الإسلام > القرآن > سور > سورة 82 الانفطار > الآية ١٦ من سورة الانفطار
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 58 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٦ من سورة الانفطار: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
أي لا يغيبون عن العذاب ساعة واحدة ولا يخفف عنهم من عذابها ولا يجابون إلى ما يسألون من الموت أو الراحة ولو يوما واحدا.
وقوله: ( وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ) يقول تعالى ذكره: وما هؤلاء الفجار من الجحيم بخارجين أبدا، فغائبين عنها، ولكنهم فيها مخلَّدون ماكثون، وكذلك الأبرار في النعيم، وذلك نحو قوله: وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ .
عن الجحيم ,
{ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ } أي: بل هم ملازمون لها، لا يخرجون منها.
"وما هم عنها بغائبين".
«وما هم عنها بغائبين» بمخرجين.
وإن الفُجَّار الذين قَصَّروا في حقوق الله وحقوق عباده لفي جحيم، يصيبهم لهبها يوم الجزاء، وما هم عن عذاب جهنم بغائبين لا بخروج ولا بموت.
( وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ ) أى : وما هم عن المنار بمبعدين ، بل هم ملازمون لها ملازمة تامة .
اعلم أن الله تعالى لما وصف الكرام الكاتبين لأعمال العباد ذكر أحوال العاملين فقال: ﴿ إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ ﴾ وهو نعيم الجنة ﴿ وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ ﴾ وهو النار، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أن القاطعين بوعيد أصحاب الكبائر تمسكوا بهذه الآية، فقالوا: صاحب الكبيرة فاجر، والفجار كلهم في الجحيم، لأن لفظ الجحيم إذا دخل عليه الألف واللام أفاد الاستغراق والكلام في هذه المسألة قد استقصيناه في سورة البقرة، وهاهنا نكت زائدة لابد من ذكرها: قالت الوعيدية حصلت في هذه الآية وجوه دالة على دوام الوعيد أحدها: قوله تعالى: ﴿ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدين ﴾ ويوم الدين يوم الجزاء ولا وقت إلا ويدخل فيه، كما تقول يوم الدنيا ويوم الآخرة الثاني: قال الجبائي: لو خصصنا قوله: ﴿ وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ ﴾ لكان بعض الفجار يصيرون إلى الجنة ولو صاروا إليها لكانوا من الأبرار وهذا يقتضي أن لا يتميز الفجار عن الأبرار، وذلك باطل لأن الله تعالى ميز بين الأمرين، فإذن يجب أن لا يدخل الفجار الجنة كما لا يدخل الأبرار النار والثالث: أنه تعالى قال: ﴿ وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ﴾ وهو كقوله: ﴿ وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا ﴾ وإذا لم يكن هناك موت ولا غيبة فليس بعدهما إلا الخلود في النار أبد الآبدين، ولما كان اسم الفاجر يتناول الكافر والمسلم صاحب الكبيرة ثبت بقاء أصحاب الكبائر أبداً في النار، وثبت أن الشفاعة للمطيعين لا لأهل الكبائر والجواب عنه: أنا بينا أن دلالة ألفاظ العموم على الاستغراق دلالة ظنية ضعيفة والمسألة قطعية.
والتمسك بالدليل الظني في المطلوب القطعي غير جائز، بل هاهنا ما يدل على قولنا: لأن استعمال الجمع المعرف بالألف واللام في المعهود السابق شائع في اللغة، فيحتمل أن يكون اللفظ هاهنا عائداً إلى الكافرين الذين تقدم ذكرهم من المكذبين بيوم الدين، والكلام في ذلك قد تقدم على سبيل الاستقصاء، سلمنا أن العموم يفيد القطع، لكن لا نسلم أن صاحب الكبيرة فاجر، والدليل عليه قوله تعالى في حق الكفار: ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الكفرة الفجرة ﴾ فلا يخلو إما أن يكون المراد ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الكفرة ﴾ الذين يكونون من جنس الفجرة أو المراد ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الكفرة ﴾ وهم ﴿ الفجرة ﴾ والأول: باطل لأن كل كافر فهو فاجر بالإجماع، فتقييد الكافر بالكافر الذي يكون من جنس الفجرة عبث، وإذا بطل هذا القسم بقي الثاني، وذلك يفيد الحصر، وإذا دلت هذه الآية على أن الكفار هم الفجرة لا غيرهم، ثبت أن صاحب الكبيرة ليس بفاجر على الإطلاق، سلمنا إن الفجار يدخل تحته الكافر والمسلم، لكن قوله: ﴿ وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ﴾ معناه أن مجموع الفجار لا يكونون غائبين، ونحن نقول بموجبه: فإن أحد نوعي الفجار وهم الكفار لا يغيبون، وإذا كان كذلك ثبت أن صدق قولنا إن الفجار بأسرهم لا يغيبون، يكفي فيه أن لا يغيب الكفار، فلا حاجة في صدقه إلى أن لا يغيب المسلمون، سلمنا ذلك لكن قوله: ﴿ وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ﴾ يقتضي كونهم في الحال في الجحيم وذلك كذب، فلابد من صرفه عن الظاهر، فهم يحملونه على أنهم بعد الدخول في الجحيم يصدق عليهم قوله: ﴿ وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ﴾ ونحن نحمل ذلك على أنهم في الحال ليسوا غائبين عن استحقاق الكون في الجحيم، إلا أن ثبوت الاستحقاق لا ينافي العفو، سلمنا ذلك لكنه معارض بالدلائل الدالة على العفو وعلى ثبوت الشفاعة لأهل الكبائر، والترجيح لهذا الجانب، لأن دليلهم لابد وأن يتناول جميع الفجار في جميع الأوقات، وإلا لم يحصل مقصودهم، ودليلنا يكفي في صحته تناوله لبعض الفجار في بعض الأوقات، فدليلهم لابد وأن يكون عاماً، ودليلنا لابد وأن يكون خاصاً والخاص مقدم على العام، والله أعلم.
المسألة الثانية: فيه تهديد عظيم للعصاة حكي أن سليمان بن عبد الملك مر بالمدينة وهو يريد مكة، فقال لأبي حازم: كيف القدوم على الله غداً؟
قال: أما المحسن فكالغائب يقدم من سفره على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه، قال: فبكى، ثم قال: ليت شعري ما لنا عند الله!
فقال أبو حازم: أعرض عملك على كتاب الله، قال: في أي مكان من كتاب الله؟
قال: ﴿ إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ ﴾ وقال جعفر الصادق عليه السلام: النعيم المعرفة والمشاهدة، والجحيم ظلمات الشهوات وقال بعضهم: النعيم القناعة، والجحيم الطمع، وقيل: النعيم التوكل، والجحيم الحرص، وقيل: النعيم الاشتغال بالله، والجحيم الاشتغال بغير الله تعالى.
النوع الرابع: من تفاريع الحشر تعظيم يوم القيامة، وهو قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ ﴾ كقوله: ﴿ وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا ﴾ [المائدة: 37] ، ويجوز أن يراد: يصلون النار يوم الدين وما يغيبون عنها قبل ذلك، يعني: في قبورهم، وقيل: أخبر الله في هذه السورة أنّ لابن آدم ثلاث حالات: حال الحياة التي يحفظ فيها عمله، وحال الآخرة التي يجازى فيها، وحال البرزخ وهو قوله: ﴿ وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ (16) ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ ﴾ ﴿ وَإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ ﴾ بَيانٌ لِما يَكْتُبُونَ لِأجْلِهِ.
﴿ يَصْلَوْنَها ﴾ يُقاسُونَ حَرَّها.
﴿ يَوْمَ الدِّينِ ﴾ ﴿ وَما هم عَنْها بِغائِبِينَ ﴾ لِخُلُودِهِمْ فِيها.
وقِيلَ: مَعْناهُ وما يَغِيبُونَ عَنْها قَبْلَ ذَلِكَ إذْ كانُوا يَجِدُونَ سُمُومَها في القُبُورِ.
<div class="verse-tafsir"
بِغَائِبِينَ (١٦)
{وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَائِبِينَ} أي لا يخرجون منها كقوله تعالى وما هم بخارجين منها ثم عظم شأن يوم القيامة فقال
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ ﴾ ﴿ وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ نَتِيجَةِ الحِفْظِ والكَتْبِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ.
وفي تَنْكِيرِ النَّعِيمِ والجَحِيمِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَصْلَوْنَها ﴾ إمّا صِفَةٌ لِلْجَحِيمِ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ الفُجّارَ ﴾ في الخَبَرِ أوِ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن تَهْوِيلِها كَأنَّهُ قِيلَ: ما حالُهم فِيها؟
فَقِيلَ: يُقاسُونَ حَرَّها.
وقَرَأ ابْنُ مُقْسِمٍ «يُصَلَّوْنَها» مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿ يَوْمَ الدِّينِ ﴾ يَوْمَ الجَزاءِ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ اسْتِقْلالًا أوْ في ضِمْنِ تَكْذِيبِهِمْ بِالإسْلامِ ﴿ وما هم عَنْها بِغائِبِينَ ﴾ طَرْفَةَ عَيْنٍ؛ فَإنَّ المُرادَ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ لا نَفْيَ الِاسْتِمْرارِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ﴾ في الدَّلالَةِ عَلى سَرْمَدِيَّةِ العَذابِ وأنَّهم لا يَزالُونَ مُحَسِّينَ بِالنّارِ.
وقِيلَ: مَعْناهُ وما كانُوا غائِبِينَ عَنْها قَبْلَ ذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ بَلْ كانُوا يَجِدُونَ سُمُومَها في قُبُورِهِمْ حَسْبَما «قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «القَبْرُ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ - أوْ - حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النّارِ»».
عَلى أنَّ غائِبِينَ مِن حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ والجُمْلَةُ قِيلَ: عَلى الوَجْهَيْنِ في مَوْضِعِ الحالِ لَكِنَّها عَلى الأوَّلِ حالٌ مُقَدَّرَةٌ وعَلى الثّانِي مِن بابِ ﴿ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ وقِيلَ: إنَّها عَلى الأوَّلِ حالِيَّةٌ دُونَ الثّانِي لِانْفِصالِ ما بَيْنَ صَلْيِ النّارِ وعَذابِ القَبْرِ بِالبَعْثِ وما في مَوْقِفِ الحِسابِ بَلْ هي عَلَيْهِ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، ويُحْتَمَلُ اسْمُ الفاعِلِ فِيها؛ أعْنِي غائِبِينَ عَلى الحالِ؛ أيْ: ﴿ وما هم عَنْها بِغائِبِينَ ﴾ الآنَ لِتَغايُرِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الِاسْتِقْبالُ.
والكَلامُ عَلى ما عُرِفَ في إخْبارِهِ تَعالى مِنَ التَّعْبِيرِ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِغَيْرِهِ لِتَحَقُّقِهِ فَلا يَرِدُ أنَّ بَعْضَ الفُجّارِ في زُمْرَةِ الأحْياءِ بَعْدُ، وبَعْضَهم لَمْ يُخْلَقْ كَذَلِكَ وعَذابُ القَبْرِ بَعْدَ المَوْتِ فَكَيْفَ يُحْمَلُ «غائِبِينَ» عَلى الحالِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ يعني: المؤمنين المصدقين في أيمانهم لَفِي نَعِيمٍ يعني: في الجنة وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأصحاب النبيّ - و م- ومن كان مثل حالهم وَإِنَّ الْفُجَّارَ يعني: الكفار لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ يعني: يدخلون فيها يوم القيامة وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ يعني: لا يخرجون منها أبداً وَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ تعظيماً لذلك اليوم ثُمَّ مَا أَدْراكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يعني: كيف تعلم حقيقة ذلك اليوم ولم تعاينه يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً يعني: لا تنفع نفس مؤمنة لنفس كافرة شيئاً بالشفاعة قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بالضم والباقون بالنصب فمن قرأ بالضم معناه يوم لا تملك ومن قرأ بالنصب فلنزع الخافض يعني في يوم ثم قال: وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يعني: الحكم والقضاء لله تعالى وهو يوم القيامة.
بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، دونَ سائر أسمائِه تعالى وصفاته، كأنه لَقَّنَهُ جَوَابَهُ حتى يقولَ: غَرَّنِي كَرَمُكَ، انتهى، وقرأ الجمهور: «فعدّلك» وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا نَظَر إلى الهلالِ قال: «آمنتُ بالذي خلقَك فسوَّاك فَعَدَلَك» وقرأ حمزة والكسائي وعاصم بتخفيفِ الدال «١» ، والمعنى عَدَّلَ أعضَاءَك بعضَها ببعضٍ، أي: وازن بينها.
وقوله تعالى: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شاءَ رَكَّبَكَ ذهبَ الجمهورُ إلى أن «في» متعلِّقة ب «ركَّبك» ، أي: في صورةٍ حسنةٍ أو قبيحةٍ، أو سليمةٍ، أو مشوهةٍ، ونَحْو هذا، و «ما» في قوله: مَّا شاءَ رَكَّبَكَ زائِدَةٌ فيها معنَى التأكيد، قال أبو حيان «٢» : كَلَّا رَدْعٌ وزَجْرٌ، انتهى، والدِّينُ هنا يحتمل أن يريدَ الشرعَ، ويحتملُ أن يريدَ الجزاءَ والحساب، وباقي الآية واضح لمتأمّله.
يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦) وَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)
وقوله تعالى: يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ أي: يوم الجزاءِ.
وقوله تعالى: وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ [قال جماعة: معناه: ما هم عنها بغائبين] «٣»
في البَرْزَخِ، وذلك أنهم يرونَ مقاعِدَهم من النارِ غَدْوَةً وعشيَّةً فهم لم يزالُوا مشاهدينَ لَها نسألُ اللَّه العافيةَ في الدارينِ بجُودِه وكرمِه، ثم عظَّم تعالى قدرَ هولِ ذلكَ اليومِ بقوله:
وَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ الآية.
سُورَةُ الِانْفِطارِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ﴾ انْفِطارُها: انْشِقاقُها.
و ﴿ انْتَثَرَتْ ﴾ بِمَعْنى تَساقَطَتْ.
و ﴿ فُجِّرَتْ ﴾ بِمَعْنى فُتِحَ بَعْضُها في بَعْضٍ فَصارَتْ بَحْرًا واحِدًا.
وقالَ الحَسَنُ: ذَهَبَ ماؤُها، و ﴿ بُعْثِرَتْ ﴾ بِمَعْنى أُثِيرَتْ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قُلِبَتْ فَأُخْرِجَ ما فِيها.
يُقالُ: بَعْثَرْتُ المَتاعَ وبَحْثَرَتْهُ: إذا جَعَلْتَ أسْفَلَهُ أعْلاهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ ﴾ هَذا جَوابُ الكَلامِ.
وقَدْ شَرَحْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الإنْسانُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ عُنِيَ بِهِ أبُو الأشَدَّيْنِ، وكانَ كافِرًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
وقَدْ ذَكَرْنا اسْمَهُ في [المُدَّثِّرِ: ٣٠] .
والثّانِي: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّالِثُ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ أشارَ إلى كُلِّ كافِرٍ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما غَرَّكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ما خَدَعَكَ وسَوَّلَ لَكَ حَتّى أضَعْتَ ما وجَبَ عَلَيْكَ؟
.
وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى: ما الَّذِي أمَّنَكَ مِن عِقابِهِ وهو كَرِيمٌ مُتَجاوِزٌ إذْ لَمْ يُعاقِبْكَ عاجِلًا؟
وقِيلَ لِلْفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ: لَوْ أقامَكَ اللَّهُ سُبْحانَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقالَ: ما غَرَّكَ بِرَبِّكِ الكَرِيمِ، ماذا كُنْتَ تَقُولُ؟
قالَ: أقُولُ: غَرَّنِي سُتُورُكَ المُرْخاةُ.
وقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: لَوْ قالَ لِي: ما غَرَّكَ بِي؟
قُلْتُ: بِرُّكَ سالِفًا وآنِفًا.
قِيلَ: لَمّا ذَكَرَ الصِّفَةَ الَّتِي هي الكَرَمُ هاهُنا دُونَ سائِرِ صِفاتِهِ، كانَ كَأنَّهُ لَقَّنَ عَبْدَهُ الجَوابَ، لِيَقُولَ: غَرَّنِي كَرَمُ الكَرِيمِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَكَ ﴾ ولَمْ تَكْ شَيْئًا ﴿ فَسَوّاكَ ﴾ إنْسانًا تَسْمَعُ وتُبْصِرُ ﴿ فَعَدَلَكَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ﴿ فَعَدَلَكَ ﴾ بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " فَعَدَلَكَ " بِالتَّخْفِيفِ.
قالَ الفَرّاءُ: مَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ، فَوَجْهُهُ -واللَّهُ أعْلَمُ-: فَصَوَّرَكَ إلى أيِّ صُورَةٍ شاءَ، إمّا حَسَنٌ، وإمّا قَبِيحٌ، وإمّا طَوِيلٌ، وإمّا قَصِيرٌ.
وقِيلَ: في صُورَةِ أبٍ، في صُورَةِ عَمٍّ، في صُورَةِ بَعْضِ القَراباتِ تَشْبِيهًا.
ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ، فَإنَّهُ أرادَ -واللَّهُ أعْلَمُ-: جَعَلَكَ مُعْتَدِلًا، مُعَدَّلَ الخِلْقَةِ.
وقالَ غَيْرُهُ: عَدَّلَ أعْضاءَكَ فَلَمْ تَفْضُلْ يَدٌ عَلى يَدٍ، ولا رِجْلٌ عَلى رِجْلٍ، وعَدَلَ بِكَ أنْ يَجْعَلَكَ حَيَوانًا بَهِيمًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " زائِدَةً.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، فَيَكُونُ المَعْنى: في أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ أنْ يُرَكِّبَكَ فِيها رَكَّبَكَ.
وفي مَعْنى الآيَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: في أيِّ صُورَةٍ مِن صُوَرِ القَراباتِ رَكَّبَكَ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: في أيِّ صُورَةٍ، مِن حُسْنٍ، أوْ قُبْحٍ، أوْ طُولٍ، أوْ قِصَرٍ، أوْ ذَكَرٍ، أوْ أُنْثى، وهو مَعْنى قَوْلِ الفَرّاءِ.
والثّالِثُ: إنْ شاءَ أنْ يُرَكِّبَكَ في غَيْرِ صُورَةِ الإنْسانِ رَكَّبَكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: إنْ شاءَ في صُورَةِ قِرْدٍ، وإنْ شاءَ في صُورَةِ خِنْزِيرٍ.
والرّابِعُ: إنْ شاءَ في صُورَةِ إنْسانٍ بِأفْعالِ الخَيْرِ.
وإنْ شاءَ في صُورَةِ حِمارٍ بِالبَلادَةِ والبَلَهِ، وإنْ شاءَ في صُورَةِ كَلْبٍ بِالبُخْلِ، أوْ خِنْزِيرٍ بِالشَّرَهِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " بِالياءِ " أيْ بِالجَزاءِ والحِسابِ، تَزْعُمُونَ أنَّهُ غَيْرُ كائِنٍ.
ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ أعْمالَهم مَحْفُوظَةٌ، فَقالَ تَعالى: ﴿ وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ ﴾ أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ يَحْفَظُونَ عَلَيْكم أعْمالَكم ﴿ كِرامًا ﴾ عَلى رَبِّهِمْ ﴿ كاتِبِينَ ﴾ يَكْتُبُونَ أعْمالَكم ﴿ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَيَكْتُبُونَهُ عَلَيْكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ ﴾ وذَلِكَ في الآخِرَةِ إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ ﴿ وَإنَّ الفُجّارَ ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ.
والثّانِي: الظَّلَمَةُ.
ونُقِلَ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ أنَّهُ قالَ لِأبِي حازِمٍ: يا لَيْتَ شِعْرِي ما لَنا عِنْدَ اللَّهِ؟
فَقالَ لَهُ: اعْرِضْ عَمَلَكَ عَلى كِتابِ اللَّهِ، فَإنَّكَ تَعْلَمُ ما لَكَ عِنْدَهُ، فَقالَ: وأيْنَ أجِدُهُ؟
قالَ: عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ ﴾ ﴿ وَإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ ﴾ قالَ سُلَيْمانُ: فَأيْنَ رَحْمَةُ اللَّهِ؟
قالَ: قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَصْلَوْنَها ﴾ يَعْنِي: يَدْخُلُونَ الجَحِيمَ مُقاسِينَ حَرَّها ﴿ يَوْمَ الدِّينِ ﴾ أيْ: يَوْمَ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ ﴿ وَما هم عَنْها ﴾ أيْ: عَنِ الجَحِيمِ ﴿ بِغائِبِينَ ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى تَخْلِيدِ الكُفّارِ.
وأجازَ بَعْضُ العُلَماءِ أنْ تَكُونَ " عَنْها " كِنايَةً عَنِ القِيامَةِ، فَتَكُونُ فائِدَةُ الكَلامِ تَحْقِيقَ البَعْثِ.
ويَشْتَمِلُ هَذا عَلى الأبْرارِ والفُجّارِ.
ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ﴾ ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، وكانَ ابْنُ السّائِبِ يَقُولُ: الخِطابُ بِهَذا لِلْإنْسانِ الكافِرِ، لا لِرَسُولِ اللَّهِ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو " يَوْمُ " بِالرَّفْعِ، والباقُونَ: بِالفَتْحِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن رَفَعَ " اليَوْمَ "، فَعَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: " يَوْمُ الدِّينِ " .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعُهُ بِإضْمارِ " هو " ونَصْبُهُ عَلى مَعْنى: هَذِهِ الأشْياءُ المَذْكُورَةُ تَكُونُ ﴿ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ أنَّهُ لا يَمْلِكُ الأمْرَ أحَدٌ إلّا اللَّهُ، ولَمْ يُمَلِّكْ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ شَيْئًا كَما مَلَّكَهم في الدُّنْيا.
وكانَ مُقاتِلٌ يَقُولُ: لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ كافِرَةٍ شَيْئًا مِنَ المَنفَعَةِ.
والقَوْلُ عَلى الإطْلاقِ أصَحُّ، لِأنَّ مُقاتِلًا فِيما أحْسَبُ خافَ نَفْيَ شَفاعَةِ المُؤْمِنِينَ.
والشَّفاعَةُ إنَّما تَكُونُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ وتَمْلِيكِهِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ ﴾ ﴿ وَإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ ﴾ ﴿ يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِينِ ﴾ ﴿ وَما هم عنها بِغائِبِينَ ﴾ ﴿ وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِينِ ﴾ ﴿ ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِينِ ﴾ ﴿ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ "الأبْرارُ" جَمْعُ بَرٍّ وهو الَّذِي قَدِ اطَّرَدَ بِرُّهُ عُمُومًا، فَبَرَّ رَبَّهُ في طاعَتِهِ إيّاهُ، وبِرَّ أبَوَيْهِ وبَرَّ الناسَ في رَفْعِ ضُرِّهِ عنهُمْ، وجَلَبَ ما اسْتَطاعَ الخَيْرَ لَهُمْ، وبَرَّ الحَيَوانَ وغَيْرَ ذَلِكَ في أنْ لَمْ يُفْسِدْ مِنها شَيْئًا عَبَثًا وبِغَيْرِ مَنفَعَةٍ مُباحَةٍ، و"الفُجّارُ" الكُفّارُ، و"يَصْلَوْنَها" مَعْناهُ: يُباشِرُونَ حَرَّها بِأبْدانِهِمْ، "وَيَوْمَ الدِينِ" هو يَوْمُ الجَزاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما هم عنها بِغائِبِينَ ﴾ ،قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هَذا تَأكُّدٌ في الإخْبارِ عن أنَّهم يَصْلَوْنَها، وأنَّهم لا يُمْكِنُهُمُ المَغِيبُ عنها يَوْمَئِذٍ، وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى: وما هم عنها بِغائِبِينَ في البَرْزَخِ، كَأنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عن صَلْيِهِمْ إيّاها يَوْمَ الدِينِ أخْبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنِ المُدَّةِ التى قَبْلَ يَوْمِ الدِينِ، وذَلِكَ أنَّهم يَرَوْنَ مَقاعِدَهم مِنَ النارِ غَدْوَةً وعَشِيَّةً، فَهم مُشاهِدُونَ لَها.
ثُمَّ عَظَّمَ تَعالى قَدْرَ هَوْلِ يَوْمِ الدِينِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "وَما أدْراكَ"، "ثُمَّ ما أدْراكَ".
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى، وابْنُ جُنْدُبٍ "يَوْمُ" بِرَفْعِ المِيمِ عَلى مَعْنى: هُوَ، يَوْمٌ وقَرَأ الباقُونَ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ: "يَوْمَ" بِالنَصْبِ عَلى الظَرْفِ، والمَعْنى: الجَزاءُ يَوْمُ، فَهو ظَرْفٌ في مَعْنى خَبَرِ الِابْتِداءِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِضَعْفِ الناسِ يَوْمَئِذٍ، وأنَّهُ لا يُغْنِي بَعْضُهم عن بَعْضٍ، وأنَّ الأمْرَ لَهُ تَبارَكَ وتَعالى، قالَ قَتادَةُ: كَذَلِكَ هو اليَوْمُ، واللهُ تَعالى هُنالِكَ لا يُنازِعُهُ أحَدٌ، ولا يُمَكِّنُ أحَدًا مِن شَيْءٍ كَما مَكَّنَهُ في الدُنْيا.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الِانْفِطارِ والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
فصلت هذه الجملة عن التي قبلها لأنها استئناف بياني جوابٌ عن سؤال يخطر في نفس السامع يثيره قوله: ﴿ بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين ﴾ [الانفطار: 9، 10] الآية لتشوف النفس إلى معرفة هذا الجزاء ما هو، وإلى معرفة غاية إقامة الملائكة لإِحصاء الأعمال ما هي، فبُين ذلك بقوله: ﴿ إن الأبرار لفي نعيم ﴾ الآية.
وأيضاً تتضمن هذه الجملة تقسيم أصحاب الأعمال فهي تفصيل لجملة ﴿ يعلمون ما تفعلون ﴾ [الانفطار: 12] وذلك من مقتضيات فصل الجملة عن التي قبلها.
وجيء بالكلام مؤكداً ب ﴿ إن ﴾ ولا الابتداء ليساوي البيانُ مبيّنهُ في التحقيق ودفع الإنكار.
وكرر التأكيد مع الجملة المعطوفة للاهتمام بتحقيق كونهم في جحيم لا يطمعوا في مفارقته.
و ﴿ الأبرار ﴾ : جمعُ برّ بفتح الباء وهو التقيّ، وهو فَعْل بمعنى فاعل مشتق من بَرَّ يبر، ولفعل برّ اسم مصدر هو برّ بكسر الباء ولا يعرف له مصدر قياسيّ بفتح الباء كأنهم أماتوه لئلا يلتبس بالبَرّ وهو التقيّ.
وإنما سمي التقيّ بَرّاً لأنه بَرَّ ربه، أي صدقه ووفى له بما عهد له من الأمر بالتقوى.
و ﴿ الفُجَّار ﴾ : جمع فاجر، وصيغة فُعَّال تطّرد في تكسير فاعل المذكر الصحيح اللام.
والفاجر: المتصف بالفجور وهو ضد البرور.
والمراد ب ﴿ الفجّار ﴾ هنا: المشركون، لأنهم الذين لا يغيبون عن النار طرفة عين وذلك هو الخلود، ونحن أهل السنة لا نعتقد الخلود في النار لغير الكافر.
فأما عصاة المؤمنين فلا يخلدون في النار وإلا لبطلت فائدة الإِيمان.
والنعيم: اسم ما يَنْعم به الإِنسان.
والظرفية من قوله: «في نعيم» مجازية لأن النعيم أمر اعتباري لا يكون ظرفاً حقيقة، شبه دوام التنعم لهم بإحاطة الظرف بالمظروف بحيث لا يفارقه.
وأما ظرفية قوله: ﴿ لفي جحيم ﴾ فهي حقيقية.
والجحيم صار علماً بالغلبة على جهنم، وقد تقدم في سورة التكوير وفي سورة النازعات.
وجملة ﴿ يصلونها ﴾ صفة ل ﴿ جحيم ﴾ ، أو حال من ﴿ الفجار ﴾ ، أو حال من الجحيم، وصَلْيُ النار: مَسُّ حرّها للجسم، يقال: صلي النارَ، إذا أحس بحرّها، وحقيقته: الإِحساس بحرّ النار المؤلم، فإذا أريد التدفّي قيل: اصطلى.
و ﴿ يوم الدين ﴾ ظرف ل ﴿ يصلونها ﴾ وذُكر لبيان: أنهم يصلونها جزاء عن فجورهم لأن الدين الجزاء ويوم الدين يوم الجزاء وهو من أسماء يوم القيامة.
وجملة ﴿ وما هم عنها بغائبين ﴾ عطف على جملة ﴿ يصلونها ﴾ ، أي يَصْلون حرّها ولا يفارقونها، أي وهم خالدون فيها.
وجيء بقوله ﴿ وما هم عنها بغائبين ﴾ جملة اسمية دون أن يقال: وما يغيبون عنها، أو وما يفارقونها، لإفادة الاسمية الثبات سواء في الإثبات أو النفي، فالثّبات حالة للنسبة الخبرية سواء كانت نسبة إثبات أو نسبة نفي كما في قوله تعالى ﴿ وما هم بخارجين من النار ﴾ في سورة البقرة (167).
وزيادة الباء لتأكيد النفي.
وتقديم عنها} على متعلقه للاهتمام بالمجرور، وللرعاية على الفاصلة.
<div class="verse-tafsir"
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ ﴾ ﴿ وَإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: في الآخِرَةِ فَيَكُونُ نَعِيمُ الأبْرارِ في الجَنَّةِ بِالثَّوابِ، وجَحِيمُ الفُجّارِ في النّارِ بِالعِقابِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ في الدُّنْيا، فَعَلى هَذا فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ ذَكَرَها أصْحابُ الخَواطِرِ.
أحَدُها: النَّعِيمُ القَناعَةُ، والجَحِيمُ الطَّمَعُ.
الثّانِي: النَّعِيمُ التَّوَكُّلُ، والجَحِيمُ الحِرْصُ.
الثّالِثُ: النَّعِيمُ الرِّضا بِالقَضاءِ، والجَحِيمُ السُّخْطُ فِيما قَدَّرَ وقَضى.
الرّابِعُ: النَّعِيمُ بِالطّاعَةِ، والجَحِيمُ بِالمَعْصِيَةِ.
﴿ وَما هم عَنْها بِغائِبِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنِ القِيامَةِ تَحْقِيقٌ لِلْبَعْثِ فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الخِطابُ مُتَوَجِّهًا إلى الأبْرارِ والفُجّارِ جَمِيعًا.
الثّانِي: عَنِ النّارِ، ويَكُونُ الخِطابُ مُتَوَجِّهًا إلى الفُجّارِ دُونَ الأبْرارِ، والمُرادُ بِأنَّهم لا يَغِيبُونَ عَنْها أمْرانِ: أحَدُهُما: تَحْقِيقُ الوَعِيدِ.
الثّانِي: تَخْلِيدُ الفُجّارِ.
﴿ وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ﴾ ﴿ ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ الجَزاءِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي تَكْرارِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ وتَعْظِيمًا لِأمْرِهِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الأوَّلَ خِطابٌ لِلْفُجّارِ والثّانِي خِطابٌ لِلْأبْرارِ تَرْغِيبًا.
﴿ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا ﴾ يَعْنِي لا يَمْلِكُ مَخْلُوقٌ لِمَخْلُوقٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا.
﴿ والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في الجَزاءِ بِالثَّوابِ والعِقابِ.
الثّانِي: في العُقُوبَةِ والِانْتِقامِ.
وأخرج ابن المنذر عن السدي ﴿ إذا السماء انفطرت ﴾ قال: انشقت.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث من طريق عكرمة عن ابن عباس ﴿ وإذا البحار فجرت ﴾ قال: بعضها في بعض ﴿ وإذا القبور بعثرت ﴾ قال: بحثت.
وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن خيثم ﴿ وإذا البحار فجرت ﴾ قال: فجر بعضها في بعض فذهب ماؤها.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ وإذا القبور بعثرت ﴾ خرج ما فيها من الموتى.
وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قي قوله: ﴿ علمت نفس ما قدمت وأخرت ﴾ قال: ما قدمت من خير وأخرت من سنة صالحة يعمل بها بعده، فإن له مثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً أو سنة سيئة يعمل بها بعده، فإن عليه مثل وزر عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيئاً.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في الآية قال: ما قدمت من عمل خير أو شر وما أخرت من سنة يعمل بها من بعده.
وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من استن خيراً فاستن به فله أجره ومثل أجور من اتبعه غير منتقص من أجورهم، ومن استن شراً فاستن به فعليه وزره ومثل أوزار من اتبعه غير منتقص من أوزارهم» وتلا حذيفة ﴿ علمت نفس ما قدمت وأخرت ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ علمت نفس ما قدمت وأخرت ﴾ قال: ما أدت إلى الله مما أمرها به وما ضيعت.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ما قدمت ﴾ من خير وما ﴿ أخرت ﴾ من حق الله تعالى لم تعمل به.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ ما قدمت ﴾ من خير ﴿ وما أخرت ﴾ ما حدث به نفسه لم يعمل به.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد «ما قدمت من خير وما أخرت» ما أمرت أن تعمل فتركت.
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء ﴿ ما قدمت ﴾ بين أيديها وما ﴿ أخرت ﴾ وراءها من سنة يعمل بها من بعده.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه الآية ﴿ يا أيها الإِنسان ما غرك بربك الكريم ﴾ فقال: غره والله جهله.
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة ﴿ يا أيها الإِنسان ما غرك ﴾ قال: أبيّ بن خلف.
وأخرج عبد بن حميد عن صالح بن مسمار قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية ﴿ يا أيها الإِنسان ما غرك بربك الكريم ﴾ ثم قال: جهله.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ربيع بن خيثم ﴿ ما غرك ﴾ قال: الجهل.
وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ ﴿ فسوّاك فعدلك ﴾ مثقل.
وأخرج البخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن شاهين وابن قانع والطبراني وابن مردويه من طريق موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن جده «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ما ولد لك؟
قال يا رسول الله: ما عسى أن يولد لي إما غلام وإما جارية.
قال: فمن يشبه؟
قال يا رسول الله: ما عسى أن يشبه أباه وإما أمه.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عند هامه لا تقولن هذا إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم فركب خلقه في صورة من تلك الصور، أما قرأت هذه الآية في كتاب الله ﴿ في أي صورة ما شاء ركبك ﴾ من نسلك ما بينك وبين آدم» .
وأخرج الحكيم الترمذي والطبراني وابن مردويه بسند جيد والبيهقي في الأسماء والصفات عن مالك بن الحويرث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله أن يخلق النسمة فجامع الرجل المرأة طار ماؤه في كل عرق وعصب منها، فإذا كان اليوم السابع أحضر الله كل عرق بينه وبين آدم ثم قرأ ﴿ في أي صورة ما شاء ركبك ﴾ » .
وأخرج الحكيم الترمذي عن عبد الله بن بريدة «أن رجلاً من الأنصار ولدت له امرأته غلاماً أسود فأخذ بيد امرأته فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: والذي بعثك بالحق لقد تزوجني بكراً وما أقعدت مقعده أحداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدقت إن لك تسعة وتسعين عرقاً وله مثل ذلك، فإذا كان حين الولد اضطربت العروق كلها ليس منها عرق إلا يسأل الله أن يجعل الشبه له» .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ في أي صورة ما شاء ركبك ﴾ قال: إما قبيحاً وإما حسناً، وشبه أب أو أم أو خال أو عم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والرامهرمزي في الأمثال عن أبي صالح ﴿ في أيّ صورة ما شاء ركبك ﴾ قال: إن شاء حماراً وإن شاء خنزيراً وإن شاء فرساً وإن شاء إنساناً.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ في أيّ صورة ما شاء ركبك ﴾ قال: إن شاء قرداً، وإن شاء صورة خنزير، والله تعالى أعلم.
أخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ كلا بل تكذبون بالدين ﴾ قال: بالحساب ﴿ وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: جعل الله على ابن آدم حافظين في الليل وحافظين في النهار يحفظان عمله ويكتبان أثره.
وأخرج البزار عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ينهاكم عن التعري فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حاجات: الغائط والجنابة والغسل» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الظهيرة فرأى رجلاً يغتسل بفلاة من الأرض، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فاتقوا الله واكرموا الكرام الكاتبين الذين معكم ليس يفارقونكم إلا عند إحدى منزلتين: حيث يكون الرجل على خلائه، أو يكون مع أهله، لأنهم كرام كما سماهم الله فيستتر أحدكم عند ذلك بجرم حائط أو بعيره فإنهم لا ينظرون إليه» .
وأخرج البزار عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من حافظين يرفعان إلى الله ما حفظا في يوم فيرى في أول الصحيفة وآخرها استغفاراً إلا قال الله: قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة» .
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وما أدراك ما يوم الدين ﴾ قال: تعظيم يوم القيامة يوم يدان الناس فيه بأعمالهم وفي قوله: ﴿ والأمر يومئذ لله ﴾ قال: ليس ثم أحد يقضي شيئاً ولا يصنع شيئاً غير رب العالمين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَلاَّ ﴾ ردع الغرور المذكور قبل، والتكذيب المذكور بعد ﴿ بَلْ تُكَذِّبُونَ بالدين ﴾ هذا خطاب للكفار والدين هنا يحتمل أن يكون بمعنى الشريعة أو الحساب أو الجزاء ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ﴾ يعني الملائكة الذين يكتبون أعمال بني آدم ﴿ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ يعلمون الأعمال لمشاهدتهم لها، وأما ما لا يرى ولا يسمع من الخواطر والنيات والذكر بالقلب فقيل: إن الله ينفرد بعلم ذلك، وقيل إن الملك يجد لها ريحاً يدركها به ﴿ إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ ﴾ في هذه الآية وفيما بعدها من أدوات البيان المطابقة والترصيع ﴿ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن معناه لا يخرجون منها إذا دخلوها، والآخر: لا يغيبون عنها في البرزخ قبل دخولها لأنهم يعرضون عليها غدواً وعشياً ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدين ﴾ تعظيم له وتهويل، وكررّه للتأكيد والمعنى أنه من شدته بحيث لا يدري أحد مقدار هوله وعظمته.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ فجرت ﴾ بالتخفيف: ابن شنبوذ عن أهل مكة ﴿ فعدلك ﴾ مخففاً: يزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل ﴿ ركبك كلا ﴾ مدغماً: أبو عمرو وقتيبة عنه ﴿ يكذبون ﴾ عل الغيبة: يزيد ﴿ يوم لا ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.
الآخرون: بالفتح.
الوقوف ﴿ انفطرت ﴾ ه ك ﴿ انتثرت ﴾ ه ك ﴿ فجرت ﴾ ه ك ﴿ بعثرت ﴾ ه ك ﴿ وأخرت ﴾ ه ط ﴿ الكريم ﴾ ه لا ﴿ فعدلك ﴾ ه ط بناء على أن الظرف بعده متعلق بـ ﴿ ركبك ﴾ ومن خفف ﴿ فعدلك ﴾ لم يقف بناء على أنه جعل " في " بمعنى " إلى " أي فعدلك إلى أي صورة ما شاء ﴿ ركبك ﴾ ه ط بناء على أن " كلا " توكيد لتحقيق بل ومن جعله ردعاً عن الاعتراف لم يقف ﴿ بالدين ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف والوصل أجوز إلا من قرأ ﴿ يكذبون ﴾ على الغيبة فإنه يقف مطلقاً للعدول ﴿ لحافظين ﴾ ه لا ﴿ كاتبين ﴾ ه ك ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ نعيم ﴾ ه ج ﴿ جحيم ﴾ ه ج لاحتمال أن ما بعده مستأنف أو صفة جحيم ﴿ بغائبين ﴾ ه ط لابتداء النفي أو الاستفهام ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ يوم الدين ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ يوم ﴾ بالنصب أي ذلك في يوم ومن رفعه على أنه بدل من يوم الدين فلا وقف.
﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ لله ﴾ ه ط.
التفسير: إنه يذكر طرفاً آخر من أشراط الساعة في هذه السورة.
فأوّلها انفطار السماء أى انشقاقها كقوله في الفرقان ﴿ ويوم تشقق السماء بالغمام ﴾ وكما يجيء في قوله ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ وفيه كذا في قوله ﴿ وإذا الكواكب انتثرت ﴾ إبطال قول من زعم أن الفلكيات لا تنخرق.
أما الدليل المعقول الذي ذكره الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره وهو أن الأجسام متماثلة في الجسمية فيصح على كل واحد منها ما يصح على الباقي لكن السفليات يصح عليها الانخراق فيصح على العلويات أيضاً فغير مفيد ولا مقنع، لأن الخصم لو سلم الصحة فله أن ينازع في الوقوع لمانع كالصورة الفلكية وغيرها.
وأما تفجير البحار فقد فسروها بفتح بعضها إلى بعض حتى تصير البحار كلها بحراً واحداً وذلك التزلزل الأرض وتصدعها حتى يرتفع الحاجز الذي بين البحار الشرقية وبين البحار الغربية.
وقد فسره في الكشاف بزوال البرزخ بين العذب والمالح حتى يختلطا وهو تصوّر فاسد نشأ من مجرّد سماع لفظ ارتفاع البرزخ.
وعن الحسن: إن الأرض تنشف الماء بعد امتلاء البحار فتصير مستوية وهو معنى التسجير عنده كما مر في السورة المتقدّمة.
قال جار الله: بعثر وبحثر بمعنى وهما من البعث والبحث زيد فيهما الراء والمعنى بحثت القبور وأخرج موتاها.
ولأهل التأويل أن يحملوا بعثرة القبور على كشف الأسرار والأحوال الخفية، ومعنى التقديم والتأخير قد سبق في القيامة في قوله ﴿ بنبأ الإنسان يومئذ بما قدّم وأخر ﴾ والمراد جميع أعمالها وإنما يحصل بها العلم الإجمالي عند الموت أو في أوائل أشراطه ثم يزيد شيئاً فشيئاً إلى حين مطالعة صحيفة العمل.
ولما أخبر عن وقوع الساعة والحشر بين ما يدل عليه عقلاً فقال ﴿ يا أيها الإنسان ﴾ هو الكافر المنكر للبعث عند طائفة لقوله بعد ذلك ﴿ كلا بل تكذبون ﴾ وقد يخص ببعضهم فروي عن ابن عباس أنها نزلت في الوليد بن المغيرة.
وعن الكلبي ومقاتل في الأشد بن كلدة.
وذلك أنه ضرب النبي فلم يعاقبه الله وأنزل الآية.
والأقرب أنها تتناول جميع العصاة وخصوص السبب لا يقدح في العموم، وههنا سؤال وهو أنه وصف نفسه في هذا المقام بالكرم وهذا الوصف يقتضي الاغترار به حتى قالت العقلاء: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه.
وسمع الموبذ في مجلس أنوشروان ضحك الخدم فقال: أما يهاب هؤلاء الغلمان.
فقال: إنما يهابنا أعداؤنا.
وعن علي أنه دعا غلامه مرات فلم يجبه فنظر فإذا هو بالباب فقال لم لم تجبني؟
فقال: لثقتي بتحملك وأمني من عقوبتك فاستحسن جوابه فأعتقه.
" قال مؤلف الكتاب": إني في عنفوان الشباب رأيت فيما يرى النائم أن القيامة قد قامت وقد دار في خلدي أن الله لو خاطبني بقوله ﴿ يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك ﴾ فمادّا أقول؟
ألهمني الله في المنام أن أقول: غرني كرمك يا رب.
ثم إني وجدت هذا المعنى قد ذكر في بعض التفاسير.
وعن الفضيل بن عياض أنه قال: أقول في الجواب غرتني ستورك المرخاة.
وإذا ثبت أن الكرم يقتضي أن يغتر بصاحبه فكيف وقع الإنكار عليه؟
والجواب من وجهين: الأول أن كل كريم فهو حكيم لأن إيصال النعم إلى الغير لو لم يكن مبنياً على داعية الحكمة كان تبذيراً لا كرماً فكأنه قال: كيف اغتررت بكرمي وكرمي حقيقي صادر عن الحكمة وهي تقتضي أن لا يهمل وإن أمهل، وأن ينتقم للمظلوم من الظالم ولو بعد حين، وأن يعيد الناس لأجل المجازاة حتى يظهر المحسن من المسيء والبر من الفاجر لا يضيع حقوق الناس؟.
والحاصل أن الكرم بالخلق والتسوية وهي انتصاب القامة أو سلامة الأعضاء، وبالتعديل وهو تناسبها أو جعله مستعدّاً لقبول الكمالات لا يقتضي أن لا يعيده إلى الحالة الأولى لأجل المجازاة، بل يجب أن يعيده تتميماً للنعمة وإظهاراً للحكمة.
الثاني أن كرمه السابق بالخلق وغيره لا يوجب كرماً لاحقاً بالعفو والغفران لجميع المعاصي لأن غاية الكرم هو أن يبتدىء بالنعم من غير عوض ولا غرض، أما الكريم إذا أمر المنعم عليه بشيء وإنه يتلقاه بالعصيان فليس من الكرم أن يغمض عن جرمه بل قد يعدّ ذلك ضعفاً وذلة ولا سيما إذا كان المأمور به هو معرفة المنعم ولهذا روي عن عمر مرفوعاً " غره جهله ".
وعن الحسن: غره والله شيطانه الخبيث حتى طمع في الكرم اللاحق لأجل الكرم السابق.
خصوصاً إذا لم يكن ممن حصل له معرفة ربه في الدنيا.
قال النحويون: " ما " في ﴿ ما شاء ﴾ مزيدة قلت: وذلك بالنظر إلى أصل المعنى وإلا فهي مفيدة للتأكيد أي في كل صورة من الصور شاء كقوله ﴿ هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء ﴾ وإنما لم يقل " ففي أي صورة " بالفاء العاطفة على نسق ما تقدّمها لأنها كالبيان بعد ذلك.
والجارّ متعلق بركب أي ركبك في أي صورة اقتضتها حكمته أو بمحذوف أي حاصلاً في بعض الصور المرادة.
وجوّز جار الله أن يتعلق بـ ﴿ عدّلك ﴾ ويكون في أيّ معنى التعجب أي فعدّلك في صورة عجيبة ثم قال ما شاء أي ركبك ما شاء من التركيب.
قال الحسن: منهم من صوّره ليستخلصه له، ومنهم من صوّره ليشغله بغيره.
قلت: الأوّلون مظاهر اللطف والجمال، والآخرون مظاهر القهر والجلال.
ثم زجرهم عن الاغترار بقوله ﴿ كلاً ﴾ وهي حرف وضع في اللغة لنفي ما تقدم وتحقيق غيره أي ليس الأمر كما تقولون من أنه لا بعث ولا نشور، ولئن فرض فالله كريم غفار للذنوب، ولئن قدّر أنه معاقب فلعله غير عالم بالجزئيات فكيف يحاسب فنبههم الله على خطئهم بأن تكذيبهم بالجزاء إنما وقع في حال تسليط الحفظة عليهم، وهذا التكذيب أيضاً من جملة ما يكتبونه.
أو نقول: لما ردعهم عن الطمع الفارغ والأمل المنكر أضرب عنه إلى ما هو شر منه وهو إنكار الجزاء أصلاً.
وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم إشارة إلى أن أمر الجزاء عند الله من عظائم الأمور والاشغال.
قال بعضهم: من لم يزجره عن المعاصي مراقبة الله إياه كيف يردّه عنها الكرام الكاتبون؟
قلت: لا ريب أن الأول أصل والثاني فرع إلا أن المكلف لإلفه بالمحسوسات يزجره ما هو أقرب إلى عالم الحس أكثر ما يزجره ما هو أقرب إلى عالم الأرواح ولهذا تقع الزواجر والروادع في المدينة الفاضلة.
ثم ذكر فائدة كتابة الحفظة وغايتها فقال ﴿ إن الأبرار ﴾ إلى آخره.
يحكى أن سليمان بن عبد الملك مر بالمدينة وهو يريد مكة فقال لأبي حازم: كيف القدوم على الله غداً؟
فقال: أما المحسن فالكغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه.
قال: فبكى ثم قال: ليت شعري مالنا عند الله فقال أبو حازم: اعرض عملك على كتاب الله قال: في أي مكان؟
قال في قوله ﴿ إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ﴾ قال جعفر الصادق: النعيم المعرفة والمشاهدة، والجحيم ظلمات الشهوات.
وقال آخرون: النعيم القناعة والتوكل، والجحيم الطمع والحرص، وقال العارفون: النعيم الاشتغال بالله والجحيم الاشتغال بما سواه.
وقوله ﴿ وما هم عنها بغائبين ﴾ كقوله وما هم بخارجين منها أو أراد ما كانوا يغيبون عنها قبل ذلك أي في قبورهم فيكون قد بين حال البرزخ كما شرح حال المبدأ والمنتهى.
ثم نبه بقوله ﴿ وما أدراك ﴾ مرتين أن يوم الدين مما لا يكتنه كنه شدته، والخطاب للنبي لأنه لم يعرفه إلا بالوحي.
وقيل: للكافر.
ثم وصفه مجملاً بقوله ﴿ يوم لا تملك ﴾ إلى آخره أي لا ملك ولا تصرف في ذلك بظاهر وحقيقة الإله
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾ : قد ذكرنا أن البر هو الذي ما طلب منه، والذي طلب منه ما ذكر في قوله: ﴿ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ...
﴾ إلى قوله: ﴿ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ ، وفي هذه الآية دلالة على ما ذكرنا أن البر إذا ذكر دون التقوى، اقتضى المعنى الذي يراد بالتقوى؛ لأنه أخبر أن البر هو الإيمان بالله - - واليوم الآخر، ثم ذكر أن الذي جمع بين هذه الأشياء، فهو المتقي.
ثم احتجت المعتزلة لقولهم بالتخليد في النار لمن ارتكب الكبيرة بقوله : ﴿ وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ ﴾ ؛ لأن مرتكب الكبيرة فاجر، وقد وصف الله - -: أن الفجار لفي جحيم، ولا يغيب عنها، وزعموا أنه [ما] لم يأت بالشرائط التي ذكر في قوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ فهو غير داخل في قوله: ﴿ إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴾ .
والأصل عندنا ما ذكرنا: أن كل وعيد مذكور مقابل الوعد فهو في أهل التكذيب؛ لما ذكر من التكذيب عند التفسير بقوله: ﴿ كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ، وقال: ﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾ \[المؤمنون: 104-105\]، وإذا كان كذلك، لم يجب قطع القول بالتخليد في [النار] لمن ارتكب الكبيرة، بل وجب القول بالوقف فيهم.
ثم [إن] الله - -: جعل لأهل النار يوم البعث أعلاما ثلاثة، بها يعرفون، وتبين أنهم من أهل النار، لم يجعل شيئا من تلك الأعلام في أهل السعادة: أحدها: اسوداد الوجوه بقوله: ﴿ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ .
والثاني: بما يدفع إليهم كتابهم بشمائلهم، ومن وراء ظهورهم، ويدفع إلى أهل الجنة كتبهم بأيمانهم.
والثالث: في أن تخف موازينهم، وتثقل موازين أهل الحق.
فهذا أعلام أهل الشقاء، وفيما ذكر اسوداد الوجوه قرن به التكذيب بقوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ ، وفما ذكر دفع الكتاب بالشمال ومن وراء الظهور، قال فيه: ﴿ فَاسْلُكُوهُ ﴾ ، وقال: ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ ﴾ إلى قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ بَلَىٰ...
﴾ وقال - - عندما ذكر خفة الميزان: ﴿ أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾ \[المؤمنون: 105\]، ولم يذكر عند ذكر شيء من هذه الأعلام غير المكذبين، فثبت أن الوعيد في المكذبين لا في غيرهم؛ لذلك لم يسع لنا أن نشرك أهل الكبائر مع أهل التكذيب في استيجاب العقاب، وقطع القول بالتخليد، بل وجب الوقف في حالهم والإرجاء في أمرهم.
والثاني: ذكر في مواضع الإيمان بالله - - أدنى مراتب أهل الإيمان، ووعد عليه الجنة، فقال: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ...
﴾ الآية [النساء: 152]، فذكر في هذه الآيات التي تلوناها أدنى منازل أهل الإيمان، وذكر في موضع آخر أعلى مراتب أهل الإيمان، ووعد عليها الجنة بقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ...
﴾ الآية [العصر: 3]، وقال: ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ...
﴾ الآية [البقرة: 177]؛ فجائز أن يكون ذكر الجميع على المبالغة لا على جعله شرطا؛ فيجب القول باستيجاب الوعد بأدنى مراتبه، على ما ذكر في الآيات الأخر.
وجائز أن يكون الجميع فيما ذكر فيه الإيمان بالله ورسله مضمرا، ويكون ذكَر طرفاً منه على الإيجاز؛ ألا ترى أنه ذكر الكفر في بعض المواضع، وأوعد عليه النار، وذكر في بعض المواضع الكفر مع أسباب أخر، وأوعد عليه النار بعد ذلك بقوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ...
﴾ الآية [البقرة: 61]، وقال في موضع آخر: ﴿ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ...
﴾ الآية [المدثر: 43-44]، ثم لم يصر جميع ما ذكر من السيئات مع الكفر شرطا، بل وجب القول بالتخليد لمن اقتصر على الكفر خاصة؛ فثبث أن ليس في ذكر المبالغة دلالة جعل المبالغة شرطا، بل جائز أن يستوجب الوعيد بدونه؛ فلذلك لم يقطع القول في أصحاب الكبائر بالتخليد في النار، ولا بأ،هم مستوجبون للوعد؛ بل قيل فيهم بالإرجاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ ٱلدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ ﴾ ، قال بعضهم: تأويله منصرف إلى أهل النار وأهل الجنة؛ فأهل الجنة لا يغيبون عن الجنة، ولا أهل النار عن النار.
وقال بعضهم: أريد بها أهل النار خاصة: أنهم لا يغيبون عنها.
وأنكر بعض الناس الخلود لأهل النار في النار، ولأهل الجنة في الجنة، وقالوا: لو لم يكن لنعيم الجنة انقضاء، ولا لعذاب الآخرة انتهاء، لكان يرتفع عن الله - - الوصف بأنه أول وآخر؛ لأ،هما يبقيان أبدا؛ فلا يكون هو آخر، وقد قال: ﴿ هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ ﴾ ؛ فلا بد من أن يكون لهما انتهاء حتى يستقيم الوصف بأنه آخر.
ولأنهما لو لم يوصفا الانتهاء لكان علم الله - - غير محيط بنهايتهما، فتكون النهاية جاوزة لعلمه، والله - وتعالى - محيط بالأشياء وعالم بمبادئها ومناهيها؛ فلا بد من القول بفنائهما حتى يكون علمه محطيا بهما.
ولأنهم إنما استوجبوا الجزاء بأعمالهم، وأهل النار استوجبوا العقاب بسيئاتهم، فإذا كانت لسيئاتهم نهاية، ولخيرات أولئك نهاية، فكذلك يجب أن يكون للجزاء نهاية أيضا.
والأصل عندنا: أن كل من اعتقد مذهبا فهو يعتقد التدين به أبدا ما بقي، ولا يتركه.
ثم العقاب جعل جزاء للكفر، والثواب جعل جزاء للاتقاء عن المهالك بقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ ، وقال: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ، فإذا ثبت أن كل واحد منهما جزاء للمذهب، وكان الاعتقاد للأبد؛ فكذللك جزاؤه يقع للأبد والدوام، لا للزوال والانتقطاع.
والثاني: أن العلم بزوال النعيم مما ينغص النعمة على أربابها، ويمرر عليهم لذاتها، ويكدر عليه ما صفا منها، فإذا كان كذلك لم يتم لهم النعيم، وأهل النار إذا تذكروا الخلاص من العذاب تلذذوا بها، وهان عليهم العذاب؛ فوجب القول بالخلود؛ ليتم النعيم على أهله والعذاب على أهله.
والجواب عن قوله: إنه يرتفع عنه الوصف؛ لأنه أخبر: أن الله - - استوجب الوصف بأنه أول وآخر بذاته لا بغيره، وغيره يصير أولاً وآخراً بغيره، ثم ما من شيء إلا وله أول وآخر، ثم لا يوجب ذلك إسقاط الأولية والآخرية عنه.
وقوله بأن الله - عز وجل - لا يوصف بالإحاطة بالأشياء لو وجب القول بالخلود فنقول بأن العلم بما لا نهاية له هو أن يعلمه غير متناهٍ، والعلم بالتناهي بما لا نهاية له يوجب الجهل لا العلم.
والجواب عن الفصل الثالث: ما ذكرنا أنه يعتقد المذهب للأبد، فكذلك الجزاء بتأبد، ولا ينقطع.
وقوله - عزو جل -: ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ * ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ ﴾ ، قال بعضهم: إنك لم تكن تدري، فدراك الله .
وقال بعضهم: هذا على التعظيم لذلك اليوم، والتهويل عنه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً ﴾ ، وذلك اليوم يوم تُجرى فيه الشفاعات، فيشفع الأنبياء لكثير من الخلق فَيُشْفَع لهم، وإذا كان كذلك فقد ملكت نفس لنفس شيئا، ولكن تأويله يخرج على أوجه ثلاثة: أحدها: أن الكفرة كانوا يتوادون فيما بينهم؛ فيتناصر بعضهم بعضا في النوائب، فقال: ﴿ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً ﴾ ؛ قال الله - -: ﴿ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ ﴾ .
أو لا تملك نفس لنفس شيئا إلا بعد أن يؤذن لها؛ كما قال - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً ﴾ ، وقد يُجرى التشفع في الدنيا لا بالاستئذان من أحد.
أو يكون معناه: أن كل نفس سيتبين لها في ذلك اليوم أنها لم تكن تملك شيئا إلا بالتمليك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ ، أي: لا ينازع فيه، وهو في كل وقت الله - - لكن الظلمة ينازعونه في هذه الدنيا.
أو ﴿ وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ ، أي: يتبين لكل أحد في ذلك اليوم بأن الأمر لله - عز وجل - في ذكل اليوم وقبل ذلك اليوم، والله المستعان، [ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم].
وليسوا عنها بغائبين أبدًا، بل هم خالدون فيها.
<div class="verse-tafsir" id="91.ZxrjX"
عود إلى التذكير باليوم الآخر، وبأن النفس تشهد ما عملته في الدنيا، لا يغيب عنها منه شيء في ذلك اليوم، فتتجلى لها أعمالها في حقيقتها: لا ترى خيرًا في صورة شر، ولا تتخيل شرًا في مثال خير كما يقع في الدنيا لأغلب النفوس، لأن الذي يحول بين الناس وبين فعل الخير إنما هو تفضيل ما ليس بخير عليه، ولا يفضل الشخص شيئًا على شيء إلا إذا ظنه خيرًا له.
فضد الخير يتمثل للشرار في صورة الخير فيفعلونه، والخير يظهر لنفوسهم على أنه غير خير فيتركونه.
ولكن عندما تتجلى الأفعال كما هي في ذلك اليوم، وينكشف الغطاء عن البصائر، يعرف أهل الخير أنهم وإن نجوا فهم مقصرون، فيأسفون على ما تركوا، ويستبشرون بثواب ما عملوا، وبعض أهل السوء على أيديهم من الندم، ويوقنون بسوء المنقلب، ويتمنون لو كانوا ترابًا.
ذكر اللَّه اليوم الآخر ببعض ما يحدث فيه من عظائم الأمور، كما من علينا بمثل هذا التذكير في السورة السابقة فقال ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ﴾ أي انشقت.
وجاء في سورة الفرقان ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ ﴾ ، وانشقاق السماء انصداع نظامها، فلا يبقى أمر ما فيها من الكواكب على ما نراه اليوم، فيخرب العالم بأسره، ولذلك عقب انشقاق السماء بما هو من لوازمه حيث قال ﴿ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ﴾ أي سقطت فبادت، فإذا كان ذلك اضطربت الأرض أيضًا، وزلزلت زلزالًا شديدًا، ووقع الخلل في جميع أجزائها، فتفجر البحار، وتزول الحواجز بينها، فيختلط عذبها بمالحها، بل تفيض على الأرض حتى يصير سطح الأرض ماء لحظات من الزمان، وذلك قوله في سورة التكوير ﴿ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ﴾ ، أي ملئت وفاض منها الماء على التأويل الأول.
وقد يصح إجراء ما هنا على التأويل الثاني، وذلك أنه بعد أن تفجر البحار ويفيض ماؤها تظهر النار وتأخذ مكان الماء بعد أن يتحول إلى بخار، كما أشير إليه في السورة السابقة، وإذا وقع ذلك انقلب باطن الأرض إلى ظاهرها، فلا ريب في أن تبعثر القبور -(أي يظهر ما كان قد خفى فيها من بقايا أجساد الموتى)-، وبعد ذلك يكون بعث الأموات وإحياؤهم في النشأة الآخرة، ثم تنشر الصحف وينكشف الغطاء، فتعلم كل نفس ما قدمت من أعمال الخير، وما أخرت منها بالكسل والإهمال والتسويف من يوم إلى آخر، حتى حلت الآجال، وقد يكون المعنى ما فعلت من خير أو شر وما تركت منهما.
جرت العادة بأن كرم السيد يخدع العبيد، فإذا أمر تهاونوا في الإجابة إلى أمره، وإذا نهي تغافلوا عن نهيه، وتمادوا في لزوم ما نهى عنه، والوقوع فيها حذر منه، ويروى عن علي كرم اللَّه وجهه أنه صاح بغلام له مرات فلم يلبه، فنظر فإذا هو بالباب، فقال له: مالك لم تجبني؟
فقال: لثقتي بحلمك، وأمني من عقوبتك، فاستحسن جوابه وأعتقه.
وقالوا: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه.
وعلى هذه العادة اتكأ بعض ضرب بينه وبين معنى الخطاب بحجاب، أي حجاب، حيث قال إن اللَّه جل شأنه قد ألهم المخاطب الجواب فلعبده أن يجيبه بقوله: غرني كرمك.
ولا يخفى أن هذا تلاعب بالتأويل وتضليل للناظر في كتاب اللَّه أي تضليل: كيف يخطر ببال عاقل أن يقول ذلك في معنى أبلغ الكلام، وهو صادر في مقام التهويل والإرهاب، والتخويف من الحساب وشدة العقاب، وسد السبل وإغلاق الأبواب على أولئك الجاحدين الذين قرعوا بهذا الخطاب؟
.
ولكن أسمع ما يليق بالمقام الكريم، وصف الكريم، ليس خاصًا بمعنى الرحيم والواسع العطاء المحسن الغافر للذنب، بل قد جاء في القرآن وصفًا للرزق وللكتاب وللرسول وللعرش وللمقام وللمدخل وللقول وللأجر، ولا ريب أنه في كل مقام يفيد المعنى الذي يناسبه، والأصل في معنى الكرم الكمال في الوصف والبعد عن النقص، ولقد فسروا الكريم بالعظيم في قوله تعالى: ﴿ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾ في سورة المؤمنون، وهو بمقام الخطاب في سورتنا هذه، فكأنه يقول ما غرك بربك العلي العظيم الذي قد علاه في ذاته وصفاته عن كل ما يوهم نقصًا أو عيبًا.
فهل يمكن للرب العلي البالغ الغاية في الكمال أن يترك عبيده سدى، وأن يهمل فعالهم فلا يعاقب شريرًا ولا يثيب خيرًا، ولا يعد لهم ما يردعهم عن القبيح ولا ما يهزهم إلى الحسن؟
كلا، إن اللائق يعلوه وسموه وكرم مقامه العلي، أن يفيض نعمه على أهل الصالحات، ويصب نقمه على مجترحي السيئات تفضلًا منه على الأولين، وحكمه فائقة في التنكيل بالآخرين.
ولئن سلم أن معنى الكريم: الجواد الواسع العطاء فياض النعم، فلا يصح أن يدخل فيه معنى العفو والمغفرة، والخطاب خطاب تقريع، ولكن فيه إشارة إلى معنى رفيع يليق بكتاب اللَّه، ذلك أنه خاطب بــ ﴿ يَا أَيُّهَا الإنسان ﴾ ، ولم يقل أيها المخلوق أو العبد، وفي الإنسان معنى العاقل المتفكر، الذي أوتي من قوة العقل وبسطة القدرة في العمل ما لا حد له لا ينتهي إليه، حتى صار بذلك أفضل المخلوقات وأكملها، ونال بفضل ما أُوتيه قوة السلطان عليها، ولم يكن ذلك كله إلا منحة من ربه الكريم الذي أحسن كل شيء خلقه.
وهذا الكريم إنما يليق به أن يوفي كل مرتبة من الوجود حقها، فالإنسان الذي خص بهذه المنزلة من الكرم الإلهي لا ينبغي أن يعيش كما يعيش سائر الحيوان، ويموت كما يموت الوحش وصغار الذر، وإنما يتساوى مع بعضها في الحياة الأولى من حيث قصر المدة وسرعة الفناء، ولكن الذي يليق بعقله وقوة نفسه الناطقة أن تكون له حياة أبدية لا حد لها ولا فناء يأتي عليها.
ولا ريب في أنه إذا روعي في الكرم الإلهي أن لا يدع مستعدًا إلا منحه ما استعد له، ولا يحرم قابلًا مما أعد لأن يقبله، وهو الذي ينبغي أن يراعي فيه، فقد ارتفع الغرور، وأزيحت الخديعة، وحق اليقين بأنه لابد من حياة أخرى بعد هذه الحياة يوفى فيها كل ذي حق حقه، وكل عامل جزاء عمله، لأن ذلك من تمام معنى الكرم الذي ميز الإنسان على غيره من أنواع الحيوان، إنما تمام تمييزه بأن يجعل له حياة باقية تناسب ما وهبه من العقل والقدرة.
ويؤكد هذا المعنى -لو حمل الكريم عليه- تعقيبه وصف الكريم بقوله ﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ ﴾ أي أكمل لك قواك، ﴿ فَعَدَلَكَ ﴾ أي جعلك معتدلًا، متناسب الخلق، معتدل القامة لا كسر البهائم، وفي قراءة عدلك بالتخفيف، ومعناه صرفك عن خلقة غيرك، فخلقك خلقة حسنة مفارقة لسائر الخلق، ثم أجمل ذلك في قوله ﴿ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾ أي ركبك في صورة هي من أعجب الصور وأتقنها وأحكمها وأدلها على بقائك الأبدي في نشأة أخرى بعد هذة النشأة الأولى.
وكلمة "ما" هي التي يسمونها زائدة، ولكنها تدل على تفخيم ما اتصلت به، فزيادتها زيادة إعراب وإن لم تكن خالية عن المعنى.
ويرشد إلى أن المعنى هو ما قلنا، قوله بعد ذلك ﴿ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ﴾ إلخ.
كلا، أي لا شيء يغرك ويخدعك، بل إن سعة عطاء ربك وحكمته في كرمه تدلك وتوحي إلى نفسك أنك مبعوث في يوم آخر لثواب أو عقاب، وإنما الذي يقع منك أيها الإنسان هو العناد والتكذيب بالدين، أي الجزاء، أي الانصراف عمدًا وعنادًا عما يدعو إليه الشعور الأول، وعن الدليل الذي تقيمه الرسل والحجة التي يأتي بها الأنبياء، مع أن اللَّه لم يترك عملًا من أعمالك إلا حفظه وأحصاه عليك حتى يوفيك جزاءه.
ومن الغيب الذي يجب علينا الإيمان به ما أنبأنا به في كتابه من أن علينا حفَظةً يكتبون أعمالنا، حسنات وسيئات، ولكن ليس علينا أن نبحث عن حقيقة هؤلاء، ومن أي شيء خلقوا، ما هو عملهم في حفظهم وكتابهم، هل عندهم أوراق وأقلام ومداد كالمعهود عندنا -وهو ما يبعد فهمه- أو هناك ألواح ترسم فيها الأعمال؟
وهل الحروف والصور التي ترسم هي على نحو ما نعهد، أو إنما هي أرواح تتجلى لها الأعمال فتبقى فيها بقاء المداد في القرطاس إلى أن يبعث اللَّه الناس؟
كل ذلك لا نكلف العلم به، وإنما نكلف الإيمان بصدق الخبر، وتفويض الأمر في معناه إلى اللَّه، والذي يجب علينا اعتقاده من جهة ما يدخل في عملنا هو أن أعمالنا تحفظ وتحصى، لا يضيع منها نقير ولا قطمير، و ﴿ كِرَامًا كَاتِبِينَ ﴾ أي مطهرين عن الغرض والنسيان.
ثم بعد أن ذكر ما يدل على أن الغفلة عن اليوم الآخر لا موجب لها إلا التكذيب والعناد، أخذ يؤكد الأمر ويخبر به على القطع الذي لا يدخله الريب، فقال ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾ يريد أنه لا شيء في جانب العلي الأعلى يسوغ لأحد من البشر أن يغتر به وأن ينخدع فيه، بل لا بد من يوم يكون فيه الثواب والعقاب، ولابد أن يكون أهل الثواب في دار النعيم، وأهل النقمة وموضع الغضب الإلهي يكونون في الجحيم، وهي دار العذاب.
والأولون هم الأبرار.
و(الأبرار): جمع بر بفتح الباء، وهو الموصوف بالبر بكسرها، قال بعضهم البر بالكسر الصدق، وقال آخر هو التقوى، وهو إجمال قد بينه الكتاب العزيز والسنة النبوية.
ولا يكون الصدق ولا التقوى برًا حتى يكون فيه حسن المعاملة، وإفراغ الوسع في إيصال الخير إلى الناس، فإذا خلا الوصف من ذلك لم يكن برًا، ولم يكن صاحبه داخلًا في هذا الوعد الكريم.
قال اللّه تعالى: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ فجعل البر منحصرًا في الإيمان بما يجب الإيمان به، ثم في بذل المال في وجوهه، وفي الصلاة، ثم عاد إلى بذل المال بذكر الزكاة، وبعد هذا ذكر الوفاء بالعهد -وهو ملاك لكثير من الفضائل- وأتبعه بالصبر على المرض والفقر، وكل ما يحوج في عيش أو يؤذي في نفس أو بدن، والصبر في حالة الحرب للدفاع عن الحق.
ثم قال ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴾ ليشير إلى أن الصدق الذي يؤخذ في معنى البر لا يكون برًا ولا صدقًا إلا إذا جمع هذه الأوصاف والفعال المتقدمة، وكذلك قوله: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ يفيد أن التقوى هي ما جمع ذلك.
وقال في سورة آل عمران: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ فلا يعد الشخص برًا ولا بارًا حتى يكون للناس من كسبه ومن نفسه نصيب، فلا يغترن أولئك الكسالى الخاملون الذين يظنون أنهم يدركون مقام الأبرار بركعات من الخشية خاليات، وبتسبيحات وتكبيرات وتحميدات ملفوظات غير معقولات، وصيحات غير لائقات بأهل المروءات من المؤمنين والمؤمنات، ثم بصوم أيام معدودات لا يجتنب فيها إيذاء كثير من المخلوقات، مع عدم مبالاة الواحد منهم بشأن الذين، قام أم سقط، أرتفع أو انحط، ومع حرصه وطمعه وتطلعه لما في أيدي الناس، واعتقاده الاستحقاق لما عندهم لا لشيء سوى أنهم عاملون في كسب المال وهو غير عامل، وهم يجرون على سنة الحق وهو متمسك بسنة الباطل، وهم متجملون بحيلة العمل وهو منها عاطل فهؤلاء ليسوا من الأبرار، بل يجدر بهم أن يكونون من الفجار، و(الفجار) جمع فاجر، والفاجر: من يفجر أمر اللَّه، أي يميل عنه ويتركه، والفجور كالفسق في أنه خروج عن الحد الذي وضعه اللَّه في شرعه.
وأوامر اللَّه قد عرفت في البر، فمن لم يستجمعها فقد فجر.
(يصلونها) أي يقاسون حر الجيحم.
(يوم الدين) أي يوم الجزاء، ثم أكد أن هذا العذاب حتم وأنه لا نجاة لهم منه بقوله: ﴿ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ﴾ ، أي انهم ملازمون لتلك الدار، دار العذاب والعار.
وبعد أن أكد خبر اليوم الآخر أشد التأكيد، وبيّن ما يلقاه فيه المغرورون على التأبيد، عاد يفخم أمر ذلك اليوم ويعظم شأنه فقال: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴾ ، أي من الذي أعلمك أيها الإنسان كنه ذلك اليوم؟
أي عجيب منك ثم عجيب أن تتهاون بنبئه كأنك قد أدركت كنهه، ووزنته فعرفت وجه الخلاص مما يلقاك فيه!
كلا إنك لم تدرك من كنهه شيئًا، وكل ما تصورت فيه من الهول فحقيقته فوق كل ما تصورت، فإنه ذلك اليوم الذي لا محاباة فيه ولا مواساة، ولا يجد المرء ما يعول عليه سوى ما قدمت يداه، يجفوه الأولياء، ويخذله الشفعاء، ويتبرأ منه الأقوياء.
﴿ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا ﴾ فلا تحمل عنها ذنبًا، ولا تدفع عنها عتبًا.
﴿ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ وحده، فلا شفيع ولا نصبر، ولا وزير ولا مشير.
وهو الذي وعد وأوعد على لسان رسله، وهو أصدق قائل في قوله، وأعدل فاعل في فعله، فلا مهرب لعامل من جزاء عمله حيث قد استأثر اللَّه بالأمر كله.
نسأل اللَّه المعونة في دنيانا لننال الأمن من عقابه في أُخرانا.