الآية ٤٣ من سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٤٣ من سورة الأنفال

إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًۭا ۖ وَلَوْ أَرَىٰكَهُمْ كَثِيرًۭا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ ۗ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٤٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 91 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٣ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٣ من سورة الأنفال عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال مجاهد : أراه الله إياهم في منامه قليلا فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بذلك ، فكان تثبيتا لهم .

وكذا قال ابن إسحاق وغير واحد .

وحكى ابن جرير عن بعضهم أنه رآهم بعينه التي ينام بها .

وقد روى ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا يوسف بن موسى المدبر ، حدثنا أبو قتيبة ، عن سهل السراج ، عن الحسن في قوله : ( إذ يريكهم الله في منامك قليلا ) قال : بعينك .

وهذا القول غريب ، وقد صرح بالمنام هاهنا ، فلا حاجة إلى التأويل الذي لا دليل عليه .

وقوله : ( ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ) أي : لجبنتم عنهم واختلفتم فيما بينكم ، ( ولكن الله سلم ) أي : من ذلك : بأن أراكهم قليلا ( إنه عليم بذات الصدور ) أي : بما تجنه الضمائر ، وتنطوي عليه الأحشاء ، فيعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (43) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإن الله، يا محمد، سميع لما يقول أصحابك, عليم بما يضمرونه, إذ يريك الله عدوك وعدوهم " في منامك قليلا "، يقول: يريكهم في نومك قليلا فتخبرهم بذلك, حتى قويت قلوبهم، واجترأوا على حرب عدوهم= ولو أراك ربك عدوك وعدوهم كثيرًا، لفشل أصحابك, فجبنوا وخاموا, (62) ولم يقدروا على حرب القوم, (63) ولتنازعوا في ذلك، (64) ولكن الله سلمهم من ذلك بما أراك في منامك من الرؤيا, إنه عليم بما تُجنُّه الصدور, (65) لا يخفى عليه شيء مما تضمره القلوب.

(66) * * * وقد زعم بعضهم أن معنى قوله: " إذ يريكهم الله في منامك قليلا " ، أي: في عينك التي تنام بها= فصيّر " المنام "، هو العين, كأنه أراد: إذ يريكهم الله في عينك قليلا.

(67) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 16150 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " إذ يريكهم الله في منامك قليلا "، قال: أراه الله إياهم في منامه قليلا فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك, فكان تثبيتًا لهم.

16151- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, بنحوه.

16152- ....وقال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

16153 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: " إذ يريكهم الله في منامك قليلا " ، الآية، فكان أول ما أراه من ذلك نعمةً من نعمه عليهم, شجعهم بها على عدوهم, وكفَّ بها ما تُخُوِّف عليهم من ضعفهم، (68) لعلمه بما فيهم.

(69) * * * واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " ولكن الله سلم ".

فقال بعضهم: معناه: ولكن الله سلم للمؤمنين أمرهم، حتى أظهرهم على عدوهم.

* ذكر من قال ذلك: 16154 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " ولكن الله سلم "، يقول: سلم الله لهم أمرهم حتى أظهرهم على عدوهم.

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولكن الله سلم أمره فيهم.

* ذكر من قال ذلك: 16155 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر, عن قتادة: " ولكن الله سلم "، قال: سلم أمره فيهم.

* * * قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي ما قاله ابن عباس, وهو أن الله سلم القومَ = بما أرى نبيه صلى الله عليه وسلم في منامه = من الفشل والتنازع, حتى قويت قلوبهم، واجترأوا على حرب عدوهم.

وذلك أن قوله: " ولكن الله سلم " عَقِيب قوله: " ولو أراكهم كثيرًا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر " ، فالذي هو أولى بالخبر عنه, أنه سلمهم منه جل ثناؤه، ما كان مخوفًا منه لو لم يُرِ نبيه صلى الله عليه وسلم من قلة القوم في منامه.

--------------------- الهوامش : (62) في المطبوعة : " فجبنوا وخافوا " ، غير ما في المخطوطة .

يقال : " خام في القتال " ، إذا جبن ، فنكل ونكص وتراجع .

(63) انظر تفسير " فشل " فيما سلف 7 : 168 ، 289 .

(64) انظر تفسير " التنازع " فيما سلف 7 : 289 8 : 504 .

(65) في المطبوعة : " بما تخفيه الصدور " ، غير ما في المخطوطة بلا طائل ، وهما بمعنى .

(66) انظر تفسير " ذات الصدور " فيما سلف 7 : 155 ، 325 10 : 94 .

(67) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1 : 247 .

(68) في المطبوعة : و " كفاهم بها ما تخوف ...

" ، وفي المخطوطة : " وكعها عنهم ما تخوف " ، وصل الكلام ، وأثبت نص ابن هشام .

وضبطه الخشني بالبناء للمجهول .

وفي السيرة ، بعد تمام الكلام ، : " قال ابن هشام : ( تخوف ) ، مبدلة من كلمة ذكرها ابن إسحاق ، ولم أذكرها " .

فجاء أبو ذر الخشني في تعليقه على السيرة فقال : " يقال الكلمة : ( تخوف ) ، بفتح التاء والخاء والواو ، وقيل : كانت ( تخوفت ) وأصلح ذلك ابن هشام ، لشناعة اللفظ في حق الله عز وجل " .

وهذا لا يقال ، لأن ابن هشام يصرح بأنه نسيها ولم يذكرها ، فأبدل منها غيرها ، فهو لم يغير ذلك إلا علة النسيان .

(69) الأثر : 16153 - سيرة ابن هشام 2 : 328 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16149.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور قال مجاهد : رآهم النبي صلى الله عليه وسلم في منامه قليلا ، فقص ذلك على أصحابه ، فثبتهم الله بذلك .

وقيل : عني بالمنام محل النوم وهو العين ، أي في موضع منامك ، فحذف ، عن الحسن .

قال الزجاج : وهذا مذهب حسن ، ولكن الأولى أسوغ في العربية ، لأنه قد جاء وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم فدل بهذا على أن هذه رؤية الالتقاء ، وأن تلك رؤية النوم .

ومعنى لفشلتم لجبنتم عن الحرب .ولتنازعتم في الأمر اختلفتم .ولكن الله سلم أي سلمكم من المخالفة .

ابن عباس : من الفشل .

ويحتمل منهما .

وقيل : سلم أي أتم أمر المسلمين بالظفر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وكان اللّه قد أرى رسوله المشركين في الرؤيا عددا قليلا، فبشر بذلك أصحابه، فاطمأنت قلوبهم وتثبتت أفئدتهم‏.‏ ولو أراكهم الله إياهم كَثِيرًا فأخبرت بذلك أصحابك ‏{‏لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ‏}‏ فمنكم من يرى الإقدام على قتالهم، ومنكم من لا يرى ذلك فوقع من الاختلاف والتنازع ما يوجب الفشل‏.‏ ‏{‏وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ‏}‏ فلطف بكم ‏{‏إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ‏}‏ أي‏:‏ بما فيها من ثبات وجزع، وصدق وكذب،فعلم اللّه من قلوبكم ما صار سببا للطفه وإحسانه بكم وصدق رؤيا رسوله

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( إذ يريكهم الله ) يريك يا محمد المشركين ، ( في منامك ) أي : نومك .

وقال الحسن : في منامك أي في عينك ، لأن العين موضع النوم ، ( قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ) لجبنتم ( ولتنازعتم ) أي : اختلفتم ( في الأمر ) أي : في الإحجام والإقدام ، ( ولكن الله سلم ) أي سلمكم من المخالفة والفشل ، ( إنه عليم بذات الصدور ) قال ابن عباس : علم ما في صدوركم من الحب لله - عز وجل - :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

اذكر «إذ يريكهُم الله في منامك» أي نومك «قليلا» فأخبرت به أصحابك فسروا «ولو أراكهم كثيرا لفشلتم» جبنتم «ولتنازعتم» اختلفتم «في الأمر» أمر القتال «ولكن الله سلَّمـ» ـكم من الفشل والتنازع «إنه عليم بذات الصدور» بما في القلوب.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكر -أيها النبي- حينما أراك الله قلة عدد عدوك في منامك، فأخبرت المؤمنين بذلك، فقوِيت قلوبهم، واجترؤوا على حربهم، ولو أراك ربك كثرة عددهم لتردد أصحابك في ملاقاتهم، وجَبُنتم واختلفتم في أمر القتال، ولكن الله سلَّم من الفشل، ونجَّى من عاقبة ذلك.

إنه عليم بخفايا القلوب وطبائع النفوس.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم يبين - سبحانه - بعض وجوه نعمه على المؤمنين ، وتدبيره الخفى لنصرهم وفوزهم فيقول : ( إِذْ يُرِيكَهُمُ الله فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمر ولكن الله سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ) .أى : اذكر يا محمد فضل الله عليك وعلى أصحابك ، حيث أراك فى منامك الكافرين قليلا عددهم ، ضئيلا وزنهم فأخبرت بذلك اتباعك فازدادوا ثباتا واطمئنانا وجرأة على عدوهم ( وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً ) أى : ولو أراك الأعداء عددا كثيرا ( لَّفَشِلْتُمْ ) أى : لتهيبتهم الإِقدام عليهم ، لكثرة عددهم ، من الفشل وهو ضعف مع جبن ( وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمر ) أى : فى أمر الإِقدام عليهم والاحجام عنهم .

فمنكم من يرى هذا ومنكم من يرى ذلك .وقوله ( لأَمْرِ ولكن الله سَلَّمَ ) بيان لمحل النعمة .

أى : ولكن الله - تعالى - بفضله وإحسانه أنعم عليكم بالسلامة من الفشل والنزاع وتفرق الآراء فى شأن القتال : حيث ربط على قلوبكم ، ورزقكم الجرأة على أعدائكم وعدم المبالاة بهم بسبب رؤيا نبيكم .وقوله : ( إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ) تذييل يدل على شمول علمه - سبحانه - .أى : إنه - سبحانه - عليكم بكل ما يحصل فى القلوب وما يخطر بها من شجاعة وجبن ومن صبر وجزع ولذلك دير ما دبر .قال الفخر الرازى ، قال مجاهد : أرى الله النبى - صلى الله عليه وسلم - كفار قريش فى منامه قليلا ، فأخبر بذلك أصحابه فقالوا : رؤيا النبى حق .

القوم قليل ، فصار ذلك سبب لجرأتهم وقوة قلوبهم .فإن قيل : رؤية الكثر قليلا غلط ، فيكف يجوز من الله - تعالى - أن يفعل ذلك؟قلنا : ذهبنا أنه - تعالى - يفعل ما يشاء ويحكم ما يريده وأيضا لعله - سبحانه - أراه البعض دون البعض فحكم الرسول على أولئك الذين رآهم بأنهم قليلون .ونستطيع أن نضيف إلى ما أجاب به الفخر الرازى أنه يجوز أن يكون المراد بالقلة : الضعف وهوان الشأن .

.أى : أن المشركين وإن كانوا فى حقيقتهم يقاربون الألف - أى أكثر من ثلاثة أمثال المؤمنين - إلا أنهم لا قوة لهم ولا وزن ، فهم كثير عددهم ولكن قليل غناؤهم ، قليل وزنهم فى المعركة .

لأنهم ينقصهم الإِيمان الصحيح الذى يقوى القلوب ، ويدفع النفوس إلى الإِقدام لنصرة الحق لكى تفوز برضا الله وحسن مثوبته .وإلى هذا المعنى أشار صاحب المنار بقوله : وقد تقدم أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قدر عدد المشركين بألف وأخبر أصحابه بذلك ، ولكنه أخبرهم مع هذا أنه رآهم فى منامه قليلا ، لا أنهم قليل فى الواقع ، فالظاهر أنهم أولوا الرؤيا بأن بلاءهم يكون قليلا ، وأن كيدهم يكون ضعيفا ، فتجروا وقويت قلوبهم .هذا ، ونسب إلى الحسن أنه ذكر أن هذه الآراء كانت فى اليقظة ، وأن المراد من المنام العين التى هى موضع النوم .

قال الزمخشري .

وهذا تفسير فيه تعسف .

وما أحسبت الرواية صحيحة فيه عن الحسن .وقال الآلوسى : وعن الحسن أنه فسر المنام بالعين ، لأنها مكان النوم كما يقال للقطيفة المنامة لأنها ينام فيها ، فلم يكن عنده هناك رؤيا أصلا بل كانت رؤية ، وإليه ذنب البالخى .

ولا يخفى ما فيه ، لأن المنام شائع بمعنى النوم مصدر ميمى .

ففى الحمل على خلاف ذلك تعقيد ولا نكتة فيه .

.

على أن الروايات الجمة برؤيته - صلى الله عليه وسلم - إياهم مناما ، وقص ذلك على أصحابه مشهورة لا يعارضها كون العين مكان النوم نظرا إلى الظاهر .

.

ولعل الرواية عن الحسن غير صحيحة ، فانه الفصيح العالم بكلام العرب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو النوع الثاني من التي أنعم الله بها على أهل بدر، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ﴿ إِذْ يُرِيكَهُمُ الله ﴾ منصوب بإضمار اذكر، أو هو بدل ثان من يوم الفرقان أو متعلق بقوله: ﴿ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ أي يعلم المصالح إذ يقللهم في أعينكم.

المسألة الثانية: قال مجاهد: أرى الله النبي عليه السلام كفار قريش في منامه قليلاً فأخبر بذلك أصحابه.

فقالوا: رؤيا النبي حق، القوم قليل، فصار ذلك سبباً لجراءتهم وقوة قلوبهم.

فإن قيل: رؤية الكثير قليلاً غلط، فكيف يجوز من الله تعالى أن يفعل ذلك؟

قلنا: مذهبنا أنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأيضاً لعله تعالى أراه البعض دون البعض فحكم الرسول على أولئك الذين رآهم بأنهم قليلون.

وعن الحسن: هذه الأراءة كانت في اليقظة.

قال: والمراد من المنام العين التي هو موضع النوم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً ﴾ لذكرته للقوم ولو سمعوا ذلك لفشلوا ولتنازعوا، ومعنى التنازع في الأمر، الاختلاف الذي يحاول به كل واحد نزع صاحبه عما هو عليه، والمعنى: لاضطرب أمركم واختلفت كلمتكم ﴿ ولكن الله سَلَّمَ ﴾ أي سلمكم من المخالفة فيما بينكم.

وقيل: سلم الله لهم أمرهم حتى أظهرهم على عدوهم، وقيل سلمهم من الهزيمة يوم بدر والأظهر أن المراد، ولكن الله سلمكم من التنازع ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ﴾ يعلم ما يحصل فيها من الجراءة والجبن والصبر والجزع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِذْ يُرِيكَهُمُ الله ﴾ نصبه بإضمار اذكر.

أو هو بدل ثان من يوم الفرقان، أو متعلق بقوله ﴿ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ أي يعلم المصالح إذ يقللهم في عينك ﴿ فِى مَنَامِكَ ﴾ في رؤياك.

وذلك أن الله عزّ وجل أراه في رؤياه قليلاً، فأخبر بذلك أصحابه فكان تثبيتاً لهم وتشجيعاً على عدوهم.

وعن الحسن: في منامك في عينك، لأنها مكان النوم، كما قيل للقطيفة: المنامة، لأنه ينام فيها.

وهذا تفسير فيه تعسف، وما أحسب الرواية صحيحة فيه عن الحسن، وما يلائم عليه بكلام العرب وفصاحته ﴿ لَّفَشِلْتُمْ ﴾ لجبنتم وهبتم الإقدام ﴿ ولتنازعتم ﴾ في الرأي، وتفرقت فيما تصنعون كلمتكم، وترجحتم بين الثبات والفرار ﴿ ولكن الله سَلَّمَ ﴾ أي عصم وأنعم بالسلامة من الفشل والتنازع والاختلاف ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ﴾ يعلم ما سيكون فيها من الجراءة والجبن والصبر والجزع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلا ﴾ مُقَدَّرٌ بِاذْكُرْ أوْ بَدَلٌ ثانٍ مِن يَوْمِ الفُرْقانِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِعَلِيمٍ أيْ يَعْلَمُ المَصالِحَ إذْ يُقَلِّلُهم في عَيْنِكَ في رُؤْياكَ وهو أنْ تُخْبِرَ بِهِ أصْحابَكَ فَيَكُونُ تَثْبِيتًا لَهم وتَشْجِيعًا عَلى عَدُوِّهِمْ.

﴿ وَلَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ ﴾ لَجَبُنْتُمْ.

﴿ وَلَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ ﴾ في أمْرِ القِتالِ وتَفَرَّقَتْ آراؤُكم بَيْنَ الثَّباتِ والفِرارِ.

﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ ﴾ أنْعَمَ بِالسَّلامَةِ مِنَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ.

﴿ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ﴾ يَعْلَمُ ما سَيَكُونُ فِيها وما يُغَيِّرُ أحْوالَها.

﴿ وَإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلا ﴾ الضَّمِيرانِ مَفْعُولا يَرى و ﴿ قَلِيلا ﴾ حالٌ مِنَ الثّانِي، وإنَّما قَلَّلَهم في أعْيُنِ المُسْلِمِينَ حَتّى قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِمَن إلى جَنْبِهِ أتَراهم سَبْعِينَ فَقالَ أراهم مِائَةً، تَثْبِيتًا لَهم وتَصْدِيقًا لِرُؤْيا الرَّسُولِ  .

﴿ وَيُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ ﴾ حَتّى قالَ أبُو جَهْلٍ: إنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ أكَلَةُ جَزُورٍ، وقَلَّلَهم في أعْيُنِهِمْ قَبْلَ التِحامِ القِتالِ لِيَجْتَرِئُوا عَلَيْهِمْ ولا يَسْتَعِدُّوا لَهم، ثُمَّ كَثَّرَهم حَتّى يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ لِتَفْجَأهُمُ الكَثْرَةُ فَتَبْهَتُهم وتَكْسِرُ قُلُوبَهم، وهَذا مِن عَظائِمَ آياتِ تِلْكَ الوَقْعَةِ فَإنَّ البَصَرَ وإنْ كانَ قَدْ يَرى الكَثِيرَ قَلِيلًا والقَلِيلَ كَثِيرًا لَكِنْ لا عَلى هَذا الوَجْهِ ولا إلى هَذا الحَدِّ، وإنَّما يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ بِصَدِّ اللَّهِ الأبْصارَ عَنْ إبْصارِ بَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ مَعَ التَّساوِي في الشُّرُوطِ.

﴿ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا ﴾ كَرَّرَهُ لِاخْتِلافِ الفِعْلِ المُعَلَّلِ بِهِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالأمْرِ ثَمَّةَ الِاكْتِفاءُ عَلى الوَجْهِ المَحْكِيِّ وها هُنا إعْزازُ الإسْلامِ وأهْلِهِ وإذْلالُ الإشْراكِ وحِزْبِهِ.

﴿ وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣)

{إِذْ يُرِيكَهُمُ الله} نصب بإضمار اذكر أو هو متعلق بقوله

لسميع عليم اغى يعلم المصالح إذ يقللهم في عينك {فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً} أي في رؤياك وذلك أن الله تعالى أراه إياهم في رؤياه قليلاً فأخبر بذلك أصحباه فكان ذلك تشجيعاً لهم على عدوهم {وَلَوْ أراكهم كثيرا لفشلتم} لجبتنتم وهبتم الإقدام {ولتنازعتم فِي الأمر} أمر القتال وترددتم بين الثبات والفغاررا {ولكن الله سَلَّمَ} عصم وأنعم بالسلامة من الفشل والتنازع والاختلاف {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} يعلم ما سيكون فيها من الجراءة والجبن والصبر والجزع

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلا ﴾ مُقَدَّرٌ بِاذْكُرْ أوْ بَدَلٌ مِن يَوْمِ الفُرْقانِ، وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ( عَلِيمٌ ) ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ونَصَبَ قَلِيلًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثالِثٌ عِنْدَ الأُجْهُورِيِّ أوْ حالٌ عَلى ما يَفْهَمُهُ كَلامُ غَيْرِهِ.

والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُرِيَ ما أُرِيَ في النَّوْمِ وهو الظّاهِرُ المُتَبادَرُ، وحِكْمَةُ إراءَتِهِمْ إيّاهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وسَلَّمَ قَلِيلِينَ أنْ يُخْبِرَ أصْحابَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم فَيَكُونُ ذَلِكَ تَثْبِيتًا لَهم، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ فَسَّرَ المَنامَ بِالعَيْنِ لِأنَّها مَكانُ النَّوْمِ كَما يُقالُ لِلْقَطِيفَةِ المَنامَةُ لِأنَّها يُنامُ فِيها فَلَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ هُناكَ رُؤْيا أصْلًا بَلْ كانَتْ رُؤْيَةً، وإلَيْهِ ذَهَبَ البَلْخِيُّ ولا يَخْفى ما فِيهِ لِأنَّ المَنامَ شائِعٌ بِمَعْنى النَّوْمِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ عَلى ما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أوْ في مَوْضِعِ الشَّخْصِ النّائِمِ عَلى ما في ”الكَشْفِ“ فَفي الحَمْلِ عَلى خِلافِ ذَلِكَ تَعْقِيدٌ ولا نُكْتَةَ فِيهِ، وما قِيلَ: إنَّ فائِدَةَ العُدُولِ الدَّلالَةُ عَلى الأمْنِ الوافِرِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ لا يُفِيدُ ذَلِكَ فالنَّوْمُ في تِلْكَ الحالِ دَلِيلٌ إلّا مَن لا أنْ يُرِيَهم في عَيْنِهِ الَّتِي هي مَحَلُّ النَّوْمِ، عَلى أنَّ الرِّواياتِ الجَمَّةَ بِرُؤْيَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إيّاهم مَنامًا وقَصِّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِهِ مَشْهُورَةٌ لا يُعارِضُها كَوْنُ العَيْنِ مَكانَ النَّوْمِ نَظَرًا إلى الظّاهِرِ، ولَعَلَّ الرِّوايَةَ عَنِ الحَسَنِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ فَإنَّهُ الفَصِيحُ العالِمُ بِكَلامِ العَرَبِ، وتَخْرِيجُ كَلامِهِ عَلى أنَّ في الكَلامِ مُضافًا مَحْذُوفًا أُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ أيْ في مَوْضِعِ مَنامِكَ مِمّا لا يَرْتَضِيهِ اليَقِظانِ أيْضًا، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ الغَرِيبَةِ، والمُرادُ إذْ أراكَهُمُ اللَّهُ قَلِيلًا ﴿ ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ ﴾ أيْ لَجَبُنْتُمْ وهِبْتُمُ الإقْدامَ، وجَمْعُ ضَمِيرِ الخِطابِ في الجَزاءِ مَعَ إفْرادِهِ في الشَّرْطِ إشارَةٌ كَما قِيلَ: إلى أنَّ الجُبْنَ يَعْرِضُ لَهم لا لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إنْ كانَ الخِطابُ لِلْأصْحابِ فَقَطْ وإنْ كانَ لِلْكُلِّ يَكُونُ مِن إسْنادِ ما لِلْأكْثَرِ لِلْكُلِّ ﴿ ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ ﴾ أيْ: أمْرِ القِتالِ وتَفَرَّقَتْ آراؤُكم في الثَّباتِ والفِرارِ ﴿ ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ ﴾ أيْ: أنْعَمَ بِالسَّلامَةِ مِنَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ.

﴿ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ﴾ أيِ: الخَواطِرِ الَّتِي جُعِلَتْ كَأنَّها مالِكَةٌ لِلصُّدُورِ، والمُرادُ أنَّهُ يَعْلَمُ ما سَيَكُونُ فِيها مِنَ الجَراءَةِ والجُبْنِ والصَّبْرِ والجَزَعِ ولِذَلِكَ دَبَّرَ ما دَبَّرَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وذلك أن النبيّ  رأى في المنام أن العدو قليل قبل أن يلتقوا، فأخبر النبيّ  أصحابه بما رأى في المنام: أن العدو قليل، فقالوا: رؤيا النبيّ  حق، والقوم القليل.

فلما التقوا ببدر، قلَّل الله المشركين في أعين المؤمنين لتصديق رؤيا النبيّ  .

ثم قال: وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ، يعني: لجبنتم وتركتم الصف، وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ يعني: اختلفتم في أمر النبيّ  .

وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ، يعني: ولكن الله أتمّ للمسلمين أمرهم على عدوهم، ويقال: سَلَّمَ يعني: قضى بالهزيمة على الكفار والنصرة للمؤمنين، ويقال: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا يعني: في عينك، لأن العين موضع النوم، في موضع منامك.

وروي عن الحسن قال: معناه في عينيك التي تنام بها.

ثم قال: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ.

قوله تعالى: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ، يعني: التقيتموهم يوم بدر فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا في العدد.

وروى أبو عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: «لقد قللّوا في أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟

قال: أراهم مائة.

حتى أخذنا رجلاً منهم فسألناه، فقال: كنا ألفاً» .

ثم قال: وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ يا معشر المؤمنين في أعين المشركين، وذلك حين لقوا العدو وقلّل الله المشركين في أعين المؤمنين لكيلا يجبنوا، وقلل المؤمنين في أعين المشركين، ليزدادوا جرأة على القتال حتى قتلوا، ولكي يظهر عندهم فضل المؤمنين.

لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا، يعني: إذا قضى الله تعالى أمراً فهو كائن، وهو النصرة للمؤمنين، والذل لأهل الشرك بالقتل والهزيمة.

وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ، يعني: عواقب الأمور في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

سبحانه، ثم قال تعالَى: فَإِنِ انْتَهَوْا، عن الكفر، فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ بِعَمَلِهم، مُجَازٍ عليه، عنده ثوابه، وجميلُ المقارضة عليه.

وقوله سبحانه: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ:

معادلٌ لقوله: فَإِنِ انْتَهَوْا، المعنى: وإِن تولَّوا، ولم ينتهوا، فاعلموا أن اللَّه تعالَى ينصُرُكُمْ عليهم، وهذا وعد محض بالنصر والظّفر، والْمَوْلى هاهنا الموالى والمُعِينُ، والمَوْلَى في اللغة على معانٍ، هذا هو الذي يليقُ بهذا الموضعِ منها، والمَوْلَىَ: الذي هو السيِّد المقترنُ بالعَبْدِ يعمّ المؤمنين والمشركين.

وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)

وقوله عزّ وجل: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ...

الآية: الغنيمةُ في اللغة: ما يناله الرجل بسعي ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «الصّيام في الشّتاء هي الغنيمة الباردة» «١» ،

وقوله: مِنْ شَيْءٍ: ظاهرة العمومُ، ومعناه الخصوصُ، فأَمَّا النَّاضُّ «١» والمتاعُ والأطفال والنساء وما لا يؤكل [لحمه] من الحيوان ويَصِحُّ تملُّكه، فالإِمام يأخذ خُمْسُهُ، ويَقْسِمُ الباقي في الجيش، وأما الأرضُ، فقال فيها مالكٌ: يقسمها الإِمام إِن رأى ذلك صوابا كما فعل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بِخَيْبَرَ، أَوْ لاَ يَقْسِمُها، بل يتركها لنوائب المسلمينَ إن أداه اجتهاده إلى ذلك كما فعل عُمَرُ بنُ الخطَّاب رضي اللَّه عنه بِأَرْضِ مِصْرِ وبسَوَادِ الكَوفة، وأمَّا الرجالُ، ومَنْ شارف البُلُوغ من الصِّبْيان، فالإِمام عند مالك وجمهور العلماء، مُخَيَّرٌ فيهم علَى خمسة أوجه «٢» :

منها: القتل، وهو مستَحْسَنٌ في أهْل الشجاعة والنِّكَاية.

ومنها: الفداءُ، وهو مستحسنٌ في ذي المَنْصب الذي ليس بشُجَاع ولا يُخَاف منه رأْي ومَكِيدَة لانتفاع المسلمين بالمَال الذي يؤخَذُ منه.

ومنها: المَنُّ، وهو مستحْسَنٌ فيمن يرجى أنْ يحنو على أَسْرَى المسلمين، ونحو ذلك من القرائن.

ومنها: الاسترقاق.

ومنها: ضَرْبُ الجزية، والتَّرْكُ، في الذِّمَّة.

وأما الطعام، والغَنَمْ، ونَحْوَها ممَّا يؤكل، فهو مباحٌ في بلد العدو أكله، وما فَضَل منه كان في المَغْنَم.

ومحلُّ استيعاب فُرُوعِ هذا الفَصْل كُتُب الفقه.

وقوله سبحانه: وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا، أي: من النصر والظهور الذي أنزله الله

سبحانه يَوْمَ بَدْر، ويحتمل أن تكون الإِشارة إِلى قرآن/ نزَلَ يوْمَ بدر، أو في قصَّة يوم بَدْر، ويوم الفُرْقَان: معناه: يَوْمُ الفَرْقِ بين الحقِّ والباطل بإِعزاز الإِسلام وإِذلالِ الشرك، والجَمْعَانِ: يريد: جَمْعَ المسلمين وَجَمْعَ الكُفَّار، وهو يوم بَدْر، ولا خلاف في ذلك.

وقوله سبحانه: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يَعْضُدُ أَنَّ قوله: وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا، يراد به النصْرُ والظَّفْر، أي: الآيات والعظائم مِنْ غلبة القليلِ للكثيرِ، وذلك بقدرة اللَّه عَزَّ وجَلَّ الذي هو عَلَى كلِّ شيء قدير.

وقوله سبحانه: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، العُدْوَة: شفيرُ الوادِي، وحَرْفُهُ الذي يتعذَّرُ المَشْيُ فيه بمنزلة رَجَا البئْر لأنها عَدَتْ ما في الوادِي من ماء ونحوه أن يتجاوز الوادِيَ، أي: منعته ومنه قول الشاعر: [الوافر]

عَدَتْنِي عَنْ زِيَارَتِكِ العَوَادِي ...

وَحَالَتْ دُونَهَا حَرْبٌ زَبُون «١»

وقرأ ابنُ كَثِير «٢» ، وأبو عمرو: بِالْعُدْوَةِ- بِكَسْرِ العين-، وقوله: الدُّنْيا، والْقُصْوى، إِنَّما هو بالإِضافة إِلى المدينة، وبين المدينة ووادِي بَدْر موضعُ الوقعة مَرْحَلتان، والدُّنْيَا: من الدُّنُوِّ، والقصوى: منِ القُصُوِّ، وهو البُعْد، وَالرَّكْبُ، بإِجماعٍ من المفسِّرين: عِيرُ أبي سفيان، وقوله: أَسْفَلَ، في موضع خَفْض، تقديره: في مكان أَسْفَلَ كَذَا.

قال سِيبَوَيْهِ: وكان الرَّكْبُ، ومُدَبِّر أمره أبو سفيانَ بْنُ حَرْب، قد نَكَبَ عن بدر حين نذر بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأخَذَ سيْفَ البَحْرِ، فهو أَسْفَلُ بالإِضافة إِلى أَعلى الوَادِي.

وقوله سبحانه: وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ، المَقْصدُ من الآية: تَبْيينُ نعمة اللَّه سُبْحانه في شأنِ قِصَّة بَدْر، وتيسيره سُبْحانه ما يَسَّر من ذلك، والمَعنَى: لو تواعدتم، لاختلفتم في الميعادِ بَسَببِ العوارِضِ التي تَعْرضُ للناس، إِلاَّ مع تيسير اللَّه الذي تَممَّ ذلك، وهذا كما تقولُ لصاحبك في أمْر سَنَاهُ اللَّه تعالى دونَ تَعَبٍ كثير: لَوْ بَنَيْنَا عَلَى هَذَا، وسَعَيْنَا فِيهِ، لَمْ يَتِمَّ هَكَذَا، وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا، أي: لينفِّذَ ويُظْهِر أمراً قد قدَّره في الأزل مفعولاً لكم بشرط وجودكم في وَقْتِ وجودِكُمْ، وهذا كلُّه معلومٌ عنده عزَّ وجلّ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ  رَأى عَسْكَرَ المُشْرِكِينَ في المَنامِ قَبْلَ لِقائِهِمْ في قِلَّةٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ مُجاهِدٌ: لَمّا أخْبَرَ أصْحابَهُ بِأنَّهُ رَآَهم في المَنامِ قَلِيلًا، كانَ ذَلِكَ تَثْبِيتًا لَهم.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: والكَلامُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، فالمَعْنى: وإنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ لِما يَقُولُهُ أصْحابُكَ، عَلِيمٌ بِما يُضْمِرُونَهُ، إذْ حَدَّثْتُهم بِما رَأيْتَ في مَنامِكَ.

والثّانِي: إذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ بِعَيْنِكَ الَّتِي تَنامُ بِها، قالَهُ الحَسَنُ.

قالَ الزَّجّاجُ: وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ يَذْهَبُونَ إلى هَذا المَذْهَبِ.

ومَعْناهُ عِنْدَهم إذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ في مَوْضِعِ مَنامِكَ، أيْ: بِعَيْنِكَ؛ ثُمَّ حَذَفَ المَوْضِعَ، وأقامَ المَنامَ مَقامَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَفَشِلْتُمْ ﴾ أيْ: لَجَبُنْتُمْ وتَأخَّرْتُمْ عَنْ حَرْبِهِمْ.

وقالَ مُجاهِدٌ: لَفَشَلَ أصْحابُكَ، ولَرَأوْا ذَلِكَ في وجْهِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ ﴾ أيْ: لاخْتَلَفْتُمْ في حَرْبِهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ مِن دَواعِي هَزِيمَتِكم، ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ مِنَ المُخالَفَةِ والفَشَلِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ في مَنامِكَ قَلِيلا ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ ولَكِنَّ اللهُ سَلَّمَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ ﴿ وَإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا وإلى اللهُ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ قالَ المَهْدَوِيُّ: "إذْ" نَصْبٌ بِتَقْدِيرِ: واذْكُرْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أو بَدَلٌ مِن "إذِ" المُتَقَدِّمَةِ، وهو أحْسَنُ.

وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في رُؤْيا رَآها رَسُولُ اللهِ  ، رَأى فِيها عَدَدَ الكُفّارِ قَلِيلًا فَأخْبَرَ بِذَلِكَ أصْحابَهُ فَقَوِيَتْ نُفُوسُهُمْ، وحُرِّضُوا عَلى اللِقاءِ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي مَنامِكَ ﴾ أيْ: في نَوْمِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ.

ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فِي مَنامِكَ ﴾ أيْ: في عَيْنِكَ إذْ هي مَوْضِعُ النَوْمِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ تَكُونُ الرِوايَةُ في اليَقَظَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ، وعَلَيْهِ فَسَّرَ النَقّاشُ وذَكَرَهُ عَنِ المازِنِيِّ.

والضَمِيرُ عَلى التَأْوِيلَيْنِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿ يُرِيكَهُمُ ﴾ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ مِن أهْلِ مَكَّةَ، ومِمّا يَضْعُفُ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ يَتَكَرَّرُ في الَّتِي بَعْدَها لِأنَّ النَبِيَّ  مُخاطَبٌ في الثانِيَةِ أيْضًا، وقَدْ تَظاهَرَتِ الرِوايَةُ أنَّ النَبِيَّ  انْتَبَهَ وقالَ لِأصْحابِهِ: « "أبْشِرُوا فَلَقَدْ نَظَرْتُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ"،» ونَحْوُ هَذا، وقَدْ كانَ عَلِمَ أنَّهم ما بَيْنَ التِسْعِمِائَةِ إلى الألْفِ، فَكَيْفَ يَراهم بِبَصَرِهِ بِخِلافِ ما عَلِمَ؟

والظاهِرُ أنَّهُ رَآهم في نَوْمِهِ قَلِيلًا قَدْرُهم وحالُهم وبِأسْهُمِ مَهْزُومِينَ مَصْرُوعِينَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ رَآهم قَلِيلًا عَدَدُهُمْ، فَكانَ تَأْوِيلُ رُؤْياهُ انْهِزامَهُمْ، فالقِلَّةُ والكَثْرَةُ عَلى الظاهِرِ مُسْتَعارَةٌ في غَيْرِ العَدَدِ، كَما قالُوا: "المَرْءُ كَثِيرٌ بِأخِيهِ"، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ، والفَشَلُ: الخَوَرُ عَنِ الأمْرِ، إمّا بَعْدَ التَلَبُّسِ وإمّا بَعْدَ العَزْمِ عَلى التَلَبُّسِ.

و ﴿ وَلَتَنازَعْتُمْ ﴾ أيْ: لَتَخالَفْتُمْ، و ﴿ فِي الأمْرِ ﴾ يُرِيدُ: في اللِقاءِ والحَرْبِ.

و ﴿ سَلَّمَ ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ كُلَّ مُتَخَوِّفٍ اتَّصَلَ بِالأمْرِ أو عَرَضَ في وجْهِهِ فَسَلَّمَ اللهُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ، وعَبَّرَ بَعْضُ الناسِ أنْ قالَ: "سَلَّمَ لَكم أمْرَكُمْ" ونَحْوَ هَذا مِمّا يَنْدَرِجُ فِيما ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ أيْ: بِإيمانِكم وكُفْرِكم فَيُجازِي بِحَسَبِ ذَلِكَ.

وَقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ الناسِ: "وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ" بِشَدِّ النُونِ ونَصْبِ المَكْتُوبَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلَكِنِ اللهُ" بِرَفْعِ المَكْتُوبَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ ﴾ الآيَةُ، "وَإذْ" عَطْفٌ عَلى الأولى، وهَذِهِ الرُؤْيَةُ هي في اليَقَظَةِ بِإجْماعٍ، وهي الرُؤْيَةُ الَّتِي كانَتْ حِينَ التَقَوْا ووَقَعَتِ العَيْنُ عَلى العَيْنِ، والمَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى لَمّا أرادَ مِن إنْفاذِ قَضائِهِ في نُصْرَةِ الإسْلامِ وإظْهارِهِ قَلَّلَ كُلَّ طائِفَةٍ في عُيُونِ الأُخْرى، فَوَقَعَ الخَلَلُ في التَخْمِينِ والحَزْرِ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ الناسُ في هَذا التَجَسُّسِ كُلُّ طائِفَةٍ عَلى الأُخْرى وتَتَسَبَّبُ أسْبابُ الحَرْبِ، ورُوِيَ في هَذا عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: لَقَدْ قُلْتُ ذَلِكَ اليَوْمَ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي: أتَظُنُّهم سَبْعِينَ؟

قالَ: بَلْ هم مِائَةٌ.

قالَ: فَلَمّا هَزَمْناهم أسَرْنا مِنهم رَجُلًا فَقُلْنا كَمْ كُنْتُمْ؟

قالَ ألْفًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَرُدُّ عَلى هَذا المَعْنى في التَقْلِيلِ ما رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  حِينَ سَألَ عَمّا يَنْحَرُونَ كُلَّ يَوْمٍ، فَأُخْبِرَ أنَّهم يَوْمًا عَشْرًا ويَوْمًا تِسْعًا، قالَ: "هم ما بَيْنَ التِسْعِمِائَةِ إلى الألْفِ"،» فَإمّا أنَّ عَبْدَ اللهِ ومَن جَرى مَجْراهُ لَمْ يَعْلَمْ بِمَقالَةِ رَسُولِ اللهِ  ، وإمّا أنْ نَفْرِضَ التَقْلِيلَ الَّذِي في الآيَةِ تَقْلِيلَ القَدْرِ والمَهابَةِ والمَنزِلَةِ مِنَ النَجْدَةِ، وتَقَدَّمَ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَقْضِيَ اللهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا ﴾ ، والأمْرُ المَفْعُولُ المَذْكُورُ في الآيَتَيْنِ هو لِلْقِصَّةِ بِأجْمَعِها، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّهُما المَعْنَيَيْنِ مِن مَعانِي القِصَّةِ، والعُمُومُ أولى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الحَوْلَ بِأجْمَعِهِ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، وأنَّ كُلَّ أمْرٍ فَلَهُ وإلَيْهِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْمَشُ: "تَرْجِعُ" بِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وهي قِراءَةُ عامَّةِ الناسِ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ وغَيْرُهُمْ: "تُرْجَعُ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الجِيمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ إذ يريكهم الله ﴾ بدل من قوله: ﴿ إذ أنتم بالعدوة الدنيا ﴾ [الأنفال: 42] فإنّ هذه الرؤيا ممّا اشتمل عليه زمان كونهم بالعدوة الدنيا لوقوعها في مدّة نزول المسلمين بالعدوة من بدر، فهو بدل من بدل.

والمنام مصدر ميمي بمعنى النوم، ويطلق على زمن النوم وعلى مكانه.

ويتعلق قوله: ﴿ في منامك ﴾ بفعل ﴿ يريكهم ﴾ ، فالإراءة إراءة رؤيا، وأسندت الإراءة إلى الله تعالى؛ لأنّ رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم وحي بمدلولها، كما دلّ عليه قوله تعالى، حكاية عن إبراهيم وابنه ﴿ قال يا بُنَيّ إنّيَ أرى في المنام أنِّي أذْبَحُك فانْظُر ماذا ترى قال يا أبَتتِ افعل ما تؤمر ﴾ [الصافات: 102] فإنّ أرواح الأنبياء لا تغلبها الأخلاط، ولا تجول حواسهم الباطنة في العبث، فما رؤياهم إلاّ مكاشفات روحانية على عالم الحقائِق.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى رؤيا مناممٍ، جيشَ المشركين قليلاً، أي قليل العَدد وأخبر برؤياه المسلمين فتشجّعوا للقاء المشركين، وحملوها على ظاهرها، وزال عنهم ما كان يخامرهم من تهيّب جيش المشركين.

فكانت تلك الرؤيا من أسباب النصر، وكانت تلك الرؤيا منّة من الله على رسوله والمؤمنين، وكانت قِلة العدد في الرؤيا رَمزاً وكناية عن وهن أمر المشركين لا عن قلّة عددهم.

ولذلك جعلها الله في رؤيا النوم دون الوحي، لأنّ صور المَرائي المنامية تكَون رموزاً لمعان فلا تُعَدُّ صورتها الظاهرية خلفاً، بخلاف الوحي بالكلام.

وقد حكاها النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين، فأخذوها على ظاهرها، لعلمهم أنّ رؤيا النبي وحي، وقد يكون النبي قد أطلعه الله على تعبيرها الصائِب، وقد يكون صرفه عن ذلك فظنّ كالمسلمين ظاهرها، وكلّ ذلك للحكمة.

فرؤيا النبي صلى الله عليه وسلم لم تخطئ ولكنها أوهمتهم قلّة العَدد، لأنّ ذلك مرغوبهم والمقصود منه حاصل، وهو تحقّق النصْر، ولو أخبروا بعدد المشركين كما هو لجبنُوا عن اللقاء فضعفت أسباب النصر الظاهرة المعتادة التي تكسبهم حسن الأحدوثة.

ورؤيا النبي لا تخطئ، ولكنها قد تكون جارية على الصورة الحاصلة في الخارج، كما ورد في حديث عائشة في بدء الوحي: أنّه كان لا يرى رؤيا إلاّ جاءت مثل فَلَق الصبح، وهذا هو الغالب، وخاصّة قبل ابتداء نزول المَلك بالوحي، وقد تكون رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم رمزية وكناية كما في حديث رؤياه بَقَراً تُذبح، ويُقال له: الله خير، فلم يعْلَم المراد حتّى تبيّن له أنّهم المؤمنون الذين قُتلوا يوم أُحد.

فلمّا أراد الله خذل المشركين وهزمهم أرى نبيئه المشركين قليلاً كناية بأحد أسباب الانهزام، فإنّ الانهزام يجيء من قلّة العدد.

وقد يُمسك النبي عليه الصلاة والسلام عن بيان التعبير الصحيح لحكمة، كما في حديث تعْبير أبي بكر رؤيا الرجل الذي قصّ رؤياه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول النبي له: " أصبتَ بعضاً وأخطأت بعضاً " وأبى أن يبيّن له ما أصاب منها وما أخطأ.

ولو أخبر الله رسوله ليُخبر المؤمنين بأنّهم غالبون المشركون لآمنوا بذلك إيماناً عقلياً لا يحصل منه ما يحصل من التصوير بالمحسوس، ولو لم يخبره ولم يُرِه تلك الرؤيا لكان المسلمون يحسبون للمشركين حساباً كبيراً.

لأنّهم معروفون عندهم بأنّهم أقوى من المسلمين بكثير.

وهذه الرؤيا قد مضت بالنسبة لزمن نزول الآية، فالتعبير بالفعل المضارع لاستحضار حالة الرؤيا العجيبة.

والقليل هنا قليل العَدد بقرينة قوله: ﴿ كثيرا ﴾ .

أراه إيّاهم قليلي العدد، وجعل ذلك في المكاشفة النومية كناية عن الوهن والضعف.

فإنّ لغة العقول والأرواح أوسع من لغة التخاطب، لأنّ طريق الاستفادة عندها عقلي مستند إلى محسوس، فهو واسطة بين الاستدلال العقلي المحض وبين الاستفادة اللغوية.

وأخبر ب «قليل» و«كثير» وكلاهما مفرد عن ضمير الجمع لما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ معه ربيون كثير ﴾ [آل عمران: 146].

ومعنى: ﴿ ولو أراكهم كثيراً لفشلتم ﴾ أنّه لو أراكهم رؤيا مماثلة للحالة التي تبصرها الأعين؛ لدخل قلوبَ المسلمين الفشلُ، أي إذا حدثهم النبي بما رأى، فأراد الله إكرام المسلمين بأن لا يدخل نفوسهم هلع، وإن كان النصر مضموناً لهم.

فإن قلت: هذا يقتضي أنّ الإراءة كانت متعيّنة ولِمَ لَمْ يَتْرُك الله إراءتَه جيش العدوّ فلا تكونَ حاجة إلى تمثيلهم بعَدد قليل، قلتُ: يظهر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم رجا أن يرى رؤيا تكشف له عن حال العدوّ، فحقّق الله رجاءه، وجنّبه ما قد يفضي إلى كدر المسلمين، أو لعلّ المسلمين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستعلم ربّه عن حال العدوّ.

والفشل: الجبن والوهن.

والتنازع: الاختلاف.

والمراد بالأمر الخطة التي يجب اتباعها في قتال العدوّ من ثبات أو انجلاء عن القتال.

والتعريف في ﴿ الأمر ﴾ للعهد وهو أمر القتال وما يقتضيه.

والاستدراك في قوله: ﴿ ولكن الله سلم ﴾ راجع إلى ما في جملة: ﴿ ولو أراكهم كثيراً ﴾ من الإشعار بأنّ العدوّ كثير في نفس الأمر، وأنّ الرؤيا قد تحاكي الصورة التي في نفس الأمر، وهو الأكثر في مرائي الأنبياء، وقد تحاكي المعنى الرمزيَّ وهو الغالب في مرائي غير الأنبياء، مثل رؤيا مَلِك مصر سبعَ بقرات، ورؤيا صاحبي يوسف في السِّجْن، وهو القليل في مرائي الأنبياء مثل رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم أنّه هَزَّ سيفاً فانكسر في يده، فمعنى الاستدْراك رفع ما فرض في قوله: ﴿ ولو أراكهم كثيراً ﴾ .

فمفعول ﴿ سلم ﴾ ومتعلِّقه محذوفان إيجازاً إذ دلّ عليه قوله: ﴿ لفشلتم ولتنازعتم ﴾ والتقدير: سَلَّمكم من الفَشَل والتنازع بأن سلمكم من سببهما، وهو إراءتكم واقِع عدد المشركين، لأنّ الاطّلاع على كثرة العدوّ يلقي في النفوس تهيّباً له وتخوّفاً منه، وذلك ينقص شجاعة المسلمين الذين أراد الله أن يوفّر لهم منتهى الشجاعة.

ووضع الظاهر موضع المضمر في قوله: ﴿ ولكن الله سلم ﴾ دون أن يقول: ولكنّه سلّم، لقصد زيادة إسناد ذلك إلى الله، وأنّه بعنايته، واهتماماً بهذا الحادث.

وجملة: ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ تذييل للمنة، أي: أوحى إلى رسوله بتلك الرؤيا الرمزية، لعلمه بما في الصدور البشرية من تأثّر النفوس بالمشاهدات والمحسوسات أكثر ممّا تتأثّر بالاعتقادات، فعَلِم أنّه لو أخبركم بأنّ المشركين ينهزمون، واعتقدتم ذلك لصِدْق إيمانكم، لم يكن ذلك الاعتقاد مثيراً في نفوسكم من الشجاعة والإقدام ما يثيره إعتقادي أنّ عددهم قليل، لأنّ الاعتقاد بأنّهم ينهزمون لا ينافي توقّع شدّة تَنْزِل بالمسلمين، من موت وجراح قبل الانتصار، فأمّا اعتقاد قلّة العدوّ فإنّها تثير في النفوس إقداماً واطمئنان بال، فلعلمه بذلك أراكهم الله في منامك قليلاً.

ومعنى ﴿ ذات الصدور ﴾ الأحوال المصاحبة لضمائر النفوس، فالصدور أطلقت على ما حلّ فيها من النوايا والمضمرات، فكلمة ﴿ ذَات ﴾ بمعنى صاحبة، وهي مؤنث (ذو) أحدِ الأسماء الخمسة، فأصل ألفها الواو ووزنها (ذَوَت) انقلبت واوها ألفاً لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، قال في «الكشّاف» في تفسير سورة [فاطر: 38] في قوله تعالى: ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ هي تأنيث ذُو، وذُو موضوع لمعنى الصحبة من قوله: لتَغْنِيَ عَنّي ذَا إنائِك أجمَعا *** يعني أنّ ذات الصدور الحالةُ التي قرارتها الصدور فهي صاحبتها وساكنتُها، فذات الصدور النوايا والخواطر وما يهمّ به المرء وما يدبّره ويكيده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ أرى نَبِيَّهُ  قِلَّةَ المُشْرِكِينَ عَيانًا، وقَوْلُهُ ﴿ فِي مَنامِكَ ﴾ يُرِيدُ في عَيْنَيْكَ الَّتِي هي مَحَلُّ النَّوْمِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهُ ألْقى عَلَيْهِ النَّوْمَ وأراهُ قِلَّتَهم في نَوْمِهِ، وهو الظّاهِرُ، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ.

وَإنَّما أراهُ ذَلِكَ عَلى خِلافِ ما هو بِهِ لُطْفًا أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ وعَلى أُمَّتِهِ، لِيَكُونَ أثْبَتَ لِقُلُوبِهِمْ وأقْدَمَ لَهم عَلى لِقاءِ عَدُوِّهِمْ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما جازَتْ هَذِهِ الحالَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى في نَبِيِّهِ  .

﴿ وَلَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لاخْتَلَفْتُمْ في لِقائِهِمْ أوِ الكَفِّ عَنْهم.

والثّانِي: لَجَبُنْتُمْ عَنْهم وانْهَزَمْتُمْ مِنهم.

﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: سَلَّمَ مِنَ الفَشَلِ.

والثّانِي: لَجَبُنْتُمْ عَنْهم وانْهَزَمْتُمْ مِنهم ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ مِنَ العَدُوِّ.

وَفِيهِ ثالِثٌ: ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ أمْرَهُ فِيهِمْ حَتّى نَفَذَ ما حَكَمَ فِيهِمْ بِهِ مِن هَلاكِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ﴾ قال: أراه الله إياهم في منامه قليلاً، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك وكان تثبيتاً لهم.

وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر عن حيان بن واسع بن حيان عن أشياخ من قومه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر ورجع إلى العريش، فدخله ومعنا أبو بكر رضي الله عنه، وقد خفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة وهو في العريش، ثم انتبه فقال: «أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله.

هذا جبريل آخذ بعنان فرس يقوده على ثناياه النقع» .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولو أراكهم كثيراً لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ﴾ قال: لاختلفتم.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولكن الله سلم ﴾ أي أتم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولكن الله سلم ﴾ يقول: سلم لهم أمرهم حتى أظهرهم على عدوّهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا ﴾ ، قال مجاهد: أرى الله (١)  كفار قريش في منامه قليلاً فأخبر بذلك أصحابه فقالوا: رؤيا النبي حق، القوم قليل، وكان ذلك تثبيتًا (٢) (٣) (٤) (٥) ﴿ إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ ﴾ يعني رؤيا النوم (٦) قال محمد بن إسحاق: وكان ما أراه من ذلك نعمة عليهم؛ لأنه شجعهم بها على عدوهم (٧) وكانت، تلك الرؤيا بشارة له وللمؤمنين بالغلبة.

قال أهل المعاني: وإنما جاز أن يريه الله الشيء في النوم على خلاف ما هو لأن الرؤيا تخيّل للمعنى من غير قطع عليه، وإن جاء معه قطع من الإنسان (٨) وروي عن الحسن وابن جريج أنهما ذهبا إلى أن هذه الإراءة كانت في اليقظة، وقالا: المراد بالمنام هاهنا: العين التي هي موضع النوم (٩) قال أبو إسحاق: وكثير من أصحاب النحو يذهبون إلى هذا المذهب، ومعناه عندهم: إذ يريكم الله في موضع منامك أي: بعينك ثم حذف الموضع وأقام المنام مقامه (١٠) وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا ﴾ أي: لو أراك الله يا محمد القوم كثيرا في اليقظة -على قول الحسن-، أو في المنام -على قول الباقين- فأخبرت بذلك أصحابك لجبنوا ولم يقدموا على الحرب؛ وذلك قوله: ﴿ لَفَشِلْتُمْ ﴾ ، قال أبو إسحاق: لتأخرتم عن حربهم وكِعْتم (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ معنى التنازع في الأمر: الاختلاف الذي يحاول به كل واحد نزع صاحبه عما هو عليه، وهذا ما سبق بيانه (١٣) (١٤) وقال ابن عباس: ﴿ إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ ﴾ يا محمد ﴿ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا ﴾ لتحتقرهم وتجترئ عليهم ﴿ وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ ﴾ ولكن هذه منتي عليك وعلى المؤمنين حيث أراكهم الله قليلًا ، ولم يكن منهم فشل ولا منازعة (١٥) وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: عصمكم (١٦) (١٧) [وقال أبو روق: سلم: أتم أمرهم بالظفر على عدوهم (١٨) (١٩) وقال الكلبي: ولكن الله سلمكم من الهزيمة يوم بدر (٢٠) والأظهر أن المعنى: ولكن الله سلمكم من التنازع والفشل على ما حكينا عن ابن عباس أولاً.

قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ ، قال ابن عباس: علم ما في صدوركم من اليقين والحب لله والطاعة لرسوله (٢١) (٢٢) (١) في (ح): (أري النبي).

(٢) في (ح): (تثبيت).

(٣) رواه ابن جرير 10/ 12، وعبد الرزاق الصنعاني في "تفسيره" 1/ 2/ 260، وابن أبي حاتم 5/ 1709.

(٤) ذكره ابن الجوزي 3/ 362، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وهو سند الكلبي المعروف.

(٥) انظر: "تفسيره" ل 121 أ.

(٦) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 12، والسمرقندي 2/ 20، والثعلبي 6/ 64 أ، والبغوي 3/ 364، والماوردي 2/ 323، ونسبه للجمهور.

(٧) "السيرة النبوية" 2/ 319.

(٨) يعني أن الرؤيا رمز وإشارة للمعنى، وتحتاج إلى تأويل، وقد يقطع الإنسان ويجزم بتأويلها ولكن هذا لا يغير من حقيقتها شيئًا، قال ابن عطية في "المحرر الوجيز" 5/ 1709: يحتمل أنه رآهم قليلاً عددهم، فكان تأويل رؤياه انهزامهم اهـ.

وأقول: يستدرك على ما ذكره المؤلف عن أهل المعاني الذي لم أقف على مصدره أن رؤيا الأنبياء حق ويقطع على معناها.

(٩) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1709، عن الحسن وفي سنده سهل السراج، قال الحافظ ابن حجر في "التقريب" 1/ 25 (2663): صدوق له أفراد، كان القطان لا يرضاه، ورواه البغوي 3/ 363، وفي سنده عمرو بن عبيد المعتزلي، قال الحافظ في "التقريب" ص 424 (5071): كان داعية إلى بدعة، اتهمه جماعة، وقد ذكر ابن كثير في "تفسيره" 2/ 348 قول الحسن هذا ثم عقبه بقوله: هذا القول غريب اهـ.

وقال الزمخشري في "الكشاف" 2/ 161: هذا تفسير فيه تعسف، وما أحسب الرواية صحيحة فيه عن الحسن، وما يلائم علمه بكلام العرب وفصاحته اهـ.

ولم أجد من ذكره عن ابن جريج.

(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 419، وهو أحد قولي أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 247، وإليه ذهب المازني والنقاش كما في "المحرر الوجيز" 6/ 325، وهو قول ضعيف من وجوه: == 1 - أن في الآية تصريح بالمنام، وحمله على العين التي بها المنام عدول عن الظاهر بلا دليل، انظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 348.

2 - أنه تعالى صرح في الآية التالية برؤية العين فقال: ﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا ﴾ فعلى هذا القول تكون الآيتان بمعنى واحد، إذ أن النبي  مخاطب في هذه الآية، والأصل عدم التكرار.

3 - أنه مخالف لما رواه مجاهد أن النبي  رآهم في منامه قليلاً فأخبر النبي  بذلك.

رواه ابن جرير 10/ 12، وهذا الحديث وإن كان مرسلًا لكن يعضده موافقته لظاهر الآية، وعلى الأقل هو تفسير ثابت عن مجاهد.

(١١) أي جبنتم، يقال: كعت عن الشيء أكيع وأكاع لغة في كععت: إذا هبته وجبنت عنه.

انظر: "لسان العرب" (كوع) 7/ 3956.

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 319.

(١٣) انظر: تفسير آل عمران: 152، النساء: 59.

(١٤) "تنوير المقباس" ص 182، عن الكلبي، عن ابن عباس.

(١٥) ذكره مختصرًا المؤلف في "الوسيط" 2/ 463، وانظر بعض معناه في: "تنوير المقباس" ص 482.

(١٦) رواه بمعناه ابن أبي حاتم 5/ 1709، وذكره كذلك القرطبي 8/ 22.

(١٧) رواه ابن جرير 10/ 13، والثعلبي 6/ 64 أ، وابن أبي حاتم 5/ 1709.

(١٨) رواه ابن أبي حاتم 5/ 1710 مختصرًا عن أبي روق، عن ابن عباس، وذكره القرطبي 8/ 22 ولم يعين القائل.

(١٩) ما بين المعقوفين ساقط من (س).

(٢٠) لم أقف عليه.

(٢١) رواه البغوي 3/ 363 مختصراً.

(٢٢) رواه بمعناه مختصراً الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 182، عن الكلبي، عن ابن عباس.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدنيا ﴾ العامل في إذ التقى والعدوة: شفير الوادي، وقرئ بالضم والكسر وهما لغتان، والدنيا القريبة من المدينة، والقصوى البعيدة ﴿ والركب أَسْفَلَ مِنكُمْ ﴾ يعني العير التي كان فيها أبو سفيان، وكان قد نكب عن الطريق خوفاً من النبي صلى الله عليه وسلم، وكان جمع قريش المشركين قد حال بين المسلمين وبين العير ﴿ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الميعاد ﴾ أي لو تواعدتم مع قريش ثم علمتم كثرتهم وقلتكم لاختلفتم ولم تجتمعوا معهم، أو لو تواعدتم لم يتفق اجتماعكم مثل ما اتفق بتيسير الله ولطفه ﴿ لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ﴾ أي يموت من مات ببدر عن إعذار وإقامة الحجة عليه، ويعيش من عاش بعد البيان له، وقيل: ليهلك من يكفر ويحيى من يؤمن، وقرئ من حيي بالإظهار والإدغام وهما لغتان ﴿ إِذْ يُرِيكَهُمُ الله ﴾ الآية: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى الكفار في نومه قليلاً، فأخبر بذلك أصحابه فقويت أنفسهم ﴿ لَّفَشِلْتُمْ ﴾ أي جبنتم عن اللقاء.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بالعدوة ﴾ بكسر العين في الحرفين: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.

الباقون: بالضم.

﴿ من حيي ﴾ بياءين: أبو جعفر ونافع وخلف وسهل ويعقوب والبزي ونصير وأبو بكر وحماد.

الباقون: بالإدغام ﴿ ولا تنازعوا ﴾ بالإدغام: البزي وابن فليح ﴿ وتذهب ﴾ بالجزم للجزاء عن هبيرة ﴿ وإذ زين ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وعلي وحمزة في رواية خلاد ابن سعدان وهشام ﴿ إني أرى ﴾ ، ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ تراءت الفئتان ﴾ بالإمالة: نصير.

الوقوف: ﴿ وابن السبيل ﴾ ط لتعلق حرف الشرط بمحذوف يدل عليه ما قبلها تقديره: واعلموا واعتقدوا هذه الأقسام إن كنتم.

﴿ الجمعان ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ أسفل منكم ﴾ ط ﴿ في الميعاد ﴾ لا لعطف لكن ﴿ مفعولا ﴾ لا لتعلق اللام ﴿ من حيَّ عن بينه ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ لا لتعلق "إذ" ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ مفعولا ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ج للآية وللعطف ﴿ واصبروا ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه ج لما ذكر ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه ﴿ جار لكم ﴾ ط ﴿ أخاف الله ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ دينهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه.

التفسير: لما أمر  بالقتال في قوله ﴿ وقاتلوهم  ﴾ والمقاتلة مظنة حصول الغنيمة أعاد حكم الغنيمة ببيان أوفى وأشفى فقال ﴿ واعلموا أنما غنمتم ﴾ أي الذي حزتم من أموال الكفرة قهراً.

وقوله ﴿ من شيء ﴾ بيان "ما" أي من كل ما يقع عليه اسم الشيء حتى المخيط والخيط.

وقوله ﴿ فأن الله ﴾ بالفتح مبتدأ محذوف الخبر.

وروى الجعفي عن أبي عمرو ﴿ فإن الله ﴾ بالكسر.

قال في الكشاف: والمشهورة آكد وأثبت للإيجاب كأنه قيل: فلا بد من ثبات الخمس فيه ولا سبيل إلى الإخلال به لأنه إذا حذف الخبر واحتمل غير واحد من المقدرات كقولك: ثابت واجب حق لازم كان أقوى لإيجابه من النص على واحد.

عن الكلبي أن الآية نزلت ببدر.

وقال الواقدي: كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهراً في الهجرة.

واعلم أن الآية تقتضي أخذ الخمس من الغنائم واختلفوا في كيفية قسمة ذلك الخمس على أقوال أشهرها: أن ذلك الخمس يخمس حتى يكون مجموع الغنيمة ومقسماً بخمسة وعشرين قسماً عشرون الغنائم بالاتفاق لأنهم كسبوها كالاحتطاب والاصطياد، وأما الخمسة الباقية فواحد منها كان لرسول الله ويصرف الآن ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين كسد الثغور وعمارة الحصون والقناطر والمساجد وأرزاق القضاة والأئمة الأهم فالأهم، وواحد لذوي القربى يعني أقارب رسول الله من أولاد هاشم والمطلب ابني عبد مناف دون عبد شمس ونوفل وهما ابنا عبد مناف أيضاً لما روي عن عثمان بن عفان وجبير بن مطعم - وكان عثمان من بني عبد شمس وجبير من بني نوفل - أنهما قالا لرسول الله  : هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم، أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة؟

فقال  : إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد - وشبك بين أصابعه - يستوي في هذا السهم غنيهم وفقيرهم إلا أن للذكر مثل حظ الأنثيين.

وثلاثة أخماس الباقية لليتامى والمساكين وابن السبيل.

وهذا عند الإمامين أبي حنيفة والشافعي إلا أن أبا حنيفة قال: إن سهم رسول الله  ساقط بموته وكذلك سهم ذوي القربى وإنما يعطون لفقرهم فهم أسوة سائر الفقراء.

فعلى مذهب الإمامين.

معنى قوله  ﴿ فأن لله خمسه وللرسول  ﴾ فأن لرسول الله خمسة كقوله ﴿ والله ورسوله أحق أن يرضوه ﴾ وعن أبي العالية إيجاب سهم آخر لله وأنه يقسم الخمس على ستة أسهم.

والذاهبون إلى هذا القول اختلفوا فقيل: إن ذلك السهم لبيت المال.

وقيل: يصرف إلى مصالح الكعبة لما روي أنه  كان يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه فيأخذ منه قبضة فيجعلها للكعبة فهو سهم الله.

وعن ابن عباس أنه كان يقسم على ستة لله وللرسول سهمان، وسهم لأقاربه حتى قبض فأجرى أبو بكر الخمس على ثلاثة وهم اليتامى والمساكين وابن السبيل، وكذلك روي عن عمرو ومن بعده من الخلفاء.

وروي أن أبا بكر منع بني هاشم الخمس وقال: إنما لكم أن يعطى فقيركم ويزوّج أيمكم ويخدم من لا خادم له منكم، فأما الغني منكم فهو بمنزلة ابن سبيل غني لا يعطى هو ولا يتيم موسر من الصدقة شيئاً، وروي عن زيد بن علي أنه قال: ليس لنا أن نبني منه قصوراً ولا أن نركب منه البراذين.

وقيل: الخمس كله للقرابة لما روي عن علي  أنه قيل له: إن الله  قال ﴿ واليتامى والمساكين ﴾ فقال: أيتامنا ومساكيننا.

وعن الحسن: في سهم رسول الله  أنه لولي الأمر من بعده.

وعند مالك بن أنس الأمر في الخمس مفوّض إلى اجتهاد الإمام إن رأى قسمه بين الأصناف الخمسة عند الشافعي وإن رأى أعطى بعضهم دون بعض، وإن رأى غيرهم أولى وأهم فذاك.

فعند هذا يكون معنى قوله ﴿ فأن لله خمسه ﴾ أن من حق الخمس أن يكون متقرباً به إلى الله لا غير.

ثم خص من وجوه القرب هذه الخمسة تفضيلاً لها على غيرها كقوله ﴿ وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل ﴾ وحاصل الآية إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزل على عبدنا فاعلموا علماً يتضمن العلم والطاعة أن الخمس من الغنيمة يجب التقرب به فاقطعوا عنه أطماعكم واقنعوا بالأخماس الأربعة ﴿ يوم الفرقان ﴾ يوم بدر لأنه فرق فيه بين أهل الحق وأهل الباطل.

والجمعان فريقاهما والذي أنزل عليه يومئذ الآيات والملائكة والنصر والتأييد ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ فبذلك نصر القليل على الكثير ﴿ إذ أنتم ﴾ بدل من يوم الفرقان ﴿ بالعدوة ﴾ بالكسر والضم شط الوادي أي جانبه وحافته.

وقال أبو عمرو، هي المكان المرتفع و ﴿ الدنيا ﴾ تأنيث الأدنى يعني الجانب الذي يلي المدينة وقلب الواو ياء فيه على القياس لأن "فعلى" من بنات الواو وتقلب ياء كالعليا، وأما القصوى تأنيث الأقصى فإنه كالقود في مجيئه على الأصل وقد جاء القصيا أيضاً قليلاً والعدوة القصوى مما يلي مكة ﴿ والركب ﴾ يعني الأربعين الذين كانوا يقودون العير ﴿ أسفل منكم ﴾ بالساحل وهو نصبب على الظرف مرفوع المحل خبراً للمبتدأ أي مكاناً أسفل من مكانكم والفائدة في ذكر مراكز الفرق الثلاث تصوير وقعة بدر وما دبر الله  من عجيب صنعه وكمال رأفته ونصره حتى كان ما كان.

وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كانت في مكان فيه الماء وكانت أرضاً لا بأس بها، وأما العدوة الدنيا فهي رخوة تسوخ فيها الأقدام ولا ماء بها وكانت العير وراء ظهور العدو مع كثرة عددهم فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم وعبدتهم، ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحروب بعيالهم وأثقالهم ليبعثهم الذب عن الحرم على بذل مجهودهم حيث لم يتركوا وراءهم ما يحدثون أنفسهم بالانحياز إليه.

﴿ ولو تواعدتم ﴾ أنتم وأهل مكة على موضع تتلاقون فيه ﴿ لاختلفتم في الميعاد ﴾ فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد وثبطهم ما في قلوبهم من هيبة الرسول والمسلمين فلم يتفق لكم من التلاقي ما تيسر بتوفيق الله وتسبيبه ﴿ ولكن ليقضي الله ﴾ أي ليظهر ﴿ أمراً كان مفعولاً ﴾ مقدراً وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه دبر ذلك.

وقوله ﴿ ليهلك ﴾ بدل من ﴿ ليقضي ﴾ بدل الخاص من العام واستعير الهلاك والحياة للكفر والإسلام، وذلك أن وقعة بدر كان فيها من الآيات والمعجزات ما يكون الكافر بعدها كالمكابر لنفسه فكفره صادر عن وضوح بينة أي لا شك في كفره وعناده كما أنه لم يبق شك للمسلمين في حقية دين الإسلام.

وفي قوله ﴿ ليقضي ﴾ و ﴿ ليهلك ﴾ دلالة على أن أفعاله  مستتبعة للحكم والمقاصد والغايات خلاف ما عليه ظاهر الأشاعرة.

﴿ وإن الله لسميع ﴾ لدعائكم ﴿ عليم ﴾ بنياتكم ﴿ إذ يريكم ﴾ منصوب باذكر أو بدل آخر من يوم الفرقيان أو متعلق بعليم أي يعلم تدابيركم إذ يريكهم ﴿ في منامك ﴾ أي في رؤياك ﴿ قليلاً ﴾ أراه وإياهم في رؤياه قليلاً فأخبر بذلك أصحابه فكان تثبيتاً لهم وتشجيعاً على عدوهم.

وقيل: في منامك أي في عينك في اليقظة لأن العين موضع النوم وفيه تكلف.

﴿ ولو أراكهم كثيراً ﴾ على ما هم عليه ﴿ لفشلتم ﴾ والفشل الجبن والخور.

﴿ ولتنازعتم في الأمر ﴾ أمر الحرب والإقدام ﴿ ولكن الله سلم ﴾ عصم من الفشل والتنازع ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ يعلم ما سيحدث فيها من مواجب الإقدام والإحجام ﴿ وإذ يريكموهم ﴾ يبصركم إياهم ﴿ إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ﴾ نصب على الحال لأن الرؤية رؤية العين لا القلب وقد استوفت الإراءة مفعولية فلن يتعدى إلى ثالث ﴿ ويقللكم في أعينهم ﴾ الحكمة في تقليل الكفار في أعين المؤمنين ظاهرة مع أن في ذلك تصديقاً لرؤيا النبي، وأما تقليل المؤمنين في أعين الكفار فالحكمة في ذلك أن يجترىء الكفار عليهم قلة مبالاة بهم وأن يستعدّوا لهم كما ينبغي ﴿ ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ﴾ فعل ما فعل من التقليل ﴿ وإلى الله ترجع الأمور ﴾ فيه أن أحوال الدنيا غير مقصودة لذواتها.

وإنما المراد منها ما يصلح أن يكون زاداً للمعاد.

ثم علم المؤمنين آداب اللقاء في الحروب فقال ﴿ إذا لقيتم فئة فاثبتوا ﴾ لقتالهم ولا تفروا واللقاء اسم غلب في القتال فلهذا ترك وصف الفئة بالمحاربين ونحو ذلك، والأمر بالثبات في القتال لا ينافي الرخصة في التحرف والتحيز فلعل الثبات في الحرب لا يحصل إلا بهما.

﴿ واذكروا الله كثيراً ﴾ في مواطن الحرب ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ تظفرون بمرادكم من النصر والمثوبة.

وفيه إشعار بأن العبد لا يجوز له أن يفتر عن ذكر ربه في أي شغل وعمل كان، ولو أن رجلا أقبل من المغرب إلى المشرق منفقاً أمواله لله، والآخر من المشرق إلى المغرب ضارباً بسيفه في سبيل الله كان الذاكر لله أعظم أجراً.

وقيل: المراد من هذا الذكر أن يدعو على العدو: اللهم اخذلهم اللهم اقطع دابرهم ونحو ذلك والأولى حمله على العموم ﴿ وأطيعوا الله ورسوله ﴾ في سائر ما يأمر به لأن الجهاد لا ينفع إلى مع التمسك بسائر الطاعات ﴿ ولا تنازعوا فتفشلوا ﴾ منصوب بإضمار "أن" أو مجزوم لدخوله في حكم النهي ويظهر التقدير "أن" في قوله ﴿ وتذهب ريحكم ﴾ على القراءتين.

والريح الدولة شبهت في نفوذ أمرها وتمشيته على وفق المشيئة بالريح وهبوبها.

يقال: هبت رياح فلان إذا دالت له الدولة ونفذ أمره.

وقيل: الريح حقيقة ولم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله.

وفي الحديث: "نصرت بالصبا" حذرهم التنازع واختلاف الرأي نحو ما وقع لهم بأحد بمخالفتهم رسول الله.

احتج نفاة القياس بالآية لأن القول به يفضي غالباً إلى النزاع المنهى عنه.

وكذا القائلون: بأن النص لا يجوز تخصيصه بالقياس.

قال أهل السير: إن أهل مكة حين نفروا لحماية العير أتاهم رسول أبي سفيان وهم بالجحفة أن ارجعوا فقد سلمت عيركم، فأبى أبو جهل وقال: حتى نقدم بدراً نشرب بها الخمور وتعزف علينا القيان ونطعم بها من حضرنا من العرب.

فوافوها فسقوا كؤوس المنايا مكان الخمر وناحت عليهم النوائح مكان القيان فنهى الله المؤمنين أن يكونوا مثلهم بطرين مرائين بأعمالهم كإطعام الطعام ونحوه فقال ﴿ ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم ﴾ الآية.

وصفهم بأوصاف ثلاثة: أولها: البطر وهو الطغيان في النعمة ويقال أيضاً شدّة المرح.

والتحقيق إن النعم إذا كثرت من الله على العبد فإن صرفها في مرضاته وعرف حق الله فيها فذاك هو الشكر وإن توسل بها إلى المفاخرة على الأقران والمكاثرة على أبناء الزمان فذاك هو البطر.

وثانيها: رئاء الناس وهو القصد إلى إظهار الجميل مع قبح النية وفساد الطوية، أو هو إظهار الجميل مع قبح النية وفساد الطوية، أو هو إظهار الطاعة مع إبطان المعصية كما أن النفاق إظهار الإيمان مع إبطان الكفر.

وثالثها قوله ﴿ ويصدون عن سبيل الله ﴾ أي يمنعون عن قبول دين محمد  .

قال الواحدي: معناه وصدا عن سبيل الله ليكون عطفاً للاسم على الاسم، أو يكون الكل أحوالاً على تأويل بطرين مرائين صادّين أو يبطرون ويراءون ويصدّون.

واعترض عليه في التفسير الكبير بأنه تارة يقيم الاسم مقام الفعل والأخرى بالعكس ليصح له كون الكلمة معطوفة على جنسها، وكان من الواجب عليه أن يذكر السبب الذي لأجله عبر عن الأولين بالمصدر وعن الثالث بالفعل.

ثم ذكر السبب فقال: إن أبا جهل ورهطه كانوا مجبولين على البطر والرياء فذكرا بلفظ الاسم تنبيهاً على أصالتهم فيهما، وأما الصدّ فإنما حصل في زمان ادعاء محمد النبوة فذكر بلفظ الفعل الدال على التجدد.

قلت: لو جعلنا قوله ﴿ ويصدون ﴾ عطفاً على صلة "الذين" لم يحتج إلى هذه التكلفات التي اخترعها الإمامان.

﴿ والله بما يعملون محيط ﴾ فيه زجر عن التصنع والافتخار، ويعلم منه أن المعصية مع الانكسار أقرب إلى الخلاص من الطاعة مع الاستكبار.

﴿ وإذ زين ﴾ معناه واذكر إذ زين أو هو معطوف على ما قبله من النعم وأقربها قوله ﴿ وإذ يريكموهم ﴾ وفي هذا التزيين وجهان: أحدهما.

أن الشيطان زين بوسوسته من غير أن يتمثل بصورة إنسان وهو قول الحسن والأصم.

وفي الكشاف: زين لهم الشيطان أعمالهم التي عملوها في معاداة رسول الله  ، ووسوس إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون، وأوهمهم أن اتباع خطوات الشيطان وطاعته مما يجرئهم.

فلما تلاقى الفريقان نكص الشيطان وتبرأ منهم أي بطل كيده حين نزلت جنود الله.

وثانيهما: أنه ظهر في صورة إنسان وذلك أن المشركين حين أرادوا المسير إلى بدر ذكروا الذي بينهم وبين بني كنانة من الحرب فلم يأمنوا أن يأتوهم من ورائهم، فتمثل لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الشاعر الكناني وكان من أشرافهم في جند من الشياطين معه راية ﴿ وقال لا غالب لكم اليوم من الناس ﴾ أي لا غالب كائن لكم ولو كان لكم مفعولاً بمعنى لا غالب إلا إياكم لانتصب كما يقال لا ضارباً زيداً.

﴿ وإني جار لكم ﴾ أي مجيركم من بني كنانة أو من كل عدوّ يعرض من البشر.

ومعنى الجار ههنا الدافع عن صاحبه أنواع الضرر كما يدفع الجار عن الجار.

﴿ فلما تراءت الفئتان ﴾ أي التقى الجمعان بحيث رأت كل واحدة الأخرى ﴿ نكص على عقبيه ﴾ والنكوص الإحجام عن الشيء أي رجع.

﴿ وقال إني بريء منكم ﴾ قيل: كانت يده في يد الحرث بن هشام فلما نكص قال له الحرث إلى أين؟

أتخذلنا في هذه الحالة فقال ﴿ إني أرى ما لا ترون ﴾ أي من نزول الملائكة ودفع في صدر الحرث وانطلق وانهزموا، فلما بلغوا مكة قالوا: هزم الناس سراقة فبلغ ذلك سراقة فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم، فلما أسلموا علموا أنه الشيطان.

وفي الحديث: "ما رؤي إبليس يوماً أصغر ولا أدحر ولا أغيظ من يوم عرفة لما يرى من نزل الرحمة إلا ما رأى يوم بدر" وأما قوله ﴿ إني أخاف الله ﴾ فقد قيل: إنه لما رأى جبريل خافه، وقيل: لما رأى الملائكة ينزلون من السماء خافهم لأنه ظن أن الوقت الذي أنظر إليه قد حضر.

قال قتادة: صدق في قوله ﴿ إني أرى ما لا ترون ﴾ وكذب في قوله: ﴿ إني أخاف الله ﴾ وقوله ﴿ والله شديد العقاب ﴾ يجوز أن يكون من بقية حكاية كلام إبليس، ويجوز أن يكون اعتراضاً وظرفه ﴿ إذ يقول ﴾ أو لا ظرف له ﴿ وإذ يقول ﴾ ينتصب بذكر على أنه كلام مبتدأ منقطع عما قبله ولهذا فقد العاطف.

و ﴿ المنافقون ﴾ قوم من الأوس والخزرج بالمدينة ﴿ والذين في قلوبهم مرض ﴾ يجوز أن يكون من صفة المنافقين وأن يراد قوم من قريش وأسلموا وما قوي الإسلام في قلوبهم ولم يهاجروا.

ثم إن قريشاً لما خرجوا إلى رسول الله  قال: أولئك نخرج مع قومنا فإن كان محمد في كثرة خرجنا إليه، وإن كان في قلة أقمنا في قومنا، وقال محمد بن إسحق.

ثم قتلوا جميعاً مع المشركين يوم بدر.

﴿ غرّ هؤلاء دينهم ﴾ قال ابن عباس: معناه أنه خرج بثلثمائة وثلاثة عشر إلى زهاء ألف وما ذلك إلا لأنهم اعتمدوا على دينهم.

وقيل: المراد أن هؤلاء يسعون في قتل أنفسهم رجاء أن يجعلوا أحياء بعد الموت.

ثم قال جواباً لهم ﴿ ومن يتوكل على الله ﴾ يكل أمره إليه ويثق بفضله ﴿ فإن الله عزيز ﴾ غالب يسلط الضعيف القليل على القوي الكثير ﴿ حكيم ﴾ يوصل العذاب إلى أعدائه والرحمة إلى أوليائه.

التأويل: ﴿ واعلموا ﴾ يا أهل الجهاد الأكبر ﴿ أنما غنمتم ﴾ عند رفع الحجب من أنوار المشاهدات وأسرار المكاشفات فلكم أربعة أخماسه تعيشون بها مع الله وتكتمونها عن الأغيار وتنفقون خمسها في الله مخلصاً وللرسول متابعاً ﴿ ولذي القربى ﴾ يعني الإخوان في الله مواصلاً ﴿ واليتامى ﴾ يعني أهل الطلب من الذين غاب عنهم مشايخهم قبل بلوغهم إلى حد الكمال ﴿ والمساكين ﴾ الذين تمسكوا بأيدي الإرادة بأذيال إرشادكم ﴿ وابن السبيل ﴾ يعني الصادر والوارد من الصدق والإرادة مراعياً جانب كل طائفة على حسب صدقهموإرادتهم واستعدادهم.

إن كنتم وصلتم في متابعة الرسول إلى الإيمان بالله عياناً ﴿ وبما أنزلنا على عبدنا ﴾ في سفر ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ ﴿ يوم الفرقان ﴾ الذي فيه الرحمن علم القرآن ﴿ يوم التقى الجمعان ﴾ جمع الصفات الإنسانية وجمع الأخلاق الربانية فصار لمحمد  مع الله خلوة لا يتبعه فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ فيقدر على أن يوصلكم في متابعة رسوله إلى هذا المقام وهو الفناء عن الوجود والبقاء بالمعبود ﴿ إذ أنتم ﴾ أيها الصادقون في الطلب ﴿ بالعدوة الدنيا ﴾ نازلة ﴿ وهم بالعدوة القصوى ﴾ أي الأرواح بأقصى عالم الملكوت بارزة ﴿ والركب أسفل منكم ﴾ يعني الهياكل والقوالب في أسفل سافلي الطبيعة.

﴿ ولو تواعدتم ﴾ أيها الأرواح والنفوس والأجساد ﴿ لاختلفتم في الميعاد ﴾ لما بينكم من التباين والتضاد ﴿ ولكن ﴾ جمعكم الله بالقدرة والحكمة ﴿ ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ﴾ وهو إيصال كل شخص إلى رتبته التي استعد لها ﴿ فيهلك من هلك عن بينة ﴾ عن حجة ثابتة عليه ﴿ ويحيا من حيى عن بينة ﴾ فالأشقياء يبقون في سجين الطبيعة ونار القطيعة، وأما السعداء فأرواحهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، قال ﴿ ارجعي إلى ربك راضية  ﴾ ونفوسهم مع الملائكة المقربين كما قال ﴿ فادخلي في عبادي  ﴾ وأبدانهم في جنات النعيم كما قال ﴿ وادخلي جنتي  ﴾ ﴿ إن الله لسميع ﴾ من دعاه للوصول والوصال بالغدو والآصال ﴿ عليم ﴾ بمن يستحق الإذلال أو يستأهل الإجلال ﴿ إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ﴾ مع كثرتهم في الصورة ليدل على قلتهم في المعنى ﴿ لفشلتم ﴾ على عادة طبع الإنسان ﴿ ولكن الله سلم ﴾ من الخوف البشري ﴿ ويقللكم في أعينهم ﴾ لأنهم نظروا إليكم بالأبصار الظاهرة فلم يدركوا كثرة معناكم ومددكم بالملائكة.

﴿ وإذا لقيتم فئة ﴾ هي النفس وهواها والشيطان وأعوانه والدنيا وزينتها ﴿ فاثبتوا ﴾ على ما أنتم عليه من اليقين والصدق والإخلاص والطلب ﴿ ولا تكونوا كالذين خرجوا ﴾ من ديار أوصافهم وتركوا الدينا وداروا البلاد وزاروا العباد ليتباهوا بذلك على الإخوان والأقران.

﴿ وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ فظنوا أنهم بلغوا مبلغ الرجال وأنه لا يضرهم التصرف في الدنيا وارتكاب بعض المنهيات بل ينفعهم في نفي الرياء والعجب إذ هو طريق أهل الملامة.

﴿ فلما تراءت الفئتان ﴾ فئة الأرواح والقلوب وفئة النفوس وصفاتها وأمد الله  فئة الأرواح والقلوب بالأوصاف الملكية والواردات الربانية حتى انقادت النفوس لها ﴿ نكص على عقبيه ﴾ زهق باطله وصار مخالفاً للنفس كما قال ﴿ إني بريء منكم ﴾ ، ﴿ إني أرى ما لا ترون ﴾ لأنه يرى بنظر الروحانية تجلي الأنوار الربانية من القلوب، ولو وقع على الشيطان من ذلك تلألؤ لأحرقه ولهذا قال ﴿ إني أخاف الله ﴾ وفيه إشارة إلى أنه غير منقطع الرجاء من رحمة الله إنه أرحم الراحمين.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: إن الغنيمة: هي التي أصاب المسلمون من أموال المشركين بالقتال عنوة، والفيء: ما يعطون بأيديهم صلحاً.

والغنيمة يأخذ الإمام الخمس منها، والباقي يقسم بينهم، والفيء يأخذه الإمام فيضعه في مصلحة المسلمين، وليس فيه الخمس.

وقال بعضهم: الغنيمة والفيء واحد.

ثم قوله: ﴿ وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ...

﴾ إلى آخر ما ذكر، ذكر الخمس، ولم يذكر الأربعة أخماس أنها لمن، لكنها للمقاتلة بقوله: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً ﴾ ، فكانت الغنيمة كلها لمن غنمها بظاهر هذه الآية، إلا ما استثنى الله منها بالآية الأولى، وهو الخمس، وهذا مما أجمع عليه أهل العلم، وعلى ذلك تواترت الأخبار عن رسول الله  وعن صحابته موقوفة من بعده.

"روي أن النبي  سئل عن المال - يعني الغنيمة - فقال: لي خمسة، وأربعة أخماسه لهؤلاء" يعني: المسلمين.

وروي أنه قسمها بين المقاتلة، يعني: الأربعة الأخماس.

وفي بعض الأخبار "أن أبا الدرداء وعبادة بن الصامت والحارث بن معاوية كانوا جلوساً، فقال أبو الدرداء: أيكم يذكر حديث رسول الله  حيث صلى إلى بعير من المغنم، فلما انصرف فتناول من وبر البعير، فقال: ما يحل لي من غنائمكم ما يزن هذه إلا الخمس، ثم هو مردود فيكم" وعن ابن عمر -  - قال: كانت الغنائم تجزأ خمسة أجزاء، ثم يسهم عليها، فما صار لرسول الله  فهو له.

وعن ابن عباس -  - قال: كانت الغنيمة تغتنم على خمسة أخماس؛ فأربعة منها لمن قاتل عليها.

وغير ذلك من الأخبار، وعلى ذلك اتفاق الأئمة.

ومنهم من يقول: يقسم على ستة: سهم لله يجعل في ستر الكعبة، وسهم لرسوله ينتفع به.

ومنهم من قال: يقسم على خمسة: سهم لرسوله، وأربعة أخماسه لمن غنم.

ومنهم من يقول: يقسم على أربعة: سهم لرسوله، وثلاثة أرباعه لمن غنم.

ثم قوله: ﴿ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ﴾ تحتمل إضافة ذلك إلى نفسه وجهين: أحدهما: لما جعل ذلك لإقامة العبادات وأنواع البر والخير والقرب التي هي لله، فأضيف إليه على ما أضيفت المساجد إليه بقوله: ﴿ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ  ﴾ ، وإن كانت البقاع كلها لله، وكذلك ما سمى الكعبة: بيت الله، وإن كانت البيوت كلها لله؛ لما جعلها لإقامة العبادات وأنواع القرب، فأضيف إلى الله ذلك؛ فعلى ذلك تحتمل إضافة ذلك السهم إلى الله؛ لما جعله لإقامة العبادات والقرب وأنواع البر، والله  أعلم.

والثاني: أضاف ذلك إلى نفسه خصوصية لرسول الله  إذ كان ذلك لرسوله، وكان رسول الله في جميع أحواله وأموره [لله] خالصاً، لم يكن لنفسه ولا لأحد من الخلق؛ فعلى ذلك جميع ماله وما كانت تحويه يده لم يكن له، إنما كان ذلك لله خالصاً، يصرف ذلك في أنواع القرب والبرّ؛ في القرابة، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، الأحياء منهم والأموات جميعاً، والقريب منهم والبعيد جميعاً.

ألا ترى أنه قال: "إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة" ، هذا يدل أن ما يتركه صدقة لا يورث عنه، ولو كان له لتوارث ورثته ما يورث عن غيره؛ دل أن نفسه وماله كان لله خالصاً، وكذلك جميع أموره لله.

ألا ترى أنه روي في الخبر أنه كان يجوع يوماً، ويشبع يوماً، ويجوع ثلاثاً، وكان يربط الحجر على بطنه للجوع.

فإذا [كان ذلك] كان إضافة ذلك الخمس إلى الله لخصوصية له، وخلوص نفسه وماله له، وإن كان جميع الخلائق وما تحويه أيديهم لله حقيقة، لكن لهم فيها الانتفاع وقضاء الحوائج والتدبير لأنواع التصرف في ذلك، ولمشاركته غيره في ذلك لم يخصه بالإضافة إليه، وإن كان ذلك كله لله حقيقة.

ولما كانت نفس رسول الله  وما تحويه يده لله لا تدبير له في ذلك، ولا شرك لأحد فيه، خصّ بإضافة ذلك إليه وكله لله حقيقة، وهذا كما قال - الله أعلم -: ﴿ ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ  ﴾ ، وقال: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ  ﴾ ، وقال: ﴿ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً  ﴾ خصّ بالذكر ملك ذلك اليوم والبروز له؛ لما ينقطع يومئذ تدبير جميع ملوك الأرض، ويذهب سلطانهم عنهم، ويصفو البروز له، وإن كان الملك في الأحوال كلها والأوقات جميعاً، وكذلك البروز له، والمصير إليه، وإن كان ذلك راجعاً إليه في كل الأحوال؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

ثم ليس في ظاهر الآية دليل أن المراد بقوله: ﴿ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ قرابة رسول الله  ، بل في ظاهرها دلالة أنه أراد به قرابة أهل السهام في ذلك؛ لأنه خاطب به الكل بقوله: ﴿ وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ ، وظاهره أنه أراد به قربى من خاطب، وكان الخطاب لهم جميعاً.

ألا ترى أنه لم يفهم من قوله: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ  ﴾ قرابة رسول الله  ، ولكن قرابة المخاطبين، وكذلك لم يرجع قوله: ﴿ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ  ﴾ إلى قرابة رسول الله بل إلى قرابة المخاطبين به؛ فعلى ذلك الظاهر من قوله: ﴿ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ ، إلا أن يقال: أراد قرابة رسول الله  بدلالة أخرى سوى ظاهر الآية، وهو ما روي أنه قسم الخمس بين بني هاشم، وما روي أنه قال: "مالي من هذا المال إلا الخمس، والخمس مردود فيكم" وما روي أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذي القربى [فكتب إليه: كتبت تسألني عن سهم ذي القربى] لمن هو؟

وهل هو لنا أهل البيت، وقد كان عمر دعانا إلى أن ينكح منه أيمنا، ويقضي منه مغرمنا، فأبينا إلا أن يسلمه إلينا، فأبى ذلك علينا.

فدل فعل عمر هذا على أن التأويل في الخمس كان عنده أن رسول الله  كان يصل به قرابته، ويسد بالخمس حاجتهم؛ إذ كان جعل سبيل الخمس ما ذكرنا أنه لله، بمعنى أنه يصرف في [وجوه التقرب] إليه، فلو كان الخمس حقّاً لجميع القرابة أعطى من ذلك غنيهم وفقيرهم، وما يأخذه الأغنياء من الخمس فإنه لا يجري مجرى الصدقة، ولا يجري مجرى القرابة، فبان بذلك أنه لا يعطى منه أغنياؤهم؛ بل [يصرف] إلى فقرائهم على قدر حاجتهم؛ إذ لم يكن له مكاسب سواه يصل بها كما يكون لغيره من الناس من المكاسب وأنواع الحرف.

ومما يدل على أن رسول  أعطى بعض القرابة دون بعض: ما روي عن جبير بن مطعم قال: "لما قسم رسول الله  سهم ذي القربى بين بني هاشم وبني المطلب، أتيت أنا وعثمان، فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله فيهم، أرأيت بني المطلب أعطيتهم ومنعتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال: إنهم لا يفارقوني في جاهلية ولا إسلام، وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد، وشبك بين أصابعه" .

وقوله: ﴿ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر، بين أن خمس الغنيمة يصرف في وجوه البرّ والقرب إلى الله، ثم فسر تلك الوجوه فقال: ﴿ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ ، فكانت تسمية هذه الأصناف - والله أعلم - تعليماً لنا أن الخمس يصرف فيمن ذكر من أهلها دون غيرهم، وليس ذلك إيجاباً منه لكل صنف منهم شيئاً معلوماً، ولكن على بيان الأصل والموضع، وهو كقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ...

 ﴾ الآية، حمل أصحابنا ذلك على أن الصدقة لا تجوز إلا لمن كان من أهل هذه الأصناف دون غيرهم، ولم يحملوا الأمر على أن لكل صنف منهم شيئاً معلوماً محدوداً، ولكن على بيان أهلها، وعلى ذلك روي عن جماعة من الصحابة -  م - منهم: عمر، وعلي، وحذيفة، وابن عباس، وجماعة من السلف ممن يكثر عددهم، قالوا: إذا وضعت الصدقة في صنف واحد أجزأك.

فلو كان لأهل كل صنف الثمن منها، كان المعطى بها صنفاً واحداً مخالفاً لما أمر به؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ...

﴾ الآية، معناه - والله أعلم - أن الخمس الذي يتقرب به من الغنيمة إلى الله لا يستحقه إلا الرسول ومن كان من الأصناف التي ذكرها، فإلى أيهم دفع ذلك الخمس أجزأه.

وإذا كان التأويل ما وصفنا لم يكن لأحد من أهل هذه الأصناف أن يدعي منه خمساً ولا ربعاً، ولكن يعطى كل من حضر منهم بقدر فاقته وحاجته، وعلى قدر ما يراه الإمام، فإذا جاء فريق آخر، أعطوا مما يدفع إلى الإمام من ذلك الخمس من المال كفايتهم.

وكذلك روي عن ابن عمر أن ابن عباس قال: كان عمر يعطينا من الخمس نحواً مما كان يرى أنه لنا، فرغبنا عن ذلك، وقلنا: حق ذي القربى خمس الخمس، فقال عمر: إنما جعل الله الخمس لأصناف سماها، فأسعدهم بها أكثرهم عدداً وأشدّهم فاقة، فأخذ ذلك ناس.

وتركه ناس، وكذلك فعل عمر لما ولي الأمر؛ روي عن ابن عباس قال: عرض علينا عمر أن يزوج من الخمس أيمنا، ويقضي منه مغرمنا، فأبينا عليه إلا أن يسلمه إلينا، فأبى ذلك علينا.

فدل فعل عمر على أن القرابة يعطون من الخمس قدر حاجتهم وما تسدّ به فاقتهم؛ إذ لو كان الخمس حقّاً لجميع القرابة أعطى من ذلك غنيهم وفقيرهم.

[ومما يدل أيضاً على أن الخمس لو كان حقّاً لجميع القرابة غنيهم وفقيرهم]؛ لقسمه رسول الله  فيهم كما قسم أربعة الأخماس بين المقاتلة؛ بل أعطى منه بعض القرابة وحرم بعضاً كما ذكرنا في جبير ابن مطعم.

وممّا يدل - أيضاً - أن ذلك لأهل الحاجة منهم دون الكل: ما روي "أن الفضل ابن عباس وفلان دخلا على رسول الله  وهو يومئذ عند زينب بنت جحش، فقال: يا رسول الله، أنت أبر الناس وأوصل الناس، وقد بلغنا النكاح.

فجنئاك لتأمرنا على هذه الصدقات، فنؤدي إليك ما يؤدي العمال، ونصيب منها ما يصيبون، فسكت طويلا حتى أردنا [أن نكلمه] ثانياً، حتى جعلت زينب تلمح إلينا من وراء الحجاب ألا تكلماه، ثم قال: ألا إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس [ادعوا إليَّ محمية] - وكان على الخمس - ونوفل بن الحارث بن [عبد] المطلب، فجاءاه، فقال لمحمية: أنكح هذا الغلام ابنتك: للفضل فأنكحه، وقال لنوفل: انكح هذا الغلام ابنتك فأنكحه، ثم قال لمحمية: أصدقهما من الخمس" وكذا دل هذا على أن الحق لهم فيه لأهل الحاجة منهم.

ومما يدل أيضاً على ذلك ما روي عن رسول الله  أنه قال: "مالي من هذا المال إلا الخمس، والخمس مردود فيكم" لم يخص القرابة بشيء منه، كان سبيلهم سبيل أمر المسلمين يعطي من يحتاج منهم كفايته؛ وعلى هذا أمر الأئمة الراشدين، ولم يغيره علي -  - لما ولي الأمر، وكان ذلك عندنا مما لايجوز مخالفتهم عليه.

فإن قيل: لو كان قرابة النبي إنما يعطون من الخمس على سبيل الفقر والحاجة، فهم على هذا يدخلون في عموم المساكين، فما وجه ذكره إياهم إذن؟

قيل: إن الله تبارك - وتعالى - قال في الصدقات: ﴿ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ  ﴾ ، ثم روي عن النبي -  - قال: "لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد" فلو لم يسهم لهم في الخمس، جاز أن يقول قائل: لا يجوز أن يعطوا من الخمس، وإن كانوا فقراء؛ كما لا يجوز أن يعطوا من الصدقة وإن كانوا فقراء، فكان سبب ذكر الله إياهم في الخمس لذلك، والله أعلم.

ثم اختلف أهل العلم بعد وفاة رسول الله  في سهم الرسول وسهم ذي القربى.

فقال طائفة: سهم الرسول  للخليفة من بعده، وسهم ذي القربى لقرابة الخليفة.

وقال طائفة: سهم القربى لقرابة الرسول.

وقال الحسن: سهم القرابة لقرابة الخلفاء.

وقال غيره: القرابة قرابة رسول الله.

وقد ذكرنا أنه يحتمل أنه كان له يصل به قرابته بحق الصلة، أو يعطيهم بحق القرابة ما دام حيّاً.

ثم [قد] ثبت عن رسول الله  أنه قال: "لا نورث، ما تركناه صدقة" ، فإذا لم يورث عنه ما قد حازه من سهامه، فكيف يورث عنه ما غنم بعد وفاته؟!

ولو كان سهمه الذي لم يلحقه موروثاً عنه، كان سهمه الذي قد حازه أحرى أن يورث عنه، فإذا لم يورث الذي قد حازه وملكه عنه، لا يورث الآخر، والله أعلم.

وعن عائشة "أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله  ، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك، وسهمه من خيبر، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله  يقول: لا نورث، ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال حق الغنائم" [أي: من الغنائم] والله، لا أدع أمراً رأيت رسول الله  يصنعه فيه إلا أصنعه.

وفي بعض الأخبار قال: "لا يقسم ورثتي ديناراً ولا درهماً، ما تركت سوى نفقة عاملي ومؤنة نسائي فهو صدقة" وعن عمر: "كان لرسول الله  مما أفاء الله عليه نفقة سنة، ويجعل ما بقي في مال الله" .

وروي - أيضاً - عنه أنه قال: "كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله  ، وكانت له خالصة، وكان ينفق منها على أهله نفقة سنة، ما بقي جعله في الكراع والسلاح" .

فهذه الأخبار تبين أنه لم يورث سهم النبي بعد وفاته، فهي تدل على ألا نقدر بعد موت النبي من خمس الغنائم للخليفة شيئاً، وأن ذلك [إنما] كان خصوصاً لرسول الله  ، كالصفي الذي كان له خاصة دون غيره، وكما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكان له ذلك خاصّة، فليس لأحد غير النبي -  - خصوص من الخمس؛ كما ليس له خصوص من الصفي وغيره، وإذا كان الأمر في سهم الرسول  كما وصفنا، ولم ينقص من الخمس الذي هو لله [شيء] بعد موت النبي، ويخرج ذلك الخمس كله من الغنيمة - فذلك يدل على أن الخمس ليس لأهل هذه السهام حقّاً مقسوماً، ولكن يعطون منه بقدر فاقتهم.

ويدل ذلك - أيضاً - على أنه لا يجب لكل صنف من هذه الأصناف سهم معلوم؛ لأنا قد رددنا سهم النبي من الخمس على سائر السهام، فكما جاز أن يردّ عليهم سهم النبي، فكذلك يجوز أن يجعل سهم اليتامى أو بعضه للمساكين إذا حضروا وطلبوا ولم يحضر اليتامى؛ لأن المعنى في الآية - والله أعلم - ألا يعطى إلا من كان [من] أهل هذه الأصناف فقد وضع الحق في موضعه، ولم يتعد به إلى غيره.

ثم الخطاب في قوله: ﴿ وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ ﴾ لا يحتمل كلا في نفسه؛ كالخطاب بأداء الزكاة وغيرها من الحقوق، بل الخطاب راجع إلى الجماعة الذين غنموا.

ألا ترى أن العسكر أو السرايا إذا دخلوا دار الحرب، فتفرقوا فيها، فغنم واحد منهم - يجب ضم ذلك إلى جميع العسكر والسرايا، فعند ذلك يخرج الخمس منه؟!

دل أن الخطاب بذلك راجع إلى جماعة، وهي الجماعة التي لهم منعة يقومون للعدو، لا أنه خاطب كل أحد في نفسه؛ فهذا يدل على أن الواحد أو الاثنين إذا دخلوا دار الحرب بغير إذن الإمام فغنم غنائم لا يخمس، ولكن يسلم الكل [له]، وأمّا الغنيمة نفسها لا يحتمل أن ترجع إلى أحد معلوم، أو مقدار محدود؛ كالزكاة وسائر الحقوق؛ لأن الغنيمة شيء يؤخذ من أيدي الكفرة، وإنما يؤخذ قدر ما يظفر به ويوجد؛ فلا يحتمل أن يرجع الخطاب به إلى قدر، دون قدر؛ بل القليل من ذلك والكثير سواء، لا حدّ في ذلك ولا مقدار، ليس كالزكاة وغيرها من الحقوق التي جعل فيها حدّاً، ومقداراً للوجه الذي ذكرنا.

وأما المصيبون لها والآخذون فلهم في ذلك مقدار، وهم الذين لهم منعة.

ثم نذكر مسألة في قسمة السهام بين الرجالة والفرسان، وإن لم يكن في الآية ذكر ذلك: روي عن ابن عمر قال: أعطى رسول الله  يوم خيبر الراجل سهماً، [والفارس ثلاثة أسهم سهماً له وسهمين لفرسه].

وعن ابن عباس -  ما - قال: أسهم رسول الله  يوم خيبر للراجل سهماً، وللفارس ثلاثة أسهم، سهماً له وسهمين للفرس.

[وعن زيد بن ثابت أن رسول الله  أعطى الزبير يوم خيبر أربع أسهم: سهم ذي القربى وسهم له وسهمين للفرس].

ثم روي - أيضاً - عن ابن عمر أن رسول الله  [كان يقسم للفارس سهمين، وللراجل سهماً].

وعن المقداد أن رسول الله  أسهم له يوم بدر سهماً، ولفرسه سهماً.

وعن علي قال: للفارس سهم.

وعن المنذر قال: بعثه عمر في جيش إلى مصر، فأصاب غنائم، فقسم للفارس سهمين [وللراجل سهم فرضي بذلك عمر.

فجعل بعض أهل العلم ما ذكر في هذه الأحاديث من الإسهام للخيل، وقول بعض الرواة ثلاثة أسهم للفرس سهمين].

وقول بعضهم: أسهم للفارس سهمين - اختلافاً وتضادا، فحملوا على التناسخ، وقد يجوز ألا يكون كذلك، وقد تكون زيادته التي زادها النبي للفرس على سهم إن كان محفوظاً ثابتاً لنفل نفله للأفراس حينئذ؛ ترغيباً منه للمقاتلة في اتخاذها وتحريضاً؛ كما يجوز أن يقول الإمام: من قتل قتيلاً فله سلبه، ومن جاء برأس كذا فله كذا؛ يحرض بذلك المقاتلة في القتال؛ فعلى ذلك زيادة سهم لمكان الأفراس ترغيباً منه وتحريضاً على اتخاذها.

فأما إذا كثرت الأفراس، فإن سهمانها لا تكون أكثر من سهمان أصحابها؛ لأن الفارس كثر غنمه من فرسه، فإن لم يزد عليه لم ينقص عنه بسهم.

وكان أبو حنيفة - رحمه الله - يسهم للفارس بسهمين، وأبو يوسف - رحمه الله - يرى أن يسهم للفرس سهمين، ولصاحبه بسهم.

واحتج في ذلك بقوله: قال الله -  -: ﴿ وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ  ﴾ ، فكانت النضير خالصة لرسول الله  ، ولم يكن لمن حضرها من المسلمين شيء؛ إذ لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب، وقد أتوها مشاة، فلما منع الرجالة من السهمان؛ لاستغنائهم في فتحها عن الخيل، جاز أن تزاد الخيل في السهمان على سهمان الرجالة، إذا كان الرجالة يمنعون السهام، وإن حضروا إذا لم يلجئوا إلى ركوب الخيل.

لكن الحجة على هذا ما ذكرنا أن أصحاب رسول الله  لم يحاربوا على النضير فرساناً ولا رجالة، ولو احتاجوا إلى الحرب لاحتاجوا إلى الخيل، فمن حيث لم يحاربوا عليها لم يستحقوا منها شيئاً، وإنما ذكرنا الله -  - على سهولة أمرها، وأنهم لم يحاربوا عليها خيلا ولا ركاباً، وإذا لم يحاربوا على مدينة فغنموا مالا، فهو مصروف في مصالح المسلمين لا تجري فيه السهام، فكانت النضير على ما ذكر خالصة للنبي  ، يأخذ منها نفقة نسائه، ويصرف سائرها إلى مصالح المسلمين.

ومن الدليل على أن النضير لو احتيج فيها إلى حرب حاربهم النبي وأصحابه رجالة وجرت في غنائمهم القسمة -: أن قوماً من المسلمين لو حاربوا اليوم على مدينة من مدائن الشرك رجالة، قسم ما يغنم منها؛ كما يقسم لو كان معهم فرسان.

ومن الدليل على ذلك - أيضاً -: أن الرجالة إذا كانوا مع الفرسان في الحرب، قسم لهم كما يقسم للفارس خاصة، فلو كانت الغنيمة إنما تقسم لسبب الخيل ما أعطى الرجالة منها شيئاً؛ إذ لا أفراس لهم، وذلك يفسد ما ذكرنا لأبي يوسف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ ﴾ .

قال بعضهم: هو صلة قوله: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلاَكُمْ ﴾ ، أي: وإن تولوا هم وقد آمنتم أنتم، فاعلموا أن الله مولاكم، ليس بمولى لهم.

وقالت طائفة: قوله: ﴿ إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ ﴾ ليس على الشرط على ألا تكون غنيمة إذا لم يكونوا مؤمنين، ولا يجب العدل في القسمة إذا كانوا غير مؤمنين، ولكن على التنبيه والإيقاظ؛ كقوله: ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ  ﴾ ، ليس على أنه لا يجب أن يذروه إذا لم يكونوا مؤمنين، ولكن على ما ذكرنا؛ فعلى ذلك الأوّل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ﴾ .

قيل: قوله: ﴿ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا ﴾ : الملائكة الذين أرسلهم يوم بدر لنصرة المؤمنين، وأنزل عليهم المطر حتى شدّ الأرض بذلك، فاستقرت أقدامهم وثبتت بعد ما كانت لا تقر الأقدام فيها ولا تثبت، وشربوا منه ورووا بعد ما أصابهم العطش؛ إذ كان المشركون أخذوا المال.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ ﴾ .

قيل: يوم فرق بين الحق والباطل؛ لأنه - عز وجل - جعل يوم بدر آية؛ حيث غلب المؤمنون المشركين مع قلة عددهم، وضعف أبدانهم، وفقد الأسباب التي بها يحارب ويقاتل، وكثرة العدو وقوتهم، ووجود أسباب الحرب والقتال؛ ليعلموا أنهم غلبوا أولئك وهزموهم بنصر الله إياهم، فكان آية فرق المحق منهم والمبطل.

وقيل: هو يوم الفرقان، ويوم الجمع: جمع النبي والمؤمنين، وجمع المشركين، ويوم الافتراق: افتراق المشركين من المؤمنين انهزامهم، وهو كما سمى يوم القيامة: ﴿ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ  ﴾ في حال، ويوم الافتراق في حال أخرى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ ﴾ .

قال بعضهم: العدوة القصوى: شفير الوادي الأقصى، والعدوة الدنيا: شفير الوادي الأدنى.

وكذلك قال القتبي: العدوة: الشفير، شفير الوادي.

وقال أبو عوسجة: العدوة: ناحية الوادي التي تليهم، وقال: إنما سميت الدنيا؛ لأنها دنت منك، والآخرة؛ لأنها استأخرت.

وقيل في حرف ابن مسعود: (إذ أنتم بالعدوة العليا وهم بالعدوة السفلى).

[و] قال أبو معاذ: العِدْوَة والعُدْوَة لغتان، والركب والركبان والركاب والراكبون [كله] لغة.

وقال في حرف حفصة: (إذ أنتم بالعدوة القصيا).

وقال بعضهم: ﴿ إِذْ أَنتُمْ ﴾ : معشر المؤمنين، ﴿ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ : من دون الوادي على الشط مما يلي المدينة، ﴿ وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ ﴾ : من الجانب الآخر مما يلي مكة، يعني: مشركي مكة.

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ﴾ .

يعني: أصحاب العير على ساحل البحر، أو على الماء.

وقال قتادة: جمع الله المشركين والمسلمين ببدر على غير ميعاد، وهما شفيرا الوادي، كان المسلمون بأعلاه، والمشركون بأسفله، ﴿ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ﴾ : أبو سفيان انطلق بالعير في ركب نحو الحرب.

وقيل: إذ أنتم بأدنى المدينة، وهم بأقصى مما يلي مكة؛ على ما ذكرنا.

وقوله  : ﴿ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَادِ ﴾ .

يحتمل: أن: لو علمتم أنكم تخرجون إلى الحرب دون العير، لم تخرجوا إلا بميعاد لتتأهبوا للحرب والقتال فاختلفتم في الميعاد، إما للخروج نفسه، وإما للميعاد نفسه: أتخرجون أو لا تخرجون أو منكم من يؤخر الخروج عن وقت الميعاد، ومنكم من لا يخرج رأساً لينقضي ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِن لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً ﴾ .

يحتمل: لينجز الله ما كان وعد من الظفر والنصر.

أو ليقضي الله أمراً كان في علمه مفعولا، أن إحدى الطائفتين أنها لكم؛ كأنه قال: (وعد الله مفعولا)، أي: منجزاً.

ويحتمل القضاء: إنشاء وخلق، ولكن لينشئ الله ما قد علم أنه يكون كائناً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: ليكفر من كفر بعد ذلك عن بينة وحجة أن رسول الله  كان على الحق؛ وكان صادقاً ويؤمن من آمن على مثل ذلك.

وعن ابن عباس -  - قال: ﴿ لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ﴾ قال: ليموت من مات، ﴿ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ﴾ يقول: عن بيان وحجة.

وهو - والله أعلم - أن رسول الله  قد كان أتاهم بآيات حسية، فسموه ساحراً، وأخبرهم بالأنباء الماضية التي كانت في كتبهم، فقالوا: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، وقالوا: إنه معلم ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ  ﴾ .

وقد كان رسول الله  يخالفهم في جميع صنيعهم من عبادتهم الأصنام والأوثان دون الله، وكان يخوفهم ويوعدهم بأشياء، وكان لا يخافهم، وهم كانوا رؤساء كبراء، لا يخالفهم أحد في أمرهم ونهيهم إلا من كان به جنون، فلما رأوا رسول الله خالفهم في جميع أمورهم نسبوه إلى الجنون، وقالوا: ﴿ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ  ﴾ ، و ﴿ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ  ﴾ ؛ فأراد الله أن يجعل له آية عظيمة؛ حتى لا يقدروا بالنسبة إلى شيء مما كانوا ينسبونه من قبل، فوعدهم النصر والفتح يوم بدر بعد ما علم أولئك ضعف المؤمنين، وقلة عددهم، وقوة أنفسهم، وكثرة عددهم؛ لتكون حياة من حيي بعد ذلك عن بينة، وموت من مات على مثل ذلك، وإن كان له من الآيات ما لو لم يعاندوا ولا يكابروا عقولهم، لكانت واحدة منها كافية.

فإن قيل: ما الحكمة في ذكر القصة من أولها إلى آخرها، وهم قد علموا ذلك كله وشاهدوه؟!

قيل: يذكرهم الله - والله أعلم - الحال التي كانوا عليها [من الضعف والقلة والخوف وفقد أسباب الحرب والقتال وكثرة العدو وقوتهم ووجود أسباب الحرب والقتال؛ ليعلم الخلق أن النصر والغلبة ليس يكون بالكثرة] والقوة والأسباب؛ ولكن بالله - عز وجل - لئلا يكلوا إلى الكثرة، ولا يعتمدوا على القوة، ولا يضعفوا، ولا يجبنوا، ولا يخافوا غيره؛ ليعرفوا ما أصابهم من الهزيمة والغلبة أصابهم لمعصية كانت منهم، أو إعجاباً بالكثرة، واعتماداً بالقوة والأسباب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً ﴾ .

اختلف فيه؛ قال بعضهم: قوله: ﴿ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً ﴾ المنام نفسه، كان الله يرى رسوله المشركين في منامه قليلا، فأخبر بذلك أصحابه بما رأى، فقالوا: رؤيا النبي حق، القوم قليل، ليس كما بلغنا أنهم كثير.

فلما التقوا ببدر، قلل الله المشركين في أعين المؤمنين؛ تصديقاً لرؤيا رسول الله.

وقال الحسن: قوله: ﴿ إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً ﴾ أي: في عينيك اللتين تنام بهما، وهو في اليقظة؛ لأنه ذكر أنه قال رسول الله  : "تنام عيني ولا ينام قلبي" ، وإنما أراه إياهم قليلا في العين التي بها ينام، وهما عينا الوجه، ويدل على ذلك ما روي عن ابن مسعود -  - قال: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لصاحب لي: تراهم سبعين، فقال: أراهم مائة، حتى أخذنا رجلا منهم، فسألناه، فقال: كنا ألفاً.

فإن كان التأويل هذا الثاني أنه أراهم رسوله قليلا في اليقظة بالذي ينام، فهو ظاهر.

وإن كان أراه إياهم في المنام حقيقة، فلقائل أن يقول: إن رؤيا الرسول وحي، فكيف أراه إياهم قليلا وهم كثير خلاف ما هو في الحقيقة؟!

قيل: يحتمل أن يكون أراه بعضهم لا الكل، فهو حقيقة ما أراه إياهم؛ فكذلك قيل، والله أعلم.

وجائز أن يكون أرى أصحابه إياهم قليلاً، وإن أضاف ذلك إلى رسول الله؛ دليله ما ذكر في آخره؛ حيث قال: ﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ ﴾ ، وذلك في القرآن كثير أن يخاطب به رسوله والمراد به غيره.

ألا ترى أنه قال: ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ  ﴾ ، ومعلوم أن نزول هذه الآية بعد وفاة والديه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ ﴾ أي: لجبنتم.

﴿ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ ﴾ .

أي: اختلفتم في أمر القتال والحرب.

﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ ﴾ .

قيل: سلم وأتم للمسلمين أمرهم على عدوهم، فهزمهم ونصرهم عليهم.

ويحتمل قوله: ﴿ سَلَّمَ ﴾ أي: أجاب للمسلمين؛ لما استعانوا واستنصروه بالنصر والظفر لهم.

﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ .

أي: عليم بما في قلوب المؤمنين من الجبن والفشل وأمر عدوهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ...

﴾ الآية، لما رأوا الملائكة لأنفسهم أنصاراً وأعواناً؛ إذ كان قد وعدهم النصر والإعانة بالملائكة، وكان العدو مع الملائكة فاستقلوا؛ لأن العدوّ وإن كانوا كثيراً فهم قليل مع الملائكة، فرأوهم قليلا على ما كانوا، وقلل هؤلاء في أعين هؤلاء؛ لأنهم كذلك كانوا قليلا، فرءوا على ما كانوا، ولم يروا الملائكة.

وقال بعض أهل التأويل: قلل هؤلاء في أعين هؤلاء، وهؤلاء في أعين هؤلاء، إذا التقوا؛ ليغري بعضهم على بعض وليجترئ بعضهم على بعض على القتال، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً ﴾ .

هو ما ذكرنا أنه لينجز ما كان وعدهم من النصر والظفر للمؤمنين، والغلبة والهزيمة على أولئك، وكذلك ذكر في القصة أن قوله: ﴿ سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ  ﴾ في بدر فيه وعد ذلك؛ كقوله: ﴿ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ ﴾ ، أي: ليخلق الله وينشئ ما قد علم أنه يكون كائناً، أو ليفصل بين الحق والباطل مما قد علم أنه يكون.

وقال بعض أهل التأويل: ﴿ لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً ﴾ : في علمه، ﴿ مَفْعُولاً ﴾ : كائناً؛ يقول: فيوجب أمراً لا بد كائن؛ ليعز الإسلام وأهله بالنصر، ويذل الشرك وأهله بالقتل والهزيمة، والله أعلم.

وهو قريب مما ذكرنا.

﴿ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ ﴾ .

أي: إلى الله يرجع تدبير الأمور وتقديرها، له التدبير في ذلك في الدنيا والآخرة.

وذكر في بعض القصة أن أبا جهل [- لعنه الله -] لما رأى قلة المؤمنين ببدر قال: والله لا يعبد الله بعد اليوم، فأكذبه الله وقتله، فقال: ﴿ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ ﴾ لا إلى الخلق، والله أعلم.

وأمر بدر من أوله إلى آخره كان آية، حتى عرف كل أحد ذلك، إلا من عاند وكابر عقله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

اذكر -أيها الرسول- من نعم الله عليك وعلى المؤمنين إذ أراك الله المشركين في منامك قليلي العدد، فأطلعت المؤمنين على ذلك فاستبشروا به خيرًا، وقويت عزائمهم على لقاء عدوهم وقتاله، ولو أنه سبحانه أراك المشركين في منامك كثيرًا لضعفت عزائم أصحابك، وخافوا القتال، ولكنه سَلَّم من ذلك، فعصمهم من الفشل، فقلَّلهم في عين رسوله  ، إنه عليم بما تنطوي عليه القلوب، وبما تخفيه النفوس.

<div class="verse-tafsir" id="91.QQ4RG"

مزيد من التفاسير لسورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد