الآية ١٢٠ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١٢٠ من سورة التوبة

مَا كَانَ لِأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا۟ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا۟ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌۭ وَلَا نَصَبٌۭ وَلَا مَخْمَصَةٌۭ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوْطِئًۭا يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّۢ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٌۭ صَـٰلِحٌ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ١٢٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 88 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢٠ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢٠ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يعاتب تعالى المتخلفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، من أهل المدينة ومن حولها من أحياء العرب ، ورغبتهم بأنفسهم عن مواساته فيما حصل من المشقة ، فإنهم نقصوا أنفسهم من الأجر ؛ لأنهم ( لا يصيبهم ظمأ ) وهو : العطش ( ولا نصب ) وهو : التعب ( ولا مخمصة ) وهي : المجاعة ( ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ) أي : ينزلون منزلا يرهب عدوهم ( ولا ينالون ) منه ظفرا وغلبة عليه إلا كتب الله لهم بهذه الأعمال التي ليست داخلة تحت قدرتهم ، وإنما هي ناشئة عن أفعالهم ، أعمالا صالحة وثوابا جزيلا ( إن الله لا يضيع أجر المحسنين ) كما قال تعالى : ( إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ) [ الكهف : 30 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لم يكن لأهل المدينة, مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم =(ومن حولهم من الأعراب)، سُكّان البوادي, الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك, وهم من أهل الإيمان به، أن يتخلفوا في أهاليهم ولا دارٍ لهم, (59) ولا أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه في صحبته في سفره والجهاد معه، ومعاونته على ما يعانيه في غزوه ذلك.

(60) يقول: إنه لم يكن لهم هذا =(بأنهم)، من أجل أنهم، وبسبب أنهم =(لا يصيبهم)، في سفرهم إذا كانوا معه =(ظمأ)، وهو العطش =(ولا نصب), يقول: ولا تعب =(ولا مخمصة في سبيل الله) ، يعني: ولا مجاعة في إقامة دين الله ونصرته, وهدْم مَنَار الكفر (61) =(ولا يطئون موطئًا) ، يعني: أرضًا, يقول: ولا يطأون أرضًا = (يغيظ الكفار)، وطؤهم إياها (62) =(ولا ينالون من عدوّ نيلا) ، يقول: ولا يصيبون من عدوّ الله وعَدُوّهم شيئًا في أموالهم وأنفسهم وأولادهم = إلا كتب الله لهم بذلك كله، ثوابَ عمل صالح قد ارتضاه (63) =(إن الله لا يضيع أجر المحسنين) ، يقول: إن الله لا يدع محسنًا من خلقه أحسن في عمله فأطاعه فيما أمره، وانتهى عما نهاه عنه, أن يجازيه على إحسانه، ويثيبه على صالح عمله.

(64) فلذلك كتبَ لمن فعل ذلك من أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب ما ذكر في هذه الآية، الثوابَ على كلّ ما فعل، فلم يضيِّع له أجرَ فعله ذلك.

* * * وقد اختلف أهل التأويل في حكم هذه الآية.

* * * فقال بعضهم: هي محكمة, وإنما كان ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة, لم يكن لأحدٍ أن يتخلف إذا غزا خِلافَه فيقعد عنه، إلا من كان ذا عُذْرٍ.

فأما غيره من الأئمة والولاة، فإن لمن شاء من المؤمنين أن يتخلَّف خلافه، إذا لم يكن بالمسلمين إليه ضرورة.

* ذكر من قال ذلك: 17462- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه) ، هذا إذا غزا نبيُّ الله بنفسه, فليس لأحد أن يتخلف.

ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: لولا أن أشقَّ على أمتي ما تخلَّفت خلف سريّة تغزو في سبيل الله, لكني لا أجد سَعةً، فأنطلق بهم معي, ويشقّ علي = أو: أكره = أن أدعهم بعدي.

17463- حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، سمعت الأوزاعي, وعبد الله بن المبارك, والفزاري, والسبيعي, وابن جابر, وسعيد بن عبد العزيز يقولون في هذه الآية: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله) ، إلى آخر الآية، إنها لأوّل هذه الأمة وآخرها من المجاهدين في سبيل الله.

* * * وقال آخرون هذه الآية: نـزلت وفي أهل الإسلام قلة, فلما كثروا نسخها الله، وأباح التخلف لمن شاء, فقال: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [سورة التوبة: 122] * ذكر من قال ذلك: 17464- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله) ، فقرأ حتى بلغ: لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ، قال: هذا حين كان الإسلام قليلا فلما كثر الإسلام بعدُ قال: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ ، إلى آخر الآية.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي, أن الله عنى بها الذين وصفهم بقوله: وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ ، [سورة التوبة: 90] .

ثم قال جل ثناؤه: (ما كان لأهل المدينة)، الذين تخلفوا عن رسول الله، ولا لمن حولهم من الأعراب الذين قعدوا عن الجهاد معه، أن يتخلفوا خِلافَه ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه.

وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ندب في غزوته تلك كلَّ من أطاق النهوض معه إلى الشخوص، إلا من أذن له، أو أمره بالمقام بعده.

فلم يكن لمن قدر على الشخوص التخلُّف.

فعدّد جل ثناؤه من تخلف منهم, فأظهر نفاقَ من كان تخلُّفه منهم نفاقًا، وعذر من كان تخلفه لعُذْرٍ, وتاب على من كان تخلُّفه تفريطًا من غير شك ولا ارتياب في أمر الله، إذ تاب من خطأ ما كان منه من الفعل.

فأما التخلف عنه في حال استغنائه، فلم يكن محظورًا، إذا لم يكن عن كراهةٍ منه صلى الله عليه وسلم ذلك.

وكذلك حكم المسلمين اليوم إزاء إمامهم.

فليس بفرضٍ على جميعهم النهوضُ معه، إلا في حال حاجته إليهم، لما لا بُدَّ للإسلام وأهله من حضورهم واجتماعهم واستنهاضه إياهم، فيلزمهم حينئذ طاعته.

وإذا كان ذلك معنى الآية، لم تكن إحدى الآيتين اللتين ذكرنا ناسخةً للأخرى, إذ لم تكن إحداهما نافيةً حكم الأخرى من كل وجوهه, ولا جاء خبر يوجِّه الحجة بأن إحداهما ناسخة للأخرى.

* * * وقد بينا معنى " المخمصة "، وأنها المجاعة بشواهده, وذكرنا الرواية عمن قال ذلك في موضعٍ غير هذا, فأغنى ذلك عن إعادته ههنا.

(65) * * * وأما " النيل "، فهو مصدر من قول القائل: " نالني ينالني", و " نلت الشيء فهو مَنيل ".

وذلك إذا كنت تناله بيدك، وليس من " التناول ".

وذلك أن " التناول " من " النوال ", يقال منه: " نُلْتُ له، أنول له "، من العطيّة.

وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول: " النيل " مصدر من قول القائل: " نالني بخير ينولني نوالا "، و " أنالني خيرًا إنالةً".

وقال: كأن " النيل " من الواو أبدلت ياء لخفتها وثقل الواو.

وليس ذلك بمعروف في كلام العرب, بل من شأن العرب أن تصحِّح الواو من ذوات الواو، إذا سكنت وانفتح ما قبلها, كقولهم: " القَوْل ", و " العَوْل ", و " الحول ", ولو جاز ما قال، لجاز " القَيْل ".

(66) ---------------------- الهوامش : (59) في المطبوعة : " ولا دارهم " ، وأثبت ما في المخطوطة .

(60) انظر تفسير " رغب " فيما سلف 3 : 89 .

(61) انظر تفسير " المخمصة " فيما سيأتي ص : 564 ، تعليق : 1 .

= وتفسير " سبيل الله " فيما سلف من فهارس اللغة ( سبل ) .

(62) انظر تفسير " الغيظ " فيما سلف 7 : 215 / 114 : 16 .

(63) انظر تفسير " كتب " فيما سلف من فهارس اللغة (كتب) .

(64) انظر تفسير " المحسن " فيما سلف من فهارس اللغة ( حسن ) .

(65) انظر تفسير " المخمصة " فيما سلف 9 : 532 - 534 .

(66) انظر تفسير " النيل " فيما سلف 3 : 20 / 6 : 587 / 12 : 408 ، 469 / 13 : 133 ولم يفسر " النيل " فيما سلف بمثل هذا البيان في هذا الموضع .

وهذه ملاحظة نافعة في استخراج المنهج الذي ألف به أبو جعفر تفسيره هذا .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين[ ص: 207 ] فيه خمس مسائل :الأولى : قوله تعالى ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ظاهره خبر ومعناه أمر ; كقوله : وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله وقد تقدم .

أن يتخلفوا في موضع رفع اسم كان .

وهذه معاتبة للمؤمنين من أهل يثرب وقبائل العرب المجاورة لها ; كمزينة وجهينة وأشجع وغفار وأسلم على التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك .

والمعنى : ما كان لهؤلاء المذكورين أن يتخلفوا ; فإن النفير كان فيهم ، بخلاف غيرهم فإنهم لم يستنفروا ; في قول بعضهم .

ويحتمل أن يكون الاستنفار في كل مسلم ، وخص هؤلاء بالعتاب لقربهم وجوارهم ، وأنهم أحق بذلك من غيرهم .الثانية : قوله تعالى ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه أي لا يرضوا لأنفسهم بالخفض والدعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في المشقة .

يقال : رغبت عن كذا أي ترفعت عنه .الثالثة : قوله تعالى ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ أي عطش .

وقرأ عبيد بن عمير ظماء بالمد .

وهما لغتان مثل خطأ وخطاء .

( ولا نصب ) عطف ، أي تعب ، و " لا " زائدة للتوكيد .

وكذا ( ولا مخمصة ) أي مجاعة .

وأصله ضمور البطن ; ومنه رجل خميص و امرأة خمصانة .

وقد تقدم .

في سبيل الله أي في طاعته .

ولا يطئون موطئا أي أرضا .

يغيظ الكفار أي بوطئهم إياها ، وهو في موضع نصب لأنه نعت للموطئ ، أي غائظا .

ولا ينالون من عدو نيلا أي قتلا وهزيمة .

وأصله من نلت الشيء أنال أي أصبت .

قال الكسائي : هو من قولهم أمر منيل منه ; وليس هو من التناول ، إنما التناول من نلته العطية .

قال غيره : نلت أنول من العطية ، من الواو والنيل من الياء ، تقول : نلته فأنا نائل ، أي أدركته .

ولا يقطعون واديا العرب تقول : واد وأودية ، على غير قياس .

قال النحاس : ولا يعرف فيما علمت فاعل وأفعلة سواه ، والقياس أن يجمع ووادي ; فاستثقلوا الجمع بين واوين وهم قد يستثقلون واحدة ، حتى قالوا : أقتت في وقتت .

وحكى الخليل وسيبويه في تصغير واصل اسم رجل أويصل فلا يقولون غيره .

وحكى الفراء في جمع واد أوداء .قلت : وقد جمع أوداه ; قال جرير :عرفت ببرقة الأوداه رسما محيلا طال عهدك من رسومإلا كتب لهم به عمل صالح قال ابن عباس : بكل روعة تنالهم في سبيل الله سبعون [ ص: 208 ] ألف حسنة .

وفي الصحيح : الخيل ثلاثة .

.

.

وفيه : وأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام في مرج أو روضة فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات .

.

.

.

الحديث .

هذا وهي في مواضعها فكيف إذا أدرب بها .الرابعة : استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن الغنيمة تستحق بالإدراب والكون في بلاد العدو ، فإن مات بعد ذلك فله سهمه ; وهو قول أشهب وعبد الملك ، وأحد قولي الشافعي .

وقال مالك وابن القاسم : لا شيء له ; لأن الله عز وجل إنما ذكر في هذه الآية الأجر ولم يذكر السهم .قلت : الأول أصح لأن الله تعالى : جعل وطء ديار الكفار بمثابة النيل من أموالهم وإخراجهم من ديارهم ، وهو الذي يغيظهم ويدخل الذل عليهم ، فهو بمنزلة نيل الغنيمة والقتل والأسر ; وإذا كان كذلك فالغنيمة تستحق بالإدراب لا بالحيازة ، ولذلك قال علي رضي الله عنه : ما وطئ قوم في عقر دارهم إلا ذلوا .

والله أعلم .الخامسة : هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : وما كان المؤمنون لينفروا كافة وأن حكمها كان حين كان المسلمون في قلة ، فلما كثروا نسخت وأباح الله التخلف لمن شاء ; قاله ابن زيد .

وقال مجاهد : بعث صلى الله عليه وسلم قوما إلى البوادي ليعلموا الناس فلما نزلت هذه الآية خافوا ورجعوا ; فأنزل الله : وما كان المؤمنون لينفروا كافة .

وقال قتادة : كان هذا خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر ; فأما غيره من الأئمة الولاة فلمن شاء أن يتخلف خلفه من المسلمين إذا لم يكن بالناس حاجة إليه ولا ضرورة .

وقول ثالث : أنها محكمة ; قال الوليد بن مسلم : سمعت الأوزاعي وابن المبارك والفزاري والسبيعي وسعيد بن عبد العزيز يقولون في هذه الآية إنها لأول هذه الأمة وآخرها .

قلت : قول قتادة حسن ; بدليل غزاة تبوك ، والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى ـ حاثا لأهل المدينة المنورة من المهاجرين، والأنصار، ومن حولهم من الأعراب، الذين أسلموا فحسن إسلامهم ـ ‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ ما ينبغي لهم ذلك، ولا يليق بأحوالهم‏.‏ ‏{‏وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ‏}‏ في بقائها وراحتها، وسكونه ‏{‏عَنْ نَفْسِهِ‏}‏ الكريمة الزكية، بل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فعلى كل مسلم أن يفدي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، بنفسه ويقدمه عليها، فعلامة تعظيم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومحبته والإيمان التام به، أن لا يتخلفوا عنه، ثم ذكر الثواب الحامل على الخروج فقال‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ‏}‏ أي‏:‏ المجاهدين في سبيل اللّه ‏{‏لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ‏}‏ أي‏:‏ تعب ومشقة ‏{‏وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ مجاعة‏.‏ ‏{‏وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّار‏}‏ من الخوض لديارهم، والاستيلاء على أوطانهم، ‏{‏وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا‏}‏ كالظفر بجيش أو سرية أو الغنيمة لمال ‏{‏إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ‏}‏ لأن هذه آثار ناشئة عن أعمالهم‏.‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ‏}‏ الذين أحسنوا في مبادرتهم إلى أمر الله، وقيامهم بما عليهم من حقه وحق خلقه، فهذه الأعمال آثار من آثار عملهم‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ما كان لأهل المدينة ) ظاهره خبر ، ومعناه نهي ، كقوله تعالى : " وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله " ( الأحزاب - 53 ( ومن حولهم من الأعراب ) سكان البوادي : مزينة ، وجهينة ، وأشجع ، وأسلم ، وغفار .

( أن يتخلفوا عن رسول الله ) إذا غزا .

( ولا يرغبوا ) أي : ولا أن يرغبوا ، ( بأنفسهم عن نفسه ) في مصاحبته ومعاونته والجهاد معه .

قال الحسن : لا يرغبوا بأنفسهم أن يصيبهم من الشدائد فيختاروا الخفض والدعة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مشقة السفر ومقاساة التعب .

( ذلك بأنهم لا يصيبهم ) في سفرهم ، ( ظمأ ) عطش ، ( ولا نصب ) تعب ، ( ولا مخمصة ) مجاعة ، ( في سبيل الله ولا يطئون موطئا ) أرضا ، ( يغيظ الكفار ) وطؤهم إياه ( ولا ينالون من عدو نيلا ) أي : لا يصيبون من عدوهم قتلا أو أسرا أو غنيمة أو هزيمة ، ( إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ) .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا يزيد بن أبي مريم ، حدثنا عباية بن رفاعة قال : أدركني أبو عبس وأنا ذاهب إلى الجمعة فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار " .

واختلفوا في حكم هذه الآية ، قال قتادة : هذه خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا غزا بنفسه لم يكن لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر ، فأما غيره من الأئمة والولاة فيجوز لمن شاء من المسلمين أن يتخلف عنه إذا لم يكن بالمسلمين إليه ضرورة .

وقال الوليد بن مسلم : سمعت الأوزاعي ، وابن المبارك ، وابن جابر ، وعمر بن عبد العزيز يقولون في هذه الآية : إنها لأول هذه الأمة وآخرها .

وقال ابن زيد : هذا حين كان أهل الإسلام قليلا فلما كثروا نسخها الله تعالى وأباح التخلف لمن يشاء ، فقال : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله» إذا غزا «ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه» بأن يصونوها عما رضيه لنفسه من الشدائد، وهو نهي بلفظ الخبر «ذلك» أي النهي عن التخلف «بأنهم» بسبب أنهم «لا يصيبهم ظمأ» عطش «ولا نصب» تعب «ولا مخمصة» جوع «في سبيل الله ولا يطؤون موطئا» مصدر بمعنى وطأ «يغيظ» يغضب «الكفار ولا ينالون من عدو» لله «نيلا» قتلا أو أسرا أو نهبا «إلا كتب لهم به عمل صالح» ليجازوا عليه «إن الله لا يضيع أجر المحسنين» أي أجرهم بل يثيبهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ما كان ينبغي لأهل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومَن حولهم من سكان البادية أن يتخلَّفوا في أهلهم ودورهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يرضوا لأنفسهم بالراحة والرسول صلى الله عليه وسلم في تعب ومشقة؛ ذلك بأنهم لا يصيبهم في سفرهم وجهادهم عطش ولا تعب ولا مجاعة في سبيل الله، ولا يطؤون أرضًا يُغضِبُ الكفارَ وطؤهم إياها، ولا يصيبون مِن عدو الله وعدوهم قتلا أو هزيمةً إلا كُتِب لهم بذلك كله ثواب عمل صالح.

إن الله لا يضيع أجر المحسنين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أوجب - سبحانه - على المؤمنين مصاحبة رسولهم - صلى الله عليه وسلم - فى غزواته فقال : ( مَا كَانَ لأَهْلِ المدينة وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ الأعراب أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ الله .

.

) .والمراد بالنفى هنا النهى .

أى : ليس لأهل المدينة أو لغيرهم من الأعراب سكان البادية الذين يسكنون فى ضواحى المدينة ، كقبائل مزينة وجهينة وأشجع وغفار .ليس لهؤلاء جميعا أن يتخلفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ما خرج للجهاد ، كما فعل بعضهم فى غزوة تبوك ، لأن هذا التخل فيتنافى مع الإِيمان بالله ورسوله .وليس لهم كذلك ( وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ) أى ليس لهم أن يؤثروا أنفسهم بالراحة على نفسه ، بأن يتركوه ويتعرض لللآلام والأخطار .

دون أن يشاركوه فى ذلك ، بل من الواجب عليهم أن يكونوا من حوله فى البأساء والضراء ، والعسر واليسر؛ والمنشط والمكره .ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الجملة الكريمة : أمروا بأن يصحبوه على البأساء والضراء ، وأن يكابدوا معه الأهوال برغبة ونشاط واغتباط ، وأن يلقوا أنفسهم من الشدائد ما تلقاه نفسه ، علما بأنها أعز نفس على الله وأكرمها ، فإذا تعرضت - مع كرامتها وعزتها - للخوض فى شدة وهول ، وجب على سائر الأنفس أن تتهافت - أى تتساقط - فيما تعرضت له ، ولا يكترث لها أصحابها ، ولا يقيمون له وزنا ، وتكون أخف شئ عليهم وأهونه ، فضلا عن أن يربأوا بأنفسهم عن متابعتها ومصاحبتها ويضنوا بها على ما سمع بنفسه عليه .وهذا نهى بليغ ، مع تقبيح لأمره ، وتوبيخ لهم عليه ، وتهييج لمتابعته بأنفة وحمية .واسم الإِشارة فى قوله : ( ذلك بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ الله .

.

) يعود على ما دل عليه الكلام من وجوب مصاحبته وعدم التخلف عنه .أى : ذلك الذى كلفانهم به من وجوب مصاحبته - صلى الله عليه وسلم - والنهى عن التخلف عنه ، سبب أنهم ( لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ) أى عطش ( وَلاَ نَصَبٌ ) أى : تعب ومشقة ( وَلاَ مَخْمَصَةٌ ) أى : مجاعة شديدة تجعل البطون خامصة ضامرة ( فِي سَبِيلِ الله ) أى : فى جهاد أعدائه وإعلاء كلمة الحق ( وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الكفار ) أى : ولا يدوسون مكانا من أمكنة الكفار بأرجلهم أو بحوافر خيولهم من أجل إغاظتهم وإزعاجهم .

.

( وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً ) أى : ولا يصيبون من عدو من أعدائهم إصابة كقتل أو أسر أو غنيمة .إنهم لا يفعلون شيئا ( إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ) أى : إلا كتب لهم بكل واحد مما ذكر عمل صالح ، ينالون بسببه الثواب الجزيل من الله ، لأنه - سبحانه - ( لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين ) وإنما يكافئهم إلى إحسانهم بالأجر العظيم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الله تعالى لما أمر بقوله: ﴿ وَكُونُواْ مَعَ الصادقين ﴾ بوجوب الكون في موافقة الرسول عليه السلام في جميع الغزوات والمشاهد، أكد ذلك فنهى في هذه الآية عن التخلف عنه.

فقال: ﴿ مَا كَانَ لأَهْلِ المدينة وَمَنْ حَوْلَهُمْ مّنَ الأعراب أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ الله ﴾ والأعراب الذين كانوا حول المدينة مزينة، وجهينة، وأشجع، وأسلم، وغفار، هكذا قاله ابن عباس.

وقيل: بل هذا يتناول جميع الأعراب الذين كانوا حول المدينة فإن اللفظ عام، والتخصيص تحكم، وعلى القولين فليس لهم أن يتخلفوا عن رسول الله، ولا يطلبوا لأنفسهم الحفظ والدعة حال ما يكون رسول الله في الحر والمشقة، وقوله: ﴿ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ﴾ يقال: رغبت بنفسي عن هذا الأمر أي توقفت عنه وتركته، وأنا أرغب بفلان عن هذا، أي: أبخل به عليه ولا أتركه.

والمعنى: ليس لهم أن يكرهوا لأنفسهم ما يرضاه الرسول عليه الصلاة والسلام لنفسه.

واعلم أن ظاهر هذه الألفاظ وجوب الجهاد على كل هؤلاء إلا أنا نقول: المرضى والضعفاء والعاجزون مخصوصون بدليل العقل، وأيضاً بقوله تعالى: ﴿ لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا  ﴾ وأيضاً بقوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ  ﴾ الآية وأما أن الجهاد غير واجب على كل أحد بعينه، فقد دل الإجماع عليه فيكون مخصوصاً من هذا العموم وبقي ما وراء هاتين الصورتين داخلاً تحت هذا العموم.

واعلم أنه تعالى لما منع من التخلف بين أنه لا يصيبهم في ذلك السفر نوع من أنواع المشقة إلا وهو يوجب الثواب العظيم عند الله تعالى ثم إنه ذكر أموراً خمسة: أولها: قوله: ﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ﴾ وهو شدة العطش يقال ظمئ فلان إذا اشتد عطشه.

وثانيها: قوله: ﴿ وَلاَ نَصَبٌ ﴾ ومعناه الإعياء والتعب.

وثالثها: ﴿ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ الله ﴾ يريد مجاعة شديدة يظهر بها ضمور البطن ومنه يقال: فلان خميص البطن.

ورابعها: قوله: ﴿ ولا يطئون موطئآ يغيظ الكفار ﴾ أي ولا يضع الإنسان قدمه ولا يضع فرسه حافره، ولا يضع بعيره خفه بحيث يصير ذلك سبباً لغيظ الكفار قال ابن الأعرابي: يقال غاظه وغيظه وأغاظه بمعنى واحد، أي أغضبه.

وخامسها: قوله: ﴿ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَّيْلاً ﴾ أي أسراً وقتلاً وهزيمة قليلاً كان أو كثيراً ﴿ إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ﴾ أي إلا كان ذلك قربة لهم عند الله ونقول دلت هذه الآية على أن من قصد طاعة الله كان قيامه وقعوده ومشيته وحركته وسكونه كلها حسنات مكتوبة عند الله.

وكذا القول في طرف المعصية فما أعظم بركة الطاعة وما أعظم شؤم المعصية، واختلفوا فقال قتادة: هذا الحكم من خواص رسول الله إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر.

وقال ابن زيد: هذا حين كان المسلمون قليلين فلما كثروا نسخها الله تعالى بقوله: ﴿ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً  ﴾ وقال عطية ما كان لهم أن يتخلفوا عن رسول الله إذا دعاهم وأمرهم وهذا هو الصحيح، لأنه تتعين الإجابة والطاعة لرسول الله إذا أمر وكذلك غيره من الولاة والأئمة إذا ندبوا وعينوا لأنا لو سوغنا للمندوب أن يتقاعد لم يختص بذلك بعض دون بعض ولأدى ذلك إلى تعطيل الجهاد.

ثم قال: ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً ﴾ يريد تمرة فما فوقها وعلاقة سوط فما فوقها ولا يقطعون وادياً، والوداي كل مفرج بين جبال وآكام يكون مسلكاً للسيل، والجمع الأودية إلا كتب الله لهم ذلك الإنفاق وذلك المسير.

ثم قال: ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ وفيه وجهان: الأول: أن الأحسن من صفة فعلهم، وفيها الواجب والمندوب والمباح والله تعالى يجزيهم على الأحسن، وهو الواجب والمندوب، دون المباح.

والثاني: أن الأحسن صفة للجزاء، أي يجزيهم جزاء هو أحسن من أعمالهم وأجل وأفضل، وهو الثواب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مَعَ الصادقين ﴾ وقرئ: ﴿ من الصادقين ﴾ وهم الذين صدقوا في دين الله نية وقولاً وعملاً، أو الذين صدقوا في إيمانهم ومعاهدتهم لله ورسوله على الطاعة من قوله: ﴿ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ ﴾ [الأحزاب: 23] وقيل: هم الثلاثة، أي كونوا مثل هؤلاء في صدقهم وثباتهم.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب، أي كونوا مع المهاجرين والأنصار، ووافقوهم وانتظموا في جملتهم، واصدقوا مثل صدقهم.

وقيل لمن تخلف من الطلقاء عن غزوة تبوك.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه: لا يصلح الكذب في جدّ ولا هزل، ولا أن يعد أحدكم صبيه ثم لا ينجزه.

اقرءوا إن شئتم: وكونوا مع الصادقين فهل فيها من رخصة؟

﴿ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ﴾ أمروا بأن يصحبوه على البأساء والضراء، وأن يكابدوا معه الأهوال برغبة ونشاط واغتباط، وأن يلقوا أنفسهم في الشدائد ما تلقاه نفسه، علماً بأنها أعزُّ نفس عند الله وأكرمها عليه.

فإذا تعرضت مع كرامتها وعزّتها للخوض في شدّة وهول، وجب على سائر الأنفس أن تتهافت فيما تعرّضت له، ولا يكترث لها أصحابها ولا يقيموا لها وزناً، وتكون أخفّ شيء عليهم وأهونه، فضلاً عن أن يربئوا بأنفسهم عن متابعتها ومصاحبتها ويضنوا بها على ما سمح بنفسه عليه، وهذا نهي بليغ، مع تقبيح لأمرهم، وتوبيخ لهم عليه، وتهييج لمتابعته بأنفة وحمية ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما دلّ عليه قوله: ما كان لهم أن يتخلفوا من وجوب مشايعته، كأنه قيل ذلك الوجوب ﴿ ب ﴾ سبب ﴿ إِنَّهُمْ لا يُصِيبَهُم ﴾ شيء من عطش، ولا تعب، ولا مجاعة في طريق الجهاد، ولا يدوسون مكاناً من أمكنة الكفار بحوافر خيولهم وأخفاف رواحلهم وأرجلهم.

ولا يتصرفون في أرضهم تصرفاً يغيظهم ويضيق صدورهم ﴿ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَّيْلاً ﴾ ولا يرزءونهم شيئاً بقتل أو أسر أو غنيمة أو هزيمة أو غير ذلك ﴿ إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ﴾ واستوجبوا الثواب ونيل الزلفى عند الله، وذلك مما يوجب المشايعة.

ويجوز أن يراد بالوطء الإيقاع والإبادة، لا الوطء بالأقدام والحوافر، كقوله عليه السلام: «آخر وطأة وطئها الله بوج» والموطئ.

إما مصدر كالمورد وإما مكان فإن كان مكاناً فمعنى يغيظ الكفار: يغيظهم وطئه والنيل أيضاً يجوز أن يكون مصدراً مؤكداً، وأن يكون بمنعى المنيل.

ويقال: نال منه إذا رزأه ونقصه، وهو عام في كل ما يسؤوهم وينكبهم ويلحق بهم ضرراً.

وفيه دليل على أن من قصد خيراً كان سعيه فيه مشكوراً من قيام وقعود ومشي وكلام وغير ذلك، وكذلك الشرّ.

وبهذه الآية استشهد أصحاب أبي حنيفة أنّ المدد القادم بعد انقضاء الحرب يشارك لنا الجيش في الغنيمة، لأنّ وطء ديارهم مما يغيظهم وينكي فيهم.

ولقد أسهم النبي صلى الله عليه وسلم لابني عامر، وقد قدما بعد تقضي الحرب، وأمدّ أبو بكر الصديق رضي الله عنه المهاجر بن أبي أمية وزياد بن أبي لبيد بعكرمة بن أبي جهل مع خمسمائة نفس، فلحقوا بعد ما فتحوا فأسهم لهم.

و عند الشافعي: لا يشارك المدد الغانمين، وقرأ عبيد ابن عمير: ﴿ ظماء ﴾ بالمدح يقال: ظمئ ظماءة وظماء ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ﴾ ولو تمرة ولو علاقة سوط ﴿ وَلاَ كَبِيرَةً ﴾ مثل ما أنفق عثمان رضي الله عنه في جيش العسرة ﴿ وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا ﴾ أي أرضاً في ذهابهم ومجيئهم، والوادي كل منفرج بين جبال وآكام يكون منفذاً للسيل، وهو في الأصل (فاعل) من ودى إذا سال.

ومنه الودي.

وقد شاع في استعمال العرب بمعنى الأرض.

يقولون: لا تصلّ في وادي غيرك ﴿ إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ ﴾ ذلك من الإنفاق وقطع الوادي: ويجوز أن يرجع الضمير فيه إلى عمل صالح وقوله: ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ ﴾ متعلق بكتب أي أثبت في صحائفهم لأجل الجزاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴾ نَهْيٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ النَّفْيِ لِلْمُبالَغَةِ.

﴿ وَلا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ ولا يَصُونُوا أنْفُسَهم عَمّا لَمْ يَصُنْ نَفْسَهُ عَنْهُ ويُكابِدُوا مَعَهُ ما يُكابِدُهُ مِنَ الأهْوالِ.

رُوِيَ: «أنَّ أبا خَيْثَمَةَ بَلَغَ بُسْتانَهُ، وكانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ حَسْناءُ فَرَشَتْ لَهُ في الظِّلِّ وبَسَطَتْ لَهُ الحَصِيرَ وقَرَّبَتْ إلَيْهِ الرُّطَبَ والماءَ البارِدَ، فَنَظَرَ فَقالَ: ظَلٌّ ظَلِيلٌ، ورُطَبٌ يانِعٌ وماءٌ بارِدٌ وامْرَأةٌ حَسْناءُ ورَسُولُ اللَّهِ  في الضِّحِّ والرِّيحِ ما هَذا بِخَيْرٍ، فَقامَ فَرَحَلَ ناقَتَهُ وأخَذَ سَيْفَهُ ورُمْحَهُ ومَرَّ كالرِّيحِ، فَمَدَّ رَسُولُ اللَّهِ  طَرْفَهُ إلى الطَّرِيقِ فَإذا بِراكِبٍ يَزْهاهُ السَّرابُ فَقالَ: كُنْ أبا خَيْثَمَةَ فَكانَهُ فَفَرِحَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ  واسْتَغْفَرَ لَهُ» وفي (لا يَرْغَبُوا) يَجُوزُ النَّصْبُ والجَزْمُ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ما كانَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّخَلُّفِ أوْ وُجُوبِ المُشايَعَةِ.

﴿ بِأنَّهُمْ ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم.

﴿ لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ﴾ شَيْءٌ مِنَ العَطَشِ.

﴿ وَلا نَصَبٌ ﴾ تَعَبٌ.

﴿ وَلا مَخْمَصَةٌ ﴾ مَجاعَةٌ.

﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ ﴾ ولا يَدُوسُونَ.

﴿ مَوْطِئًا ﴾ مَكانًا.

﴿ يَغِيظُ الكُفّارَ ﴾ يُغْضِبُهم وطْؤُهُ.

﴿ وَلا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلا ﴾ كالقَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ.

﴿ إلا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ ﴾ إلّا اسْتَوْجَبُوا بِهِ الثَّوابَ وذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ المُشايَعَةَ.

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ عَلى إحْسانِهِمْ، وهو تَعْلِيلٌ لِـ ﴿ كُتِبَ ﴾ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الجِهادَ إحْسانٌ، أمّا في حَقِّ الكُفّارِ فَلِأنَّهُ سَعى في تَكْمِيلِهِمْ بِأقْصى ما يُمْكِنُ كَضَرْبِ المُداوِي لِلْمَجْنُونِ، وأمّا في حَقِّ المُؤْمِنِينَ فَلِأنَّهُ صِيانَةٌ لَهم عَنْ سَطْوَةِ الكُفّارِ واسْتِيلائِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{مَا كَانَ لأهْلِ المدينة وَمَنْ حَوْلَهُمْ مّنَ الأعراب أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ الله} المراد بهذا النفي النهي وخص هؤلاء بالذكر وإن استوى كل الناس في ذلك لقربهم منه ولا يخفى عليهم خروجه {وَلاَ يَرْغَبُواْ} ولا أن يضنوا {بِأَنفُسِهِمْ عن نفسه}

عما يصيب نفسه أى لا يختاروا بقاء أنفسهم على نفسه في الشدائد بل أمروا بأن يصحبوه في البأساء والضراء ويلقوا أنفسهم بين يديه في كل شدة {ذلك} النهي عن التخلف {بِأَنَّهُمْ} بسبب أنهم {لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ} عطش {وَلاَ نَصَبٌ} تعب {وَلاَ مَخْمَصَةٌ} مجاعة {فِى سَبِيلِ الله} في الجهاد {وَلاَ يطؤون مَوْطِئًا} ولا يدوسون مكاناً من أمكنة الكفار بحوافر خيولهم واخفاف وراحلهم وأرجلهم {يَغِيظُ الكفار} يغضبهم ويضيق صدورهم {وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَّيْلاً} ولا يصيبون منهم إصابة بقتل أو أسر أو جرح أو كسر أو هزيمة {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عمل صالح} عن ابن عباس رضى الله عنهما لكل روعة سبعون ألف حسنة يقال نال منه إذا رزأه ونقصه وهو عام في كل ما يسوءهم وفيه دليل على أن من قصد خيراً كان سعيه فيه مشكوراً من قيام وقعود ومشي وكلام وغير ذلك وعلى أن المدد يشارك الجيش في الغنيمة بعد انقضاء الحرب لأن وطء ديارهم مما يغيظهم وقد أسهم النبى صلى الله عليه وسلم لابني عامر وقد قدما بعد تقضي الحرب والموطئ إما مصدر كالمورد وإما مكان فإن كان مكانا

فمعنى يغيظ الكفار يغيطهم وطؤه {إِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين} أي أنهم محسنون والله لا يبطل ثوابهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ما كانَ ﴾ أيْ ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ ﴿ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ ﴾ كَمُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ وأشْجَعَ وغِفارٍ وأسْلَمَ وأضْرابِهِمْ ﴿ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴾ عِنْدَ تَوَجُّهِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الغَزْوِ ﴿ ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ أيْ لا يَصْرِفُوها عَنْ نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ ولا يَصُونُوها عَمّا لَمْ يَصُنْها عَنْهُ بَلْ يُكابِدُونَ ما يُكابِدُهُ مِنَ الشَّدائِدِ وأصْلُهُ لا يَتَرَفَّعُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ بِأنْ يَكْرَهُوا لِأنْفُسِهِمُ المَكارِهَ ولا يَكْرَهُوها لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَلْ عَلَيْهِمْ أنْ يَعْكِسُوا القَضِيَّةَ وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ الواحِدِيِّ حَيْثُ قالَ: يُقالُ رَغِبْتُ بِنَفْسِي عَنْ هَذا الأمْرِ أيْ تَرَفَّعْتُ عَنْهُ وفي النِّهايَةِ يُقالُ: رَغِبْتُ بِفُلانٍ عَنْ هَذا الأمْرِ أيْ كَرِهْتُ لَهُ ذَلِكَ وجُوِّزَ في ﴿ يَرْغَبُوا ﴾ النَّصْبُ بِعَطْفِهِ عَلى ﴿ يَتَخَلَّفُوا ﴾ المَنصُوبِ بِأنْ وإعادَةُ (لا) لِتَذْكِيرِ النَّفْيِ وتَأْكِيدِهِ وهو الظّاهِرُ والجَزْمُ عَلى النَّهْيِ وهو المُرادُ مِنَ الكَلامِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ النَّفْيِ لِلْمُبالَغَةِ وخَصَّ أهْلَ المَدِينَةِ بِالذِّكْرِ لِقُرْبِهِمْ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعِلْمِهِمْ بِخُرُوجِهِ، وظاهِرُ الآيَةِ وُجُوبُ النَّفِيرِ إذا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى الغَزْوِ بِنَفْسِهِ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ اسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّ الجِهادَ كانَ فَرْضَ عَيْنٍ في عَهْدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبِهِ قالَ ابْنُ بَطّالٍ: وعَلَّلَهُ بِأنَّهم بايَعُوهُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلا يَجِبُ النَّفِيرُ مَعَ أحَدٍ مِنَ الخُلَفاءِ ما لَمْ يَلُمِ العَدُوَّ ولَمْ يُمْكِنْ دَفْعُهُ بِدُونِهِ وقَدَّرَ بَعْضُهم في الآيَةِ مُضافًا إلى رَسُولِ اللَّهِ أيْ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ وعَلَيْهِ يَكُونُ الحُكْمُ عامًّا وفِيهِ بَحْثٌ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ حُكْمَ الآيَةِ حِينَ كانَ الإسْلامُ قَلِيلًا فَلَمّا كَثُرَ وفَشا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الإسْلامَ كانَ فاشِيًا عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، ولا يَخْفى ما في الآيَةِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالمُتَخَلِّفِينَ رَغْبَةً بِاللَّذائِذِ وسُكُونًا إلى الشَّهَواتِ غَيْرَ مُكْتَرِثِينَ بِما يُكابِدُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ كانَ تَخَلُّفُ جَماعَةٍ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما عَلِمْتَ لِذَلِكَ وجاءَ أنَّ أُناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ تَخَلَّفُوا ثُمَّ إنَّ مِنهم مَن نَدِمَ وكَرِهَ مَكانَهُ فَلَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَيْرَ مُبالٍ بِالشَّدائِدِ كَأبِي خَيْثَمَةَ فَقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - بَلَغَ بُسْتانَهُ وكانَتْ لَهُ امْرَأةٌ حَسْناءُ فَرَشَتْ لَهُ في الظِّلِّ وبَسَطَتْ لَهُ الحَصِيرَ وقَرَّبَتْ إلَيْهِ الرُّطَبَ والماءَ البارِدَ فَنَظَرَ فَقالَ: ظِلٌّ ظَلِيلٌ ورُطَبٌ يانِعٌ وماءٌ بارِدٌ وامْرَأةٌ حَسْناءُ ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الضِّحِّ والرِّيحِ ما هَذا بِخَيْرِ مَقامٍ، فَرَحَّلَ ناقَتَهُ وأخَذَ سَيْفَهُ ورُمْحَهُ ومَرَّ كالرِّيحِ فَمَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ طَرْفَهُ إلى الطَّرِيقِ فَإذا بِراكِبٍ يَزْهاهُ السَّرابُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: كُنْ أبا خَيْثَمَةَ فَكانَهُ فَفَرِحَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واسْتَغْفَرَ لَهُ» ﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن وُجُوبِ المُشايَعَةِ ﴿ بِأنَّهُمْ ﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿ لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ﴾ أيْ شَيْءٌ مِنَ العَطَشِ وقُرِئَ بِالمَدِّ والقَصْرِ ﴿ ولا نَصَبٌ ﴾ ولا تَعَبٌ ما ﴿ ولا مَخْمَصَةٌ ﴾ ولا مَجاعَةٌ ما ﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ في جِهادِ أعْدائِهِ أوْ في طاعَتِهِ سُبْحانَهُ مُطْلَقًا ﴿ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ﴾ أيْ يُغْضِبُهم ويُضَيِّقُ صُدُورَهم والوَطْءُ الدَّوْسُ بِالأقْدامِ ونَحْوِها كَحَوافِرِ الخَيْلِ وقَدْ يُفَسَّرُ بِالإيقاعِ والمُحارَبَةِ ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: آخِرُ وطْأةٍ وطَأها اللَّهُ تَعالى بِوَجٍّ.

والمَوْطِئُ اسْمُ مَكانٍ عَلى الأشْهَرِ الأظْهَرِ، وفاعِلُ ﴿ يَغِيظُ ﴾ ضَمِيرُهُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ يَغِيظُ وطْؤُهُ لِأنَّ المَكانَ نَفْسَهُ لا يَغِيظُ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا عائِدًا إلى الوَطْءِ الَّذِي في ضِمْنِهِ، وإذا جُعِلَ المَوْطِئُ مَصْدَرًا كالمَوْرِدِ فالأمْرُ ظاهِرٌ ﴿ ولا يَنالُونَ ﴾ أيْ ولا يَأْخُذُونَ ﴿ مِن عَدُوٍّ نَيْلا ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الأخْذِ فَهو مَصْدَرٌ كالقَتْلِ والأسْرِ والفِعْلُ نالَ يَنِيلُ وقِيلَ: نالَ يَنُولُ فَأصْلُ نَيْلًا نَوْلًا فَأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً عَلى غَيْرِ القِياسِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَأْخُوذِ فَهو مَفْعُولٌ بِهِ لَيَنالُونَ أيْ لا يَنالُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا ﴿ كُتِبَ لَهم بِهِ ﴾ أيْ بِالمَذْكُورِ وهو جَمِيعُ ما تَقَدَّمَ ولِذا وحَّدَ الضَّمِيرَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ عَلى البَدَلِ: قالَ النَّسَفِيُّ وحَّدَ الضَّمِيرَ لِأنَّهُ لَمّا تَكَرَّرَتْ لا صارَ كُلُّ واحِدٍ مِنها عَلى البَدَلِ مُفْرَدًا بِالذِّكْرِ مَقْصُودًا بِالوَعْدِ ولِذا قالَ فُقَهاؤُنا: لَوْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ خُبْزًا ولا لَحْمًا حَنِثَ بِواحِدٍ مِنهُما ولَوْ حَلِفَ لا يَأْكُلُ لَحْمًا وخُبْزًا لَمْ يَحْنَثْ إلّا بِالجَمْعِ بَيْنَهُما والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ﴿ ظَمَأٌ ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ أيْ لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا كَذا إلّا مَكْتُوبًا لَهم بِهِ ﴿ عَمَلٌ صالِحٌ ﴾ أيْ ثَوابُ ذَلِكَ فالكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ وقَدْ يُجْعَلُ كِنايَةً عَنِ الثَّوابِ وأُوِّلَ بِهِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِن كِتابَةِ الأعْمالِ والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ والمُرادُ أنَّهم يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ اسْتِحْقاقًا لازِمًا بِمُقْتَضى وعْدِهِ تَعالى لا بِالوُجُوبِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ مَن قَصَدَ خَيْرًا كانَ سَعْيُهُ فِيهِ مَشْكُورًا مِن قِيامٍ وقُعُودٍ ومَشْيٍ وكَلامٍ وغَيْرِ ذَلِكَ وعَلى أنَّ المَدَدَ يُشارِكُ الجَيْشَ في الغَنِيمَةِ بَعْدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ لِأنَّ وطْءَ دِيارِهِمْ مِمّا يَغِيظُهم ولَقَدْ أسْهَمَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِابْنَيْ عامِرٍ وقَدْ قَدِما بَعْدَ تَقَضِّي الحَرْبِ واسْتَدَلَّ بِها - عَلى ما نَقَلَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ - أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى جَوازِ الزِّنا بِنِساءِ أهْلِ الحَرْبِ في دارِ الحَرْبِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ 120﴾ عَلى إحْسانِهِمْ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْكُتُبِ، والمُرادُ بِالمُحْسِنِينَ إمّا المَبْحُوثُ عَنْهم ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِمَدْحِهِمْ والشَّهادَةِ لَهم بِالِانْتِظامِ في سِلْكِ المُحْسِنِينَ وأنَّ أعْمالَهم مِن قَبِيلِ الإحْسانِ ولِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ المَأْخَذِ لِلْحُكْمِ وإمّا الجِنْسُ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ، - أي اخشوا الله ولا تعصوه، وهم من أسلم من أهل الكتاب وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١)  إلى الغزو بإخلاص نية، ويقال: هذا الخطاب للمنافقين الذين كانوا يعتذرون بالكذب، ومعناه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا في العلانية اتَّقُوا اللَّهَ، وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ أي مع الذين صدقوا.

وروي عن كعب بن مالك أنه قال: فينا نزلت: وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ وقال الكلبي: وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ يعني: المهاجرين والأنصار الذين صلوا إلى القبلتين، وقال مقاتل: هم الذين وصفهم الله تعالى في آية أخرى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [النور: 62] الآية ويقال: مَعَ الصَّادِقِينَ في إيمانهم، يعني: أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً رضوان الله عليهم أجمعين حدّثنا الفقيه أبو جعفر قال: حدثنا أبو بكر القاضي قال: حدثنا أحمد بن جرير قال: حدثنا قتيبة قال: حدثنا عبد الرحمن المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ قال: أمروا أن يكونوا مع أبي بكر وعمر وأصحابهما.

قوله تعالى: مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ، يعني: المنافقين الذين بالمدينة وحوالي المدينة.

أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ في الغزو وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ، يعني: لا ينبغي أن يكونوا بأنفسهم أبرّ وأشفق من نفس محمد  .

وأن يتركوا محبته، ويقال: وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ، يعني: لا يركنوا بإبقاء أنفسهم على إبقاء نفسه، يعني: ينبغي لهم أن يتبعوه حيث ما يريد.

ذلِكَ، يعني: النهي عن التخلف، ويقال: ذلك التحضيض الذي حضّهم عليه.

بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ في غزوهم ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ، يعني: ولا تعب ولا مشقة في أجسادهم.

ثم قال: وَلا مَخْمَصَةٌ، يعني: مجاعة.

فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً، يعني: لا يطئون أرضاً وموضعاً من سهل أو جبل.

يَغِيظُ الْكُفَّارَ، يعني: يحزن الكفار بهم، وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا، يعني: لا يصيبون من عدو قتلاً أو غارة أو هزيمة، إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ، يعني: يضاعف حسناتهم على حسنات القاعدين إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، يقول: لا يبطل ثواب المجاهدين.

وفي هذه الآية دليل أن ما أصاب الإنسان من الشدة يكتب له بذلك ثواب.

قال بعضهم: لا يكتب له بالشدة ثواب، ولكن يحط عنه الخطيئة، وقال بعضهم: لا يكون بالمشقة أجر، ولكن بالصبر على ذلك.

ثم قال تعالى: وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً يعني: في الجهاد صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً، يعني: قليلاً ولا كثيراً.

وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً من الأودية مقبلين إلى العدو أو مدبرين إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ يعني كتب لهم ثواب لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ يقول: ليجزيهم بأعمالهم، ويقال يجزيهم أحسن من أعمالهم، لأنه يعطي بحسنة واحدة عشرة، إلى سبعمائة، إلى ما لا يدرك حسابه، ويقال: ليجزيهم بأحسن أعمالهم وتصير سائر أعمالهم فضلا.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الشيخُ ابْنُ أبي جَمْرة رحمه اللَّه: قال بعضُ أهْل التوفيق: إِذا نزلَتْ بي نازلةٌ مَا مِنْ أي نوع كانَتْ، فَأُلْهِمْتُ فيها اللَّجَأَ، فلا أبالي بها، / واللَّجَأُ على وجوه منها: الاشتغال بالذِّكْرِ والتعبُّدِ وتفويض الأمر له عزَّ وجلَّ، لقوله تعالى على لسان نبيه: «مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلتي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائلين» «١» ، ومنها: الصَّدَقة، ومنها: الدعاء، فكيفَ بالمَجْمُوع.

انتهى.

وقوله سبحانه: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا لما كان هذا القولُ في تعديد النعم، بدأ في ترتيبه بالجهَة الَّتي هي عن الله عز وجلّ ليكون ذلك مِنْها على تلقِّي النعمة مِنْ عنده لا رَبَّ غيره، ولو كان هذا القولُ في تعديد ذَنْبٍ، لكان الابتداء بالجهة التي هي على المذنب، كما قال عز وجل: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥] ليكون ذلك أشدَّ تقريراً للذنْب عليهم، وهذا مِنْ فصاحة القُرآن وبديعِ نظمِهِ ومُعْجِزِ اتساقه.

وبيانُ هذه الآيةِ ومواقعِ ألفاظها إِنما يَكْمُلُ مع مطالعة حديثِ الثلاثة الذين خُلِّفوا في الكُتُب المذكورة، فَانظره، وإِنما عَظُم ذنبهم، واستحقوا عليه ذلك، لأن الشرع يطلبهم مِنَ الجِدِّ فيه بحَسَب منازلهم منه، وتقدُّمهم فيه إِذ هم أُسْوة وحُجَّة للمنافقين، والطاعنين، إِذ كان كعْبٌ من أهْل العقبة، وصاحباه من أهْل بدر، وفي هذا ما يقتضي أَنَّ الرجُلَ العَالِمَ والمُقْتَدَى به أَقلُّ عذراً في السقوطِ مِنْ سواه، وكَتَب الأوزاعيُّ رحمه اللَّه إلى أبي جَعْفَرِ المنصورِ في آخر رسالةٍ: واعلم أَنَّ قرابتك من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لَنْ تَزِيدَ حَقَّ اللَّهِ عَلَيْكَ إِلاَّ عَظِماً، ولا طاعَتَهُ إِلا وجُوباً، ولا النَّاسَ فيما خالف ذلك منك إلّا إنكارا، والسلام.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ هذا الأمر بالكوْن مع الصَّادقين حَسَنٌ بعد قصَّة الثلاثة حين نَفَعَهم الصِّدْق، وذَهَبَ بهم عن منازل المنافقين،

وكان ابنُ مسعودٍ يتأوَّل الآية في صِدْق الحديث «١» ، وإِليه نحا كَعْبُ بنُ مالك.

وقوله سبحانه: مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ...

الآية هذه الآية معاتبةٌ للمؤمنين من أهل يَثْرِبَ وقبائل العرب المُجَاورة لها، على التخلُّف عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في غزوةٍ، وقُوَّةُ الكلام تعطي الأمر بِصُحْبَتِهِ أَيْنَ ما توجَّه غازياً وبَذْلِ النفوس دونه، و «المخُمَصَة» مَفْعَلَةٌ من خُمُوص البَطْنِ، وهو ضُمُوره واستعير ذلك لحالة الجُوع، إِذ الخُمُوص ملازمٌ له، ومن ذلك قولُ الأَعْشَى: [الطويل]

تَبِيتُونَ في المَشْتى مِلاَءً بُطُونُكُمْ ...

وَجَارَاتُكُمْ غَرْثَى «٢» يَبِتْنَ خَمَائِصَا «٣»

وقوله: وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا: لفظٌ عامٌّ لقليلِ ما يصنعه المؤمنون بالكَفَرةِ- من أخْذ مالٍ، أو إِيراد هوانٍ- وكثيره ونَيْلًا: مصدر نَالَ يَنَالُ وفي الحديث: «مَا ازداد قومٌ مِنْ أَهْلِيهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بُعْداً إِلاَّ ازدادوا مِنَ اللَّهِ قُرْباً» .

ت: وروى أَبو داود في «سننه» ، عن أبي مالكٍ الأشعريّ، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «مَنْ فَصَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَمَاتَ، أَوْ قُتِلَ، فَهُوَ شَهِيدٌ، أَوْ وَقَصَهُ فَرَسُهُ أَوْ بَعِيرُهُ أَوْ لَدَغَتْهُ هَامَّةٌ، أَوْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ بِأَيِّ حَتْفٍ شَاءَ اللَّهُ فَإِنَّهُ شَهِيدٌ، وإِنَّ لَهُ الْجَنَّةَ» ، انتهى «٤» .

قال ابنُ العربي «٥» في «أحكامه» : قَوْلُه عزَّ وجلَّ: وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ: يعني إِلاَّ كُتِبَ لهم ثوابُهُ، وكذلك قال في المجاهد: «إِنَّ أَرْوَاثَ دَوَابِّهِ وأَبْوَالَهَا حَسَنَاتٌ له» وَكَذَلِكَ أَعطَى سبحانه لأَهْل العُذْر من الأجر ما أعطى للقويّ العامل بفضله،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: مُزَيَّنَةَ، وجُهَيْنَةَ، وأشْجَعَ، وأسْلَمَ.

وغِفارَ، ﴿ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴾ في غَزْوَةٍ غَزاها، ﴿ وَلا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ لا يَرْضَوْا لِأنْفُسِهِمْ بِالخَفْضِ والدَّعَةِ ورَسُولُ اللَّهِ في الحَرِّ والمَشَقَّةِ.

يُقالُ: رَغِبَتُ بِنَفْسِي عَنَ الشَّيْءِ: إذا تَرَفَّعْتُ عَنْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ذَلِكَ أيْ: ذَلِكَ النَّهْيُ عَنَ التَّخَلُّفِ ﴿ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ﴾ وهو العَطَشُ ﴿ وَلا نَصَبٌ ﴾ وهو التَّعَبُ ﴿ وَلا مَخْمَصَةٌ ﴾ وهى المَجاعَةُ ﴿ وَلا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلا ﴾ أسْرًا أوْ قَتْلًا أوْ هَزِيمَةً، فَأعْلَمَهُمُ اللهُ أنْ يُجازِيهِمْ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَمْرَةٌ فَما فَوْقَها.

﴿ وَلا يَقْطَعُونَ وادِيًا ﴾ مُقْبِلِينَ أوْ مُدْبِرِينَ ﴿ إلا كُتِبَ لَهُمْ ﴾ أيْ: أثْبَتَ لَهم أجْرَ ذَلِكَ.

﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ﴾ أيْ: بِأحْسَنِ ﴿ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ * فَصْلٌ قالَ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآَيَةِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: كانَ في أوَّلِ الأمْرِ لا يَجُوزُ التَّخَلُّفُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  حِينَ كانَ الجِهادُ يُلْزِمُ الكُلَّ؛ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً  ﴾ ؛ وَقالَتْ طائِفَةٌ فَرَضَ اللَّهُ تَعالى عَلى جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ في زَمانِ النَّبِيِّ  مِمَّنْ لا عُذْرَ لَهُ الخُرُوجَ مَعَهُ لِشَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الواجِبِ عَلَيْهِمْ أنْ يَقُوهُ بِأنْفُسِهِمْ.

والثّانِي: أنَّهُ إذا خَرَجَ الرَّسُولُ فَقَدْ خَرَجَ الدِّينُ كُلُّهُ، فَأُمِرُوا بِالتَّظاهُرِ لِئَلّا يَقِلَّ العَدَدُ، وهَذا الحُكْمُ باقٍ إلى وقْتِنا؛ فَلَوْ خَرَجَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ إلى الجِهادِ، وجَبَ عَلى عامَّةِ المُسْلِمِينَ مُتابَعَتُهُ لِما ذَكَرْنا.

فَعَلى هَذا الآَيَةُ مَحْكَمَةٌ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ: لَكُلِّ آَيَةٍ وجْهُها، ولَيْسَ لِلنَّسَخِ عَلى إحْدى الآَيَتَيْنِ طَرِيقٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عن رَسُولِ اللهِ ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عن نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِنَ عَدُوٍّ نَيْلا إلا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إنَّ اللهِ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلا كُتِبَ لَهم لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ هَذِهِ مُعاتَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ يَثْرِبَ وقَبائِلِ العَرَبِ المُجاوِرَةِ لَها عَلى التَخَلُّفِ عن رَسُولِ اللهِ  في غَزْوِهِ، وقُوَّةُ الكَلامِ تُعْطِي الأمْرَ بِصُحْبَتِهِ إلى تَوَجُّهِهِ غازِيًا وبَذْلِ النُفُوسِ دُونَهُ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ، فَقالَ قَتادَةُ: كانَ هَذا الإلْزامُ خاصًّا مَعَ النَبِيِّ  ووُجُوبِ النَفْرِ إلى الغَزْوِ إذا خَرَجَ هو بِنَفْسِهِ، ولَمْ يَبْقَ هَذا الحُكْمُ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الخُلَفاءِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَ هَذا الأمْرُ والإلْزامُ في قِلَّةِ الإسْلامِ والِاحْتِياجِ إلى اتِّصالِ الأيْدِي ثُمَّ نُسِخَ عِنْدَ قُوَّةِ الإسْلامِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ في الِانْبِعاثِ إلى غَزْوِ العَدُوِّ عَلى الدُخُولِ في الإسْلامِ، وأمّا إذا ألَمَّ العَدُوُّ بِجِهَةٍ فَمُتَعَيَّنٌ عَلى كُلِّ أحَدٍ القِيامُ بِذَبِّهِ ومُكافَحَتِهِ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ ﴾ فَمَعْناهُ ألّا يَتَحَمَّلَ رَسُولُ اللهِ  في اللهِ مَشَقَّةً ويَجُودَ بِنَفْسِهِ في سَبِيلِ اللهِ فَيَقَعَ مِنهم شُحٌّ عَلى أنْفُسِهِمْ ويَكِعُّونَ عَمّا دَخَلَ هو فِيهِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى لِمَ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ التَخَلُّفُ عن رَسُولِ اللهِ  بِقَوْلِهِ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهُمْ ﴾ ...

الآيَةُ.

والنَصَبُ: التَعَبُ.

ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ: كِلِينِي لِهَمٍّ يا أُمَيْمَةُ ناصِبِ ∗∗∗.........................

أيْ: ذِي نَصْبٍ.

ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا  ﴾ .

والمَخْمَصَةُ: مَفْعَلَةٌ مِن خَمْصِ البَطْنِ وهو ضُمُورُهُ، واسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِحالَةِ الجُوعِ إذِ الخُمُوصُ مُلازِمٌ لَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى: تَبِيتُونَ في المَشْتى مِلاءً بُطُونُكم...

وجاراتُكم غَرْثى يَبِتْنَ خَمائِصا ومِنهُ: "أخْمَصُ القَدَمِ"، والخُمْصانَةُ مِنَ النِساءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا ﴾ أيْ: ولا يَنْتَهُونَ مِنَ الأرْضِ مُنْتَهًى مُؤْذِيًا لِلْكُفّارِ، وذَلِكَ هو الغائِظُ، ومِنهُ في "المُدَوَّنَةِ": "كُنّا لا نَتَوَضَّأُ مِن مَوْطِئٍ" مِن قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلا ﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِقَلِيلِ ما يَصْنَعُهُ المُؤْمِنُونَ بِالكَفَرَةِ مِن أخْذِ مالٍ أو إيرادِ هَوانٍ وكَثِيرِهِ، والنَيْلُ: مَصْدَرُ نالَ يَنالُ، ولَيْسَ مِن قَوْلِهِمْ: نِلْتُ أنُولُهُ نَوْلًا ونَوالًا، وقِيلَ: هو مِنهُ وبُدِّلَتِ الواوُ ياءً لِخِفَّتِها هُنا، وهَذا ضَعِيفٌ، والطَبَرِيُّ قَدْ ذَكَرَ نَحْوَهُ وضَعَّفَهُ وقالَ: لَيْسَ ذَلِكَ المَعْرُوفَ مِن كَلامِ العَرَبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُنْفِقُونَ ﴾ الآيَةُ، قَدَّمَ الصَغِيرَةَ لِلِاهْتِمامِ، أيْ: إذا كُتِبَتِ الصَغِيرَةُ فالكَبِيرَةُ أحْرى، والوادِي: ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ كانَ فِيهِ ماءٌ أو لَمْ يَكُنْ، وجَمْعُهُ أودِيَةٌ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ فاعِلٌ وأفْعِلَةٌ إلّا في هَذا الحَرْفِ وحْدَهُ، وفي الحَدِيثِ: « "ما ازْدادَ قَوْمٌ مِن أهْلِيهِمْ في سَبِيلِ اللهِ بُعْدًا إلّا ازْدادُوا مِنَ اللهِ قُرْبًا"».

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي لإيجاب الغزو على أهل المدينة ومن حولهم من أهل باديتها الحافّين بالمدينة إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم للغزو.

فهذا وجوب عيني على هؤلاء شرفهم الله بأن جعلهم جند النبي صلى الله عليه وسلم وحَرَس ذاته.

والذين هم حول المدينة من الأعراب هم: مُزينة، وأشجع، وغِفار، وجُهينة، وأسلم.

وصيغة ﴿ ما كان لأهل المدينة ﴾ خبر مستعمل في إنشاء الأمر على طريق المبالغة، إذ جعل التخلف ليس مما ثبت لهم، فهم برآء منه فيثبت لهم ضده وهو الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا غزا.

فيه ثناء على أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب لما قاموا به من غزو تبوك، فهو يقتضي تحريضهم على ذلك كما دل عليه قوله: ﴿ ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ﴾ الخ.

وفيه تعريض بالذين تخلفوا من أهل المدينة ومن الأعراب.

وذلك يدل على إيجاب النفير عليهم إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم للغزو.

وقال قتادة وجماعة: هذا الحكم خاص بخروج النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره من الخلفاء والأمراء فهو مُحكم غير منسوخ.

وبذلك جزم ابن بَطال من المالكية.

قال زيد بن أسلم وجابر بن زيد: كان هذا حكماً عاماً في قلة الإسلام واحتياجه إلى كثرة الغزاة ثم نسخ لما قوي الإسلام بقوله تعالى: ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴾ [التوبة: 122] فصار وجوب الجهاد على الكفاية.

وقال ابن عطية: هذا حكم من استنفرهم الإمام بالتعيين لأنه لو جاز لهؤلاء التخلف لتعطل الخُروج.

واختاره فخر الدين.

والتخلف: البقاء في المكان بعدَ الغير ممن كان معه فيه، وقد تقدم عند قوله: ﴿ فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله ﴾ [التوبة: 81].

والرغبة تُعدّى بحرف (في) فتفيد معنى مودة تحصيل الشيء والحرص فيه، وتُعدى بحرف (عن) فتفيد معنى المجافاة للشيء، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ ومن يرغب عن ملة إبراهيم ﴾ [البقرة: 130] وهي هنا معداة ب (عن).

أريد برغبتهم عن نفسه محبتهم أنفسهم وحرصهم على سلامتها دون الحرص على سلامة نفس الرسول، فكأنهم رغبوا عن نفسه إذ لم يخرجوا معه مُلاَبسين لأنفسهم، أي محتفظين بها لأنهم بمقدار من يتخلف منهم يزداد تعرض نفس الرسول من التلف قرباً، فتخلف واحد منهم عن الخروج معه عون على تقريب نفس الرسول عليه الصلاة والسلام من التلف فلذلك استعير لهذا التخلف لفظ الرغبة عنه.

والباء في قوله: ﴿ بأنفسهم ﴾ للملابسة وهي في موضع الحال.

نزل الضن بالأنفس والحذر من هلاكها بالتلبس بها في شدة التمكن فاستعمل له حرف باء الملابسة.

وهذه ملابسة خاصة وإن كانت النفوس في كل حال متلبساً بها.

وهذا تركيب بديع الإيجاز بالغ الإعجاز.

قال في «الكشاف»: «أمروا أن يُلَقُّوا أنفسَهم من الشدائد ما تلقاه نفسه علماً بأنها أعَز نفس عند الله وأكرمها عليه فإذا تعرضت مع كرامتها وعزتها للخوض في شدة وهول وجب على سائر الأنفس أن تتهافت فيما تعرضت له» اه.

وهذا نهي بليغ وتوبيخ لهم وتهييج لمتابعته بأنفة وحمية.

والإشارة ب ﴿ ذلك ﴾ إلى نفي كون التخلف عن الرسول ثابتاً لهم، أي أن ما ينالونه من فضل وثواب وأجر عظيم يقضي بأنه ما يكون لهم أن يتخلفوا عن رسول الله.

والباء في ﴿ بأنهم ﴾ للسببية.

والظَّمأ: العطش، والنصَب: التعب، والمخمصة: الجوع.

وتقدم في قوله: ﴿ فمن اضطر في مخمصة ﴾ في سورة العقود (3).

والوطء: الدوس بالأرجل.

والمَوْطئ: مصدر ميمي للوطء.

والوطء في سبيل الله هو الدوس بحوافر الخيل وأخفاف الإبل وأرجل الغزاة في أرض العدو، فإنه الذي يغيظ العدو ويغضبه لأنه يأنف من وطء أرضه بالجيش، ويجوز أن يكون الوطء هنا مستعاراً لإذلال العدو وغلبته وإبادته، كقول الحارث بن وَعْلة الذُهْلي من شعراء الحماسة: ووطئتَنَا وَطئاً على حنق *** وَطْء المُقَيّد نابِتَ الهَرْم وهو أوفق بإسناد الوطء إليهم.

والنيل: مصدر (ينالون).

يقال: نال منه إذا أصابه برزء.

وبذلك لا يقدَّر له مفعول.

وحرف (من) مستعمل في التبعيض المجازي المتحقق في الرزية.

ورزءُ العدو يكون من ذوات الأعداء بالأسر، ويكون من متاعهم وأموالهم بالسبي والغنم.

والاستثناء مفرغ من عموم الأحوال.

فجملة: كتب لهم به عمل صالح } في موضع الحال، وأغنى حرف الاستثناء عن اقترانها بقد.

والضمير في (به) عائد على (نصَب) وما عطف عليه إما بتأويل المذكور وإما لأن إعادة حرف النفي جعلت كل معطوف كالمستقل بالذكر، فأعيد الضمير على كل واحد على البدل كما يعاد الضمير مفرداً على المتعاطفات ب (أو) باعتبار أن ذلك المتعدد لا يكون في نفس الأمر إلا واحد منه.

ومعنى: ﴿ كتب لهم به عمل صالح ﴾ أن يكتب لهم بكل شيء من أنواع تلك الأعمال عمل صالح، أي جعَل الله كل عمل من تلك الأعمال عملاً صالحاً وإن لم يقصِد به عاملوه تقرباً إلى الله فإن تلك الأعمال تصدر عن أصحابها وهم ذاهلون في غالب الأزمان أو جميعها عن الغاية منها فليست لهم نيات بالتقرب بها إلى الله ولكن الله تعالى بفضله جعلها لهم قربات باعتبار شرف الغاية منها.

وذلك بأن جعل لهم عليها ثواباً كما جعل للأعمال المقصود بها القربة، كما ورد أن نوم الصائم عبادة.

وقد دل على هذا المعنى التذييل الذي أفاد التعليل بقوله: ﴿ إن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ .

ودل هذا التذييل على أنهم كانوا بتلك الأعمال محسنين فدخلوا في عموم قضية ﴿ إن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ بوجه الإيجاز.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وما كانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَنْفِرُوا جَمِيعًا لِأنَّ فَرْضَهُ صارَ عَلى الكِفايَةِ وهَذا ناسِخٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مَعْناهُ وما كانَ لِلْمُؤْمِنِينَ إذا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ  سَرِيَّةً أنْ يَخْرُجُوا جَمِيعًا فِيها ويَتْرُكُوا رَسُولَ اللَّهِ  وحْدَهُ بِالمَدِينَةِ حَتّى يُقِيمَ مَعَهُ بَعْضُهم، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ.

قالَ الكَلْبِيُّ: وسَبَبُ نُزُولِ ذَلِكَ أنَّ المُسْلِمِينَ بَعْدَ أنْ عُيِّرُوا بِالتَّخَلُّفِ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ تَوَفَّرُوا عَلى الخُرُوجِ في سَرايا رَسُولِ اللَّهِ  وتَرَكُوهُ وحْدَهُ بِالمَدِينَةِ، فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ.

﴿ فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِتَتَفَقَّهَ الطّائِفَةُ الباقِيَةُ إمّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  في جِهادِهِ، وإمّا مُهاجِرَةً إلَيْهِ في إقامَتِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: لِتَتَفَقَّهَ الطّائِفَةُ المُتَأخِّرَةُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  عَنِ النُّفُورِ في السَّرايا، ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: فَهَلّا إذا نَفَرُوا أنْ تُقِيمَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  في الدِّينِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لِيَتَفَقَّهُوا في أحْكامِ الدِّينِ ومَعالِمِ الشَّرْعِ ويَتَحَمَّلُوا عَنْهُ ما يَقَعُ بِهِ البَلاغُ ويُنْذِرُوا بِهِ قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ.

الثّانِي: لِيَتَفَقَّهُوا فِيما يُشاهِدُونَهُ مِن نَصْرِ اللَّهِ لِرَسُولِهِ وتَأْيِيدِهِ لِدِينِهِ وتَصْدِيقِ وعْدِهِ ومُشاهَدَةِ مُعْجِزاتِهِ لِيَقْوى إيمانُهم ويُخْبِرُوا بِهِ قَوْمَهم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن مالك عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي بعثني بالحق لولا ضعفاء الناس ما كانت سرية إلا كنت فيها» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ﴾ قال: هذا حين كان الإِسلام قليلاً، فلما كثر الإِسلام وفشا قال الله تعالى ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴾ [ التوبة: 122] .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ لا يصيبهم ظمأ ﴾ قال: العطش ﴿ ولا نصب ﴾ قال: العناء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن رجاء بن حيوة ومكحول: أنهما كانا يكرهان التلثم من الغبار في سبيل الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي وعبد الله بن المبارك وإبراهيم بن محمد الغزاري وعيسى بن يونس السبيعي أنهم قالوا في قوله تعالى ﴿ ولا ينالون من عدوّ نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح ﴾ قالوا: هذه الآية للمسلمين إلى أن تقوم الساعة.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ ما كان لأهل المدينة ﴾ الآية قال: نسختها الآية التي تليها ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴾ الآية.

وأخرج الحاكم وابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة وخلف جعفراً في أهله فقال جعفر: والله ما أتخلف عنك فخلفني.

فقلت: يا رسول الله أتخلفني أي شيء تقول قريش؟

أليس يقولون: ما أسرع ما خذل ابن عمه وجلس عنه، وأخرى ابتغى الفضل من الله لأني سمعت الله تعالى يقول ﴿ ولا يطأون موطئاً يغيظ الكفار...

﴾ الآية.

قال: أما قولك أن تقول قريش: ما أسرع ما خذل ابن عمه وجلس عنه، فقد قالوا: إني ساحر وكاهن وإني كذاب فلك بي أسوة، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هرون من موسى غير أنه لا نبي بعدي، وأما قولك تبتغي الفضل من الله، فقد جاءنا فلفل من اليمن فبعه وأنفق عليك وعلى فاطمة حتى يأتيكما الله منه برزق» .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ ﴾ قال ابن عباس: (يعني مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار) (١) ﴿ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ ، قال: يريد لا يرضوا لأنفسهم بالخفض والدعة، ورسول الله  في الحر والمشقة (٢) (٣) (٤) وقال عطية العوفي: (ولا يرغبوا بأنفسهم عن الأمر الذي بذل له رسول الله  نفسه) (٥) وقال قطرب: (أي ليس لهم أن يكرهوا لأنفسهم ما يرضاه الرسول لنفسه) (٦) وقال الحسن: (لا يرغبون بأنفسهم أن يصيبهم من الشدائد مثل ما يصيب رسول الله  ) (٧) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ﴾ الإشارة ﴿ ذَلِكَ ﴾ تعود إلى ما تقدم من النهي عن التخلف، وقال: ذلك النهى لما يحصل من الأجر والثواب في مقاساة كلف السفر، وهو قوله: ﴿ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ﴾ وهو شدة العطش، يقال: ظمئ فلان يظمأ ظمأً (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا نَصَبٌ ﴾ النصب: الإعياء من العناء، يقال: نصب ينصب، وأنصبني هذا الأمر، قال ابن عباس: (يريد التعب من شدة الحر) (١٠) (١١) (١٢) ﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ في طاعة الله، ﴿ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ ﴾ ، قال: يريد: (ولا يضع قدمه ولا حافر فرسه ولا خف بعيره) (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ يَغِيظُ الْكُفَّارَ ﴾ ، قال ابن الأعرابي: (يقال غاظه وغيظه وأغاظه بمعنى واحد) (١٥) ﴿ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا ﴾ ، قال ابن عباس والحسن (١٦) (١٧) قال العوفي: (وفي الآية من الفقه أن من قصد طاعة الله كان قيامه وقعوده ونصبه ومشيته وحركاته كلها حسنات مكتوبة له، وكذلك في المعصية، فما أعظم بركة الطاعة، وما أعظم شؤم المعصية) (١٨) وأما حكم هذه الآية فقال قتادة: هذه خاصة لرسول الله  إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر (١٩) وقال ابن زيد: (هذا حين كان المسلمون قليلاً، فلما كثروا نسخها الله بقوله: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ﴾ (٢٠) وقال عطية: (وما كان لهم أن يتخلفوا عن رسول الله إذا دعاهم وأمرهم) (٢١)  إذا أمر، وكذلك غيره من الولاة والأئمة إذا ندبوا وعينوا؛ لأنا لو سوغنا للمندوب أن يتقاعد لم يختص بذلك بعض دون بعض، ولأدى ذلك إلى تعطيل الجهاد.

(١) انظر: "زاد المسير" 3/ 515، و"الوسيط" 2/ 534.

(٢) انظر المصدرين السابقين، نفس الموضع.

(٣) ساقط من (ح).

(٤) ساقط من (م).

(٥) لم أجده.

(٦) لم أقف عليه، وقد ذكره الرازي 16/ 223 - 224 بلا نسبة.

(٧) رواه الثعلبي 6/ 161 أ، والبغوي 4/ 109.

(٨) ساقص من (م).

(٩) "تنوير المقباس" ص 206.

(١٠) المصدر السابق، نفس الموضع، مختصرًا.

(١١) انظر: "تفسير البسيط" المائدة: 3.

(١٢) رواه ابن جرير 6/ 85، وابن أبي حاتم 6/ 1908، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 2/ 458.

(١٣) لم أجده، وقد ذكر الرازي 16/ 224 نحوه بلا نسبة.

(١٤) لم أجده.

(١٥) اهـ.

كلام ابن الأعرابي، انظر: "تهذيب اللغة" (كاظ) 3/ 2622، و"لسان العرب" (غيظ) 6/ 3327.

(١٦) ساقط من (ح).

(١٧) رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 206، عن ابن عباس مختصرًا، ولم أجد من ذكره عن الحسن.

(١٨) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 534.

(١٩) رواه الثعلبي 6/ 161 ب، والبغوي 4/ 110، وبنحوه ابن جرير 11/ 64، وابن أبي حاتم 6/ 1909.

(٢٠) رواه ابن جرير 11/ 65، والثعلبي 6/ 161 ب، والبغوي 4/ 110.

(٢١) ذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 224.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَا كَانَ لأَهْلِ المدينة ﴾ الآية: عتاب لمن تخلف عن غزوة تبوك من أهل يثرب ومن جاورها من قبائل العرب ﴿ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ﴾ أي لا يمتنعوا من اقتحام المشقات التي تحملها هو ﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ﴾ تعليل لما يجب من عدم التخلف ﴿ ظَمَأٌ ﴾ أي عطش ﴿ وَلاَ نَصَبٌ ﴾ أي تعب ﴿ وَلاَ مَخْمَصَةٌ ﴾ أي جوع ﴿ وَلاَ يَطَأُونَ ﴾ أي بأرجلهم أو بدوابِّهم ﴿ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً ﴾ عموم في كل ما يصيب الكفار.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ موطئاً ﴾ ونحوه بالياء: يزيد والشموني وحمزة في الوقف ﴿ غلظة ﴾ بفتح الغين: المفضل.

الباقون بكسرها.

﴿ أولا ترون ﴾ بتاء الخطاب للمؤمنين: حمزة ويعقوب.

الباقون على الغيبة.

الوقوف: ﴿ عن نفسه ﴾ ط ﴿ صالح ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ كافة ﴾ ط ﴿ يحذرون ﴾ ه ﴿ غلظة ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ إيماناً ﴾ ط ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ إلى بعض ﴾ ط لحق المحذوف أي يقولون هل يراكم ﴿ ثم انصرفوا ﴾ ط ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ عزيز ﴾ ط، على تأويل عليه شفاعة ما عنتم والصحيح الوصل لأن المعنى شديد عليه ما أثمتم ولا وقف في الآية إلى قوله رحيم ﴿ حسبي الله ﴾ ط والأصح الوصل على جعل الجملة حالاً أي يكفي الله غير مشارك في الألوهية ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه.

التفسير: لما أمر بموافقة النبي وأصحابه في جميع الغزوات والمشاهد بقوله ﴿ وكونوا مع الصادقين  ﴾ أكد ذلك المعنى بالنهي عن التخلف عنه فقال: ﴿ ما كان لأهل المدينة ﴾ أي لا يستقيم ولا يجوز لهم.

والأعراب الذين كانوا حول المدينة قد ذكرنا - عن ابن عباس - أنهم مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار، وكأنه أراد المعروفين منهم وإلا فاللفظ عام.

ومعنى ﴿ ولا يرغبوا ﴾ ولا أن يرغبوا.

يقال: غبت بنفسي عن هذا الأمر أي أبخل بها عليه ولا أتركها له، والمراد أنه لا يصح لهم أن يرغبوا عن صحبة رسول الله  بسبب صلاح أنفسهم وبقائها بل عليهم أن يصحبوه على البأساء والضراء ويرضوا لأنفسهم ما يرضاه الرسول لنفسه لأن نفسه أعز نفس عند الله، فإذا تعرضت مع كرامتها للخوض في شدة وجب على سائر الأنفس أن لا يضنوا بها على ما سمح بنفسه عليه.

وفي هذا النهي مع التهييج توبيخ عظيم، ولا يخفى أن الجهاد لا يجب على كل فرد بعينه للإجماع وأن أصحاب الأعذار من الضعفاء والمرضى ونحوهم مخصوصون بالعقل وبالنقل فيبقى ما وراء هاتين الصورتين داخلاً تحت عموم الآية.

ثم ذكر ترغيباً يجري مجرى علة المنع من التخلف فقال: ﴿ ذلك بأنهم ﴾ أي الوجوب الدال عليه بقوله: ﴿ ما كان لهم ﴾ بسبب أنهم مثابون على أنواع المتاعب وأصناف الشدائد بل على جميع الحركات والسكنات مدة الذهاب والإياب.

والظمأ شدة العطش، والنصب الإعياء والتعب، والمخمصة المجاعة الشديدة التي تظهر ضمور البطن، والموطىء إما مصدر كالمورد أو مكان وعلى التقديرين الضمير في ﴿ يغيظ ﴾ عائد إلى الوطء الصريح أو المقدر.

ثم الوطء يجوز أن يكون حقيقة فيراد به الدوس بالأقدام وبحوافر الخيول وبأخفاف الإبل، ويجوز أن يكون مجازاً فيراد به الإيقاع والإهلاك.

قال ابن الأعرابي: غاظه وغيظه وأغاظه بمعنى.

ويقال نال منه إذا رزأه ونقصه وهو عام في كل ما يسوءهم ويلحق بهم ضرراً من قتل أو أسر أو غنيمة أو هزيمة، والمراد أنهم لا يتصرفون في أرض الكفار تصرفاً يغيظهم ويرزؤهم شيئاً إلا كتب لهم به عمل صالح.

وفيه دليل على أن من قصد طاعة الله كان قيامه وقعوده ومشيه وحركته وسكونه كلها حسنات مكتوبة عند الله، وكذا القول في طرف المعصية ولكن بالضد فما أعظم بركة الطاعة وما أشد شؤم المعصية.

وبهذه الآية استشهد أصحاب أبي حنيفة أن المدد القادم بعد انقضاء الحرب يشارك الجيش في الغنيمة لأن وطء ديارهم مما يغيظهم وينكي فيهم.

وقال الشافعي: لا يشاركون الغانمين في الغنيمة وإن شاركوهم في الثواب لأن الغنيمة من خواص المحاربين ومن قد تعاطى خطراً.

قال قتادة: هذا الحكم من خواص رسول الله  إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر.

وقال ابن زيد: هذا حين كان في المسلمين قلة فلما كثروا نسخه الله بقوله: ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴾ وقال عطية: ما كان لهم التخلف إذا دعاهم الرسول وأمرهم.

قال العلماء: وكذلك غيره من الأئمة والولاة إذا عينوا طائفة لأنا لو جوزنا للمندوب أن يتقاعد لم يختص بذلك بعض دون بعض فيؤدي الى تعطيل الجهاد.

قوله: ﴿ ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ﴾ .

قال المفسرون: يريد تمرة فما فوقها وعلاقة سيف أو سوط وما أربى عليها مثل ما أنفق عثمان في جيش العسرة ﴿ ولا يقطعون وادياً ﴾ أي أرضاً في ذهابهم ومجيئهم وهذا شائع في استعمال العرب يقولون: لا تصل في وادي غيرك.

وهو في الأصل فاعل من ودى إذا سال.

والوادي كل منعطف بين جبال وآكام يكون منفذاً للسيل.

﴿ إلا كتب لهم ﴾ ذلك الإنفاق والقطع أو ذلك العمل الصالح المعهود في الآية المتقدمة.

ثم ذكر غاية الكتب فقال: ﴿ ليجزيهم الله ﴾ أي أثبت في صحائفهم لأجل الجزاء جزاء أحسن من أعمالهم وأجل.

وقيل: الأحسن من صفة الفعل أي يجزيهم على الأحسن وهو الواجب والمندوب دون المباح.

واعلم أنه  عدد أشياء بعضها ليس من أعمال المجاهدين وهو الظمأ والنصب والمخمصة، وباقيها من أعمالهم وهي الوطء والنيل والإنفاق وقطع الأرض، وقسم هذا الباقي قسمين فضم شطراً منه إلى ما ليس من أعمالهم تنبيهاً على أنه في الثواب جارٍ مجرى عملهم ولهذا صرح بذلك فقال: ﴿ إلا كتب لهم به عمل صالح ﴾ أي جزاء عمل صالح وأكد ذلك بقوله: ﴿ إن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ .

ثم أورد الشطر الباقي لغرض آخر وهو الوعد بأحسن الجزاء، واقتصر ههنا على قوله ﴿ إلا كتب لهم ﴾ لأن هذا القسم من عملهم فلم يحتج إلى تصريح بذلك، أو اكتفاء بما تقدم، أو لأن الضمير عائد إلى المصدر الدال عليه الفعل والله  أعلم بمراده.

ثم قال: ﴿ وما كان المؤمنون ﴾ وفيه قولان: أحدهما أنه من بقية أحكام الجهاد لأنه  لما بالغ في عيوب المنافقين كان المسلمون إذا بعث رسول الله  سرية إلى الكفار ينفرون جميعاً ويتركونه بالمدينة وحده فنزلت الآية.

قاله ابن عباس.

والمعنى أنه لا يجوز للمؤمنين أن ينفروا بأسرهم إلى الجهاد بل يجب أن يصيروا طائفتين إحداهما لملازمة خدمة الرسول والأخرى للنفر إلى الغزو.

ثم ههنا احتمالان لأنه قال محرضاً ﴿ فلولا نفر ﴾ أي هلا نفر ﴿ من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ﴾ فذهب الأكثر إلى أن الضمير في ﴿ ليتفقهوا ﴾ عائد إلى الفرقة الباقية في حضرة الرسول  لأنهم إذا بقوا في خدمته شاهدوا الوحي والتنزيل وضبطوا ما حدث من الشرائع، وعلى هذا فلا بد من إضمار والتقدير: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة وأقام طائفة ليتفقه المقيمون في الدين ﴿ ولينذروا قومهم ﴾ النافرين ﴿ إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ﴾ معاصي الله عند ذلك وبهذا الطريق يتم أمر الدين بهاتين الطائفتين وإلا ضاع أحد الشقين، والاحتمال الآخر ما روي عن الحسن أن الضمير يعود إلى الطائفة النافرة.

وتفقههم هو أنهم يشاهدون ظهور المسلمين على المشركين وأن العدد القليل منهم من غير زاد ولا سلاح كيف يغلبون الجم الغفير من الكفار فينتبهون لدقائق صنع الله في إعلاء كلمته.

فإذا رجعوا إلى قومهم أنذروهم بما شاهدوا من دلائل الحق فيحذروا أي يتركوا الكفر والشرك والنفاق.

القول الثاني أنه ليس من بقية أحكام الجهاد وإنما هو حكم مستقل بنفسه، ووجه النظم أن الجهاد أمر يتعلق بالسفر وكذلك التفقه، أما في زمن الرسول  فوجوبه ظاهر لمن ليس بحضرته حتى يصل إليه ويستفيد من خدمته لأن الشريعة ما كانت مستقرة بل كانت تتجدد كل يوم شيئاً فشيئاً، وأما في زماننا فلا ريب أنه متى عجز عن التفقه إلا بالسفر وجب عليه، وإن أمكنه في الحضر فلا شك أن للسفر بركة أخرى يعرفها كل من زاول الأسفار وحاول الأخطار، ومعنى ﴿ ليتفقهوا ﴾ ليتكلفوا الفقاهة في الدين ويتجشموا المتاعب في أخذها وتحصيلها.

والفقه في الاصطلاح هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المستنبطة من دلائلها التفصيلية.

والظاهر أن المراد في الآية أعم من ذلك بحيث يشمل علوم الشرع كلها من التفسير والحديث وأصول الدين وأصول الفقه ومقدمات كل من ذلك وغاياتها بحسب الإمكان النوعي أو الشخصي.

وفي قوله: ﴿ ولينذروا قومهم ﴾ إشارة إلى أن الغرض الأصلي من التعلم هو الإنذار والإرشاد لا ما يقصده علماء السوء من الأغراض الفاسدة كالمطاعم والملابس والمناصب والمفاخر، أعاذنا الله  بفضله من قبح النية وفساد الطوية، وجعلنا ممن لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً.

القائلون بأن خبر الواحد حجة قالوا: أوجب الله  أن يخرج من كل فرقة طائفة، والخارج من الثلاثة اثنين أو واحداً.

ثم إنه أوجب العمل بأخبارهم بقوله: ﴿ ولينذروا ﴾ وأجيب بأن إيجاب الإنذار لا يدل على وجوب العمل لأن الشاهد الواحد يلزمه أداء الشهادة وإن لم يلزم القبول ورد بأن قوله: ﴿ لعلهم يحذرون ﴾ إيجاب للعمل بأخبارهم.

ثم أرشد  إلى ترتيب القتال فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم ﴾ أي يقربون منكم مبتدأ من الأقرب ومنتقلاً إلى الأبعد.

والقتال واجب مع كافة الكفر بآية القتال، ولكن هذه الآية أخص لأن الغرض منها الترتيب ما لم يدع إلى قتال الأبعد قبل دفع الأقرب ضرورة فلا تكون هذه منسوخة بآية القتال على ما نقل عن الحسن، وإنما وجب الابتداء بالغزو من المواضع القريبة لأن قتال الكل دفعة متعذر وللأقرب ترجيح ظاهر كما في الدعوة وكما في سائر المهمات مثلاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يبتدأ بالجمع الحاضرين ثم ينتقل الى الغائبين.

وأيضاً المؤنة في قتال الأقربين من النفقة والدواب تكون أقل والقتال معهم يكون أسهل للوقوف على أحوالهم وعدد عسكرهم، والفرقة المجاهدة إذا تجاوزوا من الأقرب إلى الأبعد فقد عرضوا الذراري للفتنة.

وقد حارب رسول الله  قومه ثم غيرهم من عرب الحجاز ثم غزا الشام.

ويروى أن أعرابياً جلس على المائدة وكان يمد يده إلى الجوانب البعيدة من تلك المائدة فقال  : "كل مما يليك" .

فثبت بهذه الوجوه أن الابتداء بالأقرب فالأقرب واجب ما لم يضطر الى العدول ضرورة.

وقوله ﴿ وليجدوا فيكم غلظة ﴾ أي شدة نظير قوله: { ﴿ واغلظ عليهم  ﴾ ومن قرأ بفتح الغين فهو المصدر أيضاً كالسخطة وهي لفظة جامعة للجراءة والصبر على القتال ولشدة العداوة والعنف في القتل والأسر، كل ذلك فيما يتصل بالدعوة إلى الدين إما بإقامة الحجة وإما بالسيف، أما فيما يتصل بالبيع والشراء والمجالسة فلا وليكن تقوى الله  على ذكر منه في موارده ومصادره، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ فإن قلته قتله لله وان تركه على الجزية تركه لله وإن كسر عدوه وآل الأمر إلى أخذ الغنيمة راعى فيه حدود الله.

ثم حكى بقية فضائح أعمال المنافقين فقال: ﴿ وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول ﴾ أي يقول بعض المنافقين لبعض إنكاراً واستهزاء بالمؤمنين المعتقدين زيادة الإيمان بزيادة العلم الحاصل بالوحي والعمل به، أو يقولونه لقوم من المسلمين وغرضهم صرفهم عن الإيمان والمقول ﴿ أيكم ﴾ مرفوع بالابتداء وخبره ﴿ زادته هذه إيماناً ﴾ .

ثم إنه  حكى أنه حصل للمؤمنين بسبب نزول هذه السورة أمران: أحدهما ازدياد الإيمان وقد مر معناه في أول سورة الأنفال، والثاني الاستبشار وهو استدعاء البشارة إما بثواب الآخرة وإما بالعزة والنصرة في الدنيا والمراد أنهم يفرحون بسبب تلك التكاليف الزائدة من حيث إنه يتوسل بها إلى مزيد الثواب.

وحصل للمنافقين الذين لهم عقائد فاسدة وأخلاق ذميمة أمران: أولهما زيادة الرجس لأن تكذيب سورة بعد تكذيب مثلها انضمام كفر إلى كفر أو لأن حصول حسد وغل ونفاق عقيب أمثالها ازدياد ملكة ذميمة غب أخرى، وثانيهما بقاؤهم على تلك العقائد والأعمال إلى أن ماتوا لأن الملكة الراسخة لا تزول إلا إن مات صاحبها، وإسناد زيادة الرجس إلى السورة إسناد حقيقي عند الأشاعرة لأنهم يقولون إنه  يخلق الكفر والإيمان في العبد فلا يبعد إحداث السورة فيهم الرجس، وإسناد مجازي عند المعتزلة لأنهم يقولون إنهم أحدثوا الرجس من عند أنفسهم حين نزول السورة بدليل أن الآخرين سمعوا السورة وازدادوا إيماناً.

والتحقيق في أن النفس الطاهرة النقية عن درن الدنيا باستيلاء حب الله والآخرة إذا سمعتها صار سماعها موجباً لازدياد رغبته في الآخرة ونفرته عن الدنيا.

وأما النفس الحريصة المتهالكة على لذات الدنيا وطيباتها الغافلة عن حب الآخرة وعشق المولى إذا سمعتها مشتملة على تعريض النفس للقتل والمال للنهب بسبب الجهاد زادت نفرته عنها وإنكاره عليها وكل بقدر.

ثم عجب من حال المنافقين فقال: ﴿ أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ﴾ قال ابن عباس: أي يمتحنون بالمرض ﴿ ثم لا يتوبون ﴾ من النفاق ولا يتعظون بذلك المرض كما يتعظ المؤمن فإنه عند ذلك يتذكر ذنوبه وموقفه بين يدي ربه فيزيده ذلك إيماناً وخوفاً.

وقال مجاهد: بالقحط والجوع.

وقال قتادة: بالغزو أو الجهاد فإن تخلفوا وقعوا في ألسنة الناس باللعن والخزي، وإن ذهبوا وهم على حالة النفاق عرضوا أنفسهم للقتل وأموالهم للنهب من غير فائدة.

وقال مقاتل: كانوا يجتمعون على ذكر الرسول بالطعن فيخبره جبرائيل فيوبخهم بذلك ويعظهم فما كانوا يتعظون.

ثم ذكر نوعاً آخر من مخازيهم فقال ﴿ وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض ﴾ أي سورة مشتملة على ذكرهم أو أعم من ذلك.

والنظر نظر الطعن والاستهزاء والازدراء بالوحي قائلين ﴿ هل يراكم من أحد ﴾ من المسلمين لننصرف فإنا لا نصبر على استماعه ويغلبنا الضحك فنخاف الافتضاح بينهم لأن نظر التغامز دال على ما في الباطن من الإنكار الشديد، أو أرادوا إن كان من ورائكم أحد فلا تخرجوا وإلا فاخرجوا لنتخلص من هذا الإيذاء وسماع الباطل.

﴿ ثم انصرفوا ﴾ أي من مكان الوحي إلى مكانهم أو عن استماع القرآن الى الطعن فيه.

ومعنى ﴿ صرف الله قلوبهم ﴾ قال ابن عباس: منعهم عن كل رشد وخير.

وقال الحسن: طبع الله على قلوبهم.

وقال الزجاج: أضلهم الله.

قالت الأشاعرة: هو إخبار عما فعل الله بهم من الصد عن الإيمان والمنع منه.

وقالت المعتزلة: هو دعاء عليهم بالخذلان وبصرف قلوبهم عن الانشراح، أو إخبار بأنه صرفهم عن الألطاف التي يختص بها من آمن بها، أو المراد صرف قلوبهم بما أورثهم من الغم والكيد قالوا: ومعنى قوله: ﴿ لا يفقهون ﴾ لا يتدبرون حتى يفقهوا.

وعند الأشاعرة: هم قوم جبلوا على ذلك.

يحكى عن محمد بن إسحق أنه قال: لا تقولوا انصرفنا من الصلاة فإن قوماً انصرفوا صرف الله قلوبهم، لكن قولوا قضينا الصلاة كان مقصوده التفاؤل باللفظ الوارد في الخير دون الشر فإنه  قال: ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله  ﴾ ثم لما أمر رسوله في هذه السورة بتبليغ تكاليف شاقة يعسر تحملها ختم السورة بما يهون الخطب في تحملها فقال: ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ أي من جنس البشر لا الملك لأن الجنس إلى الجنس أميل وبه آلف وآنس، أو الخطاب للعرب والمقصود ترغيبهم في نصرته والقيام بخدمته لأن كل ما يحصل له من الدولة والرفعة فإن ذلك سبب لعزهم وفخرهم لأنه من أبناء جلدتهم، أو الخطاب لأهل الحرم خاصة لأنهم كانوا يسمون أهل الحرم أهل الله وخاصته وكانوا يخدمونهم ويقومون بإصلاح مهماتهم فكأنه قيل لهم: كنتم قبل مقدمه مجدين في خدمة أسلافه فلم تتكاسلون في خدمته مع أنه لا نسبة له في الشرف إلى آبائه؟

أو المقصود من ذكر هذه الصفة التنبيه على طهارته كأنه قيل: هو من عشيرتكم تعرفونه بالصدق والأمانة والعفاف، وتعرفون كونه حريصاً على دفع الآفات عنكم وإيصال الخيرات إليكم.

فإرسال من هذه حاله وصفته يكون من أعظم نعم الله عليكم.

وقرىء ﴿ من أنفسكم ﴾ بفتح الفاء أي من أشرفكم وأفضلكم.

وتنسب هذه القراءة الى النبي والوصي وأهل البيت عليهم السلام.

ثم وصفه بما تستتبعه المجانسة والمناسبة من النتائج وذلك قوله: ﴿ عزيز عليه ما عنتم ﴾ العزة الغلبة والشدة والعنت المشقة والوقوع في المكروه والإثم.

و "ما" مصدرية أي شديد شاق عليه - لكونه بعضاً منكم - عنتكم ولقاؤكم المكروه، وأولى المكاره بالدفع عقاب الله وهو إنما أرسل لدفع هذا المكروه.

﴿ حريص عليكم ﴾ الحرص يمتنع أن يتعلق بذواتهم فالمراد حريص على إيصال الخيرات إليكم في الدارين؛ فالصفة الأولى لدفع الآفات والثانية لإيصال الخيرات والسعادات فلا تكرار.

وقال الفراء: الحريص الشحيح والمعنى أنه شحيح عليكم أن تدخلوا النار وفيه نوع تكرار.

ثم بين أنه رحمة للعاملين فقال ﴿ بالمؤمنين ﴾ أي منكم ومن غيركم ﴿ رؤوف رحيم ﴾ قال ابن عباس: لم يجمع الله بين اسمين من أسمائه إلا له، وحاصل هذه الخاتمة أن هذا الرسول منكم فكل ما يحصل له من العز والشرف فذاك عائد إليكم وإنه كالطبيب الحاذق وكالأب الشفيق وإذا عرف أن الطبيب حاذق والأب مشفق فالعلاج والتأديب منهما إحسان وإحمال، وإن كان صعباً مؤلماً فاقبلوا ما أمركم به من التكاليف وإن كانت شاقة لتفوزوا بسعادة الدارين، ثم قال لرسوله فإن لم يقبلوا بل أعرضوا وتولوا فاتركهم ولا تلتفت إليهم وارجع في جمع أمورك إلى الله الذي بالحق أرسلك فهو كافيك ﴿ وهو رب العرش العظيم ﴾ فلا يخرج عن قبضة قدرته وتصرفه شيء لأنه يحيط بالعرش وبما يحويه العرش والله أعلم.

التأويل: ﴿ ما كان لأهل ﴾ مدينة القالب وهو النفس والهوى والقلب ﴿ ومن حولهم من الأعراب ﴾ الصفات النفسانية والقلبية ﴿ أن يتخلفوا عن رسول ﴾ الروح السائر ولا يبذلوا وجودهم عند بذل وجوده بالفناء في الله ﴿ ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ﴾ من ماء الشهوات ﴿ ولا نصب ﴾ من أنواع المجاهدات ﴿ ولا مخمصة ﴾ بترك اللذات وحطام الدنيا في طلب الله ﴿ لا يطؤن موطئاً ﴾ من مقامات الفناء ﴿ يغيظ ﴾ كفار النفس والهوى ﴿ ولا ينالون من عدوّ ﴾ الشيطان والنفس والدنيا بلاء ومحنة وفقراً وحزناً وغير ذلك من أسباب الفناء ﴿ إلا كتب لهم به عمل صالح ﴾ من البقاء بالله بقدر الفناء في الله ﴿ ولا ينفقون نفقة صغيرة ﴾ هي بذل الصفات ﴿ ولا كبيرة ﴾ هي بذل الذات في صفات الله وفي ذاته ﴿ ولا يقطعون وادياً ﴾ من أودية الدنيا والآخرة والنفس والهوى والقلب والروح.

﴿ أحسن ما كانوا يعملون ﴾ لأن عملهم بقدر معرفتهم وجزاؤه يضيق عنه نطاق فهمهم ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم ﴾ } [السجدة: 17] ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا ﴾ في السير إلى الله وبالله وفي الله، فهلا نفر من كل قوم وقبيلة فرقة طائفة هم خواصهم وأهل الاستعداد الكاملون ليتعلموا السلوك ويخبروا بذلك قومهم ﴿ لعلهم يحذرون ﴾ من غير الله.

﴿ قاتلوا الذين يلونكم ﴾ من كفار النفس والهوى وصفاتها ﴿ وليجدوا فيكم غلظة ﴾ عزيمة صادقة في ترك شهواتها ﴿ وماتوا وهم كافرون ﴾ أي لموت قلبهم لتزايد ظلمة النفاق كل حين، ثم أخبر عن موت القلب بقوله: ﴿ أولا يرون أنهم يفتنون ﴾ والفتنة موجبة لانتباه القلب الحي ﴿ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب  ﴾ أي قلب حي ﴿ هل يراكم من أحد ﴾ في مقام الإنكار والنفاق أي هل يرى محمد إنكارنا على رسالته والقرآن، فإن كان رسولاً يرانا بنور رسالته ﴿ ثم انصرفوا ﴾ على هذا الحسبان لأن قلوبهم مصروفة وليس لهم فقه القلب لأن ذلك من أمارات حياة القلب.

﴿ من أنفسكم ﴾ تسكين للعوام لئلا يتنفروا عنه وإشارة للخواص إلى أن البشر لهم استعداد الوصول والوصال، فإن لم يكن بالاستقلال فبالمتابعة فاتبعوني يحببكم الله.

ومن قرأ ﴿ من أنفسكم ﴾ أي أشرفكم فلأنه أوّل جوهر خلقه الله  "أول ما خلق الله  روحي" ولاختصاصه بالخلاص عن تعلق الكونين وبلوغه إلى قاب قوسين أو أدنى وتحليه بحلية ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ ولعلو همته، ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ ولرؤيته سر القدر ﴿ ولقد رأى من آيات ربه الكبرى  ﴾ ﴿ بالمؤمنين رؤوف رحيم ﴾ فمن رأفته أمر بالرفق كما قال: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه بالرفق" ومن رحمته قيل له ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم  ﴾ وههنا نكتة وهي أن رأفته ورحمته لما كانت مخلوقة اختصت بالمؤمنين فقط، وكانت رحمته تعالى ورأفته للناس عامة ﴿ إن الله بالناس لرؤوف رحيم ﴾ ونكتة أخرى هي أن رحمته  عامة للعالمين بقوله: ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين  ﴾ وأما رحمته المضمومة إلى الرأفة فخاصة بالمؤمنين وكأن الرأفة إشارة إلى ظهور أثر الدعوة في حقهم، فالمؤمنون أمة الدعوة والإجابة جميعاً وغيرهم أمة الدعوة فقط ﴿ فقل حسبي الله ﴾ لأن المقصود من التبليغ قد حصل لك وهو وصولك إلى الله أعرضوا عن دعوتك أو أقبلوا والله المستعان.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يَـٰأيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ .

في ظاهر الآية أن قوماً عرفوا بالصدق فأمروا بالكون معهم، ويشبه أن يكون أمر هؤلاء [الذين] تخلفوا عن رسول الله بالكون مع المهاجرين والأنصار الذين كانوا مع رسول الله.

وفيه دلالة على أن الإجماع حجة؛ لأنه أمر بالكون مع الصادقين في دين الله، فلو لم يلزمهم قبول قولهم لم يكن للأمر بالكون معهم وجه.

وفي حرف ابن مسعود -  -: ﴿ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ ، وهو ظاهر.

وقوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: أحدها: [يقول]: احفظوا الله في حقه ولا تضيعوه، وكونوا مع الصادقين في وفاء ذلك وحفظه.

أو: اتقوا الله فيما نزل ما امتحنكم به من الخروج والجهاد مع رسول الله وغير ذلك من المحن.

أو يقول: اتقوا مخالفة الله ورسوله فيما يأمركم به، وكونوا مع الموافقين لأمره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ ﴾ .

يشبه أن يكون هذا صلة ما سبق منهم من المبايعة والعهود التي جرت بينهم وبين رسول الله؛ يقول - والله أعلم -: ﴿ مَا كَانَ ﴾ ، أي: لم يكن لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله، بعد ما قبلوا النصر له والمعونة وبايعوه على ذلك؛ هذا محتمل.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن يكون صلة ما ذكر على أثره وهو قوله: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ؛ يقول - والله أعلم -: ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله، وقد جعل بكل ما يصيبهم في أنفسهم من العناء والشدة، وفي أموالهم من النقصان وما ينفقون من النفقة قليلة كانت أو كثيرة، أو يصيبون من العدو ومن القتل والغنيمة - إلا كتب لهم بذلك العمل الصالح، أي: ما كان ينبغي لهم أن يتخلفوا عنه، وقد كتب لهم بكل ما يصيبهم من الشدة والعناء وما يصيبون من الخير - العمل الصالح والأجر لهم، والله أعلم.

أو يقول: ما كان لأهل المدينة إذ تخلفوا عن رسول الله أن يتخلفوا عنه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ﴾ ، أي: ولا يرغبوا بالتخلف عن نفسه؛ يقال: جاء فلان بنفسه، ورأيت أنا بعيني ونحوه، أي: جاء هو ورأى هو؛ فعلى ذلك هذا ﴿ وَلاَ يَرْغَبُواْ ﴾ ، أي: ما كان ينبغي لهم أن يرغبوا عن رسول الله.

ويحتمل ﴿ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ ، أي: لأنفسهم عن نفسه، [و] ذلك جائز ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ﴾ قيل: عطش، ﴿ وَلاَ نَصَبٌ ﴾ : العناء والمشقة، ﴿ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: مجاعة.

﴿ وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ ﴾ ، قال بعضهم: ولا يقفون موقفاً.

وقال بعضهم: هو من الوطء والموطئ: الشيء الذي يوطأ.

﴿ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً ﴾ ، قيل: فيهم أو إغارة عليهم، ﴿ إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ﴾ ، أي: يكتب ما لهم وما عليهم العمل الصالح مكان من تخلف منهم مخافة أن يصيبه ما ذكر من العناء والشدة؛ يقول: كتب لهم بكل ما يصيبهم العمل الصالح، ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ ﴾ .

هو ما ذكرنا أنه يجزيهم بكل ما يصيبهم من الشدة والعناء في أنفسهم وفي أموالهم من النقصان وما ينفقون.

﴿ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

أي: يجزيهم لصالح أعمالهم وأحسنها، ولا يجزيهم لسيئاتهم؛ وهو كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ  ﴾ ، أخبر أنه يتقبل منهم أحسن ما عملوا ويكفر عنهم سيئاتهم؛ فعلى ذلك الأول يخبر أنه يجزيهم أحسن ما عملوا في الغزو، ويتجاوز عن سيئاتهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ...

﴾ الآية.

اختلف أهل التأويل: قال بعضهم: إن نبي الله كان إذا خرج للغزو خرجوا جميعاً، فتبقى المدينة خالية عن الرجال، فنهى الله عن ذلك وقال: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ .

وقال بعضهم: كان رسول الله  إذا بعث سرية خرجوا جميعاً، فبقي هو وحده لم يبق معه أحد ممن يشهد التنزيل؛ ليخبروا أولئك إذا حضروا.

وقال آخرون: الآية في الوفود، وذلك أن الوفود إذا قدموا من الآفاق المدينة قدموا مع النساء والذراري جميعاً، فأمروا أن ينفر الرجال منهم دون النساء والذراري، أو من كل قوم نفر؛ ليتفقهوا في الدين.

ذكر في هذه الآية: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ ﴾ ، نهى الكل أن ينفروا، وأمروا في الآية الأخرى بنفر الكل بقوله: ﴿ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً  ﴾ ، فهو يخرج على وجهين: أحدهما: أمر بالنفر الجميع عند قلة المؤمنين؛ ليكون لهم الكفاية مع العدو.

والثاني: أمر بنفر الكل عند النفير.

فيكون إحدى الآيتين في حالة النفير، والاخرى في غير حال النفير وما ذكرنا في وقت القلة والكثرة.

فمن يقول: إن الآية في الذين كانوا يخرجون جميعاً مع رسول الله  إذا خرج، كأنه نهى عن الخروج جملة مع رسول الله؛ خوفاً على أهاليهم وذراريهم، لعل العدو سباهم وأخذ أموالهم يقول الله: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ ، أي: هلا نفر طائفة منهم فيخبروا الكفار المقيمين بما أنزل الله على رسوله من النصر والمعونة والهزيمة على الكفار الذين قاتلوا رسول الله، فيكون ذلك سبب دعائهم إلى الإسلام.

وإلى هذا ذهب الحسن والأصم ويقولون: إن هذه الآية نسخت الآية التي قبلها وهي قوله: ﴿ مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ  ﴾ .

يقول الحسن: إن عليهم أن يخرجوا مع رسول الله إذا خرج، فيقول: هذا منسوخ بالآية التي تليها: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً ﴾ الآية.

ومن يقول بأن الآية في الوفود الذين كانوا يأتون رسول الله المدينة بالنساء والذراري، فالنهي لذلك لما كانوا يضيقون على أهل المدينة أوطانهم ويغلون أسعارهم ونحوه؛ يقول: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ ﴾ ، أي: يعلمون الدين وأحكامه، ثم ليرجعوا إلى قومهم فيعلموهم.

ومن يقول: الآية في الذين خرجوا ونفروا مع السرايا، نهاهم عن خروج الكل؛ لما لعله لما نزل على رسول الله شيئاً، فلم يكن معه أحد يبلغه إليهم ثم يبلغ إلى من هو غاب عنه ضاع ذلك فيقول: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ ﴾ ما نزل على رسول الله، وليبلغوا ذلك إلى من غاب عنه.

﴿ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ ﴾ .

قيل: من كل عصبة، ومن كل قبيلة، ومن كل حي، ففي الآية دلالة سقوط فرض السفر لتعلم العلم والتفقه في الدين عن الكل إذا قام بعض بذلك يخرجون ويتعلمون ثم يعلمون قومهم؛ لأنه قال: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ...

﴾ الآية.

وفيه أيضاً دلالة سقوط فرض الجهاد عن الجماعة إذا قام بعضهم عن بعض.

وفيه دلالة لزوم العمل بخبر الأحاد وإن احتمل الغلط؛ لأن ما ذكر من الطائفة يحتمل أن يجتمعوا على ذلك كذبا أو غلطا، ثم ألزم قومهم قبول خبرهم وإن احتمل الغلط والكذب بقوله: ﴿ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ .

والآية تخرج على وجهين: أحدهما: أن كل أهل بلدة وأهل قبيلة يختارون من يصلح للتفقة في الدين والتعلم فينفر، حتى إذا تفقه وتعلم رجع إلى قومه فيعلمهم.

والثاني: يأمر من يصلح للتفقه بالتخلف عن الجهاد إذا كان بهم غنية ليتفقه عند رسول الله؛ فينذر قومه إذا رجعوا إليه من غزاتهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ليس لأهل المدينة ولا لمن حولهم من سكان البادية أن يتخلفوا عن رسول الله  إذا خرج إلى الجهاد بنفسه، وليس لهم أن يَشِحُّوا بانفسهم، ويصونوها عن نفسه  ، بل الواجب عليهم أن يبذلوا أنفسهم دون نفسه؛ ذلك لأنهم لا ينالهم عطش، ولا تعب، ولا مجاعة في سبيل الله، ولا ينزلون مكانًا يثير وجودهم به غيظ الكفار، ولا يصيبون من عدو قتلًا أو أسرًا أو غنيمة أو هزيمة -إلا كتب الله لهم بذلك ثواب عمل صالح يقبله منهم، إن الله لا يضيع أجر المحسنين، بل يوفيهم إياه كاملًا، ويزيدهم عليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.1yWQq"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله