الآية ٣٤ من سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٣٤ من سورة الأنفال

وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوٓا۟ أَوْلِيَآءَهُۥٓ ۚ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُتَّقُونَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٣٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 94 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٤ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٤ من سورة الأنفال عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى أنهم أهل لأن يعذبهم ، ولكن لم يوقع ذلك بهم لبركة مقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرهم ؛ ولهذا لما خرج من بين أظهرهم ، أوقع الله بهم بأسه يوم بدر ، فقتل صناديدهم وأسرت سراتهم .

وأرشدهم تعالى إلى الاستغفار من الذنوب ، التي هم متلبسون بها من الشرك والفساد .

قال قتادة والسدي وغيرهما : لم يكن القوم يستغفرون ، ولو كانوا يستغفرون لما عذبوا .

واختاره ابن جرير ، فلولا ما كان بين أظهرهم من المستضعفين من المؤمنين المستغفرين ، لأوقع بهم البأس الذي لا يرد ، ولكن دفع عنهم بسبب أولئك ، كما قال تعالى في يوم الحديبية : ( هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما ) [ الفتح : 25 ] .

قال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا يعقوب ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن ابن أبزى قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة ، فأنزل الله : ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ) قال : فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة ، فأنزل الله : ( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) قال : وكان أولئك البقية من المؤمنين الذين بقوا فيها يستغفرون - يعني بمكة - فلما خرجوا ، أنزل الله : ( وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه ) قال : فأذن الله في فتح مكة ، فهو العذاب الذي وعدهم .

وروي عن ابن عباس ، وأبي مالك والضحاك ، وغير واحد نحو هذا .

وقد قيل : إن هذه الآية ناسخة لقوله : ( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) على أن يكون المراد صدور الاستغفار منهم أنفسهم .

قال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا يحيى بن واضح ، عن الحسين بن واقد ، عن يزيد النحوي ، عن عكرمة والحسن البصري قالا قال في " الأنفال " : ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) فنسختها الآية التي تليها : ( وما لهم ألا يعذبهم الله ) إلى قوله : ( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) فقوتلوا بمكة ، فأصابهم فيها الجوع والضر .

وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي تميلة يحيى بن واضح .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا حجاج بن محمد ، عن ابن جريج وعثمان بن عطاء ، عن عطاء ، عن ابن عباس : ( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) ثم استثنى أهل الشرك فقال [ تعالى ] : ( وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام ) وقوله : ( وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون ) أي : وكيف لا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام أي الذي ببكة ، يصدون المؤمنين الذين هم أهله عن الصلاة عنده والطواف به ؛ ولهذا قال : ( وما كانوا أولياءه ) أي : هم ليسوا أهل المسجد الحرام ، وإنما أهله النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، كما قال تعالى : ( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ) [ التوبة : 17 ، 18 ] ، وقال تعالى : ( وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله [ والفتنة أكبر من القتل ] ) الآية [ البقرة : 217 ] .

.

وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية : حدثنا سليمان بن أحمد - هو الطبراني - حدثنا جعفر بن إلياس بن صدقة المصري ، حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا نوح بن أبي مريم ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من آلك ؟

قال : كل تقي ، وتلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن أولياؤه إلا المتقون ) وقال الحاكم في مستدركه : حدثنا أبو بكر الشافعي ، حدثنا إسحاق بن الحسن ، حدثنا أبو حذيفة ، حدثنا سفيان ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة ، عن أبيه ، عن جده قال : جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قريشا فقال : هل فيكم من غيركم ؟

قالوا : فينا ابن أختنا وفينا حليفنا ، وفينا مولانا .

فقال : حليفنا منا ، وابن أختنا منا ، ومولانا منا ، إن أوليائي منكم المتقون .

ثم قال : هذا [ حديث ] صحيح ، ولم يخرجاه .

وقال عروة ، والسدي ، ومحمد بن إسحاق في قوله تعالى : ( إن أولياؤه إلا المتقون ) قال : هم محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، رضي الله عنهم .

وقال مجاهد : هم المجاهدون ، من كانوا ، وحيث كانوا .

ثم ذكر تعالى ما كانوا يعتمدونه عند المسجد الحرام ، وما كانوا يعاملونه به

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ واختلف أهل العربية في وجه دخول " أن " في قوله: " وما لهم ألا يعذبهم الله ".

فقال بعض نحويي البصرة: هي زائدة ههنا, وقد عملت كما عملت " لا " وهي زائدة, وجاء في الشعر: (1) لَـوْ لَـمْ تَكـنْ غَطَفَـانُ لا ذُنُوبَ لَهَا إلَــيَّ, لامَ ذَوُو أحْسَــابِهَا عُمَــرَا (2) وقد أنكر ذلك من قوله بعض أهل العربية وقال: لم تدخل " أن " إلا لمعنى صحيح, لأن معنى: " وما لهم "، ما يمنعهم من أن يعذبوا.

قال: فدخلت " أن " لهذا المعنى, وأخرج ب " لا ", ليعلم أنه بمعنى الجحد, لأن المنع جحد.

قال: و " لا " في البيت صحيح معناها, لأن الجحد إذا وقع عليه جحد صار خبرًا.

(3) وقال: ألا ترى إلى قولك: " ما زيد ليس قائما ", فقد أوجبت القيام؟

قال: وكذلك " لا " في هذا البيت.

(4) * * * القول في تأويل قوله : وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (34) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما لهؤلاء المشركين ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام, ولم يكونوا أولياء الله= " إن أولياؤه "، (5) يقول: ما أولياء الله= " إلا المتقون ", يعني: الذين يتقون الله بأداء فرائضه, واجتناب معاصيه.

(6) = " ولكن أكثرهم لا يعلمون " يقول: ولكن أكثر المشركين لا يعلمون أن أولياء الله المتقون، بل يحسبون أنهم أولياء الله .

* * * وبنحو ما قلنا قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 16018 - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: " وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون "، هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

16019 - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: " إن أولياؤه إلا المتقون "، مَن كانوا، وحيث كانوا.

16020- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

16021 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: " وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون "، الذين يحرمون حرمته, (7) ويقيمون الصلاة عنده, أي: أنت= يعني النبي صلى الله عليه وسلم= ومن آمن بك= يقول: " ولكن أكثرهم لا يعلمون ".

(8) --------------------- الهوامش : (1) هو الفرزدق .

(2) سلف البيت وتخريجه 5 : 302 ، 303 ، وروايته هناك: " إذن للام ذود أحسابها " ، وقد فسرته هناك ، وزعمت أن " الذنوب " بفتح الذال بمعنى : الحظ والنصيب عن الشرف والحسب والمروءة .

أمَّا رواية البيت كما جاءت هنا ، وفي الديوان ، توجب أن تكون " الذنوب " جمع " ذنب " .فهذا فرق ما بين الروايتين والمعنيين .

(3) يعني بقوله : " خبرًا " ، أي : إثباتًا .

(4) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 163 - 166 ، وما سلف من التفسير 5 : 300 - 305 .

(5) انظر تفسير " ولي " فيما سلف من فهارس اللغة ( ولي ) .

(6) وتفسير " التقوى " فيما سلف من فهارس اللغة ( وقى ) .

(7) في المطبوعة والمخطوطة مكان : " يحرمون حرمنه " ، " يخرجون منه " ، وهذا من عجائب التحريف من طريق الاختصار !!

، والصواب من سيرة ابن هشام .

(8) الأثر : 16021 - سيرة ابن هشام 2 : 325 ، 326 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16003 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون قوله تعالى : وما لهم ألا يعذبهم الله المعنى : وما يمنعهم من أن يعذبوا .

أي إنهم مستحقون العذاب لما ارتكبوا من القبائح والأسباب ، ولكن لكل أجل كتاب ; فعذبهم الله بالسيف بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم .

وفي ذلك نزلت : سأل سائل بعذاب واقع وقال الأخفش : إن " أن " زائدة .

قال النحاس : لو كان كما قال لرفع يعذبهم ولكن أكثرهم لا يعلمون أي إن المتقين أولياؤه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فهذا مانع يمنع من وقوع العذاب بهم، بعد ما انعقدت أسبابه ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ‏}‏ أي‏:‏ أي شيء يمنعهم من عذاب اللّه، وقد فعلوا ما يوجب ذلك، وهو صد الناس عن المسجد الحرام، خصوصا صدهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه، الذين هم أولى به منهم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانُوا‏}‏ أي‏:‏ المشركون ‏{‏أَوْلِيَاءَهُ‏}‏ يحتمل أن الضمير يعود إلى اللّه، أي‏:‏ أولياء اللّه‏.‏ ويحتمل أن يعود إلى المسجد الحرام، أي‏:‏ وما كانوا أولى به من غيرهم‏.‏ ‏{‏إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ‏}‏ وهم الذين آمنوا باللّه ورسوله، وأفردوا اللّه بالتوحيد والعبادة، وأخلصوا له الدين‏.‏ ‏{‏وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏}‏ فلذلك ادَّعَوْا لأنفسهم أمرا غيرهم أولى به‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وما لهم ألا يعذبهم الله ) أي : وما يمنعهم من أن يعذبوا ، يريد بعد خروجك من بينهم ، ( وهم يصدون عن المسجد الحرام ) أي : يمنعون المؤمنين من الطواف بالبيت .

وقيل : أراد بالعذاب الأول عذاب الاستئصال ، وأراد بقوله " وما لهم ألا يعذبهم الله " أي : بالسيف .

وقيل : أراد بالأول عذاب الدنيا ، وبهذه الآية عذاب الآخرة .

وقال الحسن : الآية الأولى وهي قوله : " وما كان الله ليعذبهم " منسوخة بقوله تعالى : " وما لهم ألا يعذبهم الله " .

( وما كانوا أولياءه ) قال الحسن : كان المشركون يقولون نحن أولياء المسجد الحرام ، فرد الله عليهم بقوله : " وما كانوا أولياءه " أي : أولياء البيت ، ( إن أولياؤه ) أي : ليس أولياء البيت ، ( إلا المتقون ) يعني : المؤمنين الذين يتقون الشرك ، ( ولكن أكثرهم لا يعلمون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومالهم أ» ن «لا يعذبهم الله» بالسيف بعد خروجك والمستضعفين وعلى القول الأول هي ناسخة لما قبلها وقد عذَّبهم الله ببدر وغيره «وهم يصدُّون» يمنعون النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين «عن المسجد الحرام» أن يطوفوا به «وما كانوا أولياءه» كما زعموا «إن» ما «أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون» أن لا ولاية لهم عليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وكيف لا يستحقُّون عذاب الله، وهم يصدون أولياءه المؤمنين عن الطواف بالكعبة والصلاة في المسجد الحرام؟

وما كانوا أولياء الله، إنْ أولياء الله إلا الذين يتقونه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، ولكن أكثر الكفار لا يعلمون؛ فلذلك ادَّعوا لأنفسهم أمرًا، غيرهم أولى به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعض الجرائم التى ارتكبها المشركون ، والتى تجعلهم مستحقين لعذاب الله ، فقال - تعالى - : ( وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام وَمَا كانوا أَوْلِيَآءَهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ المتقون ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) .والمعنى : وأى شئ يمنع من عذاب مشركى قريش بعد خروجك - يا محمد - وخروج المؤمنين المستضعفين من بين أظهرهم؟

إنه لا مانع أبدا من وقوع العذاب عليهم وقد وجد مقتضيه منهم ، حيث اجترحوا من المنكرات والسيئات ما يجعلهم مستحقين للعقاب الشديد .فالاستفهام فى قوله ( وَمَا لَهُمْ .

.

) إنكارى بمعنى النفى .

أى : لا مانع من تعذيب اله لهم وقوله ( وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام ) جملة حالية مبينة لجريمة من جرائمهم الشنيعة ، أى : لا مانع يمنع من تعذيبهم : وكيف لا يعذبهم وحالهم أنهم يمنعون المؤمنين عن الطواف بالمسجد الحرام ، ومن زيارته .

ومن مباشرة عباداتهم عنده .

.

؟

إنهم لا بد أن يعذبوا على هذه الجرائم .ولقد أوقع الله بهم عذابه فى الدنيا : ومن ذلك ما حدث لهم يوم بدر من قتل صناديدهم ومن أسر وجهائهم .وأما عذابهم فى الآخرة فهو أشد وأبقى من عذابهم فى الدنيا .وقوله : ( وَمَا كانوا أَوْلِيَآءَهُ ) رد على ما كانوا يقولونه بالباطل : نحن ولاة البيت الحرام ، فلنا أن نصد من نشاء عن دخوله ، ولنا أن نبيح لمن نشاء دخوله .أى : إن هؤلاء المشركين ما كانوا فى يوم من الأيام أهلا لولاية البيت الحرام بسبب شركهم وعداوتهم - لله تعالى - رب هذا البيت .وقوله ( إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ المتقون ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) بيان للمستحقين لولاية البيت الحرام ، بعد نفيها عن المشركين .أى : إن هؤلاء المشركين ليسوا أهلا لولاية البيت الحرام ، وليسوا أهلا لأن يكونوا أولياء لله - تعالى - بسبب كفرهم وجحودهم ، وإنما المستحقون لذلك هم المتقون الذين صانوا أنفسهم عن الكفر وعن الشرك وعن كل ما يغضب الله ، ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون ذلك بسبب جهلهم وتماديهم فى الجحود والضلال .وقد جاءت جملة ( إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ المتقون ) مؤكدة بأقوى ألوان التأكيد ، لنفى كل ولاية على البيت الحرام سوى ولا يتهم هم .ونفى - سبحانه - العلم عن أكثر المشركين ، لأن قلة منهم كانت تعلم أنه لا ولاية لها على المسجد الحرام ولكنها كانت تجحد ذلك عناداً وغروراً .

أو أن المراد بالأكثر الكل ، لأن للأكثر حكم الكل فى كثير من الأحكام ، كما أن الأقل قد لا يعتبر فينزل منزلة العدم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما حكى مكرهم في ذات محمد.

حكى مكرهم في دين محمد، روى أن النضر بن الحرث خرج إلى الحيرة تاجراً، واشترى أحاديث كليلة ودمنة، وكان يقعد مع المستهزئين والمقتسمين وهو منهم، فيقرأ عليهم أساطير الأولين، وكان يزعم أنها مثل ما يذكره محمد من قصص الأولين، فهذا هو المراد من قوله: ﴿ قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الاولين ﴾ وهاهنا موضع بحث، وذلك لأن الاعتماد في كون القرآن معجزاً عن أنه صلى الله عليه وسلم تحدى العرب بالمعارضة، فلم يأتوا بها، وهذا إشارة إلى أنهم أتوا بتلك المعارضة، وذلك يوجب سقوط الدليل المعول عليه.

والجواب: أن كلمة ﴿ لَوْ ﴾ تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره.

فقوله: ﴿ لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا ﴾ يدل على أنه ما شاء ذلك القول، وما قال.

فثبت أن النضر بن الحرث أقر أنه ما أتى بالمعارضة، وإنما أخبر أنه لو شاءها لأتى بها، وهذا ضعيف.

لأن المقصود إنما يحصل لو أتى بالمعارضة، أما مجرد هذا القول فلا فائدة فيه.

والشبهة الثانية: لهم قولهم: ﴿ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ أي بنوع آخر من العذاب أشد من ذلك وأشق منه علينا.

فإن قيل: هذا الكلام يوجب الإشكال من وجهين: الأول: أن قوله: ﴿ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ حكاه الله عن الكفار، وكان هذا كلام الكفار وهو من جنس نظم القرآن فقد حصلت المعارضة في هذا القدر، وأيضاً حكى عنهم أنهم قالوا في سورة بني إسرائيل: ﴿ وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الارض يَنْبُوعًا  ﴾ وذلك أيضاً كلام الكفار فقد حصل من كلامهم ما يشبه نظم القرآن ومعارضته، وذلك يدل على حصول المعارضة.

الثاني: أن كفار قريش كانوا معترفين بوجود الإله وقدرته وحكمته وكانوا قد سمعوا التهديد الكثير من محمد عليه الصلاة والسلام في نزول العذاب، فلو كان نزول القرآن معجزاً لعرفوا كونه معجزاً لأنهم أرباب الفصاحة والبلاغة، ولو عرفوا ذلك لكان أقل الأحوال أن يصيروا شاكين في نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، ولو كانوا كذلك لما أقدموا عى قولهم: ﴿ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء ﴾ لأن المتوقف الشاك لا يتجاسر على مثل هذه المبالغة، وحيث أتوا بهذه المبالغة، علمنا أنه ما لاح لهم في القرآن وجه من الوجوه المعجزة.

والجواب عن الأول: أن الإتيان بهذا القدر من الكلام لا يكفي في حصول المعارضة، لأن هذا المقدار كلام قليل لا يظهر فيه وجوه الفصاحة والبلاغة، وهذا الجواب لا يتمشى إلا إذا قلنا التحدي ما وقع بجميع السور، وإنما وقع بالسورة الطويلة التي يظهر فيها قوة الكلام.

والجواب عن الثاني: هب أنه لم يظهر لهم الوجه في كون القرآن معجز إلا أنه لما كان معجزاً في نفسه، فسواء عرفوا ذلك الوجه أو لم يعرفوا فإنه لا يتفاوت الحال فيه.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ ﴾ قال الزجاج: القراءة بنصب ﴿ الحق ﴾ على خبر ﴿ كَانَ ﴾ ودخلت ﴿ هُوَ ﴾ للفصل ولا موضع لها، وهي بمنزلة ما المؤكدة ودخلت ليعلم أن قوله: ﴿ الحق ﴾ ليس بصفة لهذا وأنه خبر.

قال: ويجوز هو الحق رفعاً ولا أعلم أحداً قرأ بها ولا خلاف بين النحويين في إجازتها، ولكن القراءة سنة، وروى صاحب الكشاف عن الأعمش أنه قرأ بها.

واعلم أنه تعالى لما حكى هاتين الشبهتين لم يذكر الجواب عن الشبهة الأولى، وهو قوله: ﴿ لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا ﴾ ولكنه ذكر الجواب عن الشبهة الثانية، وهو قوله: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن تقرير وجه الجواب أن الكفار لما بالغوا وقالوا: اللهم إن كان محمد محقاً فأمطر علينا حجارة من السماء، ذكر تعالى أن محمداً وإن كان محقاً في قوله إلا أنه مع ذلك لا يمطر الحجارة على أعدائه، وعلى منكري نبوته، لسببين: الأول: أن محمداً عليه الصلاة والسلام ما دام يكون حاضراً معهم، فإنه تعالى لا يفعل بهم ذلك تعظيماً له، وهذا أيضاً عادة الله مع جميع الأنبياء المتقدمين، فإنه لم يعذب أهل قرية إلا بعد أن يخرج رسولهم منها، كما كان في حق هود وصالح ولوط.

فإن قيل: لما كان حضوره فيهم مانعاً من نزول العذاب عليهم، فكيف قال: ﴿ قاتلوهم يُعَذّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ  ﴾ .

قلنا: المراد من الأول عذاب الاستئصال، ومن الثاني: العذاب الحاصل بالمحاربة والمقاتلة.

والسبب الثاني: قوله: ﴿ وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ وفي تفسيره وجوه: الأول: وما كان الله معذب هؤلاء الكفار وفيهم مؤمنون يستغفرون، فاللفظ وإن كان عاماً إلا أن المراد بعضهم كما يقال: قتل أهل المحلة رجلاً، وأقدم أهل البلدة الفلانية على الفساد، والمراد بعضهم.

الثاني: وما كان الله معذب هؤلاء الكفار، وفي علم الله أنه يكون لهم أولاد يؤمنون بالله ويستغفرونه، فوصفوا بصفة أولادهم وذراريهم.

الثالث: قال قتادة والسدي: ﴿ وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ أي لو استغفروا لم يعذبوا، فكان المطلوب من ذكر هذا الكلام استدعاء الاستغفار منهم.

أي لو اشتغلوا بالاستغفار لما عذبهم الله.

ولهذا ذهب بعضهم إلى أن الاستغفار هاهنا بمعنى الإسلام والمعنى: أنه كان معهم قوم كان في علم الله أن يسلموا.

منهم أبو سفيان بن حرب.

وأبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب.

والحرث بن هشام.

وحكيم بن حزام.

وعدد كثير، والمعنى ﴿ وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ﴾ مع أن في علم الله أن فيهم من يؤل أمره إلى الإيمان.

قال أهل المعاني: دلت هذه الآية على أن الاستغفار أمان وسلامة من العذاب.

قال ابن عباس: كان فيهم أمانان نبي الله والاستغفار، أما النبي فقد مضى، وأما الاستغفار فهو باق إلى يوم القيامة، ثم قال: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذّبَهُمُ الله ﴾ واعلم أنه تعالى بين في الآية الأولى أنه لا يعذبهم ما دام رسول الله فيهم، وذكر في هذه الآية أنه يعذبهم فكان المعنى أنه يعذبهم إذا خرج الرسول من بينهم ثم اختلفوا في هذا العذاب فقال بعضهم: لحقهم هذا العذاب المتوعد به يوم بدر، وقيل بل يوم فتح مكة، وقال ابن عباس: هذا العذاب هو عذاب الآخرة، والعذاب الذي نفاه عنهم هو عذاب الدنيا، ثم بين تعالى ما لأجله يعذبهم، فقال: ﴿ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام ﴾ وقد ظهرت الأخبار أنهم كيف صدوا عنه عام الحديبية، ونبه على أنهم يصدون لادعائهم أنهم أولياؤه، ثم بين بطلان هذه الدعوى بقوله: ﴿ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاؤُهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ المتقون ﴾ الذين يتحرزون عن المنكرات، كالذي كانوا يفعلونه عند البيت من المكاء والتصدية، والمقصود بيان أن من كانت هذه حاله لم يكن ولياً للمسجد الحرام، فهم إذن أهل لأن يقتلوا بالسيف ويحاربوا، فقتلهم الله يوم بدر، وأعز الإسلام بذلك على ما تقدم شرحه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا ﴾ نفاجة منهم وصلف تحت الراعدة، فإنهم لم يتوانوا في مشيئتهم لو ساعدتهم الاستطاعة، وإلا فما منعهم إن كانوا مستطيعين أن يشاؤوا غلبة من تحدّاهم وقرعهم بالعجز، حتى يفوزوا بالقدح المعلي دونه، مع فرط أنفتهم واستنكافهم أن يغلبوا في باب البيان خاصة، وأن يماتنهم واحد، فيتعللوا بامتناع المشيئة، ومع ما علم وظهر ظهور الشمس، من حرصهم على أن يقهروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتهالكهم على أن يغمروه.

وقيل: قائله النضر بن الحرث المقتول صبراً، حين سمع اقتصاص الله أحاديث القرون: لو شئت لقلت مثل هذا.

وهو الذي جاء من بلاد فارس بنسخة حديث رستم وأسفنديار فزعم أن هذا مثل ذاك، وأنه من جملة تلك الأساطير، وهو القائل: ﴿ إِن كَانَ هذا هُوَ الحق ﴾ وهذا أسلوب من الجحود بليغ، يعني إن كان القرآن هو الحق فعاقبنا على إنكاره بالسجيل، كما فعلت بأصحاب الفيل، أو بعذاب آخر.

ومراده نفي كونه حقاً، وإذا انتفى كونه حقاً لم يستوجب منكره عذاباً فكان تعليق العذاب بكونه حقاً مع اعتقاد أنه ليس بحق، كتعليقه بالمحال في قولك: إن كان الباطل حقاً، فأمطر علينا حجارة.

وقوله: ﴿ هُوَ الحق ﴾ تهكم بمن يقول على سبيل التخصيص والتعيين: هذا هو الحق.

وقرأ الأعمش ﴿ هُوَ الحق ﴾ بالرفع، على أن هو مبتدأ غير فصل.

وهو في القراءة الأولى فصل.

ويقال: أمطرت السماء، كقولك أنجمت وأسبلت ومطرت، كقولك: هتنت وهتلت، وقد كثر الأمطار في معنى العذاب.

فإن قلت: ما فائدة قوله: ﴿ مّنَ السماء ﴾ ؟

والأمطار لا تكون إلا منها.

قلت: كأنه يريد أن يقال: فأمطر علينا السجيل وهي الحجارة المسوّمة للعذاب، فوضع ﴿ حِجَارَةً مّنَ السماء ﴾ موضع السجيل، كما تقول: صب عليه مسرودة من حديد، تريد درعاً ﴿ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ أي بنوع آخر من جنس العذاب الأليم، يعني أن أمطار السجيل بعض العذاب الأليم، فعذبنا به أو بنوع آخر من أنواعه.

وعن معاوية أنه قال لرجل من سبإ: ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة!

قال: أجهل من قومي قومك قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعاهم إلى الحق ﴿ إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً ﴾ ولم يقولوا: إن كان هذا هو الحق فاهدنا له.

اللام لتأكيد النفي، والدلالة على أنّ تعذيبهم وأنت بين أظهرهم غير مستقيم في الحكمة؛ لأن عادة الله وقضية حكمته أن لا يعذب قوماً عذاب استئصال ما دام نبيهم بين أظهرهم وفيه إشعار بأنهم مرصودون بالعذاب إذا هاجر عنهم.

والدليل على هذا الإشعار قوله: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذّبَهُمُ الله ﴾ وإنما يصح هذا بعد إثبات التعذيب، كأنه قال: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وهو معذبهم إذا فارقتهم، وما لهم أن لا يعذبهم ﴿ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ في موضع الحال.

ومعناه نفي الاستغفار عنهم: أي ولو كانوا ممن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذبهم، كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾ [هود: 117] ولكنهم لا يؤمنون ولا يستغفرون، ولا يتوقع ذلك منهم.

وقيل معناه وما كان الله معذبهم وفيهم من يستغفر، وهم المسلمون بين أظهرهم ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من المستضعفين، ﴿ وَمَا لَهُمْ أَن لا يُعَذّبْهُمُ الله ﴾ وأي شيء لهم في انتفاء العذاب عنهم، يعني: لا حظّ لهم في ذلك وهم معذبون لا محالة.

وكيف لا يعذبون وحالهم أنهم يصدّون عن المسجد الحرام كما صدّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، وإخراجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من الصدّ، وكانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم فنصدّ من نشاء وندخل من نشاء ﴿ مَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ ﴾ وما استحقوا مع إشراكهم وعداوتهم للدين أن يكونوا ولاة أمره وأربابه ﴿ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ المتقون ﴾ من المسلمين ليس كل مسلم أيضاً ممن يصلح لأن يلي أمره، إنما يستأهل ولايته من كان براً تقياً، فكيف بالكفرة عبدة الأصنام ﴿ ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ كأنه استثنى من كان يعلم وهو يعاند ويطلب الرياسة.

أو أراد بالأكثر: الجميع، كما يراد بالقلة: العدم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ بَيانٌ لِما كانَ المُوجِبُ لِإمْهالِهِمْ والتَّوَقُّفُ في إجابَةِ دُعائِهِمْ، واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ تَعْذِيبَهم عَذابُ اسْتِئْصالٍ والنَّبِيُّ  بَيْنَ أظْهُرِهِمْ خارِجٌ عَنْ عادَتِهِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ في قَضائِهِ، والمُرادُ بِاسْتِغْفارِهِمْ إمّا اسْتِغْفارُ مَن بَقِيَ فِيهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أوْ قَوْلُهُمُ اللَّهُمَّ غُفْرانَكَ، أوْ فَرْضُهُ عَلى مَعْنى لَوِ اسْتَغْفَرُوا لَمْ يُعَذَّبُوا كَقَوْلِهِ: ﴿ وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ ﴾ .

﴿ وَما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ﴾ وما لَهم مِمّا يَمْنَعُ تَعْذِيبَهم مَتى زالَ ذَلِكَ وكَيْفَ لا يُعَذَّبُونَ.

﴿ وَهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ وحالُهم ذَلِكَ ومِن صَدِّهِمْ عَنْهُ إلْجاءُ رَسُولِ اللَّهِ  والمُؤْمِنِينَ إلى الهِجْرَةِ وإحْصارُهم عامَ الحُدَيْبِيَةِ.

﴿ وَما كانُوا أوْلِياءَهُ ﴾ مُسْتَحِقِّينَ وِلايَةَ أمْرِهِ مَعَ شِرْكِهِمْ، وهو رَدٌّ لِما كانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ وُلاةُ البَيْتِ والحَرَمِ فَنَصُدُّ مَن نَشاءُ ونُدْخِلُ مَن نَشاءُ.

﴿ إنْ أوْلِياؤُهُ إلا المُتَّقُونَ ﴾ مِنَ الشِّرْكِ الَّذِينَ لا يَعْبُدُونَ فِيهِ غَيْرَهُ، وقِيلَ الضَّمِيرانِ لِلَّهِ.

﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ أنْ لا وِلايَةَ لَهم عَلَيْهِ كَأنَّهُ نَبَّهَ بِالأكْثَرِ أنَّ مِنهم مَن يَعْلَمُ ويُعانِدُ، أوْ أرادَ بِهِ الكُلَّ كَما يُرادُ بِالقِلَّةِ العَدَمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذّبَهُمُ الله} أي وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وهو معذبهم إذا فارقتهم وما لهم ألا يعذبهم الله {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام} وكيف لا يعذبون وحالهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام كما صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبة واخراجهم رسول الله والمؤنين من الصد وكانوا يقولون نحن ولاة البيت والحم فنصد من نشاء وندخل من نشاء فقيل {وما كانوا أولياءه} وما استحقوا مع اشركاهم وعداوتهم للدين أن يكونوا ولاة أمر الحرم {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ المتقون} من المسلمين وقيل الضميران راجعان إلى الله {ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} ذلك كأنه استثنى من كان يعلم وهو يعاند اغو أراد بالأكثر الجيمع كما يراد بالقلة العدم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَهم في انْتِفاءِ العَذابِ عَنْهم أيْ: لا حَظَّ لَهم في ذَلِكَ وهم مُعَذَّبُونَ لا مَحالَةَ إذا زالَ المانِعُ وكَيْفَ لا يُعَذَّبُونَ ﴿ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ أيْ: وحالُهُمُ الصَّدُّ عَنْ ذَلِكَ حَقِيقَةً كَما فَعَلُوا عامَ الحُدَيْبِيَةِ وحُكْمًا كَما فَعَلُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابِهِ حَتّى ألْجَئُوهم لِلْهِجْرَةِ، ولَمّا كانَتِ الآيَتانِ يَتَراءى مِنهُما التَّناقُضُ زادُوا في التَّفْسِيرِ: إذا زالَ لِيَزُولَ كَما ذَكَرْنا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا حُمِلَ التَّعْذِيبُ في كُلٍّ عَلى تَعْذِيبِ الِاسْتِئْصالِ احْتِيجَ إلى القَوْلِ بِوُقُوعِهِ بَعْدَ زَوالِ المانِعِ وهو خِلافُ الواقِعِ، وقالَ بَعْضُهم في دَفْعِ ذَلِكَ: إنَّ التَّعْذِيبَ فِيما مَرَّ تَعْذِيبُ الِاسْتِئْصالِ وهُنا التَّعْذِيبُ بِقَتْلِ بَعْضِهِمْ، ونَقَلَ الشِّهابُ عَنِ الحَسَنِ، والعُهْدَةُ عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ نَسَخَتْ ما قَبْلَها، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ النَّفْيَيْنِ السّابِقَيْنِ، والَّذِي في الدُّرِّ المَنثُورِ أنَّهُ وكَذا عِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ مَنسُوخٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأيًّا ما كانَ يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّهُ لا نَسْخَ في الأخْبارِ إلّا إذا تَضَمَّنَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وفي تَضَمُّنِ المَنسُوخِ هُنا ذَلِكَ خَفاءٌ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: إنَّ الآيَةَ الأُولى مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها عَلى أنَّها حِكايَةٌ عَنِ المُشْرِكِينَ فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعَذِّبُنا ونَحْنُ نَسْتَغْفِرُ، ولا يُعَذِّبُ سُبْحانَهُ أُمَّةً ونَبِيُّها مَعَها، فَقَصَّ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَلى نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ قَوْلِهِمُ الآخَرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وإذا قالُوا: اللَّهُمَّ إلَخْ وقالُوا أيْضًا: كَيْتَ وكَيْتَ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ﴾ عَلى مَعْنى أنَّهم يُعَذَّبُونَ وإنْ كُنْتَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ وإنْ كانُوا يَسْتَغْفِرُونَ، وفِيهِ أنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ القَوْلِ مِنهم في غايَةِ البُعْدِ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ حِينَئِذٍ أنْ يُقالَ: لِيُعَذِّبَنا ومُعَذِّبُنا ونَحْنُ نَسْتَغْفِرُ لِيَكُونَ عَلى طَرْزِ قَوْلِهِمُ السّابِقِ، وأيْضًا الأخْبارُ الكَثِيرَةُ تَأْبى ذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: كانَ فِيكم إمامانِ، مَضى أحَدُهُما وبَقِيَ الآخَرُ، وتَلا: ﴿ وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ ﴾ إلَخْ.

وجاءَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ.

وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ في الشَّمائِلِ، والنَّسائِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: ««انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقامَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمْ يَكَدْ يَرْكَعُ ثُمَّ رَكَعَ فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ ثُمَّ رَفَعَ فَلَمْ يَكَدْ يَسْجُدُ ثُمَّ سَجَدَ فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ ثُمَّ رَفَعَ فَلَمْ يَكَدْ يَسْجُدُ ثُمَّ سَجَدَ فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ ثُمَّ رَفَعَ وفَعَلَ في الرَّكْعَةِ الأُخْرى مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ نَفَخَ في آخِرِ سُجُودِهِ ثُمَّ قالَ: رَبِّ، ألَمْ تَعِدْنِي أنْ لا تُعَذِّبَهم وأنا فِيهِمْ؟

رَبِّ، ألَمْ تَعِدْنِي أنْ لا تُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ؟

ونَحْنُ نَسْتَغْفِرُكَ.

فَفَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن صِلاتِهِ وقَدِ انْمَحَصَتِ الشَّمْسُ»».

وذَهَبَ الجُبّائِيُّ إلى أنَّ المَنفِيَّ فِيما مَرَّ عَذابُ الدُّنْيا، وهَذا العَذابُ عَذابُ الآخِرَةِ.

أيْ: إنَّهُ يُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ لا مَحالَةَ، وهو خِلافُ سِياقِ الآيَةِ، و(ما) عَلى ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وهو الظّاهِرُ اسْتِفْهامِيَّةٌ، وقِيلَ: إنَّها نافِيَةٌ؛ أيْ: لَيْسَ يَنْفِي عَنْهُمُ العَذابَ مَعَ تَلَبُّسِهِمْ بِالصَّدِّ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴿ وما كانُوا أوْلِياءَهُ ﴾ أيْ: وما كانُوا مُسْتَحِقِّينَ وِلايَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ مَعَ شِرْكِهِمْ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يَصُدُّونَ مُبَيِّنَةٌ لِكَمالِ قُبْحِ ما صَنَعُوا مِنَ الصَّدَفانِ مُباشَرَتِهِمْ لِلصَّدِّ عَنْهُ مَعَ عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِوِلايَةِ أمْرِهِ في غايَةِ القُبْحِ، وهَذا رَدٌّ لِما كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ وُلاةُ البَيْتِ والحَرَمِ فَنَصُدُّ مَن نَشاءُ ونُدْخِلُ مَن نَشاءُ.

﴿ إنْ أوْلِياؤُهُ ﴾ أيْ: ما أوْلِياءُ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴿ إلا المُتَّقُونَ ﴾ مِنَ الشِّرْكِ الَّذِي لا يَعْبُدُونَ فِيهِ غَيْرَهُ تَعالى، والمُرادُ بِهِمُ المُسْلِمُونَ، وهَذِهِ المَرْتَبَةُ الأُولى مِنَ التَّقْوى، وما أشَرْنا إلَيْهِ مِن رُجُوعِ الضَّمِيرَيْنِ إلى المَسْجِدِ هو المُتَبادَرُ المَرْوِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ والحَسَنِ، وقِيلَ: هُما راجِعانِ إلَيْهِ تَعالى، وعَلَيْهِ فَلا حاجَةَ إلى اعْتِبارِ الِاسْتِحْقاقِ فِيما تَقَدَّمَ آنِفًا إذْ لَمْ تَثْبُتْ لَهم وِلايَةُ اللَّهِ تَعالى أصْلًا بِخِلافِ وِلايَةِ المَسْجِدِ فَإنَّهم كانُوا مُتَوَلِّينَ لَهُ وقْتَ النُّزُولِ فاحْتِيجَ إلى التَّأْوِيلِ بِنَفْيِ الِاسْتِحْقاقِ، ويُفَسَّرُ المُتَّقُونَ حِينَئِذٍ بِما هو أخَصُّ مِنَ المُسْلِمِينَ، لِأنَّ وِلايَةَ اللَّهِ تَعالى لا يَكْفِي فِيها الإسْلامُ بَلْ لا بُدَّ فِيها أيْضًا مِنَ المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ مِنَ التَّقْوى، وإنْ وُجِدَتِ المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ مِنها فالوِلايَةُ وِلايَةٌ كُبْرى، وهَذا ما نَعْرِفُهُ مِن نُصُوصِ الشَّرِيعَةِ المُطَهَّرَةِ والمَحَجَّةِ البَيْضاءِ الَّتِي لِيَلُها كَنَهارِها، وغالِبُ الجَهَلَةِ اليَوْمَ عَلى أنَّ الوَلِيَّ هو المَجْنُونُ ويُعَبِّرُونَ عَنْهُ بِالمَجْذُوبِ، صَدَقُوا ولَكِنْ عَنِ الهُدى، وكُلَّما أطْبَقَ جُنُونُهُ وكَثُرَ هَذَيانُهُ واسْتَقْذَرَتِ النُّفُوسُ السَّلِيمَةُ أحْوالَهُ كانَتْ وِلايَتُهُ أكْمَلَ وتَصَرُّفُهُ في مُلْكِ اللَّهِ تَعالى أتَمَّ، وبَعْضُهم يُطْلِقُ الوَلِيَّ عَلَيْهِ وعَلى مَن تَرَكَ الأحْكامَ الشَّرْعِيَّةَ ومَرَقَ مِنَ الدِّينِ المُحَمَّدِيِّ وتَكَلَّمَ بِكَلِماتِ القَوْمِ وتَزَيّا بِزِيِّهِمْ، ولَيْسَ مِنهم في عِيرٍ ولا نَفِيرٍ، وزَعَمَ أنَّ مَن أجْهَدَ نَفْسَهُ في العِبادَةِ مَحْجُوبًا، ومَن تَمَسَّكَ بِالشَّرِيعَةِ مَغْبُونًا، وإنَّ هُناكَ باطِنًا يُخالِفُ الظّاهِرَ إذا هو عُرِفَ انْحَلَّ القَيْدُ ورُفِعَ التَّكْلِيفُ وكَمُلَتِ النَّفْسُ: وألْقَتْ عَصاها واسْتَقَرَّ بِها النَّوى كَما قَرَّ عَيْنًا بِالإيابِ المُسافِرُ ويُسَمُّونَ هَذا المُرْشِدَ، صَدَقُوا ولَكِنْ إلى النّارِ، والشَّيْخَ صَدَقُوا ولَكِنِ النَّجْدِيَّ، والعارِفَ صَدَقُوا ولَكِنْ بِسَباسِبِ الضَّلالِ، والمُوَحِّدَ صَدَقُوا ولَكِنْ لِلْكُفْرِ والإيمانِ، وقَدْ ذَكَرَ مَوْلانا حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الكَفَرَةِ الفَجَرَةِ وقالَ: إنَّ قَتْلَ واحِدٍ مِنهم أفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِن قَتْلِ مِائَةِ كافِرٍ، وكَذا تَكَلَّمَ فِيهِمُ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في الفُتُوحاتِ بِنَحْوِ ذَلِكَ: إلى الماءِ يَسْعى مَن يَغَصُّ بِلُقْمَةٍ ∗∗∗ إلى أيْنَ يَسْعى مَن يَغَصُّ بِماءِ والزَّمَخْشَرِيُّ جَعَلَ (المُتَّقُونَ) أخَصَّ مِنَ المُسْلِمِينَ، عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أيْضًا، وهو أبْلَغُ في نَفْيِ الوِلايَةِ عَنِ المَذْكُورِينَ أيْ: لا يَصْلُحُ لِأنْ يَلِيَ أمْرَ المَسْجِدِ مَن لَيْسَ بِمُسْلِمٍ، وإنَّما يَسْتَأْهِلُ وِلايَتَهُ مَن كانَ بَرًّا تَقِيًّا فَكَيْفَ بِالكَفَرَةِ عَبَدَةِ الأوْثانِ ﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ أنْ لا وِلايَةَ لَهم عَلَيْهِ، وكَأنَّهُ نَبَّهَ سُبْحانَهُ بِذِكْرِ الأكْثَرِ عَلى أنَّ مِنهم مَن يَعْلَمُ ذَلِكَ ولَكِنْ يَجْحَدُهُ عِنادًا، وقَدْ يُرادُ بِالأكْثَرِ الكُلُّ لِأنَّ لَهُ حُكْمَهُ في كَثِيرٍ مِنَ الأحْكامِ كَما أنَّ الأقَلَّ قَدْ لا يُعْتَبَرُ فَيُنَزَّلُ مَنزِلَةَ العَدَمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، يعني: يصلّون لله الصلوات الخمس وهم أهل الإيمان وقال مجاهد: وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ يعني: وهم مسلمون ويقال: فيهم من يؤول أمره إلى الإسلام.

ويقال: وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ يعني: وفي أصلابهم من يسلم.

وروي عن أبي موسى الأشعري قال: «كان أمانان في الأرض، رفع أحدهما وبقي الآخر وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وقال عطية: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، يعني المشركين حتى يخرجك منهم.

وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، يعني المؤمنين.

ثم عاد إلى ذكر المشركين فقال: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ، يعني: بعد ما أخرج النبي  وأصحابه من بينهم.

وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، يعني: يمنعون المؤمنين عن المسجد الحرام.

وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ يعني: المشركين.

قال الكلبي: يعني، ما كانوا أولياء المسجد الحرام ويقال: وما كانوا أولياء الله.

إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ، يعني: ما كان أولياء الله إلا المتقون من الشرك، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ توحيد الله.

ثم قال: وَما كانَ صَلاتُهُمْ، معناه: وما لهم ألا يعذبهم الله وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً، يعني: لم تكن صلاتهم حول البيت إِلَّا مُكاءً يعني: إلا الصفير وَتَصْدِيَةً يعني: التصفيق باليدين، إذا صلى النبيّ  في المسجد الحرام.

قرأ الأعمش مَا كَانَ صَلاَتِهِمْ بالنصب إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً كلاهما بالضم وهكذا قرأ عاصم في إحدى الروايتين، فجعل الصلاة خبر كان، وجعل المكاء والتصدية اسم كان.

وقرأ الباقون: صَلاَتِهِمْ بالضم فجعلوه اسم كان ومكاء وَتَصْدِيَةً بالنصب على معنى خبر كان.

ثم قَالَ: فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ بتوحيد الله تعالى، فأهلكهم الله في الدنيا ولهم عذاب الخلود في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله عز وجل: وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ ...

الآية: رُوِيَ عن مجاهدٍ وغيره: أن قائل هذه المقالة هو النَّضْرُ بْنُ الحَارثِ المذكورُ، وفيه نزلَتْ هذه الآية «١» .

قال ع «٢» : وترتَّب أن يقول النَّضْرُ مقالَةً، وينسبها القُرآن إِلى جميعهم لأن النضر كان فيهم موسُوماً بالنُّبْل والفَهْم، مسكوناً إِلى قوله، فكان إِذا قال قولاً قاله منهم كثيرٌ، واتبعوه عليه حَسَب ما يفعله الناسُ أبداً بعلمائهم وفقهائهم.

ت: وخرَّج البخاريُّ بسنده، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قَالَ أَبو جَهْلٍ: اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عندكْ، فأمطر علينا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فنزلَتْ:

وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، إِلى: عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ «٣» اه، والمشار إِليه ب هذا هو القرآن وشَرْعُ محمّد صلّى الله عليه وسلّم، والذي حملهم على هذه المقالة هو الحَسَدُ، فعَمِيَتْ بصائرهم عن الهدَى، وصَمَّموا على أنَّ هذا ليس بحقٍّ، نعوذ باللَّه من جَهْدِ البلاءِ، وسُوء القضاء، وحكى ابن فُورَكَ: أن هذه المقالة خرجَتْ منهم مَخْرَجَ العنادِ، وهذا بعيدٌ في التأويل، ولا يقولُ هذا على جهة العناد عاقلٌ، وقراءةُ الناسِ إِنما هي بنَصْب «٤» «الحق» على أنه خَبَرَ «كان» ، ويكون «هو» فصلا، فهو حينئذٍ اسم، و «أمْطِرْ» إِنما تستَعْملُ غالباً في المكروه، و «مَطَرَ» في الرحمة قاله أبو عُبَيْدة «٥» .

وقوله سبحانه: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ...

الآية: قالَتْ فرقة: نزلَتْ هذه الآية كلُّها بمكَّة، وقالت فرقة: نزلَتْ كلُّها بعد وقعة بَدْرٍ حكاية عما مضى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ﴾ هَذِهِ الآَيَةُ أجازَتْ تَعْذِيبَهم، والأُولى نَفَتْ ذَلِكَ.

وهَلِ المُرادُ بِهَذا: العَذابُ الأوَّلُ، أمْ لا فِيهِ قَوْلانِ أحَدُهُما أنَّهُ هو الأوَّلُ إلّا أنَّ الأوَّلَ امْتَنَعَ بِشَيْئَيْنِ.

أحَدُهُما: كَوْنُ النَّبِيِّ  فِيهِمْ.

والثّانِي: كَوْنُ المُؤْمِنِينَ المُسْتَغْفِرِينَ بَيْنَهُمْ؛ فَلَمّا وقَعَ التَّمْيِيزُ بِالهِجْرَةِ، وقَعَ العَذابُ بِالباقِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: بَلْ وقَعَ بِفَتْحِ مَكَّةَ.

والثّانِي: أنَّهُما مُخْتَلِفانِ، وفي ذَلِكَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ العَذابَ الثّانِي قَتْلُ بَعْضِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، والأوَّلَ اسْتِئْصالُ الكُلِّ؛ فَلَمْ يَقَعِ الأوَّلُ لِما قَدْ عُلِمَ مِن إيمانِ بَعْضِهِمْ، وإسْلامِ بَعْضِ ذَرارِيهِمْ، ووَقْعِ الثّانِي.

والثّانِي: أنَّ العَذابَ الأوَّلَ عَذابُ الدُّنْيا.

والثّانِي: عَذابُ الآَخِرَةِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَ المُشْرِكِينَ لاسْتِغْفارِهِمْ في الدُّنْيا، وما لَهُمُ ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ في الآَخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم يَصُدُّونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وهم يَصُدُّونَ ﴿ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ أوْلِياءَهُ.

وفي هاءِ الكِنايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَما كانُوا أوْلِياءَهُ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى "المَسْجِدِ" وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

قالَ الحَسَنُ: إنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: نَحْنُ أوْلِياءُ المَسْجِدِ الحَرامِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهَذا.

والثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ أوْلِياؤُهُ ﴾ أيْ: ما أوْلِياؤُهُ ﴿ إلا المُتَّقُونَ ﴾ لَلشِّرْكِ والمَعاصِي، ولَكِنَّ أكْثَرَ أهْلِ مَكَّةَ لا يَعْلَمُونَ مَنِ الأوْلى بِبَيْتِ اللَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ ﴿ وَما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما كانُوا أولِياءَهُ إنْ أولِياؤُهُ إلا المُتَّقُونَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كُلُّها بِمَكَّةَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ كُلُّها بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ حِكايَةً عَمّا مَضى، وقالَ ابْنُ أبْزى: نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ ﴾ بِمَكَّةَ إثْرَ قَوْلِهِمْ: ﴿ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ  ﴾ ، ونَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ عِنْدَ خُرُوجِ النَبِيِّ  عن مَكَّةَ في طَرِيقِهِ إلى المَدِينَةِ، وقَدْ بَقِيَ بِمَكَّةَ مُؤْمِنُونَ يَسْتَغْفِرُونَ، ونَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ وَما لَهُمْ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ بَعْدَ بَدْرٍ عِنْدَ ظُهُورِ العَذابِ عَلَيْهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأجْمَعَ المُتَأوِّلُونَ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ ﴾ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يُعَذِّبْ قَطُّ أُمَّةً ونَبِيُّها بَيْنَ أظْهُرِها، فَما كانَ لِيُعَذِّبَ هَذِهِ وأنْتَ فِيهِمْ، بَلْ كَرامَتُكَ لَدَيْهِ أعْظَمُ، قالَ -أراهُ عن أبِي زَيْدٍ-: سَمِعْتُ مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: "ما كانَ اللهُ لَيُعَذِّبَهُمْ" بِفَتْحِ اللامِ، وهي لُغَةٌ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ ولا مُسْتَعْمَلَةٍ في القُرْآنِ.

واخْتَلَفُوا في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنُ أبْزى، وأبُو مالِكٍ، والضَحّاكُ ما مُقْتَضاهُ: إنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: "مُعَذِّبَهُمْ" يَعُودُ عَلى كُفّارِ مَكَّةَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَهُمْ" عائِدُ عَلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بَقُوا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ  بِمَكَّةَ، أيْ: وما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَ الكُفّارَ والمُؤْمِنُونَ بَيْنَهم يَسْتَغْفِرُونَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَدْفَعُ في صَدْرٍ هَذا القَوْلِ أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ رُدَّ الضَمِيرُ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا ما مُقْتَضاهُ: أنْ يُقالَ: الضَمِيرانِ عائِدانِ عَلى الكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ في دُعائِهِمْ: غُفْرانَكَ، ويَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، ونَحْوَ هَذا مِمّا هو دُعاءٌ واسْتِغْفارٌ، فَجَعَلَهُ اللهُ أمَنَةً مِن عَذابِ الدُنْيا، وعَلى هَذا تَرَكَّبَ قَوْلُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ اللهَ جَعَلَ مِن عَذابِ الدُنْيا أمَنَتَيْنِ، كَوْنَ الرَسُولِ  مَعَ الناسِ، والِاسْتِغْفارَ، فارْتَفَعَتِ الواحِدَةُ وبَقِيَ الِاسْتِغْفارُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ قَتادَةُ: الضَمِيرُ لِلْكُفّارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ ، جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ إنْ لَوْ كانَتْ، فالمَعْنى: وما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهم وهم بِحالِ تَوْبَةٍ واسْتِغْفارٍ مِن كُفْرِهِمْ لَوْ وقَعَ ذَلِكَ مِنهُمْ، واخْتارَهُ الطَبَرِيُّ، ثُمَّ حَسُنَ الزَجْرُ والتَوْقِيفُ -بَعْدَ هَذا- بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ ﴾ .

وقالَ الزَجّاجُ ما مَعْناهُ: إنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: "وَهُمْ" عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، والمُرادِ بِهِ: مَن سَبَقَ لَهُ في عِلْمِ اللهِ أنْ يُسْلِمَ ويَسْتَغْفِرَ، فالمَعْنى: وما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَ الكُفّارَ وفِيهِمْ مَن يَسْتَغْفِرُ ويُؤْمِنُ في ثانِي حالٍ، وحَكاهُ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

وقالَ مُجاهِدٌ في كِتابِ الزَهْراوِيِّ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَهم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ ذُرِّيَّةُ المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ الَّذِينَ سَبَقَ لَهم في عِلْمِ اللهِ أنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، فالمَعْنى: وما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهم وذَرِّيَّتُهم يَسْتَغْفِرُونَ ويُؤْمِنُونَ، فَنُسِبَ الِاسْتِغْفارُ إلَيْهِمْ، إذْ ذُرِّيَّتُهم مِنهُمْ، وذَكَرَهُ مَكِّيٌّ ولَمْ يَنْسِبْهُ.

وفِي الطَبَرِيِّ عن فِرْقَةٍ أنَّ مَعْنى ﴿ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ : يُصَلُّونَ، وعن أُخْرى: يُسْلِمُونَ، ونَحْوُ هَذا مِنَ الأقْوالِ الَّتِي تَتَقارَبُ مَعَ قَوْلِ قَتادَةَ.

وَقوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ ﴾ تَوَعُّدٌ بِعَذابِ الدُنْيا، فَتَقْدِيرُهُ: وما يُعْلِمُهم أو يُدْرِيهِمْ ونَحْوُ هَذا مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُوجِبُ أنْ تَكُونَ "أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وقالَ الطَبَرِيُّ: تَقْدِيرُهُ: وما يَمْنَعُهم مِن أنْ يُعَذَّبُوا، والظاهِرُ في قَوْلِهِ: "وَما" أنَّها اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ والتَوْبِيخِ والسُؤالِ، وهَذا أفْصَحُ في القَوْلِ وأقْطَعُ لَهم في الحُجَّةِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً ويَكُونَ القَوْلُ إخْبارًا، أيْ: ولَيْسَ لَهم ألّا يُعَذَّبُوا وهم يَصُدُّونَ.

وقَوْلُهُ: وهم يَصُدُّونَ عَلى التَأْوِيلَيْنِ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، و ﴿ يَصُدُّونَ ﴾ في هَذا المَوْضِعِ مَعْناهُ: يَمْنَعُونَ غَيْرَهُمْ، فَهو مُتَعَدٍّ كَما قالَ: صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو ∗∗∗...............

وقَدْ تَجِيءُ "صَدَّ" غَيْرَ مُتَعَدٍّ، كَما أنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ: صَدَّتْ خُلَيْدَةُ عَنّا ما تُكَلِّمُنا ∗∗∗ ∗∗∗.................

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أولِياؤُهُ ﴾ عائِدٌ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ ﴾ ، أو عَلى المَسْجِدِ الحَرامِ، كُلُّ ذَلِكَ جَيِّدٌ، رُوِيَ الأخِيرُ عَنِ الحَسَنِ، والضَمِيرُ الآخَرُ تابِعٌ لِلْأوَّلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ مَعْناهُ: لا يَعْلَمُونَ أنَّهم لَيْسُوا بِأولِيائِهِ، بَلْ يَظُنُّونَ أنَّهم أولِياؤُهُ، وقَوْلُهُ: ( أكْثَرَهم ) ونَحْنُ نَجِدُ كُلَّهم بِهَذِهِ الصِفَةِ، لَفْظٌ خارِجٌ إمّا عَلى أنْ تَقُولَ: إنَّهُ لَفْظُ خُصُوصٍ أُرِيدَ بِهِ العُمُومُ، وهَذا كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ حَكى سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: "قُلْ مَن يَقُولُ ذَلِكَ"، وهم يُرِيدُونَ: لا يَقُولُهُ أحَدٌ.

وإمّا أنْ تَقُولَ: إنَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ: ( أكْثَرَهم ) أنْ يَعْلَمَ ويَشْعُرَ أنَّ بَيْنَهم وفي خِلالِهِمْ قَوْمًا قَدْ جَنَحُوا إلى الإيمانِ ووَقَعَ لَهم عِلْمٌ وإنْ كانَ ظاهِرُهُمُ الكُفْرُ فاسْتَثارَهم مِنَ الجَمِيعِ بِقَوْلِهِ: ( أكْثَرَهم )، وكَذَلِكَ كانَتْ حالُ مَكَّةَ وأهْلِها، فَقَدْ كانَ فِيهِمُ العَبّاسُ، وأُمُّ الفَضْلِ وغَيْرُهُما.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن عِكْرِمَةَ: قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ ﴾ ، ناسِخٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ، لِأنَّهُ خَبَرٌ لا يَدْخُلُهُ نَسْخٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على قوله: ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنتَ فيهم ﴾ [الأنفال: 33] وهو ارتقاء في بيان أنهم أحقاء بتعذيب الله إياهم، بياناً بالصراحة.

و ﴿ ما ﴾ استفهامية، والاستفهام إنكاري، وهي في محل المبتدأ و ﴿ لهم ﴾ خبره، واللام للاستحقاق والتقدير ما الذي ثبت لهم لأن ينتفي عنهم عذاب الله فكلمة (ما) اسم استفهام إنكاري، والمعنى: لم يثبت لهم شيء.

و ﴿ أنْ لا يعذبهم ﴾ مجرور بلام جر محذوفة بعد (إن) على الشائِع من حذف الجر مع (أنْ) والتقدير: أي شيء كان لهم في عدم تعذيبهم أي لم يكن شيء في عدم تعذيبهم أو مِن عدم تعذيبهم أي أنهم لا شيء يمنعهم من العذاب، والمقصود الكناية عن استحقاقهم العذاب وحلوله بهم، أوْ توقع حلوله بهم، تقول العرب: مَالك أنْ لا تُكْرِمَ، أي: أنت حقيق بأن تكَرم ولا يمنعك من الإكرام شيء، فاللفظ نفي لمانع الفعل، والمقصود أن الفعل توفرت أسبابه ثم انتفت موانعه، فلم يبق ما يحول بينك وبينه.

وقد يتركون (أن) ويقولون: مالك لا تفعل فتكون الجملة المنفية بعد الاستفهام في موضع الحال وتكون تلك الحال هي مُثير الاستفهام الإنكاري، وهذا هو المعنى الجاري على الاستعمال.

وجوزوا أن تكون ﴿ ما ﴾ في الآية نافية فيكون ﴿ أن لا يعذبهم ﴾ اسمها و ﴿ لهم ﴾ خبرها والتقدير وما عدم التعذيب كائناً لهم.

وجملة: ﴿ وهم يصدون عن المسجد الحرام ﴾ في موضع الحال على التقديرين.

والصد الصرف، ومفعول ﴿ يصدون ﴾ محذوف دل عليه السياق، أي يصدون المؤمنين عن المسجد الحرام بقرينة قوله: ﴿ إنْ أولياؤه إلاّ المتقون ﴾ فكان الصد عن المسجد الحرام جريمة عظيمة يستحق فاعلوه عذاب الدنيا قبيل عذاب الآخرة، لأنه يؤول إلى الصد عن التوحيد لأن ذلك المسجد بنَاه مُؤسسه ليكون علَماً على توحيد الله ومأوى للموحدين، فصدهم المسلمين عنه، لأنهم آمنوا بإله واحد، صرف له عن كونه علَماً على التوحيد، إذ صار الموحدون مَعدودين غيرَ أهل لزيادته، فقد جعلوا مضادين له، فلزم أن يكون ذلك المسجد مضاداً للتوحيد وأهلِه، ولذلك عقب بقوله: ﴿ وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلاّ المتقون ﴾ وهذا كقوله: ﴿ ومن يُرد فيه بإلحادٍ بظلممٍ نذقه من عذاببٍ أليمٍ ﴾ [الحج: 25]، والظلم الشرك لقوله: ﴿ إن الشرك لظلمٌ عظيمٌ ﴾ [لقمان: 13].

وهذا الصد الذي ذكرتْه الآية: هو عزمهم على صدّ المسلمين المهاجرين عن أن يحجوا ويعْتمروا، ولعلهم أعلنوا بذلك بحيث كان المسلمون لا يدخلون مكة.

وفي «الكشاف»: «كانوا يقولون نحن وُلاَة البيت والحرم فنصد من نشاء ونُدخل من نشاء».

قلت: ويشهد لذلك قضية سعد بن معاذ مع أبي جهل ففي «صحيح البخاري» عن عبد الله بن مسعود، أنه حدث عن سعد بن معاذ: «أنه كان صديقاً لأمية بن خلف، وكان أمية إذا مرَّ بالمدينة نزل على سعد، وكان سعد إذا مرَّ بمكة نزل على أمية، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة انطلق سعد معتمراً فنزل على أمية بمكة فقال لأمية انظُرْ لي ساعة خلوة لعليَ أطوف بالبيت فخرج قريباً من نصف النهار، فلقيهما أبو جهل، فقال: يا أبا صفوان مَن (كنية أمية بن خلف) هذا معك فقال: هذا سعد، فقال له أبو جهل: ألا أراك تطوف باليبت آمناً وقد آوَيْتُم الصباة أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعتَ إلى أهلك سالماً» الحديث.

وقد أفادت الآية: أنهم استحقوا العذاب فنبهت على أن ما أصابهم يوم بدر، من القتل والأسر، هو من العذاب، ولكن الله قد رحم هذه الأمة تكرمة لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فلم يؤاخذ عامتهم بظلم الخاصة بل سلط على كل أحد من العذاب ما يُجازي كفره وظُلمه وإذايته النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، ولذلك عذب بالقتل والأسر والإهانة نفراً عُرفوا بالغلو في كفرهم وأذاهم، مثل النضر بن الحارث، وطعيمة بن عدي، وعُقبة بن أبي مُعَيط، وأبي جهل، وعذب بالخوف والجوع من كانوا دون هؤلاء كفراً واستبقاهم وأمهلهم فكان عاقبة أمرهم أن أسلموا بقرب أو بُعد وهؤلاء مثل أبي سفيان، وحكيم بن حزام، وخالد بن الوليد، فكان جزاؤه إياهم على حسب علمه، وحقق بذلك رجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: " لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده " وجملة: ﴿ وما كانوا أولياءه ﴾ في موضع الحال من ضمير ﴿ يصُدون ﴾ والمقصود من هذه الحال إظهار اعتدائهم في صدهم عن المسجد الحرام، فإن مَن صدّ عما هو له من الخير كان ظالماً، ومَن صدّ عما ليس من حقه كان أشدّ ظلماً، ولذلك قال تعالى: ﴿ ومَن أظْلَم ممن منعَ مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه ﴾ [البقرة: 114] أي لا أظلمَ منه أحد لأنه منع شيئاً عن مستحقه.

وجملة: ﴿ إن أولياؤه إلاّ المتقون ﴾ تعيين لأوليائه الحق، وتقرير لمضمون ﴿ وما كانوا أولياءه ﴾ مع زيادة ما أفاده القصر من تعيين أوليائِه، فهي بمنزلة الدليل على نفي ولاية المشركين، ولذلك فصلت.

وإنما لم يُكتف بجملة القصر مع اقتضائه أن غير المتقين ليسوا أولياء المسجد الحرام، لقصد التصريح بظلم المشركين في صدهم المسلمين عن المسجد الحرام بأنهم لا ولاية لهم عليه، فكانت جملة: ﴿ وما كانوا أولياءه ﴾ أشد تعلقاً بجملة: ﴿ وهم يصدون عن المسجد الحرام ﴾ من جملة: ﴿ إِن أولياؤه إلاّ المتقون ﴾ وكانت جملة: ﴿ إن أولياءه إلا المتقون ﴾ كالدليل، فانتظم الاستدلال أبدع انتظام، ولما في إناطة ولاية المسجد الحرام بالمتقين من الإشارة إلى أن المشركين الذين سلبت عنهم ولايته ليسوا من المتقين، فهو مذمة لهم وتحقيق للنفي بحجة.

والاستدراك الذي أفاده ﴿ لكن ﴾ ناشئ عن المقدمتين اللتين تضمنتهما جملتا ﴿ وما كانوا أولياءه، إن أولياؤه إلاّ المتقون ﴾ لأن ذلك يثير فرض سائل يسأل عن الموجب الذي أقحمهم في الصد عننِ المسجد الحرام، ويحسبون أنهم حقيقون بولايته لما تقدم عن «الكشاف»، فحذف مفعول ﴿ يعلمون ﴾ لدلالة الاستدراك عليه لتعلق الاستدراك بقوله: ﴿ وما كانوا أولياءه ﴾ .

وإنما نفَى العلم عن أكثرهم دون أن يقال ولكنهم لا يعلمون فاقتضى أن منهم من يعلم أنهم ليسوا أولياء المسجد الحرام، وهم من أيقنوا بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم واستفاقوا من غفلتهم القديمة، ولكن حملهم على المشايعة للصادين عن المسجد الحرام، العنادُ وطلبُ الرئاسة، وموافقة الدهماء على ضلالهم، وهؤلاء هم عقلاء أهل مكة ومن تهيأ للإيمان منهم مثل العباسسِ وعَقيل بن أبي طالب وأبي سفيان بن حرب وحَكيم بن حزم وخالد بن الوليد، ومن استبقاهم الله للإسلام فكانوا من نصرائه من بعد نزول هذه الآية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلا مُكاءً وتَصْدِيَةً ﴾ في المُكاءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إدْخالُ أصابِعِهِمْ في أفْواهِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: هو أنْ يَشْبِكَ بَيْنَ أصابِعِهِ ويَصْفُرَ في كَفِّهِ بِفِيهِ فَيَكُونُ المُكاءُ هو الصَّفِيرَ، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: وحَلِيلُ غَنِيَّةٍ تَرَكَتْ مُجَدَّلًا تَمْكُو فَرِيصَتُهُ بِشِدْقِ الأعْلَمِ أيْ تَصْفُرُ بِالرِّيحِ لَمّا طَعَنَتْهُ.

وَأمّا التَّصْدِيَةُ فَفِيها خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّصْفِيقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ الإطْنابَةِ: وظَلُّوا جَمِيعًا لَهم ضَجَّةُ ∗∗∗ مُكاءٍ لَدى البَيْتِ بِالتَّصْدِيَةِ والثّانِي: أنَّهُ الصَّدُّ عَنِ البَيْتِ الحَرامِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنْ يَتَصَدّى بَعْضُهم لِبَعْضٍ لِيَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ، ويَصْفُرُ لَهُ إنْ غَفَلَ عَنْهُ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

الرّابِعُ: أنَّها تَفْعِلَةٌ مِن صَدَّ يَصِدُّ، وهو الضَّجِيجُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ  ﴾ أيْ يَضِجُّونَ.

الخامِسُ: أنَّهُ الصَّدى الَّذِي يُجِيبُ الصّائِحَ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ مِثْلَ قَوْلِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ سَمّى اللَّهُ تَعالى ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ عِنْدَ البَيْتِ مِنَ المُكاءِ والتَّصْدِيَةِ صَلاةً ولَيْسَ مِنها؟

قِيلَ عَنْ ذَلِكَ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يُقِيمُونَ التَّصْفِيقَ والصَّفِيرَ مَقامَ الدُّعاءِ والتَّسْبِيحِ فَجَعَلُوا ذَلِكَ صَلاةً وإنْ لَمْ يَكُنْ في حُكْمِ الشَّرْعِ صَلاةً.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَعْمَلُونَ كَعَمَلِ الصَّلاةِ.

﴿ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَذابُ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ الحَسَنُ الضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ إسْحاقَ.

والثّانِي: أنَّهُ يُقالُ لَهم في الآخِرَةِ ﴿ فَذُوقُوا العَذابَ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فالقُوا.

الثّانِي: فَجَرِّبُوا.

وَحَكى مُقاتِلٌ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ النَّبِيَّ  كانَ إذا صَلّى في المَسْجِدِ الحَرامِ قامَ مِن كُفّارِ بَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيٍّ رَجُلانِ عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ  يَصْفُرانِ كَما يَصْفُرُ المُكاءُ والمُكاءُ طائِرٌ، ورَجُلانِ مِنهم عَنْ يَسارِهِ يُصَفِّقانِ بِأيْدِيهِما لِيَخْلِطُوا عَلَيْهِ صَلاتَهُ وقِراءَتَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ.

» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البخاري وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال أبو جهل بن هشام ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ﴾ فنزلت ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: ذكر لنا أنها أنزلت في أبي جهل بن هشام.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ﴾ قال: نزلت في النضر بن الحارث.

وأخرج ابن جرير عن عطاء قال: نزلت في النضر ﴿ وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ﴾ ﴿ وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ﴾ [ ص: 16] .

﴿ ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ﴾ [ الأنعام: 94] و ﴿ سأل سائل بعذاب واقع ﴾ [ المعارج: 1] قال عطاء رضي الله عنه: لقد نزل فيه بضع عشرة آية من كتاب الله.

وأخرج ابن مروديه عن بريدة رضي الله عنه قال: رأيت عمرو بن العاص واقفاً على فرس يوم أحد وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً فاخسف بي وبفرسي.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان المشركون يطوفون بالبيت ويقولون: لبيك لا شريك لك لبيك.

فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: قد، قد.

ويقولون: لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، ويقولون: غفرانك غفرانك.

فأنزل الله تعالى ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم...

﴾ الآية.

فقال ابن عباس رضي الله عنه: كان فيهم أمانان النبي صلى الله عليه وسلم والاستغفار، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وبقي الاستغفار ﴿ وما لهم ألا يعذبهم الله ﴾ قال: هو عذاب الآخرة وذلك عذاب الدنيا.

وأخرج ابن جرير عن يزيد بن رومان ومحمد بن قيس قالا: قالت قريش بعضها لبعض: محمد صلى الله عليه وسلم أكرمه الله من بيننا ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء...

﴾ الآية.

فلما أمسوا ندموا على ما قالوا فقالوا: غفرانك اللهم.

فأنزل الله: ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ إلى قوله: ﴿ لا يعلمون ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن أبزى رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فأنزل الله: ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فأنزل الله: ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ فلما خرجوا أنزل الله: ﴿ وما لهم ألا يعذبهم الله...

﴾ الآية فأذن في فتح مكة، فهو العذاب الذي وعدهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطية رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ يعني المشركين حتى يخرجك منهم ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ قال: يعني المؤمنين، ثم أعاد المشركين فقال: ﴿ وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ يقول: لو استغفروا وأقروا بالذنوب لكانوا مؤمنين.

وفي قوله: ﴿ وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام ﴾ يقول: وكيف لا أعذبهم وهم لا يستغفرون.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ قال: بين أظهرهم ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ يقول: وما كان الله معذبهم وهو لا يزال الرجل منهم يدخل في الإِسلام.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ قال: وهم يدخلون في الإِسلام.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء بن دينار رضي الله عنه قال: سئل سعيد بن جبير رضي الله عنه عن الاستغفار؟

فقال: قال الله: ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ يقول: يعملون على الغفران، وعلمت أن ناساً سيدخلون جهنم ممن يستغفرون بألسنتهم ممن يدعي الإِسلام وسائر الملل.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة والحسن رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ قالا: نسختها الآية التي تليها ﴿ وما لهم ألا يعذبهم الله ﴾ فقوتلوا بمكة فأصابهم فيها الجوع والحصر.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه.

مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي مالك رضي الله عنه ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ يعني أهل مكة ﴿ وما كان الله معذبهم ﴾ وفيهم المؤمنون يستغفرون.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن قتادة رضي الله عنه قال: إن القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم، أما داءكم فذنوبكم، وأما دواؤكم فالاستغفار.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن كعب رضي الله عنه قال: إن العبد ليذنب الذنب الصغير فيحتقره ولا يندم عليه ولا يستغفر منه، فيعظم عند الله حتى يكون مثل الطود، ويذنب الذنب فيندم عليه ويستغفر منه فيصغر عند الله عز وجل حتى يعفو له.

وأخرج الترمذي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنزل الله علي أمانين لأمتي ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة» .

وأخرج أبو الشيخ والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان فيكم أمانان مضى أحدهما وبقي الآخر.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن الله جعل في هذه الأمة أمانين لا يزالون معصومين من قوارع العذاب ما داما بين أظهرهم، فأمان قبضه الله تعالى إليه، وأمان بقي فيكم قوله: ﴿ وما كان الله ليعذبهم...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه والحاكم وابن عساكر عن أبي موسى رضي الله عنه قال: إنه قد كان فيكم أمانان، مضى أحدهما وبقي الآخر ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد مضى لسبيله، وأما الاستغفار فهو كائن إلى يوم القيامة.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان في هذه الأمة أمانان: رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاستغفار، فذهب أمان- يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم- وبقي أمان، يعني الاستغفار.

وأخرج أحمد عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العبد آمن من عذاب الله ما استغفر الله» .

وأخرج أحمد والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان قال: وعزتك يا رب، لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم.

قال الرب: وعزتي وجلالي، لا أزال أغفر لهم ما استغفروني» .

وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أكثر من الاستغفار، جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والنسائي وابن ماجة عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن استطعتم أن تكثروا من الاستغفار فافعلوا، فإنه ليس شيء أنجح عند الله ولا أحب إليه منه» .

وأخرج أحمد في الزهد عن مغيث بن أسماء رضي الله عنه قال: كان رجل ممن كان قبلكم يعمل بالمعاصي، فبينما هو ذات يوم يسير إذ تفكر فيما سلف منه فقال: اللهم غفرانك.

فادركه الموت على تلك الحال فغفر له.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: طوبى لمن وجد في صحيفته بنداً من الاستغفار.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: من قال: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه خمس مرات، غفر له وإن كان عليه مثل زبد البحر.

وأخرج أبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى رسول الله، فقام فلم يكد يركع، ثم ركع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع، ثم رفع وفعل في الركعة الأخرى مثل ذلك، ثم نفخ في آخر سجوده، ثم قال: رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم، رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وهم يستغفرون ونحن نستغفرك.

ففرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته وقد انمخضت الشمس» .

وأخرج الديلمي عن عثمان ابن أبي العاص قال: قال رسول الله «في الأرض أمانان: أنا امان، والاستغفار أمان، وأنا مذهوب بي ويبقى أمان الاستغفار، فعليكم بالاستغفار عند كل حدث وذنب» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ قال: ما كان الله ليعذب قوماً وأنبياؤهم بين أظهرهم حتى يخرجهم ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ يقول: وفيهم من قد سبق له من الله الدخول في الإِيمان: وهو الاستغفار.

وقال للكافر ﴿ ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ﴾ [ آل عمران: 179] فيميز الله أهل السعادة من أهل الشقاوة ﴿ وما لهم ألا يعذبهم الله ﴾ فعذبهم يوم بدر بالسيف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ ثم استثنى أهل الشرك فقال: ﴿ وما لهم ألا يعذبهم الله ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والنحاس وأبو الشيخ عن الضحاك ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ قال: المشركين الذين بمكة ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ قال: المؤمنين بمكة ﴿ وما لهم ألا يعذبهم الله ﴾ قال: كفار مكة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما لهم ألا يعذبهم الله ﴾ قال: عذابهم فتح مكة.

وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه ﴿ وما لهم ألا يعذبهم الله ﴾ وهم يجحدون آيات الله ويكذبون رسله، وإن كان فيهم ما يدعون.

وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ وهم يصدون عن المسجد الحرام ﴾ أي من آمن بالله وعبده أنت ومن اتبعك.

﴿ وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ﴾ الذين يخرجون منه ويقيمون الصلاة عنده، أي أنت ومن آمن بك.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن أولياؤه إلا المتقون ﴾ قال: من كانوا حيث كانوا.

وأخرج البخاري في الأدب المفرد والطبراني والحاكم وصححه عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه.

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه: «اجمع لي قومك، فجمعهم فلما حضروا باب النبي صلى الله عليه وسلم دخل عمر رضي الله عنه عليه فقال: قد جمعت لك قومي.

فسمع ذلك الأنصار فقالوا: قد نزل في قريش الوحي.

فجاء المستمع والناظر ما يقال لهم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقام بين أظهرهم فقال: هل فيكم من غيركم؟

قالوا: نعم، فينا حليفنا وابن أختنا وموالينا.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: حليفنا منا، وابن أختنا منا، ومولانا منا، أنتم تسمعون أن أوليائي منكم إلا المتقون، فإن كنتم أولئك فذلك، وإلا فانظروا لا يأتي الناس بالأعمال يوم القيامة وتأتون بالأثقال فيعرض عنكم» .

وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة رضي الله عنه.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أوليائي يوم القيامة المتقون وإن كان نسب أقرب من نسب، فلا يأتيني الناس بالأعمال، وتأتوني بالدنيا تحملونها على رقابكم فأقول هكذا وهكذا إلا وأعرض في كل عطفيه» .

وأخرج ابن مردويه والطبراني والبيهقي في سننه عن أنس رضي الله عنه قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من آلك؟

فقال: كل تقي، وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إن أولياؤه إلا المتقون ﴾ » .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن آل فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين» .

وأخرج أحمد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أولى الناس بي المتقون، من كانوا وحيث كانوا» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ﴾ الآية، معنى (ما) هاهنا: إيجاب (١) (٢) قال ابن عباس في رواية عطاء في قوله: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ﴾ يريد المقيمين على الشرك حتى ماتوا أو قتلوا ببدر (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ﴾ يعني: المشركين خاصة بعد خروج من عنى بقوله: (وهم يستغفرون) من بينهم.

واختلفوا في هذا العذاب، فقيل: لحقهم هذا العذاب المتوعد به يوم بدر (٨) (٩) (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [قال أبو إسحاق: مفعول الصد محذوف، المعنى: وهم يصدون عن المسجد الحرام أولياءه (١٢) (١٣)  وأصحابه أن يطوفوا، قال ابن إسحاق: أي: إياك ومن آمن بك (١٤) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ﴾ قال الحسن: إن المشركين قالوا: نحن أولياء المسجد الحرام؛ فرد الله عليهم (١٥) (١٦) (١٧) ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾ : أي: عذاب الاستئصال؛ لأن أمم الأنبياء إذا أُهلكوا (١٨) ﴿ وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ  ﴾ ، وقال: ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ  ﴾ ، الآية، ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ أي: ومؤمنوهم يستغفرون ويصلون، ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ﴾ أي: بالسيف في (١٩) (٢٠) (٢١) ﴿ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ﴾ وهذا العذاب غير الأول، وإنما هو عذاب بالسيف، وليس بانتقام عام شامل كالأول.

وقال عطاء عن ابن عباس: وما كانوا للنبي بأولياء (٢٢) ﴿ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ ﴾ يريد: المهاجرين والأنصار، ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ يريد: غيب علمي، وما سبق في قضائي وقدرتي (٢٣) وقول من قال: إن هذه الآية ناسخة للآية التي قبلها، ليس بشيء، وهذا يروى عن الحسن وعكرمة (٢٤) (٢٥) وذكر أبو إسحاق الزجاج معنى آخر لهذه الآية هو أليق بما قبلها وهو أنه قال في قوله: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ﴾ : المعنى: وأي شيء لهم في ترك العذاب، أي في دفعه عنهم ﴿ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ (٢٦) ومعنى هذا الكلام: وأي شيء لهم في ترك عذابهم، أي: إنا وإن تركنا عذابهم يكفيهم من الخسارة في حالتهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام، وأنهم حرموا موالاة محمد  ولو أراد الله بهم خيرًا ما فعلوا ذلك (٢٧) وشرح صاحب النظم المذهبين في قوله: ﴿ وَمَا لَهُمْ ﴾ شرحًا شافيًا فقال: قوله (٢٨) ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ﴾ أصحاب العربية اختلفوا في معنى هذه الكلمة وفي قولهم: ما لزيد قائمًا؟

فزعم بعضهم أن قولك: مالك وما لزيد؟

استفهام عن حال أنكرتها، فإذا قلت: ما لزيد قائمًا؟

فكأنك قلت: ما له في القيام؟

أي: أي شيء [له فيه من نفع أو غيره؟

وهذا وجه قول الزجاج (٢٩) (٣٠) ﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ  ﴾ ، و ﴿ فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا  ﴾ ، و ﴿ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ  ﴾ .

ثم إنهم قدموا (ما) وأخروا اللام، واللام (٣١) (٣٢) ﴿ وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا  ﴾ بمعنى: لم لا نرى رجالًا؟

فإذا أضفت اللام إلى المستفهم عنه لم يحتج إلى فعل لدلالة النعت بانتصابه على الفعل مثل قولك: مالك قائمًا؟

وإذا أضفت اللام إلى نفسك وأنت مستفهم فلابد من إظهار فعل يدل على الاستفهام مثل قولك: مالي أراك قائمًا؟، كما قال تعالى: ﴿ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ  ﴾ ، ولا يجوز: مالي قائمًا؟

وأنت تريد أن تستفهم عن غيرك، فإن أنت (٣٣) ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ  ﴾ يكون معناه على ما رتبنا: لم لا يعذبهم الله؟

إلا أن اللام منقولة عن موضعها إلى غيره (٣٤) ﴿ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ﴾ زيادة مقحمة (٣٥) ﴿ فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ  ﴾ بلا (أن)، وقال: ﴿ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ  ﴾ ، فزاد (أن)، ومنه قول الشاعر (٣٦) مالك لا تذكر أم عمرو ...

إلا لعينيك غروب تجري ولو قال: مالك أن لا تذكر كان (أن) زيادة.

(١) في (ح): (لإيجاب).

(٢) قال أبو حيان في "البحر المحيط" 4/ 490: الظاهر أن (ما) استفهامية، أي: أي شيء لهم في انتفاء العذاب، وهو استفهام معناه التقرير، أي: كيف لا يعذبهم وهم يتصفون بهذه الحالة، وقيل (ما) للنفي، فيكون إخبارًا، أي: وليس لهم أن لا يعذبهم الله، أي ليس ينتفي العذاب عنهم مع تلبسهم بهذه الحال.

(٣) رواه بنحوه ابن أبي حاتم 5/ 1693، وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 339.

(٤) رواه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 328.

(٥) رواه ابن جرير 9/ 234 - 235، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 383.

(٦) لم أقف عليه.

(٧) انظر: "تفسير ابن جرير" 9/ 234 - 235 (٨) رواه ابن جرير 9/ 237، وابن أبي حاتم 5/ 1693، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 381، عن ابن عباس.

(٩) هو: سعيد بن عبد الرحمن.

تقدمت ترجمته.

(١٠) رواه ابن جرير 9/ 234 ، وابن أبى حاتم 5/ 1693.

(١١) رواه ابن جرير 9/ 235.

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 412، ولم يذكر أبو إسحاق الزجاج أن المفعول محذوف، بل ذكر المعنى مباشرة، فلعل الواحدي عبر عما فهمه من عبارة الزجاج، أو أن هناك سقطًا في بعض النسخ، ويرجح الأول أن ابن الجوزي نقل قول الزجاج في "زاد المسير" 3/ 352، ولم يذكر ما ذكره الواحدي.

(١٣) ما بين المعقوفين ساقط من (س).

(١٤) "السيرة النبوية" 2/ 366، ونص قول ابن إسحاق: أي من آمن بالله وعبده، أي أنت ومن اتبعك.

(١٥) رواه البغوي 3/ 354، وانظر: "زاد المسير" 3/ 352، و"الوسيط" 2/ 458.

(١٦) ساقط من (م).

(١٧) رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 181، عن الكلبي، عن ابن عباس، وهو في "تفسير السمرقندي" 2/ 16 مختصرًا.

(١٨) في (م) و (س): (هلكوا).

وما أثبته موافق لما في "الحجة".

(١٩) ساقط من (ح).

(٢٠) في (س): (عليهم)، وكذلك هو في "الحجة"، وأثبت ما في (ح) و (م) لأنه أصح في المعنى ولأن به يستقيم معنى قول الواحدي: وهذا معنى قوله (وما كانوا أولياءه).

(٢١) اهـ.

كلام أبي علي، انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 348.

(٢٢) سبق بيان وهاء هذه الرواية، وهذا القول لا يدل عليه السياق إذ ليس للنبي  ذكر في هذه الآيات بضمير الغائب، وللمفسرين في عود هاء الكناية في هذه الكلمة قولان: 1 - أنها ترجع إلى المسجد، وهو الراجح لأنه أقرب مذكور، وقد نسب ابن الجوزي 3/ 352 هذا القول إلى الجمهور، واختاره الثعلبي 6/ 58/ ب، والبغوي 3/ 354، والزمخشري 2/ 156، وابن كثير 2/ 339.

والمعنى: وما كان المشركون أولياء المسجد الحرام وأهله، وإنما أولياؤه المتقون وهم النبي  ومن آمن به.

2 - أنها ترجع إلى الله تعالى، وهذا اختيار ابن جرير 9/ 239.

والمعنى: وما كان المشركون أولياء الله.

(٢٣) لم أجد أحدًا ذهب إلى هذا المعنى، ولا دلالة في الآية عليه، والذي عليه المفسرون أن المعنى: ولكن أكثرهم لا يعلمون أن أولياء الله المتقون، أو لا يعلمون أن أولياء المسجد هم المتقون، انظر: " تفسير ابن جرير" 9/ 239، وابن الجوزي 3/ 352، وأبي السعود 4/ 20، وذهب السمرقندي 2/ 16 إلى أن المعنى: لا يعلمون توحيد الله.

(٢٤) أخرجه عنهما ابن جرير 9/ 238، ورواه عن الحسن جمع من المفسرين منهم النحاس في: "الناسخ والمنسوخ" 2/ 381، والثعلبي 6/ 58 ب، والبغوي 3/ 354.

(٢٥) انظر: "تفسير ابن جرير" 9/ 238، و"الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 381، و"المحرر الوجيز" 6/ 286.

(٢٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 412.

(٢٧) هذا فهم الواحدي لعبارة الزجاج، والذي أراه أن الزجاج لم يقصد هذا المعنى، وإنما مراده: وأي شيء يدفع عنهم العذاب وهم يصدون عن المسجد الحرام.

ويدل على هذا المعنى كلامه اللاحق، فقد قال بعد تفسير الآية: فأعلم الله النبي  أنه لم يكن ليعذبهم بالعذاب الذي وقع بهم من القتل والسبي وهو بين أظهرهم، ولا ليوقع ذل العذاب بمن يؤول أمره إلى الإسلام منهم، وأعلمه أنه يدفع العذاب من جملتهم الذي أوقعه بهم.

"معانى القرآن وإعرابه" 2/ 412، فالجملة الأخيرة تفسير لقوله السابق الذي ذكره الواحدي.

(٢٨) ساقط من (س).

(٢٩) يعني قول الزجاج في تفسير الآية: المعنى: أي شيء لهم في ترك العذاب، و"معاني القرآن وإعرابه" 2/ 412.

(٣٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) (٣١) ساقط من (س).

(٣٢) ساقط من (ح).

(٣٣) ساقط من (م) و (س).

(٣٤) سبق قول أبي علي الجرجاني: ثم إنهم قدموا (ما) وأخروا اللام واللام لا تقوم بنفسها إلا مضافة إلى شيء اهـ، وهو يعني هنا: أن اللام في قوله تعالى: ﴿ مَا لَهُمْ ﴾ نقلت عن موضعها وأخرت عن (ما) إذا الأصل: لِمَ، ثم أضيفت اللام إلى الاسم المستفهم عنه فصارت الكلمة: مالهم، ثم زيدت (أنَ)، فإذا أعدنا الكلمة إلى أصلها، وحذفنا الزيادة، صارت الجملة: لم لا يعذبهم.

(٣٥) ذهب الأخفش في "معاني القرآن" 1/ 349 أيضًا إلى القول بزيادة (أن) وقد رد عليه النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 675 بقوله: لو كان كما قال لرفع (يعذبهم) و (أن) في موضع نصب، والمعنى: وما يمنعهم من أن يعذبوا، فدخلت (أن) لهذا المعنى اهـ.

والجدير بالتنبيه أن قول بعض النحاة عن شيء في كتاب الله: زيادة مقحمة، مما ينافي الأدب مع القرآن إذ العبارة توحي بأن هذا اللفظ مما لا فائدة له، والحق أنه ما من لفظ في كتاب الله إلا جيء به لمعنى، كالتوكيد أو الإشارة إلى معنى خفى.

(٣٦) لم يتبين لي من هو، والرجز بلا نسبة في "تهذيب اللغة" (غرب) 3/ 3643.

و"لسان العرب" (غرب) 6/ 3228.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذْ قَالُواْ اللهم ﴾ الآية، قالها النضر بن الحارث أو سائر قريش لما كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم: دعوا على أنفسهم إن كان أمره هو الحق، والصحيح أن الذي دعا بذلك أبو جهل رواه البخاري ومسلم في كتابيهما، وانتصب الحقَ لأنه خبر كان.

وقال الزمخشري: معنى كلامهم جحود أي: إن كان هذا هو الحق فعاقبنا على إنكاره، ولكنه ليس بحق فلا نستوجب عقاباً، وليس مرادهم الدعاء على أنفسهم، إنما مرادهم نفي العقوبة عن أنفسهم.

﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ﴾ إكراماً للنبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ أي لو آمنوا واستغفروا فإن الاستغفار أمان من العذاب قال بعض السلف: كان لنا أمانان من العذاب وهما وجود النبي صلى الله عليه وسلم والاستغفار، فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم ذهب الأمان الواحد، وبقي الآخر، وقيل: الضمير في يعذبهم للكفار، وفي وهم يستغفرون للمؤمنين الذين كانوا بين أظهرهم ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله ﴾ المعنى أي شيء يمنع من عذابهم وهم يصدون المؤمنين من المسجد الحرام والجملة في موضع الحال، وذلك من الموجب لعذابهم ﴿ وَمَا كانوا أَوْلِيَآءَهُ ﴾ الضمير للمسجد الحرام أو لله تعالى ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً ﴾ المكاء: التصفير بالفم.

والتصدية: التصفيق باليد.

وكانوا يفعلونها إذ صلى المسلمون ليخلطوا عليهم صلاتهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بما تعملون ﴾ ، ﴿ بصير ﴾ بتاء الخطاب: يعقوب.

الوقوف: ﴿ مثل هذا ﴾ لا لأن الابتداء بأن هذا إلا أساطير الأولين قبيح ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وأنت فيهم ﴾ ط ﴿ يستغفرون ﴾ ه ﴿ وما كانوا أولياءه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وتصدية ﴾ ط ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ يغلبون ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ ﴿ يحشرون ﴾ ه لا لتعا اللام ﴿ في جهنم ﴾ ط ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ ما سلف ﴾ ط لابتداء الشرط مع العطف ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ كله لله ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ مولاكم ﴾ ط ﴿ النصير ﴾ ه.

التفسير: لما حكى مكرهم في ذات محمد صلى الله عليه وآله حكى مكرهم في دينه.

وروي أن النضر بن الحرث خرج إلى الحيرة تاجراً واشترى أحاديث كليلة ودمنة وقصة رستم واسفنديار، وكان يقعد مع المستهزئين والمقتسمين فيقرأ عليهم ويقول هذا مثل ما يذكره محمد من قصص الأوّلين، ولو شئت لقلت مثل قوله، وهذا منه ومن أمثاله صلف تحت الراعدة لأنهم لم يتوانوا في مشيئتهم لو ساعدتهم الاستطاعة.

ويروى عن النضر أو عن أبي جهل على ما في الصحيحين أن أحدهما قال ما معناه ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق ﴾ الآية.

وهذا أسلوب من العناد بليغ لأن قوله ﴿ هو الحق ﴾ بالفصل وتعريف الخبر تهكم بمن يقول على سبيل التخصيص والتعيين هذا هو الحق.

ومعنى ﴿ حجارة من السماء ﴾ الحجارة المسوّمة للعذاب أي إن كان القرآن هو المخصوص بالحقية فعاقبنا على إنكاره بالسجيل كما فعلت بأصحاب الفيل أو بنوع أخر من جنس العذاب الأليم.

ومراده نفي كونه حقاً فلذلك علق بحقيته العذاب كما لو علق بأمر محال فهو كقول القائل إن كان الباطل حقاً فأمطر علينا حجارة.

وعن معاوية أنه قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة.

قال: أجهل من قومي قومك قالوا لرسول الله  حين دعاهم إلى الحق ﴿ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة ﴾ ولم يقولوا إن كان هذا هو الحق فاهدنا له.

ثم شرع في الجواب عن شبهتهم فقال ﴿ وما كان الله ليعذبهم ﴾ اللام لتأكيد النفي دلالة على أن تعذيبهم بعذاب الاستئصال والنبي بين أظهرهم غير مستقيم عادة تعظيماً لشأن النبي ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ قال قتادة والسدي: المراد نفي الاستغفار عنهم أي لو كانوا ممن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذبهم.

وقيل: اللفظ عام لأن المراد بعضهم وهم الذين تخلفوا عن رسول الله  من المستضعفين المؤمنين فهو كقولك: قتل أهل المحلة فلاناً وإنما قتله واحد منهم أو اثنان.

وقيل: وصفوا بصفة أولادهم والمعنى وما كان الله معذب هؤلاء الكفار وفي علم الله أنه يكون لهم أولاد يؤمنون بالله ويستغفرونه، وفي علم الله أن فيهم من يؤل أمره إلى الإيمان كحكيم بن حزام والحرث بن هشام وعدد كثير ممن آمن يوم الفتح وقبله وبعده.

وفي الآية دلالة على أن الاستغفار أمان وسلامة من العذاب.

قال ابن عباس: كان فيهم أمانان: نبي الله والاستغفار.

أما النبي فقد مضى وأما الاستغفار فهو باقٍ إلى يوم القيامة.

ثم بين أنه يعذبهم إذا خرج الرسول من بينهم فقال ﴿ ومالهم ألا يعذبهم الله ﴾ وأي شيء لهم في انتفاء العذاب عنهم يعني لا حظ لهم في ذلك وهم معذبون لا محالة.

قيل: لحقهم هذا العذاب المتوعد به يوم بدر.

وقيل: يوم فتح مكة بدليل قوله ﴿ وهم يصدون ﴾ أي كيف لا يعذبون وحالهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام كما صدوا رسول الله عام الحديبية.

والأوّلون قالوا: إن إخراجهم رسول الله  والمؤمنين من الصدّ.

وعن ابن عباس أن هذا العذاب عذاب الآخرة والذي نفاه عنهم هو عذاب الدنيا وكانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم فنصدّ من نشاء وندخل من نشاء فنفى الله استحقاقهم الولاية بقوله ﴿ وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ﴾ من المسلمين وليس كل مسلم يصلح لذلك فضلاً عن مشرك ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ كان فيهم من كان يعلم وهو يعاند ويطلب الرياسة.

أو أراد بالأكثر الجميع كما يراد بالقلة العدم.

ثم ذكر بعض أسباب سلب الولاية عنهم فقال ﴿ وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ﴾ المكاء "فعال" كالثغاء والرغاء من مكا يمكو إذا صفر.

والتصدية التصفيق "تفعلة" من الصدى وهو الصوت الذي يرجع من الجبل فيكون في الأصل معتل اللام، أو من صدّ يصدّ مضاعفاً أي صاح فقلبت الدال الأخيرة ياء كالتقضي في التقضض، وأنكر هذا الاشتقاق بعضهم وصوّبه الأزهري وأبو عبيدة.

قال جعفر بن ربيعة: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن المكاء والتصدية فجمع كفيه ثم نفخ فيهما صفيراً.

وقيل: هو أن يجعل بعض أصابع اليمين وبعض أصابع الشمال في الفم ثم يصفر به.

وقيل: تصويب يشبه صوت المكَّاء بالتشديد وهو طائر معروف.

عن ابن عمر: كانوا يطوفون بالبيت عراة وهم مشبكون بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون.

فالمكاء والتصدية على هذا نوع عبادة لهم فلهذا وضعا موضع الصلاة بناء على معتقدهم.

وفيه أن من كان المكاء والتثدية صلاته فلا صلاة له كقول العرب: ما لفلان عيب إلا السخاء أي من كان السخاء عيبه فلا عيب له.

وقال مجاهد ومقاتل: كانوا يعارضون النبي  في الطواف والصلاة عند المسجد الحرام يستهزؤن به ويخلطون عليه فجعل المكاء والتصدية صلاة لهم كقولك: زرت الأمير فجعل جفائي صلتي أي أقام الجفاء مقام الصلة.

ثم خاطبهم على سبيل المجازاة بقوله ﴿ فذوقوا العذاب ﴾ عذاب القتل والأسر يوم بدر أو عذاب الآخرة ﴿ بما كنتم تكفرون ﴾ بسبب كفركم وأفعالكم التي لا يقدم عليها إلا الكفرة.

ولما شرح أحوال هؤلاء الكفار في الطاعات البدنية أتبعها شرح أحوالهم في الطاعات المالية فقال ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ﴾ الآية.

قال مقاتل والكلبي: نزلت في المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلاً: أبو جهل بن هشام وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ونبيه ومنبه ابنا حجاج وأبو البختري بن هشام والنضر بن الحرث وحكيم بن حزام وأبيّ بن خلف وزمعة بن أسود والحرث بن عامر بن نوفل والعباس ابن عبد المطلب.

وكلهم من قريش وكان يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزر.

وقال سعيد بن جبير وابن أبزى: نزلت في أبي سفيان بن حرب استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش - والأحبوش جماعة من الناس ليسوا من قبيلة واحدة - وأنفق عليهم أربعين أوقية من فضة.

والأوقية اثنان وأربعون مثقالاً - قاله في الكشاف.

وقال محمد بن إسحق عن رجاله: لما أصيب قريش يوم بدر فرجع فلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان ابن أمية في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كان له في تلك العير تجارة فقالوا: يا معشر قريش إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال الذي أفلت على حربه لعلنا أن ندرك منه ثأراً لمن أصيب منا فأنزل الله  الآية.

ومعنى ﴿ ليصدّوا عن سبيل الله ﴾ أن غرضهم في الإنفاق كان هو الصدّ عن اتباع محمد وهو سبيل الله وإن لم يكن عندهم كذلك.

ثم أخبر عن الغيب على وجه الإعجاز فقال ﴿ فيسنفقونها ﴾ أي سيقع منهم هذا الإنفاق ثم تكون عاقبة إنفاقها ندماً وحسرة فكأن ذاتها تصير ندماً وتنقلب حسرة ثم يغلبون آخر الأمر وإن كانت الخرب بينهم وبين المؤمنين سجالاً لقوله ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي  ﴾ ومعنى "ثمك" في الجملتين إما التراخي في الزمان لما بين الإنفاق المذكوروبين ظهور دولة الإسلام من الامتداد، وإما التراخي في الرتبة لما بين بذل المال وعدم حصول المقصود من المباينة.

ثم قال ﴿ والذين كفروا ﴾ أي الكافرون منهم ولم يقل "ثم يغلبون وإلى جهنم يحشرون" لأن منهم من أسلم وحسن إسلامه فذكر أن الذي بقوا على الكفر لا يكون حشرهم إلا إلى جهنم دون من أسلم منهم.

ثم بين الغاية والغرض فيما يفعل بهم من الغلبة ثم الحشر إلى جهنم فقال ﴿ ليميز الله الخبيث ﴾ أي الفريق الخبيث من الكفار ﴿ من ﴾ الفريق ﴿ الطيب ﴾ وهم المؤمنون ﴿ ويجعل ﴾ الفريق ﴿ الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً ﴾ عبارة عن الجمع والضم وفرط الازدحام.

يقال: ركم الشيء يركمه إذا جمعه وألقى بعضه على بعض ﴿ أولئك ﴾ الفريق الخبيث ﴿ هم الخاسرون ﴾ وقيل: الخبيث والطيب صفة المال أي ليميز المال الخبيث الذي أنفقه المشركون في عداوة رسول الله  والمؤمنين من المال الطيب الذي أنفقه المهاجرون والأنصار في نصرته فيركمه فيضم تلك الأموال الخبيثة بعضها على بعض فيلقيه في جهنم ويعذبهم بها كقوله ﴿ فتكوى بها جباههم وجنوبهم  ﴾ وعلى هذا فاللام في قوله ﴿ ليميز الله ﴾ يتعلق بقوله ﴿ ثم تكون عليهم حسرة ﴾ قاله في الكشاف.

ولا يبعد عندي أن يتعلق بـ ﴿ يحشرون ﴾ و ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى الذين كفروا.

ولما بين ضلالهم في عباداتهم البدنية والمالية أرشدهم إلى الطريق المستقيم وما يتبعه من الصلاح فقال ﴿ قل للذين كفروا ﴾ أي قل لأجلهم هذا القول وهو أن ينتهوا عما هم عليه من عداوة الرسول وقتاله بالدخول في السلم والإسلام ﴿ يغفر لهم ما قد سلف ﴾ من الكفر والمعاصي.

ولو كان المراد خطابهم بهذا القول لقيل: "أن تنتهوا يغفر لكم".

وقد قرأ بذلك ابن مسعود ﴿ وإن تعودوا ﴾ لقتاله ﴿ فقد مضت سنة الأوّلين ﴾ منهم الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر أو سنة الذين تحزبوا على أنبيائهم من الأمم فأهلكوا أو غلبوا كقوله ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي  ﴾ واستدل كثير من العلماء منهم أصحاب أبي حنيفة الآية على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الإسلام لأن الخطاب مع الكفر باطل بالإجماع وبعد زواله لا يؤمر بقضاء العبادات الفائتة، بل ذهب أبو حنيفة إلى أن المرتد إذا أسلم لم يلزمه قضاء العبادات المتروكة في حال الردة وقبلها وفسر ﴿ وإن يعودوا ﴾ بالعودة إلى الردة.

واختلفوا في أن الزنديق هل تقبل تبوته أم لا؟

والصحيح أنها مقبولة لشمول الآية جميع الكفار لقوله  : "نحن نحكم بالظاهر" ولأنه يكلف بالرجوع ولا طريق له إلا التوبة، فلو لم تقبل لزم تكليف ما لا يطاق.

ثم أمر بقتالهم إن أصروا على الكفر فقال ﴿ وقاتلوهم ﴾ الآية.

وقد مر تفسيره في سورة البقرة إلا أنه زاد ههنا لفظة ﴿ كله ﴾ في قوله ﴿ ويكون الدين كله لله ﴾ لأن القتال ههنا مع جميع الكفار وهناك كان مع أهل مكة فحسب ﴿ فإن انتهوا ﴾ عن الكفر وأسلموا ﴿ فإن الله بما يعملون بصير ﴾ يثيبهم على توبتهم وإسلامهم.

ومن قرأ بتاء الخطاب أراد فإن الله بما تعملون من الجهاد في سبيله والدعوة إلى دينه بصير يجازيكم عليه أحسن الجزاء.

﴿ وإن تولوا ﴾ ولم ينتهوا ﴿ فاعلموا أن الله مولاكم ﴾ ناصركم ومتولي أموركم يحفظكم ويدفع شر الكفار عنكم فإنه ﴿ نعم المولى ونعم النصير ﴾ فثقوا بولايته ونصرته.

التأويل: قالوا قد سمعنا وما سمعوا في الحقيقة وإلا لم يقولوا لو نشاء لقلنا فإن كلام المخلوق لن يكون مثل كلام الله.

ثم انظر كيف استخرج الله منهم عقيب دعواهم ﴿ لقلنا مثل هذا ﴾ قولهم ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ﴾ ليعلم أن من هذا حاله كيف يكون مثل القرآن مقاله، ولو كان لهم عقل لقالوا إن كان هذا حقاً فاهدنا له ومتعنا به وبأنواره وأسراره ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ لأنه رحمة للعالمين والرحمة تنافي العذاب ﴿ إن أولياؤه إلا المتقون ﴾ ، ﴿ ولكن أكثرهم ﴾ يعني أكثر المتقين أو ﴿ لا يعلمون ﴾ أنهم أولياؤه لأن الولي قد لا يعرف أنه ولي ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ﴾ كذلك دأب كفار النفوس ينفقون أموال الاستعداد الفطري في غير طلب الله وإنما تصرفها في استيفاء اللذات والشهوات فستندم حين لا ينفع الندم ﴿ ثم يغلبون ﴾ لا يظفرون بمشتهيات النفس كلها ولأجلها، والذين كفروا من الأرواح والقلوب التابعة والنفوس ﴿ إلى جهنم ﴾ البعد والقطعية ﴿ يحشرون ﴾ ، ﴿ ليميز الله ﴾ الأرواح والقلوب الخبيثة من الطيبة التي لا تركن إلى الدنيا ولا تنخدع بانخداع النفوس ﴿ فيركمه جميعاً ﴾ فيجعل الأرواح الخبيثة فوق النفوس الخبيثة فيلقي الجميع في جهنم القطيعة ﴿ قل للذين كفروا ﴾ من الأرواح والقلوب أي ستروا النور الروحاني بظلمات صفات النفس ﴿ إن ينتهوا ﴾ عن اتباع الهوى ﴿ يغفر لهم ﴾ يستر لهم تلك الظلمات بنور الفرقان والرشاد.

﴿ وقاتلوا ﴾ كفار النفوس ﴿ حتى لا تكون ﴾ آفة مانعة عن الوصول ﴿ ويكون الدين كله لله ﴾ ببذل الوجود وفقد الموجود لنيل الوجود وكرامة الشهود والله  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ...

﴾ الآية.

ذكر نهاية سفههم، وغاية جرأتهم على الله، وبغضهم الحق، مع علمهم أن الله هو الإله، وأنه قادر على إنزال العذاب، وله السلطان على إمطار الحجارة بقولهم: ﴿ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ، فلم يبالوا هلاك أنفسهم؛ لشدة سفههم، وجرأتهم على الله، وبغضهم الحق، وذكر هذا - والله أعلم - ليعلم الناس ما لحق رسول الله  بدعاء هؤلاء السفهاء إلى دين الله الذين لم يبالوا هلاك أنفسهم؛ لشدة بغضهم الحق، وجرأتهم على الله، وما يتحمل منهم من العظيم.

وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَأَنتَ فِيهِمْ ﴾ أي: في جملة المؤمنين أنه لا يعذب أحداً في الدنيا ما دام هو فيهم، وما دام مؤمن فيهم بقوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ ، أي: يؤمنون، وهو كما ذكر أنه أرسله رحمة بقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ ، ومن رحمته ألا يعذب أحداً من أمته في الدنيا، إنما يؤخر ذلك إلى يوم التناد بقوله: ﴿ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ...

 ﴾ وقوله: ﴿ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ  ﴾ .

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَأَنتَ فِيهِمْ ﴾ : في أهل مكة خاصة أنه لا يعذبهم ما دام هو فيهم، وما دام فيهم أحد من المسلمين؛ من نحو النساء والذراري؛ كقوله: ﴿ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ...

﴾ الآية [الفتح: 25]، أي: لا نعذبهم وأنت يا محمد فيهم، أي: بين أظهرهم حتى نخرجك من بينهم، ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ أي: يصلون.

وقيل: يؤمنون؛ وكذلك روي عن ابن عباس -  - ولكن يعذبهم تعذيب القتال والجهاد، ولا يعذبهم تعذيب استئصال على ما أهلك سائر الأمم.

ثم إن المعتزلة تعلقت بظاهر قوله -  -: ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ ، أي سيؤمنون؛ أي: لا يعذبهم ما دام يعلم أن فيهم أحداً يؤمن في آخر عمره، أو من قولهم ألا يجوز لله أن يهلك أحداً إذا كان في علمه أنه سيؤمن في آخر عمره؛ لقولهم في الأصلح: إن الله لا يفعل بخلقه إلا ما هو أصلح لهم في الدين؛ فعلى ذلك تأولوا ظاهر هذه الآية أنه لا يعذبهم وهم يستغفرون، أي: سيؤمنون.

لكن لو كان كما قالوا، لكان لا يجوز الجهاد معهم أبداً، ويسقط الأمر بالقتال؛ إذ لعل فيهم من يسلم، فإذا أمره بالجهاد والقتال معهم، دل أن ذلك ليس ما توهموا، والله أعلم.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ : أي: وهم يدخلون في الإسلام.

وقيل: يسلمون.

وقال بعضهم: ﴿ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ : بقية من بقي في مكة من المسلمين، فلما خرجوا منها قال: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ ...

﴾ الآية.

وروي عن أبي هريرة -  - قال: فيكم أمانان: أحدهما: رسول الله  ؛ لقول الله  : ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ﴾ .

والآخر: الاستغفار؛ لقول الله  : ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ .

قال: فذهب أمان، وهو رسول الله، وبقي أمان، وهو الاستغفار.

وعن ابن عباس -  ما - قال: إن الله جعل في هذه الأمة أمانين؛ لا يزالون معصومين من قوارع العذاب ما داما بين أظهرهم؛ فأمان قبضه الله إليه، وأمان بقي فيكم، وهو الاستغفار الذي ذكر.

وروي عن عبد الله بن عمر "أن رسول الله  كان ساجداً في آخر سجوده في صلاة الآيات، فقال: أف!

أف!، فقال: رب ألم تعدني ألا تعذبهم وأنا فيهم؟

رب ألم تعدني ألا تعذبهم وهم يستغفرون" وعن بعضهم: أمانان أنزلهما الله؛ أما أحدهما: فمضى، وهو نبي الله، وأمّا الآخر: فأبقاه الله -  - بين أظهركم، وهو الاستغفار والتوبة.

وفي إثبات قول السفهاء ودعائهم بإمطار الحجارة عليهم، وجعل ذلك كتاباً يتلى عليهم في الصلوات - أوجه ثلاثة من الحكمة: أحدها: تعريف لهذه الأمة المعاملة مع السفهاء عند ارتكاب المناكير من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أنهم إذا تمادوا في غيهم واستقبلوه بالمكروه والأذى ألا يترك الأمر لهم بالمعروف، ولا يؤيس من خيرهم اقتداء بالنبي أنه لم يترك دعاءهم، وأمرهم بالمعروف مع شدة سفههم وتمردهم.

والثاني: ليعلم الخلق أن حجة الله تلزم العباد وإن كانوا قد جهلوه، إذا كان التضييع جاء من قبلهم في ترك النظر والتفكر؛ إذ لو علموا حقيقة العلم أنه الحق، لم يكونوا ليدعوا على أنفسهم بالهلاك.

والثالث: يكون فيه بيان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ .

أي: ما لهم من عذر في صرف العذاب عن أنفسهم؛ إذ قد كان منهم من أنواع ما كان لو كان واحد من ذلك لكانوا يستوجبون العذاب؛ من تكذيبهم الرسول والآيات التي أرسلها إليهم، وصدهم الناس عن المسجد الحرام، وهو مكان العبادة، وسؤالهم بقولهم: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ، أي: ليس لهم عذر في صرف العذاب عن أنفسهم، والاحتجاج على الله أنه لم يرسل رسولاً بقولهم: ﴿ لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً...

﴾ الآية [طه: 134]؛ بل أرسل إليهم الرسول، فكذبوه، وبعث إليهم الآيات فكذبوها، وصدّوا الناس عن المسجد الحرام، فلا عذر لهم في وجه من الوجوه أن يصرف العذاب [عنهم]، إلا أن الله بفضله ورحمته يصرف العذاب عنهم ببركة النبي  واستغفار المؤمنين، وإلا قد كان منهم جميع أسباب العذاب التي يستوجبونه بها.

وقوله: ﴿ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ .

أي: عن الصلاة فيه.

ويحتمل أن يكونوا صدّوا الناس عن رسول الله، لكنه ذكر المسجد لما كان رسول الله فيه؛ لئلا يروا رسول الله فيتبعوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ ﴾ .

أي: لم يكونوا أولياء ليصرفوا العذاب عن أنفسهم بالولاية، وهو صلة قوله: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ ، وهم ليسوا بأوليائه.

ويحتمل قوله: ﴿ وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ ﴾ : أنهم كانوا يصدون الناس عن المسجد الحرام؛ لما ادعوا أنهم أولياؤه، وأنهم أولى بالمسجد الحرام [منهم]، أخبر أنهم ليسوا أولياءه، إنما أولياؤه المتقون الذين اتقوا ما أتوا هم، أو أولياؤه الموحدون، لا الذين أشركوا غيره في عبادته وألوهيته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً ﴾ .

قال بعضهم: [كان أحسن حالهم التي هم عليها هي حال الصلاة]، فإذا كان صلاتهم مكاء وتصدية فكيف حالهم في غير الصلاة؟!

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً ﴾ وذلك أن النبي -  - وأصحابه إذا صلوا في المسجد الحرام، قام طائفة من المشركين عن يمين النبي وأصحابه، فيصفرون كما يصفر المكاء، وطائفة تقوم عن يسارهم فيصفقون بأيديهم؛ ليخلطوا على النبي وأصحابه صلاتهم، فنزل قوله -  -: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً ﴾ .

ثم اختلف في المكاء والتصدية؛ قال بعضهم: المكاء: هو مثل نفخ البوق، والتصدية: هي طوافهم على الشمال.

وقال القتبي: المكاء: الصفير؛ يقال: مكا يمكو، وهو مثل ما قيل للطائر: مكاء؛ لأنه يمكو، أي: يصفر، يعني: يصوت، والتصدية: هي التصفيق؛ يقال: صدى: إذا صفق بيديه.

وقال أبو عوسجة: المكاء: شبه الصفير، والتصدية: ضرب باليدين، وهو من الصدى؛ من الصوت.

وقيل: المكاء: صفير كان أهل الجاهلية يلعبون به، والتصدية: الصدّ عن سبيل الله ودينه.

وقوله: ﴿ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: ذوقوا العذاب يوم بدر، وهو الهزيمة والقتل الذي كان عليهم يوم بدر.

ويحتمل قوله: ﴿ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ ﴾ : في الآخرة؛ بكفرهم في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأي شيء يمنع من عذابهم وقد ارتكبوا ما يوجب عذابهم من منعهم الناس عن المسجد الحرام أن يطوفوا به أو يُصلُّوا فيه؟

وما كان المشركون أولياء الله، فليس أولياءَ الله إلا المتقون الذين يتقونه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ولكن أكثر المشركين لا يعلمون حين ادعوا أنهم أولياؤه، وهم ليسوا بأوليائه.

<div class="verse-tafsir" id="91.V8ley"

مزيد من التفاسير لسورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر