الآية ٨ من سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٨ من سورة الأنفال

لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ ٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 94 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨ من سورة الأنفال عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ويريد الله أن يقطع دابر الكافرين، كيما يحق الحق, كيما يُعبد الله وحده دون الآلهة والأصنام, ويعزّ الإسلام, وذلك هو " تحقيق الحق "=(ويبطل الباطل)، يقول ويبطل عبادة الآلهة والأوثان والكفر، ولو كره ذلك الذين أجرموا فاكتسبوا المآثم والأوزار من الكفار.

(107) 15733- حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: (ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون)، هم المشركون.

* * * وقيل: إن " الحق " في هذا الموضع، الله عز وجل.

------------------------ الهوامش: (107) انظر تفسير " المجرم " فيما سلف ص : 70 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ليحق الحق أي يظهر دين الإسلام ويعزه ويبطل الباطل ولو كره المجرمون أي الكفر .

وإبطاله إعدامه ; كما أن إحقاق الحق إظهاره بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولو كره المجرمون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

.

لِيُحِقَّ الْحَقَّ بما يظهر من الشواهد والبراهين على صحته وصدقه،.

وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ بما يقيم من الأدلة والشواهد على بطلانه وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ فلا يبالي اللّه بهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ليحق الحق ) ليثبت الإسلام ، ( ويبطل الباطل ) أي : يفني الكفر ( ولو كره المجرمون ) المشركون .

وكانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة ليلة من شهر رمضان .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ليُحق الحق ويبطل» يمحق «الباطل» الكفر «ولو كره المجرمون» المشركون ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ليعزَّ الله الإسلام وأهله، ويذهب الشرك وأهله، ولو كره المشركون ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - الحكمة فى اختيار ذات الشوكة لهم ، ونصرتهم عليهم فقال : ( لِيُحِقَّ الحق وَيُبْطِلَ الباطل وَلَوْ كَرِهَ المجرمون ) .أى : فعل ما فعل من النصرة والظفر بالأعداد ( لِيُحِقَّ الحق ) أى : ليثبت الدين الحق دين شوقوله : ( وَلَوْ كَرِهَ المجرمون ) بيان لنفاذ إرادته - سبحانه - أى : اقتضت إرادته أن يعز الدين الحق وهو دين الإِسلام ، وأن يمحق ما سواه ، ولو كره المشركون ذلك ، لأن كراهيتهم لا وزن لها ، ولا تعويل عليها .

.وبهذا يتبين أنه لا تكرار بين الآيتيتن السابقتين ، لأن المراد بإحقاق الحق فى قوله - تعالى - ( وَيُرِيدُ الله أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ) : إعلاؤه وإظهاره ونصرته عن طريق قتال المؤمنين للمشركين .والمراد بإحقاق الحق فى قوله بعد ذلك فى الآية الثانية ( لِيُحِقَّ الحق وَيُبْطِلَ الباطل ) : تثبيت دين الإِسلام وتقويته وإظهار شريعته ، ويمحق دين الكفر .فكان ما اشتملت عليه الآية الأولى هو الوسيلة والسبب وما اشتملت عليه الآية الثانية هو المقصد والغاية .وقد بسط هذا المعنى الإِمام الرازى فقال ما ملخصه : فإن قيل : أليس قوله : ( وَيُرِيدُ الله أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ) ثم قوله بعد ذلك : ( لِيُحِقَّ الحق ) تكرارا محضا ، فالجواب : ليس ههنا تكرير؛ لأن المراد بالأول سبب ما وعد به فى هذه الواقعة من النصر والظفر بالأعداء ، والمراد بالثانى؛ تقوية القرآن والدين ونصرة هذه الشريعة ، لأن الذى وقع من المؤمنين يوم بدر بالكافرين ، كان سببا لعزة الدين وقوته ، ولهذا السبب قرنه بقوله ( وَيُبْطِلَ الباطل ) الذى هو الشرك ، وذلك فى مقابلة ( الحق ) الذى هو الدين والإِيمان .وإلى هنا نرى السورة الكريمة قد حدثتنا فى الأربع الآيات الأولى منها عن حكم الله - تعالى - فى غنائم بدر بعد أن اختلف بعض المؤمنين فى شأنها ، وعن صفات المؤمنين الصادقين الذين يستحقون من الله - تعالى - أرفع الدرجات .ثم حدثتنا فى الأربع الثانية منها عن حال بعض المؤمنين عندما دعاهم النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى قتال أعدائهم ، وعن مجادلتهم له فى ذلك ، وعن إيثارهم المال على القتال ، وعن إرادة ما هو خير لهم فى دنياهم وآخرتهم ، وفى ذلك ما فيه من العبر والعظات لقوم يعقلون .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله: ﴿ إِذْ ﴾ منصوب بإضمار اذكر أنها لكم بدل من إحدى الطائفتين.

قال الفراء والزجاج: ومثله قوله تعالى: ﴿ هَلُ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً  ﴾ ﴿ وَأَنْ ﴾ في موضع نصب كما نصب الساعة، وقوله أيضاً: ﴿ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مؤمنات لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن  ﴾ ﴿ أن ﴾ في موضع رفع بلولاً.

والطائفتان: العير والنفير: وغير ذات الشوكة.

العير.

لأنه لم يكن فيها إلا أربعون فارساً والشوكة كانت في النفير لعددهم وعدتهم.

والشوكة الحدة مستعارة من واحدة الشوك، ويقال شوك القنا لسنانها، ومنه قولهم شاكي السلاح.

أي تتمنون أن يكون لكم العير لأنها الطائفة التي لا حدة لها ولا شدة، ولا تريدون الطائفة الأخرى ولكن الله أراد التوجه إلى الطائفة الأخرى ليحق الحق بكلماته، وفيه سؤالات: السؤال الأول: أليس أن قوله: ﴿ يُرِيدُ الله أَن يُحِقَّ الحَقَّ بكلماته ﴾ ثم قوله بعد ذلك: ﴿ لِيُحِقَّ الحق ﴾ تكرير محض؟

والجواب: ليس هاهنا تكرير لأن المراد بالأول سبب ما وعد به في هذه الواقعة من النصر والظفر بالأعداء، والمراد بالثاني تقوية القرآن والدين ونصرة هذه الشريعة، لأن الذي وقع من المؤمنين يوم بدر بالكافرين كان سبباً لعزة الدين وقوته، ولهذا السبب قرنه بقوله: ﴿ وَيُبْطِلَ الباطل ﴾ الذي هو الشرك، ولك في مقابلة ﴿ الحق ﴾ الذي هو الدين والإيمان.

السؤال الثاني: الحق حق لذاته، والباطل باطل لذاته، وما ثبت للشيء لذاته فإنه يمتنع تحصيله بجعل جاعل وفعل فاعل فما المراد من تحقيق الحق وإبطال الباطل؟

والجواب: المراد من تحقيق الحق وإبطال الباطل، بإظهار كون ذلك الحق حقاً، وإظهار كون ذلك الباطل باطلاً، وذلك تارة يكون بإظهار الدلائل والبينات، وتارة بتقوية رؤساء الحق وقهر رؤوساء الباطل.

واعلم أن أصحابنا تمسكوا في مسألة خلق الأفعال بقوله تعالى: ﴿ لِيُحِقَّ الحق ﴾ قالوا وجب حمله على أنه يوجد الحق ويكونه، والحق ليس إلا الدين والاعتقاد، فدل هذا على أن الاعتقاد الحق لا يحصل إلا بتكوين الله تعالى.

قالوا: ولا يمكن حمل تحقيق الحق على إظهار آثاره لأن ذلك الظهور حصل بفعل العباد، فامتنع أيضاً إضافة ذلك الإظهار إلى الله تعالى، ولا يمكن أن يقال المراد من إظهاره وضع الدلائل عليها، لأن هذا المعنى حاصل بالنسبة إلى الكافر وإلى المسلم.

وقبل هذه الواقعة، وبعدها فلا يحصل لتخصيص هذه الواقعة بهذا المعنى فائدة أصلاً.

واعلم أن المعتزلة أيضاً تمسكوا بعين هذه الآية على صحة مذهبهم.

فقالوا هذه الآية تدل على أنه لا يريد تحقيق الباطل وإبطال الحق البتة، بل إنه تعالى أبداً يريد تحقيق الحق وإبطال الباطل، وذلك يبطل قول من يقول إنه لا باطل ولا كفر إلا والله تعالى مريد له.

وأجاب أصحابنا بأنه ثبت في أصول الفقه أن المفرد المحلى بالألف واللام ينصرف إلى المعهود السابق فهذه الآية دلت على أنه تعالى أراد تحقيق الحق وإبطال الباطل في هذه الصورة، فلم قلتم إن الأمر كذلك في جميع الصور؟

بل قد بينا بالدليل أن هذه الآية تدل على صحة قولنا.

أما قوله: ﴿ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكافرين ﴾ فالدابر الآخر فاعل من دبر إذا أدبر، ومنه دابرة الطائر وقطع الدابر عبارة عن الاستئصال، والمراد أنكم تريدون العير للفوز بالمال، والله تعالى يريد أن تتوجهوا إلى النفير، لما فيه من إعلاء الدين الحق واستئصال الكافرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: بم يتعلق قوله: ﴿ لِيُحِقَّ الحق ﴾ ؟

قلت: بمحذوف تقديره: ليحق الحق ويبطل الباطل فعل ذلك، ما فعله إلا لهما.

وهو إثبات الإسلام وإظهاره، وإبطال الكفر ومحقه.

فإن قلت: أليس هذا تكريراً؟

قلت: لا، لأنّ المعنيين متباينان، وذلك أنّ الأوّل تمييز بين الإرادتين وهذا بيان لغرضه فيما فعل من اختيار ذات الشوكة على غيرها لهم ونصرتهم عليها، وأنه ما نصرهم ولا خذل أولئك إلا لهذا الغرض الذي هو سيد الأغراض.

ويجب أن يقدّر المحذوف متأخراً حتى يفيد معنى الاختصاص فينطبق عليه المعنى: وقيل: قد تعلق بيقطع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ ﴾ عَلى إضْمارِ اذْكُرْ، وإحْدى ثانِي مَفْعُولَيْ يَعِدُكُمُ وقَدْ أُبْدِلَ مِنها ﴿ أنَّها لَكُمْ ﴾ بَدَلَ الِاشْتِمالِ.

﴿ وَتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ﴾ يَعْنِي العِيرَ فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيها إلّا أرْبَعُونَ فارِسًا ولِذَلِكَ يَتَمَنَّوْنَها ويَكْرَهُونَ مُلاقاةَ النَّفِيرِ لِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، وعُدَدِهِمْ والشَّوْكَةُ الحِدَّةُ مُسْتَعارَةٌ مِن واحِدَةِ الشَّوْكِ.

﴿ وَيُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ ﴾ أيْ يُثْبِتَهُ ويُعْلِيَهِ.

﴿ بِكَلِماتِهِ ﴾ المُوحى بِها في هَذِهِ الحالِ، أوْ بِأوامِرِهِ لِلْمَلائِكَةِ بِالإمْدادِ، وقُرِئَ « بِكَلِمَتِهِ» .

﴿ وَيَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ ﴾ ويَسْتَأْصِلَهم، والمَعْنى: أنَّكم تُرِيدُونَ أنْ تُصِيبُوا مالًا ولا تَلْقَوْا مَكْرُوهًا، واللَّهُ يُرِيدُ إعْلاءَ الدِّينِ وإظْهارَ الحَقِّ وما يَحْصُلُ لَكم فَوْزُ الدّارَيْنِ.

﴿ لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ ﴾ أيْ فَعَلَ ما فَعَلَ ولَيْسَ بِتَكْرِيرٍ، لِأنَّ الأوَّلَ لِبَيانِ المُرادِ وما بَيْنَهُ وبَيْنَ مُرادِهِمْ مِنَ التَّفاوُتِ، والثّانِي لِبَيانِ الدّاعِي إلى حَمْلِ الرَّسُولِ عَلى اخْتِيارِ ذاتِ الشَّوْكَةِ ونَصْرِهِ عَلَيْها.

﴿ وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ ﴾ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ليحق الحق} متعلق بيقطع أو بحذوف بقديره ليحق الحق {وَيُبْطِلَ الباطل} فعل ذلك والمقدر متأخر ليفغيد الاختصاص أى ما فعله إلا لهما هوه إثبات الاصلام وإظهراه وإبطال الكفر ومحقه وليس هذا بتكرارا لأن الأول تمييز بين الإرتديتن وهذا بيان لمراده فيما فعل من اختيار ذات الشوكة على غيرها لهم ونصرتهم علهيا {وَلَوْ كَرِهَ المجرمون} المشركون ذلك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِبَيانِ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى اخْتِيارِ ذاتِ الشَّوْكَةِ ونَصْرِهِمْ عَلَيْها مَعَ إرادَتِهِمْ لِغَيْرِها، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مُؤَخَّرٍ عَنْها، أيْ: لِهَذِهِ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ فُعِلَ ما فُعِلَ لا لِشَيْءٍ آخَرَ، ولَيْسَ فِيهِ مَعَ ما تَقَدَّمَ تَكْرارٌ؛ إذِ الأوَّلُ لِبَيانِ تَفاوُتِ ما بَيْنَ الإرادَتَيْنِ وهَذا لِبَيانِ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى ما ذُكِرَ.

وأشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّ هَذا نَظِيرُ قَوْلِكَ: أرَدْتَ أنْ تَفْعَلَ الباطِلَ وأرَدْتُ أنْ أفْعَلَ الحَقَّ فَفَعَلْتُ ما أرَدْتُهُ لِكَذا لا لِمُقْتَضى إرادَتِكَ ولَيْسَ نَظِيرَ قَوْلِكَ: أرَدْتُ أنْ أُكْرِمَ زَيْدًا لِإكْرامِهِ لِيَكُونَ فِيهِ ما يَكُونُ، ومَعْنى إبْطالِ الباطِلِ عَلى طَرْزِ ما أشَرْنا إلَيْهِ في إحْقاقِ الحَقِّ ﴿ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ ﴾ ذَلِكَ أعْنِي إحْقاقَ الحَقِّ وإبْطالَ الباطِلِ، والمُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ لا مَن كَرِهَ الذَّهابَ إلى النَّفِيرِ لِأنَّهُ جُرْمٌ مِنهم كَما قِيلَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ، يعني: الغنيمة إما العير وإما العسكر.

وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ، يعني تمنون غير ذات السلاح.

وقال القتبي: ومنه قيل: فلان شاك في السلاح، ويقال: غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ يعني: شدة القتال.

تَكُونُ لَكُمْ الغنيمة، وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ، يعني: أن يظهر الإسلام بتحقيقه بما أنزل عليك من القرآن.

وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ، يعني: يهلك الشرك ويستأصله.

لِيُحِقَّ الْحَقَّ، يعني: ليظهر الإسلام.

وَيُبْطِلَ الْباطِلَ، يعني: الشرك.

وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ، أي: المشركون.

فقال لهم النبيّ  : «سِيرُوا عَلَىَ بَرَكَةِ الله، فَإِنِي رَأَيْتُ مَصَارِعَ القَومِ» .

وجاءت قريش وأدركوا العير وأفلتوهم، فقال بعضهم لبعض: إنما خرجتم لأجل العير، فلما وجدتم العير فارجعوا سالمين.

فقال أبو جهل: لا نرجع حتى نقتل محمداً ومن معه.

فسار النبيّ  حتى نزل بدراً بجانب الوادي الأدنى، ونزل المشركون على جانبه الأقصى على الماء، والوادي فيما بينهما.

فصلى رسول الله  تلك الليلة، حتى أوتر وكانت ليلة النصف من شهر شعبان، وقال في قنوته: «اللَّهُمَّ لا تُفْلِتَنَّ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشّامِ وَفُلاَناً وفلاناً» فباتوا تلك الليلة وقد أجنبوا وليس معهم ماء، فأتاهم الشيطان عند ذلك فوسوس إليهم، فقال: تزعمون أنكم على دين الله، وأنكم تصلون محدثين مجنبين، والمشركون على الماء.

وكان الوادي ذا رمل تغيب فيه الأقدام، فمطرت السماء حتى سال الوادي، فاشتد ذلك الرمل واغتسل المسلمون من جنابتهم وشرّبوا وسقوا دوابهم فذلك قوله: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال: 11] إلى قوله: وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ [الأنفال: 11] .

وكان عليّ والزبير يحرسان رسول الله  ، فجاء سقاة قريش يستقون الماء، فأخذهم عليّ والزبير، فسألاهم عن أبي سفيان، فقالوا: ما لنا بأبي سفيان من علم.

فقالا: فمع من أنتم؟

فقالوا: مع قريش من أهل مكة.

فقالا: فكم هم؟

قالوا: لا ندري، هم كثير، فضرباهم فقالوا: هم قليل فتركاهم.

فقال رسول الله  : «تَضْرِبُونَهُمْ إنْ صَدَقُوكُمْ، وَتَتْرُكُونَهُمْ إن كذبوكم» .

فدعاهم رسول الله  وقال: «كَم القَوْمُ» ؟

فقالوا: كم هم، وهم كثير فلا ندري كم هم، فقال: «كَمْ يُنْحَرُ لهم في كل يوم» ؟

فقالوا: في يوم ينحر لهم عشرة جذور، وفي يوم تسعة.

فقال النبيّ  : «القَوْمُ ما بَيْنَ تِسْعِمائَةٍ إلى أَلْفٍ» وكانت عدتهم تسعمائة وخمسين، وكانوا قد خرجوا من مكة ألفاً ومائتين وخمسين، فرجع الأخنس بن شريق مع ثلاثمائة من بني زهرة مع العير، وبقي تسعمائة وخمسون رجلاً.

فصلى رسول الله  صلاة الخوف (١)  : «أَبْشِرْ يا أبا بَكْرٍ، فإنّي رأيت جبريل معتمرا بِعِمَامةٍ، يقودُ فَرَساً بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ» .

فأمدَّه الله بجبريل في ألف من الملائكة، وميكائيل في ألف من الملائكة، وإسرافيل في ألف من الملائكة فذلك قوله يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ [آل عمران: 124] .

فقال أبو جهل: اللهم انصر أحب الدينين إليك، ديننا العتيق ودين محمد الحديث.

فقال عتبة بن ربيعة: يا معشر قريش، إن محمداً رجل منكم، فإن يكن نبياً فأنتم أسعد الناس به، وإن يكن ملكاً تعيشوا في ملك أخيكم، وإن يك كاذباً يقتله سواكم، لا يكون هذا منكم، وإني مع ذلك لأرى قوماً زرق العيون لا يموتون حتى يقتلوا عدداً منكم.

فقال أبو جهل: يا أبا الوليد، جبنت وانتفخ سحرك.

فقال له عتبة: يا كذاب ستعلم اليوم أيّنا الجبان، فلبس لأمته، وخرج معه أخوه شيبة بن ربيعة، وخرج معه ابنه الوليد بن عتبة، وتقدموا إلى القوم وقالوا: يا محمد، ابعث إلينا أكفاءنا.

فخرج إليهم قوم من الأنصار، فقالوا لهم: من أنتم؟

فقالوا: نحن أنصار الله ورسوله، فقالوا: لا نريدكم، ولكن نريد إخواننا من قريش، فانصرفوا.

فقال النبيّ  : «يا بَنِي هَاشمٍ تَقَدَّمُوا إليهم» فقام إليهم علي بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطلب، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وعليهم البيض، فقال لهم عتبة: تكلموا حتى نعرفكم.

فقال حمزة: أنا أسد الله وأسد رسوله.

فقال عتبة: كفوء كريم.

قال: فمن هذان معك؟

فقال: علي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث.

فذهب الشيخ إلى الشيخ والشاب إلى الشاب والكهل إلى الكهل.

فذهب عبيدة إلى شيبة بن ربيعة وكلاهما شيخان، وذهب عليّ إلى الوليد بن عتبة وكلاهما شابان، وذهب حمزة إلى عتبة بن ربيعة وكلاهما كهلان.

فقتل حمزة بن عبد المطلب عتبة بن ربيعة، وقتل علي بن أبي طالب الوليد بن عتبة، واختلف عبيدة بن الحارث وشيبة بن ربيعة ضربتين، ضرب عبيدة بالسيف على رأس شيبة بن ربيعة، وضرب شيبة ضربة في رجل عبيدة.

فمال حمزة وعليٌّ على شيبة بن ربيعة، فقتلا شيبة وحملا عبيدة إلى العسكر، فمات عبيدة في حال انصرافهم قبل أن يصل إلى المدينة، فدفن بمضيق الصفراء.

ففي هذا الخبر دليل من الفقه: أن المشركين إذا طلبوا البراز، فلا بأس للمؤمنين بأن يخرجوا بغير إذن الإمام ما لم ينههم عن ذلك، لأن الأنصار قد خرجوا قبل أن يأذن لهم رسول الله  ، وفيه دليل: أنه لا بأس بأن ينصر أحد المبارزين صاحبه، لأن حمزة وعليّاً قد أعانا عبيدة على قتل شيبة.

وفيه دليل: أنه لا بأس بالافتخار عند الحرب، لأن حمزة قال: أنا أسد الله، وأسد رسوله.

ولا بأس بأن يتبختر في مشيته في حال القتال.

ثم خرج مهجع مولى عمر بن الخطاب، فأصابته رمية بين الصفين، وكان أول قتيل يوم بدر.

وحرّض رسول الله  الناس على القتال، فقال عمير بن الحمام السلمي، وهو قائم وفي يده تمرات يأكلها فقال: يا رسول الله، إن قتلت في سبيل الله فلي الجنة؟

قال: «نعم» .

فألقى التمرات، وأخذ سيفه وشدّ على القوم، فقاتل حتى قتل.

فخرج أبو جهل بن هشام على جمل له فخرج إليه شاب من الأنصار، يقال له: معاذ بن عمرو بن الجموح، فضربه ضربة على فخذه، فخر أبو جهل عن بعيره.

فخرج إليه عبد الله بن مسعود، فلما رآه أبو جهل قال: يا ابن أم عبد لمن الدولة اليوم؟

وعلى من الدائرة؟

فقال له ابن مسعود: لله ولرسوله يا عدو الله لأنت أعتى من فرعون، لأن فرعون جزع عند الغرق وأنت لم يزدك هذا المصرع إلاَّ تمادياً في الضلالة؟

ثم وضع رجله على عاتق أبي جهل، فقال له أبو جهل: لأنت رويعنا بالأمس، لقد ارتقيت مرتقى عظيما.

فقتله عبد الله بن مسعود وحز رأسه وجاء برأسه إلى رسول الله  فخر رسول الله  ساجداً، ثم قال لأبي بكر، ويقال قال لعليّ: «نَاوِلْنِي كَفّاً مِنْ التراب» .

فأخذ رسول الله  قبضة من تراب، ورمى بها في وجوه القوم وقال: «شاهت الوجوه» فدخلت في أعين القوم كلهم، وأقبل أصحاب رسول الله  يقتلونهم ويأسرون منهم، وحملوا على المشركين والملائكة معهم، وقُذِف في قلوب المشركين الرعب، وقتلوا في تلك المعركة منهم سبعين، وأسروا سبعين، واستشهد يومئذ من المهاجرين والأنصار ثلاثة عشر رجلاً.

ورجع رسول الله  بالأسارى والغنائم إلى المدينة، واستشار النبيّ  في أمر الأسارى، فأقبل على أبي بكر فقال: «مَا تَقُولُ يَا أبَا بَكْرٍ» ؟

فقال: قومك وبنو عمك، فإن قتلتهم صاروا إلى النار، وإن تفدهم فلعل الله يهديهم إلى الإسلام، ويكون ما نأخذه منهم قوة للمسلمين، وقوة على جهادهم بأعدائهم.

ثم أقبل على عمر فقال: «مَا تَقُولُ يَا أبَا حَفْصٍ» ؟

فقال عمر: إن في يديك رؤوس المشركين وصناديدهم، فاضرب أعناقهم وسيغني الله المؤمنين من فضله.

فقال النبيّ  : «مَثَلَكَ يَا أبَا بَكْرٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ مَثَلُ مِيكائِيلَ فَإنَّهُ لاَ يَنْزِلُ إلاَّ بالرَّحْمَةَ، وَمَثَلَكَ مِنَ الأَنْبِياءِ مَثَلُ إبْرَاهِيمَ، حَيْثَ قَالَ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم: 36] وَمَثَلُ عِيسَى، حَيْثُ قَال إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: 118] ومثلك يا عمر من الملائكة مَثَلُ جِبْرِيلَ فَإنَّهُ يَنْزِلُ بِالعَذَابِ وَالشِّدَّةِ، وَمَثَلُكَ مِنَ الأنْبِيَاءِ مَثَلُ نُوْحٍ، حَيْثُ قال: رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [نوح: 26] وَمَثَلُ مُوسَى، حَيْثُ قال: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [يونس: 88] .

وروى سماك بن حرب، عن عكرمة، عن عبد الله بن عباس (٢)  حين فرغ من بدر: عليك بالعير ليس دونها شيء.

فناداه العباس وهو أسير في وثاقه: إنه لا يصلح.

فقال النبيّ  : «لِمَ» ؟

قال: لأن الله تعالى وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك.

(١) في النسخة «أ» صلاة الخوف.

وفي النسخة «ب» صلاة الغداة.

(٢) في النسخة «ب» عن عبد الله بن مسعود.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

التي هي إِخْرَاجُهُ من بيته بالقِصَّةِ المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأَنْفَال، كأنهم سألوا عن النَّفَلِ، وتشاجروا، فأَخرج اللَّه ذلك عنهم، فكانت فيه الخِيَرَةُ، كما كَرِهُوا في هذه القصة انبعاث النبي صلّى الله عليه وسلّم فأخرجه اللَّه من بَيْتِهِ، فكانت في ذلك الخِيَرَةُ، وعلى هذا التأويل يُمْكِنُ أن يكون قوله: يُجادِلُونَكَ كلاماً مُسْتَأْنَفاً يراد به الكفار، أي: يجادلونك في شريعة الإسلام من بَعْد ما تَبَيَّنَ الحَقُّ فيها، كأنما يساقون إلى المَوْتِ في الدُّعَاءِ إلى الإيمان، وهذا الذي ذكرت من أن يُجادِلُونَكَ في الكُفَّار منصوص.

وقال مجاهد وغيره: المعنى في الآية: كما أخرجك ربك من بَيْتِكَ على كَرَاهِيَةٍ من فريق منهم، كذلك يُجَادِلُونَكَ في قتال كفار «مكة» ، ويوَدُّونَ غير ذَاتِ الشَّوْكَة من بعد ما تَبَيَّنَ لهم أنك إنما تفعل ما أمرت به لا ما يُريدُون «١» هم، وقائل هذه المَقَالَةِ يقول: إن المجادلين هم المؤمنون، وقائل المقالة الأولى يقول: إن المُجَادِلِينَ هم المشركون، وهذان القولان يتم بهما المَعْنَى، ويحسن رَصْفُ اللفظ.

وقيل غير هذا.

وقوله: مِنْ بَيْتِكَ يريد من «المدينة» «يثرب» قاله الجمهور.

وقوله سبحانه: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ ...

الآية: في هذه الآية قَصَصٌ حَسَنٌ، محل استيعابه «كتاب سيرة رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم» لابن هشام، واختصاره: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما بلغه، وقيل: أوحي إليه أن أبا سُفْيَانَ بن حَرْبٍ، قد أَقبل من «الشام» بالعِيرِ التي فيها تجارة قُرَيْشٍ وأموالها قال لأصحابه: إن عِيرَ قريش قد عَنّتْ لكم، فاخرجوا إليها، لعل اللَّه أن يَنْفُلَكُمُوها.

قال: فانبعث معه من خَفَّ، وثَقُلَ قوم، وكرهوا الخروج، وأسرع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يَلْوِي على من تَعَذَّرَ، ولا ينظر من غاب ظهره، فسار في ثلاث

مائة وثلاثة عشر، أو نحو ذلك من أصحابه بين مُهَاجِرِيٍّ وأَنْصَارِيٍّ، وقد ظَنَّ الناس بأجمعهم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يلقى حَرْباً، فلم يكثر اسْتِعْدَادُهُمْ، وكان أبو سُفْيَانَ في خلال ذلك يَسْتَقْصِي، ويحذر، فلما بلغه خروج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعث ضَمْضَمَ بْنَ عَمْروٍ الغفاري إلى «مكة» يَسْتَنْفِرُ أهلها، ففعل ضمضم، فخرج أهل «مكة» في ألف رَجُل، أو نحو ذلك، فلما بلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خروجهم أوحى اللَّه إِليه وَحْياً غير مَتْلُو يعده إحدى الطّائفتين، فعرّف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أصحابه بذلك، فَسرُّوا، وَوَدُّوا أن تكون لهم العِيرُ التي لا قِتَالَ معها، فلما علم أبو سفيان بقرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منه أخذ طَرِيقَ الساحل، وأبعد وفات، ولم يبق إلا لقاء أهل «مكة» ، وأشار بعض الكُفَّارِ على بَعْضِ بالانصراف، وقالوا:

هذه عِيرُنَا قد نَجَتْ، فلننصرف/ فحرش «١» أبو جهل وَلَجَّ، حتى كانَ أَمْرُ الواقعة.

وقال بعضٍ المؤمنين: نحن لم نخرج لِقِتَالٍ، ولم نَسْتَعِدَّ له، فجمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أَصْحَابَهُ، وهو بِوَادٍ يسمى «دَقران» وقال: أشيروا علي أيها النَّاسُ، فقام أبو بَكْرٍ، فتكلم، وأحسن، وحَرَّضَ الناس على لقاء العدو، فأعاد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الاسْتِشَارَةَ، فَقَامَ عمر بِمِثْلِ ذلك، فأعاد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الاسْتِشَارَةَ، فتكلم المِقْدَادُ بْنُ الأسود الكندي «٢» ، فقال: لا نقول لك يَا رَسُولَ اللَّه كما قالت بَنُو إِسرائيل: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، ولكن نَقُولُ: إِنا معكما مقاتلون، واللَّه لو أردت بنا برك الغماد يعني مدينة «الحبشة» لَقَاتَلْنَا معك من دُونِهَا، فسر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بكلامه، ودعا له بخير، ثم قال: أشيروا علي أيها النَّاسُ، فكلمه سعد بنُ مُعَاذٍ، وقيل: سعد بن عبادة، ويحتمل هما معاً فقال: يا رسول اللَّه، كأنك إيانا تُريدُ معشر الأنصار، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: أجل، فقال: إنا قد آمَنَّا بك، واتبعناك،

وبايعناك، فامض لأمر الله، فو الله لو خُضْتَ بنا هذا البَحْرَ لَخُضْنَاهُ معك، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم:

«امضوا على بَرَكَةِ اللَّه، فكأني أنظر إلى مَصَارِعِ القوم» فالتقوا وكانت وقعة بدر.

ت: وفي «صحيح البخاري» من حَدِيثِ عائشة، في خروج أبي بكر من «مكة» فلقيه ابن الدّغنة عند برك الغمَادِ «١» الحديث، وليست بمدينة «الحبشة» من غير شَكٍّ.

فاللَّه أعلم، ولعلهما موضعان.

انتهى.

والشَّوْكَةِ عبارة عن السِّلاَحِ والحِدَّةِ.

وقوله سبحانه: وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ المعنى:

ويريد اللَّه أن يُظْهِرَ الإِسلام، ويعلي دعوة الشَّرْعِ بكلماته التي سَبَقَتْ في الأَزَلِ، والدابر الذي يدبر القَوْمَ، أي يأتي آخرهم، وإِذا قطع فقد أتى على آخرهم بشَرْطِ أَن يبدأ الإهلاك من أولهم، وهي عبارة في كل من أتى الهَلاَكُ عليه.

وقوله سبحانه: لِيُحِقَّ الْحَقَّ أي: ليظهر الحق الذي هو دين الإسلام، ويُبْطِلَ الْباطِلَ، أي: الكفر، وتَسْتَغِيثُونَ معناه: تطلبون الغوث، ومُمِدُّكُمْ أي: مكثركم، ومقويكم من: أمددت، ومُرْدِفِينَ معناه: متبعين.

وقرأ سائر السبعة «٢» غير نافع: «مردفين» - بكسر الدال-، ونافع بفتحها، وروي عن ابن عَبَّاسٍ: خَلْفَ كل مَلَكٍ مَلَكٌ «٣» ، وهذا معنى التتابع، يقال: رَدِفَ وأَرْدَفَ إِذا اتبع، وجاء بعد الشَّيْءِ، ويحتمل أن يُرَادُ مُرْدِفِينَ للمؤمنين، ويحتمل أن يُرَادَ مردفين بعضهم بَعْضَاً، وأنشد الطبري «٤» شَاهِداً على أن أرْدَفَ بمعنى جاء تَابِعاً قَوْلَ الشاعر: [الوافر]

إِذَا الجَوْزَاءُ أَرْدَفَتِ الثُّرَيَّا ...

ظَنَنْتُ بِآلِ فَاطِمَةَ الظُّنُونَا «٥»

والثرَيَّا تطلع قبل الجوزاء.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ ﴾ قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: «أقْبَلَ أبُو سُفْيانَ مِنَ الشّامِ في عِيرٍ لَقُرَيْشٍ، حَتّى إذا دَنا مِن بَدْرٍ، نَزَلَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَ النَّبِيَّ  بِذَلِكَ، فَخَرَجَ في جَماعَةٍ مِن أصْحابِهِ يُرِيدُهم، فَبَلَّغَهم ذَلِكَ فَبَعَثُوا عَمْرَو بْنَ ضَمْضَمٍ الغِفارِيَّ إلى مَكَّةَ مُسْتَغِيثًا، فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ لِلْمَنعِ عَنْها، ولَحِقَ أبُو سُفْيانَ بِساحِلِ البَحْرِ، فَفاتَ رَسُولُ اللَّهِ، ونَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآَيَةِ: ﴿ وَإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ ﴾ » والمَعْنى: اذْكُرُوا إذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ.

والطّائِفَتانِ: أبُو سُفْيانَ وما مَعَهُ مِنَ المالِ، وأبُو جَهْلٍ ومَن مَعَهُ مِن قُرَيْشٍ؛ فَلَمّا سَبَقَ أبُو سُفْيانَ بِما مَعَهُ، كَتَبَ إلى قُرَيْشٍ: إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ لَتُحْرِزُوا: رَكائِبَكم، فَقَدْ أحْرَزْتُها لَكم.

فَقالَ أبُو جَهْلٍ: واللَّهِ لا نَرْجِعُ.

وسارَ رَسُولُ اللَّهِ  يُرِيدُ القَوْمَ، فَكِرَهَ أصْحابُهُ ذَلِكَ ووَدُّوا أنْ لَوْ نالُوا الطّائِفَةَ الَّتِي فِيها الغَنِيمَةُ دُونَ القِتالِ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ ﴾ أيْ: ذاتُ السِّلاحِ.

يُقالُ: فُلانٌ شاكِي السِّلاحَ؛ بِالتَّخْفِيفِ، وشاكٌّ في السِّلاحِ؛ بِالتَّشْدِيدِ، وشائِكُ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَجازُ الشَّوْكَةِ الحَدُّ؛ يُقالُ: ما أشَدَّ شَوْكَةَ بَنِي فُلانٍ، أيْ: حَدُّهم.

وقالَ الأخْفَشُ: إنَّما أنَّثَ "ذاتَ الشَّوْكَةِ" لِأنَّهُ يَعْنِي الطّائِفَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ ﴾ في المُرادِ بِالحَقِّ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الإسْلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ القُرْآَنُ، والمَعْنى: يَحِقُّ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنَ القُرْآَنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: "بِكَلِماتِهِ" أيْ: بِعِداتِهِ الَّتِي سَبَقَتْ مِن إعْزازِ الدِّينِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ ﴾ أيْ: يَجْتَثُّ أصْلَهُمْ؛ وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في (الأنْعامِ:٤٥) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُحِقَّ الحَقَّ ﴾ المَعْنى: ويُرِيدُ أنْ يَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ كَيْما يَحِقُّ الحَقَّ.

وفي هَذا الحَقِّ القَوْلانِ المُتَقَدِّمانِ.

فَأمّا الباطِلُ، فَهو الشِّرْكُ؛ والمُجْرِمُونَ هاهُنا: المُشْرِكُونَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ ﴾ ﴿ إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ ﴿ وَما جَعَلَهُ اللهُ إلا بُشْرى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم وما النَصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللهُ إنَّ اللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ لِيُحِقَّ الحَقَّ ﴾ أيْ: لِيُظْهِرَ ما يَجِبُ إظْهارُهُ وهو الإسْلامُ، ﴿ وَيُبْطِلَ الباطِلَ ﴾ أيِ:الكُفْرُ، ﴿ وَلَوْ كَرِهَ ﴾ أيْ: وكَراهِيَتُهم واقِعَةٌ، فَهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ﴾ الآيَةُ.

"إذْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ، وهو الفِعْلُ الأوَّلُ الَّذِي عَمِلَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَإذْ يَعِدُكُمُ  ﴾ ، وقالَ الطَبَرِيُّ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "لِيُحِقَّ"..

و"وَيُبْطِلَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَصِحُّ أنْ يَعْمَلَ فِيها "يَعِدُكُمُ" فَإنَّ الوَعْدَ كانَ في وقْتِ الِاسْتِغاثَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإدْغامِ الذالِ في التاءِ، واسْتَحْسَنَها أبُو حاتِمٍ، و"تَسْتَغِيثُونَ" مَعْناهُ: تَطْلُبُونَ، ولَيْسَ يَبِينُ مِن ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُؤْمِنِينَ عَلِمُوا قَبْلَ القِتالِ بِكَوْنِ المَلائِكَةِ مَعَهُمْ، فَإنَّ "اسْتَجابَ" يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ في غَيْبِهِ تَعالى، وقَدْ رُوِيَ أنَّهم عَلِمُوا ذَلِكَ قَبْلَ القِتالِ، ومَعْنى التَأْنِيسِ وتَقْوِيَةِ القُلُوبِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "أنِّي" بِفَتْحِ الألِفِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ- وعِيسى بْنُ عُمَرَ -بِخِلافٍ عنهُ- "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، أيْ: قالَ إنِّي، و"مُمِدُّكُمْ"، أيْ: مُكَثِّرُكم ومُقَوِّيكُمْ، مِن أمْدَدْتُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "بِألْفٍ"، وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ "بِآلُفٍ"، عَلى مَثَلِ فَلْسٍ وأفْلُسٍ فَهي جَمْعُ "ألْفٍ"، والإشارَةُ بِها إلى الآلافِ المَذْكُورَةِ في آلِ عِمْرانَ، وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ أيْضًا "بِآلافٍ".

و ﴿ مُرْدِفِينَ ﴾ مَعْناهُ: مُتْبِعِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالمُرْدَفِينَ، المُؤْمِنِينَ، أيْ: أُرْدِفُوا بِالمَلائِكَةِ، فَـ "مُرْدَفِينَ" -عَلى هَذا- حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ مُمِدُّكُمْ ﴾ .

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ: المَلائِكَةُ، أيْ: أُرْدِفَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، وهَذِهِ القِراءَةُ بِفَتْحِ الدالِ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ وجَماعَةٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ وغَيْرِهِمْ.

وقَرَأ سائِرُ السَبْعَةِ غَيْرَ نافِعٍ بِكَسْرِ الدالِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والمَعْنى فِيها: تابِعٌ بَعْضُهم بَعْضًا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "خَلْفَ كُلِّ مَلَكٍ مَلَكٌ"، وهَذا مَعْنى التَتابُعِ، يُقالُ: رَدَفَ وأرْدَفَ إذا أتْبَعَ وجاءَ بَعْدَ الشَيْءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: مُرْدِفِينَ المُؤْمِنِينَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: مُرْدِفِينَ بَعْضُهم بَعْضًا، ومَن قالَ: "مُرْدِفِينَ بِمَعْنى أنَّ كُلَّ مَلَكٍ أرْدَفَ مَلَكًا وراءَهُ" فَقَوْلٌ ضَعِيفٌ لَمْ يَأْتِ بِمُقْتَضاهُ رِوايَةٌ.

وقَرَأ رَجُلٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ -رَواهُ عنهُ الخَلِيلُ- "مُرَدِّفِينَ" بِفَتْحِ الراءِ وكَسْرِ الدالِ وشَدِّها.

ورُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ أيْضًا أنَّها بِضَمِّ الراءِ كالَّتِي قَبْلَها وفي غَيْرِ ذَلِكَ.

وقَرَأ بَعْضُ الناسِ بِكَسْرِ الراءِ مِثْلَهُما في غَيْرِ ذَلِكَ، حَكى ذَلِكَ أبُو عَمْرٍو عن سِيبَوَيْهِ، وحَكاهُ أبُو حاتِمٍ قالَ: كَأنَّهُ أرادَ: "مُرْتَدِفِينَ" فَأدْغَمَ وأتْبَعَ الحَرَكَةَ، ويَحْسُنُ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ كَسْرُ المِيمِ ولا أحْفَظُهُ قِراءَةً.

وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ شاهِدًا عَلى أنَّ "أرْدَفَ" بِمَعْنى: "جاءَ تابِعًا" قَوْلَ الشاعِرِ: إذا الجَوْزاءُ أرْدَفَتِ الثُرَيّا ∗∗∗ ظَنَنْتً بِآلِ فاطِمَةَ الظُنُونا والثُرَيّا تَطْلُعُ قَبْلَ الجَوْزاءِ.

ورُوِيَ في الأشْهَرِ أنَّ المَلائِكَةَ قاتَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، واخْتُلِفَ -فِي غَيْرِهِ- مِن شاهِدِ رَسُولِ اللهِ  ، وقِيلَ: لَمْ تُقاتِلْ يَوْمَ بَدْرٍ وإنَّما وقَفَتْ وحَضَرَتْ، وهَذا ضَعِيفٌ.

وحَكى الطَبَرِيُّ «عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: نَزَلَ جِبْرِيلُ في ألْفِ مَلَكٍ عَلى مَيْمَنَةِ النَبِيِّ  وفِيها أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ونَزَلَ مِيكائِيلُ في ألْفِ مَلَكٍ في المَيسرَةِ وأنا فِيها،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانا في خَمْسِمِائَةٍ خَمْسِمِائَةٍ، وقالَ الزَجّاجُ: قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المَلائِكَةَ خَمْسَةُ آلافٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: تِسْعَةُ آلافٍ، وفي هَذا المَعْنى أحادِيثُ هي مُسْتَوْعَبَةٌ في كِتابِ السِيَرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلَهُ اللهُ ﴾ الآيَةُ.

الضَمِيرُ في ( جَعَلَهُ ) عائِدٌ عَلى الوَعْدِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عِنْدِي أمْكَنُ الأقْوالِ مِن جِهَةِ المَعْنى.

وقالَ الزَجّاجُ: "الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى المَدَدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الإمْدادِ، وهَذا يَحْسُنُ مَعَ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ المَلائِكَةَ لَمْ تُقاتِلْ، وإنَّما آنَسَتْ بِحُضُورِها مَعَ المُسْلِمِينَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ تَرُدُّهُ الأحادِيثُ الوارِدَةُ بِقِتالِ المَلائِكَةِ، وما رَأى مِن ذَلِكَ أصْحابُ النَبِيِّ  كابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "الإرْدافِ" وهو قَوْلُ الطَبَرِيِّ، وهَذا أيْضًا يَجْرِي مَجْرى القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "الألْفِ"، وهَذا أيْضًا كَذَلِكَ لِأنَّ البُشْرى بِالشَيْءِ إنَّما هي ما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ، والبُشْرى: مَصْدَرٌ مَن بَشَرْتُ، والطُمَأْنِينَةُ: السُكُونُ والِاسْتِقْرارُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما النَصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللهِ ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وأنَّ تَكَسُّبَ المَرْءِ لا يُغْنِي إذا لَمْ يُساعِدْهُ القَدَرُ وإنْ كانَ مُطالَبًا بِالجِدِّ، كَما ظاهَرَ رَسُولُ اللهِ  بَيْنَ دِرْعَيْنِ.

وهَذِهِ القِصَّةُ كُلُّها -مِن قِصَّةِ الكُفّارِ وغَلَبَةِ المُؤْمِنِينَ لَهُمْ- تَلِيقُ بِها مِن صِفاتِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ العِزَّةُ والحِكْمَةُ إذا تُؤُمِّلَ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الأحسن أن تكون ﴿ وإذ يعدكم الله ﴾ معطوفاً على ﴿ كما أخرجك ﴾ [الأنفال: 5] عطفَ المفرد على المفرد فيكون المعطوف مشبهاً به التشبيه المفاد بالكاف والمعنى: كاخراجك اللَّهُ من بيتك وكوقتتِ يعدكم الله إحدى الطائفتين الآية واسم الزمان إذا أضيف إلى الجملة كانت الجملة في تأويل المفرد فتُؤَول بمصدر، والتقدير: وكوقت وعد الله إحدى الطائفتين، ف ﴿ إذ ﴾ اسم زمان متصرف مجرور بالعطف على مجرور كاف التشبيه، وجعَل صاحب «الكشاف» ﴿ إذْ ﴾ مفعولاً لفعل (اذكر) محذوف شأن ﴿ إذْ ﴾ الواقعة في مفتتح القِصص، فيكون عطفُ جملةِ الأمر المقدرِ على جملة ﴿ قل الأنفال لله ﴾ [الأنفال: 1] والمناسبة هي أن كلا القولين فيه توقيفهم على خطأ رأيهم وأن ما كرهوه هو الخير لهم.

و«الطائفة» الجماعة من الناس، وتقدم عند قوله ﴿ فلتقم طائفةٌ منهم معك ﴾ في سورة [النساء: 102].

(وجملة: ﴿ أنّها لكم ﴾ في تأويل مصدر، هو بدل اشتمال من إحدى الطائفتين، أي: يعدكم مصيرَ إحدى الطائفتين لكم، أي كونها معطاة لكم، وهو إعطاء النصر والغلبة عليها بين قتل وأسر وغنيمة.

واللام للملك وهو هنا ملك عُرفي، كما يقولون كان يومُ كذا لبني فلان على بني فلان، فيعرف أنه كان لهم فيه غلبة حرب وهي بالقتل والأسر والغنيمة.

﴿ وتَودون ﴾ إما عطف على ﴿ يعَدكم ﴾ أي إذ يقع الوعد من الله والود منكم، وإما في موضع الحال والواو واو الحال، أي يعدكم الله إحدى الطائفتين في حال ودكم لقاء الطائفة غير ذات الشوكة وهذا الود هو محل التشبيه الذي أفاده عطف ﴿ وإذ يعدكم ﴾ ، مجرور الكاف في قوله: ﴿ كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ﴾ [الأنفال: 5] فهو مما شبه به حال سُؤالهم عَن الأنفال سؤالاً مشوباً بكراهية صرف الأنفال عن السائلين عنها الرائمين أخذها.

و«الوُد» المحبة و ﴿ ذات الشوكة ﴾ صاحبة الشوكة ووقع ﴿ ذات ﴾ صفة لمقدر تقديره الطائفة غير ذات الشوكة، أي الطائفة التي لا تستطيع القتال.

و ﴿ الشوكة ﴾ أصلها الواحدة من الشوك وهو ما يخرج في بعض النبات من أعواد دقيقة تكون محددة الأطراف كالإبَر، فإذا نزغت جلد الإنسان أدْمته أو آلمته، وإذا عَلِقَت بثوب أمسكَتْه، وذلك مثل ما في ورق العَرفج، ويقال هذه شجرة شائكة، ومن الكناية عن ظهور الشر قولُهم: «إن العَوسج قد أوْرق»، وشوكة العقرب البضعة التي في ذنبها تلسع بها.

وشاع استعارة الشوكة للبأس، يقال: فلان ذو شوكة، أي ذو بأس يتقى كما يستعار القرن للبَاس في قولهم: أبدى قَرنه، والناب أيضاً في قولهم: كشّر عن نابه، وذلك من تشبيه المعقول بالمحسوس أي تودون الطائفة التي لا يخشى بأسها تكون لكم أي ملككم فتأخذونهم.

وقد أشارت الآية إلى ما في قصة بدر حين أخبر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بانصراف عِير قريش نحو الساحل وبمجيء نفيرهم إلى بدر، وأخبرهم أن الله وعدهم إحدى الطائفتين، أي إما العِير وإمّا النفير وعداً معلقاً على اختيارهم إحداهما، ثم استشارهم في الأمر أيختارون اللحاق بالعِير أم يقصدون نفير قريش، فقال الناس: إنما خرجنا لأجل العِير، وراموا اللحاق بالعِير واعتذروا بضعف استعدادهم وأنهم يخرجوا لمقاتلة جيش، وكانت العِير لا تشتمل إلا على أربعين رجلاً وكان النفير فيما قيل يشتمل على ألف رجل مسلّح، فذلك معنى قوله تعالى: ﴿ وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ﴾ أي تودون غنيمة بدون حرب، فلما لم يطمعوا بلقاء الجيش وراموا لقاء العِير كانوا يودون أن تحصل لهم غنيمة العير ولعل الاستشارة كانت صورية، أمر الله بها نبيّه لتثبيت المسلمين لئلا تهن قوتهم النفسية إن أُعلموا بأنهم سيلقون ذات الشوكة.

وقوله: ﴿ ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ﴾ عطف على جملة ﴿ وتودون ﴾ على احتمالي أن واوَها للعطف أو للحال، والمقصود من الإخبار بهذه الجمل الثلاث إظهار أن ما يودونه ليس فيه كمال مصلحتهم، وأن الله اختار لهم ما فيه كمال مصلحتهم، وإن كان يشق عليهم ويرهبهم فإنهم لم يطّلعوا على الأصلح بهم.

فهذا تلطف من الله بهم.

والمراد من الإرادة هنا إرادة خاصة وهي المشيئة والتعلق التنجيزي للإرادة التي هي صفة الذات.

فهذا كقوله: ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾ [البقرة: 185] أي يسَّر بكم.

ومعنى ﴿ يُحق الحق ﴾ : يثبت ما يسمى الحق وهو ضد الباطل يقال: حق الشيء، إذا ثبت قال تعالى: ﴿ أفمن حَق عليه كلمة العذاب ﴾ [الزمر: 19].

والمراد بالحق.

هنا: دين الحق وهو الإسلام، وقد أطلق عليه اسم الحق في مواضع كثيرة من القرآن كقوله: ﴿ حتى جاءهم الحق ورسولٌ مبينٌ ﴾ [الزخرف: 29] الآية.

وإحقاقه باستيصال معانديه، فأنتم تريدون نفعاً قليلاً عاجلاً، وأراد الله نفعاً عظيماً في العاجل والآجل.

والله يعلم وأنتم لا تعلمون.

وفي قوله: ﴿ ليُحق الحَق ﴾ جناس الاشتقاق.

وفيه دلالة على أن أصل مادة الحق هو فعل حق.

وأن أصل مادة الباطل هي فعل بَطل.

ونظيره قول النبي صلى الله عليه وسلم للذين قالوا في التشهد السلام على الله فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الله هو السلام.

وكلمات الله ما يدل على مراده وعلى كلامه النفسي، حقيقه من أقوال لفظية يخلقها خلقاً غير متعارف ليفهمها أحد البشر ويبلغها عن الله، مثل القرآن، أو مجازاً من أدلة غير لفظية، مثل ما يخاطب به الملائكة المحكي في قوله تعالى: ﴿ حتى إذا فُزّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العليّ الكبير ﴾ [سبأ: 23] وفسره قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا قضى الله الأمر في السماء ضَربت الملائكة بأجنحتها خُضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فُزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قال للذي قالَ: الحق وهو العلي الكبير» والجمع المعرف بالإضافة يفيد العموم، فقوله: ﴿ بكلماته ﴾ يعم أنواع الكلام الذي يوحي به الله الدال على إرادته تثبيت الحق.

مثل آيات القرآن المنزلة في قتال الكفار وما أمر به الملائكة من نصرتهم المسلمين يوم بدر.

والباء في ﴿ بكلماته ﴾ للسببية، وذكر هذا القيد للتنويه بإحقاق هذا الحق وبيان أنه مما أراد الله ويسره وبينه للناس من الأمر، ليقوم كل فريق من المأمورين بما هو حظه من بعض تلك الأوامر، وللتنبيه على أن ذلك واقع لا محالة لأن كلمات الله لا تتخلف كما قال تعالى: ﴿ يريدون أن يبدلو كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل ﴾ [الفتح: 15]، ولمدح هذا الإحقاق بأنه حصل بسبب كلمات الله.

وقطع دابر الشيء إزالة الشيء كله إزالة تأتي على آخر فرد منه يَكون في مؤخرته من ورائه وتقدم في قوله ﴿ فقطع دابر القوم الذين ظلموا ﴾ في سورة [الأنعام: 45].

والمعنى: أردتم الغنيمة وأراد الله إظهار أمركم وخضذ شوكه عدوكم وإن كان ذلك يَحرمكم الغنى العارض فإن أمنكم واطمئنان بالكم خير لكم وأنتم تحسبون أن لا تستطيعوا هزيمة عدوكم.

واللام في قوله: ﴿ ليحق الحق ويبطل الباطل ﴾ لام التعليل.

وهي متعلقة بقوله ﴿ ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ﴾ أي إنما أراد ذلك وكون أسبابه بكلماته لأجل تحقيقه الحق وإبطاله الباطلَ.

وإذ قد كان محصول هذا التعليل هو عين محصول المعلل في قوله: ﴿ ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ﴾ وشان العلة أن تكون مخالفة للمعلل، ولو في الجملة، إذ فائدة التعليل إظهار الغرض الذي يقصده الفاعل من فعله، فمقتضى الظاهر أن لا يكون تعليل الفعل بعين ذلك الفعل، لأن السامع لا يجهل أن الفاعل المختار ما فعل فعلاً إلا وهو مرادٌ له، فإذا سمعنا من كلام البليغ تعليل الفعل بنفس ذلك الفعل، كان ذلك كناية عن كونه ما فعل ذلك الفعل إلا لذاتتِ الفعل، لا لغرض آخر عائد عليه، فإفادة التعليل حينئذ معنى الحصر حاصلة من مجرد التعليل بنفس المعلّل.

والحصر هنا من مستتبعات التركيب، وليس من دلالة اللفظ، فافهمه فإنه دقيق وقد وقعت فيه غفلات.

ويجوز أن يكون الاختلاف بين المعلل والعلة بالعموم والخصوص أي يريد الله أن يحق الحق في هذه الحادثة لأنه يريد إحقاق الحق عموماً.

وأما قوله: ﴿ ويبطل الباطل ﴾ فهو ضد معنى قوله: ﴿ ليُحق الحق ﴾ وهو من لوازم معنى ليُحق الحق، لأنه إذا حصل الحق ذهب الباطل كما قال تعالى: ﴿ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهقٌ ﴾ [الأنبياء: 18]، ولما كان الباطل ضد الحق لزم من ثبوت أحدهما انتفاء الآخر.

ومن لطائف عبد الله بن عباس أنه قال لعُمر بن أبي ربيعة: كم سِنّك فقال ابن أبي ربيعة وُلدت يوم مات عمر بن الخطاب، فقال ابن عباس: «أي حق رُفع وأيّ باطل وضع» أي في ذلك اليوم، ففائدة قوله: ﴿ ويبطل الباطل ﴾ التصريح بأن الله لا يرضى بالباطل، فكان ذكر بعد قوله: ﴿ ليحق الحق ﴾ بمنزلة التوكيد لقوله ﴿ ليحق الحق ﴾ لأن ثبوت الشيء قد يُؤكد بنفي ضده كقوله تعالى: ﴿ قد ضلوا وما كانوا مهتدين ﴾ [الأنعام: 140].

ويجيء في قوله: ﴿ ويبطل الباطل ﴾ من معنى الكلام، ومن جناس الاشتقاق، ما جاء في قوله: ﴿ أن يحق الحق ﴾ ثم في مقابلة قوله: ﴿ ليُحق الحق ﴾ بقوله ﴿ ويُبطل الباطل ﴾ محسن الطباق.

﴿ ولو كره المجرمون ﴾ شرط اتصالي.

و ﴿ لو ﴾ اتصالية تدل على المبالغة في الأحوال، وهو عطف على ﴿ يريد الله ﴾ ، أو على ﴿ ليُحِق الحق ﴾ أي يريد ذلك لذلك لا لغيره، ولا يصد مراده ما للمعاندين من قوة بأن يكرهَه المجرمون وهم المشركون.

والكراهة هنا كناية عن لوازمها وهي الاستعداد لمقاومة المراد من تلك الإرادة، فإن المشركين، بكثرة عددهم وعُددهم، يريدون إحقاق الباطل، وإرادة الله تنفذ بالرغم على كراهة المجرمين، وأمّا مجرد الكراهة فليس صالحاً أن يكون غاية للمبالغة في أحوال نفوذ مراد الله تعالى إحقاقَ الحق: لأنه إحساس قاصر على صاحبه، ولكنه إذا بعثه على مدافعة الأمر المكروه كانت أسباب المدافعة هي الغاية لنفوذ الأمر المكروه على الكاره.

وتقدم الكلام على ﴿ لو ﴾ الاتصالية عند قوله تعالى: ﴿ ولو افتدى به ﴾ في سورة [آل عمران: 91] وقوله تعالى: ﴿ أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ﴾ في سورة [البقرة: 170].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ بِالحَقِّ مَعَ كَراهَةِ فَرِيقٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ يُنْجِزُ وعْدَكَ في نَصْرِكَ عَلى أعْدائِكَ بِالحَقِّ.

والثّانِي: كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ مِنَ المَدِينَةِ إلى بَدْرٍ بِالحَقِّ كَذَلِكَ جَعَلَ لَكَ غَنِيمَةَ بَدْرٍ بِالحَقِّ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ بِالحَقِّ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّكَ خَرَجْتَ ومَعَكَ الحَقُّ.

الثّانِي: أنَّهُ أخْرَجَكَ بِالحَقِّ الَّذِي وجَبَ عَلَيْكَ.

﴿ وَإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كارِهُونَ خُرُوجَكَ.

الثّانِي: كارِهُونَ صَرْفَ الغَنِيمَةِ عَنْهم لِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ جَعَلَها لِرَسُولِهِ دُونَهم.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ ﴾ يَعْنِي في القِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ.

وَ ﴿ بَعْدَما تَبَيَّنَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بَعْدَ ما تَبَيَّنَ لَهم صَوابُهُ.

الثّانِي: بَعْدَ ما تَبَيَّنَ لَهم فَرْضُهُ.

وَفي المُجادِلِ لَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهم طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ إسْحاقَ، لِأنَّهم خَرَجُوا لِأخْذِ العِيرِ المُقْبِلَةِ مِنَ الشّامِ مَعَ أبِي سُفْيانَ فَلَمّا فاتَهم ذَلِكَ أُمِرُوا بِالقِتالِ فَجادَلُوا طَلَبًا لِلرُّخْصَةِ وقالُوا ما تَأهَّبْنا في الخُرُوجِ لِقِتالِ العَدُوِّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ ﴾ يَعْنِي كَأنَّهم في قِتالِ عَدُوِّهِمْ يُساقُونَ إلى المَوْتِ، رُعْبًا وأسَفًا لِأنَّهُ أشَدُّ لِحالِ مَن سِيقَ إلى المَوْتِ أنْ يَكُونَ ناظِرًا لَهُ وعالِمًا بِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكُمْ ﴾ الآيَةَ.

وَسَبَبُ ذَلِكَ «أنَّ عِيرَ قُرَيْشٍ لَمّا أقْبَلَتْ مِنَ الشّامِ مَعَ أبِي سُفْيانَ هَمَّ رَسُولُ اللَّهِ  بِالخُرُوجِ لِأخْذِها، وسارَ فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا فَخَرَجَتْ لِلْمَنعِ عَنْها، فَلَمّا عَلِمَ النَّبِيُّ  بِخُرُوجِها شاوَرَ أصْحابَهُ، فَقالَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ آمَنّا بِكَ وصَدَّقْناكَ وشَهِدْنا أنَّ ما جِئْتَ بِهِ هو الحَقُّ وأعْطَيْناكَ عَلى ذَلِكَ عُهُودَنا ومَواثِيقَنا عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ، فامْضِ يا رَسُولَ اللَّهِ لِما أرَدْتَ فَوالَّذِي بَعَثَكَ إنِ اسْتَعْرَضْتَ بِنا هَذا البَحْرَ فَخُضْتَهُ لَنَخُوضَنَّهُ مَعَكَ، فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ  بِقَوْلِ سَعْدٍ وقالَ: (سِيرُوا عَلى بَرَكَةِ اللَّهِ وأبْشِرُوا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ وعَدَنِي إحْدى الطّائِفَتَيْنِ واللَّهِ لَكَأنِّي أنْظُرُ الآنَ إلى مَصارِعِ القَوْمِ» فَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ ﴾ يَعْنِي العِيرَ الَّتِي مَعَ أبِي سُفْيانَ أوِ الظَّفْرَ بِقُرَيْشٍ الخارِجِينَ لِلْمَنعِ مِنها.

﴿ وَتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ﴾ أيْ غَيْرَ ذاتِ الحَرْبِ وهي العِيرُ لِأنَّ نُفُوسَهم في لِقائِها أسْكَنُ، وهم إلى ما فِيها مِنَ الأمْوالِ أحْوَجُ.

وَفي الشَّوْكَةِ الَّتِي كُنِّيَ بِها عَنِ الحَرْبِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها الشِّدَّةُ فَكُنِّيَ بِها عَنِ الحَرْبِ لِما فِيها مِنَ الشِّدَّةِ، وهَذا قَوْلُ قُطْرُبٍ.

والثّانِي: أنَّها السِّلاحُ، وكُنِّيَ بِها عَنِ الحَرْبِ لِما فِيها مِنَ السِّلاحِ، مِن قَوْلِهِمْ رَجُلٌ شاكٍ في السِّلاحِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

﴿ وَيُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إظْهارُ الحَقِّ بِإعْزازِ الدِّينِ في وقْتِهِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن وعْدِهِ.

والثّانِي: أنَّ الحَقَّ في أمْرِهِ لَكم أنْ تُجاهِدُوا عَدُوَّكم.

وَفي صِفَةِ ذَلِكَ وجْهانِ لِأصْحابِ الخَواطِرِ.

أحَدُهُما: يُحِقُّ الحَقَّ بِالإقْبالِ عَلَيْهِ ويُبْطِلُ الباطِلَ بِالإعْراضِ عَنْهُ.

الثّانِي: يُحِقُّ الحَقَّ بِالقَبُولِ ويُبْطِلُ الباطِلَ بِالرَّدِّ.

﴿ لِيُحِقَّ الحَقَّ ﴾ مَعْناهُ لِيُظْهِرَ الحَقَّ يَعْنِي الإسْلامَ.

﴿ وَيُبْطِلَ الباطِلَ ﴾ أيْ يَذْهَبُ بِالباطِلِ يَعْنِي الشِّرْكَ.

قالَ الحَسَنُ.

هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿ كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ ﴾ وهي في القِراءَةِ بَعْدَها.

رَوى سِماكٌ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ  يَوْمَ بَدْرٍ عَلَيْكَ بِالعِيرِ لَيْسَ دُونَها شَيْءٌ فَقالَ لَهُ العَبّاسُ وهو أسِيرٌ في أيْدِيهِمْ: لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ، فَقالَ: لِمَ؟

فَقالَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَكَ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ وقَدْ أعْطاكَ ما وعَدَكَ.

» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البيهقي في الدلائل عن ابن شهاب وموسى بن عقبة قالا مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قتل ابن الحضرمي شهرين، ثم أقبل أبو سفيان بن حرب في عير لقريش من الشام ومعها سبعون راكباً من بطون قريش كلها وفيهم مخرمة بن نوفل، وعمرو بن العاص، وكانوا تجاراً بالشام ومعهم خزائن أهل مكة، ويقال: كانت عيرهم ألف بعير ولم يكن لأحد من قريش أوقية فما فوقها إلا بعث بها مع أبي سفيان إلا حويطب بن عبد العزى، فلذلك كان تخلف عن بدر فلم يشهده، فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقد كانت الحرب بينهم قبل ذاك، وقتل ابن الحضرمي وأسر الرجلين عثمان والحكم، فلما ذكر عير أبي سفيان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عدي بن أبي الزغباء الأنصاري من بني غنم وأصله من جهينة وبسبس- يعني ابن عمرو- إلى العير عينا له، فسارا حتى أتيا حياً من جهينة قريباً من ساحل البحر، فسألوهم عن العير وعن تجار قريش، فأخبروهما بخبر القوم، فرجعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه فاستنفر المسلمين للعير وذلك في رمضان.

وقدم أبو سفيان على الجهنيين وهو متخوّف من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال: أحسوا من محمد فأخبروه خبر الراكبين عدي بن أبي الزغباء وبسبب، وأشاروا له إلى مناخهما فقال أبو سفيان: خذوا من بعر بعيرهما ففته فوجد فيه النوى، فقال: هذه علائف أهل يثرب وهذه عيون محمد وأصحابه، فساروا سراعاً خائفين للطلب، وبعث أبو سفيان رجلاً من بني غفار يقال له ضمضم بن عمرو إلى قريش أن انفروا فاحموا عيركم من محمد وأصحابه فإنه قد استنفر أصحابه ليعرضوا لنا، وكانت عاتكة بنت عبد المطلب ساكنة بمكة وهي عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت مع أخيها العباس بن عبد المطلب، فرأت رؤيا قبل بدر وقبل قدوم ضمضم عليهم ففزعت منها، فأرسلت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب من ليلتها، فجاءها العباس فقالت: رأيت الليلة رؤيا قد أشفقت منها وخشيت على قومك منها الهلكة.

قال: وماذا رأيت؟

قالت: لن أحدثك حتى تعاهدني أنك لا تذكرها، فإنهم إن سمعوها آذونا وأسمعونا ما لا نحب، فلما عاهدها العباس فقالت: رأيت راكباً أقبل من أعلى مكة على راحلته يصيح بأعلى صوته: يا آل غدر اخرجوا في ليلتين أو ثلاث، فأقبل يصيح حتى دخل المسجد على راحلته، فصاح ثلاث صيحات ومال عليه الرجال والنساء والصبيان، وفزع له الناس أشد الفزع قال: ثم أراه مثل على ظهر الكعبة على راحلته، فصاح ثلاث صيحات فقال: يا آل غدر ويا آل فجر اخرجوا في ليلتين أو ثلاث، ثم أراه مثل على ظهر أبي قبيس كذلك يقول: يا آل غدر ويا آل فجر حتى أسمع من بين الأخشبين من أهل مكة، ثم عمد إلى صخرة فنزعها من أصلها، ثم أرسلها على أهل مكة فأقبلت الصخرة لها حس شديد حتى إذا كانت عند أصل الجبل ارفضت، فلا أعلم بمكة داراً ولا بيتاً إلا وقد دخلتها فلقة من تلك الصخرة، فقد خشيت على قومك.

ففزع العباس من رؤياها، ثم خرج من عندها فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة من آخر تلك الليلة- وكان الوليد خليلاً للعباس- فقص عليه رؤيا عاتكة وأمره أن لا يذكرها لأحد، فذكرها الوليد لأبيه عتبة، وذكرها عتبة لأخيه شيبة، فارتفع الحديث حتى بلغ أبا جهل بن هشام واستفاض في أهل مكة، فلما أصبحوا غدا العباس يطوف بالبيت، فوجد في المسجد أبا جهل، وعتبة، وشيبة بن ربيعة، وأمية، وأبي ابني خلف، وزمعة بن الأسود، وأبا البختري، في نفر من قريش يتحدثون، فلما نظروا إلى العباس ناداه أبو جهل: يا أبا الفضل إذا قضيت طوافك فهلم إلينا، فلما قضى طوافه جاء فجلس إليهم فقال له أبو جهل: ما رؤيا رأتها عاتكة؟!

فقال: ما رأت من شيء.

فقال أبو جهل: أما رضيتم يا بني هاشم كذب الرجال حتى جئتمونا بكذب النساء، انا وإياكم كفرسي رهان فاستبقنا المجد منذ حين، فلما تحاكت الركب قلتم منا نبي فما بقي إلا أن تقولوا منا نبية، فما أعلم في قريش أهل بيت أكذب امرأة ولا رجل منكم، وأذاه أشد الأذى وقال أبو جهل: زعمت عاتكة أن الراكب قال: اخرجوا في ليلتين أو ثلاث، فلو قد مضت هذه الثلاث تبينت قريش كذبكم وكتبت سجلاً إنكم أكذب أهل بيت في العرب رجلاً وامرأة، أما رضيتم يا بني قصي إن ذهبتم بالحجابة والندوة والسقاية واللواء والوفادة حتى جئتمونا بنبي منكم؟

فقال العباس: هل أنت مُنْتَه ٍفإن الكذب منك ومن أهل بيتك؟

فقال من حضرهما: ما كنت يا أبا الفضل جهولاً خرقاً.

ولقي العباس من عاتكة فيما أفشى عليها من رؤياها أذى شديداً.

فلما كان مساء الليلة التي رأت عاتكة فيها الرؤيا، جاءهم الراكب الذي بعث أبو سفيان، وهو ضمضم بن عمرو الغفاري فصاح وقال: يا آل غالب بن فهر انفروا فقد خرج محمد وأهل يثرب يعترضون لأبي سفيان فاحرزوا عيركم، ففزعت قريش أشد الفزع وأشفقوا من رؤيا عاتكة، وقال العباس: هذا زعمتم كذا وكذب عاتكة فنفروا على كل صعب وذلول، وقال أبو جهل: أيظن محمد أن يصيب مثل ما أصاب بنخلة، سيعلم أنمنع عيرنا أم لا.

فخرجوا بخمسين وتسعمائة مقاتل، وساقوا مائة فرس، ولم يتركوا كارهاً للخروج يظنون أنه في قهر محمد وأصحابه، ولا مسلماً يعلمون اسلامه، ولا أحداً من بني هاشم إلا من لا يتهمون إلا أشخصوه معهم، فكان ممن أشخصوا العباس بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث، وطالب بن أبي طالب، وعقيل بن أبي طالب في آخرين، فهنالك يقول طالب بن أبي طالب: إما يخرجن طالب بمقنب من هذه المقانب في نفر مقاتل يحارب وليكن المسلوب غير السالب والراجع المغلوب غير الغالب فساروا حتى نزلوا الجحفة نزلوها عشاء يتزودون من الماء ومنهم رجل من بني عبد المطلب بن عبد مناف يقال له جهيم بن الصلت بن مخرمة فوضع حهيم رأسه فأغفى ثم فزع فقال لأصحابه: هل رأيتم الفارس الذي وقف علي آنفا؟

فقالوا: لا إنك مجنون فقال: قد وقف علي فارس آنفا !

فقال: قتل أبو جهل وعتبة وشيبة وزمعة وأبو البختري وأمية بن خلف فعد أشرافا من كفار قريش.

فقال له أصحابه: إنما لعب بك الشيطان ورفع حديث جهيم إلى أبي جهل فقال: قد جئتم بكذب بني المطلب مع كذب بني هاشم سيرون غدا من يقتل ثم ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم عير قريش جاءت من الشام وفيها أبو سفيان بن حري ومخرمة بن نوفل وعمرو بن العاصي وجماعة من قريش فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلك حين خرج إلى بدر على نقب بني دينار ورجع حين رجع من ثنية الوداع فنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نفر ومعه ثلثمائة وسبعة عشر رجلا وفي رواية ابن فليح: ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا وأبطأ عنه كثير من أصحابه وتربصوا وكانت أول وقعة أعز الله فيها الإسلام فخرج في رمضان على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدمه المدينة ومعه المسلمون لا يريدون إلا العير فسلك على نقب بني دينار والمسلمون غير معدين من الظهر إنما خرجوا على النواضح يعتقب الرجل منهم على البعير الواحد وكان زميل رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة فهم معه ليس مهعهم إلا بعير واحد فساروا حتى إذا كانوا بعرق الظبية لقيهم راكب من قبل تهامة- والمسلمون يسيرون- فوافقه نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن أبي سفيان؟

فقال: لا علم لي به فلما يئسوا من خبره فقالوا له: سلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: وفيكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قالوا: نعم قال: أيكم هو؟

فأشاروا له إليه فقال الأعرابي: أنت رسول الله كما تقول؟

قال: «نعم» قال: إن كنت رسول الله كما تزعم فحدثني بما في بطن ناقتي هذه؟

فغضب رجل من الأنصارمن بني عبد الأشهل يقال له سلمة بن سلامة بن وقش فقال للأعرابي: وقعت على ناقتك فحملت منك فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال سلمة حين سمعه أفحش فأعرض عنه ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلقاه خبر ولا يعلم بنفرة قريش فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشيروا علينا في أمرنا ومسيرنا؟» فقال أبو بكر: يا رسول اله أنا أعلم الناس بمسافة الأرض أخبرنا عدي بن أبي الزغباء أن العير كانت بوادي كذا وكذا فكانا وإياهم فرسخان إلى بدر ثم قال: «أشيروا علي؟» فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله إنها قريش وعزها والله ما ذلت منذ عزت ولا آمنت منذ كفرت والله لتقاتلنك فتأهب لذلك أهبته وأعدد له عدته.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشيروا علي؟» فقال المقداد بن عمرو: إنا لا نقول لك كما قال أصحاب موسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون المائدة الآية 24 ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم متبعون فقال رسول الله: «أشيروا علي؟» فلما رأى سعد بن معاذ كثرة استشارة النبي أصحابه فيشيرون فيرجع إلى المشورة ظن سعد أنه يستنطق الأنصار شفقا أن لا يستحوذوا معه على ما يريد من أمره فقال سعد بن معاذ لعلك يا رسول الله تخشى أن لا تكون الأنصار يريدون مواساتك ولا يرونها حقا عليهم إلا بأن يروا عدوا في بيوتهم وأولادهم ونسائهم وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم: يا رسول الله فاظعن حيث شئت وخذ من أموالنا ما شئت ثم أعطنا ما شئت وما أخذته منا أحب إلينا مما تركت وما ائتمرت من أمر فأمرنا بأمرك فيه تبع فوالله لو سرت حتى تبلغ البركة من ذي يمن لسرنا معك فلما قال ذلك سعد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيروا على اسم الله فإني قد رأيت مصارع القوم فعمد لبدر» وخفض أبو سفيان فلصق بساحل البحر وكتب إلى قريش حين خالف مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى أن قد أحرز ما معه وأمرهم أن يرجعوا فإنما أخرجتم لتحرزوا ركبكم فقد أحرز لكم فلقيهم هذا الخبر بالجحفة.

فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نقدم بدرا فنقيم فيها ونطعم من حضرنا من العرب فإنه لن يرانا أحد فيقاتلنا.

فكره ذلك الأخنس بن شريق فأحب أن يرجعوا وأشار عليهم بالرجعة فأبوا وعصوا وأخذتهم حمية الجاهلية فلما يئس الأخنس من رجوع قريش أكب على بني زهرة فأطاعوه فرجعوا فلم يشهد أحد منهم بدرا واغتبطوا برأي الأخنس وتبركوا به فلم يزل فيهم مطاعا حتى مات وأرادت بنو هاشم الرجوع فيمن رجع فاشتد عليهم أبو جهل وقال: والله لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع.

وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل أدنى شيء من بدر ثم بعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وبسبسا الأنصاري في عصابة من أصحابه فقال لهم: اندفعوا إلى هذه الظراب وهي في ناحية بدر فإني أرجو أن تجدوا الخبر عند القليب الذي يعلى الظراب فانطلقوا متوشحي السيوف فوجدوا وارد قريش عند القليب الذي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا غلامين أحدهما لبني الحجاج بن الأسود والآخر لأبي العاصي يقال له أسلم وأفلت أصحابهما قبل قريش فأقبلوا بهما حتى أتوا بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في معرشة دون الماء فجعلوا يسألون العبدين عن أبي سفيان وأصحابه لا يرون إلا أنهم لهم فطفقا يحدثانهم عن قريش ومن خرج منهم وعن رؤوسهم فيكذبونهما وهم أكره شيء للذي يخبرانه وكانوا يطمعون بأبي سفيان وأصحابه ويكرهون قريشا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما يصلي يسمع ويرى الذي يصنعون بالعبدين فجعل العبدان إذا أذلقوهما بالضرب يقولان نعم هذا أبو سفيان والركب كما قال الله تعالى أسفل منكم قال الله ﴿ إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا الأنفال ﴾ [الآية42] قال فطفقوا إذا قال العبد إن هذه قريش قد جاءتكم كذبوهما وإذا قالا هذا أبو سفيان تركوهما.

فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم صنيعهم بهما سلم من صلاته وقال: «ماذا أخبراكم؟» قالوا: أخبرانا أن قريشا قد جاءت قال: «فإنهما قد صدقا والله إنكم لتضربونهما إذا صدقا وتتركونهما إذا كذبا خرجت قريش لتحرز ركبها وخافوكم عليهم» ثم دعا رسول الله العبدين فسألهما؟

فأخبراه بقريش وقالا: لا علم لنا بأبي سفيان فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم «كم القوم؟» قالا: لا ندري والله هم كثير فزعموا أن رسول الله قال: «من أطعمهم أمس؟» فسميا رجلا من القوم قال: «كم نحر لهم؟» قالا: عشر جزائر قال: «فمن أطعمهم أول أمس؟» فسميا رجلا آخر من القوم قال: «كم نحر لهم؟» قالا: تسعا فزعموا أن رسول الله قال: «القوم ما بين التسعمائة والألف يعتبر ذلك بتسع جزائر ينحرونها يوما وعشر ينحرونها يوما» فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أشيروا علي في المسير؟» فقام الحباب بن المنذر أحد بني سلمة فقال: يا رسول الله أنا عالم بها وبقلبها إن رأيت أن تسير إلى قليب منها قد عرفتها كثيرة الماء عذبة فتنزل إليها ونسبق القوم إليها ونغور ما سواها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيروا فإن الله قد وعدكم إحدى الطائفتين أنها لكم» فوقع في قلوب ناس كثير الخوف وكان فيهم من تخاذل من تخويف الشيطان فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون مسابقين إلى الماء وسار المشركون سراعا يريدون الماء فأنزل الله عليهم في تلك الليلة مطرا واحدا فكان على المشركين بلاء شديدا منعهم أن يسيروا وكان على المسلمين ديمة خفيفة لبد لهم المسير والمنزل وكانت بطحاء فسبق المسلمون إلى الماء فنزلوا عليه شطر الليل فاقتحم القوم في القليب فما حوها حتى كثر ماؤها وصنعوا حوضا عظيما ثم غوروا ما سواه من المياه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذه مصارعهم إن شاء الله بالغداة» وأنزل الله ﴿ إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام ﴾ [الأنفال الآية 11] ثم صف رسول الله على الحياض فلما طلع المشركون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم إني أسألك ما وعدتني- ورسول الله صلى الله عليه وسلم ممسك بعضد أبي بكر يقول: اللهم إني أسألك ما وعدتني» - فقال أبو بكر: أبشر فوالذي نفسي بيده لنيجزن الله لك ما وعدك.

فاستنصر المسلمون الله واستعانوه فاستجاب الله لنبيه وللمسلمين وأقبل المشكون ومعهم إبليس في صورة سراقة بن جعشم المدلجي يحدثهم أن بني كنانة وراءهم قد أقبلوا لنصرهم وأنه لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم لما أخبرهم من مسير بني كنانة وأنزل الله ﴿ ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس الأنفال ﴾ [الآية 47] هذه الآية والتي بعدها وقال رجال من المشركين لما رأوا قلة من مع محمد صلى الله عليه وسلم: غر هؤلاء دينهم فأنزل الله ﴿ ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم الطلاق ﴾ [الآية 3] وأقبل المشركون حتى نزلوا وتعبوا للقتال والشيطان معهم لا يفارقهم فسعى حكيم بن حزام إلى عتبة بن ربيعة فقال له: هل لك أن تكون سيد قريش ما عشت؟

قال عتبة فأفعل ماذا؟

قال: تجير بين الناس وتحمل دم ابن الحضرمي وبما أصاب محمد من تلك العير فإنهم لا يطلبون من محمد غير هذه العير ودم هذا الرجل قال عتبة: نعم قد فعلت ونعما قلت ونعما دعوت إليه فاسع في عشيرتك فأنا أتحمل بها فسعى حكيم في أشراف قريش بذلك يدعوهم فيه وركب عتبة جملا له فسار عليه في صفوف المشركين في أصحابه فقال: يا قوم أطيعوني فإنكم لا تطلبون عندهم غير دم ابن الحضرمي وما أصابوا من عيركم تلك وأنا أتحمل بوفاء ذلك ودعوا هذا الرجل فإن كان كاذبا ولي قتله غيركم من العرب فإن فيهم رجالا لكم فيهم قرابة قريبة وإنكم إن تقتلوهم لا يزال الرجل منكم ينظر إلى قاتل أبيه وأخيه أو ابن أخيه أو ابن عمه فيورث ذلك فيهم احنا وضغائن وإن كان هذا الرجل ملكا كنتم في ملك أخيكم وإن كان نبيا لم تقتلون النبي فتيسئوا به ولن تخلصوا إليهم حتى يصيبوا أعدادهم ولا آمن أن يكون لكم الدبرة عليهم فحسده أبو جهل على مقالته وأبى الله إلا أن ينفذ أمره وعمد أبو جهل إلى ابن الحضرمي- وهو أخو المقتول- فقال: هذا عتبة يخذل بين الناس وقد تحمل بدية أخيك يزعم أنك قابلها أفلا تسحيون من ذلك أن تقبلوا الدية؟

فزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو ينظر إلى عتبة: إن يكن عند أحد من القوم خير فهو عند صاحب الجمل الأحمر وإن يطيعوه يرشدوا فلما حرض أبو جهل قريشا على القتال أمر النساء يعولن عمر فقمن يصحن: واعمراه واعمراه !

تحريضا على القتال فاجتمعت قريش على القتال فقال عتبة لأبي جهل: سيعلم اليوم أي الأمرين أرشد وأخذت قريش مصاف هذا القتال وقالوا لعمير بن وهب: اركب فاحذر محمدا وأصحابه فقعد عمير على فرسه فأطاف برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثم رجع إلى المشركين فقال: حذرتهم بثلثمائة مقاتل زادوا شيئا أو نقصوا شيئا وحذرت سبعين بعيرا ونحو ذلك ولكن أنظروني حتى أنظر هل لهم مدد أو كمين فأطاف حولهم وبعثوا خيلهم معه فأطافوا حولهم ثم رجعوا فقالوا: لا مدد لهم ولا كمين وإنما هم أكلة جزور وقالوا لعمير حرش بين القوم فحمل عمير على الصف بمائة فارس.

واضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لأصحابه: «لا تقاتلوا حتى أؤذنكم وغشيه نوم فغلبه» فلما نظر بعض القوم إلى بعض جعل أبو بكر يقول: يا رسول الله قد دنا القوم ونالوا منا!

فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أراه الله إياهم في منامه قليلا وقلل المسلمين في أعين المشركين حتى طمع بعض القوم في بعض ولو أراه عددا كثيرا لفشلوا وتنازعوا في الأمر كما قال الله وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فوعظهم وأخبرهم أن الله قد أوجب الجنة لمن استشهد اليوم فقام عمير بن الحمام من عجين كان يعجنه لأصحابه حين سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن لي الجنة إن قتلت؟

قال: نعم فشد على أعداء الله مكانه فاستشهد وكان أول قتيل قتل ثم أقبل الأسود بن عبد الأسد المخزومي يحلف بآلهته ليشربن من الحوض الذي صنع محمد وليهدمنه فلما دنا من الحوض لقيه حمزة بن عبد المطلب فضرب رجله فقطعها فأقبل يحبو حتى وقع في جوف الحوض وأتبعه حمزة حتى قتله ثم نزل عتبة بن ربيعة عن جمله ونادى: هل من مبارز ولحقه أخوه شيبة والوليد ابنه فناديا يسألان المبارزة فقام إليهم ثلاثة من الأنصار فاستحيا النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فناداهم أن ارجعوا إلى مصافكم وليقم إليهم بنو عمهم فقام حمزة وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث بن المطلب فقتل حمزة عتبة وقتل عبيدة شيبة وقتل علي الوليد وضرب شيبة رجل عبيدة فقطعها فاستنقذه حمزة وعلي فحمل حتى توفي بالصفراء وعند ذلك نذرت هند بنت عتبة لتأكلن من كبد حمزة إن قدرت عليها فكان قتل هؤلاء النفر قبل التقاء الجمعين.

وعج المسلمون إلى الله يسألونه النصر حين رأوا القتال قد نشب ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه إلى الله يسأله ما وعده ويسأله النصر ويقول: «اللهم إن ظهر على هذه العصابة ظهر الشرك ولم يقم لك دين» وأبو بكر يقول: يا رسول الله والذي نفسي بيده لينصرنك الله وليبيضن وجهك فأنزل الله جندا في أكناف العدو فقال رسول الله: «قد أنزل الله نصره» ونزلت الملائكة عليهم السلام أبشر يا أبا بكر فإني قد رأيت جبريل معتجرا يقود فرسا بين السماء والأرض فلما هبط إلى الأرض جلس عليها فتغيب عني ساعة ثم رأيت على شفته غبارا.

وقال أبو جهل: اللهم انصر خير الدينين اللهم ديننا القديم ودين محمد الحديث ونكص الشيطان على عقبيه حين رأى الملائكة عليهم السلام وتبرأ من نصرة أصحابه وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ملء كفه من الحصباء فرمى بها وجوه المشركين فجعل الله تلك الحصباء عظيما شأنها لم يترك من المشركين رجلا إلا ملأت عينيه والملائكة عليهم السلام يقتلونهم ويأسرونهم ويجدون النفر كل رجل منهم مكبا على وجهه لا يدري أن يتوجه يعالج التراب ينزعه من عينيه.

ورجعت قريش إلى مكة منهزمين مغلوبين وأذل الله بوقعة بدر رقاب المشركين والمنافقين فلم يبق بالمدينة منافق ولا يهودي إلا وهو خاضع عنقه لوقعة بدر وكان ذلك يوم الفرقان يوم فرق الله بين الشرك والإيمان وقالت اليهود تيقنا: أنه النبي الذي نجد نعته في التوراة والله لا يرفع راية بعد اليوم إلا ظهرت.

ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فدخل من ثنية الوداع ونزل القرآن يعرفهم الله نعمته فيما كرهوا من خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر فقال ﴿ كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون ﴾ هذه الآية وثلاث آيات معها وقال فيما استجاب للرسول للمؤمنين ﴿ إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم ﴾ [الأنفال الآية 9 ]الآية وأخرى معها وأنزل فيما غشيهم من النعاس ﴿ إذ يغشيكم النعاس ﴾ [الأنفال الآية 11 ]الآية.

ثم أخبرهم بما أوحى إلى الملائكة من نصرهم فقال ﴿ إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم ﴾ [الأنفال 12] الآية والتي بعدها.

وأنزل في قتل المشركين والقبضة التي رمى بها رسول الله ﴿ فلم تقلتوهم ولكن الله قتلهم ﴾ [الأنفال 17] الآية والتي بعدها وأنزل في استفتاحهم ﴿ إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ﴾ [الأنفال 19] ثم أنزل يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله في سبع آيات منها وأنزل في منازلهم ﴿ إذ أنتم بالعدوة الدنيا ﴾ [الأنفال 42 ]الآية والتي بعدها وأنزل فيما تكلم به من رأى قلة المسلمين ﴿ غر هؤلاء دينهم ﴾ [الأنفال 49 ] الآية وأنزل في قتلى المشركين ومن اتبعهم ﴿ ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا ﴾ [الأنفال 50] الآية وثمان آيات معها وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين ﴾ قال: أقبلت عير أهل مكة من الشام فبلغ أهل المدينة ذلك، فخرجوا ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد العير، فبلغ أهل مكة ذلك فخرجوا فأسرعوا السير إليها لكي لا يغلب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فسبقت العير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الله عز وجل وعدهم إحدى الطائفتين، وكانوا أن يلقوا العير أحب إليهم وأيسر شوكة وأخصر نفراً، فلما سبقت العير وفاتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، سار رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين يريد القوم، فكره القوم مسيرهم لشوكة القوم، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون بينهم وبين الماء رملة دعصة، فأصاب المسلمين ضعف شديد، وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ فوسوس بينهم، يوسوسهم تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم تصلون مجنبين، وأمطر الله عليهم مطراً شديداً فشرب المسلمون وتطهروا، فأذهب الله عنهم رجز الشيطان واشف الرمل من إصابة المطر، ومشى الناس عليه والدواب فساروا إلى القوم، وأمد الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بألف من الملائكة عليهم السلام، فكان جبريل عليه السلام في خمسمائة من الملائكة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة من الملائكة مجنبة، وجاء إبليس في جند معه راية في صورة رجال من بني مدلج، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال الشيطان للمشركين ﴿ لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ﴾ [ الأنفال: 48] فلما اصطف القوم قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره.

ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال: يا رب إن تهلك هذه العصابة في الأرض فلن تعبد في الأرض أبداً.

فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب فأرم به وجوههم، فما من المشركين من أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه من تلك القبضة فولوا مدبرين، وأقبل جبريل عليه السلام فلما رآه إبليس وكانت يده في يد رجل من المشركين، انتزع إبليس يده ثم ولى مدبراً وشيعته فقال الرجل: يا سراقة أتزعم أنك لنا جار؟

فقال: إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله والله شديد العقاب، فذلك حين رأى الملائكة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ﴾ قال: الطائفتان احداهما أبو سفيان أقبل بالعير من الشام، والطائفة الأخرى أبو جهل بن هشام معه نفر من قريش، فكره المسلمون الشوكة والقتال وأحبوا أن يلتقوا العير، وأراد الله ما أراد.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ﴾ قال: هي عير أبي سفيان، ودّ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إن العير كانت لهم وإن القتال صرف عنهم.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ويقطع دابر الكافرين ﴾ أي يستأصلهم.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من بدر: عليك العير ليس دونها شيء، فناداه العباس رضي الله عنه وهو في وثاقه أسير: أنه لا يصلح لك.

قال: ولم؟

قال: لأن الله إنما وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك.

قال: صدقت.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لِيُحِقَّ الْحَقَّ ﴾ اللام في صلة قوله (يقطع) أي: يقطع دابرهم ليحق الحق، قال ابن عباس: يريد أن يحق الله مواعيده للمؤمنين (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ ﴾ أي: يعدمه ويهلكه؛ لأن الباطل باطل، وكان الكفر باطلاً قبل بدر، ولكن معنى إبطاله ههنا: إعدامه، كما أن معنى إحقاق الحق: إظهاره، وإلى هذا [أشار ابن عباس في معنى (يبطل الباطل) فقال: يريد: ﴿وَيَقْطَعَ (٣) (٤) (٥) ﴿ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ ﴾ أي: يفني الكفر، والآية بيان عن إرادة الله تعالى إظهار الحق وإعدام الباطل به على كره من المشركين، وإعزاز للمسلمين.

(١) ذكر نحوه ابن الجوزي دون نسبة إلى ابن عباس، انظر: "زاد المسير" 3/ 324.

(٢) انظر: تفسير الآية السابقة.

(٣) في (س): (قطع).

(٤) ما بين المعقوفين مكرر في (ح).

(٥) لم أجد من روى عن ابن عباس ما ذكره الواحدي سوى الفيروز أبادي في "تنوير المقباس" ص 177، حيث قال: (ويبطل الباطل): يهلك الشرك وأهله.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين ﴾ يعني قريش أو عيرهم، والعمل في إذ محذوف تقديره اذكروا ﴿ أَنَّهَا لَكُمْ ﴾ بدل من إحدى الطائفتين ﴿ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشوكة تَكُونُ لَكُمْ ﴾ الشوكة عبارة عن السلاح، سميت بذلك لحدّتها، والمعنى تحبون أن تلقوا الطائفة التي لا سلاح لها وهي العير ﴿ أَن يُحِقَّ الحَقَّ ﴾ يعني يظهر الإسلام بقتل الكفار وإهلاكهم يوم بدر ﴿ لِيُحِقَّ الحق ﴾ متعلق بمحذوف تقديره: ليحق الحق ويبطل الباطل فعل ذلك، وليس تكراراً للأول؛ لأن الأول مفعول يريد، وهذا تعليل لفعل الله تعالى، ويحتمل أن يريد بالحق الأول الوعد بالنصرة، وبالحق الثاني الإسلام، فيكون المعنى أن نصرهم، ليظهر الإسلام، ويؤيد هذا قوله: ويبطل الباطل أي يبطل الكفر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مردفين ﴾ بفتح الدال: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.

الباقون: بالكسر.

الوقوف: ﴿ عن الأنفال ﴾ ط ﴿ والرسول ﴾ ج لعطف المختلفين مع الفاء ﴿ ذات بينكم ﴾ ص ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ يتوكلون ﴾ ه ج لاحتمال جعل ﴿ الذين ﴾ مبتدأ والوصل أولى فيكون الوقف على ﴿ ينفقون ﴾ ويكون الثناء بحقيقة الإيمان منصرفاً إلى قوله ﴿ هم المؤمنون ﴾ ﴿ حقاً ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ج لما يجيء في التفسير ﴿ بالحق ﴾ ص لطول الكلام ﴿ لكارهون ﴾ ه ﴿ لا ينظرون ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ج لاحتمال كون "إذ" متعلقاً بمحذوف وهو "اذكر" أو بقوله ﴿ ويحق ﴾ ﴿ مردفين ﴾ ه ﴿ قلوبكم ﴾ ج لابتداء النفي مع احتمال الحال ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه.

التفسير: روى عكرمة عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله  : من فعل كذا فله كذا، فذهب شبان الرجال وجلس الشيوخ تحت الرايات فلما كانت القسمة جاء الشبان يطلبون نفلهم وقالت الشيوخ: لا تستأثروا علينا فإنا كنا تحت الرايات ولو انهزمتم كنا ردأ لكم فأنزل الله  ﴿ يسألونك عن الأنفال ﴾ فقسمها بينهم بالسواء.

وعن عبادة بن الصامت قال: لم هزم العدوّ يوم بدر واتبعتهم طائفة يقتلونهم، أحدقت طائفة برسول الله  واستولت طائفة بالعكسر والنهب، فلما نفى الله العدوّ رجع الذين طلبوهم وقالوا: لنا النفل نحن طلبنا العدوّ وبنا قفاهم الله وهزمهم.

وقال الذين أحدقوا برسول الله  : ما أنتم بأحق به منا نحن أحدقنا برسول الله لا ينال العدوّ منه  غرة.

وقال الذين استولوا على العسكر والنهب: نحن أخذناه واستولينا عليه فهو لنا فنزلت الآية، فقسمها رسول الله  بينهم بالسواء.

وعن سعد بن أبي وقاص لما كان يوم بدر قتل أخي عمير وقتلت سعيد بن العاص فأخذت سيفه فأعجبني فجئت به إلى رسول الله  فقلت: إن الله قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف.

فقال: ليس هذا لي ولا لك اطرحه في القبض أي في المقبوض من الغنائم، فطرحته وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي، فما جاوزت إلا قليلاً حتى جاءني رسول الله  وقد أنزلت سورة الأنفال عليه فقال: "يا سعد إنك سألتني السيف وليس لي وإنه الآن قد صار لي فاذهب فخذه" والنفل بالتحريك الغنيمة وجمعه الأنفال وهي الأموال المأخوذة من الكفار قهراً.

قال الأزهري: هو ما كان زيادة على الأصل فسميت الغنائم بذلك لأن المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم الذين لم تحل الغنائم لهم.

وصلاة التطوّع نافلة لأنها زائدة على الفرض وقال  ﴿ ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة  ﴾ أي زيادة على ما سأل.

والضمير في ﴿ يسألونك ﴾ عائد إلى جامع معينين من الصحابة لهم تعلق بالغنائم كما قررنا.

وحسن العود وإن لم يجر لهم ذكر في اللفظ لدلالة الحال عليهم، ولفظ السؤال وإن كان مبهماً إلا أن تعيين الجواب يدل على أن المراد أنهم سألوا عن الأنفال كيف مصرفها ومن المستحق لها.

قال الزجاج: إنما سألوا عنها لأنها كانت حراماً على من كان قبلهم.

وضعف بأن الآية دلت على أنها مسبوقة بالتنازع والتنافس فسألوا عن كيفية قسمتها لا عن حلها وحرمتها.

وعن عكرمة أن المراد من هذا السؤال الاستعطاء أي يطلبون منك الغنائم وقال في الكشاف: النفل ما ينفله الغازي أي يعطاه زائداً على سهمه من المغنم وهو أن يقول الإمام تحريضاً على البلاء في الحرب.

من قتل قتيلاً فله سلبه.

أو قال لسرية ما أصبتم فهو لكم أو فلكم نصفه أو ربعه.

ولا يخمس النفل ويلزم الإمام الوفاء بما وعد به.

وهذا التفسير يناسب خبر سعد بن أبي وقاص في إعطاء السيف إياه.

وعن ابن عباس في بعض الروايات أن المراد بالأنفال ما شذ عن المشركين إلى المسلمين من غير قتال من دابة أو عبد أو متاع فهو إلى النبي  يضعه حيث يشاء.

وعن مجاهد: إن الأنفال الخمس الذي جعله الله لأهل الخمس.

وعلى هذا فالقوم إنما سألوا عن الخمس فنزلت الآية.

ثم أمر بالشروع في الجواب فقال ﴿ قل الأنفال لله والرسول ﴾ أي حكمها مختص بالله ورسوله يأمر الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته ويمتثل الرسول أمر الله فيها، وليس الأمر في قسمتها مفوّضاً إلى رأي أحد.

قال مجاهد وعكرمة والسدي: إنها منسوخه بقوله ﴿ واعلموا أن ما غنمتم  ﴾ الآية.

وضعف بأن جعل أربعة أخماسها ملكاً للغانمين لا ينافي كون الحكم فيها لله والرسول، ولو فسر الأنفال بالخمس أو بالسلب فلا إشكال.

ثم حثهم على ترك المنازعة وعلى المؤاخاة والمصافاة فقال ﴿ فاتقوا الله ﴾ أي عقابه ولا تقدموا على معصيته واتركوا المنازعة والمخاصمة بسبب هذه الأموال ﴿ وأصلحوا ذات بينكم ﴾ أي التي هي بينكم من الأحوال حتى تكون أحوال ألفة ومودة وموافقة.

لما كانت الأحوال واقعة في البين قيل لها ذات البين كما أن الأسرار لما كانت مضمرة في الصدور قيل لها ذات الصدور.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ أي كاملي الإيمان تنبيهاً على أن كمال الإيمان موقوف وإصلاح ذات البين وطاعة الله ورسوله.

ثم وصف المؤمنين الكاملين فقال ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ أي فزعت لذكره استعظاماً لجلاله وحذراً من أليم عقابه.

وقد يطمئن القلب بعد ذلك إذا تذكر كمال رأفته وجزيل ثوابه كقوله ﴿ ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله  ﴾ وقيل: هو الرجل يريد أن يظلم أو يهم لمعصية فيقال له اتق الله فينزع ﴿ وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً ﴾ قالت العلماء: زيادة الإيمان تكون على ثلاثة أنحاء: الأوّل: بقوّة الدليل وبكثرته، فإن كل دليل مركب لا محالة من مقدمات.

ولا شك في أن النفوس مختلفة في الإشراق والإنارة، والأذهان متفاوتة بالذكاء والغباوة، فكل من كان جزمه بالمقدمات أكثر وأدوم كان علمه بالنتيجة أكمل وأتم، وكذا من سنح له على المطلوب دليلان كان علمه أتم ممن لا يجد على المطلوب دليل واحد ولذا يورد العلماء دلائل متعددة على مدلول واحد ولله در القائل: وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد.

الثاني: بتعدد التصديق وتجدده؛ فمن المعلوم أن من صدق إنساناً في شيئين كان تصديقه أزيد من تصديق من صدقه في شيء واحد، فمعنى الآية أنهم كلما سمعوا آية متجددة أتوا بإقرار جديد.

الثالث: أن يقال: الإيمان عبارة عن مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل كما ينبىء عنه ظاهر الآية لأنه لما ذكر الأمور الخمسة قال ﴿ أولئك هم المؤمنون ﴾ فدل ذلك على أن كل تلك الخصال داخلة في مسمى الإيمان ويؤيده ما رواه أبو هريرة أن النبي  قال: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" وإذا كان الإيمان عبارة عن مجموع الأركان الثلاثة فبسبب التفاوت في العمل يظهر التفاوت في الإيمان، وإن لم يكن التفاوت في الإقرار والاعتقاد متصوراً.

أما قوله ﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾ فيفيد الحصر أي لا يتوكلون إلا على ربهم وهذه الصفات مرتبة على أحسن جهات الترتيب؛ فالأولى الفزع من عقاب الله، والثانية الانقياد لتكاليفه، والثالثة الانقطاع بالكلية عما سواه.

ثم لما فرغ من أعمال القلوب وهي الخشية والتسليم والتوكل شرع في وصفهم بأعمال الجوارح وذكر منها رأسها وسنامها وهما الصلاة والصدقة، ثم عظمهم بقوله ﴿ أولئك هم المؤمنون حقاً ﴾ وفي ﴿ أولئك ﴾ وفي توسيط الفصل وتعريف الخبر وإيراد ﴿ حقاً ﴾ من المبالغات ما لا يخفى و ﴿ حقاً ﴾ صفة مصدر محذوف أي إيماناً حقاً وهو مصدر مؤكد للجملة قبله، وقال الفراء: معناه أخبركم بذلك إخباراً حقاً، وقيل: إنه منوط بما بعده أي حقاً لهم درجات.

واعلم أن الأئمة اتفقوا على أن الرجل المؤمن يجوز له أن يقول أنا مؤمن، ثم اختلفوا في أنه هل يجوز له أن يضيف إليه حقاً أو لا بل يستثني فيقول إن شاء الله.

والأوّل مذهب أصحاب أبي حنيفة لما ورد في الآية، ولأن الشك في الإيمان لا يجوز لأن التصديق والإقرار كلاهما محقق.

والثاني مذهب أصحاب الشافعي، وأجابوا عن الآية بأنه لا نزاع في أن الموصوف بالصفات المذكورة مؤمن حقاً إنما النزاع في أن القائل أنا مؤمن هل هو موصوف بتلك الصفات جزماً أم لا.

وأما حديث الشك فمبني على أن الإيمان عبارة عن الأركان الثلاثة، ولا ريب أن كون الإنسان آتياً بالأعمال الصالحة أمر مشكوك فيه، والشك في أحد أجزاء الماهية يوجب الشك في حصول تلك الماهية، فإن النزاع لفظي على أنا لا نسلم أن الاستثناء لأجل الشك وإنما هو لزوال العجب أو لعدم القطع بحسن الخاتمة، أو لنوع من الأدب ففيه تفويض بالأمر إلى علم الله وحكمه كقوله ﴿ لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين  ﴾ وإنه تعالى منزه عن الشك والريب.

عن الحسن أن رجلاً سأله أمؤمن أنت؟

قال: الإيمان إيمانان فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب فأنا مؤمن، وإن كنت تسألني عن قوله ﴿ إنما المؤمنون ﴾ فوالله لا أدري أمنهم أنا أم لا.

وعن الثوري: من زعم أنه مؤمن بالله حقاً ثم لم يشهد أنه من أهل الجنة فقد آمن بنصف الآية.

وهذا إلزام منه يعني كما لا يقع بأنه من أهل الجنة حقاً فلا يقطع بأنه مؤمن حقاً.

ويحكى عن أبي حنيفة أنه قال لقتادة: لم تستثني في إيمانك؟

فقال: اتباعاً لإبراهيم في قوله ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي  ﴾ فقال له: هلا اقتديت به في قوله ﴿ أو لم تؤمن قال بلى  ﴾ قيل: وكان لقتادة أن يقول ﴿ ولكن ليطمئن قلبي  ﴾ وفيه ما فيه.

ثم أخبر عن مآل حالهم فقال ﴿ لهم درجات عند ربهم ﴾ أي سعادات روحانية متفاوتة في الصعود والارتفاع، ولكن استغراق كل واحد في سعادته الخاصة به يمنعه عن التألم من حال من فوقه كما قال  ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ ، ﴿ ومغفرة  ﴾ وتجاوز عن سيئاتهم ﴿ ورزق كريم ﴾ هو نعيم الجنة المقرون بالدوام والتعظيم.

والكرم اسم جامع لكل ما يحمد ويستحسن في بابه نقله الواحدي عن أهل اللغة.

فالله  موصوف بأنه كريم لأنه محمود في كل ما يحتاج إليه، والقرآن كريم لأنه يوجد فيه بيان كل شيء ﴿ وقال إني ألقي إليّ كتاب كريم  ﴾ وقال ﴿ من كل زوج كريم  ﴾ وقال ﴿ وقل لهما قولاً كريماً  ﴾ قال بعض العارفين: المغفرة إزالة الظلمات الحاصلة من الاشتغال بغير الله.

والرزق الكريم الأنوار الحاصلة بسبب الاستغراق في معرفته ومحبته.

قوله عز من قائل ﴿ كما أخرجك ﴾ يقتضي تشبيه شيء بهذا الإخراج وذكروا فيه وجوهاً: الأوّل: أن المشبه محذوف تقديره هذا الحال كحال إخراجك.

والمعنى أن حالهم في كراهة ما صنعت من تنفيل الغزاة مثل حالهم في كراهة خروجك للحرب، وذلك أنه  لما رأى كثرة المشركين يوم بدرٍ وقلة المسلمين قال: " من قتل قتيلاً فله كذا وكذا.

ومن أسر أسيراً فله كذا وكذا" .

ترغيباً لهم في القتال، فلما انهزم المشركون قال سعد بن عبادة: يا رسول الله لو أعطيت هؤلاء ما سميته لهم بقي خلق كثير بغير شيء فنزلت ﴿ قل الأنفال لله والرسول ﴾ يصنع فيها ما يشاء فأمسك المسلمون عن الطلب وفي أنفس بعضهم شيء من الكراهة.

والثاني: أن ينتصب الكاف على أنه صفة مصدر الفعل المقدّر في قوله ﴿ قل الأنفال لله والرسول ﴾ أي ثبت الحكم واستقر بأن الأنفال لله وإن كرهوا ثباتاً مثل إخراج ربك إياك إلى القتال وإن كرهوا، ووجه تخصيص هذا المشبه به بالذكر من بين سائر أحكام الله أن القصة واحدة ووجه جعل الإخراج مشبهاً به كونه أقوى في وجه الشبه لأن مدار القصة عليه.

وقيل: التقدير هو أن الحكم بكونهم مؤمنين حق كما أن حكم الله بإخراجك من بيتك لأجل القتال حق.

الثالث: قال الكسائي: الكاف متعلق بما بعده وهو قوله ﴿ يجادلونك ﴾ والتقدير كما أخرجك ربك من بيتك بالحق على كره فريق من المؤمنين كذلك هم يكرهون القتال ويجادلونك فيه.

والبيت بيته صلى الله عليه وآله بالمدينة أو المدينة نفسها لأنها مهاجره ومسكنه فلها به اختصاص كاختصاص البيت بساكنه، ومعنى بالحق أي إخراجاً ملتبساً بالحكمة والصواب ﴿ وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون ﴾ في موضع الحال أي أخرجك في حال كراهة بعضهم.

ثم بين الكراهة بقوله ﴿ يجادلونك ﴾ ويجوز أن تكون الجملة بدلاً أو خبراً بعد خبر.

روي أن قريش أقبلت من الشأم فيها تجارة عظيمة ومعهم أربعون راكباً - منهم أبو سفيان وعمر بن العاص وعمرو بن هشام - فأخبر جبريل رسول الله  فأخبر المسلمين فأعجبهم تلقي العير لكثرة الخير وقلة القوم، فلما خرجوا بلغ أهل مكة خبر خروجهم فنادى أبو جهل فوق الكعبة يا أهل مكة النجاء النجاء على كل صعب وذلول، عيركم، أموالكم إن أصابها محمد لن تفلحوا بعدها أبداً.

وقد رأت أخت العباس ابن عبد المطلب رؤيا فقالت لأخيها: إني رأيت عجباً رأيت كأن ملكاً نزل من السماء فأخذ صخرة من الجبل فرمى بها فلم يبق بيت من بيوت مكة إلا أصابه حجر من تلك الصخرة.

فحدث بها العباس فقال أبو جهل: ما يرضى رجالهم أن يتنبأوا حتى تتنبأ نساؤهم.

فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة وهم النفير على ما قيل في المثل السائر: "لا في العير ولا في النفير" فقيل له: إن العير ولا في النفير" فقيل له: إن العير أخذت طريق الساحل ونجت فارجع بالناس إلى مكة فقال: لا والله لا يكون ذلك أبداً حتى ننحر الجزور ونشرب الخمور ونقيم القينات والمعازف ببدر فيتسامع جميع العرب بمخرجنا وأن محمداً لم يصب العير.

فمضى بهم إلى بدر ونزل جبرائيل فقال: يا محمد إن الله وعدكم إحدى الطائفتين إما العير وإما قريشا فاستشار النبي صلىالله عليه وسلم أصحابه وقال: ما تقولون إن القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذلول فالعير أحب إليكم أم النفير؟

قالوا: بل العير أحب إلينا من لقاء العدوّ.

فتغير وجه رسول الله  ثم ردّ عليهم فقال: إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل فقالوا: يا رسول الله عليك بالعير ودع العدوّ.

فقام عند غضب النبي  أبو بكر وعمر فأحسنا أي الكلام، ثم قام سعد بن عبادة فقال: انظر فامض فوالله لو سرت إلى عدن ما تخلف عنك رجل من الأنصار.

ثم قال: المقداد بن عمرو: يا رسول الله امض لما أمرك الله فإنا معك حيثما أحببت لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿ اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون  ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ما دامت عين تطرف.

فضحك رسول الله  ثم قال: "أشيروا عليّ أيها الناس" .

وهو يريد الأنصار لأنهم قالوا له حين بايعوه على العقبة إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا فكان النبي  يتخوف أن يكون الأنصار لا ترى عليهم نصرته إلا على عدوّ دهمه بالمدينة.

فقام سعد بن معاذ فقال: لكأنك تريدنا يا رسول الله؟

قال: أجل.

قال: قد آمنا بك وصدّقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أدرت فوالذي بعثك بالحق نبياً لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا، إنا بالصبر عند الحرب صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك بنا ما تقرُّ به عينك، فسر بنا على بركة الله، ففرح رسول الله  ونشطه قول سعد ثم قال: "سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم" .

ولنرجع إلى التفسير.

قوله ﴿ في الحق ﴾ أي في تلقي النفير بعد ما تبين أي بعد إعلام النبي  بأنهم هم المنصورون وجدالهم قولهم ما كان خروجنا إلا للعير.

وهلا قلت لنا لنستعد ونتأهب وذلك لكراهتهم القتال ﴿ كأنما يساقون إلى الموت ﴾ المتيقن لمشاهدة أسبابه من قلة العدد والعدد.

روي أنه ما كان منهم إلا فارسان.

وانتصب بإضمار "اذكر".

قوله ﴿ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين ﴾ وقوله ﴿ أنها لكم ﴾ بدل من ﴿ إحدى الطائفتين ﴾ وهما العير أو النفير ﴿ وتودّون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ﴾ أي تتمنون أن يكون لكم العير لأنها الطائفة التي لا حدة لها ولا شدّة.

والشوكة الحدّة مستعارة من واحدة الشوك ﴿ ويريد الله أن يحق الحق ﴾ يثبته ويعليه ﴿ بكلماته ﴾ بآياته المنزلة في محاربة ذات الشوكة من إنزال الملائكة وأسر الكفرة وقتلهم وطرحهم في قليب بدر ﴿ ويقطع دابر الكافرين ﴾ أي يستأصلهم.

والدابر الآخر يعني أنكم تريدون العاجل وسفساف الأمور والله يريد معاليها وما يرجع إلى تقوية الدين وشتان ما بين المرادين.

قوله ﴿ ليحق الحق ﴾ متعلق بمحذوف أي لإظهار الإسلام وإبطال الكفر.

فعل ما فعل وإنما قدّر المحذوف متأخراً ليفيد معنى الاختصاص أي ما فعل ذلك إلا لتحقيق الحق وإبطال الباطل وقيل: يتعلق بـ ﴿ يقطع ﴾ فإن قيل: الحق حق لذاته والباطل باطل في ذاته وما ثبت للشيء لذاته فإنه يمتنع تحصيله بجعل جاعل.

قلنا: المراد إظهار كون الحق حقاً والباطل باطلاً وذلك يكون تارة بإظهار الدلائل والبيان، وتارة بتقوية رؤساء الحق وقهر رؤساء الباطل.

فإن قيل: أليس في الكلام تكرار؟

قلنا: لا إذ المراد بالأوّل تثبيت ما وعده في هذه الواقعة من الظفر بالأعداء، والمراد الثاني إعلاء الإسلام ومحق الكفر.

والحاصل أن الأول جزئي أي أنتم تريدون العير والله يريد إهلاك النفير، والثاني كلي يشمل هذه القضية وغيرها من القضايا التي حصل في ضمنها إعلاء كلمة الله وقمع بكلمة الكفر.

احتجت الأشاعرة بقوله ﴿ كما أخرجك ربك ﴾ وقوله ﴿ ليحق الحق ﴾ على أن الأعمال والعقائد كلها بخلق الله وبتكوينه ولا يمكن أن يقال: المراد من إظهار الحق وضع الدلائل عليه لأن هذا المعنى حاصل بالنسبة إلى المسلم والكافر وقبل هذه الواقعة وبعدها فلا يبقى للتخصيص فائدة.

والمعتزلة تمسكوا بالآية على إبطال قول من يقول إنه لا باطل ولا كفر إلا والله مريد له، لأن ذلك ينافي إرادة تحقيق الحق وإبطال الباطل.

واجيب بأن اللام في ﴿ الحق ﴾ ينصرف إلى المعهود السابق أي في هذه القضية فلم قلتم: إنه كذلك في جميع الصور ﴿ ولو كره المجرمون ﴾ أي الكافرون أو المشركون كقوله ﴿ ويأبى الله إلا أن يُتم نوره ولو كره الكافرون  ﴾ وفي موضع آخر ﴿ ولو كره المشركون  ﴾ وقوله ﴿ إذ تستغيثون ﴾ بدل من قوله ﴿ وإذ يعدكم ﴾ وقيل: يتعلق بقوله ﴿ ليحق الحق ﴾ واستغاثتهم أنهم لما علموا أنه لا بد من القتال طفقوا يدعون الله يقولون: يا غياث المستغيثين أغثنا.

وعن عمر أن رسول الله  نظر إلى المشركين وهم ألف وإلى أصحابه ثلثمائة، فاستقبل القبلة ومد يديه يدعو: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض، فما زال كذلك حتى سقط رداؤه، فأخذه أبو بكر فألقاه على منكبه والتزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك منا شدّتك بالدعاء ربك فإنه سينجز لك ما وعدك.

ويروى أنه لما اصطف القوم قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره.

ورفع رسول الله  يده بالدعاء المذكور.

ومعنى تستغيثون تطلبون الإغاثة، يقول الواقع في بلية أغثني أي فرج عني ﴿ فاستجاب لكم ﴾ ، ﴿ أني ﴾ أي بأني ﴿ ممدكم بألف من الملائكة مردفين ﴾ بكسر الدال وفتحها من أردفته إياه إذا أتبعته متعدياً إلى مفعولين، أو من ردفته إذا أتبعته أي جئت بعده متعدياً إلى مفعول واحد.

ومعنى الأوّل جاعلين بعضهم أو مجعولين بعضهم تابعاً لبعض أو أنفسهم تابعين للمؤمنين يحرسونهم أو لملائكة أخرى.

ومعنى الثاني تابعين بعضهم للبعض أو للمؤمنين يقدمونهم على ساقتهم يحفظونهم أو لغيرهم من الملائكة.

واختلف في قتال الملائكة يوم بدر فقيل: نزل جبرائيل في خمسمائة ملك على الميمنة وفيها أبو بكر، وميكائيل في خمسمائة على الميسرة وفيها علي بن أبي طالب في صور الرجال عليهم ثياب بيض وعمائم بيض قد أرخوا أذنابها بين أكتافهم فقاتلت، وقيل: قاتلت يوم بدر ولم تقاتل يوم الأحزاب ويوم حنين.

وعن أبي جهل أنه قال لابن مسعود: من أين كان ذلك الصوت الذي كنا نسمع ولا نرى شخصاً؟

قال: من الملائكة.

فقال أبو جهل: هم غلبونا لا أنتم.

وروي أن رجلاً من المسلمين بينا هو يشتد في أثر رجل من المشركين إذ سمع صوت ضربة بالسوط فوقه فنظر إلى المشرك قد خر مستلقياً وشق وجهه، فحدث الأنصاري رسول الله  فقال  : "صدقت ذاك من مدد السماء" .

وعن أبي داود المازني قال: تبعت رجلاً من المشركين لأضربه يوم بدر فوقع رأسه بين يدي قبل أن يصل إليه سيفي.

قيل: لم يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون السواد ويثبتون المؤمنين وإلا فملك واحد كافٍ في إهلاك أهل الدنيا، وقد أجبنا عن هذه الشبهة في تفسير سورة آل عمران وكذا في تفسير قوله ﴿ وما جعله الله ﴾ الآية.

وقد مر هنالك وقد بقي علينا بيان المتشابه فنقول: حذف ﴿ لكم ﴾ ههنا لأن المخاطبين معلومون في قوله ﴿ فاستجاب لكم ﴾ وقدم ﴿ قلوبكم ﴾ وأخر به في "آل عمران" ازدواجاً بين الخطابين وعكس ههنا ازدواجاً بين الغائبين.

ثم إن قصة بدر سابقة على قصة أحد فقيل في الأنفال ﴿ إن الله عزيز حكيم ﴾ ليستقر الخبر وجعله في آل عمران صفة لأن الخبر قد سبق والله أعلم.

التأويل: كثرة السؤال توجب الملال وإنما سألوا ليكون لهم الأنفال فأجيبوا على خلاف ما تمنوا.

وقيل: الأنفال لله والرسول قطعاً لطريق الاعتراض والسؤال.

وأصلحوا ما بينكم من الأخلاق الردية والهمم الدنية ﴿ وأطيعوا الله ورسوله ﴾ بالتسليم والائتمار ﴿ زادتهم إيماناً ﴾ بحسب تزايد الأنوار ﴿ كما أخرجك ربك ﴾ فيه أنه أخرج المؤمن الحفي عن أوصاف البشرية إلى مقام العبودية بجذبات العناية ﴿ كما أخرجك ﴾ من وطن وجودك بالحق وهو تجلي صفات الجمال والجلال ﴿ وإن فريقاً ﴾ هم القلب والروح ﴿ لكارهون ﴾ للفناء عند التجلي، فإن البقاء محبوب عند كل ذي وجود ﴿ يجادلونك ﴾ أي الروح والقلب ﴿ في ﴾ مجيء ﴿ الحق بعد ما تبين ﴾ مجيئه كأنهم ينظرون إلى الفناء ولا يرون البقاء بعد الفناء كمن يساق إلى الموت ﴿ وإذ يعدكم الله ﴾ أيها السائرون ﴿ إحدى الطائفتين ﴾ إما الظفر بالأعداء وهي النفوس وإما عير الواردات الروحانية وغنائم الأسرار الربانية.

﴿ وتودون أن غير ذات الشوكة ﴾ أي أردتم أن لا تجاهدوا عدوّ النفس ذات المكر والحيلة والهوى، واستحليتم الواردات والشواهد الغيبية وذلك أن السير قسمان: سير السالكين على أقدام الطاعات وتبديل الصفات النفسانية إلى جنات الروحانية، وسير المجذوبين على أجنحة عنقاء الجذبات إلى وراء قاف الأنانية، فكان موسى من السالكين إلى ميقات ربه لم يجاوز طور النفس فكان مقامه مع الله المكالمة، وكان محمد من المجذوبين وكان سيره على جناح جبرائيل إلى سدرة المنتهى ومنها على رفرف الجذبة الإلهية إلى قاب قوسين أو أدنى، فكان مكانه المشاهدة فمن العناية أن لا يكل الله السائر إلى ما يوافق طبعه وهواه كما قال ﴿ ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ﴾ أي بجذباته ﴿ ويقطع دابر الكافرين ﴾ النفوس الأمارة بالسوء.

﴿ إذ تستغيثون ربكم ﴾ يعني استغاثة الروح والقلب من النفس إلى الله عند استيلاء صفاتها ﴿ بألف من الملائكة ﴾ هم الصفات الملكية والروحانية ﴿ إلا بشرى لكم ﴾ بتبديل الأخلاق ﴿ وما النصر ﴾ بإهلاك النفس وصفاتها إلا بتجلي صفته القهارية ﴿ إن الله عزيز ﴾ لا يوصل إليه إلا بعد فناء الوجود ﴿ حكيم ﴾ في كل ما يفعل بمن يفعل والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ ﴾ ذكر في بعض القصة أن عير قريش حين أقبلت من الشام، خرج أصحاب رسول الله نحوهم على ما يخرج إلى العير غير متأهبين للحرب، وخرجت قريش من مكة تغيث عيرها فهي الطائفة الأخرى، ووعد لهم أن إحدى الطائفتين لهم إما العير وإما العسكر أنهم ينصرون عليهم ﴿ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ﴾ أي: التي ليس فيها حرب، ثم يكون لكم العير وهي أهون شوكة وأعظم غنيمة، كانوا يودون ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ﴾ لما لم تكونوا مستعدين للقتال والحرب، وكان بهم ضعف وفي أولئك قوة وعدة، والله أعلم.

قال الله  : ﴿ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ﴾ يحتمل - والله أعلم - يريد أن يظهر الحق بأنه منه من غير وجود الأسباب منهم، وهو كما ذكر في قوله: ﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ  ﴾ أخبر أن في غلبة أولئك مع ضعف أبدانهم وقلة عددهم وقصور أسباب الحرب من السلاح والعدة وغير ذلك، وقوة أبدان أولئك وكثرة عددهم وعدتهم وتأهبهم واستعدادهم لذلك - آية عظيمة، فأراد أن يظهر الحق بالآية؛ ليعلم كل منهم أنه إنما كان ذلك بالله لا بهم، وهو ما قال: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ  ﴾ أخبر أنه كان بالله ذلك لا بهم.

ويحتمل قوله ﴿ بِكَلِمَاتِهِ ﴾ بالوعد الذي وعد رسول الله بمكة بالنصر والظفر لهم، فأراد أن يظهر ذلك ويحققه.

ويحتمل: ﴿ بِكَلِمَاتِهِ ﴾ بعلمه وأمره.

ويحتمل ﴿ بِكَلِمَاتِهِ ﴾ بحججه، أي يوجب [الحق] ويظهر بحججه وبراهينه.

ويحتمل ﴿ بِكَلِمَاتِهِ ﴾ البشارات التي بشر بها المؤمنين بالنصر لهم والظفر والعداوة التي كانت منهم.

ويحتمل ﴿ بِكَلِمَاتِهِ ﴾ ملائكته الذين بعثهم [مددا لهم] يوم بدر على ما ذكر، فأضافهم إليه تعظيماً لهم وإجلالاً، على ما سمى عيسى روح الله وكلمته وموسى كليم الله؛ تعظيماً لهم وإجلالاً، فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

﴿ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ يحتمل: يقطع آثار الكافرين يقتلون جميعا ويستأصلون حتى لا يبقى لهم أثر، ويحتمل: يقطع ما أدبرهم حتى لا يأتيهم مدد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ ﴾ أي ليظهر الحق ويوجبه، يقال: حق كذا، أي وجب: ويحتمل ليظهر [حق] الحق ويظهر بطلان الباطل، أو أن يقال: قوله: ﴿ لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ ﴾ ما ذكرنا: يجب الحق ويجيء ويذهب الباطل؛ كقوله: ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ  ﴾ أي ذهب، فعلى ذلك هذا: يجيء، [الحق ويجب] ويذهب الباطل وإن كره المشركون فإن قيل في قوله ﴿ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ليحق الله الحق بإظهار الإسلام وأهله، وذلك بما يظهره من الشواهد على صدقه، وليبطل سبحانه الباطل بما يظهر من البراهين على بطلانه، ولو كره المشركون ذلك، فالله مُظْهِره.

من فوائد الآيات ينبغي للعبد أن يتعاهد إيمانه ويُنمِّيه؛ لأن الإيمان يزيد وينقص، فيزيد بفعل الطاعة وينقص بضدها.

الجدال محله وفائدته عند اشتباه الحق والتباس الأمر، فأما إذا وضح وبان فليس إلا الانقياد والإذعان.

أَمْر قسمة الغنائم متروك للرّسول  ، والأحكام مرجعها إلى الله تعالى ورسوله لا إلى غيرهما.

إرادة تحقيق النّصر الإلهي للمؤمنين؛ لإحقاق الحق وإبطال الباطل.

<div class="verse-tafsir" id="91.J6LW3"

مزيد من التفاسير لسورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله