الآية ٣٩ من سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٣٩ من سورة الأنفال

وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ ٣٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 68 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٩ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٩ من سورة الأنفال عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) قال البخاري : حدثنا الحسن بن عبد العزيز ، حدثنا عبد الله بن يحيى ، حدثنا حيوة بن شريح ، عن بكر بن عمرو ، عن بكير ، عن نافع ، عن ابن عمر ؛ أن رجلا جاءه فقال : يا أبا عبد الرحمن ، ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه : ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) الآية [ الحجرات : 9 ] ، فما يمنعك ألا تقاتل كما ذكر الله في كتابه ؟

فقال : يا ابن أخي ، أعير بهذه الآية ولا أقاتل ، أحب إلي من أن أعير بالآية التي يقول الله - عز وجل - : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا ) إلى آخر الآية [ النساء : 93 ] ، قال : فإن الله تعالى يقول : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) ؟

قال ابن عمر : قد فعلنا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ كان الإسلام قليلا وكان الرجل يفتن في دينه : إما أن يقتلوه ، وإما أن يوثقوه ، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة ، فلما رأى أنه لا يوافقه فيما يريد ، قال : فما قولك في علي وعثمان ؟

قال ابن عمر : ما قولي في علي وعثمان ؟

أما عثمان فكان الله قد عفا عنه ، وكرهتم أن يعفو عنه ، وأما علي فابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وختنه - وأشار بيده - وهذه ابنته أو : بنته - حيث ترون .

وحدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا زهير ، حدثنا بيان أن وبرة حدثه قال : حدثني سعيد بن جبير قال : خرج علينا - أو : إلينا - ابن عمر - رضي الله عنهما - فقال رجل : كيف ترى في قتال الفتنة ؟

فقال : وهل تدري ما الفتنة ؟

كان محمد - صلى الله عليه وسلم - يقاتل المشركين ، وكان الدخول عليهم فتنة ، وليس بقتالكم على الملك .

هذا كله سياق البخاري ، رحمه الله .

وقال عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ؛ أنه أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا إن الناس قد صنعوا ما ترى ، وأنت ابن عمر بن الخطاب ، وأنت صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما يمنعك أن تخرج ؟

قال : يمنعني أن الله حرم علي دم أخي المسلم .

قالوا : أو لم يقل الله : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) ؟

قال : قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة ، وكان الدين كله لله ، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ، ويكون الدين لغير الله .

وكذا رواه حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن أيوب بن عبد الله اللخمي قال : كنت عند عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - فأتاه رجل فقال : إن الله يقول : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) فقال ابن عمر : قاتلت أنا وأصحابي حتى كان الدين كله لله ، وذهب الشرك ولم تكن فتنة ، ولكنك وأصحابك تقاتلون حتى تكون فتنة ، ويكون الدين لغير الله .

رواهما ابن مردويه .

وقال أبو عوانة ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه قال : قال ذو البطين - يعني أسامة بن زيد - لا أقاتل رجلا يقول : لا إله إلا الله أبدا .

قال : فقال سعد بن مالك : وأنا والله لا أقاتل رجلا يقول : لا إله إلا الله أبدا .

فقال رجل : ألم يقل الله : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) ؟

فقالا قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة ، وكان الدين كله لله .

رواه ابن مردويه .

وقال الضحاك ، عن ابن عباس : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) يعني : [ حتى ] لا يكون شرك ، وكذا قال أبو العالية ، ومجاهد ، والحسن ، وقتادة ، والربيع عن أنس ، والسدي ، ومقاتل بن حيان ، وزيد بن أسلم .

وقال محمد بن إسحاق : بلغني عن الزهري ، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا : ( حتى لا تكون فتنة ) حتى لا يفتن مسلم عن دينه .

وقوله : ( ويكون الدين كله لله ) قال الضحاك ، عن ابن عباس في هذه الآية ، قال : يخلص التوحيد لله .

وقال الحسن وقتادة ، وابن جريج : ( ويكون الدين كله لله ) أن يقال : لا إله إلا الله .

وقال محمد بن إسحاق : ويكون التوحيد خالصا لله ، ليس فيه شرك ، ويخلع ما دونه من الأنداد .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ( ويكون الدين كله لله ) لا يكون مع دينكم كفر .

ويشهد له ما ثبت في الصحيحين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فإذا قالوها ، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله ، عز وجل وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ، ويقاتل رياء ، أي ذلك في سبيل الله ، عز وجل ؟

فقال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، فهو في سبيل الله ، عز وجل .

وقوله : ( فإن انتهوا ) أي : بقتالكم عما هم فيه من الكفر ، فكفوا عنه وإن لم تعلموا بواطنهم ، ( فإن الله بما يعملون بصير ) كما قال تعالى : ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم ) [ التوبة : 5 ] ، وفي الآية الأخرى : ( فإخوانكم في الدين ) [ التوبة : 11 ] .

وقال : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين ) [ البقرة : 193 ] .

وفي الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأسامة لما علا ذلك الرجل بالسيف فقال : لا إله إلا الله ، فضربه فقتله ، فذكر ذلك لرسول الله ، فقال لأسامة : أقتلته بعد ما قال : لا إله إلا الله ؟

وكيف تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة ؟

قال : يا رسول الله ، إنما قالها تعوذا .

قال : هلا شققت عن قلبه ؟

، وجعل يقول ويكرر عليه : من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة ؟

قال أسامة : حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا ذلك اليوم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله: وإن يعد هؤلاء لحربك, فقد رأيتم سنتي فيمن قاتلكم منهم يوم بدر, وأنا عائد بمثلها فيمن حاربكم منهم, فقاتلوهم حتى لا يكون شرك، ولا يعبد إلا الله وحده لا شريك له, فيرتفع البلاء عن عباد الله من الأرض= وهو " الفتنة " (54) = " ويكون الدين كله لله "، يقول: حتى تكون الطاعة والعبادة كلها لله خالصةً دون غيره.

(55) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 16076 - حدثني المثنى قال: حدثنا أبو صالح قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة "، يعني: حتى لا يكون شرك.

16077 - حدثني المثنى قال: حدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم, عن يونس, عن الحسن في قوله: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة " ، قال: " الفتنة "، الشرك.

16078 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة "، يقول: قاتلوهم حتى لا يكون شرك= " ويكون الدين كله لله "، حتى يقال: " لا إله إلا الله ", عليها قاتل نبي الله صلى الله عليه وسلم , وإليها دَعا.

16079 - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة "، قال: حتى لا يكون شرك.

16080 - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا مبارك بن فضالة, عن الحسن في قوله: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة "، قال: حتى لا يكون بلاء.

16081 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج قال: قال ابن جريج: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله " ، أي: لا يفتن مؤمن عن دينه, ويكون التوحيد لله خالصًا ليس فيه شرك, ويُخلع ما دونه من الأنداد.

(56) 16082 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة "، قال: حتى لا يكون كفر= " ويكون الدين كله لله "، لا يكون مع دينكم كفر.

16083 - حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد قال: حدثنا أبي قال: حدثنا أبان العطار قال: حدثنا هشام بن عروة, عن أبيه: أن عبد الملك بن مروان كتبَ إليه يسأله عن أشياء, فكتب إليه عروة: " سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو.

أما بعد، فإنك كتبت إليّ تسألني عن مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة, وسأخبرك به, ولا حول ولا قوة إلا بالله.

كان من شأن خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة, أن الله أعطاه النبوة, فنعم النبيُّ !

ونعم السيد!

ونعم العشيرة!

فجزاه الله خيرًا، وعرّفنا وجهه في الجنة, وأحيانَا على ملته, وأماتنا عليها, وبعثنا عليها.

وإنه لما دعا قومه لما بعثه الله له من الهدى والنور الذي أنـزل عليه, لم يَبْعُدوا منه أوّلَ ما دعاهم إليه, (57) وكادوا يسمعون له، (58) حتى ذكر طواغيتهم.

وقدم ناس من الطائف من قريش، لهم أموال, أنكر ذلك ناسٌ, واشتدّوا عليه, (59) وكرهوا ما قال, وأغروا به من أطاعهم, فانصفق عنه عامة الناس فتركوه, (60) إلا من حفظه الله منهم، وهم قليل.

فمكث بذلك ما قدّر الله أن يمكث, ثم ائتمرت رؤوسهم بأن يفتنوا من اتبعه عن دين الله من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم, فكانت فتنةً شديدة الزلزال (61) , فافتتن من افتتن, وعصم الله من شاء منهم.

فلما فُعِل ذلك بالمسلمين، أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى أرض الحبشة.

وكان بالحبشة ملك صالح يقال له " النجاشي"، لا يُظلم أحد بأرضه, (62) وكان يُثْنَى عليه مع ذلك [صلاح] ، (63) وكانت أرض الحبشة متجرًا لقريش، يَتْجَرون فيها, ومساكن لتِجَارهم (64) يجدون فيها رَفاغًا من الرزق وأمنًا ومَتْجَرًا حسنًا، (65) فأمرهم بها النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب إليها عامتهم لما قُهِروا بمكة, وخاف عليهم الفتن.

(66) ومكث هو فلم يبرح.

فمكث ذلك سنوات يشتدُّون على من أسلم منهم.

(67) ثم إنه فشا الإسلام فيها, ودخل فيه رجال من أشرافهم ومَنَعتهم.

(68) فلما رأوا ذلك، استرخوْا استرخاءة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه.

(69) وكانت الفتنة الأولى هي أخرجت من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قِبَل أرض الحبشة، مخافتَها، وفرارًا مما كانوا فيه من الفتن والزلزال.

فلما استُرْخي عنهم، ودخل في الإسلام من دخل منهم, تُحُدِّث باسترخائهم عنهم.

(70) فبلغ ذلك من كان بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قد استُرْخِيَ عمن كان منهم بمكة، وأنهم لا يفتنون.

فرجعوا إلى مكة، وكادوا يأمنون بها, (71) وجعلوا يزدادون، ويكثرون.

وأنه أسلم من الأنصار بالمدينة ناس كثير, وفشا بالمدينة الإسلام, وطفق أهل المدينة يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة.

فلما رأت ذلك قريش , تذامرَتْ على أن يفتنوهم ويشتدّوا عليهم, (72) فأخذوهم، وحرصوا على أن يفتنوهم, فأصابهم جَهْدٌ شديد.

وكانت الفتنة الآخرة.

فكانت ثنتين: فتنة أخرجت من خرج منهم إلى أرض الحبشة، حين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، وأذن لهم في الخروج إليها= وفتنة لما رجعوا ورأوا من يأتيهم من أهل المدينة.

ثم إنه جاء رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من المدينة سبعون نقيبًا، (73) رؤوس الذين أسلموا, فوافوه بالحج, فبايعوه بالعقبة, وأعطوه عهودهم على أنّا منك وأنت منا, (74) وعلى أن من جاء من أصحابك أو جئتنا، فإنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا.

فاشتدت عليهم قريش عند ذلك.

فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يخرجوا إلى المدينة, وهي الفتنة الآخرة التي أخرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، وخرج هو, وهي التي أنـزل الله فيها: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله " .

(75) 16084 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد, عن أبيه, عن عروة بن الزبير: أنه كتب إلى الوليد: ما بعد, فإنك كتبتَ إليّ تسألني عن مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة, وعندي، بحمد الله ، من ذلك علم بكل ما كتبتَ تسألني عنه, وسأخبرك إن شاء الله, ولا حول ولا قوة إلا بالله, ثم ذكر نحوه.

(76) 16085- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا قيس, عن الأعمش, عن مجاهد: قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ، قال: " يَسَاف " و " نائلة "، صنمان كانا يعبدان.

(77) * * * وأما قوله: " فإن انتهوا "، فإن معناه: فإن انتهوا عن الفتنة, وهي الشرك بالله, وصارُوا إلى الدين الحق معكم (78) = " فإن الله بما يعملون بصير " ، يقول: فإن الله لا يخفى عليه ما يعملون من ترك الكفر والدخول في دين الإسلام، (79) لأنه يبصركم ويبصر أعمالكم، (80) والأشياء كلها متجلية له، لا تغيب عنه، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين.

* * * وقد قال بعضهم: معنى ذلك، فإن انتهوا عن القتال.

* * * قال أبو جعفر: والذي قلنا في ذلك أولى بالصواب, لأن المشركين وإن انتهوا عن القتال, فإنه كان فرضًا على المؤمنين قتالهم حتى يسلموا.

-------------------- الهوامش : (54) انظر تفسير " الفتنة " فيما سلف : 486 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(55) وتفسير " الدين " فيما سلف 1 : 155 ، 156 6 :273 - 275 ، وغيرها في فهارس اللغة ( دين ) .

(56) الأثر : 16081 - هذا نص ابن هشام في سيرته ، من روايته عن ابن إسحاق ، فأنا أكاد أقطع أن هذا الخبر ملفق من خبرين : أولهما هذا الإسناد الأول ، سقط نص خبره .

والآخر إسناد أبي جعفر إلى ابن إسحاق، وهو هذا ، حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق في قوله:..

"، ثم هذا السياق الذي هنا، وهو نص ما في ابن هشام .

انظر سيرة ابن هشام 2: 327، وهو تابع الأثر السالف رقم: 12074 .

(57) في المطبوعة : " لم ينفروا منه " غير ما في المخطوطة ، وهو مطابق لما في التاريخ .

(58) في المطبوعة : " وكانوا يسمعون " ، غير ما في المخطوطة ، وهو مطابق للتاريخ .

(59) في المطبوعة : " أنكر ذلك عليه ناس " ، زاد " عليه " ، وفي التاريخ : " أنكروا ذلك عليه " ، ليس فيه " ناس " .

(60) في المطبوعة : " فانعطف عنه " ، غير ما في المخطوطة عبثًا ، وهو مطابق لما في التاريخ و " انصفق عنه الناس " ، رجعوا وانصرفوا .

و " انصفقوا عليه " : أطبقوا واجتمعوا ، أصله من " الصفقة " ، وهو الاجتماع على الشيء .

وإنما غير المعنى استعمال الحرف ، في الأول " عنه " ، وفي الأخرى " عليه " .

وهذا من محاسن العربية .

(61) في المخطوطة : " شدودة الزلزال " ، وهو سهو من الناسخ .

(62) في المخطوطة : " لا يظلم بأرضه " ، وصححها لناشر وتصحيحه مطابق لما في التاريخ .

(63) الزيادة بين القوسين من تاريخ الطبري .

(64) قوله : " ومساكن لتجارهم " ، ليست في التاريخ ، وفي المطبوعة : " لتجارتهم " ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة ، وابن كثير .

(65) في المطبوعة : " رتاعًا من الرزق " ، خالف المخطوطة ، لأنها غير منقوطة ، وهي مطابقة لما في التاريخ .

و " الرفاغ " مصدر " رفغ " ( بفتح فضم ) ، وهو قياس العربية ، والذي في المعاجم " رفاغة " .

يقال : " إنه لفي رفاغة من العيش " ، و " رفاغية " ( على وزن : ثمانية ) : سعة من العيش وطيب وخصب .

و " عيش رافغ " .

(66) في المطبوعة والمخطوطة : " وخافوا عليهم الفتن " ، والجيد ما أثبته من التاريخ .

(67) في التاريخ : " فمكث بذلك سنوات " ، وهي أجود .

(68) إلى هذا الموضع ، انتهي ما رواه أبو جعفر في تاريخه 2 : 220 ، 221، إلا أنه لم يذكر في ختام الجملة " ومنعتهم " .

وقوله : " ومنعتهم " ( بفتحات ) ، جمع " مانع " ، مثل " كافر " و " كفرة " ، وهم الذين يمنعون من يرديهم بسوء .

وانظر تخريج الخبر في آخر هذا الأثر .

(69) " الاسترخاء " ، السعة والسهولة .

" استرخوا عنهم " ، أرخوا عنهم شدة العذاب والفتنة .

(70) في المطبوعة : " تحدث بهذا الاسترخاء عنهم " ، وفي المخطوطة هكذا : " تحددوا استرخائهم عنهم " ، وأثبت الصواب من تفسير ابن كثير .

(71) من أول قوله : " فلما رأوا ذلك استرخوا ...

" ، إلى هذا الموضع ، لم يذكره أبو جعفر في تاريخه ، ثم يروي ما بعده ، كما سأبينه بعد في التعليق .

(72) في المطبوعة والمخطوطة : " توامرت على أن يفتنوهم " ، وأثبت ما في التاريخ .

أما ابن كثير في تفسيره فنقل : " توامروا على أن يفتنوهم " .

وفي المطبوعة وحدها : " ويشدوا عليهم " ، وأثبت ما في التاريخ وابن كثير .

و " تذامر القوم " ، حرض بعضهم بعضًا وحثه على قتال أو غيره .

و " ذمر حزبه تذميرًا " ، شجعه وحثه ، مع لوم و استبطاء .

(73) في المطبوعة : " سبعون نفسًا " ، وفي المخطوطة ؛ " سبعين نفسًا " ، غير منقوطة ، والصواب ما أثبته من تاريخ الطبري ، وتفسير ابن كثير .

(74) في المطبوعة والمخطوطة : " وأعطوه على أنا منك ..

" ، سقط من الكلام " عهودهم " ، أثبتها من التاريخ ، وفي تفسير ابن كثير " وأعطوه عهودهم ومواثيقهم " .

(75) الأثر : 16083 - " أبان العطار " ، هو " أبان بن يزيد العطار " ، وقد سلف شرح هذا الإسناد : 15719 ، 15821 ، وغيرهما إسناد صحيح .

وكتاب عروة إلى عبد الملك بن مروان قد رواه أبو جعفر مفرقًا في تفسيره ، وفي تاريخه ، فما رواه في تفسيره آنفًا رقم : 15719 ، 15821 أما في تاريخه ، فقد رواه مفرقًا في مواضع ، هذه هي 2 : 220 ، 221 ، 240 ، 241 ، 245 ، 267 - 269 ثم 3 : 117 ، 125 ، 132 ، وعسى أن أستطيع أن ألم شتات هذا الكتاب من التفسير والتاريخ ، حتى أخرج منه كتاب عروة إلى عبد الملك كاملا ، فهو من أوائل الكتب التي كتبت عن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وهذا الخبر نفسه ، مفرق في موضعين من التاريخ 2 : 220 ، 221 كما أشرت إليه في ص : 443 تعليق : 1 ثم 2 : 240 ، 241.

ونقله ابن كثير عن هذا الموضع من التفسير في تفسيره 4 : 61 ، 62 .

ثم انظر التعليق على الأثر التالي .

(76) الأثر : 16084 - " عبد الرحمن بن أبي الزناد " ، هو " عبد الرحمن بن عبد الله ابن ذكوان " ، مضى برقم : 1695 ، 9225 ، وقال أخي السيد أحمد أنه ثقة ، تكلم فيه بعض الأئمة .

ثم قال : وقد وثقه الترمذي وصحح عدة من أحاديثه ، بل قال في السنن 3 : 59 : " هو ثقة حافظ " .

وممن ضعف " عبد الرحمن بن أبي الزناد " ابن معين قال : " ليس ممن يحتج به أصحاب الحديث ،ليس بشيء " .

وقال أحمد: " مضطرب الحديث " ، وقال ابن المديني " كان عند أصحابنا ضعيفًا " ، وقال ابن المديني : " ما حدث به بالمدينة فهو صحيح ، وما حدث ببغداد أفسده البغداديون " .

وقال ابن سعد : " كان كثير الحديث ، وكان يضعف لروايته عن أبيه " .

وأبوه " عبد الله بن ذكوان " ، أبو الزناد ، ثقة ، روى له الجماعة.

وقد روى " عبد الرحمن بن أبي الزناد " ، أن الذي كتب إليه عروة ، هو " الوليد بن عبد الملك ابن مروان " ، والإسناد السالف أصح واوثق ، أنه كتب إلى " عبد الملك بن مروان " ، فأنا أخشى أن يكون هذا الخبر مما اضطربت فيه رواية " ابن أبي الزناد " ، عن أبيه .

(77) " إساف " ( بكسر اللف وفتحها ) و " يساف " ( بكسر الياء وفتحها ) ، واحد .

وقد مضى ذلك في الخبر : 10433 ، والتعليق عليه 9 : 208 ، تعليق : 1 .

وكان في المخطوطة هنا : " ساف ونافلة " ، وهو خطأ محض .

(78) انظر تفسير " الانتهاء " فيما سلف ص : 536 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(79) انظر تفسير " بصير " فيما سلف من فهارس اللغة ( بصر ) .

(80) في المطبوعة : " يبصركم " ، والصواب من المخطوطة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصيرقوله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة أي كفر .

إلى آخر الآية تقدم معناها وتفسير ألفاظها في " البقرة " وغيرها ، والحمد لله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

‏ وأما خطابه للمؤمنين عندما أمرهم بمعاملة الكافرين، فقال‏:‏ ‏{‏وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ‏}{‏وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ‏}‏ أي‏:‏ شرك وصد عن سبيل اللّه، ويذعنوا لأحكام الإسلام، ‏{‏وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ‏}‏ فهذا المقصود من القتال والجهاد لأعداء الدين، أن يدفع شرهم عن الدين، وأن يذب عن دين اللّه الذي خلق الخلق له، حتى يكون هو العالي على سائر الأديان‏.‏ ‏{‏فَإِنِ انْتَهَوْا‏}‏ عن ما هم عليه من الظلم ‏{‏فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏ لا تخفى عليه منهم خافية‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) أي : شرك .

قال الربيع : حتى لا يفتن مؤمن عن دينه ( ويكون الدين كله لله ) أي : ويكون الدين خالصا لله لا شرك فيه ، ( فإن انتهوا ) عن الكفر ، ( فإن الله بما يعملون بصير ) قرأ يعقوب " تعملون " بالتاء ، وقرأ الآخرون بالياء .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقاتلوهم حتى لا تكون» توجد «فتنةٌ» شرك «ويكون الدِّين كله لله» وحده ولا يعبد غيره «فإن انتهوا» عن الكفر «فإن الله بما يعملون بصير» فيجازيهم به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقاتلوا -أيها المؤمنون- المشركين حتى لا يكون شِرْكٌ وصدٌّ عن سبيل الله؛ ولا يُعْبَدَ إلا الله وحده لا شريك له، فيرتفع البلاء عن عباد الله في الأرض، وحتى يكون الدين والطاعة والعبادة كلها لله خالصة دون غيره، فإن انزجروا عن فتنة المؤمنين وعن الشرك بالله وصاروا إلى الدين الحق معكم، فإن الله لا يخفى عليه ما يعملون مِن ترك الكفر والدخول في الإسلام.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد كل هذا التهديد والوعيد للكافرين .

.

يوجه - سبحانه - خطابه إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - يأمره فيه أن يبلغهم حكم الله إذا ما انتهوا عن كفرهم ، كما يأمر المؤمنين أن يقاتلوهم حتى تكون كلمة الله هى العليا ، فيقول - سبحانه - : ( قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَإِن تَوَلَّوْاْ فاعلموا أَنَّ الله مَوْلاَكُمْ نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير ) .أى : ( قُل ) يا محمد لهؤلاء الذين كفروا بالحق بما جاءهم ، من أهل مكة وغيرهم ، قل لهم : ( إِن يَنتَهُواْ ) عن كفرهم وعداوتهم للمؤمنين ( يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ) من كفرهم ومعاصيهم ( وَإِنْ يَعُودُواْ ) إلى قتالك ويستمروا فى ضلالهم وكفرهم وطغيانهم ، انتقمنا منهم ، ونصرنا المؤمنين عليهم ( فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ ) على ذلك .أى : فقد مضت سنة الله - تعالى - فى الأولين ، وسنته لا تتخلف فى أنه - سبحانه - يعذب المكذبين بعد إنذارهم وتبليغهم دعوته ، وينصر عباده المؤمنين وينجيهم ويمكن لهم فى الأرض .

وقد رأى هؤلاء المشركون كيف كانت عاقبة أمرهم فى بدر ، وكيف أهلك - سبحانه - الكافرين من الأمم قبلهم .وجواب الشرط لقوله ( وَإِنْ يَعُودُواْ ) محذوف والتقدير : وإن يعودوا ننتقم منهم .وقوله ( فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ ) تعليل للجواب المحذوف .قال الآلوسى : قوله ( فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ ) أى عادة الله الجارية فى الذين تحزبوا على الأنبياء ، من نصر المؤمنين عليهم وخذلانهم وتدميرهم .

وأضيفت السنة إليهم لما بينهما من الملابسة الظاهرة .

ونظير ذلك قوله - سبحانه - ( سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا ) فأضاف السنة إلى المرسلين مع أنها سنته لقوله - سبحانه - ( وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً ) باعتبار جريانها على أيديهم .

ويدخل فى الأولين الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر .والآية حث على الإِيمان وترغيب فيه .

.

واستدل بها على أن الإِسلام يجب ما قبله ، وأن الكافر إذا أسلم لا يخاطب بقضاء ما فاته من صلاة أو زكاة أو وصوم أو إتلاف مال أو نفس .

وأجرى المالكية ذلك كله فى المرتد إذا تاب لعلموم الآية .

.والمعنى : عليكم - أيها المؤمنون - إذا ما استمر أولئك الكافرون فى كفرهم وعدوانهم ، أن تقاتلوهم بشدة وغلظة ، وأن تستمروا فى قتالهم حتى تزول صولة الشرك ، وحتى تعيشوا أحرارا فى مبشارة تعاليم دينكم ، دون أن يجرؤ أحد على محاولة فتنتكم فى عقيدتكم أو عبادتكم .

.

حتى تصير كلمة الذين كفروا هى السفلى .قال الجمل : وقوله : ( وَقَاتِلُوهُمْ ) معطوف على قوله ( قُل لِلَّذِينَ كفروا ) .

ولكن لما كان الغرض من الأول التلطف بهم وهو وظيفة النبى وحده جاء بالإفراد .

ولما كان الغرض من الثانى تحريض المؤمنين على القتال جاء بالجمع فخوطبوا جميعا .وقوله ( فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) أى : فإن انتهوا عن كفرهم وعن معاداتكم ، فكفوا أيديكم عنهم ، فإن الله - تعالى - لا يخفى عليه شئ من أعمالهم ، وسيجازيهم عليها بما يستحقون من ثواب أو عقاب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين أن هؤلاء الكفار إن انتهوا عن كفرهم حصل لهم الغفران، وإن عادوا فهم متوعدون بسنة الأولين، أتبعه بأن أمر بقتالهم إذا أصروا فقال: ﴿ وقاتلوهم حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ قال عروة بن الزبير: كان المؤمنون في مبدأ الدعوة يفتنون عن دين الله، فافتتن من المسلمين بعضهم وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يخرجوا إلى الحبشة، وفتنة ثانية وهو أنه لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة، توامرت قريش أن يفتنوا المؤمنين بمكة عن دينهم، فأصاب المؤمنين جهد شديد، فهذا هو المراد من الفتنة، فأمر الله تعالى بقتالهم حتى تزول هذه الفتنة.

وفيه وجه آخر، وهو أن مبالغة الناس في حبهم أديانهم أشد من مبالغتهم في حبهم أرواحهم، فالكافر أبداً يسعى بأعظم وجوه السعي في إيذاء المؤمنين وفي إلقاء الشبهات في قلوبهم وفي إلقائهم في وجوه المحنة والمشقة، وإذا وقعت المقاتلة زال الكفر والمشقة، وخلص الإسلام وزالت تلك الفتن بالكلية.

قال القاضي: إنه تعالى أمر بقتالهم ثم بين العلة التي بها أوجب قتالهم، فقال: ﴿ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ ويخلص الدين الذي هو دين الله من سائر الأديان، وإنما يحصل هذا المقصود إذا زال الكفر بالكلية.

إذا عرفت هذا فنقول: إما أن يكون المراد من الآية ﴿ وقاتلوهم ﴾ لأجل أن يحصل هذا المعنى أو يكون المراد ﴿ وقاتلوهم ﴾ لغرض أن يحصل هذا المعنى فإن كان المراد من الآية هو الأول وجب أن يحصل هذا المعنى من القتال فوجب أن يكون المراد ﴿ وَيَكُونَ الدّينُ كُلُّهُ لِلهِ ﴾ في أرض مكة وما حواليها، لأن المقصود حصل هنا، قال عليه السلام: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» ولا يمكن حمله على جميع البلاد، إذ لوكان ذلك مراداً لما بقي الكفر فيها مع حصول القتال الذي أمر الله به، وأما إذا كان المراد من الآية هو الثاني، وهو قوله: قاتلوهم لغرض أن يكون الدين كله لله، فعلى هذا التقدير لم يمتنع حمله على إزالة الكفر عن جميع العالم لأنه ليس كل ما كان غرضاً للإنسان، فإنه يحصل، فكان المراد الأمر بالقتال لحصول هذا الغرض سواء حصل في نفس الأمر أو لم يحصل.

ثم قال: ﴿ فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ والمعنى ﴿ فَإِنِ انْتَهَوْاْ ﴾ عن الكفر وسائر المعاصي بالتوبة والإيمان ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ عالم لا يخفى عليه شيء يوصل إليهم ثوابهم ﴿ وَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ يعني عن التوبة والإيمان ﴿ فاعلموا أَنَّ الله مَوْلاَكُمْ ﴾ أي وليكم الذي يحفظكم ويرفع البلاء عنكم، ثم بين أنه تعالى ﴿ نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير ﴾ وكل ما كان في حماية هذا المولى وفي حفظه وكفايته، كان آمناً من الآفات مصوناً عن المخوفات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وقاتلوهم حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ إلى أن لا يوجد فيهم شرك قط ﴿ وَيَكُونَ الدّينُ كُلُّهُ لِلهِ ﴾ ويضمحل عنهم كل دين باطل، ويبقى فيهم دين الإسلام وحده ﴿ فَإِنِ انْتَهَوْاْ ﴾ عن الكفر وأسلموا ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ يثيبهم على توبتهم وإسلامهم.

وقرئ: ﴿ تعملون ﴾ ، بالتاء، فيكون المعنى: فإن الله بما تعملون من الجهاد في سبيله والدعوة إلى دينه والإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإسلام ﴿ بَصِيرٌ ﴾ يجازيكم عليه أحسن الجزاء ﴿ وَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ ولم ينتهوا ﴿ فاعلموا أَنَّ الله مَوْلاَكُمْ ﴾ أي ناصركم ومعينكم، فثقوا بولايته ونصرته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ لا يُوجَدُ فِيهِمْ شِرْكَ.

﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ﴾ وتَضْمَحِلُّ عَنْهُمُ الأدْيانُ الباطِلَةُ.

﴿ فَإنِ انْتَهَوْا ﴾ عَنِ الكُفْرِ.

﴿ فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ فَيُجازِيهِمْ عَلى انْتِهائِهِمْ عَنْهُ وإسْلامِهِمْ.

وعَنْ يَعْقُوبَ « تَعْمَلُونَ» بِالتّاءِ عَلى مَعْنى فَإنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ مِنَ الجِهادِ والدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ والإخْراجِ مِن ظُلْمَةِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ بَصِيرٌ، فَيُجازِيكم ويَكُونُ تَعْلِيقُهُ بِانْتِهائِهِمْ دَلالَةً عَلى أنَّهُ كَما يَسْتَدْعِي إثابَتَهم لِلْمُباشَرَةِ يَسْتَدْعِي إثابَةَ مُقاتِلِيهِمْ لِلتَّسَبُّبِ.

﴿ وَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ ولَمْ يَنْتَهُوا.

﴿ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ ﴾ ناصِرُكم فَثِقُوا بِهِ ولا تُبالُوا بِمُعاداتِهِمْ.

﴿ نِعْمَ المَوْلى ﴾ لا يَضِيعُ مَن تَوَلّاهُ.

﴿ وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ لا يُغْلَبُ مَن نَصَرَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وقاتلوهم حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} إلى أن لا يوجد فيهم شرط قط {وَيَكُونَ الدّينُ كُلُّهُ لِلهِ} ويضمحل عنهم كل دين باطل ويبقى فيهم دين الإسلام {فَإِنِ انْتَهَوْاْ} عن الكفر وأسلموا {فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} يثيبهم على إسلامهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقاتِلُوهُمْ ﴾ عُطِفَ عَلى (قُلْ).

وعَمَّ الخِطابُ لِزِيادَةِ تَرْغِيبِ المُؤْمِنِينَ في القِتالِ لِتَحْقِيقِ ما يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ ﴾ مِنَ الوَعِيدِ ﴿ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ أيْ: لا يُوجَدَ مِنهم شِرْكٌ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقِيلَ: المُرادُ حَتّى لا يُفْتَتَنَ مُؤْمِنٌ عَنْ دِينِهِ.

﴿ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ﴾ وتَضْمَحِلَّ الأدْيانُ الباطِلَةُ كُلُّها؛ إمّا بِهَلاكِ أهْلِها جَمِيعًا أوْ بِرُجُوعِهِمْ عَنْها خَشْيَةَ القَتْلِ، قِيلَ: لَمْ يَجِئْ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدُ، وسَيَتَحَقَّقُ مَضْمُونُها إذا ظَهَرَ المَهْدِيُّ فَإنَّهُ لا يَبْقى عَلى ظَهْرِ الأرْضِ مُشْرِكٌ أصْلًا عَلى ما رُوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

﴿ فَإنِ انْتَهَوْا ﴾ عَنِ الكُفْرِ بِقِتالِكم.

﴿ فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ الجُمْلَةُ قائِمَةٌ مَقامَ الجَزاءِ أيْ: فَيُجازِيهِمْ عَلى انْتِهائِهِمْ وإسْلامِهِمْ، أوْ جُعِلَتْ مَجازًا عَنِ الجَزاءِ أوْ كِنايَةً أوْ فَكَوْنُهُ تَعالى بَصِيرًا أمْرٌ ثابِتٌ قَبْلَ الِانْتِهاءِ وبَعْدَهُ لَيْسَ مُعَلَّقًا عَلى شَيْءٍ.

وعَنْ يَعْقُوبَ أنَّهُ قَرَأ: (تَعْمَلُونَ) بِالتّاءِ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ المُجاهِدِينَ؛ أيْ: بِما تَعْمَلُونَ مِنَ الجِهادِ المُخْرِجِ لَهم إلى الإسْلامِ، وتَعْلِيقُ الجَزاءِ بِانْتِهائِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم يُثابُونَ بِالسَّبَبِيَّةِ كَما يُثابُ المُباشِرُونَ بِالمُباشَرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم حث المؤمنين على قتال الكفار فقال تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ، يعني: لا يكون الشرك بمكة، ويقال: حتى لا يتخذوا شركاء ويوحدوا ربهم، وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ يعني: يظهر دين الإسلام ولا يكون دين غير دين الإسلام.

فَإِنِ انْتَهَوْا عن الشرك وعن عبادة الأوثان وقتال المسلمين، فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيثيبكم بأعمالكم.

وَإِنْ تَوَلَّوْا، يعني: أبوا وأعرضوا عن الإيمان، يا معشر المؤمنين، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ يعني: حافظكم وناصركم.

ثم قال: نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ، نِعْمَ الْمَوْلى يعني: الحفيظ ونِعْمَ النَّصِيرُ يعني: المانع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

على فائتٍ، وهذا من أخبار القرآن بالغيوب قبل أن تكون، فكان كما أخبر، ثم أخبر سبحانه عن الكافرين، وأنهم يُجْمَعُونَ إِلى جهنّم، والحشر: الجمع.

لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٣٧) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)

وقوله سبحانه: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، وقرأ حمزة والكسائيُّ «١» : «لِيُمَيِّزَ اللَّهُ» - بضم الياءِ، وفتحِ الميم، وشدِّ الياء-، قال ابن عباس وغيره: المعنيُّ ب الْخَبِيثَ:

الكفَّارُ، وب الطَّيِّبِ المؤمنون «٢» ، وقال ابْنُ سَلاَّم والزَّجَّاج: الْخَبِيثَ: ما أنفقه المشركون في الصَّدِّ عن سبيل اللَّه، والطَّيِّبِ: هو ما أنفقه المؤمنون في سبيل اللَّهِ «٣» .

قال ع «٤» : روي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أَنَّ اللَّه سبحانه يُخْرِجُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَالِ مَا كَانَ صَدَقَةً أَوْ قُرْبَةً، ثُمَّ يأْمُرُ بِسَائِرِ ذَلِكَ، فيلقى فِي النَّارِ: وعلى التأويلين: فقوله سبحانه: وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً إِنما هي عبارةٌ عن جَمْع ذلك، وضَمه، وتأليف أشتاته، وتكاثُفِه بالاجتماع، ويَرْكُمُهُ في كلام العرب: يُكَثِّفه ومنه سَحابٌ مَرْكُومٌ [الطور: ٤٤] وعبارة البخاريِّ: فيركمه: فَيَجْمَعه.

انتهى.

وقوله سبحانه: إِنْ يَنْتَهُوا، يعني: عن الكفر، يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ لأن الإِسلام يجبّ ما قبله، وإِنْ يَعُودُوا، يريدُ بِهِ: إِلى القِتَالِ، ولا يصحُّ أن يُتَأَوَّل: وإن يعودوا إِلى الكُفْرِ لأنهم لم ينفصلوا عنه.

وقوله: فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ/ الْأَوَّلِينَ: عبارةٌ تجمَعُ الوعيدَ والتهديدَ والتمثيلَ بمَنْ هَلَكَ من الأمم في سالف الدَّهْرِ بعذاب اللَّه حين صدَّ في وَجْهِ نبيِّه بمَنْ هلك في يَوْمِ بَدْرٍ بسيف الإسلام.

وقوله سبحانه: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ قال ابن عباس، وابن عمر،

وغيرهما: الفِتْنَةُ: الشِّرْكُ «١» .

قال ع «٢» : وهذا هو الظاهر، ويفسّر هذه الآية قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إله إلّا الله ...

» «٣» الحديث.

وقال ابن إِسحاق: معناها: حتَّى لا يفتن أحَدٌ عن دينهِ كما كانت قريشٌ تَفْعَلُ بمكّة بمن أسلم.

وقوله: وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، أيْ: لا يُشْرَكَ معه صَنَمٌ، ولا وَثَنٌ، ولا يُعْبَدَ غيره

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ أيْ: شِرْكٌ.

وقالَ الزَّجّاجُ: حَتّى لا يُفْتَنَ النّاسُ فِتْنَةَ كَفْرٍ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنِ انْتَهَوْا ﴾ أيْ: عَنِ الكُفْرِ والقِتالِ، ﴿ فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ وقَرَأ يَعْقُوبُ إلّا رَوْحًا "بِما تَعْمَلُونَ" بِالتّاءِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِيَمِيزَ اللهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَيِّبِ ويَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ وإنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإنِ انْتَهَوْا فَإنِ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ﴿ وَإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَوْلاكم نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَصِيرُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "لِيَمِيزَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ بْنِ نَصاحٍ، وشِبْلٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، تَقُولُ: مِزْتُ الشَيْءَ، والعَرَبُ تَقُولُ: مِزْتُهُ فَلَمْ يَتَمَيَّزْ لِي، حَكاهُ يَعْقُوبُ، وفي شاذِّ القِراءَةِ: "وانْمازُوا اليَوْمَ"، وأنْشَدَ أبُو زَيْدٍ: لَمّا ثَنى اللهُ عَنِّي شَرَّ عَدُوَّتِهِ ∗∗∗ وانْمَزْتُ لا مُنْشِئًا ذُعْرًا ولا وجِلا وهُوَ مُطاوِعُ: مازَ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيًّ: "لِيُمَيِّزَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الياءِ، وهي قِراءَةُ قَتادَةَ، وطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشِ، والحَسَنِ أيْضًا، وعِيسى البَصَرِيِّ، تَقُولُ: مَيَّزَتْ أُمَيِّزُ إذا فَرَّقْتَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَصاعِدًا، وفي القُرْآنِ ﴿ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ  ﴾ فَهو مُطاوِعُ مَيَّزَ ومَعْناهُ: تَنْفَصِلُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والسُدِّيُّ: المَعْنِيُّ بِالخَبِيثِ الكُفّارُ، وبِالطَيِّبِ المُؤْمِنُونَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واللامُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مِن قَوْلِهِ: ﴿ لِيَمِيزَ ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿ يُحْشَرُونَ  ﴾ ، والمَعْنى أنَّ اللهَ يَحْشُرُ الكافِرِينَ إلى جَهَنَّمَ لِيَمِيزَ الكافِرِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَجْمَعَ الكافِرِينَ جَمِيعًا فَيُلْقِيَهم في جَهَنَّمَ.

ثُمَّ أخْبَرَ عنهم أنَّهم هُمُ الخاسِرُونَ، أيِ:الَّذِينَ خابَتْ سِعايَتُهم وتَبَّتْ أيْدِيهِمْ وصارُوا إلى النارِ، وقالَ ابْنُ سَلامٍ، والزَجّاجُ: المَعْنِيُّ بِالخَبِيثِ المالُ الَّذِي أنْفَقَهُ المُشْرِكُونَ في الصَدِّ عن سَبِيلِ اللهِ، والطَيِّبُ هو ما أنْفَقَهُ المُؤْمِنُونَ في سَبِيلِ اللهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واللامُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مِن قَوْلِهِ: ﴿ لِيَمِيزَ ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿ يُغْلَبُونَ  ﴾ ، والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم فَتَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ مَعَ نَفَقَتِها، وذَلِكَ لِيَمِيزَ اللهُ الفَرْقَ بَيْنَ الخَبِيثِ والطَيِّبِ فَيَخْذُلَ أهْلَ الخَبِيثِ ويَنْصُرَ أهْلَ الطَيِّبِ، وقَوْلُهُ تَعالى -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-: ﴿ وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي جَهَنَّمَ ﴾ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما رُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ  : « "إنَّ اللهَ تَعالى يُخْرِجُ مِنَ الأمْوالِ ما كانَ صَدَقَةً أو قُرْبَةً يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يَأْمُرُ بِسائِرِ ذَلِكَ فَيُلْقى في النارِ"،» وحَكى الزَهْراوِيُّ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الكُفّارَ يُعَذَّبُونَ بِذَلِكَ المالِ، فَهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهُمْ  ﴾ ، وقالَهُ الزَجّاجُ، وعَلى التَأْوِيلَيْنِ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا ﴾ إنَّما هي عِبارَةٌ عن جَمْعِ ذَلِكَ وضَمِّهِ وتَأْلِيفِ أشْتاتِهِ وتَكاثُفِهِ بِالِاجْتِماعِ.

وَ"يَرْكُمُهُ" في كَلامِ العَرَبِ: يُكَثِّفُهُ، ومِنهُ: ﴿ سَحابٌ مَرْكُومٌ  ﴾ ورُكامٌ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: ...................

∗∗∗ ∗∗∗ زُعْ بِالزِمامِ وجَوْزُ اللَيْلِ مَرْكُومُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ ﴾ بِمَعْنى يُلْقِي، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ.

و ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- يُرادُ بِهِ المُنافِقُونَ مِنَ الكُفّارِ، ولَفْظَةُ الخَسارَةِ تَلِيقُ بِهِمْ مِن جِهَةِ المالِ وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الجِهاتِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ، أمْرٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِنَبِيِّهِ  أنْ يَقُولَ لِلْكُفّارِ هَذا المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَهُ ألْفاظُ قَوْلِهِ ﴿ إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ ﴾ ، وسَواءٌ قالَهُ النَبِيُّ  في هَذِهِ العِبارَةِ أو غَيْرِها، ولَوْ كانَ الكَلامُ كَما ذَكَرَ الكِسائِيُّ أنَّهُ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "قُلْ لِلَّذِينِ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَكُمْ" لَما تَأدَّتِ الرِسالَةُ إلّا بِتِلْكَ الألْفاظِ بِعَيْنِها، هَذا بِحَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ الألْفاظُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ يَنْتَهُوا ﴾ يُرِيدُ بِهِ: عَنِ الكَفْرِ ولابُدَّ، والحامِلُ عَلى ذَلِكَ جَوابُ الشَرْطِ بِـ ﴿ يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ ﴾ ، ومَغْفِرَةُ ما قَدْ سَلَفَ لا تَكُونُ إلّا لِمُنْتَهٍ عَنِ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ: ( إنْ يَعُودُوا ) يُرِيدُ بِهِ: إلى القِتالِ، لِأنَّ لَفْظَةَ "عادَ يَعُودُ" إذا جاءَتْ مُطْلَقَةً فَإنَّما تَتَضَمَّنُ الرُجُوعَ إلى حالَةٍ قَدْ كانَ الإنْسانُ عَلَيْها، ثُمَّ تَنَقَّلَ عنها، ولَسْنا نَجْدُ في هَذِهِ الآيَةِ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ حالَةً تُشْبِهُ ما ذَكَرْنا، إلّا القِتالَ، ولا يَصِحُّ أنْ يَتَأوَّلَ: "وَإنْ يَعُودُوا إلى الكُفْرِ" لِأنَّهم لَمْ يَنْفَصِلُوا عنهُ، وإنَّما قُلْنا في "عادَ": "إذا كانَتْ مُطْلَقَةً" لِأنَّها قَدْ تَجِيءُ في كَلامِ العَرَبِ داخِلَةً عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ بِمَنزِلَةِ "صارَ"، وذَلِكَ كَما تَقُولُ: "عادَ زَيْدٌ مَلِكًا" تُرِيدُ: صارَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي الصَلْتِ: تِلْكَ المَكارِمُ لا قَعْبانِ مِن لَبَنٍ ∗∗∗ ∗∗∗ شِيبا بِماءٍ فَعادا بَعْدُ أبْوالًا وهَذِهِ لا تَتَضَمَّنُ الرُجُوعَ لِحالَةٍ قَدْ كانَ العائِدُ عَلَيْها قَبْلُ، لَكِنَّها مُقَيَّدَةٌ بِخَبَرِها لا يَجُوزُ الِاقْتِصارُ دُونَهُ، فَحُكْمُها حُكْمُ "صارَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ ﴾ تَجَمَّعَ الوَعِيدُ والتَهْدِيدُ والتَمْثِيلُ بِمَن هَلَكَ مِنَ الأُمَمِ في سالِفِ الدَهْرِ بِعَذابِ اللهِ حِينَ صَدَّ في وجْهِ نَبِيِّهِ، وبِمَن هَلَكَ في يَوْمِ بَدْرٍ بِسَيْفِ الإسْلامِ والشَرْعِ، والمَعْنى: فَقَدْ رَأيْتُمْ وسَمِعْتُمْ عَنِ الأُمَمِ ما حَلَّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَخْوِيفُ عَلَيْهِمْ بِقِصَّةٍ بَدْرٍ أشَدُّ إذْ هي القَرِيبَةُ مِنهم والمُعايَنَةُ عِنْدَهُمْ، وعَلَيْها نَصَّ ابْنُ إسْحاقَ، والسُدِّيُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ الآيَةُ، أمْرٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فُرِضَ بِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ أنْ يُقاتِلُوا الكُفّارَ، والفِتْنَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناها: الشِرْكُ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: مَعْناها: حَتّى لا يُفْتَنَ أحَدٌ عن دِينِهِ كَما كانَتْ قُرَيْشٌ تَفْعَلُ بِمَكَّةَ بِمَن أسْلَمَ كَبِلالٍ وغَيْرِهِ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ عُرْوَةَ بْنِ الزُبَيْرِ في جَوابِهِ لِعَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ حِينَ سَألَهُ عن خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ  مِن مَكَّةَ مُهاجِرًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَكُونَ الدِينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ﴾ أيْ: لا يُشْرَكُ مَعَهُ صَنَمٌ ولا وثَنٌ، ولا يُعْبَدُ غَيْرُهُ، وقالَ قَتادَةُ: حَتّى تَسْتَوْسِقَ كَلِمَةُ الإخْلاصِ "لا إلَهَ إلّا اللهُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ المَعانِي تَتَلازَمُ كُلُّها، وقالَ الحَسَنُ: حَتّى لا يَكُونَ بَلاءٌ، وهَذا يَلْزَمُ عَلَيْهِ القِتالُ -فِي فِتَنِ المُسْلِمِينَ- الفِئَةَ الباغِيَةَ، عَلى سائِرِ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الأقْوالِ يَكُونُ المُعْتَزِلُ في فُسْحَةٍ، وعَلى هَذا جاءَ قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "أمّا نَحْنُ فَقَدَ قاتَلْنا حَتّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ، وأمّا أنْتَ وأصْحابُكَ فَتُرِيدُونَ أنْ نُقاتِلَ حَتّى تَكُونَ فِتْنَةٌ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَمَذْهَبُ عُمَرَ أنَّ الفِتْنَةَ: الشِرْكُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو الظاهِرُ، وفَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "أُمِرْتَ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللهُ، فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها، وحِسابُهم عَلى اللهِ"».

ومَن قالَ: المَعْنى: حَتّى لا يَكُونَ شِرْكٌ فالآيَةُ عِنْدَهُ يُرِيدُ بِها الخُصُوصَ فِيمَن لا يُقْبَلُ مِنهُ جِزْيَةٌ، قالَ ابْنُ سَلامٍ: وهي في مُشْرِكِي العَرَبِ.

ثُمَّ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ فَإنِ انْتَهَوْا ﴾ أيْ: عَنِ الكُفْرِ فَإنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِعَمَلِهِمْ مُجازٍ عَلَيْهِ، عِنْدَهُ ثَوابُهُ وجَمِيلُ المُقارَضَةِ عَلَيْهِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ، وسَلامُ بْنُ سُلَيْمانَ: "بِما تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ، أيْ: في قِتالِكم وجِدِّكم وجِلادِكم عن دِينِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ الآيَةُ، مُعادِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ فَإنِ انْتَهَوْا ﴾ ، والمَعْنى: فَإنِ انْتَهَوْا عَنِ الكُفْرِ فاللهُ مُجازِيهِمْ -أو مُجازِيكم عَلى قِراءَةِ "تَعْمَلُونَ"-، وإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَنْصُرُكم عَلَيْهِمْ، وهَذا وعْدٌ مَحْضٌ بِالنَصْرِ والظَفَرِ، أيْ فَجِدُّوا.

والمَوْلى هاهُنا: المُوالِي والمُعِينُ، والمَوْلى في اللُغَةِ عَلى مَعانٍ هَذا هو الَّذِي يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ مِنها، والمَوْلى الَّذِي هو السَيِّدُ المُقْتَرِنُ بِالعَبْدِ يَعُمُّ المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالَهم ﴾ [الأنفال: 36] الآية، ويجوز أن تكون عطفاً على جملة ﴿ فقد مضتْ سنة الأولين ﴾ [الأنفال: 38] فتكون مما يدخل في حكم جَواب الشرط.

والتقدير: فإن يعودوا فقاتلوهم، كقوله: ﴿ وإن عدتم عدنا ﴾ [الإسراء: 8] وقوله ﴿ وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ [التوبة: 3] والضمير عائِد إلى مشركي مكة.

والفتنة اضطراب أمر الناس ومَرَجهم، وقد تقدم بيانها غير مرة، منها عند قوله تعالى: ﴿ إنما نحن فتنةٌ فلا تكفر ﴾ في سورة [البقرة: 102] وقوله: ﴿ وحسبوا أن لا تكون فتنة ﴾ في سورة [العقود: 71].

والمراد هنا أن لا تكون فتنة من المشركين لأنه لما جُعل انتفاء والفتنة غاية لقتالهم، وكان قتالهم مقصوداً منه إعدامُهم أوْ إسلامهم، وبأحَد هذين يكون انتفاء الفتنة، فنتج من ذلك أن الفتنة المرادَ نفيُها كانت حاصلة منهم وهي فتنتهم المسلمين لا محالة، لأنهم إنما يفتِنون مَن خالفهم في الدين فإذا أسلموا حصل انتفاء فتنتهم وإذا أعدمهم الله فكذلك.

وهذه الآية دالة على ما ذهب إليه جمهور علماء الأمة من أن قتال المشركين واجب حتى يسلموا، وأنهم لا تقبل منهم الجزية، ولذلك قال الله تعالى هنا: ﴿ حتى لا تكون فتنة ﴾ وقال في الآية الأخرى ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يُعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون ﴾ [التوبة: 29].

وهي أيضاً دالة على ما رآه المحققون من مؤرخينا: من أن قتال المسلمين المشركين إنما كان أوله دفاعاً لأذى المشركين ضعفاء المسلمين، والتضييققِ عليهم حيثما حلوا، فتلك الفتنة التي أشار إليها القرآن ولذلك قال في الآية الأخرى: ﴿ واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ﴾ [البقرة: 191].

والتعريف في ﴿ الدين ﴾ للجنس وتقدم الكلام على نظيرها في سورة البقرة، إلاّ أن هذه الآية زيد فيها اسم التأكيد وهو ﴿ كله ﴾ وذلك لأن هذه الآية أسبق نزولاً من آية البقرة فاحتيج فيها إلى تأكيد مفاد صيغة اختصاص جنس الدين بأنه لله تعالى، لئلا يتوهم الاقتناع بإسلام غالب المشركين فلما تقرر معنى العموم وصار نصاً من هذه الآية عُدل عن إعادته في آية البقرة تطلباً للإيجاز.

وقوله: ﴿ فإن الله بما يعملون بصير ﴾ أي عليم كناية عن حسن مجازاته إياهم لأن القادر على نفع أوليائه ومطيعيه لا يحُول بينه وبين إِيصال النفع إليهم الإخفاء حال من يُخلص إليه، فلما أخبروا بأن الله مطلع على انتهائهم عن الكفر إن انتهوا عنه وكان ذلك لا يظن خلافه علم أن المقصود لازم ذلك.

وقرأ الجمهور: ﴿ يعلمون ﴾ بياء الغائب وقرأه رُوَيْس عن يعقوب بتاء الخطاب.

والتولي: الإعراض وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين ﴾ في سورة [العقود: 92].

والمَوْلى الذي يتولى أمر غيره ويدفع عنه وفيه معنى النصر.

والمعنى وإن تولوا عن هاته الدعوة فالله مغن لكم عن وَلائهم، أي لا يضركم توليهم فقوله: ﴿ أن الله مولاكم ﴾ يؤذن بجواب محذوف تقديره: فلا تخافوا تَوليهم فإن الله مولاكم وهو يقدر لكم ما فيه نفعكم حتى لا تكون فتنة.

وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم لمسيلمة الكذاب «ولئن توليتَ ليعْفِرنك الله» وإنما الخسارة عليهم إذْ حُرِموا السلامة والكرامة.

وافتتاح جملة جواب الشرط ب ﴿ اعلموا ﴾ لقصد الاهتمام بهذا الخبر وتحقيقه، أي لا تغفلوا عن ذلك، كما مر آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ﴾ [الأنفال: 24].

وجملة: ﴿ نعم المولى ونعم النصير ﴾ مستأنفة لأنها إنشاء ثناء على الله فكانت بمنزلة التذييل.

وعطف على ﴿ نعم المولى ﴾ قوله: ﴿ ونعم النصير ﴾ لما في المولى من معنى النصر كما تقدم وقد تقدم بيان عطف قوله تعالى: ﴿ ونعم الوكيل ﴾ على قوله: ﴿ حسبنا الله ﴾ سورة [آل عمران: 173].

الجزء العاشر <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إنْ يَنْتَهُوا عَنِ المُحارَبَةِ إلى المُوادَعَةِ يَغْفِرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ مِنَ المُؤاخَذَةِ والمُعاقَبَةِ.

والثّانِي: إنْ يَنْتَهُوا عَنِ الكُفْرِ بِالإسْلامِ يَغْفِرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ مِنَ الآثامِ.

﴿ وَإنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ ﴾ تَأْوِيلُهُ عَلى احْتِمالِ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ: فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: تَأْوِيلُهُ: وإنْ يَعُودُوا إلى المُحارَبَةِ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ فِيمَن قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ وأُسِرَ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.

وَعَلى الوَجْهِ الثّانِي: فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ فِيما أخَذَهُمُ اللَّهُ بِهِ في الدُّنْيا مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ مَكَّةَ بَعْدَ أنْ دَخَلَها رَسُولُ اللَّهِ  عامَ الفَتْحِ وقالَ لَهُمْ: (ما ظَنُّكم بِي وما الَّذِي تَرَوْنَ أنِّي صانِعٌ بِكُمْ؟

قالُوا: ابْنُ عَمٍّ كَرِيمٍ فَإنْ تَعْفُ فَذاكَ الظَّنُّ بِكَ وإنْ تَنْتَقِمْ فَقَدْ أسَأْنا، فَقالَ  : (أقُولُ لَكم كَما قالَ يُوسُفُ لِإخْوَتِهِ: ﴿ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ  ﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج ابن أحمد ومسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: «لما جعل الله الإِسلام في قلبي، أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ابسط يدك فلأبايعك.

فبسط يمينه فقبضت يدي.

قال: مالك...؟!

قلت: أردت أن اشترط.

قال: قال: تشترط قلت: ان يغفر لي.

قال: أما علمت أن الإِسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن أنس رضي الله عنه قال: لا يؤخذ الكافر بشيء صنعه في كفره إذا أسلم، وذلك أن الله تعالى يقول ﴿ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فقد مضت سنة الأوّلين ﴾ قال: في قريش وغيرها يوم بدر والأمم قبل ذلك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ ، قال ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن زيد وابن إسحاق: (أي شرك) (١) (٢)  إلى الإسلام، وآمنت به طائفة فكانت فتنة شديدة، فافتتن من افتتن، وعصم الله من شاء، وأمر رسول الله  المسلمين أن يخرجوا إلى الحبشة، وفتنة ثانية وهي: لما بايعت الأنصار رسول الله  بيعة العقبة (٣) (٤) ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ (٥) قال الزجاج: أي حتى لا يفتنوا (٦) ﴿ فِتْنَةٌ ﴾ : كفر: قوله: ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ﴾ (٧) قال أهل المعاني: وإنما كان الكفر فتنة لأنه يخلّص صاحبه بالفساد الذي ظهر منه ممن يجب أن يتولى على ظاهره (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: الدين الذي أرسلتَ به دينًا حنيفيًا (١٠) (١١) (١٢) قال أهل العلم: أمر الله تعالى بالقتال إلى أن يعم الإسلام الدنيا كلها ولا يبقى على وجه الأرض كافر، فتكليف القتال ممدود إلى هذا الميعاد (١٣) ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ  ﴾ .

ومنهم من قال: ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ﴾ يعني في جزيرة العرب لا يعبد غير الله (١٤) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ، ققال ابن عباس: يريد: عالم بمن ينتهي، بصير بأعمالهم (١٥) (١٦) قال أهل المعاني: فإن انتهوا فإن الله يجازيهم مجازاة البصير بهم (١٧) (١٨) ﴿ فَإِنِ انْتَهَوْا ﴾ راجع [بالمعنى إلى قوله: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا ﴾ ثم اعترض قولٌ سواه فقال: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ ﴾ ثم] (١٩) ﴿ فَإِنِ انْتَهَوْا ﴾ .

(١) انظر: أقوال المذكررين سوى ابن إسحاق، في "تفسير ابن جرير" 9/ 248 - 249 ، وابن أبي حاتم 5/ 1701، وابن كثير 2/ 341، وانظر: قول ابن إسحاق في "السيرة النبوية" 2/ 318.

(٢) رواه الثعلبي 6/ 61 أ، والبغوي 3/ 357.

(٣) في (س): (يوم العقبة).

(٤) توامرت: لغة غير فصيحة في تآمرت، انظر: "النهاية في غريب الحديث" (أمر) 1/ 66، و"لسان العرب" (أمر) 1/ 129.

(٥) رواه ابن جرير 9/ 250، وقد ذكر المؤلف قول عروة بمعناه مع تصرف وزيادات.

(٦) في "معاني القرآن وإعرابه": يفتن.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 413.

(٨) يعني أن الكفر يميز ويفصل بين الكافر الذي تحرم موالاته وبين المؤمن أو المنافق الذي يجب أن يتولى على ظاهره، ويوكل باطنه إلى الله تعالى.

(٩) لم أقف عليه.

(١٠) لم أجده بهذا اللفظ، وقد رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 181، بلفظ: حتى لا يبقى إلا دين الإِسلام، ورواه ابن أبي حاتم 5/ 1701، بلفظ: يخلص التوحيد لله عز وجل، ورواه ابن جرير 9/ 248 بلفظ: حتى لا يكون شرك.

(١١) رواه الثعلبي 6/ 61 أ، ورواه ابن جرير 9/ 248 - 249 بنصه لكن عن ابن جريج، والنص نفسه مذكور في "السيرة النبوية" 2/ 318 قولًا لابن إسحاق، وقد رجح محمود شاكر في تعليقه على رواية ابن جريج أن القول لابن إسحاق وأن في"تفسير ابن جرير" سقطًا ولا دليل على هذا الترجيح إذ لا مانع أن يكون القول لأحد الثلاثة ثم يعتمده غيره فيعتبر قولًا له، وبما أن الرجال الثلاثة كانوا في عصر واحد (توفي الربيع بن أنس عام 140هـ أو قبلها، وتوفي ابن إسحاق وابن جريج عام 150 هـ أو بعدها) فإنه يتعذر معرفة السابق بالقول.

(١٢) رواه ابن جرير 9/ 249.

(١٣) انظر: "الأم" 4/ 241، و"أحكام القرآن" للشافعي ص 46، و"تفسير أبي الليث السمرقندي" 2/ 18، وهو قول فيه نظر لدلالة الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ  ﴾ ، فجعل تكليف القتال ممدودًا حتى إعطاء الجزية لا الإسلام، وأما السنة فأحاديث أخذ الجزية من اليهود والنصارى والمجوس، ومنها: ما رواه مسلم في"صحيحه" (1731) كتاب الجهاد والسير، باب: تأمير الإمام الأمراء ضمن وصية رسول الله  لأمراء الجيوش والسرايا، وفيها: " ..

ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم ....

فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم"، قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ..

" الحديث: فإن قيل: مقتضى الحديث قتال كل من امتنع من التوحيد، فكيف ترك قتال مؤدي الجزية والمعاهد؟

فالجواب من وجوه: أحدها: دعوى النسخ بأن يكون الإذن بأخذ الجزية وإلغاء المعاهدة متأخرًا عن هذه الأحاديث.

ثانيها: أن يكون من العام الذي خص منه البعض.

ثالثها: أن يكون من العام الذي أريد به الخاص، فيكون المراد بالناس في قوله: "أقاتل الناس" أي المشركين من غير أهل الكتاب، ويدل عليه رواية النسائي بلفظ: "أمرت أن أقاتل المشركين".

رابعها: أن يكون المراد بما ذكر من الشهادة وغيرها: التعبير عن إعلاء كلمة الله وإذعان المخالفين، فيحصل في بعض بالقتال، وفي بعض بالجزية، وفي بعض بالمعاهدة خامسها: أن يكون المراد بالقتال هو أو ما يقوم مقامه من جزية أو غيرها.

سادسها: أن يقال: الغرض من ضرب الجزية اضطرارهم إلى الإسلام؛ وسبب السبب سبب، فكأنه قال: حتى يسلموا أو يلتزموا ما يؤديهم إلى الإسلام، وهذا أحسن.

"فتح الباري" 1/ 77 باختصار وبمثل هذا توجه الآية، والله أعلم.

(١٤) انظر: "المحرر الوجيز" 5/ 302، و"تفسير الفخر الرازي" 15/ 164.

(١٥) رواه بمعناه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 181.

(١٦) انظر: "تفسير ابن جرير" 9/ 248 - 250، فقد ذهب إلى هذا القول وردّ على من قال إن المراد الانتهاء عن القتال.

(١٧) ساقط من (ح).

(١٨) لم أقف عليه.

(١٩) ما بين المعقوفين ساقط من (م).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِن يَنتَهُواْ ﴾ يعني عن الكفر إلى الإسلام لأن الإسلام يَجُبّ ما قبله، ولا تصح المغفرة إلا به ﴿ وَإِنْ يَعُودُواْ ﴾ يعني إلى القتال ﴿ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ ﴾ تهديد بما جرى لهم يوم بدر وبا جرى للأمم السالفة ﴿ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ الفتنة هنا الكفر، فالمعنى قاتلوهم، حتى لا يبقى كافر، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» .

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بما تعملون ﴾ ، ﴿ بصير ﴾ بتاء الخطاب: يعقوب.

الوقوف: ﴿ مثل هذا ﴾ لا لأن الابتداء بأن هذا إلا أساطير الأولين قبيح ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وأنت فيهم ﴾ ط ﴿ يستغفرون ﴾ ه ﴿ وما كانوا أولياءه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وتصدية ﴾ ط ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ يغلبون ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ ﴿ يحشرون ﴾ ه لا لتعا اللام ﴿ في جهنم ﴾ ط ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ ما سلف ﴾ ط لابتداء الشرط مع العطف ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ كله لله ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ مولاكم ﴾ ط ﴿ النصير ﴾ ه.

التفسير: لما حكى مكرهم في ذات محمد صلى الله عليه وآله حكى مكرهم في دينه.

وروي أن النضر بن الحرث خرج إلى الحيرة تاجراً واشترى أحاديث كليلة ودمنة وقصة رستم واسفنديار، وكان يقعد مع المستهزئين والمقتسمين فيقرأ عليهم ويقول هذا مثل ما يذكره محمد من قصص الأوّلين، ولو شئت لقلت مثل قوله، وهذا منه ومن أمثاله صلف تحت الراعدة لأنهم لم يتوانوا في مشيئتهم لو ساعدتهم الاستطاعة.

ويروى عن النضر أو عن أبي جهل على ما في الصحيحين أن أحدهما قال ما معناه ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق ﴾ الآية.

وهذا أسلوب من العناد بليغ لأن قوله ﴿ هو الحق ﴾ بالفصل وتعريف الخبر تهكم بمن يقول على سبيل التخصيص والتعيين هذا هو الحق.

ومعنى ﴿ حجارة من السماء ﴾ الحجارة المسوّمة للعذاب أي إن كان القرآن هو المخصوص بالحقية فعاقبنا على إنكاره بالسجيل كما فعلت بأصحاب الفيل أو بنوع أخر من جنس العذاب الأليم.

ومراده نفي كونه حقاً فلذلك علق بحقيته العذاب كما لو علق بأمر محال فهو كقول القائل إن كان الباطل حقاً فأمطر علينا حجارة.

وعن معاوية أنه قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة.

قال: أجهل من قومي قومك قالوا لرسول الله  حين دعاهم إلى الحق ﴿ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة ﴾ ولم يقولوا إن كان هذا هو الحق فاهدنا له.

ثم شرع في الجواب عن شبهتهم فقال ﴿ وما كان الله ليعذبهم ﴾ اللام لتأكيد النفي دلالة على أن تعذيبهم بعذاب الاستئصال والنبي بين أظهرهم غير مستقيم عادة تعظيماً لشأن النبي ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ قال قتادة والسدي: المراد نفي الاستغفار عنهم أي لو كانوا ممن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذبهم.

وقيل: اللفظ عام لأن المراد بعضهم وهم الذين تخلفوا عن رسول الله  من المستضعفين المؤمنين فهو كقولك: قتل أهل المحلة فلاناً وإنما قتله واحد منهم أو اثنان.

وقيل: وصفوا بصفة أولادهم والمعنى وما كان الله معذب هؤلاء الكفار وفي علم الله أنه يكون لهم أولاد يؤمنون بالله ويستغفرونه، وفي علم الله أن فيهم من يؤل أمره إلى الإيمان كحكيم بن حزام والحرث بن هشام وعدد كثير ممن آمن يوم الفتح وقبله وبعده.

وفي الآية دلالة على أن الاستغفار أمان وسلامة من العذاب.

قال ابن عباس: كان فيهم أمانان: نبي الله والاستغفار.

أما النبي فقد مضى وأما الاستغفار فهو باقٍ إلى يوم القيامة.

ثم بين أنه يعذبهم إذا خرج الرسول من بينهم فقال ﴿ ومالهم ألا يعذبهم الله ﴾ وأي شيء لهم في انتفاء العذاب عنهم يعني لا حظ لهم في ذلك وهم معذبون لا محالة.

قيل: لحقهم هذا العذاب المتوعد به يوم بدر.

وقيل: يوم فتح مكة بدليل قوله ﴿ وهم يصدون ﴾ أي كيف لا يعذبون وحالهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام كما صدوا رسول الله عام الحديبية.

والأوّلون قالوا: إن إخراجهم رسول الله  والمؤمنين من الصدّ.

وعن ابن عباس أن هذا العذاب عذاب الآخرة والذي نفاه عنهم هو عذاب الدنيا وكانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم فنصدّ من نشاء وندخل من نشاء فنفى الله استحقاقهم الولاية بقوله ﴿ وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ﴾ من المسلمين وليس كل مسلم يصلح لذلك فضلاً عن مشرك ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ كان فيهم من كان يعلم وهو يعاند ويطلب الرياسة.

أو أراد بالأكثر الجميع كما يراد بالقلة العدم.

ثم ذكر بعض أسباب سلب الولاية عنهم فقال ﴿ وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ﴾ المكاء "فعال" كالثغاء والرغاء من مكا يمكو إذا صفر.

والتصدية التصفيق "تفعلة" من الصدى وهو الصوت الذي يرجع من الجبل فيكون في الأصل معتل اللام، أو من صدّ يصدّ مضاعفاً أي صاح فقلبت الدال الأخيرة ياء كالتقضي في التقضض، وأنكر هذا الاشتقاق بعضهم وصوّبه الأزهري وأبو عبيدة.

قال جعفر بن ربيعة: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن المكاء والتصدية فجمع كفيه ثم نفخ فيهما صفيراً.

وقيل: هو أن يجعل بعض أصابع اليمين وبعض أصابع الشمال في الفم ثم يصفر به.

وقيل: تصويب يشبه صوت المكَّاء بالتشديد وهو طائر معروف.

عن ابن عمر: كانوا يطوفون بالبيت عراة وهم مشبكون بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون.

فالمكاء والتصدية على هذا نوع عبادة لهم فلهذا وضعا موضع الصلاة بناء على معتقدهم.

وفيه أن من كان المكاء والتثدية صلاته فلا صلاة له كقول العرب: ما لفلان عيب إلا السخاء أي من كان السخاء عيبه فلا عيب له.

وقال مجاهد ومقاتل: كانوا يعارضون النبي  في الطواف والصلاة عند المسجد الحرام يستهزؤن به ويخلطون عليه فجعل المكاء والتصدية صلاة لهم كقولك: زرت الأمير فجعل جفائي صلتي أي أقام الجفاء مقام الصلة.

ثم خاطبهم على سبيل المجازاة بقوله ﴿ فذوقوا العذاب ﴾ عذاب القتل والأسر يوم بدر أو عذاب الآخرة ﴿ بما كنتم تكفرون ﴾ بسبب كفركم وأفعالكم التي لا يقدم عليها إلا الكفرة.

ولما شرح أحوال هؤلاء الكفار في الطاعات البدنية أتبعها شرح أحوالهم في الطاعات المالية فقال ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ﴾ الآية.

قال مقاتل والكلبي: نزلت في المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلاً: أبو جهل بن هشام وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ونبيه ومنبه ابنا حجاج وأبو البختري بن هشام والنضر بن الحرث وحكيم بن حزام وأبيّ بن خلف وزمعة بن أسود والحرث بن عامر بن نوفل والعباس ابن عبد المطلب.

وكلهم من قريش وكان يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزر.

وقال سعيد بن جبير وابن أبزى: نزلت في أبي سفيان بن حرب استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش - والأحبوش جماعة من الناس ليسوا من قبيلة واحدة - وأنفق عليهم أربعين أوقية من فضة.

والأوقية اثنان وأربعون مثقالاً - قاله في الكشاف.

وقال محمد بن إسحق عن رجاله: لما أصيب قريش يوم بدر فرجع فلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان ابن أمية في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كان له في تلك العير تجارة فقالوا: يا معشر قريش إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال الذي أفلت على حربه لعلنا أن ندرك منه ثأراً لمن أصيب منا فأنزل الله  الآية.

ومعنى ﴿ ليصدّوا عن سبيل الله ﴾ أن غرضهم في الإنفاق كان هو الصدّ عن اتباع محمد وهو سبيل الله وإن لم يكن عندهم كذلك.

ثم أخبر عن الغيب على وجه الإعجاز فقال ﴿ فيسنفقونها ﴾ أي سيقع منهم هذا الإنفاق ثم تكون عاقبة إنفاقها ندماً وحسرة فكأن ذاتها تصير ندماً وتنقلب حسرة ثم يغلبون آخر الأمر وإن كانت الخرب بينهم وبين المؤمنين سجالاً لقوله ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي  ﴾ ومعنى "ثمك" في الجملتين إما التراخي في الزمان لما بين الإنفاق المذكوروبين ظهور دولة الإسلام من الامتداد، وإما التراخي في الرتبة لما بين بذل المال وعدم حصول المقصود من المباينة.

ثم قال ﴿ والذين كفروا ﴾ أي الكافرون منهم ولم يقل "ثم يغلبون وإلى جهنم يحشرون" لأن منهم من أسلم وحسن إسلامه فذكر أن الذي بقوا على الكفر لا يكون حشرهم إلا إلى جهنم دون من أسلم منهم.

ثم بين الغاية والغرض فيما يفعل بهم من الغلبة ثم الحشر إلى جهنم فقال ﴿ ليميز الله الخبيث ﴾ أي الفريق الخبيث من الكفار ﴿ من ﴾ الفريق ﴿ الطيب ﴾ وهم المؤمنون ﴿ ويجعل ﴾ الفريق ﴿ الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً ﴾ عبارة عن الجمع والضم وفرط الازدحام.

يقال: ركم الشيء يركمه إذا جمعه وألقى بعضه على بعض ﴿ أولئك ﴾ الفريق الخبيث ﴿ هم الخاسرون ﴾ وقيل: الخبيث والطيب صفة المال أي ليميز المال الخبيث الذي أنفقه المشركون في عداوة رسول الله  والمؤمنين من المال الطيب الذي أنفقه المهاجرون والأنصار في نصرته فيركمه فيضم تلك الأموال الخبيثة بعضها على بعض فيلقيه في جهنم ويعذبهم بها كقوله ﴿ فتكوى بها جباههم وجنوبهم  ﴾ وعلى هذا فاللام في قوله ﴿ ليميز الله ﴾ يتعلق بقوله ﴿ ثم تكون عليهم حسرة ﴾ قاله في الكشاف.

ولا يبعد عندي أن يتعلق بـ ﴿ يحشرون ﴾ و ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى الذين كفروا.

ولما بين ضلالهم في عباداتهم البدنية والمالية أرشدهم إلى الطريق المستقيم وما يتبعه من الصلاح فقال ﴿ قل للذين كفروا ﴾ أي قل لأجلهم هذا القول وهو أن ينتهوا عما هم عليه من عداوة الرسول وقتاله بالدخول في السلم والإسلام ﴿ يغفر لهم ما قد سلف ﴾ من الكفر والمعاصي.

ولو كان المراد خطابهم بهذا القول لقيل: "أن تنتهوا يغفر لكم".

وقد قرأ بذلك ابن مسعود ﴿ وإن تعودوا ﴾ لقتاله ﴿ فقد مضت سنة الأوّلين ﴾ منهم الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر أو سنة الذين تحزبوا على أنبيائهم من الأمم فأهلكوا أو غلبوا كقوله ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي  ﴾ واستدل كثير من العلماء منهم أصحاب أبي حنيفة الآية على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الإسلام لأن الخطاب مع الكفر باطل بالإجماع وبعد زواله لا يؤمر بقضاء العبادات الفائتة، بل ذهب أبو حنيفة إلى أن المرتد إذا أسلم لم يلزمه قضاء العبادات المتروكة في حال الردة وقبلها وفسر ﴿ وإن يعودوا ﴾ بالعودة إلى الردة.

واختلفوا في أن الزنديق هل تقبل تبوته أم لا؟

والصحيح أنها مقبولة لشمول الآية جميع الكفار لقوله  : "نحن نحكم بالظاهر" ولأنه يكلف بالرجوع ولا طريق له إلا التوبة، فلو لم تقبل لزم تكليف ما لا يطاق.

ثم أمر بقتالهم إن أصروا على الكفر فقال ﴿ وقاتلوهم ﴾ الآية.

وقد مر تفسيره في سورة البقرة إلا أنه زاد ههنا لفظة ﴿ كله ﴾ في قوله ﴿ ويكون الدين كله لله ﴾ لأن القتال ههنا مع جميع الكفار وهناك كان مع أهل مكة فحسب ﴿ فإن انتهوا ﴾ عن الكفر وأسلموا ﴿ فإن الله بما يعملون بصير ﴾ يثيبهم على توبتهم وإسلامهم.

ومن قرأ بتاء الخطاب أراد فإن الله بما تعملون من الجهاد في سبيله والدعوة إلى دينه بصير يجازيكم عليه أحسن الجزاء.

﴿ وإن تولوا ﴾ ولم ينتهوا ﴿ فاعلموا أن الله مولاكم ﴾ ناصركم ومتولي أموركم يحفظكم ويدفع شر الكفار عنكم فإنه ﴿ نعم المولى ونعم النصير ﴾ فثقوا بولايته ونصرته.

التأويل: قالوا قد سمعنا وما سمعوا في الحقيقة وإلا لم يقولوا لو نشاء لقلنا فإن كلام المخلوق لن يكون مثل كلام الله.

ثم انظر كيف استخرج الله منهم عقيب دعواهم ﴿ لقلنا مثل هذا ﴾ قولهم ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ﴾ ليعلم أن من هذا حاله كيف يكون مثل القرآن مقاله، ولو كان لهم عقل لقالوا إن كان هذا حقاً فاهدنا له ومتعنا به وبأنواره وأسراره ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ لأنه رحمة للعالمين والرحمة تنافي العذاب ﴿ إن أولياؤه إلا المتقون ﴾ ، ﴿ ولكن أكثرهم ﴾ يعني أكثر المتقين أو ﴿ لا يعلمون ﴾ أنهم أولياؤه لأن الولي قد لا يعرف أنه ولي ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ﴾ كذلك دأب كفار النفوس ينفقون أموال الاستعداد الفطري في غير طلب الله وإنما تصرفها في استيفاء اللذات والشهوات فستندم حين لا ينفع الندم ﴿ ثم يغلبون ﴾ لا يظفرون بمشتهيات النفس كلها ولأجلها، والذين كفروا من الأرواح والقلوب التابعة والنفوس ﴿ إلى جهنم ﴾ البعد والقطعية ﴿ يحشرون ﴾ ، ﴿ ليميز الله ﴾ الأرواح والقلوب الخبيثة من الطيبة التي لا تركن إلى الدنيا ولا تنخدع بانخداع النفوس ﴿ فيركمه جميعاً ﴾ فيجعل الأرواح الخبيثة فوق النفوس الخبيثة فيلقي الجميع في جهنم القطيعة ﴿ قل للذين كفروا ﴾ من الأرواح والقلوب أي ستروا النور الروحاني بظلمات صفات النفس ﴿ إن ينتهوا ﴾ عن اتباع الهوى ﴿ يغفر لهم ﴾ يستر لهم تلك الظلمات بنور الفرقان والرشاد.

﴿ وقاتلوا ﴾ كفار النفوس ﴿ حتى لا تكون ﴾ آفة مانعة عن الوصول ﴿ ويكون الدين كله لله ﴾ ببذل الوجود وفقد الموجود لنيل الوجود وكرامة الشهود والله  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ .

ذكر - عز وجل - غاية كرمه وجوده بما وعدهم من المغفرة والتجاوز عمّا كان منهم من الإشراك في ألوهيته، وصرف العبادة إلى غيره، وصدّ الناس عن عبادته وطاعته، ونصب الحروب التي نصبوا بينهم وبين المؤمنين، وغير ذلك من أنواع الهلاك، فمع ما كان منهم وعدهم المغفرة بالانتهاء عن ذلك؛ ليعلم غاية كرمه وجوده.

والمغفرة تحتمل التجاوز [أي يتجاوز] عنهم؛ ما كان منهم لا يؤاخذهم بذلك.

ويحتمل: يستر عليهم معاصيهم التي كانت منهم، ولا يذكرون ذلك؛ لأنهم لو ذكروا ذلك تنغص عليهم النعم.

وفيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه أخبر أنهم إن انتهوا وتابوا غفر لهم ما قد كان منهم، وإنما كانوا منتهين بالإيمان، ولم يجعل بين الإيمان والكفر منزلة ثالثة، وهم يجعلون بينهما منزلة ثالثة، ويقولون: إذا ارتكب كبيرة خرج من الإيمان، ويخلد في النار أبداً، ولم يكن داخلاً في الكفر.

وفيه دليل نقض قول من يقول بأن على الكافر فعل العبادات؛ من نحو الصلاة، والزكاة والصيام؛ لأنه ذكر الانتهاء، والانتهاء عما كان من ترك العبادات القيام بقضائها، وإذا ما تركوا، فلما لم يجب عليهم أداء شيء من ذلك، دل أنه لم يكن عليهم في حال كفرهم فعل تلك العبادات، إنما عليهم اعتقاد تلك العبادات؛ إذ لو كانت عليهم لكان الانتهاء بقضاء ذلك؛ كقوله -  -: "من نام عن صلاة أو نسيها، فعليه أن يصليها إذا ذكرها أو إذا استيقظ، وذلك كفارته" ؛ وكذلك قوله -  -: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ  ﴾ ، ليس على الفعل، ولكن في حق الاعتقاد أنه لا سبيل إلى القيام بفعل ما ذكر إلا بعد حول ووقت طويل.

وفي هذه الآية دلالة على أن ليس بين الشرك والإيمان منزلة ثالثة؛ على ما يقوله المعتزلة في صاحب الكبيرة؛ لأنه لو كان بين الكفر والإيمان منزلة ثالثة، لكانوا إذا انتهوا عن الكفر ولم ينتهوا عن تلك المنزلة لا يغفر لهم؛ على قولهم؛ فدل ما ذكر من المغفرة على أن ليس بينهما منزلة، ولكن إذا انتهوا عن الكفر دخلوا في الإيمان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ وَإِنْ يَعُودُواْ ﴾ إلى الكفر وقتال محمد بعد ما انتهوا عنه، ﴿ فَقَدْ مَضَتْ....

﴾ ، يعني: القتال.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ يَعُودُواْ ﴾ أي: ما داموا فيه، لا أن كانوا خرجوا منه؛ نحو قوله -  -: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ  ﴾ كانوا فيه، لا أن كانوا خرجوا منه ثم دخلوا في غير ذلك.

ثم يحتمل وجهين بعد هذا: أحدهما: أن للكفر حكم التجدد في كل وقت.

والثاني: ما ذكرنا أن ذكر العود فيه لدوامهم فيه وإن لم يخرجوا منه، وذلك جائز في اللسان؛ كقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ  ﴾ ابتداء إخراج من غير أن كانوا فيه، وكقوله: ﴿ رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ  ﴾ ابتداء رفع، لا أن كانت موضوعة فرفعها من بعد؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَإِنْ يَعُودُواْ ﴾ يحتمل: أي: داموا فيه.

وقوله: ﴿ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ ﴾ .

مضت، يحتمل ما ذكرنا من القتال.

والثاني: سنة الأولين: الهلاك الذي كان.

وقوله: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ .

قيل: الفتنة: الشرك، أي: قاتلوهم حتى لا يكون الشرك، ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ أي: محنة القتال؛ كأنه قال: قاتلوهم إلى الوقت الذي ترتفع فيه المحنة، وهو يوم القيامة.

وفيه دلالة لزوم الجهاد إلى يوم الدين، والفتنة: هي المحنة التي فيها الشدة، ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله ﴾ .

يخرج على وجهين: أحدهما: ويكون من الدين الذي هو الدين كله لله، لا نصيب لأحد فيه، وهو السبيل التي كانت للشيطان؛ كأنه قال: وتكون الأديان التي يدان بها ديناً واحداً، وهو دين الله الذي يُدعى الخلق إليه، وبذلك بعث الرسل والكتب، والله أعلم.

والثاني: يحتمل أن يكون الحكم كله لله؛ كقوله: ﴿ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ  ﴾ ، أي: في حكم الملك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلاَكُمْ ﴾ .

قيل: ناصركم.

وقيل: المولى: المليك.

﴿ نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ ﴾ .

أي: نعم الناصر والمعين، ﴿ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ ﴾ ؛ لأنه لا يعجزه شيء.

وقيل: ﴿ مَوْلاَكُمْ ﴾ ، أي: أولى بكم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقاتلوا -أيها المؤمنون- أعداءكم من الكفار حتى لا يكون شرك ولا صد للمسلمين عن دين الله، ويكون الدين والطاعة لله شريك له فيها، فإن انتهى الكفار عما كانوا عليه من الشرك والصد عن سبيل الله فدعوهم، فإن الله مطلع على أعمالهم، لا تخفى عليه خافية.

<div class="verse-tafsir" id="91.pxdow"

مزيد من التفاسير لسورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله