الآية ٣٨ من سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٣٨ من سورة الأنفال

قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِن يَنتَهُوا۟ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا۟ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ ٱلْأَوَّلِينَ ٣٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 70 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٨ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٨ من سورة الأنفال عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - : ( قل للذين كفروا إن ينتهوا ) أي : عما هم فيه من الكفر والمشاقة والعناد ويدخلوا في الإسلام والطاعة والإنابة - يغفر لهم ما قد سلف ، أي : من كفرهم ، وذنوبهم وخطاياهم ، كما جاء في الصحيح ، من حديث أبي وائل عن ابن مسعود ؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من أحسن في الإسلام ، لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ، ومن أساء في الإسلام ، أخذ بالأول والآخر .

وفي الصحيح أيضا : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الإسلام يجب ما قبله والتوبة تجب ما كان قبلها .

وقوله : ( وإن يعودوا ) أي : يستمروا على ما هم فيه ، ( فقد مضت سنة الأولين ) أي : فقد مضت سنتنا في الأولين أنهم إذا كذبوا واستمروا على عنادهم ، أنا نعاجلهم بالعذاب والعقوبة .

وقوله : ( فقد مضت سنة الأولين ) أي : في قريش يوم بدر وغيرها من الأمم .

وقال السدي ومحمد بن إسحاق : أي : يوم بدر .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ (38) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " قل "، يا محمد، " للذين كفروا "، من مشركي قومك= " إن ينتهوا "، عما هم عليه مقيمون من كفرهم بالله ورسوله، وقتالك وقتال المؤمنين، فينيبوا إلى الإيمان (48) = يغفر الله لهم ما قد خلا ومضى من ذنوبهم قبل إيمانهم وإنابتهم إلى طاعة الله وطاعة رسوله بإيمانهم وتوبتهم (49) = " وإن يعودوا "، يقول: وإن يعد هؤلاء المشركون لقتالك بعد الوقعة التي أوقعتها بهم يوم بدر= فقد مضت سنتي في الأولين منهم ببدر، ومن غيرهم من القرون الخالية، (50) إذ طغوا وكذبوا رسلي ولم يقبلوا نصحهم، من إحلال عاجل النِّقَم بهم, فأحلّ بهؤلاء إن عادوا لحربك وقتالك، مثل الذي أحللت بهم.

(51) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 16070- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: " فقد مضت سنة الأولين "، في قريش يوم بدر، وغيرها من الأمم قبل ذلك.

16071 - حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

16072 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

16073 - حدثني ابن وكيع قال: (52) حدثنا ابن نمير, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " فقد مضت سنة الأولين "، قال: في قريش وغيرها من الأمم قبل ذلك.

16074 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال في قوله: " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا " لحربك= " فقد مضت سنة الأولين "، أي: من قُتل منهم يوم بدر.

(53) 16075 - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: " وإن يعودوا "، لقتالك= " فقد مضت سنة الأولين "، من أهل بدر.

-------------------- الهوامش : (48) انظر تفسير " الانتهاء " فيما سلف : 455 ، تعليق : 1 والمراجع هناك .

(49) انظر تفسير " سلف " فيما سلف 6 : 14 8 : 138 ، 150 11 : 48 .

(50) انظر تفسير " سنة " فيما سلف 7 : 228 8 : 209 .

(51) في المطبوعة : " اللذين أحلت بهم " ، وفي المخطوطة سيئة الكتابة ، صوابها ما أثبت .

(52) في المطبوعة : " حدثنا المثنى قال ، حدثنا ابن وكيع ...

" ، وهو خطأ ظاهر ، وصوابه من المخطوطة.

(53) الأثر : 16074 - سيرة ابن هشام 2: 327 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16064 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين فيه خمس مسائل : الأولى : قوله تعالى : قل للذين كفروا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار هذا المعنى ، وسواء قال بهذه العبارة أو غيرها .

قال ابن عطية : ولو كان كما ذكر الكسائي أنه في مصحف عبد الله بن مسعود " قل للذين كفروا إن تنتهوا يغفر لكم " لما تأدت الرسالة إلا بتلك الألفاظ بعينها ; هذا بحسب ما تقتضيه الألفاظ .[ ص: 360 ] الثانية : قوله تعالى : إن ينتهوا يريد عن الكفر .

قال ابن عطية : ولا بد ; والحامل على ذلك جواب الشرط يغفر لهم ما قد سلف ومغفرة ما قد سلف لا تكون إلا لمنته عن الكفر .

ولقد أحسن القائل أبو سعيد أحمد بن محمد الزبيري :يستوجب العفو الفتى إذا اعترف ثم انتهى عما أتاه واقترفلقوله سبحانه في المعترف إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلفروى مسلم عن أبي شماسة المهري قال : حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت يبكي طويلا .

الحديث .

وفيه : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله الحديث .

قال ابن العربي : هذه لطيفة من الله سبحانه من بها على الخلق ; وذلك أن الكفار يقتحمون الكفر والجرائم ، ويرتكبون المعاصي والمآثم ; فلو كان ذلك يوجب مؤاخذة لهم لما استدركوا أبدا توبة ولا نالتهم مغفرة .

فيسر الله تعالى عليهم قبول التوبة عند الإنابة ، وبذل المغفرة بالإسلام ، وهدم جميع ما تقدم ; ليكون ذلك أقرب لدخولهم في الدين ، وأدعى إلى قبولهم لكلمة المسلمين ، ولو علموا أنهم يؤاخذون لما تابوا ولا أسلموا .

وفي صحيح مسلم أن رجلا فيمن كان قبلكم قتل تسعة وتسعين نفسا ثم سأل هل له من توبة فجاء عابدا فسأل هل له من توبة فقال : لا توبة لك فقتله فكمل به مائة الحديث .

فانظروا إلى قول العابد : لا توبة لك ; فلما علم أنه قد أيأسه قتله ، فعل الآيس من الرحمة .

فالتنفير مفسدة للخليقة ، والتيسير مصلحة لهم .

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان إذا جاء إليه رجل لم يقتل فسأل : هل لقاتل من توبة ؟

فيقول : لا توبة ; تخويفا وتحذيرا .

فإذا جاءه من قتل فسأله : هل لقاتل من توبة ؟

قال له : لك توبة ; تيسيرا وتأليفا .

وقد تقدم .الثالثة : قال ابن القاسم وابن وهب عن مالك فيمن طلق في الشرك ثم أسلم فلا طلاق له .

وكذلك من حلف فأسلم فلا حنث عليه .

وكذا من وجبت عليه هذه الأشياء ; فذلك مغفور له .

فأما من افترى على مسلم ثم أسلم أو سرق ثم أسلم أقيم عليه الحد للفرية والسرقة .

ولو زنى وأسلم ، أو اغتصب مسلمة ثم أسلم سقط عنه الحد .

وروى أشهب عن مالك أنه قال : إنما يعني الله عز وجل ما قد مضى قبل الإسلام ، من مال أو دم أو شيء .

قال ابن العربي : وهذا [ ص: 361 ] هو الصواب ; لما قدمناه من عموم قوله تعالى : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ، وقوله : الإسلام يهدم ما قبله ، وما بيناه من المعنى من التيسير وعدم التنفير .قلت : أما الكافر الحربي فلا خلاف في إسقاط ما فعله في حال كفره في دار الحرب .

وأما إن دخل إلينا بأمان فقذف مسلما فإنه يحد ، وإن سرق قطع .

وكذلك الذمي إذا قذف حد ثمانين ، وإذا سرق قطع ، وإن قتل قتل .

ولا يسقط الإسلام ذلك عنه لنقضه العهد حال كفره ; على رواية ابن القاسم وغيره .

قال ابن المنذر : واختلفوا في النصراني يزني ثم يسلم ، وقد شهدت عليه بينة من المسلمين ; فحكي عن الشافعي رضي الله عنه إذ هو بالعراق لا حد عليه ولا تغريب ; لقول الله عز وجل : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف قال ابن المنذر : وهذا موافق لما روي عن مالك .

وقال أبو ثور : إذا أقر وهو مسلم أنه زنى وهو كافر أقيم عليه الحد .

وحكي عن الكوفي أنه قال : لا يحد .الرابعة : فأما المرتد إذا أسلم وقد فاتته صلوات ، وأصاب جنايات وأتلف أموالا ; فقيل : حكمه حكم الكافر الأصلي إذا أسلم ; لا يؤخذ بشيء مما أحدثه في حال ارتداده .

وقال الشافعي في أحد قوليه : يلزمه كل حق لله عز وجل وللآدمي ; بدليل أن حقوق الآدميين تلزمه فوجب أن تلزمه حقوق الله تعالى .

وقال أبو حنيفة : ما كان لله يسقط ، وما كان للآدمي لا يسقط .

قال ابن العربي : وهو قول علمائنا ; لأن الله تعالى مستغن عن حقه ، والآدمي مفتقر إليه .

ألا ترى أن حقوق الله عز وجل لا تجب على الصبي وتلزمه حقوق الآدميين .

قالوا : وقوله تعالى : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف عام في حقوق الله تعالى .الخامسة قوله تعالى وإن يعودوا يريد إلى القتال ; لأن لفظة " عاد " إذا جاءت مطلقة فإنما تتضمن الرجوع إلى حالة كان الإنسان عليها ثم انتقل عنها .

قال ابن عطية : ولسنا نجد في هذه الآية لهؤلاء الكفار حالة تشبه ما ذكرنا إلا القتال .

ولا يجوز أن يتأول إلى الكفر ; لأنهم لم ينفصلوا عنه ، وإنما قلنا ذلك في " عاد " إذا كانت مطلقة لأنها قد تجيء في كلام العرب داخلة على الابتداء والخبر ، فيكون معناها معنى صار ; كما تقول : عاد زيد ملكا ; يريد صار .

ومنه قول أمية بن أبي الصلت :تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالاوهذه لا تتضمن الرجوع إلى حالة قد كان العائد عليها قبل .

فهي مقيدة بخبرها لا يجوز الاقتصار دونها ; فحكمها حكم " صار " .[ ص: 362 ] قوله تعالى فقد مضت سنة الأولين عبارة تجمع الوعيد والتهديد والتمثيل بمن هلك من الأمم في سالف الدهر بعذاب الله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا من لطفه تعالى بعباده لا يمنعه كفر العباد ولا استمرارهم في العناد، من أن يدعوهم إلى طريق الرشاد والهدى، وينهاهم عما يهلكهم من أسباب الغي والردى، فقال‏:‏ ‏{‏قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا‏}‏ عن كفرهم وذلك بالإسلام للّه وحده لا شريك له‏.‏ ‏{‏يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ‏}‏ منهم من الجرائم ‏{‏وَإِنْ يَعُودُوا‏}‏ إلى كفرهم وعنادهم ‏{‏فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ‏}‏ بإهلاك الأمم المكذبة، فلينتظروا ما حل بالمعاندين، فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون، فهذا خطابه للمكذبين .‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قل للذين كفروا إن ينتهوا ) عن الشرك ( يغفر لهم ما قد سلف ) أي : ما مضى من ذنوبهم قبل الإسلام ، ( وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين ) في نصر الله أنبياءه وإهلاك أعدائه .

قال يحيى بن معاذ الرازي : توحيد لم يعجز عن هدم ما قبله من كفر ، أرجو أن لا يعجز عن هدم ما بعده من ذنب .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل للذين كفروا» كأبي سفيان وأصحابه «إن ينتهوا» عن الكفر وقتال النبي صلى الله عليه وسلم «يُغفر لهم ما قد سلف» من أعمالهم «وإن يعودوا» إلى قتال «فقد مضت سنَّةُ الأولين» أي سنتنا فيهم بالإهلاك فكذا نفعل بهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- للذين جحدوا وحدانية الله مِن مشركي قومك: إن ينزجروا عن الكفر وعداوة النبي صلى الله عليه وسلم، ويرجعوا إلى الإيمان بالله وحده وعدم قتال الرسول والمؤمنين، يغفر الله لهم ما سبق من الذنوب، فالإسلام يجُبُّ ما قبله.

وإن يَعُدْ هؤلاء المشركون لقتالك -أيها الرسول- بعد الوقعة التي أوقعتها بهم يوم "بدر" فقد سبقت طريقة الأولين، وهي أنهم إذا كذبوا واستمروا على عنادهم أننا نعاجلهم بالعذاب والعقوبة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد كل هذا التهديد والوعيد للكافرين .

.

يوجه - سبحانه - خطابه إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - يأمره فيه أن يبلغهم حكم الله إذا ما انتهوا عن كفرهم ، كما يأمر المؤمنين أن يقاتلوهم حتى تكون كلمة الله هى العليا ، فيقول - سبحانه - : ( قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَإِن تَوَلَّوْاْ فاعلموا أَنَّ الله مَوْلاَكُمْ نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير ) .أى : ( قُل ) يا محمد لهؤلاء الذين كفروا بالحق بما جاءهم ، من أهل مكة وغيرهم ، قل لهم : ( إِن يَنتَهُواْ ) عن كفرهم وعداوتهم للمؤمنين ( يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ) من كفرهم ومعاصيهم ( وَإِنْ يَعُودُواْ ) إلى قتالك ويستمروا فى ضلالهم وكفرهم وطغيانهم ، انتقمنا منهم ، ونصرنا المؤمنين عليهم ( فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ ) على ذلك .أى : فقد مضت سنة الله - تعالى - فى الأولين ، وسنته لا تتخلف فى أنه - سبحانه - يعذب المكذبين بعد إنذارهم وتبليغهم دعوته ، وينصر عباده المؤمنين وينجيهم ويمكن لهم فى الأرض .

وقد رأى هؤلاء المشركون كيف كانت عاقبة أمرهم فى بدر ، وكيف أهلك - سبحانه - الكافرين من الأمم قبلهم .وجواب الشرط لقوله ( وَإِنْ يَعُودُواْ ) محذوف والتقدير : وإن يعودوا ننتقم منهم .وقوله ( فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ ) تعليل للجواب المحذوف .قال الآلوسى : قوله ( فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ ) أى عادة الله الجارية فى الذين تحزبوا على الأنبياء ، من نصر المؤمنين عليهم وخذلانهم وتدميرهم .

وأضيفت السنة إليهم لما بينهما من الملابسة الظاهرة .

ونظير ذلك قوله - سبحانه - ( سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا ) فأضاف السنة إلى المرسلين مع أنها سنته لقوله - سبحانه - ( وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً ) باعتبار جريانها على أيديهم .

ويدخل فى الأولين الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر .والآية حث على الإِيمان وترغيب فيه .

.

واستدل بها على أن الإِسلام يجب ما قبله ، وأن الكافر إذا أسلم لا يخاطب بقضاء ما فاته من صلاة أو زكاة أو وصوم أو إتلاف مال أو نفس .

وأجرى المالكية ذلك كله فى المرتد إذا تاب لعلموم الآية .

.والمعنى : عليكم - أيها المؤمنون - إذا ما استمر أولئك الكافرون فى كفرهم وعدوانهم ، أن تقاتلوهم بشدة وغلظة ، وأن تستمروا فى قتالهم حتى تزول صولة الشرك ، وحتى تعيشوا أحرارا فى مبشارة تعاليم دينكم ، دون أن يجرؤ أحد على محاولة فتنتكم فى عقيدتكم أو عبادتكم .

.

حتى تصير كلمة الذين كفروا هى السفلى .قال الجمل : وقوله : ( وَقَاتِلُوهُمْ ) معطوف على قوله ( قُل لِلَّذِينَ كفروا ) .

ولكن لما كان الغرض من الأول التلطف بهم وهو وظيفة النبى وحده جاء بالإفراد .

ولما كان الغرض من الثانى تحريض المؤمنين على القتال جاء بالجمع فخوطبوا جميعا .وقوله ( فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) أى : فإن انتهوا عن كفرهم وعن معاداتكم ، فكفوا أيديكم عنهم ، فإن الله - تعالى - لا يخفى عليه شئ من أعمالهم ، وسيجازيهم عليها بما يستحقون من ثواب أو عقاب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين صلاتهم في عباداتهم البدنية، وعباداتهم المالية، أرشدهم إلى طريق الصواب وقال: ﴿ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: ﴿ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ أي قل لأجلهم هذا القول، وهو: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ ﴾ ولو كان بمعنى خاطبهم به لقيل: إن تنتهوا يغفر وقال ابن مسعود هكذا.

المسألة الثانية: المعنى: أن هؤلاء الكفاء إن انتهوا عن الكفر وعداوة الرسول، ودخلوا الإسلام والتزموا شرائعه غفر الله لهم ما قد سلف من كفرهم وعداوتهم للرسول وإن عادوا إليه وإصروا عليه فقد مضت سنة الأولين.

وفيه وجوه: الأول: المراد فقد مضت سنة الأولين منهم الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر.

الثاني: فقد مضت سنة الأولين الذين تحزبوا على أنبيائهم من الأمم الذين قد مروا فليتوقعوا مثل ذلك إن لم ينتهوا.

الثالث: أن معناه أن الكفار إذا انتهوا عن الكفر وأسلموا غفر لهم ما قد سلف من الكفر والمعاصي وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين وهي قوله: ﴿ كَتَبَ الله لاَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى  ﴾ ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا  ﴾ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ﴿ أَنَّ الارض يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصالحون  ﴾ .

المسألة الثالثة: اختلف الفقهاء في أن توبة الزنديق هل تقبل أم لا؟

والصحيح أنها مقبولة لوجوه: الأول: هذه الآية، فإن قوله: ﴿ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ يتناول جميع أنواع الكفر.

فإن قيل: الزنديق لا يعلم من حاله أنه هل انتهى من زنذقته أم لا؟

قلنا: أحكام الشرع مبنية على الظواهر، كما قال عليه السلام: «نحن نحكم بالظاهر» فلما رجع وجب قبول قوله فيه.

الثاني: لا شك أنه مكلف بالرجوع ولا طريق له إليه إلا بهذه التوبة فلو لم تقبل لزم تكليف ما لا يطاق.

الثالث: قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات  ﴾ .

المسألة الرابعة: احتج أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشرائع، قالوا لأنهم لو كانوا مخاطبين بها، لكان إما أن يكونوا مخاطبين بها مع الكفر أو بعد زوال الكفر.

والأول باطل بالإجماع، والثاني باطل؛ لأن هذه الآية تدل على أن الكافر بعد الإسلام لا يؤاخذ بشيء مما مر عليه في زمان الكفر وإيجاب قضاء تلك العبادات ينافي ظاهره هذه الآية.

المسألة الخامسة: احتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية على أن المرتد إذا أسلم لم يلزمه قضاء العبادات التي تركها في حالة الردة وقبلها، ووجه الدلالة ظاهر.

المسألة السادسة: قال عليه السلام: «الإسلام يجب ما قبله» فإذا أسلم الكافر لم يلزمه قضاء شيء من العبادات البدنية والمالية وما كان له من جناية على نفس أو مال فهو معفو عنه وهو ساعة إسلامه كيوم ولدته أمه.

وقال يحيى بن معاذ الرازي في هذه الآية أن توحيد ساعة يهدم كفر سبعين سنة، وتوحيد سبعين سنة كيف لا يقوى على هدم ذنب ساعة؟

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ من أبي سفيان وأصحابه.

أي قل لأجلهم هذا القول وهو ﴿ إِن يَنتَهُواْ ﴾ ولو كان بمعنى خاطبهم به لقيل: إن تنتهوا يغفر لكم، وهي قراءة ابن مسعود.

ونحوه: ﴿ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ﴾ [الأحقاف: 11] خاطبوا به غيرهم لأجلهم ليسمعوه، أي إن ينتهوا عما هم عليه من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتاله بالدخول في الإسلام ﴿ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ لهم من العداوة ﴿ وَإِن يَعُودُواْ ﴾ لقتاله: ﴿ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأولين ﴾ منهم الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر.

أو فقد مضت سنة الذين تحزّبوا على أنبيائهم من الأمم فدمّروا، فليتوقعوا مثل ذلك إن لم ينتهوا.

وقيل: معناه أنّ الكفار إذا انتهوا عن الكفر وأسلموا غفر لهم ما قد سلف لهم من الكفر والمعاصي، وخرجوا منها كما تنسلّ الشعرة من العجين.

ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «الإسلام يجب ما قبله» وقالوا: الحربي إذا أسلم لم يبق عليه تبعة قط.

وأما الذمي فلا يلزمه قضاء حقوق الله وتبقى عليه حقوق الآدميين.

وبه احتجّ أبو حنيفة رحمه الله في أنّ المرتدَّ إذا أسلم لم يلزمه قضاء العبادات المتروكة في حال الردّة.

وقبلها؛ وفسر ﴿ وَإِن يَعُودُواْ ﴾ بالارتداد.

وقرئ ﴿ يغفر لهم ﴾ على أن الضمير لله عز وجل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، أوِ الفَسادَ مِنَ الصَّلاحِ.

واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿ يُحْشَرُونَ ﴾ أوْ ﴿ يُغْلَبُونَ ﴾ أوْ ما أنْفَقَهُ المُشْرِكُونَ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ  مِمّا أنْفَقَهُ المُسْلِمُونَ في نُصْرَتِهِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ ﴿ ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ (لِيُمَيِّزَ) مِنَ التَّمْيِيزِ وهو أبْلَغُ مِنَ المَيْزِ.

﴿ وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا ﴾ فَيَجْمَعُهُ ويَضُمُّ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ حَتّى يَتَراكَبُوا لِفَرْطِ ازْدِحامِهِمْ، أوْ يَضُمُّ إلى الكافِرِ ما أنْفَقَهُ لِيَزِيدَ بِهِ عَذابُهُ كَمالِ الكانِزِينَ.

﴿ فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ ﴾ كُلَّهُ.

﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الخَبِيثِ لِأنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالفَرِيقِ الخَبِيثِ أوْ إلى المُنْفِقِينَ.

﴿ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ الكامِلُونَ في الخُسْرانِ لِأنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهم وأمْوالَهم.

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ والمَعْنى قُلْ لِأجْلِهِمْ.

﴿ إنْ يَنْتَهُوا ﴾ عَنْ مُعاداةِ الرَّسُولِ  بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ.

﴿ يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ ﴾ مِن ذُنُوبِهِمْ، وقُرِئَ بِالتّاءِ والكافِ عَلى أنَّهُ خاطَبَهم و « يَغْفِرْ» عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ تَعالى.

﴿ وَإنْ يَعُودُوا ﴾ إلى قِتالِهِ.

﴿ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ ﴾ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الأنْبِياءِ بِالتَّدْمِيرِ كَما جَرى عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَلْيَتَوَقَّعُوا مِثْلَ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي أبي سفيان وأصحابه {إن ينتهوا} عماهم عليه من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتلاه بالدخول في الإسلام {يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سلف} لهم من الاعداوة {وإن يعودوا} قلتاله {فقد مضت سنة الأولين} بالإهلاك فى الدنيا والعذاب فى العقبى

أو معناه أن الكفار إذا انتهوع عن الكفر وأسلموا غفرلهم ماقد سلف من الكفر والمعاصي وبه احتج أبو حنيفة رحمه الله في أن المرتد إذا أسلم لم يلزمه قضاء العبادات المتروكة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيِ: المَعْهُودِينَ وهم أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، واللّامُ عِنْدَ جَمْعٍ لِلتَّعْلِيلِ أيْ: قُلْ لِأجْلِهِمْ: ﴿ إنْ يَنْتَهُوا ﴾ عَمّا هم فِيهِ مِن مُعاداةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ ﴿ يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ ﴾ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها المُعاداةُ والإنْفاقُ في الضَّلالِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّ اللّامَ لِلتَّبْلِيغِ وأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُمِرَ أنْ يَقُولَ هَذا المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ ألْفاظُ هَذِهِ الجُمْلَةِ المَحْكِيَّةِ بِالقَوْلِ سَواءٌ قالَهُ بِهَذِهِ العِبارَةِ أمْ غَيْرِها، وهَذا الخِلافُ إنَّما هو عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ (إنْ تَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَكُمْ) بِالخِطابِ فَلا خِلافَ في أنَّها لِلتَّبْلِيغِ عَلى مَعْنى: خاطِبْهم بِذَلِكَ، وقُرِئَ: (نَغْفِرْ لَهُمْ) عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ وإنْ يَعُودُوا ﴾ إلى قِتالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ إلى المُعاداةِ عَلى مَعْنى إنْ داوَمُوا عَلَيْها ﴿ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ: عادَةُ اللَّهِ تَعالى الجارِيَةُ في الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن نَصْرِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ وخِذْلانِهِمْ وتَدْمِيرِهِمْ، وأُضِيفَتِ السُّنَّةُ إلَيْهِمْ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ الظّاهِرَةِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا ﴾ فَأضافَ السُّنَّةَ إلى المُرْسَلِينَ مَعَ أنَّها سُنَّتُهُ تَعالى لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلا ﴾ بِاعْتِبارِ جَرَيانِها عَلى أيْدِيهِمْ، ويَدْخُلُ في الأوَّلِينَ الَّذِينَ حاقَ بِهِمْ مَكْرُهم يَوْمَ بَدْرٍ، وبَعْضُهم فَسَّرَهُ بِذَلِكَ، ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى لِعُمُومِهِ، ولِأنَّ السُّنَّةَ تَقْتَضِي التَّكَرُّرَ في العُرْفِ وإنْ قالُوا: العادَةُ تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ، والجُمْلَةُ عَلى ما في البَحْرِ دَلِيلُ الجَوابِ، والتَّقْدِيرُ: إنْ يَعُودُوا انْتَقَمْنا مِنهم أوْ نَصَرْنا المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ.

﴿ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ ﴾ ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ المُرادَ بِالَّذِينِ كَفَّرُوا الكُفّارُ مُطْلَقًا، والآيَةُ حَثٌّ عَلى الإيمانِ وتَرْغِيبٌ فِيهِ، والمَعْنى أنَّ الكُفّارَ إنِ انْتَهَوْا عَنِ الكُفْرِ وأسْلَمُوا غُفِرَ لَهم ما سَلَفَ مِنهم مَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي وخَرَجُوا مِنها كَما تَنْسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ العَجِينِ، وإنْ عادُوا إلى الكُفْرِ بِالِارْتِدادِ فَقَدْ رَجَعَ التَّسْلِيطُ والقَهْرُ عَلَيْهِمْ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وأنَّ الكافِرَ إذا أسْلَمَ لا يُخاطَبُ بِقَضاءِ ما فاتَهُ مِن صَلاةٍ أوْ زَكاةٍ أوْ صَوْمٍ أوْ إتْلافِ مالٍ أوْ نَفْسٍ، وأجْرى المالِكِيَّةُ ذَلِكَ كُلَّهُ في المُرْتَدِّ إذا تابَ لِعُمُومِ الآيَةِ، واسْتَدَلُّوا بِها عَلى إسْقاطِ ما عَلى الذِّمِّيِّ مِن جِزْيَةٍ وجَبَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ إسْلامِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ قالَ: لا يُؤاخَذُ الكافِرُ بِشَيْءٍ صَنَعَهُ في كُفْرِهِ إذا أسْلَمَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ إنْ يَنْتَهُوا ﴾ إلَخْ.

وقالَ بَعْضٌ: إنَّ الحَرْبِيَّ إذا أسْلَمَ لَمْ تَبْقَ عَلَيْهِ تَبِعَةٌ أصْلًا، وأمّا الذِّمِّيُّ فَلا يَلْزَمُهُ قَضاءُ حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى وتَلْزَمُهُ حُقُوقُ العِبادِ، ونُسِبَ إلى الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ مَذْهَبَهُ في المُرْتَدِّ كَمَذْهَبِ المالِكِيَّةِ في أنَّهُ إذا رَجَعَ إلى الإسْلامِ لَمْ تَبْقَ عَلَيْهِ تَبِعَةٌ وهو كالصَّرِيحِ في أنَّ مَن عَصى طُولَ العُمْرِ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أسْلَمَ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ.

ونَسَبَ بَعْضُهم قَوْلَ ذَلِكَ إلَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ صَرِيحًا وادَّعى أنَّهُ احْتُجَّ عَلَيْهِ بِالآيَةِ، وأنَّهُ في غايَةِ الضَّعْفِ؛ إذِ المُرادُ بِالكُفْرِ المُشارِ إلَيْهِ في الآيَةِ هو الكُفْرُ الأصْلِيُّ، وبِما سَلَفَ ما مَضى في حالِ الكُفْرِ، وتُعُقِّبَ ذَلِكَ بِأنَّ أبا حَنِيفَةَ ومالِكًا أبْقَيا الآيَةَ عَلى عُمُومِها لِحَدِيثِ: ««الإسْلامُ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ»».

وإنَّهُما قالا: إنَّ المُرْتَدَّ يَلْزَمُهُ حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ دُونَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى كَما في كِتابِ أحْكامِ القُرْآنِ لِابْنِ عَبْدِ الحَقِّ، وخالَفَهُما الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقالَ: يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الحُقُوقِ، وأنا أقُولُ ما ذَكَرَهُ ذَلِكَ البَعْضُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ في العاصِي المَذْكُورِ في غايَةِ الغَرابَةِ، وفي كُتُبِ الأصْحابِ ما يُخالِفُهُ، فَفي الخافِيَةِ: إذا كانَ عَلى المُرْتَدِّ قَضاءُ صَلَواتٍ أوْ صِياماتٍ تَرَكَها فِي الإسْلامِ ثُمَّ أسْلَمَ قالَ شَمْسُ الأئِمَّةِ الحَلْوانِيُّ: عَلَيْهِ قَضاءُ ما تَرَكَ في الإسْلامِ؛ لِأنَّ تَرْكَ الصَّلاةِ والصِّيامِ مَعْصِيَةٌ تَبْقى بَعْدَ الرِّدَّةِ، نَعَمْ ذَكَرَ قاضِيخانُ فِيها ما يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ الأشْياءِ يَسْقُطُ عَنْ هَذا المُرْتَدِّ إذا عادَ إلى الإسْلامِ وأطالَ الكَلامَ في المُرْتَدِّ، ولا بَأْسَ بِنَقْلِ شَيْءٍ مِمّا لَهُ تَعَلُّقٌ في هَذا المَبْحَثِ؛ إذْ لا يَخْلُو عَنْ فائِدَةٍ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: مُسْلِمٌ أصابَ مالًا أوْ شَيْئًا يَجِبُ بِهِ القَصاصُ أوْ حَدُّ قَذْفٍ ثُمَّ ارْتَدَّ أوْ أصابَ ذَلِكَ، وهو مُرْتَدٌّ في دارِ الإسْلامِ ثُمَّ لَحِقَ بِدارِ الحَرْبِ وحارَبَ المُسْلِمِينَ زَمانًا، ثُمَّ جاءَ مُسْلِمًا فَهو مَأْخُوذٌ بِجَمِيعِ ذَلِكَ ولَوْ أصابَ ذَلِكَ بَعْدَ ما لَحِقَ بِدارِ الحَرْبِ مُرْتَدًّا وأسْلَمَ؛ فَذَلِكَ كُلُّهُ مَوْضُوعٌ عَنْهُ، وما أصابَ المُسْلِمُ مِن حُدُودِ اللَّهِ تَعالى كالزِّنا والسَّرِقَةِ وقَطْعِ الطَّرِيقِ ثُمَّ ارْتَدَّ أوْ أصابَ ذَلِكَ بَعْدَ الرِّدَّةِ ثُمَّ لَحِقَ بِدارِ الحَرْبِ، ثُمَّ جاءَ مُسْلِمًا فَكُلُّ ذَلِكَ يَكُونُ مَوْضُوعًا عَنْهُ إلّا أنَّهُ يَضْمَنُ المالَ في السَّرِقَةِ، وإذا أصابَ دَمًا في الطَّرِيقِ كانَ عَلَيْهِ القَصاصُ، وما أصابَ في قَطْعِ الطَّرِيقِ مِنَ القَتْلِ خَطَأً فَفِيهِ الدِّيَةُ عَلى عاقِلَتِهِ إنْ أصابَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ وفي مالِهِ أصابَهُ بَعْدَها، وإنْ وجَبَ عَلى المُسْلِمِ حَدُّ الشُّرْبِ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أسْلَمَ قَبْلَ اللُّحُوقِ بِدارِ الحَرْبِ فَإنَّهُ لا يُؤاخَذُ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ الكُفْرَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الحَدِّ ابْتِداءً، فَإذا اعْتُرِضَ مَنعُ البَقاءِ وإنْ أصابَ المُرْتَدُّ ذَلِكَ وهو مَحْبُوسٌ لا يُؤاخَذُ بِحَدِّ الخَمْرِ والسُّكْرِ ويُؤاخَذُ بِما سِوى ذَلِكَ مِن حُدُودِ اللَّهِ تَعالى، ويَتَمَكَّنُ الإمامُ مِن إقامَةِ هَذا الحَدِّ إذا كانَ في يَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ في يَدِهِ حِينَ أصابَ ذَلِكَ ثُمَّ أسْلَمَ قَبْلَ اللُّحُوقِ بِدارِ الحَرْبِ فَهو مَوْضُوعٌ عَنْهُ أيْضًا.

انْتَهى، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُمُ: المُرْتَدُّ يَلْزَمُهُ حُقُوقُ العِبادِ دُونَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ، وتَمامُ الكَلامِ في الفُرُوعِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الوَجْهَ في الآيَةِ هو المُطابِقُ لِمُقْتَضى المَقامِ وأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ الكُفْرِ الكُفْرُ الأصْلِيُّ.

و««الإسْلامُ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ»» بَعْضٌ مِن حَدِيثٍ أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ «عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ لِأُبايِعَكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ الشَّرِيفَةَ قالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما لَكَ يا عَمْرُو؟

قُلْتُ: أرَدْتُ أنْ أشْتَرِطَ.

قالَ: تَشْتَرِطُ ماذا؟

قُلْتُ: أشْتَرِطُ أنْ يُغْفَرَ لِي.

قالَ: أما عَلِمْتَ أنَّ الإسْلامَ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ، وأنَّ الهِجْرَةَ تَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَها، وأنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ»» الحَدِيثَ.

والظّاهِرُ أنَّ (ما) لا يُمْكِنُ حَمْلُها في الكُلِّ عَلى العُمُومِ كَما لا يَخْفى فَلا تَغْفُلْ.

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الكافِرَ إذا أسْلَمَ يَلْزَمُهُ التَّوْبَةُ والنَّدَمُ عَلى ما سَلَفَ مَعَ الإيمانِ حَتّى يُغْفَرَ لَهُ وفِيهِ تَأمُّلٌ فَتَأمَّلْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ على عداوة رسول الله  لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني: ليصرفوا الناس عن دين الله وطاعته.

قال ابن عباس: «نزلت الآية في المطعمين يوم بدر، وهم الذين كانوا يطعمون أهل بدر حين خرجوا في طريقهم» .

قال الله تعالى: فَسَيُنْفِقُونَها.

وكانوا ثلاثة عشر رجلاً أطعموا الناس الطعام، فكان على كل رجل منهم يوماً، منهم: أبو جهل، وأخوه الحارث، ابنا هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، وأبي بن خلف وغيرهم.

يقول الله تبارك وتعالى: فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، يعني: تكون نفقاتهم عليهم حسرة وندامة، لأنها تكون لهم زيادة العذاب، فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وظهورهم.

وقال مجاهد: هو نفقة أبي سفيان على الكفار يوم أحد.

وقال الحكم: أنفق أبو سفيان على المشركين يوم أحد أربعين أوقية ذهباً.

ثُمَّ يُغْلَبُونَ، يعني: يهزمون ولا تنفعهم نفقتهم شيئاً.

وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ، يعني: القتل والهزيمة لم تكن كفارة لذنوبهم، فيحشرون في الآخرة إلى جهنم.

ثم قال الله تعالى: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، يعني: الْخَبِيثَ من العمل والطَّيِّبِ من العمل، وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً يعني يجمعه وهذا قول الكلبي، وقال مقاتل: ليميز الله الكافرين من المؤمنين، ويجعل في الآخرة الخبيثة أنفسهم ونفقاتهم وأنفسهم، فيركم بعضه على بعض جميعا، فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ويقال: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ بين نفقة المؤمنين ونفقة المشركين، فيقبل نفقة المؤمنين ويثيبهم على ذلك، ويجعل نفقة الكفار وبالاً عليهم، ويجعل ذلك سبباً لعقوبتهم، فتكوى بها جباههم.

وقال القتبي: فَيَرْكُمَهُ أي: يجعله ركاماً بعضه على بعض.

ثم قال: أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ، يعني: المغبونين في العقوبة.

قرأ حمزة والكسائي لِيَمِيزَ اللَّهُ بضم الياء مع التشديد، والباقون لِيَمِيزَ بالنصب مع التخفيف، ومعناهما واحد: مَازَ يُميِزُ وَمَيَّزَ يُمَيِّزُ.

قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا، يعني أبا سفيان وأصحابه، وما كان في مثل حالهم إلى يوم القيامة: إِنْ يَنْتَهُوا أي: عن الشرك وعن قتال محمد، وعن المؤمنين، يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ يعني: يتجاوز عنهم ما سلف من ذنوبهم وشركهم.

وَإِنْ يَعُودُوا إلى قتال محمد  وأصحابه، فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ بنصرة أوليائه وقهر أعدائه.

ويقال: يعني، القتل يحذرهم بالعقوبة لكيلا يعودوا فيصيبهم مثل ما أصابهم وقال الكلبي: فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ أن ينصر الله أنبيائه ومن آمن معهم، كقوله: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا [غافر: 51] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

على فائتٍ، وهذا من أخبار القرآن بالغيوب قبل أن تكون، فكان كما أخبر، ثم أخبر سبحانه عن الكافرين، وأنهم يُجْمَعُونَ إِلى جهنّم، والحشر: الجمع.

لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٣٧) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)

وقوله سبحانه: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، وقرأ حمزة والكسائيُّ «١» : «لِيُمَيِّزَ اللَّهُ» - بضم الياءِ، وفتحِ الميم، وشدِّ الياء-، قال ابن عباس وغيره: المعنيُّ ب الْخَبِيثَ:

الكفَّارُ، وب الطَّيِّبِ المؤمنون «٢» ، وقال ابْنُ سَلاَّم والزَّجَّاج: الْخَبِيثَ: ما أنفقه المشركون في الصَّدِّ عن سبيل اللَّه، والطَّيِّبِ: هو ما أنفقه المؤمنون في سبيل اللَّهِ «٣» .

قال ع «٤» : روي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أَنَّ اللَّه سبحانه يُخْرِجُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَالِ مَا كَانَ صَدَقَةً أَوْ قُرْبَةً، ثُمَّ يأْمُرُ بِسَائِرِ ذَلِكَ، فيلقى فِي النَّارِ: وعلى التأويلين: فقوله سبحانه: وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً إِنما هي عبارةٌ عن جَمْع ذلك، وضَمه، وتأليف أشتاته، وتكاثُفِه بالاجتماع، ويَرْكُمُهُ في كلام العرب: يُكَثِّفه ومنه سَحابٌ مَرْكُومٌ [الطور: ٤٤] وعبارة البخاريِّ: فيركمه: فَيَجْمَعه.

انتهى.

وقوله سبحانه: إِنْ يَنْتَهُوا، يعني: عن الكفر، يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ لأن الإِسلام يجبّ ما قبله، وإِنْ يَعُودُوا، يريدُ بِهِ: إِلى القِتَالِ، ولا يصحُّ أن يُتَأَوَّل: وإن يعودوا إِلى الكُفْرِ لأنهم لم ينفصلوا عنه.

وقوله: فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ/ الْأَوَّلِينَ: عبارةٌ تجمَعُ الوعيدَ والتهديدَ والتمثيلَ بمَنْ هَلَكَ من الأمم في سالف الدَّهْرِ بعذاب اللَّه حين صدَّ في وَجْهِ نبيِّه بمَنْ هلك في يَوْمِ بَدْرٍ بسيف الإسلام.

وقوله سبحانه: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ قال ابن عباس، وابن عمر،

وغيرهما: الفِتْنَةُ: الشِّرْكُ «١» .

قال ع «٢» : وهذا هو الظاهر، ويفسّر هذه الآية قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إله إلّا الله ...

» «٣» الحديث.

وقال ابن إِسحاق: معناها: حتَّى لا يفتن أحَدٌ عن دينهِ كما كانت قريشٌ تَفْعَلُ بمكّة بمن أسلم.

وقوله: وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، أيْ: لا يُشْرَكَ معه صَنَمٌ، ولا وَثَنٌ، ولا يُعْبَدَ غيره

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وفي مَعْنى الآَيَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إنْ يَنْتَهُوا عَنِ المُحارَبَةِ، يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ مِن حَرْبِهِمْ، فَلا يُؤاخَذُونَ بِهِ؛ وإنْ يَعُودُوا إلى المُحارَبَةِ، فَقَدْ مَضَتْ سَنَةٌ الأوَّلِينَ في نَصْرِ اللَّهِ أوْلِياءَهُ وقِيلَ: في قَتْلِ مَن قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ وأُسِرَ.

والثّانِي: إنْ يَنْتَهُوا عَنِ الكُفْرِ، يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ مِنَ الإثْمِ؛ وإنْ يَعُودُوا إلَيْهِ، فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ حِينَ أُخِذُوا بِالعَذابِ المُسْتَأْصَلِ.

قالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ في هَذِهِ الآَيَةِ: إنَّ تَوْحِيدًا لَمْ يَعْجِزْ عَنْ هَدْمِ ما قَبْلَهُ مِن كَفْرٍ، لا يَعْجِزُ عَنْ هَدْمِ ما بَعْدَهُ مِن ذَنْبٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِيَمِيزَ اللهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَيِّبِ ويَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ وإنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإنِ انْتَهَوْا فَإنِ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ﴿ وَإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَوْلاكم نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَصِيرُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "لِيَمِيزَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ بْنِ نَصاحٍ، وشِبْلٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، تَقُولُ: مِزْتُ الشَيْءَ، والعَرَبُ تَقُولُ: مِزْتُهُ فَلَمْ يَتَمَيَّزْ لِي، حَكاهُ يَعْقُوبُ، وفي شاذِّ القِراءَةِ: "وانْمازُوا اليَوْمَ"، وأنْشَدَ أبُو زَيْدٍ: لَمّا ثَنى اللهُ عَنِّي شَرَّ عَدُوَّتِهِ ∗∗∗ وانْمَزْتُ لا مُنْشِئًا ذُعْرًا ولا وجِلا وهُوَ مُطاوِعُ: مازَ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيًّ: "لِيُمَيِّزَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الياءِ، وهي قِراءَةُ قَتادَةَ، وطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشِ، والحَسَنِ أيْضًا، وعِيسى البَصَرِيِّ، تَقُولُ: مَيَّزَتْ أُمَيِّزُ إذا فَرَّقْتَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَصاعِدًا، وفي القُرْآنِ ﴿ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ  ﴾ فَهو مُطاوِعُ مَيَّزَ ومَعْناهُ: تَنْفَصِلُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والسُدِّيُّ: المَعْنِيُّ بِالخَبِيثِ الكُفّارُ، وبِالطَيِّبِ المُؤْمِنُونَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واللامُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مِن قَوْلِهِ: ﴿ لِيَمِيزَ ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿ يُحْشَرُونَ  ﴾ ، والمَعْنى أنَّ اللهَ يَحْشُرُ الكافِرِينَ إلى جَهَنَّمَ لِيَمِيزَ الكافِرِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَجْمَعَ الكافِرِينَ جَمِيعًا فَيُلْقِيَهم في جَهَنَّمَ.

ثُمَّ أخْبَرَ عنهم أنَّهم هُمُ الخاسِرُونَ، أيِ:الَّذِينَ خابَتْ سِعايَتُهم وتَبَّتْ أيْدِيهِمْ وصارُوا إلى النارِ، وقالَ ابْنُ سَلامٍ، والزَجّاجُ: المَعْنِيُّ بِالخَبِيثِ المالُ الَّذِي أنْفَقَهُ المُشْرِكُونَ في الصَدِّ عن سَبِيلِ اللهِ، والطَيِّبُ هو ما أنْفَقَهُ المُؤْمِنُونَ في سَبِيلِ اللهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واللامُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مِن قَوْلِهِ: ﴿ لِيَمِيزَ ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿ يُغْلَبُونَ  ﴾ ، والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم فَتَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ مَعَ نَفَقَتِها، وذَلِكَ لِيَمِيزَ اللهُ الفَرْقَ بَيْنَ الخَبِيثِ والطَيِّبِ فَيَخْذُلَ أهْلَ الخَبِيثِ ويَنْصُرَ أهْلَ الطَيِّبِ، وقَوْلُهُ تَعالى -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-: ﴿ وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي جَهَنَّمَ ﴾ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما رُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ  : « "إنَّ اللهَ تَعالى يُخْرِجُ مِنَ الأمْوالِ ما كانَ صَدَقَةً أو قُرْبَةً يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يَأْمُرُ بِسائِرِ ذَلِكَ فَيُلْقى في النارِ"،» وحَكى الزَهْراوِيُّ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الكُفّارَ يُعَذَّبُونَ بِذَلِكَ المالِ، فَهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهُمْ  ﴾ ، وقالَهُ الزَجّاجُ، وعَلى التَأْوِيلَيْنِ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا ﴾ إنَّما هي عِبارَةٌ عن جَمْعِ ذَلِكَ وضَمِّهِ وتَأْلِيفِ أشْتاتِهِ وتَكاثُفِهِ بِالِاجْتِماعِ.

وَ"يَرْكُمُهُ" في كَلامِ العَرَبِ: يُكَثِّفُهُ، ومِنهُ: ﴿ سَحابٌ مَرْكُومٌ  ﴾ ورُكامٌ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: ...................

∗∗∗ ∗∗∗ زُعْ بِالزِمامِ وجَوْزُ اللَيْلِ مَرْكُومُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ ﴾ بِمَعْنى يُلْقِي، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ.

و ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- يُرادُ بِهِ المُنافِقُونَ مِنَ الكُفّارِ، ولَفْظَةُ الخَسارَةِ تَلِيقُ بِهِمْ مِن جِهَةِ المالِ وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الجِهاتِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ، أمْرٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِنَبِيِّهِ  أنْ يَقُولَ لِلْكُفّارِ هَذا المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَهُ ألْفاظُ قَوْلِهِ ﴿ إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ ﴾ ، وسَواءٌ قالَهُ النَبِيُّ  في هَذِهِ العِبارَةِ أو غَيْرِها، ولَوْ كانَ الكَلامُ كَما ذَكَرَ الكِسائِيُّ أنَّهُ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "قُلْ لِلَّذِينِ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَكُمْ" لَما تَأدَّتِ الرِسالَةُ إلّا بِتِلْكَ الألْفاظِ بِعَيْنِها، هَذا بِحَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ الألْفاظُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ يَنْتَهُوا ﴾ يُرِيدُ بِهِ: عَنِ الكَفْرِ ولابُدَّ، والحامِلُ عَلى ذَلِكَ جَوابُ الشَرْطِ بِـ ﴿ يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ ﴾ ، ومَغْفِرَةُ ما قَدْ سَلَفَ لا تَكُونُ إلّا لِمُنْتَهٍ عَنِ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ: ( إنْ يَعُودُوا ) يُرِيدُ بِهِ: إلى القِتالِ، لِأنَّ لَفْظَةَ "عادَ يَعُودُ" إذا جاءَتْ مُطْلَقَةً فَإنَّما تَتَضَمَّنُ الرُجُوعَ إلى حالَةٍ قَدْ كانَ الإنْسانُ عَلَيْها، ثُمَّ تَنَقَّلَ عنها، ولَسْنا نَجْدُ في هَذِهِ الآيَةِ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ حالَةً تُشْبِهُ ما ذَكَرْنا، إلّا القِتالَ، ولا يَصِحُّ أنْ يَتَأوَّلَ: "وَإنْ يَعُودُوا إلى الكُفْرِ" لِأنَّهم لَمْ يَنْفَصِلُوا عنهُ، وإنَّما قُلْنا في "عادَ": "إذا كانَتْ مُطْلَقَةً" لِأنَّها قَدْ تَجِيءُ في كَلامِ العَرَبِ داخِلَةً عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ بِمَنزِلَةِ "صارَ"، وذَلِكَ كَما تَقُولُ: "عادَ زَيْدٌ مَلِكًا" تُرِيدُ: صارَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي الصَلْتِ: تِلْكَ المَكارِمُ لا قَعْبانِ مِن لَبَنٍ ∗∗∗ ∗∗∗ شِيبا بِماءٍ فَعادا بَعْدُ أبْوالًا وهَذِهِ لا تَتَضَمَّنُ الرُجُوعَ لِحالَةٍ قَدْ كانَ العائِدُ عَلَيْها قَبْلُ، لَكِنَّها مُقَيَّدَةٌ بِخَبَرِها لا يَجُوزُ الِاقْتِصارُ دُونَهُ، فَحُكْمُها حُكْمُ "صارَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ ﴾ تَجَمَّعَ الوَعِيدُ والتَهْدِيدُ والتَمْثِيلُ بِمَن هَلَكَ مِنَ الأُمَمِ في سالِفِ الدَهْرِ بِعَذابِ اللهِ حِينَ صَدَّ في وجْهِ نَبِيِّهِ، وبِمَن هَلَكَ في يَوْمِ بَدْرٍ بِسَيْفِ الإسْلامِ والشَرْعِ، والمَعْنى: فَقَدْ رَأيْتُمْ وسَمِعْتُمْ عَنِ الأُمَمِ ما حَلَّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَخْوِيفُ عَلَيْهِمْ بِقِصَّةٍ بَدْرٍ أشَدُّ إذْ هي القَرِيبَةُ مِنهم والمُعايَنَةُ عِنْدَهُمْ، وعَلَيْها نَصَّ ابْنُ إسْحاقَ، والسُدِّيُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ الآيَةُ، أمْرٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فُرِضَ بِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ أنْ يُقاتِلُوا الكُفّارَ، والفِتْنَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناها: الشِرْكُ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: مَعْناها: حَتّى لا يُفْتَنَ أحَدٌ عن دِينِهِ كَما كانَتْ قُرَيْشٌ تَفْعَلُ بِمَكَّةَ بِمَن أسْلَمَ كَبِلالٍ وغَيْرِهِ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ عُرْوَةَ بْنِ الزُبَيْرِ في جَوابِهِ لِعَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ حِينَ سَألَهُ عن خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ  مِن مَكَّةَ مُهاجِرًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَكُونَ الدِينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ﴾ أيْ: لا يُشْرَكُ مَعَهُ صَنَمٌ ولا وثَنٌ، ولا يُعْبَدُ غَيْرُهُ، وقالَ قَتادَةُ: حَتّى تَسْتَوْسِقَ كَلِمَةُ الإخْلاصِ "لا إلَهَ إلّا اللهُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ المَعانِي تَتَلازَمُ كُلُّها، وقالَ الحَسَنُ: حَتّى لا يَكُونَ بَلاءٌ، وهَذا يَلْزَمُ عَلَيْهِ القِتالُ -فِي فِتَنِ المُسْلِمِينَ- الفِئَةَ الباغِيَةَ، عَلى سائِرِ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الأقْوالِ يَكُونُ المُعْتَزِلُ في فُسْحَةٍ، وعَلى هَذا جاءَ قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "أمّا نَحْنُ فَقَدَ قاتَلْنا حَتّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ، وأمّا أنْتَ وأصْحابُكَ فَتُرِيدُونَ أنْ نُقاتِلَ حَتّى تَكُونَ فِتْنَةٌ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَمَذْهَبُ عُمَرَ أنَّ الفِتْنَةَ: الشِرْكُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو الظاهِرُ، وفَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "أُمِرْتَ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللهُ، فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها، وحِسابُهم عَلى اللهِ"».

ومَن قالَ: المَعْنى: حَتّى لا يَكُونَ شِرْكٌ فالآيَةُ عِنْدَهُ يُرِيدُ بِها الخُصُوصَ فِيمَن لا يُقْبَلُ مِنهُ جِزْيَةٌ، قالَ ابْنُ سَلامٍ: وهي في مُشْرِكِي العَرَبِ.

ثُمَّ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ فَإنِ انْتَهَوْا ﴾ أيْ: عَنِ الكُفْرِ فَإنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِعَمَلِهِمْ مُجازٍ عَلَيْهِ، عِنْدَهُ ثَوابُهُ وجَمِيلُ المُقارَضَةِ عَلَيْهِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ، وسَلامُ بْنُ سُلَيْمانَ: "بِما تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ، أيْ: في قِتالِكم وجِدِّكم وجِلادِكم عن دِينِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ الآيَةُ، مُعادِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ فَإنِ انْتَهَوْا ﴾ ، والمَعْنى: فَإنِ انْتَهَوْا عَنِ الكُفْرِ فاللهُ مُجازِيهِمْ -أو مُجازِيكم عَلى قِراءَةِ "تَعْمَلُونَ"-، وإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَنْصُرُكم عَلَيْهِمْ، وهَذا وعْدٌ مَحْضٌ بِالنَصْرِ والظَفَرِ، أيْ فَجِدُّوا.

والمَوْلى هاهُنا: المُوالِي والمُعِينُ، والمَوْلى في اللُغَةِ عَلى مَعانٍ هَذا هو الَّذِي يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ مِنها، والمَوْلى الَّذِي هو السَيِّدُ المُقْتَرِنُ بِالعَبْدِ يَعُمُّ المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جرى هذا الكلام على عادة القرآن في تعقيب الترهيب بالترغيب، والوعيد بالوعد، والعكس، فأنذرهم بما أنذر، وتَوعّدَهم بما توعد ثم ذكّرهم بأنهم متمكنون من التدارك وإصلاح ما أفسدوا، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم ما يفتح لهم باب الإنابة.

والجملة استيناف يصح جعله بيانياً لأن ما تقدم بين يديه من الوعيد وقلة الاكتراث بشأنهم، وذكر خيبة مساعيهم، مما يثير في أنفُس بعضَهم والسامعين أن يتساءلوا عما إذا بقي لهم مخلص ينجيهم من ورطتهم التي ارتبقوا فيها، فأمر الرسول بأن يقول لهم هذا المقال ليريهم أن باب التوبة مفتوح، والإقلاع في مكنتهم.

وأسند الفعل في الجملة المحكية بالقول إلى ضمير الغائبين لأنه حكاية بالمعنى روعي فيها جانب المخاطب بالأمر تنبيهاً على أنه ليس حَظه مجرد تبليغ مقالة، فجُعل حَظه حظ لمخبر بالقضية الذي يُراد تقررها لديه قبل تبليغها، وهو إذا بلغ إليهم يبلغ إليهم ما أعلم به وبُلغ إليه، فيكون مخبراً بخبر وليس مجرد حامل لرسالة.

والمراد بالانتهاء: الانتهاء عن شيء معلوم دَل عليه وصف الكفر هنا وما تقدمه من أمثاله وآثاره من الانفاق للصد عن سبيل الله، أي إن ينتهوا عن ذلك، وإنما يكون الانتهاء عن ذلك كله بالإيمان.

و ﴿ ما قد سلف ﴾ هو ما أسلفوه من الكفر وآثاره، وهذا، وإن كان قضية خاصة بالمشركين المخاطبين، فهو شامل كل كافر لتساوي الحال.

ولفظ الغفران حقيقة شرعية في العفو عن جزاء الذنوب في الآخرة، وذلك مهيع الآية فهو معلوم منها بالقصد الأول لا محالة، ويلحق به هنا عذاب الله في الدنيا لقوله: ﴿ فقد مضت سنة الأولين ﴾ .

وَاستنبط أيمتنا من هذه الآية أحكاماً للأفعال والتبعات التي قد تصدر من الكافر في حال كفره فإذا هو أسلم قبل أن يؤاخذ بها هل يُسقط عنه إسلامُه التبعات بها.

وذلك يرجع إلى ما استقريته وأصّلته في دلالة آي القرآن على ما يصح أن تدل عليه ألفاظها وتراكيبها في المقدمة التاسعة من هذا التفسير، فروى ابن العربي في «الأحكام» أن ابن القاسم، وأشهب، وابن وهب، رووا عن مالك في هذه الآية: أن من طلّق في الشرك ثم أسلم فلا طلاق عليه، ومن حلف يميناً ثم أسلم فلا حنث عليه فيها، وروى عن مالك: إنما يعني عز وجل ما قد مضى قبل الإسلام من مال أو دم أو شيء، قال ابن العربي وهو الصواب لعموم قوله: ﴿ إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ﴾ ، وإن ابن القاسم، وابن وهب، رويا عن مالك أن الكافر إذا افترى على مسلم أو سرق ثم أسلم يقام عليه الحد، ولو زنى ثم أسلم أو اغتصب مسلمة ثم أسلم لسقط عنه الحد تفرقة بين ما كان حقاً لله محْضاً وما كان فيه حق للناس.

وذكر القرطبي عن ابن المنذر: أنه حكى مثل ذلك عن الشافعي، وأنه احتج بهذه الآية، وفي «المدونة» تسقط عنه الحدود كلها.

وذكر في «الكشاف» عن أبي حنيفة أن الحربي إذا أسلم لم تبق عليه تبعة، وأما الذميّ فلا يلزمه قضاء حقوق الله وتبقى عليه حقوق الآدميين، واحتج بهذه الآية، وفي كتب الفتوى لعلماء الحنفية بعض مخالفة لهذا، وحَكوا في المرتد إذا تاب وعاد إلى الإسلام أنه لا يلزمه قضاء ما فَاته من الصلاة ولا غرْم ما أصاب من جنايات ومتلفات.

وعن الشافعي يلزم ذلك كله وهو ما نسبه ابن العربي إلى الشافعي بخلاف ما نسبه إليه ابن المنذر كما تقدم وعن أبي حنيفة يسقط عنه كل حق هو لله ولا يسقط عنه حق الناس وحجة الجميع هذه الآية تعميماً وتخصيصاً بمخصصات أخرى.

وفي قوله تعالى: ﴿ إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ﴾ مُحسَن بديعي وهو الاتزان لأنه في ميزان الرجز.

والمراد بالعَود الرجوع إلى ما هم فيه من مناوأة الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين، والتجهز لحربهم، مثل صنعهم يوم بدر، وليس المراد عودهم إلى الكفر بعد الانتهاء لأن مقابلته بقوله: ﴿ إن ينتهوا ﴾ تقتضي أنه ترديد بين حالتين لبيان ما يترتب على كل واحدة منهما وهذا كقول العرب بعضهم لبعض: «أسلِمْ أنتَ أم حرب» ولأن الذين كفروا لما يفارقوا الكفَر بعدُ فلا يكون المراد بالعود عودَهم إلى الكفر بعد أن يسلموا.

والسنة العادة المألوفة والسيرة.

وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ قد خلت من قبلكم سنن ﴾ في [آل عمران: 137].

ومعنى ﴿ مضت ﴾ تقدمت وعَرَفَها الناس.

وهذا الخبر تعريض بالوعيد بأنهم سيلقون ما لقيه الأولون، والقرينةُ على إرادة التعريض بالوعيد أن ظاهر الإخبار بمضي سنة الأولين، وهو من الإخبار بشيء معلوم للمخبَرين به، وبهذا الاعتبار حسن تأكيده بقدْ إذ المراد تأكيد المعنى التعريضي.

وبهذا الاعتبار صح وقوع قوله: ﴿ فقد مضت سنة الأولين ﴾ جزاء للشرط.

ولولا ذلك لما كان بين الشرط وجوابه ملازمة في شيء.

والأولون: السابقون المتقدمون في حالة، والمراد هنا الأمم التي سبقت وعرفوا أخبارهم أنهم كذبوا رسل الله فلقوا عذاب الاستيصال مثل عاد وثمود قال تعالى: ﴿ فهل يَنظرون إلاّ سُنّة الأولين ﴾ [فاطر: 43].

ويجوز أن المراد بالأولين أيضاً السابقون للمخاطبين من قومهم من أهل مكة الذين استأصلهم السيف يوم بدر، وفي كل أولئك عبرة للحاضرين الباقين، وتهديد بأن يصيروا مصيرهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إنْ يَنْتَهُوا عَنِ المُحارَبَةِ إلى المُوادَعَةِ يَغْفِرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ مِنَ المُؤاخَذَةِ والمُعاقَبَةِ.

والثّانِي: إنْ يَنْتَهُوا عَنِ الكُفْرِ بِالإسْلامِ يَغْفِرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ مِنَ الآثامِ.

﴿ وَإنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ ﴾ تَأْوِيلُهُ عَلى احْتِمالِ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ: فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: تَأْوِيلُهُ: وإنْ يَعُودُوا إلى المُحارَبَةِ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ فِيمَن قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ وأُسِرَ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.

وَعَلى الوَجْهِ الثّانِي: فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ فِيما أخَذَهُمُ اللَّهُ بِهِ في الدُّنْيا مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ مَكَّةَ بَعْدَ أنْ دَخَلَها رَسُولُ اللَّهِ  عامَ الفَتْحِ وقالَ لَهُمْ: (ما ظَنُّكم بِي وما الَّذِي تَرَوْنَ أنِّي صانِعٌ بِكُمْ؟

قالُوا: ابْنُ عَمٍّ كَرِيمٍ فَإنْ تَعْفُ فَذاكَ الظَّنُّ بِكَ وإنْ تَنْتَقِمْ فَقَدْ أسَأْنا، فَقالَ  : (أقُولُ لَكم كَما قالَ يُوسُفُ لِإخْوَتِهِ: ﴿ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ  ﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج ابن أحمد ومسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: «لما جعل الله الإِسلام في قلبي، أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ابسط يدك فلأبايعك.

فبسط يمينه فقبضت يدي.

قال: مالك...؟!

قلت: أردت أن اشترط.

قال: قال: تشترط قلت: ان يغفر لي.

قال: أما علمت أن الإِسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن أنس رضي الله عنه قال: لا يؤخذ الكافر بشيء صنعه في كفره إذا أسلم، وذلك أن الله تعالى يقول ﴿ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فقد مضت سنة الأوّلين ﴾ قال: في قريش وغيرها يوم بدر والأمم قبل ذلك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ \[قال الكلبي\] (١) (٢) ﴿ إِنْ يَنْتَهُوا ﴾ ، قال ابن عباس: يريد عن تكذيبك (٣) (٤) (٥) ﴿ يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ سلف: معناه في اللغة: تقدم، يقال: سلف يسلف سلوفًا، وأسلف في الشيء إذا قدم الثمن فيه، والسالفة: العنق لتقدمها على البدن، والسلافة من الخمر: أخلصها؛ لتقدمها بالتحلب من غير عصر (٦) (٧) قال صاحب النظم: قوله: ﴿ إِنْ يَنْتَهُوا ﴾ بالياء إنما جاز وحسن لأنه أمره بمخاطبة (٨) (٩) ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ  ﴾ .

قال العلماء: وهذه الآية كقوله  : "الإسلام يجب ما قبله" (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ يَعُودُوا ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: إلى تكذيبك (١٦) ﴿ وَإِنْ يَعُودُوا ﴾ لقتالك ﴿ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ ﴾ بنصر الله رسله ومن آمن على من كفر (١٧) ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي  ﴾ وكقوله: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ  ﴾ الآيات.

وقال السدي وابن إسحاق: ﴿ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ ﴾ بنصر الله الرسل، والمؤمنين يوم بدر (١٨) (١) ساقط من (س).

(٢) ذكره ابن الجوزي 3/ 356، عن أبي صالح، عن ابن عباس، ومن الجدير بالتنبيه أن البغوي أفاد في مقدمة "تفسيره" 1/ 36: أن المراد بتفسير الكلبي هو ما رواه عن أبي صالح، عن ابن عباس.

قلت: وقد تقدمت ترجمة الكلبي وبينت فيها أنه متروك متهم بالكذب، وقد مرض يومًا فقال لأصحابه: كل شيء حدثتكم عن أبي صالح كذب.

انظر: "الإتقان" 4/ 239، و"التفسير والمفسرون" 1/ 81.

(٣) في (ح): (تكذيهم).

(٤) رواه بنحوه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 181، وذكره بمعناه دون نسبة الماوردي 2/ 318، وابن الجوزي 3/ 357.

(٥) رواه الفيروزأبادي في الموضع السابق، بنحوه، عن الكلبي، عن ابن عباس.

(٦) في"تهذيب اللغة" (سلف) 2/ 1736: والسلافة من الخمر.

أخلصها وأفضلها، وذلك إذا تحلب من العنب بلا عصر ولا مرث، وكذلك من التمر والزبيب ما لم يعد عليه الماء بعد تحلب أوله.

(٧) الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 181 بنحوه.

(٨) في (ح) و (س): (مخاطبة).

(٩) انظر: "المحرر الوجيز" 6/ 300، ولم ينسبه.

(١٠) رواه الإمام أحمد في "المسند" 4/ 199، 204، 205 بلفظ: "فإن الإسلام يجب ما كان قبله" ورواه مسلم في "صحيحه" (192) كتاب الإيمان "باب: كون الإسلام يهدم ما قبله بلفظ: "إن الإسلام يهدم ما كان قبله".

(١١) من (م).

(١٢) انظر: كتاب "الأم" للشافعي 6/ 54، و"شرح صحيح مسلم" للنووي 2/ 138، و"تفسير القرطبي" 7/ 402، وقد ذكر أبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 319 الإجماع على ذلك، قلت: ويدل عليه ما رواه مسلم (120) "صحيحه" كتاب: الإيمان، باب: هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية، عن عبد الله، قال: قلنا: يا رسول الله: أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟

قال: "من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية"، وروى أيضًا (121) كتاب: الإيمان، باب: كون الإسلام يهدم ما قبله؛ عن ابن عباس، أن ناسًا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا ثم أتوا محمدًا  ...

إلخ، وذكر الحديث وفيه بيان لعفو الله عنهم.

(١٣) هو: يحيى بن معاذ الرازي الواعظ، من كبار العباد، وأئمة الزهاد، له مواعظ مشهورة، وكلمات تجري مجرى الحكم ، وكان حكيم زمانه، وواعظ عصره، == توفي سنة 258 هـ.

انظر: "صفة الصفوة" 4/ 83، و"العبر" 1/ 371، و"سير أعلام النبلاء" 13/ 15، و"البداية والنهاية" 11/ 31.

(١٤) في (ح): (حمل)، وهو خطأ فاحش.

(١٥) انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 60 ب، والبغوي 3/ 356، وابن الجوزي 3/ 357.

قلت: هذا الرجاء بمعنى قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ  ﴾ فهدم التوحيد لما بعده من ذنب معلق بمشيئة الله، أما الجزم به لكل موحد فهو منقوض بالكتاب والسنة، فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ  ﴾ ، ومن السنة الأحاديث الدالة على تعذيب الزناة ومانعي الزكاة ونحوهم، وكذلك الأحاديث الدالة على إخراج الموحدين من النار بعد عذاب طويل.

انظر: "معارج القبول" 2/ 422 - 425.

(١٦) لم أقف عليه، وفي معناه نظر؛ لأن لفظة (يعودوا) تتضمن الرجوع إلى حالة تحوّل عنها الإنسان، وهم لم ينفكوا عن التكذيب والكفر.

انظر: "المحرر الوجيز" 6/ 300.

(١٧) ذكره باختصار السمرقندي في "تفسيره" 2/ 18، ورواه بنحوه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 181، عن الكلبي، عن ابن عباس.

(١٨) لم أجده عنهما بهذا اللفظ.

وقد روى ابن جرير 9/ 248 قول السدي بلفظ: فقد مضت سنة الأولين، من أهل بدر، ونص قول ابن إسحاق كما في "السيرة النبوية" 2/ 318: فقد مضت سنة الأولين، أي من قتل منهم يوم بدر.

ثم إن في عبارة المؤلف قلق، ولعل الصواب: كيوم بدر.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِن يَنتَهُواْ ﴾ يعني عن الكفر إلى الإسلام لأن الإسلام يَجُبّ ما قبله، ولا تصح المغفرة إلا به ﴿ وَإِنْ يَعُودُواْ ﴾ يعني إلى القتال ﴿ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ ﴾ تهديد بما جرى لهم يوم بدر وبا جرى للأمم السالفة ﴿ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ الفتنة هنا الكفر، فالمعنى قاتلوهم، حتى لا يبقى كافر، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» .

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بما تعملون ﴾ ، ﴿ بصير ﴾ بتاء الخطاب: يعقوب.

الوقوف: ﴿ مثل هذا ﴾ لا لأن الابتداء بأن هذا إلا أساطير الأولين قبيح ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وأنت فيهم ﴾ ط ﴿ يستغفرون ﴾ ه ﴿ وما كانوا أولياءه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وتصدية ﴾ ط ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ يغلبون ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ ﴿ يحشرون ﴾ ه لا لتعا اللام ﴿ في جهنم ﴾ ط ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ ما سلف ﴾ ط لابتداء الشرط مع العطف ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ كله لله ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ مولاكم ﴾ ط ﴿ النصير ﴾ ه.

التفسير: لما حكى مكرهم في ذات محمد صلى الله عليه وآله حكى مكرهم في دينه.

وروي أن النضر بن الحرث خرج إلى الحيرة تاجراً واشترى أحاديث كليلة ودمنة وقصة رستم واسفنديار، وكان يقعد مع المستهزئين والمقتسمين فيقرأ عليهم ويقول هذا مثل ما يذكره محمد من قصص الأوّلين، ولو شئت لقلت مثل قوله، وهذا منه ومن أمثاله صلف تحت الراعدة لأنهم لم يتوانوا في مشيئتهم لو ساعدتهم الاستطاعة.

ويروى عن النضر أو عن أبي جهل على ما في الصحيحين أن أحدهما قال ما معناه ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق ﴾ الآية.

وهذا أسلوب من العناد بليغ لأن قوله ﴿ هو الحق ﴾ بالفصل وتعريف الخبر تهكم بمن يقول على سبيل التخصيص والتعيين هذا هو الحق.

ومعنى ﴿ حجارة من السماء ﴾ الحجارة المسوّمة للعذاب أي إن كان القرآن هو المخصوص بالحقية فعاقبنا على إنكاره بالسجيل كما فعلت بأصحاب الفيل أو بنوع أخر من جنس العذاب الأليم.

ومراده نفي كونه حقاً فلذلك علق بحقيته العذاب كما لو علق بأمر محال فهو كقول القائل إن كان الباطل حقاً فأمطر علينا حجارة.

وعن معاوية أنه قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة.

قال: أجهل من قومي قومك قالوا لرسول الله  حين دعاهم إلى الحق ﴿ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة ﴾ ولم يقولوا إن كان هذا هو الحق فاهدنا له.

ثم شرع في الجواب عن شبهتهم فقال ﴿ وما كان الله ليعذبهم ﴾ اللام لتأكيد النفي دلالة على أن تعذيبهم بعذاب الاستئصال والنبي بين أظهرهم غير مستقيم عادة تعظيماً لشأن النبي ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ قال قتادة والسدي: المراد نفي الاستغفار عنهم أي لو كانوا ممن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذبهم.

وقيل: اللفظ عام لأن المراد بعضهم وهم الذين تخلفوا عن رسول الله  من المستضعفين المؤمنين فهو كقولك: قتل أهل المحلة فلاناً وإنما قتله واحد منهم أو اثنان.

وقيل: وصفوا بصفة أولادهم والمعنى وما كان الله معذب هؤلاء الكفار وفي علم الله أنه يكون لهم أولاد يؤمنون بالله ويستغفرونه، وفي علم الله أن فيهم من يؤل أمره إلى الإيمان كحكيم بن حزام والحرث بن هشام وعدد كثير ممن آمن يوم الفتح وقبله وبعده.

وفي الآية دلالة على أن الاستغفار أمان وسلامة من العذاب.

قال ابن عباس: كان فيهم أمانان: نبي الله والاستغفار.

أما النبي فقد مضى وأما الاستغفار فهو باقٍ إلى يوم القيامة.

ثم بين أنه يعذبهم إذا خرج الرسول من بينهم فقال ﴿ ومالهم ألا يعذبهم الله ﴾ وأي شيء لهم في انتفاء العذاب عنهم يعني لا حظ لهم في ذلك وهم معذبون لا محالة.

قيل: لحقهم هذا العذاب المتوعد به يوم بدر.

وقيل: يوم فتح مكة بدليل قوله ﴿ وهم يصدون ﴾ أي كيف لا يعذبون وحالهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام كما صدوا رسول الله عام الحديبية.

والأوّلون قالوا: إن إخراجهم رسول الله  والمؤمنين من الصدّ.

وعن ابن عباس أن هذا العذاب عذاب الآخرة والذي نفاه عنهم هو عذاب الدنيا وكانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم فنصدّ من نشاء وندخل من نشاء فنفى الله استحقاقهم الولاية بقوله ﴿ وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ﴾ من المسلمين وليس كل مسلم يصلح لذلك فضلاً عن مشرك ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ كان فيهم من كان يعلم وهو يعاند ويطلب الرياسة.

أو أراد بالأكثر الجميع كما يراد بالقلة العدم.

ثم ذكر بعض أسباب سلب الولاية عنهم فقال ﴿ وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ﴾ المكاء "فعال" كالثغاء والرغاء من مكا يمكو إذا صفر.

والتصدية التصفيق "تفعلة" من الصدى وهو الصوت الذي يرجع من الجبل فيكون في الأصل معتل اللام، أو من صدّ يصدّ مضاعفاً أي صاح فقلبت الدال الأخيرة ياء كالتقضي في التقضض، وأنكر هذا الاشتقاق بعضهم وصوّبه الأزهري وأبو عبيدة.

قال جعفر بن ربيعة: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن المكاء والتصدية فجمع كفيه ثم نفخ فيهما صفيراً.

وقيل: هو أن يجعل بعض أصابع اليمين وبعض أصابع الشمال في الفم ثم يصفر به.

وقيل: تصويب يشبه صوت المكَّاء بالتشديد وهو طائر معروف.

عن ابن عمر: كانوا يطوفون بالبيت عراة وهم مشبكون بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون.

فالمكاء والتصدية على هذا نوع عبادة لهم فلهذا وضعا موضع الصلاة بناء على معتقدهم.

وفيه أن من كان المكاء والتثدية صلاته فلا صلاة له كقول العرب: ما لفلان عيب إلا السخاء أي من كان السخاء عيبه فلا عيب له.

وقال مجاهد ومقاتل: كانوا يعارضون النبي  في الطواف والصلاة عند المسجد الحرام يستهزؤن به ويخلطون عليه فجعل المكاء والتصدية صلاة لهم كقولك: زرت الأمير فجعل جفائي صلتي أي أقام الجفاء مقام الصلة.

ثم خاطبهم على سبيل المجازاة بقوله ﴿ فذوقوا العذاب ﴾ عذاب القتل والأسر يوم بدر أو عذاب الآخرة ﴿ بما كنتم تكفرون ﴾ بسبب كفركم وأفعالكم التي لا يقدم عليها إلا الكفرة.

ولما شرح أحوال هؤلاء الكفار في الطاعات البدنية أتبعها شرح أحوالهم في الطاعات المالية فقال ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ﴾ الآية.

قال مقاتل والكلبي: نزلت في المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلاً: أبو جهل بن هشام وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ونبيه ومنبه ابنا حجاج وأبو البختري بن هشام والنضر بن الحرث وحكيم بن حزام وأبيّ بن خلف وزمعة بن أسود والحرث بن عامر بن نوفل والعباس ابن عبد المطلب.

وكلهم من قريش وكان يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزر.

وقال سعيد بن جبير وابن أبزى: نزلت في أبي سفيان بن حرب استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش - والأحبوش جماعة من الناس ليسوا من قبيلة واحدة - وأنفق عليهم أربعين أوقية من فضة.

والأوقية اثنان وأربعون مثقالاً - قاله في الكشاف.

وقال محمد بن إسحق عن رجاله: لما أصيب قريش يوم بدر فرجع فلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان ابن أمية في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كان له في تلك العير تجارة فقالوا: يا معشر قريش إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال الذي أفلت على حربه لعلنا أن ندرك منه ثأراً لمن أصيب منا فأنزل الله  الآية.

ومعنى ﴿ ليصدّوا عن سبيل الله ﴾ أن غرضهم في الإنفاق كان هو الصدّ عن اتباع محمد وهو سبيل الله وإن لم يكن عندهم كذلك.

ثم أخبر عن الغيب على وجه الإعجاز فقال ﴿ فيسنفقونها ﴾ أي سيقع منهم هذا الإنفاق ثم تكون عاقبة إنفاقها ندماً وحسرة فكأن ذاتها تصير ندماً وتنقلب حسرة ثم يغلبون آخر الأمر وإن كانت الخرب بينهم وبين المؤمنين سجالاً لقوله ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي  ﴾ ومعنى "ثمك" في الجملتين إما التراخي في الزمان لما بين الإنفاق المذكوروبين ظهور دولة الإسلام من الامتداد، وإما التراخي في الرتبة لما بين بذل المال وعدم حصول المقصود من المباينة.

ثم قال ﴿ والذين كفروا ﴾ أي الكافرون منهم ولم يقل "ثم يغلبون وإلى جهنم يحشرون" لأن منهم من أسلم وحسن إسلامه فذكر أن الذي بقوا على الكفر لا يكون حشرهم إلا إلى جهنم دون من أسلم منهم.

ثم بين الغاية والغرض فيما يفعل بهم من الغلبة ثم الحشر إلى جهنم فقال ﴿ ليميز الله الخبيث ﴾ أي الفريق الخبيث من الكفار ﴿ من ﴾ الفريق ﴿ الطيب ﴾ وهم المؤمنون ﴿ ويجعل ﴾ الفريق ﴿ الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً ﴾ عبارة عن الجمع والضم وفرط الازدحام.

يقال: ركم الشيء يركمه إذا جمعه وألقى بعضه على بعض ﴿ أولئك ﴾ الفريق الخبيث ﴿ هم الخاسرون ﴾ وقيل: الخبيث والطيب صفة المال أي ليميز المال الخبيث الذي أنفقه المشركون في عداوة رسول الله  والمؤمنين من المال الطيب الذي أنفقه المهاجرون والأنصار في نصرته فيركمه فيضم تلك الأموال الخبيثة بعضها على بعض فيلقيه في جهنم ويعذبهم بها كقوله ﴿ فتكوى بها جباههم وجنوبهم  ﴾ وعلى هذا فاللام في قوله ﴿ ليميز الله ﴾ يتعلق بقوله ﴿ ثم تكون عليهم حسرة ﴾ قاله في الكشاف.

ولا يبعد عندي أن يتعلق بـ ﴿ يحشرون ﴾ و ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى الذين كفروا.

ولما بين ضلالهم في عباداتهم البدنية والمالية أرشدهم إلى الطريق المستقيم وما يتبعه من الصلاح فقال ﴿ قل للذين كفروا ﴾ أي قل لأجلهم هذا القول وهو أن ينتهوا عما هم عليه من عداوة الرسول وقتاله بالدخول في السلم والإسلام ﴿ يغفر لهم ما قد سلف ﴾ من الكفر والمعاصي.

ولو كان المراد خطابهم بهذا القول لقيل: "أن تنتهوا يغفر لكم".

وقد قرأ بذلك ابن مسعود ﴿ وإن تعودوا ﴾ لقتاله ﴿ فقد مضت سنة الأوّلين ﴾ منهم الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر أو سنة الذين تحزبوا على أنبيائهم من الأمم فأهلكوا أو غلبوا كقوله ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي  ﴾ واستدل كثير من العلماء منهم أصحاب أبي حنيفة الآية على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الإسلام لأن الخطاب مع الكفر باطل بالإجماع وبعد زواله لا يؤمر بقضاء العبادات الفائتة، بل ذهب أبو حنيفة إلى أن المرتد إذا أسلم لم يلزمه قضاء العبادات المتروكة في حال الردة وقبلها وفسر ﴿ وإن يعودوا ﴾ بالعودة إلى الردة.

واختلفوا في أن الزنديق هل تقبل تبوته أم لا؟

والصحيح أنها مقبولة لشمول الآية جميع الكفار لقوله  : "نحن نحكم بالظاهر" ولأنه يكلف بالرجوع ولا طريق له إلا التوبة، فلو لم تقبل لزم تكليف ما لا يطاق.

ثم أمر بقتالهم إن أصروا على الكفر فقال ﴿ وقاتلوهم ﴾ الآية.

وقد مر تفسيره في سورة البقرة إلا أنه زاد ههنا لفظة ﴿ كله ﴾ في قوله ﴿ ويكون الدين كله لله ﴾ لأن القتال ههنا مع جميع الكفار وهناك كان مع أهل مكة فحسب ﴿ فإن انتهوا ﴾ عن الكفر وأسلموا ﴿ فإن الله بما يعملون بصير ﴾ يثيبهم على توبتهم وإسلامهم.

ومن قرأ بتاء الخطاب أراد فإن الله بما تعملون من الجهاد في سبيله والدعوة إلى دينه بصير يجازيكم عليه أحسن الجزاء.

﴿ وإن تولوا ﴾ ولم ينتهوا ﴿ فاعلموا أن الله مولاكم ﴾ ناصركم ومتولي أموركم يحفظكم ويدفع شر الكفار عنكم فإنه ﴿ نعم المولى ونعم النصير ﴾ فثقوا بولايته ونصرته.

التأويل: قالوا قد سمعنا وما سمعوا في الحقيقة وإلا لم يقولوا لو نشاء لقلنا فإن كلام المخلوق لن يكون مثل كلام الله.

ثم انظر كيف استخرج الله منهم عقيب دعواهم ﴿ لقلنا مثل هذا ﴾ قولهم ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ﴾ ليعلم أن من هذا حاله كيف يكون مثل القرآن مقاله، ولو كان لهم عقل لقالوا إن كان هذا حقاً فاهدنا له ومتعنا به وبأنواره وأسراره ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ لأنه رحمة للعالمين والرحمة تنافي العذاب ﴿ إن أولياؤه إلا المتقون ﴾ ، ﴿ ولكن أكثرهم ﴾ يعني أكثر المتقين أو ﴿ لا يعلمون ﴾ أنهم أولياؤه لأن الولي قد لا يعرف أنه ولي ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ﴾ كذلك دأب كفار النفوس ينفقون أموال الاستعداد الفطري في غير طلب الله وإنما تصرفها في استيفاء اللذات والشهوات فستندم حين لا ينفع الندم ﴿ ثم يغلبون ﴾ لا يظفرون بمشتهيات النفس كلها ولأجلها، والذين كفروا من الأرواح والقلوب التابعة والنفوس ﴿ إلى جهنم ﴾ البعد والقطعية ﴿ يحشرون ﴾ ، ﴿ ليميز الله ﴾ الأرواح والقلوب الخبيثة من الطيبة التي لا تركن إلى الدنيا ولا تنخدع بانخداع النفوس ﴿ فيركمه جميعاً ﴾ فيجعل الأرواح الخبيثة فوق النفوس الخبيثة فيلقي الجميع في جهنم القطيعة ﴿ قل للذين كفروا ﴾ من الأرواح والقلوب أي ستروا النور الروحاني بظلمات صفات النفس ﴿ إن ينتهوا ﴾ عن اتباع الهوى ﴿ يغفر لهم ﴾ يستر لهم تلك الظلمات بنور الفرقان والرشاد.

﴿ وقاتلوا ﴾ كفار النفوس ﴿ حتى لا تكون ﴾ آفة مانعة عن الوصول ﴿ ويكون الدين كله لله ﴾ ببذل الوجود وفقد الموجود لنيل الوجود وكرامة الشهود والله  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ .

ذكر - عز وجل - غاية كرمه وجوده بما وعدهم من المغفرة والتجاوز عمّا كان منهم من الإشراك في ألوهيته، وصرف العبادة إلى غيره، وصدّ الناس عن عبادته وطاعته، ونصب الحروب التي نصبوا بينهم وبين المؤمنين، وغير ذلك من أنواع الهلاك، فمع ما كان منهم وعدهم المغفرة بالانتهاء عن ذلك؛ ليعلم غاية كرمه وجوده.

والمغفرة تحتمل التجاوز [أي يتجاوز] عنهم؛ ما كان منهم لا يؤاخذهم بذلك.

ويحتمل: يستر عليهم معاصيهم التي كانت منهم، ولا يذكرون ذلك؛ لأنهم لو ذكروا ذلك تنغص عليهم النعم.

وفيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه أخبر أنهم إن انتهوا وتابوا غفر لهم ما قد كان منهم، وإنما كانوا منتهين بالإيمان، ولم يجعل بين الإيمان والكفر منزلة ثالثة، وهم يجعلون بينهما منزلة ثالثة، ويقولون: إذا ارتكب كبيرة خرج من الإيمان، ويخلد في النار أبداً، ولم يكن داخلاً في الكفر.

وفيه دليل نقض قول من يقول بأن على الكافر فعل العبادات؛ من نحو الصلاة، والزكاة والصيام؛ لأنه ذكر الانتهاء، والانتهاء عما كان من ترك العبادات القيام بقضائها، وإذا ما تركوا، فلما لم يجب عليهم أداء شيء من ذلك، دل أنه لم يكن عليهم في حال كفرهم فعل تلك العبادات، إنما عليهم اعتقاد تلك العبادات؛ إذ لو كانت عليهم لكان الانتهاء بقضاء ذلك؛ كقوله -  -: "من نام عن صلاة أو نسيها، فعليه أن يصليها إذا ذكرها أو إذا استيقظ، وذلك كفارته" ؛ وكذلك قوله -  -: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ  ﴾ ، ليس على الفعل، ولكن في حق الاعتقاد أنه لا سبيل إلى القيام بفعل ما ذكر إلا بعد حول ووقت طويل.

وفي هذه الآية دلالة على أن ليس بين الشرك والإيمان منزلة ثالثة؛ على ما يقوله المعتزلة في صاحب الكبيرة؛ لأنه لو كان بين الكفر والإيمان منزلة ثالثة، لكانوا إذا انتهوا عن الكفر ولم ينتهوا عن تلك المنزلة لا يغفر لهم؛ على قولهم؛ فدل ما ذكر من المغفرة على أن ليس بينهما منزلة، ولكن إذا انتهوا عن الكفر دخلوا في الإيمان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ وَإِنْ يَعُودُواْ ﴾ إلى الكفر وقتال محمد بعد ما انتهوا عنه، ﴿ فَقَدْ مَضَتْ....

﴾ ، يعني: القتال.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ يَعُودُواْ ﴾ أي: ما داموا فيه، لا أن كانوا خرجوا منه؛ نحو قوله -  -: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ  ﴾ كانوا فيه، لا أن كانوا خرجوا منه ثم دخلوا في غير ذلك.

ثم يحتمل وجهين بعد هذا: أحدهما: أن للكفر حكم التجدد في كل وقت.

والثاني: ما ذكرنا أن ذكر العود فيه لدوامهم فيه وإن لم يخرجوا منه، وذلك جائز في اللسان؛ كقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ  ﴾ ابتداء إخراج من غير أن كانوا فيه، وكقوله: ﴿ رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ  ﴾ ابتداء رفع، لا أن كانت موضوعة فرفعها من بعد؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَإِنْ يَعُودُواْ ﴾ يحتمل: أي: داموا فيه.

وقوله: ﴿ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ ﴾ .

مضت، يحتمل ما ذكرنا من القتال.

والثاني: سنة الأولين: الهلاك الذي كان.

وقوله: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ .

قيل: الفتنة: الشرك، أي: قاتلوهم حتى لا يكون الشرك، ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ أي: محنة القتال؛ كأنه قال: قاتلوهم إلى الوقت الذي ترتفع فيه المحنة، وهو يوم القيامة.

وفيه دلالة لزوم الجهاد إلى يوم الدين، والفتنة: هي المحنة التي فيها الشدة، ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله ﴾ .

يخرج على وجهين: أحدهما: ويكون من الدين الذي هو الدين كله لله، لا نصيب لأحد فيه، وهو السبيل التي كانت للشيطان؛ كأنه قال: وتكون الأديان التي يدان بها ديناً واحداً، وهو دين الله الذي يُدعى الخلق إليه، وبذلك بعث الرسل والكتب، والله أعلم.

والثاني: يحتمل أن يكون الحكم كله لله؛ كقوله: ﴿ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ  ﴾ ، أي: في حكم الملك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلاَكُمْ ﴾ .

قيل: ناصركم.

وقيل: المولى: المليك.

﴿ نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ ﴾ .

أي: نعم الناصر والمعين، ﴿ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ ﴾ ؛ لأنه لا يعجزه شيء.

وقيل: ﴿ مَوْلاَكُمْ ﴾ ، أي: أولى بكم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- للذين كفروا بالله وبرسوله من قومك: إن يكفُّوا عن كفرهم بالله وبرسوله، وعن صدهم عن سبيل الله من آمن به؛ يغفر الله لهم ما قد سبق من ذنوبهم، فالإسلام يهدم ما قبله، وإن يعودوا إلى كفرهم فقد سبقت سُنَّة الله في الأولين أنهم إذا كذبوا واستمروا على كفرهم عاجلهم بالعقوبة.

<div class="verse-tafsir" id="91.Mo3JL"

مزيد من التفاسير لسورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله