الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١١٣ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 139 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١٣ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبيه قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل ، وعبد الله بن أبي أمية ، فقال : " أي عم ، قل : لا إله إلا الله .
كلمة أحاج لك بها عند الله ، عز وجل " .
فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : يا أبا طالب ، أترغب عن ملة عبد المطلب ؟
[ قال : فلم يزالا يكلمانه ، حتى قال آخر شيء كلمهم به : على ملة عبد المطلب ] .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لأستغفرن لك ما لم أنه عنك " .
فنزلت : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ) قال : ونزلت فيه : ( إنك لا تهدي من أحببت ) [ القصص : 56 ] أخرجاه .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن آدم ، أخبرنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الخليل ، عن علي ، رضي الله عنه ، قال : سمعت رجلا يستغفر لأبويه ، وهما مشركان ، فقلت : أيستغفر الرجل لأبويه وهما مشركان ؟
فقال : أولم يستغفر إبراهيم لأبيه ؟
فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) إلى قوله : ( فلما تبين له أنه عدو لله ) قال : " لما مات " ، فلا أدري قاله سفيان أو قاله إسرائيل ، أو هو في الحديث " لما مات " .
قلت هذا ثابت عن مجاهد أنه قال : لما مات .
وقال الإمام أحمد : حدثنا الحسن بن موسى ، حدثنا زهير ، حدثنا زبيد بن الحارث اليامي عن محارب بن دثار ، عن ابن بريدة ، عن أبيه قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزل بنا ونحن معه قريب من ألف راكب ، فصلى ركعتين ، ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان ، فقام إليه عمر بن الخطاب وفداه بالأب والأم ، وقال : يا رسول الله ، ما لك ؟
قال : " إني سألت ربي ، عز وجل ، في الاستغفار لأمي ، فلم يأذن لي ، فدمعت عيناي رحمة لها من النار ، وإني كنت نهيتكم عن ثلاث : نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ، لتذكركم زيارتها خيرا ، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث ، فكلوا وأمسكوا ما شئتم ، ونهيتكم عن الأشربة في الأوعية ، فاشربوا في أي وعاء ولا تشربوا مسكرا " .
وروى ابن جرير ، من حديث علقمة بن مرثد ، عن سليمان بن بريدة ، عن أبيه ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أتى رسم قبر ، فجلس إليه ، فجعل يخاطب ، ثم قام مستعبرا .
فقلنا : يا رسول الله ، إنا رابنا ما صنعت .
قال : " إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي ، فأذن لي ، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي " .
فما رئي باكيا أكثر من يومئذ .
وقال ابن أبي حاتم ، في تفسيره : حدثنا أبي ، حدثنا خالد بن خداش ، حدثنا عبد الله بن وهب ، عن ابن جريج عن أيوب بن هانئ ، عن مسروق ، عن عبد الله بن مسعود قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما إلى المقابر ، فاتبعناه ، فجاء حتى جلس إلى قبر منها ، فناجاه طويلا ثم بكى فبكينا لبكائه ثم قام فقام إليه عمر بن الخطاب ، فدعاه ثم دعانا ، فقال : " ما أبكاكم ؟
" فقلنا : بكينا لبكائك .
قال : " إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة ، وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي " ثم أورده من وجه آخر ، ثم ذكر من حديث ابن مسعود قريبا منه ، وفيه : " وإني استأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي ، وأنزل علي : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى ) فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة ، وكنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ، فإنها تذكر الآخرة " .
حديث آخر في معناه : قال الطبراني : حدثنا محمد بن علي المروزي ، حدثنا أبو الدرداء عبد العزيز بن منيب ، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان ، عن أبيه ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أقبل من غزوة تبوك واعتمر ، فلما هبط من ثنية عسفان أمر أصحابه : أن استندوا إلى العقبة حتى أرجع إليكم ، فذهب فنزل على قبر أمه ، فناجى ربه طويلا ثم إنه بكى فاشتد بكاؤه ، وبكى هؤلاء لبكائه ، وقالوا : ما بكى نبي الله بهذا المكان إلا وقد أحدث في أمته شيء لا تطيقه .
فلما بكى هؤلاء قام فرجع إليهم ، فقال : " ما يبكيكم ؟
" .
قالوا : يا نبي الله ، بكينا لبكائك ، فقلنا : لعله أحدث في أمتك شيء لا تطيقه ، قال : " لا وقد كان بعضه ، ولكن نزلت على قبر أمي فدعوت الله أن يأذن لي في شفاعتها يوم القيامة ، فأبى الله أن يأذن لي ، فرحمتها وهي أمي ، فبكيت ، ثم جاءني جبريل فقال : ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ) فتبرأ أنت من أمك ، كما تبرأ إبراهيم من أبيه ، فرحمتها وهي أمي ، ودعوت ربي أن يرفع عن أمتي أربعا ، فرفع عنهم اثنتين ، وأبى أن يرفع عنهم اثنتين : دعوت ربي أن يرفع عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض ، وألا يلبسهم شيعا ، وألا يذيق بعضهم بأس بعض ، فرفع الله عنهم الرجم من السماء ، والغرق من الأرض ، وأبى الله أن يرفع عنهم القتل والهرج " .
وإنما عدل إلى قبر أمه لأنها كانت مدفونة تحت كداء وكانت عسفان لهم .
وهذا حديث غريب وسياق عجيب ، وأغرب منه وأشد نكارة ما رواه الخطيب البغدادي في كتاب " السابق واللاحق " بسند مجهول ، عن عائشة في حديث فيه قصة أن الله أحيا أمه فآمنت ثم عادت .
وكذلك ما رواه السهيلي في " الروض " بسند فيه جماعة مجهولون : أن الله أحيا له أباه وأمه فآمنا به .
وقد قال الحافظ ابن دحية : [ هذا الحديث موضوع يرده القرآن والإجماع ، قال الله تعالى : ( ولا الذين يموتون وهم كفار ) [ النساء : 18 ] .
وقال أبو عبد الله القرطبي : إن مقتضى هذا الحديث .
.
.
ورد على ابن دحية ] في هذا الاستدلال بما حاصله : أن هذه حياة جديدة ، كما رجعت الشمس بعد غيبوبتها فصلى علي العصر ، قال الطحاوي : وهو [ حديث ] ثابت ، يعني : حديث الشمس .
قال القرطبي : فليس إحياؤهما يمتنع عقلا ولا شرعا ، قال : وقد سمعت أن الله أحيا عمه أبا طالب ، فآمن به .
قلت : وهذا كله متوقف على صحة الحديث ، فإذا صح فلا مانع منه والله أعلم .
وقال العوفي ، عن ابن عباس في قوله : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) الآية ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر لأمه ، فنهاه الله عن ذلك فقال : " فإن إبراهيم خليل الله استغفر لأبيه " ، فأنزل الله : ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ) الآية .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، في هذه الآية : كانوا يستغفرون لهم ، حتى نزلت هذه الآية ، فلما [ نزلت أمسكوا عن الاستغفار لأمواتهم ، ولم ينههم أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا ] ثم أنزل الله : ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه ) الآية .
وقال قتادة في هذه الآية : ذكر لنا أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : يا نبي الله ، إن من آبائنا من كان يحسن الجوار ، ويصل الأرحام ، ويفك العاني ، ويوفي بالذمم ؛ أفلا نستغفر لهم ؟
قال : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " بلى ، والله إني لأستغفر لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه " .
فأنزل الله : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) حتى بلغ : ( الجحيم ) ثم عذر الله تعالى إبراهيم ، فقال : ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ) قال : وذكر لنا أن نبي الله قال : " أوحي إلي كلمات ، فدخلن في أذني ووقرن في قلبي : أمرت ألا أستغفر لمن مات مشركا ، ومن أعطى فضل ماله فهو خير له ، ومن أمسك فهو شر له ، ولا يلوم الله على كفاف " .
وقال الثوري ، عن الشيباني ، عن سعيد بن جبير قال : مات رجل يهودي وله ابن مسلم ، فلم يخرج معه ، فذكر ذلك لابن عباس فقال : فكان ينبغي له أن يمشي معه ويدفنه ، ويدعو له بالصلاح ما دام حيا ، فإذا مات وكله إلى شأنه ثم قال : ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ) لم يدع .
[ قلت ] وهذا يشهد له بالصحة ما رواه أبو داود وغيره ، عن علي بن أبي طالب قال : لما مات أبو طالب قلت : يا رسول الله ، إن عمك الشيخ الضال قد مات .
قال : " اذهب فواره ولا تحدثن شيئا حتى تأتيني " .
وذكر تمام الحديث .
ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مرت به جنازة عمه أبي طالب قال : " وصلتك رحم يا عم " .
وقال عطاء بن أبي رباح : ما كنت لأدع الصلاة على أحد من أهل القبلة ، ولو كانت حبشية حبلى من الزنا ؛ لأني لم أسمع الله حجب الصلاة إلا على المشركين ، يقول الله ، عز وجل : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) .
وروى ابن جرير ، عن ابن وكيع ، عن أبيه ، عن عصمة بن زامل ، عن أبيه قال : سمعت أبا هريرة يقول : رحم الله رجلا استغفر لأبي هريرة ولأمه .
قلت : ولأبيه ؟
قال : لا .
قال : إن أبي مات مشركا .
وقوله : ( فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ) قال ابن عباس : ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات ، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه .
وفي رواية : لما مات تبين له أنه عدو لله .
وكذا قال مجاهد ، والضحاك ، وقتادة ، وغيرهم ، رحمهم الله .
وقال عبيد بن عمير ، وسعيد بن جبير : إنه يتبرأ منه [ في ] يوم القيامة حين يلقى أباه ، وعلى وجه أبيه الغبرة والقترة فيقول : يا إبراهيم ، إني كنت أعصيك وإني اليوم لا أعصيك .
فيقول : أي ربي ، ألم تعدني ألا تخزني يوم يبعثون ؟
فأي خزي أخزى من أبي الأبعد ؟
فيقال : انظر إلى ما وراءك ، فإذا هو بذيخ متلطخ ، أي : قد مسخ ضبعانا ، ثم يسحب بقوائمه ، ويلقى في النار .
وقوله : ( إن إبراهيم لأواه حليم ) قال سفيان الثوري وغير واحد ، عن عاصم بن بهدلة ، عن زر بن حبيش ، عن عبد الله بن مسعود أنه قال : الأواه : الدعاء .
وكذا روي من غير وجه ، عن ابن مسعود .
وقال ابن جرير : حدثني المثنى : حدثنا الحجاج بن منهال ، حدثنا عبد الحميد بن بهرام ، حدثنا شهر بن حوشب ، عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس قال رجل : يا رسول الله ، ما الأواه ؟
قال : " المتضرع " ، قال : ( إن إبراهيم لأواه حليم ) ورواه ابن أبي حاتم من حديث ابن المبارك ، عن عبد الحميد بن بهرام ، به ، قال : المتضرع : الدعاء .
وقال الثوري ، عن سلمة بن كهيل ، عن مسلم البطين عن أبي العبيدين أنه سأل ابن مسعود عن الأواه ، فقال : هو الرحيم .
وبه قال مجاهد ، وأبو ميسرة عمرو بن شرحبيل ، والحسن البصري ، وقتادة : أنه الرحيم ، أي : بعباد الله .
وقال ابن المبارك ، عن خالد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : الأواه : الموقن بلسان الحبشة .
وكذا قال العوفي ، عن ابن عباس : أنه الموقن .
وكذا قال مجاهد ، والضحاك .
وقال علي بن أبي طلحة ، ومجاهد ، عن ابن عباس : الأواه : المؤمن - زاد علي بن أبي طلحة عنه : المؤمن التواب .
وقال العوفي عنه : هو المؤمن بلسان الحبشة .
وكذا قال ابن جريج : هو المؤمن بلسان الحبشة .
وقال أحمد : حدثنا موسى ، حدثنا ابن لهيعة ، عن الحارث بن يزيد ، عن علي بن رباح ، عن عقبة بن عامر ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل يقال له " ذو البجادين " : " إنه أواه " ، وذلك أنه رجل كثير الذكر لله في القرآن ويرفع صوته في الدعاء .
ورواه ابن جرير .
وقال سعيد بن جبير ، والشعبي : الأواه : المسبح .
وقال ابن وهب ، عن معاوية بن صالح ، عن أبي الزاهرية ، عن جبير بن نفير ، عن أبي الدرداء ، رضي الله عنه ، قال : لا يحافظ على سبحة الضحى إلا أواه .
وقال شفي بن ماتع ، عن أيوب : الأواه : الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها .
وعن مجاهد : الأواه : الحفيظ الوجل ، يذنب الذنب سرا ، ثم يتوب منه سرا .
ذكر ذلك كله ابن أبي حاتم ، رحمه الله .
وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا المحاربي ، عن حجاج ، عن الحكم ، عن الحسن بن مسلم بن يناق : أن رجلا كان يكثر ذكر الله ويسبح ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " إنه أواه " .
وقال أيضا حدثنا أبو كريب ، حدثنا ابن يمان ، حدثنا المنهال بن خليفة ، عن حجاج بن أرطأة ، عن عطاء ، عن ابن عباس ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم دفن ميتا ، فقال : " رحمك الله إن كنت لأواها " !
يعني : تلاء للقرآن وقال شعبة ، عن أبي يونس الباهلي قال : سمعت رجلا بمكة - وكان أصله روميا ، وكان قاصا - يحدث عن أبي ذر قال : كان رجل يطوف بالبيت الحرام ويقول في دعائه : " أوه أوه " ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنه أواه .
قال : فخرجت ذات ليلة ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفن ذلك الرجل ليلا ومعه المصباح .
هذا حديث غريب رواه ابن جرير ومشاه .
وروي عن كعب الأحبار أنه قال : ( إن إبراهيم لأواه ) قال : كان إذا ذكر النار قال : " أوه من النار " .
وقال ابن جريج عن ابن عباس : ( إن إبراهيم لأواه ) قال : فقيه .
قال الإمام العلم أبو جعفر بن جرير : وأولى الأقوال قول من قال : إنه الدعاء ، وهو المناسب للسياق ، وذلك أن الله تعالى لما ذكر أن إبراهيم إنما استغفر لأبيه عن موعدة وعدها إياه ، وقد كان إبراهيم كثير الدعاء حليما عمن ظلمه وأناله مكروها ؛ ولهذا استغفر لأبيه مع شدة أذاه في قوله : ( أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا .
قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا ) [ مريم : 46 ، 47 ] ، فحلم عنه مع أذاه له ، ودعا له واستغفر ؛ ولهذا قال تعالى : ( إن إبراهيم لأواه حليم )
القول في تأويل قوله : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ما كان ينبغي للنبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا به= " أن يستغفروا ", يقول: أن يدعوا بالمغفرة للمشركين, ولو كان المشركون الذين يستغفرون لهم= " أولي قربى ", ذوي قرابة لهم= " من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم "، يقول: من بعد ما ماتوا على شركهم بالله وعبادة الأوثان، وتبين لهم أنهم من أهل النار، لأن الله قد قضى أن لا يغفر لمشرك، فلا ينبغي لهم أن يسألوا ربهم أن يفعل ما قد علموا أنه لا يفعله.
فإن قالوا: فإن إبراهيم قد استغفر لأبيه وهو مشرك؟
فلم يكن استغفارُ إبراهيم لأبيه إلا لموعدة وعدها إياه.
فلما تبين له وعلم أنه لله عدوٌّ، خلاه وتركه ، وترك الاستغفار له, وآثر الله وأمرَه عليه, فتبرأ منه حين تبين له أمره.
(17) * * * واختلف أهل التأويل في السبب الذي نـزلت هذه الآية فيه.
فقال بعضهم: نـزلت في شأن أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر له بعد موته, فنهاه الله عن ذلك.
* ذكر من قال ذلك: 17324- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية, فقال: يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمةً أحاجُّ لك بها عند الله!
فقال له أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أنْهَ عنك!
فنـزلت: " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ", ونـزلت: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ، [القصص: 56].
17325- حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال، حدثنا عمي عبد الله بن وهب قال، حدثني يونس, عن الزهري قال، أخبرني سعيد بن المسيب, عن أبيه, قال: لما حضرت أبا طالب الوفاةُ، جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم, فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عم قل: لا إله إلا الله، كلمةً أشهد لك بها عند الله!
قال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن مِلَّة عبد المطلب؟
فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيدُ له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخرَ ما كلَّمهم: " هو على ملة عبد المطلب ", وأبى أن يقول: " لا إله إلا الله ", فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لأستغفرنَّ لك ما لم أنْهَ عنك!
فأنـزل الله: " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين "، وأنـزل الله في أبي طالب, فقال لرسول الله: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ، الآية.
(18) ------------------------- الهوامش : (17) انظر تفسير ألفاظ الآية فيما سلف من فهارس اللغة .
(18) الأثر : 17325 - هذا حديث صحيح .
رواه البخاري وصححه (الفتح 3 : 176 ، 177 ) من طريق إسحاق ، عن يعقوب بن إبراهيم ، عن أبي صالح ، عن ابن شهاب الزهري ، ورواه أيضا ( الفتح 8 : 258 ) من طريق إسحاق بن إبراهيم ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، ثم رواه أيضا ( الفتح : 8 : 389 ) من طريق أبي اليمان ، عن شعيب عن الزهري .
ورواه مسلم في صحيحه 1 : 213 - 216 ، من طرق ، أولها هذه الطريق التي رواها منه أبو جعفر.
ورواه أحمد في مسنده 5 : 433 ، من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري .
وكلها أسانيد صحاح .
وسيأتي برقم : 17328 ، عن سعيد بن المسيب ، لم يرفعه عن أبيه ، بغير هذا اللفظ .
قوله تعالى ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيمفيه ثلاث مسائل : الأولى : روى مسلم عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية : يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب .
فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيد له تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم : هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فأنزل الله عز وجل : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم وأنزل الله في أبي طالب فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين .
فالآية على هذا ناسخة لاستغفار النبي صلى الله عليه وسلم لعمه فإنه استغفر له بعد موته على ما روي في غير الصحيح .
وقال الحسين بن الفضل : وهذا بعيد لأن السورة من آخر ما نزل من القرآن ومات أبو طالب في عنفوان الإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم بمكة .[ ص: 192 ] الثانية : هذه الآية تضمنت قطع موالاة الكفار حيهم وميتهم فإن الله لم يجعل للمؤمنين أن يستغفروا للمشركين فطلب الغفران للمشرك مما لا يجوز .
فإن قيل : فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد حين كسروا رباعيته وشجوا وجهه : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون فكيف يجتمع هذا مع منع الله تعالى رسوله والمؤمنين من طلب المغفرة للمشركين .
قيل له : إن ذلك القول من النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان على سبيل الحكاية عمن تقدمه من الأنبياء والدليل عليه ما رواه مسلم عن عبد الله قال : كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول : رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون .
وفي البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر نبيا قبله شجه قومه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يخبر عنه بأنه قال : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون .قلت : وهذا صريح في الحكاية عمن قبله ، لا أنه قاله ابتداء عن نفسه كما ظنه بعضهم .
والله أعلم .
والنبي الذي حكاه هو نوح عليه السلام ; على ما يأتي بيانه في سورة ( هود ) إن شاء الله .
وقيل : إن المراد بالاستغفار في الآية الصلاة .
قال بعضهم : ما كنت لأدع الصلاة على أحد من أهل القبلة ولو كانت حبشية حبلى من الزنا ; لأني لم أسمع الله حجب الصلاة إلا عن المشركين بقوله : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين الآية .
قال عطاء بن أبي رباح : الآية في النهي عن الصلاة على المشركين ، والاستغفار هنا يراد به الصلاة .
جواب ثالث : وهو أن الاستغفار للأحياء جائز ; لأنه مرجو إيمانهم ، ويمكن تألفهم بالقول الجميل وترغيبهم في الدين .
وقد قال كثير من العلماء : لا بأس أن يدعو الرجل لأبويه الكافرين ويستغفر لهما ما داما حيين .
فأما من مات فقد انقطع عنه الرجاء فلا يدعى له .
قال ابن عباس : كانوا يستغفرون لموتاهم ، فنزلت ، فأمسكوا عن الاستغفار ولم ينههم أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا .الثالثة : قال أهل المعاني : ( ما كان ) في القرآن يأتي على وجهين : على النفي نحو [ ص: 193 ] قوله : ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ، وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله .
والآخر بمعنى النهي كقوله : وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ، و ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين .
يعني: ما يليق ولا يحسن للنبي وللمؤمنين به {أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} أي: لمن كفر به، وعبد معه غيره {وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} فإن الاستغفار لهم في هذه الحال غلط غير مفيد، فلا يليق بالنبي والمؤمنين، لأنهم إذا ماتوا على الشرك، أو علم أنهم يموتون عليه، فقد حقت عليهم كلمة العذاب، ووجب عليهم الخلود في النار، ولم تنفع فيهم شفاعة الشافعين، ولا استغفار المستغفرين. وأيضًا فإن النبي والذين آمنوا معه، عليهم أن يوافقوا ربهم في رضاه وغضبه، ويوالوا من والاه اللّه، ويعادوا من عاداه اللّه، والاستغفار منهم لمن تبين أنه من أصحاب النار مناف لذلك، مناقض له
( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) اختلفوا في سبب نزول هذه الآية .
قال قوم : سبب نزولها : ما أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا أبو اليمان ، أنبأنا شعيب ، عن الزهري ، حدثني سعيد بن المسيب عن أبيه .
قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوجد عنده أبا جهل ، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة : فقال : أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله .
فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : أترغب عن ملة عبد المطلب؟
فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيدان بتلك المقالة ، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم : على ملة عبد المطلب ، وأبى أن يقول : لا إله إلا الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ، فأنزل الله تعالى : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ) وأنزل في أبي طالب : إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء .
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أنبأنا عبد الغافر بن محمد ، أنبأنا محمد بن عيسى ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثني محمد بن حاتم بن ميمون ، حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا يزيد بن كيسان ، حدثني أبو حازم الأشجعي ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله لعمه : " قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة " فقال : لولا أن تعيرني قريش ، فيقولون : إنما حمله على ذلك الجزع ، لأقررت بها عينك .
فأنزل الله عز وجل : ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ) .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ثنا عبد الله بن يوسف حدثني الليث حدثني يزيد بن الهاد عن عبد الله بن خباب عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكر عنده عمه فقال : " لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة ، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه " .
وقال أبو هريرة وبريدة : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أتى قبر أمه آمنة فوقف عليه حتى حميت الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها فنزلت : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) الآية .
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، حدثنا عبد الغافر بن محمد ، حدثنا محمد بن عيسى الجلودي ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، أنبأنا محمد بن عبيد ، عن يزيد بن كيسان ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال : " استأذنت ربي عز وجل في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور ، فإنها تذكر الموت " .
قال قتادة قال النبي صلى الله عليه وسلم : " : " لأستغفرن لأبي .
كما استغفر إبراهيم لأبيه " فأنزل الله تعالى هذه الآية : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ) .
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لما أنزل الله عز وجل خبرا عن إبراهيم عليه السلام ، قال لأبيه : " سلام عليك سأستغفر لك ربي " سمعت رجلا يستغفر لوالديه وهما مشركان ، فقلت له : تستغفر لهما وهما مشركان؟
فقال : أولم يستغفر إبراهيم لأبيه؟
فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فأنزل الله عز وجل : " قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم ، إلى قوله : " إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك " ( الممتحنة - 4 ) .
ونزل في استغفاره صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب واستغفار بعض الصحابة لأبويه المشركين (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى) ذوي قرابة (من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) النار، بأن ماتوا على الكفر.
ما كان ينبغي للنبي محمد صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا أن يدعوا بالمغفرة للمشركين، ولو كانوا ذوي قرابة لهم مِن بعد ما ماتوا على شركهم بالله وعبادة الأوثان، وتبين لهم أنهم أصحاب الجحيم لموتهم على الشرك، والله لا يغفر للمشركين، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ (4:48)} وكما قال سبحانه: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ (5:72)}.
ثم بين - سبحانه - أنه لا يصح للنبى - صلى الله عليه وسلم - ولا للمؤمنين أن يستغفروا للمشركين مهما بلغت درجة قرابتهم ، لأن رابطة العقيدة هى الوشيجة الأساسية فيما بينهم فقال - تعالى : ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ .
.
.
.
مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ) .قال الفخر الرازى : اعلم أنه - تعالى - لما بين من أول هذه السورة إلى هذا الموضوع وجوب إظهر البراءة عن الكفار والمنافقين من جميع الوجوه ، بين فى هذه الآية أنه تجب البراءة عن أمواتهم وإن كانوا فى غاية القرب من الإِنسان ، كما أوجبت البراءة عن أحيائهم ، والمقصود منه بيان وجوب مقاطعتهم على أقصى الغايات ، والمنع من مواصلتهم بسبب الأسباب .والمعنى : ما كان من شأن النبى - صلى الله عليه وسلم - ولا من شأن أصحابه المؤمنين ، أن يدعوا الله - تعالى - بأن يغفر للمشركين فى حال من الأحوال ، ولو كان هؤلاء المشركون من أقرب أقربائهم ( مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ ) أى : للرسول - صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه ، أن هؤلاء المشركين من أصحاب الجحيم ، بسبب موتهم على الكفر ، وإصرارهم عليه ، وعدم اعترافهم بدين الإِسلام .قال الآلوسى ما ملخصه : والآية على الصحيح " نزلت فى أبى طالب ، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن المسيب بن حزن قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة ، دخل عليه النبى - صلى الله عليه وسلم - وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبى أمية فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - أى عم ، قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله .
فقال أبو جهل يا أبا طالب أترغب من ملة عبد المطلب؟
فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرضها عليه .
وأبو جهل وعبد الله بن أمية يعاودانه بتلك المقالة .
فقال ابو طالب آخر ما كلمهم : هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول : لا إله إلا الله .
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأستغفرون لك ما لم أنْهَ عن ذلك فنزلت : ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ ) الآية " .ثم قال .
واستبعد بعضهم ذلك ، لأن موت أبى طالب كان قبل الهجرة بثلاث سنين ، وهذه السورة من أواخر ما نزل بالمدينة .وهذا الاستبعاد مستبعد ، لأنه لا بأس من أن يقال : كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يستغفر لأبى طالب من ذلك الوقت إلى وقت نزول هذه الآية وعليه فلا يراد من قوله " فنزلت " فى الخبر أن النزول كان عقيب القول بل يراد أن ذلك سبب النزول فحسب .
فتكون الفاء للسببية لا للتعقيب .وقال القرطبى : هذه الآية تضمنت قطع موالاة الكفار حيهم وميتهم ، فإن الله لم يجعل للمؤمنين أن يستغفروا للمشركين .
فطلب الغفران للمشرك مما لا يجوز ، وقال كثير من العلماء .
بأنه لا بأس أن يدعو الرجل لأبويه الكافرين ما داما حيين ، فأما من مات على الكفر فقد انقطع عنه الرجاء فلا يدعى له .
اعلم أنه تعالى لما بين من أول هذه السورة إلى هذا الموضع وجوب إظهار البراءة عن الكفار والمنافقين من جميع الوجوه بين في هذه الآية أنه تجب البراءة عن أمواتهم، وإن كانوا في غاية القرب من الإنسان كالأب والأم، كما أوجبت البراءة عن أحيائهم، والمقصود منه بيان وجوب مقاطعتهم على أقصى الغايات والمنع من مواصلتهم بسبب من الأسباب وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوهاً.
الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما فتح الله تعالى مكة سأل النبي عليه الصلاة والسلام أي أبويه أحدث به عهداً قيل أمك، فذهب إلى قبرها ووقف دونه، ثم قعد عند رأسها وبكى فسأله عمر وقال: نهيتنا عن زيارة القبور والبكاء، ثم زرت وبكيت، فقال: قد أذن لي فيه، فلما علمت ما هي فيه من عذاب الله وإني لا أغني عنها من الله شيئاً بكيت رحمة لها.
الثاني: روي عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة قال له الرسول عليه الصلاة والسلام: «يا عم قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله» فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية أترغب عن ملة عبد المطلب.
فقال: أنا على ملة عبد المطلب فقال عليه الصلاة والسلام: «لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» فنزلت هذه الآية قوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ قال الواحدي: وقد استبعده الحسين بن الفضل لأن هذه السورة من آخر القرآن نزولاً، ووفاة أبي طالب كانت بمكة في أول الإسلام، وأقول هذا الاستبعاد عندي مستبعد، فأي بأس أن يقال إن النبي عليه الصلاة والسلام بقي يستغفر لأبي طالب من ذلك الوقت إلى وقت نزول هذه الآية، فإن التشديد مع الكفار إنما ظهر في هذه السورة فلعل المؤمنين كان يجوز لهم أن يستغفروا لأبويهم من الكافرين، وكان النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً يفعل ذلك، ثم عند نزول هذه السورة منعهم الله منه، فهذا غير مستبعد في الجملة.
الثالث: يروى عن علي أنه سمع رجلاً يستغفر لأبويه المشركين قال: فقلت له أتستغفر لأبويك وهما مشركان؟
فقال: أليس قد استغفر إبراهيم لأبويه وهما مشركان فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية.
الرابع: يروى أن رجلاً أتى الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: كان أبي في الجاهلية يصل الرحم، ويقري الضيف، ويمنح من ماله.
وأي أبي؟
فقال: أمات مشركاً؟
قال: نعم.
قال: في ضحضاح من النار، فولى الرجل يبكي فدعاه عليه الصلاة والسلام، فقال: إن أبي وأباك وأبا إبراهيم في النار، إن أباك لم يقل يوماً أعوذ بالله من النار المسألة الثانية: قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ يحتمل أن يكون المعنى ما ينبغي لهم ذلك فيكون كالوصف، وأن يكون معناه ليس لهم ذلك على معنى النهي: فالأول: معناه أن النبوة والإيمان يمنع من الاستغفار للمشركين.
والثاني: معناه لا تستغفروا والأمران مقاربان.
وسبب هذا المنع ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أصحاب الجحيم ﴾ وأيضاً قال: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ والمعنى أنه تعالى لما أخبر عنهم أنه يدخلهم النار.
فطلب الغفران لهم جار مجرى طلب أن يخلف الله وعده ووعيده وأنه لا يجوز.
وأيضاً لما سبق قضاء الله تعالى بأنه يعذبهم.
فلو طلبوا غفرانه لصاروا مردودين، وذلك يوجب نقصان درجة النبي عليه الصلاة والسلام وحظ مرتبته، وأيضاً أنه قال: ﴿ ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ وقال عنهم أنهم أصحاب الجحيم فهذا الاستغفار يوجب الخلف في أحد هذين النصين، وإنه لا يجوز وقد جوز أبو هاشم أن يسأل العبد ربه شيئاً بعد ما أخبر الله عنه أنه لا يفعله، واحتج عليه بقول أهل النار ﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا ﴾ مع علمهم بأنه تعالى لا يفعل ذلك، وهذا في غاية البعد من وجوه: الأول: أم هذا مبني على مذهبه أن أهل الآخرة لا يجهلون ولا يكذبون، وذلك ممنوع، بل نص القرآن يبطله.
وهو قوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ ﴾ والثاني: أن في حقهم يحسن ردهم عن ذلك السؤال وإسكاتهم، أما في حق الرسول عليه الصلاة والسلام فغير جائز، لأنه يوجب نقصان منصبه.
والثالث: أن مثل هذا السؤال الذي يعلم أنه لا فائدة فيه إما أن يكون عبثاً أو معصية.
وكلاهما جائزان على أهل النار وغير جائزين على أكابر الأنبياء عليهم السلام.
المسألة الثالثة: أنه تعالى لما بين أن العلة المانعة من هذا الاستغفار هو تبين كونهم من أصحاب النار، وهذه العلة لا تختلف بأن يكونوا من الأقارب أو من الأباعد، فلهذا السبب قال تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قربى ﴾ وكون سبب النزول ما حكينا، يقوي هذا الذي قلناه.
أما قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه: الأول: أن المقصود منه أن لا يتوهم إنسان أنه تعالى منع محمداً من بعض ما أذن لإبراهيم فيه.
والثاني: أن يقال إنا ذكرنا في سبب اتصال هذه الآية بما قبلها المبالغة في إيجاب الانقطاع عن الكفار أحيائهم وأمواتهم.
ثم بين تعالى أن هذا الحكم غير مختص بدين محمد عليه الصلاة والسلام، بل المبالغة في تقرير وجوب الانقطاع كانت مشروعة أيضاً في دين إبراهيم عليه السلام، فتكون المبالغة في تقرير وجوب المقاطعة والمباينة من الكفار أقوى.
الثالث: أنه تعالى وصف إبراهيم عليه السلام في هذه الآية بكونه حليماً أي قليل الغضب، وبكونه أواها أي كثير التوجع والتفجع عند نزول المضار بالناس، والمقصود أن من كان موصوفاً بهذه الصفات كان ميل قلبه إلى الاستغفار لأبيه شديداً، فكأنه قيل: إن إبراهيم مع جلالة قدره ومع كونه موصوفاً بالأواهية والحليمية منعه الله تعالى من الاستغفار لأبيه الكافر، فلأن يكون غيره ممنوعاً من هذا المعنى كان أولى.
المسألة الثانية: دل القرآن على أن إبراهيم عليه السلام استغفر لأبيه.
قال تعالى حكاية عنه ﴿ واغفر لأَبِى إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضالين ﴾ وأيضاً قال عنه: ﴿ رَبَّنَا اغفر لِى وَلِوَالِدَىَّ ﴾ وقال تعالى حكاية عنه في سورة مريم قال: ﴿ سلام عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي ﴾ وقال أيضاً: ﴿ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ وثبت أن الاستغفار للكافر لا يجوز.
فهذا يدل على صدور هذا الذنب من إبراهيم عليه السلام.
واعلم أنه تعالى أجاب عن هذا الإشكال بقوله: ﴿ وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ ﴾ وفيه قولان: الأول: أن يكون الواعد أبا إبراهيم عليه السلام، والمعنى: أن أباه وعده أن يؤمن، فكان إبراهيم عليه السلام يستغفر لأجل أن يحصل هذا المعنى، فلما تبين له أنه لا يؤمن وأنه عدو لله تبرأ منه، وترك ذلك الاستغفار.
الثاني: أن يكون الواعد إبراهيم عليه السلام، وذلك أنه وعد أباه أن يستغفر له رجاء إسلامه ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ﴾ والدليل على صحة هذا التأويل قراءة الحسن ﴿ وَعَدَهَا أَبَاهُ ﴾ بالباء، ومن الناس من ذكر في الجواب وجهين آخرين.
الوجه الأول: المراد من استغفار إبراهيم لأبيه دعاؤه له إلى الإيمان والإسلام، وكان يقول له آمن حتى تتخلص من العقاب وتفوز بالغفران، وكان يتضرع إلى الله في أن يرزقه الإيمان الذي يوجب المغفرة، فهذا هو الاستغفار، فلما أخبره الله تعالى بأنه يموت مصراً على الكفر ترك تلك الدعوة.
والوجه الثاني: في الجواب أن من الناس من حمل قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ على صلاة الجنازة، وبهذا الطريق فلا امتناع في الاستغفار للكافر لكون الفائدة في ذلك الاستغفار تخفيف العقاب.
قالوا: والدليل على أن المراد ما ذكرناه، أنه تعالى منع من الصلاة على المنافقين، وهو قوله: ﴿ وَلاَ تُصَلّ على أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَداً ﴾ وفي هذه الآية عم هذا الحكم، ومنه من الصلاة على المشركين، سواء كان منافقاً أو كان مظهراً لذلك الشرك وهذا قول غريب.
المسألة الثالثة: اختلفوا في السبب الذي به تبين لإبراهيم أن أباه عدو لله.
فقال بعضهم: بالإصرار والموت.
وقال بعضهم: بالإصرار وحده.
وقال آخرون: لا يبعد أن الله تعالى عرفه ذلك بالوحي، وعند ذلك تبرأ منه.
فكان تعالى يقول: لما تبين لإبراهيم أن أباه عدو لله تبرأ منه، فكونوا كذلك، لأني أمرتكم بمتابعة إبراهيم في قوله: ﴿ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبراهيم ﴾ .
واعلم أنه تعالى لما ذكر حال إبراهيم في هذه الواقعة.
قال: ﴿ إِنَّ إبراهيم لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾ واعلم أن اشتقاق الأواه من قول الرجل عند شدة حزنه أوه، والسبب فيه أن عند الحزن يختنق الروح القلبي في داخل القلب ويشتد حرقه، فالإنسان يخرج ذلك النفس المحترق من القلب ليخفف بعض ما به هذا هو الأصل في اشتقاق هذا اللفظ، وللمفسرين فيه عبارات، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الأواه: الخاشع المتضرع».
وعن عمر: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأواه، فقال: الدعاء ويروى أن زينب تكلمت عند الرسول عليه الصلاة والسلام بما يغير لونه، فأنكر عمر، فقال عليه الصلاة والسلام: «دعها فإنها أواهة» قيل يا رسول الله وما الأواهة؟
قال: «الداعية الخاشعة المتضرعة» وقيل: معنى كون إبراهيم عليه السلام أواها، كلما ذكر لنفسه تقصيراً أو ذكر له شيء من شدائد الآخرة كان يتأوه إشفاقاً من ذلك واستعظاماً له.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الأواه، المؤمن بالخشية.
وأما وصفه بأنه حليم فهو معلوم.
واعلم أنه تعالى إنما وصفه بهذين الوصفين في هذا المقام، لأنه تعالى وصفه بشدة الرقة والشفقة والخوف والوجل، ومن كذلك فإنه تعظم رقته على أبيه وأولاده، فبين تعالى أنه مع هذه العادة تبرأ من أبيه وغلظ قلبه عليه، لما ظهر له إصراره على الكفر، فأنتم بهذا المعنى أولى، وكذلك وصفه أيضاً بأنه حليم، لأن أحد أسباب الحلم رقة القلب، وشدة العطف لأن المرء إذا كان حاله هكذا اشتد حلمه عند الغضب.
<div class="verse-tafsir"
قيل: قال صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب: «أنت أعظم الناس عليَّ حقاً، وأحسنهم عندي يداً، فقل كلمة تجب لك بها شفاعتي» ، فأبى فقال: «لا أزال أتسغفر لك ما لم أنه عنه» ، فنزلت.
وقيل: لما افتتح مكة سأل أي أبويه أحدث به عهداً؟
فقيل: أمك آمنة، فزار قبرها بالأبواء، ثم قام مستعبراً فقال: إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي، فنزلت.
وهذا أصحّ لأنّ موت أبي طالب كان قبل الهجرة، وهذا آخر ما نزل بالمدينة.
وقيل: استغفر لأبيه.
وقيل: قال المسلمون ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا وذوي قرابتنا وقد استغفر إبراهيم لأبيه، وهذا محمد يستغفر لعمه ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِىّ ﴾ ما صح له الاستغفار في حكم الله وحكمته ﴿ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أصحاب الجحيم ﴾ لأنهم ماتوا على الشرك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ رُوِيَ: «أنَّهُ قالَ لِأبِي طالِبٍ لَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ: « قُلْ كَلِمَةً أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ» فَأبى فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « لا أزالُ أسْتَغْفِرُ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْهُ» فَنَزَلَتْ» وقِيلَ لَمّا افْتَتَحَ مَكَّةَ خَرَجَ إلى الأبْواءِ فَزارَ قَبْرَ أُمِّهِ ثُمَّ قامَ مُسْتَعْبِرًا فَقالَ: «إنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي في زِيارَةِ قَبْرِ أُمِّي فَأذِنَ لِي واسْتَأْذَنْتُهُ في الِاسْتِغْفارِ لَها فَلَمْ يَأْذَنْ لِي وأنْزَلَ عَلَيَّ الآيَتَيْنِ» .
﴿ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ ﴾ بِأنْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الِاسْتِغْفارِ لِأحْيائِهِمْ فَإنَّهُ طَلَبُ تَوْفِيقِهِمْ لِلْإيمانِ وبِهِ دَفْعُ النَّقْضِ بِاسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأبِيهِ الكافِرِ فَقالَ: ﴿ وَما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ ﴾ وعَدَها إبْراهِيمُ أباهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ أيْ لَأطْلُبَنَّ مَغْفِرَتَكَ بِالتَّوْفِيقِ لِلْإيمانِ فَإنَّهُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ « أباهُ»، أوْ « وعَدَها إبْراهِيمَ أبُوهُ» وهي الوَعْدُ بِالإيمانِ ﴿ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ ﴾ بِأنْ ماتَ عَلى الكُفْرِ، أوْ أُوحِيَ إلَيْهِ بِأنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ ﴿ تَبَرَّأ مِنهُ ﴾ قَطَعَ اسْتِغْفارَهُ.
﴿ إنَّ إبْراهِيمَ لأوّاهٌ ﴾ لَكَثِيرُ التَّأوُّهِ وهو كِنايَةٌ عَنْ فَرْطِ تَرَحُّمِهِ ورِقَّةِ قَلْبِهِ.
﴿ حَلِيمٌ ﴾ صَبُورٌ عَلى الأذى، والجُمْلَةُ لِبَيانِ ما حَمَلَهُ عَلى الِاسْتِغْفارِ لَهُ مَعَ شَكاسَتِهِ عَلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
وهمّ عليه السلام أن يستغفر لأبي طالب فنزل {ما كان للنبي والذين آمنوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قربى} أى ماصح له الاستغفار في حكم الله وحكمته {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أصحاب الجحيم} من بعد ما ظهر لهم أنهم ماتوا على الشرك
﴿ ما كانَ ﴾ أيْ ما صَحَّ في حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وحِكْمَتِهِ وما اسْتَقامَ ﴿ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِاللَّهِ تَعالى عَلى الوَجْهِ المَأْمُورِ بِهِ ﴿ أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ بِهِ سُبْحانَهُ ﴿ ولَوْ كانُوا ﴾ أيِ المُشْرِكُونَ ﴿ أُولِي قُرْبى ﴾ أيْ ذَوِي قَرابَةٍ لَهم وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ أُخْرى قَبْلَها مَحْذُوفَةٍ حَذْفًا مُطَّرِدًا أيْ لَوْ لَمْ يَكُونُوا أُولِي قُرْبى ولَوْ كانُوا كَذَلِكَ ﴿ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ ﴾ أيْ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ ﴿ أنَّهُمْ ﴾ أيِ المُشْرِكِينَ ﴿أصْحابُ الجَحِيمِ 113﴾ بِأنْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ أوْ نَزَلَ الوَحْيُ بِأنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ لا يُؤْمِنُونَ أصْلًا وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ الِاسْتِغْفارِ لِأحْيائِهِمُ الَّذِينَ لا قَطْعَ بِالطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ، والمُرادُ مِنهُ في حَقِّهِمْ طَلَبُ تَوْفِيقِهِمْ لِلْإيمانِ، وقِيلَ: إنَّهُ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاقْتِضاءِ فَلا يُقالُ: إنَّهُ لا فائِدَةَ في طَلَبِ المَغْفِرَةِ لِلْكافِرِ، والآيَةُ عَلى الصَّحِيحِ نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وآخَرُونَ عَنِ المُسَيَّبِ بْنِ حَزَنٍ قالَ: «لَمّا حَضَرَتْ أبا طالِبٍ الوَفاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعِنْدَهُ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أيْ عَمِّ قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ فَقالَ: أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ: يا أبا طالِبٍ أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟
فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَعْرِضُها عَلَيْهِ وأبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ يُعاوِدانِهِ بِتِلْكَ المَقالَةِ فَقالَ أبُو طالِبٍ آخِرَ ما كَلَّمَهُمْ: هو عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأبى أنْ يَقُولَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ فَنَزَلَتْ ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ ﴾ » الآيَةَ واسْتَبْعَدَ ذَلِكَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ بِأنَّ مَوْتَ أبِي طالِبٍ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِنَحْوِ ثَلاثِ سِنِينَ وهَذِهِ السُّورَةُ مِن أواخِرِ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ.
قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا الِاسْتِبْعادُ مُسْتَبْعَدٌ فَأيُّ بَأْسٍ أنْ يُقالَ: كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَسْتَغْفِرُ لِأبِي طالِبٍ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ إلى وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ فَإنَّ التَّشْدِيدَ مَعَ الكُفّارِ إنَّما ظَهَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ وذَكَرَ نَحْوًا مِن هَذا صاحِبُ التَّقْرِيبِ، وعَلَيْهِ لا يُرادُ بِقَوْلِهِ: فَنَزَلَتْ في الخَبَرِ أنَّ النُّزُولَ كانَ عَقِيبَ القَوْلِ بَلْ يُرادُ أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ النُّزُولِ، فالفاءُ فِيهِ لِلسَّبَبِيَّةِ لا لِلتَّعْقِيبِ.
واعْتَمَدَ عَلى هَذا التَّوْجِيهِ كَثِيرٌ مِن جُلَّةِ العُلَماءِ وهو تَوْجِيهٌ وجِيهٌ خَلا أنَّهُ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ وابْنُ عَساكِرَ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: أخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَوْتِ أبِي طالِبٍ فَبَكى فَقالَ: اذْهَبْ فَغَسِّلْهُ وكَفِّنْهُ ووارِهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ورَحِمَهُ.
فَفَعَلْتُ وجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ أيّامًا ولا يَخْرُجُ مِن بَيْتِهِ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ ﴾ » إلَخْ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ النُّزُولَ قَبْلَ الهِجْرَةِ لِأنَّ عَدَمَ الخُرُوجِ مِنَ البَيْتِ فِيهِ مُغَيًّا بِهِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ بِضَعْفِ الحَدِيثِ لَكِنْ لَمْ نَرَ مَن تَعَرَّضَ لَهُ والأوْلى في الجَوابِ عَنْ أصْلِ الِاسْتِبْعادِ أنْ يُقالَ: إنَّ كَوْنَ هَذِهِ السُّورَةِ مِن أواخِرِ ما نَزَلَ بِاعْتِبارِ الغالِبِ كَما تَقَدَّمَ فَلا يُنافِي نُزُولَ شَيْءٍ مِنها في المَدِينَةِ والآيَةُ عَلى هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ أبا طالِبٍ ماتَ كافِرًا وهو المَعْرُوفُ مِن مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ ورَوى ابْنُ إسْحَقَ في سِيرَتِهِ عَنِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ بَعْضِ أهْلِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن خَبَرٍ طَوِيلٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِأبِي طالِبٍ في مَرَضِ مَوْتِهِ وقَدْ طَمِعَ فِيهِ: أيْ عَمِّ فَأنْتَ فَقُلْها يَعْنِي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أسْتَحِلُّ بِها لَكَ الشَّفاعَةَ يَوْمَ القِيامَةِ وحَرَّضَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ فَقالَ: واللَّهِ يا ابْنَ أخِي لَوْلا مَخافَةُ السُّبَّةِ عَلَيْكَ وعَلى بَنِي أبِيكَ مِن بَعْدِي وأنْ تَظُنَّ قُرَيْشٌ أنِّي قُلْتُها جَزَعًا مِنَ المَوْتِ لَقُلْتُها ولا أقُولُها إلّا لِأسُرَّكَ بِها فَلَمّا تَقارَبَ مِن أبِي طالِبٍ المَوْتُ نَظَرَ العَبّاسُ إلَيْهِ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ فَأصْغى إلَيْهِ بِأُذُنِهِ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي لَقَدْ قالَ أخِي الكَلِمَةَ الَّتِي أمَرْتَهُ أنْ يَقُولَها فَقالَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: لَمْ أسْمَعْ» .
واحْتَجَّ بِهَذا ونَحْوِهِ مِن أبْياتِهِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْإقْرارِ بِحَقِّيَّةِ ما جاءَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وشِدَّةِ حُنُوِّهِ عَلَيْهِ ونُصْرَتِهِ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الشِّيعَةُ الذّاهِبُونَ إلى مَوْتِهِ مُؤْمِنًا وقالُوا: إنَّهُ المَرْوِيُّ عَنْ أهْلِ البَيْتِ وأهْلُ البَيْتِ أدْرى وأنْتَ تَعْلَمُ قُوَّةَ دَلِيلِ الجَماعَةِ فالِاعْتِمادُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ العَبّاسِ دُونَهُ مِمّا تَضْحَكُ مِنهُ الثَّكْلى والأبْياتُ عَلى انْقِطاعِ أسانِيدِها لَيْسَ فِيها النُّطْقُ بِالشَّهادَتَيْنِ وهو مَدارُ فَلَكِ الإيمانِ، وشَدَّةُ الحُنُوِّ والنُّصْرَةُ مِمّا لا يُنْكِرُهُ أحَدٌ إلّا أنَّها بِمَعْزِلٍ عَمّا نَحْنُ فِيهِ، وأخْبارُ الشِّيعَةِ عَنْ أهْلِ البَيْتِ أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ، وإنَّهُ لَأوْهَنُ البُيُوتِ.
نَعَمْ لا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ الخَوْضُ فِيهِ كالخَوْضِ في سائِرِ كُفّارِ قُرَيْشٍ مِن أبِي جَهْلٍ وأضْرابِهِ فَإنَّ لَهُ مَزِيَّةً عَلَيْهِمْ بِما كانَ يَصْنَعُهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن مَحاسِنِ الأفْعالِ، وقَدْ رُوِيَ نَفْعُ ذَلِكَ لَهُ في الآخِرَةِ أفَلا يَنْفَعُهُ في الدُّنْيا في الكَفِّ عَنْهُ وعَدَمِ مُعامَلَتِهِ مُعامَلَةَ غَيْرِهِ مِنَ الكُفّارِ، فَعَنْأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «قالَ وقَدْ ذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ: لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفاعَتِي يَوْمَ القِيامَةِ فَيُجْعَلُ في ضِحْضاحٍ مِن نارٍ» .
وجاءَ في رِوايَةٍ أنَّهُ «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنَّ عَمَّكَ أبا طالِبٍ كانَ يَحُوطُكَ ويَنْصُرُكَ فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ؟
فَقالَ: نَعَمْ وجَدْتُهُ في غَمَراتِ النّارِ فَأخْرَجْتُهُ إلى ضِحْضاحٍ مِن نارٍ» وسَبُّهُ عِنْدِي مَذْمُومٌ جِدًّا لا سِيَّما إذا كانَ فِيهِ إيذاءٌ لِبَعْضِ العَلَوِيِّينَ إذْ قَدْ ورَدَ: «لا تُؤْذُوا الأحْياءَ بِسَبِّ الأمْواتِ» و«مِن حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ» وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمًا إلى المَقابِرِ فَجاءَ حَتّى جَلَسَ إلى قَبْرٍ مِنها فَناجاهُ طَوِيلًا ثُمَّ بَكى فَبَكَيْنا لِبُكائِهِ ثُمَّ قامَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ فَقامَ إلَيْهِ عُمَرُ فَدَعاهُ ثُمَّ دَعانا فَقالَ: ما أبْكاكُمْ؟
قُلْنا: بَكَيْنا لِبُكائِكَ قالَ: إنَّ القَبْرَ الَّذِي جَلَسْتُ عِنْدَهُ قَبْرُ آمِنَةَ وإنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي في زِيارَتِها فَأذِنَ لِي واسْتَأْذَنْتُهُ في الِاسْتِغْفارِ لَها فَلَمْ يَأْذَنْ لِي وأنْزَلَ عَلَيَّ ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ ﴾ إلَخْ فَأخَذَنِي ما يَأْخُذُ الوَلَدَ لِلْوالِدَةِ مِنَ الرِّقَّةِ فَذاكَ الَّذِي أبْكانِي» ولا يَخْفى أنَّ الصَّحِيحَ في سَبَبِ النُّزُولِ هو الأوَّلُ.
نَعَمْ خَبَرُ الِاسْتِئْذانِ في الِاسْتِغْفارِ لِأُمِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعَدَمُ الإذْنِ جاءَ في رِوايَةٍ صَحِيحَةٍ لَكِنْ لَيْسَ فِيها أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ النُّزُولِ فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أتى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكى وأبْكى مَن حَوْلَهُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أنْ أسْتَغْفِرَ لَها فَلَمْ يَأْذَنْ لِي واسْتَأْذَنْتُ أنْ أزُورَ قَبْرَها فَأذِنَ لِي، فَزُورُوا القُبُورَ فَإنَّها تُذَكِّرُكم بِالمَوْتِ».
واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِهَذا الخَبَرِ ونَحْوِهِ عَلى أنَّ أُمَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمَّنْ لا يُسْتَغْفَرُ لَهُ وفي ذَلِكَ نِزاعٌ شَهِيرٌ بَيْنَ العُلَماءِ ولَعَلَّ النَّوْبَةَ تُفْضِي إلى تَحْقِيقِ الحَقِّ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا، يعني: ما ينبغي وما جاز للنبي والذين آمنوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ.
وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: «سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت له: أتستغفر لأبويك وهما مشركان؟» فقال: ألم يستغفر إبراهيم لأبويه وهما مشركان؟
فذكرت ذلك للنبي ، فنزل مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ.
وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى، يعني: ذا قرابة في الرحم.
مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ، يعني: أهل النار وماتوا على الكفر وهم في النار.
ويقال أراد النبيّ أن يستغفر لأبويه وهما مشركان، واستأذن منه المسلمون أن يستغفروا لآبائهم، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وقال: مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ.
وروى مسروق عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «خرج رسول الله وخرجنا معه، حتى انتهينا إلى قبر فجلس إليه فناجاه طويلاً، ثم رفع رأسه باكياً، فبكينا لبكاء رسول الله .
ثم إن النبيّ أقبل إلينا، فتلقاه عمر فقال: «ما الذي أبكاك يا رسول الله؟» فأخذ بيد عمر وأقبل إلينا، فأتيناه فقال: «أفْزَعَكُمْ بُكَائِي» ؟
فقلنا: نعم يا رسول الله.
فقال: «إنَّ الْقَبْرَ الَّذِي رَأَيْتُمُونِي أُنَاجِيهِ قَبْرُ آمِنَةَ بِنْتُ وَهْبٍ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَإنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي بِالاسْتِغْفَارِ لَهَا، فَلَمْ يَأْذَنْ لي، فأنزل الله تعالى مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ فَأَخَذَنِي مَا يَأْخُذُ الْوَلَدَ لِلْوَالِدَيْنِ مِنَ الرِّقَّةِ، فذلك الَّذِي أبْكَانِي» (١) وروى أبو هريرة، عن النبيّ أنه قال «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِوَالِدَيَّ، فَلَمْ يَأْذَنْ لِي وَاْستَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهُمَا، فَأَذِنَ لِي» (٢) ثم قال تعالى: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ وذلك أن أباه وعد إبراهيم أن يسلم، فكان يستغفر له رجاء أن يسلم.
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: «ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فَلَمَّا مات، تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ يعني: ترك الدعاء ولم يستغفر له بعد لأنه مات على الكفر» (٣) ، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أمية، فقال النبيّ لأبي طالب: «يَا عَمِّ، قُلْ لا إله إِلا الله كَلِمة النَّجَاةِ، أشْهَدْ لَكَ بِهَا عِنْدَ الله تَعَالَى» .
فقال أبو جهل: أترغب عن ملة عبد المطلب؟
فلم يزل النبي يعرضها عليه ويعانده أبو جهل بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر مما كلمهم: على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال النبيّ «أمَا وَالله لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عنه» (٤) قوله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ.
وروى سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: «كل القرآن أعلمه إلا أربعة: «غسلين، وحناناً، والأواه، والرقيم» .
وروي عن عبد الله بن عباس، في رواية أُخرى أنه قال: الأواه الذي يذكر الله في أرض الوحشة» .
وروي عن ابن مسعود أنه قال: «الأواه الرحيم» .
وقال مجاهد: الأواه الموقن.
وقال الضحاك: الأواه الداعي الذي يلح في الدعاء إلى الله تعالى، المقبل إليه بطاعته.
ويقال: الأواه المؤمن بلغة الحبشة.
ويقال: الأواه معلم الخير.
وقال كعب: الأواه الذي إذا ذكر الله، قال: أواه من النار.
وقال القتبي: المتأوه حزناً وخوفاً حَلِيمٌ يعني: حليما عن الجهل.
(١) عزاه السيوطي: 4/ 302 إلى ابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، وابن ماجة (1571) والحاكم 2/ 336 وأصله في مسلم (976) (108) وأبي داود (3234) وابن ماجة (1572) والبيهقي: 4/ 76.
(٢) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم (976) وأبو داود (3234) والنسائي: 4/ 90 وابن ماجة (1572) والبيهقي 4/ 76 وأحمد 2/ 442 والبغوي (1554) .
(٣) عزاه السيوطي: 4/ 300 إلى الطيالسي وأحمد وابن أبي شيبة وأبي يعلى وابن جرير وابن المنذر والحاكم والترمذي والنسائي وابن مردويه.
(٤) أخرجه البخاري (1360) و (3884) و (4675) و (6681) ومسلم (24) وأحمد 5/ 433 والنسائي: 4/ 90.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ: قِيل: هو لفظ عامّ، أمر صلّى الله عليه وسلّم أَنْ يبشِّر أمته جميعاً بالخير من اللَّه، وقيل: بل هذه الألفاظ خاصَّة لمن لم يَغْزُ، أي: لما تقدَّم في الآية وعْدُ المجاهدين وفضلهم، أمر صلّى الله عليه وسلّم، أنْ يبشِّر سائر المؤمنين ممَّن لم يَغْزُ بأنَّ الإيمان مُخَلِّص من النَّار، والحمد للَّه رب العالمين.
مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤) وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١١٦)
وقوله سبحانه: مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ...
الآية:
جمهورُ المفسِّرين أنَّ هذه الآية نزلَتْ في شَأْن أبي طالب، وذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دَخَلَ عَلَيْهِ حين احتضر، فَوَعَظَهُ، وقَالَ: «أَيْ عَمِّ قُلْ لاَ إلَهَ إِلاَّ اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ» ، وَكَانَ بالحَضْرة أَبو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّه بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، فَقالا لَهُ: يَا أَبَا طَالِبٍ أَترغَبُ عن ملَّة عَبْدِ المطَّلِبِ؟
فَقالَ أبو طَالِبٍ: يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ، لَوْلاَ أَنِّي أَخَافُ أَنْ يُعَيَّرَ بِهَا وَلَدِي مِنْ بَعْدِي، لأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، ثُمَّ قَالَ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ إذ لم يسمع منه صلّى الله عليه وسلّم ما قال العبَّاس، فنزلَتْ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: ٥٦] فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «وَاللَّهِ، لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» ، فَكَانَ يستغفر له حَتَّى نَزَلَتْ هذه الآية «١» ، فترك نبيُّ اللَّه الاستغفار لأَبي طالب، وروي أنَّ المؤمنين لما رأَوْا نبيَّ اللَّه يستغفرُ لأبي طالب، جعلوا يَسْتَغْفِرُونَ لموتاهم، فلذلك دَخَلُوا في النّهي، والآية على هذا ناسخة
لفعله صلّى الله عليه وسلّم إِذ أفعاله في حُكْم الشرعِ المستقِرِّ، وقال ابن عبَّاس وقتادة «١» وغيرهما: إِنما نزلَتِ الآية بسببِ جماعةٍ من المؤمنين قالوا: نَسْتَغْفِرُ لموتانا كما استغفر إِبراهيمُ عليه السلام، فنزلَتِ الآية في ذلك، وقوله سبحانه: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ ...
الآية: المعنى: لا حجَّة أَيُّها المؤمنون في استغفار إِبراهيم عليه السلام، فإِن ذلك لم يكُنْ إِلا عن موعدةٍ، واختلف في ذلك، فقيلَ: عن مَوْعِدَةٍ من إِبراهيم، وذلك قوله: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا [مريم: ٤٧] وقيل: عن موعِدَةٍ من أبيه له في أنَّهُ سيؤمن، فَقَوِيَ طمعه، فحمله ذلك على الاستغفار له حتى نُهِيَ عنه، ومَوْعِدَة مِنَ الوَعْدِ، وأما تبيُّنه أنه عَدُوٌّ للَّه، قيل: ذلك بموت آزر على الكُفْر، وقيل: ذلك بأنه نُهِيَ عنه، وهو حيٌّ، وقوله سبحانه: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ثَنَاءٌ مِنَ اللَّه تعالَى على إِبراهيم، و «الأَوَّاهُ» معناهُ الخَائِفُ الذي يُكْثِرُ التَّأَوُّهَ مِنْ خَوفِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، والتَّأَوُّهُ: التوجُّع الذي يَكْثُرُ حَتَّى ينطق الإِنسان معه ب «أَوَّهْ» ومن هذا المعنَى قولُ المُثَقِّب العَبْدِي: [الوافر]
إِذَا مَا قُمْتُ أَرْحُلُهَا بِلَيْلٍ ...
تَأَوَّهُ أَهَّةَ الرَّجُلِ الحَزِينِ «٢»
ويروى: آهَة.
وروي أن إبراهيم عليه السلام كان يُسْمَعُ وَجِيبُ قَلْبِهِ «٣» من الخشية، كما تُسْمَعُ أَجنحة النُّسُور، وللمفسِّرين في «الأَوَّاه» عباراتٌ كلُّها ترجعُ إِلى ما ذكرتُه.
ت: روى ابن المبارك في «رقائقه» ، قال: أخبرنا عبدُ الحميدِ بْنُ بَهْرَام، قال:
حدَّثنا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، قَالَ: حَدَّثَني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّاد، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الأَوَّاهُ؟
قالَ: «الأَوَّاهُ الخَاشِعُ الدَّعَّاءُ المُتَضَرِّعُ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ» «٤» انتهى.
وحَلِيمٌ مَعناه: صابرٌ، محتملٌ، عظيمُ العَقْل، والحِلْمُ: العقل.
وقوله سبحانَهُ:
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ ...
الآية: معناه التأنيسُ للمؤمنين، وقيل: إن
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّ أبا طالِبٍ لَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ، دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ، وعِنْدَهُ أبُو جَهْلٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ، فَقالَ: "أيْ عَمِّ، قُلْ مَعِي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أُحاجِّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ"، فَقالَ أبُو جَهْلٍ وابْنُ أبِي أُمَيَّةَ: يا أبا طالِبٍ، أتُرَغِّبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟!
فَلَمْ يَزالا يُكَلِّمانِهِ، حَتّى قالَ آَخِرُ شَيْءٍ كَلَّمَهم بِهِ: أنّا عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ.
فَقالَ النَّبِيُّ "لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ" فَنَزَلَتْ ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا.
﴾ الآَيَةُ، ونَزَلَتْ ﴿ إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ﴾ ،» أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ أبِيهِ.
وقِيلَ: «إنَّهُ لَمّا ماتَ أبُو طالِبٍ، جَعَلَ النَّبِيُّ يَسْتَغْفِرُ لَهُ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: ما يَمْنَعُنا أنْ نَسْتَغْفِرَ لِآَبائِنا ولِذَوِي قَراباتِنا، وقَدِ اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ، وهَذا مُحَمَّدٌ يَسْتَغْفِرُ لِعَمِّهِ؟
فاسْتَغْفِرُوا لَلْمُشْرِكِينَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» قالَ أبُو الحُسَيْنِ بْنُ المُنادِي: هَذا لا يَصِحُّ، إنَّما قالَ النَّبِيُّ لَعَمِّهِ « "لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ"» قَبْلَ أنْ يَمُوتَ، وَهُوَ في السِّياقِ، فَأمّا أنْ يَكُونَ اسْتَغْفَرَ لَهُ بَعْدَ المَوْتِ، فَلا، فانْقَلَبَ ذَلِكَ عَلى الرُّواةِ، وبَقِيَ عَلى انْقِلابِهِ.
والثّانِي: «أنَّ النَّبِيَّ مَرَّ بِقَبْرِ أُمِّهِ آَمِنَةَ، فَتَوَضَّأ وصَلّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَكى، فَبَكى النّاسُ لِبُكائِهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَيْهِمْ، فَقالُوا: ما الَّذِي أبْكاكَ؟
فَقالَ: "مَرَرْتُ بِقَبْرِ أُمِّي فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أنْ أسْتَغْفِرَ لَها، فَنُهِيتُ، فَبَكَيْتُ، ثُمَّ عُدْتُ فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، واسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أنْ أسْتَغْفِرَ لَها، فَزُجِرْتُ زَجْرًا، فَأبْكانِي"، ثُمَّ دَعا بِراحِلَتِهِ فَرَكِبَها؛ فَما سارَ إلّا هُنَيْأةً، حَتّى قامَتِ النّاقَةُ لِثِقَلِ الوَحْيِ؛ فَنَزَلَتْ ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ والآَيَةُ الَّتِي بَعْدَها،» رَواهُ بُرَيْدَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ .
والثّالِثُ: «أنَّ رَجُلًا اسْتَغْفَرَ لِأبَوَيْهِ، وكانا مُشْرِكَيْنِ، فَقالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: أتَسْتَغْفِرُ لَهُما وهُما مُشْرِكانِ؟
فَقالَ: أوْلَمَ يَسْتَغْفِرُ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ؟
فَذَكَرَ ذَلِكَ عَلِيٌّ لِلنَّبِيِّ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ والَّتِي بَعْدَها،» رَواهُ أبُو الخَلِيلِ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والرّابِعُ: «أنَّ رِجالًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّ مِن آَبائِنا مَن كانَ يُحْسِنُ الجِوارَ، ويَصِلُ الرَّحِمَ، ويَفُكُّ العانِيَ، ويُوفِي بِالذِّمَمِ، أفَلا نَسْتَغْفِرُ لَهُمْ؟
فَقالَ: "بَلى، واللَّهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لِأبِي كَما اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، وبَيَّنَ عُذْرَ إبْراهِيمَ،» قالَهُ قَتادَةُ.
ومَعْنى قَوْلُهُ: ﴿ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ما بانَ أنَّهم ماتُوا كُفّارًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ إبْراهِيمَ وعَدَ أباهُ الِاسْتِغْفارَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ﴾ ، وما كانَ يَعْلَمُ أنَّ الِاسْتِغْفارَ لَلْمُشْرِكِينَ مَحْظُورٌ حَتّى أُخْبَرَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّ أباهُ وعَدَهُ أنَّهُ إنِ اسْتَغْفَرَ لَهُ آَمَنَ؛ فَلَمّا تَبَيَّنَ لِإبْراهِيمَ عَداوَةَ أبِيهِ لَلَّهِ تَعالى: بِمَوْتِهِ عَلى الكُفْرِ، تَرَكَ الدُّعاءَ لَهُ.
فَعَلى الأوَّلِ، تَكُونُ هاءُ الكِنايَةِ في "إيّاهُ" عائِدَةً عَلى آَزَرَ، وعَلى الثّانِي، تَعُودُ عَلى إبْراهِيمَ.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، ومُعاذٌ القارِئُ، وأبُو نَهْيِكٍ: "وَعَدَها أباهُ" بِالباءِ وَفِي الأوّاهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الخاشِعُ الدُّعاءَ المُتَضَرِّعُ، رَواهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدّادِ بْنِ الهادِ عَنِ النَّبِيِّ .
والثّانِي: أنَّهُ الدُّعاءُ، رَواهُ زِرٌّ عَنْ عَبْدِ اللهِ، وبِهِ قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.
والثّالِثُ: الرَّحِيمُ، رَواهُ أبُو العَبِيدِ بْنُ العامِرِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو مَيْسَرَةَ.
والرّابِعُ: أنَّهُ المُوقِنُ، رَواهُ أبُو ظَبْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ.
والخامِسُ: أنَّهُ المُؤْمِنُ، رَواهُ العَوْفِيُّ، ومُجاهِدٌ وابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والسّادِسُ: أنَّهُ المُسَبِّحُ، رَواهُ أبُو إسْحاقَ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ جُبَيْرٍ.
والسّابِعُ: أنَّهُ المُتَأوِّهُ لِذِكْرِ عَذابِ اللَّهِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُ أوّاهٍ مَجازُ فَعّالٍ مِنَ التَّأوُّهِ، ومَعْناهُ: مُتَضَرِّعٌ شَفَقًا وفَرَقًا ولُزُومًا لِطاعَةِ رَبِّهِ، قالَ المُثَّقَبُ: إذا ما قُمْتُ أرْحَلُها بِلَيْلٍ تَأوَّهَ آَهَةَ الرَّجُلِ الحَزِينِ والثّامِنُ: أنَّهُ الفَقِيهُ رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ.
فَأمّا الحَلِيمُ، فَهو الصَّفُوحُ عَنِ الذُّنُوبِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ التائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ السائِحُونَ الراكِعُونَ الساجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والناهُونَ عَنِ المُنْكَرِ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ ﴾ هَذِهِ الأوصافُ هي مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَ اللهُ أنَّهُ اشْتَرى مِنهم أنْفُسَهُمْ، وارْتَفَعَتْ هَذِهِ الصِفاتُ لَمّا جاءَتْ مَقْطُوعَةً في ابْتِداءِ آيَةٍ عَلى مَعْنى: هُمُ التائِبُونَ، ومَعْنى الآيَةِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ أقْوالُ العُلَماءِ والشَرْعِ أنَّها أوصافُ الكَمَلَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ذَكَرَها اللهُ تَعالى لِيَسْتَبِقَ إلَيْها أهْلُ التَوْحِيدِ حَتّى يَكُونُوا في أعْلى رُتْبَةٍ، والآيَةُ الأولى مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها، يَقَعُ تَحْتَ تِلْكَ المُبايَعَةِ كُلُّ مُوَحِّدٍ قاتَلَ في سَبِيلِ اللهِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هي العُلْيا وإنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهَذِهِ الصِفاتِ الَّتِي هي في هَذِهِ الآيَةِ أو بِأكْثَرِها.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هَذِهِ الأوصافُ جاءَتْ عَلى جِهَةِ الشَرْطِ، والآيَتانِ مُرْتَبِطَتانِ فَلا يَدْخُلُ في المُبايَعَةِ إلّا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هم عَلى هَذِهِ الأوصافِ ويَبْذُلُونَ أنْفُسَهم في سَبِيلِ اللهِ.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ عَنِ الضَحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ أنَّ رَجُلًا سَألَهُ عن قَوْلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ اللهَ اشْتَرى ﴾ الآيَةُ، وقالَ الرَجُلُ: ألا أحْمِلُ عَلى المُشْرِكِينَ فَأُقاتِلَ حَتّى أقْتُلَ؟
فَقالَ الضَحّاكُ: ويْلَكَ، أيْنَ الشَرْطُ: ﴿ التائِبُونَ العابِدُونَ ﴾ الآيَةُ؟
وهَذا القَوْلُ تَحْرِيجٌ وتَضْيِيقٌ واللهُ أعْلَمُ، والأوَّلُ أصْوَبُ، والشَهادَةُ ماحِيَةٌ لِكُلِّ ذَنْبٍ إلّا لِمَظالِمِ العِبادِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى يَحْمِلُ عَنِ الشَهِيدِ مَظالِمَ العِبادِ ويُجازِيهِمْ عنهُ، خَتَمَ اللهُ لَنا بِالحُسْنى.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ رَفْعَ التائِبِينَ إنَّما هو عَلى الِابْتِداءِ وما بَعْدَهُ صِفَةٌ إلّا قَوْلَهُ: "الآمِرُونَ" فَإنَّهُ خَبَرُ الِابْتِداءِ، كَأنَّهُ قالَ: "هُمُ الآمِرُونَ"، وهَذا حَسَنٌ إلّا أنَّ مَعْنى الآيَةِ يَنْفَصِلُ مِن مَعْنى الَّتِي قَبْلَها، وذَلِكَ قَلِقٌ فَتَأمَّلْهُ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "التائِبِينَ العابِدِينَ" إلى آخِرِها، ولِذَلِكَ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: الصِفَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى اتِّباعِ اللَفْظِ، والآخَرُ: النَصْبُ عَلى المَدْحِ.
و"التائِبُونَ" يَعُمُّ الرُجُوعَ مِنَ الشَرِّ إلى الخَيْرِ كانَ ذَلِكَ مِن كُفْرٍ أو مَعْصِيَةٍ، والرُجُوعُ مِن حالَةٍ إلى ما هي أحْسَنُ مِنها وإنْ لَمْ تَكُنِ الأُولى شَرًّا بَلْ خَيْرًا، وهَكَذا كانَتْ تَوْبَةُ النَبِيِّ واسْتِغْفارُهُ سَبْعِينَ مَرَّةً في اليَوْمِ، والتائِبُ هو المُقْلِعُ عَنِ الذَنْبِ العازِمُ عَلى التَمادِي عَلى الإقْلاعِ النادِمُ عَلى ما سَلَفَ، والتائِبُ عن ذَنْبٍ يُسَمّى تائِبًا وإنْ قامَ عَلى غَيْرِهِ إلّا أنْ يَكُونَ مِن نَوْعِهِ فَلَيْسَ بِتائِبٍ، والتَوْبَةُ ونَقْضُها دائِبًا خَيْرٌ مِنَ الإصْرارِ، ومَن تابَ ثُمَّ نَقَضَ ووافى عَلى النَقْضِ فَإنَّ ذُنُوبَهُ الأُولى تَبْقى عَلَيْهِ لِأنَّ تَوْبَتَهُ مِنها عَلِمَ اللهُ أنَّها مَنقُوضَةٌ، ويَحْتَمِلُ الأمْرُ غَيْرَ ذَلِكَ واللهُ أعْلَمُ.
وقالَ الحَسَنُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: "التائِبُونَ" مَعْناهُ: مِنَ الشِرْكِ.
و"العابِدُونَ" لَفْظٌ يَعُمُّ القِيامَ بِعِبادَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى والتِزامَ شَرْعِهِ ومُلازَمَةَ ذَلِكَ والمُثابَرَةَ عَلَيْهِ والدَوامَ، والعابِدُ هو المُحْسِنُ الَّذِي فَسَّرَ رَسُولُ اللهِ في قَوْلِهِ: "أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَراهُ"، وبِأدْنى عِبادَةٍ يُؤَدِّيها المَرْءُ المُسْلِمُ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ عابِدٍ ويَحْصُلُ في أدْنى رُتْبَتِهِ، وعَلى قَدْرِ زِيادَتِهِ في العِبادَةِ يَحْصُلُ الوَصْفُ.
وَ"الحامِدُونَ" مَعْناهُ: الذاكِرُونَ لِلَّهِ بِأوصافِهِ الحُسْنى في كُلِّ حالٍ وعَلى السَرّاءِ والضَرّاءِ، وحَمْدُهُ لِأنَّهُ أهْلٌ لِذَلِكَ، وهو أعَمُّ مِنَ الشُكْرِ إذِ الشُكْرُ إنَّما هو عَلى النِعَمِ الخاصَّةِ بِالشاكِرِ.
و"السائِحُونَ" مَعْناهُ: الصائِمُونَ، ورُوِيَ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّها قالَتْ: "سِياحَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ الصِيامُ"، وأسْنَدَهُ الطَبَرِيُّ، ورُوِيَ أنَّهُ مِن كَلامِ النَبِيِّ ، وفي الحَدِيثِ: "إنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً سَيّاحِينَ مَشّائِينَ في الآفاقِ يُبَلِّغُونِي صَلاةَ أُمَّتِي عَلَيَّ"، ويُرْوى الحَدِيثُ "صَيّاحِينَ" بِالصادِّ مِنَ الصِياحِ، والسِياحَةُ في الأرْضِ مَأْخُوذٌ مِنَ السَيْحِ وهو الماءُ الجارِي عَلى الأرْضِ إلى غَيْرِ غايَةٍ، وقالَ بَعْضُ الناسِ -وَهُوَ في كِتابِ النَقّاشِ -: ﴿ السائِحُونَ ﴾ هُمُ الجائِلُونَ بِأفْكارِهِمْ في قُدْرَةِ اللهِ ومَلَكُوتِهِ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وهي مِن أفْضَلِ العِباداتِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "اقْعُدْ بِنا نُؤْمِن ساعَةً"، ويُرْوى أنَّ بَعْضَ العُبّادِ أخَذَ القَدَحَ لِيَتَوَضَّأ لِصَلاةِ اللَيْلِ، فَأدْخَلَ أُصْبُعَهُ في أُذُنِ القَدَحِ وجَعَلَ يُفَكِّرُ حَتّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: أدْخَلْتُ أُصْبُعِي في أُذُنِ القَدَحِ فَتَذَكَّرْتُ قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿ إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَلاسِلُ ﴾ ، وفَكَّرْتُ كَيْفَ أتَلَقّى الغُلَّ وبَقِيتُ في ذَلِكَ لَيْلِي أجْمَعَ.
و ﴿ الراكِعُونَ الساجِدُونَ ﴾ هُمُ المُصَلُّونَ الصَلَواتِ الخَمْسَ، كَذا قالَ أهْلُ العِلْمِ، ولَكِنْ لا يُخْتَلَفُ في أنَّ مَن يُكْثِرُ النَوافِلَ هو أدْخَلُ في الِاسْمِ وأغْرَقُ في الِاتِّصافِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والناهُونَ عَنِ المُنْكَرِ ﴾ هو أمْرُ فَرْضٍ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِالجُمْلَةِ، ثُمَّ يَفْتَرِقُ الناسُ فِيهِ مَعَ التَعْيِينِ، فَأمّا وُلاةُ الأمْرِ والرُؤَساءُ فَهو فَرْضٌ عَلَيْهِمْ في كُلِّ حالٍ، وأمّا سائِرُ الناسِ فَهو فَرْضٌ عَلَيْهِمْ بِشُرُوطٍ، مِنها: ألّا تَلْحَقَهُ مَضَرَّةٌ، وأنْ يَعْلَمَ أنَّ قَوْلَهُ يُسْمَعُ ويُعْمَلُ بِهِ ونَحْوَ هَذا، ثُمَّ مَن تَحَمَّلَ بَعْدُ في ذاتِ اللهِ مَشَقَّةُ فَهو أعْظَمُ أجْرًا، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: حَيْثُما ذَكَرَ اللهُ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيَ عَنِ المُنْكَرِ فَهو الأمْرُ بِالإسْلامِ والنَهْيُ عَنِ الكُفْرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا شَكَّ أنَّهُ يَتَناوَلُ هَذا وهو أحْرى أنْ يَتَناوَلَ ما دُونَهُ فَتَعْمِيمُ اللَفْظِ أولى، وأمّا هَذِهِ الواوُ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿ والناهُونَ ﴾ ولَمْ يَتَقَدَّمْ في واحِدَةٍ مِنَ الصِفاتِ قَبْلُ، فَقِيلَ: مَعْناها الرَبْطُ بَيْنَ هاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ وهي الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيُ عَنِ المُنْكَرِ إذْ هُما مِن غَيْرِ قَبِيلِ الصِفاتِ الأُوَلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ الأوَّلَ فِيما يَخُصُّ المَرْءَ، وهاتانِ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، ووَجَبَ الرَبْطُ بَيْنَهُما لِتَلازُمِهِما وتَناسُبِهِما، وقِيلَ: هي زائِدَةٌ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لا مَعْنى لَهُ، وقِيلَ: هي واوُ الثَمانِيَةِ، لِأنَّ هَذِهِ الصِفَةَ جاءَتْ ثامِنَةً في الرُتْبَةِ، ومِن هَذا قَوْلُهُ تَعالى في أبْوابِ الجَنَّةِ: ﴿ وَفُتِحَتْ أبْوابُها ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَثامِنُهم كَلْبُهُمْ ﴾ ، ومِن هَذا قَوْلُهُ: ﴿ ثَيِّباتٍ وأبْكارًا ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: عَلى أنَّ هَذِهِ تُعْتَرَضُ حَتّى لا يَلْزَمَ أنْ يَكُونَ واوُ ثَمانِيَةٍ أنَّها فَرَّقَتْ بَيْنَ فَصْلَيْنِ يَعُمّانِ بِمَجْمُوعِهِما جَمِيعَ النِساءِ ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ "ثَيِّباتٍ أبْكارًا"، فَهي فاصِلَةٌ ضَرُورَةً، وواوُ الثَمانِيَةِ قَدْ ذَكَرَها ابْنُ خالَوَيْهِ في مُناظَرَتِهِ لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَفُتِحَتْ أبْوابُها ﴾ وأنْكَرَها أبُو عَلِيٍّ، وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ الأُسْتاذِ النَحْوِيِّ أبِي عَبْدِ اللهِ الكَفِيفِ المالِقِيِّ - وكانَ مِمَّنِ اسْتَوْطَنَ غِرْناطَةَ وأقْرَأ فِيها في مُدَّةِ ابْنِ حَبُوسٍ- أنَّهُ قالَ: "هِيَ لُغَةٌ فَصِيحَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ، مِن شَأْنِهِمْ أنْ يَقُولُوا إذا عَدُّوا: واحِدٌ، اثْنانِ، ثَلاثَةٌ، أرْبَعَةٌ، خَمْسَةٌ، سِتَّةٌ، سَبْعَةٌ، وثَمانِيَةٌ، تِسْعَةٌ، عَشْرَةٌ، فَهَكَذا هي لُغَتُهُمْ، ومَتى جاءَ في كَلامِهِمْ أمْرُ ثَمانِيَةٍ أدْخَلُوا الواوَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ تَحْتَهُ إلْزامُ الشَرِيعَةِ والِانْتِهاءُ عَمّا نَهى اللهُ في كُلِّ شَيْءٍ وفي كُلِّ فَنٍّ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ قِيلَ: هو لَفْظٌ عامٌّ أُمِرَ بِهِ النَبِيُّ أنْ يُبَشِّرَ أُمَّتَهُ جَمِيعًا بِالخَيْرِ مِنَ اللهِ، وقِيلَ: بَلْ هَذِهِ الألْفاظُ خاصَّةً لِمَن لَمْ يَغْزُ، أيْ: لَمّا تَقَدَّمَ في الآيَةِ وعْدُ المُجاهِدِينَ وفَضْلُهم أمَرَ أنْ يُبَشِّرَ سائِرَ الناسِ مِمَّنْ لَمْ يَغْزُ بِأنَّ الإيمانَ مُخَلِّصٌ مِنَ النارِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ ﴾ الآيَةُ، يَقْتَضِي التَأْنِيبَ ومَنعَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ مَعَ اليَأْسِ عن إيمانِهِمْ، إمّا بِمُوافاتِهِمْ عَلى الكُفْرِ ومَوْتِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في العاصِ بْنِ وائِلٍ: "لا جَزاهُ اللهُ خَيْرًا"، وإمّا بِنَصٍّ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى أحَدٍ كَأبِي لَهَبٍ وغَيْرِهِ فَيَمْتَنِعُ الِاسْتِغْفارُ لَهُ وهو حَيٌّ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ الجُمْهُورُ -وَمَدارُهُ عَلى ابْنِ المُسَيِّبِ وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ -: نَزَلَتْ في شَأْنِ أبِي طالِبٍ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ دَخَلَ عَلَيْهِ حِينَ احْتُضِرَ ووَعَظَهُ وقالَ: "أيْ عَمِّ، قُلْ لا إلَهَ إلّا اللهُ كَلِمَةً أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللهِ تَعالى"، وكانَ بِالحَضْرَةِ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللهِ بْنُ أُمَيَّةَ، فَقالا لَهُ: يا أبا طالِبٍ أتَرْغَبُ عن مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟
فَقالَ أبُو طالِبٍ: يا مُحَمَّدُ، واللهِ لَوْلا أنِّي أخافُ أنْ يُعَيَّرَ بِها ولَدِي مِن بَعْدِي لَأقْرَرْتُ بِها عَيْنَكَ، ثُمَّ قالَ: أنا عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وماتَ عَلى ذَلِكَ، إذْ لَمْ يَسْمَعْ مِنهُ النَبِيُّ ما قالَ لِلْعَبّاسِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللهِ : "واللهِ لِأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عنكَ"، فَكانَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ الِاسْتِغْفارَ لِأبِي طالِبٍ، ورُوِيَ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا رَأوا رَسُولَ اللهِ يَسْتَغْفِرُ لِأبِي طالِبٍ جَعَلُوا يَسْتَغْفِرُونَ لِمَوْتاهُمْ، فَلِذَلِكَ دَخَلُوا في التَأْنِيبِ والنَهْيِ.
والآيَةُ -عَلى هَذا- ناسِخَةٌ لِفِعْلِ النَبِيِّ إذْ أفْعالُهُ في حُكْمِ الشَرْعِ المُسْتَقِرِّ.
وقالَ فُضَيْلُ بْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ: إنَّ رَسُولَ اللهِ لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ أتى قَبْرَ أُمِّهِ فَوَقَفَ عَلَيْهِ حَتّى سَخُنَتْ عَلَيْهِ الشَمْسُ، وجَعَلَ يَرْغَبُ في أنْ يُؤْذَنَ لَهُ في الِاسْتِغْفارِ لَها فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَأخْبَرَ أصْحابَهُ أنَّهُ أُذِنَ لَهُ في زِيارَةِ قَبْرِها ومُنِعَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَها، فَما رُئِيَ باكِيًا أكْثَرَ مِن يَوْمِئِذٍ، ونَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ في المُنافِقِينَ: "واللهِ لِأزِيدَنَّ عَلى السَبْعِينَ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما: إنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ جَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ قالُوا: نَسْتَغْفِرُ لِمَوْتانا كَما اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَفي وُرُودِ النَهْيِ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ مَوْضِعُ اعْتِراضٍ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ، فَنَزَلَ رَفْعُ ذَلِكَ الِاعْتِراضِ في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ ﴾ يُرِيدُ: مِن بَعْدِ المَوْتِ عَلى الكُفْرِ، فَحِينَئِذٍ تَبَيَّنَ أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ، أيْ سُكّانُها وعَمَرَتُها، والِاسْتِغْفارُ لِلْمُشْرِكِ الحَيِّ جائِزٌ إذْ يُرْجى إسْلامُهُ، ومِن هَذا قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "رَحِمَ اللهُ رَجُلًا اسْتَغْفَرَ لِأبِي هُرَيْرَةَ وأُمِّهِ"، قِيلَ لَهُ: ولِأبِيهِ قالَ: لا، إنَّ أبِي ماتَ كافِرًا، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: الآيَةُ في النَهْيِ عَنِ الصَلاةِ عَلى المُشْرِكِينَ، والِاسْتِغْفارُ هاهُنا يُرادُ بِهِ الصَلاةُ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف نسخ به التخيير الواقع في قوله تعالى: ﴿ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ﴾ [التوبة: 80] فإن في ذلك تسوية بين أن يستغفر النبي صلى الله عليه وسلم لهم وبين أن لا يستغفر في انتفاء أهم الغرضين من الاستغفار، وهو حصول الغفران، فبقي للتخيير غَرض آخر وهو حُسن القَول لمن يرى النبي صلى الله عليه وسلم أنهُ أهل للملاطفة لذاته أو لبعض أهله، مثل قصة عبد الله بننِ عبد الله بننِ أبَيْ، فأراد الله نسخ ذلك بعد أن دَرَّج في تلقية على عادة التشريع في غالب الأحوال.
ولعل الغرض الذي لأجله أبقي التخيير في الاستغفار لهم قد ضعف ما فيه من المصلحة ورجح ما فيه من المفسدة بانقراضضِ من هم أهل لحسن القول وغلبةِ الدهماء من المنافقين الذين يحسبون أن استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لهم يَغفر لهم ذنوبهم فيصبحوا فرحين بأنهم ربحوا الصفقتين وأرضوا الفريقين، فنهَى اللّهُ النبي صلى الله عليه وسلم ولعل المسلمين لما سمعوا تخيير النبي في الاستغفار للمشركين ذهبوا يستغفرون لأهليهم وأصحابهم من المشركين طمعاً في إيصال النفع إليهم في الآخرة فأصبح ذلك ذريعة إلى اعتقاد مساواة المشركين للمؤمنين في المغفرة فينتفي التفاضل الباعث على الرغبة في الإيمان، فنهى الله النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معاً عن الاستغفار للمشركين بعد أن رخصه للنبيء صلى الله عليه وسلم خاصة في قوله: ﴿ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ﴾ [التوبة: 80].
وروى الترمذي والنسائي عن علي قال: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه المشركين قال: فقلت له: أتستغفر لأبويك وهما مشركان؟
فقال: أليس قد استغفر إبراهيم لأبويه وهما مشركان، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية، إلى قوله تعالى: ﴿ إن إبراهيم لأواه حليم ﴾ [التوبة: 114].
قال الترمذي: حديث حسن.
وقال ابن العربي في «العارضة»: هو أضعف ما رُوي في هذا الباب.
وأما ما روي في أسباب النزول أن هذه الآية نزلت في استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب، أو أنها نزلت في سؤاله ربه أن يستغفر لأمه آمنة حين زار قبرها بالأبواء.
فهما خبران واهيان لأن هذه السورة نزلت بعد ذلك بزمن طويل.
وجاءت صيغة النهي بطريق نفي الكون مع لام الجحود مبالغة في التنزه عن هذا الاستغفار، كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ﴾ في آخر سورة العقود (116).
ويدخل في المشركين المنافقون الذين علم النبي نفاقهم والذين علم المسلمون نفاقهم بتحقق الصفات التي أعلنت عليهم في هذه السورة وغيرها.
وزيادة ولو كانوا أولي قربى } للمبالغة في استقصاء أقرب الأحوال إلى المعذرة، كما هو مفاد (لو) الوصلية، أي فَأوْلى إن لم يكونوا أولي قربى.
وهذه المبالغة لقطع المعذرة عن المخالف، وتمهيد لتعليم من اغتر بما حكاه القرآن من استغفار إبراهيم لأبيه في نحو قوله تعالى: ﴿ واغفر لأبي إنه كان من الضالين ﴾ [الشعراء: 86].
ولذلك عقَّبه بقوله: ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ﴾ [التوبة: 114] الخ.
وقد تقدم الكلام على (لو) الاتصالية عند قوله تعالى: ﴿ ولو افتدى به ﴾ في سورة آل عمران (91).
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى ﴾ اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِها عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما رَوى مَسْرُوقٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ إلى المَقابِرِ فاتَّبَعْناهُ فَجاءَ حَتّى جَلَسَ إلى قَبْرٍ مِنها فَناجاهُ طَوِيلًا ثُمَّ بَكى، فَبَكَيْنا لِبُكائِهِ، ثُمَّ قامَ، فَقامَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَدَعاهُ ثُمَّ دَعانا فَقالَ: (ما أبْكاكُمْ؟
قُلْنا: بَكَيْنا لِبُكائِكَ، قالَ: (إنَّ القَبْرَ الَّذِي جَلَسْتُ عِنْدَهُ قَبْرُ آمِنَةَ، وإنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي في زِيارَتِها فَأذِنَ لِي، وإنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي في الدُّعاءِ لَها فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ: ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى ﴾ الآيَةَ.
فَأخَذَنِي ما يَأْخُذُ الوَلَدَ لِلْوالِدِ، وكُنْتُ نَهَيْتُكم عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ فَزُورُوها فَإنَّها تُذَكِّرُكُمُ الآخِرَةَ).» والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ، رَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ عَنْ أبِيهِ قالَ: «لَمّا حَضَرَتْ أبا طالِبٍ الوَفاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ وعِنْدَهُ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ فَقالَ : أيْ عَمِّ قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كَلِمَةٌ أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ: أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟
فَكانَ آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهم بِهِ أنْ قالَ: أنا عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقالَ النَّبِيُّ : لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ (فَنَزَلَتْ ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ ) الآيَةَ.
» والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ فِيما رَواهُ أبُو الخَلِيلِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْتَغْفِرُ لِأبَوَيْهِ وهُما مُشْرِكانِ، فَقُلْتُ: تَسْتَغْفِرُ لِأبَوَيْكَ وهُما مُشْرِكانِ؟
قالَ: أوَلَمْ يَسْتَغْفِرْ إبْراهِيمُ لِأبَوَيْهِ؟
فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ ، فَنَزَلَتْ: ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ » قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ ﴾ الآيَةَ.
عَذَرَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في اسْتِغْفارِهِ لِأبِيهِ مَعَ شِرْكِهِ لِسالِفِ مَوْعِدِهِ ورَجاءِ إيمانِهِ.
وَفي مَوْعِدِهِ الَّذِي كانَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مِن أجْلِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ أباهُ وعَدَهُ أنَّهُ إنِ اسْتَغْفَرَ لَهُ آمَنَ.
والثّانِي: أنَّ إبْراهِيمَ وعَدَ أباهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ لَمّا كانَ يَرْجُوهُ أنَّهُ يُؤْمِنُ.
﴿ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ ﴾ وذَلِكَ بِمَوْتِهِ عَلى شِرْكِهِ وإياسِهِ مِن إيمانِهِ ﴿ تَبَرَّأ مِنهُ ﴾ أيْ مِن أفْعالِهِ ومِنِ اسْتِغْفارِهِ لَهُ، فَلَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
﴿ إنَّ إبْراهِيمَ لأوّاهٌ حَلِيمٌ ﴾ فِيهِ عَشَرَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الأوّاهَ: الدَّعّاءُ، أيِ الَّذِي يُكْثِرُ الدُّعاءَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
الثّانِي: أنَّهُ الرَّحِيمُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ المُوقِنُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ وعَطاءٌ.
الرّابِعُ: أنَّهُ المُؤْمِنُ، بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الخامِسُ: أنَّهُ المُسَبِّحُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.
السّادِسُ: أنَّهُ الَّذِي يُكْثِرُ تِلاوَةَ القُرْآنِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
السّابِعُ: أنَّهُ المُتَأوِّهُ، قالَهُ أبُو ذَرٍّ.
الثّامِنُ: أنَّهُ الفَقِيهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
التّاسِعُ: أنَّهُ المُتَضَرِّعُ الخاشِعُ، رَواهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادِ بْنِ الهادِّ عَنِ النَّبِيِّ .
العاشِرُ: أنَّهُ الَّذِي إذا ذَكَرَ خَطاياهُ اسْتَغْفَرَ مِنها، قالَهُ أبُو أيُّوبَ.
وَأصْلُ الأوّاهِ مِنَ التَّأوُّهِ وهو التَّوَجُّعُ، ومِنهُ قَوْلُ المُثَقَّبِ العَبْدِيِّ: ؎ إذا ما قُمْتُ أرْحَلُها بِلَيْلٍ تَأوَّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الحَزِينِ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «أي عم، قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله.
فقال أبو جهل وعبدالله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟
وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه وأبو جهل وعبدالله يعاونانه بتلك المقالة.
فقال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك.
فنزلت ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ﴾ الآية.
وأنزل الله في أبي طالب فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ﴾ [ القصص: 56] » .
وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان والضياء في المختارة عن علي قال: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت: تستغفر لأبويك وهما مشركان؟
فقال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه؟
فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كانوا يستغفرون لهم حتى نزلت هذه الآية، فلما نزلت امسكوا عن الاستغفار لأمواتهم ولم ينهوا أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا، ثم أنزل الله تعالى ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه ﴾ الآية.
يعني استغفر له ما كان حياً، فلما مات أمسك عن الاستغفار.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب قال: لما مرض أبو طالب أتاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال المسلمون: هذا محمد صلى الله عليه وسلم يستغفر لعمه وقد استغفر إبراهيم لأبيه فاستغفروا لقراباتهم من المشركين.
فأنزل الله: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ﴾ ثم أنزل الله تعالى ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ﴾ قال: كان يرجوه في حياته ﴿ فلما تبين له أنه عدوّ لله تبرأ منه ﴾ .
وأخرج ابن جرير من طريق شبل عن عمرو بن دينار «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فلا أزال استغفر لأبي طالب حتى ينهاني عنه ربي.
وقال أصحابه: لنستغفرن لآبائنا كما استغفر النبي صلى الله عليه وسلم لعمه، فأنزل الله: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ﴾ إلى قوله: ﴿ نبرأ منه ﴾ » .
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب قال: «لما حضرت أبا طالب الوفاة، أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: أي عم، إنك أعظم عليَّ حقاً من والدي فقل كلمة يجب لك بها الشفاعة يوم القيامة، قل لا إله إلا الله.
فذكر نحو ما تقدم» .
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا نبي الله إن من آبائنا من كان يحسن الجوار، ويصل الرحم، ويفك العاني، ويوفي بالذمم، أفلا نستغفر لهم؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم «والله لأستغفرن لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه.
فأنزل الله: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين...
﴾ الآية ثم عذر الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقال: ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ﴾ إلى قوله: ﴿ تبرأ منه ﴾ وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: أوحى إليّ كلمات قد دخلن في أذني ووقرن في قلبي، أمرت أن لا أستغفر لمن مات مشركاً، ومن أعطى فضل ماله فهو خير له، ومن أمسك فهو شر له، ولا يلوم الله على كفاف» .
وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن علي قال: «أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بموت أبي طالب، فبكى فقال: اذهب فغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه.
ففعلت وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر له أياماً ولا يخرج من بيته، حتى نزل جبريل عليه السلام عليه بهذه الآية ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ﴾ » .
وأخرج ابن سعد وأبو الشيخ وابن عساكر من طريق سفيان بن عيينة عن عمر قال: لما مات أبو طالب قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «رحمك الله وغفر لك، لا أزال أستغفر لك حتى ينهاني الله، فأخذ المسلمون يستغفرون لموتاهم الذين ماتوا وهم مشركون، فأنزل الله: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين...
﴾ الآية.
فقالوا: قد استغفر إبراهيم لأبيه فنزلت ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه...
﴾ الآية.
قال: فلما مات على كفره تبين له أنه عدوّ لله» .
وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر عن الحسن قال: لما مات أبو طالب قال النبي صلى الله عليه وسلم «إن إبراهيم استغفر لأبيه وهو مشرك وأنا أستغفر لعمي حتى أبلغ، فأنزل الله: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى ﴾ يعني به أبا طالب فاشتد على النبي صلى الله عليه وسلم فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ﴾ يعني حين قال: ﴿ سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً ﴾ [ مريم: 47] ﴿ فلما تبين له أنه عدوّ لله ﴾ يعني مات على الشرك ﴿ تبرأ منه ﴾ » .
وأخرج ابن جرير من طريق عطية العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا...
﴾ الآية.
قال إن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر لأبيه، فنهاه الله عن ذلك قال: «فإن إبراهيم قد استغفر لأبيه.
فنزلت ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه ﴾ الآية.
قلت إن هذا الأثر ضعيف معلول، فإن عطية ضعيف وهو مخالف لرواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس السابقة، وتلك أصح وعلى ثقة جليل» .
وأخرج الطبراني وابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أقبل من غزوة تبوك اعتمر، فلما هبط من ثنية عسفان أمر أصحابه أن يستندوا إلى العقبة حتى أرجع إليكم، فذهب فنزل على قبر أمه آمنة، فناجى ربه طويلاً، ثم انه بكى فاشتد بكاؤه، فبكى هؤلاء لبكائه فقالوا: يا نبي الله بكينا لبكائك.
قلنا لعله أحدث في أمتك شيء لم يطقه فقال: لا، وقد كان بعضه ولكني نزلت على قبر أمي فدعوت الله تعالى ليأذن لي في شفاعتها يوم القيامة، فأبى أن يأذن لي فرحمتها وهي أمي فبكيت، ثم جاءني جبريل عليه السلام فقال: ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ﴾ الآية.
فتبرأ أنت من أمك كما تبرأ إبراهيم من أبيه فرحمتها وهي أمي، فدعوت ربي أن يرفع عن أمتي أربع فرفع عنهم اثنتين وأبى أن يرفع عنهم اثنتين.
دعوت ربي أن يرفع عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض، وأن لا يلبسهم شيعاً، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض، وأبى أن يرفع عنهم القتل والهرج.
قال: وإنما عدل إلى قبر أمه لأنها كانت مدفونة تحت كدي» وكانت عسفان لهم وبها ولد النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً إلى المقابر، فاتبعناه فجاء حتى جلس إلى قبر منها، فناجاه طويلاً ثم بكى فبكينا لبكائه، ثم قام فقام إليه عمر، فدعاه ثم دعانا فقال: ما أبكاكم؟
قلنا: بكينا لبكائك.
قال: إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة، وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي، وإني استأذنت ربي في الاستغفار لها فلم يأذن لي، وأنزل علي ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى ﴾ فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة من الرقة، فذلك الذي أبكاني» .
وأخرج ابن مردويه عن بريدة قال: «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ وقف على عسفان، فنظر يميناً وشمالاً فأبصر قبر أمه آمنة، ورد الماء فتوضأ ثم صلى ركعتين ودعا فلم يفجأنا إلا وقد علا بكاؤه فعلا بكاؤنا لبكائه، ثم انصرف إلينا فقال: ما الذي أبكاكم؟
قالوا: بكيت فبكينا يا رسول الله.
قال: وما ظننتم؟
قالوا: ظننا أن العذاب نازل علينا بما نعمل.
قال: لم يكن من ذلك شيء.
قالوا: فظننا أن أمتك كلفت من الأعمال ما لا يطيقون فرحمتها.
قال: لم يكن من ذلك شيء، ولكن مررت بقبر أمي آمنة فصليت ركعتين، فاستأذنت ربي أن استغفر لها فنهيت، فبكيت ثم عدت فصليت ركعتين فاستأذنت ربي أن أستغفر لها، فزجرت زجراً فعلا بكائي ثم دعا براحلته فركبها، فما سار إلا هنية حتى قامت الناقة لثقل الوحي، فأنزل الله: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين...
﴾ الآيتين» .
وأخرج ابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وتعقبه الذهبي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «جاء ابنا مليكة- وهما من الأنصار- فقالا: يا رسول الله إن أمنا كانت تحفظ على البعل وتكرم الضيف، وقد وُئدت في الجاهلية فأين أمنا؟
فقال: أمكما في النار.
فقاما وقد شق ذلك عليهما، فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعا، فقال: ألا أن أمي مع أمكما فقال منافق من الناس: أما ما يغني هذا عن أمه إلا ما يغني ابنا مليكة عن أمهما ونحن نطأ عقبيه.
فقال شاب من الأنصار لم أر رجلاً أكثر سؤالاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم منه: يا رسول الله وأين أبواك؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما سألتهما ربي فيطيعني فيهما.
وفي لفظ: فيطعمني فيهما، وإني لقائم يومئذ المقام المحمود، فقال المنافق للشاب الأنصاري: سله وما المقام المحمود؟
قال: يا رسول الله وما المقام المحمود؟
قال: ذاك يوم ينزل الله فيه على كرسيه يئط فيه كما يئط الرحل الجديد من تضايقه، وهو كسعة ما بين السماء والأرض، ويجاء بكم حفاة عراة غرلاً، فيكون أول من يكسى إبراهيم.
يقول الله: اكسوا خليلي.
فيؤتى بريطتين بيضاوين من رياط الجنة ثم اكسى على أثره، فأقوم عن يمين الله مقاماً يغبطني فيه الأوّلون والآخرون، ويشق لي نهر من الكوثر إلى حوضي قال: يقول المنافق: لم أسمع كاليوم قط لقلما جرى نهر قط إلا في إحالة أو رضراض، فسله فيم يجري النهر إليهم؟
قال: في إحالة من المسك ورضراض.
قال: يقول المنافق: لم أسمع كاليوم قط.
والله لقلما جرى نهر قط إلا كان له نبات، فسله هل لذلك النهر نبات؟
فقال الأنصاري: يا رسول الله هل لذلك النهر نبات؟
قال: نعم.
قال: ما هو؟
قال: قضبان الذهب.
قال: يقول المنافق: لم أسمع كاليوم قط والله ما نبت قضيب إلا كان له ثمر، فسله هل لتلك القضبان ثمار؟
فسأل الأنصاري قال: يا رسول الله هل لتلك القضبان ثمار؟
قال: نعم، اللؤلؤ والجوهر.
فقال المنافق: لم أسمع كاليوم قط، فسله عن شراب الحوض؟
فقال الأنصاري: يا رسول الله ما شراب الحوض؟
قال: أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، من سقاه الله منه شربة لم يظمأ بعدها، ومن حرمه لم يرو بعدها» .
وأخرج ابن سعد عن الكلبي وأبي بكر بن قيس الجعفي قالا: كانت جعفى يحرمون القلب في الجاهلية، فوفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان منهم قيس بن سلمة، وسلمة بن يزيد، وهما أخوان لأُم، فاسلما فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم «بلغني أنكما لا تأكلان القلب.
قالا: نعم.
قال: فإنه لا يكمل إسلامكما إلا بأكله.
ودعا لهما بقلب فشوي وأطعمه لهما.
فقالا: يا رسول الله إن أمنا مليكة بنت الحلو، كانت تفك العاني، وتطعم البائس، وترحم الفقير، وإنها ماتت وقد وأدت بنية لها صغيرة فما حالها؟
فقال: الوائدة والموءودة في النار.
فقاما مغضبين.
فقال: إلي.
فارجعا، فقال: وأمي مع أمكما.
فأبيا ومضيا وهما يقولان: والله إن رجلاً أطعمنا القلب وزعم أن أمنا في النار لأهل أن لا يتبع، وذهبا فلقيا رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معه إبل من إبل الصدقة، فأوثقاه وطردا الإِبل، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلعنهما فيمن كان يلعن في قوله: لعن الله رعلاً وذكوان وعصية ولحيان، وابني مليكة من حريم وحران» .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقضى ربك ألاَّ تعبدوا إلا إياه ﴾ [ الإِسراء: 23] إلى قوله: ﴿ كما ربياني صغيراً ﴾ [ الإِسراء: 24] قال: ثم استثنى فقال: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ﴾ إلى قوله: ﴿ عن موعدة وعدها إياه ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلما تبين له أنه عدوّ لله ﴾ قال: تبين له حين مات، وعلم أن التوبة قد انقطعت عنه.
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وأبو بكر الشافعي في فوائده والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لم يزل إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما مات تبين له أنه عدوّ لله فتبرأ منه.
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس ﴿ فلما تبين له أنه عدوّ لله ﴾ يقول: لما مات على كفره.
أما قوله تعالى: ﴿ إن إبراهيم لأوّاه حليم ﴾ .
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي ذر رضي الله عنه قال: كان رجل يطوف بالبيت ويقول في دعائه: أوّه أوّه...
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه لأوّاه» .
وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان عن كعب رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن إبراهيم لأوّاه حليم ﴾ قال: كان إبراهيم عليه السلام إذا ذكر النار قال: أوّه من النار أوّه.
وأخرج أبو الشيخ عن أبي الجوزاء.
مثله.
وأخرج ابن مردويه عن جابر رضي الله عنه «أن رجلاً كان يرفع صوته بالذكر فقال رجل: لو أن هذا خفض صوته.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعه فإنه أوّاه» .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل يقال له ذو البجادين: إنه أوّاه، وذلك أنه كان يكثر ذكر الله بالقرآن والدعاء» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم أدخل ميتاً القبر، وقال: رحمك الله ان كنت لأوّاهاً تلاء للقرآن» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبدالله بن شداد بن الهاد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأوّاه: الخاشع المتضرع» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال: الأوّاه: الدعاء.
وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم قال: الأوّاه الدعاء المستكين إلى الله كهيئة المريض المتأوّه من مرضه.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ عن أبي العبيدين قال: سألت عبدالله بن مسعود عن الأوّاه فقال: هو الرحيم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس قال: الأوّاه المؤمن التوّاب.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: الأوّاه الحليم المؤمن المطيع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي أيوب قال: الأوّاه الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها.
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: الأوّاه المؤمن بالحبشية.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: الأوّاه الموقن.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ من طريق أبي ظبيان عن ابن عباس قال: الأوّاه الموقن بلسان الحبشية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: الأوّاه الموقن بلسان الحبشة.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: الأوّاه الموقن بلسان الحبشة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: الأوّاه الموقن بلسان الحبشة.
وأخرج ابن جرير عن عطاء قال: الأوّاه الموقن بلسان الحبشة.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: الأوّاه الموقن بلسان الحبشة.
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: الأوّاه الموقن، وهي كلمة حبشية.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من وجه آخر عن مجاهد قال: الأوّاه الفقيه الموقن.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: الأوّاه الشيخ.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي ميسرة قال: الأوّاه الشيخ.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عمرو بن شرحبيل قال: الأوّاه الرحيم بلسان الحبشة.
وأخرج ابن المنذر عن عمرو بن شرحبيل قال: الأوّاه الدعاء بلسان الحبشة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: الأوّاه المسيح.
وأخرج البخاري في تاريخه عن الحسن قال: الأوّاه الذي قلبه معلق عند الله.
وأخرج أبو الشيخ عن إبراهيم قال: كان إبراهيم يسمى الأوّاه لرقته ورحمته.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ إن إبراهيم لأوّاه حليم ﴾ قال: الحليم الرحيم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن إبراهيم لأوّاه حليم ﴾ قال: كان من حلمه أنه كان إذا أذاه الرجل من قومه قال له: هداك الله.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: ما أنزل شيء من القرآن إلا وأنا أعلمه إلا أربع آيات.
إلا ﴿ الرقيم ﴾ [ الكهف: 9] فإني لا أدري ما هو فسألت كعباً؟
فزعم أنها القرية التي خرجوا منها ﴿ وحناناً من لدنا وزكاة ﴾ [ مريم: 13] قال: لا أدري ما الحنان ولكنها الرحمة ﴿ والغسلين ﴾ [ الحاقة: 36] لا أدري ما هو ولكني أظنه الزقوم.
قال الله: ﴿ إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ﴾ [ الدخان: 42- 43] قال: والأوّاه هو الموقن بالحبشية.
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال: الأوّاه المؤمن.
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال: الأوّاه المنيب الفقير.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عقبة بن عامر قال: الأوّاه الكثير ذكر الله.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وما كان الله ليضلّ قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ﴾ قال: بيان الله للمؤمنين في الاستغفار للمشركين خاصة، وفي بيانه طاعته ومعصيته عامة ما فعلوا أو تركوا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ حتى يبين لهم ما يتقون ﴾ قال: ما يأتونه وما ينتهون عنه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآية، قال عامة المفسرين: (إن النبي عرض على عمه أبي طالب الإسلام عند وفاته، وذكر له وجوب حقه عليه، وقال: "أعني على نفسك بكلمة أشفع لك بها عند الله يوم القيامة"، فأبى أبو طالب، فقال النبي : "لأستغفرن لك حتى أنهى عن ذلك" فاستغفر له بعدما مات، فاستغفر المسلمون لآبائهم وذوي قراباتهم، فنزلت هذه الآية (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) وقال عطاء عن ابن عباس: إن رسول الله سأل جبريل عن قبر أبيه وأمه فأرشده فذهب إليهما وكان يدعو لهما، وعلي يؤمن فنزلت هذه الآية) (٧) (٨) وقال الوالبي عنه (٩) (١٠) (١١) أن يستغفروا لآبائهم فقال: "وأنا والله لأستغفرن لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه" فنزلت هذه الآية) (١٢) قال أهل المعاني: قوله ﴿ مَا كاَنَ لِلنَّبِيِّ ﴾ حظر وتحريم ونهي، وقد يأتي في القرآن بمعنى النفي البتة، كقوله: ﴿ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا ﴾ و ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ (١٣) والاستغفار طلب المغفرة، وليس يجوز أن يطلب من الله غفران الشرك؛ لأنه طلب ما أخبر أنه لا يفعل (١٤) وقوله تعالى ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾ ، قال أبو إسحاق: (أي من بعد ما تبين لهم أنهم ماتوا كافرين، ثم أعلم الله -عز وجل- كيف كان استغفار إبراهيم لأبيه [فقال: ﴿ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ ﴾ (١٥) (١٦) قال عطاء عن ابن عباس: (كان أبو إبراهيم وعد إبراهيم أن يؤمن بالله ويخلع الأنداد، فلما مات على الكفر (١٧) (١٨) ﴿ وَعَدَهَا إِيَّاهُ ﴾ الكناية في ﴿ إِيَّاهُ ﴾ تعود على إبراهيم، والواعد أبوه، ويجوز أن تعود على أبي إبراهيم ويكون الواعد إبراهيم، وذلك أنه وعد أباه [أن يستغفر له رجاء إسلامه وأن ينقل الله أباه باستغفاره له] (١٩) (٢٠) (٢١) ﴿ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ﴾ وقوله: ﴿ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ ﴾ روي عن النبي أنه قال: "الأواه: الخاشع المتضرع" (٢٢) ويروى أن عمر سأل رسول الله عن الأواه فقال: "الأواه الدعاء" (٢٣) قال ابن عباس (٢٤) (٢٥) (٢٦) وقال في رواية عطية: (الأواه: المؤمن [بالحبشية) (٢٧) (٢٨) (٢٩) وقال في رواية أبي ظبيان: (الأواه: الموقن) (٣٠) (٣١) وقال الفراء: (هو الذي يتأوه من الذنوب) (٣٢) وقال ابن مسعود والحسن وقتادة: (الأواه: الرحيم) (٣٣) وقال أبو عبيدة: (الأواه: المتأوه شفقًا وفرقًا، المتضرع يقينًا ولزوماً للطاعة) (٣٤) قال الزجاج: (انتظم قول أبي عبيدة أكثر ما روي في الأواه) (٣٥) تأوهُ آهة الرجل الحزين (٣٦) ويقال لتلك الكلمة: آه وهاه وآهة (٣٧) (٣٨) وقوله تعالى: ﴿ حَلِيمٌ ﴾ ، قال ابن عباس: (لم يعاقب أحدًا إلا لله ولم ينتصر من أحد إلا لله) (٣٩) (١) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 41 - 43، وابن أبي حاتم 6/ 1894، والثعلبي 6/ 152 أ، والبغوي 4/ 100، والحديث في "صحيح البخاري"، كتاب: الجنائز، باب: إذا قال المشرك: لا إله إلا الله، و"صحيح مسلم" (39)، كتاب: الإيمان، باب: الدليل على صحة إسلام من حضره الموت.
(٢) لم أجد من ذكره عنه، وإنما يروى عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه، انظر: المصادر السابقة، نفس المواضع.
(٣) رواه ابن جرير 11/ 42.
(٤) رواه ابن جرير 11/ 41 - 42.
(٥) رواه ابن أبي حاتم 6/ 1894 - 1895، والثعلبي 6/ 152 ب، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 505.
(٦) انظر قول الحسين بن الفضل في "تفسير الثعلبي" 6/ 152 ب واعتراضه هذا محل نظر؛ فإن السور المدنية قد يتخللها بعض الآيات المكية، لاسيما وقد صح نزول الآية في قصة أبي طالب وخرجها البخاري ومسلم كما تقدم، وثمة احتمال آخر وهو أن النبي استمر في الاستغفار لعمه حتى نزلت عليه هذه الآية في المدينة، والله أعلم.
(٧) لم أجده.
(٨) ذكره الثعلبي 6/ 153 ب، والبغوي 4/ 101 بغير سند.
(٩) يعني عن ابن عباس كما في المصادر التالية.
(١٠) رواه ابن جرير 11/ 42، وابن أبي حاتم 6/ 1893، والثعلبي 6/ 153 ب.
(١١) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).
(١٢) رواه ابن جرير 11/ 43، والثعلبي 6/ 153 ب، والبغوي 4/ 101.
(١٣) ذكره عنهم دون تعيين الثعلبي في "تفسيره" 6/ 153 ب بنحوه، وانظر: "تفسير القرطبي" 8/ 274.
(١٤) يعني في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ .
(١٥) اهـ.
كلام أبي إسحاق الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 473.
(١٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(١٧) ساقط من (ى).
(١٨) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 528، والقرطبي في "تفسيره" 8/ 274، وبدون نسبة الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 473، والثعلبي 6/ 154 أ، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 509.
وقد سبق بيان أن رواية عطاء عن ابن عباس مكذوبة، ثم إن هذا القول مستبعد من == أبي إبراهيم لقوله فيما أخبر الله عنه: ﴿ قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ﴾ والآية الثانية تدل على أن إبراهيم وعده بالاستغفار وهو مصر على كفره.
(١٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(٢٠) في (م): (تبين)، وهو خطأ.
(٢١) انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 154 ب، و"الكشاف" 2/ 217، والبغوي 4/ 101.
ونسبها ابن خالويه إلى حماد الراوية وقال: (يقال إنه صحفه).
انظر: " مختصر في شواذ القرآن" ص 55، وزاد أبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 105 نسبتها إلى ابن السميفع وأبي نهيك ومعاذ القارئ.
(٢٢) رواه ابن جرير 11/ 51، وابن أبي حاتم 6/ 1896، والثعلبي 6/ 154 ب، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في "الدر المنثور" 3/ 509 عن عبد الله بن شداد وهو تابعي فالحديث مرسل، ولم أجد من ذكره موصولاً، ثم إن في سنده شهر بن حوشب، متكلم فيه، قال ابن حجر: صدوق كثير الإرسال والأوهام، وقال ابن عدي: (ضعيف جدًا).
"تقريب التهذيب" 1/ 355، و"تهذيب التهذيب" 4/ 338.
(٢٣) ذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 211 ولم أجد من ذكره غيره، وذكر الثعلبي بغير سند عن أنس قال: تكلمت امرأة عند رسول الله - - بشيء كرهه فنهاها عمر - - فقال رسول الله - -: "دعوها فإنها أواهة"، قيل يا رسول الله وما الأواهة؟
قال: "الخاشعة".
"تفسير الثعلبي" 6/ 154 ب.
(٢٤) في (ى): (ابن إسحاق)، وهو خطأ.
(٢٥) ساقط من (م).
(٢٦) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 528.
(٢٧) رواه ابن جرير 11/ 50، والثعلبي 6/ 155 أ.
(٢٨) رواه ابن جرير 11/ 50، وابن أبي حاتم 6/ 1886، والثعلبي 6/ 155 أ، والبغوي 4/ 102.
(٢٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).
(٣٠) رواه ابن جرير 11/ 49، والثعلبي 6/ 155/ أ.
(٣١) انظر: المصدرين السابقين، نفس الموضع، و"تفسير ابن أبي حاتم" 6/ 1896، والبغوي 4/ 102.
(٣٢) "معاني القرآن" 2/ 23، ونسبة هذا القول للفراء فيها نظر؛ فإن نصر عبارته: (قوله (أواه): دعاء، ويقال: هو الذي يتأوه من الذنوب).
(٣٣) رواه عنهم ابن جرير 11/ 47 - 49، وابن أي حاتم 6/ 1896، والثعلبي 6/ 155 أ.
(٣٤) "مجاز القرآن" 1/ 270 بنحوه، والنص بلفظ المؤلف عند "الثعلبي" 6/ 155 ب.
(٣٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 473.
(٣٦) عجز بيت، وصدره: إذا ما قمت أرحلها بليل والبيت للمثقب العبدي في "ديوانه" ص 194، و"الصحاح" (أوه)، و"مجازالقرآن" 1/ 270، "المفضليات" ص 291.
والشاعر يتحدث عن دابته، وأنها تشكو كثرة أسفاره.
(٣٧) في (ي): (هاهه).
(٣٨) لم أقف عليه.
(٣٩) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 529، واعتبره القرطبي 8/ 276 أحد قولين في الكلمة لكن لم ينسبه لابن عباس.
<div class="verse-tafsir"
[التوبة: 17] نزلت في شأن أبي طالب؛ فإنه لما امتنع أن يقول: لا إله إلا الله عند موته، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنك، فكان يستغفر حتى نزلت هذه الآية، وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم استأذن ربه أن يستغفر لأمه فنزلت الآية، وقيل: إن المسلمين أرادوا أن يستغفروا لآبائهم المشركين؛ فنزلت الآية ﴿ وَمَا كَانَ استغفار إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ ﴾ المعنى: لا حجة لكم أيها المؤمنون في استغفار إبراهيم لأبيه، فإن ذلك لم يكن إلا لوعد تقدم، وهو قوله سأستغفر لك ربي ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ﴾ قيل: تبين له ذلك بموت أبيه على الكفر، وقيل: لأنه نهي عن الاستغفار له ﴿ لأواه ﴾ قيل: كثير الدعاء، وقيل: موقن، وقيل: فقيه، وقيل: كثير الذكر لله، وقيل: كثير التأوّه من خوف الله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ فيقتلون ﴾ مبنياً للمفعول ﴿ ويقتلون ﴾ مبنياً للفاعل: حمزة علي وخلف الآخرون على العكس.
﴿ ويقتلون ﴾ بالتشديد: أبو عون عن قنبل.
﴿ إبراهام ﴾ وكذلك ما بعده: هشام ﴿ يزيغ ﴾ بياء الغيبة.
حمزة وحفص والمفضل.
والباقون بتاء التأنيث.
﴿ خلفوا ﴾ بالتخفيف وفتح اللام روى ابن رومي عن عباس.
الباقون بالتشديد مجهولاً.
الوقوف: ﴿ الجنة ﴾ ط ﴿ ويقتلون ﴾ ط ﴿ والقرآن ﴾ ط ﴿ بايعتهم به ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ لحدود الله ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ إياه ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ط ج ﴿ حليم ﴾ ه ط ﴿ ما يتقون ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ ويميت ﴾ ط ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ تاب عليهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ط للعطف على النبي ﴿ خلفوا ﴾ ط ﴿ إلا إليه ﴾ ط ﴿ ليتوبوا ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه.
التفسير: لما شرح فضائح المنافقين وقبائحهم بسبب تخلفهم عن غزوة تبوك، وذكر أقسامهم وفرع على كل قسم ما كان لائقاً به، عاد إلى بيان فضيلة الجهاد والترغيب فيه فقال: ﴿ إن الله اشترى ﴾ الآية.
قال محمد بن كعب القرظي: لما بايعت الأنصار رسول الله ليلة العقبة - وهم سبعون نفساً - قال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت.
فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم.
قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟
قال: الجنة، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزلت ﴿ إن الله اشترى ﴾ الآية.
قال مجاهد والحسن ومقاتل: ثامنهم فأغلى ثمنهم.
وقال جعفر الصادق : والله ما لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها.
واعلم أن هذا الاشتراء وقع مجازاً عن الجزاء لأن المشتري إنما يشتري ما لا يملك والعبد وما يملكه لمولاه.
ولهذا قال الحسن: اشترى أنفساً هو خلقها وأموالاً هو رزقها.
والمراد بأنفسهم النفوس المجاهدة وبأموالهم التي ينفقونها في أسباب الجهاد وعلى أنفسهم وأهليهم وعيالهم على الوجه المشروع.
وههنا نكتة هي أن قيم الطفل له أن يبيع مال الطفل من نفسه بشرط رعاية الغبطة، ففي هذه الآية البائع والمشتري هو الله ففيه تنبيه على أن العبد كالطفل الذي لا يهتدي إلى مصالح نفسه وأنه هو المراعي لمصالحه حتى يوصله إلى أنواع الخيرات وأصناف العادات.
وبوجه آخر الإنسان بالحقيقة عبارة عن الجوهر المجرد الذي هو من عالم الأرواح وهذا البدن وما يحتاج إليه من ضرورات المعاش كالآلات والوسائط لتحصيل الكمالات الموصلة الى الدرجات العاليات؛ فالبائع هو جوهر الروح القدسي، والمشتري هو الله، وأحد العوضين الجسد البالي والمال الفاني، والعوض الآخر الجنة الباقية والسعادات الدائمة، فالربح حاصل والخسران زائل ولهذا قال ﴿ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ﴾ وفي قوله ﴿ يقاتلون ﴾ معنى الأمر كقوله ﴿ وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ﴾ وهو كالتفسير لتلك المبايعة ﴿ فيقتلون ويقتلون ﴾ أي إنهم يقتلون الكفار فلا يرجعون عنهم حتى يصيروا مقتولين.
ومن قرأ بتقديم المجهول فمعناه أن طائفة منهم إذا صاروا مقتولين لم يصر ذلك رادعاً للباقين عن المقاتلة بقدر الإمكان.
ومن العلماء من خصص هذا الوعد بجهاد السيف لظاهر قوله: ﴿ يقاتلون ﴾ .
والتحقيق أن كل أنواع الجهاد يدخل فيه لأن الجهاد بالحجة والدعوة إلى دلائل التوحيد أكمل أثراً من القتال ولهذا قال لعلي : " لأن يهدي الله على يدك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس" ولأن الجهاد بالسيف لا يحسن إلا بعد تقديم الجهاد بالحجة، ولأن الإنسان جوهر شريف فمتى أمكن إزالة صفاته الرذيلة مع إبقاء ذاته الشريفة كان أولى من إفناء ذاته، ألا ترى أن جلد الميتة لما كان منتفعاً به من بعض الوجوه حث الشرع على إبقائه فقال: "هلا أخذتم اهابها فدبغتموه فانتفعتم به" قوله ﴿ وعداً عليه ﴾ قال الزجاج: إنه منصوب بمعنى قوله: ﴿ بأن لهم الجنة ﴾ كأنه قيل: وعدهم الجنة وعداً فهو مصدر مؤكد، وكذا قوله ﴿ حقاً ﴾ أو هو نعت للمصدر مؤكد وما الذي حصل ﴿ في التوراة والإنجيل والقرآن ﴾ قيل: وعد المجاهدين على الإطلاق، وقيل: ذكر هذا البيع لأمة محمد، وقيل: الأمر بالقتال ﴿ ومن أوفى ﴾ استفهام بمعنى الإنكار أي لا أحد أوفى بما وعد ﴿ من الله ﴾ لأنه الغني عن كل الحاجات القادر على كل المقدورات.
وفي الآية أنواع من التوكيدات فأولها قوله: ﴿ إن الله اشترى ﴾ وإذا كان المشتري هو الإله الواجب الذات المتصف بجميع الكمالات المفيض لك الخيرات فما ظنك به، ومنها أنه عبر عن إيصال الثواب بالبيع والشراء حتى يكون حقاً مؤكداً.
ومنها أنه قال ﴿ بأن لهم الجنة ﴾ بحرف التحقيق وبلام التمليك دون أن يقول بالجنة.
ومنها قوله ﴿ وعداً ﴾ و ﴿ إنه لا يخلف الميعاد ﴾ .
ومنها قوله ﴿ عليه ﴾ وكلمة "على" للوجوب ظاهراً.
ومنها قوله: ﴿ حقاً ﴾ وهو تأكيد التحقيق.
ومنها قوله: ﴿ في التوراة والإنجيل والقرآن ﴾ وإنه يجري مجرى الإشهاد لجميع الكتب الإلهية وجميع الأنبياء والرسل هذه المبايعة.
ومنها قوله: ﴿ ومن أوفى بعهده من الله ﴾ وفيه تنبيه على أنه لا يكذب ولا يخلف ألبتة.
ومنها قوله: ﴿ فاستبشروا ﴾ والبشارة الخبر الصدق الأول.
ومنها قوله: ﴿ وذلك هو الفوز ﴾ ثم وصف الفوز بـ ﴿ العظيم ﴾ واعلم أن هذه الخاتمة تقع على ثلاثة أوجه: أحدها ﴿ ذلك الفوز ﴾ بغير "هو" وإنه في ستة مواضع: في "براءة" موضعان، وفي "النساء والمائدة والصف والتغابن" وما في "النساء" بزيادة واو.
والآخر ﴿ وذلك هو الفوز ﴾ بزيادة "هو" وذلك في ستة مواضع أخرى في "براءة" موضعان و "يونس" و "المؤمن" و "الدخان" و "الحديد" وما في براءة أحدهما بزيادة الواو وهو خاتمة هذه الآية، وكذلك ما في "المؤمن".
وسبب هذا الاختلاف أن الجملة إذا جاءت بعد جملة من غير تراخٍ بنزول جاءت مربوطة إما بواو العطف وإما بكناية تعود من الثانية إلى الأولى وإما بإشارة فيها إليها.
وربما جمع بين الشيئين منها والثلاثة للدلالة على المبالغة.
وقد جمع في هذه الخاتمة بين الثلاثة لغاية التوكيد والمبالغة، أو لأنه ذكر الكتب الثلاثة فكل رابطة في مقابلة كتاب واحد.
وكذلك في "المؤمن" وقع الثلاثة في مقابلة ثلاثة أدعية ﴿ فاغفر ﴾ ﴿ وقهم ﴾ ﴿ وأدخلهم ﴾ قال أبو القاسم البلخي: لا بد من حصول الأعواض على الآلام للأطفال والبهائم قياساً على ما أثبته الله للمكلفين من العوض على ألم القتل وهو الجنة.
ثم ذكر أن حكم سائر المؤمنين كذلك فقال: ﴿ التائبون ﴾ قال الزجاج: إنه مبتدأ محذوف الخبر أي التائبون العابدون من أهل الجنة أيضاً وإن لم يجاهدوا كقوله ﴿ وكلاً وعد الله الحسنى ﴾ وقيل: التائبون رفع على البدل من الضمير في ﴿ يقاتلون ﴾ وقيل: مبتدأ خبره ﴿ العابدون ﴾ وما بعده أي التائبون من الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الخصال.
أما تفسير هذه الأوصاف فقد قال ابن عباس والحسن: التائبون هم الذين تابوا من الشرك وتبرأوا عن النفاق.
ومال آخرون الى التعميم ليشمل المعاصي أيضاً إذ لا دليل على التخصيص ﴿ والعابدون ﴾ قال ابن عباس: هم الذين يرون عبادة الله واجبة عليهم.
وقال الحسن: هم الذين عبدوا الله في السراء والضراء، والعبادة لا شك أنها عبارة عن نهاية التعظيم وغاية الخضوع.
وقال قتادة: وهم قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم.
و ﴿ الحامدون ﴾ هم الذين يقومون بحق شكر نعم الله ويجعلون إظهار ذلك عادة لهم، وذلك أن الحمد ذكر من كان قبل آدم لقول الملائكة ﴿ ونحن نسبح بحمدك ﴾ وذكر أهل الدنيا يقولون في كل يوم سبع عشرة مرة الحمد لله رب العالمين، وذكر من يكون بعد خراب الدنيا لقوله: ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ﴾ و ﴿ السائحون ﴾ قال عامة المفسرين: هم الصائمون لقوله: " سياحة أمتي الصيام" .
ثم قيل: هذا صوم الفرض.
وقيل: الذين يديمون الصيام.
قال الأزهري: إنما قيل للصائم سائح لأن الذي يسيح في الأرض متعبدٌ لا زاد معه فيكون ممسكاً عن الأكل والشرب كالصائم.
وقيل: أصل السياحة الاستمرار على الذهاب كالماء الذي يسيح والصائم مستمر على فعل الطاعة وترك المنهي عنه من الأكل والشرب والوقاع.
وقال أهل المعنى: الإنسان إذا امتنع من الأكل والشرب انفتحت عليه أبواب المعاني والحكم وتحلت له أنوار المعارف والحقائق فيحصل له سياحة في عالم العقول.
وقيل: السائحون طلاب العلم ينتقلون من بلد إلى بلد في طلب العلم في مظانه، وكانت السياحة في بني إسرائيل.
قال عكرمة عن وهب بن منبه: لا ريب أن للسياحة أثراً عظيماً في تكميل النفس لأنه يلقى أنواعاً من الضر والبؤس فيصبر عليها، وقد ينقطع زاده فيتوكل على الله فيصير ذلك ملكه له، وقد ينتفع بالمشاهد والزيارات للأحياء وللأموات ويستفيد ممن هو فوقه ويفيد من هو دونه ويكتسب التجارب ومعرفة الأحوال والأخلاق والسير والآثار ﴿ الراكعون الساجدون ﴾ يعني المصلين قال بعض العلماء: إنما جعل الركوع والسجود كناية عن الصلاة لأن سائر هيئات المصلي موافقة للعادة كالقيام والقعود، وإنما الفصل بين المصلي وغيره بالركوع والسجود.
وقيل: أول مراتب التواضع القيام وأوسطها الركوع وغايتها السجود فخصا بالذكر تنبيهاً على أن المقصود من الصلاة نهاية الخضوع.
ثم قال: ﴿ الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ﴾ ومعناهما مذكور فيما مر إلا أن ههنا بحثاً آخر وهو أنه لم أدخل الواو في قوله: ﴿ والناهون ﴾ ﴿ والحافظون ﴾ دون سائر الأوصاف؟
وأجيب بأن النسق يجيء بالواو وبغيرها كقوله: ﴿ غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ﴾ أو المراد أن الموصوفين بالصفات الستة هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ويكون فيه ترغيب في الجهاد لأن رأس المعروف الإيمان بالله ورأس المنكر الكفر به والجهاد يوجب حصول الإيمان وإزالة الكفر، أو النهي عن المنكر أصعب أقسام التكاليف لإفضائه في الأغلب إلى الخصومة وثوران الغضب فأدخل عليه الواو تنبيهاً على هذه المخالفة والمباينة.
ولبعض النحويين جواب عام يشمل هذه الآية وما في "الكهف" في قوله: ﴿ ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم ﴾ وما في "الزمر" في قوله في ذكر الجنة ﴿ وفتحت أبوابها ﴾ وما في "التحريم" في قوله: ﴿ ثيبات وأبكاراً ﴾ وذلك أنهم سموا هذه الواوات واو الثمانية قائلين إن السبعة نهاية العدد ولهذا أكثر ذكرها في القرآن والأخبار.
فالثمانية تجري مجرى استنئاف كلام فلهذا فصل بالواو.
وأما قوله: ﴿ والحافظون لحدود الله ﴾ فكإجمال بعد تفصيل؛ وذلك أن التكاليف إما أن تتعلق بمصالح الدين وهي باب العبادات من الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والإعتاق والنذر ونحوها، أو بمصالح الدنيا وهي المعاملات.
وإنها إما لجلب المنافع أو لدفع المضار والمنافع إما أن تكون مقصودة بالأصالة أو بالتبعية.
فالمقصودة بالأصالة هي المنافع الحاصلة من طرق الحواس الخمس وهي المذوقات ويدخل فيها كتاب الأطعمة والأشربة والصيد والذبائح والضحايا، والملموسات ويدخل فيها باب أحكام الوقاع فمنها ما يفيد حله كالنكاح والرضاع وما يتبعهما من المهر والنفقة والسكنى وأحوال القسم والنشوز، ومنها ما يوجب إزالته كالطلاق والخلع والإيلاء والظهار واللعان، ومن أحكام الملموسات البحث عما يحل لبسه واستعماله وعما لا يحل كالأواني الذهبية وغيرها.
والمبصرات وهو باب ما يحل النظر إليه وما لا يحل، والمسموعات وهو باب ما يحل سماعه وما لا يحل، والمشمومات وقد قيل إنه ليس للفقهاء فيه مجال، ويحتمل أن يقال إن منها جواز استعمال الطيب في بعض الأوقات ومنعه في بعضها كحالة الإحرام.
ومنها ما يكره كأكل البصل والثوم للمصلي بالجماعة في المسجد.
والمنافع المقصودة بالتبعية هي الأموال والبحث عنها إما من جهة الأسباب المفيدة للملك كالإرث والهبة والوصية وإحياء الموات والالتقاط وأخذ الفيء والغنائم والزكاة، وكالبيع بيع العين بالعين أو بيع الدين بالعين وهو السلم أو بالعكس كما إذا اشترى شيئاً في الذمة أو بيع الدين بالدين وهو بيع الكاليء بالكالىء المنهي عنه إلا عند تقاص الدينين، أو من جهة الأسباب المفيدة للمنفعة كالإجارة والجعالة وعقد المضاربة، أو من جهة الأسباب التي توجب لغير المالك التصرف فيه كالوكالة والوديعة، أو من جهة الأسباب التي تمنع المالك التصرف في ملكه كالرهن والإجارة والتفليس.
وأما دفع المضار والمضرة إما في النفس وهو كتاب الجراح أو في الدين وهو كتاب الجهاد وباب الارتداد وأحكام البغاة، وإما في النسب وهو باب أحكام الزنا والقذف واللعان، وإما في العقل كباب تحريم الخمر، وإما في المال والضرر فيه إما على سبيل الإعلان والجهار وهو الغصب وقطع الطريق، أو على سبيل الخفية وهو السرقة.
وههنا باب آخر وهو أن كل أحد لا يمكنه استيفاء حقوقه من المنافع ودفع المضار بنفسه عن نفسه لضعفه فلهذا السبب أمر الله بنصب الإمام لتنفيذ الأحكام، وقد يكون للإمام نواب وهم الأمراء والقضاة وليس قول الغير مقبولاً إلا بحجة وهي الشهادة والأيمان فحصل من ذلك كتاب آداب القضاء وباب الدعاوى والبينات.
فهذا ما أمكن من ضبط معاقد تكاليف الله وأحكامه وحدوده، وكلها منوطة بأعمال الجوارح دون أعمال القلوب التي لا يطلع عليها إلا الله تعالى.
ولكن قوله: ﴿ والحافظون لحدود الله ﴾ يشمل ذلك أيضاً بل رعايته أهم من رعاية أحوال الظواهر.
ثم ختم الآية بتكرير البشارة وفيه من كمال العناية ما فيه.
ولما بين من أول السورة إلى ههنا وجوب إظهار البراءة من المنافقين الكفرة الأحياء أراد أن يبين وجوب البراءة من أمواتهم أيضاً وإن كانوا أقارب فقال: ﴿ ما كان للنبي ﴾ ومعناه النهي أي ما صح له وما استقام وما ينبغي له ذلك.
ثم علل المنع بقوله: ﴿ من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ﴾ لأنهم ماتوا على الشرك وقد قال : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ فطلب غفرانهم جارٍ مجرى طلب إخلاف وعد الله ووعيده، وفيه حط لمرتبة النبي حيث يدعو بما لا يستجاب له.
وهذه العلة لا تختلف بأن يكونوا من الأباعد أو من الأقارب فلهذا بالغ فيه بقوله: ﴿ ولو كانوا أولي قربى ﴾ روى الواحدي بإسناده عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضر أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله - وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية - فقال: أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله.
فقال أبو جهل وابن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟
فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به أنا على ملة عبد المطلب.
فقال النبي : لأستغفرن لك ما لم أنه عنه فاستغفر له بعد ما مات فقال المسلمون: ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا ولذوي قراباتنا قد استغفر إبراهيم لأبيه، وهذا محمد يستغفر لعمه فاستغفروا للمشركين فنزلت ﴿ ما كان للنبي ﴾ الآيتان.
وقيل عن ابن عباس: لما افتتح مكة سأل أي أبويه أحدث به عهداً أي آخرهما موتاً؟
فقيل: أمك آمنة.
فزار قبرها ثم قام باكياً فقال: إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي فيه ونزل عليّ ﴿ ما كان للنبي ﴾ الآية.
فقال بعضهم كصاحب الكشاف والحسين بن أبي الفضل: هذا أصح لأن هذه السورة في آخر القرآن نزولاً، وكانت وفاة أبي طالب بمكة في أول الإسلام.
ويمكن أن يوجه الأول بأنه لعله بقي مستغفراً إلى حين نزول الآية.
ثم اعتذر عن استغفار إبراهيم لأبيه بأنه صدر عن موعدة وعدها إياه، وذلك أن أباه كان وعد إبراهيم أن يؤمن فكان يستغفر له بناء على ذلك الوعد.
﴿ فلما تبين ﴾ لإبراهيم ﴿ أنه عدو لله ﴾ إما بإصراره على الكفر أو بموته على ذلك أو بطريق الوحي ﴿ تبرأ منه ﴾ وترك الاستغفار.
ويجوز أن يكون الواعد إبراهيم ويوافقه قراءة الحسن ﴿ وعدها أباه ﴾ بالباء الموحدة وذلك في قوله: ﴿ لأستغفرن لك ﴾ وعده أن يستغفر له رجاء إسلامه.
وقيل: المراد من استغفار إبراهيم لأبيه دعاؤه له إلى الإسلام الموجب للغفران، وكان يتضرع إلى الله أن يرزقه الإيمان.
وقيل: المقصود النهي عن صلاة الجنازة فكان قوله: ﴿ ولا تصل على أحد منهم ﴾ في حق المنافقين خاصة وهذه في حق الكافرين عامة.
ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إن إبراهيم لأوّاه حليم ﴾ قال أهل اللغة: أوّاه "فعال" مأخوذ من حروف "أوه" كلمة يقولها المتوجع، وذلك أن الروح القلبي يختنق عند الحزن في داخل القلب ويشتد حرارته فإذا تكلم صاحبه بها خرج ذلك النفس المختنق فخفف بعض ما به، وعن النبي أنه قال: "الأوّاه الخاشع المتضرع" والحلم ضد السفه، وصفه بشدّة الرأفة والشفقة والخوف والوجل فبين أن إبراهيم مع هذه العادة تبرأ من أبيه حين انقطع رجاؤه منه فأنتم بهذا المعنى أولى.
ثم إن المسلمين خافوا أن يؤاخذوا بما سلف منهم من الاستغفار للمشركين فأنزل الله ﴿ ما كان الله ليضل قوماً ﴾ أي عن طريق الجنة أو يحكم عليهم بالضلال أو يخذلهم أو يوقع الضالة في قلوبهم حين يكون منهم الأمر الذي يستحق به العقاب ﴿ بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ﴾ ما يجب عليهم أن يحترزوا عنه.
والحاصل أن الله لا يسمي قوماً ضلالاً بعد إذ سماهم مهديين ما لم يقدموا على شيء مبين خطره، وأما قبل العلم والبيان فلا يؤاخذهم كما لم يؤاخذ بشرب الخمر والربا قبل تحريمهما.
وفي الآية تشديد عظيم حيث جعل المهدي للإسلام إذا أقدم على بعض المحظورات داخلاً في حكم الضلال.
ثم قال: ﴿ إن الله بكل شيء عليم إن الله له ملك السموات والأرض يحيي ويميت ﴾ والمراد أن من كان عالماً قادراً هكذا لم يحتج إلى أن يفعل العقاب قبل البيان وإزاحة العذر.
قالت المعتزلة: وفيه دليل على أنه يقبح من الله الابتداء بالعقاب.
وأجيب بأن له ذلك بحكم المالكية غاية ما في الباب أنه لا يعاقب إلا بعد إزاحة العذر عادة، وفي قوله: ﴿ إن الله له ملك السموات والأرض ﴾ فائدة أخرى هي أنه لما أمر بالبراءة من الكفار بين غاية قدرته ونهاية نصرته لمن أراد استظهاراً للمسلمين كيلا تضعف قلوبهم بالانقطاع عن الأقارب والأنصار كأنه قال: وجب عليكم أن تفيئوا إلى حكمي وتكاليفي لأني إلهكم وأنتم عبيدي.
ثم عاد إلى بقية أحكام الكفار فقال ﴿ لقد تاب الله على النبي ﴾ الآية.
ولنبن تفسير الآيتين على أسئلة مع جواباتها.
فالسؤال الأول: أن قبول التوبة دليل سبق الذنب، والنبي معصوم والمهاجرون والأنصار الذين اتبعوه تحملوا أعباء ذلك السفر الطويل فكان اللائق بحالهم أن يثني عليهم.
الجواب أنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار لأنه لا ينفك عن هفوة إما من باب الكبائر وإما من باب الصغائر وإما من باب ترك الأولى.
والأفضل كما أشير إلى ذلك في حق النبي بقوله: ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم ﴾ ولعله قد وقع في قلوب المؤمنين نوع نفرة من تلك السفرة لما عاينوا المتاعب ولا أقل من الوساوس والهواجس فأخبر الله أن تلك الشدائد صارت مكفرة لجميع الزلات التي صدرت عنهم في ذلك السفر الطويل بل في مدة عمرهم وصارت قائمة مقام التوبة المقرونة بالإخلاص.
ويجوز أن يكون ذكر الرسول لأجل تعظيم شأن المهاجرين والأنصار لا لأنه صدر عنه ذنب.
السؤال الثاني: ما المراد بساعة العسرة؟
فالجواب قد تستعمل الساعة في معنى الزمان المطلق والعسرة تعذر الأمر وصعوبته.
والمراد الزمان الذي صعب عليهم الأمر جداً في ذلك السفر، كانوا في عسرة من الظهر تعتقب العشرة على بعير واحد.
وفي عسرة من الزاد تزوّدوا التمر المدود والشعير المسوس والإهالة الزنخة المنتنة، وقد بلغت بهم الشدة إلى أن اقتسم التمرة اثنان ثم إلى أن مصتها جماعة ليشربوا عليها الماء، وفي عسرة من الماء حتى نحروا الإبل واعتصروا فروثها وفي شدة زمان من حرارة القيظ كما قال المنافقون ﴿ لا تنفروا في الحر ﴾ وقال أبو مسلم: يجوز أن يراد بساعة العسرة جميع الأحوال والأوقات العسرة التي مرت عليهم في غزواتهم كما ذكر الله في غزوة الخندق ﴿ وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ﴾ الثالث: ما معنى ﴿ كاد يزيغ ﴾ وكيف إعرابه؟
والجواب هما استعمالان: كاد زيد يخرج، وكاد يخرج زيد.
معنى الأول كاد زيد خارجاً أي قارب الخروج، ومعنى الثاني كاد الشأن يكون كذا يعني قارب الشأن هذا الخبر.
وشبهه سيبويه بقولهم ليس خلق الله مثله أي ليس الشأن ذاك ولكن ضده، والزيغ الميل عن الجادة قيل: قارب بعضهم أن يميل عن الإيمان.
وقيل: هم بعضهم عند تلك الشدة بالمفارقة ثم حبسوا أنفسهم وصبروا وثبتوا وندموا.
وقيل: ما كان إلا حديث نفس بلا عزيمة ومع ذلك خافوا أن يكون معصية.
الرابع: ذكر التوبة في أول الآية فلم كررها في قوله: ﴿ ثم تاب عليهم ﴾ ؟
الجواب إن عاد الضمير في ﴿ عليهم ﴾ الى الفريق فلا تكرار، وإن عاد إلى النبي والمهاجرين والأنصار جميعاً فالتكرير للتوكيد مع رعاية دقيقة هي أن التوبة اكتنفت الذنب من جانبيه، وذلك أنه بدأ بذكر التوبة قبل ذكر الذنب تطييباً لقلوبهم ثم ذكر الذنب، ثم أردفه بذكر التوبة ليدل على أن العفو عفو متأكد كما يقول السلطان عند كمال الرضا: عفوت عنك ثم عفوت عنك.
وإليه الإشارة بقوله: : "إن الله يغفر ذنب الرجل المسلم عشرين مرة" .
وقال ابن عباس في تفسير قوله: ﴿ ثم تاب عليهم ﴾ يريد ازداد عنهم رضا.
ثم أكد هذه المعاني بقوله ﴿ إنه بهم رؤوف رحيم ﴾ فيشبه أن يراد بالرأفة إزالة الضرر، وبالرحمة إيصال المنفعة.
أو الأوّل رحمة سابقة، والثاني لاحقة.
الخامس: الثلاثة الذين خلفوا من هم؟
الجواب هم المرجون لأمر الله كما مرّ، سّمُّوا مخلفين كما سمو مرجئين أي مؤخرين عن أبي لبابة وأصحابه حيث تيب عليهم بعد أولئك.
وقيل: لأنهم خلفوا عن الغزو ومثله قراءة من قرأ بالتخفيف أي خلفوا الغازين.
وقيل: المخلف من خلوف الفم أي فسدوا، وقرأ جعفر الصادق : ﴿ خالفوا ﴾ .
﴿ حتى إذا ضاقت عليهم الأرض ﴾ مع سعتها وهو مثل للحيره في الأمر، ﴿ وضاقت عليهم أنفسهم ﴾ أي قلوبهم لا يسعها أنس ولا سرور ﴿ وظنوا ﴾ أي علموا وتيقنوا ﴿ أن لا ملجأ من ﴾ سخط ﴿ الله إلا ﴾ إلى استغفاره كقوله : "أعوذ بك منك" .
وقيل: الظن بمعناه الأصلي وهو الرجحان وذلك أنهم ما كانوا قاطعين بأن ينزل الله في شأنهم قرآنا، وإن سلم أنهم قطعوا بذلك إلا أنهم جوزوا أن تكون المدة قصيرة وجواب "إذا" محذوف والتقدير حتى إذا كان كذا وكذا تاب عليهم، وحسن حذفه لتقدم ذكره.
عن كعب بن مالك قال: لما قفل رسول الله سلمت عليه فرد عليّ كالمغضب بعدما كان ذكرني في الطريق وقال: ليت شعري ما خلف كعباً فقيل له: ما خلفه إلا حسن برديه والنظر في عطفيه.
فقال: معاذ الله ما أعلم إلا فضلاً وإسلاماً ونهى عن كلامنا - أيها الثلاثة - فتنكر لنا الناس ولم يكلمنا أحد من قريب ولا بعيد، فلما مضت أربعون ليلة أمرنا أن نعتزل نساءنا ولا نقربهن، فلما تمت خمسون ليلة إذا أنا بنداء من ذروة سلع - وهو جبل بالمدينة - أبشر يا كعب بن مالك فخررت ساجداً وكنت كما وصفني ربي ﴿ وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ﴾ وتتابعت البشارة فلبست ثوبي وانطلقت الى رسول الله فإذا هو جالس في المسجد وحوله المسلمون فقال إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول إلي حتى صافحني وقال: لتهنك توبة الله عليك فلن أنساها لطلحة.
وقال رسول الله وهو يستنير استنارة القمر: أبشر يا كعب بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ثم تلا علينا الآية.
سئل أبو بكر الورّاق عن التوبة النصوح فقال: أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه.
السادس: قد عرفنا فائدة قوله: ﴿ ثم تاب عليهم ﴾ فما فائدة قوله: ﴿ ثم تاب عليهم ليتوبوا ﴾ ؟
الجواب معناه رجع عليهم بالقبول والرحمة كرة بعد أخرى ليستقيموا على توبتهم، أو تاب عليهم في الماضي ليتوبوا في المستقبل إذا فرطت منهم خطيئة علماً منهم بأن الله تواب على من تاب ولو عاد في اليوم مائة مرة، أو تاب عليهم ليرجعوا إلى حالهم وعادتهم في الاختلاط بالمؤمنين، أو تاب عليهم لينتفعوا بالتوبة وثوابها لأن الانتفاع بها لا يحصل إلا بعد توبة الله عليهم.
وقالت الأشاعرة: المقصود بيان أن فعل العبد مخلوق لله حتى إنه لو لم يتب عليهم لم يتوبوا.
وأيضاً قالوا: في الآية دلالة على أن قبول التوبة غير واجب عقلاً لأن توبة هؤلاء قد حصلت من أوّل الأمر، ثم إنه لم يلتفت إليهم وتركهم خمسين يوماً.
ويمكن أن يجاب بأن شرائط التوبة من الإخلاص والنصح وغير ذلك لعلها لم تكن حاصلة من أوّل الأمر فلهذا تأخر القبول دليله قوله : ﴿ حتى إذا ضاقت ﴾ الآية.
ثم حث المؤمنين على ملازمة سيرة التقوى والانضمام في زمرة أهل الصدق لا النفاق فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ الآية.
قال بعض العلماء: ظاهر الأمر للوجوب فوجب على المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين لا بمعنى أن يكونوا على طريقهم وسيرتهم، لأن ذلك عدول عن الظاهر بل بمعنى المصاحبة.
والكون مع الشيء مشروط بوجود ذلك الشيء فلا بد من وجود الصادقين.
ثم إنه ثبت بالتواتر من دين محمد أن التكاليف المذكورة في القرآن متوجهة علىالمكلفين إلى يوم القيامة فلا يكون هذا الأمر مختصاً بالكون مع الرسول وأصحابه في الغزوات بل أعم من ذلك.
ثم إن الصادق لا يجوز أن يكون منحصراً في الإمام المعصوم الذي يمتنع خلو زمان التكليف عنه كما يقوله الشيعة، لأن كون كل واحد من المؤمنين مع ذلك الصادق بعد تسليم وجوده تكليف بما لا يطاق، فالمراد بالصادقين أهل الحل والعقد في كل حين، والمراد أنهم إذا أجمعوا على شيء كانوا صادقين فيه محقين ويجب على الباقين أن يكونوا معهم ظاهراً وباطناً.
وقال أكثر المفسرين: الصادقون هم الذين صدقوا في دين الله وفيما عاهدوا عليه من الطاعة نية وقولاً وعملاً.
وقيل: أي كونوا مع الثلاثة المذكورين في الصدق والثبات.
وعن ابن عباس: الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب أي وافقوا المهاجرين والأنصار في الصدق، وقيل: الخطاب للذين شدوا أنفسهم على السواري.
وفي الآية دلالة على فضيلة الصدق وكمال درجته.
ومن خصائص الصدق ما روي أن أعرابياً جاء إلى رسول الله وقال: إني أريد أن أؤمن بك إلا إني أحب الخمر والزنا والسرقة والكذب والناس يقولون إنك تحرم هذه الأشياء كلها ولا طاقة لي بتركها بأسرها، فإن قنعت مني بترك واحد منها آمنت بك، فقبل ذلك وشرط له الصدق ثم أسلم.
فلما خرج من عند رسول الله عرضوا عليه الخمر فقال: إن شربت وسألني رسول الله عن شربها وكذبت فقد نقضت العهد، وإن صدقت أقام الحد علي فتركها، ثم عرض عليه الزنا فجاءه ذلك الخاطر فتركه، وكذا في السرقة فعاد إلى رسول الله وقال: ما أحسن ما فعلت، لما منعتني عن الكذب انسد أبواب المعاصي علي وتبت عن الكل.
ومن فضائل الصدق أن الإيمان منه لا من سائر الطاعات، ومن معايب الكذب أن الكفر منه لا من سائر الذنوب، ومن مثالب الكذب أن إبليس مع تمرّده وكفره استنكف منه حتى استثنى في قوله ﴿ لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ﴾ .
ثم المقتضي لقبح الكذب هو كونه كذباً عند المعتزلة وكونه مفضياً إلى المفاسد عند الأشاعرة والله أعلم.
التأويل: ﴿ إن الله اشترى ﴾ في التقدير الأزلي ولهذا تيسر لهم الآن بذل النفس والمال في الجهاد الأصغر وفي الجهاد الأكبر، وإنه كما ﴿ اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ﴾ اشترى من أوليائه الصديقين قلوبهم وأرواحهم بأن لهم الجنة.
﴿ التائبون ﴾ عما سوى الله ﴿ العابدون ﴾ المتوجهون إليه على قدم العبودية ﴿ الحامدون ﴾ له على ما وفقهم لنعمة طلبه ﴿ السائحون ﴾ السائرون إليه بقدمي الصبر والشكر أو التبري والتولي ﴿ الراكعون ﴾ أي الراجعون عن مقام القيام بوجودهم إلى القيام بموجدهم ﴿ الساجدون ﴾ الساقطون على عتبة الوحدة بلاهم ﴿ الآمرون بالمعروف ﴾ الحقيقي ﴿ الناهون ﴾ عما سواه ﴿ والحافظون لحدود الله ﴾ لئلا يتجاوزوا عن طلبه إلى طلب غيره.
﴿ ما كان للنبي ﴾ فيه أن الاجتهاد ليس سبباً لنيل المراد، وأن الهداية من مواهب الربوبية لا من مراتب العبودية ﴿ إن إبراهيم لأواه ﴾ الأواه هو المتبرىء من المخلوقات لكثرة نيل المواجيد والكرامات فيكون لضيق البشرية تولاه مولاه، فمهما ورد له وأراد الحق ضاق عليه نطاق الخلق فيتأوه عند تنفس القلب المضطر من الخلق إلى الحق.
﴿ حليم ﴾ عما أصابه من الخلق للحق فلا رجوع له من الحق إلى الخلق بحال من الأحوال ولهذا قال لجبرائيل حين سأله ألك حاجة: أما إليك فلا ﴿ وما كان الله ليضل قوماً ﴾ ليردّهم بالمكر إلى الاثنينية والبعد ﴿ بعد إذ هداهم ﴾ إلى الوحدانية والفردانية بالتوحيد والتفريد ﴿ حتى يبين لهم ما يتقون ﴾ من آفات البشرية وعاهات الدنيا فهي رأس كل خطيئة، فإن لم يتحرزوا عنها وقعوا بالاستدراج إلى حيث خرجوا عنها نعوذ بالله من الحور بعد الكور أو نقول: إن الله بعد إذ هداهم بالإفناء عن الوجود إلى البقاء بالجود لا يردهم إلى بقاء البقاء وهو الإثبات بعد المحو والصحو بعد السكر وقد سماه المشايخ الإثبات التأني حتى يبين لهم ما يتقون من الأعمال والأقوال رعاية لتلك الأحوال.
﴿ إن الله له ملك السموات ﴾ سموات القلوب ﴿ والأرض ﴾ أرض النفوس ﴿ يحيي ﴾ بنور ربوبيته ﴿ من يشاء ويميت ﴾ عن صفات بشريته ﴿ من يشاء ومالكم من دون الله من ولي ﴾ فلا يشغلنكم طلب الملك عن المالك فإن طالب الملك لا يجد الملك ولا المالك وطالب المالك يجد الملك والمالك جميعاً ﴿ لقد تاب الله على النبي ﴾ التوبة فضل من الله ورحمة، فقدم ذكر النبي على المهاجرين ليكون وصول فضله إليهم بعد العبور على النبي تحقيقاً لقوله ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ ﴿ الذين اتبعوه في ساعة ﴾ عسرة الدنيا وترك شهواتها.
أو نقول ﴿ لقد تاب الله ﴾ أي أفاض أنوار عرفانه على نبي الروح ومهاجري صفاته الذين هاجروا معه من مكة - عالم الروح - إلى مدينة الجسد ﴿ والأنصار ﴾ من القلب والنفس وصفاتهما ﴿ الذين اتبعوه في ساعة ﴾ رجوعه إلى عالم العلو بالعسرة لأنهم من عالم السفل.
﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ﴾ من النفس والهوى والطبع وما تبعوا الروح عند رجوعه إلى عالمه ابتلاء ﴿ حتى إذا ضاقت عليهم ﴾ أرض البشرية شوقاً إلى تلك الحضرة ﴿ وضاقت عليهم أنفسهم ﴾ تحنناً إلى نيل تلك السعادات وتحقق لهم بنور اليقين أن لو بقوا في السفل لا ملجأ لهم من عذاب البعد عن الله إلا الفرار إليه ﴿ ثم تاب عليهم ﴾ بجذبة العناية، ولو وكلهم إلى طبيعتهم ما سلكوا طريق الحق أبداً مع الصادقين الذين صدقوا يوم الميثاق والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ .
دلت الآية بما نهانا أن نستغفر لمن علمنا أنه من أهل النار؛ لما أن الله لا يغفر له؛ لما علم أنه لا يؤمن، فعلى ما علمنا أنه لا يغفر له لم نستغفر له فلم يجز لنا أن نقول: إنه أراد الإيمان لمن يعلم أنه لا يؤمن أبداً؛ كما لم يجب أن يغفر لمن وجبت له النار، فهذا ينقض على المعتزلة قولهم: إن الله قد أراد لكل كافر الإيمان، لكنه لم يؤمن.
ثم قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: "إن رسول الله قد استغفر لأحد والديه، وذكر أنه دخل على أبي طالب عمه فدعاه إلى شهادة أن لا إله إلا الله فأبى، ثم استغفر له وقال: لأستغفرن لك ما لم أنه عنه أو كلام نحو هذا، فنزل قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ...
﴾ الآية" .
قال الحسن: لا يحتمل أن يكون رسول من رسل الله لا يعلم أن الله لا يغفر للكافر؛ إذ في العقل والحكمة ألا يغفر له والتعذيب له أبداً، وعندنا في الحكمة تعذيب الكافر أبداً وألا يغفر له لوجوه: أحدها: أن في ذلك تسوية بين العدو ووليه، ومن سوى بين عدوه ووليه فهو ليس بحكيم؛ إذ في الحكمة التمييز بينهما.
والثاني: أنه إذا عبد غير الله معه إنما يعبد غيره لجهله، وتلك الجهالة لا ترتفع أبداً؛ لأنه إذا غفر له فيقع عنده أنه إنما جزى وغفر له لعبادة غير الله.
والثالث: [أنه] لو غفر للكافر لذهبت حكمة الأفعال؛ لأن الأفعال إنما يؤمر بها لعواقب تتأمل: إما حمداً وإما ذمّاً، فإذا غفر له حمد بأفعال كان الحق له الذم بها، ففي ذلك خروجها عن الحكمة.
وجائز أن يكون رسول الله يستغفر للمنافقين، قبل: أن يتبين له أنهم منافقون، فلما تبين له نفاقهم كف عن استغفاره لهم، فأما أن يستغفر للكافر على علم منه أنه كافر فلا يحتمل، على ما يقوله بعض أهل التأويل: إنه استغفر لعمه ولأحد والديه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ ﴾ .
قال بعضهم: وعدها إياه: الإسلام، فكان استغفاره لأبيه على وعد الإسلام، فإنما كان استغفاره بعد إسلامه.
ألا ترى أنه قال: ﴿ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ فإنما طلب له المغفرة في ذلك اليوم وقد كان وعده الإسلام؛ لذلك كان استغفر له.
ألا ترى أنه تبرأ منه؛ إذ تبين له أنه من أهل النار.
ويحتمل أن يكون استغفار إبراهيم لأبيه طلب السبب الذي به منه يستوجب المغفرة وهو التوحيد [والإسلام]؛ وهو كقول هود [لقومه]: ﴿ وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ ؛ وكقول نوح: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ﴾ ، ليس يأمرهم أن يقولوا: نستغفر الله، ولكن يأمرهم بالإسلام ليغفر لهم ويكونوا من أهل المغفرة، فعلى ذلك استغفار إبراهيم لأبيه؛ وكذلك قوله: ﴿ وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ﴾ ، أي: أعطه السبب الذي به يستوجب المغفرة وهو التوحيد، كان سؤاله سؤال التوحيد؛ إذ لا يحل طلب المغفرة للكافر وفي الحكمة لا يجوز أن يغفر له.
فإن قيل: فإن كان على ما ذكرتم كيف استثنى قول إبراهيم: ﴿ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ بعد ما أخبرنا أن في إبراهيم قدوة بقوله: ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ ﴾ ؟
قيل: يحتمل الاستثناء لقول إبراهيم: ﴿ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ لأبيه، أي: حتى نعلم المعنى من استغفاره؛ لأنا لا نعرف مراد إبراهيم من استغفاره لأبيه؛ وكذلك استغفار الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - لقومهم والمتصلين بهم، فاستثنى ذلك إلى أن نعلم مرادهم من استغفارهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾ .
قيل: الأواه: الدعاء، وعلى ذلك روي عن رسول الله "أنه سئل عن الأواه؟
فقال: الدعاء الخاشع المتضرع" وعن ابن عباس - - قال: الأواه: المؤمن.
وقيل: الأواه: الفقيه، الموقن.
وقيل: المسبح.
وقيل: الأواه: المتأوه حزناً وخوفاً.
و"حليم" قيل: الحليم ضد السفيه.
وقيل: العليم.
والحليم: هو الذي لا يغضب ولا يسفه عند سفه السفيه.
وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ﴾ اختلف أهل التأويل: قال بعضهم: الآية في استغفار المؤمنين للمشركين.
وقال بعضهم: الآية في نسخ الأحكام والشرائع التي تحتمل النسخ.
فإن كانت في الاستغفار للمشركين، فإنه ليس هنالك نسخ؛ لأنه لم يسبق لهم الأمر بالاستغفار ولا الإباحة لهم في ذلك، فكأنه قال: ما كان الله ليجعل قوماً ضلالاً بالاستغفار بعد أن جعلهم مهتدين حتى يعلموا بالنهي عن ذلك، والله أعلم.
وهو يحتمل ما ذكرنا من استغفارهم للمنافقين قبل أن يتبين لهم؛ يقول: لا يجعلهم ضلالاً بذلك.
﴿ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ﴾ ، أي: حتى يعلموا بالذي يلزمهم الانتهاء عنه، وهو النسخ؛ هذا في الأحكام التي تحتمل النسخ.
وأما الأحكام التي لا تحتمل النسخ فلا.
وأصله: أن كل ما كان في العقل امتناع نسخة فإنه لا يرد فيه النسخ، وكل ما كان في العقل لا امتناع على نسخه فإنه يجوز أن يرد فيه النسخ.
ثم المسألة فيما عملوا بالمنسوخ قبل العلم بالنسخ ما حال العمل الذي عملوا به يجرحون ويأثمون في عملهم بذلك في حال نسخه، أو يثابون ويؤجرون على ذلك؟
فإن كان الفعل فعل طاعة وقربة، فإنه يثاب في قصده وفعله ولا يجرح فيه.
وإن كان فعله ليس بفعل قربة وطاعة، ولكن فعل حل وحرمة - فإنه في فعله قبل بلوغ العلم بنسخه لا يجرح في فعله؛ نحو ما روي أنهم كانوا يشربون الخمر ثم أتاهم آت فقال: ألا إن الخمر قد حرمت، فصبّوها وكفوا عنها، فهم في شربهم بعد التحريم قبل بلوغ الخبر إليهم لا يجرحون.
وأما الفعل الذي هو فعل قربة وطاعة: فإن لهم القربة في فعلهم وهو الصلاة؛ ونحوه ما روي أن نفراً كانوا يصلون إلى بيت المقدس، فمرّ عليهم مار فقال: ألا إن القبلة قد حولت - وهم في الركوع - إلى الكعبة، فتحولوا نحوها، فأخبروا عن ذلك رسول الله فلم يأمرهم بالإعادة؛ لأن الفعل فعل قربة وطاعة، فالطاعة والقربة موجودة في فعلهم؛ لأن الأفعال التي فرضت لم تفرض لنفس الأفعال إنما فرضت للطاعة والقربة لله فيها، فإنه يؤجر على ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ؟
بما فيه مصالح الخلق وما ليس فيه؛ كأن هذا - والله أعلم - خرج لإنكار من أنكر النسخ في الشرائع؛ يقول: إن الله يعلم بما فيه مصالح الخلق وأنتم لا تعلمون، وفي الناسخ مصالح لهم وأنتم لا تعلمون، ويؤكد ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ ﴾ .
وأنتم عبيده، وليس للعبد إنكار [شيء] على سيده، وإنما على العبد الطاعة لسيده والائتمار لأوامره والانتهاء عن نواهيه.
﴿ يُحْيِـي وَيُمِيتُ ﴾ .
أي: كما له أن يميت بعد الحياة ويحيي بعد الموت، فله أن يتعبدهم في حال بعبادة، وفي حال بعبادة أخرى.
<div class="verse-tafsir"
لا ينبغي للنبي ولا ينبغي للمؤمنين أن يطلبوا المغفرة من الله للمشركين، ولو كانوا أقرباءهم، من بعدِ ما اتضح لهم أنهم من أصحاب النار؛ لموتهم على الشرك.
<div class="verse-tafsir" id="91.6oJR5"