الآية ١٠٦ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١٠٦ من سورة التوبة

وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ١٠٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 82 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٦ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٦ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة ، والضحاك وغير واحد : هم الثلاثة الذين خلفوا ، أي : عن التوبة ، وهم : مرارة بن الربيع ، وكعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، قعدوا عن غزوة تبوك في جملة من قعد ، كسلا وميلا إلى الدعة والحفظ وطيب الثمار والظلال ، لا شكا ونفاقا ، فكانت منهم طائفة ربطوا أنفسهم بالسواري ، كما فعل أبو لبابة وأصحابه ، وطائفة لم يفعلوا ذلك وهم هؤلاء الثلاثة المذكورون ، فنزلت توبة أولئك قبل هؤلاء ، وأرجى هؤلاء عن التوبة حتى نزلت الآية الآتية ، وهي قوله : ( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ) الآية [ التوبة : 117 ] ، ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت [ وضاقت عليهم أنفسهم ] ) الآية [ التوبة : 118 ] ، كما سيأتي بيانه في حديث كعب بن مالك .

وقوله : ( إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ) أي : هم تحت عفو الله ، إن شاء فعل بهم هذا ، وإن شاء فعل بهم ذاك ، ولكن رحمته تغلب غضبه ، وهو ( عليم حكيم ) أي : عليم بمن يستحق العقوبة ممن يستحق العفو ، حكيم في أفعاله وأقواله ، لا إله إلا هو ، ولا رب سواه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (106) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن هؤلاء المتخلفين عنكم حين شخصتم لعدوّكم، أيها المؤمنون، آخرون.

* * * ورفع قوله: "آخرون "، عطفًا على قوله: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا .

* * * =(وآخرون مرجون)، يعني: مُرْجئون لأمر الله وَقضائه.

* * * يقال منه: " أرجأته أرجئه إرجاء وهو مرجَأ "، بالهمز وترك الهمز, وهما لغتان معناهما واحد.

وقد قرأت القرأة بهما جميعا.

(59) * * * وقيل: عُني بهؤلاء الآخرين، نفرٌ ممن كان تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك, فندموا على ما فعلوا، ولم يعتذروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مقدمه, ولم يوثقوا أنفسهم بالسواري, فأرجأ الله أمرهم إلى أن صحَّت توبتهم, فتاب عليهم وعفا عنهم.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 17174- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح, حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قال: وكان ثلاثة منهم = يعني: من المتخلفين عن غزوه تبوك = لم يوثقوا أنفسهم بالسواري، أرجئوا سَبْتَةً، (60) لا يدرون أيعذبون أو يتاب عليهم، فأنـزل الله: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ ، إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ، [سورة التوبة: 117، 118].

17175- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال: لما نـزلت هذه الآية = يعني قوله: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا = أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أموالهم = يعني من أموال أبي لبابة وصاحبيه = فتصدَّق بها عنهم, وبقي الثلاثة الذين خالفوا أبا لبابة, ولم يوثقوا, ولم يذكروا بشيء, ولم ينـزل عذرهم, وضاقت عليهم الأرض بما رحُبت.

وهم الذين قال الله: (وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم).

فجعل الناس يقولون: هلكوا!

إذ لم ينـزل لهم عذر، وجعل آخرون يقولون: عسى الله أن يغفرَ لهم !

فصاروا مرجئين لأمر الله, حتى نـزلت: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ، الذين خرجوا معه إلى الشام = مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ، ثم قال: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ، يعني المرجئين لأمر الله، نـزلت عليهم التوبة، فعُمُّوا بها, فقال: حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ ، إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ .

17176- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سويد بن عمرو, عن حماد بن زيد, عن أيوب, عن عكرمة: (وآخرون مرجون لأمر الله)، قال: هم الثلاثة الذين خُلِّفُوا.

17177- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وآخرون مرجون لأمر الله)، قال: هلال بن أمية، ومرارة بن ربعيّ، وكعب بن مالك، من الأوس والخزرج.

17178- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وآخرون مرجون لأمر الله)، هلال بن أمية، ومرارة بن ربعيّ، وكعب بن مالك، من الأوس والخزرج.

(61) 17179-......

قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

17180- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, مثله.

17181-......

قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر, عن الضحاك, مثله.

17182- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (وآخرون مرجون لأمر الله)، هم الثلاثة الذين خلفوا عن التوبة = يريد: غير أبي لبابة وأصحابه = ولم ينـزل الله عذرهم, فضاقت عليهم الأرض بما رحبت.

وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين: فرقة تقول: " هلكوا "، حين لم ينـزل الله فيهم ما أنـزل في أبي لبابة وأصحابه.

وتقول فرقة أخرى: " عسى الله أن يعفو عنهم !"، وكانوا مرجئين لأمر الله.

ثم أنـزل الله رحمته ومغفرته فقال: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ الآية, وأنـزل: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ، الآية.

17183- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وآخرون مرجون لأمر الله)، قال: كنا نُحدَّث أنهم الثلاثة الذين خُلّفوا: كعب بن مالك, وهلال بن أمية, ومرارة بن ربيعة, رهط من الأنصار.

(62) 17184- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (وآخرون مرجون لأمر الله)، قال: هم الثلاثة الذين خُلّفوا.

17185- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم)، وهم الثلاثة الذين خلفوا, وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم، حتى أتتهم توبتهم من الله.

(63) * * * وأما قوله: (إما يعذبهم)، فإنه يعني: إما أن يحجزهم الله عن التوبة بخذلانه، فيعذبهم بذنوبهم التي ماتوا عليها في الآخرة =(وإما يتوب عليهم)، يقول: وإما يوفقهم للتوبة فيتوبوا من ذنوبهم, فيغفر لهم =(والله عليم حكيم)، يقول: والله ذو علم بأمرهم وما هم صائرون إليه من التوبة والمقام على الذنب =(حكيم)، في تدبيرهم وتدبير من سواهم من خلقه, لا يدخل حكمه خَلَلٌ.

(64) ------------------------ الهوامش: (59) انظر تفسير " الإرجاء " فيما سلف 13 : 20 ، 21 .

(60) قوله : " سبتة " ، أي برهة من الدهر .

(61) الأثر : 17177 - " مرارة بن ربعي " ، هكذا جاء في المخطوطة في هذا الخبر ، وفي الذي يليه .

وصححه في المطبوعة : " مرارة بن الربيع " ثم جاء في رقم : 17183 في المخطوطة : " مرارة بن ربيعة " ، وكلاهما غير المشهور المعروف في كتب تراجم الصحابة ، والكتب الصحاح ، فهو فيها جميعا " مرارة بن الربيع الأنصاري " ، من بني عمرو بن عوف .

وأما " مرارة بن ربعي بن عدي بن يزيد بن جشم " ، فلم يذكره غير ابن الكلبي ، وقال : " كان أحد البكائين " .

فأثبت ما في مخطوطة الطبري ، لاتفاق الاسم بذلك في مواضع ، وأخشى أن يكون في اسمه خلاف لم يقع إلي خبره .

وانظر ما سيأتي برقم : 17436 .

ثم انظر رقم : 17433 ، وما بعده ، وفيها " ابن ربيعة " و " ابن الربيع " .

(62) الأثر : 17183 - " مرارة بن ربيعة " ، المعروف " مرارة بن الربيع " ، ولكن هكذا جاء في المخطوطة ، وصححه الناشر في المطبوعة .

وانظر رقم : 17177 .

(63) الأثر : 17185 - سيرة ابن هشام 4 : 198 ، 199 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 17135 .

(64) انظر تفسير " عليم " و " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( علم ) و ( حكم ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيمنزلت في الثلاثة الذين تيب عليهم : كعب بن مالك وهلال بن أمية من بني واقف ومرارة بن الربيع ; وقيل : ابن ربعي العمري ; ذكره المهدوي .

كانوا قد تخلفوا عن تبوك وكانوا مياسر ; على ما يأتي من ذكرهم .والتقدير : ومنهم آخرون مرجون ; من أرجأته أي أخرته .

ومنه قيل : مرجئة ; لأنهم أخروا العمل .

وقرأ حمزة والكسائي ( مرجون ) بغير همز ; فقيل : هو من أرجيته أي أخرته .

وقال المبرد : لا يقال أرجيته بمعنى أخرته ، ولكن يكون من الرجاء .إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ( إما ) في العربية لأحد أمرين ، والله عز وجل عالم بمصير الأشياء ، ولكن المخاطبة للعباد على ما يعرفون ; أي ليكن أمرهم عندكم على الرجاء لأنه ليس للعباد أكثر من هذا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي‏:‏ ‏{‏وَآخَرُونَ‏}‏ من المخلفين مؤخرون ‏{‏لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ‏}‏ ففي هذا التخويف الشديد للمتخلفين، والحث لهم على التوبة والندم‏.‏ ‏{‏وَاللَّهُ عَلِيمٌ‏}‏ بأحوال العباد ونياتهم ‏{‏حَكِيمٌ‏}‏ يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها، فإن اقتضت حكمته أن يغفر لهم ويتوب عليهم غفر لهم وتاب عليهم، وإن اقتضت حكمته أن يخذلهم ولا يوفقهم للتوبة، فعل ذلك‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم ) قرأ أهل المدينة والكوفة غير أبي بكر : " مرجون " بغير همز ، والآخرون : بالهمز ، والإرجاء : التأخير ، مرجون : مؤخرون .

لأمر الله : لحكم الله عز وجل فيهم ، وهم الثلاثة الذين تأتي قصتهم من بعد : كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، ومرارة بن الربيع ، لم يبالغوا في التوبة والاعتذار كما فعل أبو لبابة ، فوقفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين ليلة ونهى الناس عن مكالمتهم ومخالطتهم ، حتى شقهم القلق وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، وكانوا من أهل بدر فجعل أناس يقولون : هلكوا ، وآخرون يقولون : عسى الله أن يغفر لهم ، فصاروا مرجئين لأمر الله لا يدرون أيعذبهم أم يرحمهم ، حتى نزلت توبتهم بعد خمسين ليلة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وآخرون» من المتخلفين «مُرْجَؤُن» بالهمز وتركه: مؤخرون عن التوبة «لأمر الله» فيهم بما يشاء «إما يعذبهم» بأن يميتهم بلا توبة «وإما يتوب عليهم والله عليم» بخلقه «حكيم» في صنعه بهم، وهم الثلاثة الآتون بعد: مرارة بن الربيع وكعب بن مالك وهلال بن أمية، تخلفوا كسلا وميلا إلى الدعة، لا نفاقا ولم يعتذروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كغيرهم فوقف أمرهم خمسين ليلة وهجرهم الناس حتى نزلت توبتهم بعد.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومن هؤلاء المتخلفين عنكم -أيها المؤمنون- في غزوة (تبوك) آخرون مؤخرون؛ ليقضي الله فيهم ما هو قاض.

وهؤلاء هم الذين ندموا على ما فعلوا، وهم: مُرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، وهلال بن أُميَّة، إما يعذبهم الله، وإما يعفو عنهم.

والله عليم بمن يستحق العقوبة أو العفو، حكيم في كل أقواله وأفعاله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - حال قسم آخر من أقسام المتخلفين عن غزوة تبوك ، فقال - تعالى - : ( وَآخَرُونَ لأَمْرِ الله إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ .

.

) .قال الجمل : قوله : ( وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ .

.

) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عمر وابو بكر عن عاصم " مرجأون " بهمزة مضمونة بعدها واو ساكنة .

وقرأ الباقون " مرجون " دون تلك الهمزة .

.

وهما لغتان ، يقال أرجأته وأرجيته .

.

"وهذه الآية الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك : ( وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ) .والمعنى : ومن المتخلفين عن الخروج معك إلى تبوك - يا محمد - قوم آخرون موقوف أمرهم إلى أن يحكم الله بحكمه العادل ، فهو - سبحانه - " إما يعذبهم " بأن يميتهم بلا توبة ( وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ) أى : يقبل توبتهم .وهذا الترديد الذى يدل عليه لفظ " إما " ، إنما هو بالنسبة للناس ، وإلا فالله - تعالى - عليم بما هو فاعله بهم .والحكمة من إيهام أمرهم ، إثارة الهم والخوف فى قلوبهم لتصح توبتهم؛ لأن التوبة عندما تجئ بعد ندم شديد ، وتأديب نفسى .

.

تكون مرجوة القبول منه - سبحانه - .وقوله ( والله عَلِيمٌ ) أى : والله - تعالى - عليم بأحوال خلقه وبما يصلحهم فى أمورهم ، حكيم فيما يشرعه لهم من أحكام .قال الآلوسى : والمراد بهؤلاء " المرجون لأمر الله .

.

.

" " كما جاء فى الصحيحين : هلال بن أمية ، وكعب بن مالك ، ومرارة بن الربيع ، كانوا قد تخلفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى غزوة تبوك ، وهموا باللحاق به فلم يتيسر لهم ذلك - فقعدوا فى المدينة كسلا وميلا إلى الدعة - ولم يكن تخلفهم عن نفاق ، فلما قدم النبى - صلى الله عليه وسلم - وكان ما كان من أمر المتخلفين - قالوا : لا عذر لنا إلا الخطئية ، ولم يعتذروا كما اعتذر غيرهم ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باجتنابهم .

.

إلى أن نزل قوله - تعالى - بعد ذلك : ( لَقَدْ تَابَ الله على النبي والمهاجرين والأنصار ) .

.

( وَعَلَى الثلاثة الذين خُلِّفُواْ ) فأمر - صلى الله عليه وسلم - بخالطتهم ، وكانت مدة وقفهم خمسين ليلة بقدر مدة التخلف ، إذ كانت مدة غيبته - صلى الله عليه وسلم - عن المدينة خميسن ليلة ، فلما تمتعوا بالراحة فى تلك المدة مع تعب إخوانهم فى السفر ، عوقبوا بهجرهم ووقفهم تلك المدة " .وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة قد ذكرت ثلاث طوائف من المتخلفين عن غزوة تبوك .أما الطائفة الأولى فهى التى مردت على النفاق ، وقد عبر عنها - سبحانه - بقوله : ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ الأعراب مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المدينة مَرَدُواْ عَلَى النفاق .

.

) وأما الطائفة الثانية فهى التى سارعت إلى الاعتذار والاتراف بالذنب ، فقبل الله توبتهم ، وقد عبر عنها - سبحانه - بقوله : ( وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ) .وأما الطائفة الثالثة فهى التى لم تجد عذرا تعتذر به ، فأوقف الله أمرهم إلى أن حكم بقبول توبتهم بعد خمسين ليلة ، وقد عبر عنها - سبحانه - بقوله : ( وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ .

.

) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة ونافع والكسائي وحفص عن عاصم مرجون بغير همز والباقون بالهمز وهما لغتان.

أرجأت الأمر وأرجيته بالهمز وتركه، إذا أخرته.

وسميت المرجئة بهذا الاسم لأنهم لا يجزمون القول بمغفرة التائب ولكن يؤخرونها إلى مشيئة الله تعالى.

وقال الأوزاعي: لأنهم يؤخرون العمل عن الإيمان.

المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى قسم المتخلفين عن الجهاد ثلاثة أقسام: القسم الأول: المنافقون الذين مردوا على النفاق.

القسم الثاني: التائبون وهم المرادون بقوله: ﴿ وَءاخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ وبين تعالى أنه قبل توبتهم.

والقسم الثالث: الذين بقوا موقوفين وهم المذكورون في هذه الآية، والفرق بين القسم الثاني وبين هذا الثالث، أو أولئك سارعوا إلى التوبة وهؤلاء لم يسارعوا إليها.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في كعب بن مالك ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، فقال كعب: أنا أفره أهل المدينة جملاً، فمتى شئت لحقت الرسول، فتأخر أياماً وأيس بعدها من اللحوق به فندم على صنيعه وكذلك صاحباه، فلما قدم رسول الله قيل لكعب اعتذر إليه من صنيعك، فقال: لا والله حتى تنزل توبتي، وأما صاحباه فاعتذرا إليه عليه السلام فقال: «ما خلفكم عني» فقالا: لا عذر لنا إلا الخطيئة فنزل قوله تعالى: ﴿ وَءاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله ﴾ فوقفهم الرسول بعد نزول هذه الآية ونهى الناس عن مجالستهم، وأمرهم باعتزال نسائهم وإرسالهن إلى أهاليهن، فجاءت امرأة هلال تسأل أن تأتيه بطعام فإنه شيخ كبير، فأذن لها في ذلك خاصة، وجاء رسول من الشأم إلى كعب يرغبه في اللحاق بهم، فقال كعب: بلغ من خطيئتي أن طمع في المشركون، قال: فضاقت عليَّ الأرض بما رحبت.

وبكى هلال بن أمية حتى خيف على بصره، فلما مضى خمسون يوماً نزلت توبتهم بقوله: ﴿ لَقَدْ تَابَ الله على النبى  ﴾ وبقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الثلاثة الذين خُلّفُواْ حتى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرض  ﴾ الآية.

وقال الحسن: يعني بقوله: ﴿ وَءاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله ﴾ قوماً من المنافقين أرجأهم رسول الله عن حضرته.

وقال الأصم: يعني المنافقين وهو مثل قوله: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مّنَ الأعراب منافقون ﴾ أرجأهم الله فلم يخبر عنهم ما علمه منهم وحذرهم بهذه الآية إن لم يتوبوا أن ينزل فيهم قرآناً.

فقال الله تعالى: ﴿ إِمَّا يُعَذّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول: إن كلمة إما وأما للشك، والله تعالى منزه عنه.

وجوابه المراد منه ليكن أمرهم على الخوف والرجاء، فجعل أناس يقولون هلكوا إذا لم ينزل الله تعالى لهم عذراً، وآخرون يقولون عسى الله أن يغفر لهم.

المسألة الثانية: لا شك أن القوم كانوا نادمين على تأخرهم عن الغزو وتخلفهم عن الرسول عليه اسلام، ثم إنه تعالى لم يحكم بكونهم تائبين بل قال: ﴿ إِمَّا يُعَذّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ وذلك يدل على أن الندم وحده لا يكون كافياً في صحة التوبة.

فإن قيل: فما تلك الشرائط؟

قلنا: لعلهم خافوا من أمر الرسول بإيذائهم أو خافوا من الخجلة والفضيحة، وعلى هذا التقدير فتوبتهم غير صحيحة ولا مقبولة، فاستمر عدم قبول التوبة إلى أن سهل أحوال الخلق في قدحهم ومدحهم عندهم، فعند ذلك ندموا على المعصية لنفس كونها معصية، وعند ذلك صحت توبتهم.

المسألة الثالثة: احتج الجبائي بهذه الآية على أنه تعالى لا يعفو عن غير التائب، وذلك لأنه قال في حق هؤلاء المذنبين ﴿ إِمَّا يُعَذّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ وذلك يدل على أنه لا حكم إلا أحد هذين الأمرين، وهو إما التعذيب وإما التوبة، وأما العفو عن الذنب من غير التوبة، فهو قسم ثالث.

فلما أهمل الله تعالى ذكره دل على أنه باطل وغير معتبر.

والجواب: أنا لا نقطع بحصول العفو عن جميع المذنبين، بل نقطع بحصول العفو في الجملة، وأما في حق كل واحد بعينه، فذلك مشكوك فيه.

ألا ترى أنه تعالى قال: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ فقطع بغفران ما سوى الشرك، لكن لا في حق كل أحد، بل في حق من يشاء.

فلم يلزم من عدم العفو في حق هؤلاء، عدم العفو على الإطلاق.

وأيضاً فعدم الذكر لا يدل على العدم، ألا ترى أنه تعالى قال: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ  ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ  ﴾ وهم المؤمنون ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ  تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ  أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ  ﴾ فهاهنا المذكورون، إما المؤمنون، وإما الكافرون، ثم إن عدم ذكر القسم الثالث، لم يدل عند الجبائي على نفيه، فكذا هاهنا.

وأما قوله تعالى: ﴿ والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ أي ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بما في قلوب هؤلاء المؤمنين ﴿ حَكِيمٌ ﴾ فيما يحكم فيهم ويقضي عليهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ مرجون ﴾ و ﴿ مرجؤن ﴾ من أرجيته، وأرجأته: إذا أخرته.

ومنه المرجئة، يعني: وآخرون من المتخلفين موقوف أمرهم ﴿ إِمَّا يُعَذّبُهُمْ ﴾ إن بقوا على الإصرار ولم يتوبوا ﴿ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ إن تابوا، وهم ثلاثة: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة ابن الربيع: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن لا يسلموا عليهم ولا يكلموهم، ولم يفعلوا كما فعل أبو لبابة وأصحابه من شدّ أنفسهم على السواري وإظهار الجزع والغمّ، فلما علموا أنّ أحداً لا ينظر إليهم فوّضوا أمرهم إلى الله تعالى، وأخلصوا نياتهم، ونصحت توبتهم، فرحمهم الله ﴿ والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ .

وفي قراءة عبد الله: غفور رحيم.

وإمّا للعباد: أي خافوا عليهم العذاب وارجوا لهم الرحمة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا ﴾ ما شِئْتُمْ.

﴿ فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ﴾ فَإنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا.

﴿ وَرَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ ﴾ فَإنَّهُ تَعالى لا يَخْفى عَنْهم كَما رَأيْتُمْ وتَبَيَّنَ لَكم.

﴿ وَسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ بِالمَوْتِ.

﴿ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ بِالمُجازاةِ عَلَيْهِ.

﴿ وَآخَرُونَ ﴾ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ.

﴿ مُرْجَوْنَ ﴾ مُؤَخَّرُونَ أيْ مَوْقُوفٌ أمْرُهم مِن أرْجَأْتَهُ إذا أخَّرْتَهُ.

وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ﴿ مُرْجَوْنَ ﴾ بِالواوِ وهُما لُغَتانِ.

﴿ لأمْرِ اللَّهِ ﴾ في شَأْنِهِمْ.

﴿ إمّا يُعَذِّبُهُمْ ﴾ إنْ أصَرُّوا عَلى النِّفاقِ.

﴿ وَإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ إنْ تابُوا والتَّرْدِيدُ لِلْعِبادِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كِلا الأمْرَيْنِ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى.

﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ بِأحْوالِهِمْ.

﴿ حَكِيمٌ ﴾ فِيما يَفْعَلُ بِهِمْ.

وقُرِئَ « واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ»، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ ومَرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، أمَرَ الرَّسُولُ  أصْحابَهُ أنْ لا يُسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ ولا يُكَلِّمُوهم، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ أخْلَصُوا نِيّاتِهِمْ وفَوَّضُوا أمْرَهم إلى اللَّهِ فَرَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وآخرون مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله} بغير همز مدني وكوفي غير أبي بكر مرجئون غيرهم من أرجيته وأرجأته إذا أخرته ومنه المرجئة أي وآخرون من المتخلفين موقوفون إلى أن يظهر أمر الله فيهم {إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ} إن أصروا ولم يتوبوا {وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} إن تابوا وهم ثلاثة كعب بن مالك وهلال بن أمية ومراره بن الربيع والضابط

التوبة (١٠٦ _ ١٠٨)

مكة تخلفوا عن غزوة تبوك وهم الذين ذكروا في قوله وَعَلَى الثلاثة الذين خُلّفُواْ {والله عَلِيمٌ} برجائهم {حَكِيمٌ} في إرجائهم وإما للشك وهو راجع إلى العباد أي خافوا عليهم العذاب وارجوا لهم الرحمة ورُوي أنه عليه السلام أمر أصحابه أن لا يسلموا عليهم ولا يكلموهم ولم يفعلوا كما فعل ذلك الفريق من شد أنفسهم على السواري وإظهار الجزع والغم فلما علموا أن أحداً لا ينظر إليهم فوضوا أمرهم إلى الله وأخلصوا نياتهم ونصحت توبتهم فرحمهم الله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وآخَرُونَ ﴾ عَطْفٌ عَلى آخَرُونَ قَبْلَهُ أيْ ومِنهم قَوْمٌ آخَرُونَ غَيْرُ المُعْتَرِفِينَ المَذْكُورِينَ ﴿ مُرْجَوْنَ ﴾ أيْ مُؤَخَّرُونَ ومَوْقُوفٌ أمْرُهم ﴿ لأمْرِ اللَّهِ ﴾ أيْ إلى أنْ يَظْهَرَ أمْرُ اللَّهِ تَعالى في شَأْنِهِمْ وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفَةِ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ (مُرْجَوْنَ) بِغَيْرِ هَمْزٍ والباقُونَ (مُرْجِئُونَ) بِالهَمْزِ وهُما لُغَتانِ يُقالُ: أرْجَئْتُهُ وأرْجَيْتُهُ كَأعْطَيْتُهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الياءُ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ كَقَوْلِهِمْ: قَرَأْتُ وقَرَيْتُ وتَوَضَّأْتُ وتَوَضَّيْتُ وهو في كَلامِهِمْ كَثِيرٌ، وعَلى كَوْنِهِ لُغَةً أصْلِيَّةً هو يائِيٌّ وقِيلَ: إنَّهُ واوِيٌّ ومِن هَذِهِ المادَّةِ المُرْجِئَةُ إحْدى فِرَقِ أهْلِ القِبْلَةِ، وقَدْ جاءَ فِيهِ الهَمْزُ وتَرْكُهُ وسُمُّوا بِذَلِكَ لِتَأْخِيرِهِمُ المَعْصِيَةَ عَنِ الِاعْتِبارِ في اسْتِحْقاقِ العَذابِ حَيْثُ قالُوا: لا عَذابَ مَعَ الإيمانِ فَلَمْ يَبْقَ لِلْمَعْصِيَةِ عِنْدَهم أثَرٌ، وفي المَواقِفِ سُمُّوا مُرْجِئَةً لِأنَّهم يَرْجُونَ العَمَلَ عَنِ النِّيَّةِ أيْ يُؤَخِّرُونَهُ في الرُّتْبَةِ عَنْها وعَنِ الِاعْتِقادِ أوْ لِأنَّهم يُعْطُونَ الرَّجاءَ في قَوْلِهِمْ: لا يَضُرُّ مَعَ الإيمانِ مَعْصِيَةٌ انْتَهى وعَلى التَّفْسِيرَيْنِ الأوَّلَيْنِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بِالهَمْزِ وتَرْكِهِ وأمّا عَلى الثّالِثِ فَيَنْبَغِي أنْ يُقالَ مُرْجِئَةٌ بِفَتْحِ الرّاءِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ المُرْجَوْنَ كَما في الصَّحِيحَيْنِ هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ ومُرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وكِبارِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وكانُوا قَدْ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأمْرٍ ما مَعَ الهَمِّ بِاللَّحاقِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمْ يَتَيَسَّرْ لَهم ولَمْ يَكُنْ تَخَلُّفُهم عَنْ نِفاقٍ وحاشاهم فَقَدْ كانُوا مِنَ المُخْلِصِينَ فَلَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكانَ ما كانَ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ قالُوا: لا عُذْرَ لَنا إلّا الخَطِيئَةُ ولَمْ يَعْتَذِرُوا لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمْ يَفْعَلُوا كَما فَعَلَ أهْلُ السَّوارِي وأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِاجْتِنابِهِمْ وشَدَّدَ الأمْرَ عَلَيْهِمْ كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إلى أنْ نَزَلَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ ﴾ إلَخْ وقَدْ وقَفَ أمْرُهم خَمْسِينَ لَيْلَةً لا يَدْرُونَ ما اللَّهُ تَعالى فاعِلٌ بِهِمْ ﴿ إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مِنهم هَؤُلاءِ إمّا مُعَذَّبِينَ وإمّا مَتُوبًا عَلَيْهِمْ وقِيلَ: خَبَرُ (آخَرُونَ) عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ ومُرْجَوْنَ صِفَتُهُ، والأوَّلُ أظْهَرُ وإمّا لِلتَّنْوِيعِ عَلى مَعْنى أنَّ أمْرَهم دائِرٌ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، وقِيلَ: لِلتَّرْدِيدِ بِالنَّظَرِ لِلْفَسادِ، والمَعْنى لِيَكُنْ أمْرُهم عِنْدَكم بَيْنَ الرَّجاءِ والخَوْفِ والمَقْصُودُ تَفْوِيضُ ذَلِكَ إلى إرادَةِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ إذْ لا يَجِبُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ تَعْذِيبُ العاصِي ولا مَغْفِرَةُ التّائِبِ وإنَّما شَدَّدَ عَلَيْهِمْ مَعَ إخْلاصِهِمْ والجِهادُ فَرْضُ كِفايَةٍ لِما نُقِلَ عَنِ ابْنِ بَطّالٍ في الرَّوْضِ الأنِفِ وارْتَضاهُ أنَّ الجِهادَ كانَ عَلى الأنْصارِ خاصَّةً فَرْضَ عَيْنٍ لِأنَّهم بايَعُوا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ألا تَرى قَوْلَ راجِزِهِمْ في الخَنْدَقِ: نَحْنُ الَّذِينَ بايَعُوا مُحَمَّدًا عَلى الجِهادِ ما بَقِينا أبَدًا وهَؤُلاءِ مِن أجِلَّتِهِمْ فَكانَ تَخَلُّفُهم كَبِيرَةً ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في المُنافِقِينَ وحِينَئِذٍ لا يُرادُ بِالآخَرِينَ مَن ذَكَرْنا لِأنَّهم مَن عَلِمْتَ بَلْ يُرادُ بِهِ آخَرُونَ مُنافِقُونَ، وعَلى هَذا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ قَوْلُ مَن قالَ في ﴿ إمّا يُعَذِّبُهُمْ ﴾ أيْ إنْ أصَرُّوا عَلى النِّفاقِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ ذَلِكَ خِلافُ ما في الصَّحِيحَيْنِ.

وحَمْلُ النِّفاقِ في كَلامِ القائِلِ عَلى ما يُشْبِهُهُ بَعِيدٌ ودَعْوى بِلا دَلِيلٍ ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ بِأحْوالِهِمْ ﴿حَكِيمٌ 106﴾ فِيما فُعِلَ بِهِمْ مِنَ الإرْجاءِ وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (غَفُورٌ رَحِيمٌ) <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَقُلِ اعْمَلُوا أي: اعملوا خيرا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ، يعني: ويراه رسوله، ويراه المؤمنون.

وقال ابن مسعود  «إن الناس قد أحسنوا القول كلهم، فمن وافق قوله فعله فذلك الذي أصاب حظه، ومن خالف قوله فعله فإنما يوبّخ نفسه» .

وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ، يعني: يوم القيامة، فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدنيا.

قوله تعالى: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ، يعني: موفقون لأمر الله.

وقال القتبي: مؤخرون على أمر الله، ويقال: متروكون لأمر الله تعالى لهم ويقال مؤخر أمرهم، ولم يبيّن شيء، فنزلت هذه الآية في الثلاثة الذين تخلفوا، وهم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع.

ثم بيَّن توبتهم في الآية التي بعد هذه وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا.

قرأ حمزة والكسائي ونافع مُرْجَوْنَ بغير همز، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالهمز، واختلف عن عاصم وابن عامر، وأصله من التأخير إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ بتخلفهم، وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ، يعني: يتجاوز عنهم.

وَاللَّهُ عَلِيمٌ بهم، حَكِيمٌ يحكم في أمرهم ما يشاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فهذا هو الذي تظاهَرَتْ به أقوال المتأوِّلين، وقالتْ جماعة من الفقهاء: المرادُ بهذهِ الآية الزكَاةُ المفروضَةُ، وقوله تعالى: تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها: أحسن ما يحتمل أنْ تكون هذه الأفعالُ مسندة إلى ضمير النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله سبحانه: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ: معناه: ادع لهم، فإِن في دعائك لهم سكوناً لأنفسهم وطمأنينة ووقاراً، فهي عبارةٌ عن صلاح المعتَقَد، والضميرُ في قولِهِ: أَلَمْ يَعْلَمُوا قال ابنُ زَيْدٍ: يُرادُ به الذين لم يتوبوا من المتخلِّفين «١» ، ويحتملُ أنْ يُرَادِ به الذين تابوا، وقوله: وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ قال الزَّجَّاج «٢» : معناه: ويقبل الصدقات «٣» ، وقد جاءَتْ أحاديثُ صحاحٌ في معنى الآية منها حديثُ أبي هريرة: «إِنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ تَكُونُ قَدْرَ اللُّقْمَةِ يَأْخُذُهَا اللَّهُ بِيَمِينِهِ، فَيُرَبِّيهَا لأَحَدِكُمْ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلْوَهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ» «٤» ، ونحو هذا من الأحاديث التي هي عبارةٌ عن القبول والتحفِّي بصدقة العبد.

وقوله: عَنْ عِبادِهِ: هي بمعنى «من» .

وقوله سبحانه: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ...

الآية: هذه الآية صيغتُها صيغةُ أمْرٍ مضمَّنها الوعيدُ.

وقال الطبري «١» : المراد بها الذين اعتذروا من المتخلِّفين وتابوا.

قال ع «٢» : والظاهر أن المراد بها الذين اعتَذَروا، ولم يتوبوا وهم المتوعَّدون، وهم الذين في ضمير أَلَمْ يَعْلَمُوا، ومعنى: فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ، أي: موجوداً معرَّضاً للجزاء عليه بخَيْرٍ أو بِشَرٍّ.

وقال ابنُ العرَبِيِّ «٣» في «أحكامه» : قوله سبحانه: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ هذه الآية نزلَتْ بعد ذكر المؤمنين، ومعناها: الأمر، أي: اعملوا بما يُرْضِي اللَّه سبحانه، وأمَّا الآية المتقدِّمة، وهي قوله تعالى: قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ [التوبة: ٩٤] فإنها نزلت بعد ذكْر المنافقين، ومعناها: التهديد وذلك لأن/ النفاق موضِعُ ترهيبٍ، والإيمانُ موضعُ ترغيبٍ، فقوبل أهْلُ كلِّ محلٍّ من الخطاب بما يليقُ بهم.

انتهى.

وقوله سبحانه: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ: عَطْفٌ على قوله أولاً: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا: ومعنى الإِرجاء: التأخير، والمراد بهذه الآية فيما قال ابنُ عباس وجماعةٌ: الثلاثةُ الذين خُلِّفوا، وهم كَعْبُ بْنُ مالكٍ، وصاحباه «٤» على ما سيأتي إن شاء اللَّه، وقيل: إِنما نَزلَتْ في غيرهم من المنافقين الذين كانوا مُعَرَّضين للتوبة مع بنائهم مَسْجِدَ الضِّرارِ، وعَلَى هذا: يكون الَّذِينَ اتَّخَذُوا بإسقاط واو العطف بدلاً من آخَرُونَ، أو خبر مبتدأ، تقديره: هم الذين، وقرأ عاصم «٥» وعوامُّ القُرَّاء، والنَّاسُ في كل قطر إلّا ب «المدينة» :

وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا، وقرأ أهلُ المدينة، نافع وغيرُهُ الَّذِينَ اتخذوا- بإسقاط الواو- على أنه مبتدأ، والخبر: لاَ يَزالُ بُنْيانُهُمُ وأما الجماعة المرادة ب الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً، فهم منافقو بني غنم بن عوف، وبني سالم بن عوف، وأسند الطبريُّ «١» ، عن ابن إِسحاق، عن الزُّهْرِيِّ وغيره، أنه قال: أقبل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من غزوة تَبُوكَ، حتى نَزَلَ بذي أَوَانَ- بلدٌ بينه وبين المدينةِ ساعةٌ من نهار- وكان أصحاب مسجد الضّرار، قد أتوه صلّى الله عليه وسلّم وهو يتجهَّز إِلى تبوكِ، فقالوا: يا رسُولَ اللَّهِ إنا قد بَنَيْنَا مسَجِداً لِذِي العِلَّة والحاجة واللَّيْلَة المَطِيرة، وإِنا نُحِبُّ أَن تأتينا فتصلِّي لنا فيه، فقال: «إِنِّي على جَنَاحِ سَفَرٍ، وَحَالِ شُغْلٍ، وَلَوْ قَدِمْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَتَيْنَاكُمْ، فَصَلَّيْنَا لَكُمْ فِيهِ» ، فَلَمَّا قَفَلَ، وَنَزَلَ بِذِي أوَان، نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ في شأن مسجد الضّرار، فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مَالِكَ بْنَ الدُّخْشُنِ وَمَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ، أو أخاهُ عاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ، فَقالَ: «انطلقا إِلَى هَذَا المَسْجِدِ الظَّالِمِ أَهْلُهُ، فاهدماه، وَحَرِّقَاهُ» فانطلقا مُسْرِعَيْنِ فَفَعَلاَ وَحَرَقَاهُ «٢» ، وذكَرَ النَّقَّاشُ أَنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم بعث لِهَدْمِهِ وتحريقه عَمَّار بن ياسر وَوَحْشِيًّا مَوْلَى المُطْعم بن عَدِيِّ، وكان بَانُوهُ اثني عَشَرَ رَجُلاً، منهم ثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ، ومُعْتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، ونَبْتَلُ بْنُ الحَارِثِ وغيرهم، وروي أنه لما بنى صلّى الله عليه وسلّم مَسْجداً في بني عمرو بن عوف وقْتَ الهِجْرَة، وهو مَسْجِدُ «قُبَاءٍ» وتشرَّفَ القومُ بذلك، حَسَدَهم حينئذٍ رجالٌ من بني عَمِّهم من بني غنم بن عوف، وبني سالم بن عَوْفٍ، وكان فيهم نفاقٌ، وكان موضعُ مَسْجِدِ «قُبَاءٍ» مربطاً لحمارِ امرأة من الأنصار، اسمها: لَيَّةُ، فكان المنافقُونَ يقولُونَ: واللَّه لا نَصْبِرُ على الصَّلاة في مَرْبَطِ حمارِ لَيَّةَ، ونحو هذا من الأقوال، وكان أبو عامرٍ المعروفُ بِالرَّاهِبِ منهم، وهو أبو حنظلة غسيلِ الملائكةِ، وكان سيِّداً من نظراء عبدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ، فلما جاء اللَّهُ بالإِسلام، نافق، ولم يَزَلْ مجاهراً بذلك، فسمَّاه رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم الفاسِق، ثم خرج في جماعة من المنافقينَ، فحزّب على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الأحزاب، فلما ردَّهم اللَّه بغَيْظهم، أقام أبو عامر ب «مكة» مظهراً لعداوته، فلما فتح اللَّه «مكة» ، هَرَبَ إِلى «الطائف» ، فلما أسلم أهْلُ الطائف، خرج هارباً إِلى الشام، يريد قيصر مستنصرا به على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكتب إلى المنافقين من قومه أَن ابنوا مسجداً، مقاومةً لمسجد «قُبَاء» ، وتحقيراً له، فإِني سآتي بِجَيْشٍ من الرومِ، أُخْرِجُ به محمَّداً، وأصحابه من «المدينة» ، فبَنُوهُ وقالوا: سيأتي أبو عامرٍ ويصلي فيه، فذلك قوله: وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني: أبا عامر، وَقَوْلَهُمْ: سيأتي أبو عامر، وقوله: ضِراراً أي: داعيةً للتضارر من/ جماعتين.

وقوله: تَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ: يريدُ: تفريقاً بين الجماعة التي كانَتْ تصلِّي في مسجد «قباء» ، فإن مَنْ جاور مَسْجدهم كانوا يَصْرِفُونه إليه، وذلك داعيةٌ إلى صرفه عن الإِيمان، وقيل: أراد بقوله: بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ جماعة مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وروي: أنَّ مسجد الضِّرار، لَمَّا هدم وأُحرِق، اتخذ مزبَلَةً ترمى فيه الأقذار والقِمَامَات، وروي: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما نزلَتْ: لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً كَانَ لا يمرُّ بالطريق التي هو فيها.

وقوله: لَمَسْجِدٌ: قيل: إن اللام لام قسمٍ، وقيل: هي لام ابتداء، كما تقول:

لَزَيدٌ أَحْسَنُ النَّاسِ فِعْلاً وهي مقتضية تأكيداً، وذهب ابن عباس وفرقةٌ من الصحابة والتَّابعين إلى أنَّ المراد ب «مسجد أسس على التقوى» : مسجد «قباء» «١» وروي عن ابن عمر وأبي سعيد وزيد بن ثابت أنه مسجد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «٢» ويليق القولُ الأول بالقصَّة إِلاَّ أن القولَ الثاني مرويّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولا نَظَرَ مع الحديثِ، قال ابنُ العَرَبي «٣» في «أحكامِه» : وقَدْ رَوَى ابْنُ وهْبٍ وأشهبُ، عن مالكٍ أن المراد ب «مسجد أُسس على التقوى» : مسجد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حيث قال اللَّه تباركَ وتعالَى: وَتَرَكُوكَ قائِماً [الجمعة: ١١] وكذلك روى عنه ابن القاسم، وقد روى الترمذيُّ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: تمارى رَجُلاَن في المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التقوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: هُوَ مَسْجِدُ «قُبَاء» ، وَقَالَ الآخَرُ: هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «هُوَ مَسْجِدِي هَذَا» .

قَالَ أبو عيسى: هذا حديثٌ صحيحٌ، وخرَّجه مسلم «٤» انتهى.

ومعنى: أَنْ تَقُومَ فِيهِ: أي: بصلاتك وعبادتك.

وقوله: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا اختلف في الضمير أيضاً، هل يعودُ على مسجدِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أو على مسجد «قُبَاءَ» ؟

روي أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنِّي رَأَيْتُ اللَّهُ أَثْنَى عَلَيْكُمْ بالطُّهُورِ، فَمَاذَا تَفْعَلُونَ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا رَأَيْنَا جِيرَانَنَا مِنَ اليَهُودِ يَتَطَهَّرُونَ بِالمَاءِ يُرِيدُونَ الاستنجاء، فَفَعَلْنَا نَحْنُ ذَلِكَ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلاَمُ، لَمْ نَدَعْهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «فَلاَ تَدَعُوهُ إِذَنْ» «١» .

والبنيانُ الذي أُسِّس على شفا جُرُفٍ: هو مسجدُ الضِّرار بإِجماع، و «الشّفا» :

الحاشية والشّفير، وهارٍ: معناه مُتهدِّمٌ بالٍ، وهو من: هَارَ يَهُورُ «٢» البخاريُّ: هَارَ هَائِرٌ تَهَوَّرَتِ البِئْرُ، إِذا تهدَّمت وانهارت مثله.

انتهى.

وتأسيسُ البناء علَى تقوى إِنما هو بحُسْن النية فيه وقَصْدِ وجه اللَّه تعالى، وإِظهارِ شرعه كما صنع في مسجد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وفي مسجدِ «قُبَاء» ، والتأسيسُ على شفا جُرُفٍ هَارٍ إِنما هو بفسَاد النيَّة وقصدِ الرياءِ، والتفريقِ بَيْنَ المؤمنين، فهذه تشبيهاتٌ صحيحةٌ بارعةٌ.

وقوله سبحانه: فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ: الظاهر منه أَنَّه خارجٌ مَخْرَجَ المَثَلِ، وقيل: بل ذلك حقيقة، وأن ذلك المَسْجِدَ بعينه انهار في نَارِ جَهَنَّم قاله قتادةُ وابْنُ جُرَيْج «٣» ، وروي عن جابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ وغيره أنه قال: رَأَيْتُ الدُّخَانَ يَخْرُجُ منه على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «٤» ، وروي في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ رَسُول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم رَآهُ حين انهار بَلَغَ الأَرض السابعة، فَفَزِعَ لذلك صلّى الله عليه وسلّم، وروي أنهم لم يُصلُّوا فيه أكْثَرَ من ثلاثةِ/ أيامٍ، وهذا كلُّه بإِسناد لَيِّنٍ، واللَّه أعلم، وأسند الطبريُّ عن خلفِ بْنِ ياسِين، أنه قَالَ: رَأَيْتُ مسْجِدَ المنافقينَ الذي ذَكَرَه اللَّه في القرآن، فَرَأَيْتُ فيه مكاناً يخرجُ منه الدُّخَان «٥» وذلك في زَمَن أبي جَعْفَرٍ المنصورِ، وروي شبيه بهذا أو نحوه عَن ابن جريج «٦» : أسنده الطبري.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ ﴾ وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "مَرْجُونَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ.

والآَيَةُ نَزَلَتْ في كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، ومَرارَةَ بْنِ الرَّبِيعِ، وهِلالِ بْنِ أُمِّيَّةَ، وكانُوا فِيمَن تَخَلَّفَ عَنْ تَبُوكَ مِن غَيْرِ عُذْرٍ، ثُمَّ لَمْ يُبالِغُوا في الِاعْتِذارِ كَما فَعَلَ أبُو لُبابَةَ وأصْحابُهُ، ولَمْ يُوثِقُوا أنْفُسَهم بِالسَّوارِي؛ فَوَقَّفَ رَسُولُ اللَّهِ  أمْرَهم، ونَهى النّاسَ عَنْ كَلامِهِمْ ومُخالَطَتِهِمْ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ وَعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا  ﴾ .

قالَ الزَّجّاجُ: "وَآَخَرُونَ" عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "وَمِن أهْلِ المَدِينَةِ"، فالمَعْنى: مِنهم مُنافِقُونَ، ومِنهم (آَخَرُونَ مُرْجَوْنَ) أيْ: مُؤَخَّرُونَ؛ "وَإمّا" لِوُقُوعِ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ، واللَّهُ تَعالى عالِمٌ بِما يَصِيرُ إلَيْهِ أمْرُهم، لَكِنَّهُ خاطَبَ العِبادَ بِما يَعْلَمُونَ، فالمَعْنى: لِيَكُنْ أمْرُهم عِنْدَكم عَلى الخَوْفِ والرَّجاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ أيْ: عَلِيمٌ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ حالُهم، حَكِيمٌ بِما يَفْعَلُهُ بِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللهِ إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللهَ ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلا الحُسْنى واللهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: وآخَرُونَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ أوَّلًا: وآخَرُونَ، وقَرَأ نافِعٌ، والأعْرَجُ، وابْنُ نَصاحٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ، وأهْلُ الحِجازِ: "مُرْجَوْنَ" مِن أرْجى يُرْجى دُونَ هَمْزٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وأهْلُ البَصْرَةِ: "مُرْجَؤُونَ" مِن أرْجَأ يُرْجِئُ بِالهَمْزِ، واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، وهُما لُغَتانِ، ومَعْناهُما التَأْخِيرُ، ومِنهُ المُرْجِئَةُ لِأنَّهم أخَّرُوا الأعْمالَ، أيْ أخَّرُوا حُكْمَها ومَرْتَبَتَها، وأنْكَرَ المُبَرِّدُ تَرْكَ الهَمْزِ في مَعْنى التَأْخِيرِ، ولَيْسَ كَما قالَ.

والمُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ -فِيما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ، وقَتادَةُ، وابْنُ إسْحاقَ - الثَلاثَةُ الَّذِينَ خَلِّفُوا، وهم هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ، ومَرارَةُ بْنُ الرَبِيعِ، وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ التَوْبَةِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في غَيْرِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا مُعَرَّضِينَ لِلتَّوْبَةِ مَعَ بِنائِهِمْ مَسْجِدِ الضِرارِ، وعَلى هَذا يَكُونُ ﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا ﴾ بِإسْقاطِ واوِ العَطْفِ بَدَلًا مِن ﴿ آخَرُونَ  ﴾ أو خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: هُمُ الَّذِينَ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- فِيها تَرَجٍّ لَهم واسْتِدْعاءٌ إلى الإيمانِ والتَوْبَةِ، وعَلِيمٌ مَعْناهُ: بِمَن يَهْدِي إلى الرُشْدِ، وحَكِيمٌ فِيما يُنَفِّذُهُ مِن تَنْعِيمِ مَن شاءَ وتَعْذِيبِ مَن شاءَ لا رَبَّ غَيْرُهُ ولا مَعْبُودَ سِواهُ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وعَوامُّ القُرّاءِ، والناسُ في كُلِّ قُطْرٍ إلّا بِالمَدِينَةِ: "والَّذِينَ اتَّخَذُوا"، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وغَيْرُهم "الَّذِينَ اتَّخَذُوا" بِإسْقاطِ الواوِ، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِهِمْ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ، وقالَ الزَهْراوِيُّ: هي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ، وهي في مَصاحِفِ أهْلِ الشامِ بِغَيْرِ واوٍ.

فَأمّا مَن قَرَأ بِالواوِ فَذَلِكَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "وَآخَرُونَ" أيْ: ومِنهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا، وأمّا مَن قَرَأ بِإسْقاطِها فَرَفَعَ الَّذِينَ بِالِابْتِداءِ.

واخْتُلِفَ في الخَبَرِ فَقِيلَ: الخَبَرُ: "لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا"، قالَهُ الكِسائِيُّ، ويَتَّجِهُ بِإضْمارٍ إمّا في أوَّلِ الآيَةِ وإمّا في آخِرِها بِتَقْدِيرِ: "لا تَقُمْ في مَسْجِدِهِمْ"، وقِيلَ: الخَبَرُ: "لا يَزالُ بُنْيانُهُمْ"، قالَهُ النَحّاسُ، وهَذا أفْصَحُ، وقَدْ ذَكَرْتُ كَوْنَ "الَّذِينَ" بَدَلًا مِن "آخَرُونَ"، آنِفًا، وقالَ المَهْدَوِيُّ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: "مُعَذَّبُونَ" أو نَحْوُهُ.

وأمّا الجَماعَةُ المُرادَةُ بِـ "الَّذِينَ اتَّخَذُوا" فَهم مُنافِقُو بَنِي غَنَمِ بْنِ عَوْفٍ، وبَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ عَنِ الزُهْرِيِّ وغَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: «أقْبَلَ رَسُولُ اللهِ  مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ حَتّى نَزَلَ بِذِي أوانٍ -بَلَدٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَدِينَةِ ساعَةٌ مِن نَهارٍ- وقَدْ كانَ أصْحابُ مَسْجِدِ الضِرارِ قَدْ كانُوا أتَوْهُ وهو يَتَجَهَّزُ إلى تَبُوكَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ إنّا قَدْ بَنَيْنا مَسْجِدًا لِذِي العِلَّةِ والحاجَةِ واللَيْلَةِ المَطِيرَةِ، وإنّا نُحِبُّ أنْ تَأْتِيَنا فَتُصَلِّيَ لَنا فِيهِ، فَقالَ: إنِّي عَلى جَناحِ سَفَرٍ وحالِ شُغْلٍ، ولَوْ قَدِمْنا إنْ شاءَ اللهُ أتَيْناكم فَصَلَّيْنا لَكم فِيهِ، فَلَمّا أقْبَلَ ونَزَلَ بِذِي أوانٍ نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ في شَأْنِ مَسْجِدِ الضِرارِ، فَدَعا رَسُولُ اللهِ  مالِكَ بْنَ الدُخْشُمِ، ومَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ أو أخاهُ عاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ فَقالَ: انْطَلِقا إلى هَذا المَسْجِدِ الظالِمِ أهْلُهُ فاهْدِماهُ وحَرِّقاهُ، فانْطَلَقا مُسْرِعَيْنِ فَفَعَلا، وحَرَّقاهُ بِنارٍ في سَعَفٍ.» وذَكَرَ النَقّاشُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  بَعَثَ لِهَدْمِهِ وتَحْرِيقِهِ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ، ووَحْشِيًّا مَوْلى المُطْعَمِ بْنِ عَدِيٍّ».

وكانَ بانُوهُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا: خُذامُ بْنُ خالِدٍ، ومِن دارِهِ أُخْرِجَ مَسْجِدُ الشِقاقِ، وثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ، ومُتْعَبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وأبُو حُبَيْبَةَ بْنُ الأزْعَرِ، وعَبّادُ بْنُ حَنِيفٍ أخُو سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ، وجارِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، وابْناهُ: مَجْمَعُ بْنُ جارِيَةَ وهو كانَ إمامَهُمْ، وحَلَفَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- في خِلافَتِهِ أنَّهُ لَمْ يَشْعُرْ بِأمْرِهِمْ، وزَيْدُ بْنُ جارِيَةَ، ونَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وبَحْزَجُ مِن بَنِي ضَبِيعَةَ، وبِجادُ بْنُ عُثْمانَ، ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ.

وبَحْزَجُ مِنهم هو الَّذِي حَلَفَ لِرَسُولِ اللهِ  : ما أرَدْتُ إلّا الحُسْنى والتَوْسِعَةَ عَلَيْنا وعَلى مَن عَجَزَ أو ضَعُفَ عَنِ المَسِيرِ إلى مَسْجِدِ قُباءٍ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "ما أرَدْنا إلّا الحُسْنى".

والآيَةُ تَقْتَضِي شَرْحَ شَيْءٍ مِن أمْرِ هَذِهِ المَساجِدِ، فَرُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ وقْتَ الهِجْرَةِ بَنى مَسْجِدًا في بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وهو مَسْجِدُ قُباءٍ،» وقِيلَ: وَجَدَهُ مَبْنِيًّا قَبْلَ وُرُودِهِ، وقِيلَ: وجَدَهُ مَوْضِعَ صَلاةٍ فَبَناهُ، وتَشَرَّفَ القَوْمُ بِذَلِكَ فَحَسَدَهم مِن حِينِئِذٍ رِجالٌ مِن بَنِي عَمِّهِمْ مِن بَنِي غَنَمِ بْنِ عَوْفٍ وبَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ، فَكانَ فِيهِمْ نِفاقٌ، وكانَ مَوْضِعُ مَسْجِدِ قُباءٍ مَرْبَطًا لِحِمارِ امْرَأةٍ مِنَ الأنْصارِ اسْمُها لِيَةُ، فَكانَ المُنافِقُونَ يَقُولُونَ: واللهِ لا نَصْبِرُ عَلى الصَلاةِ في مَرْبَطِ حِمارِ لِيَةَ ونَحْوُ هَذا مِنَ الأقْوالِ، وكانَ أبُو عامِرٍ عَبْدُ عَمْرٍو المَعْرُوفُ بِالراهِبِ مِنهُمْ، وكانَتْ أُمُّهُ مِنَ الرُومِ، فَكانَ يَتَعَبَّدُ في الجاهِلِيَّةِ فَسُمِّي الراهِبَ، وهو أبُو حَنْظَلَةَ غِسِّيلِ المَلائِكَةِ، وكانَ سَيِّدًا نَظِيرًا وقَرِيبًا مِن عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ، فَلَمّا جاءَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالإسْلامِ نافَقَ ولَمْ يَزَلْ مُجاهِرًا بِذَلِكَ فَسَمّاهُ رَسُولُ اللهِ  الفاسِقَ، ثُمَّ خَرَجَ في جَماعَةٍ مِنَ المُنافِقِينَ فَحِزَّبَ عَلى رَسُولِ اللهِ  الأحْزابَ، فَلَمّا رَدَّهُمُ اللهُ بِغَيْظِهِمْ أقامَ أبُو عامِرٍ بِمَكَّةَ مَظْهِرًا لِعَداوَتِهِ، فَلَمّا فَتَحَ اللهُ مَكَّةَ هَرَبَ إلى الطائِفِ.

فَلَمّا أسْلَمْ أهْلُ الطائِفِ خَرَجَ هارِبًا إلى الشامِ يُرِيدُ قَيْصَرَ مُسْتَنْصِرًا بِهِ عَلى رَسُولِ اللهِ  ، وكَتَبَ إلى قَوْمِهِ المُنافِقِينَ مِنهم أنِ ابْنُوا مَسْجِدًا مُقاوَمَةً لِمَسْجِدِ قُباءٍ وتَحْقِيرًا لَهُ، فَإنِّي سَآتِي بِجَيْشٍ مِنَ الرُومِ أُخْرِجُ بِهِ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ مِنَ المَدِينَةِ فَبَنَوْهُ وقالُوا: سَيَأْتِي أبُو عامِرٍ ويُصَلِّي فِيهِ ويَتَّخِذُهُ مُتَعَبَّدًا ويُسَرُّ بِهِ، ثُمَّ إنَّ أبا عامِرٍ هَلَكَ عِنْدَ قَيْصَرَ.

ونَزَلَ القُرْآنُ في أمْرِ مَسْجِدِ الضِرارِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللهَ ورَسُولَهُ ﴾ يَعْنِي أبا عامِرٍ وقَوْلُهُمْ: "سَيَأْتِي أبُو عامِرٍ "، وقَرَأ الأعْمَشُ: "لِلَّذِينِ حارَبُوا اللهَ" وقَوْلُهُ: ﴿ ضِرارًا ﴾ أيْ داعِيَةً لِلتَّضارِّ بَيْنَ جَماعَتَيْنِ، فَلِذَلِكَ قالَ: "ضِرارًا" وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ ما يَكُونُ مِنِ اثْنَيْنِ وإنْ كانَ المَصْدَرُ المُلازِمُ لِذَلِكَ مُفاعَلَةً كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، ونُصِبَ "ضِرارٌ" وما بَعْدَهُ عَلى المَصْدَرِ في مَوْضِعِ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ يُرِيدُ: بَيْنَ الجَماعَةِ الَّتِي كانَتْ تُصَلِّي في مَسْجِدِ قُباءٍ، فَإنَّ مَن جاوَزَ مَسْجِدَهم كانُوا يَصْرِفُونَهُ إلَيْهِ وذَلِكَ داعِيَةٌ إلى صَرْفِهِ عَنِ الإيمانِ.

وقِيلَ: أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ جَماعَةَ مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ  ، وهَذا بِحَسَبِ الخِلافِ في المَسْجِدِ المُؤَسَّسِ عَلى التَقْوى، وسَيَأْتِي ذَلِكَ، قالَ النَقّاشُ: يَلْزَمُ مِن هَذا ألّا يُصَلّى عَلَيْهِ في كَنِيسَةٍ ونَحْوِها لِأنَّها بُنِيَتْ عَلى شَرٍّ مِن هَذا كُلِّهِ، وقَدْ قِيلَ في هَذا: ﴿ لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَفَقُّهٌ غَيْرُ قَوِيٍّ.

والإرْصادُ: الإعْدادُ والتَهْيِئَةُ، والَّذِي حارَبَ اللهَ ورَسُولَهُ: هو أبُو عامِرٍ الفاسِقُ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ يُرِيدُ: في غَزْوَةِ الأحْزابِ وغَيْرِها، والحالِفُ المُرادُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَيَحْلِفُنَّ ﴾ هو بَحْزَجٌ ومَن حَلَفَ مِن أصْحابِهِ، وكُسِرَتِ الألِفُ مِن قَوْلِهِ: "إنَّهم لَكاذِبُونَ" لِأنَّ الشَهادَةَ في مَعْنى القَوْلِ.

وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن شَقِيقٍ أنَّهُ جاءَ لِيُصَلِّيَ في مَسْجِدٍ بُنِيَ غاضِرَةً فَوَجَدَ الصَلاةَ قَدْ فاتَتْهُ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ مَسْجِدَ بَنِي فُلانٍ لَمْ يُصَلَّ فِيهِ بَعْدُ، فَقالَ: لا أُحِبُّ أنْ أُصَلِّيَ فِيهِ فَإنَّهُ بُنِيَ عَلى ضِرارٍ، وكُلُّ مَسْجِدٍ بُنِيَ ضِرارًا ورِياءً وسُمْعَةً فَهو في حُكْمِ مَسْجِدِ الضِرارِ، ورُوِيَ أنَّ مَسْجِدَ الضِرارِ لَمّا هُدِمَ وأُحْرِقَ اتُّخِذَ مَزْبَلَةً تُرْمى فِيهِ الأقْذارُ والقِماماتُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا فريق آخر عطف خبره على خبر الفرق الآخرين.

والمراد بهؤلاء من بقي من المخلَّفين لم يتب الله عليه، وكان أمرهم موقوفاً إلى أن يقضي الله بما يشاء.

وهؤلاء نفر ثلاثة، هم: كعب بن مالك، وهِلال بن أمية، ومُرارة بن الربيع، وثلاثتهم قد تخلفوا عن غزوة تبوك.

ولم يكن تخلفهم نفاقاً ولا كراهية للجهاد ولكنهم شُغلوا عند خروج الجيش وهم يحسبون أنهم يلحقونه وانقضت الأيام وأيسوا من اللحاق.

وسأل عنهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو في تبوك.

فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم أتوه وصَدَقوه، فلم يكلمهم، ونهى المسلمين عن كلامهم ومخالطتهم، وأمرهم باعتزال نسائهم، فامتثلوا وبقُوا كذلك خمسين ليلة، فهم في تلك المدة مُرْجَون لأمر الله.

وفي تلك المدة نزلت هذه الآية ﴿ ثم تاب الله عليهم ﴾ [المائدة: 71].

وأنزل فيهم قوله: ﴿ وكونوا مع الصادقين ﴾ [التوبة: 117 119].

وعن كعب بن مالك في قصته هذه حديث طويل أغر في «صحيح البخاري».

على التوبة والتنبيه إلى فتح بابها.

وقد جوز المفسرون عود ضمير ﴿ ألم يعلموا ﴾ [التوبة: 104] إلى الفريقين اللذين أشرنا إليهما.

وقوله: ﴿ هو يقبل التوبة ﴾ [التوبة: 104] (هو) ضمير فصل مفيد لتأكيد الخبر.

و ﴿ عن عباده ﴾ [التوبة: 104] متعلقة ب ﴿ يقبل ﴾ لتضمنه معنى يتجاوز، إشارة إلى أن قبول التوبة هو التجاوز عن المعاصي المتوب منها.

فكأنه قيل: يقبل التوبة ويتجاوز عن عباده.

وكان حق تعدية فعل (يقبل) أن يكون بحرف (من).

ونقل الفخر عن القاضي عبد الجبار أنه قال: لعل (عن) أبلغ لأنه ينبئ عن القبول مع تسهيل سبيله إلى التوبة التي قبلت.

ولم يبين وجه ذلك، وأحسب أنه يريد ما أشرنا إليه من تضمين معنى التجاوز.

وجيء بالخبر في صورة كلية لأن المقصود تعميم الخطاب، فالمراد بِ ﴿ عباده ﴾ جميع الناس مؤمنهم وكافرهم لأن التوبة من الكفر هي الإيمان.

والآية دليل على قبول التوبة قطعاً إذا كانت توبة صحيحة لأن الله أخبر بذلك في غير ما آية.

وهذا متفق عليه بالنسبة لتوبة الكافر عن كفره لأن الأدلة بلغت مبلغ التواتر بالقول والعمل.

ومختلفٌ فيه بالنسبة لتوبة المؤمن من المعاصي لأن أدلته لا تعدو أن تكون دلالة ظواهر؛ فقال المحققون من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين.

مقبولة قطعاً.

ونقل عن الأشعري وهو قول المعتزلة واختاره ابن عطية وأبوه وهو الحق.

وادعى الإمام في «المعالم» الإجماعَ عليه وهي أولى بالقبول.

وقال الباقلاني وإمام الحرمين والمازري: إنما يقطع بقبول توبة طائفة غير معينة، يعنون لأن أدلة قبول جنس التوبة على الجملة متكاثرة متواترة بلغت مبلغ القطع ولا يقطع بقبول توبة تائب بخصوصه.

وكأنَّ خلاف هؤلاء يرجع إلى عدم القطع بأن التائب المعين تاب توبة نصوحاً.

وفي هذا نظر لأن الخلاف في توبة مستوفيةٍ أركانها وشروطها.

وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى: ﴿ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ﴾ الآية في سورة النساء (17).

والأخذ في قوله: ﴿ ويأخذ الصدقات ﴾ [التوبة: 104] مستعمل في معنى القبول، لظهور أن الله لا يأخذ الصدقة أخذاً حقيقياً، فهو مستعار للقبول والجزاء على الصدقة.

وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وأبو جعفر وخلف ﴿ مرجَوْن ﴾ بسكون الواو بدون همز على أنه اسم مفعول من أرجَاه بالألف، وهو مخفف أرجأه بالهمز إذا أخره، فيقال في مضارعه المخفف: أرجيته بالياء، كقوله: ﴿ تُرجي من تشاء منهن ﴾ [الأحزاب: 51] بالياء، فأصل مُرجَون مُرْجَيُون.

وقرأ البقية ﴿ مُرجَئُون ﴾ بهمز بعد الجيم على أصل الفعل كما قرئ ﴿ ترْجيءُ من تشاء ﴾ [الأحزاب: 51].

واللام في قوله: ﴿ لأمر الله ﴾ للتعليل، أي مؤخرون لأجل أمر الله في شأنهم.

وفيه حذف مضاف، تقديره: لأجل انتظار أمر الله في شأنهم لأن التأخير مشعر بانتظار شيء.

وجملة: ﴿ إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ﴾ بيان لجملة: ﴿ وآخرون مُرجَون ﴾ باعتبار متعلق خبرها وهو ﴿ لأمر الله ﴾ ، أي أمر الله الذي هو إما تعذيبهم، وإما توبته عليهم.

ويفهم من قوله ﴿ يتوب عليهم ﴾ أنهم تابوا.

والتعذيب مفيد عدم قبول توبتهم حينئذٍ لأن التعذيب لا يكون إلا عن ذنب كبير.

وذنبهم هو التخلف عن النفير العام، كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله أثاقلتم إلى الأرض ﴾ [التوبة: 38] الآية.

وقبول التوبة عما مضى فضل من الله.

و ﴿ إما ﴾ حرف يدل على أحد شيئين أو أشياء.

ومعناها قريب من معنى (أو) التي للتخيير، إلا أن (إما) تدخل على كلا الاسمين المخير بين مدلوليهما وتحتاج إلى أن تتلى بالواو، و(أو) لا تدخل إلا على ثاني الاسمين.

وكان التساوي بين الأمرين مع (إما) أظهر منه مع (أو) لأن (أو) تشعر بأن الاسم المعطوف عليه مقصود ابتداء.

وتقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين ﴾ في سورة الأعراف (115).

ويعذبهم ويتوب عليهم } فعلان في معنى المصدر حذفت (أن) المصدرية منهما فارتفعا كارتفاع قولهم: «تسمعُ بالمعيدي خير من أن تراه» لأن موقع ما بعد (إما) للاسم نحو ﴿ إما العذاب وإما الساعة ﴾ [مريم: 75] و ﴿ وإما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسناً ﴾ [الكهف: 86].

وجملة: ﴿ والله عليم حكيم ﴾ تذييل مناسب لإبهام أمرهم على الناس، أي والله عليم بما يليق بهم من الأمرين، محكم تقديره حين تتعلق به إرادته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللَّهِ ﴾ وهُمُ الثَّلاثَةُ الباقُونَ مِنَ العَشَرَةِ المُتَأخِّرِينَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  في غَزاةِ تَبُوكَ ولَمْ يَرْبِطُوا أنْفُسَهم مَعَ أبِي لُبابَةَ، وهم هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ، ومِرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ.

﴿ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللَّهِ ﴾ أيْ مُؤَخَّرُونَ مَوْقُوفُونَ لِما يَرِدُ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ.

﴿ إمّا يُعَذِّبُهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُمِيتُهم عَلى حالِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: يَأْمُرُ بِعَذابِهِمْ إذا لَمْ يَعْلَمْ صِحَّةَ تَوْبَتِهِمْ.

﴿ وَإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَعْلَمَ صِدْقَ تَوْبَتِهِمْ فَيُطَهِّرُ ما فِيهِمْ.

الثّانِي: أنْ يَعْفُوَ عَنْهم ويَصْفَحَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ.

﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ أيْ عَلِيمٌ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ حالُهم، حَكِيمٌ فِيما فَعَلَهُ مِن إرْجائِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ وآخرون مرجون لأمر الله ﴾ قال: هم الثلاثة الذين خلفوا.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وآخرون مرجون ﴾ قال: هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، من الأوس والخزرج.

وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب.

أن أبا لبابة أشار إلى بني قريظة باصبعه أنه الذبح، فقال: خنت الله ورسوله.

فنزلت ﴿ لا تخونوا الله والرسول ﴾ [ الأنفال: 27] ونزلت ﴿ وآخرون مرجون لأمر الله ﴾ فكان ممن تاب الله عليه.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ إما يعذبهم ﴾ يقول: يميتهم على معصية ﴿ وإما يتوب عليهم ﴾ فأرجأ أمرهم ثم نسخها فقال: ﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ﴾ [ التوبة: 118] .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ ﴾ الآية، ذكرنا الكلام في معنى الإرجاء في سورة الأعراف، وهو تأخير الأمر إلى وقت، وسميت المرجئة (١) (٢) وقال الأوزاعي: (لأنهم يؤخرون (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩)  - أمرهم، ونهى الناس عن مكالمتهم ومخالطتهم، حتى نزل قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا  ﴾ الآيات بعد خمسين ليلة (١٠) ومعنى: ﴿ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ ﴾ ، قال ابن عباس: (مؤخرون ليقضي فيهم ما هو قاضٍ) (١١) وقوله تعالى: ﴿ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ ، قال أبو إسحاق: ((إما) لأحد الشيئين، والله -عز وجل- عالم بما يصير إليه أمرهم، إلا أن هذا للعباد، خوطبوا بما يعلمون، المعنى: ليكن أمرهم عندكم على هذا أي على الخوف والرجاء) (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ أي بما تؤول إليه حالهم ﴿ حَكِيمٌ ﴾ فيما يفعله بهم.

(١) المرجئة فرق شتى ومذاهب مختلفة، وهم أربعة أصناف: مرجئة الخوارج، ومرجئة القدرية، ومرجئة الجبرية، والمرجئة الخالصة، وإذا أطلق لفظ المرجئة فالمراد بهم الصنف الأخير، وهم القائلون إن فعل الأعمال الصالحة، وترك المحظورات البدنية لا يدخل في مسمى الإيمان، وقد افترقوا في تعريف الإيمان إلى اثنتي عشرة فرقة، كما ذكر الأشعري، وذكر ابن تيمية أنهم صاروا على ثلاثة أقوال: الأول: قول علمائهم وأئمتهم إن الإيمان تصديق القلب وقول اللسان.

الثاني: قول الجهمية إن الإيمان تصديق القلب فقط.

الثالث: قول الكرامية إن الإيمان قول اللسان فقط.

انظر: مقالات الإسلاميين 1/ 213، و"الملل والنحل" للشهرستاني 1/ 139، و"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" 12/ 471، 13/ 55.

(٢) في (ي): (يرجونها).

(٣) في (ى): (لا يؤخرونها)، وهو خطأ مخالف لقول المرجئة.

(٤) انظر: "تهذيب اللغة" (رجا) 2/ 1362.

(٥) هو: كعب بن مالك بن عمرو بن القين السلمي الأنصاري، شاعر رسول الله -  - وصاحبه وممن بايع بيعة العقبة، وأحد الثلاثة الذين خلفوا، فتاب الله عليهم، وتوفي في خلافة علي.

انظر: "سير أعلام النبلاء" 2/ 523، و"الإصابة" 3/ 302، و"تقريب التهذيب" ص 461 (5649).

(٦) هو: هلال بن أمية بن عامر بن قيس الواقفي الأنصاري صحابي جليل، شهد بدرًا وما بعدها، وتخلف عن غزوة تبوك ثم تاب الله عليه.

انظر: الاستيعاب 4/ 103، و"الإصابة" 3/ 606.

(٧) هو: مرارة بن الربيع الأوسي الأنصاري، من بني عمرو بن عوف، ويقال إنه حليف لهم وأصله من قضاعة، شهد بدرًا، وتخلف عن غزوة تبوك ثم تاب الله عليه.

انظر: " الاستيعاب" 3/ 439، و"الإصابة" 3/ 396 - 697.

(٨) ساقط من (م).

(٩) يعني الذين ربطوا أنفسهم بالسواري.

(١٠) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 21 - 22، وابن أبي حاتم 6/ 1878، والثعلبي 6/ 146 أ، والبغوي 4/ 92.

(١١) "تنوير المقباس" ص 203 بمعناه.

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 468 بتصرف.

(١٣) في (ح): (بهم).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَرَدُواْ عَلَى النفاق ﴾ أي اجترأوا عليه وقيل: أقاموا عليه ﴿ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ العذاب العظيم هو عذاب النار وأما المرتان قبله، فالثانية منهما عذاب القبر، والأولى عذابهم بإقامة الحدود عليهم وقيل: بفضيحتهم بالنفاق ﴿ وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ الآية: قيل: إنها نزلت في أبي لبابة الأنصاري فعمله الصالح الجهاد وعمله السيء نصيحته لبني قريظة، وقيل: هو لمن تخلف عن تبوك من المؤمنين فعملهم الصالح ما سبق لهم، وعملهم السيىء تخلفهم عن تبوك، وروي أنهم ربطوا أنفسهم إلى سواري المسجد، وقالوا: لا نحل أنفسنا حتى يحلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقيل: هي عامة في الأمة إلى يوم القيامة.

قال بعضهم: ما في القرآن آية أرجى لهذه الأمة من هذه الآية ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ قيل: نزلت في المتخلفين الذين ربطوا أنفسهم لما تاب الله عليهم قالوا: يا رسول الله؛ إنا نريد أن نتصدق بأموالنا.

فنزلت هذه الآية.

وأخذ ثلث أموالهم.

وقيل: هي الزكاة المفروضة، فالضمير على العموم لجميع المسلمين ﴿ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، في موضع صفة لصدقة أو حال من الضمير في خذ ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ أي ادع لهم ﴿ سَكَنٌ لَّهُمْ ﴾ أي تسكن به نفوسهم، فهو عبارة عن صحة الاعتقاد، أو عن طمأنينة نفوسهم إذ علموا أن الله تاب عليهم.

﴿ أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ ﴾ الضمير في يعلموا للتائبين من التخلف.

وقيل: للذين تخلفوا ولم يتوبوا، وقيل عام.

وفائدة الضمير المؤكد تخصيص الله تعالى بقبول التوبة دون غيره ﴿ وَيَأْخُذُ الصدقات ﴾ قيل: معناه يأمر بها، وقيل: هم الذين بنوا مسجد الضرار، وقرئ مرجئون بالهمز وتركه وهما لغتان ومعناه التأخير.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ من تحتها ﴾ بزيادة من: ابن كثير.

والباقون بحذفها وبالنصب على الظرف.

﴿ والأنصار ﴾ بالرفع: يعقوب: الآخرون بالجر.

﴿ إن صلاتك ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الباقون على الجمع بكسر التاء علامة للنصب ﴿ مرجون ﴾ بواو ساكنة بعد الجيم: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى أبي بكر وحماد.

الباقون بالهمزة المضمومة بعد الجيم.

﴿ الذين اتخذوا ﴾ بغير واو: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ أسس بنيانه ﴾ مجهولاً في الحرفين: ابن عامر ونافع ﴿ حرف ﴾ بسكون الراء: ابن عامر وحمزة وخلف ويحيى وحماد.

الباقون بالضم ﴿ هار ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو وعلي غير ليث، وابن حمدون وحمدويه والنجاري عن ورش وابن ذكوان غير ابن مجاهد والنقاش ويحيى وحماد ﴿ إلى أن ﴾ قرأها يعقوب.

الباقون ﴿ إلا أن ﴾ ﴿ تقطع ﴾ فعلاً ماضياً أو مضارعاً بحذف التاء من التفعل: ابن عامر ويزيد وحمزة وحفص والمفضل وسهل ورويس.

﴿ تقطع ﴾ مضارعاً مجهولاً من التقطع: روح.

الباقون ﴿ تقطع ﴾ مضارعاً مجهولاً من التقطيع.

الوقوف: ﴿ بإحسان ﴾ لا لأن قوله: {  م} خبر ﴿ والسابقون ﴾ ﴿ أبداً ﴾ ط ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ منافقون ﴾ ط لمن قدر ومن أهل المدينة قوم مردوا، ومن وصل وقف على ﴿ أهل المدينة ﴾ تقديره هم مردوا ﴿ على النفاق ﴾ ط ومن قدر ومن أهل المدينة قوم احتمل أن يجعل ﴿ لا تعلمهم ﴾ صفة للقوم فلم يقف ﴿ لا تعلمهم ﴾ ط ﴿ نحن نعلمهم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون التقدير ومنهم آخرون وأن يكون معطوفاً على ﴿ منافقون ﴾ أو على قوم المقدر ﴿ سيئاً ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وصل عليهم ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ والمؤمنون ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ يتوب عليهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ أبدا ﴾ ط ﴿ أن تقوم فيه ﴾ ط ﴿ أن يتطهروا ﴾ ط ﴿ المطهرين ﴾ ه ﴿ في نار جهنم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر الأعراب المخلصين بين أن فوق منازلهم منازل أعلى وأجل وهي منازل السابقين الأوّلين والتابعين لهم بإحسان؛ قال ابن عباس: السابقون الأوّلون من المهاجرين هم الذين صلوا إلى القبلتين وشهدوا بدراً.

وعن الشعبي: هم الذين بايعوا بيعة الرضوان بالحديبية ومن الأنصار أهل بيعة العقبة الأولى وكانوا سبعة نفر، وأهل بيعة العقبة الثانية وكانوا سبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عمير فعلمهم القرآن.

والظاهر أن الآية عامة ي كل من سبق في الهجرة والنصرة.

قال أهل السنة: لا شك أن أبا بكر أسبق في الهجرة أو هو من السابقين فيها وقد أخبر الله  عنهم بأنه رضي عنهم.

ولا شك أن الرضا معلل بالسبق إلى الهجرة فيدوم بدوامه، فدل ذلك على صحة إمامته وإلا استحق اللعن والمقت.

قال أكثر العلماء: كلمة "من" في قوله ﴿ من المهاجرين والأنصار ﴾ للتبعيض، وإنما استحق السابقون منهم هذا التعظيم لأنهم آمنوا وفي عدد المسلمين في مكة والمدينة قلة وفيهم ضعف فقوي الإسلام بسببهم وكثر عدد المسلمين واقتدى بهم غيرهم.

وقد قيل: من سن سنة حسنه فله أجرها وأجر من عمل بها.

وقيل: للتبيين ليتناول المدح جميع الصحابة.

وروي عن حميد بن زياد أنه قال: قلت يوماً لمحمد بن كعب القرظي: ألا تخبرني عن أصحاب رسول الله  وما كان بينهم؟

فقال لي: إن الله  قد غفر لهم وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم.

قلت له: في أي موضع أوجب لهم الجنة؟

قال: سبحان الله ألا تقرأ قوله  : ﴿ والسابقون الأوّلون ﴾ إلى آخر الآية؟

أوجب لجميعهم الرضوان وشرط على التابعين شرطاً لم يشترط عليهم وهو الاتباع بالإحسان وذلك أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة لا السيئة، أو بإحسان في القول وهو أن لا يقولوا فيهم سوءاً ويحفظوا لسانهم عن الاغتياب والطعن في حقهم.

قال العلماء: معنى رضا الله عنهم قبول طاعاتهم.

ثم عاد إلى شرح أحوال المنافقين فقال: ﴿ وممن حولكم ﴾ هو خبر و ﴿ من الأعراب ﴾ بيان أو حال و ﴿ منافقون ﴾ مبتدأ ﴿ ومن أهل المدينة ﴾ عطف على الخبر أو خبر لمبتدأ آخر بناء على أن التقدير ومن أهل المدينة قوم ﴿ مردوا ﴾ التركيب يدل على الملابسة والبقاء على هيئة واحدة من ذلك "صرح ممرد" و "غلام أمرد" و "أرض مرداء" لا نبات فيها وتمرد إذا عتا فإن من لم يقبل قول غيره ولم يلتفت إليه بقي كما كان على هيئته الأصلية من غير تغير.

فمعنى مردوا على النفاق تمهروا وتمرنوا وبقوا عليه حذاقاً معوّدين إلى حيث لا تعلم أنت نفاقهم مع وفور حدسك وقوة ذكائك.

ثم قال ﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ قال ابن عباس: هما العذاب في الدنيا بالفضيحة والعذاب في القبر.

روى السدي عن أبي مالك أنه  قام خطيباً يوم الجمعة فقال: اخرج يا فلان إنك منافق، اخرج يا فلان إنك منافق، حتى أخرج ناساً وفضحهم.

وقال مجاهد: هما القتل والسبي وعذاب القبر.

وقال قتادة: بالدبيلة وعذاب القبر.

وقال محمد بن إسحق: هو ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام والمسلمين ثم عذابهم في القبور.

وقال الحسن: بأخذ الزكاة من أموالهم وبعذاب القبر.

وقيل: أحد العذابين ضرب الملائكة والوجوه والأدبار والآخر عند البعث يوكل بهم عنق من نار.

﴿ ثم يردون إلى عذاب عظيم ﴾ هو الدرك الأسفل من النار.

قال الكلبي: وممن حولكم جهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار، ومن أهل المدينة عبد الله بن أبي وجد بن قيس ومعتب بن قشير وأبو عامر الراهب وأضرابهم.

ثم قال ﴿ وآخرون ﴾ وهو معطوف على ﴿ منافقون ﴾ أو مبتدأ.

و ﴿ اعترفوا ﴾ صفته و ﴿ خلطوا ﴾ خبره ﴿ عسى الله ﴾ جملة مستأنفة.

وقيل: ﴿ خلطوا ﴾ حال بإضمار "قد" ﴿ عسى الله ﴾ خبر.

وللمفسرين خلاف في أنهم قوم من المنافقين تابوا عن نفاقهم أو قوم من المسلمين تخلفوا عن غزوة تبوك لا للكفر والنفاق ولكن للكسل ثم ندموا على ما فعلوا.

عن ابن عباس في رواية الوالبي نزلت في قوم كانوا قد تخلفوا ثم ندموا وقالوا نكون في الكن والظلال مع النساء ورسول الله  وأصحابه في الجهاد.

روي أنهم كانوا ثلاثة: أبو لبابة مروان بن عبد المنذر وأوس بن ثعلبة ووديعة بن حزام.

وقيل: كانوا عشرة فسبعة منهم حين بلغهم ما نزل في المتخلفين فأيقنوا بالهلاك أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد وقالوا: والله لا نطلق أنفسنا حتى يكون رسول الله  هو الذي يطلقنا ويعذرنا.

فقدم رسول الله فدخل المسجد وصلى ركعتين - وكانت هذه عادته كلما قدم من سفر - فرآهم موثقين فسأل عنهم فقالوا: هؤلاء تخلفوا عنك فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم.

فقال رسول الله: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم فنزلت هذه الآية فأطلقهم وعذرهم فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا وإنما تخلفنا عنك بسببها فتصدق بها وطهرنا.

فقال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً فنزل ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ الآية.

والاعتراف هو الإقرار بالشيء عن معرفة والمراد أنهم أقروا بذنوبهم وهذه كالمقدمة للتوبة لأن الاعتراف بالذنب لا يكون توبة إلا إذا اقترن به الندم على الماضي والعزم على تركه في الحال وفي الاستقبال.

﴿ خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ﴾ أي خلطوا كل واحد منهما بالآخر كقولك: خلطت الماء واللبن.

وهذا أبلغ من قولك: خلطت الماء باللبن.

لأنك جعلت في الأول كلاً منهما مخلوطاً ومخلوطاً به كأنك قلت: خلطت الماء باللبن واللبن بالماء.

ويجوز أن يكون الواو بمعنى الباء من قولك: بعت شاة ودرهماً أي شاة بدرهم.

وذلك أن الواو للجمع والباء للإلصاق فهما متقاربان.

ويجوز أن يقال: الخلط ههنا بمعنى الجمع.

قال أهل السنة: فيه دليل على نفي القول بالمحابطة لأنه لو لم يبق العملان لم يتصور اختلاطهما.

وفي قوله ﴿ عسى الله أن يتوب عليهم ﴾ دليل على وقوع التوبة التي أخبر بحصول مقدمتها وهي الاعتراف منهم، وفيه دليل على قبول توبتهم لأن ﴿ عسى ﴾ من الكريم إطماع واجب.

وفائدته أن يكون المكلف على الطمع والإشفاق فلا يتكل ولا يهمل، وفيه أن التوبة بخلق الله.

وقالت المعتزلة: معنى أن يتوب أن يقبل التوبة.

ورد بأنه عدول عن الظاهر مع أن الدليل العام وهو وجوب انتهار الكل إلى مشيئته وتكوينه يعضد ما قلناه.

ثم قال  ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ عن الحسن: كانوا يقولون ليس المراد من هذه الآية الصدقة الواجبة وإنما هي صدقة كفارة الذنب الذي صدر عنهم وبهذا يحصل النظم بينها وبين ما قبلها كما مر.

وقال أكثر الفقهاء: المراد بها الزكاة ووجه النظم أنهم لما أظهروا التوبة والندامة أمروا بإخراج الزكاة الواجبة تصحيحاً لدعواهم.

ومما يدل على ذلك أن الأمر ظاهره الوجوب وأيضاً التطهير والتزكية يناسب الواجب لا التطوع.

وفي قوله ﴿ من أموالهم ﴾ دلالة على أن القدر المأخوذ بعض تلك الأموال، وتعيين ذلك البعض إنما عرف من السنة.

وفي إضافة المال إليهم دليل على أن المال مالهم ولا شركة للفقير فيه فتكون الزكاة متعلقة بذمته حتى لو تلف النصاب بعد الوجوب بقي الحق في ذمة المالك وهو قول الشافعي.

وقوله ﴿ تطهرهم وتزكيهم ﴾ التاء فيهما للخطاب أي تطهرهم أيها الآخذ وتزكيهم بواسطة تلك الصدقة.

وقيل: التاء في ﴿ تطهرهم ﴾ للتأنيث والضمير للصدقة وفيه نوع انقطاع للمعطوفين.

قال العلماء: المعطوفان متغايران لا محالة فالتزكية مبالغة في التطهير أو هي بمعنى الإنماء كأنه  جعل النقصان سبباً للإنماء والزيادة والبركة، أو المراد بالتزكية تعظيم شأنهم والإثناء عليهم.

قال أبو حنيفة: ظاهر الآية يدل على أن الزكاة طهرة للآثام فلا تجب إلا حيث يمكن حصول الآثام وذلك لا يعلم إلا في حق البالغ العاقل دون الصبي والمجنون.

وقال الشافعي: تجب الزكاة في مالهما لأنه لا يلزم من انتفاء سبب معين انتفاء الحكم مطلقاً ﴿ وصلِّ عليهم ﴾ قال ابن عباس: معناه ادع لهم.

فمن هنا قال الشافعي: السنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق ويقول: أجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت.

وقال آخرون بظاهر اللفظ لما روي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أبي من أصحاب الشجرة وكان النبي  إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل على آل فلان فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى: وأكثر الأئمة الآن على أنه لا تحسن الصلاة لغير النبي على غيره إلا تبعاً.

وأطلق بعضهم - كالغزالي وإمام الحرمين - لفظ الكراهة وقالوا: السلام أيضاً في معنى الصلاة.

وأما الشيعة فإنهم يذكرون الصلاة والسلام في حق آل الرسول أيضاً كعلي وأولاده  وهم على العموم من القرشيين بنو هاشم والمطلب دون بني أمية وبني نوفل وغيرهم.

قالوا: لأنها كانت جائزة في حق من يؤدي الزكاة فكيف يمتنع ذكره أو لا يحسن في أهل بيت الرسول؟

ولأن الكل أجمعوا على جوازها بالتبعية فما الفرق؟

وأما السلام فلا كلام عليه لأنه جائز في حق جمهور المسلمين فكيف لا يجوز في آل الرسول؟

﴿ إن صلاتك سكن لهم ﴾ والسكن ما يسكن إليه المرء وتطمئن به نفسه، وذلك لأن دعاءه يستجاب ألبتة فيتطهرون بها، وكيف لا يفيض إشراق نفسه عليهم بتوجهه إليهم والترحم لهم؟

احتج مانعو الزكاة بها في زمان أبي بكر قالوا: الوجوب مشروط بحصول السكن والآن لا سكن.

ورُدَّ عليهم بسائر الآيات.

روي أن رسول الله  لما حكم بصحة توبة هؤلاء قال الذين لم يتوبوا هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم فنزلت ﴿ ألم يعلموا ﴾ يعني غير التائبين.

وقيل: معناه ألم يعلم التائبون قبل أن يتاب عليهم وتقبل صدقاتهم ﴿ أن الله هو يقبل التوبة ﴾ الصحيحة ويقبل الصدقات الصادرة عن خلوص النية.

وفائدة توسط هو أن يعلم أن الإلهية هي الموجبة لقبول التوبة لاستغنائه عن طاعة المطيعين ومعصية المذنبين فإذا انتقل العبد من حالة المعصية إلى حال الطاعة وجب على كرمه قبول توبته.

وفيه أيضاً أن قبول التوبة ليس إلى الرسول.

وفي قوله ﴿ عن عباده ﴾ دون "من" إشارة إلى البعد الذي يحصل للعبد عن الله بسبب العصيان أو إلى تبعيده نفسه عن الله هضماً وانكساراً.

وفي إضافة أخذ الصدقات إلى الله بعد أن أمر الرسول بالأخذ تشريف عظيم لهذه الطاعة، وأنها من الله بمكان، وأنه يربيها كما يربي أحد نافلوه حتى إن اللقمة تكون عند الله أعظم من أحد وقد جاء هذا المعنى في الحديث.

ثم أمر نبيه بأن يقول للتائبين أو لغير التائبين ترغيباً لهم في التوبة ﴿ اعملوا ﴾ فيه نوع تهديد وتخويف ﴿ فسيرى الله عملكم ﴾ وقد مر تفسير مثله عن قريب.

والحاصل أنه كأنه قيل لهم اجتهدوا في العمل فإن له في الدنيا حكماً وهو أن يراه الله ورسوله والمؤمنون، وفي الآخرة حكماً وهو الجزاء.

وبوجه آخر كأنه قيل: إن كنت من المحققين فاعمل لله، وإن كنت من الظاهريين فاعمل لتفوز بثناء شهداء الخلق وهم الرسول والمؤمنون فإنهم شهداء الله يوم القيامة، والشهادة لا تصح إلا بعد الرؤية.

ولا شك أن رؤية الله  شاملة لأفعال القلوب والجوارح جميعاً.

أما رؤية الرسول والمؤمنين فلا تشمل أفعال القلوب إلا بإرادة الله واطلاعه وإفشائه.

واعلم أنه  قسم المخلفين إلى ثلاثة أقسام: منهم المنافقون الذين مردوا على النفاق، والثاني التائبون المعترفون بذنوبهم، والثالث الذين بقوا موقوفاً أمرهم وذلك قوله ﴿ وآخرون ﴾ وإعرابه كإعراب قوله ﴿ وآخرون اعترفوا ﴾ ومعنى ﴿ مرجون ﴾ أي مؤخرون من أرجيته وأرجأته إذا أخرته ومنه قوله: ﴿ أرجه وأخاه  ﴾ كما مَرّ، وبه سميت المرجئة لأنهم جازمون بغفران ذنب التائب ولكن يؤخرونها إلى مشيئة الله ويقولون: إنهم مرجون لأمر الله.

وقال الأوزاعي: لأنهم يؤخرون العمل عن الإيمان.

وقال ابن عباس: نزلت في كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، أمر رسول الله أصحابه أن لا يسلموا عليهم ولا يكلموهم ولم يفعلوا كما فعل أبو لبابة وأصحابه من شد أنفسهم على السواري وإظهار الجزع والغم، فلما علموا أن أحداً لا ينظر إليهم فوضوا أمرهم إلى الله وأخلصوا نياتهم فقبلت توبتهم ونزل فيهم ﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ﴾ كما سيجيء.

وقال الحسن: إنهم قوم من المنافقين حذرهم الله بهذه الآية إن لم يتوبوا.

وقوله: ﴿ إما يعذبهم ﴾ التشكيك فيه راجع إلى العباد أي ليكن أمرهم على الخوف والرجاء وكان يقول أناس هلكوا إن لم ينزل الله لهم عذراً، ويقول آخرون: عسى الله أن يغفر لهم.

قال الجبائي: جعل أمرهم دائراً بين التعذيب والتوبة فدل ذلك على انتفاء القسم الثالث وهو العفو من غير التوبة، وأجيب بأنه يجوز أن تكون المنفصلة مانعة الجمع فقط.

ولما ذكر أصناف المنافقين وبين طرائقهم المختلفة قال: ﴿ والذين اتخذوا ﴾ كأنه قال: ومنهم الذين اتخذوا.

في الكشاف: أن محله النصب على الاختصاص، أو الرفع على الابتداء وخبره محذوف أي وممن وصفوا هؤلاء الأقوام.

قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير: كانوا اثني عشر رجلاً بنوا مسجداً يضارّون به مسجد قباء.

وروي أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء بعثوا إلى رسول الله  أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدتهم إخوانهم بنو غنم بن عوف وقالوا: نبني مسجداً كذلك.

واعلم أنه  حكى أن الباعث لهم على هذا العمل كان أموراً أربعة: الأول الضرار وهو المضارة والثاني الكفر بالنبي  وبالإسلام وذلك أنهم أرادوا تقوية أهل النفاق، والثالث التفريق بين المؤمنين لأنهم أرادوا أن لا يحضروا مسجد قباء فتقل جماعتهم ولا سيما إذا صلى النبي في مسجدهم فيؤدي ذلك إلى اختلاف الكلمة وبطلان الألفة، والرابع قوله: ﴿ وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله ﴾ وقوله ﴿ من قبل ﴾ يتعلق بـ ﴿ حارب ﴾ أي من قبل بناء مسجد الضرار.

وقال في الكشاف: إنه متعلق بـ ﴿ اتخذوا ﴾ والمراد من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف.

قال الزجاج: الإرصاد الانتظار.

وقال ابن قتيبة: الانتظار مع العداوة.

وقال الأكثرون: إنه الإعداد.

والمراد بمن حارب أبو عامر الراهب والد أبي حنظلة الذي غسلته الملائكة، وسماه رسول الله الفاسق وكان قد تنصر في الجاهلية وترهب وطلب العلم فلما ظهر رسول الله  عاداه لأنه زالت رياسته وقال لرسول الله  يوم أحد: لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن خرج هارباً إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر وآتٍ بجنود ومخرج محمداً وأصحابه من المدينة، فبنوا مسجداً وانتظروا أبا عامر ليصلي بهم في ذلك المسجد.

ثم أخبر الله  عن نفاقهم بقوله: ﴿ وليحلفن إن أردنا ﴾ أي ما أردنا ببناء هذا المسجد ﴿ إلا ﴾ الخصلة ﴿ الحسنى ﴾ وهي الصلاة وذكر الله والتوسعة على المسلمين.

قال المفسرون.

إنهم لما بنوا مسجدهم وافق ذلك غزوة تبوك فأتوا رسول الله وقالوا: بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة.

فقال رسول الله  : إني على جناح سفر وحال شغل وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه.

فلما قفل من الغزوة سألوه إتيان المسجد فنزل ﴿ لا تقم فيه أبداً ﴾ الآية فدعا بملك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشي - قاتل حمزة - فقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه ففعلوا وأمر أن يتخذ مكانه كناسة تلقى فيه الجيف والقمامة، ومات أبو عامر بالشام بقنسرين.

وقال الحسن: همّ رسول الله أن يذهب إلى ذلك المسجد فناداه جبرائيل لا تقم فيه.

ولا ريب أن النهي عن القيام فيه يستلزم النهي عن الصلاة فيه.

ثم بيّن علة النهي فقال: ﴿ لمسجد أسس على التقوى من أوّل يوم ﴾ أي من ابتداء وجوده ﴿ أحق أن تقوم فيه ﴾ والمعنى لو كان القيام في غيره جائزاً لكان هذا أولى لاشتماله على الخيرات الكثيرة فكيف إذا كان غيره مشتملاً على المفاسد الكثيرة من الضرار وغيره؟

قالت الشيعة في هذا المقام: إن المسجد إذا كان مبنياً على التقوى من أول يوم كان أولى بالصلاة فيه؛ فالإمام أولى بأن يكون متقياً من أول عمره وما ذاك إلا عليّ  لأنه لم يكفر بالله طرفة عين.

واختلفوا في هذا المسجد فقيل: مسجد رسول الله  بالمدينة، عن أبي سعيد الخدري سألت رسول الله  عن المسجد الذي أسس على التقوى.

فأخذ الحصباء وضرب بها الأرض وقال: هو مسجدكم هذا مسجد المدينة.

وقيل: هو مسجد قباء أسسه رسول الله  وصلى فيه أيام مقامه بقباء يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وخرج يوم الجمعة، قال في الكشاف: وهذا أولى لأن الموازنة بين مسجدي قباء أوقع.

وقال القاضي: كل مسجد بني على التقوى فإنه يدخل فيه كما لو قال قائل لرجل صالح أحق أن تجالسه لم يكن ذلك مقصوراً على واحد.

وأيضاً كل مسجد بني مباهاة أو رياء وسمعة أو لغرض سوى وجه الله أو بمال غير طيب فهو لاحق بمسجد الضرار.

ثم ذكر لمسجد التقوى وصفاً آخر وذلك قوله: ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ فقيل: إنه التطهر من الذنوب بالتوبة والاستغفار والإخلاص كما أن أهل مسجد الضرار وصفوا بأضداد هذه الأمور من الضرار والكفر والتفريق، ولأن طهارة الباطن أشد تأثيراً من طهارة الظاهر في القرب من الله.

وقيل: إنه التطهر بالماء وذلك أنهم كانوا لا ينامون الليل على الجنابة ويتبعون الماء أثر البول.

"وروي أنها لم نزلت مشى رسول الله ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء فإذا الأنصار جلوس فقال: أمؤمنون أنتم؟

فسكت القوم.

ثم أعادها فقال عمر: يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم.

فقال  : أترضون بالقضاء؟

قالوا: نعم قال: أتصبرون على البلاء؟

قالوا: نعم.

قال: أتشكرون في الرخاء؟

قالوا: نعم.

فقال  : مؤمنون ورب الكعبة.

فجلس ثم قال: يا معشر الأنصار إن الله عز وجل قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط؟

فقالوا: يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء.

فتلا النبي  : ﴿ رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ " وقيل: يحبون أن يتطهروا بالحمى المكفرة لذنوبهم فحموا بأجمعهم.

ومحبة التطيهر إيثاره والحرص عليه ومحبة الله الرضا عنهم والإحسان إليهم كما يفعل المحب بمحبوبه.

ثم بين أنه لا نسبة بين الفريقين وأن بينهما بوناً بعيداً فقال مستفهماً على سبيل التقرير ﴿ أفمن أسس بنيانه ﴾ وهو مصدر كالعمران وأريد به المبني والمعنى أن من أسس بناء دينه على قاعدة قوية محكمة وهي تقوى الله ورضوانه ﴿ خير أم من أسس ﴾ دينه على ضد ذلك.

والشفا هو الشفير أي الشفة، والجرف هو ما إذا سال السيل وانحسر الوادي ويبقى على طرف المسيل طين واهٍ مشرف على السقوط ساعة فساعة فذلك الموضع الذي هو بصدد السقوط جرف، والهار الهائر وهو أيضاً المتصدع الذي أشفى على التهدم والسقوط.

قال الليث: الهاء مصدرها الجرف يهور إذا انصدع من خلفه وهو ثابت بعد في مكانه، فإذا سقط فقد انهار.

وقال في الكشاف: إنه صفة قصرت عن فاعل كخلف من خالف وألفه ليست بألف فاعل إنما هي عينه وأصله "هور" على "فعل" ولا ترى أبلغ من هذا الكلام ولا أدل على حقيقة الباطل، فلكونه على شفا جرف هار كان مشرفاً على السقوط، ولكونه على طرف جهنم كان إذا انهار فإنما يسقط في قعر جهنم، يروى أنه حفرت بقعة من مسجد الضرار فرؤي الدخان يخرج منه.

ثم ذكر أن بنيانهم ذلك سبب لازدياد ريبهم فقال: ﴿ لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة ﴾ في كونه سبباً للريبة ﴿ في قلوبهم ﴾ وجوه منها: أن هدمه صار سبباً لازدياد شكهم في نبوته، ومنها أنهم ظنوا أن تخريبه لأجل الحسد فارتفع أمانهم عنه وصاروا مرتابين في أنه هل يتركهم على ما هم فيه أو يأمر بقتلهم ونهب أموالهم فلا تزول تلك الريبة ﴿ إلا أن تقطع قلوبهم ﴾ أجزاء متفرقة إما بالموت وإما بالسيف وإما بالبلاء فحينئذٍ يضمحل أثرها عنها.

والمقصود أن هذا الشك يبقى في قلوبهم أبداً ويموتون على النفاق.

قال في الكشاف: يجوز أن يكون ذكر التقطيع تصويراً لحال زوال الريبة عنها، ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها وما هو كائن منه بقتلهم أو في القبور أو في النار.

وقيل: معناه إلا أن يتوبوا توبة تنقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم.

التأويل: ﴿ والسابقون الأولون ﴾ الذين سبقت لهم العناية الأزلية، أو السابقون الأوّلون عند الخروج من العدم وهم أهل الصف الأول من الجنود المجندة، أو السابقون في جواب ﴿ ألست بربكم  ﴾ الأولون في استماع هذا الخطاب، أبو السابقون في استحقاق المحبة عند اختصاصهم بتشريف يحبهم في الأزل، الأولون بأداء حق المحبة في سر يحبونه، أو السابقون عند تخمير طينة آدم في مماسة ذراتهم يد القدرة، الأولون باستكمال تصرف القدرة في كمال الأربعين صباحاً، أو السابقون عند رجوعهم بقدم السلوك إلى مقام الوصال، الأولون بالوصول إلى سرادقات الجلال، وهذا السبق مخصوص بالنبي  وبأمته كما قال: "نحن الآخرون السابقون" .

﴿ من المهاجرين ﴾ عن الأوطان البشرية ﴿ والأنصار ﴾ لهم في طلب الحق ﴿ والذين اتبعوهم بإحسان ﴾ بذلوا جهدهم في متابعتهم بقدر الإمكان {  م} بإعطاء الاستعدادات الكاملة ﴿ ورضوا عنه ﴾ بإيفاء حقوقها.

﴿ وممن حولكم ﴾ من أعراب صفات النفس ﴿ منافقون ومن أهل ﴾ مدينة القلب فمن صفات النفس بعضها منافق كالقوة الشهوية للوقاع فإنها تتبدل بالعفة عند استيلاء القلب على النفس بسياسة الشريعة وتربية الطريقة ظاهراً لا حقيقة لأنها لا تتبدل بالكلية بل تميل إلى الشهوة إذا خليت وطباعها ولهذا قال  : "وإن أخوف ما أخاف على أمتي النساء" ومنها كافرة كالقوة الشهوية في طلب الغذاء فإنها باقية على طلبها ما دام البدن باقياً لاحتياجه إلى بدل ما يتحلل، ومنها مسلمة كالقوة الغضبية والشيطانية من الكبر والحسد والكذب والخيانة فإنها يحتمل أن تتبدل بأضدادها من التواضع والمحبة والصدق والأمانة عند استنارة النفس بنور الإيمان والذكر.

فهذه الصفات وغيرها من صفات النفس ما لم تتبدل بالكلية أو لم تكن مغلوبة بأنوار صفات القلب ففيها بعض النفاق كما قال  : "أربع من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدّث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها" ﴿ لا تعلمهم نحن نعلمهم ﴾ يعني أن هذه الأفعال لا يعرفها أرباب العلوم الظاهرة وإنما يعرفها أصحاب الكشوف الباطنة.

﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ مرة بأحكام الشريعة ومرة بآداب الطريقة ﴿ ثم يردّون ﴾ بجذبات اللطف ﴿ إلى عذاب عظيم ﴾ هو الفطام عن الكونين والفناء في الله أو بجذبات القهر إلى إسبال حجب البعد والبقاء في عالم الطبيعة ﴿ وآخرون ﴾ يعني القلب وصفاته ﴿ اعترفوا ﴾ بذنوب ثوبت صفات النفس والتلوث بها ﴿ خلطوا عملاً صالحاً ﴾ هو صدق التوجه ﴿ وآخر سيئاً ﴾ هو مطاوعة النفس والهوى في بعض الأوقات.

﴿ عسى الله ﴾ أن يوفقهم للرجوع إلى طريق الحق بالكلية والإعراض عما سواه.

﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم بها ﴾ عن دنس حب الدنيا ﴿ وتزكيهم ﴾ بالأخلاق الفاضلة فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة.

﴿ ويأخذ الصدقات ﴾ فيه أن المعطي يجب أن لا ينظر إلا إلى الله ولا يمنّ على الفقير أصلاً ﴿ وستردون ﴾ بأقدام أعمالكم إلى الله الذي يعلم ما غاب عنكم من نتائج أعمالكم وما غبتم عنه من التقدير الأزلي وما تشاهدون بالعيون والقلوب في عالمي الملك والملكوت.

﴿ وآخرون مرجون ﴾ أخرت توبتهم ليتردّدوا بين الخوف والرجاء فيطيروا بجناحي القبض والبسط إلى أن يصلوا إلى سرادقات الهيبة والأنس.

﴿ والله عليم ﴾ بتربية عباده ﴿ حكيم ﴾ فيما يفعل من القبول والرد.

﴿ والذين اتخذوا ﴾ في عالم الطبيعة مزبلة النفس ﴿ مسجداً ضراراً ﴾ لأرباب الحقيقة ﴿ وكفراً ﴾ بأحوالهم ﴿ لمن حارب الله ﴾ هم أهل الإباحة من مدعي الفقر ﴿ لا تقم ﴾ يا رسول الروح.

﴿ أسس على التقوى ﴾ هو مسجد القلب جبل على العبودية والطاعة ﴿ من أول يوم ﴾ من الميثاق ﴿ رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ هم الأوصاف الحميدة والملكات المزكاة عن دنس الطبيعة ولوث الحدوث.

ثم ميز بين أهل السعادة والشقاوة فقال: ﴿ أفمن أسس بنيانه ﴾ أي جبل على الخير وما فيه رضا الله ﴿ لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة ﴾ لأنهم جبلوا على الشقاء ﴿ إلا أن تقطع قلوبهم ﴾ غيروا عن طباعهم وذلك محال أو لا يزال يسري من مزبلة النفس وسخ وظلمة إلى قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم غيروا عن طباعهم وذلك بسكين الرياضة فتزول عنها تلك الملكات.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ .

قال بعضهم: هو صلة قوله: ﴿ وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً  ﴾ ، كانوا موقوفين محبوسين، لا يدرون ما يحكم الله فيهم، أيعذبهم أو يتوب عليهم؟

فنزل قوله: ﴿ وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً  ﴾ .

وقال بعضهم: هو صلة ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً ﴾ \[كانوا اتخذوا مسجداً فكانوا مرجون لأمر الله، ثم بين أن اتخاذهم المسجد ضراراً\] ﴿ وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً  ﴾ .

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ قال: هم الثلاثة الذين خلفوا.

وقال أبو عوسجة: ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ [أي: محبوسون: يقال: أرجيته: أي: حبسته.

وقال القتبي: مرجون لأمر الله] أي: مرجون [على أمره]؛ كأن هذه الآية نزلت في الذين تخلفوا عنه للركون إلى الدنيا ورغبة فيها، وهم المؤمنون، والآية التي كانت قبل هذه الآية في المنافقين الذين تخلفوا للركون إلى الدنيا وكفراً ونفاقاً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومن المُتخَلِّفين عن غزوة تبوك قوم آخرون لم يكن لهم عذر، فهؤلاء مُؤخَّرون لقضاء الله وحكمه فيهم، يحكم فيهم بما يشاء: إما أن يعذبهم إن لم يتوبوا إليه، وإما أن يتوب عليهم إن تابوا، والله عليم بمن يستحق عقابه، وبمن يستحق عفوه، حكيم في شرعه وتدبيره، وهؤلاء هم: مرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، وهلال بن أمية.

من فوائد الآيات فضل المسارعة إلى الإيمان، والهجرة في سبيل الله، ونصرة الدين، واتباع طريق السلف الصالح.

استئثار الله عز وجل بعلم الغيب، فلا يعلم أحد ما في القلوب إلا الله.

الرجاء لأهل المعاصي من المؤمنين بتوبة الله عليهم ومغفرته لهم إن تابوا وأصلحوا عملهم.

وجوب الزكاة وبيان فضلها وأثرها في تنمية المال وتطهير النفوس من البخل وغيره من الآفات.

<div class="verse-tafsir" id="91.OMGaP"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده