ من ذلك قوله: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ...
﴾ الآية [الحجرات: 17]، وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ﴾ الآية [الفاتحة: 6]، وغير ذلك من الآيات التي فيها إضافة الأفعال التي خلصت لله وصفت [له]؛ فعلى ذلك نسب فعلهم إلى نفسه؛ لخلوصه وصفائه له، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً ﴾ .
أي: نعمة عظيمة؛ حيث نصرهم على عدوهم مع ضعف أبدانهم، وقلة عددهم، وكثرة أعدائهم، وقوة أبدانهم وعدتهم، وهو ما ذكر في هلاك فرعون وقومه أنه بلاء من ربكم عظيم بقوله: ﴿ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ ؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .
أي: سميع لدعائكم الذي دعوتم، وتضرعكم الذي تضرعتم إليه.
أو أن يقول: ﴿ سَمِيعٌ ﴾ ، أي: مجيب لدعائكم، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : بأقوالكم وأفعالكم، التي تسرون وتعلنون، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .
قوله: ﴿ ذٰلِكُمْ ﴾ ، أي: ذلك كان بهم من القتل والأسر والهزيمة لما أوهن وأضعف كيدهم .
ويحتمل أن يكون صلة قوله: ﴿ وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً ﴾ ، أي: ذلك الإنعام والإبلاء الذي من الله عليكم لما أوهن كيدهم، وذلك يكون في جملة المؤمنين، ما من مؤمن إلا وله من الله إليه إبلاء وإنعام في كل حال لإيهانه كيد الكافرين.
وقوله: ﴿ إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ ﴾ .
الاستفتاح يحتمل وجوهاً ثلاثة: يحتمل الاستكشاف وطلب البيان، ويكون طلب النصر والمعونة؛ كقوله: ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ، أي: يستنصرون، ويكون طلب الحكم والقضاء بين الحق والباطل؛ يقال: فتح بكذا، أي: حكم به وقضى، فهو يخرج على وجهين: على طلب بيان المحق من المبطل، وطلب بيان أحق الدينين بالنصر والحكم؛ فقد بين الله لهم أحق الدينين ما ذكر في القصة أن أبا جهل قال: اللهم اقض بيننا وبين محمد، فقال: اللهم أينا كان أوصل للرحم وأرضى عندك فانصره.
ففعل الله ذلك، ونصر المؤمنين، وهزم المشركين، فنزلت هذه الآية.
وقيل: إنه دعا: اللهم انصر أعز الجندين وأكرم الفئتين وخير القبيلين؛ فكان ما ذكرنا؛ فقد بين الله - عز وجل - أحق الدينين، وأعزّ الجندين لما هزم المشركين مع قوتهم وعدتهم، وكثرة عددهم بفئة ضعيفة، ذليلة، قليلة العدد، وضعيفة الأبدان والأسباب - دل أنه قد بين لهم الأحق من غيره.
وقيل: إنهم استفتحوا بالعذاب، وكان استفتاحهم ما قالوا: ﴿ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ، فجاءهم العذاب يوم بدر، وأخبرهم يوم أحد: ﴿ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئا...
﴾ الآية، والاستفتاح هو ما ذكرنا.
قال الحسن: الفتح القضاء.
ولذلك قال قتادة: قالوا: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء في يوم بدر؛ كقوله: ﴿ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ...
﴾ الآية [الأعراف: 89].
وقال القتبي: قوله: ﴿ إِن تَسْتَفْتِحُواْ ﴾ : تسألوا الفتح، وهو النصر، ﴿ فَقَدْ جَآءَكُمُ ﴾ وهو ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .
يحتمل قوله: وإن تنتهوا عما كنتم، فهو خير لكم يغفر لكم؛ كقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ .
وقيل: وإن تنتهوا عن قتل محمد، فهو خير لكم من أن ينتهي محمد عن قتالكم.
وقوله: ﴿ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ ﴾ يحتمل: وإن تعودوا إلى قتال محمد، نعد إليكم من القتل، والقتال، والأسر، والقهر.
ويحتمل: وإن تعودوا نعد إلى البيان والكشف إلى ما كنتم [من] قبل البيان من التكذيب والكفر لمحمد، نعد إلى الانتقام والتعذيب؛ كقوله: ﴿ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
بالنصر والمعونة.
فإن قيل: ذكر أنه لن تغني عنكم فئتكم وكثرتكم، وقد أغناهم كثرتهم يوم أحد؛ حيث ذكر أن الهزيمة كانت على المؤمنين.
قيل: هذا لوجهين: أحدهما: أن عاقبة الأمر كانت للمؤمنين، وإن كان في الابتداء كان عليهم فلن يغني عنهم ذلك؛ على ما ذكر؛ لأنه لو أغناهم ذلك لكان لهم الابتداء والعاقبة.
والثاني: أنه لم تكن النكبة والهزيمة على المؤمنين إلا لعصيان [كان] منهم؛ لقوله: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ....
﴾ الآية [آل عمران: 152]، فما أصاب المؤمنين من النكبات إنما كان بسبب كان منهم، لا بالعدو؛ لذلك كان الجواب ما ذكر، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فلم تقتلوا -أيها المؤمنون- يوم بدر المشركين بحولكم وقوتكم، ولكن الله أعانكم على ذلك، وما رميت -أيها النبي- المشركين حين رميتهم، ولكن الله هو الذي رماهم حين أوصل رميتك إليهم، وليختبر المؤمنين بما أنعم عليهم من إظهارهم على عدوهم مع ما هم فيه من قلة العَدَدِ والعُدَدِ ليشكروه، إن الله سميع لدعائكم وأقوالكم، عليم بأعمالكم، وبما فيه صلاحكم.
<div class="verse-tafsir" id="91.3X6Ep"