الآية ١٢ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١٢ من سورة التوبة

وَإِن نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَـٰنَهُم مِّنۢ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا۟ فِى دِينِكُمْ فَقَـٰتِلُوٓا۟ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَآ أَيْمَـٰنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ١٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 125 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : وإن نكث هؤلاء المشركون الذين عاهدتموهم على مدة معينة أيمانهم ، أي عهودهم ومواثيقهم ، ( وطعنوا في دينكم ) أي : عابوه وانتقصوه .

ومن هاهنا أخذ قتل من سب الرسول ، صلوات الله وسلامه عليه ، أو من طعن في دين الإسلام أو ذكره بتنقص ؛ ولهذا قال : ( فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ) أي : يرجعون عما هم فيه من الكفر والعناد والضلال .

وقد قال قتادة وغيره : أئمة الكفر كأبي جهل ، وعتبة ، وشيبة ، وأمية بن خلف ، وعدد رجالا .

وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال : مر سعد برجل من الخوارج ، فقال الخارجي : هذا من أئمة الكفر .

فقال سعد : كذبت ، بل أنا قاتلت أئمة الكفر .

رواه ابن مردويه .

وقال الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن حذيفة أنه قال : ما قوتل أهل هذه الآية بعد .

وروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - مثله .

والصحيح أن الآية عامة ، وإن كان سبب نزولها مشركي قريش ، فهي عامة لهم ولغيرهم ، والله أعلم .

وقال الوليد بن مسلم : حدثنا صفوان بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير : أنه كان في عهد أبي بكر - رضي الله عنه - إلى الناس حين وجههم إلى الشام ، قال : إنكم ستجدون قوما محوقة رءوسهم ، فاضربوا معاقد الشيطان منهم بالسيوف ، فوالله لأن أقتل رجلا منهم أحب إلي من أن أقتل سبعين من غيرهم ، وذلك بأن الله يقول : ( فقاتلوا أئمة الكفر ) رواه ابن أبي حاتم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فإن نقض هؤلاء المشركون الذين عاهدتموهم من قريش، عهودَهم من بعد ما عاقدوكم أن لا يقاتلوكم ولا يظاهروا عليكم أحدًا من أعدائكم (29) =(وطعنوا في دينكم)، يقول: وقدَحوا في دينكم الإسلام, فثلبوه وعابوه (30) =(فقاتلوا أئمة الكفر)، يقول: فقاتلوا رؤساء الكفر بالله (31) =(إنهم لا أيمان لهم)، يقول: إن رؤساء الكفر لا عهد لهم (32) =(لعلهم ينتهون)، لكي ينتهوا عن الطعن في دينكم والمظاهرة عليكم.

(33) * * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل، على اختلاف بينهم في المعنيِّين بأئمة الكفر.

فقال بعضهم: هم أبو جهل بن هشام, وعتبة بن ربيعة, وأبو سفيان بن حرب ونظراؤهم.

وكان حذيفة يقول: لم يأت أهلها بعدُ.

* ذكر من قال: هم من سمَّيتُ: 16520- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم)، إلى: (لعلهم ينتهون)، يعني أهل العهد من المشركين, سماهم " أئمة الكفر ", وهم كذلك.

يقول الله لنبيه: وإن نكثوا العهد الذي بينك وبينهم، فقاتلهم، أئمةُ الكفر لا أيمان لهم (34) =(لعلهم ينتهون).

16521- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم)، إلى: (ينتهون)، فكان من أئمة الكفر: أبو جهل بن هشام, وأمية بن خلف, وعتبة بن ربيعة, وأبو سفيان, وسهيل بن عمرو, وهم الذين همُّوا بإخراجه.

16522- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (أئمة الكفر)، أبو سفيان, وأبو جهل, وأمية بن خلف, وسهيل بن عمرو, وعتبة بن ربيعة.

16523- حدثنا ابن وكيع وابن بشار = قال، ابن وكيع، حدثنا غندر = وقال ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر=, عن شعبة, عن أبي بشر, عن مجاهد: (فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم)، قال: أبو سفيان منهم.

16524- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وإن نكثوا أيمانهم)، إلى: (ينتهون)، هؤلاء قريش.

يقول: إن نكثوا عهدهم الذي عاهدوا على الإسلام، وطعنوا فيه, فقاتلهم.

(35) 16525- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (فقاتلوا أئمة الكفر)، يعني رؤوسَ المشركين، أهلَ مكة.

16526- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: (فقاتلوا أئمة الكفر)، أبو سفيان بن حرب, وأمية بن خلف, وعتبة بن ربيعة, وأبو جهل بن هشام, وسهيل بن عمرو, وهم الذين نكثوا عهد الله، وهمُّوا بإخراج الرسول.

وليس والله كما تأوَّله أهل الشبهات والبدع والفِرَى على الله وعلى كتابه.

(36) * * * * ذكر الرواية عن حذيفة بالذي ذكرنا عنه: 16527- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن زيد بن وهب, عن حذيفة: (فقاتلوا أئمة الكفر)، قال: ما قوتل أهلُ هذه الآية بعدُ.

(37) 16528- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا حبيب بن حسان, عن زيد بن وهب قال: كنت عند حذيفة, فقرأ هذه الآية: (فقاتلوا أئمة الكفر)، فقال: ما قوتل أهل هذه الآية بعدُ.

(38) 16529- حدثني أبو السائب قال، حدثنا الأعمش, عن زيد بن وهب قال: قرأ حذيفة: (فقاتلوا أئمة الكفر)، قال: ما قوتل أهل هذه الآية بعدُ.

(39) 16530- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان، وإسرائيل, عن أبي إسحاق, عن صلة بن زفر: (إنهم لا أيمان لهم)، لا عهد لهم.

(40) 16531- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: (وإن نكثوا أيمانهم)، قال: عهدهم.

16532- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وإن نكثوا أيمانهم)، عهدهم الذي عاهدوا على الإسلام.

16533- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن صلة, عن عمار بن ياسر, في قوله: (لا أيمان لهم)، قال: لا عهد لهم.

(41) 16534- حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا أبو الأحوص, عن أبي إسحاق, عن صلة بن زفر, عن حذيفة في قوله: (فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم)، قال: لا عهد لهم.

(42) * * * وأما " النكث " فإن أصله النقض, يقال منه: " نكث فلان قُوَى حبله "، إذا نقضها.

(43) * * * و " الأيمان ": جمع " اليمين ".

(44) * * * واختلفت القرأة في قراءة قوله: (إنهم لا أيمان لهم).

فقرأه قرأة الحجاز والعراق وغيرهم: ( إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ )، بفتح الألف من " أيمان " بمعنى: لا عهود لهم، على ما قد ذكرنا من قول أهل التأويل فيه.

* * * وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك: (إِنَّهُمْ لا إِيمَانَ لَهُمْ)، بكسر الألف, بمعنى: لا إسلام لهم.

* * * وقد يتوجَّه لقراءته كذلك وجهٌ غير هذا.

وذلك أن يكون أراد بقراءته ذلك كذلك: أنهم لا أمان لهم = أي: لا تؤمنوهم, ولكن اقتلوهم حيث وجدتموهم = كأنه أراد المصدر من قول القائل: "آمنته فأنا أومنه إيمانًا ".

(45) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك، الذي لا أستجيز القراءة بغيره, قراءة من قرأ بفتح " الألف " دون كسرها, لإجماع الحجة من القرأة على القراءة به، ورفض خلافه, ولإجماع أهل التأويل على ما ذكرت من أن تأويله: لا عهد لهم = و " الأيمان " التي هي بمعنى العهد, لا تكون إلا بفتح " الألف ", لأنها جمع " يمين " كانت على عقدٍ كان بين المتوادعين.

-------------------- الهوامش : (29) انظر تفسير " نكث " فيما سلف 13 : 73 .

(30) في المطبوعة : " فثلموه " ، والصواب من المخطوطة .

(31) انظر تفسير " الإمام " فيما سلف 3 : 18 .

(32) انظر تفسير " اليمين " فيما سلف 8 : 272 ، 273 ، 281 .

(33) انظر تفسير " الانتهاء " فيما سلف 13 : 543 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(34) أثبتت ما في المخطوطة، وهو صواب محض ، وصححها في المطبوعة هكذا ، كما ظن : " فقاتل أئمة الكفر لأنهم لا أيمان له " فزاد وغير !

!

.

(35) في المطبوعة : " فقاتلوهم " ، وأثبت ما في المخطوطة .

(36) " الفرى " ( بكسر ففتح ) جمع " فرية " ، وهي الكذب .

ويعني بذلك الخوارج ، فهم يستدلون بهذه الآية على قتال من خالفهم من أهل القبلة ، ويستحلون بها دماءهم وأموالهم .

(37) الأثر : 16527 - " زيد بن وهب الهمداني الجهني " ، تابعي مخضرم ، سمع عمر ، وعبد الله ، وحذيفة ، وأبا الدرداء .

روى له الجماعة .

مضى برقم : 4222 .

وهذا الخبر رواه البخاري مطولا ( الفتح 8 : 243 ) ، بغير هذا اللفظ ، من طريق محمد بن المثني ، عن يحيى بن سعيد ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن زيد بن وهب قال ، كنا عند حذيفة .

.

.

" وانظر الآثر التالي ، والذي بعده .

(38) الأثر 16528 - مكرر الأثر السالف ، وانظر تخريجه هناك .

و " حبيب بن حسان " ، هو " حبيب بن أبي الأشرس " ، وهو " حبيب بن أبي هلال " ، منكر الحديث ، متروك قال ابن حبان : " منكر الحديث جدا ، وكان قد عشق نصرانية ، فقيل إنه تنصر وتزوج بها .

فأما اختلافه إلى البيعة من أجلها فصحيح " .

وقال يحيى بن معين : " كانت له جاريتان نصرانيتان ، فكان يذهب معهما إلى البيعة " .

مترجم في الكبير 1 / 2 / 311 ، وميزان الاعتدال 1 : 209 ، 211 ، ولسان الميزان 2 : 167 ، 170 .

(39) الأثر : 16529 - مكرر الأثرين السالفين .

(40) الأثر : 16530 - " صلة ابن زفر العبسي " تابعي ثقة .

روى له الجماعة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 2 / 322 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 446 .

وانظر رقم : 16533 ، مرفوعا إلى عمار بن ياسر .

ورقم : 16534 مرفوعا إلى حذيفة .

(41) الأثر : 16533 - مكرر الأثر رقم 16530 ، مرفوعا إلى عمار بن ياسر .

و " صلة " ، هو " صلة بن زفر العبسي " كما سلف .

(42) الأثر : 16534 - مكرر الأثرين السالفين مرفوعا إلى حذيفة .

(43) انظر تفسير " النكث " فيما سلف ص : 153 ، وتعليق : 2 والمراجع هناك .

(44) انظر تفسير " اليمين " فيما سلف ص : 154 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(45) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 425 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهونفيه سبع مسائل :قوله تعالى وإن نكثوا النكث النقض ، وأصله في كل ما فتل ثم حل .

فهي في الأيمان والعهود مستعارة .

قال :وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها فليس لمخضوب البنان يمينأي عهد .وقوله وطعنوا في دينكم أي بالاستنقاص والحرب وغير ذلك مما يفعله المشرك .

يقال : طعنه بالرمح وطعن بالقول السيئ فيه يطعن ، بضم العين فيهما .

وقيل : يطعن بالرمح - بالضم - ويطعن بالقول - بالفتح - .

وهي هنا استعارة ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم حين أمر أسامة : إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل وايم الله إن كان لخليقا للإمارة .

خرجه الصحيح .الثانية : استدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب قتل كل من طعن في الدين ، إذ هو كافر .

والطعن أن ينسب إليه ما لا يليق به ، أو يعترض بالاستخفاف على ما هو من الدين ، لما ثبت من الدليل القطعي على صحة أصوله واستقامة فروعه .

وقال ابن المنذر : أجمع عامة أهل العلم على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم عليه القتل .

وممن قال ذلك مالك والليث وأحمد وإسحاق ، وهو مذهب الشافعي .

وقد حكي عن النعمان أنه قال : لا يقتل من سب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة ، على ما يأتي .

وروي أن رجلا قال في مجلس علي : ما قتل كعب بن الأشرف إلا غدرا ، فأمر علي بضرب عنقه .

وقاله آخر في مجلس معاوية فقام محمد بن مسلمة فقال : أيقال هذا في مجلسك وتسكت!

والله لا أساكنك تحت سقف أبدا ، ولئن خلوت به لأقتلنه .

قال علماؤنا : هذا يقتل ولا يستتاب إن نسب الغدر للنبي صلى الله عليه وسلم .

وهو الذي فهمه علي ومحمد بن مسلمة رضوان الله عليهما من قائل ذلك ؛ لأن ذلك زندقة .

فأما إن نسبه للمباشرين لقتله بحيث [ ص: 21 ] يقول : إنهم أمنوه ثم غدروه لكانت هذه النسبة كذبا محضا ، فإنه ليس في كلامهم معه ما يدل على أنهم أمنوه ولا صرحوا له بذلك ، ولو فعلوا ذلك لما كان أمانا ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما وجههم لقتله لا لتأمينه ، وأذن لمحمد بن مسلمة في أن يقول .

وعلى هذا فيكون في قتل من نسب ذلك لهم نظر وتردد .

وسببه هل يلزم من نسبة الغدر لهم نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه قد صوب فعلهم ورضي به فيلزم منه أنه قد رضي بالغدر ومن صرح بذلك قتل ، أو لا يلزم من نسبة الغدر لهم نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم فلا يقتل .

وإذا قلنا لا يقتل ، فلا بد من تنكيل ذلك القائل وعقوبته بالسجن ، والضرب الشديد والإهانة العظيمة .الثالثة : فأما الذمي إذا طعن في الدين انتقض عهده في المشهور من مذهب مالك ، لقوله : وإن نكثوا أيمانهم الآية .

فأمر بقتلهم وقتالهم .

وهو مذهب الشافعي رحمه الله .

وقال أبو حنيفة في هذا : إنه يستتاب ، وإن مجرد الطعن لا ينقض به العهد إلا مع وجود النكث ؛ لأن الله عز وجل إنما أمر بقتلهم بشرطين : أحدهما نقضهم العهد ، والثاني طعنهم في الدين .قلنا : إن عملوا بما يخالف العهد انتقض عهدهم ، وذكر الأمرين لا يقتضي توقف قتاله على وجودهما ، فإن النكث يبيح لهم ذلك بانفراده عقلا وشرعا .

وتقدير الآية عندنا : فإن نكثوا عهدهم حل قتالهم ، وإن لم ينكثوا بل طعنوا في الدين مع الوفاء بالعهد حل قتالهم .

وقد روي أن عمر رفع إليه ذمي نخس دابة عليها امرأة مسلمة فرمحت فأسقطتها فانكشفت بعض عورتها ، فأمر بصلبه في الموضع .الرابعة : إذا حارب الذمي نقض عهده وكان ماله وولده فيئا معه .

وقال محمد بن مسلمة : لا يؤاخذ ولده به ؛ لأنه نقض وحده .

وقال : أما ماله فيؤخذ .

وهذا تعارض لا يشبه منصب محمد بن مسلمة ؛ لأن عهده هو الذي حمى ماله وولده ، فإذا ذهب عنه ماله ذهب عنه ولده .

وقال أشهب : إذا نقض الذمي العهد فهو على عهده ولا يعود في الرق أبدا .

وهذا من العجب ، وكأنه رأى العهد معنى محسوسا .

وإنما العهد حكم اقتضاه النظر ، والتزمه المسلمون له ، فإذا نقضه انتقض كسائر العقود .الخامسة : أكثر العلماء على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة أو عرض أو استخف بقدره أو وصفه بغير الوجه الذي كفر به فإنه يقتل ، فإنا لم نعطه الذمة أو العهد على هذا .

إلا أبا حنيفة والثوري وأتباعهما من أهل الكوفة فإنهم قالوا : لا يقتل ، ما هو عليه من الشرك أعظم ، ولكن يؤدب ويعزر .

والحجة عليه قوله تعالى : وإن نكثوا الآية .

واستدل عليه بعضهم بأمره صلى الله عليه وسلم بقتل كعب بن الأشرف وكان معاهدا .

وتغيظ أبو بكر على رجل من أصحابه فقال أبو [ ص: 22 ] برزة : ألا أضرب عنقه!

فقال : ما كانت لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وروى الدارقطني عن ابن عباس : أن رجلا أعمى كانت له أم ولد ، له منها ابنان مثل اللؤلؤتين ، فكانت تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه ، فينهاها فلم تنته ، ويزجرها فلم تنزجر ، فلما كان ذات ليلة ذكرت النبي صلى الله عليه وسلم فما صبر سيدها أن قام إلى معول فوضعه في بطنها ، ثم اتكأ عليها حتى أنفذه .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ألا اشهدوا إن دمها هدر .

وفي رواية عن ابن عباس : فقتلها ، فلما أصبح قيل ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقام الأعمى فقال : يا رسول الله ، أنا صاحبها ، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي ، وأزجرها فلا تنزجر ، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين ، وكانت بي رفيقة فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك فقتلتها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ألا اشهدوا إن دمها هدر .السادسة : واختلفوا إذا سبه ثم أسلم تقية من القتل ، فقيل يسقط إسلامه قتله ، وهو المشهور من المذهب ؛ لأن الإسلام يجب ما قبله .

بخلاف المسلم إذا سبه ثم تاب قال الله عز وجل : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف .

وقيل : لا يسقط الإسلام قتله ، قاله في العتبية لأنه حق للنبي صلى الله عليه وسلم وجب لانتهاكه حرمته وقصده إلحاق النقيصة والمعرة به ، فلم يكن رجوعه إلى الإسلام بالذي يسقطه ، ولا يكون أحسن حالا من المسلم .السابعة : فقاتلوا أئمة الكفر أئمة جمع إمام ، والمراد صناديد قريش - في قول بعض العلماء - كأبي جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف .

وهذا بعيد ، فإن الآية في سورة ( براءة ) وحين نزلت وقرئت على الناس كان الله قد استأصل شأفة قريش فلم يبق إلا مسلم أو مسالم ، فيحتمل أن يكون المراد فقاتلوا أئمة الكفر .

أي من أقدم على نكث العهد والطعن في الدين يكون أصلا ورأسا في الكفر ، فهو من أئمة الكفر على هذا .

ويحتمل أن يعنى به المتقدمون والرؤساء منهم ، وأن قتالهم قتال لأتباعهم وأنهم لا حرمة لهم .

والأصل أأممة كمثال وأمثلة ، ثم أدغمت الميم في الميم وقلبت الحركة على الهمزة فاجتمعت همزتان ، فأبدلت من الثانية ياء .

وزعم الأخفش أنك تقول : هذا أيم من هذا ، بالياء .

وقال [ ص: 23 ] المازني : أوم من هذا ، بالواو .

وقرأ حمزة أئمة .

وأكثر النحويين يذهب إلى أن هذا لحن ؛ لأنه جمع بين همزتين في كلمة واحدة .إنهم لا أيمان لهم أي لا عهود لهم ، أي ليست عهودهم صادقة يوفون بها .

وقرأ ابن عامر ( لا إيمان لهم ) بكسر الهمزة من الإيمان ، أي لا إسلام لهم .

ويحتمل أن يكون مصدر آمنته إيمانا ، من الأمن الذي ضده الخوف ، أي لا يؤمنون ، من أمنته إيمانا أي أجرته ، فلهذا قال : فقاتلوا أئمة الكفر .

لعلهم ينتهون أي عن الشرك .

قال الكلبي : كان النبي صلى الله عليه وسلم وادع أهل مكة سنة وهو بالحديبية فحبسوه عن البيت ، ثم صالحوه على أن يرجع فمكثوا ما شاء الله ، ثم قاتل حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خزاعة حلفاء بني أمية من كنانة ، فأمدت بنو أمية حلفاءهم بالسلاح والطعام ، فاستعانت خزاعة برسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعين حلفاءه كما سبق .

وفي البخاري عن زيد بن وهب قال : كنا عند حذيفة فقال ما بقي من أصحاب هذه الآية - يعني فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم - إلا ثلاثة ، ولا بقي من المنافقين إلا أربعة .

فقال أعرابي : إنكم أصحاب محمد تخبرون أخبارا لا ندري ما هي!

تزعمون ألا منافق إلا أربعة ، فما بال هؤلاء الذين يبقرون بيوتنا ويسرقون أعلاقنا قال : أولئك الفساق أجل لم يبق منهم إلا أربعة ، أحدهم شيخ كبير لو شرب الماء البارد لما وجد برده .قوله تعالى لعلهم ينتهون أي عن كفرهم وباطلهم وأذيتهم للمسلمين .

وذلك يقتضي أن يكون الغرض من قتالهم دفع ضررهم لينتهوا عن مقاتلتنا ويدخلوا في ديننا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى بعدما ذكر أن المعاهدين من المشركين إن استقاموا على عهدهم فاستقيموا لهم على الوفاء‏:‏ ‏{‏وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ نقضوها وحلوها، فقاتلوكم أو أعانوا على قتالكم، أو نقصوكم، ‏{‏وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ‏}‏ أي‏:‏ عابوه، وسخروا منه‏.‏ ويدخل في هذا جميع أنواع الطعن الموجهة إلى الدين، أو إلى القرآن، ‏{‏فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ‏}‏ أي‏:‏ القادة فيه، الرؤساء الطاعنين في دين الرحمن، الناصرين لدين الشيطان، وخصهم بالذكر لعظم جنايتهم، ولأن غيرهم تبع لهم، وليدل على أن من طعن في الدين وتصدى للرد عليه، فإنه من أئمة الكفر‏.‏ ‏{‏إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ لا عهود ولا مواثيق يلازمون على الوفاء بها، بل لا يزالون خائنين، ناكثين للعهد، لا يوثق منهم‏.‏ ‏{‏لَعَلَّهُمْ‏}‏ في قتالكم إياهم ‏{‏يَنْتَهُونَ‏}‏ عن الطعن في دينكم، وربما دخلوا فيه

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وإن نكثوا أيمانهم ) نقضوا عهودهم ، ( من بعد عهدهم ) عقدهم ، يعني : مشركي قريش ، ( وطعنوا ) قدحوا ( في دينكم ) عابوه .

فهذا دليل على أن الذمي إذا طعن في دين الإسلام ظاهرا لا يبقى له عهد ، ( فقاتلوا أئمة الكفر ) قرأ أهل الكوفة والشام : " أئمة " بهمزتين حيث كان ، وقرأ الباقون بتليين الهمزة الثانية .

وأئمة الكفر : رؤوس المشركين وقادتهم من أهل مكة .

قال ابن عباس : نزلت في أبي سفيان بن حرب ، وأبي جهل بن هشام ، وسهيل بن عمرو ، وعكرمة بن أبي جهل ، وسائر رؤساء قريش يومئذ الذين نقضوا العهد ، وهم الذين هموا بإخراج الرسول وقال مجاهد : هم أهل فارس والروم .

وقال حذيفة بن اليمان : ما قوتل أهل هذه الآية ولم يأت أهلها بعد ( إنهم لا أيمان لهم ) أي : لا عهود لهم ، جمع يمين .

قال قطرب : لا وفاء لهم بالعهد .

وقرأ ابن عامر : " لا إيمان لهم " بكسر الألف ، أي : لا تصديق لهم ولا دين لهم .

وقيل : هو من الأمان ، أي لا تؤمنوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ، ( لعلهم ينتهون ) أي : لكي ينتهوا عن الطعن في دينكم والمظاهرة عليكم .

وقيل : عن الكفر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإن نكثوا» نقضوا «أيمانهم» مواثيقهم «من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم» عابوه «فقاتلوا أئمة الكفر» رؤساءه، فيه وضع الظاهر موضع المضمر «إنهم لا أيمان» عهود «لهم» وفي قراءة بالكسر «لعلهم ينتهون» عن الكفر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإنْ نَقَضَ هؤلاء المشركون العهود التي أبرمتموها معهم، وأظهروا الطعن في دين الإسلام، فقاتلوهم فإنهم رؤساء الضلال، لا عهد لهم ولا ذمة، حتى ينتهوا عن كفرهم وعداوتهم للإسلام.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

أما إن كانت الآخرى ، أى إذا لم يتوبوا وصاروا على عداوتهم ، فقد بين سبحانه .

ما يجب على المؤمنين نحوهم فى هذه الحالة فقال : ( وَإِن نكثوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ ) .أى : وإن نقضوا عهودهم من بعد أن تعاقدوا معكم على الوفاء بها .وقوله : ( نكثوا ) من النكث بمعنى النقض والحل .

يقال نكث فلان الحبل إذا نقض فتله وحل خيوطه ومنه قوله - تعالى - : ( وَلاَ تَكُونُواْ كالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً ) وقوله : ( وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ ) معطوف على ما قبله .

أى : وعابوه وانتقضوه .وقوله : ( فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر ) أى : فقاتلوهم فهم أئمة الكفر ، وحملة لوائه .

فوضع - سبحانه - الاسم الظاهر المبين لشر صفاتهم موضع الضمير على سبيل الذم لهم .وقيل : المراد بأئمة الكفر رؤسائهم وصناديدهم الذين كانوا يحرضونهم على عداوة المؤمنين ، ويقودونهم لقتال النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه .وعطف .

سبحانه - قوله ( وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ ) على ما قبله مع أن نقض العهد كاف فى إباحة قتالهم ، لزيادة تحريض المؤمنين على مجاهدتهم والاغلاظ عليهم .وقوله : ( إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ) تعليل للأمر بقتالهم أى قاتلوا هؤلاء المشركين بعزيمة صادقة ، وقلوب ثابتة ، لأنهم قوم لا أيمان عهود لهم الحقيقة ، لأنهم لما لم يفوا بها صارت أيمانهم كأنها ليست بأيمان .وقرأ ابن عامر ( إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ) - بكسر الهمزة .

على أنها مصدر آمنه إيمانا بمعنى إعطاء الأمان .

أى أنهم لا أمان لهم فاحذروا الاغترار بهم .

أو المراد الإِيمان الشرعى .

أى إنهم لا تصديق ولا دين لهم ، ومن كان كذلك فلا وفاء له .وقوله : ( لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ) متعلق بقوله ( فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر ) .أى : ليكن مقصدكم من مقاتلتهم - بعد أن وجد منهم ما وجد إيذائكم الرجاء فى هدايتهم ، والانتهاء عن كفرهم وخيانتهم .

.

واحذروا أن يكون مقصدكم من ذلك العدوان واتباع الهوى .هذا ، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات سوى ما سبق - ما يأتى :1- أن ما ذكرته الآيات من كون المشركين ، لا يرقبون فى مؤمن إلا ولا ذمة ، يقرر حقيقة واقعة ، ومن الأدلة على ذلك ما فعله التتار بالمسلمين - وخاصة مسلمى بغداد .

سنة 656 .

وما فعله الوثنيون الهنود مع مسلمى باكستان ، وما فعله الشيوعيون .قال الآلوسى : قوله تعالى ( أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً ) تحريض على القتال بأبلغ وجه - ، لأن الاستفهام فيه للإِنكار ، والاستفهام الإِنكارى فى معنى النفى ، وقد دخل هنا على نفى ، ونفى النفى إثبات .

وحيث كان الترك منكراً أفاد بطريق برهانى أن إيجاده أمر مطلوب مرغوب فيه ، فيفيد الحث والتحريض عليهم .

بأقوى الأدلة ، وأسمى الأساليب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين حال من لا يرقب في الله إلا ولا ذمة، وينقض العهد وينطوي على النفاق ويتعدى ما حد له، بين من بعد أنهم إن أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة كيف حكمهم، فجمع ذلك الشيء بقوله: ﴿ فَإِخوَانُكُمْ فِي الدين ﴾ وهو يفيد جملة أحكام الإيمان، ولو شرح لطال.

فإن قيل: المعلق على الشيء بكلمة ﴿ إن ﴾ عدم عند عدم ذلك الشيء، فهذا يقتضي أنه متى لم توجد هذه الثلاثة لا يحصل الأخوة في الدين، وهو مشكل لأنه ربما كان فقيراً، أو إن كان غنياً، لكن قبل انقضاء الحول لا تلزمه الزكاة.

قلنا: قد بينا في تفسير قوله تعالى: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ  ﴾ أن المعلق على الشيء بكلمة ﴿ إن ﴾ لا يلزم من عدمه عدم ذلك الشيء، فزال هذا السؤال، ومن الناس من قال المعلق على الشيء بكلمة ﴿ إن ﴾ عدم عند عدم ذلك الشيء، فهاهنا قال المواخاة بالإسلام بين المسلمين موقوفة على فعل الصلاة والزكاة جميعاً، فإن الله تعالى شرطها في إثبات المواخاة، ومن لم يكن أهلاً لوجوب الزكاة عليه، وجب عليه أن يقر بحكمها، فإذا أقر بهذا الحكم دخل في الشرط الذي به تجب الأخوة، وكان ابن مسعود يقول رحم الله أبا بكر ما أفقهه في الدين، أراد به ما ذكره أبو بكر في حق مانعي الزكاة، وهو قوله والله لا أفرق بين شيئين جمع الله بينهما بقي في قوله: ﴿ فَإِخوَانُكُمْ فِي الدين ﴾ بحثان: الأول: قوله: ﴿ فَإِخوَانُكُمْ ﴾ قال الفراء معناه، فهم إخوانكم بإضمار المبتدأ كقوله تعالى: ﴿ فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم  ﴾ أي فهم إخوانكم.

الثاني: قال أبو حاتم قال أهل البصرة أجمعون الأخوة في النسب والأخوان في الصداقة، وهذا غلط يقال للأصدقاء، وغير الأصدقاء أخوة وأخوان.

قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ  ﴾ ولم يعن النسب.

وقال تعالى: ﴿ أَوْ بُيُوتِ إخوانكم  ﴾ وهذا في النسب.

قال ابن عباس: حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة.

ثم قال: ﴿ وَنُفَصّلُ الأيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ قال صاحب الكشاف: وهذا اعتراض وقع بين الكلامين، والمقصود الحث والتحريض على تأمل ما فصل من أحكام المشركين المعاهدين، وعلى المحافظة عليها.

ثم قال: ﴿ وَإِن نَّكَثُواْ أيمانهم مّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ ﴾ يقال نكث فلان عهده إذا نقضه بعد أحكامه كما ينكث خيط الصوف بعد إبرامه، ومنه قوله تعالى: ﴿ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنكاثا  ﴾ والأيمان جمع يمين بمعنى الحلف والقسم.

وقيل: للحلف يمين، وهو اسم اليد لأنهم كانوا يبسطون أيمانهم إذا حلفوا أو تحالفوا.

وقيل: سمي القسم يميناً ليمين البر فيه.

فقوله: ﴿ وَإِن نَّكَثُواْ أيمانهم ﴾ أي نقضوا عهودهم.

وفيه قولان: الأول: هو قول الأكثرين إن المراد نكثهم لعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثاني: أن المراد حمل العهد على الإسلام بعد الإيمان، فيكون المراد ردتهم بعد الإيمان، ولذلك قرأ بعضهم ﴿ وَإِن نَّكَثُواْ أيمانهم مّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ ﴾ والأول أولى للقراءة المشهورة، ولأن الآية وردت في ناقضي العهد لأنه تعالى صنفهم صنفين، فإذا ميز منهم من تاب لم يبق إلا من أقام على نقض العهد.

وقوله: ﴿ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ ﴾ يقال طعنه بالرمح يطعنه، وطعن بالقول السيء يطعن.

قال الليث: وبعضهم يقول: يطعن بالرمح، ويطعن بالقول: فيفرق بينهما، والمعنى أنهم عابوا دينكم، وقدحوا فيه.

ثم قال: ﴿ فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر ﴾ أي متى فعلوا ذلك فافعلوا هذا، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ أَيمَّةَ الكفر ﴾ بهمزة واحدة غير ممدودة وتليين الثانية والباقون بهمزتين على التحقيق.

قال الزجاج: الأصل في الأئمة أأمة، لأنها جمع إمام، مثل مثال وأمثلة، لكن الميمين إذا اجتمعتا أدغمت الأولى في الثانية، وألقيت حركتها على الهمزة، فصارت أأمة، فأبدلت من المكسورة الياء لكراهة اجتماع الهمزتين في كلمة واحدة.

هذا هو الاختيار عند جميع النحويين.

إذا عرفت هذا فنقول: قال صاحب الكشاف: لفظة أئمة همزة بعدها همزة بين بين، والمراد بين مخرج الهمزة والياء.

أما بتحقيق الهمزتين فقراءة مشهورة.

وإن لم تكن مقبولة عند البصريين.

وأما التصريح بالياء فليس بقراءة، ولا يجوز أن يكون قراءة، ومن صرح بها فهو لاحن محرف.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر ﴾ معناه قاتلوا الكفار بأسرهم، إلا أنه تعالى خص الأئمة والسادة منهم الذكر، لأنهم هم الذين يحرضون الأتباع على هذه الأعمال الباطلة.

المسألة الثالثة: قال الزجاج: هذه الآية توجب قتل الذمي إذا أظهر الطعن في الإسلام، لأن عهده مشروط بأن لا يطعن، فإن طعن فقد نكث ونقض عهدهم.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ لا أيمان لَهُمْ ﴾ قرأ ابن عامر ﴿ لا أيمان لَهُمْ ﴾ بكسر الألف ولها وجهان: أحدها: لا أمان لهم، أي لا تؤمنوهم.

فيكون مصدراً من الإيمان الذي هو ضد الإخافة، والثاني: أنهم كفرة لا إيمان لهم، أي لا تصديق ولا دين لهم، والباقون بفتح الهمزة وهو جمع يمين، ومعناه لا أيمان لهم على الحقيقة.

وأيمانهم ليست بأيمان، وبه تمسك أبو حنيفة رحمه الله في أن يمين الكافر لا يكون يميناً، وعند الشافعي رحمه الله يمينهم يمين، ومعنى هذه الآية عنده: أنهم لما لم يفوا بها صارت أيمانهم كأنها ليست بأيمان.

والدليل على أن أيمانهم أيمان، أنه تعالى وصفها بالنكث في قوله: ﴿ وَإِن نَّكَثُواْ أيمانهم ﴾ ولو لم يكن منعقداً لما صح وصفها بالنكث.

ثم قال تعالى: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ﴾ وهو متعلق بقوله: ﴿ فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر ﴾ أي ليكن غرضكم في مقاتلتهم بعدما وجد منهم ما وجد من العظائم أن تكون المقاتلة سبباً في انتهائهم عما هم عليه من الكفر، وهذا من غاية كرم الله وفضله على الإحسان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ ﴾ وثلبوه وعابوه ﴿ فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر ﴾ فقاتلوهم، فوضع أئمة الكفر موضع ضميرهم: إشعاراً بأنهم إذا نكثوا في حال الشرك تمرّداً وطغياناً وطرحاً لعادات الكرام الأوفياء من العرب، ثم آمنوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وصاروا إخواناً للمسلمين في الدين، ثم رجعوا فارتدوا عن الإسلام ونكثوا ما بايعوا عليه من الإيمان والوفاء بالعهود، وقعدوا يطعنون في دين الله ويقولون ليس دين محمدبشيء، فهم أئمة الكفر وذوو الرياسة والتقدم فيه، لا يشق كافر غبارهم.

وقالوا: إذا طعن الذمي في دين الإسلام طعناً ظاهراً، جاز قتله؛ لأن العهد معقود معه على أن لا يطعن، فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمّة ﴿ إِنَّهُمْ لا أيمان لَهُمْ ﴾ جمع يمين: وقرئ: ﴿ لا إيمان لهم، أي لا إسلام لهم ﴾ أو لا يعطون الأمان بعد الردّة والنكث، ولا سبيل إليه، فإن قلت: كيف أثبت لهم الإيمان في قوله: ﴿ وَإِن نَّكَثُواْ أيمانهم ﴾ ثم نفاها عنهم؟

قلت: أراد أيمانهم التي أظهروها ثم قال لا إيمان لهم على الحقيقة، وأيمانهم ليست بأيمان.

وبه استشهد أبو حنيفة رحمه الله على أن يمين الكافر لا تكون يميناً.

وعند الشافعي رحمه الله: يمينهم يمين.

وقال: معناه أنهم لا يوفون بها، بدليل أنه وصفها بالنكث ﴿ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ﴾ متعلق بقوله ﴿ فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر ﴾ أي ليكن غرضكم في مقاتلتهم بعد ما وجد منهم ما وجد من العظائم أن تكون المقاتلة سبباً في انتهائهم عما هم عليه.

وهذا من غاية كرمه وفضله وعوده على المسيء بالرحمة كلما عاد.

فإن قلت: كيف لفظ أئمة؟

قلت: همزة بعدها همزة بين بين، أي: بين مخرج الهمزة والياء.

وتحقيق الهمزتين قراءة مشهورة، وإن لم تكن بمقبولة عند البصريين.

وأما التصريح بالياء فليس بقراءة.

ولا يجوز أن تكون قراءة.

ومن صرح بها فهو لاحن محرف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَإنْ تابُوا ﴾ عَنِ الكُفْرِ.

﴿ وَأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ ﴾ فَهم إخْوانُكم في الدِّينِ لَهم ما لَكَمَ وعَلَيْهِمْ ما عَلَيْكم.

﴿ وَنُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ اعْتِراضٌ لِلْحَثِّ عَلى تَأمُّلِ ما فُصِّلَ مِن أحْكامِ المُعاهِدِينَ أوْ خِصالِ التّائِبِينَ.

﴿ وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ ﴾ وإنْ نَكَثُوا ما بايَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ أوِ الوَفاءِ بِالعُهُودِ.

﴿ وَطَعَنُوا في دِينِكُمْ ﴾ بِصَرِيحِ التَّكْذِيبِ وتَقْبِيحِ الأحْكامِ.

﴿ فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ ﴾ أيْ فَقاتِلُوهم، فَوَضْعُ أئِمَّةِ الكُفْرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم صارُوا بِذَلِكَ ذَوِي الرِّئاسَةِ والتَّقَدُّمِ في الكُفْرِ أحِقّاءَ بِالقَتْلِ.

وقِيلَ المُرادُ بِالأئِمَّةِ رُؤَساءُ المُشْرِكِينَ فالتَّخْصِيصُ إمّا لِأنَّ قَتْلَهم أهَمُّ وهم أحَقُّ بِهِ أوْ لِلْمَنعِ مِن مُراقَبَتِهِمْ.

وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ و (رُوحٌ) عَنْ يَعْقُوبَ ﴿ أئِمَّةَ ﴾ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ عَلى الأصْلِ والتَّصْرِيحُ بِالياءِ لَحْنٌ.

﴿ إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ ﴾ أيْ لا أيْمانَ لَهم عَلى الحَقِيقَةِ وإلّا لَما طَعَنُوا ولَمْ يَنْكُثُوا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الذِّمِّيَّ إذا طَعَنَ في الإسْلامِ فَقَدْ نَكَثَ عَهْدَهُ، واسْتَشْهَدَ بِهِ الحَنَفِيَّةُ عَلى أنَّ يَمِينَ الكافِرِ لَيْسَتْ يَمِينًا وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ المُرادَ نَفْيُ الوُثُوقِ عَلَيْها لا أنَّها لَيْسَتْ بِأيْمانٍ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ لا أيْمانَ لَهم بِمَعْنى لا أمانَ أوْ لا إسْلامَ، وتَشَبَّثَ بِهِ مَن لَمْ يَقْبَلْ تَوْبَةَ المُرْتَدِّ وهو ضَعِيفٌ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى لا يُؤَمِّنُونَ عَلى الإخْبارِ عَنْ قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ أوْ لَيْسَ لَهم إيمانٌ فَيُراقِبُوا لِأجْلِهِ.

﴿ لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ « قاتِلُوا» أيْ لِيَكُنْ غَرَضُكم في المُقاتَلَةِ أنْ يَنْتَهُوا عَمّا هم عَلَيْهِ لا إيصالَ الأذِيَّةِ بِهِمْ كَما هو طَرِيقَةُ المُؤْذِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِن نَّكَثُواْ أيمانهم مّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ} أي نقضوا العهود المؤكدة بالأيمان {وَطَعَنُواْ فِى دِينِكُمْ} وعابوه {فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر} فقاتلوهم فوضع أئمة الكفر موضع ضميرهم وهم رؤساء الشرك أو زعماء قريش الذين هموا بإخراج الرسول وقالوا إذا طعن الذمي فى دين الإسلام طعنا ظاهر اجاز قتله لأن العهد معقود معه على ألا يطعن فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة أَئِمَّةَ بهمزتين كوفي وشامي الباقون بهمزة واحدة غير ممدودة بعدها ياء مكسورة أصلها أأممة لأنها جمع إمام كعماد وأعمدة فنقلت حركة الميم الأولى إلى الهمزة الساكنة وأدغمت في الميم الأخرى فمن حقق الهمزتين أخرجهما على الأصل ومن قلب الثانية ياء فلكسرتها {إنهم لا أيمان لهم} وإنما أثبت لهم الإيمان في قوله وَإِن نَّكَثُواْ أيمانهم لأنه أراد أيمانهم التي أظهروها ثم قال لا إيمان لَهُمْ على الحقيقة وهو دليل لنا على أن يمين الكافر لا تكون يمينا ومعناه عند الشافعى رحمه الله أنهم لا يوفون با لأن يمينهم يمين عنده حيث وصفها بالنكث لا أيمان شامي أي لا إسلام {لَعَلَّهُمْ ينتهون} متعلق بفقاتلوا أئمة الكفر وما بينهما اعتراض أي ليكن غرضكم في مقاتلتهم انتهاءهم عما هم عليه بعد ما وجد منهم من العظائم وهذا من غاية كرمه على المسيء

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنْ نَكَثُوا ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنْ تابُوا ﴾ أيْ وإنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بَلْ نَقَضُوا ﴿ أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ ﴾ المُوَثَّقِ بِها وأظْهَرُوا ما في ضَمائِرِهِمْ مِنَ الشَّرِّ وأخْرَجُوهُ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ وإنْ ثَبَتُوا واسْتَمَرُّوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ النَّكْثِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ النَّكْثَ بِالِارْتِدادِ بِقَرِينَةِ ذِكْرِهِ في مُقابَلَةِ ﴿ فَإنْ تابُوا ﴾ والأوَّلُ أوْلى بِالمَقامِ ﴿ وطَعَنُوا في دِينِكُمْ ﴾ قَدَحُوا فِيهِ بِأنْ أعابُوهُ وقَبَّحُوا أحْكامَهُ عَلانِيَةً.

وجَعَلَ ابْنُ المُنِيرِ طَعْنَ الذِّمِّيِّ في دِينِنا بَيْنَ أهْلِ دِينِهِ إذا بَلَغَنا كَذَلِكَ، وعَدَّ هَذا كَثِيرٌ ومِنهُمُ الفاضِلُ المَذْكُورُ نَقْضًا لِلْعَهْدِ، فالعَطْفُ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ وبِهِ يَنْحَلُّ ما يُقالُ: كانَ الظّاهِرُ أوْ طَعَنُوا لِأنَّ كُلًّا مِنَ الطَّعْنِ وما قَبْلَهُ كافٍ في اسْتِحْقاقِ القَتْلِ والقِتالِ، وكَوْنُ الواوِ بِمَعْنى أوْ بَعِيدٌ، وقِيلَ: العَطْفُ لِلتَّفْسِيرِ كَما في قَوْلِكَ: اسْتَخَفَّ فُلانٌ بِي وفَعَلَ مَعِي كَذا، عَلى مَعْنى وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم بِطَعْنِهِمْ في دِينِكُمْ، والأوَّلُ أوْلى، ولا فَرْقَ بَيْنَ تَوْجِيهِ الطَّعْنِ إلى الدِّينِ نَفْسِهِ إجْمالًا وبَيْنَ تَوْجِيهِهِ إلى بَعْضِ تَفاصِيلِهِ كالصَّلاةِ والحَجِّ مَثَلًا، ومِن ذَلِكَ الطَّعْنُ بِالقُرْآنِ وذِكْرُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وحاشاهُ بِسُوءٍ فَيُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِهِ عِنْدَ جَمْعٍ مُسْتَدِلِّينَ بِالآيَةِ سَواءٌ شُرِطَ انْتِقاضُ العَهْدِ بِهِ أمْ لا، ومِمَّنْ قالَ بِقَتْلِهِ إذا أظْهَرَ الشَّتْمَ والعِياذُ بِاللَّهِ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وهو قَوْلُ اللَّيْثِ وأفْتى بِهِ ابْنُ الهُمامِ، والقَوْلُ بِأنَّ أهْلَ الذِّمَّةِ يُقِرُّونَ عَلى كُفْرِهِمُ الأصْلِيِّ بِالجِزْيَةِ وذا لَيْسَ بِأعْظَمَ مِنهُ فَيَقَرُّونَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أيْضًا، ولَيْسَ هو مِنَ الطَّعْنِ المَذْكُورِ في شَيْءٍ لَيْسَ مِنَ الإنْصافِ في شَيْءٍ، ويَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ لا يُعَزَّرُوا أيْضًا كَما لا يُعَزَّرُونَ بَعْدَ الجِزْيَةِ عَلى الكُفْرِ الأصْلِيِّ، وفِيهِ لَعَمْرِي بَيْعُ يَتِيمَةِ الوُجُودِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِثَمَنٍ بَخْسٍ والدُّنْيا بِحَذافِيرِها بَلْ والآخِرَةُ بِأسْرِها في جَنْبِ جَنابِهِ الرَّفِيعِ جَناحُ بَعُوضَةٍ أوْ أدْنى، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى ما ادَّعاهُ الجَمْعُ بِفَرْدٍ مِنَ الدَّلالاتِ وإنَّها صَرِيحَةٌ في أنَّ اجْتِماعَ النَّكْثِ والطَّعْنِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ما يَتَرَتَّبُ فَكَيْفَ تَدُلُّ عَلى القَتْلِ بِمُجَرَّدِ الطَّعْنِ وفِيهِ ما فِيهِ، ولا يَخْفى حُسْنُ مَوْقِعِ الطَّعْنِ مِنَ القِتالِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ ﴾ أيْ فَقاتِلُوهم، ووُضِعَ فِيهِ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ وسُمُّوا أئِمَّةً لِأنَّهم صارُوا بِذَلِكَ رُؤَساءَ مُتَقَدِّمِينَ عَلى غَيْرِهِمْ بِزَعْمِهِمْ فَهم أحِقّاءُ بِالقِتالِ والقَتْلِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ: المُرادُ بِأئِمَّتِهِمْ رُؤَساؤُهم وصَنادِيدُهم مِثْلُ أبِي سُفْيانَ، والحارِثِ بْنِ هِشامٍ، وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ لِأنَّ قَتْلَهم أهَمُّ لا لِأنَّهُ لا يُقْتَلُ غَيْرُهم، وقِيلَ: لِلْمَنعِ مِن مُراقَبَتِهِمْ لِكَوْنِهِمْ مَظِنَّةً لَها أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِئْصالِهِمْ فَإنَّ قَتْلَهم غالِبًا يَكُونُ بَعْدَ قَتْلِ مَن دُونَهم، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهم فارِسُ والرُّومُ وفِيهِ بُعْدٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وغَيْرُهُ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ما قُوتِلَ أهْلُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدُ وما أدْرِي ما مُرادُهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمُرادِهِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو ( أئِمَّةَ ) بِهَمْزَتَيْنِ ثانِيَتُهُما بَيْنَ بَيْنَ أيْ بَيْنَ مَخْرَجِ الهَمْزَةِ والياءِ والألِفِ بَيْنَهُما، والكُوفِيُّونَ، وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِتَحْقِيقِهِما مِن غَيْرِ إدْخالِ ألِفٍ، وهِشامٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ أدْخَلَ بَيْنَهُما الألِفَ هَذا هو المَشْهُورُ عَنِ القُرّاءِ السَّبْعَةِ، ونَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنْ نافِعٍ المَدَّ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ والياءِ.

وضَعَّفَ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ قِراءَةَ التَّحْقِيقِ وبَيْنَ بَيْنَ جَماعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ كالفارِسِيِّ، ومِنهم مَن أنْكَرَ التَّسْهِيلَ بَيْنَ بَيْنَ وقَرَأ بِياءٍ خَفِيفَةِ الكَسْرَةِ، وأمّا القِراءَةُ بِالياءِ فارْتَضاها أبُو عَلِيٍّ، وجَماعَةٌ، والزَّمَخْشَرِيُّ جَعَلَها لَحْنًا، وخَطَّأهُ أبُو حَيّانَ في ذَلِكَ لِأنَّها قِراءَةُ رَأْسِ القُرّاءِ والنُّحاةِ أبُو عَمْرٍو، وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ ونافِعٍ وهي صَحِيحَةٌ رِوايَةً، وعَدَمُ ثُبُوتِها مِن طَرِيقِ التَّيْسِيرِ يُوجِبُ التَّضْيِيقَ؛ وكَذا دِرايَةً فَقَدْ ذَكَرَ هو في المُفَصَّلِ وسائِرُ الأئِمَّةِ في كُتُبِهِمْ أنَّهُ إذا اجْتَمَعَتْ هَمْزَتانِ في كَلِمَةٍ فالوَجْهُ قَلْبُ الثّانِيَةِ حَرْفَ لِينٍ كَما في آدَمَ وأئِمَّةٍ فَما اعْتَذَرَ بِهِ عَنْهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ، والحاصِلُ أنَّ القِراءاتِ هُنا تَحْقِيقُ الهَمْزَتَيْنِ وجَعْلُ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ بِلا إدْخالِ ألِفٍ وبِهِ والخامِسَةُ بِياءٍ صَرِيحَةٍ وكُلُّها صَحِيحَةٌ لا وجْهَ لِإنْكارِها، ووَزْنُ أئِمَّةٍ أفْعِلَةٌ كَحِمارِ وأحْمِرَةٍ، وأصْلُهُ أئِمْمَةٌ فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ المِيمِ إلى الهَمْزَةِ وأُدْغِمَتْ، ولَمّا ثَقُلَ اجْتِماعُ الهَمْزَتَيْنِ فَرُّوا مِنهُ فَفَعَلُوا ما فَعَلُوا ﴿ إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ ﴾ أيْ: عَلى الحَقِيقَةِ حَيْثُ لا يُراعُونَها ولا يَفُونَ بِها ولا يَرَوْنَ نَقْضَها نَقْصًا وإنْ أجْرَوْها عَلى ألْسِنَتِهِمْ، وإنَّما عُلِّقَ النَّفْيُ بِها كالنَّكْثِ فِيما سَلَفَ لا بِالعَهْدِ المُؤَكَّدِ بِها لِأنَّها العُمْدَةُ في المَواثِيقِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ إمّا لِمَضْمُونِ الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ نَكَثُوا وطَعَنُوا كَما هو المُتَوَقَّعُ مِنهم إذْ لا أيْمانَ لَهم حَقِيقَةً حَتّى يَنْكُثُوها فَقاتِلُوا، أوْ لِاسْتِمْرارِ القِتالِ المَأْمُورِ بِهِ المُسْتَفادِ مِنَ السِّياقِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَقاتِلُوهم إلى أنْ يُؤْمِنُوا إنَّهم لا أيْمانَ لَهم حَتّى يُعْقَدَ مَعَهم عَقْدٌ آخَرُ، وجَعَلَها تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالقِتالِ لا يُساعِدُهُ تَعْلِيقُهُ بِالنَّكْثِ والطَّعْنِ لِأنَّ حالَهم في أنْ لا أيْمانَ لَهم حَقِيقَةً بَعْدَ ذَلِكَ كَحالِهِمْ قَبْلَهُ، والحَمْلُ عَلى مَعْنى عَدَمِ بَقاءِ أيْمانِهِمْ بَعْدَ النَّكْثِ والطَّعْنِ مَعَ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى بَيانِهِ خِلافَ الظّاهِرِ، وقِيلَ: هو تَعْلِيلٌ لِما يُسْتَفادُ مِنَ الكَلامِ مِنَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أئِمَّةُ الكُفْرِ أيْ إنَّهم رُؤَساءُ الكَفَرَةِ وأعْظَمُهم شَرًّا حَيْثُ ضَمُّوا إلى كُفْرِهِمْ عَدَمَ مُراعاةِ الأيْمانِ وهو كَما تَرى، والنَّفْيُ في الآيَةِ عِنْدَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ عَلى ما هو المُتَبادَرُ، فَيَمِينُ الكافِرِ لَيْسَتْ يَمِينًا عِنْدَهُ مُعْتَدًّا بِها شَرْعًا، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ هي يَمِينٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَها بِالنَّكْثِ في صَدْرِ الآيَةِ وهو لا يَكُونُ حَيْثُ لا يَمِينَ ولا أيْمانَ لَهم بِما عَلِمْتَ.

وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ اعْتِقادِهِمْ أنَّهُ يَمِينٌ، ويَبْعُدُهُ أنَّ الإخْبارَ مِنَ اللَّهِ تَعالى والخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالنَّكْثِ عَلى اليَمِينِ إشارَةٌ أوِ اقْتِضاءٌ ولا أيْمانَ لَهم عِبارَةً فَتَتَرَجَّحُ، والقَوْلُ بِأنَّها تُؤَوَّلُ جَمْعًا بَيْنَ الأدِلَّةِ فِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ إذا كانَ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ في أحَدِ الجانِبَيْنِ فَتَأْوِيلُ غَيْرِ الصَّرِيحِ أوْلى، ولَعَلَّهُ لا يُعْتَبَرُ في ذَلِكَ التَّقَدُّمُ والتَّأخُّرُ، وثَمَرَةُ الخِلافِ أنَّهُ لَوْ أسْلَمَ الكافِرُ بَعْدَ يَمِينٍ انْعَقَدَتْ في كُفْرِهِ ثُمَّ حَنِثَ هَلْ تَلْزَمُهُ الكَفّارَةُ؟

فَعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ لا، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى نَعَمْ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( إيمانَ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ آمَنَهُ إيمانًا بِمَعْنى أعْطاهُ الأمانَ، ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الحاصِلِ بِالمَصْدَرِ وهو الأمانُ، والمُرادُ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى أنْ تُعْطُوهم أمانًا بَعْدَ ذَلِكَ أبَدًا، قِيلَ: وهَذا النَّفْيُ بِناءً عَلى أنَّ الآيَةَ في مُشْرِكِي العَرَبِ ولَيْسَ لَهم إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ؛ ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ المُرادَ لا سَبِيلَ إلى أنْ يُعْطُوكُمُ الأمانَ بَعْدُ، وفِيهِ أنَّهُ مُشْعِرٌ بِأنَّ مُعاهَدَتَهم مَعَنا عَلى طَرِيقَةِ أنْ يَكُونَ إعْطاءُ الأمانِ مِن قِبَلِهم وهو بَيْنَ البُطْلانِ، أوْ عَلى أنَّ الإيمانَ بِمَعْنى الإسْلامِ، والجُمْلَةُ عَلى هَذا تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ الشَّرْطِ لا غَيْرَ عَلى ما بَيَّنَهُ شَيْخُ الإسْلامِ كَأنَّهُ قِيلَ، إنْ نَكَثُوا وطَعَنُوا كَما هو الظّاهِرُ مِن حالِهِمْ لِأنَّهُ إسْلامٌ لَهم حَتّى يَرْتَدِعُوا عَنْ نَقْضِ جِنْسِ إيمانِهِمْ وعَنِ الطَّعْنِ في دِينِكم، وتَشَبَّثَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَن قالَ: إنَّ المُرْتَدَّ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ بِناءً عَلى أنَّ النّاكِثَ هو المُرْتَدُّ وقَدْ نَفى الإيمانَ عَنْهُ، ونَفْيُهُ مَعَ أنَّهُ قَدْ يَقَعُ مِنهُ نَفْيٌ لِصِحَّتِهِ والِاعْتِدادِ بِهِ ولا يَخْفى ضَعْفُهُ لِما عَلِمْتَ مِن مَعْنى الآيَةِ، وقَدْ قالُوا: الِاحْتِمالُ يُسْقِطُ الِاسْتِدْلالَ، وقالَ القاضِي بَيَّضَ اللَّهُ تَعالى غُرَّةَ أحْوالِهِ في بَيانِ ضَعْفِهِ: إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ نَفْيَ الإيمانِ عَنْ قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ والإخْبارَ عَنْهم بِأنَّهُ طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يَصْدُرُ مِنهم إيمانٌ أصْلًا، أوْ يَكُونُ المُرادُ أنَّ المُشْرِكِينَ لا إيمانَ لَهم حَتّى يُراقَبُوا ويُمْهَلُوا لِأجَلِهِ، ويُفْهَمُ مِن هَذا أنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الجُمْلَةَ تَعْلِيلًا لِمَضْمُونِ الشَّرْطِ كَما ذَكَرْنا، والظّاهِرُ أنَّهُ جَعَلَها تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ فَقاتِلُوا ﴾ ) يَعْنِي أنَّ المانِعَ مِن قَتْلِهِمْ أحَدُ أمْرَيْنِ إمّا العَهْدُ وقَدْ نَقَضُوهُ أوِ الإيمانُ وقَدْ حَرَّمُوهُ، ورُبَّما يُؤَوَّلُ ذَلِكَ إلى جَعْلِها عِلَّةً لِما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ نَكَثُوا وطَعَنُوا فَقاتِلُوهم ولا تَتَوَقَّفُوا لِأنَّهُ لا مانِعَ أصْلًا بَعْدَ ذَلِكَ لِأنَّهم لا إيمانَ لَهم لِيَكُونَ مانِعًا ولا يَخْفى ما فِيهِ.

وإنْ قِيلَ: إنَّهُ سَقَطَ بِهِ ما قِيلَ: إنَّ وصْفَ أئِمَّةِ الكُفْرِ بِأنَّهم لا إسْلامَ لَهم تَكْرارٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وجَعْلُ الجُمْلَةِ تَعْلِيلًا لِما يُسْتَفادُ مِنَ الكَلامِ مِنَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أئِمَّةُ الكُفْرِ أيْ رُؤَساؤُهُ عَلى احْتِمالِ أنْ يُرادَ الإخْبارُ عَنْ قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ بِالطَّبْعِ أظْهَرُ مِن جَعْلِها تَعْلِيلًا لَها عَلى القِراءَةِ السّابِقَةِ، نَعَمْ يَأْبى حَدِيثُ الإخْبارِ بِالطَّبْعِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ ﴾ إذْ مَعَ الطَّبْعِ لا يُتَصَوَّرُ الِانْتِهاءُ وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ فَقاتِلُوا ﴾ ) أيْ قاتِلُوهم إرادَةَ أنْ يَنْتَهُوا، أيْ لِيَكُنْ غَرَضُكم مِنَ القِتالِ انْتِهاءَهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وسائِرِ العَظائِمِ لا مُجَرَّدَ إيصالِ الأذِيَّةِ بِهِمْ كَما هو شَنْشَنَةُ المُؤْذِينَ، ومِمّا قُرِّرَ يُعْلَمُ أنَّ التَّرَجِّيَ مِنَ المُخاطِبِينَ لا مِنَ اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: فَإِنْ تابُوا من الشرك.

وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ، يعني: أقروا بهما، فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ، يعني: هم مؤمنون مثلكم.

وَنُفَصِّلُ الْآياتِ، يعني: نبيّن العلامات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أنه من الله تعالى.

قوله تعالى: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ يعني: نقضوا عهودهم مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ يعني: بعد أجله، وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ يقول: وعابوا فِى دِينِكُمْ الإسلام، فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ يعني: قادة أهل الكفر ورؤساءهم.

إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ.

قرأ ابن عامر لا أَيْمانَ بالكسر، وهي قراءة الحسن البصري يعني: لا إسلام لهم، والباقون لا أَيْمانَ بالنصب يعني: لا عهد لهم.

قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو أَئِمَّةَ بهمزة، واحدة والباقون بهمزتين.

ثم قال: لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ، يعني: لعلهم ينتهون عن نقض العهد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أحدهما: لا تصديقَ لهم، قال أبو عَليٍّ: وهذا غَيْرُ قويٍّ لأنه تكريرٌ، وذلك أنه وَصَفَ أَئمَّة الكُفْرِ بأنهم لا إِيمان لهم، والوجْه في كَسْر الألفِ أَنَّه مصْدَرٌ من آمَنْتُهُ إِيماناً ومنه قوله تعالى: وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش: ٤] فالمعنى: أنهم لاَ يُؤَمَّنُونَ كما يُؤَمَّنُ أَهْلُ الذمَّة الكتابيُّون إِذ المشركون ليس لهم إِلا الإِسلام أو السَّيْفَ، قال أبو حاتمْ: فَسَّر الحَسَنُ قراءته: لا إِسلام لهم.

قال ع «١» : والتكريرُ الذي فَرَّ أبو عَلِيٍّ منه متَّجِهٌ، لأنه بيانُ المهمِّ الذي يوجبُ قتلهم.

وقوله عز وجل: أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ ...

الآية «ألا» : عَرْضٌ وتحضيضٌ، قال الحسن: والمراد بِإِخْراجِ الرَّسُولِ: إخراجُه من المدينة، وهذا مستقيمٌ كغزوة أُحُدٍ والأحزاب «٢» .

وقال السديُّ: المرادُ مِنْ مَكَّة «٣» .

وقوله سبحانه: وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، قيل: يراد أفعالهم بمكَّة بالنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وبالمؤمنين.

وقال مجاهدٌ: يراد به ما بَدَأَتْ به قريشٌ مِنْ معونة بني بَكْر حلفائِهِمْ، على خزاعة حلفاء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فكان هذا بَدْءَ النقْض «٤» .

وقال الطبريُّ «٥» : يعني فعْلَهم يَوْمَ بدر.

قال الفَخْر «٦» : قال ابن إِسحاق والسُّدِّيُّ والكَلَبِيُّ: نزلَتْ هذه الآية في كفَّار مَكَّة نكثوا أيمانهم بعد عَهْدِ الحديبية، وأعانوا بني بَكْر عَلَى خُزَاعة «٧» .

انتهى.

وقوله سبحانه: أَتَخْشَوْنَهُمْ: استفهام على معنى التقرير والتوبيخ، فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، أي: كاملي الإيمان.

وقوله سبحانه: قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ، قرّرت الآياتُ قبلها أفعالَ الكَفَرة، ثم حضَّ على القتال مقترناً بذنوبهم لتنبعث الحميَّة مع ذلك، ثم جزم الأمْرَ بقتالِهِمْ في هذه الآيةَ مقترناً بوَعْدٍ وكِيدٍ يتضمَّن النصْرَ عَلَيْهِم، والظَّفَرَ بهم.

وقوله سبحانه: يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ، معناه: بالقتل والأسر، ووَ يُخْزِهِمْ، معناه: يذلَّهم علَى ذنوبهم، يقال: خَزِيَ الرجُلُ يَخْزَى خَزْياً، إِذا ذَلَّ من حيثُ وَقَعَ في عَارٍ، وأَخْزَاهُ غيره، وخزي يخزي خزاية/ إذا استحى، وأما قوله تعالى: وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، فيحتمل أنْ يريد جماعةَ المؤمنين، لأن كلَّ ما يهدُّ من الكُفْرِ هو شفاءٌ مِنْ هَمِّ صدور المؤمنين، ويحتمل أنْ يريد تخصيصَ قومٍ من المؤمنين، وروي أنهم خُزَاعَةْ قاله مجاهدٌ والسُّدِّيُّ «١» ، ووجْه تخصيصهم أنهم الذين نُقِضَ فيهم العهدُ، ونالتهم الحربُ، وكان يومئذٍ في خُزَاعَةَ مؤمنون كثير ويقتضي ذلك قول الخزاعيّ المستنصر بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: [الرجز] ثُمَّتَ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا وفي آخر الرجز:

وقتّلونا ركّعا وسجّدا «٢»

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في «أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، والحارِثِ بْنِ هِشامٍ، وسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وعِكْرِمَةَ ابْنِ أبِي جَهِلٍ، وسائِرِ رُؤَساءِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ نَقَضُوا العَهْدَ حِينَ أعانُوا بَنِي بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ حُلَفاءِ رَسُولِ اللَّهِ، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ  أنْ يَسِيرَ إلَيْهِمْ فَيَنْصُرُ خُزاعَةَ، وهُمُ الَّذِينَ هَمُّوا بِإخْراجِ رَسُولِ اللَّهِ  .» فَأمّا النَّكْثُ، فَمَعْناهُ: النَّقْضُ.

والإيمانُ هاهُنا: العُهُودُ.

والطَّعْنُ في الدِّينِ: أنْ يُعابَ، وهَذا يُوجِبُ قَتْلَ الذِّمِّيِّ إذا طَعَنَ في الإسْلامِ، لِأنَّ المَأْخُوذَ عَلَيْهِ أنْ لا يَطْعَنَ فِيهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، "أئِمَّةٌ" بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: بِتَحْقِيقِ الأُولى وتَلْيِينِ الثّانِيَةِ.

والمُرادُ بِأئِمَّةِ الكُفْرِ: رُؤُوسُ المُشْرِكِينَ وقادَتُهم.

﴿ إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ ﴾ أيْ: لا عُهُودَ لَهم صادِقَةً؛ هَذا عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ الألِفَ، وهُمُ الأكْثَرُونَ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ "لا إيمانَ لَهُمْ" بِالكَسْرِ؛ وفِيها وجْهانِ ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ.

أحَدُهُما: أنَّهُ وصْفٌ لَهم بِالكُفْرِ ونَفْيُ الإيمانِ، والثّانِي: لا أمانَ لَهم، تَقُولُ: آَمَنتُهُ إيمانًا، والمَعْنى: فَقَدْ بَطَلَ أمانُكم لَهم بِنَقْضِهِمْ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عَنِ الشِّرْكِ.

والثّانِي عَنْ نَقْضِ العُهُودِ.

وَفِي "لَعَلَّ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى التَّرَجِّي، المَعْنى لَيُرْجى مِنهُمُ الِانْتِهاءُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى: "كَيْ" قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ: عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَلاةَ وآتَوُا الزَكاةَ فَإخْوانُكم في الدِينِ ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ ﴾ "تابُوا": رَجَعُوا عن حالِهِمْ، والتَوْبَةُ مِنهم تَتَضَمَّنُ الإيمانَ، ثُمَّ قَرَنَ تَعالى بِإيمانِهِمْ إقامَةَ الصَلاةِ وإيتاءَ الزَكاةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: حَرَّمَتْ هَذِهِ الآيَةُ دِماءَ أهْلِ القِبْلَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: قَرَنَ اللهُ الصَلاةَ بِالزَكاةِ ولَمْ يَرْضَ بِإحْداهُما دُونَ الأُخْرى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذا مَرَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقْتَ الرِدَّةِ.

والأُخُوَّةُ في الدِينِ هي أُخُوَّةُ الإسْلامِ، وجَمْعُ الأخِ مِنها: إخْوانٌ، وجَمْعُهُ مِنَ النَسَبِ: إخْوَةٌ قالَهُ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ الأخَ مِنَ النَسَبِ يُجْمَعُ عَلى إخْوانٍ أيْضًا، وذَلِكَ ظاهِرٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكم أو بُيُوتِ آبائِكم أو بُيُوتِ أُمَّهاتِكم أو بُيُوتِ إخْوانِكم أو بُيُوتِ أخَواتِكُمْ  ﴾ ويُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿ أو صَدِيقِكُمْ  ﴾ ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ في هَذِهِ السُورَةِ: ﴿ قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكُمْ  ﴾ الآيَةُ.

فَأمّا الأخُ مِنَ التَوادِّ فَفي كِتابِ اللهِ: ﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ  ﴾ .

وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ في البُخارِيِّ: "كانَ إخْوَتِي مِنَ المُهاجِرِينَ يَشْغَلُهم صَفْقٌ بِالأسْواقِ"، فَيَصِحُّ مِن هَذا كُلِّهِ أنَّ الأخَ يُجْمَعُ إخْوَةً وإخْوانًا سَواءٌ كانَ مِن نَسَبٍ أو مَوَدَّةِ، وتَفْصِيلُ الآياتِ: بَيانُها وإيضاحُها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ ﴾ الآيَةُ.

النَكْثُ: النَقْضُ، وأصْلُهُ في كُلِّ ما قُبِلَ ثُمَّ حُلَّ، فَهي في الأيْمانِ والعُهُودُ مُسْتَعارَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَطَعَنُوا في دِينِكُمْ ﴾ أيْ بِالِاسْتِنْقاصِ والحَرْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَفْعَلُهُ المُشْرِكُ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ  حِينَ أمَّرَ أُسامَةَ: "إنْ تَطْعَنُوا في إمارَتِهِ فَقَدْ طَعنتُمْ في إمارَةِ أبِيهِ مِن قَبْلُ"» الحَدِيثُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَلِيقُ هُنا ذِكْرُ شَيْءٍ مِن طَعْنِ الذِمِّيِّ في الدِينِ، فالمَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ: أنَّهُ إذا فَعَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ مِثْلُ تَكْذِيبِ الشَرِيعَةِ وسَبِّ النَبِيِّ  ونَحْوِهِ قُتِلَ، وقِيلَ: إذا كَفَرَ وأعْلَنَ بِما هو مَعْهُودٌ مِن مُعْتَقَدِهِ، وكُفْرِهِ أُدِّبَ عَلى الإعْلانِ وتُرِكَ، وإذا كَفَرَ بِما لَيْسَ مِن مَعْهُودِ كُفْرِهِ كالسَبِّ ونَحْوِهِ قُتِلَ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ في هَذا: إنَّهُ يُسْتَتابُ، واخْتُلِفَ إذا سَبَّ الذِمِّيُّ النَبِيَّ  ثُمَّ أسْلَمَ تَقِيَّةَ القَتْلِ، فالمَشْهُورُ مِنَ المَذْهَبِ أنْ يُتْرَكَ، وقَدْ قالَ  : « "الإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ"»، وفي "العَتَبِيَّةِ" أنَّهُ يُقْتَلُ ولا يَكُونُ أحْسَنَ حالًا مِنَ المُسْلِمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ ﴾ أيْ: رُؤُوسُهم وأعْيانُهُمُ الَّذِينَ يَقُودُونَ الناسَ إلَيْهِ، وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِهَذا أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ، وعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وغَيْرُهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا -إنْ لَمْ يُتَأوَّلْ أنَّهُ ذَكَرَهم عَلى جِهَةِ المِثالِ- ضَعِيفٌ، لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ بَدْرٍ بِكَثِيرٍ، ورُوِيَ عن حُذَيْفَةَ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَجِئْ هَؤُلاءِ بَعْدُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ: لَمْ يَنْقَرِضُوا فَهم يَحْيَوْنَ أبَدًا ويُقْتَلُونَ، وأصْوَبُ ما في هَذا أنْ يُقالَ: إنَّهُ لا يُعْنى بِها مُعَيَّنٌ، وإنَّما وقَعَ الأمْرُ بِقِتالِ أئِمَّةِ الناكِثِينَ بِالعُهُودِ مِنَ الكَفَرَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ دُونَ تَعْيِينٍ، واقْتَضَتْ حالُ كُفّارِ العَرَبِ ومُحارِبِي رَسُولِ اللهِ  أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلَيْهِمْ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ أئِمَّةَ الكُفْرِ ﴾ ، وهم حَصَلُوا حِينَئِذٍ تَحْتَ اللَفْظَةِ إذِ الَّذِي يَتَوَلّى قِتالَ النَبِيِّ  والدَفْعَ في صَدْرِ شَرِيعَتِهِ هو إمامُ كُلِّ مَن يَكْفُرُ بِذَلِكَ الشَرْعِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ تَأْتِي في كُلِّ جِيلٍ مِنَ الكُفّارِ أئِمَّةٌ خاصَّةٌ بِجِيلٍ جِيلٍ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "أيِمَّةَ" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ وبَعْدَها ياءٌ مَكْسُورَةٌ، وقَدْ رُوِيَ عن نافِعٍ مَدُّ الهَمْزَةِ، ورَوى عنهُ ابْنُ أبِي أُوَيْسٍ: "أئِمَّةَ" بِهَمْزَتَيْنِ، وأصْلُها: "أأْمِمَةٌ" وزْنُها أفَعِلَةٌ جَمْعُ إمامٍ، كَعِمادٍ وأعْمِدَةٍ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ المِيمِ إلى الهَمْزَةِ الَّتِي هي فاءُ الفِعْلِ، وأُدْغِمَتِ المِيمُ في المِيمِ الأُخْرى وقُلِبَتِ الهَمْزَةُ ياءً لِانْكِسارِها ولِاجْتِماعِ هَمْزَتَيْنِ مِن كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أئِمَّةَ" والتَعْلِيلُ واحِدٌ، إلّا أنَّهم لَمْ يَقْلِبُوا الهَمْزَةَ ياءً.

وقَرَأ المُسَيِّبِيُّ عن نافِعٍ: "آيِمَّةَ" بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ، وقَرَأ هِشامٌ عن أبِي عامِرٍ بِمَدَّةٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ.

وقَرَأ الناسُ الجَمُّ الغَفِيرُ: "لا أيْمانَ لَهُمْ" عَلى جَمْعِ يَمِينٍ، ولَيْسَ المُرادُ نَفْيَ الأيْمانِ جُمْلَةً، وإنَّما المَعْنى: لا أيْمانَ لَهم يُوَفّى بِها ويُبَرُّ، وهَذا المَعْنى يُشْبِهُ الآيَةَ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ: "لا إيمانَ لَهُمْ"، وهَذا يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: لا تَصْدِيقَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا غَيْرُ قَوِيٍّ لِأنَّهُ تَكْرِيرٌ، وذَلِكَ أنَّهُ وصَفَ أئِمَّةَ الكُفْرِ بِأنَّهم لا إيمانَ لَهُمْ، فالوَجْهُ في كَسْرِ الألِفِ أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن آمَنَهُ إيمانًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ( آمَنَهم مِن خَوْفٍ ) فالمَعْنى أنَّهم لا يُؤَمَّنُونَ كَما يُؤَمَّنُ أهْلُ الذِمَّةِ الكِتابِيُّونَ، إذِ المُشْرِكُونَ لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا الإسْلامُ أوِ السَيْفُ، قالَ أبُو حاتِمٍ: فَسَّرَ الحَسَنُ قِراءَتَهُ: لا إسْلامَ لَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَكْرِيرُ الَّذِي فَرَّ أبُو عَلِيٍّ مِنهُ مُتَّجِهٌ لِأنَّهُ بَيانُ المُبْهَمِ الَّذِي يُوجِبُ قَتْلَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لمّا استوفى البيان لأصناف المشركين الذين أمر الله بالبراءة من عهدهم بقوله: ﴿ وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ﴾ [التوبة: 3] وإنّما كان ذلك لإبطانهم الغدر، والذين أمر بإتمام عهدهم إلى مدّتهم ما استقاموا على العهد بقوله: ﴿ إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم ﴾ [التوبة: 4] الآيات، والذين يستجيبون عَطَف على أولئك بيان الذين يعلنون بنكث العهد، ويعلنون بما يسخطُ المسلمين من قولهم، وهذا حال مضادّ لحال قوله: ﴿ وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم ﴾ [التوبة: 8].

والنكث تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون ﴾ في الأعراف (135).

وعبَر عن نقض العهد بنكث الأيمان تشنيعاً للنكث، لأنّ العهد كان يقارنه اليمين على الوفاء ولذلك سمّي العهد حلفا.

وزيد قوله: من بعد عهدهم} زيادة في تسجيل شناعة نكثهم: بتذكير أنّه غدْر لعهد، وحنث باليمين.

والطعن حقيقته خرق الجسم بشيء محددٍ كالرمح، ويستعمل مجازاً بمعنى الثلب.

والنسبة إلى النقص، بتشبيه عِرض المرء، الذي كان ملتئما غير منقوص، بالجسد السليم.

فإذا أظهرت نقائصه بالثلب والشتم شُبّه بالجِلد الذي أفسِد التحامُه.

والأمر، هنا: للوجوب، وهي حالة من أحوال الإذن المتقدّم في قوله تعالى: ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ﴾ [التوبة: 5] ففي هذه الحالة يجب قتالهم ذبّاً عن حرمة الدين، وقمعا لشرّهم من قبل أن يتمرّدوا عليه.

و ﴿ أئِمّة ﴾ جمع إمام، وهو ما يجعل قدوة في عمل يُعمل على مثاله، أو على مثال عمله، قال تعالى: ﴿ ونجعلهم أئمة ﴾ [القصص: 5] أي مقتدى بهم، وقال لبيد: ولكلّ قوم سنة وإمامها *** والإمام المثال الذي يصنع على شكله، أو قدره، مصنوع، فأئمّة الكفر، هنا: الذين بلغوا الغاية فيه، بحيث صاروا قدوة لأهل الكفر.

والمراد بأئِمّة الكفر: المشركون الذين نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم، فوضع هذا الاسم موضع الضمير حين لم يُقل: فقاتلوهم، لزيادة التشنيع عليهم ببلوغهم هذه المنزلة من الكفر، وهي أنّهم قدوة لغيرهم، لأنّ الذين أضمروا النكث يبقون متردّدين بإظهاره، فإذا ابتدأ بعضهم بإظهار النقض اقتدى بهم الباقون، فكان الناقضون أئِمّة للباقين.

وجملة: ﴿ إنهم لا أيمان لهم ﴾ تعليل لقتالهم بأنّهم استحقّوه لأجل استخفافهم بالأيمان التي حلفوها على السلم، فغدروا، وفيه بيان للمسلمين كيلا يشرعوا في قتالهم غير مطّلعين على حكمة الأمر به، فيكون قتالهم لمجرّد الامتثال لأمر الله، فلا يكونُ لهم من الغيظ على المشركين ما يشحّذ شدّتهم عليهم.

ونفي الأيمان لَهم: نفي للماهية الحقّ لليمين، وهي قصد تعظيمه والوفاء به، فلمّا لم يوفوا بأيمانهم، نزلت أيمانهم منزلة العدم لفقدان أخصّ أخواصّها وهو العمل بما اقتضته.

وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ورويس عن يعقوب.

﴿ أيّمة ﴾ بتسهيل الهمزة الثانية بين الهمزة والياء.

وقرأ البقية: بتحقيق الهمزتين.

وقرأ هشام عن عامر، وأبو جعفر: بمَدّ بين الهمزتين.

وقرأ الجمهور ﴿ لا أيمان لهم ﴾ بفتح همزة ﴿ أيمان ﴾ على أنّه جمع يمين.

وقرأه ابن عامر بكسر الهمزة، أي ليسوا بمؤمنين، ومن لا إيمان له لا عهد له لانتفاء الوازع.

وعطف ﴿ وطعنوا في دينكم ﴾ عطف قسيم على قسيمه، فالواو فيه بمعنى (أو).

فإنّه إذا حصل أحد هذين الفعلين: الذين هما نكث الأيمان، والطعن في الدين، كان حصول أحدهما موجباً لقتالهم، أي دون مصالحة، ولا عهد، ولا هُدنة بعد ذلك.

وذكر طعنهم في دين المسلمين ينبئ بأنّ ذلك الطعن كان من دأبهم في مدّة المعاهدة، فأريد صدّهم عن العَود إليه.

ولم أقف على أنّه كان مشروطاً على المشركين في عقود المصالحة والمعاهدة مع المسلمين أن لا يطعنوا في الإسلام، في غير هذه الآية، فكانَ هذا شرطاً عليهم من بعد، لأنّ المسلمين أصبحوا في قوة.

وقوله: ﴿ فقاتلوا أئمة الكفر ﴾ أمر للوجوب.

وجملة ﴿ لعلهم ينتهون ﴾ يجوز أن تكون تعليلاً للجملة ﴿ فقاتلوا أئمة الكفر ﴾ أي قتالهم لرجاء أن ينتهوا، وظاهر أنّ القتال يُفني كثيراً منهم، فالانتهاء المرجو انتهاء الباقين أحياء بعد أن تضع الحرب أوزارها.

ولم يذكر متعلِّق فعل ﴿ ينتهون ﴾ ولا يحتمل أن يكون الانتهاء عن نكث العهد، لأنّ عهدهم لا يقبل بعدَ أن نكثوا لقول الله تعالى: ﴿ إنهم لا أيمان لهم ﴾ ، ولا أن يكون الانتهاء عن الطعن في الدين، لأنّه إن كان طعنهم في ديننا حاصلاً في مدّة قتالهم فلا جدوى لرجاء انتهائهم عنه، وإن كان بعدَ أن تضع الحرب أوزارها فإنّه لا يستقيم إذ لا غاية لتنهية القتل بين المسلمين وبينهم، فتعيّن أنّ المراد: لعلهم ينتهون عن الكفر.

ويجوز أن تكون الجملة استئنافاً ابتدائياً لا اتّصال لها بجملة ﴿ وإن نكثوا أيمانهم ﴾ الآية، بل ناشئة عن قوله: ﴿ أئمة الكفر ﴾ [التوبة: 5 12].

والمعنى: المرجو أنّهم ينتهون عن الشرك ويسلمون، وقد تحقّق ذلك فإنّ هذه الآية نزلت بعد فتح مكة، وبعدَ حُنين، ولم يقع نكث بعد ذلك، ودخل المشركون في الإسلام أفواجاً في سنة الوفود.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ ﴾ أيْ نَقَضُوا عَهْدَهُمُ الَّذِي عَقَدُوهُ بِأيْمانِهِمْ.

﴿ وَطَعَنُوا في دِينِكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إظْهارُ الذَّمِّ لَهُ.

والثّانِي: إظْهارُ الفَسادِ فِيهِ.

﴿ فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم رُؤَساءُ المُشْرِكِينَ.

والثّانِي: أنَّهم زُعَماءُ قُرَيْشٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ كانُوا قَدْ هَمُّوا بِإخْراجِ رَسُولِ اللَّهِ  ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ ﴾ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِفَتْحِ الألِفِ، مِنَ اليَمِينِ لِنَقْضِهِمْ إيّاها.

وَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ﴿ إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ ﴾ بِكَسْرِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ.

وَفِيها إذا كُسِرَتْ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كَفَرَةٌ لا إيمانَ لَهم.

والثّانِي: أنَّهم لا يُعْطُونَ أمانًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن نكثوا أيمانهم ﴾ قال: عهدهم.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم ﴾ يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: وإن نكثوا العهد الذي بينك وبينهم فقاتلوهم انهم أئمة الكفر.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أئمة الكفر ﴾ قال: أبو سفيان بن حرب، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وسهيل بن عمرو، وهم الذين نكثوا عهد الله تعالى وهمّوا باخراج الرسول من مكة.

وأخرج ابن عساكر عن مالك بن أنس رضي الله عنه.

مثله.

وأخرج ابن عساكر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فقاتلوا أئمة الكفر ﴾ قال: أبو سفيان.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ فقاتلوا أئمة الكفر ﴾ قال: رؤوس قريش.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فقاتلوا أئمة الكفر ﴾ قال: أبو سفيان بن حرب منهم.

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه ﴿ فقاتلوا أئمة الكفر ﴾ قال: الديلم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن حذيفة رضي الله عنه أنهم ذكروا عنده هذه الآية فقال: ما قوتل أهل هذه الآية بعد.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن مردويه عن زيد بن وهب رضي الله عنه في قوله: ﴿ فقاتلوا أئمة الكفر ﴾ قال: كنا عند حذيفة رضي الله عنه فقال: ما بقي من أصحاب هذه الآية إلا ثلاثة ولا من المنافقين إلا أربعة.

فقال اعرابي: إنكم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم تخبروننا بأمور لا ندري ما هي، فما بال هؤلاء الذين يبقرون بيوتنا ويسرقون اعلاقنا؟!

قال: أولئك الفساق، أجل لم يبق منهم إلا أربعة، أحدهم شيخ كبير لو شرب الماء البارد لما وجد برده.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن جبير رضي الله عنه.

أنه كان في عهد أبي بكر رضي الله عنه في الناس حين وجههم إلى الشام، فقال: إنكم ستجدون قوماً محلوقة رؤوسهم فاضربوا مقاعد الشيطان منهم بالسيوف، فوالله لئن أقتل رجلاً منهم أحب إلي من أن أقتل سبعين من غيرهم، وذلك بأن الله تعالى يقول ﴿ قاتلوا أئمة الكفر ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ عن حذيفة رضي الله عنه ﴿ لا أيمان لهم ﴾ قال: لا عهود لهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عمَّار رضي الله عنه ﴿ لا أيمان لهم ﴾ لا عهود لهم.

وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: والله ما قوتل أهل هذه الآية منذ أنزلت ﴿ وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم...

﴾ الآية.

وأخرج ابن مردويه عن مصعب بن سعد قال: مرَّ سعد رضي الله عنه برجل من الخوارج فقال الخارجي لسعد: هذا من أئمة الكفر.

فقال سعد رضي الله عنه: كذبت، أنا قاتلت أئمته.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ ﴾ يقال: نكث فلان عهده: إذا نقضه بعد إحكامه كما ينكث خيط الصوف بعد إبرامه (١) (٢) (٣) (٤) ﴿ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا  ﴾ والأيمان: جمع يمين، بمعنى الحلف والقسم، وقيل للحلف يمين باسم اليد، وكانوا يبسطون أيمانهم إذا حلفوا أو تحالفوا أو تعاقدوا، وقيل: سمي القسم يميناً ليمن البرّ فيه.

قال (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ ﴾ \[قال ابن عباس: يريد: اغتابوكم وغمصوا عليكم في دينكم\] (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) قال أصحابنا (١٢) ﴿ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ﴾ .

قال ابن عباس والمفسرون: "هم رؤوس قريش وصناديدها" (١٣) وقال الزجاج: "أئمة الكفر: رؤساء الكافرين وقادتهم لأن الإمام متبع (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) قال أبو إسحاق: "الأصل في أئمة أَأْمِمَة (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) ﴿ أَأَنْذَرْتَهُمْ  ﴾ .

قال الزجاج: ومن قرأ بهمزتين فينبغي (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) واختلفوا في التفضيل في الإمامة فعند المازني يقال: "هذا أومّ من هذا بالواو؛ لأن الأصل أأمّ فلم يمكن أن يبدل من الهمزة الثانية ألفاً لاجتماع الساكنين فجعلت واوًا مفتوحة كما قالوا في جمع آدم: أوادم، وآخر: أواخر (٢٩) وعند الأخفش يقال: أيمّ (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ ، قال الفراء: "أي لا عهود لهم" (٣٤) (٣٥) قال الزجاج: "من قرأ: ﴿ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ فقد وصفهم بالنكث في العهود وهو أجود القراءتين (٣٦) (٣٧) والذي يقوي الفتح قوله: ﴿ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ  ﴾ ولأنه إذا قال: ﴿ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ﴾ عُلم أنه لا إيمان لهم، فالفتح في قوله: ﴿ لَا أَيْمَانَ ﴾ أولى؛ لأنه لا يكون تكريرًا إذ لم يقع عليه دلالة من الكلام الذي تقدمه كما وقع على الكسر.

ومعنى ﴿ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ أي لا أيمان لهم صادقة؛ لأنه قد أثبت لهم الأيمان في قوله: ﴿ وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ ﴾ \[وفي قوله: ﴿ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ ﴾ \] (٣٨) (٣٩) أي ليس لها (٤٠) ومن قرأ بالكسر فقال الفراء: "يريد: أنهم كفرة لا إسلام لهم" قال: "وقد يكون المعنى: لا تُؤمنوهم، فيكون مصدر قولك: آمنته إيماناً" (٤١) وذكر أبو إسحاق أيضًا الوجهين (٤٢) وشرح أبو علي هذا فقال: "الإيمان ههنا يراد به الذي هو ضد التخويف، أي: ليس لأئمة الكفر من المشركين إيمان كما يكون لذوي الذمة من أهل الكتاب؛ لأن المشركين لا يقرون على دينهم، فلا يكون على هذا: الإيمان الذي هو خلاف الكفر، فيكون تكريرًا لدلالة ما تقدم من قوله: ﴿ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ﴾ على أن أهل الكفر لا إيمان لهم" (٤٣) وقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ﴾ ، قال ابن عباس: "يريد: كي ينتهوا عن الشرك بالله" (٤٤) وقال الزجاج: "أي ليرجى منهم الانتهاء" (٤٥) (١) في (م): (انبرامه).

(٢) في (ى): (اختلفت)، وما أثبته موافق لما في "تهذيب اللغة" (نكث) 4/ 3658، وفي "مجمل اللغة" (نكث) 4/ 884: النكث: أن تنقض أخلاق الأكسية، وتغزل ثانية.

(٣) في (م): (ونكث).

(٤) الميش: خلط الشعر بالصوف، انظر: "تهذيب اللغة" (ماش) 4/ 3326، و"القاموس المحيط"، فصل الميم، باب الشين ص 606.

(٥) في (ى): (وقال).

(٦) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 87 - 89، والبغوي 4/ 17، و"زاد المسير" 3/ 404.

(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ي) والغمص: الاحتقار والاستصغار.

انظر: "لسان العرب" (غمص) (7/ 61.

(٨) في (م): (السيء الذي).

(٩) بضم العين.

قال الكسائي: لم أسمع أحدًا من العرب يقول: يطعَن بالرمح ولا في الحسب، وإنما سمعت "يطعُنُ".

وقال الفراء: سمعت أنا "يطعَن" بالرمح.

انظر: "تهذيب اللغة" (طعن) 3/ 2195.

(١٠) "تهذيب اللغة" (طعن) 3/ 2195، ونحوه في كتاب "العين" (طعن) 2/ 15، وقد رد الخليل هذا القول، وقال: كلاهما مضموم.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 434.

(١٢) يعني أئمة الشافعية انظر: "روضة الطالبين" 10/ 337.

(١٣) انظر أقوال المفسرين سوى ابن عباس في: "تفسير ابن جرير" 10/ 88، وابن أبي حاتم 6/ 1761، وروياه عن ابن عباس بلفظ مغاير، قال: يعني أهل العهد من المشركين، وأثر ابن عباس الذي ذكره المصنف ذكره أيضًا في "أسباب النزول" ص 246، ورواه أبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 388، والبغوي 4/ 17، قال القرطبي 8/ 84: هذا بعيد؛ فإن الآية في سورة "براءة" حين نزلت وقرئت على الناس كان الله قد استأصل شأفة قريش فلم يبق إلا مسلم أو مسالم".

قلت: ومما يؤيد قول القرطبي -رحمه الله- ما رواه ابن جرير 10/ 88، وابن أبي حاتم 6/ 1761 عن حذيفة قال: ما قوتل أهل هذه الآية بعد، وأصله في صحيح البخاري (4658)، كتاب التفسير: ﴿ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ..

﴾ .

ولا يقال إن هذه الآية نزلت قبل فتح مكة ثم ضمت إلى سورة "براءة" لثبوت بعث علي -  - بصدر سورة "براءة" وقت نزولها، وثبوت أن المبعوث معه كان أربعين آية.

انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 65، وقد صحح المحقق السند كما في المصدر نفسه 5/ 170.

(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 434.

(١٥) ساقط من (ى).

(١٦) ساقط من (ح).

(١٧) من الآية: 124 من سورة البقرة.

وانظر "النسخة الأزهرية" 1/ 85 أ، وقد قال هناك: "الإمام: كل من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين، والنبي إمام أمته، والخليفة إمام رعيته، والقرآن إمام المسلمين ...

إلخ".

(١٨) قرأ ابن عامر والكوفيون (أئمة) بتحقيق الهمزتين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع على المشهور عنه (أيمة) بهمزة بعدها ياء.

انظر: كتاب "السبعة" ص 312، و"إرشاد المبتدئ" ص 350، و"التبصرة في القراءات" 214.

(١٩) ساقط من (ى).

(٢٠) في (ى): (أممة)، وما أثبته موافق لما في "معاني القرآن واعرابه" و"تهذيب اللغة" (أم) 1/ 206.

(٢١) في (ى): (لحركتها)، وما في (ح) موافق لما في "معاني القرآن وإعرابه" و"تهذيب اللغة" (أم) 1/ 206.

(٢٢) اهـ.

كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 435.

(٢٣) نسبه للنحويين أيضًا الزجاج في "معاني القرآن" 2/ 434، وانظر: "كتاب سيبويه" 3/ 443، و"المقتضب" 1/ 159، و"تهذيب اللغة" (أم) 1/ 206، و"الخصائص" لابن جني 3/ 143، و"أوضح المسالك" 3/ 324 - 326.

(٢٤) في (ح): (فينبغي له)، والزيادة غير موجودة في "معاني القرآن وإعرابه" ولا في "تهذيب اللغة" (أم).

(٢٥) في (م): (مذاهب).

(٢٦) يعني البصريين، انظر: "كتاب سيبويه" 3/ 551، وكتاب "التكملة" ص 219.

(٢٧) في "معاني القرآن وإعرابه": ابن إسحاق، وفي "تهذيب اللغة" (أم)، و"لسان العرب" (أمم): أبي إسحاق، وما ذكره الواحدي موافق لما في "الحجة للقراء السبعة" 1/ 274.

والصواب ما ذكره الواحدي؛ إذ هو عبد الله بن أبي إسحاق زيد بن الحارث الحضرمي مولاهم البصري النحوي المقرئ، من قدماء النحويين، وهو أول من مد القياس في النحو، وشرح العلل، وتوسع في ذلك، توفي سنة 117هـ، وقيل 129 هـ.

انظر: "طبقات النحويين واللغويين" ص31، و"غاية النهاية" 1/ 410.

وانظر: مذهب ابن أبي إسحاق في اجتماع الهمزتين في "كتاب سيبويه" 3/ 443، و"المقتضب" 1/ 159، و"إعراب القرآن للنحاس" 2/ 7، و"الحجة" 1/ 274.

(٢٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 434 - 435 بتصرف.

(٢٩) انظر رأي المازني في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 435، و"لسان العرب" (أمم) 1/ 133، هكذا نقل عن المازني وفي "المنصف شرح التصريف" 2/ 318: قال أبو عثمان -يعني المازني-: "والقياس عندي أن أقول في "هذا أفعل من هذا" من "أممت" وأخواتها: هذا أيم من هذا".

(٣٠) انظر: "معاني القرآن" له 1/ 355، و"معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 435، وفي "المنصف شرح التصريف" 2/ 315، سألت أبا الحسن -يعني الأخفش- عن.

"هذا أفعل من هذا من أممت، أي قصدت" فقال: أقول: "هذا أوم من هذا".

(٣١) في (ح): (تحرك).

(٣٢) في (ي): (أبدلت).

(٣٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 435.

(٣٤) "معاني القرآن" 1/ 425.

(٣٥) قرأ ابن عامر بكسر الهمزة من كلمة "إيمان" وقرأ الباقون بفتحها.

انظر: "كتاب السبعة" ص312، و"الغاية في القراءات العشر" ص164، و"التبصرة في القراءات" ص 214، و"تقريب النشر" ص 120.

(٣٦) كلا القراءتين سبعيتان متواترتان عن رسول الله -  - وقد خفي ذلك على الإمام ابن جرير -رحمه الله- فرد قراءة ابن عامر، وزعم أن القراءة بها لا تجوز.

انظر: "تفسيره" 10/ 89، وانظر الرد عليه في كتاب: "القراءات المتواترة التي أنكرها ابن جرير" ص 452.

(٣٧) اهـ.

كلام الزجاج.

انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 435.

(٣٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).

(٣٩) لم أهتد إلى القائل، والبيت بلا نسبة في "تفسير الثعلبي" 6/ 83 أ، و"الجامع== لأحكام القرآن" للقرطبي 8/ 81، و"الدر المصون" 6/ 26، والنأي: البعد كما في الصحاح (نأي) 6/ 2499.

(٤٠) ساقط من (ح).

(٤١) "معاني القرآن" 1/ 425، وفي "لسان العرب" (أمن) 1/ 141: "يقال: آمن فلانٌ العدو إيمانًا، فأمن يأمن والعدو مؤمن".

(٤٢) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 435، 436.

(٤٣) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 178 باختصار وتصرف.

(٤٤) ذكر الأثر المصنف في "الوسيط" 2/ 481.

(٤٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 436.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ ﴾ لفظ استفهام، ومعناه استنكار واستبعاد ﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم عِندَ المسجد الحرام ﴾ قيل: المراد قريش، وقيل: قبائل بني بكر ﴿ فَمَا استقاموا ﴾ ما ظرفية ﴿ كَيْفَ ﴾ تأكيد للأولى، وحذف الفعل بعدها للعلم به تقديره: كيف يكون لهم عهد؟

﴿ لاَ يَرْقُبُواْ ﴾ أي لا يراعوا ﴿ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ الإل القرابة، وقيل: الحلف، والذمة العهد ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ فاسقون ﴾ استثنى من قضي له بالإيمان ﴿ أَئِمَّةَ الكفر ﴾ أي رؤساء أهله قيل: إنهم أبو جهل لعنه الله، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، وحكى ذلك الطبري وهو ضعيف لأن أكثر هؤلاء كان قد مات قبل نزول هذه السورة، والأحسن أنها على العموم ﴿ لاَ أيمان لَهُمْ ﴾ أي لا إيمان لهم يوفون بها، وقرئ لا إيمان بكسر الهمزة ﴿ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ﴾ يتعلق بقاتلوا ﴿ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرسول ﴾ قيل: يعني إخراجه من المدينة حين قاتلوه بالخندق وأحد، وقيل: يعني إخراجه من مكة إذا تشاوروا فيه بدار الندوة ثم خرج هو بنفسه ﴿ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ يعني: إذايَتَهم للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بمكة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ورسوله ﴾ بالنصب: روح وزيد.

الباقون: بالرفع.

﴿ أئمة ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام يدخل بينهما مدة الباقون ﴿ أيمة ﴾ بهمز ثم ياء.

﴿ لا إيمان ﴾ بكسر الهمزة: ابن عامر.

الباقون: بالفتح جمع يمين ﴿ يعملون ﴾ بياء الغيبة: عباس.

الوقوف: ﴿ من المشركين ﴾ ط ﴿ معجزي الله ﴾ لا للعطف ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من المشركين ﴾ لا للعطف ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ لكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع الواو ﴿ معجزي الله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه للاستثناء ﴿ مدتهم ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ مرصد ﴾ ج ﴿ سبيلهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ مأمنه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ المسجد الحرام ﴾ ج لأن "ما" للجزاء مع اتصالها بالفاء ﴿ فاستقيموا لهم ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ ولا ذمة ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ج ﴿ فاسقون ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً.

﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ولا ذمة ﴾ ط ﴿ المتعدون ﴾ ه ﴿ في الدين ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ أئمة الكفر ﴾ لا لتعلق "لعلهم" بقوله ﴿ فقاتلوا ﴾ وما بينها اعتراض ﴿ ينتهون ﴾ ه ﴿ أوّل مرّة ﴾ ط ﴿ أتخشونهم ﴾ جل لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿ مؤمنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ وليجة ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: قد عد في الكشاف من أسماء هذه السورة "براءة" وذلك واضح، و "التوبة" لأن فيها ذكر التوبة على المؤمنين و "المقشقشة" لأنها تقشقش من النفاق أي تبرىء منه و "المبعثرة" و "المثيرة" و "الحافرة" و "الفاضحة" و "المنكلة" و "المشردة" و "المخزية" و "المدمدمة" لأنها تبعثر عن أسرار المنافقين تبحث عنها وتثيرها وتحفر عنها وتفضحهم وتنكلهم وتشرد بهم وتخزيهم وتدمدم عليهم.

وعن حذيفة: إنكم تسمونها سورة التوبة وإنما هي سورة العذاب، والله ما تركت أحداً إلا نالت منه.

وعن ابن عباس: ما زالت تقول ﴿ ومنهم ﴾ حتى حسبنا أن لا تدع أحداً.

وللعلماء خلاف في سبب إسقاط التسمية من أولها.

فعن ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان في ذلك فقال: كان النبي  كلما نلزت عليه سورة يقول: ضعوها في موضع كذا، وكانت براءة آخر القرآن نزولاً وتوفي رسول الله  ولم يبين موضعها، وكانت قصتها شبيهة بقصة الأنفال فقرنت بينهما وكأنه أراد بالمشابهة.

ما روي عن أبيّ بن كعب في الأنفال ذكر العهود، وفي براءة نبذ العهود، فوضعت إحداهما بجنب الأخرى.

واستبعد جمع من العلماء هذا القول لأنا لو جوّزنا في بعض السور أن لا يكون ترتيبها من الله على سبيل الوحي لجوزنا مثله في سائر السور وفي آيات السورة الواحدة وذلك يفضي إلى تجويز الزيادة والنقصان في القرآن على ما يقول به الإمامية.

وقال بعض العلماء: إن الصحابة اختلفوا في أن "الأنفال" مع "التوبة" سورتان أم سورة واحدة لأنهما مائتان وست آيات فهما بمنزلة إحدى الطوال، وكلتاهما وردت في القتال والمغازي، فلمكان هذا الاختلاف فرجوا بينهما فرجة تنبيهاً على قول من يقول إنهما سورتان، ولم تكتب البسملة تنبهاً على قول من يرى أنهما واحدة فعملوا عملاً يدل على أن هذا الاشتباه حاصل.

وفيه أنهما لما لم يسامحوا بهذا القدر من الشبهة دل على أنهم كانوا متشددين في ضبط الدين وحفظ القرآن من التغيير والتحريف وذلك يبطل قول الإمامية، وفيه دليل على أن البسملة آية من كل سورة والإجازات كتابتها ههنا بل عند كل مقطع كلام.

وعن ابن عباس: سألت علي بن أبي طالب  عن ذلك فقال: لأن ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ أما وأن هذه السورة نزلت بالسيف ونبذ العهود.

وذكر سفيان بن عيينة هذا المعنى وأكده بقوله  ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً  ﴾ فقيل له: أليس أن النبي  كتب إلى أهل الحرب "بسم الله الرحمن الرحيم"؟.

فأجاب بأن ذلك ابتداء منه يدعوهم إلى الله ولم ينبذ إليهم عهدهم ولهذا قال في آخر الكتاب ﴿ والسلام على من اتبع الهدى  ﴾ ومما يؤكد شبهة من زعم أنهما سورة واحدة هو أن ختم الأنفال وقع بإيجاب أن يوالي المؤمنون بعضهم بعضاً وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكلية، وقوله ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ و "من" لابتداء الغاية متعلق بمحذوف لا بالبراءة لفساد المعنى.

والمعنى هذه براءة واصلة من الله ورسوله ﴿ إلى الذين عاهدتم ﴾ كما تقول: كتاب من فلان إلى فلان.

ويجوز أن يكون ﴿ براءة ﴾ مبتدأ لتخصصها بصفتها هي الجار والمجرور كما قلنا والخبر محذوف كما ذكرنا نظيره قولك: رجل من بني تميم في الدار.

كان قد أذن الله في معاهدة المشركين فاتفق المسلمون مع رسول الله وعاهدوهم فلما نقضوا العهد أوجب الله النبذ إليهم وكأنه قيل للمسلمين: اعلموا ان الله ورسوله قد برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين.

روي أنهم كانوا عاهدوا المشركين من غير أهل مكة وغيرهم من العرب فنكثوا إلا ناساً منهم وهم بنو ضمرة وبنو كنانة، فنبذ العهد إلى الناكثين وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين ساروا.

والأشهر هي الحرم لقوله ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ والسياحة الضرب في الأرض والاتساع في السير والبعد عن المدن وموضع العمارة مع الإقلال من الطعام والشراب منه يقال للصائم سائح لتركه المطعم والمشرب.

والمعنى في هذا الأمر إباحة الذهاب مع الأمان وإزالة الخوف.

روي أن فتح مكة كان سنة ثمان من الهجرة وكان رسول الله  قد ولّى عتاب بن أسيد الوقوف بالناس في الموسم، فاجتمع في تلك السنة في المواقف ومعالم الحج المسلمون والمشركون ونزلت هذه السورة سنة تسع، وكان أمر فيها أبا بكر على الموسم فلما نزلت السورة أتبعه علياً راكب العضباء ليقرأها على أهل الموسم فقيل له: لو بعثت بها إلى أبي بكر؟

فقال: لا يؤدي عني إلا رجل مني، فلما دنا علي سمع أبو بكر الرغاء فوقف وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله  .

فلما لحقه قال: أمير أو مأمور؟

قال: مأمور.

وروي أن أبا بكر لما كان ببعض الطريق هبط جبريل  وقال: يا محمد لا يبلغن رسالتك إلا رجل منك فأرسل علياً فرجع أبو بكر إلى رسول الله  : يا رسول الله أشيء نزل من السماء؟

قال: نعم.

فسر وأنت على الموسم وعلي ينادي بالآي.

فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر وحدّثهم عن مناسكهم وقام علي يوم النحر عند جمرة العقبة فقال: يا أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم.

فقال: بماذا؟

فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية.

وعن مجاهد ثلاث عشرة.

ثم قال: أمرت بأربع: أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده.

فقالوا عند ذلك: يا علي أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهرونا، وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب السيوف.

استدلت الإمامية بهذا القصة على تفضيل علي كرم الله وجهه وعلى تقديمه.

وأجاب أهل السنة بأنه أمر أبا بكر على الموسم وبعث علياً خلفه لتبليغ هذه الرسالة حتى يصلي علي خلف أبي بكر ويكون ذلك جارياً مجرى التنبيه على إمامة أبي بكر.

وأما قوله: "لا يبلغ عني إلا رجل مني" فذلك لأن المتعارف بين العرب أنه إذا عقد السيد الكبير منهم لقوم حلفاً أو عاهد عهداً لم يحل ذلك العهد إلا هو أو رجل من ذوي قرابته كأخ أو عم.

فلو تولاه أبو بكر لجاز أن يقولوا هذا خلاف ما يعرف فينافي نقص العهد فأزيلت علتهم بتولية ذلك علياً.

وقيل: لما أحضر أبا بكر لتولية أمر الموسك أحضر علياً لهذا التبليغ تطبيباً للقلوب ورعاية للجوانب.

ولنرجع إلى التفسير.

قال ابن الأنباري: في الكلام إضمار التقدير: فقل لهم سيحوا.

ويكون ذلك رجوعاً من الغيبة إلى الحضور كقوله ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً إن هذا كان لكم جزاء  ﴾ واختلفوا في الأشهر الأربعة.

فعن الزهري أن براءة نزلت في شوال والمراد شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم.

وقيل: هي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشر من ربيع الآخر.

وكانت حرماً لأنهم أومنوا فيها وحرم قتلهم وقتالهم، أو سميت حرماً على التغليب لأن ذا الحجة والمحرم منها.

وقيل: ابتداء المدّة من عشر ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت للنسيء الذي كان فيهم، ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة.

قال المفسرون: هذا تأجيل من الله للمشركين ومن كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر حطت إلى أربعة ومن كانت مدته أقل رفعت إليها.

والمقصود من هذا التأجيل أن يتفكروا في أنفسهم ويحتاطوا في الأمر ويعلموا أنه ليس لهم بعد هذه المدة إلا أحد أمور ثلاثة: الإسلام أو قبول الجزية أو السيف.

فيصير ذلك حاملاً لهم على قبول الإسلام ظاهراً وإلى هذا المعنى أشار بقوله ﴿ واعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ أي اعلموا أن هذا الإمهال ليس لعجز ولكن لمصلحة ولطف ليتوب من تاب، وفيه ضرب من التهديد كأنه قيل: افعلوا في هذه المدة كل ما أمكنكم من إعداد اللآلات والأدوات فإنكم لا تفوتون الله وهو مخزيكم أي مذلكم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالعذاب.

وقوله ﴿ مخزي الكافرين ﴾ من باب الالتفاف من الحضور إلى الغيبة.

ومن وضع الظاهر موضع المضمر ليكون فيه إشارة إلى أن سبب الإخزاء هو الكفر.

ثم أراد أن يعلم جميع الناس البراءة المذكورة فقال ﴿ وأذان ﴾ وارتفاعه كارتفاع براءة على الوجهين، ثم الجملة معطوفة على مثلها.

وخطىء الزجاج في قوله "إنه معطوف على براءة" لأنه لو عطف عليها لكان هو أيضاً مخبراً عنه بالخبر الأوّل وهو ﴿ إلى الذين عاهدتم ﴾ لكنه غير مقصود بل المقصود الإخبار عنه بقوله ﴿ إلى الناس ﴾ والأذان اسم بمعنى الإيذان الإعلام كالأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء ومنه أذان الصلاة.

أمر الله تعالى بهذا الإعلام ﴿ يوم الحج الأكبر ﴾ وهو الجمع الأعظم الذي حضر فيه المؤمن والمشرك والعاهد الناكث وغير الناكث ليصل الخبر إلى جميع الأطراف ويشتهر، وكان النبي  يريد أن يحج في السنة الآتية فأمر بإظهار هذه البراءة لئلا يحضر الموقف غير.

المؤمنين الموحدين وقيل: يوم الحج الأكبر يوم عرفة لأن فيه أعظم أعمال الحج وهو الوقوف بعرفة ولهذا قال  : "الحج عرفة" وهو قول عمر وسعيد بن المسيب وابن الزبير وعطاء وطاوس ومجاهد وإحدى الروايتين عن علي  وابن عباس ورواية المسوّر بن مخرمة عن رسول الله صلى الله عليه سلم أنه قال: خطب رسول الله  عشية عرفة فقال: "أما بعد فإن هذا يوم الحج الأكبر" .

وقال ابن عباس في رواية عطاء: هو يوم النحر.

ووافقه قول الشعبي والنخعي والسدي والمغيرة بن شعبة وسيعد بن جبير.

وذلك أن معظم أفعال الحج من الطواف والحلق والرمي والنحر يقع فيه.

ومثله ما روي عن علي  أن رجلاً أخذ بلجام دابته فقال: ما يوم الحج الأكبر؟

فقال: يومك هذا خلّ عن دابتي يعني يوم النحر.

وعن ابن عمر أن رسول الله صلى عليه وسلم وقف يوم النحر عند الجمرات في الوداع فقال: هذا يوم الحج الأكبر.

قال ابن جريج عن مجاهد: يوم الحج الأكبر أيام منى كلها وهو قول سفيان الثوري.

وكان يقول: يوم الحج الأكبر أيامه كلها كيوم صفين ويوم الجمل يراد به الحين والزمان، لأن كل حرب من هذه الحروب دامت أياماً كثيرة.

وعلى هذا فقد وصف الحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر.

وقيل: الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد.

عن مجاهد أيضاً: هذا وقد حذفت الباء التي هي صلة الأذان تخفيفاً والتقدير ﴿ أن الله بريء من المشركين ﴾ وقوله ﴿ ورسوله ﴾ بالرفع مبتدأ محذوف الخبر أي ورسوله أيضاً كذلك، أو هو معطوف على المنوي في ﴿ بريء ﴾ أي بريء هو ورسوله.

وجاز العطف من غير تأكيدبالمنفصل للفصل.

وقرىء بالجر على الجوار أو على أن الواو للقسم كقوله  ﴿ لعمرك أنهم لفي سكرتهم يعمهون  ﴾ والفرق بين قوله ﴿ براءة من الله ﴾ وبين قوله ﴿ إن الله بريء ﴾ أن المقصود من الكلام الأول هو الإخبار بثبوت البراءة، والمقصود من هذا الثاني إعلام جميع الناس بما حصل وثبت.

وأيضاً المراد بالأولالبراءة من العهد، وبالثاني البراءة التي هي نقيض المولاة، ولهذا لم يصف المشركين ثانياً بوصف معين كالمعاهدة تنبيهاً على أن الموجب لهذه البراءة وهو كفرهم وشركهم ولهذا أتبعه قوله ﴿ فإن تبتم ﴾ أي عن الشرك ﴿ فهو خير لكم ﴾ وفيه ترغيب في التوبة والإقلاع الموجب لزوال البراءة ﴿ وإن توليتم ﴾ أعرضتم عن التوبة أو بقيتم على التولي والإعراض عن الإيمان والوفاء ﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ فائتين أخذ الله وعقابه.

قال بعض العلماء: قوله  ﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ ليس بتكرار لأن الأول للمكان والثاني للزمان.

﴿ وبشر ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب.

وفيه من التهكم والتهديد ما فيه كيلا يظن أن عذاب الدنيا لو فات وزال خلصوا من العذاب بل العذاب الشديد معدّ لهم يوم القيامة.

أما قوله ﴿ إلا الذين ﴾ قد قال الزجاج: إن الاستثناء يعود إلى قوله ﴿ براءة ﴾ والتقدير: براءة من الله ورسوله إلى المشركين المعاهدين إلا الذين لم ينقضوا العهد.

وقال في الكشاف: وجهه أن يكون مستثنى من قوله ﴿ فسيحوا في الأرض ﴾ لأن الكلام خطاب للمسلمين والتقدير: فقولوا لهم سيحوا إلا الذين عاهدتم ثم لم ينقضوا فأتموا إليهم عهدهم.

وقيل: استثناء من قوله ﴿ إلى الذين عاهدتم ﴾ ومعنى ﴿ لم ينقصوكم شيئاً ﴾ لم يقتلوا منكم أحداً ولم يضروكم قط.

ومعنى ﴿ لم يظاهروا ﴾ لم يعاونوا أي لم يقدموا على المحاربة بأنفسهم ولم يهيجوا أقواماً آخرين.

وقرىء ﴿ ينقضوكم ﴾ بالضاد المعجمة أي لم ينقضوا عهدكم.

ومعنى ﴿ فأتموا إليهم ﴾ أدوه إليهم تاماً كاملاً.

قال ابن عباس: بقي لحي من كنانة من عهدهم تسعة أشهر فأتم إليهم عهدهم.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن الله يحب المتقين ﴾ يعني أن قضية التقوى أن لا يسوى بين القبيلين ولا يجعل الوفي كالغادر، ومن جملة الغادرين بنو بكر عدواً على خزاعة عيبة رسول الله  وظاهرتهم قريش بالسلاح حتى وفد عمرو بن سالم الخزاعي على رسول الله  فأنشد: لا هم إني ناشد محمدا *** حلف أبينا وأبيك الأتلدا إن قريشاً أخلفوك الموعدا *** ونقضوا ذمامك المؤكدا هم بيتونا بالحطيم هجدا *** وقتلونا ركعاً وسجدا فقال  : " لا نصرت إن لم أنصركم" ومعنى ناشد محمداً أذكر له الحلف والعهد لأنه كان بين أبيه عبد المطلب وبين خزاعة حلف قديم.

والأتلد الأقدم.

ثم بين حكم انقضاء أجل الناكثين فقال ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ أي التي أبيح فيها للناكثين أن يسيحوا.

وانسلاخ الشهر تكامله جزءاً فجزءاً إلى أن ينقضي كانسلاخ الجلد عما يحويه، شبه خروج المتزمن عن زمانه بانفصال المتمكن عن مكانه فكلاهما ظرف ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ يعني الناقضين ﴿ حيث وجدتموهم ﴾ من حل أو حرم وفي أي وقت كان.

﴿ وخذوهم ﴾ وأسروهم والأخيذ الأسير ﴿ واحصروهم ﴾ امنعوهم من التصرف في البلاد وقيدوهم.

وقال ابن عباس: حصرهم أن يحال بينهم وبين المسجد الحرام.

﴿ واقعدوا لهم في كل مرصد ﴾ أي في كل ممر ومجاز ترقبوهم هناك.

وانتصابه على الظرف كما مر في قوله ﴿ لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم  ﴾ ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ إن حصلوا على شروطها ﴿ فخلوا سبيلهم ﴾ المراد من التخلية الكف عنهم وإطلاقهم من الأسر والحصر عن البيت الحرام، أو عن التصرف في مهماتهم ﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ يغفر لهم ما سلف لهم من الكفر والغدر.

قال الشافعي: إنه  أباح دماء الكفار بجميع الطرق والأحوال ثم حرمها عند التوبة عن الكفر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فما لم يوجد أحد هذه الأمور لم يوجد هذا المجموع، فوجب أن تبقى إباحة الدم على الأصل.

فتارك الصلاة يقتل، ولعل أبا بكر استدل بمثل ذلك على جواز قتال مانعي الزكاة.

وحمل أكثر الأئمة الإقامة والإيتاء ههنا على اعتقاد وجوبهما والإقرار بذلك وإن كان له وجه عدول عن الظاهر.

وعن الحسن أن أسيراً نادى بحيث يسمع النبي  أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد ثلاثاً.

فقال  : "عرف الحق لأهله فأرسلوه" .

قال بعض العلماء: ذكر التوبة ههنا عبارة عن تطهير القوة النظرية عن الجهل، وذكر الصلاة والزكاة عبارة عن تطهير القوة العملية عما لا ينبغي، ولا ريب أن كمال السعادة منوط بهذا المعنى جعلنا الله من أهلها.

لما أوجب الله  بعد انسلاخ الأشهر الحرم قتل المشركين دل ذلك على أن حجة الله  قد قامت عليهم وأن ما ذكره الرسول قبل ذلك من أنواع الدلائل والبينات كفي في إزاحة علتهم فينتج ذلك أن أحداً من المشركين لو طلب الدليل والحجة يلتفت إليه بل يطالب إما بالإسلام أو بالجزية أو بالقتل، فأزال الله  بكمال رأفته هذه الشبهة فقال ﴿ وإن أحد من المشركين استجارك ﴾ الآية.

قال علماء العربية: ارتفع ﴿ أحد ﴾ بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره: وإن استجارك أحد استجارك.

كرهوا الجمع بين المفسر والمفسر فحذفوا المفسر.

والغرض بناء الكلام على الإبهام ثم التفسير من حيث إنّ "إن" من مظان وقوع الفعل بعده.

وأيضاً ذكر الفاعل ههنا أهم لما بينا أن ظاهر الدليل يقتضي إباحة دم المشرك فقدم ليدل على مزيد العناية بصون دمه عن الإهدار.

يقال: استجرت فلاناً أي طلب منه أن يكون جاراً لي أي محامياً وحافظاً من أن يظلمني ظالم، ومنه يقال: أجاره الله من العذاب أي أنقذه.

والمعنى وإن جاءك أحد من المشركين بعد انسلاخ الأشهر لا عهد بينك وبينه.

فاستأمنك ليسمع ما تدعو إليه من التوحيد والقرآن فأمنه ﴿ حتى يسمع كلام الله ﴾ سماع تدبر وتأمل ﴿ ثم أبلغه ﴾ داره التي يأمن فيها إن لم يسلم ثم قاتله إن شئت فيها، وفيه أن المقصود من شرع القتل قبول الدين والإقرار بالتوحيد وأن النظر في دين الله من أعلى المقامات فإن الكافر الذي دمه مهدر لما أظهر من نفسه كونه طالباً للنظر والاستدلال زال ذلك الإهدار ووجب على الرسول أن يبلغه مأمنه، أما زمان مهلة النظر فليس في الآية ما يدل على ذلك ولعله مفوّض إلى اجتهاد الإمام، فمتى ظهر على ذلك المشرك علامات كونه طالباً للحق باحثاً عن وجه الاستدلال أمهل وترك، ومتى ظهر عليه كونه معرضاً عن الحق دافعاً للزمان بالأكاذيب لم يلتفت إليه وأبلغ المؤمن.

ويشبه أن يقال: المدة أربعة أشهر وهو الصحيح من مذهب الشافعي.

والمذكور في الآية كونه طالباً لسماع القرآن إلا أنه ألحق به كونه طالباً لسماع الدلائل والجواب الشبهات لأنه  علل وجوب الإجارة بكونه غير عالم حيث قال في آخر الآية ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ﴾ فكل من حصلت فيه هذه العلة وجبت إجارته.

وفي سماع كلام الله وجوه: قيل أراد جميع القرآن لأن تمام الدلائل والبينات فيه.

وقيل: سماع سورة براءة لأنها مشتملة على كيفية المعاملة مع المشركين والأولى حمله على كل الدلائل، وإنما خص القرآن بالذكر لأنه الكتاب الحاوي لمعظم الدلائل.

واعلم أن الأمان قد يكون عاماً يتعلق بأهل إقليم أو بلدة أو ناحية وهو عقد المهادنة ويختص بالإمام وقد مر في تفسير قوله  ﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ﴾ وقد يكون خاصاً يتعلق بأفراد الكفار وهذا يصح من الولاة ومن آحاد المسلمين أيضاً وهذا مقصود الآية وإنه ثابت غير منسوخ.

روي عن سعيد بن جبير أن رجلاً من المشركين جاء إلى علي  فقال: أراد الرجل منا أن يأتي محمداً بعد انقضاء هذا الأجل يسمع كلام الله أو يأتيه لحاجة قتل؟

قال: "لا".

واستدل بالآية.

وعن السدي والضحاك هو منسوخ بقوله ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ وشرط الأمان الإسلام والتكليف فيصح من العبد والمرأة والفاسق.

روي أنه  قال: "يسعى بذمتهم أدناهم" وعن أم هانىء قالت: أجرت رجلين من أحمائي فقال  : "أمنا من أمنت" .

ويعتبر أن الإسلام والتكليف الاختيار فلا يصح أمان المكره على عقد الأمان، وينعقد الأمان بكل لفظ مفيد للغرض صريحاً كقوله: أجرتك أو لا تخف، وكناية كقوله: أنت على ما تحب أو كن كيف شئت، ومثله الكتابة والرسالة والإشارة المفهمة.

روي عن عمر أنه قال: والذي نفسي بيده لو أن أحدكم أشار بأصبعه إلى مشرك فنزل على ذلك ثم قتله لقتلته.

هذا إذا دخل الكافر بلا سبب أما إذا دخل لسفارة فلا يتعرض له، وكذا إذا دخل لسماع الدلائل وقصد التجارة لا يفيد الأمان إلا إذا رأى الإمام مصلحة في دخول التجار.

وحكم الأمان إذا انعقد عصمة المؤمن من القتل والسبي فإن قتله قاتل ضمن بما يضمن له الذمي، ولا يتعدى الأمان إلى ما خلفه في دار الحرب من أهل ومال، وأما الذي معه منهما فإن وقع التعرض لأمانه اتبع الشرط وإلا فالأرجح أن لا يتعدى الأمان إلى ذلك.

وقد بقي في الآية مسألة أصولية هي أن المعتزلة استدلوا بالآية على أن كلام الله  هو هذه الحروف المسموعة ويتبع ذلك أن يكون كلامه محدثاً لأن دخول هذه الحروف في الوجود على التعاقب.

وأجيب بأن هذه المسموعة فعل الإنسان وليست هي التي خلقها الله  أوّلاً عندكم فعلمنا أن هذا المسموع ليس كلام الله بالاتفاق فيجب ارتكاب التجوز ألبتة، ونحن نحمله على أنها هي الدالة على الكلام النفسي فلهذا أطلق عليها أنها كلام الله كما أن الجبائي قال: إن كلام الله شيء مغاير لهذه الحروف والأصوات وهو باقٍ مع قراءة كل قارىء.

وزعم بعض الناس حين رأوا أنه  جعل كلامه مسموعاً أن هذه الحروف والأصوات قديمة ليلزم قدم كلامه  وفيه ما فيه، ثم أكد المعاني المذكورة من أول السورة إلى ههنا فقال على سبيل الاستنكار والاستبعاد ﴿ كيف يكون للمشركين عهد ﴾ المرفوع اسم كان وفي خبره ثلاثة أوجه: الأول ﴿ كيف ﴾ وقدم للاستفهام، الثاني ﴿ للمشركين ﴾ وعند على هذين ظرف للعهد أو ليكون أو للجار أو هو وصف للعهد.

الثالث الخبر ﴿ عند الله ﴾ و ﴿ للمشركين ﴾ تبيين أو متعلق بـ ﴿ يكون ﴾ و ﴿ كيف ﴾ حال من العهد يعني محال أن يثبت لهؤلاء عهد وهم أضداد لكم يضمرون الغدر في كل عهد، فلا تطعموا في الوفاء منهم ولا تتوانوا في قتلهم.

ثم استثنى منهم المعاهدين عند المسجد الحرام الذين لم يظهر منهم نكث كبني كنانة وبني ضمرة ثم بيّن حكمهم فقال ﴿ فما استقاموا لكم ﴾ في "ما" وجهان: أحدهما أن تكون زمانية وهي المصدرية على التحقيق أي استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم.

الثاني شرطية أي إن استقاموا لكم على العهد فاستقيموا لهم على مثله.

﴿ إن الله يحب المتقين ﴾ فيه إشارة إلى أن الوفاء بالعهد والاستقامة عليه من أعمال المتقين.

ثم كرر الاستبعاد فقال ﴿ كيف ﴾ وحذف الفعل لكونه معلوماً أي كيف يكون لهم عهد ﴿ و ﴾ حالهم أنهم ﴿ إن يظهروا عليكم ﴾ أي يغلبوكم، ويظفروا بكم وذلك أن الغلبة من الكمال عند الشخص وكل من تصور في نفسه كمالاً فإنه يريد أن يظهر ذلك لغيره فأطلق الظهور على الغلبة لكونه من لوازمها ﴿ لا يرقبوا ﴾ لا يراعوا ﴿ فيكم ﴾ ولا ينتظروا بكم ﴿ إلا ولا ذمة ﴾ قال في الصحاح: الأل العهد والقرابة.

ووجه ذلك في الكشاف بأن اشتقاقه من الأل هو الجؤار والأنين لأنهم إذا تحالفوا رفعوا به أصواتهم، وسميت به القرابة لأنها تعقد بين الرجلين ما لا يعقده الميثاق.

وفي الصحاح أيضاً أن الأل بالكسر من أسماء الله عزّ وجلّ.

وفي الكشاف أنه قرىء "إيلا" بمعناه.

وقيل: جبرئيل وجبرئلّ من ذلك.

وقيل: منه اشتق الأل بمعنى القرابة كما اشتقت الرحم من الرحمن.

قال الزجاج: الأل عندي على ما توجبه اللغة يدور على معنى الحدّة من ذلك الألة الحربة، وأذن مؤللة محدّدة.

ومعنى العهد والقرابة غير خارج من ذلك، والذمة العهد وجمعها ذمم وذمام وهو كل أمر لزمك وكان بحيث لو ضيعته لزمك مذمة.

وقال أبو عبيدة: الذمة ما يتذمم منه أي ما يجتنب فيه الذم.

قال في الكشاف ﴿ يرضونكم ﴾ كلام مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن مقرر لاستبعاد الثبات منهم على العهد وإباء القلوب مخالفة ما فيها من الأضغان لما يجرونه على ألسنتهم من الكلام الجميل.

ثم قال  ﴿ وأكثرهم فاسقون ﴾ عن ابن عباس: لا يبعد أن يكون بعض هؤلاء الكفار قد أسلم وتاب فلهذا لم يحكم بالفسق على الكل.

والظاهر أنه أراد أن أكثرهم فساق في دينهم لا يتحرزون عن الكذب ونقض العهد الذي هو مذموم في جميع الأديان والنحل ﴿ اشتروا ﴾ استبدلوا ﴿ بآيات الله ﴾ بالقرآن أو بالإسلام ﴿ ثمناً قليلاً ﴾ هو اتباع الأهواء ﴿ فصدوا عن سبيله ﴾ فصرفوا عنه غيرهم وعدلوا هم أنفسهم.

قال مجاهد أراد الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم.

وقيل: يبعد أن يراد طائفة من اليهود الذين أعانوا المشركين على نقض العهود، فإن هذا اللفظ من القرآن كالأمر المختص باليهود ولأنه وصفهم بقوله ﴿ لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ﴾ ولو أراد المشركين كان تكراراً ﴿ وأولئك هم المعتدون ﴾ المتجاوزون حدود الله في دنيه وما يوجبه العهد والعقد.

ثم قال ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ فإن كان هذا في اليهود وما ذكره قبل في الكفار فلا تكرار، وإن كان كلاهما في الكفار فجزاء الأول تخلية سبيلهم وجزاء الثاني قوله ﴿ فإخوانكم ﴾ أي فهم إخوانكم ﴿ في الدين ﴾ فلم يكن من التكرار في شيء.

قال ابن عباس: حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة: ﴿ ونفصل الآيات ﴾ نبينها ﴿ لقوم يعلمون ﴾ لأنهم هم المنتفعون بالبيان.

وهذه جملة معترضة تفيد الحث على التأمل في أحكام المشركين وعلى المحافظة على مواردها ﴿ وإن نكثوا ﴾ يعني هؤلاء التائبين ﴿ أيمانهم من بعد عهدهم ﴾ أي من بعد إسلامهم حتى يكونوا مرتدين، أو المراد نكث المشركين عهودهم ومواثيقهم.

والنكث نقض طاقات الخيط من بعد برامه.

﴿ وطعنوا في دينكم ﴾ ثلبوه وعابوه ﴿ فقاتلوا أئمة الكفر ﴾ هي جمع إمام وأصلها "أأممة" كمثال وأمثلة نقلت حركة الميم إلى الهمزة وأدغمت الميم في الميم، وهو من وضع الظاهر موضع المضمر دلالة على أن من كان بهذه المثابة من الغدر وقلة الوفاء وعدم الحياء فهو عريق في الكفر متقدم فيه لا يشق كافر غباره.

وقيل: خص سادتهم بالذكر لأن من سواهم يتبعهم لا محالة.

ثم أبدى غرض القتال بقوله ﴿ لعلهم ينتهون ﴾ ليعلم أن الباعث على قتالهم هو ردهم إلى طاعة معبودهم رحمة عليهم لا أمر نفساني وداعٍ شهواني ووسط بين الأمر بالقتال وبين الحامل عليه قوله ﴿ إنهم لا أيمان لهم ﴾ تنبيهاً على العلة الفاعلية للقتال، أثبت لهم الأيمان أوّلاً في الظاهر حيث قال ﴿ وإن نكثوا أيمانهم ﴾ ثم نفاها عنهم في الحقيقة لأن إيمانهم ليست مما يعد أيماناً إذ لم يوفوا بها.

وبهذا تمسك أبو حنيفة في أن يمين الكافر لا تكون يميناً، وعند الشافعي يمينهم يمين لأنه  وصفها بالنكث ولو لم تكن منعقدة لم يتصور نكثها.

ومن قرأ ﴿ لا إيمان ﴾ لهم بالكسر أي لا إسلام لهم أو لا يعطون الأمان بعد الردة والنكث فظاهر.

قال العلماء: إذا طعن الذمي في دين الإسلام طعناً ظاهراً جاز قتله لأن العهد معقود معه على أن لا يطعن فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة.

ثم شرع في ذكر سائر الأسباب المحرّضة على القتال فقال ﴿ ألا تقاتلون ﴾ قال أهل المعاني: إذا قلت: ألا تفعل كذا.

فإنما يستعمل ذلك في فعل مقدر وجوده.

وإذا قلت: ألست تفعل تقول فى ذلك في فعل تحقيق وجوده.

والفرق أن "لا" ينفي بها المستقبل فإذا دخلت عليه الألف صار تحضيضاً على فعل ما يستقبل و "ليس" مستعمل في نفي الحال فإذا دخلت عليه الألف صار لتحقيق الحال.

قال ابن إسحق والسدي والكلبي: نزلت في كفار مكة نكثوا أيمانهم بعد عهد الحديبية وأعانوا بني بكر على خزاعة وهموا بإخراج الرسول من مكة حتى هاجر أو من المدينة.

يريد اليهود هموا بإخراجه منها ونكثوا عهده وظاهروا أبا سفيان عليه  يوم الأحزاب.

وقيل: همت قريش يوم الحديبية بأن يدخلوه  مكة ثم يخرجوه قبل أن يتم حجه استخفافاً به  ، وعلى هذا أريد بالهم العزم على الفعل وإن لم يوجد ﴿ وهم بدؤكم أول مرّة ﴾ بالقتال يعني يوم بدر لأنهم حين سلم العير قالوا: لا ننصرف حتى نستأصل محمداً ومن معه.

أو المراد أنهم قاتلوا حلفاءه من خزاعة، أو المراد أن الرسول  جاءهم أولاً بالكتاب المنير وتحداهم به فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى المقاتلة والبادىء أظلم.

والحاصل أن من كان في مثل صفاتهم من نكث العهد وإخراج الرسول والبدء للقتال حقيق بأن لا تترك مقاتلته وأن يوبخ من فرط فيها.

ثم زاد في التوبيخ فقال فيه ﴿ أتخشونهم ﴾ تقريراً للخشية منهم وتقوية لداعية القتال كما إذا قلت للرجل: أتخشى خصمك لأنه يستنكف أن ينسب إلى كونه خائفاً من خصمه.

ثم بيّن ما يجب أن يكون الأمر عليه قائلاً ﴿ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ﴾ يعني أن قضية الإيمان الصحيح أن لا يخشى المؤمن إلا الله، لأن قدرته أتم وعقابه أشدّ بل لا قدرة إلا له ولا يكون إلا ما يريد.

وفي الفاء نوع من تعليل لأن الاستفهام في معنى النهي كأنه قيل: لا تخشوهم لأن الله أحق بالخشية وأحرى بالطاعة، وفيه نوع مجازاة كأنه قيل: إن صح أنكم مؤمنون فلا تخشوا إلا الله.

ثم زاد في تأكيد الأمر بالقتال فقال ﴿ قاتلوهم ﴾ ورتب عليه خمس نتائج: الأولى: قوله ﴿ يعذبهم الله بأيديكم ﴾ أي القتل والأسر واغتنام الأموال، وهذا لا ينافي ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم  ﴾ لأنه أراد هناك عذاب الاستئصال.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن الذي يدخل في الوجود من الأفعال كلها من الله يظهرها على أيدي العباد.

واعترض الجبائي بأنه لو كان كذلك لجاز أن يقال: كذب الله أنبياءه على لسان الكفرة.

وأجيب بأن الأمر كذلك عندنا إلا أنا لا نقوله رعاية للأدب كما لا يقال يا خالق الخنافس والحشرات.

وكما أنكم لا تقولون يا مسهل أسباب الزنا واللواط ويا دافع الموانع عنها.

الثانية: ﴿ ويخزهم ﴾ قيل: هو الأسر وقيل: المراد ما نزل بهم من الذل والهوان حين شاهدوا أنفسهم مقهورين في أيدي المؤمنين وهو قريب من الأول.

أو هو هو.

وقيل: هو عذاب الآخرة.

الثالثة: ﴿ وينصركم عليهم ﴾ أورد عليه أن النصر يستتبعه إخزاء الخصم فأي حاجة إلى إفراده بالذكر؟

والجواب أن المغايرة كافية في إفراد كل من المتلازمين بالذكر على أنه من المحتمل أن يحصل لهم الخزي من جهة المؤمنين إلا أن المؤمنين يحصل لهم آفة لسبب آخر، فلما وعدهم النصر على الإطلاق زال ذلك الاحتمال.

الرابعة: ﴿ ويشف صدور قوم مؤمنين ﴾ هم خزاعة.

وعن ابن عباس: بطون من اليمن وسبأ، قدموا مكة فأسلموا فلقوا من أهلها أذى شديداً فبعثوا إلى رسول الله  يشكون إليه فقال: أبشروا فإن الفرج قريب.

الخامسة: ﴿ ويذهب غيظ قلوبهم ﴾ قيل: شفاء الصدر وإذهاب غيظ القلب كلاهما بمعنى فيكون تكراراً.

والجواب أن القلب أخص من الصدر كقوله: يا دار ميَّة بالعلياء فالسند *** أو شفاء الصدر إشارة إلى الوعد بالفتح، ولا ريب أن الانتظار شاق وإن كان مع الثقة بالموعود فإذهاب غيظ القلب إشارة إلى الفتح وقد حصل الله لهم هذه المواعيد كلها وكان ذلك دليلاً على صدق النبي  وإعجازه.

ثم قال ﴿ ويتوب الله على من يشاء ﴾ وهو ابتداء كلام للإخبار بأن بعض أهل مكة يتوب عن كفره وقد وقع، فقد أسلم ناس منهم وحسن إسلامهم.

وقرىء ﴿ ويتوب ﴾ بالنصب بإضمار "أن" ودخول التوبة في جملة ما أجيب به الأمر من طريق المعنى كقوله ﴿ فأصدق وأكن  ﴾ أما أن التوبة كيف تقع جزاء للمقاتلة فذلك من قبل الكفرة واضح فإن القتال قد يصير سبباً لتوبة بعضهم عن الكفر، وأما من جهة المؤمنين فلعل القتال كان شاقاً على بعضهم فإذا أقدم عليه صار ذلك العمل جارياً مجرى التوبة عن تلك الكراهة.

وأيضاً إن حصول النصر والظفر إنعام عظيم والعبد إذا شاهد توالي النعم لم يبعد أن يصير ذلك داعياً له إلى أن يتوب عن جميع الذنوب وقد تصير كثرة المال والجاه سبباً لتحصيل اللذات بالطريق الحلال فينتهي عن الحرام.

وأيضاً الإنسان حريص على ما منع فإذا انفتحت عليه أبواب الخيرات الدنيوية فربما يصير ذلك سبباً لانقباضه عن الدنيا وإعراضه عنها وهذا هو أحد الوجوه التي ذكروها في تفسير قوله  حكاية عن سليمان ﴿ رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي  ﴾ يعني بعد حصول هذا الملك لا ينبغي للنفس الاشتغال بالدنيا ﴿ والله عليم ﴾ بكل ما يجري في ملكه وملكوته ﴿ حكيم ﴾ مصيب في أفعاله وأقواله وأحكامه وتدابيره.

عن ابن عباس أن قوله ﴿ ألا تقاتلون ﴾ الآية.

ترغيب في فتح مكة لأن النتائج المذكورة مشاكلة لتلك الأحوال.

واستبعده الحسن لأن هذه السورة نزلت بعد فتح مكة بسنة.

ثم بين أنه ليس الغرض من إيجاب القتال نفس القتال وإنما المقصود أن يؤتى به انقياداً لأمر الله ولتكاليفه ليظهر المخلص من المنافق فقال ﴿ أم حسبتم ﴾ الآية.

وقد مرّ وجه إعرابه في آل عمران عند قوله ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا  ﴾ .

وقوله ﴿ ولم يتخذوا ﴾ معطوف على ﴿ جاهدوا ﴾ داخل في حيز الصلة.

والوليجة لبطانة يعني الحبيب الخالص "فعيلة" من ولج كالدخيلة من دخل، أو هو الرجل يكون في القوم وليس منهم.

قال الواحدي: يقال هو وليجتي وهم وليجتي يستوي فيه الواحد والجمع.

ومعنى الآية لا تحسبوا أن تتركوا على ما أنتم عليه ولم يظهر بعد معلوم الله من تميز المجاهدين المنافقين من المجاهدين الخلص الذين جاهدوا لوجه الله ولم يتخذوا حبيباً من الذين يضادون رسول الله والمؤمنين.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ ليعلموا أنه لم يزل عالماً بالأشياء لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء فيجدّوا في استقامة السيرة ويجتهدوا في نقاء السريرة.

التأويل: ﴿ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم ﴾ من النفوس المشركة التي اتخذت الهوى وصنم الدنيا معبوداً فهادنها الروح والقلب في أوان الطفولية لاستكمال القالب وتربيته ﴿ فسيحوا ﴾ في أرض البشرية ﴿ أربعة أشهر ﴾ هي مدة كمال الأوصاف الأربعة: النباتية والحيوانية والشيطانية والإنسانية ﴿ وأذان من الله ورسوله ﴾ إلى الصفات الناسوتية ﴿ يوم الحج الأكبر ﴾ يوم الوصول إلى كعبة الجمال والحج الأصغر الوصول إلى كعبة القلب إن زيارة كعبة الوصال حرام على مشركي الصفات الناسوتية ﴿ فإن تبتم ﴾ عن الناسوتية بإفنائها في اللاهوتية ﴿ فهو خير لكم ﴾ من قيامكم بالناسوت ﴿ وإن توليتم ﴾ ركنتم إلى غير الله ﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ عن التصرف فيكم.

أما لأهل السعادة فبالجذبات الأزلية، وأما لأهل الشقاوة فبأليم عذاب القطيعة ﴿ إلا الذين عاهدتم ﴾ أيها القلوب والأرواح من مشركي النفوس على التوافق في العبودية ﴿ ثم لم ينقصوكم ﴾ شيئاً من وظائف الشريعة ﴿ ولم يظاهروا عليكم أحداً ﴾ من الشيطان والدنيا ﴿ فأتموا إليهم عهدهم ﴾ بالمداراة والرفق إلى أوان طلوع قمر العناية ونجم الجذبة والهداية.

﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ استكملت مدة التربية تمام الأوصاف الأربعة ﴿ فاقتلوا ﴾ النفوس المشركة بسيف النهي عن الشهوات ﴿ حيث وجتموهم ﴾ في الطاعة بأن تكلفوها إياها وفي المعصية بأن تزجروها عنها ﴿ وخذوهم ﴾ بآداب الطريقة ﴿ واحصروهم ﴾ احبسوهم في حصار الحقيقة ﴿ واقعدوا لهم كل مرصد ﴾ راقبوهم في الأحوال كلها ﴿ فإن تابوا ﴾ رجعوا إلى طلب الحق ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ أدّوا حق العبودية ﴿ وآتوا الزكاة ﴾ تزكت عن الأخلاق الذميمة ﴿ فخلوا سبيلهم ﴾ اتركوا التشديد عليهم بالرياضات ليعملوا بالشريعة بعد الوصول إلى الحقيقة فإن النهاية هي الرجوع إلى البداية ﴿ وإن أحد ﴾ من مشركي صفات النفس ﴿ استجارك ﴾ يا قلب لترك ما هو المخصوص به من الصفات الذميمة ﴿ فأجره حتى يسمع كلام الله ﴾ حتى يلهم بإلهام ﴿ ثم أبلغه مأمنه ﴾ وهو وارد الجذبة الإلهية، وإن الجذبة إذا تعلقت بصفة من صفات النفس تنجذب النفس بجميع صفاتها ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ﴾ الله وأسراره فلا يميلون إليه ويعلمون الدنيا وشهواتها فيركنون إليها.

﴿ كيف يكون ﴾ لمشركي النفوس ثبات على العهد وقد جبلت ميالة إلى السفليات وغايتها بعد إصلاح حالها أن تميل إلى نعيم الجنات ﴿ إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ﴾ وهو مقام الوصول المحرم على أهل الدنيا وهو مقام أهل الله وخاصته، الذين تنورت نفوسهم بأنوار الجمال والجلال فيثبتها الله على العهد بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴿ فما استقاموا لكم ﴾ على الصراط المستقيم ﴿ فاستقيموا لهم ﴾ بشرحها في متسع رياض الشريعة ﴿ ولا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ﴾ لا يحفظوا حقوق الجنسية فإن الأرواح والقلوب والنفوس مزدوجة في عالمي الأمر والخلق ﴿ يرضونكم ﴾ بالأعمال الظاهرة ﴿ وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون ﴾ فيما يعملون خارجون عن الصدق والإخلاص ﴿ اشتروا ﴾ بدلالات توصلهم إلى الله ﴿ ثمناً قليلاً ﴾ من متاع الدنيا ومصالحها ﴿ فصدّوا عن سبيله ﴾ قطعوا طريق الحق على الأرواح والقلوب ﴿ فإخوانكم في الدين ﴾ رفقاؤكم في طلب الحق فارعوا حقوقهم فإن لنفسك عليك حقاً.

﴿ لقوم يعلمون ﴾ أن السير إلى الله من أعظم المقامات وأهم المهمات ﴿ وطعنوا في دينكم ﴾ أنكروا مذهب السلوك ﴿ أئمة الكفر ﴾ النفوس ﴿ وهموا بإخراج الرسول ﴾ يعني الواردات الغيبية بانسداد روزنة القلب ﴿ أول مرّة ﴾ في أوان الطفولية.

﴿ أتخشونهم ﴾ في فوات حظوظهم ﴿ فالله أحق أن تخشوه ﴾ بفوات حقوقها.

﴿ ويذهب غيظ قلوبهم ﴾ يعني وحشة الأرواح والقلوب وكدورتها ﴿ ويتوب الله على من يشاء ﴾ بالرجوع إلى الحق قبل التمادي في الباطل من غير حاجة إلى رياضة شديدة ﴿ والله عليم ﴾ باستعدادات النفوس ﴿ حكيم ﴾ فيما يدبر لكل منها.

﴿ أم حسبتم ﴾ أيها النفوس الأمارة ﴿ أن تتركوا ﴾ بلا رياضة ﴿ وليجة ﴾ أولياء من الشيطان والدنيا والهوى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ وقد قال: ﴿ فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ الآية [التوبة: 5]، فأمر بالآية الأولى عند الوجود [بالإجارة]، وفي هذه بالقتل والأسر، وأمر في الأولى بتبليغه مأمنه، وفي هذه بأن يقعد له كل مرصد، وحال هذه هي حال الأولى في رأي العين، ويتهيأ له في كل وقت يظفر به أن يستجير؛ لما ذكر، وفي كل حال يرصد له أن يحتال ليرد إلى مأمنه، وفي ذلك زوال القيام بما في إحدى الآيتين في الظاهر، فألزم ذلك طلب المعنى الموفق بين الأمرين من طريق التأمل بالأسباب التي هي تدل على حق المعاملة بالآيتين جميعاً.

فقال أصحابنا: إنه إذا قصد نحو مأمن أهل الإسلام غير مظهر أعلام الحرب، ولا بما يدل أنه على ذلك مجيئه؛ بل يمشي مشي من ينقلب لحاجة، ومن يتعاهد ومن ينادي إليه بالاستجارة - فيجار.

ولو كان مقبلا نحو مأمننا، كالطالب لأحد، عليه أعلام الحرب، لكنه كالغافل عن الذين يرصدون له أو الذين لهم منعة ولا قوة به - فلا يقبل قوله، وذلك على تسليم الأمر الغالب من الأحوال؛ إذ لا وجه لعلم الحقيقة في ذلك، وعلى ذلك عامة الأمور بين أهل الدارين، وما ذكرت عن الآية في لزوم ذلك الاعتبار؛ إذ لا وجه له غيره هو دليله، والله أعلم.

ثم دل قوله: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ ﴾ بعد العلم بأنه من مأمنه لا يقدر على الاستجارة لبعد [مأمن كل من] مأمن الآخر، ثم لا يكون مأمن الفريقين في إحدى الدارين؛ لما كان تحقيق أمن كل فريق منهما نفي أمن الآخر؛ إذ به خوفه؛ فثبت أنه قد يؤذن له بالخروج للاستجارة من مأمنه والدخول في مأمن المسلمين إلى أن يبلغوا مساكنهم فيستجيروا؛ فلذلك لا يوجب ذلك الوجود حق الأسر ولا القتل، ويجب رده لو لم يجر، ولم يسع تعرضه لشيء من ذلك.

ثم قوله: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ ﴾ من غير أن يبين استجارته لماذا، يحتمل أن يكون ترك بيانه؛ لما في الجواب ذلك بقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ ، وذلك كقوله: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ  ﴾ أنه في الجواب بيان ما استفتوا.

ويحتمل أن يكون ذلك لازم أن يسمع كلام الله بمعنى حجته لأي وجه دخل بأمان.

وذلك قريب؛ لأنا أمرنا بالتضييق عليهم ليسلموا، فإذا أبحنا لهم الدخول للحاجات بلا غرض، تذهب منفعة التضييق، فيكون المقصود بالعهد لما يرون من آثار الإسلام، وحسن رعاية أهل الإسلام، ويسمعون حججه وما به ظهور الحق فيه، رجاء أن يجيبوا، فلذلك يؤذنون، وإن كان في ذلك قضاء حاجاتهم.

وقد روي عن نبي الله  أنه لم يكن يقاتل حتى يدعو؛ إلى الإسلام، فيما قد كان دعاهم غير مرة، فذلك المعنى عند الأمان أولى، والله أعلم.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ فالأصل أن حقيقة الكلام لا تسمع بالكلام نفسه؛ إذ الذي يؤدي حروف الكلام بما يقلب الحروف ويؤلفه ولا صوت له يسمع؛ نحو اللسان والشفة، ونحو ذلك، وإنما يسمع بصوت يهيج من حيث الجارحة التي [يتكلم وقوله]، فيبلغ كلامه أو حروف كلامه المسامع، فالسمع يقع على الصوت الذي به يدرك الكلام ويفهم، فصار سمع الكلام في الأصل مجازاً لا حقيقة؛ فعلى ذلك ما قيل من سماع كلام الله.

ثم هو يخرج على وجوه: أحدها: أن يسمع المعنى الذي جعل له الكلام وهو الأمر، والنهي، والتحريم والتحليل، ونحو ذلك، وذلك مما ينسب إلى الله، فقيل بذلك كلام الله؛ لما إليه ينسب إلى الأمر به والنهي، ونحو ذلك.

والوجه الثاني: أن يكون [الله] ألفه ونظمه على ما أعجز خلقه عن مثله، فينسب إليه بما منه تأليفه على ما هو عليه، وإن كان مسموعاً من غيره؛ على ما تنسب القصائد إلى مبدعيها، والكتب إلى مؤلفيها، والأقاويل إلى الأوائل التي منهم ظهرت، وإن لم يكن الذي يقوله في الحقيقة قوله أو كلامه بما كان منه البداء الذي عليه يتكلم؛ فمثله معنى قوله: "حتى يسمع كلام الله".

والثالث: أن يكون ذلك؛ لما بكلامه يعبر، وبه يوصف أن له كلاماً، وبه يرجع إلى ذلك، وإن كان الله -  - يجل عن الوصف لكلامه بالحروف، والهجاء، والأبعاض، ونحو ذلك، فلما كان إليه المرجع، وإن كان حد ذلك غير متوهم هنالك ولا متصور، فنسب إليه؛ كما قال الله -  - ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ  ﴾ وقال: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ  ﴾ من غير توهم كلية العالم في ذلك التراب أو النفس الواحدة؛ لما إليه مرجع الكل نسب إليه؛ فعلى ذلك أمر الكلام، وذلك على ما قيل من لقاء الله والمرجع إلى الله والمصير بما لا تدبير لأحد هنالك ذكر المصير إليه؛ لأن لذلك من صيرورة إليه - في الحقيقة - ورجوع لم يكن من قبل، فمثله لما قيل: كلام الله.

ثم الله -  - يجل عن التصوير في الأوهام أو التقدير في العقول [فعلى ذلك صفته بل ذلك أحق وأولى، إذ نجد صفات الخلق لا تحد ولا تصور في الأوهام ولا تقدر بها العقول]، إلا من طريق القول بالحقيقة على ما هن أغيار لهم، فالله -  - المتعالي عن التصور في الأوهام ووصفه بالعلم، والكلام، ونحو ذلك، أحق في إبطال توهم ذلك، [فتدبر] فيه.

وقال [الثلجي]: يقال: كلام الله، على الموافقة، لا على الحقيقة؛ كما يقال: ذا قول فلان، وكلام فلان، وليس غيره كلام المتكلم به، فالقائل الشاهد.

وقال أبو بكر: فهذا يدل على أن كلام الله يسمع من وجوه؛ فكأنه يذهب إلى مثل ما يقال: يعرف الله من وجوه، على تحقيق الوجوه، فمثله كلامه والله [أعلم] من غير توهم المعنى الذي به يعرف عن الله -  - كذلك سماع كلامه.

وفي قوله: ﴿ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾ دلالة أنه لم يقبل ما سمع وعرض عليه؛ إذ لو قبل لكان يكون مأمنه هذه الدار، لا تلك، ولكان يحق عليه الخروج منها، لا العود إليها.

ثم معلوم أن كلام الله هو حجته، وأن الحجة قد لزمته؛ لوجهين: أحدهما: ما ظهر عجز الخلق عن مثله، وانتشر الخبر في الآفاق على قطع طمع المقابلين لرسول الله بالرد، الباذلين مهجهم وما حوته أيديهم في إطفاء نوره، فكان ذلك حجة بينة لزمتهم.

والثاني: أن جميع ما يتلى منه لا يؤتى عن آيات إلا وفيها مما يشهد العقول على قصور أفهام الخلق عن بلوغ مثله من الحكمة وعجيب ما فيه من الحجة؛ مما لو قوبل بما فيه من المعنى وما يحدث به من الفائدة، ليعلم أن ذلك من كلام من يعلم الغيب، ولا يخفى عليه شيء، وإذا كان كذلك صار هو بالرد مكابراً، وحق مثله الزجر والتأديب أنه لم يفعل [لما لم يكن] يضمن أمانة القبول، ولا [أن] يعارضه بالرد، وذلك أعظم مما فيه الحدود، فالحد أحق ألا يقام عليه، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يدعه ولا يمنعه عن العود إلى مأمنه؛ ليعلم أن حكم تلك الدار لم يزل عنه، وأنه لا تلزم الجزية إلا عن طوع أو دلالة عليه.

والثاني: أن يكون عليه حفظه إلى أن يبلغه مأمنه بدفع المسلمين عنه، وفي ذلك لزوم حق الأمان الجميع بإجازة [بعض]، وعلى ذلك كل مسلم.

ثم سماع كلام الله يخرج على القرآن، وفيه ما ذكرت من الدلالة، وعلى سماع أوامر الله ونواهيه في حق الفرض عليه، وعلى سماع حجج النبوة وآيات الرسالة والتوحيد من القرآن، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ ﴾ .

أي: ما لهم وما عليهم.

ويحتمل نفي العلم: بما لم ينتفعوا بما علموا.

ويحتمل ذلك تعليم [من] مع رسول الله كيفية معاملة الكفرة؛ إذ هم لم يكونوا يعلمون من قبل، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ ﴾ .

هو - والله أعلم - أن كيف يستحقون العهد، وكيف يُعْطَى لهم العهد، وقد نقضوا العهود التي بينهم وبين ربهم وبين رسول الله؟!

فأما العهود التي بينهم وبين ربهم فهي عهد الخلقة؛ إذ في خلقة كل أحد الشهادة على وحدانية الله وألوهيته، والشهادة على الرسالة.

وما عهد إليهم في كتبهم من إظهار صفة محمد ونعته للخلق، فنقضوا ذلك كله ونقضوا العهود التي بينهم وبين رسول الله ولم يحفظوها؛ يقول - والله أعلم -: كيف يستحقون أن يُعْطَى العهد لهم، وقد نقضوا العهد الذي عهد الله إليهم والعهود التي أعطاهم رسول الله؟!

لا يستحقون ذلك، إلا أن الله - عز وجل - بفضله وإحسانه أذن أن يعطي لهم العهود: ﴿ فَمَا ٱسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ ﴾ ، أي: أوفوا لهم العهد إذا أوفوا لكم وإن انقضت المدة؛ يقول - والله أعلم -: إذا استقاموا لكم في وفاء العهد، فاستقيموا لهم في وفائه، وإن انقضت المدة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ .

استثنى الذين عاهدوا عند المسجد الحرام، يحتمل ألا يعطى العهد إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام.

ويحتمل قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ ﴾ ، فإنهم [إن وفوا لكم فأوفوا لهم] ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ إن الله يحب من اتقى الشرك واتقى كل جور وظلم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ يقول: كيف تعطون لهم العهد وكيف يستحقون العهد، ولو ظهروا عليكم لا يرقبون فيكم إلاًّ ولا ذمة؟!

وقال بعضهم: وكيف لا تقاتلونهم ﴿ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ ، قال: الإل: الله، والذمة: العهد.

وقيل: الإل: القرابة.

وقيل: الإل: العهد، والذمة، وكذلك ذكر في حرف حفصة: (لا يرقبوا فيكم عهدا ولا ذمة).

وقال القتبي: الإل: العهد.

قال: ويقال: القرابة.

وقال أبو عوسجة: الإل: القرابة.

وقال أبو عبيدة: الإل: العهد، والذمة: التذمم.

وقال ابن عباس: الإل: الله، بمنزلة جبريل، تفسيره: عبد الله؛ لما قيل: جبريل هو عبد الله.

وقيل: الإل: الحرم؛ يقول: كيف تعطونهم العهد وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم القرابة ولا العهد، ولا يرقبوا الحرم فيكم؟!

وقد كانوا يحفظون فيما بينهم القرابة والرحم حتى يعاون بعضهم بعضاً ويناصر، إذا وقع بين قرابتهم ورحمهم وبين قوم آخرين مباغضة وعداوة، وكانوا يرقبون حرم الله حتى لا يقاتلون في الأشهر الحرم وعند المسجد الحرام، وكانوا يحفظون العهود فيما بينهم من قبل، ولا يرقبونها فيكم ولا يحفظونها.

هذا - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ ، وقد كانوا يرقبون من قبل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ .

بأنهم يوفون العهد ويحفظونه.

﴿ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ ﴾ إلا النقض.

وقوله: ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ في نقض العهد.

والفسق: هو الخروج عن أمر الله؛ كقوله: ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل: حججه وبراهينه.

ويحتمل: آيات القرآن ومحمد.

ويحتمل: آياته: دينه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ ﴾ .

أي: صدوا الناس عن متابعة النبي.

وقيل: صدوا الناس عن دين الله الإسلام.

﴿ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

أي: بئس ما عملوا بصدهم الناس عن دين الإسلام ومتابعة محمد  ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ هذا قد ذكرناه.

﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ ﴾ .

في نقض العهد، والاعتداء: هو المجاوزة عن الحد الذي جعل لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: انظروا إلى كرم ربكم وجوده، قوم قد افتروا على الله كذباً، وكذبوا رسول الله، وهموا بقتله وإخراجه من بين أظهرهم، وطعنوا في دينهم، وعملوا كل بلية من نصب الحروب والقتال فيما بينهم، ثم إنه وعدهم التوبة والمغفرة والتجاوز عما كان منهم بقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ وجعل فيما بينهم الأخوة والمودة بقوله: ﴿ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً  ﴾ وقال: ﴿ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً  ﴾ وغير ذلك من الآيات، وفيه أن من كان له بمكان آخر ذنب أو جفاء، فإذا رجع عن ذلك وتاب لزمه أن يتجاوز عنه وألا يذكر بعد ذلك ما كان منه من الذنب؛ على ما جعل الله فيما بين هؤلاء الأخوة والمودة إذا تابوا، وقال: ﴿ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ وقد كان منهم ما كان، ومن حق الأخوة ألا يذكر ما كان منهم من المساوئ.

ثم قوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ ﴾ من الشرك وما كان منهم.

وقوله: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ وجهين: الأول: يحتمل: الصلاة المعروفة والزكاة المعروفة، زكاة المال، وهو ما ذكرنا فيما تقدم من الإقرار بهما والاعتقاد والقبول لذلك دون فعلهما، وهو في الكبراء والقادة الذين كانوا يأنفون عن الخضوع لأحد، ولا يؤتون الزكاة، ولا يتصدقون؛ لما ظنوا أنهم يخلدون في الدنيا؛ إشفاقاً على أنفسهم.

والثاني: يحتمل أن يكون المراد من الصلاة: الخضوع والخشوع، لا الصلاة المعروفة، والمراد من الزكاة زكاة النفس وإصلاحها، فإن كان هذا فهو لازم في الأوقات كلها، ما من وقت إلا وله على كل أحد الخضوع [له] والخشوع له، ويزكي نفسه ويصلحها، وهو كقوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَنُفَصِّلُ ٱلأيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: نبين الآيات لقوم يعلمون ينتفعون بعلمهم.

ويحتمل: ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: لقوم إذا نظروا فيها وتدبروا يعلمون لا لقوم لا يعلمون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ ﴾ [قوله: أيمانهم: العهود نفسها كقوله: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا  ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ ﴾ \[أيمانهم\] أيماناً يحلفونها بعد إعطاء العهد توكيداً؛ لئلا ينقضوا العهد إذ عادتهم نقض العهد ونكثه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ ﴾ \[طعنهم\] في الدين ظاهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ ﴾ .

أي: أئمة الكفرة، وتخصيص الأمر بمقاتلة الأئمة؛ لما أن الأتباع أبداً يقلدون الأئمة، ويصدرون عن آرائهم وتدبيرهم، فإذا قاتلوهم اتبع الأتباع لهم.

والثاني: لنفي الشبه أي: ليس الأئمة منهم كأصحاب الصوامع، وإن كانوا هم أئمة في العبادة، فلا تترك مقاتلتهم؛ كما تترك مقاتلة أصحاب الصوامع؛ [لأن أصحاب الصوامع] قد عزلوا أنفسهم عن الناس وعن جميع المنافع، وحبسوها للعبادة، والأئمة ليسوا كذلك.

والثالث: خصّ الأئمة بالقتال؛ لأنهم إذا قتلوهم لم يبق لهم إمام في الكفر، فيذهب الكفر رأساً، وهو كقوله: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ...

﴾ الآية [الأنفال: 39].

[وقوله]: ﴿ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ .

يحتمل: ﴿ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ أي: لا عهد لهم بعد نقضهم العهد، أي: لا توفوا لهم العهد الذي كان لهم إذا نقضوا.

ويحتمل: ﴿ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ أي: لا يعطي لهم العهد [مبتدأً بعدما نقضوا العهد؛ لأنهم اعتادوا نقض العهد.

والثاني: قال ذلك في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون] أبداً.

وفيه لغة أخرى: ﴿ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ ، بكسر الألف: ﴿ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ أي: لا يؤمنون أبداً [فإن كان كذلك وذلك في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً].

وفائدة قوله: ﴿ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ تخرج على وجهين: أحدهما: أن أهل العهد إذا نقضوا العهد ينقض ذلك، ويتركون على النقض، ويقاتلون بعد النقض، وليس كأهل الذمة إذا نقضوا الذمة لا يتركون على ذلك، ولكن يردون إلى الذمة ولا تنقض الذمة [فيما] بينهم.

وقال الحسن: قوله: ﴿ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ يقول: لا تصديق لهم.

وقوله: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ﴾ .

عن نقض العهد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ ﴾ أي: كيف لا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم، وأيمانهم ما ذكرنا، وهو حرف الإغراء على مقاتلة من اعتقد نقض العهود والتحريش عليهم ﴿ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ ﴾ : القتل، أي: هموا بقتله، وفي القتل إخراجه.

أو هو إخراجه من المدينة، على ما ذكر في بعض القصة: أن اليهود قالوا لرسول الله: إن مكان الأنبياء والرسل بيت المقدس، لا المدينة، فانتقل إليه.

وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ لأنه معلوم أنهم أسروا في أنفسهم وفيما بينهم إخراجه وقتله، لا أنهم أظهروا ذلك، ثم أخبرهم بذلك، دل أنهم إنما علموا أنه إنما عرف ذلك بالله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ في نقض العهد، أي: هم بدءوكم بنقض العهد.

ويحتمل: بدءوكم بالقتال أول مرة والإخراج.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ ﴾ أي: لا تخشوهم واخشوا الله؛ فإنهم لا يقدرون أن تصل إليكم نكبة إلا بإقدار الله إياهم، فلا تخشوهم واخشوا الله.

ويحتمل قوله: ﴿ أَتَخْشَوْنَهُمْ ﴾ فالله القادر بنصركم وبقهر عدوكم ﴿ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ ﴾ : إذ هو القادر على منعهم عنكم ونصركم عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ ﴾ الآية.

علم الله - عز وجل - كراهة القتل وثقله على الخلق، فأمر المؤمنين بمقاتلة الكفرة، ووعدهم النصر.

والتعذيب بأيديهم: يحتمل وجهين: الأول: يحتمل: القتل والإهلاك.

والثاني: يحتمل الأسر والسبي.

﴿ وَيُخْزِهِمْ ﴾ يحتمل أيضاً وجهين: الأول: يحتمل: الهزيمة والإذلال.

والثاني: يحتمل قوله: ﴿ وَيُخْزِهِمْ ﴾ : في الآخرة؛ كقوله: ﴿ رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ  ﴾ ، الخزي: العذاب الذي فيه الفضيحة والذلة.

وفي قوله: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة؛ لقولهم: إنه لا قدرة لله على أفعال الخلق، وقد أخبر أنه يعذبهم بأيديهم، ولو كان غير قادر على أفعالهم، كان يعذبهم بيده لا بأيديهم.

﴿ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ﴾ .

وعدهم النصر عليهم والظفر وخزي الكفرة، وهو ما ذكر: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا  ﴾ [وكذلك في قوله: ﴿ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ﴾ ] دلالة نقض قولهم [أيضا،] لأنه أخبر أنهم يصيبهم العذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين؛ كما ذكرناه.

[و] قوله: ﴿ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

يحتمل أن تكون قلوبهم توجعت وتألمت بكفرهم بالله وتكذيبهم الرسول، فوعدهم شفاء صدورهم، وذلك يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم يسلمون، فيصيرون إخواناً، فيدخل فيهم السرور والفرح بإزاء ما حزنوا وتألموا، وذلك شفاء صدورهم.

والثاني: يشف صدورهم بالقتل والهزيمة، يقتلون ويهزمون، ففي ذلك شفاء صدورهم، لما تألمت وتوجعت بالتكذيب والكفر بالله وآياته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ﴾ هذا يحتمل - أيضاً - وجهين: يذهب الغيظ الذي كان في قلوبهم [بتكذيبهم رسول الله وكفرهم بآيات الله بإسلامهم يسلمون فيكونون إخواناً.

أو يقتلون ويهلكون فيذهب عنهم الغضب الذي كانوا] غضبوا عليهم بالذي ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ﴾ أي: من شاء عذب، ومن شاء تاب عليه.

وفي الآية دلالة [الرد] على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: شاء أن يتوب على جميع الكفرة، لكنهم لا يتوبون، فأخبر أنه يعذب بعضاً ويتوب على بعض، فإنما شاء أن يعذب غير الذي شاء أن يتوب [عليه وشاء أن يتوب على] غير الذي شاء أن يعذبه.

﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ .

بما كان ويكون، أي: عن علم بما كان منهم خلقهم، لا عن جهل؛ إذ خلقه إياهم ليس لمنافع نفسه وحاجته، إنما خلقهم لحاجتهم ومنافعهم ﴿ حَكِيمٌ ﴾ وضع كل شيء موضعه.

ويحتمل: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : بما كان من هؤلاء من التكذيب لرسول الله والكفر بآياته، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ أي: فيما جعل عليهم من القتل والتعذيب والخزي كأنه وضع الشيء موضعه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإن نقض هؤلاء المشركون الذين عاهدتموهم على ترك القتال مدة معلومة عهودَهم ومواثيقَهم، وعابوا دينكم وانتقصوا منه فقاتلوهم، فهم أئمة الكفر وقادته، ولا عهود لهم، ولا مواثيق تحقن دماءهم، قاتلوهم رجاء أن ينتهوا عن كفرهم ونقضهم للعهود وانتقاصهم للدين.

<div class="verse-tafsir" id="91.NoJV5"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده