الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٣٦ من سورة الأنفال
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 70 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٦ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال محمد بن إسحاق : حدثني الزهري ، ومحمد بن يحيى بن حبان ، وعاصم بن عمر بن قتادة ، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعيد بن معاذ ، قالوا : لما أصيبت قريش يوم بدر ، ورجع فلهم إلى مكة ، ورجع أبو سفيان بعيره ، مشى عبد الله بن أبي ربيعة ، وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية ، في رجال من قريش أصيب آباؤهم ، وأبناؤهم وإخوانهم ببدر ، فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة ، فقالوا : يا معشر قريش ، إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم ، فأعينونا بهذا المال على حربه ، لعلنا أن ندرك منه ثأرا بمن أصيب منا !
ففعلوا .
قال : ففيهم - كما ذكر عن ابن عباس - أنزل الله - عز وجل - : ( إن الذين كفروا ينفقون أموالهم [ ليصدوا عن سبيل الله ] ) إلى قوله : ( والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ) وهكذا روي عن مجاهد ، وسعيد بن جبير ، والحكم بن عتيبة ، وقتادة ، والسدي ، وابن أبزى : أنها نزلت في أبي سفيان ونفقته الأموال في أحد لقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وقال الضحاك : نزلت في أهل بدر .
وعلى كل تقدير ، فهي عامة .
وإن كان سبب نزولها خاصا ، فقد أخبر تعالى أن الكفار ينفقون أموالهم ليصدوا عن اتباع طريق الحق ، فسيفعلون ذلك ، ثم تذهب أموالهم ، ( ثم تكون عليهم حسرة ) أي : ندامة ؛ حيث لم تجد شيئا ؛ لأنهم أرادوا إطفاء نور الله وظهور كلمتهم على كلمة الحق ، والله متم نوره ولو كره الكافرون ، وناصر دينه ، ومعلن كلمته ، ومظهر دينه على كل دين .
فهذا الخزي لهم في الدنيا ، ولهم في الآخرة عذاب النار ، فمن عاش منهم ، رأى بعينه وسمع بأذنه ما يسوءه ، ومن قتل منهم أو مات ، فإلى الخزي الأبدي والعذاب السرمدي ؛ ولهذا قال : ( فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ) وقوله تعالى : ( ليميز الله الخبيث من الطيب ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( ليميز الله الخبيث من الطيب ) فيميز أهل السعادة من أهل الشقاء وقال السدي : يميز المؤمن من الكافر .
وهذا يحتمل أن يكون هذا التمييز في الآخرة ، كما قال تعالى : ( ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم ) [ يونس : 28 ] ، وقال تعالى ( ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون ) [ الروم : 14 ] ، وقال في الآية الأخرى : ( يومئذ يصدعون ) [ الروم : 43 ] ، وقال تعالى : ( وامتازوا اليوم أيها المجرمون ) [ يس : 59 ] .
ويحتمل أن يكون هذا التمييز في الدنيا ، بما يظهر من أعمالهم للمؤمنين ، وتكون " اللام " معللة لما جعل الله للكفار من مال ينفقون في الصد عن سبيل الله ، أي : إنما أقدرناهم على ذلك
القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذين كفروا بالله ورسوله ينفقون أموالهم, (24) فيعطونها أمثالهم من المشركين ليتقوَّوا بها على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به, ليصدّوا المؤمنين بالله ورسوله عن الإيمان بالله ورسوله, (25) فسينفقون أموالهم في ذلك، ثم تكون نفقتهم تلك عليهم= " حسرة "، يقول: تصير ندامة عليهم, (26) لأن أموالهم تذهب, ولا يظفرون بما يأملون ويطمعون فيه من إطفاء نور الله, وإعلاء كلمة الكفر على كلمة الله, لأن الله مُعْلي كلمته, وجاعل كلمة الكفر السفلى, ثم يغلبهم المؤمنون, ويحشر الله الذين كفروا به وبرسوله إلى جهنم, فيعذبون فيها، (27) فأعظم بها حسرة وندامة لمن عاش منهم ومن هلك!
أما الحيّ، فحُرِب ماله وذهبَ باطلا في غير دَرَك نفع، ورجع مغلوبًا مقهورًا محروبًا مسلوبًا.
(28) وأما الهالك، فقتل وسُلب، وعُجِّل به إلى نار الله يخلُد فيها, نعوذ بالله من غضبه.
وكان الذي تولَّى النفقةَ التي ذكرها الله في هذه الآية فيما ذُكر، أبا سفيان.
* ذكر من قال ذلك: 16056- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا يعقوب القمي, عن جعفر, عن سعيد بن جبير في قوله: " إن الذين كفروا ينفقون أموالهم " الآية، " والذين كفروا إلى جهنم يحشرون "، قال: نـزلت في أبي سفيان بن حرب.
استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش من بني كنانة, (29) فقاتل بهم النبيَّ صلى الله عليه وسلم , وهم الذين يقول فيهم كعب بن مالك: وَجِئْنَـا إلَـى مَـوْجٍ مِنَ البَحْرِ وَسْطَه أَحَــابِيشُ, مِنْهُــمْ حَاسِـرٌ وَمُقَنَّـعُ (30) ثَلاثَـــةُ آلافٍ, ونَحْــنُ نَصِيَّــةٌ ثَــلاثُ مِئِــينَ إن كَـثُرْنَ, فَـأرْبَعُ (31) 16057- حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل, عن يعقوب القمي, عن جعفر, عن ابن أبزى: " إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله "، قال: نـزلت في أبي سفيان, استأجر يوم أحد ألفين ليقاتل بهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، سوى من استجاش من العرب.
(32) 16058- ......قال، أخبرنا أبي عن خطاب بن عثمان العصفري, عن الحكم بن عتيبة: " إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله "، قال: نـزلت في أبي سفيان.
أنفق على المشركين يوم أحد أربعين أوقية من ذهب, وكانت الأوقية يومئذ اثنين وأربعين مثقالا.
(33) 16059 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: " إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله "، الآية ، قال: لما قدم أبو سفيان بالعير إلى مكة أشَّبَ الناس ودعاهم إلى القتال، (34) حتى غزا نبيَّ الله من العام المقبل.
وكانت بدر في رمضان يوم الجمعة صبيحة سابع عشرة من شهر رمضان.
وكانت أحد في شوال يوم السبت لإحدى عشرة خلت منه في العام الرابع.
16060 - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي قال: قال الله فيما كان المشركون، ومنهم أبو سفيان، يستأجرون الرجال يقاتلون محمدًا بهم: " إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله "، وهو محمد صلى الله عليه وسلم= " فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة " ، يقول: ندامة يوم القيامة وويلٌ (35) = " ثم يغلبون " .
16061 - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: " ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله " ، الآية حتى قوله: أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ، قال: في نفقة أبي سفيان على الكفار يوم أحد.
16062- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.
16063 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: حدثنا محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، (36) [وغيرهم من علمائنا، كلهم قد حدث بعض الحديث عن يوم أحد.
وقد اجتمع حديثهم كله فيما سقت من الحديث عن يوم أحد، قالوا: أو من قاله منهم: لما أصيب] يوم بدر من كفار قريش من أصحاب القليب ، (37) ورجع فَلُّهم إلى مكة, (38) ورجع أبو سفيان بعِيره, مشى عبد الله بن أبي ربيعة، (39) وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية، في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر, فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كان له في تلك العير من قريش تجارة, فقالوا: يا معشر قريش, إن محمدًا قد وَتَرَكم وقتل خيارَكم, (40) فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا أن ندرك منه ثأرًا بمن أصيب منا!
ففعلوا.
قال: ففيهم، كما ذكر عن ابن عباس، (41) أنـزل الله: " إن الذين كفروا ينفقون أموالهم " إلى قوله: " والذين كفروا إلى جهنم يحشرون " .
(42) 16064 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: " إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله "، إلى قوله: " يحشرون " ، يعني النفرَ الذين مشوا إلى أبي سفيان، وإلى من كان له مال من قريش في تلك التجارة, فسألوهم أن يُقَوُّوهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، (43) ففعلوا.
(44) 16065 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني سعيد بن أبي أيوب, عن عطاء بن دينار في قول الله: " إن الذين كفروا ينفقون أموالهم "، الآية, نـزلت في أبي سفيان بن حرب.
(45) * * * وقال بعضهم: عني بذلك المشركون من أهل بدر.
* ذكر من قال ذلك: 16066 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ قال: حدثنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: " إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله " الآية، قال: هم أهل بدر.
* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي ما قلنا, وهو أن يقال: إن الله أخبرَ عن الذين كفروا به من مشركي قريش، أنهم ينفقون أموالهم ليصدُّوا عن سبيل الله.
لم يخبرنا بأيّ أولئك عَنى, غير أنه عم بالخبر " الذين كفروا ".
وجائز أن يكون عَنَى المنفقين أموالهم لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأحد= وجائز أن يكون عنى المنفقين منهم ذلك ببدر= وجائز أن يكون عنى الفريقين.
وإذا كان ذلك كذلك, فالصواب في ذلك أن يعمّ كما عم جل ثناؤه الذين كفروا من قريش.
---------------------- الهوامش : (24) انظر تفسير " الإنفاق " فيما سلف من فهارس اللغة ( نفق ) .
(25) انظر تفسير " الصد " فيما سلف 12 : 559 تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(26) انظر تفسير " الحسرة " فيما سلف 3 : 295 7 : 335 11 : 325 .
(27) انظر تفسير " الحشر " فيما سلف ص : 472 تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(28) في المطبوعة : " محزونًا مسلوبًا " ، والسياق يتقضى ما أثبت .
" محروب " ، مسلوب المال .
(29) " الأحابيش " ، هم بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة ، وعضل ، والديش ، من بني الهون بن خزيمة ، والمطلق ، والحيا ، من خزاعة .
وسميت " الأحابش " ، لاجتماعها وانضمامها محالفة قريش ، في قتال بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة .
( انظر المحبر : 246 ، 267 ) و ( نسب قريش : 9 ) .
(30) سيرة ابن هشام 3 : 141 ، طبقات فحول الشعراء : 183 ، نسب قريش : 9 وغيرها.
ويعني بقوله : " فجئنا إلى موج " ، جيش الكفار يوم أحد ، يموج موجه .
وكان عدة المشركين بأحد ثلاثة آلاف .
و " الحاسر " ، الذي لا درع له ، ولا بيضة على رأسه .
و " المقنع " ، الدارع الذي ليس لبس سلاحه ، ووضع البيضة على رأسه .
(31) " نصية " ، أي : خيار أشراف ، أهل جلد وقتال .
يقال : " انتصى الشيء " ، اختار ناصيته ، أي أكرم ما فيه .
وكان في المطبوعة : " ونحن نظنه " ، وهو خطأ صرف ، وهي في المخطوطة ، كما كتبتها غير منقوطة .
وهكذا جاء الرواية في المخطوطة : " إن كثرن فأربع " ، كأنه يعني أنهم كانوا ثلاثمئة ، فإن كثروا فأربعمئة .
وهو لا يصح ، لأن عدة المسلمين يوم أحد كانت سبعمئة .
فصواب الرواية ما أنشده ابن إسحاق وابن سلام .
" إنْ كَثُرْنَا وَأَرْبَعُ " (32) " استجاش " ، طلب منه الجيش وجمعه على عدوه .
(33) الأثر : 16058 - " خطاب بن عثمان العصفري " ، لم أجد له ترجمة في غير ابن أبي حاتم 1 2 286 ، وقال : " خطاب العصفري " روى عن الشعبي ، روى عنه وكيع ، ومحمد بن ربيعة ، وأبو نعيم .
سمعت أبي يقول ذلك .
وسألته عنه فقال : " شيخ " .
ولم يذكر أن اسم أبيه " عثمان " .
(34) في المطبوعة : " أنشد الناس " ، وهو لا معنى له .
وفي المخطوطة : " أنسب " ، غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت .
و " التأشيب " ، التحريش بين القوم ، و " التأشيب " ، التجميع ، يقال : " تأشب به أصحابه " ، أي : اجتمعوا إليه وطافوا به .
أراد أنه جمعهم وحرضهم على القتال .
(35) في المطبوعة : " وويلا " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب أيضًا .
(36) في المطبوعة والمخطوطة : " الحصين بن عبد الرحمن وعمرو بن سعد بن معاذ " ، وهو خطأ ، فقد مضى مرارًا مثله .
وصوابه من سيرة ابن هشام .
(37) هذه الزيادة بين القوسين من سيرة ابن هشام ، وإنما فعلت ذلك ، لأن المطبوعة خالفت المخطوطة لخطأ فيها ، فكتب في لمطبوعة : " قالوا : أما أصابت المسلمين يوم بدر ...
" ، وكان في المخطوطة : " قالوا : لما أصيبت قريش ، أو من قاله منهم ، يوم بدر " ، وهو غير مستقيم ، فرجح قوله : " أو من قال منهم " ، أن الناسخ قد عجل في نقل بقية الإسناد ، وخلط الكلام فاضطرب .
فلذلك أثبته بنصه من السيرة .
(38) " الفل " ( بفتح الفاء ) : المنهزمون ، الراجعون من جيش قد هزم .
(39) في المطبوعة : " عبد الله بن ربيعة " ، خطأ محض .
(40) " وتر القوم " ، أدرك فيهم مكروهًا بقتل أو غيره .
و " الموتور " الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه .
(41) الذي في سيرة ابن هشام : " قال ابن إسحاق ، ففيهم ، كما ذكر لي بعض أهل العلم " ، ولم يسند الكلام إلى ابن عباس .
(42) الأثر : 16063 - سيرة ابن هشام 3 : 64 .
(43) في المطبوعة : " أن يعينوهم "، وفي سيرة ابن هشام : " يقووهم بها " ، بزيادة .
(44) الأثر : 16064 سيرة ابن هشام 2 : 327 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16053 .
(45) الأثر : 16065 - " سعيد بن أبي أيوب مقلاص المصري " ، مضى مرارًا آخرها رقم : 13178 .
وكان في المخطوطة : " سعيد بن أيوب " ، وصححه ناشر المطبوعة .
و " عطاء بن دينار الهذلي المصري " ، مضى أيضًا برقم : 160 ، 13178 ، بمثل هذا الإسناد .
لا يوجد تفسير لهذه الأية
يقول تعالى مبينا لعداوة المشركين وكيدهم ومكرهم، ومبارزتهم للّه ولرسوله، وسعيهم في إطفاء نوره وإخماد كلمته، وأن وبال مكرهم سيعود عليهم، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} أي: ليبطلوا الحق وينصروا الباطل، ويبطل توحيد الرحمن، ويقوم دين عبادة الأوثان. {َسَيُنْفِقُونَهَا} أي: فسيصدرون هذه النفقة، وتخف عليهم لتمسكهم بالباطل، وشدة بغضهم للحق، ولكنها ستكون عليهم حسرة، أي: ندامة وخزيا وذلا ويغلبون فتذهب أموالهم وما أملوا، ويعذبون في الآخرة أشد العذاب. ولهذا قال: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} أي: يجمعون إليها، ليذوقوا عذابها، وذلك لأنها دار الخبث والخبثاء
قوله تعالى : ( إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ) أي : ليصرفوا عن دين الله .
قال الكلبي ومقاتل : نزلت في المطعمين يوم بدر وكانوا اثنى عشر رجلا أبو جهل بن هشام ، وعتبة ، وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج ، وأبو البختري بن هشام ، والنضر بن الحارث ، وحكيم بن حزام ، وأبي بن خلف ، وزمعة بن الأسود ، والحارث بن عامر بن نوفل والعباس بن عبد المطلب ، وكلهم من قريش ، كان يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزر .
وقال الحكم بن عيينة : نزلت في أبي سفيان أنفق على المشركين يوم أحد أربعين أوقية .
قال الله تعالى : ( فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ) يريد : ما أنفقوا في الدنيا يصير حسرة عليهم في الآخرة ، ( ثم يغلبون ) ولا يظفرون ، ( والذين كفروا ) منهم ، ( إلى جهنم يحشرون ) خص الكفار لأن منهم من أسلم .
«إن الذين كفروا ينفقون أموالهم» في حرب النبي صلى الله عليه وسلم «ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون» في عاقبة الأمر «عليهم حسرة» ندامة لفواتها وفوات ما قصدوه «ثم يغلبون» في الدنيا «والذين كفروا» منهم «إلى جهنم» في الآخرة «يحشرون» يساقون.
إن الذين جحدوا وحدانية الله وعصوا رسوله ينفقون أموالهم فيعطونها أمثالهم من المشركين وأهل الضلال، ليصدوا عن سبيل الله ويمنعوا المؤمنين عن الإيمان بالله ورسوله، فينفقون أموالهم في ذلك، ثم تكون عاقبة نفقتهم تلك ندامة وحسرة عليهم؛ لأن أموالهم تذهب، ولا يظفرون بما يأمُلون مِن إطفاء نور الله والصد عن سبيله، ثم يهزمهم المؤمنون آخر الأمر.
والذين كفروا إلى جهنم يحشرون فيعذبون فيها.
ثم حكى - سبحانه - ما كانوا يفعلونه من إنفاق أموالهم لا فى الخير ولكن فى الشرور والآثام وتوعدهم على ذلك بسوء المصير فقال - تعالى - : ( إِنَّ الذين كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ الله فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ والذين كفروا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ..
) .روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما ذكره محمد بن إسحاق عن الزهرى وغيره قالوا : لما أصيبت قريش يوم بدر ، ورجع فلُّهم - أى جيشهم المهزوم - إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره ، مشى عبد الله بن ربيعة وعكرمة بن أبى جهل ، وصفوان بن أمية فى رجال من قريش أصيب آباؤهم وأنباؤهم وإخوانهم فى بدر ، فكلموا أبا سفيان بن حرب ، ومن كانت له فى تلك العير من قريش تجارة ، فقالوا : يا معشر قريش إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم ، فأعينونا بها المال على حربه ، لعلنا أن ندرك منه ثأراً بمن أصيب منا .
ففلعوا .
قال : ففيهم - كما ذكر عن ابن عباس - أنزل الله - تعالى - ( إِنَّ الذين كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ الله .
.
) الآية .وروى ابن جرير عن سعيد بن جبرير قال : نزلت فى أبى سفيان بن حرب ، استأجر يوم غزوة أحد ألفين من الأحابيش من بنى كنانة ، فقاتل بهم النبى - صلى الله عليه وسلم - :وروى عن الكلبى والضحاك ومقاتل أنها نزلت فى المطعمين يوم بدر ، وكانوا اثنى عشر رجلا من قريش .
.
.
كان كل واحد منهم يطعم الناس كل يوم عشر جزر .قال ابن كثير : وعلى كل تقدير فهى عامة وإن كان سبب نزولها خاصا .أى : أن الآية الكريمة تتناول بوعديها كل من يبذل أمواله فى الصد عن سبيل الله ، وفى تأييد الباطل ومعارضة الحق .المعنى : أن الذين كفروا بالحق لما جاءهم ( يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ) لافى جوه الخير ، وإنما ينفقونها ( لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ الله ) أى : ينفقونها ليمنعوا الناس عن الدخول فى الدين الذى يوصلهم إلى رضا الله وغلى طريقه القويم .واللام فى قوله : ( لِيَصُدُّواْ ) لام الصيرورة ، ويصح أن تكون للتعليل؛ لأن غرضهم منع الناس عن الدخول فى دين الله الذى جاء به النبى - صلى الله عليه وسلم - ، والذى يرونه ديناً مخالفاً لما كان عليه الآباء والأجداد فيجب محاربته فى زعمهم .وقوله : ( فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ .
.
.
) بيان لما سيؤول إليه أمرهم فى الدنيا من الخيبة والهزيمة والندامة .أى : فيسنفقون هذه الأموال فى الشرور والعدوان ، ثم تكون عاقبة ذلك حسرة وندامة عليهم ، لأنهم لم يصلوا - ولن يصلوا - من وراء إنفاقها إلى ما يبغون ويؤملون .
وفضلا عن كل هذا فستكون نهايتهم الهزيمة والإِذلال فى الدنيا ، لأن سنة الله قد اقتضت أن يجعل النصر فى النهاية لأتباع الحق لالأتباع الباطل .وقوله : ( فَسَيُنفِقُونَهَا ) خبر إن فى قوله ( إِنَّ الذين كَفَرُواْ .
.
) واقترن الخبر بالفاء لتضمن المبتدأ الموصول مع صلته معنى الشرط ، فصار الخبر بمنزلة الجزاء بحسب المعنى .وفى تكرير الإِنفاق فى شبه الشرط والجزاء ، إشعار بكمال سوء إنفاقهم ، حيث إنهم لم ينفقوا أموالهم فى خير أو ما يشبه الخير ، وإنما أنفقوها فى الشرور المحضة .وجاء العطف بحرف ( ثُمَّ ) للدلالة على البون الشاسع بين ما قصدوه من نفقتهم وبين ما آل ويئول إليه أمرهم .
فهم قد قصوا بنفقتهم الوقوف فى وجه الحق والانتصار على المؤمنين .
.
ولكن هذا القصد ذهب أدراج الرياح ، فقد ذهبت أموالهم سدى ، وغلبوا المرة بعد المرة ، وعاد المؤمنون إلى مكة فاتحين ظافرين بعد أن خرجوا منها مهاجرين .وقوله : ( والذين كفروا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ) بيان لسوء مصيرهم فى الآخرة ، بعد بيان حسرتهم وهزيمتهم فى الدنيا .أى : أن هؤلاء الكافرين ستكون عاقبة إنفاقهم لأموالهم الحسرة والهزيمة فى الدنيا ، أما فى الآخرة فسيكون مصيرهم الحشر والسوق إلى نار جهنم لا إلى غيرها .
اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال هؤلاء الكفار في الطاعات البدنية، أتبعها بشرح أحوالهم في الطاعات المالية.
قال مقاتل والكلبي: نزلت في المطعمين يوم بدر، وكانوا اثني عشر رجلاً من كبار قريش.
وقال سعيد بن جبير ومجاهد: نزلت في أبي سفيان وإنفاقه المال على حرب محمد يوم أحد، وكان قد استأجر ألفين من الأحابيش سوى من استجاش من العرب، وأنفق عليهم أربعين أوقية والأوقية اثنان وأربعون مثقالاً، هكذا قاله صاحب الكشاف.
ثم بين تعالى أنهم إنما ينفقون هذا المال ليصدوا عن سبيل الله، أي كان غرضهم في الإنفاق الصد عن اتباع محمد وهو سبيل الله، وإن لم يكن عندهم كذلك.
ثم قال: ﴿ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ﴾ يعني: أنه سيقع هذا الإنفاق ويكون عاقبته الحسرة، لأنه يذهب المال ولا يحصل المقصود، بل يصيرون مغلوبين في آخر الأمر كما قال تعالى: ﴿ كَتَبَ الله لاَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى ﴾ وقوله: ﴿ والذين كَفَرُواْ إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: أنه لم يقل: وإلى جهنم يحشرون، لأنه كان فيهم من أسلم، بل ذكر أن الذين بقوا على الكفر يكونون كذلك.
البحث الثاني: أن ظاهر قوله: ﴿ إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴾ يفيد أنه لا يكون حشرهم إلا إلى جهنم، لأن تقديم الخبر يفيد الحصر.
واعلم أن المقصود من هذا الكلام أنهم لا يستفيدون من بذلهم أموالهم في تلك الانفاقات إلا الحسرة والخيبة في الدنيا، والعذاب الشديد في الآخرة، وذلك يوجب الزجر العظيم عن ذلك الإنفاق، ثم قال: ﴿ لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب ﴾ وفيه قولان: القول الأول: ليميز الله الفريق الخبيث من الكفار من الفريق الطيب من المؤمنين فيجعل الفريق الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً وهو عبارة عن الجمع والضم حتى يتراكموا كقوله تعالى: ﴿ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدا ﴾ يعني لفرط ازدحامهم فقوله: ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى الفريق الخبيث.
والقول الثاني: المراد بالخبيث نفقة الكافر على عداوة محمد، وبالطيب نفقة المؤمن في جهاد الكفار، كإنفاق أبي بكر وعثمان في نصرة الرسول عليه الصلاة والسلام فيضم تعالى تلك الأمور الخبيثة بعضها إلى بعض فيلقيها في جهنم ويعذبهم بها كقوله تعالى: ﴿ فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ﴾ واللام في قوله: ﴿ لِيَمِيزَ الله الخبيث ﴾ على القول الأول متعلق بقوله: ﴿ يُحْشَرُونَ ﴾ والمعنى أنهم يحشرون ليميز الله الفريق الخبيث من الفريق الطيب، وعلى القول الثاني متعلق بقوله: ﴿ ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ﴾ ثم قال: ﴿ أولئك هُمُ الخاسرون ﴾ وهو إشارة إلى الذين كفروا.
<div class="verse-tafsir"
قيل: نزلت في المطعمين يوم بدر، كان يطعم كل واحد منهم كلّ يوم عشر جزائر.
وقيل: قالوا لكل من كان له تجارة في العير: أعينوا بهذا المال على حرب محمد، لعلنا ندرك منه ثأرنا بما أصيب منا ببدر.
وقيل: نزلت في أبي سفيان وقد استأجر ليوم أحد ألفين من الأحابيش سوى من استجاش من العرب، وأنفق عليهم أربعين أوقية.
والأوقية اثنان وأربعون مثقالاً ﴿ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ الله ﴾ أي كان غرضهم في الإنفاق الصدّ عن اتباع محمد وهو سبيل الله، وإن لم يكن عندهم كذلك ﴿ ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ﴾ أي تكون عاقبة إنفاقها ندماً وحسرة، فكأن ذاتها تصير ندما وتنقلب حسرة ﴿ ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾ آخر الأمر وإن كانت الحرب بينهم وبين المؤمنين سجالا قبل ذلك فيرجعون طلقاء ﴿ كَتَبَ الله لاَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى ﴾ [المجادلة: 21] .
﴿ والذين كَفَرُواْ ﴾ والكافرون منهم ﴿ إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴾ لأنّ منهم من أسلم وحسن إسلامه ﴿ لِيَمِيزَ الله الخبيث ﴾ الفريق الخبيث من الكفار ﴿ مِنَ ﴾ الفريق ﴿ الطيب ﴾ من المؤمنين، فيجعل الفريق ﴿ الخبيث بَعْضَهُ على بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً ﴾ عبارة عن الجمع والضم، حتى يتراكبوا، كقوله تعالى: ﴿ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾ يعني لفرط ازدحامهم ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى الفريق الخبيث، وقيل: ليميز المال الخبيث الذي أنفقه المشركون في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من المال الطيب الذي أنفقه المسلمون كأبي بكر وعثمان في نصرته ﴿ فَيَرْكُمَهُ ﴾ فيجعله في جهنم في جملة ما يعذّبون به، كقوله: ﴿ فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ ﴾ الآية [التوبة: 35] ، واللام على هذا متعلقة بقوله: ﴿ ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ﴾ وعلى الأوّل يحشرون، وأولئك: إشارة إلى الذين كفروا.
وقرئ: ليميز على التخفيف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ نَزَلَتْ في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ يُطْعِمُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم كُلَّ يَوْمٍ عَشْرَ جُزُرٍ، أوْ في أبِي سُفْيانَ اسْتَأْجَرَ لِيَوْمِ أُحُدٍ ألِفَيْنِ مِنَ العَرَبِ سِوى مَنِ اسْتَجاشَ مِنَ العَرَبِ، وأنْفَقَ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً.
أوْ في أصْحابِ العِيرِ فَإنَّهُ لَمّا أُصِيبَ قُرَيْشٌ بِبَدْرٍ قِيلَ لَهم أعِينُوا بِهَذا المالِ عَلى حَرْبِ مُحَمَّدٍ لَعَلَّنا نُدْرِكُ مِنهُ ثَأْرَنا فَفَعَلُوا، والمُرادُ بِـ ﴿ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ دِينُهُ واتِّباعُ رَسُولِهِ.
﴿ فَسَيُنْفِقُونَها ﴾ بِتَمامِها ولَعَلَّ الأوَّلَ إخْبارٌ عَنْ إنْفاقِهِمْ في تِلْكَ الحالِ وهو إنْفاقُ بَدْرٍ، والثّانِي إخْبارٌ عَنْ إنْفاقِهِمْ فِيما يُسْتَقْبَلُ وهو إنْفاقُ أُحُدٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِما واحِدٌ عَلى أنَّ مَساقَ الأوَّلِ لِبَيانِ غَرَضِ الإنْفاقِ ومَساقَ الثّانِي لِبَيانِ عاقِبَتِهِ وإنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ.
﴿ ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ﴾ نَدَمًا وغَمًّا لِفَواتِها مِن غَيْرِ مَقْصُودٍ جَعَلَ ذاتَها تَصِيرُ حَسْرَةً وهي عاقِبَةُ إنْفاقِها مُبالَغَةً.
﴿ ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾ آخِرَ الأمْرِ وإنْ كانَ الحَرْبُ بَيْنَهم سِجالًا قَبْلَ ذَلِكَ.
﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيِ الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلى الكُفْرِ مِنهم إذا أسْلَمَ بَعْضُهم.
﴿ إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴾ يُساقُونَ.
<div class="verse-tafsir"
{إِنَّ الذين كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أموالهم لِيَصُدُّواْ عَن سبيل الله} أى كاك غغرضهم فى الانفاق الصد عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وهو سبيل الله {فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً} ثم تكون عاقبة إنفاقها ندماً وحسرة فكأن ذاتها تصير ندماً وتنقلب حسرة {ثُمَّ يُغْلَبُونَ} آخر الأمر وهو من دلائل النبوة لأنه أخبر عنه قبل وقوعه فكان كما أخبر {والذين كَفَرُواْ} والكافرون منهم {إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} لأن منهم من أسلم وحسن إسلامه
﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ نَزَلَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ والضَّحّاكِ، ومُقاتِلٍ في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا: أبُو جَهْلٍ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ ونَبِيهٌ ومُنَبِّهٌ ابْنا الحَجّاجِ وأبُو البُخْتُرِيِّ بْنُ هِشامٍ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ، وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وزَمَعَةُ بْنُ الأسْوَدِ، والحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، والعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وكُلُّهم مِن قُرَيْشٍ، وكانَ كُلَّ يَوْمٍ يُطْعِمُ كُلُّ واحِدٍ عَشْرَ جُزُرٍ، وكانَتِ النَّوْبَةُ يَوْمَ الهَزِيمَةِ لِلْعَبّاسِ، ورَوى ابْنُ إسْحاقَ أنَّها نَزَلَتْ في أصْحابِ العِيرِ.
وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أُصِيبَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَ بَدْرٍ ورَجَعُوا إلى مَكَّةَ مَشى صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ وعِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ في رِجالٍ مِن قُرَيْشٍ أُصِيبَ آباؤُهم وإخْوانُهم بِبَدْرٍ فَكَلَّمُوا أبا سُفْيانَ ومَن كانَتْ لَهُ في تِلْكَ العِيرِ مِن قُرَيْشٍ تِجارَةٌ، فَقالُوا: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وتَرَكم وقَتَلَ رِجالَكم فَأعِينُونا بِهَذا المالِ عَلى حَرْبِهِ لَعَلَّنا أنْ نُدْرِكَ مِنهُ ثَأْرَنا بِمَن أُصِيبَ مِنّا، فَفَعَلُوا،وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ اسْتَأْجَرَ لِيَوْمِ أُحُدٍ ألْفَيْنِ مِن أحَدِ الأحابِيشِ لِيُقاتِلَ بِهِمُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سِوى مِنَ اسْتَجاشَهم مِنَ العَرَبِ وأنْفَقَ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِنَ الذَّهَبِ وكانَتِ الأُوقِيَّةُ يَوْمَئِذٍ اثْنَيْنِ وأرْبَعِينَ مِثْقالًا مِنَ الذَّهَبِ، وفِيهِمْ يَقُولُ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ مِن قَصِيدَةٍ طَوِيلَةٍ أجابَ بِها هُبَيْرَةَ بْنَ أبِي وهْبٍ: فَجِئْنا إلى مَوْجٍ مِنَ البَحْرِ وسْطَهم أحابِيشُ مِنهم حاسِرٌ ومُقَنَّعُ ثَلاثَةُ آلافٍ ونَحْنُ عِصابَةٌ ∗∗∗ ثَلاثُ مِئِينَ إنْ كَثُرْنا فَأرْبَعُ وسَبِيلُ اللَّهِ طَرِيقُهُ، والمُرادُ بِهِ دِينُهُ واتِّباعُ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، واللّامُ في (لِيَصُدُّوا) لامُ الصَّيْرُورَةِ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ لِأنَّ غَرَضَهُمُ الصَّدُّ عَنِ السَّبِيلِ بِحَسْبِ الواقِعِ وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ في اعْتِقادِهِمْ، وكَأنَّ هَذا بَيانٌ لِعِبادَتِهِمُ المالِيَّةِ بَعْدَ عِبادَتِهِمُ البَدَنِيَّةِ، والمَوْصُولُ اسْمُ إنَّ، وخَبَرُها عَلى ما قالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَسَيُنْفِقُونَها ﴾ ويُنْفِقُونَ إمّا حالٌ أوْ بَدَلٌ مِن كَفَرُوا أوْ عَطْفُ بَيانٍ، واقْتَرَنَ الخَبَرُ بِالفاءِ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ المَوْصُولِ مَعَ صِلَتِهِ مَعْنى الشَّرْطِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ﴾ فَهو جَزاءٌ بِحَسْبِ المَعْنى، وفي تَكْرِيرِ الإنْفاقِ في الشَّرْطِ والجَزاءِ الدَّلالَةُ عَلى كَمالِ سُوءِ الإنْفاقِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ ﴾ وقَوْلِهِمْ: مَن أدْرَكَ الصَّمّانَ فَقَدْ أدْرَكَ المَرْعى، والكَلامُ مُشْعِرٌ بِالتَّوْبِيخِ عَلى الإنْفاقِ والإنْكارِ عَلَيْهِ، قِيلَ: وإلى هَذا يَرْجِعُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ مَساقَ ما تَقَدَّمَ لِبَيانِ غَرَضِ الإنْفاقِ ومَساقَ هَذا لِبَيانِ عاقِبَتِهِ وأنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ التَّكْرارِ المَحْظُورِ، وقِيلَ في دَفْعِهِ أيْضًا: المُرادُ مِنَ الأوَّلِ الإنْفاقُ في بَدْرٍ.
(ويُنْفِقُونَ) لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ وهو خَبَرُ أنَّ، ومِنَ الثّانِي الإنْفاقُ في أُحُدٍ، والِاسْتِقْبالُ عَلى حالِهِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الخَبَرِ لَكِنْ لَمّا كانَ إنْفاقُ الطّائِفَةِ الأُولى سَبَبًا لِإنْفاقِ الثّانِيَةِ أتى بِالفاءِ لِابْتِنائِهِ عَلَيْهِ، وذَهَبَ القُطْبُ إلى هَذا الإعْرابِ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ دَفْعِ التَّكْرارِ بِاخْتِلافِ الغَرَضَيْنِ، وذُكِرَ أنَّ الحاصِلَ أنا لَوْ حَمَلْنا (يُنْفِقُونَ) عَلى الحالِ فَلا بُدَّ مِن تَغايُرِ الإنْفاقَيْنِ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الِاسْتِقْبالِ اتَّحَدا، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُرِيدُونَ أنْ يُنْفِقُوا أمْوالَهم فَسَيُنْفِقُونَها، وحَمْلُ المُنْفَقِ في الأوَّلِ عَلى البَعْضِ وفي الثّانِي عَلى الكُلِّ لا أراهُ إلّا كَما تَرى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ﴾ عُطِفَ عَلى ما قَبْلَهُ، والتَّراخِي زَمانِيٌّ، والحَسْرَةُ النَّدَمُ والتَّأسُّفُ، وفِعْلُهُ حَسِرَ كَفَرِحَ أيْ: ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ نَدَمًا وتَأسُّفًا لِفَواتِها مِن غَيْرِ حُصُولِ المَطْلُوبِ، وهَذا في بَدْرٍ ظاهِرٌ.
وأمّا في أُحُدٍ فَلِأنَّ المَقْصُودَ لَهم لَمْ يُنْتِجْ بَعْدَ ذَلِكَ فَكانَ كالفائِتِ، وضَمِيرُ تَكُونُ لِلْأمْوالِ عَلى مَعْنى: تَكُونُ عاقِبَتُها عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافَيْنِ أوِ ارْتِكابِ تَجَوُّزٍ في الإسْنادِ.
وقالَ العَلّامَةُ الثّانِي: إنَّهُ مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ في المُرَكَّبِ حَيْثُ شَبَّهَ كَوْنَ عاقِبَةِ إنْفاقِهِمْ حَسْرَةً بِكَوْنِ ذاتِ الأمْوالِ كَذَلِكَ، وأطْلَقَ المُشَبَّهَ بِهِ عَلى المُشَبَّهِ وفِيهِ خَفاءٌ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ إطْلاقَ الحَسْرَةِ بِطَرِيقِ التَّجَوُّزِ عَلى الإنْفاقِ مُبالَغَةٌ فافْهَمْ.
﴿ ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾ أيْ: في مَواطِنَ أُخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ.
﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيِ الَّذِينَ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ مِن هَؤُلاءِ ولَمْ يُسْلِمُوا.
﴿ إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴾ أيْ: يُساقُونَ لا إلى غَيْرِها.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ على عداوة رسول الله لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني: ليصرفوا الناس عن دين الله وطاعته.
قال ابن عباس: «نزلت الآية في المطعمين يوم بدر، وهم الذين كانوا يطعمون أهل بدر حين خرجوا في طريقهم» .
قال الله تعالى: فَسَيُنْفِقُونَها.
وكانوا ثلاثة عشر رجلاً أطعموا الناس الطعام، فكان على كل رجل منهم يوماً، منهم: أبو جهل، وأخوه الحارث، ابنا هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، وأبي بن خلف وغيرهم.
يقول الله تبارك وتعالى: فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، يعني: تكون نفقاتهم عليهم حسرة وندامة، لأنها تكون لهم زيادة العذاب، فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وظهورهم.
وقال مجاهد: هو نفقة أبي سفيان على الكفار يوم أحد.
وقال الحكم: أنفق أبو سفيان على المشركين يوم أحد أربعين أوقية ذهباً.
ثُمَّ يُغْلَبُونَ، يعني: يهزمون ولا تنفعهم نفقتهم شيئاً.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ، يعني: القتل والهزيمة لم تكن كفارة لذنوبهم، فيحشرون في الآخرة إلى جهنم.
ثم قال الله تعالى: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، يعني: الْخَبِيثَ من العمل والطَّيِّبِ من العمل، وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً يعني يجمعه وهذا قول الكلبي، وقال مقاتل: ليميز الله الكافرين من المؤمنين، ويجعل في الآخرة الخبيثة أنفسهم ونفقاتهم وأنفسهم، فيركم بعضه على بعض جميعا، فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ويقال: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ بين نفقة المؤمنين ونفقة المشركين، فيقبل نفقة المؤمنين ويثيبهم على ذلك، ويجعل نفقة الكفار وبالاً عليهم، ويجعل ذلك سبباً لعقوبتهم، فتكوى بها جباههم.
وقال القتبي: فَيَرْكُمَهُ أي: يجعله ركاماً بعضه على بعض.
ثم قال: أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ، يعني: المغبونين في العقوبة.
قرأ حمزة والكسائي لِيَمِيزَ اللَّهُ بضم الياء مع التشديد، والباقون لِيَمِيزَ بالنصب مع التخفيف، ومعناهما واحد: مَازَ يُميِزُ وَمَيَّزَ يُمَيِّزُ.
قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا، يعني أبا سفيان وأصحابه، وما كان في مثل حالهم إلى يوم القيامة: إِنْ يَنْتَهُوا أي: عن الشرك وعن قتال محمد، وعن المؤمنين، يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ يعني: يتجاوز عنهم ما سلف من ذنوبهم وشركهم.
وَإِنْ يَعُودُوا إلى قتال محمد وأصحابه، فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ بنصرة أوليائه وقهر أعدائه.
ويقال: يعني، القتل يحذرهم بالعقوبة لكيلا يعودوا فيصيبهم مثل ما أصابهم وقال الكلبي: فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ أن ينصر الله أنبيائه ومن آمن معهم، كقوله: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا [غافر: 51] .
<div class="verse-tafsir"
وقال ابْنُ أَبْزَى «١» : نَزَلَ قوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ، وَأَنْتَ فِيهِمْ بمكَّة إِثر قولهم: أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ، ونزل قوله: وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، عند خروج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من مكَّة في طريقه إِلى المدينة، وقد بقي بمكَّة مؤمنون يستغفرون، ونَزَلَ قوله: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ...
إلى آخر الآية، بعد بَدْر عند ظهور العَذَاب عليهم.
ت: وهذا التأويل بَيِّن، وعليه اعتمد عِيَاضٌ في «الشِّفَا» قال: وفي الآية تأويلٌ آخر، ثم ذكَرَ حديث التِّرْمِذيِّ، عن أبي موسَى الأشعريِّ، قال: قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أَنْزَلَ اللَّهُ تعالى عَلَيَّ أَمَانَيْنِ لأُمَّتي: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، فَإِذَا مَضَيْتُ، تَرَكْتُ فِيهِمْ الاستغفار» .
انتهى.
قال ع «٢» : وأجمعَ المتأوِّلون عَلى أن معنى قوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ أن اللَّه عزَّ وجلَّ لم يعذِّب قطُّ أُمةً ونبيُّها بَيْنَ أظهرها، أي: فما كان اللَّه ليعذِّب هذه الأمة، وأنْتَ فيهم، بل كرامَتُكَ لديه أعظَمُ.
وقوله عز وجل: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ تُوعُّد بعذاب الدنيا، والضمير في قوله:
أَوْلِياءَهُ: عائدٌ على اللَّه سبحانه، أو على المسجدِ الحرامِ، كلُّ ذلك جيِّد، ورُوِيَ الأخير عن الحسن «٣» .
وقال الطبريُّ «٤» : عن الحسنِ بْنِ أَبي الحسنِ أن قوله سبحانه: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ناسخ لقوله: وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ.
قال ع «٥» : وفيه نظر لأنه خبر لا يدخله نسخ.
وقوله سبحانه: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ/ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً المُكَاء: الصَّفير قاله ابن عباس «١» والجمهورُ، والتصدية: عبَّر عنها أكْثَرُ النَّاس بأنها التصفيقُ، وذهب أكثر المفسِّرين إِلى أَن المُكَاء والتَّصْدية إِنَّما أحدثهما الكُفَّار عند مبعث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لِتَقْطَعَ عليه وعلى المؤمنين قراءَتَهم وصلاتَهم، وتخلطَ عليهم، فلما نفى اللَّه تعالى وِلاَيتهم للبَيْت، أمْكَنَ أن يعترض منهم معترضٌ بأنْ يقول: وكيف لا نَكُونُ أولياءه، ونحن نَسْكُنُهُ، ونصلِّي عنده فقطع سبحانه هذا الاعتراض بأنْ قال: وما كان صلاتهم عند البيت إِلا المكاءً والتَّصْدية.
قال ع «٢» : والذي مَرَّ بي من أمر العرب في غير ما دِيوَان أنَّ المكاء والتصدية كانا مِنْ فعل العرب قديماً قبل الإِسلام علَى جهة التقرُّب به والتشرُّع وعلَى هذا يستقيم تغييرُهُم وتنقُّصهم بأَن شرعهم وصلاتهم لم تَكُنْ رهبةً ولا رغبةً، وإِنما كانَتْ مكاءً وتصديةً من نوع اللعب، ولكنَّهم كانوا يتزيّدون فيهما وقت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ليشغلوه هو وأمته عن القراءة والصَّلاة.
وقوله سبحانه: فَذُوقُوا الْعَذابَ ...
الاية: إِشارةٌ إِلى عذابهم ببَدْرٍ بالسيف قاله الحسن وغيره «٣» فيلزم أن هذه الآية الآخِرَةَ نزلَتْ بعد بَدْرٍ، ولا بدَّ.
قال ع «٤» : والأشبه أنَّ الكلَّ نزل بعد بَدْرٍ حكايةً عما مضَى.
وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ...
الآية:
لما قُتِلَ من قُتِلَ ببدر، اجتمع أبناؤهم وقراباتهم، فقالوا لِمَنْ خَلُصَ ماله في العِيرِ: إِن محمَّداً قد نال منَّا ما تَرَوْنَ، ولكنْ أعينونا بهذا المال الذي كان سَبَبَ الوَقعَةِ، فلعلَّنا أنْ ننال منه ثأراً، يريدون نفقته في غَزْوَةَ أَحُدٍ.
وقوله سبحانه: فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ، الحسرة: التلهّف
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في المُطْعِمِينَ بِبَدْرٍ، وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا يُطْعِمُونَ النّاسَ الطَّعامَ، كُلُّ رَجُلٍ يُطْعِمُ يَوْمًا، وهُمْ: عُتْبَةُ، وشَيْبَةُ، ومُنَبِّهٌ ونَبِيَّةُ ابْنا الحَجّاجِ، وأبُو البُخْتُرِيِّ، والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، وأبُو جَهْلٍ، وأخُوهُ الحارِثُ، وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ، وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وزَمْعَةُ بْنُ الأُسُودِ، والحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، هَذا قَوْلُ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، اسْتَأْجَرَ يَوْمَ أُحُدٍ ألْفَيْنِ مِنَ الأحابِيشِ لَقِتالِ رَسُولِ اللَّهِ سِوى مَنِ اسْتَجاشَ مِنَ العَرَبِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في نَفَقَةِ أبِي سُفْيانَ عَلى الكُفّارِ يَوْمَ أُحُدٍ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ بَدْرٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
فَأمّا سَبِيلُ اللَّهِ، فَهو دِينُ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ﴾ أيْ: تَكُونُ عاقِبَةُ نَفَقَتِهِمْ نَدامَةً، لِأنَّهم لَمْ يَظْفَرُوا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ والَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴾ قالَ بَعْضً الرُواةِ، مِنهُمُ ابْنُ أبْزى وابْنُ جُبَيْرٍ، والسُدِّيُّ، ومُجاهِدٌ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أبا سُفْيانَ أنْفَقَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ عَلى الأحابِيشِ وغَيْرِهِمْ أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِنَ الذَهَبِ أو نَحْوِ هَذا، وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ.
وقالَ ابْنُ شِهابٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى بْنِ حَيّانَ وعاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ، والحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ: إنَّهُ لَمّا قُتِلَ مِن قُتِلٍ بِبَدْرٍ اجْتَمَعَ أبْناؤُهم وقَرابَتُهم وقالُوا لِمَن خَلُصَ مالُهُ في العِيرِ: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ نالَ مِنّا ما تَرَوْنَ، ولَكِنْ أعِينُونَنا بِهَذا المالِ الَّذِي كانَ سَبَبَ الواقِعَةِ، فَلَعَلَّنا أنْ نَنالَ مِنهُ ثَأْرًا، فَفَعَلُوا فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى القَوْلَيْنِ فَإنَّما أُنْفِقَ المالُ في غَزْوَةِ أُحُدٍ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ خَبْرًا لَفْظُهُ عامُّ في الكُفّارِ، والإشارَةُ بِهِ إلى مَخْصُوصِينَ أنَّهم يُنْفِقُونَ أمْوالَهم يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ الصَدَّ عن سَبِيلِ اللهِ والدَفْعَ في صَدْرِ الإسْلامِ، ثُمَّ أخْبَرَ خَبَرًا يَخُصُّ المُشارَ إلَيْهِمْ أنَّهم يُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، إذْ لا تَتِمُّ لَهم إرادَةٌ ويَذْهَبُ المالُ باطِلًا، والحَسْرَةُ: التَلَهُّفُ عَلى الفائِتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الحَسْرَةُ في يَوْمِ القِيامَةِ، والأوَّلُ أظْهَرُ وإنْ كانَتْ حَسْرَةُ القِيامَةِ راتِبَةً عَلَيْهِمْ، وهَذا مِن إخْبارِ القُرْآنِ بِالغُيُوبِ لِأنَّهُ أخْبَرَ بِما يَكُونُ قَبْلَ أنْ يَكُونَ، فَكانَ كَما أخْبَرَ، قالَ ابْنُ سَلامٍ: بَيَّنَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهم يُغْلَبُونَ قَبْلَ أنْ يُقاتِلُوا بِسَنَةٍ، حَكاهُ الزَهْراوِيُّ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكافِرِينَ أنَّهم يُجْمَعُونَ إلى جَهَنَّمَ، والحَشْرُ: جَمْعُ الناسِ والبَهائِمِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُجْمَعُ ويُحْضَرُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ﴾ ، ومِنهُ في التَفْسِيرِ أنَّ السَلْوى طائِرٌ كانَتِ الجَنُوبُ تَحْشُرُهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، والقَوْمُ الَّذِينَ جَلَبَهم أبُو سُفْيانَ وأنْفَقَ المالَ عَلَيْهِمْ هُمُ الأحابِيشُ مِن كِنانَةَ، ولَهم يَقُولُ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ: وجِئْنا إلى مَوْجٍ مِنَ البَحْرِ وسَطَهُ ∗∗∗ أحابِيشُ مِنهم حاسِرٌ ومُقَنَّعُ ثَلاثَةُ آلافٍ ونَحْنُ نِصَيَّةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ ثَلاثُ مِئِينَ إنْ كَثُرْنَ فَأرْبَعُ وقالَ الضَحّاكُ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في نَفَقَةِ المُشْرِكِينَ الخارِجِينَ إلى بَدْرٍ الَّذِينَ كانُوا يَذْبَحُونَ يَوْمًا عَشْرًا ويَوْمًا تِسْعًا مِنَ الإبِلِ، وحَكى نَحْوَ هَذا النَقّاشُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أموالهم لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ الله فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾ .
لما ذُكر صدهم المسلمين عن المسجد الحرام الموجب لتعذيبهم، عُقب بذكر محاولتهم استيصال المسلمين وصدهم عن الإسلام وهو المعني ب ﴿ سبيل الله ﴾ وجعلت الجملة مستأنفة، غير معطوفة، اهتماماً بها أي أنهم ينفقون أموالهم وهي أعز الأشياء عليهم للصد عن الإسلام، وأتى بصيغة المضارع في ﴿ ينفقون ﴾ للإشارة إلى أن ذلك دأبهم وأن الإنفاق مستمر لإعداد العُدد لغزو المسلمين، فإنفاقهم حصل في الماضي ويحصل في الحال والاستقبال، وأشعرت لام التعليل بأن الإنفاق مستمر لأنه منوط بعلة ملازمة لنفوسهم وهي بغض الإسلام وصدهم الناس عنه.
وهذا الإنفاق: أنهم كانوا يطعمون جيشهم يوم بدر اللحم كل يوم، وكان المطعمون اثني عشر رجلاً وهم أبو جهل، وأمية بن خلف، والعباس بن عبد المطلب وعتبة بن ربيعة، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعمية بن عدي بن نوفل، وأبو البَخْترِي والعاصي بن هاشم، وحكيم بن حزام، والنضر بن الحارث، ونُبَيْه بنُ حجاج السهمي، وأخوه مُنَبه، وسهيل بن عَمرو العامري، كانوا يطعمون في كل يوم عشر جزائر.
وهذا الإنفاق وقع يوم بدر، وقد مضى، فالتعبير عنه بصيغة المضارع لاستحضار حالة الإنفاق وأنها حالة عجيبة في وفرة النفقات.
وهو جمع بالإضافة يجعله من صيغ العموم، فكأنه قيل ينفقون أموالهم كلها مبالغة، وإلاّ فإنهم ينفقون بعض أموالهم.
والفاء في ﴿ فسينفقونها ﴾ تفريع على العلة لأنهم لما كان الإنفاق دأبهم لتلك العلة المذكورة، كان مما يتفرع على ذلك تكرر هذا الانفاق في المستقبل، أي ستكون لهم شدائد من بأس المسلمين تضطرهم إلى تكرير الانفاق على الجيوش لدفاع قوة المسلمين.
وضمير ﴿ ينفقونها ﴾ راجع إلى الأموال لا بقيد كونها المنفَقة بل الأموال الباقية أو بما يكتسبونه.
و ﴿ ثم ﴾ للتراخي الحقيقي والرتبي، أي وبعد ذلك تكون تلك الأموال التي ينفقونها حسرة عليهم، والحسرة شدة الندامة والتلهفُ على ما فات، وأسندت الحسرة إلى الأموال لأنها سبب الحسرة بإنفاقها.
ثم إن الإخبار عنها بنفس الحسرة مبالغة مثل الإخبار بالمصادر، لأن الأموال سبب التَحَسر لا سبب الحسرة نفسها.
وهذا إنذار بأنهم لا يحصلون من إنفاقهم على طائِل فيما أنفقوا لأجله، لأن المنفق إنما يتحسر ويندم إذا لم يحصُل له المقصود من إنفاقه.
ومعنى ذلك أنهم ينفقون ليغلبوا فلا يغلِبون، فقد أنفقوا بعد ذلك على الجيش يومَ أُحُد: استأجر أبو سفيان ألفين من الأحابيش لقتال المسلمين يوم أُحُد.
والأحابيش: فِرَق من كنانة تجمعت من أفذاذ شتى وحالفوا قريشاً وسكنوا حول مكة سمّو أحابيش جمع أحبوش وهو الجماعة أي الجماعات فكان ما أحرزوه من النصر كِفاءً لنصر يوم بدر، بل كان نصر يوم بدر أعظمَ.
ولذلك اقتنع أبو سيفيان يوم أُحُد أن يقول «يوم بيوم بدر والحرب سجال» وكان يحسب أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قُتل وأن أبا بكر وعمر قتلا فخاب في حسابه، ثم أنفقوا على الأحزاب حين هاجموا المدينة ثم انصرفوا بلا طائِل، فكان إنفاقهم حسرة عليهم.
وقوله: ﴿ ثم يُغلبون ﴾ ارتقاء في الإنذار بخيبتهم وخذلانهم، فإنهم بعد أن لم يحصلوا من إنفاقهم على طائِل تُوعدوا بأنهم سيغلبهم المسلمون بعد أن غلبوهم أيضاً يومَ بدر، وهو إنذار لهم بغلب فتح مكة وانقطاععِ دابر أمرهم، وهذا كالإنذار في قوله: ﴿ قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ﴾ [آل عمران: 12] وإسناد الفعل إلى المجهول لكون فاعل الفعل معلوماً بالسياق فإن أهل مكة ما كانوا يقاتلون غير المسلمين وكانت مكة لَقاحاً.
/ و ﴿ ثم ﴾ للتراخي الحقيقي والرتبي مثل التي قبلها.
كان مقتضى الظاهر أن يقال وإلى حهنم يحشرون كما قال في الآية الأخرى: ﴿ قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ﴾ [آل عمران: 12] فعدل عن الإضمار هنا إلى الإظهار تخريجاً على خلاف مقتضى الظاهر، للإفصاح عن التشنيع بهم في هذا الإنذار حتى يعاد استحضار وصفهم بالكفر بإصرح عبارة، وهذا كقول عويف القوافي: اللؤْم أكرم من وَبْرٍ ووالِده *** واللؤْم أكرمُ من وَبْر ومَا وَلدَا لقصد زيادة تشنيع وَبْرٍ المهجو بتقرير اسمه واسم اللؤم الذي شبه به تشبيهاً بليغاً.
وعرّفوا بالموصولية إيماء إلى أن علة استحقاقهم الأمرين في الدنيا والآخرة هو وصف الكفر، فيعلم أن هذا يحصل لمن لم يقلعوا عن هذا الوصف قبل حلول الأمرين بهم.
و ﴿ ليَميز ﴾ متعلق ب ﴿ يحشرون ﴾ لبيان أن من حكمة حشرهم إلى جهنم أن يتميز الفريق الخبيث من الناس من الفريق الطيب في يوم الحشر، لأن العلة غيرَ المؤثرة تكون متعددة، فتمييز الخبيث من الطيب من جملة الحِكَم لحشر الكافرين إلى جهنم.
وقرأ الجمهور ﴿ ليَميز ﴾ بفتح التحتية الأولى وكسر الميم وسكون التحتية الثانية مضارع ماز بمعنى فرز وقرأ حمزة والكسائي، ويعقوب، وخلف: بضم التحتية الأولى وفتح الميم التحتية وتشديد الثانية.
مضارع ميّز إذا محص الفرز وإذ أسند هذا الفعل إلى الله تعالى استوت القراءتان.
والخبيث الشيء الموصوف بالخُبث والخباثة وحقيقة ذلك أنه حالة حشية لشيء تجعله مكروهاً مثل القذر، والوسخ، ويطلق الخبث مجازاً على الحالة المعنوية من نحو ما ذكرنا تشبيهاً للمعقول بالمحسوس، وهو مجاز مشهور، والمراد به هنا خسة النفوس الصادرة عنها مفاسد الأعمال، والطيّب الموصوف بالطيب ضد الخُبث بإطلاقيه فالكفر خبث لأن أساسه الاعتقاد، الفاسد، فنفس صاحبه تتصور الأشياء على خلاف حقايقها فلا جرم أن تأتي صاحبها بالأفعال على خلاف وجهها، ثم إن شرائع أهل الكفر تأمر بالمفاسد والضلالات وتصرف عن المصالح والهداية بسبب السلوك في طرائق الجهل وتقليببِ حقائق الأمور، وما من ضلالة إلاّ وهي تفضي بصاحبها إلى أخرى مثلها، والإيمان بخلاف ذلك.
و (مِنْ) في قوله: ﴿ من الطيب ﴾ للفصل، وتقدم بيانها عند قوله تعالى: ﴿ والله يعلم المفسد من المصلح ﴾ في سورة [البقرة: 220] وجَعْل الخبيث بعضِه على بعض: علة أخرى لحشر الكافرين إلى حهنم ولذلك عطف بالواو فالمقصود جمع الخبيث وإن اختلفت أصنافه في مجمع واحد، لزيادة تمييزه عن الطيب، ولتشهير من كانوا يُسرون الكفر ويظهرون الإيمان، وفي جمعه بهذه الكيفية تذليل لهم وإيلام، إذ يجعل بعضهم على بعض حتى يصيروا رُكاماً.
والركْم: ضم شيء أعلى إلى أسفل منه، وقد وصف السحاب بقوله: ﴿ ثم يجعله ركاماً ﴾ [النور: 43] واسم الإشارة ب ﴿ أولئك هم الخاسرون ﴾ للتنبيه على أن استحقاقهم الخبَر الواقع عن اسم الإشارة كان بسبب الصفات التي ذكرت قبل اسم الإشارة، فإن من كانت تلك حاله كان حقيقاً بأنه قد خسر أعظم الخسران، لأنه خسر منافع الدنيا ومنافع الآخرة.
فصيغة القصر في قوله: ﴿ هم الخاسرون ﴾ هي للقصر الادعائي، للمبالغة في اتصافهم بالخسران، حتى يعد خسران غيرهم كلا خسران وكأنهم انفردوا بالخسران من بين الناس.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَفَقَةُ قُرَيْشٍ في قِتالِ رَسُولِ اللَّهِ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنَّهُ أبُو سُفْيانَ اسْتَأْجَرَ مَعَهُ يَوْمَ أُحُدٍ ألْفَيْنِ مِنَ الأحابِيشِ ومِنهُ كِنانَةُ لِيُقاتِلَ بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ، سِوى مَنِ انْحازَ إلَيْهِ مِنَ العَرَبِ، قالَهُ سَعِيدٌ ومُجاهِدٌ والحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وفي ذَلِكَ يَقُولُ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ: وجِئْنا إلى مَوْجٍ مِنَ البَحْرِ وسَطُهُ أحابِيشُ مِنهم حاسِرٌ ومُقْنِعُ ∗∗∗ ثَلاثَةُ آلافٍ ونَحْنُ نَصِيَّةٌ ∗∗∗ ثَلاثُ مِئِينَ إنْ كَثُرْنا فَأرْبَعُ ﴿ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَكُونُ إنْفاقُها عَلَيْهِمْ حَسْرَةً وأسَفًا عَلَيْها.
والثّانِي: تَكُونُ خَيْبَتُهم فِيما أمَّلُوهُ مِنَ الظَّفَرِ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً تُحَذِّرُهم بَعْدَها.
﴿ ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾ وعَدَ بِالنَّصْرِ فَحَقَّقَ وعْدَهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الحَلالُ مِنَ الحَرامِ.
الثّانِي: الخَبِيثُ ما لَمْ تَخْرُجْ مِنهُ حُقُوقُ اللَّهِ تَعالى، والطَّيِّبُ: ما أُخْرِجَتْ مِنهُ حُقُوقُ اللَّهِ تَعالى.
يَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الخَبِيثَ: ما أُنْفِقَ في المَعاصِي، والطَّيِّبُ: ما أُنْفِقَ في الطّاعاتِ.
﴿ وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ ﴾ أيْ يَجْمَعُهُ في الآخِرَةِ وإنْ تَفَرَّقَ في الدُّنْيا ﴿ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا ﴾ أيْ يَجْعَلُ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا ﴾ .
وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ ﴾ وإنْ كانَتِ الأمْوالُ لا تُعَذِّبُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَجْعَلَها عَذابًا في النّارِ يُعَذَّبُونَ بِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ ﴾ الآيَةَ.
الثّانِي: أنَّهُ يَجْعَلُ أمْوالَهم مَعَهم في جَهَنَّمَ لِأنَّهُمُ اسْتَطالُوا بِها وتَقَوَّوْا عَلى مَعاصِي اللَّهِ فَجَعَلَها مَعَهم في الذُّلِّ والعَذابِ كَما كانَتْ لَهم في الدُّنْيا عِزًّا ونَعِيمًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل كلهم من طريقه قال: حدثني الزهري، ومحمد بن يحيى بن حيان، وعاصم بن عمرو بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمر، قالوا: لما أصيبت قريش يوم بدر ورجع فلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره، مشى عبد الله بن ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، في رجال من قريش إلى من كان معه تجارة.
فقالوا: يا معشر قريش، إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه فلعلنا أن ندرك منه ثأراً.
ففعلوا.
ففيهم كما ذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنزل الله: ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ﴾ إلى قوله: ﴿ والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ﴾ قال: نزلت في أبي سفيان بن حرب.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم...
﴾ إلى قوله: ﴿ أولئك هم الخاسرون ﴾ قال: في نفقة أبي سفيان على الكفار يوم أحد.
وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل...
﴾ الآية.
قال: نزلت في أبي سفيان بن حرب، استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش من بني كنانة يقاتل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى من استجاش من العرب، فأنزل الله هذه الآية، وهم الذين قال فيهم كعب بن مالك رضي الله عنه: وجئنا إلى موج من البحر وسطه ** أحابيش منهم حاسر ومقنع ثلاثة آلاف ونحن نصية ** ثلاث مئين إن كثرن فأربع وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحكم بن عتيبة في قوله: ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ﴾ قال: نزلت في أبي سفيان، أنفق على مشركي قريش يوم أحد أربعين أوقية من ذهب، وكانت الأوقية يومئذ اثنين وأربعين مثقالاً من ذهب.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ﴾ وهو محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ﴾ يقول: ندامة يوم القيامة.
وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ﴾ يعني النفر الذين مشوا إلى أبي سفيان، وإلى من كان له مال من قريش في تلك التجارة، فسألوهم أن يقووهم بها على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلوا.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن شهر بن عطية رضي الله عنه ﴿ ليميز الله الخبيث من الطيب ﴾ قال: يميز يوم القيامة ما كان لله من عمل صالح في الدنيا، ثم تؤخذ الدنيا بأسرها فتلقى في جهنم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فيركمه جميعاً ﴾ قال: يجمعه جميعاً.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ﴾ الآية، قال سعيد بن جبير (١) (٢) (٣) (٤) (٥) يوم أحد، وكان قد استأجر ألفين من أحابيش كنانة (٦) (٧) (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ \[إن قيل: لم يعلموا أنها سبيل الله فكيف قيل: ﴿ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ \] (١٠) (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ فَسَيُنْفِقُونَهَا ﴾ أخبر أنهم ينفقون أموالهم، ثم قال: ﴿ فَسَيُنْفِقُونَهَا ﴾ بمعنى: فسيقع الإنفاق الذي يكون حسرة بذهاب الأموال وفوت المراد، ونصر الله عز وجل المسلمين حتى يغلبوهم.
وقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ خص الكفار ولم يقل: وإلى جهنم يحشرون؛ لأنه كان فيهم من أسلم (١٣) (١) رواه ابن جرير 9/ 244 ، وابن أبي حاتم 5/ 1697، وابن سعد وعبد بن حميد وأبو الشيخ وابن عساكر كما في "الدر المنثور" 3/ 334.
(٢) رواه ابن جرير، الموضع السابق، والثعلبي 6/ 59 ب.
(٣) رواه ابن جرير 9/ 245، وعبد بن حميد وأبو الشيخ كما في" الدر المنثور" 4/ 334.
(٤) رواه ابن جرير، الموضع السابق، وابن أبي حاتم 5/ 1697، والثعلبي 6/ 59 ب، والبغوي 3/ 356.
(٥) في (ح) و (س): (عيينة)، وكذلك في "النكت والعيون" 2/ 317، و"تفسير البغوي" 3/ 356، وفي" تفسير الثعلبي" 6/ 59 ب: عتبة، والصواب: عتيبة كما في "تفسير ابن جرير" 9/ 245، و"الدر المنثور" 4/ 334: وهو: الحكم بن عتيبة -مصغر عتبة- أبو محمد الكندي الكوفي تابعي ثقة ثبت فقيه كان صاحب سنة وإتباع، وعبادة وفضل، وهو من كبار أصحاب إبراهيم النخعي، توفي سنة 115 هـ أو قبلها.
انظر: "طبقات ابن سعد" 6/ 331، و "تذكرة الحفاظ" 1/ 117، و"سير أعلام النبلاء" 5/ 208، و"تهذيب التهذيب" 1/ 467.
(٦) هم: بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة وعقيل والديش والحيا والمصطلق.
انظر: "المحبر" ص 267.
(٧) "تفسيره" ل 121 أ، وانظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 60 أ، والبغوي 3/ 356.
(٨) " تفسير الثعلبي"، والبغوي، الموضعين السابقين.
(٩) القول بنزول الآية في المطعمين يوم بدر أولى من القول بنزولها في المنفقين يوم أحد؛ لأن سورة الأنفال تتحدث على وجه العموم عن غزوة بدر، ولقول ابن عباس فيما رواه البخاري في "صحيحه" (4645) لما سئل عن سورة الأنفال، قال: نزلت في بدر اهـ.
وعلى كل حال فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالكفار في كل زمان ينفقون أموالهم ليصدوا عن دين الله، وليطفؤا نور الله، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، وينصر أولياءه، ويخذل أعداءه.
(١٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (س) (١١) في (س): (وعن).
(١٢) يعني أن غرضهم في الإنفاق الصد عن اتباع محمد وهو سبيل الله وإن لم يعلموا أنه == كذلك، ويمكن أن يقال بأن زعمائهم كانوا يعلمون ذلك كما قال تعالى: ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ﴾ .
(١٣) يعني سيسلم، وعبارة الثعلبي 6/ 60 أ: خص الكفار لأجل من أسلم منهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ﴾ الآية نزلت في إنفاق قريش في غزوة أحد وقيل: إنها نزلت في أبي سفيان بن حرب، فإنه استأجرالعير من الأحباش فقاتل بهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ﴿ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ﴾ أي يتأسفون على إنفاقها من غير فائدة أو يتأسفون في الآخرة ﴿ ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾ إخبار بالغيب ﴿ لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب ﴾ معنى يميز: يفرق بين الخبيث والطيب: ما أنفقه المؤمنون، واللام في ليميز على هذا تتعلق بيغلبون، وعلى الأول بيحشرون ﴿ فَيَرْكُمَهُ ﴾ أي يضمه ويجعل بعضه فوق بعضه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ بما تعملون ﴾ ، ﴿ بصير ﴾ بتاء الخطاب: يعقوب.
الوقوف: ﴿ مثل هذا ﴾ لا لأن الابتداء بأن هذا إلا أساطير الأولين قبيح ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وأنت فيهم ﴾ ط ﴿ يستغفرون ﴾ ه ﴿ وما كانوا أولياءه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وتصدية ﴾ ط ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ يغلبون ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ ﴿ يحشرون ﴾ ه لا لتعا اللام ﴿ في جهنم ﴾ ط ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ ما سلف ﴾ ط لابتداء الشرط مع العطف ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ كله لله ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ مولاكم ﴾ ط ﴿ النصير ﴾ ه.
التفسير: لما حكى مكرهم في ذات محمد صلى الله عليه وآله حكى مكرهم في دينه.
وروي أن النضر بن الحرث خرج إلى الحيرة تاجراً واشترى أحاديث كليلة ودمنة وقصة رستم واسفنديار، وكان يقعد مع المستهزئين والمقتسمين فيقرأ عليهم ويقول هذا مثل ما يذكره محمد من قصص الأوّلين، ولو شئت لقلت مثل قوله، وهذا منه ومن أمثاله صلف تحت الراعدة لأنهم لم يتوانوا في مشيئتهم لو ساعدتهم الاستطاعة.
ويروى عن النضر أو عن أبي جهل على ما في الصحيحين أن أحدهما قال ما معناه ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق ﴾ الآية.
وهذا أسلوب من العناد بليغ لأن قوله ﴿ هو الحق ﴾ بالفصل وتعريف الخبر تهكم بمن يقول على سبيل التخصيص والتعيين هذا هو الحق.
ومعنى ﴿ حجارة من السماء ﴾ الحجارة المسوّمة للعذاب أي إن كان القرآن هو المخصوص بالحقية فعاقبنا على إنكاره بالسجيل كما فعلت بأصحاب الفيل أو بنوع أخر من جنس العذاب الأليم.
ومراده نفي كونه حقاً فلذلك علق بحقيته العذاب كما لو علق بأمر محال فهو كقول القائل إن كان الباطل حقاً فأمطر علينا حجارة.
وعن معاوية أنه قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة.
قال: أجهل من قومي قومك قالوا لرسول الله حين دعاهم إلى الحق ﴿ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة ﴾ ولم يقولوا إن كان هذا هو الحق فاهدنا له.
ثم شرع في الجواب عن شبهتهم فقال ﴿ وما كان الله ليعذبهم ﴾ اللام لتأكيد النفي دلالة على أن تعذيبهم بعذاب الاستئصال والنبي بين أظهرهم غير مستقيم عادة تعظيماً لشأن النبي ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ قال قتادة والسدي: المراد نفي الاستغفار عنهم أي لو كانوا ممن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذبهم.
وقيل: اللفظ عام لأن المراد بعضهم وهم الذين تخلفوا عن رسول الله من المستضعفين المؤمنين فهو كقولك: قتل أهل المحلة فلاناً وإنما قتله واحد منهم أو اثنان.
وقيل: وصفوا بصفة أولادهم والمعنى وما كان الله معذب هؤلاء الكفار وفي علم الله أنه يكون لهم أولاد يؤمنون بالله ويستغفرونه، وفي علم الله أن فيهم من يؤل أمره إلى الإيمان كحكيم بن حزام والحرث بن هشام وعدد كثير ممن آمن يوم الفتح وقبله وبعده.
وفي الآية دلالة على أن الاستغفار أمان وسلامة من العذاب.
قال ابن عباس: كان فيهم أمانان: نبي الله والاستغفار.
أما النبي فقد مضى وأما الاستغفار فهو باقٍ إلى يوم القيامة.
ثم بين أنه يعذبهم إذا خرج الرسول من بينهم فقال ﴿ ومالهم ألا يعذبهم الله ﴾ وأي شيء لهم في انتفاء العذاب عنهم يعني لا حظ لهم في ذلك وهم معذبون لا محالة.
قيل: لحقهم هذا العذاب المتوعد به يوم بدر.
وقيل: يوم فتح مكة بدليل قوله ﴿ وهم يصدون ﴾ أي كيف لا يعذبون وحالهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام كما صدوا رسول الله عام الحديبية.
والأوّلون قالوا: إن إخراجهم رسول الله والمؤمنين من الصدّ.
وعن ابن عباس أن هذا العذاب عذاب الآخرة والذي نفاه عنهم هو عذاب الدنيا وكانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم فنصدّ من نشاء وندخل من نشاء فنفى الله استحقاقهم الولاية بقوله ﴿ وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ﴾ من المسلمين وليس كل مسلم يصلح لذلك فضلاً عن مشرك ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ كان فيهم من كان يعلم وهو يعاند ويطلب الرياسة.
أو أراد بالأكثر الجميع كما يراد بالقلة العدم.
ثم ذكر بعض أسباب سلب الولاية عنهم فقال ﴿ وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ﴾ المكاء "فعال" كالثغاء والرغاء من مكا يمكو إذا صفر.
والتصدية التصفيق "تفعلة" من الصدى وهو الصوت الذي يرجع من الجبل فيكون في الأصل معتل اللام، أو من صدّ يصدّ مضاعفاً أي صاح فقلبت الدال الأخيرة ياء كالتقضي في التقضض، وأنكر هذا الاشتقاق بعضهم وصوّبه الأزهري وأبو عبيدة.
قال جعفر بن ربيعة: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن المكاء والتصدية فجمع كفيه ثم نفخ فيهما صفيراً.
وقيل: هو أن يجعل بعض أصابع اليمين وبعض أصابع الشمال في الفم ثم يصفر به.
وقيل: تصويب يشبه صوت المكَّاء بالتشديد وهو طائر معروف.
عن ابن عمر: كانوا يطوفون بالبيت عراة وهم مشبكون بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون.
فالمكاء والتصدية على هذا نوع عبادة لهم فلهذا وضعا موضع الصلاة بناء على معتقدهم.
وفيه أن من كان المكاء والتثدية صلاته فلا صلاة له كقول العرب: ما لفلان عيب إلا السخاء أي من كان السخاء عيبه فلا عيب له.
وقال مجاهد ومقاتل: كانوا يعارضون النبي في الطواف والصلاة عند المسجد الحرام يستهزؤن به ويخلطون عليه فجعل المكاء والتصدية صلاة لهم كقولك: زرت الأمير فجعل جفائي صلتي أي أقام الجفاء مقام الصلة.
ثم خاطبهم على سبيل المجازاة بقوله ﴿ فذوقوا العذاب ﴾ عذاب القتل والأسر يوم بدر أو عذاب الآخرة ﴿ بما كنتم تكفرون ﴾ بسبب كفركم وأفعالكم التي لا يقدم عليها إلا الكفرة.
ولما شرح أحوال هؤلاء الكفار في الطاعات البدنية أتبعها شرح أحوالهم في الطاعات المالية فقال ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ﴾ الآية.
قال مقاتل والكلبي: نزلت في المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلاً: أبو جهل بن هشام وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ونبيه ومنبه ابنا حجاج وأبو البختري بن هشام والنضر بن الحرث وحكيم بن حزام وأبيّ بن خلف وزمعة بن أسود والحرث بن عامر بن نوفل والعباس ابن عبد المطلب.
وكلهم من قريش وكان يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزر.
وقال سعيد بن جبير وابن أبزى: نزلت في أبي سفيان بن حرب استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش - والأحبوش جماعة من الناس ليسوا من قبيلة واحدة - وأنفق عليهم أربعين أوقية من فضة.
والأوقية اثنان وأربعون مثقالاً - قاله في الكشاف.
وقال محمد بن إسحق عن رجاله: لما أصيب قريش يوم بدر فرجع فلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان ابن أمية في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كان له في تلك العير تجارة فقالوا: يا معشر قريش إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال الذي أفلت على حربه لعلنا أن ندرك منه ثأراً لمن أصيب منا فأنزل الله الآية.
ومعنى ﴿ ليصدّوا عن سبيل الله ﴾ أن غرضهم في الإنفاق كان هو الصدّ عن اتباع محمد وهو سبيل الله وإن لم يكن عندهم كذلك.
ثم أخبر عن الغيب على وجه الإعجاز فقال ﴿ فيسنفقونها ﴾ أي سيقع منهم هذا الإنفاق ثم تكون عاقبة إنفاقها ندماً وحسرة فكأن ذاتها تصير ندماً وتنقلب حسرة ثم يغلبون آخر الأمر وإن كانت الخرب بينهم وبين المؤمنين سجالاً لقوله ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ﴾ ومعنى "ثمك" في الجملتين إما التراخي في الزمان لما بين الإنفاق المذكوروبين ظهور دولة الإسلام من الامتداد، وإما التراخي في الرتبة لما بين بذل المال وعدم حصول المقصود من المباينة.
ثم قال ﴿ والذين كفروا ﴾ أي الكافرون منهم ولم يقل "ثم يغلبون وإلى جهنم يحشرون" لأن منهم من أسلم وحسن إسلامه فذكر أن الذي بقوا على الكفر لا يكون حشرهم إلا إلى جهنم دون من أسلم منهم.
ثم بين الغاية والغرض فيما يفعل بهم من الغلبة ثم الحشر إلى جهنم فقال ﴿ ليميز الله الخبيث ﴾ أي الفريق الخبيث من الكفار ﴿ من ﴾ الفريق ﴿ الطيب ﴾ وهم المؤمنون ﴿ ويجعل ﴾ الفريق ﴿ الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً ﴾ عبارة عن الجمع والضم وفرط الازدحام.
يقال: ركم الشيء يركمه إذا جمعه وألقى بعضه على بعض ﴿ أولئك ﴾ الفريق الخبيث ﴿ هم الخاسرون ﴾ وقيل: الخبيث والطيب صفة المال أي ليميز المال الخبيث الذي أنفقه المشركون في عداوة رسول الله والمؤمنين من المال الطيب الذي أنفقه المهاجرون والأنصار في نصرته فيركمه فيضم تلك الأموال الخبيثة بعضها على بعض فيلقيه في جهنم ويعذبهم بها كقوله ﴿ فتكوى بها جباههم وجنوبهم ﴾ وعلى هذا فاللام في قوله ﴿ ليميز الله ﴾ يتعلق بقوله ﴿ ثم تكون عليهم حسرة ﴾ قاله في الكشاف.
ولا يبعد عندي أن يتعلق بـ ﴿ يحشرون ﴾ و ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى الذين كفروا.
ولما بين ضلالهم في عباداتهم البدنية والمالية أرشدهم إلى الطريق المستقيم وما يتبعه من الصلاح فقال ﴿ قل للذين كفروا ﴾ أي قل لأجلهم هذا القول وهو أن ينتهوا عما هم عليه من عداوة الرسول وقتاله بالدخول في السلم والإسلام ﴿ يغفر لهم ما قد سلف ﴾ من الكفر والمعاصي.
ولو كان المراد خطابهم بهذا القول لقيل: "أن تنتهوا يغفر لكم".
وقد قرأ بذلك ابن مسعود ﴿ وإن تعودوا ﴾ لقتاله ﴿ فقد مضت سنة الأوّلين ﴾ منهم الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر أو سنة الذين تحزبوا على أنبيائهم من الأمم فأهلكوا أو غلبوا كقوله ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ﴾ واستدل كثير من العلماء منهم أصحاب أبي حنيفة الآية على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الإسلام لأن الخطاب مع الكفر باطل بالإجماع وبعد زواله لا يؤمر بقضاء العبادات الفائتة، بل ذهب أبو حنيفة إلى أن المرتد إذا أسلم لم يلزمه قضاء العبادات المتروكة في حال الردة وقبلها وفسر ﴿ وإن يعودوا ﴾ بالعودة إلى الردة.
واختلفوا في أن الزنديق هل تقبل تبوته أم لا؟
والصحيح أنها مقبولة لشمول الآية جميع الكفار لقوله : "نحن نحكم بالظاهر" ولأنه يكلف بالرجوع ولا طريق له إلا التوبة، فلو لم تقبل لزم تكليف ما لا يطاق.
ثم أمر بقتالهم إن أصروا على الكفر فقال ﴿ وقاتلوهم ﴾ الآية.
وقد مر تفسيره في سورة البقرة إلا أنه زاد ههنا لفظة ﴿ كله ﴾ في قوله ﴿ ويكون الدين كله لله ﴾ لأن القتال ههنا مع جميع الكفار وهناك كان مع أهل مكة فحسب ﴿ فإن انتهوا ﴾ عن الكفر وأسلموا ﴿ فإن الله بما يعملون بصير ﴾ يثيبهم على توبتهم وإسلامهم.
ومن قرأ بتاء الخطاب أراد فإن الله بما تعملون من الجهاد في سبيله والدعوة إلى دينه بصير يجازيكم عليه أحسن الجزاء.
﴿ وإن تولوا ﴾ ولم ينتهوا ﴿ فاعلموا أن الله مولاكم ﴾ ناصركم ومتولي أموركم يحفظكم ويدفع شر الكفار عنكم فإنه ﴿ نعم المولى ونعم النصير ﴾ فثقوا بولايته ونصرته.
التأويل: قالوا قد سمعنا وما سمعوا في الحقيقة وإلا لم يقولوا لو نشاء لقلنا فإن كلام المخلوق لن يكون مثل كلام الله.
ثم انظر كيف استخرج الله منهم عقيب دعواهم ﴿ لقلنا مثل هذا ﴾ قولهم ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ﴾ ليعلم أن من هذا حاله كيف يكون مثل القرآن مقاله، ولو كان لهم عقل لقالوا إن كان هذا حقاً فاهدنا له ومتعنا به وبأنواره وأسراره ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ لأنه رحمة للعالمين والرحمة تنافي العذاب ﴿ إن أولياؤه إلا المتقون ﴾ ، ﴿ ولكن أكثرهم ﴾ يعني أكثر المتقين أو ﴿ لا يعلمون ﴾ أنهم أولياؤه لأن الولي قد لا يعرف أنه ولي ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ﴾ كذلك دأب كفار النفوس ينفقون أموال الاستعداد الفطري في غير طلب الله وإنما تصرفها في استيفاء اللذات والشهوات فستندم حين لا ينفع الندم ﴿ ثم يغلبون ﴾ لا يظفرون بمشتهيات النفس كلها ولأجلها، والذين كفروا من الأرواح والقلوب التابعة والنفوس ﴿ إلى جهنم ﴾ البعد والقطعية ﴿ يحشرون ﴾ ، ﴿ ليميز الله ﴾ الأرواح والقلوب الخبيثة من الطيبة التي لا تركن إلى الدنيا ولا تنخدع بانخداع النفوس ﴿ فيركمه جميعاً ﴾ فيجعل الأرواح الخبيثة فوق النفوس الخبيثة فيلقي الجميع في جهنم القطيعة ﴿ قل للذين كفروا ﴾ من الأرواح والقلوب أي ستروا النور الروحاني بظلمات صفات النفس ﴿ إن ينتهوا ﴾ عن اتباع الهوى ﴿ يغفر لهم ﴾ يستر لهم تلك الظلمات بنور الفرقان والرشاد.
﴿ وقاتلوا ﴾ كفار النفوس ﴿ حتى لا تكون ﴾ آفة مانعة عن الوصول ﴿ ويكون الدين كله لله ﴾ ببذل الوجود وفقد الموجود لنيل الوجود وكرامة الشهود والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية.
يذكرهم - والله أعلم - النعم التي أنعمها عليهم؛ من أنواع النعم: [أحدها]: ما أنزلهم في بقعة خصّت تلك البقعة وفضلت على غيرها من البقاع؛ وهو مكان العبادة، ثم صدّوا الناس عن الدخول فيها والعبادة فيها، ومن ذلك بعث الرسول منهم فيهم فكذبوه، وما أعطاهم من الأموال، فأنفقوها في الصدّ؛ صدّ الإنسان عن مكان العبادة [وإقام العبادة فيه].
ثم اختلف في معنى الصدّ؛ قال بعضهم: إن كفار قريش استأجروا لقتال بدر رجالاً من قبائل العرب؛ عوناً لهم على قتال النبي - - وأصحابه؛ فذلك نفقتهم التي أنفقوا، فصار ذلك حسرة عليهم [لما كانت الهزيمة عليهم].
روي عن ابن عباس - - أنه سئل عن هذه الآية؟
فقال: تلك قد خلت؛ إن ناساً في الجاهلية كانوا يعطون ناساً أموالهم فيقاتلون نبيّ الله، فأسلموا عليها، فطلبوها، فكانت عليهم [حسرة].
وعن سعيد بن جبير قال: نزلت في أبي سفيان بن حرب، استأجر يوم أحد أجراء من الأحابيش من كنانة، فقاتلهم النبي، .
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ﴾ يوم القيامة، أي: النفقة التي أنفقوها [تصير] عليهم حسرة في الآخرة؛ لما أنفقوها [في غير حل]؛ لصدّ الناس عن سبيل الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴾ .
أي: يجمعون، وهو ظاهر، يجمعون إلى جهنم بكفرهم بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ ﴾ .
جعل الله - - الخبيث مختلطاً بالطيب في الدنيا في سمعهم، وبصرهم، ونطقهم، وجميع جوارحهم، ولباسهم، وطعامهم، وشرابهم، وجميع منافعهم من [الغنى] والفقر وأنواع المنافع، جعل بعضهم ببعض مختلطين في الدنيا؛ على ما ذكرنا، لكنه ميز بين الطيب والخبيث في الآخرة بالأعلام، يعرف بتلك الأعلام الخبيث من الطيب؛ من نحو ما ذكر في الطيب: قوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ ﴾ وقال في الكافرة: ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ﴾ وقال: ﴿ وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً...
﴾ الآية [طه: 124] وغير ذلك من الآيات؛ ميز الله - - بين الخبيث والطيب بالأعلام التي ذكرنا في سمعهم، وبصرهم، ووجوههم، ولباسهم، ومأكلهم، ومشربهم؛ حتى يعرفوا جميعاً بالأعلام.
ويحتمل ما ذكر من التمييز بين الخبيث والطيب: بالمباهلة التي جرت بين أبي جهل وبين النبي ؛ حيث قال أبو جهل: انصر من أهدانا سبيلاً، وأبرنا قسماً، وأوصلنا رحماً، فأجيب بنصر رسوله وأصحابه، فميز بين المحق والمبطل.
ويحتمل ما ذكر من التمييز في الآخرة؛ كقوله: ﴿ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يجعلهم دركات بعضها أسفل بعض؛ كقوله : ﴿ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ ﴾ .
والثاني: يحتمل أن يجعل بعضهم على بعض مقرنين في الأصفاد.
﴿ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً ﴾ قيل: يجمعه جميعاً بعضهم على بعض.
ويحتمل [قوله]: ﴿ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً ﴾ إخباراً عن الضيق؛ كقوله: ﴿ وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً ﴾ .
وقال القتبي: ﴿ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً ﴾ ، أي: يجعله ركاماً بعضه فوق بعض.
وكذلك قال أبو عوسجة: يقال: ركمت المتاع: إذا جعلت بعضه فوق بعض.
وقوله: ﴿ فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ﴾ .
الجهنم: هو المكان الذي يجمع أهل النار في التعذيب.
<div class="verse-tafsir"
إن الذين كفروا بالله ينفقون أموالهم لمنع الناس عن دين الله، فسينفقونها ولن يتحقق لهم ما أرادوا، ثم تكون عاقبة إنفاقهم لأموالهم ندامة؛ لفواتها وفوات المقصود من إنفاقها، ثم يُغْلَبُونَ بانتصار المؤمنين عليهم، والذين كفروا بالله يُسَاقون إلى جهنم يوم القيامة، فيدخلونها خالدين فيها مخلدين.
<div class="verse-tafsir" id="91.o2B68"