الإسلام > القرآن > سور > سورة 82 الانفطار > الآية ١٢ من سورة الانفطار
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 70 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٢ من سورة الانفطار: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
كراما فلا تقابلوهم بالقبائح فإنهم يكتبون عليكم جميع أعمالكم .
قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي ، حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا وكيع حدثنا سفيان ومسعر عن علقمة بن مرثد عن مجاهد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى حالتين الجنابة والغائط فإذا اغتسل أحدكم فليستتر بحرم حائط أو ببعيره أو ليستره أخوه وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار فوصله بلفظ آخر فقال : حدثنا محمد بن عثمان بن كرامة حدثنا عبيد الله بن موسى عن حفص بن سليمان عن علقمة بن مرثد عن مجاهد عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ينهاكم عن التعري فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حالات الغائط والجنابة ، والغسل فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه أو بحرم حائط أو ببعيره ثم قال حفص بن سليمان لين الحديث وقد روي عنه واحتمل حديثه .
وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا زياد بن أيوب حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي حدثنا تمام بن نجيح عن الحسن يعني البصري عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من حافظين يرفعان إلى الله عز وجل ما حفظا في يوم فيرى في أول الصحيفة وفي آخرها استغفار إلا قال الله تعالى قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة ثم قال : تفرد به تمام بن نجيح وهو صالح الحديث .
قلت وثقه ابن معين وضعفه البخاري وأبو زرعة وابن أبي حاتم والنسائي وابن عدي ورماه ابن حبان بالوضع .
وقال الإمام أحمد لا أعرف حقيقة أمره .
وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا إسحاق بن سليمان البغدادي المعروف بالقلوسي حدثنا بيان بن حمران حدثنا سلام عن منصور بن زاذان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله ملائكة يعرفون بني آدم وأحسبه قال ويعرفون أعمالهم فإذا نظروا إلى عبد يعمل بطاعة الله ذكروه بينهم وسموه وقالوا أفلح الليلة فلان نجا الليلة فلان وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصية الله وذكروه بينهم وسموه وقالوا : هلك الليلة فلان " ثم قال البزار سلام هذا ، أحسبه سلام المدائني وهو لين الحديث .
( كِرَامًا كَاتِبِينَ ) يقول: كراما على الله كاتبين يكتبون أعمالكم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: قال بعض أصحابنا، عن أيوب، في قوله: ( وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ ) قال: يكتبون ما تقولون وما تَعْنُون.
وعن الحسن : يعلمون لا يخفى عليهم شيء من أعمالكم .
وقيل : يعلمون ما ظهر منكم دون ما حدثتم به أنفسكم .
والله أعلم .
يكتبون أقوالكم وأفعالكم ويعلمونها، ودخل في هذا أفعال القلوب، وأفعال الجوارح، فاللائق بكم أن تكرموهم وتجلوهم وتحترموهم.
"يعلمون ما تفعلون"، من خير أو شر.
«يعلمون ما تفعلون» جميعه.
ليس الأمر كما تقولون من أنكم في عبادتكم غير الله مُحِقون، بل تكذِّبون بيوم الحساب والجزاء.
وإن عليكم لملائكة رقباء كراما على الله كاتبين لما وُكِّلوا بإحصائه، لا يفوتهم من أعمالكم وأسراركم شيء، يعلمون ما تفعلون من خير أو شر.
وأنهم يعلمون أفعالكم التى تفعلونها سواء أكانت قليلة أم كثيرة ، صغيرة أم كبيرة .فالمقصود بهذه الآيات الكريمة : بيان أن البعث حق ، وأن الحساب حق ، وأن الجزاء حق ، وأن أعمال الإِنسان عليه تسجيلا تاما ، بواسطة ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون .أما كيفية هذه الكتابة من الملائكة لأعمال الإِنسان ، وعلى أى شئ تكون هذه الكتابة ، ومتى تكون ههذ الكتابة .
.
فمن الأمور التى يجب الإيمان بها كما وردت ، مع تفويض كنهها وكيفيتها ودقتها إلى الله - تعالى - لأنه لم يرد حديث صحيح عن المعصوم - صلى الله عليه وسلم يعتمد عليه فى بيان ذلك .
والمعنى التعجب من حالهم، كأنه سبحانه قال: إنكم تكذبون بيوم الدين وهو يوم الحساب والجزاء، وملائكة الله موكلون بكم يكتبون أعمالكم حتى تحاسبوا بها يوم القيامة، ونظيره قوله تعالى: ﴿ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً ﴾ ثم هاهنا مباحث: الأول: من الناس من طعن في حضور الكرام الكاتبين من وجوه: أحدها: أن هؤلاء الملائكة، إما أن يكونوا مركبين من الأجسام اللطيفة كالهواء والنسيم والنار، أو من الأجسام الغليظة، فإن كان الأول لزم أن تنتقض بنيتهم بأدنى سبب من هبوب الرياح الشديدة وإمرار اليد والكم والسوط في الهواء، وإن كان الثاني وجب أن نراهم إذ لو جاز أن يكونوا حاضرين ولا نراهم، لجاز أن يكون بحضرتنا شموس وأقمار وفيلات وبوقات، ونحن لا نراها ولا نسمعها وذلك دخول في التجاهل، وكذا القول في إنكار صحائفهم وذواتهم وقلمهم.
وثانيها: أن هذا الاستكتاب إن كان خالياً عن الفوائد فهو عبث وذلك غير جائز على الله تعالى، وإن كان فيه فائدة فتلك الفائدة، إما أن تكون عائدة إلى الله تعالى أو إلى العبد والأول: محال لأنه متعال عن النفع والضر، وبهذا يظهر بطلان قول من يقول: إنه تعالى إنما استكتبها خوفاً من النسيان الغلط والثاني: أيضاً محال، لأن أقصى ما في الباب أن يقال: فائدة هذا الاستكتاب أن يكونوا شهوداً على الناس وحجة عليهم يوم القيامة إلا أن هذه الفائدة ضعيفة، لأن الإنسان الذي علم أن الله تعالى لا يجور ولا يظلم، لا يحتاج في حقه إلى إثبات هذه الحجة، والذي لا يعلم ذلك لا ينتفع بهذه الحجة لاحتمال أنه تعالى أمرهم بأن يكتبوا تلك الأشياء عليه ظلماً.
وثالثها: أن أفعال القلوب غير مرئية ولا محسوسة فتكون هي من باب المغيبات، والغيب لا يعلمه إلا الله تعالى على ما قال: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ﴾ وإذا لم تكن هذه الأفعال معلومة للملائكة استحال أن يكتبوها والآية تقضي أن يكونوا كاتبين علينا كل ما نفعله، سواء كان ذلك من أفعال القلوب أم لا؟
والجواب: عن الأول: أن هذه الشبهة لا تزال إلا على مذهبنا بناء على أصلين أحدهما: أن البنية ليست شرطاً للحياة عندنا والثاني: أي عند سلامة الحاسة وحضور المرئي وحصول سائر الشرائط لا يجب الإدراك، فعلى الأصل الأول يجوز أن تكون الملائكة أجراماً لطيفة تتمزق وتتفرق ولكن تبقى حياتها مع ذلك، وعلى الأصل الثاني يجوز أن يكونوا أجساماً كثيفة لكنا لا نراها والجواب: عن الثاني أن الله تعالى إنما أجرى أموره مع عباده على ما يتعاملون به فيما بينهم لأن ذلك أبلغ في تقرير المعنى عندهم، ولما كان الأبلغ عندهم في المحاسبة إخراج كتاب بشهود خوطبوا بمثل هذا فيما يحاسبون به يوم القيامة، فيخرج لهم كتب منشورة، ويحضر هناك ملائكة يشهدون عليهم كما يشهد عدول السلطان على من يعصيه ويخالف أمره، فيقولون له: أعطاك الملك كذا وكذا، وفعل بك كذا وكذا، ثم قد خلفته وفعلت كذا وكذا، فكذا هاهنا والله أعلم بحقيقة ذلك الجواب: عن الثالث أن غاية ما في الباب تخصيص هذا العموم بأفعال الجوارح، وذلك غير ممتنع.
البحث الثاني: أن قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لحافظين ﴾ وإن كان خطاب مشافهة إلا أن الأمة مجمعة على أن هذا الحكم عام في حق كل المكلفين، ثم هاهنا احتمالان: أحدهما: أن يكون هناك جمع من الحافظين، وذلك الجمع يكونون حافظين لجميع بني آدم من غير أن يختص واحد من الملائكة بواحد من بني آدم.
وثانيهما: أن يكون الموكل بكل واحد منهم غير الموكل بالآخرة، ثم يحتمل أن يكون الموكل بكل واحد من بني آدم واحداً من الملائكة لأنه تعالى قابل الجمع بالجمع، وذلك يقتضي مقابلة الفرد بالفرد، ويحتمل أن يكون الموكل بكل واحد منهم جمعاً من الملائكة كما قيل: إثنان بالليل، وإثنان بالنهار، أو كما قيل: إنهم خمسة.
البحث الثالث: أنه تعالى وصف هؤلاء الملائكة بصفات أولها: كونهم حافظين.
وثانيها: كونهم كراماً.
وثالثها: كونهم كاتبين.
ورابعها: كونهم يعلمون ما تفعلون، وفيه وجهان: أحدهما: أنهم يعلمون تلك الأفعال حتى يمكنهم أن يكتبوها، وهذا تنبيه على أن الإنسان لا يجوز له الشهادة إلا بعد العلم والثاني: أنهم يكتبونها حتى يكونوا عالمين بها عند أداء الشهادة.
واعلم أن وصف الله إياهم بهذه الصفات الخمسة يدل على أنه تعالى أثنى عليهم وعظم شأنهم، وفي تعظيمهم تعظيم لأمر الجزاء، وأنه عند الله تعالى من جلائل الأمور، ولولا ذلك لما وكل بضبط ما يحاسب عليه، هؤلاء العظماء الأكابر، قال أبو عثمان: من يزجره من المعاصي مراقبة الله إياه، كيف يرده عنها كتابة الكرام الكاتبين.
النوع الثالث: من تفاريع مسألة الحشر قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
﴿ كَلاَّ ﴾ ارتدعوا عن الاغترار بكرم الله والتسلق به.
وهو موجب الشكر والطاعة، إلى عكسهما الذي هو الكفر والمعصية.
ثم قال: ﴿ بَلْ تُكَذِّبُونَ بالدين ﴾ أصلا وهو الجزاء.
أو دين الإسلام.
فلا تصدّقون ثواباً ولا عقاباً وهو شرّ من الطمع المنكر ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لحافظين ﴾ تحقيق لما يكذبون به من الجزاء، يعني أنكم تكذبون بالجزاء والكاتبون يكتبون عليكم أعمالكم لتجازوا بها.
وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم: تعظيم لأمر الجزاء، وأنه عند الله من جلائل الأمور؛ ولولا ذلك لما وكل بضبط ما يحاسب عليه، ويجازي به الملائكة الكرام الحفظة الكتبة.
وفيه إنذار وتهويل وتشوير للعصاة ولطف للمؤمنين وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها قال: ما أشدّها من أية على الغافلين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ عَنِ الِاغْتِرارِ بِكَرَمِ اللَّهِ وقَوْلُهُ: ﴿ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ﴾ إضْرابٌ إلى بَيانِ ما هو السَّبَبُ الأصْلِيُّ في اغْتِرارِهِمْ، والمُرادُ بِالدِّينِ الجَزاءُ أوِ الإسْلامُ.
﴿ وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ ﴾ ﴿ كِرامًا كاتِبِينَ ﴾ ﴿ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ ﴾ تَحْقِيقٌ لِما يُكَذِّبُونَ بِهِ ورَدٌّ لِما يَتَوَقَّعُونَ مِنَ التَّسامُحِ والإهْمالِ، وتَعْظِيمُ الكَتَبَةِ بِكَوْنِهِمْ كِرامًا عِنْدَ اللَّهِ لِتَعْظِيمِ الجَزاءِ.
<div class="verse-tafsir"
{يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} لا يخفى عليهم شيء من أعمالكم وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم تعظيم لأمر الجزاء وأنه عند الله من جلائل الأمور وفيه إنذار وتهويل للمجرمين ولطف للمتقين وعن الفضيل انه إذا قرأها قال ماأشدها من آية على الغافلين
﴿ كِرامًا ﴾ لَدَيْنا ﴿ كاتِبِينَ ﴾ لَها ﴿ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ ﴾ مِنَ الأفْعالِ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، ويَضْبُطُونَهُ نَقِيرًا أوْ قِطْمِيرًا، ولَيْسَ ذَلِكَ لِلْجَزاءِ وإقامَةِ الحُجَّةِ وإلّا لَكانَ عَبَثًا يُنَزَّهُ عَنْهُ الحَكِيمُ العَلِيمُ.
وقِيلَ: جِيءَ بِهَذِهِ الحالِ اسْتِبْعادًا لِلتَّكْذِيبِ مَعَها ولَيْسَ بِذاكَ.
وفي تَعْظِيمِ الكاتِبِينَ بِالثَّناءِ عَلَيْهِمْ تَفْخِيمٌ لِأمْرِ الجَزاءِ، وأنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن جَلائِلِ الأُمُورِ حَيْثُ اسْتَعْمَلَ سُبْحانَهُ فِيهِ هَؤُلاءِ الكِرامَ لَدَيْهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ الحافِظِينَ غَيْرُ المُعَقِّباتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ ﴾ .
فَمَعَ الإنْسانِ عِدَّةُ مَلائِكَةٍ.
رُوِيَ «عَنْ عُثْمانَ أنَّهُ سَألَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: كَمْ مِن مَلَكٍ عَلى الإنْسانِ؟
فَذَكَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِشْرِينَ مَلَكًا».
قالَ المَهْدَوِيُّ في الفَيْصَلِ: وقِيلَ: إنَّ كُلَّ آدَمِيٍّ يُوَكَّلُ بِهِ مِن حِينِ وُقُوعِهِ نُطْفَةً في الرَّحِمِ إلى مَوْتِهِ أرْبَعَمِائَةِ مَلَكٍ، ومَن يَكْتُبُ الأعْمالَ مَلَكانِ كاتِبُ الحَسَناتِ وهو في المَشْهُورِ عَلى العاتِقِ الأيْمَنِ، وكاتِبُ ما سِواها وهو عَلى العاتِقِ الأيْسَرِ، والأوَّلُ أمِينٌ عَلى الثّانِي، فَلا يُمَكِّنُهُ مِن كِتابَةِ السَّيِّئَةِ إلّا بَعْدَ مُضِيِّ سِتِّ ساعاتٍ مِن غَيْرِ مُكَفِّرٍ لَها، ويَكْتُبانِ كُلَّ شَيْءٍ حَتّى الِاعْتِقادِ والعَزْمِ والتَّقْرِيرِ وحَتّى الأنِينِ في المَرَضِ، وكَذا يَكْتُبانِ حَسَناتِ الصَّبِيِّ عَلى الصَّحِيحِ ويُفارِقانِ المُكَلَّفَ عِنْدَ الجِماعِ ولا يَدْخُلانِ مَعَ العَبْدِ الخَلاءَ.
وأخْرَجَ البَزّارُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْهاكم عَنِ التَّعَرِّي فاسْتَحْيُوا مِن مَلائِكَةِ اللَّهِ الَّذِينَ مَعَكُمُ الكِرامِ الكاتِبِينَ الَّذِينَ لا يُفارِقُونَكم إلّا عِنْدَ إحْدى ثَلاثِ حاجاتٍ: الغائِطِ والجَنابَةِ والغُسْلِ»».
ولا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِن كَتْبِهِما ما يَصْدُرُ عَنْهُ، ويَجْعَلُ اللَّهُ تَعالى لَهُما أمارَةً عَلى الِاعْتِقادِ القَلْبِيِّ ونَحْوِهِ ويَلْزَمانِ العَبْدَ إلى مَماتِهِ فَيَقُومانِ عَلى قَبْرِهِ يُسَبِّحانِ ويُهَلِّلانِ ويُكَبِّرانِ ويُكْتَبُ ثَوابُهُ لِلْمَيِّتِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنْ كانَ آمِنًا، ويَلْعَنانِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنْ كانَ كافِرًا.
واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم أنَّهُما اثْنانِ بِالشَّخْصِ، وقِيلَ: بِالنَّوْعِ وقِيلَ: كاتِبُ الحَسَناتِ يَتَغَيَّرُ دُونَ كاتِبِ السَّيِّئاتِ، ونَصُّوا عَلى أنَّ المَجْنُونَ لا حَفَظَةَ عَلَيْهِ، ووَرَدَ في بَعْضِ الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ الحَسَناتِ ما يَكْتُبُها غَيْرُ هَذَيْنِ المَلَكَيْنِ، والظَّواهِرُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكَتْبَ حَقِيقِيٌّ، وعِلْمُ الآلَةِ وما يُكْتَبُ فِيهِ مُفَوَّضٌ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ يعني: يا أيها الكافر مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ يعني: لم يعجل بالعقوبة، وقال مقاتل: نزلت في كلدة بن أسيد حيث ضرب النبيّ بقوسه فلم يعاقبه النبيّ ، فبلغ ذلك حمزة فأسلم حمية لذلك ثم أراد أن يعود كلدة لضرب رسول الله فأنزل الله تعالى هذه الآية فأسلم حمزة يومئذٍ» .
ويقال نزلت في جميع الكفار ما غرك يعني: ما خدعك حين كفرت بربك الكريم المتجاوز لمن تاب الَّذِي خَلَقَكَ من النطفة فَسَوَّاكَ يعني: فسوى خلقك فَعَدَلَكَ يعني: خلقك معتدل القامة فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ يعني: شبهك بأي صورة شاء إن شاء بالوالد وإن شاء بالوالدة قرأ عاصم والكسائي وحمزة فعدلك بالتخفيف والباقون بالتشديد فمن قرأ بالتخفيف جعل في المعنى إلى فكأنه قال فعدلك إلى أي صورة شاء أن يركبك يعني صرفك إلى ما شاء من الصور من الحسن والقبح ومن قرأ بالتشديد فمعناه قومك ويكون ما صلة وقد تم الكلام عند قوله فعدلك ثم ابتدأ فقال: في أي صورة شاء ركبك، ويقال: في ما معنى الشرط والجزاء والمعنى أي صورة ما شاء أن يركبك فيها ركبك ويكون شاء بمعنى يشاء ثم قال عز وجل: كَلَّا يعني: لا يؤمن هذا الإنسان بما ذكره من أمره وصورته بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ يعني: تكذبون بأنكم مبعوثون يوم القيامة ثم أعلم الله تعالى أن أعمالكم محفوظة عليهم فقال: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ من الملائكة يحفظون أعمالكم كِراماً كاتِبِينَ يعني: كراماً على الله تعالى كاتبين يعني يكتبون أعمال بني آدم- - يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ من الخير والشر، وروى مجاهد عن النبيّ قال: «أَكْرِمُوا الكِرَامَ الْكَاتِبِينَ الَّذِينَ لاَ يُفَارِقُونَكُمْ إلاَّ عِنْدَ إِحْدَى الْحَالَتَيْنِ الجَنَابَةِ والغائط» .
<div class="verse-tafsir"
بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، دونَ سائر أسمائِه تعالى وصفاته، كأنه لَقَّنَهُ جَوَابَهُ حتى يقولَ: غَرَّنِي كَرَمُكَ، انتهى، وقرأ الجمهور: «فعدّلك» وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا نَظَر إلى الهلالِ قال: «آمنتُ بالذي خلقَك فسوَّاك فَعَدَلَك» وقرأ حمزة والكسائي وعاصم بتخفيفِ الدال «١» ، والمعنى عَدَّلَ أعضَاءَك بعضَها ببعضٍ، أي: وازن بينها.
وقوله تعالى: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شاءَ رَكَّبَكَ ذهبَ الجمهورُ إلى أن «في» متعلِّقة ب «ركَّبك» ، أي: في صورةٍ حسنةٍ أو قبيحةٍ، أو سليمةٍ، أو مشوهةٍ، ونَحْو هذا، و «ما» في قوله: مَّا شاءَ رَكَّبَكَ زائِدَةٌ فيها معنَى التأكيد، قال أبو حيان «٢» : كَلَّا رَدْعٌ وزَجْرٌ، انتهى، والدِّينُ هنا يحتمل أن يريدَ الشرعَ، ويحتملُ أن يريدَ الجزاءَ والحساب، وباقي الآية واضح لمتأمّله.
يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦) وَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)
وقوله تعالى: يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ أي: يوم الجزاءِ.
وقوله تعالى: وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ [قال جماعة: معناه: ما هم عنها بغائبين] «٣»
في البَرْزَخِ، وذلك أنهم يرونَ مقاعِدَهم من النارِ غَدْوَةً وعشيَّةً فهم لم يزالُوا مشاهدينَ لَها نسألُ اللَّه العافيةَ في الدارينِ بجُودِه وكرمِه، ثم عظَّم تعالى قدرَ هولِ ذلكَ اليومِ بقوله:
وَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ الآية.
سُورَةُ الِانْفِطارِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ﴾ انْفِطارُها: انْشِقاقُها.
و ﴿ انْتَثَرَتْ ﴾ بِمَعْنى تَساقَطَتْ.
و ﴿ فُجِّرَتْ ﴾ بِمَعْنى فُتِحَ بَعْضُها في بَعْضٍ فَصارَتْ بَحْرًا واحِدًا.
وقالَ الحَسَنُ: ذَهَبَ ماؤُها، و ﴿ بُعْثِرَتْ ﴾ بِمَعْنى أُثِيرَتْ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قُلِبَتْ فَأُخْرِجَ ما فِيها.
يُقالُ: بَعْثَرْتُ المَتاعَ وبَحْثَرَتْهُ: إذا جَعَلْتَ أسْفَلَهُ أعْلاهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ ﴾ هَذا جَوابُ الكَلامِ.
وقَدْ شَرَحْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الإنْسانُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ عُنِيَ بِهِ أبُو الأشَدَّيْنِ، وكانَ كافِرًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
وقَدْ ذَكَرْنا اسْمَهُ في [المُدَّثِّرِ: ٣٠] .
والثّانِي: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّالِثُ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ أشارَ إلى كُلِّ كافِرٍ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما غَرَّكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ما خَدَعَكَ وسَوَّلَ لَكَ حَتّى أضَعْتَ ما وجَبَ عَلَيْكَ؟
.
وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى: ما الَّذِي أمَّنَكَ مِن عِقابِهِ وهو كَرِيمٌ مُتَجاوِزٌ إذْ لَمْ يُعاقِبْكَ عاجِلًا؟
وقِيلَ لِلْفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ: لَوْ أقامَكَ اللَّهُ سُبْحانَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقالَ: ما غَرَّكَ بِرَبِّكِ الكَرِيمِ، ماذا كُنْتَ تَقُولُ؟
قالَ: أقُولُ: غَرَّنِي سُتُورُكَ المُرْخاةُ.
وقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: لَوْ قالَ لِي: ما غَرَّكَ بِي؟
قُلْتُ: بِرُّكَ سالِفًا وآنِفًا.
قِيلَ: لَمّا ذَكَرَ الصِّفَةَ الَّتِي هي الكَرَمُ هاهُنا دُونَ سائِرِ صِفاتِهِ، كانَ كَأنَّهُ لَقَّنَ عَبْدَهُ الجَوابَ، لِيَقُولَ: غَرَّنِي كَرَمُ الكَرِيمِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَكَ ﴾ ولَمْ تَكْ شَيْئًا ﴿ فَسَوّاكَ ﴾ إنْسانًا تَسْمَعُ وتُبْصِرُ ﴿ فَعَدَلَكَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ﴿ فَعَدَلَكَ ﴾ بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " فَعَدَلَكَ " بِالتَّخْفِيفِ.
قالَ الفَرّاءُ: مَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ، فَوَجْهُهُ -واللَّهُ أعْلَمُ-: فَصَوَّرَكَ إلى أيِّ صُورَةٍ شاءَ، إمّا حَسَنٌ، وإمّا قَبِيحٌ، وإمّا طَوِيلٌ، وإمّا قَصِيرٌ.
وقِيلَ: في صُورَةِ أبٍ، في صُورَةِ عَمٍّ، في صُورَةِ بَعْضِ القَراباتِ تَشْبِيهًا.
ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ، فَإنَّهُ أرادَ -واللَّهُ أعْلَمُ-: جَعَلَكَ مُعْتَدِلًا، مُعَدَّلَ الخِلْقَةِ.
وقالَ غَيْرُهُ: عَدَّلَ أعْضاءَكَ فَلَمْ تَفْضُلْ يَدٌ عَلى يَدٍ، ولا رِجْلٌ عَلى رِجْلٍ، وعَدَلَ بِكَ أنْ يَجْعَلَكَ حَيَوانًا بَهِيمًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " زائِدَةً.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، فَيَكُونُ المَعْنى: في أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ أنْ يُرَكِّبَكَ فِيها رَكَّبَكَ.
وفي مَعْنى الآيَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: في أيِّ صُورَةٍ مِن صُوَرِ القَراباتِ رَكَّبَكَ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: في أيِّ صُورَةٍ، مِن حُسْنٍ، أوْ قُبْحٍ، أوْ طُولٍ، أوْ قِصَرٍ، أوْ ذَكَرٍ، أوْ أُنْثى، وهو مَعْنى قَوْلِ الفَرّاءِ.
والثّالِثُ: إنْ شاءَ أنْ يُرَكِّبَكَ في غَيْرِ صُورَةِ الإنْسانِ رَكَّبَكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: إنْ شاءَ في صُورَةِ قِرْدٍ، وإنْ شاءَ في صُورَةِ خِنْزِيرٍ.
والرّابِعُ: إنْ شاءَ في صُورَةِ إنْسانٍ بِأفْعالِ الخَيْرِ.
وإنْ شاءَ في صُورَةِ حِمارٍ بِالبَلادَةِ والبَلَهِ، وإنْ شاءَ في صُورَةِ كَلْبٍ بِالبُخْلِ، أوْ خِنْزِيرٍ بِالشَّرَهِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " بِالياءِ " أيْ بِالجَزاءِ والحِسابِ، تَزْعُمُونَ أنَّهُ غَيْرُ كائِنٍ.
ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ أعْمالَهم مَحْفُوظَةٌ، فَقالَ تَعالى: ﴿ وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ ﴾ أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ يَحْفَظُونَ عَلَيْكم أعْمالَكم ﴿ كِرامًا ﴾ عَلى رَبِّهِمْ ﴿ كاتِبِينَ ﴾ يَكْتُبُونَ أعْمالَكم ﴿ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَيَكْتُبُونَهُ عَلَيْكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ ﴾ وذَلِكَ في الآخِرَةِ إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ ﴿ وَإنَّ الفُجّارَ ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ.
والثّانِي: الظَّلَمَةُ.
ونُقِلَ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ أنَّهُ قالَ لِأبِي حازِمٍ: يا لَيْتَ شِعْرِي ما لَنا عِنْدَ اللَّهِ؟
فَقالَ لَهُ: اعْرِضْ عَمَلَكَ عَلى كِتابِ اللَّهِ، فَإنَّكَ تَعْلَمُ ما لَكَ عِنْدَهُ، فَقالَ: وأيْنَ أجِدُهُ؟
قالَ: عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ ﴾ ﴿ وَإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ ﴾ قالَ سُلَيْمانُ: فَأيْنَ رَحْمَةُ اللَّهِ؟
قالَ: قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَصْلَوْنَها ﴾ يَعْنِي: يَدْخُلُونَ الجَحِيمَ مُقاسِينَ حَرَّها ﴿ يَوْمَ الدِّينِ ﴾ أيْ: يَوْمَ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ ﴿ وَما هم عَنْها ﴾ أيْ: عَنِ الجَحِيمِ ﴿ بِغائِبِينَ ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى تَخْلِيدِ الكُفّارِ.
وأجازَ بَعْضُ العُلَماءِ أنْ تَكُونَ " عَنْها " كِنايَةً عَنِ القِيامَةِ، فَتَكُونُ فائِدَةُ الكَلامِ تَحْقِيقَ البَعْثِ.
ويَشْتَمِلُ هَذا عَلى الأبْرارِ والفُجّارِ.
ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ﴾ ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، وكانَ ابْنُ السّائِبِ يَقُولُ: الخِطابُ بِهَذا لِلْإنْسانِ الكافِرِ، لا لِرَسُولِ اللَّهِ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو " يَوْمُ " بِالرَّفْعِ، والباقُونَ: بِالفَتْحِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن رَفَعَ " اليَوْمَ "، فَعَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: " يَوْمُ الدِّينِ " .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعُهُ بِإضْمارِ " هو " ونَصْبُهُ عَلى مَعْنى: هَذِهِ الأشْياءُ المَذْكُورَةُ تَكُونُ ﴿ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ أنَّهُ لا يَمْلِكُ الأمْرَ أحَدٌ إلّا اللَّهُ، ولَمْ يُمَلِّكْ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ شَيْئًا كَما مَلَّكَهم في الدُّنْيا.
وكانَ مُقاتِلٌ يَقُولُ: لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ كافِرَةٍ شَيْئًا مِنَ المَنفَعَةِ.
والقَوْلُ عَلى الإطْلاقِ أصَحُّ، لِأنَّ مُقاتِلًا فِيما أحْسَبُ خافَ نَفْيَ شَفاعَةِ المُؤْمِنِينَ.
والشَّفاعَةُ إنَّما تَكُونُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ وتَمْلِيكِهِ.
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الِانْفِطارِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذا السَماءُ انْفَطَرَتْ ﴾ ﴿ وَإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ ﴾ ﴿ وَإذا البِحارُ فُجِّرَتْ ﴾ ﴿ وَإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ ﴾ ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ ﴾ ﴿ يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ ﴾ ﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾ ﴿ فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ﴾ ﴿ كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِينِ ﴾ ﴿ وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ ﴾ ﴿ كِرامًا كاتِبِينَ ﴾ ﴿ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ ﴾ هَذِهِ أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ.
و"انْفِطارُ السَماءِ" تَشَقُّقُها عَلى غَيْرِ نِظامٍ مَقْصُودٍ إنَّما هو انْشِقاقٌ لِتَزُولَ زِينَتُها.
و"انْتِثارُ الكَواكِبِ" سُقُوطُها مِن مَواضِعِها الَّتِي هي فِيها كَنِظامٍ.
و"تَفْجِيرُ البِحارِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ امْتِلائِها فَتُفَجَّرُ مِن أعالِيها وتَفِيضُ عَلى ما يَلِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَفْجِيرَ تَفْرِيعٍ مِن قِيعانِها فَيَذْهَبُ اللهُ تَعالى ماءَها حَيْثُ شاءَ، وقِيلَ: يُفَجِّرُ بَعْضَها إلى بَعْضٍ فَيَخْتَلِطُ العَذْبُ بِالمِلْحِ وتَصِيرُ واحِدًا، وهَذا نَحْوُ الِاخْتِلافِ في "سُجِّرَتْ" في السُورَةِ الَّتِي قَبْلُ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ والرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ: "فَجَرَتْ" بِتَخْفِيفِ الجِيمِ.
و"بَعْثَرَةُ القُبُورِ" نَبْشُها عَنِ المَوْتى الَّذِينَ فِيها.
وقَوْلُهُ تَعالى: "عَلِمَتْ نَفْسٌ" هو جَوابُ "إذا"، و"نَفْسٌ" هُنا اسْمُ الجِنْسِ: وإفْرادُها لِيُبَيِّنَ لِذِهْنِ السامِعِ حَقارَتَها وقِلَّتَها وضَعْفَها عن مَنفَعَةِ ذاتِها إلّا مَن رَحِمَ اللهُ تَعالى، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ ﴾ : إنَّها عِبارَةٌ عن جَمِيعِ الأعْمالِ؛ لِأنَّ هَذا التَقْسِيمَ يَعُمُّ الطاعاتِ المَعْمُولَةِ والمَتْرُوكَةِ، وكَذَلِكَ المَعاصِي.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: مَعْناهُ: ما قَدَّمَتْ في حَياتِها وما أخَّرَتْ ∗∗∗ مِمّا سَنَّتْهُ فَعَمِلَ بِهِ بَعْدَ مَوْتِها.
ثُمَّ خاطَبَ تَعالى جِنْسَ ابْنِ آدَمَ فَوَقَفَهُ -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَنْبِيهِ- عَلى أيِّ شَيْءٍ أوجَبَ أنْ يَغْتَرَّ بِرَبِّهِ الكَرِيمِ فَيَعْصِيهِ ويَجْعَلُ لَهُ نِدًّا، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الكُفْرِ، وهو الخالِقُ المُوجِدُ بَعْدَ العَدَمِ.
ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ قَرَأ: " ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ" فَقالَ: جَهْلُهُ،» وقالَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقَرَأ ﴿ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولا ﴾ ، وقالَ قَتادَةُ: غَرَّهُ عَدُوُّهُ المُسَلَّطُ عَلَيْهِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: غَرَّهُ سَتْرُ اللهِ تَعالى عَلَيْهِ، وقالَ غَيْرُهُ: غَرَّهُ كَرَمُ اللهِ تَعالى.
ولَفْظَةُ "الكَرِيمِ" تُلَقِّنُ هَذا الجَوابَ، فَهَذا مِن لُطْفِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِعِبادِهِ العُصاةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ، والأعْمَشُ: "ما أغَرَّكَ" عَلى وزْنِ أفْعَلَكَ، والمَعْنى: ما دَعاكَ إلى الِاغْتِرارِ؟
أنْ يَكُونَ المَعْنى تَعَجُّبًا مَحْضًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَعَدَّلَكَ" بِشَدِّ الدالِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "فَعَدَلَكَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، والمَعْنى: عَدَلَ أعْضاءَكَ بَعْضَها بِبَعْضٍ، أيْ وازَنَ بَيْنَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ﴾ ، ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ "فِي" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "رَكَّبَكَ"، أيْ: في صُورَةٍ قَبِيحَةٍ أو حَسَنَةٍ أو مُشَوَّهَةٍ أو سَلِيمَةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، وذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى أنَّ المَعْنى: فَعَدَلَكَ في أيِّ صُورَةٍ، بِمَعْنى: إلى أيِّ صُورَةٍ، حَتّى قالَ بَعْضُهُمْ: المَعْنى: لَمْ يَجْعَلْكَ في صُورَةِ خِنْزِيرٍ ولا حِمارٍ، وذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى أنَّ المَعْنى الوَعِيدُ والتَهْدِيدُ، أيِ: الَّذِي إنْ شاءَ رَكَّبَكَ في صُورَةِ حِمارٍ أو خِنْزِيرٍ أو غَيْرِهِ، و"ما" في قَوْلِهِ تَعالى: "ما شاءَ" زائِدَةٌ، فِيها مَعْنى التَأْكِيدِ والتَرْكِيبِ والتَأْلِيفِ وجَمْعِ شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، ورَوى خارِجَةُ عن نافِعٍ: "رَكَّبَكَ كُلًّا" بِإدْغامِ الكافِ في الكافِ.
ثُمَّ رَدَّ تَعالى عَلى سائِرِ أقْوالِهِمْ ورَدَّ عنها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "كَلّا"، ثُمَّ أثْبَتَ تَعالى لَهم تَكْذِيبَهم بِالدِينِ، وهَذا الخِطابُ عامٌّ ومَعْناهُ الخُصُوصُ في الكُفّارِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تُكَذِّبُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ: "يُكَذِّبُونَ" بِالياءِ، و"الدِينُ" هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الشَرْعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الجَزاءَ والحِسابَ.
و"الحافِظُونَ" هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَكْتُبُونَ أعْمالَ ابْنِ آدَمَ، ووَصْفَهم تَعالى بِالكَرَمِ الَّذِي هو نَفْيُ المَذامِّ، و"يَعْلَمُونَ ما يَفْعَلُونَ" لِمُشاهَدَتِهِمْ حالَ بَنِي آدَمَ، ووَصْفِهِمْ تَعالى بِالكَرَمِ الَّذِي هو نَفىُ المَذامِّ و"يَعْمَلُونَ ما يَفْعَلُونَ" لِمُشاهَدَتِهِمْ حالَ بَنِي آدَمَ، وقَدْ رُوِيَ حَدِيثٌ ذَكَرَهُ سُفْيانُ يَقْتَضِي أنَّ العَبْدَ إذا عَمِلَ سَيِّئَةً مِمّا لا تُرى ولا تُسْمَعُ، مِثْلَ الخَواطِرِ المُسْتَصْحَبَةِ ونَحْوِها أنَّ المَلِكَ يَجِدُ رِيحَ تِلْكَ الخَطِيئَةِ بِإدْراكٍ قَدْ خَلَقَهُ اللهُ تَعالى لَهم.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ تكذبون بالدين ﴾ [الانفطار: 9] تأكيداً لثبوت الجزاء على الأعمال.
وأكد الكلام بحرف ﴿ إنَّ ﴾ ولام الابتداء، لأنهم ينكرون ذلك إنكاراً قويّاً.
و ﴿ لحافظين ﴾ صفة لمحذوف تقديره: لملائكة حافظين، أي مُحْصين غير مضيعين لشيء من أعمالكم.
وجمع الملائكة باعتبار التوزيع على الناس: وإنما لكل أحد ملكان قال تعالى: ﴿ إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ﴾ [ق: 17، 18]، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن لكل أحد ملكين يحفظان أعماله» وهذا بصريح معناه يفيد أيضاً كفاية عن وقوع الجزاء إذ لولا الجزاء على الأعمال لكان الاعتناء بإحصائها عبثاً.
وأجري على الملائكة الموكّلين بإحصاء أعمالهم أربعةُ أوصاف هي: الحفظ، والكرم، والكتابة، والعلم بما يعلمه الناس.
وابتدئ منها بوصف الحفظ لأنه الغرض الذي سبق لأجله الكلام الذي هو إثبات الجزاء على جميع الأعمال، ثم ذكرت بعده صفات ثلاث بها كمال الحفظ والإِحصاء وفيها تنويهٌ بشأن الملائكة الحافظين.
فأما الحفظ: فهو هنا بمعنى الرعاية والمراقبة، وهو بهذا المعنى يتعدى إلى المعمول بحرف الجر، وهو (على) لتضمنه معنى المراقبة.
والحفيظ: الرقيب، قال تعالى: ﴿ اللَّه حفيظ عليهم ﴾ [الشورى: 6].
وهذا الاستعمال هو غير استعمال الحفظ المعدّى إلى المفعول بنفسه فإنه بمعنى الحراسة نحو قوله: ﴿ يحفظونه من أمر اللَّه ﴾ [الرعد: 11].
فالحفظ بهذا الإِطلاق يجمع معنى الرعاية والقيام على ما يوكل إلى الحفيظ، والأمانة على ما يوكل إليه.
وحرف (على) فيه للاستعلاء لتضمنه معنى الرقابة والسلطة.
وأما وصف الكرم فهو النفاسة في النوع كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم ﴾ في سورة النمل (29).
فالكرم صفتهم النفسية الجامعة للكمال في المعاملة وما يصدر عنهم من الأعمال، وأما صفة الكتابة فمراد بها ضبط ما وكّلوا على حفظه ضبطاً لا يتعرض للنسيان ولا للإِجحاف ولا للزيادة، فالكتابة مستعارة لهذا المعنى، على أن حقيقة الكتابة بمعنى الخط غير ممكنة بكيفية مناسبة لأمور الغيب.
وأما صفة العلم بما يفعله الناس فهو الإِحاطة بما يصدر عن الناس من أعمال وما يخطر ببالهم من تفكير مما يراد به عمل خير أو شر وهو الهَم.
وما تفعلون} يعم كل شيء يفعله الناس وطريق علم الملائكة بأعمال الناس مما فطر الله عليه الملائكة الموكّلين بذلك.
ودخل في ﴿ ما تفعلون ﴾ : الخواطر القلبية لأنها من عمل القلب أي العقل فإن الإِنسان يُعمل عقله ويعزم ويتردد، وإن لم يشع في عرف اللغة إطلاق مادة الفعل على الأعمال القلبية.
واعلم أنه ينتزع من هذه الآية أن هذه الصفات الأربع هي عماد الصفات المشروطة في كل من يقوم بعمل للأمة في الإِسلام من الولاة وغيرهم فإنهم حافظون لمصالح ما استحفظوا عليه وأول الحفظ الأمانة وعدم التفريط.
فلا بد فيهم من الكرم وهو زكاء الفطرة، أي طهارة النفس.
ومن الضبط فيما يجري على يديه بحيث لا تضيع المصالح العامة ولا الخاصة بأن يكون ما يصدره مكتوباً، أو كالمكتوب مضبوطاً لا يستطاع تغييره، ويمكن لكل من يقوم بذلك العمل بعد القائم به، أو في مغيبه أن يعرف ماذا أجري فيه من الأعمال، وهذا أصل عظيم في وضع الملفات للنوازل والتراتيب، ومنه نشأت دواوين القضاة، ودفاتر الشُّهود، والخِطاب على الرسوم، وإخراج نسخ الأحْكام والأحباس وعقود النكاح.
ومن إحاطة العلم بما يَتعلق بالأحوال التي تسند إلى المؤتمن عليها بحيث لا يستطيع أحد من المخالطين لوظيفه أن يموّه عليه شيئاً، أو أن يلبس عليه حقيقة بحيث ينتفي عنه الغلط والخطأ في تمييز الأمور بأقصى ما يمكن، ويختلف العلم المطلوب باختلاف الأعمال فيقدم في كل ولاية من هو أعلم بما تقتضيه ولايته من الأعمال وما تتوقف عليه من المواهب والدراية، فليس ما يشترط في القاضي يشترط في أمير الجيش مثلاً، وبمقدار التفاوت في الخصال التي تقتضيها إحدى الولايات يكون ترجيح من تسند إليه الولاية على غيره حرصاً على حفظ مصالح الأمة، فيقدم في كل ولاية من هو أقوى كفاءة لإِتقان أعمالها وأشدّ اضطلاعاً بممارستها.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الِانْفِطارِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: انْشَقَّتْ.
الثّانِي: سَقَطَتْ، قالَ الشّاعِرُ كانُوا سُعُودًا سَماءَ النّاسِ فانْفَطَرَتْ فَأصْبَحَ الشَّمْلُ لَمْ تُرْفَعْ لَهُ عُمُدُ ﴿ وَإذا البِحارُ فُجِّرَتْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَبِسَتْ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: خُلِطَتْ فَصارَتْ بَحْرًا واحِدًا، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: وهو سَبْعَةُ أبْحُرٍ فَتَصِيرُ بَحْرًا واحِدًا.
الثّالِثُ: فُجِّرَ عَذْبُها في مالِحِها: ومالِحُها في عَذْبِها، قالَهُ قَتادَةُ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أيْ فاضَتْ.
﴿ وَإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بُحِثَتْ وثُوِّرَتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ، وقالَ الفَرّاءُ: فَيُخْرَجُ ما في بَطْنِها مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وذَلِكَ مِن أشْراطِ السّاعَةِ أنْ تُخْرِجَ الأرْضُ ذَهَبَها وفِضَّتَها ثُمَّ تُخْرِجُ المَوْتى.
الثّانِي: حُرِّكَتْ لِلْبَعْثِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: بُعِثَ مَن فِيها مِنَ الأمْواتِ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ما عَمِلَتْ وما تَرَكَتْ، قالَهُ أبُو رُزَيْنٍ.
الثّانِي: ما قَدَّمَتْ مِن طاعَةٍ، وأخَّرَتْ مِن حَقِّ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: ما قَدَّمَتْ مِنَ الصَّدَقاتِ وما أخَّرَتْ مِنَ المِيراثِ.
وَيُحْتَمَلُ ما قَدَّمَتْ مِن مَعْصِيَةٍ وأخَّرَتْ مِن طاعَةٍ، لِأنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ الوَعِيدِ، وهَذا جَوابُ ﴿ إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ﴾ لِأنَّهُ خَبَرٌ، وجَعَلَها الحَسَنُ قَسَمًا وقَعَتْ عَلى قَوْلِهِ ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ﴾ الآيَةَ.
والأظْهَرُ ما عَلَيْهِ الجَماعَةُ مِن أنَّهُ خَبَرٌ ولَيْسَ بِقَسَمٍ.
﴿ يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ ﴾ في الإنْسانِ ها هُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ إشارَةٌ إلى كُلِّ كافِرٍ.
الثّانِي: أنَّهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ أبُو الأشَدِّ بْنُ كَلَدَةَ بْنِ أسَدٍ الجُمَحِيُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَفي الَّذِي غَرَّهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَدُّوهُ الشَّيْطانُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: جَهْلُهُ، وهو قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ.
وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا ثالِثًا: إنَّهُ إمْهالُهُ.
﴿ الكَرِيمِ ﴾ الَّذِي يَتَجاوَزُ ويَصْفَحُ، ورَوى الحَسَنُ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ لَمّا قَرَأ ﴿ يا أيُّها الإنْسانُ ﴾ .
.
الآيَةَ، قالَ: حُمْقُهُ وجَهْلُهُ.
﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَسَوّى خَلْقَكَ وعَدَلَ خِلْقَتَكَ.
الثّانِي: فَسَوّى أعْضاءَكَ بِحَسْبِ الحاجَةِ وعَدَلَها في المُماثَلَةِ لا تَفْضُلُ يَدٌ عَلى يَدٍ، ولا رِجْلٌ عَلى رِجْلٍ.
الثّالِثُ: فَسَوّاكَ إنْسانًا كَرِيمًا وعَدَلَ بِكَ عَنْ أنْ يَجْعَلَكَ حَيَوانًا بَهِيمًا.
قالَ أصْحابُ الخَواطِرِ: سَوّاكَ بِالعَقْلِ وعَدَلَكَ بِالإيمانِ.
﴿ فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما شاءَ رَكَّبَكَ مِن شَبَهِ أُمٍّ أوْ أبٍ أوْ خالٍ أوْ عَمٍّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: مِن حُسْنٍ أوْ قُبْحٍ أوْ طُولٍ أوْ قِصَرٍ أوْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: في أيِّ صُورَةٍ مِن صُوَرِ الخَلْقِ رَكَّبَكَ حَتّى صِرْتَ عَلى صُورَتِكَ الَّتِي أنْتَ عَلَيْها أيُّها الإنْسانُ لا يُشْبِهُكَ شَيْءٌ مِنَ الحَيَوانِ.
وَرَوى مُوسى بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَباحٍ اللَّخْمِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ لِجَدِّهِ: «ما وُلِدَ لَكَ؟
قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ وما عَسى أنْ يُولَدَ لِي إمّا غُلامٌ وإمّا جارِيَةٌ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ: ومَن عَسى أنْ يُشْبِهَ؟
قالَ: إمّا أباهُ وإمّا أُمَّهُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَها: مَهْ لا تَقُوَلَنَّ هَكَذا، إنَّ النُّطْفَةَ إذا اسْتَقَرَّتْ في الرَّحِمِ أحْضَرَها اللَّهُ كُلَّ نَسَبٍ بَيْنَها وبَيْنَ آدَمَ أما قَرَأتَ في كِتابِ اللَّهِ: ﴿ فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ﴾ » .
﴿ كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: بِالحِسابِ والجَزاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: بِالعَدْلِ والقَضاءِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: بِالدِّينِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ، يَحْفَظُ كُلَّ إنْسانٍ مَلَكانِ، أحَدُهُما عَنْ يَمِينِهِ يَكْتُبُ الخَيْرَ، والآخَرُ عَنْ شِمالِهِ يَكْتُبُ الشَّرَّ.
﴿ كِرامًا كاتِبِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: كِرامًا عَلى اللَّهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الثّانِي: كِرامًا بِالإيمانِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: لِأنَّهم لا يُفارِقُونَ ابْنَ آدَمَ إلّا في مَوْطِنَيْنِ عِنْدَ الغائِطِ وعِنْدَ الجِماعِ يُعْرِضانِ عَنْهُ ويَكْتُبانِ ما تَكَلَّمَ بِهِ، فَلِذَلِكَ كُرِهَ الكَلامُ عِنْدَ الغائِطِ والجِماعِ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: كِرامًا لِأداءِ الأمانَةِ فِيما يَكْتُبُونَهُ مِن عَمَلِهِ فَلا يَزِيدُونَ فِيهِ ولا يَنْقُصُونَ مِنهُ.
<div class="verse-tafsir"
وأخرج ابن المنذر عن السدي ﴿ إذا السماء انفطرت ﴾ قال: انشقت.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث من طريق عكرمة عن ابن عباس ﴿ وإذا البحار فجرت ﴾ قال: بعضها في بعض ﴿ وإذا القبور بعثرت ﴾ قال: بحثت.
وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن خيثم ﴿ وإذا البحار فجرت ﴾ قال: فجر بعضها في بعض فذهب ماؤها.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ وإذا القبور بعثرت ﴾ خرج ما فيها من الموتى.
وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قي قوله: ﴿ علمت نفس ما قدمت وأخرت ﴾ قال: ما قدمت من خير وأخرت من سنة صالحة يعمل بها بعده، فإن له مثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً أو سنة سيئة يعمل بها بعده، فإن عليه مثل وزر عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيئاً.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في الآية قال: ما قدمت من عمل خير أو شر وما أخرت من سنة يعمل بها من بعده.
وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من استن خيراً فاستن به فله أجره ومثل أجور من اتبعه غير منتقص من أجورهم، ومن استن شراً فاستن به فعليه وزره ومثل أوزار من اتبعه غير منتقص من أوزارهم» وتلا حذيفة ﴿ علمت نفس ما قدمت وأخرت ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ علمت نفس ما قدمت وأخرت ﴾ قال: ما أدت إلى الله مما أمرها به وما ضيعت.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ما قدمت ﴾ من خير وما ﴿ أخرت ﴾ من حق الله تعالى لم تعمل به.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ ما قدمت ﴾ من خير ﴿ وما أخرت ﴾ ما حدث به نفسه لم يعمل به.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد «ما قدمت من خير وما أخرت» ما أمرت أن تعمل فتركت.
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء ﴿ ما قدمت ﴾ بين أيديها وما ﴿ أخرت ﴾ وراءها من سنة يعمل بها من بعده.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه الآية ﴿ يا أيها الإِنسان ما غرك بربك الكريم ﴾ فقال: غره والله جهله.
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة ﴿ يا أيها الإِنسان ما غرك ﴾ قال: أبيّ بن خلف.
وأخرج عبد بن حميد عن صالح بن مسمار قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية ﴿ يا أيها الإِنسان ما غرك بربك الكريم ﴾ ثم قال: جهله.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ربيع بن خيثم ﴿ ما غرك ﴾ قال: الجهل.
وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ ﴿ فسوّاك فعدلك ﴾ مثقل.
وأخرج البخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن شاهين وابن قانع والطبراني وابن مردويه من طريق موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن جده «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ما ولد لك؟
قال يا رسول الله: ما عسى أن يولد لي إما غلام وإما جارية.
قال: فمن يشبه؟
قال يا رسول الله: ما عسى أن يشبه أباه وإما أمه.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عند هامه لا تقولن هذا إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم فركب خلقه في صورة من تلك الصور، أما قرأت هذه الآية في كتاب الله ﴿ في أي صورة ما شاء ركبك ﴾ من نسلك ما بينك وبين آدم» .
وأخرج الحكيم الترمذي والطبراني وابن مردويه بسند جيد والبيهقي في الأسماء والصفات عن مالك بن الحويرث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله أن يخلق النسمة فجامع الرجل المرأة طار ماؤه في كل عرق وعصب منها، فإذا كان اليوم السابع أحضر الله كل عرق بينه وبين آدم ثم قرأ ﴿ في أي صورة ما شاء ركبك ﴾ » .
وأخرج الحكيم الترمذي عن عبد الله بن بريدة «أن رجلاً من الأنصار ولدت له امرأته غلاماً أسود فأخذ بيد امرأته فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: والذي بعثك بالحق لقد تزوجني بكراً وما أقعدت مقعده أحداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدقت إن لك تسعة وتسعين عرقاً وله مثل ذلك، فإذا كان حين الولد اضطربت العروق كلها ليس منها عرق إلا يسأل الله أن يجعل الشبه له» .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ في أي صورة ما شاء ركبك ﴾ قال: إما قبيحاً وإما حسناً، وشبه أب أو أم أو خال أو عم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والرامهرمزي في الأمثال عن أبي صالح ﴿ في أيّ صورة ما شاء ركبك ﴾ قال: إن شاء حماراً وإن شاء خنزيراً وإن شاء فرساً وإن شاء إنساناً.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ في أيّ صورة ما شاء ركبك ﴾ قال: إن شاء قرداً، وإن شاء صورة خنزير، والله تعالى أعلم.
أخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ كلا بل تكذبون بالدين ﴾ قال: بالحساب ﴿ وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: جعل الله على ابن آدم حافظين في الليل وحافظين في النهار يحفظان عمله ويكتبان أثره.
وأخرج البزار عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ينهاكم عن التعري فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حاجات: الغائط والجنابة والغسل» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الظهيرة فرأى رجلاً يغتسل بفلاة من الأرض، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فاتقوا الله واكرموا الكرام الكاتبين الذين معكم ليس يفارقونكم إلا عند إحدى منزلتين: حيث يكون الرجل على خلائه، أو يكون مع أهله، لأنهم كرام كما سماهم الله فيستتر أحدكم عند ذلك بجرم حائط أو بعيره فإنهم لا ينظرون إليه» .
وأخرج البزار عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من حافظين يرفعان إلى الله ما حفظا في يوم فيرى في أول الصحيفة وآخرها استغفاراً إلا قال الله: قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة» .
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وما أدراك ما يوم الدين ﴾ قال: تعظيم يوم القيامة يوم يدان الناس فيه بأعمالهم وفي قوله: ﴿ والأمر يومئذ لله ﴾ قال: ليس ثم أحد يقضي شيئاً ولا يصنع شيئاً غير رب العالمين.
﴿ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ ، من خير أو شر فيكتبونه عليكم (١) (١) قد استدل شارح الطحاوية بهذه الآية على أن الملائكة تكتب القول والفعل والنية لأنها فعل القلب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَلاَّ ﴾ ردع الغرور المذكور قبل، والتكذيب المذكور بعد ﴿ بَلْ تُكَذِّبُونَ بالدين ﴾ هذا خطاب للكفار والدين هنا يحتمل أن يكون بمعنى الشريعة أو الحساب أو الجزاء ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ﴾ يعني الملائكة الذين يكتبون أعمال بني آدم ﴿ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ يعلمون الأعمال لمشاهدتهم لها، وأما ما لا يرى ولا يسمع من الخواطر والنيات والذكر بالقلب فقيل: إن الله ينفرد بعلم ذلك، وقيل إن الملك يجد لها ريحاً يدركها به ﴿ إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ ﴾ في هذه الآية وفيما بعدها من أدوات البيان المطابقة والترصيع ﴿ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن معناه لا يخرجون منها إذا دخلوها، والآخر: لا يغيبون عنها في البرزخ قبل دخولها لأنهم يعرضون عليها غدواً وعشياً ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدين ﴾ تعظيم له وتهويل، وكررّه للتأكيد والمعنى أنه من شدته بحيث لا يدري أحد مقدار هوله وعظمته.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ فجرت ﴾ بالتخفيف: ابن شنبوذ عن أهل مكة ﴿ فعدلك ﴾ مخففاً: يزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل ﴿ ركبك كلا ﴾ مدغماً: أبو عمرو وقتيبة عنه ﴿ يكذبون ﴾ عل الغيبة: يزيد ﴿ يوم لا ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.
الآخرون: بالفتح.
الوقوف ﴿ انفطرت ﴾ ه ك ﴿ انتثرت ﴾ ه ك ﴿ فجرت ﴾ ه ك ﴿ بعثرت ﴾ ه ك ﴿ وأخرت ﴾ ه ط ﴿ الكريم ﴾ ه لا ﴿ فعدلك ﴾ ه ط بناء على أن الظرف بعده متعلق بـ ﴿ ركبك ﴾ ومن خفف ﴿ فعدلك ﴾ لم يقف بناء على أنه جعل " في " بمعنى " إلى " أي فعدلك إلى أي صورة ما شاء ﴿ ركبك ﴾ ه ط بناء على أن " كلا " توكيد لتحقيق بل ومن جعله ردعاً عن الاعتراف لم يقف ﴿ بالدين ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف والوصل أجوز إلا من قرأ ﴿ يكذبون ﴾ على الغيبة فإنه يقف مطلقاً للعدول ﴿ لحافظين ﴾ ه لا ﴿ كاتبين ﴾ ه ك ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ نعيم ﴾ ه ج ﴿ جحيم ﴾ ه ج لاحتمال أن ما بعده مستأنف أو صفة جحيم ﴿ بغائبين ﴾ ه ط لابتداء النفي أو الاستفهام ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ يوم الدين ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ يوم ﴾ بالنصب أي ذلك في يوم ومن رفعه على أنه بدل من يوم الدين فلا وقف.
﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ لله ﴾ ه ط.
التفسير: إنه يذكر طرفاً آخر من أشراط الساعة في هذه السورة.
فأوّلها انفطار السماء أى انشقاقها كقوله في الفرقان ﴿ ويوم تشقق السماء بالغمام ﴾ وكما يجيء في قوله ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ وفيه كذا في قوله ﴿ وإذا الكواكب انتثرت ﴾ إبطال قول من زعم أن الفلكيات لا تنخرق.
أما الدليل المعقول الذي ذكره الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره وهو أن الأجسام متماثلة في الجسمية فيصح على كل واحد منها ما يصح على الباقي لكن السفليات يصح عليها الانخراق فيصح على العلويات أيضاً فغير مفيد ولا مقنع، لأن الخصم لو سلم الصحة فله أن ينازع في الوقوع لمانع كالصورة الفلكية وغيرها.
وأما تفجير البحار فقد فسروها بفتح بعضها إلى بعض حتى تصير البحار كلها بحراً واحداً وذلك التزلزل الأرض وتصدعها حتى يرتفع الحاجز الذي بين البحار الشرقية وبين البحار الغربية.
وقد فسره في الكشاف بزوال البرزخ بين العذب والمالح حتى يختلطا وهو تصوّر فاسد نشأ من مجرّد سماع لفظ ارتفاع البرزخ.
وعن الحسن: إن الأرض تنشف الماء بعد امتلاء البحار فتصير مستوية وهو معنى التسجير عنده كما مر في السورة المتقدّمة.
قال جار الله: بعثر وبحثر بمعنى وهما من البعث والبحث زيد فيهما الراء والمعنى بحثت القبور وأخرج موتاها.
ولأهل التأويل أن يحملوا بعثرة القبور على كشف الأسرار والأحوال الخفية، ومعنى التقديم والتأخير قد سبق في القيامة في قوله ﴿ بنبأ الإنسان يومئذ بما قدّم وأخر ﴾ والمراد جميع أعمالها وإنما يحصل بها العلم الإجمالي عند الموت أو في أوائل أشراطه ثم يزيد شيئاً فشيئاً إلى حين مطالعة صحيفة العمل.
ولما أخبر عن وقوع الساعة والحشر بين ما يدل عليه عقلاً فقال ﴿ يا أيها الإنسان ﴾ هو الكافر المنكر للبعث عند طائفة لقوله بعد ذلك ﴿ كلا بل تكذبون ﴾ وقد يخص ببعضهم فروي عن ابن عباس أنها نزلت في الوليد بن المغيرة.
وعن الكلبي ومقاتل في الأشد بن كلدة.
وذلك أنه ضرب النبي فلم يعاقبه الله وأنزل الآية.
والأقرب أنها تتناول جميع العصاة وخصوص السبب لا يقدح في العموم، وههنا سؤال وهو أنه وصف نفسه في هذا المقام بالكرم وهذا الوصف يقتضي الاغترار به حتى قالت العقلاء: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه.
وسمع الموبذ في مجلس أنوشروان ضحك الخدم فقال: أما يهاب هؤلاء الغلمان.
فقال: إنما يهابنا أعداؤنا.
وعن علي أنه دعا غلامه مرات فلم يجبه فنظر فإذا هو بالباب فقال لم لم تجبني؟
فقال: لثقتي بتحملك وأمني من عقوبتك فاستحسن جوابه فأعتقه.
" قال مؤلف الكتاب": إني في عنفوان الشباب رأيت فيما يرى النائم أن القيامة قد قامت وقد دار في خلدي أن الله لو خاطبني بقوله ﴿ يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك ﴾ فمادّا أقول؟
ألهمني الله في المنام أن أقول: غرني كرمك يا رب.
ثم إني وجدت هذا المعنى قد ذكر في بعض التفاسير.
وعن الفضيل بن عياض أنه قال: أقول في الجواب غرتني ستورك المرخاة.
وإذا ثبت أن الكرم يقتضي أن يغتر بصاحبه فكيف وقع الإنكار عليه؟
والجواب من وجهين: الأول أن كل كريم فهو حكيم لأن إيصال النعم إلى الغير لو لم يكن مبنياً على داعية الحكمة كان تبذيراً لا كرماً فكأنه قال: كيف اغتررت بكرمي وكرمي حقيقي صادر عن الحكمة وهي تقتضي أن لا يهمل وإن أمهل، وأن ينتقم للمظلوم من الظالم ولو بعد حين، وأن يعيد الناس لأجل المجازاة حتى يظهر المحسن من المسيء والبر من الفاجر لا يضيع حقوق الناس؟.
والحاصل أن الكرم بالخلق والتسوية وهي انتصاب القامة أو سلامة الأعضاء، وبالتعديل وهو تناسبها أو جعله مستعدّاً لقبول الكمالات لا يقتضي أن لا يعيده إلى الحالة الأولى لأجل المجازاة، بل يجب أن يعيده تتميماً للنعمة وإظهاراً للحكمة.
الثاني أن كرمه السابق بالخلق وغيره لا يوجب كرماً لاحقاً بالعفو والغفران لجميع المعاصي لأن غاية الكرم هو أن يبتدىء بالنعم من غير عوض ولا غرض، أما الكريم إذا أمر المنعم عليه بشيء وإنه يتلقاه بالعصيان فليس من الكرم أن يغمض عن جرمه بل قد يعدّ ذلك ضعفاً وذلة ولا سيما إذا كان المأمور به هو معرفة المنعم ولهذا روي عن عمر مرفوعاً " غره جهله ".
وعن الحسن: غره والله شيطانه الخبيث حتى طمع في الكرم اللاحق لأجل الكرم السابق.
خصوصاً إذا لم يكن ممن حصل له معرفة ربه في الدنيا.
قال النحويون: " ما " في ﴿ ما شاء ﴾ مزيدة قلت: وذلك بالنظر إلى أصل المعنى وإلا فهي مفيدة للتأكيد أي في كل صورة من الصور شاء كقوله ﴿ هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء ﴾ وإنما لم يقل " ففي أي صورة " بالفاء العاطفة على نسق ما تقدّمها لأنها كالبيان بعد ذلك.
والجارّ متعلق بركب أي ركبك في أي صورة اقتضتها حكمته أو بمحذوف أي حاصلاً في بعض الصور المرادة.
وجوّز جار الله أن يتعلق بـ ﴿ عدّلك ﴾ ويكون في أيّ معنى التعجب أي فعدّلك في صورة عجيبة ثم قال ما شاء أي ركبك ما شاء من التركيب.
قال الحسن: منهم من صوّره ليستخلصه له، ومنهم من صوّره ليشغله بغيره.
قلت: الأوّلون مظاهر اللطف والجمال، والآخرون مظاهر القهر والجلال.
ثم زجرهم عن الاغترار بقوله ﴿ كلاً ﴾ وهي حرف وضع في اللغة لنفي ما تقدم وتحقيق غيره أي ليس الأمر كما تقولون من أنه لا بعث ولا نشور، ولئن فرض فالله كريم غفار للذنوب، ولئن قدّر أنه معاقب فلعله غير عالم بالجزئيات فكيف يحاسب فنبههم الله على خطئهم بأن تكذيبهم بالجزاء إنما وقع في حال تسليط الحفظة عليهم، وهذا التكذيب أيضاً من جملة ما يكتبونه.
أو نقول: لما ردعهم عن الطمع الفارغ والأمل المنكر أضرب عنه إلى ما هو شر منه وهو إنكار الجزاء أصلاً.
وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم إشارة إلى أن أمر الجزاء عند الله من عظائم الأمور والاشغال.
قال بعضهم: من لم يزجره عن المعاصي مراقبة الله إياه كيف يردّه عنها الكرام الكاتبون؟
قلت: لا ريب أن الأول أصل والثاني فرع إلا أن المكلف لإلفه بالمحسوسات يزجره ما هو أقرب إلى عالم الحس أكثر ما يزجره ما هو أقرب إلى عالم الأرواح ولهذا تقع الزواجر والروادع في المدينة الفاضلة.
ثم ذكر فائدة كتابة الحفظة وغايتها فقال ﴿ إن الأبرار ﴾ إلى آخره.
يحكى أن سليمان بن عبد الملك مر بالمدينة وهو يريد مكة فقال لأبي حازم: كيف القدوم على الله غداً؟
فقال: أما المحسن فالكغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه.
قال: فبكى ثم قال: ليت شعري مالنا عند الله فقال أبو حازم: اعرض عملك على كتاب الله قال: في أي مكان؟
قال في قوله ﴿ إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ﴾ قال جعفر الصادق: النعيم المعرفة والمشاهدة، والجحيم ظلمات الشهوات.
وقال آخرون: النعيم القناعة والتوكل، والجحيم الطمع والحرص، وقال العارفون: النعيم الاشتغال بالله والجحيم الاشتغال بما سواه.
وقوله ﴿ وما هم عنها بغائبين ﴾ كقوله وما هم بخارجين منها أو أراد ما كانوا يغيبون عنها قبل ذلك أي في قبورهم فيكون قد بين حال البرزخ كما شرح حال المبدأ والمنتهى.
ثم نبه بقوله ﴿ وما أدراك ﴾ مرتين أن يوم الدين مما لا يكتنه كنه شدته، والخطاب للنبي لأنه لم يعرفه إلا بالوحي.
وقيل: للكافر.
ثم وصفه مجملاً بقوله ﴿ يوم لا تملك ﴾ إلى آخره أي لا ملك ولا تصرف في ذلك بظاهر وحقيقة الإله
قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ ﴾ يحتمل: عن ربك؛ فيكون تأويله: أي شيء غرك عن ربك الكريم؛ حتى اغتررت به؟!
واغتراره عن ربه الإعراض عن طاعته وعبادته، وقد تستعمل الباء في موضع "عن"؛ قال الله - -: ﴿ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ ﴾ ، ومعناها: يشرب عنها، لا أن يشربوا فيها كرعا، أو تجعل العين آنية لهم.
ثم وجه الجواب للمغتر بالله - - في قوله - عز وجل -: ﴿ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ ﴾ هو أن كرمه دعا الإنسان إلى ركوب المعاصي؛ لأنه لم يأخذه بالعقوبة وقت جريرته فتجاوزه عنه أو تأخيره العقوبة، حَمَله على الاغترار؛ إذ ظن أنه يعفى عنه أبدا كذلك؛ فأقدم عليها، وإلا لو حلت به العقوبة وقت ارتكابه المعصية، لكان لا يتعاطى المعاصي، ولا يرتكبها، فعذره أن يقول: الذي حملني على الإغفال والاغترار كرمك أو حمقي، كما قال عمر بن الخطاب - - حين تلا هذه الآية: "الحمق يا رب".
أو يكون قوله: ﴿ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ ﴾ أي: أي شيء غرك حتى ادعيت على الله أنه أمرك باتباع آبائك؟!
أو تشهد عليه إذا ارتكبت الفحشاء أن الله أمرك به؛ على ما قال: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا ﴾ ، ألم أبعث إليك السول؟!
ألم أنزل إليك الكتاب فتبين لك ما أمرت به عما نهيت عنه؟!.
وقيل: نزلت الآية في شأن كلدة؛ حيث ضرب النبي ؛ فلم يعاقبه الله - - فأسم حمزة حمية لقومه؛ فَهَمَّ كلدة أن يضربه ثانية، فنزلت الآية: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ ﴾ حيث لم يهلكك عند تناولك رسول الله .
لكن لو كانت الآية فيه فكل الناس في معنى الخطاب على السواء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾ ففي ذكر هذا تعريف المنة؛ ليستأذي منه الشكر.
وفيه ذكر قوته وسلطانه حيث قدر على تسويته في تلك الظلمات الثلاثة التي لا ينتهي إليها تدبير البشر، ولا يجري عليها سلطانهم؛ ليهابوه ويحذروا مخالفته.
وفيه ذكر قوته وسلطانه حيث قدر على تسويته ي تلك الظلمات الثلاث التي لا ينتهي إليها تدبير البشر، ولا يجري عليها سلطانهم؛ ليهابوه ويحذروا مخالفته.
وفيه ذكر حكمته وعلمه؛ ليعلموا أنهم لم يخلقوا عبثا ولا سدى؛ لأن الذي بلغت حكمته ما ذكر من إنشائه في تلك الظلمات الثلاث من وجوه لا يعرفها الخلق، لا يجوز أن يخرج خلقه عبثا باطلا؛ بل خلقهم ليأمرهم وينهاهم، ويرسل إليهم الرسل، وينزل عليهم الكتب؛ فيلزمهم اتباعها، ويعاقبهم إذا أعرضوا عنها، وتركوا اتباعها، وسنذكر وجه التسوية في قوله: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ ﴾ : أنه سواه على ما توجبه الحكمة.
أو سواه بما به مصالحه.
أو سواه من وجه الدلالة على معرفة الصانع.
أو سواه فيما خلق له من اليدين، والرجلين، والسمع، والبصر.
وقوله: ﴿ فَعَدَلَكَ ﴾ أي: سواك.
ووجه التسوية: أن [جعل له يدين] مستويتين، ولم يجعل إحداما أطول من الأخرى، وكذلك سوى بين رجليه.
وقرئ بالتخفيف والتشديد.
قال أبو عبيد: معنى قوله: ﴿ فَعَدَلَكَ ﴾ بالتخفيف، أي: أمالك، وليس في ذكره كثير حكمة، واختار التشديد فيه.
وليس كما ذكر، بل في ذكرها هذا من الأعجوبة ما ذكر في الآخر؛ فقول: (عدلك)، أي: صرفك من حال إلىحال، ووجه صرفه - والله أعلم -: أنه كان في الأصل ماء مهينا في صلب الأب، فصرف ذلك عن الماء إلى رحم الأم، ثم أنشأه نطفة، ثم صرفها إلى العلقة، وإلى المضغة إلى أن أنشأه خلقا سويا.
أو صرفه على ما عليه من الحال من الصحة إلى السقم، من القسم إلى البرء؛ فيكون في ذكر هذا تعريف المنة والقدرة والحكمة، كما في الأول، ففيه أعظم الفوائد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ ﴾ : منهم من جعل ﴿ مَّا ﴾ هاهنا صلة زائدة، ومعناه: ي أي صورة شاء ركبك.
ومنهم من ج عل ﴿ مَّا ﴾ هاهنا بمعنى الذي.
ثم قوله: ﴿ شَآءَ رَكَّبَكَ ﴾ يحتمل أن يكون هذا عبارة عما تقدم من الأوقات، هو أنه قد شاء تركيبك على الصورة التي أنت عليها، لا على صورة البهائم وغيرها؛ فيكون [في] ذكره تذكير المنن والنعم؛ ليستأدي منه الشكر.
ووجه التذكير أنه أنشأه على صورة يرضاها، ولا يتمنى أن يكون بغير هذه الصورة من الجواهر، وأنشأه على صورة يعرف المحاسن والمساوئ، ويعرف الحكمة والسفة، ويميز بينهما، ويميز بين المضار والمنافع، وأنشأه على صورة سخر له السماوات والأرضين والأنعام، كما قال الله : ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ...
﴾ الآية [الجاثية: 13]، وقال - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ...
﴾ الآية [الإسراء: 70]، ولم يسخره لغيره؛ فثبت أن فيه تذكير النعم؛ ليشكروه، ويقوموا بحمده.
وجائز أن يكون هذا على الاستئناف في أن يركبه على ما هو عليه، [على] أي صورة شاء من الصور التي يستقذرها؛ ويمسخه قردا أو خنزيرا؛ لمكان ما يتعاطى من المعاصي؛ فيكون في ذكره تذكير القدرة والقوة؛ ليراقب الله - - ويهابه؛ فيترك معاصيه، ويتسارع إلى طاعته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ ﴾ فإن حملت قوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ على التنبيه والردع فممكن أن يعطف على ما قبله وعلى ما بعده، وكذلك إذا حملته على القسم بمعنى: حقا؛ فإنه يستقيم عطفه على الأمرين جميعا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِٱلدِّينِ ﴾ يحتمل أن يكون أريد به دين الإسلام.
والأصل: أن الدين إذا أطلق أريد به الدين الحق، وهو الإسلام، وكذلك الكتاب المطلق كتاب الله .
ويجوز أن يكون أريد به: البعث والجزاء، وسمي: يوم الدين؛ لما ذكرنا أن الناس يدانون بأعمالهم.
والحكمة فيه - والله أعلم - أنهم قد أقروا بأن الله - - أحكم الحاكمين، وتكذيبهم بيوم الدين يوجب أن يكون أسفه السفهاء، لا أن يكون أحكم الحاكمين؛ لأن الدنيا عواقبها الفناء والهلاك، فهم إذا كذبوا بالبعث فقد زعموا: أنهم ما أنشئوا إلا للهلاك والفناء، ومن بنى بناء، ولم يقصد ببنائه سوى أن ينقصه ويهدمه، فهوسفيه، عابث في الفعل؛ فلم يحصلوا من تكذيبهم إلا على نفي الحكمة من الصانع، وتثبيت السفه لله ، الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، وهو قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ، وهم لم يكونوا يدعونهم أنهم خلقتا باطلا، ولا كانوا يظنون ذلك، ولكن الإنكار الذي وجد منهم بالبعث والجزاء يقتضي خلقهما باطلا؛ فعلى ذلك إنكارهم بالبعث يزيل عنه القول بأنه أحكم الحاكمين، ويثبت ما ذكرنا من السفه، وتعالى عما يصفون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ﴾ ، وهم لم يكونوا يقبلون الأخبار، ولا كانوا يؤمنون بها، ثم أخرهم أن عليهم حفاظا؛ لأن الذي حملهم على الجهل تركهم الإنصاف من أنفسهم، وإلا لو أنصفوا من أنفسهم، لكان إعطاؤهم النصفة يوصلهم إلى تاردك الحق ومعرفة ما عليهم من الواجب.
ثم قد ذكرنا أن المرء إذا كان عليه حافظٌ، أداه ذلك [إلى] المراقبة؛ فيرتدع عن تعاطي ما يؤخذ عليه: فنبهنا أن علينا حفاظا؛ ليحتشم عنهم، ولا يأتي من الأمور ما يسؤهم، ووصف أنهم كرام؛ ليصحبهم صحبة الكرام، [ومن صحبه الكرام أن يحترمهم]، ويتقي مخالفتهم، ولا يتعاطى ما يسوءهم، وذلك قوله: ﴿ كِرَاماً كَاتِبِينَ ﴾ .
وفي ذكر الكرام فائدة أخرى، وذلك أن قوله: ﴿ كِرَاماً كَاتِبِينَ ﴾ ، أي: كرام على الله ، والكريم على الله - - هو المتقي؛ قال الله - -: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ ؛ فيكون فيه أمان له: أنهم لا يزيدون، ولا ينقصون في الكتابة، وإنما يكتبون [على] قدر أعمالهم، كما ذكرنا من الفائدة في وصف جبريل - - بالقوة والأمانة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ فهو يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم يعلمون ما نفعله قبل أن نفعل بما عرفهم الله - - فيكون في تعريفه إياهم إلزام الحجة عليهم، ويكون الذي يكتبون امتحانا امتحنوا به؛ إذ قد فوض إلى بعضهم أمر كتابة الأعمال، وإلى البعض إرسال الأمطار، ونحو ذلك.
أو ﴿ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ وقت فعلكم جهل الفعل من خير أو شر؛ فيكون لفعل الخير آثار بها يعرفون أن الفاعل قصد به جهة الخير، ويكون لفعل الشر آثار بها يعرفون ذلك أيضا.
ثم عُذْر المسلمين في ترك المراقبة أقل من عذر المكذبين بالدين؛ لأن المسلمين علموا أن عليهم حفاظا يحفظون عليهم أعمالهم، ويكتبونها عليه، ثم هم مع ذلك يغفلون، ولا يصحبونهم صحبة الكرام، ويتركون التقيظ والتبصر، والكفرة ينكرون أن يكون عليهم حفاظ، ومن كان هذا حاله فالإغفال من مثله غير مستبعد.
<div class="verse-tafsir"
يعلمون ما تفعلون من فعل فيكتبونه.
<div class="verse-tafsir" id="91.LV8M0"
عود إلى التذكير باليوم الآخر، وبأن النفس تشهد ما عملته في الدنيا، لا يغيب عنها منه شيء في ذلك اليوم، فتتجلى لها أعمالها في حقيقتها: لا ترى خيرًا في صورة شر، ولا تتخيل شرًا في مثال خير كما يقع في الدنيا لأغلب النفوس، لأن الذي يحول بين الناس وبين فعل الخير إنما هو تفضيل ما ليس بخير عليه، ولا يفضل الشخص شيئًا على شيء إلا إذا ظنه خيرًا له.
فضد الخير يتمثل للشرار في صورة الخير فيفعلونه، والخير يظهر لنفوسهم على أنه غير خير فيتركونه.
ولكن عندما تتجلى الأفعال كما هي في ذلك اليوم، وينكشف الغطاء عن البصائر، يعرف أهل الخير أنهم وإن نجوا فهم مقصرون، فيأسفون على ما تركوا، ويستبشرون بثواب ما عملوا، وبعض أهل السوء على أيديهم من الندم، ويوقنون بسوء المنقلب، ويتمنون لو كانوا ترابًا.
ذكر اللَّه اليوم الآخر ببعض ما يحدث فيه من عظائم الأمور، كما من علينا بمثل هذا التذكير في السورة السابقة فقال ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ﴾ أي انشقت.
وجاء في سورة الفرقان ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ ﴾ ، وانشقاق السماء انصداع نظامها، فلا يبقى أمر ما فيها من الكواكب على ما نراه اليوم، فيخرب العالم بأسره، ولذلك عقب انشقاق السماء بما هو من لوازمه حيث قال ﴿ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ﴾ أي سقطت فبادت، فإذا كان ذلك اضطربت الأرض أيضًا، وزلزلت زلزالًا شديدًا، ووقع الخلل في جميع أجزائها، فتفجر البحار، وتزول الحواجز بينها، فيختلط عذبها بمالحها، بل تفيض على الأرض حتى يصير سطح الأرض ماء لحظات من الزمان، وذلك قوله في سورة التكوير ﴿ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ﴾ ، أي ملئت وفاض منها الماء على التأويل الأول.
وقد يصح إجراء ما هنا على التأويل الثاني، وذلك أنه بعد أن تفجر البحار ويفيض ماؤها تظهر النار وتأخذ مكان الماء بعد أن يتحول إلى بخار، كما أشير إليه في السورة السابقة، وإذا وقع ذلك انقلب باطن الأرض إلى ظاهرها، فلا ريب في أن تبعثر القبور -(أي يظهر ما كان قد خفى فيها من بقايا أجساد الموتى)-، وبعد ذلك يكون بعث الأموات وإحياؤهم في النشأة الآخرة، ثم تنشر الصحف وينكشف الغطاء، فتعلم كل نفس ما قدمت من أعمال الخير، وما أخرت منها بالكسل والإهمال والتسويف من يوم إلى آخر، حتى حلت الآجال، وقد يكون المعنى ما فعلت من خير أو شر وما تركت منهما.
جرت العادة بأن كرم السيد يخدع العبيد، فإذا أمر تهاونوا في الإجابة إلى أمره، وإذا نهي تغافلوا عن نهيه، وتمادوا في لزوم ما نهى عنه، والوقوع فيها حذر منه، ويروى عن علي كرم اللَّه وجهه أنه صاح بغلام له مرات فلم يلبه، فنظر فإذا هو بالباب، فقال له: مالك لم تجبني؟
فقال: لثقتي بحلمك، وأمني من عقوبتك، فاستحسن جوابه وأعتقه.
وقالوا: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه.
وعلى هذه العادة اتكأ بعض ضرب بينه وبين معنى الخطاب بحجاب، أي حجاب، حيث قال إن اللَّه جل شأنه قد ألهم المخاطب الجواب فلعبده أن يجيبه بقوله: غرني كرمك.
ولا يخفى أن هذا تلاعب بالتأويل وتضليل للناظر في كتاب اللَّه أي تضليل: كيف يخطر ببال عاقل أن يقول ذلك في معنى أبلغ الكلام، وهو صادر في مقام التهويل والإرهاب، والتخويف من الحساب وشدة العقاب، وسد السبل وإغلاق الأبواب على أولئك الجاحدين الذين قرعوا بهذا الخطاب؟
.
ولكن أسمع ما يليق بالمقام الكريم، وصف الكريم، ليس خاصًا بمعنى الرحيم والواسع العطاء المحسن الغافر للذنب، بل قد جاء في القرآن وصفًا للرزق وللكتاب وللرسول وللعرش وللمقام وللمدخل وللقول وللأجر، ولا ريب أنه في كل مقام يفيد المعنى الذي يناسبه، والأصل في معنى الكرم الكمال في الوصف والبعد عن النقص، ولقد فسروا الكريم بالعظيم في قوله تعالى: ﴿ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾ في سورة المؤمنون، وهو بمقام الخطاب في سورتنا هذه، فكأنه يقول ما غرك بربك العلي العظيم الذي قد علاه في ذاته وصفاته عن كل ما يوهم نقصًا أو عيبًا.
فهل يمكن للرب العلي البالغ الغاية في الكمال أن يترك عبيده سدى، وأن يهمل فعالهم فلا يعاقب شريرًا ولا يثيب خيرًا، ولا يعد لهم ما يردعهم عن القبيح ولا ما يهزهم إلى الحسن؟
كلا، إن اللائق يعلوه وسموه وكرم مقامه العلي، أن يفيض نعمه على أهل الصالحات، ويصب نقمه على مجترحي السيئات تفضلًا منه على الأولين، وحكمه فائقة في التنكيل بالآخرين.
ولئن سلم أن معنى الكريم: الجواد الواسع العطاء فياض النعم، فلا يصح أن يدخل فيه معنى العفو والمغفرة، والخطاب خطاب تقريع، ولكن فيه إشارة إلى معنى رفيع يليق بكتاب اللَّه، ذلك أنه خاطب بــ ﴿ يَا أَيُّهَا الإنسان ﴾ ، ولم يقل أيها المخلوق أو العبد، وفي الإنسان معنى العاقل المتفكر، الذي أوتي من قوة العقل وبسطة القدرة في العمل ما لا حد له لا ينتهي إليه، حتى صار بذلك أفضل المخلوقات وأكملها، ونال بفضل ما أُوتيه قوة السلطان عليها، ولم يكن ذلك كله إلا منحة من ربه الكريم الذي أحسن كل شيء خلقه.
وهذا الكريم إنما يليق به أن يوفي كل مرتبة من الوجود حقها، فالإنسان الذي خص بهذه المنزلة من الكرم الإلهي لا ينبغي أن يعيش كما يعيش سائر الحيوان، ويموت كما يموت الوحش وصغار الذر، وإنما يتساوى مع بعضها في الحياة الأولى من حيث قصر المدة وسرعة الفناء، ولكن الذي يليق بعقله وقوة نفسه الناطقة أن تكون له حياة أبدية لا حد لها ولا فناء يأتي عليها.
ولا ريب في أنه إذا روعي في الكرم الإلهي أن لا يدع مستعدًا إلا منحه ما استعد له، ولا يحرم قابلًا مما أعد لأن يقبله، وهو الذي ينبغي أن يراعي فيه، فقد ارتفع الغرور، وأزيحت الخديعة، وحق اليقين بأنه لابد من حياة أخرى بعد هذه الحياة يوفى فيها كل ذي حق حقه، وكل عامل جزاء عمله، لأن ذلك من تمام معنى الكرم الذي ميز الإنسان على غيره من أنواع الحيوان، إنما تمام تمييزه بأن يجعل له حياة باقية تناسب ما وهبه من العقل والقدرة.
ويؤكد هذا المعنى -لو حمل الكريم عليه- تعقيبه وصف الكريم بقوله ﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ ﴾ أي أكمل لك قواك، ﴿ فَعَدَلَكَ ﴾ أي جعلك معتدلًا، متناسب الخلق، معتدل القامة لا كسر البهائم، وفي قراءة عدلك بالتخفيف، ومعناه صرفك عن خلقة غيرك، فخلقك خلقة حسنة مفارقة لسائر الخلق، ثم أجمل ذلك في قوله ﴿ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾ أي ركبك في صورة هي من أعجب الصور وأتقنها وأحكمها وأدلها على بقائك الأبدي في نشأة أخرى بعد هذة النشأة الأولى.
وكلمة "ما" هي التي يسمونها زائدة، ولكنها تدل على تفخيم ما اتصلت به، فزيادتها زيادة إعراب وإن لم تكن خالية عن المعنى.
ويرشد إلى أن المعنى هو ما قلنا، قوله بعد ذلك ﴿ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ﴾ إلخ.
كلا، أي لا شيء يغرك ويخدعك، بل إن سعة عطاء ربك وحكمته في كرمه تدلك وتوحي إلى نفسك أنك مبعوث في يوم آخر لثواب أو عقاب، وإنما الذي يقع منك أيها الإنسان هو العناد والتكذيب بالدين، أي الجزاء، أي الانصراف عمدًا وعنادًا عما يدعو إليه الشعور الأول، وعن الدليل الذي تقيمه الرسل والحجة التي يأتي بها الأنبياء، مع أن اللَّه لم يترك عملًا من أعمالك إلا حفظه وأحصاه عليك حتى يوفيك جزاءه.
ومن الغيب الذي يجب علينا الإيمان به ما أنبأنا به في كتابه من أن علينا حفَظةً يكتبون أعمالنا، حسنات وسيئات، ولكن ليس علينا أن نبحث عن حقيقة هؤلاء، ومن أي شيء خلقوا، ما هو عملهم في حفظهم وكتابهم، هل عندهم أوراق وأقلام ومداد كالمعهود عندنا -وهو ما يبعد فهمه- أو هناك ألواح ترسم فيها الأعمال؟
وهل الحروف والصور التي ترسم هي على نحو ما نعهد، أو إنما هي أرواح تتجلى لها الأعمال فتبقى فيها بقاء المداد في القرطاس إلى أن يبعث اللَّه الناس؟
كل ذلك لا نكلف العلم به، وإنما نكلف الإيمان بصدق الخبر، وتفويض الأمر في معناه إلى اللَّه، والذي يجب علينا اعتقاده من جهة ما يدخل في عملنا هو أن أعمالنا تحفظ وتحصى، لا يضيع منها نقير ولا قطمير، و ﴿ كِرَامًا كَاتِبِينَ ﴾ أي مطهرين عن الغرض والنسيان.
ثم بعد أن ذكر ما يدل على أن الغفلة عن اليوم الآخر لا موجب لها إلا التكذيب والعناد، أخذ يؤكد الأمر ويخبر به على القطع الذي لا يدخله الريب، فقال ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾ يريد أنه لا شيء في جانب العلي الأعلى يسوغ لأحد من البشر أن يغتر به وأن ينخدع فيه، بل لا بد من يوم يكون فيه الثواب والعقاب، ولابد أن يكون أهل الثواب في دار النعيم، وأهل النقمة وموضع الغضب الإلهي يكونون في الجحيم، وهي دار العذاب.
والأولون هم الأبرار.
و(الأبرار): جمع بر بفتح الباء، وهو الموصوف بالبر بكسرها، قال بعضهم البر بالكسر الصدق، وقال آخر هو التقوى، وهو إجمال قد بينه الكتاب العزيز والسنة النبوية.
ولا يكون الصدق ولا التقوى برًا حتى يكون فيه حسن المعاملة، وإفراغ الوسع في إيصال الخير إلى الناس، فإذا خلا الوصف من ذلك لم يكن برًا، ولم يكن صاحبه داخلًا في هذا الوعد الكريم.
قال اللّه تعالى: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ فجعل البر منحصرًا في الإيمان بما يجب الإيمان به، ثم في بذل المال في وجوهه، وفي الصلاة، ثم عاد إلى بذل المال بذكر الزكاة، وبعد هذا ذكر الوفاء بالعهد -وهو ملاك لكثير من الفضائل- وأتبعه بالصبر على المرض والفقر، وكل ما يحوج في عيش أو يؤذي في نفس أو بدن، والصبر في حالة الحرب للدفاع عن الحق.
ثم قال ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴾ ليشير إلى أن الصدق الذي يؤخذ في معنى البر لا يكون برًا ولا صدقًا إلا إذا جمع هذه الأوصاف والفعال المتقدمة، وكذلك قوله: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ يفيد أن التقوى هي ما جمع ذلك.
وقال في سورة آل عمران: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ فلا يعد الشخص برًا ولا بارًا حتى يكون للناس من كسبه ومن نفسه نصيب، فلا يغترن أولئك الكسالى الخاملون الذين يظنون أنهم يدركون مقام الأبرار بركعات من الخشية خاليات، وبتسبيحات وتكبيرات وتحميدات ملفوظات غير معقولات، وصيحات غير لائقات بأهل المروءات من المؤمنين والمؤمنات، ثم بصوم أيام معدودات لا يجتنب فيها إيذاء كثير من المخلوقات، مع عدم مبالاة الواحد منهم بشأن الذين، قام أم سقط، أرتفع أو انحط، ومع حرصه وطمعه وتطلعه لما في أيدي الناس، واعتقاده الاستحقاق لما عندهم لا لشيء سوى أنهم عاملون في كسب المال وهو غير عامل، وهم يجرون على سنة الحق وهو متمسك بسنة الباطل، وهم متجملون بحيلة العمل وهو منها عاطل فهؤلاء ليسوا من الأبرار، بل يجدر بهم أن يكونون من الفجار، و(الفجار) جمع فاجر، والفاجر: من يفجر أمر اللَّه، أي يميل عنه ويتركه، والفجور كالفسق في أنه خروج عن الحد الذي وضعه اللَّه في شرعه.
وأوامر اللَّه قد عرفت في البر، فمن لم يستجمعها فقد فجر.
(يصلونها) أي يقاسون حر الجيحم.
(يوم الدين) أي يوم الجزاء، ثم أكد أن هذا العذاب حتم وأنه لا نجاة لهم منه بقوله: ﴿ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ﴾ ، أي انهم ملازمون لتلك الدار، دار العذاب والعار.
وبعد أن أكد خبر اليوم الآخر أشد التأكيد، وبيّن ما يلقاه فيه المغرورون على التأبيد، عاد يفخم أمر ذلك اليوم ويعظم شأنه فقال: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴾ ، أي من الذي أعلمك أيها الإنسان كنه ذلك اليوم؟
أي عجيب منك ثم عجيب أن تتهاون بنبئه كأنك قد أدركت كنهه، ووزنته فعرفت وجه الخلاص مما يلقاك فيه!
كلا إنك لم تدرك من كنهه شيئًا، وكل ما تصورت فيه من الهول فحقيقته فوق كل ما تصورت، فإنه ذلك اليوم الذي لا محاباة فيه ولا مواساة، ولا يجد المرء ما يعول عليه سوى ما قدمت يداه، يجفوه الأولياء، ويخذله الشفعاء، ويتبرأ منه الأقوياء.
﴿ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا ﴾ فلا تحمل عنها ذنبًا، ولا تدفع عنها عتبًا.
﴿ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ وحده، فلا شفيع ولا نصبر، ولا وزير ولا مشير.
وهو الذي وعد وأوعد على لسان رسله، وهو أصدق قائل في قوله، وأعدل فاعل في فعله، فلا مهرب لعامل من جزاء عمله حيث قد استأثر اللَّه بالأمر كله.
نسأل اللَّه المعونة في دنيانا لننال الأمن من عقابه في أُخرانا.