الآية ٦٨ من سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٦٨ من سورة الأنفال

لَّوْلَا كِتَـٰبٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ٦٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 140 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٨ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٨ من سورة الأنفال عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال : وأنزل الله - عز وجل - : ( لولا كتاب من الله سبق ) الآية .

وقد سبق في أول السورة حديث ابن عباس في صحيح مسلم بنحو ذلك .

وقال الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله قال : لما كان يوم بدر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما تقولون في هؤلاء الأسارى ؟

قال : فقال أبو بكر : يا رسول الله ، قومك وأهلك ، استبقهم واستتبهم ، لعل الله أن يتوب عليهم .

قال : وقال عمر : يا رسول الله ، أخرجوك ، وكذبوك ، فقدمهم فاضرب أعناقهم .

قال : وقال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله ، أنت في واد كثير الحطب ، فأضرم الوادي عليهم نارا ، ثم ألقهم فيه .

[ قال : فقال العباس : قطعت رحمك ] قال : فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يرد عليهم شيئا ، ثم قام فدخل ، فقال ناس : يأخذ بقول أبي بكر .

وقال ناس : يأخذ بقول عمر .

وقال ناس : يأخذ بقول عبد الله بن رواحة .

ثم خرج عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن ، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة ، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم ، عليه السلام ، قال : ( فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ) [ إبراهيم : 36 ] ، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى ، عليه السلام ، قال : ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) [ المائدة : 118 ] ، وإن مثلك يا عمر مثل موسى عليه السلام ، قال : ( ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ) [ يونس : 88 ] ، وإن مثلك يا عمر كمثل نوح عليه السلام ، قال : ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ) [ نوح : 26 ] ، أنتم عالة فلا ينفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضربة عنق .

قال ابن مسعود : قلت : يا رسول الله ، إلا سهيل بن بيضاء ، فإنه يذكر الإسلام ، فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع علي حجارة من السماء مني في ذلك اليوم ، حتى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إلا سهيل بن بيضاء فأنزل الله تعالى : ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى ) إلى آخر الآية .

رواه الإمام أحمد والترمذي ، من حديث أبي معاوية ، عن الأعمش ، والحاكم في مستدركه ، وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه ، عن عبد الله بن عمر ، وأبي هريرة - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه ، وفي الباب عن أبي أيوب الأنصاري .

وروى ابن مردويه أيضا - واللفظ له - والحاكم في مستدركه ، من حديث عبيد الله بن موسى : حدثنا إسرائيل ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن مجاهد ، عن ابن عمر قال : لما أسر الأسارى يوم بدر ، أسر العباس فيمن أسر ، أسره رجل من الأنصار ، قال : وقد أوعدته الأنصار أن يقتلوه .

فبلغ ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إني لم أنم الليلة من أجل عمي العباس ، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه ، فقال له عمر : فآتهم ؟

قال : نعم ، فأتى عمر الأنصار فقال لهم : أرسلوا العباس فقالوا : لا والله لا نرسله .

فقال لهم عمر : فإن كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - رضى ؟

قالوا : فإن كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - رضى فخذه .

فأخذه عمر فلما صار في يده قال له : يا عباس ، أسلم ، فوالله لأن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب ، وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعجبه إسلامك ، قال : فاستشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر ، فقال أبو بكر : عشيرتك .

فأرسلهم ، فاستشار عمر ، فقال : اقتلهم ، ففاداهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله : ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ) الآية .

قال الحاكم : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه .

وقال سفيان الثوري ، عن هشام - هو ابن حسان - عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة ، عن علي - رضي الله عنه - قال : جاء جبريل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر فقال : خير أصحابك في الأسارى : إن شاءوا الفداء ، وإن شاءوا القتل على أن يقتل منهم مقبلا مثلهم .

قالوا : الفداء ويقتل منا .

رواه الترمذي ، والنسائي ، وابن حبان في صحيحه من حديث الثوري ، به وهذا حديث غريب جدا .

وقال ابن عون [ عن محمد بن سيرين ] عن عبيدة ، عن علي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أسارى يوم بدر : إن شئتم قتلتموهم ، وإن شئتم فاديتموهم واستمتعتم بالفداء ، واستشهد منكم بعدتهم .

قال : فكان آخر السبعين ثابت بن قيس ، قتل يوم اليمامة ، رضي الله عنه .

ومنهم من روى هذا الحديث عن عبيدة مرسلا ، فالله أعلم .

وقال محمد بن إسحاق ، عن ابن أبي نجيح ، عن عطاء ، عن ابن عباس : ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى ) فقرأ حتى بلغ : ( عذاب عظيم ) قال : غنائم بدر ، قبل أن يحلها لهم ، يقول : لولا أني لا أعذب من عصاني حتى أتقدم إليه ، لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم .

وكذا روى ابن أبي نجيح ، عن مجاهد .

وقال الأعمش : سبق منه ألا يعذب أحدا شهد بدرا .

وروي نحوه عن سعد بن أبي وقاص ، وسعيد بن جبير ، وعطاء .

وقال شعبة ، عن أبي هاشم عن مجاهد : ( لولا كتاب من الله سبق ) أي : لهم بالمغفرة ونحوه عن سفيان الثوري ، رحمه الله .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( لولا كتاب من الله سبق ) يعني : في أم الكتاب الأول أن المغانم والأسارى حلال لكم ، ( لمسكم فيما أخذتم ) من الأسارى ( عذاب عظيم )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لأهل بدر الذين غنموا وأخذوا من الأسرى الفداء: (لولا كتاب من الله سبق)، يقول: لولا قضاء من الله سبق لكم أهل بدر في اللوح المحفوظ، بأن الله مُحِلٌّ لكم الغنيمة, وأن الله قضى فيما قضى أنه لا يُضِلّ قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون, (49) وأنه لا يعذب أحدًا شهد المشهد الذي شهدتموه ببدر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ناصرًا دينَ الله = لنالكم من الله، بأخذكم الغنيمة والفداء، عذاب عظيم.

(50) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 16295- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي قال، حدثنا عوف, عن الحسن في قوله: (لولا كتاب من الله سبق) الآية, قال: إن الله كان مُطْعِم هذه الأمة الغنيمةَ, وإنهم أخذوا الفداء من أسارى بدر قبل أن يؤمروا به.

قال: فعاب الله ذلك عليهم, ثم أحله الله.

16296- حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع قال، حدثنا بشر بن المفضل عن عوف, عن الحسن في قول الله: (لولا كتاب من الله سبق) الآية, وذلك يوم بدر, وأخذ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المغانمَ والأسارى قبل أن يؤمروا به, وكان الله تبارك وتعالى قد كتب في أم الكتاب: " المغانم والأسارى حلال لمحمد وأمته ", ولم يكن أحله لأمة قبلهم، وأخذوا المغانم وأسروا الأسارى قبل أن ينـزل إليهم في ذلك, قال الله: (لولا كتاب من الله سبق)، يعني في الكتاب الأول.

أن المغانم والأسارى حلال لكم =(لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) .

16297- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (لولا كتاب من الله سبق) الآية, وكانت الغنائم قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم في الأمم، إذا أصابوا مغنمًا جعلوه للقربان, وحرم الله عليهم أن يأكلوا منه قليلا أو كثيرًا.

حُرِّم ذلك على كل نبي وعلى أمته, فكانوا لا يأكلون منه، ولا يغلُّون منه، ولا يأخذون منه قليلا ولا كثيرًا إلا عذبهم الله عليه.

وكان الله حرمه عليهم تحريمًا شديدًا, فلم يحله لنبيّ إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم .

وكان قد سبق من الله في قضائه أن المغنم له ولأمته حلال, فذلك قوله يوم بدر، في أخذ الفداء من الأسارى: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) .

16298- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن عروة, عن الحسن: (لولا كتاب من الله سبق) قال: إن الله كان مُعطِيَ هذه الأمة الغنيمةَ, وفعلوا الذي فعلوا قبل أن تُحَلّ الغنيمة.

16299- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر قال، قال الأعمش في قوله: (لولا كتاب من الله سبق)، قال: سبق من الله أن أحل لهم الغنيمة.

16300- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن بشير بن ميمون قال: سمعت سعيدًا يحدث، عن أبي هريرة, قال: قرأ هذه الآية: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم)، قال: يعني: لولا أنه سبق في علمي أني سأحلُّ الغنائم, لمسكم فيما أخذتم من الأسارى عذاب عظيم.

(51) 16301- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح, وأبو معاوية بنحوه, عن الأعمش, عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أحلت الغنائم لأحدٍ سُودِ الرؤوس من قبلكم, كانت تنـزل نارٌ من السماء وتأكلها, حتى كان يوم بدر, فوقع الناس في الغنائم, فأنـزل الله: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم)، حتى بلغ، حَلالا طَيِّبًا .

16302- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن أبي صالح, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم , بنحوه = قال: فلما كان يوم بدر أسرَع الناس في الغنائم.

(52) 16303- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن فضيل, عن أشعث بن سوار, عن ابن سيرين, عن عبيدة, قال: أسر المسلمون من المشركين سبعين وقتلوا سبعين, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اختاروا أن تأخذوا منهم الفداء فتقوَّوْا به على عدوكم, وإن قبلتموه قتل منكم سبعون = أو تقتلوهم!

فقالوا: بل نأخذ الفدية منهم, وقُتل منهم سبعون، قال عبيدة، وطلبوا الخيرتين كلتيهما.

(53) 16304- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن فضيل, عن أشعث, عن عبيدة قال: كان فداء أسارى بدر مئة أوقية, و " الأوقية " أربعون درهمًا, ومن الدنانير ستة دنانير.

(54) 16305- حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا ابن علية قال، حدثنا ابن عون, عن ابن سيرين, عن عبيدة: أنه قال في أسارى بدر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شئتم قتلتموهم, وإن شئتم فاديتموهم واستشْهِد منكم بعِدَّتهم!

فقالوا: بلى, (55) نأخذ الفداء فنستمتع به، ويستشهد منا بعِدَّتهم.

16306- حدثني أحمد بن محمد الطوسي قال، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثنا همام بن يحيى قال، حدثنا عطاء بن السائب, عن أبي وائل, عن عبد الله بن مسعود قال: أمر عمر رحمه الله عنه بقتل الأسارى, فأنـزل الله: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم).

(56) 16307- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (لولا كتاب من الله سبق)، قال: كان المغنم محرَّمًا على كل نبي وأمته, وكانوا إذا غنموا يجعلون المغنم لله قربانًا تأكله النار.

وكان سبق في قضاء الله وعلمه أن يحلّ المغنم لهذه الأمة، يأكلون في بطونهم.

16308- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن عطاء في قول الله: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم)، قال: كان في علم الله أن تحلّ لهم الغنائم, فقال: (لولا كتاب من الله سبق)، بأنه أحل لكم الغنائم =(لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم).

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: لولا كتاب من الله سبق لأهل بدر، أن لا يعذبهم، لمسهم عذاب عظيم.

* ذكر من قال ذلك: 16309- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري, عن شريك, عن سالم, عن سعيد: (لولا كتاب من الله سبق)، قال: لأهل بدر، من السعادة.

16310- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (لولا كتاب من الله سبق)، لأهل بدر مَشْهدَهم.

16311- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الحسن: (لولا كتاب من الله سبق)، قال: سبق من الله خيرٌ لأهل بدر.

16312- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم)، كان سبق لهم من الله خير, وأحلّ لهم الغنائم.

16313- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد, عن عمرو بن عبيد, عن الحسن: (لولا كتاب من الله سبق)، قال: (سبق)، أن لا يعذب أحدًا من أهل بدر.

16314- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (لولا كتاب من الله سبق)، لأهل بدر، ومشهدَهم إياه.

16315- حدثني يونس قال، أخبرني ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم)، لمسكم فيما أخذتم من الغنائم يوم بدر قبل أن أحلها لكم.

فقال: سبق من الله العفو عنهم والرحمة لهم، سبق أنه لا يعذب المؤمنين, لأنه لا يعذب رَسوله ومن آمن به وهاجر معه ونصره.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: (لولا كتاب من الله سبق)، أن لا يؤاخذ أحدًا بفعل أتاه على جهالة =(لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم).

* ذكر من قال ذلك: 16316- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: (لولا كتاب من الله سبق)، لأهل بدر ومشهدَهم إياه, قال: كتاب سبق لقوله: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ [سورة التوبة: 115]، سبق ذلك، وسبق أن لا يؤاخذ قومًا فعلوا شيئًا بجهالة =(لمسكم فيما أخذتم)، قال ابن جريج، قال ابن عباس: (فيما أخذتم)، مما أسرتم.

ثم قال بعد: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ .

16317- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: عاتبه في الأسارى وأخذ الغنائم, ولم يكن أحد قبله من الأنبياء يأكل مغنمًا من عدوٍّ له.

(57) 16318- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن محمد قال، حدثني أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نُصِرت بالرعب، وجُعِلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا, وأعطيت جوامع الكلم, وأحلّت لي المغانم، ولم تحلّ لنبيٍّ كان قبلي, وأعطيت الشفاعة, خمسٌ لم يُؤْتَهُنَّ نبيٌّ كان قبلي = قال محمد (58) فقال: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ ، أي: قبلك = أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى إلى قوله: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم)، أي: من الأسارى والمغانم =(عذاب عظيم)، أي: لولا أنه سبق مني أن لا أعذب إلا بعد النهي، ولم أكن نهيتكم، لعذبتكم فيما صنعتم.

ثم أحلها له ولهم رحمةً ونعمةً وعائدةً من الرحمن الرحيم.

(59) * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، ما قد بيناه قبلُ.

وذلك أن قوله: (لولا كتاب من الله سبق)، خبر عامٌّ غير محصور على معنى دون معنى، وكل هذه المعاني التي ذكرتها عمن ذكرت، مما قد سبق في كتاب الله أنه لا يؤاخذ بشيء منها هذه الأمة, وذلك: ما عملوا من عمل بجهالة, و إحلال الغنيمة، والمغفرة لأهل بدر, وكل ذلك مما كتب لهم.

وإذ كان ذلك كذلك، فلا وجه لأن يخصّ من ذلك معنى دون معنى, وقد عم الله الخبر بكل ذلك، بغير دلالة توجب صحة القول بخصوصه.

16319- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: لم يكن من المؤمنين أحد ممن نُصِر إلا أحبَّ الغنائم، إلا عمر بن الخطاب, جعل لا يلقى أسيرًا إلا ضرب عنقه, وقال: يا رسول الله، ما لنا وللغنائم, نحن قوم نجاهد في دين الله حتى يُعبد الله!

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو عذبنا في هذا الأمر يا عمر ما نجا غيرك!

قال الله: لا تعودوا تستحلون قبل أن أحلّ لكم.

16320- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحاق: لما نـزلت: (لولا كتاب من الله سبق)، الآية, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو نـزل عذابٌ من السماء لم ينج منه إلا سعد بن معاذ، لقوله: يا نبي الله، كان الإثخان في القتل أحبّ إلي من استبقاء الرجال.

(60) -------------------- الهوامش : (49) انظر تفسير " كتاب" فيما سلف من فهارس اللغة ( كتب ).

(50) انظر تفسير " المس " فيما سلف 13 : 333 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(51) الأثر : 16300 - " بشير بن ميمون الخراساني الواسطي " ، أبو صيفي ، ضعيف ، منكر الحديث ، متهم بالوضع .

وقال أبو حاتم : " ضعيف الحديث ، وعامة روايته مناكير " .

وأجمعوا على طرح حديثه ، مترجم في التهذيب ، والكبير 1 2 105 ، وابن أبي حاتم 1 1 379 ، وميزان الاعتدال 1 : 153 ، 154 .

و " سعيد " هو " سعيد بن أبي سعيد المقبري " .

(52) الأثران : 16301 ، 16302 - حديث صحيح الإسناد ، إلا ما كان من أمر " جابر بن نوح الحماني " ، ليس حديثه بشيء ، ضعيف ، قال يحيى بن معين : " جابر بن نوح ، إمام مسجد بني حمان ، ولم يكن بثقة ، كان ضعيفًا " .

مترجم في التهذيب ، والكبير 1 2 210 ، وابن أبي حاتم 1 1 500 ، وميزان الاعتدال 1 : 176 ، وأبو كريب رواه عن جابر ، وعن أبي معاوية ، فحديث أبي معاوية هو الصحيح .

وهذا الخبر رواه الترمذي في كتاب التفسير من طريق عبد بن حميد ، عن معاوية بن عمرو ، عن زائدة ، عن الأعمش ، وقال : " هذا حديث حسن صحيح " .

ورواه البيهقي في السنن 6 : 290 من طريق محاضر ، عن الأعمش ، ومن طريق أبي معاوية ، عن الأعمش .

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 203 ، وزاد نسبته إلى النسائي ، وابن أبي شيبة في المصنف ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه .

(53) " الخيرة " ( بكسر الخاء وسكون الياء ، أو فتح الياء ) ، هو ما يختار ويصطفى من الخير .

(54) انظر تقدير " الأوقية " فيما سلف في الأثر رقم : 16058 .

(55) انظر مجيء " بلى " في غير جحد ، فيما سلف في الأثر رقم : 781 ج 1 : 554 ثم 2 : 280 ، 510 10 : 98 ، تعليق : 4 ثم 10 : 253 ، تعليق : 3 ثم 12 : 174 ، تعليق : 3 .

(56) الأثر : 16306 - " همام بن يحيى بن دينار الأزدي " ، ثقة ، مضى برقم : 10190 ، 11725 .

وهذا خبر صحيح إسناده .

(57) الأثر : 16317 - سيرة ابن هشام 2 : 331 ، وهو سابق الأثر السالف رقم : 16292 في ترتيب السيرة .

(58) قوله : " محمد " ، يعني محمد بن إسحاق ، لا " محمد بن علي " .

(59) الأثر : 16318 - سيرة ابن هشام 2 : 332 ، وصدره تابع الأثر السالف رقم : 16317 ، وسابق للأثر رقم : 16292 ، ثم روى صدرًا من الأثر رقم : 16292 ، وأتبعه بما يليه في السيرة .

(60) الأثر : 16320 - لم أجد هذا الخبر في سيرة ابن هشام ، فيما أقدر .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : لولا كتاب من الله سبق في أنه لا يعذب قوما حتى يبين لهم ما يتقون .

واختلف الناس في كتاب الله السابق على أقوال ، أصحها ما سبق من إحلال الغنائم ، فإنها كانت محرمة على من قبلنا .

فلما كان يوم بدر ، أسرع الناس إلى الغنائم فأنزل الله عز وجل لولا كتاب من الله سبق أي بتحليل الغنائم .

وروى أبو داود الطيالسي في مسنده : حدثنا سلام عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : لما كان يوم بدر تعجل الناس إلى الغنائم فأصابوها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الغنيمة لا تحل لأحد سود الرءوس غيركم .

فكان النبي وأصحابه إذا غنموا الغنيمة جمعوها ونزلت نار من السماء فأكلتها فأنزل الله تعالى : لولا كتاب من الله سبق إلى آخر الآيتين .

وأخرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح ، وقال مجاهد والحسن .

وعنهما أيضا وسعيد بن جبير : الكتاب السابق هو مغفرة الله لأهل بدر ، ما تقدم أو تأخر من ذنوبهم .

وقالت فرقة : الكتاب السابق هو عفو الله عنهم في هذا الذنب ، معينا .

والعموم أصح ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر في أهل بدر : وما يدريك لعل الله [ ص: 407 ] اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم .

خرجه مسلم .

وقيل : الكتاب السابق هو ألا يعذبهم ومحمد عليه السلام فيهم .

وقيل : الكتاب السابق هو ألا يعذب أحدا بذنب أتاه جاهلا حتى يتقدم إليه .

وقالت فرقة : الكتاب السابق هو مما قضى الله من محو الصغائر باجتناب الكبائر .

وذهب الطبري إلى أن هذه المعاني كلها داخلة تحت اللفظ وأنه يعمها ، ونكب عن تخصيص معنى دون معنى .الثانية : ابن العربي : وفي الآية دليل على أن العبد إذا اقتحم ما يعتقده حراما مما هو في علم الله حلال له لا عقوبة عليه ، كالصائم إذا قال : هذا يوم نوبي فأفطر الآن .

أو تقول المرأة : هذا يوم حيضتي فأفطر ، ففعلا ذلك ، وكان النوب والحيض الموجبان للفطر ، ففي المشهور من المذهب فيه الكفارة ، وبه قال الشافعي .

وقال أبو حنيفة : لا كفارة عليه ، وهي الرواية الأخرى .

وجه الرواية الأولى أن طرو الإباحة لا يثبت عذرا في عقوبة التحريم عند الهتك ، كما لو وطئ امرأة ثم نكحها .

وجه الرواية الثانية أن حرمة اليوم ساقطة عند الله عز وجل فصادف الهتك محلا لا حرمة له في علم الله ، فكان بمنزلة ما لو قصد وطء امرأة قد زفت إليه وهو يعتقدها أنها ليست بزوجته فإذا هي زوجته .

وهذا أصح .

والتعليل الأول لا يلزم ، لأن علم الله سبحانه وتعالى مع علمنا قد استوى في مسألة التحريم ، وفي مسألتنا اختلف فيها علمنا وعلم الله فكان المعول على علم الله .

كما قال : لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

‏{‏لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ‏}‏ به القضاء والقدر، أنه قد أحل لكم الغنائم، وأن اللّه رفع عنكم ـ أيها الأمة ـ العذاب ‏{‏لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏ وفي الحديث‏:‏ ‏(‏لو نزل عذاب يوم بدر، ما نجا منه إلا عمر‏) .‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( لولا كتاب من الله سبق ) قال ابن عباس : كانت الغنائم حراما على الأنبياء والأمم فكانوا إذا أصابوا شيئا من الغنائم جعلوه للقربان ، فكانت تنزل نار من السماء فتأكله ، فلما كان يوم بدر أسرع المؤمنون في الغنائم وأخذوا الفداء ، فأنزل الله - عز وجل - : " لولا كتاب من الله سبق " يعني لولا قضاء من الله سبق في اللوح المحفوظ بأنه يحل لكم الغنائم .

وقال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير : لولا كتاب من الله سبق أنه لا يعذب أحدا ممن شهد بدرا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وقال ابن جريج : لولا كتاب من الله سبق أنه لا يضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ، وأنه لا يأخذ قوما فعلوا أشياء بجهالة ( لمسكم ) لنالكم وأصابكم ، ( فيما أخذتم ) من الفداء قبل أن تؤمروا به ، ( عذاب عظيم ) قال ابن إسحاق : لم يكن من المؤمنين أحد ممن أحضر إلا حب الغنائم إلا عمر بن الخطاب فإنه أشار على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتل الأسرى ، وسعد بن معاذ قال : يا رسول الله كان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لو نزل عذاب من السماء ما نجا منه غير عمر بن الخطاب وسعد بن معاذ " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لولا كتاب من الله سبق» بإحلال الغنائم والأسرى لكم «لمسَّكم فيما أخذتم» من الفداء «عذاب عظيم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لولا كتاب من الله سبق به القضاء والقدر بإباحة الغنيمة وفداء الأسرى لهذه الأمة، لنالكم عذاب عظيم بسبب أخْذكم الغنيمة والفداء قبل أن ينزل بشأنهما تشريع.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بعض مظاهر رحمته بالمؤمنين : ( لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) .والمراد بالكتابه هنا : الحكم ، وأطلق عليه كتاب لأن هذا الحكم مكتوب فى اللوح المحفوظ .وللمفسرين أقوال فى تفسير هذا الحكم السابق فى علم الله - تعالى - : فمنهم من يرى أن المراد به أنه - سبحانه - لا يعذب المخطئ فى اجتهاده .وقد صرد صاحب الكشاف تفسيره لهذه الآية بهذا الرأى فقال قوله : ( لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ ) .

اى : لولا حكم منه سبق إثباته فى اللوح المحفوظ ، وهو أنه - سبحانه - لا يعاقب أحداً بخطأ ، وكان هذا خطأ فى الاجتهاد ، لأنهم نظروا فى أن استبقاءهم ربما كان سبباً فى إسلامهم وتوبتهم وأن فداءهم يتقوى بهم على الجهاد فى سبيل الله ، وخفى عليهم أن قتلهم أعز للإِسلام وأهيب لمن وراءهم ، وأقل لشوكتهم .

.ومنهم من يرى أن المراد به أنه - سبحانه - لا يعذب قوماً إلا بعد تقديم النهى عن الفعل ولم يتقدم نهى عن أخذ الفداء .ومنهم من يرى أن المراد به أنه - سبحانه - لا يعذبهم ما دام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهم .أو أنه - سبحانه - لا يعذب أحداً ممن شهد بدراً .وقد ساق الإِمام الرازى هذه الأقوال وناقشها ثم اختار أن المراد بالكتاب الذى سبق : هو حكمه - سبحانه - فى الأزل بالعفو عن هذه الواقعة ، لأنه كتب على نفسه الرحمة .

وسبقت رحمته غضبه .أما الإِمام ابن جرير فهو يرى : أن الاية خبر عام محصور على معنى دون معنى ، وأنه لا وجه لأن يخص من ذلك معنى دون معنى .

.

فقال : يقول الهل - تعالى - لأهل بدر الذين أخذوا من الأسرى الفداء ( لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ ) .أى : لولا قضاء من الله سبق لكم أهل بدر فى اللوح المحفوظ أن الله يحل لكم الغنيمة ، وأن الهل قضى أنه لا يضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ، وأنه لا يعذب أحداً شهد هذا المشهد الذى شهدتموه ببدر .

.

لولا كل ذلك لنالكم من الله بأخذكم الفداء عذاب عظيم .ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن جرير - من أن الآية خبر عام يشمل كل هذه المعانى - أولى بالقبول ، لأنه لم يوجد نص صحيح عن النبى - صلى الله عليه وسلم - يحدد تفسيره المراد من هذا الكتاب السابق فى علمه - تعالى - .ولعل الحكمة فى هذا الإبهام لتذهب الأفهام فيه إلى كل ما يحتمله اللفظ ، ويدل عليه المقام ، ولكى يعرفوا أن أهذهم الفداء كان ذنباً يستحقون العقوبة عليه لولا أن الله - تعالى - قدر فى الأزل العقو عنهم بسبب وجود النبى - صلى الله عليه وسلم - فيهم ، ولأنهم قد أخطأوا فى اجتهادهم ، ولأنهم لم يتقدم لهم نهى عن ذلك ، ولأنهم قد شهدوا هذه الغزوة التى قال الرسول فى شأن من حضرها على لسان ربه - عز وجل - : " اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " .فقد روى الشيخان وغيرهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعرم فى قصة حاطب بن أبى بلتعة عند ما أخبر المشركين بأن الرسول سيغزوهم قبل فتح مكة وكان حاطب قد شهد بدراً : " وما يدريك لعل الله - تعالى - اطلع على أهل بدر وقال : " اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " .والمعنى الإجمالى للآية الكريمة : ( لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ ) أى : لولا حكم من الله - تعالى - سبق منه فى الأزل ألا يعذب المخطئ على اجتهاده أو ألا يعذب قوماً قبل تقديم البيان إليهم .

.

.

ولولا كل ذلك ( لَمَسَّكُمْ ) أى لأصابكم ( فِيمَآ أَخَذْتُمْ ) أى بسبب ما أخذتم من الفداء قبل أن تؤمروا به ( عَذَابٌ عَظِيمٌ ) لا يقادر قدره فى شدته وألمه .قال ابن جرير : قال ابن زيد : لم يكن من المؤمنين أحد ممن نصر إلا أحب الغنائم إلا عمر بن الخطاب ، جعل لا يلقى أسيراً إلا ضرب عنقه وقال : يا رسول الله مالنا وللغنائم؟

نحن قوم نجاهد فى دين الله حتى يعبد الله فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لو عذبنا فى هذا الأمر يا عمر ما نجا غيرك " .وقال ابن اسحاق : لما نزلت ( لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ ) الآية .

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لو نزل عذاب من السماء لم ينج منه إلا سعد بن معاذ لقوله : يا نبى الله ، كان الإِثخان فى القتل أحب إلى من استبقاء الرجال " .وقال بعض العلماء : قال القاضى ، وفى الآية دليل على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجتهدون ، وأنه قد يكون خطأ ولكن لا يقرون عليه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أن المقصود من هذه الآية تعليم حكم آخر من أحكام الغزو والجهاد في حق النبي صلى الله عليه وسلم وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمر ﴿ وَتَكُونُ ﴾ بالتاء والباقون بالياء، أما قراءة أبي عمرو بالتاء فعلى لفظ الأسرى، لأن الأسرى وإن كان المراد به التذكير للرجال فهو مؤنث اللفظ، وأما القراءة بالياء فلأن الفعل متقدم، والأسرى مذكرون في المعنى، وقد وقع الفصل بين الفعل والفاعل وكل واحد من هذه الثلاثة إذا انفرد أوجب تذكير الفعل كقولك جاء الرجال وحضر قبيلتك وحضر القاضي امرأة.

فإذا اجتمعت هذه الأشياء كان التذكير أولى.

وقال صاحب الكشاف: قرئ للنبي صلى الله عليه وسلم على التعريف و ﴿ أسارى ﴾ و ﴿ يُثْخِنَ ﴾ بالتشديد.

المسألة الثانية: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بسبعين أسيراً فيهم العباس عمه وعقيل بن أبي طالب فاستشار أبا بكر فيهم فقال: قومك وأهلك استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تقوى بها أصحابك، فقام عمر وقال: كذبوك وأخرجوك فقدمهم واضرب أعناقهم.

فإن هؤلاء أئمة الكفر وإن الله أغناك عن الفداء.

فمكن علياً من عقيل وحمزة من العباس ومكني من فلان ينسب له فنضرب أعناقهم.

فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال: ﴿ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  ﴾ ومثل عيسى في قوله: ﴿ إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم  ﴾ ومثلك يا عمر مثل نوح ﴿ وَقَالَ نُوحٌ رَّبّ تَذَرْ عَلَى الارض مِنَ الكافرين دَيَّاراً  ﴾ ومثل موسى حيث قال: ﴿ رَبَّنَا اطمس على أموالهم واشدد على قُلُوبِهِمْ  ﴾ » ومال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قول أبي بكر.

روي أنه قال لعمر يا أبا حفص وذلك أول ما كناه، تأمرني أن أقتل العباس، فجعل عمر يقول: ويل لعمر ثكلته أمه، وروي أن عبد الله بن رواحة أشار بأن تضرم عليهم نار كثيرة الحطب فقال له العباس قطعت رحمك.

وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا تخرجوا أحداً منهم إلا بفداء أو بضرب العنق فقال ابن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء، فإني سمعته يذكر الإسلام.

فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد خوفي.

ثم قال من بعد: إلا سهيل بن بيضاء وعن عبيدة السلماني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للقوم: إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدتهم».

فقالوا: بل نأخذ الفداء فاستشهدوا بأحد.

وكان فداء الأسارى عشرين أوقية وفداء العباس أربعين أوقية، وعن محمد بن سيرين كان فداؤهم مائة أوقية والأوقية أربعون درهماً أو ستة دنانير.

وروي أنهم أخذوا الفداء نزلت هذه الآية فدخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال: يا رسول الله أخبرني فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد تباكيت، فقال أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء، ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة منه ولو نزل عذاب من السماء لما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ.

هذا هو الكلام في سبب نزول هذه الآية.

المسألة الثالثة: تمسك الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من وجوه: الوجه الأول: أن قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى ﴾ صريح في أن هذا المعنى منهي عنه، وممنوع من قبل الله تعالى.

ثم إن هذا المعنى قد حصل، ويدل عليه وجهان: الأول: قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿ رَّحِيمٌ ياأيها النبى قُل لّمَن فِي أَيْدِيكُم مّنَ الاسرى  ﴾ الثاني: أن الرواية التي ذكرناها قد دلت على أنه عليه الصلاة والسلام ما قتل أولئك الكفار، بل أسرهم، فكان الذنب لازماً من هذا الوجه.

الوجه الثاني: أنه تعالى أمر النبي عليه الصلاة والسلام وجميع قومه يوم بدر بقتل الكفار وهو قوله: ﴿ فاضربوا فَوْقَ الاعناق واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ  ﴾ وظاهر الأمر للوجوب، فلما لم يقتلوا بل أسروا كان الأسر معصية.

الوجه الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بأخذ الفداء، وكان أخذ الفداء معصية، ويدل عليه وجهان: الأول: قوله تعالى: ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا والله يُرِيدُ الاخرة ﴾ وأجمع المفسرون على أن المراد من عرض الدنيا هاهنا هو أخذ الفداء.

والثاني: قوله تعالى: ﴿ لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ وأجمعوا على أن المراد بقوله: ﴿ أَخَذْتُمْ ﴾ ذلك الفداء.

الوجه الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر بكيا، وصرح الرسول صلى الله عليه وسلم أنه إنما بكى لأجل أنه حكم بأخذ الفداء، وذلك يدل على أنه ذنب.

الوجه الخامس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن العذاب قرب نزوله ولو نزل لما نجا منه إلا عمر» وذلك يدل على الذنب، فهذه جملة وجوه تمسك القوم بهذه الآية.

والجواب عن الوجه الذي ذكروه أولاً: أن قوله: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الارض ﴾ يدل على أنه كان الأسر مشروعاً، ولكن بشرط سبق الأثخان في الأرض، والمراد بالإثخان هو القتل والتخويف الشديد، ولا شك أن الصحابة قتلوا يوم بدر خلقاً عظيماً، وليس من شرط الأثخان في الأرض قتل جميع الناس.

ثم إنهم بعد القتل الكثير أسروا جماعة، والآية تدل على أن بعد الإثخان يجوز الأسر فصارت هذه الآية دالة دلالة بينة على أن ذلك الأسر كان جائزاً بحكم هذه الآية، فكيف يمكن التمسك بهذه الآية في أن ذلك الأسر كان ذنباً ومعصية؟

ويتأكد هذا الكلام بقوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء  ﴾ .

فإن قالوا: فعلى ما شرحتموه دلت الآية على أن ذلك الأسر كان جائزاً والإتيان بالجائز المشروع لا يليق ترتيب لعقاب عليه، فلم ذكر الله بعده ما يدل على العقاب؟

فنقول: الوجه فيه أن الإثخان في الأرض ليس مضبوطاً بضابط معلوم معين، بل المقصود منه إكثار القتل بحيث يوجب وقوع الرعب في قلوب الكافرين، وأن لا يجترئوا على محاربة المؤمنين، وبلوغ القتل إلى هذا الحد المعين لا شك أنه يكون مفوضاً إلى الاجتهاد، فلعله غلب على ظن الرسول عليه الصلاة والسلام أن ذلك القدر من القتل الذي تقدم كفى في حصول هذا المقصود، مع أنه ما كان الأمر كذلك فكان هذا خطأ واقعاً في الاجتهاد في صورة ليس فيها نص، وحسنات الأبرار سيئات المقربين.

فحسن ترتيب العقاب على ذكر هذا الكلام لهذا السبب، مع أن ذلك لا يكون البتة ذنباً ولا معصية.

والجواب عن الوجه الذي ذكروه ثانياً أن نقول: إن ظاهر قوله تعالى: ﴿ فاضربوا فَوْقَ الاعناق ﴾ أن هذا الخطاب إنما كان مع الصحابة لإجماع المسلمين على أنه عليه الصلاة والسلام ما كان مأموراً أن يباشر قتل الكفار بنفسه، وإذا كان هذا الخطاب مختصاً بالصحابة، فهم لما تركوا القتل وأقدموا على الأسر، كان الذنب صادراً منهم لا من الرسول صلى الله عليه وسلم.

ونقل أن الصحابة لما هزموا الكفار وقتلوا منهم جمعاً عظيماً والكفار فروا ذهب الصحابة خلفهم وتباعدوا عن الرسول وأسروا أولئك الأقوام، ولم يعلم الرسول بإقدامهم على الأسر إلا بعد رجوع الصحابة إلى حضرته، وهو عليه السلام ما أسر وما أمر بالأسر، فزال هذا السؤال.

فإن قالوا: هب أن الأمر كذلك، لكنهم لما حملوا الأسارى إلى حضرته فلم لم يأمر بقتلهم امتثالاً لقوله تعالى: ﴿ فاضربوا فَوْقَ الاعناق ﴾ .

قلنا: إن قوله: ﴿ فاضربوا ﴾ تكليف مختص بحالة الحرب عند اشتغال الكفار بالحرب، فأما بعد انقضاء الحرب فهذا التكليف ما كان متناولاً له.

والدليل القاطع عليه أنه عليه الصلاة والسلام استشار الصحابة في أنه بماذا يعاملهم؟

ولو كان ذلك النص متناولاً لتلك الحالة، لكان مع قيام النص القاطع تاركاً لحكمه وطالباً ذلك الحكم من مشاورة الصحابة، وذلك محال، وأيضاً فقوله: ﴿ فاضربوا فَوْقَ الاعناق ﴾ أمر، والأمر لا يفيد إلا المرة الواحدة، وثبت بالإجماع أن هذا المعنى كان واجباً حال المحاربة فوجب أن يبقى عديم الدلالة على ما وراء وقت المحاربة، وهذا الجواب شاف.

والجواب عما ذكروه ثالثاً، وهو قولهم: إنه عليه الصلاة والسلام حكم بأخذ الفداء، وأخذ الفداء محرم.

فنقول: لا نسلم أن أخذ الفداء محرم.

وأما قوله: ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا والله يُرِيدُ الاخرة ﴾ فنقول هذا لا يدل على قولكم، وبيانه من وجهين: الأول: أن المراد من هذه الآية حصول العتاب على الأسر لغرض أخذ الفداء، وذلك لا يدل على أن أخذ الفداء محرم مطلقاً.

الثاني: أن أبا بكر رضي الله عنه قال الأولى: أن نأخذ الفداء لتقوى العسكر به على الجهاد، وذلك يدل على أنهم إنما طلبوا ذلك الفداء للتقوى به على الدين، وهذه الآية تدل على ذم من طلب الفداء لمحض عرض الدنيا ولا تعلق لأحد البابين بالثاني.

وهذان الجوابان بعينهما هما الجوابان عن تمسكهم بقوله تعالى: ﴿ لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .

والجواب عما ذكروه رابعاً: أن بكاء الرسول عليه الصلاة والسلام يحتمل أن يكون لأجل أن بعض الصحابة لما خالف أمر الله في القتل، واشتغل بالأسر استوجب العذاب، فبكى الرسول عليه الصلاة والسلام خوفاً من نزول العذاب عليهم، ويحتمل أيضاً ما ذكرناه أنه عليه الصلاة والسلام اجتهد في أن القتل الذي حصل هل بلغ مبلغ الإثخان الذي أمره الله به في قوله: ﴿ حتى يُثْخِنَ فِي الارض ﴾ ووقع الخطأ في ذلك الاجتهاد، وحسنات الأبرار سيئات المقربين، فأقدم على البكاء لأجل هذا المعنى.

والجواب عما ذكروه خامساً: أن ذلك العذاب إنما نزل بسبب أن أولئك الأقوام خالفوا أمر الله بالقتل، وأقدموا على الأسر حال ما وجب عليهم الاشتغال بالقتل، فهذا تمام الكلام في هذه المسألة.

والله أعلم.

المسألة الرابعة: في شرح الألفاظ المشكلة في هذه الآية.

أما قوله: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن تَكُونَ لَهُ أسرى ﴾ فلقائل أن يقول: كيف حسن إدخال لفظة كان على لفظة تكون في هذه الآية.

والجواب: قوله: ﴿ مَا كَانَ ﴾ معناه النفي والتنزيه، أي ما يجب وما ينبغي أن يكون له المعنى المذكور ونظيره ما كان لله أن يتخذ من ولد قال أبو عبيدة.

يقول: لم يكن لنبي ذلك، فلا يكون لك، وأما من قرأ ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِىّ ﴾ فمعناه: أن هذا الحكم ما كان ينبغي حصوله لهذا النبي، وهو محمد عليه الصلاة والسلام.

قال الزجاج: ﴿ أسرى ﴾ جمع، و ﴿ أسارى ﴾ جمع الجمع.

قال ولا أعلم أحداً قرأ ﴿ أسارى ﴾ وهي جائزة كما نقلنا عن صاحب الكشاف: أنه نقل أن بعضهم قرأ به وقوله: ﴿ حتى يُثْخِنَ فِي الارض ﴾ فيه بحثان: البحث الأول: قال الواحدي: الإثخان في كل شيء عبارة عن قوته وشدته، يقال: قد أثخنه المرض إذا اشتد قوة المرض عليه، وكذلك أثخنه الجراح، والثخانة الغلظة فكل شيء غليظ، فهو ثخين.

فقوله: ﴿ حتى يُثْخِنَ فِي الارض ﴾ معناه حتى يقوى ويشتد ويغلب ويبالغ ويقهر، ثم إن كثيراً من المفسرين.

قالوا المراد منه: أن يبالغ في قتل أعدائه.

قالوا وإنما حملنا اللفظ عليه لأن الملك والدولة إنما تقوى وتشتد بالقتل.

قال الشاعر: لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى *** حتى يراق على جوانبه الدم ولأن كثرة القتل توجب قوة الرعب وشدة المهابة، وذلك يمنع من الجراءة، ومن الإقدام على ما لا ينبغي، فلهذا السبب أمر الله تعالى بذلك.

البحث الثاني: أن كلمة ﴿ حتى ﴾ لانتهاء الغاية.

فقوله: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الارض ﴾ يدل على أن بعد حصول الإثخان في الأرض له أن يقدم على الأسر.

أما قوله: ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا ﴾ فالمراد الفداء، وإنما سمى منافع الدنيا ومتاعها عرضاً، لأنه لا ثبات له ولا دوام، فكأنه يعرض ثم يزول، ولذلك سمى المتكلمون الأعراض أعراضاً، لأنه لا ثبات لها كثبات الأجسام لأنها تطرأ على الأجسام، وتزول عنها مع كون الأجسام باقية، ثم قال: ﴿ والله يُرِيدُ الاخرة ﴾ يعني أنه تعالى لا يريد ما يفضي إلى السعادات الدنيوية التي تعرض وتزول وإنما يريد ما يفضي إلى السعادات الأخروية الباقية الدائمة المصونة عن التبديل والزوال.

واحتج الجبائي والقاضي بهذه الآية على فساد قول من يقول: لا كائن من العبد إلا والله يريده لأن هذا الأسر وقع منهم على هذا الوجه، ونص الله على أنه لا يريده بل يريد منهم ما يؤدي إلى ثواب الآخرة وهو الطاعة دون ما يكون فيه عصيان.

وأجاب أهل السنة عنه بأن قالوا: إنه تعالى ما أراد أن يكون هذا الأسر منهم طاعة، وعملاً جائزاً مأذوناً.

ولا يلزم من نفي إرادة كون هذا الأسر طاعة، نفي كونه مراد الوجود، وأما الحكماء فإنهم يقولون الشيء مراد بالعرض مكروه بالذات.

ثم قال: ﴿ والله عَزِيزٌ حَكُيمٌ ﴾ والمراد أنكم إن طلبتم الآخرة لم يغلبكم عدوكم لأن الله عزيز لا يقهر ولا يغلب حكيم في تدبير مصالح العالم.

قال ابن عباس: هذا الحكم إنما كان يوم بدر، لأن المسلمين كانوا قليلين، فلما كثروا وقوي سلطانهم أنزل الله بعد ذلك في الأسارى ﴿ حتى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا  ﴾ وأقول إن هذا الكلام يوهم أن قوله: ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء ﴾ يزيد على حكم الآية التي نحن في تفسيرها، وليس الأمر كذلك لأن كلتا الآيتين متوافقتان، فإن كلتاهما يدلان على أنه لابد من تقديم الإثخان، ثم بعده أخذ الفداء.

ثم قال تعالى: ﴿ لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .

واعلم أنه كثر أقاويل الناس في تفسير هذا الكتاب السابق.

ونحن نذكرها ونذكر ما فيها من المباحث: فالقول الأول: وهو قول سعيد بن جبير وقتادة لولا كتاب من الله سبق يا محمد بحل الغنائم لك ولأمتك، لمسكم العذاب.

وهو مشكل لأن تحليل الغنائم والفداء هل كان حاصلاً في ذلك الوقت، أو ما كان حاصلاً في ذلك الوقت؟

فإن كان التحليل والإذن حاصلاً في ذلك الوقت امتنع إنزال العذاب عليهم، لأن ما كان مأذوناً فيه من قبل لم يحصل العقاب على فعله، وإن قلنا: إن الإذن ما كان حاصلاً في ذلك الوقت كان ذلك الفعل حراماً في ذلك الوقت أقصى ما في الباب أنه كان في علم الله أنه سيحكم بحله بعد ذلك إلا أن هذا لا يقدح في كونه حراماً في ذلك الوقت.

فإن قالوا: إن كونه بحيث سيصير حلالاً بعد ذلك يوجب تخفيف العقاب.

قلنا: فإذا كان الأمر كذلك امتنع إنزال العقاب بسببه، وذلك يمنع من التخويف بسبب ذلك العقاب.

القول الثاني: قال محمد بن إسحاق: ﴿ لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ ﴾ إني لا أعذب إلا بعد النهي لعذبتكم فيما صنعتم، وأنه تعالى ما نهاهم عن أخذ الفداء، وهذا أيضاً ضعيف لأنا نقول حاصل هذا القول أنه ما وجد دليل شرعي يوجب حرمة ذلك الفداء، فهل حصل دليل عقلي يقتضي حرمته أم لا؟

فإن قلنا حصل، فيكون الله تعالى قد بين تحريمه بواسطة ذلك الدليل العقلي، ولا يمكن أن يقال إنه تعالى لم يبين تلك الحرمة، وإن قلنا: إنه ليس في العقل ولا في الشرع ما يقتضي المنع، فحينئذ امتنع أن يكون المنع حاصلاً، وإلا لكان ذلك تكليف ما لا يطاق، وإذا لم يكن المنع حاصلاً كان الإذن حاصلاً، وإذا كان الإذن حاصلاً، فكيف يمكن ترتيب العقاب على فعله؟

القول الثالث: قال قوم قد سبق حكم الله بأنه لا يعذب أحداً ممن شهد بدراً مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا أيضاً مشكل لأنه يقتضي أن يقال: إنهم ما منعوا عن الكفر والمعاصي والزنا والخمر وما هددوا بترتيب العقاب على هذه القبائح، وذلك يوجب سقوط التكاليف عنهم ولا يقوله عاقل.

وأيضاً فلو صار كذلك، فكيف آخذهم الله تعالى في ذلك الموضع بعينه في تلك الواقعة بعينها، وكيف وجه عليهم هذا العقاب القوي؟

والقول الرابع: لولا كتاب من الله سبق في أن من أتى ذنباً بجهالة، فإنه لا يؤاخذه به لمسهم العذاب، وهذا من جنس ما سبق.

واعلم أن الناس قد أكثروا فيه، والمعتمد في هذا الباب أن نقول: أما على قولنا: فنقول: يجوز أن يعفو الله عن الكبائر.

فقوله: ﴿ لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ ﴾ معناه لولا أنه تعالى حكم في الأزل بالعفو عن هذه الواقعة لمسهم عذاب عظيم، وهذا هو المراد من قوله: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة  ﴾ ومن قوله: سبقت رحمتى غضبي وأما على قول المعتزلة فهم لا يجوزون العفو عن الكبائر، فكان معناه ﴿ لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ ﴾ في أن من احترز عن الكبائر صارت صغائره مغفورة وإلا لمسهم عذاب عظيم، وهذا الحكم وإن كان ثابتاً في حق جميع المسلمين، إلا أن طاعات أهل بدر كانت عظيمة وهو قبولهم الإسلام، وانقيادهم لمحمد صلى الله عليه وسلم، وإقدامهم على مقاتلة الكفار من غير سلاح وأهبة فلا يبعد أن يقال: إن الثواب الذي استحقوه على هذه الطاعات كان أزيد من العقاب الذي استحقوه على هذا الذنب، فلا جرم صار هذا الذنب مغفوراً، ولو قدرنا صدور هذا الذنب من سائر المسلمين لما صار مغفوراً، فبسبب هذا القدر من التفاوت حصل لأهل بدر هذا الاختصاص.

ثم قال تعالى: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حلالا طَيّباً ﴾ روى أنهم أمسكوا عن الغنائم ولم يمدوا أيديهم إليها، فنزلت هذه الآية.

وقيل هو إباحة الفداء.

فإن قيل: ما معنى الفاء في قوله: ﴿ فَكُلُواْ ﴾ .

قلنا التقدير: قد أبحت لكم الغنائم ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حلالا ﴾ نصب على الحال من المغنوم أو صفة للمصدر، أي أكلاً حلالاً ﴿ واتقوا الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ والمعنى: واتقوا الله فلا تقدموا على المعاصي بعد ذلك، واعلموا أن الله غفور ما أقدمتم عليه في الماضي من الزلة، رحيم ما أتيتم من الجرم والمعصية، فقوله: ﴿ واتقوا الله ﴾ إشارة إلى لمستقبل.

وقوله: ﴿ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ إشارة إلى الحالة الماضية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وقرئ: ﴿ للنبي ﴾ ، على التعريف وأسارى.

ويثخن، بالتشديد.

ومعنى الإثخان: كثرة القتل والمبالغة فيه، من قولهم: أثخنته الجراحات إذا أثبتته حتى تثقل عليه الحركة.

وأثخنه المرض إذا أثقله من الثخانة التي هي الغلظ والكثافة، يعني حتى يذل الكفر ويضعفه بإشاعة القتل في أهله، ويعز الإسلام ويقويه بالاستيلاء والقهر.

ثم الأسر بعد ذلك.

ومعنى ﴿ مَا كَانَ ﴾ ما صح له وما استقام، وكان هذا يوم بدر، فلما كثر المسلمون نزل ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء ﴾ [محمد: 4] وروي: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتي بسبعين أسيراً فيهم العباس عمه وعقيل بن أبي طالب، فاستشار أبا بكر رضي الله عنه فيهم فقال: قومك وأهلك استبقهم لعلّ الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك.

وقال عمر رضي الله عنه: كذبوك وأخرجوك فقدّمهم واضرب أعناقهم، فإنّ هؤلاء أئمة الكفر، وإن الله أغناك عن الفداء: مكن علياً من عقيل، وحمزة من العباس، ومكني من فلان لنسيب له، فلنضرب أعناقهم.

فقال صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدّد قلوب رجال حتى تكون أشدّ من الحجارة، وإنّ مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال: ﴿ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [إبراهيم: 36] ومثلك يا عمر مثل نوح، قال: ﴿ رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الارض مِنَ الكافرين دَيَّاراً ﴾ [نوح: 26] ثم قال لأصحابه: أنتم اليوم عالة فلا يفلتن أحد منكم إلا بفداء أو ضرب عنق» وروي: أنه قال لهم: إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتموهم، واستشهد منكم بعدّتهم، فقالوا: بل نأخذ الفداء، فاستشهدوا بأحد، وكان فداء الأسارى عشرين أوقية، وفداء العباس أربعين أوقية.

وعن محمد بن سيرين: كان فداؤهم مائة أوقية، والأوقية أربعون درهماً وستة دنانير.

وروي: أنهم لما أخذوا الفداء نزلت الآية، فدخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال: يا رسول الله أخبرني، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت، فقال: أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء، ولقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة- لشجرة قريبة منه- وروى أنه قال: لو نزل عذاب من السماء لما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ، رضي الله عنهما، لقوله كان الإثخان في القتل أحب إليّ ﴿ عَرَضَ الدنيا ﴾ حطامها، سمى بذلك لأنه حدث قليل اللبث، يريد الفداء ﴿ والله يُرِيدُ الأخرة ﴾ يعني ما هو سبب الجنة من إعزاز الإسلام بالإثخان في القتل وقرئ: ﴿ يريدون ﴾ ، بالياء وقرأ بعضهم ﴿ والله يريد الآخرة ﴾ ؛ بجرّ الآخرة على حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على حاله كقوله: أَكُلَّ امرئ تَحْسبِينَ امْرَأ ** وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نَارَاً ومعناه والله يريد عرض الآخرة.

على التقابل، يعني ثوابها ﴿ والله عَزِيزٌ ﴾ يغلب أولياءه على أعدائه ويتكنون منهم قتلاً وأسراً ويطلق لهم الفداء، ولكنه ﴿ حَكِيمٌ ﴾ يؤخر ذلك إلى أن يكثروا ويعزوا وهم يعجلون ﴿ لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ ﴾ لولا حكم منه سبق إثباته في اللوح وهو أنه لا يعاقب أحد بخطأ، وكان هذا خطأ في الاجتهاد؛ لأنهم نظروا في أن استبقاءهم ربما كان سبباً في إسلامهم وتوبتهم، وأن فداءهم يتقوى به على الجهاد في سبيل الله، وخفي عليهم أن قتلهم أعز للإسلام وأهيب لمن وراءهم وأفل لشوكتهم.

وقيل: كتابه أنه سيحل لهم الفدية التي أخذوها.

وقيل: إن أهل بدر مغفور لهم.

وقيل: إنه لا يعذب قوماً إلا بعد تأكيد الحجة وتقديم النهي، ولم يتقدم نهي عن ذلك ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ ﴾ روي: أنهم أمسكوا عن الغنائم ولم يمدّوا أيديهم إليها، فنزلت.

وقيل: هو إباحة للفداء، لأنه من جملة الغنائم ﴿ واتقوا الله ﴾ فلا تقدموا على شيء لم يعهد إليكم فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ ﴾ لَوْلا حُكْمٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ إثْباتُهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وهو أنْ لا يُعاقِبَ المُخْطِئَ في اجْتِهادِهِ أوْ أنْ لا يُعَذِّبَ أهْلَبَدْرٍ أوْ قَوْمًا بِما لَمْ يُصَرِّحْ لَهم بِالنَّهْيِ عَنْهُ، أوْ أنَّ الفِدْيَةَ الَّتِي أخَذُوها سَتَحِلُّ لَهم.

﴿ لَمَسَّكُمْ ﴾ لَنالَكم.

﴿ فِيما أخَذْتُمْ ﴾ مِنَ الفِداءِ.

﴿ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «لَوْ نَزَلَ العَذابُ لَما نَجا مِنهُ غَيْرُ عُمَرَ وسَعْدَ بْنَ مُعاذٍ» .

وَذَلِكَ لِأنَّهُ أيْضًا أشارَ بِالإثْخانِ.

﴿ فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ ﴾ مِنَ الفِدْيَةِ فَإنَّها مِن جُمْلَةِ الغَنائِمِ.

وقِيلَ أمْسَكُوا عَنِ الغَنائِمِ فَنَزَلَتْ.

والفاءُ لِلتَّسَبُّبِ والسَّبَبُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أبَحْتُ لَكُمُ الغَنائِمَ فَكُلُوا، وبِنَحْوِهِ تَشَبَّثَ مَن زَعَمَ أنَّ الأمْرَ الوارِدَ بَعْدَ الحَظْرِ لِلْإباحَةِ.

﴿ حَلالا ﴾ حالٌ مِنَ المَغْنُومِ أوْ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ أيْ أكْلًا حَلالًا، وفائِدَتُهُ إزاحَةُ ما وقَعَ في نُفُوسِهِمْ مِنهُ بِسَبَبِ تِلْكَ المُعاتَبَةِ، أوْ حُرْمَتِها عَلى الأوَّلِينَ ولِذَلِكَ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في مُخالَفَتِهِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾ غَفَرَ لَكم ذَنْبَكم ﴿ رَحِيمٌ ﴾ أباحَ لَكم ما أخَذْتُمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله} لولا حكم من الله {سَبَقَ} أن لا يعذب أحداً على العلم بالاجتهاد وكان هذا اجتهاد منهم لأنهم نظروا في أن استبقاءهم ربما كان سبباً في إسلامهم وأن فداءهم يتقوى به على الجهاد وخفي عليهم إن قتلهم أعز للإسلام وأهيب لمن وراءهم أو ما كتب الله في اللوح أن لا يعذب أهل بدر أو كان لا يؤاخذ قبل البيان والإعذار وفيما ذكر من الاستشارة دلالة على جواز الاجتهاد فيكون حجة على منكرى القياس كتاب مبتدأ ومن الله صفته أي لولا كتاب ثابت من الله وسبق صفة أخرى له وخبر المبتدأ محذوف أي لولا كتاب بهذه الصفة فى الوجود وسبق لا يجوز أن يكون خبراً لأن لولا لا يظهر خبرها أبداً {لَمَسَّكُمْ} لنالكم وأصابكم {فِيمَا أَخَذْتُمْ} من فداء الأسرى {عَذَابٌ عظِيمٌ} روي أن عمر رضى الله عنه دخل على رسول الله صلى الله عليه

الأنفال (٦٩ _ ٧٢)

وسلم فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال يا رسول الله أخبرني فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت فقال أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء ولقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة منه وروي أنه عليه السلام قال لو نزل عذاب من السماء لما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ لقوله كان الإثخان في القتل أحب إليّ

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ ﴾ قِيلَ: أيْ لَوْلا حُكْمٌ مِنهُ تَعالى سَبَقَ إثْباتُهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وهو أنْ لا يُعَذِّبَ قَوْمًا قَبْلَ تَقْدِيمِ ما يُبَيِّنُ لَهم أمْرًا أوْ نَهْيًا، ورَوى ذَلِكَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ورَواهُ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ أوِ المُخْطِئِ في مِثْلِ هَذا الِاجْتِهادِ، وقِيلَ: هو أنْ لا يُعَذِّبَهم ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيهِمْ أوْ أنْ لا يُعَذِّبَ أهْلَ بَدْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، فَقَدْ رَوى الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في قِصَّةِ حاطِبٍ وكانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا: وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ، وقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم» وقَرِيبٌ مِن هَذا ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا، وابْنُ جُبَيْرٍ وزَعَمَ أنَّ هَذا قَوْلٌ بِسُقُوطِ التَّكْلِيفِ لا يَصْدُرُ إلّا عَمَّنْ سَقَطَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ، والعَجَبُ مِنَ الإمامِ الرّازِيِّ كَيْفَ تَفَوَّهَ بِهِ لِأنَّ المُرادَ أنَّ مَن حَضَرَ بَدْرًا مِنَ المُؤْمِنِينَ يُوَفِّقُهُ اللَّهُ تَعالى لِطاعَتِهِ، ويَغْفِرُ لَهُ الذَّنْبَ لَوْ صَدَرَ مِنهُ ويُثْبِتُهُ عَلى الإيمانِ الَّذِي مَلَأ بِهِ صَدْرَهُ إلى المُوافاةِ لِعِظَمِ شَأْنِ تِلْكَ الوَقْعَةِ إذْ هي أوَّلُ وقْعَةٍ أعَزَّ اللَّهُ تَعالى بِها الإسْلامَ وفاتِحَةً لِلْفُتُوحِ والنَّصْرِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَيْسَ الأمْرُ في الحَدِيثِ عَلى حَقِيقَتِهِ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: هو أنَّ الفِدْيَةَ الَّتِي أخَذُوها سَتَصِيرُ حَلالًا لَهم، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا لا يَصْلُحُ أنْ يُعَدَّ مِن مَوانِعِ مِساسِ العَذابِ فَإنَّ الحَلَّ اللّاحِقَ لا يَرْفَعُ حُكْمَ الحُرْمَةِ السّابِقَةِ كَما أنَّ الحُرْمَةَ اللّاحِقَةَ كَما في الخَمْرِ مَثَلًا لا تَرْفَعُ حُكْمَ الإباحَةِ السّابِقَةِ، عَلى أنَّهُ قادِحٌ في تَهْوِيلٍ مانِعِيٍّ عَلَيْهِمْ مِن أخْذِ الفِداءِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ لَمَسَّكُمْ ﴾ ) أيْ لَأصابَكم ﴿ فِيما أخَذْتُمْ ﴾ أيْ لِأجْلِ أخْذِكم أوِ الَّذِي أخَذْتُمُوهُ مِنَ الفِداءِ ﴿ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ لا يُقادِرُ قَدْرَهُ.

وأُجِيبُ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِنِ اعْتِبارِ كَوْنِها سَتَحِلُّ سَبَبًا لِلْعَفْوِ ومانِعًا عَنْ وُقُوعِ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ المُرادِ بِما في الآيَةِ وإنْ لَمْ يُعْتَبَرْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ كَوْنُ المُباحِ سَيُحَرَّمُ سَبَبًا لِلِانْتِقامِ ومانِعًا مِنَ العَفْوِ تَغْلِيبًا لِجانِبِ الرَّحْمَةِ عَلى الجانِبِ الآخَرِ، وحاصِلُ المَعْنى أنَّ ما فَعَلْتُمْ أمْرٌ عَظِيمٌ في نَفْسِهِ مُسْتَوْجِبٌ لِلْعَذابِ العَظِيمِ لَكِنَّ الَّذِي تَسَبَّبَ العَفْوُ عَنْهُ ومَنَعَ تَرَتُّبَ العَذابِ عَلَيْهِ إنِّي سَأُحِلُّهُ قَرِيبًا لَكم، ومِثْلُ ذَلِكَ نَظَرًا إلى رَحْمَتِي الَّتِي سَبَقَتْ غَضَبِي يَصِيرُ سَبَبًا لِلْعَفْوِ ومانِعًا عَنِ العَذابِ، وكَأنَّ الدّاعِيَ لِتَكَلُّفِ هَذا الجَوابِ أنَّ ما ذُكِرَ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأخْرَجاهُما، والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيْضًا، ولا يَبْعُدُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ المانِعُ مِن مِساسِ العَذابِ كُلَّ ما تَقَدَّمَ، وفي ذَلِكَ تَهْوِيلٌ لِمانِعِي عَلَيْهِمْ حَيْثُ مَنَعَ مِن تَرَتُّبِ مِساسِ العَذابِ عَلَيْهِ مَوانِعُ جَمَّةٌ ولَوْلا تِلْكَ المَوانِعُ الجَمَّةُ لَتَرَتَّبَ، وتَعَدُّدُ مَوانِعِ شَيْءٍ واحِدٍ جائِزٌ ولَيْسَ كَتَعَدُّدِ العِلَلِ واجْتِماعُها عَلى مَعْلُولٍ واحِدٍ شَخْصِيٍّ كَما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ، وبِهَذا يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّواياتِ المُخْتَلِفَةِ عَنِ الحَبْرِ في بَيانِ هَذا الكِتابِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ في كُلِّ مَرَّةٍ ذَكَرَ أمْرًا واحِدًا مِن تِلْكَ الأُمُورِ، والتَّنْصِيصُ عَلى الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ما عَداهُ ولَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ الرِّواياتِ ما يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ فافْهَمْ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ المَعْنى لَوْلا حُكْمُ اللَّهِ تَعالى بِغَلَبَتِكم ونَصْرِكم لَمَسَّكم عَذابٌ عَظِيمٌ مِن أعْدائِكم بِغَلَبَتِهِمْ لَكم وتَسْلِيطِهِمْ عَلَيْكم يَقْتُلُونَ ويَأْسِرُونَ ويَنْهَبُونَ وفِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِهَذِهِ الغَلَبَةِ المَفْرُوضَةِ الغَلَبَةُ في بَدْرٍ فالأخْذُ الَّذِي هو سَبَبُها إنَّما وقَعَ بَعْدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ مَآلُ المَعْنى لَوْلا حُكْمُ اللَّهِ تَعالى بِغَلَبَتِكم لَغَلَبَكُمُ الكَفّارُ قَبْلُ بِسَبَبِ ما فَعَلْتُمْ بَعْدُ وهو كَما تَرى، وإنْ أُرِيدَ الغَلَبَةُ بَعْدَ ذَلِكَ فَهي قَدْ مَسَّتِ القَوْمَ في أُحُدٍ فَإنَّ أعْداءَهم قَدْ قَتَلُوا مِنهم سَبْعِينَ عَدَدَ الأسْرى وكانَ ما كانَ؛ فَلا يَصِحُّ نَفْيُ المَسِّ حِينَئِذٍ، نَعَمْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ «أنَّ النَّبِيَّ  قالَ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: ”لَوْ أنْزِلُ مِنَ السَّماءِ عَذابٌ لَما نَجا مِنهُ غَيْرُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وسَعْدِ بْنِ مُعاذٍ لِقَوْلِهِ: كانَ الإثْخانُ في القَتْلِ أحَبَّ إلَيَّ»“ وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعَذابِ عَذابُ الدُّنْيا غَيْرُ القَتْلِ مِمّا لَمْ يُعْهَدْ لِمَكانٍ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، وحِينَئِذٍ لا يَرِدُ أنَّهُ اسْتُشْهِدَ مِنهم بِعِدَّتِهِمْ لِأنَّ الشَّهادَةَ لا تُعَدُّ عَذابًا، لَكِنَّ هَذا لا يَنْفَعُ ذَلِكَ القائِلَ لِأنَّهُ لَمْ يُفَسِّرِ العَذابَ إلّا بِالغَلَبَةِ وهي صادِقَةٌ في مادَّةِ الشَّهادَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: مَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى يقول: ما ينبغي وما يجوز للنبيّ أن يبيع الأسارى، يقول: لا يقبل الفدية عن الأسارى، ولكن السيف حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ، يعني: حتى يغلب في الأرض على عدوه.

قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: فَانٍ تَكُنْ كلاهما بالتاء بلفظ التأنيث، لأن لفظ جماعة العدد مؤنث، وقرأ أبو عمرو الأولى خاصة بالياء، والأخرى بالتاء.

وقرأ الباقون كلاهما بالتاء بلفظ التذكير، لأن الفعل مقدم.

وقرأ حمزة وعاصم وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً بنصب الضاد وجزم العين، وقرأ الباقون بضم الضاد، ومعناهما واحد: ضَعْف وضِعْف، وهما لغتان.

وقرأ بعضهم ضعفا بضم الضاد ونصب العين، وهي قراءة أبي جعفر المدني يعني: عجزة.

قوله تعالى: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا، يعني: الفداء وروي عن ابن عباس قال: «لما أسروا الأسارى، قال رسول الله  لأبي بكر وعمر  ما: «ما تَرَوْنَ في هَؤُلاءِ الأُسَارَى» ؟

قال أبو بكر: يا رسول الله هم بنو العم والعشيرة، أرى لهم أن تأخذ منهم الفدية فتكون لنا عدة على الكفار، ولعل الله يهديهم الإسلام.

وقال عمر: أرى أن تمكننا منهم، فنضرب أعناقهم.

فهم رسول الله  أن يفعل ما قال أبو بكر، قال عمر: فلما كان من الغد جئت إلى رسول الله  ، فإذا هو وأبو بكر قاعدان يبكيان فقلت: يا رسول الله، من أي شيء تبكي؟

فقال: «أبْكِي لِلَّذِي عُرِضَ عَلَيَّ لأَصْحَابِكَ مِنْ أخْذِهِمُ الفِدَاءَ» .

فنزل مَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى وروي عن رسول الله  أنه قال: «لَوْ نَزَلَ من السماء عذاب ما نَجَا مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُ عُمَرَ» .

قرأ أبو عمرو أَن تَكُونَ لَهُ أسرى بلفظ التأنيث، والباقون بالياء بلفظ التذكير، لأن الفعل مقدم.

ثم قال: وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، يعني: عزة الدين.

وَاللَّهُ عَزِيزٌ في ملكه حَكِيمٌ في أمره.

قوله تعالى: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ، يقول: لولا أن الله أحلّ الغنائم لأمة محمد  لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ يعني: لأصابكم فيما أخذتم من الفداء عَذابٌ عَظِيمٌ، ثم طيّبها- وأحلها لهم فقال: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً.

وروى الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أنه قال: «لم تحل الغنيمة لقوم سود الرؤوس قبلكم، كان تنزل نار من السماء فتأكلها، حتى كان بدر، فوقعوا في الغنائم فأحلت لهم» فأنزل الله تعالى: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ وقال النبيّ  : «أُعْطِيتُ خَمْساً لَمْ يُعْطَها أَحَدٌ قَبْلِي، بُعِثْتُ إلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَأُحِلَّتْ لِي الغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً، وَجُعِلَتْ لِي شَفَاعَةٌ لأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» (١) وللآية وجه آخر.

روى الضحاك في قوله تعالى: مَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى وذلك: أنه لما كان يوم بدر ووقعت الهزيمة على المشركين، أسرع أصحاب رسول الله  في أخذ أسلاب المشركين ممن قتل يوم بدر، وأخذ الغنائم وفداء الأسرى وشغلوا أنفسهم بذلك عن القتال، فقال عمر  : يا رسول الله، ألا ترى إلى ما يصنع أصحابك؟

تركوا قتال العدو، وأقبلوا على أسلابهم، وإني أخاف أن تعطف عليهم خيل من خيل المشركين فنزل: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا، يعني: أتطلبون الغنائم وتتركون القتال وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، يعني: قهر المشركين وإظهار الإسلام، وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ قوله تعالى: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ يعني: لولا ما سبق في الكتاب أن الغنائم تحلّ لهذه الأمة، لأصابكم عَذابٌ عَظِيمٌ وقال النبيّ  : «لَوْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ عَذَابٌ، مَا نَجَا أَحَدٌ غَيْرُ عُمَرَ، لأَنَّهُ لَمْ يترك القتال» (٢) وروى مجاهد، عن ابن عباس قال: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ قال: سبقت من الله الرحمة لهذه الأمة قبل أن يعملوا بالمعصية» وقال الحسن: سبقت المغفرة لأهل بدر.

وعن الحسن أنه قال: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ قال: في الكتاب السابق من الله تعالى أن لا يعذب قوماً إلا بعد قيام الحجة عليهم.

وقال سعيد بن جبير: لَوْلاَ ما سبق لأهل بدر من السعادة، لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ من الفداء عَذابٌ عَظِيمٌ.

ويقال: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ أن لا يعذب قوماً، حتى يبين لهم ما يتقون.

ثم قال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ يعني: اتقوا الله فيما أمركم به ولا تعصوه.

إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ، متجاوز يعني: ذو تجاوز فيما أخذتم من الغنيمة قبل حلها رَحِيمٌ إذ أحلها لكم.

(١) حديث أبي ذر: أخرجه أحمد: 5/ 148 وصححه الحاكم 2/ 413 ووافقه الذهبي.

والبزار (3461) وفي الباب حديث جابر عند البخاري (335) و (438) و (3122) ومسلم (521) وأحمد 3/ 304 والنسائي: 1/ 210 والبغوي (3616) .

(٢) أخرجه السيوطي: 3/ 203 والقرطبي: 8/ 47 والطبراني: 10/ 34.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الفَرْضَ إِلى ثبوتِ الواحِدِ للاثنَيْنِ، وهذا هو نَسْخُ الأَثْقَلِ بالأَخَفِّ «١» ، وقوله: لاَّ يَفْقَهُونَ: معناه: لا يفهمون مراشِدَهم، ولا مَقْصِدَ قتالهم، لا يريدون به إِلا الغلبةَ الدنيويَّة، فهم يخافُونَ المَوْت إِذا صُبَر لهم، ومَنْ يقاتلْ ليَغْلِبَ، أَو يُسْتشهد، فيصير إِلى الجنة، أثبَتُ قدماً لا محالة.

وقوله: وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ: لفظُ خبرٍ في ضمنه وعْدٌ وحضٌّ على الصبر، ويُلْحَظُ منه وعيدٌ لمن لم يَصْبِرْ بأنه يغلب.

وقوله سبحانه: مَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى ...

الآية: قال ع «٢» : هذه آية تتضمَّن عندي معاتَبةً مِنَ اللَّه عزَّ وجلَّ لأصحاب نبيِّه عليه السلام والمعنى: ما كان ينبغي لكُمْ أَنْ تفعلوا هذا الفعْلَ الذي أوْجَبَ أن يكون للنبيِّ أَسْرَى قبل الإِثخان ولذلك استمرَّ الخطابُ لهم ب تُرِيدُونَ والنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم لم يأمر باستبقاء الرِّجَالِ وقْتَ الحَرْبِ، ولا أراد صلّى الله عليه وسلّم قَطُّ عَرَضَ الدنيا، وإِنما فعله جمهورُ مُبَاشِرِي الحرب، وجاء ذكر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الآية مشيراً إِلى دخوله عليه السلام في العَتْبِ حين لم يَنْهَ عن ذلك حين رآه من العَرِيشِ، وأنْكَره سعْدُ بْنُ معاذ، ولكنّه صلّى الله عليه وسلّم شَغَلَهُ بَغْتُ الأمر، وظهورُ النصر عن النهْي ومَرَّ كثيرٌ من المفسِّرين على أنَّ هذا التوبيخَ إنما كان بسبب إشارة مَنْ أشار على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بأخذ الفدْيَةِ، حين استشارهم في شأن الأَسرَى، والتأويل الأول أَحْسَنُ، والإِثخانُ: هو المبالغةُ في القَتْل والجراحةِ، ثم أمر مخاطبة أصحاب النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا، أي: مالها الذي يعز وَيَعْرِضُ، والمراد: ما أُخِذَ من الأسرى من الأموال، وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، أيْ: عمل الآخرة، وذكَر الطبريُّ وغيره أن رسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم قال للنّاس: «إن

شِئْتُمْ، أَخَذْتُمْ فِدَاءَ الأسرى، وَيُقْتَلُ مِنْكُمْ في الحَرْبِ سَبْعُونَ على عَدَدِهِمْ، وإِنْ شِئْتُمْ، قُتِلُوا وَسَلِمْتُمْ، فَقَالُوا: نَأْخُذُ المَالَ، وَيُسْتَشْهَدُ مِنَّا» «١» ، وذكر عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ «٢» بسنده أَنَّ جبريلَ نَزَلَ على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بتخْيِيرِ النَّاسِ هكذا وعَلَى هذا، فالأمر في هذا التخيير مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فإِنه إِعلامٌ بغيب، وإِذا خُيِّروا رضي اللَّه عنهم، فكيف يقع التوبيخُ بعدُ بقوله تعالى:

لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ فهذا يدُّلك على صحَّة ما قدَّمناه، أنَّ العتب لهم إِنما هو على استبقاءِ الرجالِ وقْتَ الهزيمةِ رغبةً في أخْذ المال، وهو الذي أقولُ به، وذكر المفسِّرون أيضاً في هذه الآيات تحليلَ/ المَغَانِمِ، ولا أَقولُ ذلك لأن تحليل المغانم قد تقدَّم قبْل بَدْرٍ في السَّرِيَّة التي قُتِلَ فيها ابْنُ الحَضْرَمِيِّ، وإِنما المُبْتَدَعُ في بَدْرٍ استبقاء الرِّجَال لأجل المال، والذي مَنَّ اللَّه به فيها: إِلحاق فدية الكافر بالمغانمِ التي تقدَّم تحليلها، وقوله سبحانه: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ ...

الآية: قال ابن عبَّاس، وأبو هريرة، والحَسَن، وغيرهم: الكِتَابُ: هو ما كان اللَّه قَضَاهُ في الأَزَلِ مِنْ إِحلالِ الغنائمِ والفداءِ لهذه الأمة، وقال مجاهد وغيره: الكتابُ السابق: مغفرةُ اللَّهِ لأهْلِ بدر، وقيل:

الكتاب السابقُ: هو ألاَّ يعذب اللَّه أحداً بذَنْبٍ إِلا بعد النَّهْيِ عنه، حكاه «٣» الطبريُّ.

قال ابنُ العربيِّ في «أحكام القُرآن» : وهذه الأقوالُ كلُّها صحيحةٌ ممكنَةٌ، لكن أقواها ما سبق مِنْ إِحلال الغنيمة، وقد كانوا غَنِمُوا أوَّلَ غنيمة في الإسلام حين أرسل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عَبْدَ اللَّه بْنَ جَحْش «٤» .

انتهى، ورُوِيَ أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «لَوْ نَزَلَ في هَذَا الأَمْرِ عَذَابٌ، لَنَجَا مِنْهُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّاب» «٥» ، وفي حديث آخر: «وسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ» وذلك أن رأيهما كان

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ ﴾ في مَعْناهُ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لَوْلا أنَّ اللَّهَ كَتَبَ في أُمِّ الكِتابِ أنَّهُ سَيُحِلُّ لَكُمُ الغَنائِمَ لَمَسَّكم فِيما تَعَجَّلْتُمْ مِنَ المَغانِمِ والفِداءِ يَوْمَ بَدْرٍ قَبْلَ أنْ تُؤْمَرُوا بِذَلِكَ عَذابٌ عَظِيمٌ، رَوى هَذا المَعْنى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ.

وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: تَعَجَّلَ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأصابُوا الغَنائِمَ، فَنَزَلَتِ الآَيَةُ.

والثّانِي: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ أنَّهُ لا يُعَذِّبُ مَن أتى ذَنْبًا عَلى جَهالَةٍ لَعُوقِبْتُمْ، رَوى هَذا المَعْنى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: سَبَقَ أنْ لا أُعُذِّبَ إلّا بَعْدَ النَّهْيِ، ولَمْ يَكُنْ نَهاهم.

والثّالِثُ: لَوْلا ما سَبَقَ لِأهْلِ بَدْرٍ أنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُهم، لَعُذِّبْتُمْ، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

والرّابِعُ: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ مِن أنَّهُ يَغْفِرُ لِمَن عَمِلَ الخَطايا ثُمَّ عَلِمَ ما عَلَيْهِ فَتابَ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والخامِسُ: لَوْلا القُرْآَنُ الَّذِي اقْتَضى غُفْرانَ الصَّغائِرِ، لَعُذِّبْتُمْ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

فَيَخْرُجُ في الكِتابِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ كِتابٌ مَكْتُوبٌ حَقِيقَةً.

ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما أنَّهُ ما كَتَبَهُ اللَّهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.

والثّانِي: أنَّهُ القُرْآَنُ.

والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى القَضاءِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُنْيا واللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ واللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا واتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ عِنْدِي- مُعاتَبَةً مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِأصْحابِ نَبِيِّهِ  ، والمَعْنى: ما كانَ يَنْبَغِي لَكم أنْ تَفْعَلُوا هَذا الفِعْلَ الَّذِي أوجَبَ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ أسْرى قَبْلَ الإثْخانِ، والإخْبارُ هو لَهُمْ، ولِذَلِكَ اسْتَمَرَّ الخِطابُ بِـ ( تُرِيدُونَ )، والنَبِيُّ  لَمْ يَأْمُرْ بِاسْتِبْقاءِ الرِجالِ وقْتَ الحَرْبِ ولا أرادَ قَطُّ عَرْضَ الدُنْيا، وإنَّما فَعَلَهُ جُمْهُورُ مُباشِرِي الحَرْبِ، وجاءَ ذِكْرُ النَبِيِّ  في الآيَةِ مُشِيرًا إلى دُخُولِهِ  في العُتْبِ حِينَ لَمْ يَنْهَ عن ذَلِكَ حِينَ رَآهُ مِنَ العَرِيشِ، وأنْكَرَهُ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ، ولَكِنَّهُ  شَغَلَهُ بَغْتُ الأمْرِ وظُهُورُ النَصْرِ، فَتَرَكَ النَهْيَ عَنِ الِاسْتِبْقاءِ، ولِذَلِكَ بَكى  وأبُو بَكْرٍ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ومَرَّ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا التَوْبِيخَ إنَّما كانَ بِسَبَبِ إشارَةِ مَن أشارَ عَلى النَبِيِّ  بِأخْذِ الفِدْيَةِ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  «لَمّا جَمَعَ أسْرى بَدْرٍ اسْتَشارَ فِيهِمْ أصْحابَهُ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ: يا رَسُولَ اللهِ هم قَرابَتُكَ، ولَعَلَّ اللهَ أنْ يَهْدِيَهم بَعْدُ إلى الإسْلامِ، فَفادِهِمْ واسْتَبَقِهِمْ ويَتَقَوّى المُسْلِمُونَ بِأمْوالِهِمْ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لا يا رَسُولَ اللهِ، بَلْ نَضْرِبُ أعْناقَهم فَإنَّهم أئِمَّةُ الكُفْرِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَواحَةَ: بَلْ نَجْعَلُهم في وادٍ كَثِيرِ الحَطَبِ ثُمَّ نُضْرِمُهُ عَلَيْهِمْ نارًا، وقَدْ كانَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ قالَ: وهو مَعَ رَسُولِ اللهِ  في العَرِيشِ وقَدْ رَأى الأسْرَ: لَقَدْ كانَ الإثْخانُ في القَتْلِ أحَبَّ إلَيَّ مِنِ اسْتِبْقاءِ الرِجالِ، فَأخَذَ رَسُولُ اللهِ  بِقَوْلِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ ومالَ إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» مُخْبِرَةً أنَّ الأولى والأهْيَبَ عَلى سائِرِ الكُفّارِ كانَ قَتْلَ أسْرى بَدْرٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والمُسْلِمُونَ قَلِيلٌ، فَلَمّا كَثُرُوا واشْتَدَّ سُلْطانُهم نَزَلَ في الأسْرِ: ﴿ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً  ﴾ ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ، وغَيْرُهُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمّا تَكَلَّمَ أصْحابُهُ في الأسْرى بِما ذُكِرَ دَخَلَ ولَمْ يُجِبْهُمْ، ثُمَّ خَرَجَ فَقالَ: إنَّ اللهَ تَعالى يُلَيِّنُ قُلُوبُ رِجالٍ ويُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجالٍ حَتّى تَكُونَ أشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ، وإنَّ مَثَلَكَ يا أبا بَكْرٍ مَثَلُ إبْراهِيمَ قالَ: ﴿ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ ، ومَثَلُ عِيسى قالَ: ﴿ إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ  ﴾ ، ومَثَلُكَ يا عُمَرُ مِثْلُ نُوحٍ قالَ: ﴿ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا  ﴾ ، ومَثَلَ مُوسى قالَ: ﴿ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ  ﴾ ،» ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "أنْتُمُ اليَوْمَ فَلا يُفْلِتَنَّ مِنهم رَجُلٌ إلّا بِفِدْيَةٍ أو ضَرْبِ عُنُقٍ"،» وفي هَذا الحَدِيثِ قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَهَوى رَسُولُ اللهِ  ما قالَ أبُو بَكْرٍ ولَمْ يَهْوَ ما قُلْتُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ حُجَّةٌ عَلى ذِكْرِ "الهَوى" في الصَلاحِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ" "ما كانَ لِلنَّبِيِّ" مُعَرَّفًا، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِنَبِيٍّ"، وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وحْدَهُ: "أنْ تَكُونَ" عَلى تَأْنِيثِ العَلامَةِ مُراعاةً لِلَفْظِ الأسْرى، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ وجُمْهُورُ الناسِ: "أنْ يَكُونَ" بِتَذْكِيرِ العَلامَةِ مُراعاةً لِمَعْنى الأسْرى، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ والسَبْعَةُ: "أسْرى"، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "أُسارى" ورَواها المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ.

والقِياسُ والبابُ أنْ يُجْمَعَ أسِيرٌ عَلى أسْرى، وكَذَلِكَ كَلُّ فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وشُبِّهَ بِهِ فَعِيلٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَمَرِيضٍ ومَرْضى، إذا كانَتْ أيْضًا أشْياءَ سَبِيلُ الإنْسانِ أنْ يُجْبَرَ عَلَيْها وتَأْتِيَهُ غَلَبَةً، فَهو فِيها بِمَنزِلَةِ المَفْعُولِ، وأمّا جَمْعُهُ عَلى أُسارى فَشَبِيهٌ بِكُسالى في جَمْعِ كَسْلانَ، وجُمَعَ أيْضًا كَسْلانُ عَلى كَسْلى تَشْبِيهًا بِأسْرى في جَمْعِ أسِيرٍ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ: وهُما شاذّانِ، وقالَ الزَجّاجُ: أُسارى جَمْعُ أسْرى، فَهو جَمْعُ الجَمْعِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُثْخِنَ" بِسُكُونِ الثاءِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "يُثَخِّنَ" بِفَتْحِ الثاءِ وشَدِّ الخاءِ، ومَعْناهُ في الوَجْهَيْنِ: يُبالِغُ في القَتْلِ، والإثْخانُ إنَّما يَكُونُ في القَتْلِ والجارِحَةِ وما كانَ مِنها.

ثُمَّ أمَرَ مُخاطَبَةَ أصْحابِ النَبِيِّ  فَقالَ: ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُنْيا ﴾ أيْ: مالَها الَّذِي يَعِنُّ ويَعْرِضُ، والمُرادُ ما أُخِذَ مِنَ الأسْرى مِنَ الأمْوالِ، ﴿ واللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ ﴾ أيْ: عَمَلَ الآخِرَةِ، فَحُذِفَ المُضافُ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقَرَأ ابْنُ جَمّازٍ "الآخِرَةِ" بِالخَفْضِ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ، ويُنْظَرُ ذَلِكَ لِقَوْلِ الشاعِرِ: أكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَءًا ∗∗∗ ونارٍ تَوَقَّدُ بِاللَيْلِ نارا؟

عَلى تَقْدِيرِ: وكُلَّ نارٍ.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ لِلنّاسِ: إنْ شِئْتُمْ أخَذْتُمْ فِداءَ الأسْرى ويُقْتَلُ مِنكم في الحَرْبِ سَبْعُونَ عَلى عَدَدِهِمْ، وإنْ شِئْتُمْ قُتِلُوا وسِلِمْتُمْ، فَقالُوا: نَأْخُذُ المالَ ويُسْتَشْهَدُ مِنّا سَبْعُونَ،» وذَكَرَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِسَنَدِهِ أنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلى النَبِيِّ  بِتَخْيِيرِ الناسِ هَكَذا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى الرِوايَتَيْنِ فالأمْرُ في هَذا التَخْيِيرِ مِن عِنْدِ اللهِ فَإنَّهُ إعْلامٌ بِغَيْبٍ، وإذا خُيِّرُوا فَكَيْفَ يَقَعُ التَوْبِيخُ بَعْدُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ ؟

والَّذِي أقُولُ في هَذا: إنَّ العَتْبَ لِأصْحابِ النَبِيِّ  بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِنَبِيٍّ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ عَظِيمٌ ﴾ إنَّما هو عَلى اسْتِبْقاءِ الرِجالِ وقْتَ الهَزِيمَةِ رَغْبَةً في أخْذِ المالِ مِنهُمْ، وجَمِيعُ العَتْبِ إذا نُظِرَ فَإنَّما هو لِلنّاسِ، وهُناكَ كانَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقْتُلُ ويَحُضُّ عَلى القَتْلِ ولا يَرى الِاسْتِبْقاءَ، وحِينَئِذٍ قالَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ: الإثْخانُ أحَبُّ إلَيَّ مِنِ اسْتِبْقاءِ الرِجالِ، وبِذَلِكَ جَعَلَهُما رَسُولُ اللهِ  ناجِيَيْنِ مِن عَذابٍ إنْ لَوْ نَزَلَ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى حِرْصِ بَعْضِهِمْ عَلى المالِ قَوْلُ المِقْدادِ حِينَ أمَرَ رَسُولُ اللهِ  بِقَتْلِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ: "أسِيرِي يا رَسُولَ اللهِ"، وقَوْلُ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ لِلَّذِي يَأْسِرُ أخاهُ: "شُدَّ يَدَكَ عَلَيْهِ فَإنَّ لَهُ أُمًّا مُوسِرَةً" إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن قَصَصِهِمْ، فَلَمّا تَحَصَّلَ الأسْرى وسِيقُوا إلى المَدِينَةِ وأنْفَذَ رَسُولُ اللهِ  القَتْلَ في النَضْرِ وعُقْبَةَ، والمَنَّ في أبِي عَزَّةَ وغَيْرِهِ، وجَعَلَ يَرْتَئِي في سائِرِهِمْ نَزَلَ التَخْيِيرُ مِنَ اللهِ تَعالى، فاسْتَشارَ رَسُولُ اللهِ  حِينَئِذٍ، فَمَرَّ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى أوَّلِ رَأْيِهِ في القَتْلِ، ورَأى أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ المَصْلَحَةَ في قُوَّةِ المُسْلِمِينَ بِمالِ الفِداءِ، ومالَ رَسُولُ اللهِ  إلى رَأْيِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وكِلا الرَأْيَيْنِ اجْتِهادٌ بَعْدَ تَخْيِيرٍ، فَلَمْ يَنْزِلْ عَلى شَيْءٍ مِن هَذا عَتْبٌ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ هَذِهِ المَشُورَةِ والآراءِ، وذَلِكَ مُعْتَرَضٌ بِما ذَكَرْتُهُ، وكَذَلِكَ ذَكَرُوا في هَذِهِ الآياتِ تَحْلِيلَ المَغانِمِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، ولا أقُولُ ذَلِكَ، لِأنَّ حُكْمَ اللهِ تَعالى بِتَحْلِيلِ المَغْنَمِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ كانَ تَقَدَّمَ قَبْلَ بَدْرٍ، وذَلِكَ في السَرِيَّةِ الَّتِي قُتِلَ فِيها عَمْرُو بْنُ الحَضْرَمِيِّ، وإنَّما المُبْتَدَعُ في بَدْرٍ اسْتِبْقاءُ الرِجالِ لِأجْلِ المالِ، والَّذِي مَنَّ اللهُ بِهِ فِيها إلْحاقَ فِدْيَةِ الكافِرِ بِالمَغانِمِ الَّتِي قَدْ تَقَدَّمَ تَحْلِيلُها.

وَوَجْهُ ما قالَ المُفَسِّرُونَ أنَّ الناسَ خُيِّرُوا في أمْرَيْنِ، أحَدُهُما غَيْرُ جَيِّدٍ عَلى جِهَةِ الِاخْتِبارِ لَهُمْ، فاخْتارُوا المَفْضُولَ فَوَقَعَ العَتْبُ، ولَمْ يَكُنْ تَخْيِيرًا في مُسْتَوَيَيْنِ، وهَذا كَما أُتِيَ رَسُولُ اللهِ  لَيْلَةَ الإسْراءِ بِإناءَيْنِ فاخْتارَ الفاضِلَ.

و ﴿ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ صِفَتانِ مِن قِبَلِ الآيَةِ لِأنَّ بِالعِزَّةِ والحِكْمَةِ يَتِمُّ مُرادُهُ عَلى الكَمالِ والتَوْفِيَةِ، وقالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: الأسْرى هم غَيْرُ المُوثَقِينَ عِنْدَما يُؤْخَذُونَ، والأُسارى هُمُ المُوثَقُونَ رَبْطًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّهُ سَمِعَ هَذا مِنَ العَرَبِ، وقَدْ ذَكَرَهُ أيْضًا أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ، وقالَ: العَرَبُ لا تَعْرِفُ هَذا وكِلاهُما عِنْدَهم سَواءٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ ﴾ الآيَةُ، قالَتْ فِرْقَةٌ: الكِتابُ السابِقُ هو القُرْآنُ، والمَعْنى: لَوْلا الكِتابُ الَّذِي سَبَقَ فَآمَنتُمْ بِهِ وصَدَّقْتُمْ لَمَسَّكُمُ العَذابُ لِأخْذِكم هَذِهِ المُفاداةَ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ أيْضًا، وابْنُ زَيْدٍ: الكِتابُ السابِقُ هو مَغْفِرَةُ اللهِ لِأهْلِ بَدْرٍ ما تَقَدَّمَ مِن ذُنُوبِهِمْ أو تَأخَّرَ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبُو هُرَيْرَةَ، وغَيْرُهُمُ:الكِتابُ هو ما قَدْ كانَ اللهُ قَضاهُ في الأزَلِ مِن إحْلالِ الغَنائِمِ والفِداءِ لِمُحَمَّدٍ  وأُمَّتِهِ، وكانَتْ في سائِرِ الأُمَمِ مُحَرَّمَةً.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الكِتابُ السابِقُ هو عَفْوُ اللهِ عنهم في هَذا الذَنْبِ مُعَيَّنًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الكِتابُ هو أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ قَضى أنْ لا يُعاقِبُ أحَدًا بِذَنْبٍ أتاهُ بِجَهالَةٍ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ تُعارِضُهُ مَواضِعُ مِنَ الشَرِيعَةِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّ الكِتابَ السابِقَ هو ألّا يُعَذِّبَ أحَدًا بِذَنْبٍ إلّا بَعْدَ النَهْيِ عنهُ، ولَمْ يَكُونُوا نُهُوا بَعْدُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الكِتابُ السابِقُ هو ما قَضاهُ اللهُ مِن مَحْوِ الصَغائِرِ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ.

وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى دُخُولِ هَذِهِ المَعانِي كُلِّها تَحْتَ اللَفْظِ وأنَّهُ يَعُمُّها، ونَكَّبَ عن تَخْصِيصِ مَعْنًى دُونَ مَعْنًى.

واللامُ في "لَمَسَّكُمْ" جَوابُ لَوْلا، وِ"كِتابٌ" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، وهَكَذا حالُ الِاسْمِ الَّذِي بَعْدَ "لَوْلا"، وتَقْدِيرُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: لَوْلا كِتابٌ سابِقٌ مِنَ اللهِ تَدارَكَكُمْ، و"ما" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فِيما" يُرادُ بِها إمّا الأسْرى وإمّا الفِداءُ، وهي مَوْصُولَةٌ.

وفِي "أخَذْتُمْ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلَيْها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً فَلا تَحْتاجُ إلى العائِدِ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "لَوْ نَزَلَ في هَذا الأمْرِ عَذابٌ لَنَجا مِنهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ "، وفي حَدِيثٍ آخَرَ: " وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ» "، وذَلِكَ أنَّ رَأْيَهُما كانَ أنْ يُقْتَلَ الأسْرى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ ﴾ الآيَةُ، نَصٌّ عَلى إباحَةِ المالِ الَّذِي أُخِذَ مِنَ الأسْرى وإلْحاقٍ لَهُ بِالغَنِيمَةِ الَّتِي كانَ تَقَدَّمَ تَحْلِيلُها.

قَوْلُهُ: ﴿ حَلالا طَيِّبًا ﴾ حالانِ مِن "ما" في قَوْلِهِ: "مِمّا"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونا مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في "غَنِمْتُمْ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "حَلالًا" مَفْعُولًا بِـ "فَكُلُوا".

﴿ واتَّقُوا اللهَ ﴾ مَعْناهُ: في التَسَرُّعِ حَسَبَ إرادَةِ البَشَرِ وشَهْوَتِهِ في نازِلَةٍ أُخْرى، وجاءَ قَوْلُهُ: ﴿ واتَّقُوا اللهَ ﴾ اعْتِراضًا فَصِيحًا في أثْناءِ الكَلامِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ هو مُتَّصِلٌ بِالمَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿ فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي مناسب لما قبله سواء نزل بعقبه أم تأخّر نزوله عنه فكان موقعه هنا بسبب موالاة نزوله لنزول ما قبله أو كان وضع الآية هنا بتوقيف خاصّ.

والمناسبة ذكر بعض أحكام الجهاد، وكان أعظم جهاد مضى هو جهاد يوم بدر.

لا جرم نزلت هذه الآية بعد قضية فداء أسرى بدر مشيرة إليها.

وعندي أن هذا تشريع مستقبل أخّره الله تعالى رفقاً بالمسلمين الذين انتصروا ببدر وإكراماً لهم على ذلك النصر المبين، وسدّاً لخلّتهم التي كانوا فيها، فنزلت لبيان الأمر الأجدر فيما جرى في شأن الأسرى في وقعة بدر.

وذلك ما رواه مسلم عن ابن عبّاس، والترمذي عن ابن مسعود، ما مُختصره أن المسلمين لما أسروا الأسارى يوم بدر وفيهم صناديد المشركين سأل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفاديهم بالمال وعَاهدوا على أن لا يعودوا إلى حربه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين " ما تَرون في هؤلاء الأسارى "، قال أبو بكر: «يا نبي الله هم بنو العمّ والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوّة على الكفّار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام» وقال عُمر: أرى أن تمكّننا فنضرب أعناقهم فإنّ هؤلاء أئمّة الكفر وصناديدها فَهوي رسولُ الله ما قال أبو بكر فأخذ منهم الفداء كما رواه أحمد عن ابن عباس فأنزل الله ﴿ ما كان لنبيء أن يكون له أسرى ﴾ الآية.

ومعنى قوله: هَوِيَ رسولُ الله ما قال أبو بكر: أنّ رسول الله أحبّ واختار ذلك؛ لأنّه من اليسر والرحمة بالمسلمين إذ كانوا في حاجة إلى المال، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خُيّر بين أمرين إلاّ اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً.

وروي أنّ ذلك كان رغبة أكثرهم وفيه نفع للمسلمين، وهم في حاجة إلى المال.

ولمّا استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلَ مشُورته تعيّن أنّه لم يُوح الله إليه بشيء في ذلك، وأنّ الله أوْكل ذلك إلى اجتهاد رسوله عليه الصلاة والسلام فرأى أنّ يستشير الناس ثم رجَّح أحد الرأيين باجتهاد، وقد أصاب الاجتهادَ، فإنّهم قد أسلم منهم، حينئذ، سُهيل بن بيضاء، وأسلم من بعدُ العباسُ وغيره، وقد خفي على النبي صلى الله عليه وسلم شيء لم يعلمه إلاّ الله وهو إضمار بعضهم بعد الرجوع إلى قومهم أن يتأهّبوا لقتال المسلمين من بعد.

وربّما كانوا يضمرون اللحاق بفل المشركين من موضع قريب ويعودون إلى القتال فينقلب انتصار المسلمين هزيمة كما كان يومَ أُحُد، فلأجل هذا جاء قوله تعالى: ﴿ ما كان لنبيء أن يكون له أسرى حت يثخن في الأرض ﴾ .

قال ابن العربي في «العارضة»: روى عبيدة السلماني عن علي أنّ جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر فخيّره بين أن يقرِّب الأسارى فيضرب أعناقهم أو يقبلوا منهم الفداء، ويُقتل منكم في العام المقبل بعدّتهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هذا جبريل يخيّركم أن تقدّموا الأسارى وتضربوا أعناقهم أو تقبلوا منهم الفداء ويستشهد منكم في العام المقبل بعدتهم "، فقالوا: يا رسول الله نأخذ الفداء فنقوى على عدوّنا ويقتل منّا في العام المقبل بعدّتهم، ففعلوا.

والمعنى أنّ النبي إذا قاتل فقتاله متمحّض لغاية واحدة، هي نصر الدين ودفع عدائه، وليس قتاله للملك والسلطان فإذا كان أتْباع الدين في قلّة كان قتل الأسرى تقليلاً لعدد أعداء الدين حتّى إذا انتشر الدين وكثر أتباعه صلح الفداء لنفع أتباعه بالمال، وانتفاء خشية عود العدوّ إلى القوة.

فهذا وجه تقييد هذا الحكم بقوله: ﴿ ما كان لنبيء ﴾ .

والكلام موجّه للمسلمين الذين أشاروا بالفداء، وليس موجّهاً للنبيء صلى الله عليه وسلم لأنّه ما فعل إلاّ ما أمره الله به من مشاورة أصحابه في قوله تعالى: ﴿ وشاورهم في الأمر ﴾ [آل عمران: 159] لا سيما على ما رواه الترمذي من أنّ جبريل بلّغ إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يخيّر أصحابه ويدلّ لذلك قوله: ﴿ تريدون عرض الدنيا ﴾ فإنّ الذين أرادوا عرض الدنيا هم الذين أشاروا بالفداء، وليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك حظّ.

فمعنى ﴿ ما كان لنبيء أن يكون له أسرى ﴾ نفي اتّخاذ الأسرى عن استحقاق نبي لذلك الكون.

وجيء ب (نبيء) نكرِة إشارة إلى أنّ هذا حكم سابق في حروب الأنبياء في بني إسرائيل، وهو في الإصحاح عشرين من سفر التثنية.

ومثل هذا النفي في القرآن قد يجيء بمعنى النهي نحو ﴿ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ﴾ [الأحزاب: 53].

وقد يجيء بمعنى أنه لا يصْلح، كما هُنا، لأن هذا الكلام جاء تمهيداً للعتاب فتعيّن أن يكون مراداً منه ما لا يصلح من حيث الرأي والسياسة.

ومعنى هذا الكون المنفي بقوله: ﴿ ما كان لنبيء أن يكون له أسرى ﴾ هو بقاؤهم في الأسر، أي بقاؤهم أرقّاء أو بقاء أعواضهم وهو الفداء.

وليس المراد أنّه لا يصلح أن تقع في يد النبي أسرى، لأنّ أخذ الأسرى من شؤون الحرب، وهو من شؤون الغلَب، إذا استسلم المقاتلون، فلا يعقِل أحدٌ نفيه عن النبي، فتعيّن أنّ المراد نفي أثره، وإذا نفي أثر الأسر صدق بأحد أمرين: وهما المنّ عليهم بإطلاقهم، أو قتلُهم، ولا يصلح المنُّ هنا، لأنّه ينافي الغاية وهي حتى يثخن في الأرض، فتعيّن أنّ المقصود قتل الأسرى الحاصلين في يده، أي أنّ ذلك الأجدر به حين ضَعُف المؤمنين، خضِداً لشوكة أهل العناد، وقد صار حكم هذه الآية تشريعاً للنبيء صلى الله عليه وسلم فيمن يأسرهم في غزواته.

والإثخان الشدة والغلظة في الأذى.

يقال أثخنته الجراحة وأثخنه المرض إذا ثقل عليه، وقد شاع إطلاقه على شدّة الجراحة على الجريح.

وقد حمله بعض المفسّرين في هذه الآية على معنى الشدّة والقوة.

فالمعنى: حتى يتمكّن في الأرض، أي يتمكّن سلطانه وأمره.

وقوله: ﴿ في الأرض ﴾ على هذا جار على حقيقة المعنى من الظرفية، أي يتمكّن في الدنيا.

وَحَمَلَهُ في «الكشّاف» على معنى إثخان الجِراحة، فيكون جرياً على طريقة التمثيل بتشبيه حال الرسول صلى الله عليه وسلم المقاتل الذي يَجرَج قِرنَه جراحاً قوية تثخنه، أي حتّى يُثخن أعداءه فتصير له الغلبة عليهم في معظم المواقع، ويكون قوله: ﴿ في الأرض ﴾ قرينة التمثيلية.

والكلام عتاب للذين أشاروا باختيار الفداء والميللِ إليه، وغضّ النظر عن الأخذ بالحزم في قطع دابر صناديد المشركين، فإنّ في هلاكهم خضداً لشوكة قومهم فهذا ترجيح للمقتضَى السياسي العَرضي على المقتَضَى الذي بُني عليه الإسلام وهو التيسير والرفق في شؤون المسلمين بعضهم مع بعض كما قال تعالى: ﴿ أشداء على الكفار رحماء بينهم ﴾ [الفتح: 29].

وقد كان هذا المسلك السياسي خفيّاً حتّى كأنه ممّا استأثر الله به، وفي الترمذي، عن الأعمش: أنّهم في يوم بدر سبقوا إلى الغنائم قبل أن تحلّ لهم، وهذا قول غريب فقد ثبت أنّ النبي صلى الله عليه وسلم استشارهم، وهو في الصحيح.

وقرأ الجمهور ﴿ أن يكون له ﴾ بتحتية على أسلوب التذكير.

وقرأه أبو عمرو، ويعقوب، وأبو جعفر بمثناة فوقية على صيغة التأنيث، لأنّ ضمير جمع التكسير يجوز تأنيثه بتأويل الجماعة.

والخطاب في قوله: ﴿ تريدون ﴾ للفريق الذين أشاروا بأخذ الفداء وفيه إشارة إلى أنّ الرسول عليه الصلاة والسلام غيرُ معاتَب لأنّه إنّما أخذ برأي الجمهور وجملة: ﴿ تريدون ﴾ إلى آخرها واقعة موقع العلّة للنهي الذي تضمّنته آية ﴿ ما كان لنبيء ﴾ فلذلك فصلت، لأنّ العلّة بمنزلة الجملة المبيِّنة.

و ﴿ عرض الدنيا ﴾ هو المال، وإنّما سُمّي عرضاً لأنّ الانتفاع به قليل اللبث، فأشبه الشيء العارض إذ العروض مرور الشيء وعدم مكثه لأنه يعرض للماشين بدون تهيّؤ.

والمراد عرض الدنيا المحض وهو أخذ المال لمجرد التمتع به.

والإرادة هنا بمعنى المحبّة، أي: تحبون منافع الدنيا والله يحبّ ثواب الآخرة، ومعنى محبّة الله إيّاها محبّته ذلك للناس، أي يحبّ لكم ثواب الآخرة، فعلّق فعل الإرادة بذات الآخرة، والمقصود نفعها بقرينة قوله: ﴿ تريدون عرض الدنيا ﴾ فهو حذف مضاف للإيجاز، وممّا يحسنه أنّ الآخرة المرادة للمؤمن لا يخالط نفعها ضرّ ولا مشقّة، بخلاف نفع الدنيا.

وإنما ذكر مع ﴿ الدنيا ﴾ المضافُ ولم يحذف: لأنّ في ذكره إشعاراً بعروضه وسرعة زواله.

وإنّما أحبّ الله نفع الآخرة: لأنّه نفع خالد، ولأنّه أثر الأعمال النافعة للدين الحقّ، وصلاح الفرد والجماعة.

وقد نصب الله على نفع الآخرة أمارات، هي أمارات أمره ونهيه، فكلّ عرض من أعراض الدنيا ليس فيه حظّ من نفع الآخرة، فهو غير محبوب لله تعالى، وكلّ عرض من الدنيا فيه نفع من الآخرة ففيه محبّة من الله تعالى، وهذا الفداء الذي أحبّوه لم يكن يَحفّ به من الأمارات ما يدلّ على أنّ الله لا يحبّه، ولذلك تعيّن أنّ عتاب المسلمين على اختيارهم إيّاه حين استشارهم الرسول عليه الصلاة والسلام إنّما هو عتاب على نوايا في نفوس جمهور الجيش، حين تخيّروا الفداء أي أنهم مَا راعوا فيه إلا محبّة المال لنفع أنفسهم فعاتبهم الله على ذلك لينبّههم على أنّ حقيقاً عليهم أن لا ينسوا في سائر أحوالهم وآرائهم، الالتفات إلى نفع الدين وما يعود عليه بالقوة، فإنّ أبا بكر قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند الاستشارة «قومك وأهلك استبقهم لعلّ الله أن يتوب عليهم وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك» فنظر إلى مصلحة دينية من جهتين ولعلَّ هذا الملحظ لم يكن عند جمهور أهل الجيش.

ويجوز عندي أن يكون قوله: ﴿ تريدون عرض الدنيا ﴾ مستعملاً في معنى الاستفهام الإنكاري، والمعنى: لعلّكم تحبّون عرض الدنيا فإنّ الله يحبّ لكم الثواب وقوة الدين، لأنّه لو كان المنظور إليه هو النفع الدنيوي؛ لكان حفظ أنفس الناس مقدّماً على إسعافهم بالمال، فلما وجب عليهم بذل نفوسهم في الجهاد.

فالمعنى: يوشك أن تكون حالكم كحال من لا يحبّ إلاّ عرض الدنيا، تحذيراً لهم من التوغل في إيثار الحظوظ العاجلة.

وجملة: ﴿ والله عزيز حكيم ﴾ عطف على جملة: ﴿ والله يريد الأخرة ﴾ عطفاً يؤذن بأنّ لهذين الوصفين أثراً في أنّه يريد الآخرة، فيكون كالتعليل، وهو يفيد أنّ حظ الآخرة هو الحظّ الحقّ، ولذلك يريده العزيز الحكيم.

فوصف ﴿ العزيز ﴾ يدلّ على الاستغناء على الاحتياج، وعلى الرفعة والمقدرة، ولذلك لا يليق به إلاّ محبة الأمور النفيسة، وهذا يومئ إلى أن أولياءه ينبغي لهم أن يكونوا أعزّاء كقوله في الآية الأخرى: ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴾ [المنافقون: 8] فلأجل ذلك كان اللائق بهم أن يربأوا بنفوسهم عن التعلّق بسفاسف الأمور وأن يجنحوا إلى معاليها.

ووصف الحكيم يقتضي أنّه العالم بالمنافع الحقّ على ما هي عليه، لأنّ الحكمة العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه.

وجملة: ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ إلخ مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأنّ الكلام السابق يؤذن بأنّ مفاداة الأسرى أمر مرهوب تخشى عواقبه، فيستثير سؤالاً في نفوسهم عمّا يترقّب من ذلك، فبيّنه قوله: ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ الآية.

والمراد بالكتاب المكتوب، وهو من الكتابة التي هي التعيين والتقدير، وقد نكر الكتاب تنكير نوعية وإبهام، أي: لولا وجود سنّة تشريع سبق عن الله.

وذلك الكتاب هو عذر المستشار وعذر المجتهد في اجتهاده إذا أخطأ، فقد استشارهم النبي صلى الله عليه وسلم فأشاروا بما فيه مصلحة رأوها وأخذ بما أشاروا به ولولا ذلك لكانت مخالفتهم لما يحبّه الله اجتراء على الله يوجب أن يمسّهم عذاب عظيم.

وهذه الآية تدل على أن لله حكماً في كل حادثة، وأنه نَصَب على حكمه أمارة هي دليل المجتهد وأن مخطئه من المجتهدين لا يأثم بل يؤجر.

و«في» للتعليل، والعذاب يجوز أن يكون عذاب الآخرة.

ويجوز أن يكون العذاب المنفي عذاباً في الدنيا، أي: لولا قدر من الله سبق من لطفه بكم فصرف بلطفه وعنايته عن المؤمنين عذاباً كان من شأن أخذهم الفداء أن يسبّبه لهم ويوقعهم فيه.

وهذا العذاب عذاب دنيوي، لأنّ عذاب الآخرة لا يترتّب إلاّ على مخالفة شرع سابق، ولم يسبق من الشرع ما يحرّم عليهم أخذ الفداء، كيف وقد خيّروا فيه لمّا استشيروا، وهو أيضاً عذاب من شأنه أن يجرّه عملهم جرّ الأسباب لمسبباتها، وليس عذابَ غضب من الله، لأنّ ذلك لا يترتّب إلاّ على معاص عظيمة، فالمراد بالعذاب أنّ أولئك الأسرى الذين فادَوهم كانوا صناديد المشركين وقد تخلّصوا من القتل والأسر يحملون في صدورهم حنقاً فكان من معتاد أمثالهم في مثل ذلك أن يسعَوا في قومهم إلى أخذ ثار قتلاهم واسترداد أموالهم فلو فعلوا لكانت دائرة عظيمة على المسلمين، ولكنّ الله سَلَّم المسلمين من ذلك فصرف المشركين عن محبّة أخذ الثأر، وألهاهم بما شغلهم عن معاودة قتال المسلمين، فذلك الصرف هو من الكتاب الذي سبق عند الله تعالى.

وقد حصل من هذه الآية تحذير المسلمين من العودة للفداء في مثل هذه الحالة، وبذلك كانت تشريعاً للمستقبل كما ذكرناه آنفاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ ﴾ وهَذا نَزَلَ في أسْرى بِدُرٍّ حِينَ اسْتَقَرَّ رَأْيُ النَّبِيِّ  فِيهِمْ بَعْدَ مُشاوَرَةِ أصْحابِهِ عَلى الفِداءِ بِالمالِ، كُلُّ أسِيرٍ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، فَأنْكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِ وأنَّهُ ما كانَ لَهُ أنْ يُفادِيَ الأسْرى.

﴿ حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما هو الغَلَبَةُ والِاسْتِيلاءُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: هو كَثْرَةُ القَتْلِ لِيُعَزَّ بِهِ المُسْلِمُونَ ويُذِلَّ بِهِ المُشْرِكِينَ.

قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا ﴾ يَعْنِي المالَ، سَمّاهُ عَرَضًا لِقِلَّةِ بَقائِهِ.

﴿ واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ ﴾ يَعْنِي العَمَلَ بِما يُوجِبُ ثَوابَ الآخِرَةِ.

﴿ لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ يَعْنِي ما أخَذْتُمُوهُ مِنَ المالِ في فِداءِ أسْرى بَدْرٍ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ ﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لِأهْلِ بَدْرٍ أنْ يُعَذِّبَهم لَمَسَّهم فِيما أخَذُوهُ مِن فِداءِ أسْرى بَدْرٍ عَذابٌ عَظِيمٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ في أنَّهُ سَيُحِلُّ لَكُمُ الغَنائِمَ لَمَسَّكم في تَعَجُّلِها مِن أهْلِ بَدْرٍ عَذابٌ عَظِيمٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو هُرَيْرَةَ والحَسَنُ وعُبَيْدَةُ.

والثّالِثُ: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ أنْ لا يُؤاخِذَ أحَدًا بِعَمَلٍ أتاهُ عَلى جَهالَةٍ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والرّابِعُ: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ وهو القُرْآنُ الَّذِي آمَنتُمْ بِهِ المُقْتَضِي غُفْرانَ الصَّغائِرِ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.

«وَكانَ النَّبِيُّ  شاوَرَ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ في أسْرى بَدْرٍ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: هم قَوْمُكَ وعَشِيرَتُكَ فاسْتَبْقِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَهْدِيَهم، وقالَ عُمَرُ: هم أعْداءُ اللَّهِ وأعْداءُ رَسُولِهِ كَذَّبُوكَ وأخْرَجُوكَ فاضْرِبْ أعْناقَهم، فَمالَ رَسُولُ اللَّهِ  ، بَعْدَ انْصِرافِهِ عَنْهم إلى قَوْلِ أبِي بَكْرٍ وأخَذَ فِداءَ الأسْرى لِيَتَقَوّى بِهِ المُسْلِمُونَ، وقالَ: (أنْتُمْ عالَةٌ بِعَيْنَيِ المُهاجِرِينَ فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ النَّبِيُّ  : (لَوْ عُذِّبْنا في هَذا الأمْرِ يا عُمَرُ لَما نَجا غَيْرُكَ» ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ تَحْلِيلَ الغَنائِمِ والفِداءَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الحاكم وصححه عن أنس رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ أن يكون له أسرى ﴾ » .

وأخرج أحمد عن أنس رضي الله عنه قال: استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس في الأسارى يوم بدر فقال: إن الله أمكنكم منهم، فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم؟

فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أيها الناس إن الله قد أمكنكم منهم وإنما هم إخوانكم بالأمس.

فقام عمر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم؟

فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عاد فقال مثل ذلك، فقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء.

فعفا عنهم وقبل منهم الفداء، فنزل ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ [ الأنفال: 68] الآية» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه في الآية قال «استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، قد أعطاك الظفر ونصرك عليهم ففادهم، فيكون عوناً لأصحابك، واستشار عمر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، أضرب أعناقهم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحمكما الله...

!ما أشبهكما باثنين مضيا قبلكما: نوح وإبراهيم، أما نوح فقال: ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ﴾ [ نوح: الآية 26] وأما إبراهيم فإنه يقول ﴿ فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ﴾ [ إبراهيم: 36]» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «لما كان يوم بدر جيء بالأسارى فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، قومك وأهلك استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم.

وقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، كذبوك وأخرجوك وقاتلوك قدمهم فأضرب أعناقهم.

وقال عبدالله بن رواحة رضي الله عنه: أنظروا وادياً كثير الحطب فاضرمه عليهم ناراً.

فقال العباس رضي الله عنه وهو يسمع ما يقول: قطعت رحمك.

فدخل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليهم شيئاً فقال أناس: يأخذ بقول أبي بكر رضي الله عنه؟

وقال أناس: يأخذ بقول عمر رضي الله عنه؟

فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم عليه السلام قال: ﴿ فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ﴾ [ إبراهيم: 36] ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى عليه السلام قال: ﴿ إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ﴾ ومثلك يا عمر كمثل نوح عليه السلام إذ قال: ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ [ نوح: 26] ومثلك يا عمر كمثل موسى عليه السلام إذ قال: ﴿ ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ﴾ [ يونس: 88] أنتم عالة، فلا ينفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق.

فقال عبدالله رضي الله عنه: يا رسول الله، الا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإِسلام، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع عليّ الحجارة مني في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلا سهيل بن بيضاء، فأنزل الله تعالى ﴿ ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ﴾ إلى آخر الآيتين» .

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: فضل عمر رضي الله عنه عن الناس بأربع: بذكره الأسارى يوم بدر فأمر بقتلهم فأنزل الله: ﴿ لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ﴾ ، وبذكره الحجاب، أمر نساء النبي صلى الله عليه وسلم فقالت زينب رضي الله عنها: وإنك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا؟

فأنزل الله: ﴿ وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ﴾ [ الأحزاب: 53] ، ودعوة نبي الله اللهم أيد الإِسلام بعمر، ورأيه في أبي بكر رضي عنه كان أول الناس بايعه.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «استشار النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر رضي الله عنهما في أسارى بدر، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، استبق قومك وخذ الفداء.

وقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، اقتلهم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو اجتمعتما ما عصيتكما، فأنزل الله: ﴿ ما كان لنبي أن يكون له أسرى ﴾ الآية» .

وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأسارى يوم بدر «إن شئتم فاقتلوهم وإن شئتم فاديتم واستمتعتم بالفداء واستشهد منكم بعدتهم، فكان آخر السبعين ثابت بن قيس رضي الله عنه استشهد يوم اليمامة» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة عن أبي عبيدة رضي الله عنه قال: «نزل جبريل عليه السلام على النبي يوم بدر فقال: إن ربك يخبرك إن شئت أن تقتل هؤلاء الأسارى وان شئت أن تفادي بهم ويقتل من أصحابك مثلهم، فاستشار أصحابه، فقالوا: نفاديهم فنقوى بهم ويكرم الله بالشهادة من يشاء» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس من أسارى بدر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ملكان من الملائكة أحدهما أحلى من الشهد والآخر أمر من الصبر، ونبيان من الأنبياء أحدهما أحلى على قومه من الشهد والآخر أمر على قومه من الصبر، فإما النبيان فنوح قال: ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ [ نوح: 26] ، وأما الآخر فإبراهيم إذ قال: ﴿ فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ﴾ [ إبراهيم: 36] ، وأما الملكان فجبريل وميكائيل، هذا صاحب الشدة وهذا صاحب اللين.

ومثلهما في أمتي، أبو بكر وعمر» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: ألا أخبركما بمثليكما في الملائكة ومثليكما في الأنبياء، مثلك يا أبا بكر في الملائكة كمثل ميكائيل ينزل بالرحمة، ومثلك في الأنبياء مثل إبراهيم قال: ﴿ فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ﴾ [ إبراهيم: 36] ومثلك يا عمر في الملائكة مثل جبريل ينزل بالشدة والبأس والنقمة على أعداء الله، ومثلك في الأنبياء مثل نوح قال: ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ [ نوح: 26] » .

وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق مجاهد رضي الله عنه عن ابن عمر رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أشار أبو بكر رضي الله عنه فقال: قومك وعشيرتك، فخل سبيلهم، فاستشار عمر رضي الله عنه فقال: اقتلهم.

ففاداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿ ما كان لنبي أن يكون له أسرى...

﴾ الآية.

فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه فقال: كاد أن يصيبنا في خلافك شر» .

وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «لما أسر الأسارى يوم بدر، أسر العباس فيمن أسر، أسره رجل من الأنصار وقد وعدته الأنصار أن يقتلوه، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لم أنم الليلة من أجل عمي العباس، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه، فقال له عمر: فآتيهم؟

قال: نعم.

فأتى عمر رضي الله عنه الأنصار فقال لهم: ارسلوا العباس.

فقالوا: لا والله لا نرسله.

فقال لهم عمر رضي الله عنه: فإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم رضا؟

قالوا: فإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم رضا فخذه.

فأخذه عمر رضي الله عنه، فلما صار في يده قال له: يا عباس، أسلم فوالله لأن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب، وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه إسلامك.

قال: فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه، فقال أبو بكر رضي الله عنه: عشيرتك فأرسلهم، فاستشار عمر رضي الله عنه فقال: اقتلهم.

ففاداهم رسول الله، فأنزل الله: ﴿ ما كان لنبي أن يكون له أسرى ﴾ الآية» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل يوم بدر صبراً إلا ثلاثة.

عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحرث، وطعمة بن عدي، وكان النضر أسره المقداد» .

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «اختلف الناس في أسارى بدر، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، فقال أبو بكر رضي الله عنه: فادهم.

وقال عمر رضي الله عنه: اقتلهم.

قال قائل: أرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهدم الإِسلام ويأمره أبو بكر بالفداء...

!

وقال قائل: لو كان فيهم أبو عمر أو أخوه ما أمره بقتلهم...

!

فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول أبي بكر ففاداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿ ولولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كاد ليمسنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم، ولو نزل العذاب ما أفلت إلا عمر» .

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والترمذي وصححه والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه من طريق أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر تعجل الناس إلى الغنائم فأصابوها قبل أن تحل لهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الغنيمة لا تحل لأحد سود الرؤوس قبلكم، كان النبي وأصحابه إذا غنموا جمعوها ونزلت نار من السماء فأهلكتها، فأنزل الله هذه الآية ﴿ لولا كتاب من الله سبق...

﴾ إلى آخر الآيتين» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ قال: يقول لولا أنه سبق في علمي أني سأحل المغانم ﴿ لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ﴾ قال: وكان العباس بن عبد المطلب يقول: أعطاني الله هذه الآية ﴿ يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى ﴾ [ الأنفال: 70] وأعطاني بما أخذ مني أربعين أوقية أربعين عبداً.

وأخرج إسحاق بن راهويه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ﴾ يعني غنائم بدر قبل أن يحلها لهم يقول: لولا أني أعذب من عصاني حتى أتقدم إليه لمسكم عذاب عظيم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ما كان لنبي أن يكون له أسرى ﴾ قال: ذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم، أنزل الله تعالى بعد هذا في الأسارى ﴿ فإمَّا منَّا بعد وإما فداء ﴾ [ محمد: 4] فجعل الله النبي والمؤمنين في أمر الأسارى بالخيار إن شاءوا قتلوهم، وإن شاءوا استعبدوهم، وإن شاءوا فادوهم، وفي قوله: ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ يعني في الكتاب الأول أن المغانم والأسارى حلال لكم ﴿ لمسكم فيما أخذتم ﴾ من الأسارى ﴿ عذاب عظيم، فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً ﴾ قال: وكان الله تعالى قد كتب في أم الكتاب المغانم والأسارى حلالاً لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته ولم يكن أحله لأمة قبلهم، وأخذوا المغانم وأسروا الأسارى قبل أن ينزل إليهم في ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ حتى يثخن في الأرض ﴾ يقول: حتى يظهروا على الأرض.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: الإِثخان هو القتل.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ﴾ قال: نزلت الرخصة بعد، إنْ شئتَ فمنّ وإنْ شئتَ ففاد.

وأخرج ابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ تريدون عرض الدنيا ﴾ قال: أراد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر الفداء، ففادوهم بأربعة آلاف أربعة آلاف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ تريدون عرض الدنيا ﴾ يعني الخراج.

وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن زيد رضي الله عنه قال: ليس أحد يعمل عملاً يريد به وجه الله يأخذ عليه شيئاً من عرض الدنيا إلا كان حظه منه.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال: لو لم يكن لنا ذنوب نخاف على أنفسنا منها إلا حبنا للدنيا لخشينا على أنفسنا، إن الله يقول ﴿ تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ﴾ أريدوا ما أراد الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ قال: سبق لهم المغفرة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ قال: سبق لأهل بدر من السعادة ﴿ لمسكم فيما أخذتم ﴾ قال: من الفداء ﴿ عذاب عظيم ﴾ .

وأخرج النسائي وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ قال: سبقت لهم من الله الرحمة قبل أن يعملوا المعصية.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن خيثمة رضي الله عنه قال: كان سعد رضي الله عنه جالساً ذات يوم وعنده نفر من أصحابه إذ ذكر رجلاً فنالوا منه، فقال: مهلاً عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنا أذنبنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذنباً، فأنزل الله: ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ قال: فكنا نرى أنها رحمة من الله سبقت لنا.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ قال: في أنه لا يعذب أحداً حتى يبين له ويتقدم إليه.

وأخرج مسلم والترمذي وابن المنذر والبيهقي في الدلائل وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون» .

وأخرج أحمد وابن المنذر عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلي، ونصرت بالرعب فيرعب العدوّ وهو مني مسيرة شهر، وقال لي: سل تعطه.

فاختبأت دعوتي شفاعة لأمتي وهي نائلة منكم إن شاء الله من لقي الله لا يشرك به شيئاً، وأحلت لأمتي الغنائم» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لم تكن الغنائم تحل لأحد كان قبلنا، فطيبها الله لنا لما علم الله من ضعفنا» ، فأنزل الله فيما سبق من كتابه إحلال الغنائم ﴿ لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ﴾ فقالوا: والله يا رسول الله، لا نأخذ لهم قليلاً ولا كثيراً حتى نعلم أحلال هو أم حرام؟

فطيبه الله لهم، فأنزل الله تعالى ﴿ فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً واتقوا الله إن الله غفور رحيم ﴾ فلما أحل الله لهم فداهم وأموالهم.

قال الأسارى: ما لنا عند الله من خير قد قتلنا وأسرنا، فأنزل الله يبشرهم ﴿ يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى ﴾ [ الأنفال: 70] إلى قوله: ﴿ والله عليم حكيم ﴾ [ الأنفال: 71] .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كانت الغنائم قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم في الأمم، إذا أصابوا منه جعلوه في القربان وحرم الله عليهم أن يأكلوا منها قليلاً أو كثيراً، حرم ذلك على كل نبي وعلى أمته، فكانوا لا يأكلون منه ولا يغلون منه ولا يأخذون منه قليلاً ولا كثيراً إلا عذبهم الله عليه، وكان الله حرمه عليهم تحريماً شديداً فلم يحله لنبي إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم، قد كان سبق من الله في قضائه أن المغنم له ولأمته حلال، فذلك قوله يوم بدر في أخذه الفداء من الأسارى ﴿ لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ﴾ .

وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق عن ابن عباس رضي الله عنهما، لما رغبوا في الفداء أنزلت ﴿ ما كان لنبي...

﴾ إلى قوله: ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ الآية.

قال: سبق من الله رحمته لمن شهد بدراً، فتجاوز الله عنهم وأحلها لهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ ﴾ الآية، قال عطاء عن ابن عباس: لولا كتاب من الله سبق يا محمد أن الغنائم لك ولأمتك حلال ﴿ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ ﴾ من الفداء ﴿ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ (١) (٢) وقال قتادة: سبق لهم الخير، وأنه سيحل لهم الغنائم (٣) (٤) (٥) ورواية الوالبي وابن (٦) (٧) ﴿ لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ ﴾ في أنه أطعم هذه الأمة الغنيمة (٨) وقال محمد بن إسحاق: لولا كتاب من الله سبق أني لا أعذب إلا بعد النهي -ولم يكن نهاهم- لعذبتكم فيما صنعتم (٩) (١٠) ونحو هذا قال مجاهد فقال: لولا كتاب من الله سبق، لقوله: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ  ﴾ سبق أن لا يؤاخذ قومًا فعلوا شيئًا بجهالة (١١) وقال ابن زيد: سبق من الله العفو عنهم والرحمة لهم (١٢)  - (١٣) وقال أبو علي الفارسي: المراد بقوله: ﴿ لَوْلَا كِتَابٌ ﴾ ما في الآية الأخرى من قوله: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ  ﴾ الآية (١٤) وقال ابن زيد: لم يكن أحد من المسلمين ممن حضر إلا أحب الغنائم غير عمر جعل لا يلقى أسيرًا إلا ضرب عنقه، وقال: يا رسول الله: مالنا والغنائم، نحن قوم نجاهد في دين الله حتى يعبد الله، فقال رسول الله  : "لو عذبنا في هذا الأمر ما نجا غيرك" (١٥) وقال ابن إسحاق: قال رسول الله -  -: "لو نزل عذاب من السماء لم ينج إلا سعد بن معاذ لقوله: يا رسول الله: كان الإثخان في القتل أحب إليّ من استبقاء الرجال" (١٦) وروى عطاء، عن ابن عباس [و] (١٧) (١٨)  : "لو نزل عذاب ما سلم منه إلا عمر، ولو بعث بعدي نبي لبعث عمر" (١٩)  - أن يقتل الأسارى (٢٠) (١) لم أجد من ذكر هذه الرواية، وقد رواه ابن أبي حاتم 5/ 1734 من رواية الوالبي بلفظ: لولا كتاب من الله سبق، يعني في الكتاب الأول أن المغانم والأسارى حلال لكم، ﴿ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ ، ورواه أبن جرير 10/ 45 من رواية العوفي بلفظ: كان قد سبق من الله في قضائه أن المغنم له ولأمته حلال.

(٢) رواه ابن أبي حاتم 5/ 1734.

(٣) رواه ابن جرير 10/ 47.

(٤) هو: العوفي، وقد روى قوله ابن جرير 10/ 45 عنه، عن ابن عباس.

(٥) انظر: قوله في "تفسير عبد الرزاق" 1/ 2/ 262، وابن جرير 10/ 45 - 46.

(٦) هكذا، والصواب: أبو، انظر: "الوسيط" 2/ 472.

(٧) انظر: "الوسيط" 2/ 472، ورواه ابن أبي حاتم 5/ 1734 من رواية الوالبي، ورواه ابن جرير 10/ 45 من رواية عطية العوفي.

(٨) رواه بنحوه ابن جرير 10/ 45.

(٩) "سيرة ابن هشام" 2/ 323.

(١٠) انظر: "الوسيط" 2/ 472، ولم أقف عليه في مصدر آخر.

(١١) رواه ابن جرير 10/ 47 وفيه زيادة.

(١٢) رواه ابن جرير 10/ 47، وابن أبي حاتم 5/ 1734.

(١٣) هذا قول مجاهد والحسن البصري وقتادة وسعيد بن جبير.

انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 46 - 47، وابن الجوزي 3/ 382.

(١٤) "المسائل الحلبيات" ص 305 - 306.

(١٥) رواه ابن جرير 10/ 48، وابن أبي حاتم 5/ 1735، والأثر ضعيف؛ لأن عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم من الطبقة الثامنة (الطبقة الوسطى من أتباع التابعين)، وهو ضعيف.

انظر: "تقريب التهذيب" ص 340 (3865).

(١٦) رواه ابن جرير 10/ 48، عن ابن إسحاق، ولم أجده في مظانه في "سيرة ابن هشام"، وقد روى ابن إسحاق قول سعد دون قول الرسول  .

انظر: "سيرة ابن هشام" 2/ 269.

(١٧) هكذا في جميع النسخ، وهي زيادة لا معنى لها.

(١٨) ساقط من (م) و (س).

(١٩) لم أجده بهذا السياق، وقد ذكر شطره الأول المصنف في"الوسيط" 2/ 473، وذكره الزمخشري 2/ 168 دون ذكر الراوي، ورواه ابن جرير 10/ 48، عن ابن زيد، كما رواه ابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه، عن ابن عمر كما في "الدر المنثور" 3/ 366 وروى شطره الثاني الترمذي في"سننه" كتاب المناقب 5/ 619 (3686)، وأحمد في"المسند" 4/ 154، والحاكم في"المستدرك" كتاب معرفة الصحابة 3/ 85 وصححه، ووافقه الذهبي.

(٢٠) هذا التعليل للشطر الأول فقط كما هو ظاهر.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى ﴾ لما أخذ الأسرى يوم بدر أشار أبو بكر بحياتهم، وأشار عمر بقتلهم.

فنزلت الآية عتاباً على استبقائهم ﴿ حتى يُثْخِنَ فِي الأرض ﴾ أي يبايع في القتال ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا ﴾ عتاب لمن رغب في فداء الأسرى ﴿ لَّوْلاَ كتاب مِّنَ الله سَبَقَ ﴾ الكتاب ما قضاه الله في الأزل من العفو عنهم، وقيل: ما قضاه الله من تحليل الغنائم لهم ﴿ فِيمَآ أَخَذْتُمْ ﴾ يريد به الأسرى وفداؤهم، ولما نزلت الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو نزل عذاب ما نجا منه غيرك يا عمر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أن تكون ﴾ بالتاء الفوقانية: أبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد ﴿ أسارى ﴾ يزيد والمفضل.

الآخرون ﴿ أسرى ﴾ من الأسارى.

يزيد أبو عمرو والمفضل.

الباقون من الأسرى.

﴿ من ولايتهم ﴾ بكسر الواو حمزة.

والباقون: بفتحها.

الوقوف: ﴿ في الأرض ﴾ ط لتقدير الاستفهام أي أتريدون ﴿ الآخرة ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ ويغفر لكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ أولياء بعض ﴾ ط ﴿ حتى يهاجروا ﴾ ج ﴿ ميثاق ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ أولياء بعض ﴾ ط ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ حقا ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ في كتاب الله ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه.

التفسير: هذا حكم آخر من أحكام الجهاد ومعنى ما كان ما صح وما استقام والإثخان كثرة القتل وإشاعته من الثخانة التي هي الغلظ والكثافة والمعنى فيه تذليل الكفر وإضعافه وإعزاز الإسلام وإظهاره بإشاعة القتل في الكفرة.

روي أن رسول الله  أتى بسبعين أسيراً - فيهم العباس عمه وعقيل بن أبي طالب - فاستشار أبا بكر.

فيهم فقال: قومك وأهلك فاستبقهم لعل الله أن يتوب عليهم وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك.

وقال عمر: كذبوك وأخرجوك فقدّمهم واضرب أعناقهم فإن هؤلاء أئمة الكفر وإن الله أغناك عن الفداء، مكن علياً من عقيل وحمزة من العباس ومكني من فلان لنسيب له فلنضرب أعناقهم.

فقال النبي  : "إن الله ليليِّن قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال ﴿ فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم  ﴾ ومثلك يا عمر مثل نوح قال ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً  ﴾ ثم قال لأصحابه: أنتم اليوم عالة فلا يفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق" .

وروي إنه قال لهم: "إن شئتم قتلتموهم وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدّتهم.

فقالوا: بل نأخذ الفداء فاستشهدوا بأحد وكان فداء الأسارى عشرين أوقية وفداء العباس أربعين أوقية" .

وعن محمد بن سيرين كان فداؤهم مائة أوقية والأوقية أربعون درهماً.

"وروي أنهم لما أخذوا الفداء نزلت الآية فدخل عمر على رسول الله صل الله عليه وسلم فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال: يا رسول الله أخبرني فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت فقال: أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء ولقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة منه" .

وروي أنه قال: "لو نزل عذاب من السماء لما نجا منه غير عمر.

وسعد بن معاذ لقوله: كان الإثخان في القتل أحب إليّ" .

واعلم أن الطاعنين في عصمة الأنبياء عليهم السلام تمسكوا في هذا المقام بوجوه: الأول: ﴿ وما كان لنبي ﴾ صريح في النهي وقد حصل الأسر بدليل ﴿ قل لمن في أيديكم من الأسرى ﴾ الثاني: أنهم أمروا بالقتل يوم بدر في قوله ﴿ فاضربوا فوق الأعناق ﴾ فكان الأسر معصية.

وأجيب بأن قوله ﴿ حتى يثخن ﴾ يدل على أن الأسر كان مشروعاً ولكن بشرط الإثخان ولا شك أن الصحابة قتلوا يوم بدر خلقاً عظيماً فلعل العتاب إنما ترتب لأن الإثخان أمر غير مضبوط فظنوا أن ذلك القدر من القتل بلغ حد الإثخان فأخطأوا في الاجتهاد وكان قوله ﴿ فاضربوا فوق الأعناق ﴾ تكليفاً مختصاً بحالة الحرب فلم يتناول الأسر بعد انهزام الكفار.

الثالث: قالوا: الحكم بأخذ الفداء معصية وإلا لم يتوجه الذم في قوله ﴿ تريدون عرض الدنيا ﴾ أي حطامها سمي بذلك لأنه سريع الزوال كالعرض قسيم الجوهر ﴿ والله يريد الآخرة ﴾ أي ثوابها أو ما هو سبب الجنة وهو إعزاز الإسلام بإشاعة القتل في أعدائه.

وقرىء بجر الآخرة أي عرض الآخرة على التقابل.

﴿ والله عزيز ﴾ يغلب أولياؤه على أعدائه ويقهرونهم ويلجئونهم إلى القتل والفداء بعد الأسر ولكنه ﴿ حكيم ﴾ لا يرخص في أخذ الفداء إلا بعد إفشاء القتل في الأعداء.والجواب أن كل ذلك محمول على ترك الأولى وكذا الكلام في قوله ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ أي لولا حكم من الله سبق إثباته في اللوح وهو أنه لا يعاقب أحداً يخطىء في الاجتهاد لأنهم نظروا في أن استبقاءهم ربما كان سبباً في إسلامهم وتوبتهم وحصول أولاد منهم مسلمين، وإن فداءهم يتقوى به على الجهاد في سبيل الله، وخفي عليهم أن قتلهم أعزّ للإسلام وأهيب لمن وراءهم.

قال ابن عباس: هذا الحكم إنما كان يوم بدر لأن المسلمين كانوا قليلين فلما كثروا وقوي إسلامهم أنزل الله بعد ذلك في الأسارى ﴿ حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء  ﴾ قال بعض العلماء: هذا الكلام يوهم أن مقتضى الآيتين مختلف وليس كذلك فإن كلتاهما تدل على أنه لا بد من تقديم الإثخان على الداء.

وعن سعيد بن جبير ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ بأنه سيحل لكم الفدية وكأن قرب الوقت من التحليل يوجب تخفيف العقاب.

وقال محمد بن إسحق ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ أنه لا يعذب أحداً إلا بعد تأكيد الحجة وتقديم النهي.

وحاصل هذا القول يرجع إلى ترك الأولى ذلك أن الأولى وغير الأولى يشتركان في كونهما مباحين وإنما يعاتب على ترك الأولى لا على سبيل العقوبة بل على سبيل الحث على فعل الأولى.

وعن بعضهم المراد حكم الله بأنه لا يعذب من شهد بدراً.

واعترض بأنه يلزم أن لا يكونوا مكلفين.

والجواب أن عدم العقاب على الذنب لا يوجب عدم التكليف فلعل التكليف لأجل زيادة الثواب.

وقيل: لولا كتاب سبق بالعفو عن هذه الواقعة لكان استحقاق مس العذاب حاصلاً.

روي أنهم أمسكوا عن الغنائم أو عن أخذ الفداء لأنه من جملة الغنائم فنزلت ﴿ فكلوا ﴾ والفاء للتسبيب ومعنى الآية قد أبحت لكم الغنائم فكلوا و ﴿ حلالاً ﴾ نصب على الحال من المغنوم أو صفة للمصدر أي أكلاً حلالاً ﴿ واتقوا الله ﴾ فيما يستقبل فلا تقدموا على شيء لم تؤمروا به ﴿ إن الله غفور ﴾ لما فرط منكم من ترك الأولى ﴿ رحيم ﴾ فبذلك رخص لكم فيما رخص من أخذ الفداء ثم قال لاستمالة قلوب الأسارى ﴿ يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى أن يعلم الله ﴾ إن يظهر معلومه أن ﴿ في قلوبكم خيراً ﴾ وهو الإيمان والعزم على طاعة الله وطاعة رسوله في جميع التكاليف والتوبة عن الكفر وعن جميع المعاصي ويدخل فيه العزم على نصرة الرسول والتوبة عن محاربته ﴿ يؤتكم ﴾ في الدنيا ﴿ خيراً مما أخذ منكم ﴾ من المنافع العاجلة ﴿ ويغفر لكم ﴾ في الآخرة، أو المراد بالخير إيصال الثواب وبالمغفرة إزالة العقاب.

ثم إنا قد نعلم أن كل من خلص من الأسر وآمن فقد آتاه الله في الدنيا خيراً لدلالة الآية على ذلك إجمالاً، وذلك الخير إن كان دينياً فلا شك أن كلهم قد وجدوا ذلك لأن قليل الدنيا مع الإيمان أعظم من كثير الدنيا مع الكفر، وإن كان دنيوياً فتفضيل ذلك غير معلوم إلا ما روي عن بعضهم كالعباس روى أن رسول الله  قدم عليه مال البحرين ثمانون ألفاً، فتوضأ لصلاة الظهر وما صلى حتى فرقه وأمر العباس أن يأخذ منه فأخذ ما قدر على حمله وكان يقول: هذا خير مما أخذ مني وأنا أرجو المغفرة.

وقال ابن عباس: نزلت الآية في العباس وعقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحرث.

وكان العباس أسر بدر ومعه عشرون أوقية من الذهب أخرجها ليطعم الناس، وكان أحد العشرة الذين ضمنوا الطعام لأهل بدر فلم تبلغه النوبة حتى أسر فقال العباس.

كنت مسلماً إلا أنهم استكرهوني فقال  : إن يكن ما تذكره حقاً فالله يجزيك فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا.

قال العباس: وكلمت رسول الله  أن يترك ذلك الذهب عليّ فقال: أما شيء خرجت به تستعين به علينا فلا.

قال: وكلفني الرسول  فداء ابن أخي عقيل بن أبي طالب عشرين أوقية وفداء نوفل بن الحرث.

فقال العباس: تركتني يا محمد أتكفف قريشاً: فقال رسول الله عليه وسلم: فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة وقلت لها: لا أدري ما يصيبني في وجهي فإن حدث فيّ حدث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل.

فقال العباس: وما يدريك؟

قال: أخبرني به ربي.

قال العباس: فأنا أشهد أنك صادق وأن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله والله لم يطلع عليه أحد إلا الله، ولقد دفعته إليها في سواد الليل ولقد كنت مرتاباً في أمرك فأما إذا أخبرتني بذلك فلا ريب.

قال العباس: فأبدلني الله خيراً من ذلك لي الآن عشرون عبداً إن أدناهم ليضرب في عشرين ألفاً، وأعطاني زمزم ما أحب أن لي بها جمع أموال أهل مكة وأنا أنتظر المغفرة من ربي.

ثم قال ﴿ وإن يريدوا خيانتك ﴾ أي نكث ما بايعوك عليه، روي أنه  لما أطلقهم من الأسر عهد معهم أن لا يعودوا إلى محاربته وإلى معاضدة المشركين كما هو العادة فيمن يطلق من الحبس والأسر.

وقيل: المراد من الخيانة منع ما ضمنوا من الفداء.

﴿ فقد خانوا الله من قبل ﴾ في كفرهم به ونقض ما أخذ على كل عاقل من ميثاقه.

﴿ فأمكن ﴾ أي المؤمنين ﴿ منهم ﴾ يوم بدر قتلاً وأسراً فذاقوا وبال أمرهم فسيمكن المؤمنين منهم مرة أخرى إن أعادوا الخيانة ﴿ والله عليم ﴾ بأحوالهم ﴿ حكيم ﴾ فيجازيهم على حسب أعمالهم.

واعلم أن رسول الله  إنما ظهرت نبوته بمكة ودعا الناس هناك إلى الدين ثم انتقل منها إلى المدينة، فمن المؤمنين من وافقه في الهجرة وهم المهاجرون الأولون، ومنهم من لم يوافقه في ذلك، ومنهم من هاجر بعد هجرته فذكر في خاتمة هذه السورة أحكام هذه الأصناف وأحوالهم مع ذكر أنصاره بالمدينة ومع ذكر الكفار أيضاً فقال ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ ويدخل فيه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والانقياد لجميع التكاليف ﴿ وهاجروا ﴾ فارقوا الأوطان وتركوا الأقارب والجيران في طلب مرضاة الله ﴿ وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ﴾ أما المجاهدة بالأموال فلأنهم إذا فارقوا الديار ضاعت مساكنهم ومزارعهم وضيعاتهم وبقيت في أيدي الأعداء واحتاجوا إلى الإنفاق في تلك العزيمة والسفرة وفي الغزوات والمحاربات، وأما المجاهدة بالأنفس فيكفي في وصف ذلك أنهم أقدموا على قتال أهل بدر من غير آلة ولا عدّة والأعداء في غاية الكثرة ونهاية الشدّة، وذلك يدل على أنهم أزالوا أطماعهم عن الحياة وبذلوا أرواحهم في سبيل الله وكانوا أول الناس إقداماً على هذه الأفعال والتزاماً لهذه الخصال، ولهذه المسابقة أثر عظيم في تقوية الدين ﴿ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا  ﴾ وذلك أن غيرهم يقتدي بهم وتقوى دواعيهم بما يرون منهم، والمحن تخف على القلوب بالمشاركة، ولأن المهاجرين لهم سابقة في الإسلام ذكر الله  الأنصار بعدهم فقال ﴿ والذين آووا ونصروا ﴾ أي الذين أنزلوا المهاجرين بهم وجعلوا لهم مأوى أي نصروهم على أعدائهم ﴿ أولئك بعضهم أولياء بعض ﴾ أطبق جم غفير من المفسرين كابن عباس وغيره على أن المراد بهذه الولاية الإرث؛ كان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنصرة دون القرابة حتى نسخ ذلك بقوله ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ﴾ واستبعد الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله هذا التفسير لأنه يستلزم النسخ واستلزام النسخ محذور منه ما أمكن، ولأن لفظ الولاية يشعر بالقرب حيث يطلق دون الإرث كقولهم: السلطان ولي من لا ولي له.

وقال  ﴿ ألا أن أولياء الله لا خوف عليهم  ﴾ فإذن المراد أن المهاجرين والأنصار يعظم بعضهم بعضاً وبينهم معاونة وتناصر وأنهم يد واحدة على الأعداء، وأن حب كل واحد لغيره جار مجرى حبه لنفسه، أما قوله ﴿ والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء ﴾ فوجهت قراءة حمزة بأن تولي بعضهم بعضاً شبه بالعمل والصناعة والتجارة والقصارة كأنه بتولية صاحبه يزاول أمراً ويباشر عملاً.

قال المفسرون: لا يجوز أن يكون المراد بهذه الولاية النصرة والمعونة وإلا لم يصح عطف ﴿ وإن استنصروكم ﴾ عليه لأن الشيء لا يعطف على مثله، فالمراد بها الإرث كما مر.

وأجيب بأنا لو حملناهما على التعظيم زال الإشكال وحصل التغاير لأن أهل الإيمان قد ينصر بعض أهل الذمة في بعض الأحوال مع أنهم لا يوالونهم بمعنى الإجلال والتعظيم، وكذا قد ينصر المرء عبده ولا تعظيم جعل الله  حكم هؤلاء المؤمنين متوسطاً بين الأولين وبين الكفرة من حيث إنه نفى عنهم الولاية قبل أن يهاجروا وأثبت لهم النصرة عند الاستنصار إلا على الكفار المعاهدين لأنهم لا يبدأون بالقتال.

ثم قال ﴿ والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ﴾ ظاهره إثبات الموالاة بينهم والغرض نهي المسلمين عن مولاتهم وإن كانوا أقارب، وأن يتركوا يتوارث بعضهم بعضاً.

وفيه أن المشركين واليهود والنصارى لما اشتركوا في عداوة محمد  صارت هذه الجهة موجبة لانضمام بعضهم إلى بعض وقرب بعضهم من بعض وإن كان كل واحد منهم في نهاية الإنكار لصاحبه وذلك من أدل الدلائل أن تلك العداوة ليست لأجل الدين ولكنها محض الحسد والعناد، ومن جعل الولاية في هذه الآيات بمعنى الإرث استدل بذلك على أن الكفار في التوارث على اختلاف مللهم كأهل ملة واحدة، فالمجوسي يرث الوثني، والنصراني يرث المجوسي، واليهودي يرث النصراني وبالعكس.

ثم قال ﴿ لا تفعلوه ﴾ أي ما أمرتكم به من موالاة المسلمين المهاجرين ومن عدم موالاة غير المهاجرين إلا في حالة الاستنصار ومن عدم موالاة الكفرة أصلاً ﴿ تكن فتنة ﴾ أي تحصل مفاسد عظيمة ﴿ في الأرض ﴾ من تفرق الكلمة واختلاط المؤمن بالكافر ووقوع الهرج والمرج.

ثم كرر تعظيماً لشأن المؤمنين وثناء عليهم قوله ﴿ والذين آمنوا وهاجروا ﴾ الآية.

فوصفهم بأنهم هم المؤمنون حقاً و ﴿ لهم مغفرة ورزق كريم ﴾ وقد تقدم تفسير مثله في أول السورة.

والحاصل أن هذه السعادات العالية إنما حصلت لهم لأنهم أعرضوا عن اللذات الجسمانية فتركوا الأهل والوطن وبذلوا النفس والمال، وفيه تنبيه على أنه لا طريق إلى تحصيل السعادات إلا بالإعراض عن هذه الجسمانيات.

ثم وصف اللاحقين بالهجرة بعد السابقين إليها فقال ﴿ والذين آمنوا من بعد ﴾ نقل الواحدي عن ابن عباس: أن المراد بعد الحديبية وهي الهجرة الثانية.

وقيل: بعد نزول الآية.

وقيل: بعد يوم بدر والأصح أن المراد والذين هاجروا بعد الهجرة الأولى ﴿ فأولئك منكم ﴾ ألحقهم بالأولين تشريفاً للآخرين وتعظيماً لشأن السابقين، ولولا كون القسم الأول أشرف لما صح هذا الإلحاق.

ثم ختم الكلام بقوله ﴿ وأولوا الأرحام ﴾ أي ذوو القرابات ﴿ بعضهم أولى ببعض ﴾ أي أحق بهم وأجدر ﴿ في كتاب الله ﴾ أي في حكمه وقسمته أو في اللوح أو في القرآن وهو آية المواريث.

وهذه الآية ناسخة عند الأكثرين للتوارث بالهجرة والنصرة، أما الذين فسروا تلك الولاية بالنصرة والمحبة والتعظيم فإنهم قالوا: لما كانت تلك الولاية مخالفة للولاية بسبب الميراث بيّن الله  في هذه الآية أن ولاية الإرث إنما تحصل بسبب القرابة فيكون المقصود من هذا الكلام إزالة ذلك الوهم أعني إزالة وهم من يجعل الولاية بمعنى الإرث.

وقد تمسك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في توريث ذوي الأرحام وهم ذوو قرابة ليست بسبب فرض ولا عصوبة أو كل قريب يخرج عن أصحاب الفروض والعصبات وإنهم عشرة أصناف: الجد أو الأم وكل جد وجدة ساقطين، وأولاد البنات، وبنات الإخوة، وأولاد الأخوات، وبنو الإخوة للأم والعم للأم، وبنات الأعمام والعمات والأخوال والخالات.

والخلاف في أنه إذا لم يوجد ذو فرض أو عصبة فهل يورث ذوو الأرحام أو يوضع المال في بيت المال؟

فقدمهم أبو حنيفة على بيت المال للآية، وعكس الشافعي وقال: إن الآية مجملة في الشيء الذي حصلت فيه هذه الأولوية فلما قال ﴿ في كتاب الله ﴾ كان معناه في الحكم الذي بينه الله في كتابه فصارت هذه الآية مقيدة بأحكام آية الميراث فلا تبقى حجة في توريث ذوي الأرحام.

واعلم أنه  قال في أول الآيات ﴿ وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ﴾ في براءة بتقديم ﴿ في سبيل الله ﴾ لأن في هذه السورة تقدم ذكر المال والفداء والغنيمة في قوله ﴿ تريدون عرض الدنيا ﴾ وفي قوله ﴿ لمسكم فيما أخذتم ﴾ أي من الفداء وفي قوله ﴿ فكلوا مما غنمتم ﴾ وفي براءة تقدم ذكر الجهاد في سبيل الله وهو قوله ﴿ ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم  ﴾ وفي قوله ﴿ كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله  ﴾ ثم إنه حذف من الآية الثانية ﴿ بأموالهم وأنفسهم ﴾ اكتفاء بما في الأولى وحذف في الثالثة ﴿ في سبيل الله ﴾ أيضاً اكتفاء بما في الآيتين قبلها والله أعلم.

ثم ختم السورة بقوله ﴿ إن الله بكل شيء عليم ﴾ والمراد أن هذه الأحكام التي ذكرتها وفصلتها كلها حكم وصواب وصلاح وليس فيها عيب وعبث، لأن العالم بجميع المعلومات لا يحكم إلا بالصواب ونظيره أن الملائكة لما ﴿ قال أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ قال مجيباً لهم ﴿ أني أعلم ما لا تعلمون  ﴾ .

التأويل: ﴿ ما كان لنبي ﴾ الروح ﴿ أن يكون له أسرى ﴾ أي نفس مأسورة وقوى موجهة إلى تدبير أمور المعاش والدعوة إلى الله وإن كان تصرفاً بالحق للحق حتى يشيع في أرض البشرية قتل القوى والنفوس المنطبعة بسيف الرياضة والمجاهدة، لهذا كان رسول الله  قبل الوحي يتحنث في غار حراء ﴿ تريدون عرض الدنيا ﴾ فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا وكل إلى نفسه وطبعه يكون مائلاً إلى الدنيا راغباً فيها ﴿ والله يريد الاخرة ﴾ منكم أي ليس الإنسان من سجيته وطبعه أن يميل إلى الآخرة إنما هو بتوفيق الله إياه وبعنايته الأزلية ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ بأن الإنسان لا يكون منجذباً نحو عالم الأرواح بالكلية وإنما يكون متوسطاً بين العالمين مراعياً للطرفين ﴿ لمسكم فيما أخذتم ﴾ من فداء النفس المأسورة وهو التفاتها إلى تدبير البدن ﴿ عذاب عظيم ﴾ هو عذاب القطيعة والبعد عن عالم النور ﴿ فكلوا مما غنمتم ﴾ من أوقات الجهاد الأكبر من الأنوار والأسرار عند رفع الأستار ﴿ حلالاً طيباً ﴾ نفوسكم عن لوث محبنها فكل ما يشغل المرء عن الالتفاف إلى الله فهو شرك وصنم.

﴿ واتقوا الله ﴾ عما سواه ﴿ إن الله غفور ﴾ يستر بأنوار وجوده ظلمات وجودكم ﴿ رحيم ﴾ بكم حيث يغنيكم عنكم ويبقيكم به.

﴿ يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى ﴾ من النفوس المأسورة التي أسرت في الجهاد الأكبر عنداستيلاء سلطان الذل عليها ﴿ أن يعلم الله في قلوبكم خيراً ﴾ من الاطمئنان إلى ذكر الله والانقياد لأحكامه ﴿ يؤتكم خيراً ﴾ مما أخذ منكم من اللذات الفانية وأسبابها وذلك البقاء الحقيقي والذوق السرمدي ﴿ وإن يريدوا خيانتك ﴾ يعني الميل إلى ما جبلت النفوس عليه من طموح إلى الزخارف الدنيوية ﴿ فقد خانوا الله من قبل ﴾ بالتجاوز عن حدود الشريعة ورسوم الطريقة ﴿ فأمكن منهم ﴾ عند استيلاء الذكر عليها وقتلها بسيف الرياضة ﴿ والله عليم ﴾ بأحوالهم ﴿ حكيم ﴾ فيما دبر من أمر جهادها وتزكيتها.

﴿ والذين آووا ﴾ ذكر الله ومحبته في القلوب ﴿ ونصروا ﴾ المحبة بالذكر الدائم والطلب القائم ﴿ أولئك بعضهم أولياء بعض ﴾ في المرافقة والموافقة في الطلب والسير إلى الله ﴿ والذين آمنوا ﴾ بأن الطلب حق ﴿ ولم يهاجروا ﴾ عن أوصافهم وأفعالهم ووجودهم المجازي.

﴿ وإن استنصروكم ﴾ تمسكوا بأذيال إرادة الواصلين منكم ﴿ فعليكم النصر ﴾ بأن تدلوهم على طريق الحق بمعاملتكم وسيركم ليقتدوا بكم وبأحوالكم ﴿ إلا على قوم ﴾ أي إلا على بعض أحوالكم مما سالحتهم عليه نفوسكم بعد ما جاهدتموها وأسرتموها وأمنتم شرها، فلا تدلوا الطلاب على هذه الأحوال لئلا يميلوا إلى الصلح في أوان الجهاد ﴿ فأولئك منكم ﴾ يشير إلى أن المتأخرين إذا دخلوا في زمرة المتقدمين الواصلين فهم منهم وإنهم ذوو رحم الوصول لأنه ليس عند الله صباح ولا مساء ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "أمتي كالمطر لا يدري أوّلهم خير أم آخرهم"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

قال أبو بكر الكيساني: عاتب الله رسوله وأصحابه في أخذ الأسارى بقوله: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

وبالغ في العتاب في أخذ الفداء من الأسارى بقوله: ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ﴾ .

وكذلك روي عن رسول الله "أنه لما استشار أصحابه في الأسارى، أشار أبو بكر إلى أخذ الفداء، وعمر إلى القتل، فقال: لو نزل من السماء عذاب ما نجا إلا عمر" عاتبهم بالأخذ أخذ الأسارى، واشتد العتاب في أخذ الفداء، وأمر بالقتل وضرب الرقاب بقوله: ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ  ﴾ إنما أمر بضرب الرقاب وضرب البنان، وكذلك يخرج قوله: ﴿ لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ...

﴾ الآية [الأنفال: 68] على العتاب؛ إلى هذا يذهب أبو بكر الأصم.

وعن ابن عباس قال: لم يكن الأنبياء - صلوات الله عليهم - فيما مضى يكون لهم أسارى حتى يثخنوا في الأرض.

وعن سعيد بن جبير قال: لا يفادى أسارى المشركين، ولا يمن عليهم حتى يثخنوا بالقتل، ثم تلا: ﴿ حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ ﴾ الآية [محمد: 4]؛ إلى هذا ذهب هؤلاء.

وقوله: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ ﴾ .

يخرج تأويل الآية على وجهين: أحدهما: يقول: ما كان لنبي أن يأخذ من الأسرى الفداء، ﴿ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: يغلب، حتى إذا أخذ الفداء وسرحهم بعد ما غلب في الأرض، يكون رجوعهم إلى غير منعة وشوكة، وإذا لم يغلب في الأرض، أي: حتى يصير الدين كله لله؛ كقوله: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ الآية [البقرة: 193]، هذا كان لمن قبله، فرخص لرسوله ذلك.

وقيل في قوله: ﴿ لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ بوجوه: أحدها: ما قال أبو بكر الأصم: تأويله: لولا كتاب من الله سبق ألا يعذب المخطئين في عملهم على خلاف أمره، وإلا لمسكم العذاب فيما أخذتم من الأسارى والفداء منهم عذاب عظيم.

وقال آخرون: قوله: ﴿ لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ : أي: أحل الغنائم لهذه الأمة، وإلا لمسكم العذاب فيما أخذتم واستحللتم عذاب عظيم.

وقال بعضهم: لولا كتاب من الله سبق أنهم يتوبون عما عملوا من الأخذ وغيره، وأنه يتوب عليهم، وإلا لمسكم العذاب [بذلك وأمكن أن يكون] التأويل في غير هذا كان في قوله: ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ  ﴾ دلالة إباحة الأمر ورخصته؛ لأنه قال: ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ  ﴾ هو الإبانة من المفصل الذي تبان به الرءوس، وذلك قلما يمكن في القتال، ولا يقدر إبانه الرءوس في الحرب، إنما يمكن ذلك بعد ما أخذوا أو وقعوا في أيديهم.

وأما ما ذكر من ضرب البنان: فهو في الحرب؛ لأنه في الحرب إنما يضرب فيما ظفر ووجد السبيل إلى ذلك، ففيه دلالة.

وتأويل قوله: ﴿ لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ...

﴾ الآية: يحتمل أن يكون ملحقاً على ما سبق من قوله: ﴿ كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ...

﴾ الآية [الأنفال: 5-6]، أي: لولا [أن] من حكم الله أن يجعل لكم الظفر على إحدى الطائفتين، وإلا لمسكم العذاب بمجادلتكم رسول الله  ومخالفتكم إياه في الخروج وإرادتكم العير.

أو أن يقال: لولا أن من حكم الله ألا يعذب أحداً ولا يؤاخذه في الخطأ في العمل بالاجتهاد وإلا لمسكم ﴿ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ ، ويكون قوله: ﴿ أَخَذْتُمْ ﴾ أي: عملتم.

ثم قالت المعتزلة: في قوله: ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ﴾ دلالة على أن الله لا يريد ما أراد العباد إذا أرادوا المعصية؛ لأنه أخبر أنهم أرادوا عرض الدنيا، وهو يريد الآخرة، فهم أرادوا المعصية، وهو يريد لهم الآخرة.

ولكن التأويل عندنا أن قوله: ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ﴾ ، أي: تريدون عرض الدنيا، والله يريد حياة الآخرة وعرضها.

وبعد، فإنه قد كان الله أراد لهم الآخرة وحياتها، وهم أرادوا العير وعرض الدنيا، وقد كان ما أراد الله لهم لا ما أرادوا هم، أي: اختار لهم غير ما اختاروا هم.

وأصله أن الله - عز وجل - أراد الآخرة لأهل بدر، فكان ما أراد، ولأولئك الكفرة النار، فكان ما أراد؛ كقوله: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ٱلآخِرَةِ  ﴾ .

والأشبه أن تكون الإرادة - هاهنا - المودة والمحبة، أي: تودون وتحبون عرض الدنيا، والله يريد الآخرة، وهو ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ  ﴾ ، كانوا يودون أن القتال مع غير ذات الشوكة؛ حتى تكون لهم الغنائم.

والإرادة التي تضاف إلى الله تخرج على وجوه ثلاثة: أحدها: الرضا؛ كقوله: ﴿ سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا  ﴾ ، كانوا يستدلون بتركه إياهم على أن الله قد رضي بصنيعهم.

والثاني: الإرادة: الأمر؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ .

والثالث: الإرادة هي صفة فعل كل فاعل يخرج فعله على غير سهو وغفلة ولا طبع؛ بل يخرج على الاختيار.

وقال بعض أهل التأويل: "إن رسول الله  استشار في أسارى يوم بدر أصحابه، فقال لأبي بكر: يا أبا بكر، ما تقول فيهم؟

فقال: يا رسول الله؛ قومك وأهلك، فاستبقهم [واستأمنهم] لعل الله يتوب عليهم، وقال عمر: يا رسول الله؛ كذبوك وأخرجوك، قدمهم فاضرب أعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، انظر وادياً كثير الحطب، فأدخلهم فيه وأضرمه عليهم ناراً، فقال له العباس: قطعت رحمك، فسكت رسول الله فلم يجبهم شيئاً، ثم قام فدخل، فقال ناس: يقول بقول أبي بكر، وقال ناس: يقول بقول عمر، وقال ناس: يقول بقول عبد الله، ثم خرج عليهم رسول الله  فقال: إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم، قال: ﴿ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى؛ حيث قال: ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ﴾ وإن مثلك يا عمر كمثل موسى؛ حيث قال: ﴿ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ﴾ ، وقال: يا عمر، إن مثلك كمثل نوح؛ حيث قال: ﴿ وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً ﴾ ، ولا يسألن أحد منكم إلا بفداء أو ضربة عنق، قال عبد الله: إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكت رسول الله، فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع علي حجارة في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله  : إلا سهيل بن بيضاء، فأنزل الله: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ ﴾ إلى آخر ما ذكر" .

ثم يحتمل قوله: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ قبلكم، وأما أنتم فقد أحلت لكم الأسارى والغنيمة، ويدل - أيضاً - ما روي من الأخبار والآيات على أنه إذا أثخن في الأرض جاز له الأسر؛ لأنه لو لم يجز ذلك كما لا يجوز قبل الإثخان في الأرض، زالت فائدة الخصوص، وقد بين الله ذلك بقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ  ﴾ .

ثم اختلف أهل العلم في فداء الأسارى بالمال؛ قال ابن عباس -  - كان ذلك يوم بدر والمسلمون قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله -  - في الأسارى: ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً  ﴾ ، فجعل النبي والمؤمنين بالخيار: إن شاءوا فدوهم.

وعن الحسن قال: يصنع به ما صنع رسول الله بأسارى بدر يمن عليه أو يفادي.

وقال غيرهم بخلاف ذلك.

وقال أصحابنا: إن احتاج الإمام إلى مال فاداهم.

وقد دل ما ذكرنا من الآيات والأخبار على جواز الفداء بعد الإثخان فيهم، فإن لم يكن إلى المال محتاجاً فله قتلهم، لأن ذلك إنكاء في العدو وأشد لرهبتهم من المؤمنين، وقال: وله أن يسترقهم، فهو كما قالوا: إذا كان الأسير من أهل الكتاب أو من العجم، فأما عرب عبدة الأوثان فلا يسترقون؛ لأنا لا نعلم أحداً منهم استرقه النبي لما أسره، ولم يبلغنا أن أبا بكر استرق واحداً من أهل الردة، وكيف يجوز استرقاقهم وقد قال الله -  -: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ  ﴾ .

وأمّا الفداء والقتل: فقد ظهر من فعل رسول الله في أسارى بدر.

وفيما روي من الاستشارة - استشارة النبي أصحابه في الأسارى - دلالة العمل بالاجتهاد، وفيما روي في الخبر عن نبي الله -  - قال لأبي بكر، وعمر: "يا أبا بكر ويا عمر، إن ربي يوحي إلي أن أشاوركما، ولولا أنكما تختلفان ما عصيتكما، أو ما عملت بخلاف رأيكما فيه" - أنه لا يجوز لأحد أن يخالفهما، ورسول الله  يقول: "لولا أنكما تختلفان ما عصيتكما، أو ما عملت بخلاف رأيكما" ثم ما أخذ من الأسارى من الفداء لا يدري على أي وجه أخذ على الترك أو الردّ إلى أوطانهم من غير أن تركهم بالجزية؛ إذ من قولهم ألا يجوز الجزية [منهم] والترك على ذلك.

وفي الآية دلالة ذلك، وهو قوله: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ  ﴾ .

وفي الخبر: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" إلا أن يقال: إن المفاد إلا التي ذكر كان هذا، وهذا كان بعده، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ حَلاَلاً طَيِّباً ﴾ واحد، كل حلال طيب، وكل حرام خبيث، وإنما يطيب إذا حل، ويخبث إذا حرم، ولكن يحتمل قوله: ﴿ حَلاَلاً ﴾ بالشرع، ﴿ طَيِّباً ﴾ في الطبع، وكذلك الحرام هو حرام بالشرع، وخبيث بالطبع، وإنما يتكلم بالحل والحرمة من جهة الشرع، والطيب والخبيث بالطبع.

والطيب: هو الذي يتلذذ به ولا تبعة فيه؛ لأن خوف التبعة ينغص عليه ويذهب بطيبه ولذته.

وجائز ما ذكر من الطيب - هاهنا - لما أن أهل الشرك كانوا يأخذون الأموال ويجمعونها من وجه لا يحل، وبأسباب فاسدة، فيكرهون التناول منها إذا غنموها لتلك الأسباب الفاسدة، فطيب قلوبهم بقوله: ﴿ طَيِّباً ﴾ .

وفيه دليل جواز التقلب في البيع الفاسد وطيب التناول منه، وإن كان مكتسباً بأسباب فاسدة بعد أن يكون بإذن؛ فعلى ذلك الأول يحتمل ما ذكرنا.

وفيه دلالة أن أهل الكفر لا يؤاخذون بالأفعال التي كانت لهم في الكفر، ولا ما كانوا تركوا من العبادات؛ لما ليست عليهم، إنما يؤاخذون بالاعتقاد.

وقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .

فيما أمركم به ونهاكم عنه فلا تعصوه.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

لمن تاب ورجع عما فعل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيۤ أَيْدِيكُمْ مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ ﴾ قال عامة أهل التأويل: إن الآية نزلت في العباس بن عبد المطلب وأصحابه، وكذلك يقول ابن عباس: قالوا للنبي: آمنا بما جئت به، ونشهد إنك رسول الله؛ فنزل: ﴿ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً ﴾ ، أي: إن يعلم الله اعتقاد الإيمان والتصديق له في قلوبكم، ﴿ يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ ﴾ ، أي: إيماناً وتصديقاً، فيخلف عليكم خيراً مما أصيب عليكم.

لكنها فيه وفي غيره: من فعل مثل فعله فهو في ذلك سواء، يكون له من الموعود الذي ذكر ما يكون له.

وقوله: ﴿ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً ﴾ .

وهو الإيمان الذي علم أنهم اعتقدوا في قلوبهم.

وقوله: ﴿ يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ ﴾ .

أي: آتاكم خيراً - وهو الإيمان - مما أخذ منكم من المال الذي ذكر في القصة.

ويجوز "يفعل" مكان "فعل"؛ كقوله: ﴿ إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ  ﴾ ، أي: قال المنافقون، وذلك كثير في القرآن؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ يُؤْتِكُمْ خَيْراً ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ يُؤْتِكُمْ ﴾ أيضاً، أي: يثيبكم ويعطيكم أفضل مما أخذ منكم في الآخرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ ﴾ لما كان في الشرك؛ كقوله: ﴿ فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ  ﴾ للذنوب، وذو تجاوز، ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ يرحم في الإسلام.

ويحتمل قوله: ﴿ يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ ﴾ من الفداء، أو ما أخذ منهم بمكة؛ أخبر أنه يؤتهم خيراً من ذلك في الدنيا من الأموال وغيرها.

والإثخان: قال ابن عباس: القتل.

قال أبو معاذ: (يثخنون)، أي: يذلون، المثخن: الذليل.

[و] قال أبو عوسجة: ﴿ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ \[أي: يثخن في أهل الأرض\]، يكثر القتلى والجراحات؛ يقال: أثخنت في القوم: إذا أكثرت فيهم القتل والجراحات، ويقال: ضربه حتى أثخنه، أي: ضربه حتى لا يقدر على القيام، وهو ما ذكر محمد في بعض مسائله: أنه إذا رمى صيداً بسهم فأصابه حتى أثخنه، ثم رمى آخر بسهم فأصابه - فإنه للأول؛ لما أنه صيره بالإثخان خارجاً من أن يكون صيداً، وهو الضرب الذي وصفناه.

وثخن يثخن ثخانة فهو ثخين، وثخن يثخن ثخونة واحد، أي: غلظ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ﴾ .

يحتمل أن تكون الآية صلة ما سبق من الآيات، وهو قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ...

﴾ الآية [الأنفال: 56]، وقوله: ﴿ وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ...

﴾ الآية [الأنفال: 62] وغير ذلك ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً ﴾ ونحوه، فقال: ﴿ وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ ﴾ : في نقض العهد وغير ذلك الأمانات، ﴿ فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ ﴾ \[يحتمل قوله: فقد خانوا الله من قبل\] فيما عاهدوا أن يوفوا ذلك كقولهم: ﴿ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ  ﴾ فقد أنجاهم الله عن ذلك فلم يكونوا من الشاكرين، وكقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ  ﴾ ، فقد آتاهم الله ذلك فلم يفوا ما عاهدوا، وغير ذلك من العهود التي عاهدوا، والأمانات التي أؤتمنوا فيها، فخانوا الله في ذلك.

أو ما عهد إليهم في أمر محمد، وإظهار نعته وصفته في كتبهم، فكتموا ذلك، وحرفوه، وأظهروا خلاف نعته وصفته، فذلك منهم خيانة، فيقول: إنهم قد خانوا الله من قبل، فأمكن الله منهم، فإذا خانوك يمكنك الله منهم أيضاً.

وقوله: ﴿ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ﴾ \[قال بعضهم: أمكن منهم\] أي: انتقم منهم جزاء خيانتهم، وقال [بعضهم]: أمكنك حتى انتقمت منهم.

وقوله: ﴿ وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ ﴾ ليس على الإرادة، ولكن على وقوع فعل الخيانة؛ كأنه قال: وإن خانوك فقد خانوا الله من قبل، لكنه ذكر الإرادة؛ لما هي صفة كل فاعل مختار؛ لما لا تكون الأفعال إلا بإرادة.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ : بما يسرون ويضمرون من الخيانة ونقض العهود، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ : في أمره وحكمه حيث أمكنك منهم.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ ﴾ أي: خانوك بعد إسلامهم بالكفر بك.

﴿ فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ ﴾ أي: فقد كفروا بالله قبل هذا؛ يقول: إن خانوك أمكنك منهم فقتلتهم وأسرتهم، كما فعلت بهم ببدر.

﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ بخلقه، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ : في أمره.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لولا كتاب من الله سبق به قضاؤه وقدره أنه أحل لكم الغنائم، وأباح لكم فداء الأسرى لأصابكم عذاب شديد من الله بسبب ما أخذتم من الغنيمة والفداء من الأسرى قبل نزول وحي من الله بإباحة ذلك.

<div class="verse-tafsir" id="91.qj49D"

مزيد من التفاسير لسورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله