الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٤٩ من سورة الأنفال
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 74 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٩ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في هذه الآية قال : لما دنا القوم بعضهم من بعض قلل الله المسلمين في أعين المشركين ، وقلل المشركين في أعين المسلمين فقال المشركون : ( غر هؤلاء دينهم ) وإنما قالوا ذلك من قلتهم في أعينهم ، فظنوا أنهم سيهزمونهم ، لا يشكون في ذلك ، فقال الله : ( ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم ) وقال قتادة : رأوا عصابة من المؤمنين تشددت لأمر الله ، وذكر لنا أن أبا جهل عدو الله لما أشرف على محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه قال : والله لا يعبدوا الله بعد اليوم ، قسوة وعتوا .
وقال ابن جريج في قوله : ( إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ) هم قوم كانوا من المنافقين بمكة ، قالوه يوم بدر .
وقال عامر الشعبي : كان ناس من أهل مكة قد تكلموا بالإسلام ، فخرجوا مع المشركين يوم بدر ، فلما رأوا قلة المسلمين قالوا : ( غر هؤلاء دينهم ) وقال مجاهد في قوله - عز وجل - : ( إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ) قال : فئة من قريش : [ أبو ] قيس بن الوليد بن المغيرة ، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة ، والحارث بن زمعة بن الأسود بن المطلب ، وعلي بن أمية بن خلف ، والعاص بن منبه بن الحجاج ، خرجوا مع قريش من مكة وهم على الارتياب فحبسهم ارتيابهم ، فلما رأوا قلة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا : ( غر هؤلاء دينهم ) حتى قدموا على ما قدموا عليه ، مع قلة عددهم وكثرة عدوهم .
وهكذا قال محمد بن إسحاق بن يسار ، سواء .
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الحسن في هذه الآية ، قال : هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر ، فسموا منافقين - قال معمر : وقال بعضهم : هم قوم كانوا أقروا بالإسلام ، وهم بمكة فخرجوا مع المشركين يوم بدر ، فلما رأوا قلة المسلمين قالوا : ( غر هؤلاء دينهم ) وقوله : ( ومن يتوكل على الله ) أي : يعتمد على جنابه ، ( فإن الله عزيز ) أي : لا يضام من التجأ إليه ، فإن الله عزيز منيع الجناب ، عظيم السلطان ، حكيم في أفعاله ، لا يضعها إلا في مواضعها ، فينصر من يستحق النصر ، ويخذل من هو أهل لذلك .
القول في تأويل قوله : إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ، في هذه الأحوال =(وإذ يقول المنافقون)، وكرّ بقوله: (إذ يقول المنافقون)، على قوله: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلا =(والذين في قلوبهم مرض)، يعني: شك في الإسلام، لم يصحَّ يقينهم، ولم تُشرح بالإيمان صدورهم (40) =(غر هؤلاء دينهم)، يقول: غر هؤلاء الذين يقاتلون المشركين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من أنفسهم، دينُهم (41) = وذلك الإسلام.
* * * وذُكر أن الذين قالوا هذا القول، كانوا نفرًا ممن كان قد تكلم بالإسلام من مشركي قريش، ولم يستحكم الإسلام في قلوبهم.
* ذكر من قال ذلك: 16193- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عامر في هذه الآية: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم)، قال: كان ناسٌ من أهل مكة تكلموا بالإسلام, فخرجوا مع المشركين يوم بدر, فلما رأوا قلة المسلمين قالوا: (غر هؤلاء دينهم).
16194- حدثني إسحاق بن شاهين قال، حدثنا خالد, عن داود, عن عامر, مثله.
(42) 16195- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا يحيى بن زكريا, عن ابن جريج, عن مجاهد في قوله: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غرّ هؤلاء دينهم)، قال: فئة من قريش: أبو قيس بن الوليد بن المغيرة, (43) وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة, والحارث بن زمعة بن الأسود بن المطلب, وعلي بن أمية بن خلف, والعاصي بن منبّه بن الحجاج; خرجوا مع قريش من مكة وهم على الارتياب، فحبسهم ارتيابهم.
فلما رأوا قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: (غرّ هؤلاء دينهم)، حتى قدموا على ما قدموا عليه، مع قلة عددهم وكثرة عدوهم، فشرَّد بهم من خلفهم.
(44) 16196- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الحسن: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم)، قال: هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر, فسموا " منافقين " =قال معمر: وقال بعضهم: قوم كانوا أقرُّوا بالإسلام وهم بمكة، فخرجوا مع المشركين يوم بدر, فلما رأوا قلة المسلمين قالوا: (غر هؤلاء دينهم).
16197- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض) إلى قوله: (فإن الله عزيز حكيم)، قال: رأوا عصابة من المؤمنين تشرّدت لأمر الله.
(45) وذكر لنا أن أبا جهل عدو الله لما أشرف على محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال: " والله لا يُعبد الله بعد اليوم!" ، قسوة وعُتُوًّا.
16198- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج في قوله: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض)، قال: ناس كانوا من المنافقين بمكة, قالوه يوم بدر, وهم يومئذ ثلاث مئة وبضعة عشر رجلا.
16199- ...
قال حدثني حجاج, عن ابن جريج في قوله: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض)، قال: لما دنا القوم بعضهم من بعض, فقلَّل الله المسلمين في أعين المشركين, وقلَّل المشركين في أعين المسلمين, فقال المشركون: (غر هؤلاء دينهم)، وإنما قالوا ذلك من قلتهم في أعينهم, وظنوا أنهم سيهزمونهم لا يشكون في ذلك, فقال الله: (ومن يتوكل على الله فإنّ الله عزيز حكيم).
* * * وأما قوله: (ومن يتوكل على الله)، فإن معناه: ومن يسلم أمره إلى الله، ويثق به، ويرض بقضائه, فإن الله حافظه وناصره (46) =لأنه " عزيز "، لا يغلبه شيء، ولا يقهره أحد, فجارُه منيع، ومن يتوكل عليه مكفيٌّ.
(47) وهذا أمرٌ من الله جل ثناؤه المؤمنين به من أصحاب رسول الله وغيرهم، أن يفوِّضوا أمرهم إليه، ويسلموا لقضائه, كيما يكفيهم أعداءهم, ولا يستذلهم من ناوأهم, لأنه " عزيز " غير مغلوب, فجاره غير مقهور = " حكيم "، يقول: هو فيما يدبر من أمر خلقه حكيم، لا يدخل تدبيره خلل.
(48) -------------- الهوامش : (40) انظر تفسير " مرض " فيما سلف 1 : 278 - 281 10 : 404 .
(41) انظر تفسير " الغرور " فيما سلف 12 : 475 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(42) الأثر : 16194 - " إسحاق بن شاهين الواسطي " ، شيخ الطبري مضى برقم : 7211 ، 9788 .
وكان في المخطوطة " أبو إسحاق بن شاهين " ، وهو خطأ ، صوابه ما في المطبوعة .
وكنيته " أبو بشر " .
(43) مكان " أبو قيس بن " ، بياض في المخطوطة ، وفوق البياض حرف ( ط ) دلالة على الخطأ ، وبعدها " الوليد بن المغيرة " ، فكتب ناشر المطبوعة : " قيس بن الوليد بن المغيرة " ، وأخطأ ، إنما هو " أبو قيس بن الوليد " ، وهو الذي شهد بدرًا ، وقتله حمزة بن عبد المطلب .
فأثبته .
والظاهر أن البياض لا يراد به إلا هذا الذي أثبته ، لا زيادة عليه .
(44) في المطبوعة ، حذف " فشرد بهم من خلفهم " ، وهي ثابتة في المخطوطة .
(45) في المطبوعة : " تشددت " ، وفي المخطوطة : " تسردت " ، وكأن صواب قراءتها ما أثبت ، " تشرد في الأرض " هرب ونفر ، وكأنه يعني هجرتهم إلى الله ورسوله .
هكذا اجتهدت ، والله أعلم .
(46) انظر تفسير " التوكل " فيما سلف 13 : 385 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(47) في المطبوعة : " .
.
.
عليه يكفه " ، غير ما في المخطوطة ، وهو محض الصواب .
(48) انظر تفسير " عزيز " ، و " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( عزز ) ، ( حكم ) .
قوله تعالى إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم قيل : المنافقون : الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر .
والذين في قلوبهم مرض : الشاكون ، وهم دون المنافقين ، لأنهم حديثو عهد بالإسلام ، وفيهم بعض ضعف نية .
قالوا عند الخروج إلى القتال وعند التقاء الصفين : غر هؤلاء دينهم .
وقيل : هما واحد ، وهو أولى .
ألا ترى إلى قوله عز وجل : الذين يؤمنون بالغيب ثم قال والذين يؤمنون بما أنزل إليك وهما لواحد .
{إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} أي: شك وشبهة، من ضعفاء الإيمان، للمؤمنين حين أقدموا ـ مع قِلَّتهم ـ على قتال المشركين مع كثرتهم. {غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ} أي: أوردهم الدين الذي هم عليه هذه الموارد التي لا يدان لهم بها، ولا استطاعة لهم بها،يقولونه احتقارا لهم واستخفافا لعقولهم، وهم ـ واللّه ـ الأخِفَّاءُ عقولا، الضعفاء أحلاما. فإن الإيمان يوجب لصاحبه الإقدام على الأمور الهائلة التي لا يقدم عليها الجيوش العظام،فإن المؤمن المتوكل على اللّه، الذي يعلم أنه ما من حول ولا قوة ولا استطاعة لأحد إلا باللّه تعالى،وأن الخلق لو اجتمعوا كلهم على نفع شخص بمثقال ذرة لم ينفعوه، ولو اجتمعوا على أن يضروه لم يضروه إلا بشيء قد كتبه اللّه عليه، وعلم أنه على الحق، وأن اللّه تعالى حكيم رحيم في كل ما قدره وقضاه، فإنه لا يبالي بما أقدم عليه من قوة وكثرة، وكان واثقا بربه، مطمئن القلب لا فزعا ولا جبانا، ولهذا قال {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ} لا يغالب قوته قوة. {حَكِيمٌ} فيما قضاه وأجراه.
قوله تعالى : ( إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ) شك ونفاق ، ( غر هؤلاء دينهم ) يعني : غر المؤمنين دينهم ، هؤلاء قوم كانوا مستضعفين بمكة قد أسلموا ، وحبسهم أقرباؤهم من الهجرة ، فلما خرجت قريش إلى بدر ، أخرجوهم كرها ، فلما نظروا إلى قلة المسلمين ارتابوا وارتدوا ، وقالوا : غر هؤلاء دينهم ، فقتلوا جميعا ، منهم : قيس بن الوليد بن المغيرة ، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة المخزوميان ، والحارث بن زمعة بن الأسود بن المطلب ، وعلي بن أمية بن خلف الجمحي ، والعاص بن منبه بن الحجاج .
قال الله تعالى : ( ومن يتوكل على الله ) أي : ومن يسلم أمره إلى الله ويثق به ، ( فإن الله عزيز ) قوي يفعل بأعدائه ما يشاء ، ( حكيم )
«إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض» ضعف اعتقاد «غرَّ هؤلاء» أي المسلمين «دينُهم» إذ خرجوا مع قتلهم يقاتلون الجمع الكثير توهما أنهم ينصرون بسببه قال تعال في جوابهم: «ومن يتوكل على الله» يثق به يغلب «فإن الله عزيز» غالب على أمره «حكيم» في صنعه.
واذكروا حين يقول أهل الشرك والنفاق ومرضى القلوب، وهم يرون قلة المسلمين وكثرة عدوهم: غرَّ هؤلاء المسلمين دينُهم، فأوردهم هذه الموارد، ولم يدرك هؤلاء المنافقون أنه من يتوكل على الله ويثق بوعده فإن الله لن يخذله، فإن الله عزيز لا يعجزه شيء، حكيم في تدبيره وصنعه.
هذا ، وقوله - تعالى - بعد ذلك : ( إِذْ يَقُولُ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هؤلاء دِينُهُمْ ) بيان لصنفين آخرين من أعداء المسلمين بعد بيان العدو الرئيسى وهم المشركون الذين خرجوا بطرا ورئاء الناس لمحاربة الإِسلام وقد شجعهم الشيطان على ذلك .
قال الفخر الرازى : أما المنافقون فهم قوم من الأوس والخزرج - كانوا يظهرون الإِسلام ويخفون الكفر ولم يخرج منهم أحد إلى بدر سوى عبد الله بن أبى - وأما الذين فى قلوبهم مرض فهم قوم من قريش أسلموا ولم يهاجروا .ثم إن قريشا لما خرجوا لحرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال أولئك : نخرج مع قومنا فإن كان محمد فى كثرة خرجنا إليه ، وإن كان فى قلة أقمنا فى قومنا .
.وعامل الاعراب فى " إذ " فيه وجهان : الأول : التقدير ، والله شديد العقاب إذ يقول المنافقون .والثانى : اذكروا إذ يقول المنافقون .وقوله : ( غَرَّ ) أى : خدع ، من الغرور وهو كل ما يغر الإِنسان من مال وجاه وشهرة وشيطان .أى : اذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن قال المنافقون والذين فى قلوبهم مرض : غر هؤلاء دينهم : أى خدعهم ، لأنكم أقدمتم على قتال يفوقكونكم عدة وعددا ، وهذا القتال - فى زعمهم - لون من إلقاء النفس إلى التهلكة ، لأنهم قوم لا يدركون حقيقة أسباب النصر وأسباب الهزيمة ، فهم لخراب بواطنهم من العقيدة السليمة ، لا يعرفون أثرها فى الإِقدام من أجل نصرة الحق ولا يقدرون ما عليه أصحابها من صلة طيبة بالله - عز وجل - الذى بيده النصر والهزيمة .وما داموا قد فقدوا تلك المعرفة ، وهذا التقدير ، فلا تستبعدوا منهم - أيها المؤمنون - أن يقولوا هذا القول عنكم ، فذلك مبلغهم من العلم ، وتلك موازينهم فى قياس الأمور .
.
والحق ، أن الإِنسان عندما يتدبر ما قاله المنافقون والذين فى قلوبهم مرض فى حق المؤمنين عندما أقدما على حرب أعدائهم فى بدر .
.أقول : عندما يتدبر ذلك ليرى أن هذا القول دأب كل المنافقين والذين فى قلوبهم مرض فى كل زمان ومكان .إننا فى عصرنا الحاضر رأينا كثيرين من أصحاب العقيدة السليمة ، والنفوس النقية ، والقولب المضحية بكل شئ فى سبيل نصرة الحق .
.
رأينا هؤلاء يبلغون رسالات الله دون أن يخشوا أحدا سواه ويهاجمون الطغاة والمبطلين والفجار ، ليمكنوا لدين الله فى الأرض ، حتى ولو أدت بهم هذه المهاجمة إلى بذل أرواحهم .ورأينا فى مقابل هؤلاء الصادقين أقواما - ممن آثروا شهوات الدنيا على كل شئ - لا يكتفون بالصمت وهم يشاهدون أصحاب العقيدة السليمة يصارعون الطغاة .بل هم - بسبب خلو نفوسهم من المثل العليا - يلقون باللوم على هؤلاء المؤمنين ، ويقولون ما حكاه القرآن من أقوال فى أشباههم السابقين من المنافقين والذين فى قلوبهم مرض : غر هؤلاء دينهم .إنهم لا يدركون الأمور ببصيرة المؤمن ، ولا يزنونها بميزان الإِيمان .إن المؤمن يرى التضحية فى سبيل الحق مؤدية إلى إحدى الحسنين النصر أو الشهاد’ .أما هؤلاء المنافقون والذين فى قلوبهم مرض ، فلا يرون الحياة إلا متعة وشهوة وغنيمة ( فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ )وقوله - تعالى - ( وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَإِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) حض للمؤمنين على التمسك بما يدعوهم إليه إيمانهم من استقامة وقوة .
.أى : ومن يكل أمره إلى الله ، ويثق به - ينصره - سبحانه - على أعدائه ، فإنه - عز وجل - عزيز لا يغلبه شئ ، حكيم فيما يدبر من أمر خلقه .وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد صورة تصويرا بديعا ما عليه الكافرون وأشباههم من بطر ومفاخرة وصد عن سبيل الله .
.
ومن طاعة للشيطان أوردتهم المهالك .
وحكت ما قالوه من أقوال تدل على جبنهم وجهلهم وانطماس بصيرتهم .ونهت المؤمنين عن التشبه بهم ، لأن البطر والمفاخرة والبغى ، واتباع الشيطان : كل ذلك يؤدى إلى خزى الدنيا وعذاب الآخرة .ولقد كان أبو جهل قمة فى البغى والمراءة عندما قال - بعد أن نصحه الناصحون بالرجوع عن الحرب فقد نجت العير : " لا لن نرجع حتى نرد بدراً ، فتقيم ثلاثا ، نننحر الجزر ، ونشرب الخمر ، وتعزف القيان علينا ، فلن تزال العرب تهابنا أبدا " .وعندما بلغت مقالة أبى جهل أبا سفيان قال : " واقوماه!!
هذا عمل عمرو ابن هشام " يعنى أبا جهل " كره أن يرجع؛ لأنه ترأس على الناس فبغى ، والبغى منقصة وشؤوم .
إن أصاب محمد النفير ذللنا " .وصدقت فراسة أبى سفيان ، فقد أصاب محمد - صلى الله عليه وسلم - النفير وتسربل المشكرون بالذل والهوان فى بدر بسبب بطرهم وريائهم وصدهم عن سبيل الله واتباعهم لخطوات الشيطان .
فاللهم نأسلك أن توفقنا إلى ما يرضيك ، وأن تجنبنا البطر والرياء وسوء الأخلاق .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: إنما لم تدخل الواو في قوله: ﴿ إِذْ يَقُولُ ﴾ ودخلت في قوله: ﴿ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ﴾ لأن قوله: ﴿ وَإِذْ زَيَّنَ ﴾ عطف على هذا التزيين على حالهم وخروجهم بطراً ورئاء، وأما هنا وهو قوله: ﴿ إِذْ يَقُولُ المنافقون ﴾ فليس فيه عطف لهذا الكلام على ما قبله بل هو كلام مبتدأ منقطع عما قبله، وعامل الإعراب في ﴿ إِذْ ﴾ فيه وجهان: الأول: التقدير والله شديد العقاب إذ يقول المنافقون والثاني: اذكروا إذ يقول المنافقون.
المسألة الثانية: أما المنافقون فهم قوم من الأوس والخزرج، وأما الذين في قلوبهم مرض فهم قوم من قريش أسلموا وما قوي إسلامهم في قلوبهم ولم يهاجروا.
ثم إن قريشاً لما خرجوا لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أولئك نخرج مع قومنا فإن كان محمد في كثرة خرجنا إليه، وإن كان في قلة أقمنا في قومنا.
قال محمد بن إسحاق: ثم قتل هؤلاء جميعاً مع المشركين يوم بدر.
وقوله: ﴿ غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ ﴾ قال ابن عباس: معناه أنه خرج بثلثمائة وثلاثة عشر يقاتلون ألف رجل، وما ذاك إلا أنهم اعتمدوا على دينهم.
وقيل المراد: إن هؤلاء يسعون في قتل أنفسهم، رجاء أن يجعلوا أحياء بعد الموت ويثابون على هذا القتل.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَإِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ أي ومن يسلم أمره إلى الله ويثق بفضله ويعول على إحسان الله، فإن الله حافظه وناصره، لأنه عزيز لا يغلبه شيء، حكيم يوصل العذاب إلى أعدائه، والرحمة والثواب إلى أوليائه: <div class="verse-tafsir"
﴿ إِذْ يَقُولُ المنافقون ﴾ بالمدينة ﴿ والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ يجوز أن يكون من صفة المنافقين، وأن يراد الذين هم على حرف ليسوا بثابتي الأقدام في الإسلام.
وعن الحسن: هم المشركون ﴿ غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ ﴾ يعنون أنّ المسلمين اغتروا بدينهم وأنهم يتقوّون به وينصرون من أجله، فخرجوا وهم ثلاثمائة وبضعة عشر إلى زهاء ألف، ثم قال جواباً لهم ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَإِنَّ الله عَزِيزٌ ﴾ غالب يسلط القليل الضعيف على الكثير القوي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ والَّذِينَ لَمْ يَطْمَئِنُّوا إلى الإيمانِ بَعْدُ وبَقِيَ في قُلُوبِهِمْ شُبْهَةٌ.
وقِيلَ هُمُ المُشْرِكُونَ.
وقِيلَ المُنافِقُونَ والعَطْفُ لِتَغايُرِ الوَصْفَيْنِ.
﴿ غَرَّ هَؤُلاءِ ﴾ يَعْنُونَ المُؤْمِنِينَ.
﴿ دِينُهُمْ ﴾ حَتّى تَعَرَّضُوا لِما لا يَدِيَ لَهم بِهِ فَخَرَجُوا وهم ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ إلى زُهاءِ ألْفٍ.
﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ ﴾ جَوابٌ لَهم.
﴿ فَإنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ﴾ غالِبٌ لا يُذِلُّ مَنِ اسْتَجارَ بِهِ وإنَّ قَلَّ ﴿ حَكِيمٌ ﴾ يَفْعَلُ بِحِكْمَتِهِ البالِغَةِ ما يَسْتَبْعِدُهُ العَقْلُ ويَعْجَزُ عَنْ إدْراكِهِ.
<div class="verse-tafsir"
اذكروا {إِذْ يَقُولُ المنافقون} بالمدينة {والذين فِي قلوبهم مرض} هو من صفة المنافقين أريد والذين هم على حرف ليسوا بثابتي الأقدام في الإسلام {غَرَّ هؤلاء دِينُهُمْ} يعنون أن المسلمين اغتروا بدينهم فخرجوا وهم ثلثمائة وبضعة عشر إلى زهار ألف ثم قال جواباً لهم {وَمَن يَتَوَكَّلْ على الله} بكب إليه أمره {فَإِنَّ الله عَزِيزٌ} غالب يسلط القيل الضعيف على الكثير القوي {حَكِيمٌ} لا يسوي بين وليه وعدوه
﴿ إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ ﴾ ظَرْفٌ لِزَيَّنَ أوْ نَكَصَ أوْ ( ﴿ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ )، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أيْضًا أنْ يُقَدَّرَ اذْكُرُوا ﴿ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ أيِ: الَّذِينَ لَمْ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُهم بِالإيمانِ بَعْدُ وبَقِيَ فِيها شُبْهَةٌ، قِيلَ: وهم فِتْيَةٌ مِن قُرَيْشٍ أسْلَمُوا بِمَكَّةَ وحَبَسَهم آباؤُهم حَتّى خَرَجُوا مَعَهم إلى بَدْرٍ، مِنهم قَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، والعاصُ بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ، وأبُو قَيْسِ بْنُ الفاكِهِ، فالمَرَضُ عَلى هَذا مَجازٌ عَنِ الشُّبْهَةِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ المُنافِقُونَ سَواءٌ جُعِلَ العَطْفُ تَفْسِيرِيًّا أوْ فُسِّرَ مَرَضُ القُلُوبِ بِالإحَنِ والعَداواتِ والشَّكِّ مِمّا هو غَيْرُ النِّفاقِ، والمَعْنى إذْ يَقُولُ الجامِعُونَ بَيْنَ النِّفاقِ ومَرَضِ القُلُوبِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ صِفَةَ المُنافِقِينَ، وتَوَسَّطَتِ الواوُ لِتَأْكِيدِ لُصُوقِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ لِأنَّ هَذِهِ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ لا تَنْفَكُّ عَنْهم، أوْ تَكُونُ الواوُ داخِلَةً بَيْنَ المُفَسِّرِ والمُفَسَّرِ نَحْوَ أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ذَلِكَ وهْمٌ وهو مِنَ التَّحامُلِ بِمَكانٍ إذْ لا مانِعَ مِن ذَلِكَ صِناعَةً ولا مَعْنًى، والقَوْلُ بِأنَّ وجْهَ الوَهْمِ فِيهِ أنَّ المُنافِقِينَ جارٍ عَلى مَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ أيِ القَوْمُ المُنافِقُونَ فَلا يُوصَفُ لَيْسَ بِوَجِيهٍ إذْ لِلْقائِلِ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ أجْرى ( ﴿ المُنافِقُونَ ﴾ ) هُنا مَجْرى الأسْماءِ مَعَ أنَّ الصِّفَةَ لا مانِعَ مِن أنْ تُوصَفَ وقِيامَ العَرَضِ بِالعَرَضِ دُونَ إثْباتِ امْتِناعِهِ خَرْطُ القَتادِ، ومَن فَسَّرَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرِضَ بِأُولَئِكَ الفِئَةِ الَّذِينَ أسْلَمُوا بِمَكَّةَ قالَ: إنَّهم لَمّا رَأوْا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ قالُوا: ﴿ غَرَّ هَؤُلاءِ ﴾ يَعْنُونَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ( ﴿ دِينُهُمْ ﴾ ) حَتّى تَعَرَّضُوا لِمَن لا يَدِيَ لَهم بِهِ فَخَرَجُوا وهم ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ إلى زُهاءِ الألْفِ، وعَلى احْتِمالِ جَعْلِهِ صِفَةً لِلْمُنافِقِينَ يُشْعِرُ كَلامَ البَعْضِ أنَّ القَوْلَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ التَّلاقِي، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ لَمْ يَشْهَدُوا القِتالَ يَوْمَ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: هم يَوْمَئِذٍ في المُسْلِمِينَ، وفي القَلْبِ مِن هَذا شَيْءٌ، فَإنَّ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ الآثارُ أنَّ أهْلَ بَدْرٍ كانُوا خُلاصَةَ المُؤْمِنِينَ ﴿ ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ ﴾ جَوابٌ لَهم ورَدٌّ لِمَقالَتِهِمْ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ﴾ غالِبٌ لا يُذَلُّ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ ولا يُخْذَلُ مَنِ اسْتَجارَ بِهِ وإنْ قَلَّ ( ﴿ حَكِيمٌ ﴾ ) يَفْعَلُ بِحِكْمَتِهِ البالِغَةِ ما تَسْتَبْعِدُهُ العُقُولُ، وتَحارُ في فَهْمِهِ ألْبابُ الفُحُولِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ أوْ أنَّهُ قائِمٌ مَقامَهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ يعني: مسيرهم.
ومعناه: أن خروجهم لما كان للشيطان، زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ يعني: مسيرهم.
ومعناه: أن خروجهم لما كان للشيطان، زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وذلك أن أهل مكة لما وجدوا العير، أرادوا الرجوع إلى مكة، فأتاهم إبليس على صورة سراقة بن مالك بن جعشم الكناني، فقال لهم: لا ترجعوا حتى تستأصلوهم، فإنكم كثير وعدوكم قليل.
ثم قال: وَقالَ لاَ غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ، يعني: لا يطيقكم أحد لكثرتكم وقوتكم.
وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ يعني: معين لكم، وهؤلاء بنو كنانة تأتيكم وهم على أثرى.
فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ، يعني: اجتمع الجمعان، جمع المؤمنين وجمع المشركين، نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ يعني: راجعاً (١) وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ.
فقال له الحارث: وهل ترى إلا جعاشيش أهل يثرب؟
والجعاشيش: جمع جعشوش، وهو الرجل الحقير الدميم القصير.
فقال: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ.
قال ابن عباس: «خاف إبليس أن يأخذه جبريل أسيراً، فيعرفه الناس، فيراه الكفار فيعرفونه بعد ذلك، فلا يطيعونه، ولم يخف على نفسه الموت والقتل، لأنه كان يعلم أن له بقاء إلى يوم ينفخ فى الصور» .
قال إبليس: إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ أي: أرى جبريل معتجراً بردائه يقود الفرس، فلما تولى قالوا: هزم الناس سراقة، فسار سراقة بعد رجوعهم إلى مكة، وقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم.
فقالوا له: ألم تأتنا يوم كذا وكذا؟
فحلف أنه لم يحضر، فلما أسلموا، علموا أنه كان إبليس.
وقال مقاتل: لم يجتمع جمع قط منذ كانت الدنيا أكثر من يوم بدر، وذلك أن إبليس جاء بنفسه، وحضرت الشياطين، وحضر كفار الجن كلهم، وتسعمائة وخمسين من المشركين، وثلاثمائة وثلاثة عشر من المؤمنين، وتسعون من مؤمني الجن، وألفا من الملائكة.
وروي عن الحسن البصري أنه كان إذا قرأ هذه السورة، كان يقول: «طوبى لجيش كان قائدهم رسول الله ، ومبارزهم أسد الله، وجهادهم طاعة الله، ومددهم ملائكة الله، وجاسوسهم أمين الله، وثوابهم رضوان الله» .
قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، يعني شكا ونفاقاً.
قال الحسن: هم قوم من المنافقين لم يشهدوا القتال يوم بدر، فسموا منافقين.
وقال الضحاك: نزلت في عبد الله بن أبيّ وأصحابه ويقال: معناه إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وهم الذين فى قلوبهم مرض.
قال ابن عباس: «نزلت الآية في الذين أسلموا بمكة وتخلفوا عن الهجرة، فأخرجهم أهل مكة إلى بدر كرهاً، فلما رأوا قلة المؤمنين ارتابوا ونافقوا، وقالوا لأهل مكة: غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ.
وقاتلوا مع المشركين فقتل عامتهم» .
يقول الله تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، يعني يثق بالله ولا يثق بغيره، فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ بالنقمة، حَكِيمٌ حكم الهزيمة على المشركين.
فلما قتلوا ضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، فنزل: وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: ولو ترى يا محمد إذ يتوفى الذين كفروا حين يقبض أرواحهم الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ عند قبض أرواحهم ويضربون، وَأَدْبارَهُمْ يعني: ويضربون ويقول لهم الملائكة يوم القيامة: ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ولم يذكر الجواب، لأن في الكلام دليلاً عليه، ومعناه: لو رأيت ذلك لرأيت أمراً عظيماً.
قرأ ابن عامر إذ تتوفّى الذين بلفظ التأنيث، وقرأ الباقون يَتَوَفَّى بلفظ التذكير.
وروي عن ابن مسعود أنه كان يُذَكِّر الملائكة في جميع القرآن، خلافاً للمشركين لقولهم: الملائكة بنات الله.
ثم قال تعالى: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ، يعني ذلك العذاب بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ من الكفر والتكذيب وبترككم الإيمان.
وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ يقول: لم يعذبهم بغير ذنب: (١) في النسخة «أ» : ورأى جبريل وراءه.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ...
الآية: قال المفسرون: إِن هؤلاء الموصوفين بالنِّفاق، إِنما هُمْ من أهْل عَسْكر الكُفَّار ممَّن كان الإِسلام دَاخِلَ قلوبهم، خَرَجُوا مع المُشْركين إِلَى بَدْرٍ، منهم مكرَهٌ وغيرُ مُكْرَهٍ، فلما أشرفوا على المسلمينَ، ورأَوْا قلَّتهم، ارتابوا، وقالُوا مشيرين إِلى المسلمين: غَرَّ هؤلاءِ دينُهُمْ.
قال ع «١» : ولم يُذْكَرْ أحدٌ ممَّن شهد بدراً بنفاقٍ إِلا ما ظَهَرَ بعْدَ ذلك من مُعَتِّب ابن قُشَيْرٍ فإِنه القائل يَوْمَ أحُدٍ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنا هاهُنا [آل عمران:
١٥٤] وقد يحتمل أنْ يكون منافقو المدينة، لما وَصَلَهم خروجُ قريشٍ في قوَّة عظيمةٍ، قالوا هذه المقالةَ، ثم أخبر اللَّه سبحانه بأنَّ مَنْ توكَّل عليه، وفوَّض أمره إليه، فإِن عزَّته سبحانه وحِكْمته كفيلةٌ بنَصْره، وقوله سبحانه: وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ ...
الآية: هذه الآيةُ تتضمَّن التعجيبَ ممَّا حلَّ بالكُفَّار يوم بَدْر قاله مجاهدٌ وغيره، وفي ذلك وعيدٌ لمن بَقِيَ منهم، وقوله: وأَدْبارَهُمْ، قال جُلُّ المفسِّرين:
يريد أَسْتَاهَهْم، ولكنَّ اللَّه كريمٌ كَنَّى «٢» ، وقال ابن عبَّاس، والحسن: أراد ظهورَهُمْ وما أَدْبَرَ منهم «٣» وباقي الآية بيِّن.
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٥٢) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤)
وقوله سبحانه: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ...
الآية: الدَّأْبُ: العادةُ في كلام العربِ، وهو مأخوذٌ من دَأَبَ عَلَى العمل، إِذا لازمه.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قَوْمٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ.
فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، فَفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم قَوْمٌ كانُوا قَدْ تَكَلَّمُوا بِالإسْلامِ بِمَكَّةَ، فَأخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ مَعَهم يَوْمَ بَدْرٍ كُرْهًا؛ فَلَمّا رَأوْا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ وكَثْرَةَ المُشْرِكِينَ، ارْتابُوا ونافَقُوا، وقالُوا: ﴿ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ ﴾ قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ في آَخَرِينَ.
وعَدَّهم مُقاتِلٌ، فَقالَ: كانُوا سَبْعَةً: قَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبُو قَيْسِ بْنُ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةَ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، والعاصُ بْنُ مَنِيَّةَ بْنِ الحَجّاجِ، والوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ.
والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، لَمّا رَأوْا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ، قالُوا": "غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ" رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أنَّهم قَوْمٌ مُرْتابُونَ، لَمْ يُظْهِرُوا عَداوَةَ النَّبِيِّ ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
والمَرَضُ هاهُنا: الشَّكُّ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "هَؤُلاءِ" إلى المُسْلِمِينَ؛ وإنَّما قالُوا هَذا، لِأنَّهم رَأوْا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَشُكُّوا في أنَّ قُرَيْشًا تَغْلِبُهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَيْطانُ أعْمالَهم وقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ الناسِ وإنِّي جارٌ لَكُمُ فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ إنِّي أخافُ اللهَ واللهُ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ ﴿ إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ فَإنَّ اللهِ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ التَقْدِيرُ: واذْكُرُوا إذْ، والضَمِيرُ في "لَهُمْ" عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، والشَيْطانُ: إبْلِيسُ نَفْسُهُ، وحَكى المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ التَزْيِينَ في هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَهُ مِنَ الأقْوالِ هو بِالوَسْوَسَةِ والمُحادَثَةِ في النُفُوسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُضْعِفُ هَذا القَوْلُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَإنِّي جارٌ لَكُمْ ﴾ لَيْسَ مِمّا يُلْقى بِالوَسْوَسَةِ.
وقالَ الجُمْهُورُ في ذَلِكَ بِما رُوِيَ وتَظاهَرَ أنَّ إبْلِيسَ جاءَ كُفّارَ قُرَيْشٍ، فَفي السِيَرِ لِابْنِ هِشامٍ أنَّهُ جاءَهم بِمَكَّةَ، وفي غَيْرِها أنَّهُ جاءَهم وهم في طَرِيقِهِمْ إلى بَدْرٍ، وقَدْ لَحِقَهم خَوْفٌ مِن بَنِي بَكْرٍ وكِنانَةَ لِحُرُوبٍ كانَتْ بَيْنَهُمْ، فَجاءَهم إبْلِيسُ في صُورَةِ سُراقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جَعْشَمٍ وهو سَيِّدٌ مِن ساداتِهِمْ، وقالَ لَهُمْ: "إنِّي جارٌ لَكُمْ، ولَنْ تُخافُوا مِن قَوْمِي وهم لَكم أعْوانٌ عَلى مَقْصِدِكُمْ، ولَنْ يَغْلِبَكم أحَدٌ"، فَسُرُّوا عِنْدَ ذَلِكَ ومَضَوْا لِطَيَّتِهِمْ، وقالَ لَهُمْ: "أنْتُمْ تُقاتِلُونَ عن دِينِ الآباءِ ولَنْ تُعْدَمُوا نَصْرًا".
فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا التَقى الجَمْعانِ كانَتْ يَدُهُ في يَدِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ، فَلَمّا رَأى المَلائِكَةَ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ، فَقالَ لَهُ الحارِثُ: أتَفِرُّ يا سُراقَةُ ؟
فَلَمْ يَلْوِ عَلَيْهِ، ويُرْوى أنَّهُ قالَ لَهُ ما تَضَمَّنَتِ الآيَةُ، ورُوِيَ أنَّ عُمَيْرَ بْنَ وهْبٍ -أوِ الحارِثَ بْنَ هِشامٍ - قالَ لَهُ: أيْنَ يا سُراقَ؟
فَلَمْ يَلْوِ ودَفَعَ في صَدْرِ الحارِثِ وذَهَبَ فَوَقَعَتِ الهَزِيمَةُ، فَتُحُدِّثَ أنَّ سُراقَةَ فَرَّ بِالناسِ فَبَلَغَ ذَلِكَ سُراقَةَ بْنَ مالِكٍ، فَأتى مَكَّةَ فَقالَ لَهُمْ: "واللهِ ما عَلِمْتُ بِشَيْءٍ مِن أمْرِكم حَتّى بَلَغَتْنِي هَزِيمَتُكُمْ، ولا رَأيْتُكم ولا كُنْتُ مَعَكُمْ"، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: جاءَ إبْلِيسُ يَوْمَ بَدْرٍ في جُنْدٍ مِنَ الشَياطِينِ مَعَهُ، رَأيْتُهُ في صُورَةِ رَجُلٍ مِن بَنِي مُدْلِجٍ، فَقالَ: ﴿ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ ﴾ الآيَةُ.
و"اليَوْمَ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى نَفْيِ الغَلَبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ مُتَعَلَّقَ "لَكُمْ" ومُمْتَنِعُ أنْ يَعْمَلَ "غالِبَ" لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ: "لا غالِبًا".
وقَوْلُهُ: ﴿ وَإنِّي جارٌ لَكُمْ ﴾ مَعْناهُ: فَأنْتُمْ في ذِمَّتِي وحِمايَتِي.
و"تَراءَتْ": تَفاعَلَتْ مِنَ الرُؤْيَةِ، أيْ رَأى هَؤُلاءِ هَؤُلاءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "تَرَأتْ" مَقْصُورَةً، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ أمالَ والراءُ مُرَقَّقَةٌ ثُمَّ رَجَعَ عن ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ ﴾ مَعْناهُ: رَجَعَ مِن حَيْثُ جاءَ، وأصْلُ النُكُوصِ في اللُغَةِ: الرُجُوعُ القَهْقَرى، قالَ زُهَيْرٌ: هم يَضْرِبُونَ حَبِيكَ البَيْضِ إذْ لَحِقُوا ∗∗∗ لا يَنْكِصُونَ إذا ما اسْتُلْحِمُوا وحَمُوا كَذا أنْشَدَ الطَبَرِيُّ، وفي رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ: اسْتَلْأمُوا، وبِذَلِكَ فَسَّرَ الطَبَرِيُّ هَذِهِ الآيَةَ، وفي ذَلِكَ بُعْدٌ، وإنَّما رُجُوعُهُ في هَذِهِ الآيَةِ مُشَبَّهٌ بِالنُكُوصِ الحَقِيقِيِّ، وقالَ اللُغَوِيُّونَ: النُكُوصُ، الإحْجامُ عَنِ الشَيْءِ، يُقالُ: أرادَ أمْرًا ثُمَّ نَكَصَ عنهُ، وقالَ تَأبَّطَ شَرًّا: لَيْسَ النُكُوصُ عَلى الأدْبارِ مَكْرُمَةً ∗∗∗ ∗∗∗ إنَّ المَكارِمَ إقْدامٌ عَلى الأسَلِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَلَيْسَ هاهُنا قَهْقَرى، بَلْ هو فِرارٌ، وقالَ مُؤَرِّجٌ: نَكَصَ هي رَجَعَ بِلُغَةِ سُلَيْمٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى عَقِبَيْهِ ﴾ يُبَيِّنُ أنَّهُ إنَّما أرادَ الِانْهِزامَ والرُجُوعَ في ضِدِّ إقْبالِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنِّي بَرِيءٌ مِنكُمْ ﴾ هو خِذْلانُهُ لَهم وانْفِصالُهُ عنهُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ ﴾ يُرِيدُ المَلائِكَةَ، وهو الخَبِيثُ إنَّما شَرَطُ أنْ لا غالِبَ مِنَ الناسِ فَلَمّا رَأى المَلائِكَةَ وخَرْقَ العادَةِ خافَ وفَرَّ، وفي المُوَطَّإ وغَيْرِهِ أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: « "ما رُئِيَ الشَيْطانُ في يَوْمٍ أقَلَّ ولا أحْقَرَ ولا أصْغَرَ مِنهُ في يَوْمِ عَرَفَةَ لِما يَرى مِن نُزُولِ الرَحْمَةِ إلّا ما رَأى يَوْمَ بَدْرٍ "، قِيلَ: وما رَأى يا رَسُولَ اللهِ؟
قالَ: "رَأى المَلائِكَةَ يَزْعُمُها جِبْرِيلُ"».
وقالَ الحَسَنُ: رَأى إبْلِيسُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ يَقُودُ فَرَسَهُ بَيْنَ يَدَيِ النَبِيِّ ، وهو مُعْتَجِرٌ بِبُرْدَةٍ وفي يَدِهِ اللِجامُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إنِّي أخافُ اللهَ ﴾ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ مَعْذِرَةٌ كاذِبَةٌ ولَمْ تَلْحَقْهُ قَطُّ مَخافَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ الكَلْبِيِّ، وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: بَلْ خافَ مِمّا رَأى مِنَ الأمْرِ وهَوْلِهِ، وأنَّهُ يَوْمُهُ الَّذِي أُنْظِرَ إلَيْهِ، ويُقَوِّي هَذا أنَّهُ رَأى خَرْقَ العادَةِ ونُزُولَ المَلائِكَةِ لِلْحَرْبِ.
وحَكى الطَبَرِيُّ بِسَنَدِهِ أنَّهُ «لَمّا انْهَزَمَ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ رَمى رَسُولُ اللهِ بِقَبْضَةٍ مِنَ التُرابِ وُجُوهَ الكُفّارِ أقْبَلَ جِبْرِيلُ إلى إبْلِيسَ، فَلَمّا رَآهُ إبْلِيسُ وكانَتْ يَدُهُ في يَدِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ انْتَزَعَ يَدَهُ ثُمَّ ولّى مُدْبِرًا، فَقالَ لَهُ الرَجُلُ: أيْ سُراقَةُ تَزْعُمُ أنَّكَ لَنا جارٌ؟
فَقالَ: ﴿ إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ ﴾ الآيَةُ، ثُمَّ ذَهَبَ.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ الآيَةُ، العامِلُ في "إذْ" "زَيَّنَ" أو "نَكَصَ" لِأنَّ ذَلِكَ المَوْقِفَ كانَ ظَرْفًا لِهَذِهِ الأُمُورِ كُلِّها، وقالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ هَؤُلاءِ المَوْصُوفِينَ بِالنِفاقِ ومَرَضِ القُلُوبِ إنَّما هم مِن أهْلِ عَسْكَرِ الكُفّارِ لَمّا أشْرَفُوا عَلى المُسْلِمِينَ ورَأوا قِلَّتَهم وقِلَّةَ عَدَدِهِمْ قالُوا مُشِيرِينَ إلى المُسْلِمِينَ: ﴿ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ ﴾ أيِ:اغْتَرُّوا فَأدْخَلُوا نُفُوسَهم فِيما لا طاقَةَ لَهم بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والنِفاقُ أخَصُّ مِن مَرَضِ القَلْبِ لِأنَّ مَرَضَ القَلْبِ يُطْلَقُ عَلى الكافِرِ وعَلى مَنِ اعْتَرَضَتْهُ شُبْهَةٌ وعَلى مَن بَيْنَهُما، وكُنِّيَ بِالقُلُوبِ عَنِ الِاعْتِقاداتِ إذِ القُلُوبُ مَحَلُّها، ورُوِيَ في نَحْوِ هَذا التَأْوِيلِ عَنِ الشَعْبِيِّ أنَّ قَوْمًا مِمَّنْ كانَ الإسْلامُ داخَلَ قُلُوبَهم خَرَجُوا مَعَ المُشْرِكِينَ إلى بَدْرٍ، مِنهم مَن أُكْرِهَ، ومِنهم مَن داجى وداهَنَ، فَلَمّا أشْرَفُوا عَلى المُسْلِمِينَ ورَأوا قِلَّتَهُمُ ارْتابُوا واعْتَقَدُوا أنَّهم مَغْلُوبُونَ، فَقالُوا: ﴿ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ ﴾ ، قالَ مُجاهِدٌ: مِنهم قَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبُو قَيْسِ بْنِ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، والعاصِي بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ الحَجّاجِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ يُذْكَرْ أحَدٌ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا بِنِفاقٍ إلّا ما ظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِن مَعْتَبِ بْنِ قُشَيْرٍ أخِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَإنَّهُ القائِلُ يَوْمَ أُحُدٍ: ﴿ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا ﴾ ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُنافِقُو المَدِينَةِ لَمّا وصَلَهم خُرُوجُ قُرَيْشٍ في قُوَّةٍ عَظِيمَةٍ قالُوا عَنِ المُسْلِمِينَ هَذِهِ المَقالَةَ، فَأخْبَرَ اللهُ بِها نَبِيَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ.
ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِأنَّ مَن تَوَكَّلَ عَلى اللهِ واسْتَنَدَ إلَيْهِ، فَإنَّ عِزَّةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وحِكْمَتَهُ كَفِيلَةٌ بِنَصْرِهِ وشَدِّ أعَضادِهِ، وخَرَجَتِ العِبارَةُ عن هَذا المَعْنى بِأوجَزِ لَفْظٍ وأبْلَغِهِ.
<div class="verse-tafsir"
يتعلّق ﴿ إذ يقول ﴾ بأقرب الأفعال إليه وهو قوله: ﴿ زين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ [الأنفال: 48] مع ما عطف عليه من الأفعال، لأنّ ﴿ إذ ﴾ لا تقتضي أكثر من المقارنة في الزمان بين ما تضاف إليه وبين متعلَّقها، فتعين أن يكون قول المنافقين واقعاً في وقت تزيين الشيطان أعمال المشركين فيتم تعليق وقت قول المنافقين بوقت تزيين الشيطان أعمال المشركين، وإنّما تُطلب المناسبة لذكر هذا الخبر عقب الذي وَليه هو، وتلك هي أنّ كلا الخبرين يتضمّن قوّة جيش المشركين، وضعف جيش المسلمين، ويقينَ أولياء الشيطان بأنّ النصر سيكون للمشركين على المسلمين.
فالخبر الأول عن طائفة أعانت المشركين بتأمينهم من عدوّ يخشونه فانحازت إليهم علناً، وذلك يستلزم تقبيح ما أقحم المسلمون فيه أنفسهم إذ عمدوا إلى قتال قوم أقوياء.
والخبر الثاني: عن طائفتين شوَّهتا صنيع المسلمين حَمَّقتَاهُم ونَسَبَتاهم إلى الغرور فأسرّوا ذلك ولم يبوحوا به، وتحدّثوا به فيما بينهم، أو أسرّوه في نفوسهم.
فنَظْم الكلام هكذا: وزيَّن الشيطان للمشركين أعمالهم حين كان المنافقون يقبحون أعمال المسلمين ويصفونهم بالغرور وقلّة التدبير من اعتقادهم في دينهم الذي أوقعهم في هذا الغرور ويجول في نفوس الذين في قلوبهم مرض مثل هذا.
و«القول» هنا مستعمل في حقيقته ومجازه: الشامل لحديث النفس، لأنّ المنافقين يقولون ذلك بألسنتهم، وأمّا الذين في قلوبهم مرض وهم طائفة غير المنافقين، بل هم مَن لم يتمكّن الإيمان من قلوبهم.
فيقولونه في أنفسهم لما لهم من الشكّ في صدق وعد النبي صلى الله عليه وسلم لأنّهم غير موالين للمنافقين، ويجوز أن يتحدّثوا به بين جماعتهم.
و«المرض» هنا مجاز في اختلال الاعتقاد، شبه بالمرض بِوجهِ سوء عاقبته عليهم.
وقد تقدّم في قوله تعالى: ﴿ في قلوبهم مرض ﴾ في أول [البقرة: 10].
وأشاروا ﴿ بهؤلاء ﴾ إلى المسلمين الذين خرجوا إلى بدر، وقد جرت الإشارة على غير مشاهد، لأنّهم مذكورون في حديثهم أو مستحضَرون في أذهانهم، فكانوا بمنزلة الحاضر المشاهد لهم وهم يتعارفون بمثل هذه الإشارة في حديثهم عن المسلمين.
والغرور: الإيقاع في المضرّة بإيهام المنفعة، وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد ﴾ في سورة [آل عمران: 196]، وقوله: ﴿ زخرف القول غروراً ﴾ في سورة [الأنعام: 112].
والدين هو الإسلام، وإسنادهم الغرور إلى الدين باعتبار ما فيه من الوعد بالنصر من نحو قوله: ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ﴾ [الأنفال: 65] الآية، أي غرّهم ذلك فخرجوا وهم عدد قليل للقاء جيش كثير، والمعنى: إذ يقولون ذلك عند اللقاء وقبل حصول النصر.
فإطلاق الغرور هنا مجاز، وإسناده إلى الدين حقيقة عقلية.
وجملة: ﴿ ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم ﴾ معطوفة على جملة: ﴿ وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ [الأنفال: 48] لأنّها من جملة الأخبار المسوقة؛ لبيان عناية الله تعالى بالمسلمين، وللامتنان عليهم، فالمناسبة بينها وبين الجملة التي قبلها: أنها كالعلّة لخيبة ظنون المشركين ونصرائهم، أي أنّ الله خيّب ظنونهم لأنّ المسلمين توكّلوا عليه وهو عزيز لا يغلب، فمن تمسك بالاعتماد عليه نصره، وهو حكيم يكوّن أسباب النصر من حيث يجهلها البشر.
والتوكّل: الاستسلام والتفويض، وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ فإذا عزمت فتوكل على الله ﴾ في سورة [آل عمران: 159].
وجعل قوله: فإن الله عزيز حكيم} جواباً للشرط باعتبار لازمه وهو عزّة المُتَوكِّل على الله وإلفائه منجياً من مضيق أمره، فهو كناية عن الجواب وهذا من وجوه البيان وهو كثير الوقوع في القرآن، وعليه قول زهير: من يلقَ يوما على عِلاته هَرِماً *** يَلْقَ السماحة فيه والندى خُلقا أي ينل من كرمه ولا يتخلّف ذلك عنه في حال من الأحوال، وقولُ الربيع بن زياد العبسي: مَن كان مسروراً بمقتل مالك *** فليأت نسوتنا بوجهِ نهار يجدِ النساء حواسراً يندبنه *** بالليل قبل تبلُّج الأسفار أي من كان مسروراً بمقتله فسروره لا يدوم إلاّ بعض يوم ثم يحزنه أخذ الثأرِ إمّا من ذلك المسرور إن كان هو القاتل أو من أحد قومه وذلك يُحزن قومه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا ورِئاءَ النّاسِ ﴾ هم قُرَيْشٌ حِينَ خَرَجُوا في حِمايَةِ العِيرِ فَنَجا بِها أبُو سُفْيانَ، فَقالَ لَهم أبُو جَهْلٍ: لا نَرْجِعُ حَتّى نَرِدَ بَدْرًا ونَنْحَرَ جَزُورًا ونَشْرَبَ خَمْرًا وتَعْزِفَ عَلَيْنا القِيانُ، فَكانَ مِن أمْرِ اللَّهِ فِيهِمْ ما كانَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ظَهَرَ لَهم في صُورَةِ سُراقَةَ بْنِ جَعْشَمٍ مِن بَنِي كِنانَةَ فَزَيَّنَ لِلْمُشْرِكِينَ أعْمالَهم.
يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: زَيَّنَ لَهم شِرْكَهم.
والثّانِي: زَيَّنَ لَهم قِتالَ رَسُولِ اللَّهِ .
وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: أنَّهُ زَيَّنَ لَهم قُوَّتَهم حَتّى اعْتَمَدُوها.
﴿ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ ﴾ يَعْنِي أنَّكُمُ الغالِبُونَ دُونَ المُؤْمِنِينَ.
﴿ وَإنِّي جارٌ لَكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنِّي مَعَكم.
وَفي جِوارِكم يَنالُنِي ما نالَكم.
الثّانِي: مُجِيرٌ لَكم وناصِرٌ.
فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ الجِوارِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنَ الإجارَةِ.
﴿ فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فِئَةُ المُسْلِمِينَ وفِئَةُ المُشْرِكِينَ.
والثّانِي: المُسْلِمُونَ ومَن أُمِدُّوا بِهِ مِنَ المَلائِكَةِ.
فَكانُوا فِئَتَيْنِ.
﴿ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ ﴾ والنُّكُوصُ أنْ يَهْرُبَ ذَلِيلًا خازِيًا، قالَ الشّاعِرُ: وما يَنْفَعُ المُسْتَأْخِرِينَ نُكُوصُهم ولا ضَرَّ أهْلَ السّابِقاتِ التَّقَدُّمُ ﴿ وَقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ ﴾ يَعْنِي مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ أمَدَّ اللَّهُ بِهِمْ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ.
﴿ إنِّي أخافُ اللَّهَ ﴾ وإنَّما ذَكَرَ خَوْفَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى في هَذا المَوْضِعِ ولَمْ يَذْكُرْهُ في امْتِناعِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ لِأنَّهُ قَدْ كانَ سَألَ الإنْظارَ إلى قِيامِ السّاعَةِ فَلَمّا رَأى نُزُولَ المَلائِكَةِ بِبَدْرٍ تَصَوَّرُ قِيامِ السّاعَةِ فَخافَ فَقالَ: ﴿ إنِّي أخافُ اللَّهَ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم قَوْمٌ في قُلُوبِهِمْ شَكٌّ كانُوا تَكَلَّمُوا بِالإسْلامِ وهم بِمَكَّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أنَّهم قَوْمٌ مُرْتابُونَ لَمْ يُظْهِرُوا العَداوَةَ لِلنَّبِيِّ بِخِلافِ المُنافِقِينَ.
والمَرَضُ في القَلْبِ كُلِّهِ هو الشَّكُّ، وهو مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ: ولا مَرَضًا أتَّقِيهِ إنِّي لَصائِنٌ ∗∗∗ لِعِرْضِي ولِي في الألِيَّةِ مَفْخَرُ وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ غَرَّ هَؤُلاءِ ﴾ يَعْنِي المُسْلِمِينَ.
﴿ دِينُهُمْ ﴾ يَعْنِي الإسْلامَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَلَّلَ المُشْرِكِينَ في أعْيُنِ المُسْلِمِينَ لِيَتَقَدَّمُوا عَلَيْهِمْ، وقَلَّلَ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ لِيَسْتَهِينُوا بِهِمْ حَتّى أظْفَرَ بِهِمُ المُسْلِمِينَ فَقَتَلُوا مَن قَتَلُوا وأسَرُوا مَن أسَرُوا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ قال: قريش يوم بدر.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء إبليس في جند من الشياطين ومعه راية في صورة رجال من بني مدلج في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال الشيطان ﴿ لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ﴾ وأقبل جبريل عليه السلام على إبليس وكانت يده في يد رجل من المشركين فلما رأى جبريل انتزع يد، وولى مدبراً هو وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة انك جار لنا؟!
فقال: ﴿ إني أرى ما لا ترون ﴾ وذلك حين رأى الملائكة ﴿ إني أخاف الله والله شديد العقاب ﴾ قال: ولما دنا القوم بعضهم من بعض قلل الله المسلمين في أعين المشركين فقال المشركون: وما هؤلاء ﴿ غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم ﴾ .
وأخرج الواقدي وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما تواقف الناس أغمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة، ثم سري عنه فبشر الناس بجبريل عليه السلام في جند من الملائكة ميمنة الناس، وميكائيل في جند آخر ميسرة، وإسرافيل في جند آخر ألف، وإبليس قد تصور في صورة سراقة بن جعشم المدلجي يجير المشركين ويخبرهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس، فلما أبصر عدوّ الله الملائكة ﴿ نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون ﴾ فتشبت به الحارث، وانطلق إبليس لا يرى حتى سقط في البحر ورفع يديه وقال: يا رب موعدك الذي وعدتني.
وأخرج الطبراني وأبو نعيم في الدلائل عن رفاعة بن رافع الأنصار رضي الله عنه قال: لما رأى إبليس ما يفعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يخلص القتل إليه، فتشبث به الحارث بن هشام وهو يظن أنه سراقة بن مالك، فوكز في صدر الحارث فألقاه ثم خرج هارباً حتى ألقى نفسه في البحر، فرفع يديه فقال: اللهم إني أسألك نظرتك إياي.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم بمكة ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ [ القمر: 45] فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أي جمع يهزم؟!- وذلك قبل بدر- فلما كان يوم بدر وانهزمت قريش، نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم مصلتاً بالسيف ويقول: ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ فكانت بيوم بدر، فأنزل الله فيهم ﴿ حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب ﴾ [ المؤمنون: 24] الآية.
وأنزل الله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ [ إبراهيم: 28] الآية.
ورماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوسعهم الرمية، وملأت أعينهم وأفواههم حتى أن الرجل ليقتل وهو يقذي عينيه وفاه، فأنزل الله: ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ [ الأنفال: 17] وأنزل الله في إبليس ﴿ فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون ﴾ وقال عتبة بن ربيعة وناس معه من المشركين يوم بدر ﴿ غر هؤلاء دينهم ﴾ فأنزل الله: ﴿ إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ﴾ .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ إني أرى ما لا ترون ﴾ قال: أرى جبريل عليه السلام معتجراً بردائه يقود الفرس بين يدي أصحابه ما ركبه.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إني أرى ما لا ترون ﴾ قال: ذكر لنا أنه رأى جبريل تنزل معه الملائكة، فعلم عدو الله أنه لا يدان له بالملائكة، وقال: ﴿ إني أخاف الله ﴾ وكذب عدو الله ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوّة له به ولا منعة له.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن معمر قال: ذكروا أنهم أقبلوا على سراقة بن مالك بعد ذلك، فأنكر أن يكون شيء من ذلك.
وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن عبادة بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: كان الذي رآه نكص حين نكص الحارث بن هشام، أو عمرو بن وهب الجمحي.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إذ يقول المنافقون ﴾ قال: وهم يومئذ في المسلمين.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ﴾ قال: هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر فسموا منافقين.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي رضي الله عنه قال: هم قوم كانوا أقروا بالإِسلام وهم بمكة، ثم خرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما رأوا المسلمين قالوا ﴿ غر هؤلاء دينهم ﴾ .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن الشعبي رضي الله عنه في الآية قال: كان أناس من أهل مكة تكلموا بالإِسلام فخرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما رأوا وفد المسلمين قالوا ﴿ غر هؤلاء دينهم ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن إسحاق رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ﴾ قال: هم الفئة الذين خرجوا مع قريش، احتبسهم آباؤهم فخرجوا وهم على الارتياب، فلما رأوا قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا ﴿ غر هؤلاء دينهم ﴾ حين قدموا على ما قدموا عليه من قلة عددهم وكثرة عدوّهم، وهم فئة من قريش مسمون خمسة: قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة المخزوميان، والحارث بن زمعة، وعلي بن أمية بن خلف، والعاص بن منبه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ الآية، قال ابن عباس في رواية عطاء: المنافقون من الأوس والخزرج، والذين في قلوبهم مرض قوم (١) قالوا: نخرج مع قومنا فإن كان محمد في كثرة خرجنا إليه، وإن كان في قلة أقمنا في قومنا، وقد ذكرهم الله تعالى في قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ في سورة النساء: [97] (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: إذ خرج ثلاثمائة وثلاثة عشر يقاتلون ألف رجل (٤) وقال الوالبي عنه: إنما قالوا ذلك من قلتهم في أعينهم، وظنوا أنهم سيهزمونهم (٥) (٦) (٧) ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ (٨) ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ﴾ يريد قوي منيع، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ في خلقه يفعل بأعدائه ما شاء من شدة العقاب، وبأوليائه النعيم والسرور (٩) (١) ساقط من (ح).
(٢) ذكره بنحوه ابن الجوزي 3/ 367، ومختصرًا السمرقندي 2/ 21، وأبو حيان 4/ 505 - 506، وروى نزول آية النساء فيهم ابن جرير 5/ 234 - 235، وقد صح عن ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة أن الذين في قلوبهم مرض هم المشركون.
انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 5/ 1716 - 1717، وابن الجوزي 3/ 368.
(٣) "السيرة النبوية" 2/ 283 بمعناه.
(٤) ذكره الرازي 15/ 176.
(٥) في (ي): (سيهتزمون).
(٦) في مصادر تخريجه: (فقال).
(٧) في (م) زيادة نصها: (وقوله)، وهي خطأ.
(٨) ذكره ابن كثير في "تفسيره" 2/ 352، وانظر: "صحيفة علي بن أبي طلحة" ص 255، وقد روى الأثر بحروفه ابن جرير 10/ 21 - 22، عن ابن جريج.
(٩) لم أقف عليه، وقد ذكره بنحوه في "الوسيط" 2/ 466 من غير نسبة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَقُولُ المنافقون ﴾ الذين كانوا بالمدينة، وقيل: الذين كانوا مع الكفار وهم نفر من قريش منهم: قيس بن الوليد بن المغيرة وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة والحارث بن ربيعة بن الأسود وعلي بن أمية بن خلف والعاصي بن أمية بن الحجاج وكانوا قد أسلموا ولم يهاجروا وخرجوا يوم بدر مع الكفار فقالوا هذه المقالة ﴿ غَرَّ هؤلاء دِينُهُمْ ﴾ أي اغترّ المسلمون بدينهم فأدخلوا أنفسهم فما لا طاقة لهم به ﴿ وَلَوْ ترى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملائكة ﴾ ذلك فيمن قتل يوم بدر ﴿ وأدبارهم ﴾ أي أستاههم، وقيل: ظهورهم ﴿ وَذُوقُواْ ﴾ هذه من قول الملائكة لهم تقديره: ويقولون لهم: ذوقوا والقول المحذوف معموله معطوف على يضربون، ويحتمل أن يكون ما بعده من قول الملائكة أو يكون مستأنفاً ﴿ ذلك بِأَنَّ الله ﴾ تقديره عند سيبويه الأمر ذلك، والباء سببية، والمعنى: أن الله لا يغير نعمة على عبيده حتى يغيروا هم بالكفر والمعاصي ﴿ كَدَأْبِ ﴾ ذكر في آل عمران.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ بالعدوة ﴾ بكسر العين في الحرفين: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.
الباقون: بالضم.
﴿ من حيي ﴾ بياءين: أبو جعفر ونافع وخلف وسهل ويعقوب والبزي ونصير وأبو بكر وحماد.
الباقون: بالإدغام ﴿ ولا تنازعوا ﴾ بالإدغام: البزي وابن فليح ﴿ وتذهب ﴾ بالجزم للجزاء عن هبيرة ﴿ وإذ زين ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وعلي وحمزة في رواية خلاد ابن سعدان وهشام ﴿ إني أرى ﴾ ، ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ تراءت الفئتان ﴾ بالإمالة: نصير.
الوقوف: ﴿ وابن السبيل ﴾ ط لتعلق حرف الشرط بمحذوف يدل عليه ما قبلها تقديره: واعلموا واعتقدوا هذه الأقسام إن كنتم.
﴿ الجمعان ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ أسفل منكم ﴾ ط ﴿ في الميعاد ﴾ لا لعطف لكن ﴿ مفعولا ﴾ لا لتعلق اللام ﴿ من حيَّ عن بينه ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ لا لتعلق "إذ" ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ مفعولا ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ج للآية وللعطف ﴿ واصبروا ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه ج لما ذكر ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه ﴿ جار لكم ﴾ ط ﴿ أخاف الله ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ دينهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه.
التفسير: لما أمر بالقتال في قوله ﴿ وقاتلوهم ﴾ والمقاتلة مظنة حصول الغنيمة أعاد حكم الغنيمة ببيان أوفى وأشفى فقال ﴿ واعلموا أنما غنمتم ﴾ أي الذي حزتم من أموال الكفرة قهراً.
وقوله ﴿ من شيء ﴾ بيان "ما" أي من كل ما يقع عليه اسم الشيء حتى المخيط والخيط.
وقوله ﴿ فأن الله ﴾ بالفتح مبتدأ محذوف الخبر.
وروى الجعفي عن أبي عمرو ﴿ فإن الله ﴾ بالكسر.
قال في الكشاف: والمشهورة آكد وأثبت للإيجاب كأنه قيل: فلا بد من ثبات الخمس فيه ولا سبيل إلى الإخلال به لأنه إذا حذف الخبر واحتمل غير واحد من المقدرات كقولك: ثابت واجب حق لازم كان أقوى لإيجابه من النص على واحد.
عن الكلبي أن الآية نزلت ببدر.
وقال الواقدي: كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهراً في الهجرة.
واعلم أن الآية تقتضي أخذ الخمس من الغنائم واختلفوا في كيفية قسمة ذلك الخمس على أقوال أشهرها: أن ذلك الخمس يخمس حتى يكون مجموع الغنيمة ومقسماً بخمسة وعشرين قسماً عشرون الغنائم بالاتفاق لأنهم كسبوها كالاحتطاب والاصطياد، وأما الخمسة الباقية فواحد منها كان لرسول الله ويصرف الآن ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين كسد الثغور وعمارة الحصون والقناطر والمساجد وأرزاق القضاة والأئمة الأهم فالأهم، وواحد لذوي القربى يعني أقارب رسول الله من أولاد هاشم والمطلب ابني عبد مناف دون عبد شمس ونوفل وهما ابنا عبد مناف أيضاً لما روي عن عثمان بن عفان وجبير بن مطعم - وكان عثمان من بني عبد شمس وجبير من بني نوفل - أنهما قالا لرسول الله : هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم، أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة؟
فقال : إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد - وشبك بين أصابعه - يستوي في هذا السهم غنيهم وفقيرهم إلا أن للذكر مثل حظ الأنثيين.
وثلاثة أخماس الباقية لليتامى والمساكين وابن السبيل.
وهذا عند الإمامين أبي حنيفة والشافعي إلا أن أبا حنيفة قال: إن سهم رسول الله ساقط بموته وكذلك سهم ذوي القربى وإنما يعطون لفقرهم فهم أسوة سائر الفقراء.
فعلى مذهب الإمامين.
معنى قوله ﴿ فأن لله خمسه وللرسول ﴾ فأن لرسول الله خمسة كقوله ﴿ والله ورسوله أحق أن يرضوه ﴾ وعن أبي العالية إيجاب سهم آخر لله وأنه يقسم الخمس على ستة أسهم.
والذاهبون إلى هذا القول اختلفوا فقيل: إن ذلك السهم لبيت المال.
وقيل: يصرف إلى مصالح الكعبة لما روي أنه كان يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه فيأخذ منه قبضة فيجعلها للكعبة فهو سهم الله.
وعن ابن عباس أنه كان يقسم على ستة لله وللرسول سهمان، وسهم لأقاربه حتى قبض فأجرى أبو بكر الخمس على ثلاثة وهم اليتامى والمساكين وابن السبيل، وكذلك روي عن عمرو ومن بعده من الخلفاء.
وروي أن أبا بكر منع بني هاشم الخمس وقال: إنما لكم أن يعطى فقيركم ويزوّج أيمكم ويخدم من لا خادم له منكم، فأما الغني منكم فهو بمنزلة ابن سبيل غني لا يعطى هو ولا يتيم موسر من الصدقة شيئاً، وروي عن زيد بن علي أنه قال: ليس لنا أن نبني منه قصوراً ولا أن نركب منه البراذين.
وقيل: الخمس كله للقرابة لما روي عن علي أنه قيل له: إن الله قال ﴿ واليتامى والمساكين ﴾ فقال: أيتامنا ومساكيننا.
وعن الحسن: في سهم رسول الله أنه لولي الأمر من بعده.
وعند مالك بن أنس الأمر في الخمس مفوّض إلى اجتهاد الإمام إن رأى قسمه بين الأصناف الخمسة عند الشافعي وإن رأى أعطى بعضهم دون بعض، وإن رأى غيرهم أولى وأهم فذاك.
فعند هذا يكون معنى قوله ﴿ فأن لله خمسه ﴾ أن من حق الخمس أن يكون متقرباً به إلى الله لا غير.
ثم خص من وجوه القرب هذه الخمسة تفضيلاً لها على غيرها كقوله ﴿ وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل ﴾ وحاصل الآية إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزل على عبدنا فاعلموا علماً يتضمن العلم والطاعة أن الخمس من الغنيمة يجب التقرب به فاقطعوا عنه أطماعكم واقنعوا بالأخماس الأربعة ﴿ يوم الفرقان ﴾ يوم بدر لأنه فرق فيه بين أهل الحق وأهل الباطل.
والجمعان فريقاهما والذي أنزل عليه يومئذ الآيات والملائكة والنصر والتأييد ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ فبذلك نصر القليل على الكثير ﴿ إذ أنتم ﴾ بدل من يوم الفرقان ﴿ بالعدوة ﴾ بالكسر والضم شط الوادي أي جانبه وحافته.
وقال أبو عمرو، هي المكان المرتفع و ﴿ الدنيا ﴾ تأنيث الأدنى يعني الجانب الذي يلي المدينة وقلب الواو ياء فيه على القياس لأن "فعلى" من بنات الواو وتقلب ياء كالعليا، وأما القصوى تأنيث الأقصى فإنه كالقود في مجيئه على الأصل وقد جاء القصيا أيضاً قليلاً والعدوة القصوى مما يلي مكة ﴿ والركب ﴾ يعني الأربعين الذين كانوا يقودون العير ﴿ أسفل منكم ﴾ بالساحل وهو نصبب على الظرف مرفوع المحل خبراً للمبتدأ أي مكاناً أسفل من مكانكم والفائدة في ذكر مراكز الفرق الثلاث تصوير وقعة بدر وما دبر الله من عجيب صنعه وكمال رأفته ونصره حتى كان ما كان.
وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كانت في مكان فيه الماء وكانت أرضاً لا بأس بها، وأما العدوة الدنيا فهي رخوة تسوخ فيها الأقدام ولا ماء بها وكانت العير وراء ظهور العدو مع كثرة عددهم فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم وعبدتهم، ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحروب بعيالهم وأثقالهم ليبعثهم الذب عن الحرم على بذل مجهودهم حيث لم يتركوا وراءهم ما يحدثون أنفسهم بالانحياز إليه.
﴿ ولو تواعدتم ﴾ أنتم وأهل مكة على موضع تتلاقون فيه ﴿ لاختلفتم في الميعاد ﴾ فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد وثبطهم ما في قلوبهم من هيبة الرسول والمسلمين فلم يتفق لكم من التلاقي ما تيسر بتوفيق الله وتسبيبه ﴿ ولكن ليقضي الله ﴾ أي ليظهر ﴿ أمراً كان مفعولاً ﴾ مقدراً وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه دبر ذلك.
وقوله ﴿ ليهلك ﴾ بدل من ﴿ ليقضي ﴾ بدل الخاص من العام واستعير الهلاك والحياة للكفر والإسلام، وذلك أن وقعة بدر كان فيها من الآيات والمعجزات ما يكون الكافر بعدها كالمكابر لنفسه فكفره صادر عن وضوح بينة أي لا شك في كفره وعناده كما أنه لم يبق شك للمسلمين في حقية دين الإسلام.
وفي قوله ﴿ ليقضي ﴾ و ﴿ ليهلك ﴾ دلالة على أن أفعاله مستتبعة للحكم والمقاصد والغايات خلاف ما عليه ظاهر الأشاعرة.
﴿ وإن الله لسميع ﴾ لدعائكم ﴿ عليم ﴾ بنياتكم ﴿ إذ يريكم ﴾ منصوب باذكر أو بدل آخر من يوم الفرقيان أو متعلق بعليم أي يعلم تدابيركم إذ يريكهم ﴿ في منامك ﴾ أي في رؤياك ﴿ قليلاً ﴾ أراه وإياهم في رؤياه قليلاً فأخبر بذلك أصحابه فكان تثبيتاً لهم وتشجيعاً على عدوهم.
وقيل: في منامك أي في عينك في اليقظة لأن العين موضع النوم وفيه تكلف.
﴿ ولو أراكهم كثيراً ﴾ على ما هم عليه ﴿ لفشلتم ﴾ والفشل الجبن والخور.
﴿ ولتنازعتم في الأمر ﴾ أمر الحرب والإقدام ﴿ ولكن الله سلم ﴾ عصم من الفشل والتنازع ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ يعلم ما سيحدث فيها من مواجب الإقدام والإحجام ﴿ وإذ يريكموهم ﴾ يبصركم إياهم ﴿ إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ﴾ نصب على الحال لأن الرؤية رؤية العين لا القلب وقد استوفت الإراءة مفعولية فلن يتعدى إلى ثالث ﴿ ويقللكم في أعينهم ﴾ الحكمة في تقليل الكفار في أعين المؤمنين ظاهرة مع أن في ذلك تصديقاً لرؤيا النبي، وأما تقليل المؤمنين في أعين الكفار فالحكمة في ذلك أن يجترىء الكفار عليهم قلة مبالاة بهم وأن يستعدّوا لهم كما ينبغي ﴿ ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ﴾ فعل ما فعل من التقليل ﴿ وإلى الله ترجع الأمور ﴾ فيه أن أحوال الدنيا غير مقصودة لذواتها.
وإنما المراد منها ما يصلح أن يكون زاداً للمعاد.
ثم علم المؤمنين آداب اللقاء في الحروب فقال ﴿ إذا لقيتم فئة فاثبتوا ﴾ لقتالهم ولا تفروا واللقاء اسم غلب في القتال فلهذا ترك وصف الفئة بالمحاربين ونحو ذلك، والأمر بالثبات في القتال لا ينافي الرخصة في التحرف والتحيز فلعل الثبات في الحرب لا يحصل إلا بهما.
﴿ واذكروا الله كثيراً ﴾ في مواطن الحرب ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ تظفرون بمرادكم من النصر والمثوبة.
وفيه إشعار بأن العبد لا يجوز له أن يفتر عن ذكر ربه في أي شغل وعمل كان، ولو أن رجلا أقبل من المغرب إلى المشرق منفقاً أمواله لله، والآخر من المشرق إلى المغرب ضارباً بسيفه في سبيل الله كان الذاكر لله أعظم أجراً.
وقيل: المراد من هذا الذكر أن يدعو على العدو: اللهم اخذلهم اللهم اقطع دابرهم ونحو ذلك والأولى حمله على العموم ﴿ وأطيعوا الله ورسوله ﴾ في سائر ما يأمر به لأن الجهاد لا ينفع إلى مع التمسك بسائر الطاعات ﴿ ولا تنازعوا فتفشلوا ﴾ منصوب بإضمار "أن" أو مجزوم لدخوله في حكم النهي ويظهر التقدير "أن" في قوله ﴿ وتذهب ريحكم ﴾ على القراءتين.
والريح الدولة شبهت في نفوذ أمرها وتمشيته على وفق المشيئة بالريح وهبوبها.
يقال: هبت رياح فلان إذا دالت له الدولة ونفذ أمره.
وقيل: الريح حقيقة ولم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله.
وفي الحديث: "نصرت بالصبا" حذرهم التنازع واختلاف الرأي نحو ما وقع لهم بأحد بمخالفتهم رسول الله.
احتج نفاة القياس بالآية لأن القول به يفضي غالباً إلى النزاع المنهى عنه.
وكذا القائلون: بأن النص لا يجوز تخصيصه بالقياس.
قال أهل السير: إن أهل مكة حين نفروا لحماية العير أتاهم رسول أبي سفيان وهم بالجحفة أن ارجعوا فقد سلمت عيركم، فأبى أبو جهل وقال: حتى نقدم بدراً نشرب بها الخمور وتعزف علينا القيان ونطعم بها من حضرنا من العرب.
فوافوها فسقوا كؤوس المنايا مكان الخمر وناحت عليهم النوائح مكان القيان فنهى الله المؤمنين أن يكونوا مثلهم بطرين مرائين بأعمالهم كإطعام الطعام ونحوه فقال ﴿ ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم ﴾ الآية.
وصفهم بأوصاف ثلاثة: أولها: البطر وهو الطغيان في النعمة ويقال أيضاً شدّة المرح.
والتحقيق إن النعم إذا كثرت من الله على العبد فإن صرفها في مرضاته وعرف حق الله فيها فذاك هو الشكر وإن توسل بها إلى المفاخرة على الأقران والمكاثرة على أبناء الزمان فذاك هو البطر.
وثانيها: رئاء الناس وهو القصد إلى إظهار الجميل مع قبح النية وفساد الطوية، أو هو إظهار الجميل مع قبح النية وفساد الطوية، أو هو إظهار الطاعة مع إبطان المعصية كما أن النفاق إظهار الإيمان مع إبطان الكفر.
وثالثها قوله ﴿ ويصدون عن سبيل الله ﴾ أي يمنعون عن قبول دين محمد .
قال الواحدي: معناه وصدا عن سبيل الله ليكون عطفاً للاسم على الاسم، أو يكون الكل أحوالاً على تأويل بطرين مرائين صادّين أو يبطرون ويراءون ويصدّون.
واعترض عليه في التفسير الكبير بأنه تارة يقيم الاسم مقام الفعل والأخرى بالعكس ليصح له كون الكلمة معطوفة على جنسها، وكان من الواجب عليه أن يذكر السبب الذي لأجله عبر عن الأولين بالمصدر وعن الثالث بالفعل.
ثم ذكر السبب فقال: إن أبا جهل ورهطه كانوا مجبولين على البطر والرياء فذكرا بلفظ الاسم تنبيهاً على أصالتهم فيهما، وأما الصدّ فإنما حصل في زمان ادعاء محمد النبوة فذكر بلفظ الفعل الدال على التجدد.
قلت: لو جعلنا قوله ﴿ ويصدون ﴾ عطفاً على صلة "الذين" لم يحتج إلى هذه التكلفات التي اخترعها الإمامان.
﴿ والله بما يعملون محيط ﴾ فيه زجر عن التصنع والافتخار، ويعلم منه أن المعصية مع الانكسار أقرب إلى الخلاص من الطاعة مع الاستكبار.
﴿ وإذ زين ﴾ معناه واذكر إذ زين أو هو معطوف على ما قبله من النعم وأقربها قوله ﴿ وإذ يريكموهم ﴾ وفي هذا التزيين وجهان: أحدهما.
أن الشيطان زين بوسوسته من غير أن يتمثل بصورة إنسان وهو قول الحسن والأصم.
وفي الكشاف: زين لهم الشيطان أعمالهم التي عملوها في معاداة رسول الله ، ووسوس إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون، وأوهمهم أن اتباع خطوات الشيطان وطاعته مما يجرئهم.
فلما تلاقى الفريقان نكص الشيطان وتبرأ منهم أي بطل كيده حين نزلت جنود الله.
وثانيهما: أنه ظهر في صورة إنسان وذلك أن المشركين حين أرادوا المسير إلى بدر ذكروا الذي بينهم وبين بني كنانة من الحرب فلم يأمنوا أن يأتوهم من ورائهم، فتمثل لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الشاعر الكناني وكان من أشرافهم في جند من الشياطين معه راية ﴿ وقال لا غالب لكم اليوم من الناس ﴾ أي لا غالب كائن لكم ولو كان لكم مفعولاً بمعنى لا غالب إلا إياكم لانتصب كما يقال لا ضارباً زيداً.
﴿ وإني جار لكم ﴾ أي مجيركم من بني كنانة أو من كل عدوّ يعرض من البشر.
ومعنى الجار ههنا الدافع عن صاحبه أنواع الضرر كما يدفع الجار عن الجار.
﴿ فلما تراءت الفئتان ﴾ أي التقى الجمعان بحيث رأت كل واحدة الأخرى ﴿ نكص على عقبيه ﴾ والنكوص الإحجام عن الشيء أي رجع.
﴿ وقال إني بريء منكم ﴾ قيل: كانت يده في يد الحرث بن هشام فلما نكص قال له الحرث إلى أين؟
أتخذلنا في هذه الحالة فقال ﴿ إني أرى ما لا ترون ﴾ أي من نزول الملائكة ودفع في صدر الحرث وانطلق وانهزموا، فلما بلغوا مكة قالوا: هزم الناس سراقة فبلغ ذلك سراقة فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم، فلما أسلموا علموا أنه الشيطان.
وفي الحديث: "ما رؤي إبليس يوماً أصغر ولا أدحر ولا أغيظ من يوم عرفة لما يرى من نزل الرحمة إلا ما رأى يوم بدر" وأما قوله ﴿ إني أخاف الله ﴾ فقد قيل: إنه لما رأى جبريل خافه، وقيل: لما رأى الملائكة ينزلون من السماء خافهم لأنه ظن أن الوقت الذي أنظر إليه قد حضر.
قال قتادة: صدق في قوله ﴿ إني أرى ما لا ترون ﴾ وكذب في قوله: ﴿ إني أخاف الله ﴾ وقوله ﴿ والله شديد العقاب ﴾ يجوز أن يكون من بقية حكاية كلام إبليس، ويجوز أن يكون اعتراضاً وظرفه ﴿ إذ يقول ﴾ أو لا ظرف له ﴿ وإذ يقول ﴾ ينتصب بذكر على أنه كلام مبتدأ منقطع عما قبله ولهذا فقد العاطف.
و ﴿ المنافقون ﴾ قوم من الأوس والخزرج بالمدينة ﴿ والذين في قلوبهم مرض ﴾ يجوز أن يكون من صفة المنافقين وأن يراد قوم من قريش وأسلموا وما قوي الإسلام في قلوبهم ولم يهاجروا.
ثم إن قريشاً لما خرجوا إلى رسول الله قال: أولئك نخرج مع قومنا فإن كان محمد في كثرة خرجنا إليه، وإن كان في قلة أقمنا في قومنا، وقال محمد بن إسحق.
ثم قتلوا جميعاً مع المشركين يوم بدر.
﴿ غرّ هؤلاء دينهم ﴾ قال ابن عباس: معناه أنه خرج بثلثمائة وثلاثة عشر إلى زهاء ألف وما ذلك إلا لأنهم اعتمدوا على دينهم.
وقيل: المراد أن هؤلاء يسعون في قتل أنفسهم رجاء أن يجعلوا أحياء بعد الموت.
ثم قال جواباً لهم ﴿ ومن يتوكل على الله ﴾ يكل أمره إليه ويثق بفضله ﴿ فإن الله عزيز ﴾ غالب يسلط الضعيف القليل على القوي الكثير ﴿ حكيم ﴾ يوصل العذاب إلى أعدائه والرحمة إلى أوليائه.
التأويل: ﴿ واعلموا ﴾ يا أهل الجهاد الأكبر ﴿ أنما غنمتم ﴾ عند رفع الحجب من أنوار المشاهدات وأسرار المكاشفات فلكم أربعة أخماسه تعيشون بها مع الله وتكتمونها عن الأغيار وتنفقون خمسها في الله مخلصاً وللرسول متابعاً ﴿ ولذي القربى ﴾ يعني الإخوان في الله مواصلاً ﴿ واليتامى ﴾ يعني أهل الطلب من الذين غاب عنهم مشايخهم قبل بلوغهم إلى حد الكمال ﴿ والمساكين ﴾ الذين تمسكوا بأيدي الإرادة بأذيال إرشادكم ﴿ وابن السبيل ﴾ يعني الصادر والوارد من الصدق والإرادة مراعياً جانب كل طائفة على حسب صدقهموإرادتهم واستعدادهم.
إن كنتم وصلتم في متابعة الرسول إلى الإيمان بالله عياناً ﴿ وبما أنزلنا على عبدنا ﴾ في سفر ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ ﴿ يوم الفرقان ﴾ الذي فيه الرحمن علم القرآن ﴿ يوم التقى الجمعان ﴾ جمع الصفات الإنسانية وجمع الأخلاق الربانية فصار لمحمد مع الله خلوة لا يتبعه فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ فيقدر على أن يوصلكم في متابعة رسوله إلى هذا المقام وهو الفناء عن الوجود والبقاء بالمعبود ﴿ إذ أنتم ﴾ أيها الصادقون في الطلب ﴿ بالعدوة الدنيا ﴾ نازلة ﴿ وهم بالعدوة القصوى ﴾ أي الأرواح بأقصى عالم الملكوت بارزة ﴿ والركب أسفل منكم ﴾ يعني الهياكل والقوالب في أسفل سافلي الطبيعة.
﴿ ولو تواعدتم ﴾ أيها الأرواح والنفوس والأجساد ﴿ لاختلفتم في الميعاد ﴾ لما بينكم من التباين والتضاد ﴿ ولكن ﴾ جمعكم الله بالقدرة والحكمة ﴿ ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ﴾ وهو إيصال كل شخص إلى رتبته التي استعد لها ﴿ فيهلك من هلك عن بينة ﴾ عن حجة ثابتة عليه ﴿ ويحيا من حيى عن بينة ﴾ فالأشقياء يبقون في سجين الطبيعة ونار القطيعة، وأما السعداء فأرواحهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، قال ﴿ ارجعي إلى ربك راضية ﴾ ونفوسهم مع الملائكة المقربين كما قال ﴿ فادخلي في عبادي ﴾ وأبدانهم في جنات النعيم كما قال ﴿ وادخلي جنتي ﴾ ﴿ إن الله لسميع ﴾ من دعاه للوصول والوصال بالغدو والآصال ﴿ عليم ﴾ بمن يستحق الإذلال أو يستأهل الإجلال ﴿ إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ﴾ مع كثرتهم في الصورة ليدل على قلتهم في المعنى ﴿ لفشلتم ﴾ على عادة طبع الإنسان ﴿ ولكن الله سلم ﴾ من الخوف البشري ﴿ ويقللكم في أعينهم ﴾ لأنهم نظروا إليكم بالأبصار الظاهرة فلم يدركوا كثرة معناكم ومددكم بالملائكة.
﴿ وإذا لقيتم فئة ﴾ هي النفس وهواها والشيطان وأعوانه والدنيا وزينتها ﴿ فاثبتوا ﴾ على ما أنتم عليه من اليقين والصدق والإخلاص والطلب ﴿ ولا تكونوا كالذين خرجوا ﴾ من ديار أوصافهم وتركوا الدينا وداروا البلاد وزاروا العباد ليتباهوا بذلك على الإخوان والأقران.
﴿ وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ فظنوا أنهم بلغوا مبلغ الرجال وأنه لا يضرهم التصرف في الدنيا وارتكاب بعض المنهيات بل ينفعهم في نفي الرياء والعجب إذ هو طريق أهل الملامة.
﴿ فلما تراءت الفئتان ﴾ فئة الأرواح والقلوب وفئة النفوس وصفاتها وأمد الله فئة الأرواح والقلوب بالأوصاف الملكية والواردات الربانية حتى انقادت النفوس لها ﴿ نكص على عقبيه ﴾ زهق باطله وصار مخالفاً للنفس كما قال ﴿ إني بريء منكم ﴾ ، ﴿ إني أرى ما لا ترون ﴾ لأنه يرى بنظر الروحانية تجلي الأنوار الربانية من القلوب، ولو وقع على الشيطان من ذلك تلألؤ لأحرقه ولهذا قال ﴿ إني أخاف الله ﴾ وفيه إشارة إلى أنه غير منقطع الرجاء من رحمة الله إنه أرحم الراحمين.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ .
قال بعضهم: زين لهم الشيطان أعمالهم بالوساوس، وقال: ﴿ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ ﴾ ، وإنما قال لهم هذا ووسوس لهم لما ألقى إليهم: إنكم أهل حرم الله وسكان بيته وحفاظه، فيقول: يدفع عنكم نكبة هؤلاء، يعني: أصحاب محمد؛ كما دفع عنكم فيما كان من قبل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ﴾ .
قيل: مجير لكم: مغيث؛ فعلى هذا التأويل كان قوله: ﴿ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ﴾ ؛ كأنه يخبر عن الله أنه يغيثهم كما أغاثهم من قبل في غير مرة.
وقال بعضهم: إن الشيطان تمثل في صورة رجل يقال له سراقة بن مالك بن جعشم، فأتاهم فقال: لا ترجعوا حتى تستأصلوهم؛ فإنكم كثير وعدوكم قليل فتأمن عيركم ونحو هذا من الكلام.
وقال صاحب التأويل الأول: لا يحتمل هذا؛ لأن أهل مكة كانوا جبابرة، وأهل قوة وبطش وبأس، فلا يحتمل أن يصدروا عن آراء رجل هو دونهم وهم بالوصف الذي ذكرنا.
وعلى هذا التأويل أنه تمثل به فلان يكون قوله: ﴿ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ﴾ ما ذكر في بعض القصة أن أبا جهل وأصحابه اعتزلوا واستشاروا فيما بينهم، فأتاهم إبليس متمثلا بسراقة، فامتنعوا عنه واستأخروا، فلما رأى ذلك منهم، فقال: إني جار لكم وكان جاراً لهم؛ فتأويل هؤلاء أشبه بما ذكر في آخر الآية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ﴾ ، أي: رجع مستأخراً مقبلا بوجهه إليهم فقال: ﴿ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنْكُمْ إِنَّيۤ أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ إِنَّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ : إذا عاقب.
قيل: رأى جبريل مع الملائكة ينزلون، فخاف منهم؛ ففيه دلالة أنه كان يخاف الهلاك قبل يوم الوقت المعلوم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ .
قال بعضهم: الذين في قلوبهم مرض هم المشركون ﴿ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ .
وعن الحسن: ﴿ إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ ، قال: هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر؛ فسموا منافقين.
وقال بعض أهل التأويل: إن قوماً كانوا أسلموا بمكة، فأقاموا بها مع المشركين، ولم يهاجروا إلى المدينة، فلما خرج كفار مكة إلى بدر خرج هؤلاء معهم، فلما عاينوا قلة المؤمنين وضعفهم، شكوا في دينهم وارتابوا فقالوا: ﴿ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ ، يعنون: أصحاب محمد.
يقول الله: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ فيثق بوعده في النصر ببدر؛ لقولهم: ﴿ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ ، ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ﴾ : لا يعجزه شيء.
وقوله: ﴿ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ ؛ لأنه لم يكن معهم عدة ولا أسباب الحرب من السلاح وغيره، فلم يكونوا يقاتلون إلا بقوة دينهم.
وقوله: ﴿ إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ .
فإن قيل لنا: ما الحكمة في ذكر قول المنافقين في القرآن حتى نتلوه في الصلاة؟!
قيل: ذكر - والله أعلم - لنعرف عظيم منزلة الدين وخطير قدره في قلوبهم، أعني: قلوب المؤمنين، وذلك أنهم بذلوا أنفسهم للهلاك؛ لخروجهم لقتال عدوهم مع ضعفهم، وقلة عددهم، وكثرة أعدائهم وقوتهم؛ رجاء أن يسلم لهم دينهم، يذكره لنا لنعرف عظيم محل الدين في قلوبهم؛ ليكون محل الدين في قلوبنا على مثل قدره.
وفي قوله: ﴿ إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ دلالة إثبات رسالة محمد؛ لأنهم إنما قالوا ذلك سرّاً فيما بينهم، فأطلع الله رسوله على ذلك؛ ليعلم أنه عرف ذلك بالله.
ثم اختلف في قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ ؛ قال بعضهم: هم المشركون، قال المنافقون والمشركون للمؤمنين: ﴿ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ .
وقال بعضهم: هم قوم أسلموا وقد كانوا ضعفاء في الإسلام والدّين، فلما خرجوا إلى بدر، فرءوا ضعف أصحاب رسول الله وقوة أولئك القوم قالوا عند ذلك: ﴿ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ .
وقد ذكر في بعض القصة أن قوماً كانوا أسلموا بمكة، ثم أقاموا مع المشركين ولم يهاجروا إلى المدينة، فلما خرج كفار مكة إلى قتال بدر خرج هؤلاء معهم، فلما عاينوا قلة المسلمين شكوا في دينهم وارتابوا، فقالوا مع المنافقين: ﴿ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ ، يعنون: أصحاب رسول الله فقال الله: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ : من المؤمنين فيثق به في النصر ببدر؛ لقولهم: ﴿ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ : يجيء أن يكون هم المنافقون؛ على ما فسره في آية أخرى، فإن كان على ذلك فيكون على إسقاط الواو، وكأنه قال: يقول المنافقون الذين في قلوبهم مرض، إلا أن يقال: إن المناقين هم الذين أضمروا الكفر حقيقة، والذين في قلوبهم مرض هم الذين لم يضمروا الكفر، لكنهم ارتابوا وشكوا، واعترضهم شك وارتياب من بعد إذ رأوا تأخر الموعود.
وقوله - عز وجل -: ﴿ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: قالوا: غر هؤلاء الموعود الذي وعدهم رسول الله من الفتوح لهم والنصر في الدنيا؛ يقولون: غر هؤلاء ذلك الموعود الذي كانوا به من الفتوح والنصر الذي وعدهم.
والثاني: يقولون غر هؤلاء الموعود الذي وعدوا في الآخرة من النعيم الدائم والحياة الدائمة.
فيكون أحد التأويلين بالموعود في الآخرة، وهو بالإسلام يكون، والثاني بالموعود في الدنيا، وهو الفتح والنصر الذي ذكرناه.
وقوله: ﴿ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ .
لما رأوا أنهم تركوا آباءهم وأولادهم وجميع شهواتهم، وبذلوا أنفسهم للقتال؛ ليسلم لهم دينهم؛ لذلك قالوا: ﴿ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ لما لم يكن خروجهم وبذلهم أنفسهم لذلك إلا إشفاقاً وخوفاً على دينهم، وطلبوا - لما بذلوا أنفسهم - حياة الأبد في الآخرة فقالوا: ﴿ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ .
أي: اعتمد على الله في حرب بدر - على ما ذكر أهل التأويل - والنصر فيه.
وقوله: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ﴾ .
لا يعجزه شيء، يعز من يشاء بالنصر، ويذل من يشاء بالقتل والهزيمة.
أو يتوكل على الله في كل أموره، ويكل إليه أموره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .
العزيز في هذا الموضع: هو الغالب، حكيم لما أمر بالقتل.
<div class="verse-tafsir"
واذكروا إذ يقول المنافقون وضعفة الإيمان: خدع هؤلاء المسلمين دينُهُم الذي يعدهم بالنصر على أعدائهم مع قلة العدد وضعف العدة، وكثرة عدد أعدائهم وقوة عتادهم، ولم يُدْرِكْ هؤلاء أن من يعتمد على ويثق بما وعد به من النصر فإن الله ناصره، ولن يخذله مهما كان ضعفه، والله عزيز لا يغالبه أحد، حكيم في قدره وشرعه.
<div class="verse-tafsir" id="91.oLwlN"