الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١٢٦ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 62 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٢٦ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : أولا يرى هؤلاء المنافقون ( أنهم يفتنون ) أي : يختبرون ( في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون ) أي : لا يتوبون من ذنوبهم السالفة ، ولا هم يذكرون فيما يستقبل من أحوالهم .
قال مجاهد : يختبرون بالسنة والجوع .
وقال قتادة : بالغزو في السنة مرة أو مرتين .
وقال شريك ، عن جابر - هو الجعفي - عن أبي الضحى ، عن حذيفة : ( أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ) قال : كنا نسمع في كل عام كذبة أو كذبتين ، فيضل بها فئام من الناس كثير .
رواه ابن جرير .
وفي الحديث عن أنس : " لا يزداد الأمر إلا شدة ، ولا يزداد الناس إلا شحا ، وما من عام إلا والذي بعده شر منه " ، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم .
القول في تأويل قوله : أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (126) قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءه قوله: (أولا يرون) .
فقرأته عامة قرأة الأمصار: ( أو لا يرون ) ، بالياء, بمعنى: أو لا يرى هؤلاء الذين في قلوبهم مرضُ النفاق؟
وقرأ ذلك حمزة: (أَوَ لا تَرَوْنَ)، بالتاء, بمعنى: أو لا ترون أنتم، أيها المؤمنون، أنهم يفتنون؟
قال أبو جعفر: والصواب عندنا من القراءة في ذلك، الياءُ, على وجه التوبيخ من الله لهم, لإجماع الحجة من قرأة الأمصار عليه، وصحة معناه.
* * * فتأويل الكلام إذًا: أو لا يرى هؤلاء المنافقون أنَّ الله يختبرهم في كل عام مرة أو مرتين, بمعنى أنه يختبرهم في بعض الأعوام مرة, وفي بعضها مرتين (9) =(ثم لا يتوبون) ، يقول: ثم هم مع البلاء الذي يحلّ بهم من الله، والاختبار الذي يعرض لهم، لا ينيبون من نفاقهم, ولا يتوبون من كفرهم, ولا هم يتذكرون بما يرون من حجج الله ويعاينون من آياته, فيتعظوا بها، ولكنهم مصرُّون على نفاقهم؟
واختلف أهل التأويل في معنى " الفتنة " التي ذكر الله في هذا الموضع أن هؤلاء المنافقين يفتنون بها.
فقال بعضهم: ذلك اختبارُ الله إياهم بالقحط والشدة.
* ذكر من قال ذلك: 17490- حدثنا ابن وكيع, حدثنا ابن نمير, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين) ، قال: بالسَّنة والجوع.
17491- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: (يفتنون) ، قال: يبتلون =(في كل عام مرة أو مرتين) ، قال: بالسنة والجوع.
17492- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين) ، قال: يبتلون بالعذاب في كل عام مرة أو مرتين.
17493- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: (يفتنون في كل عام مرة أو مرتين) ، قال: بالسنة والجوع.
* * * وقال آخرون: بل معناه: أنهم يختبرون بالغزو والجهاد.
* ذكر من قال ذلك: 17494- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: ( أوَلا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين) ، قال: يبتلون بالغزو في سبيل الله في كل عام مرة أو مرتين.
17495- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الحسن, مثله.
* * * وقال آخرون: بل معناه: أنهم يختبرون بما يُشيع المشركون من الأكاذيب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه, فيفتتن بذلك الذين في قلوبهم مرض.
* ذكر من قال ذلك: 17496- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك, عن جابر, عن أبي الضحى, عن حذيفة: ( أوَلا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين) ، قال: كنا نسمع في كل عام كذبة أو كذبتين، فيضل بها فئامٌ من الناس كثير.
17497- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن شريك, عن جابر, عن أبي الضحى, عن حذيفة, قال: كان لهم في كل عام كذبة أو كذبتان.
* * * وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: إن الله عجَّب عبادَه المؤمنين من هؤلاء المنافقين, ووبَّخ المنافقين في أنفسهم بقلّة تذكرهم، وسوء تنبههم لمواعظ الله التي يعظهم بها.
وجائزٌ أن تكون تلك المواعظُ الشدائدَ التي ينـزلها بهم من الجوع والقحط = وجائزٌ أن تكون ما يريهم من نُصرة رسوله على أهل الكفر به، ويرزقه من إظهار كلمته على كلمتهم = وجائزٌ أن تكون ما يظهر للمسلمين من نفاقهم وخبث سرائرهم، بركونهم إلى ما يسمعون من أراجيف المشركين برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه = ولا خبر يوجب صحةَ بعض ذلك دون بعض، من الوجه الذي يجب التسليم له.
ولا قول في ذلك أولى بالصواب من التسليم لظاهر قول الله وهو: أو لا يرون أنهم يختبرون في كل عام مرة أو مرتين، بما يكون زاجرًا لهم، ثم لا ينـزجرون ولا يتعظون؟
---------------------- الهوامش : (9) انظر تفسير " الفتنة " فيما سلف ص : 286 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
قوله تعالى أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون قوله تعالى أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين قراءة العامة بالياء ، خبرا عن المنافقين .
وقرأ حمزة ويعقوب بالتاء خبرا عنهم وخطابا للمؤمنين .
وقرأ الأعمش أولم يروا .
وقرأ طلحة بن مصرف " أولا ترى " وهي قراءة ابن مسعود ، خطابا للرسول صلى الله عليه وسلم .
و ( يفتنون ) قال الطبري : يختبرون .
قال مجاهد : بالقحط والشدة .
وقال عطية : بالأمراض والأوجاع ; وهي روائد الموت .
وقال قتادة والحسن ومجاهد : بالغزو والجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ويرون ما وعد الله من النصر ثم لا يتوبون لذلك ولا هم يذكرون .
قال تعالى ـ موبخًا لهم على إقامتهم على ما هم عليه من الكفر والنفاق ـ : {أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} بما يصيبهم من البلايا والأمراض، وبما يبتلون من الأوامر الإلهية التي يراد بها اختبارهم. {ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ} عما هم عليه من الشر {وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ} ما ينفعهم، فيفعلونه، وما يضرهم، فيتركونه. فالله تعالى يبتليهم ـ كما هي سنته في سائر الأمم ـ بالسراء والضراء وبالأوامر والنواهي ليرجعوا إليه، ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون. وفي هذه الآيات دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، وأنه ينبغي للمؤمن، أن يتفقد إيمانه ويتعاهده، فيجدده وينميه، ليكون دائما في صعود.
قوله : ( أولا يرون ) قرأ حمزة ويعقوب : " ترون " بالتاء على خطاب النبي المؤمنين ، وقرأ الآخرون بالياء ، خبر عن المنافقين المذكورين .
( أنهم يفتنون ) يبتلون ( في كل عام مرة أو مرتين ) بالأمراض والشدائد .
وقال مجاهد : بالقحط والشدة .
وقال قتادة : بالغزو والجهاد .
وقال مقاتل بن حيان : يفضحون بإظهار نفاقهم .
وقال عكرمة : ينافقون ثم يؤمنون ثم ينافقون .
وقال يمان : ينقضون عهدهم في السنة مرة أو مرتين .
( ثم لا يتوبون ) من نقض العهد ولا يرجعون إلى الله من النفاق ، ( ولا هم يذكرون ) أي : لا يتعظون بما يرون من تصديق وعد الله بالنصر والظفر للمسلمين .
«أولا يرون» بالياء أي المنافقون، والتاء أيها المؤمنون «أنهم يُفتنون» يُبتلون «في كل عام مرة أو مرتين» بالقحط والأمراض «ثم لايتوبون» من نفاقهم «ولا هم يذَّكرون» يتعظون.
أولا يرى المنافقون أن الله يبتليهم بالقحط والشدة، وبإظهار ما يبطنون من النفاق مرة أو مرتين في كل عام؟
ثم هم مع ذلك لا يتوبون مِن كفرهم ونفاقهم، ولا هم يتعظون ولا يتذكرون بما يعاينون من آيات الله.
وقوله : ( أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ) توبيخ لهم على قسوة قلوبهم ، وانطماس بصيرتهم ، وغفلتهم عما يدعو إلى الاعتبار والاتعاظ .أى : أبلغ الجهل والسفه وعمى البصيرة بهؤلاء ، أنهم صاروا لا يعتبرون ولا يتعظون بما حاق من فتن واختبارات وابتلاءات ، تنزل بهم فى كل عام مرة أو مرتين؟ومن هذه الفتن والامتحانات : كشف مكرهم عن طريق اطلاع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما يضمرونه من سوء ، وما يقولونه من منكر ، وما يفعلونه من أفعال خبيثة ، وحلول المصائب والأمراض بهم ، ومشاهدتهم لانتصار المؤمنين وخذلان الكافرين .قال الآلوسى : والمراد من المرة والمرتين - على ما صرح به بعهضم - مجرد التكثير ، لا بيان الوقوع على حسب العدد المذكور .وقوله : ( ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ ) بيان لرسوخهم فى الجهل والجحود .أى : ثم بعد كل هذه الفتن النازلة بهم ، لا يتوبون من نفاقهم ( وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ ) ويتعظون ، بل يصرون على مسالكهم الخبيثة ، وأعمالهم القبيحة ، مع أن من شأن الفتن والمصائب والمحن ، أنها تحمل على الاعتبار والاتعاظ ، والرجوع عن طريق الشر إلى طريق الخير .
اعلم أن الله تعالى لما بين أن الذين في قلوبهم مرض يموتون وهم كافرون، وذلك يدل على عذاب الآخرة، بين أنهم لا يتخلصون في كل عام مرة أو مرتين عن عذاب الدنيا وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة ﴿ أَوْ لاَ تَرَوْنَ ﴾ بالتاء على الخطاب للمؤمنين، والباقون بالياء خبراً عن المنافقين، فعلى قراءة المخاطبة، كان المعنى أن المؤمنين نبهوا على إعراض المنافقين عن النظر والتدبر، ومن قرأ على المغايبة، كان المعنى تقريع المنافقين بالإعراض عن الاعتبار بما يحدث في حقهم من الأمور الموجبة للاعتبار.
المسألة الثانية: قال الواحدي رحمه الله: قوله: ﴿ أَوْ لاَ يَرَوْنَ ﴾ هذه ألف الاستفهام دخلت على واو العطف، فهو متصل بذكر المنافقين، وهو خطاب على سبيل التنبيه قال سيبويه عن الخليل في قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء ﴾ المعنى: أنه أنزل الله من السماء ماء فكان كذا وكذا.
المسألة الثالثة: ذكروا في هذه الفتنة وجوهاً: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما يمتحنون بالمرض في كل عام مرة أو مرتين، ثم لا يتوبون من ذلك النفاق ولا يتعظون بذلك المرض، كما يتعظ بذلك المؤمن إذا مرض، فإنه عند ذلك يتذكر ذنوبه وموقفه بين يدي الله، فيزيده ذلك إيماناً وخوفاً من الله، فيصير ذلك سبباً لاستحقاقه لمزيد الرحمة والرضوان من عند الله.
الثاني: قال مجاهد: ﴿ يُفْتَنُونَ ﴾ بالقحط والجوع.
الثالث: قال قتادة: يفتنون بالغزو والجهاد فإنه تعالى أمر بالغزو والجهاد فهم إن تخلفوا وقعوا في ألسنة الناس باللعن والخزي والذكر القبيح، وإن ذهبوا إلى الغزو مع كونهم كافرين كانوا قد عرضوا أنفسهم للقتل وأموالهم للنهب من غير فائدة.
الرابع: قال مقاتل: يفضحهم رسول الله بإظهار نفاقهم وكفرهم قيل: إنهم كانوا يجتمعون على ذكر الرسول بالطعن فكان جبريل عليه السلام ينزل عليه ويخبره بما قالوه فيه، فكان يذكر تلك الحادثة لهم ويوبخهم عليها، ويعظهم فما كانوا يتعظون، ولا ينزجرون.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ أولا يرون ﴾ ، بالياء والتاء ﴿ يُفْتَنُونَ ﴾ يبتلون بالمرض والقحط وغيرهما من بلاء الله ثم لا ينتهون ولا يتوبون عن نفاقهم، ولا يذكرون، ولا يعتبرون، ولا ينظرون في أمرهم، أو يبتلون في الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعاينون أمره وما ينزل الله عليه من نصرته وتأييده.
أو يفتنهم الشيطان فيكذبون وينقضون العهود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقتلهم وينكل بهم، ثم لا ينزجرون ﴿ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ ﴾ تغامزوا بالعيون إنكاراً للوحي وسخرية به قائلين ﴿ هَلْ يَرَاكُمْ مّنْ أَحَدٍ ﴾ من المسلمين لننصرف، فإنا لا نصبر على استماعه ويغلبنا الضحك، فنخاف الافتضاح بينهم.
أو ترامقوا يتشاورون في تدبير الخروج والانسلال لواذا يقولون: هل يراكم من أحد.
وقيل: معناه: إذا ما أنزلت سورة في عيب المنافقين ﴿ صَرَفَ الله قُلُوبَهُم ﴾ دعاء عليهم بالخذلان وبصرف قلوبهم عما في قلوب أهل الإيمان من الانشراح ﴿ قُلُوبَهُم ﴾ بسبب أنهم ﴿ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ﴾ لا يتدبرون حتى يفقهوا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أوَلا يَرَوْنَ ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ وقُرِئَ بِالتّاءِ.
﴿ أنَّهم يُفْتَنُونَ ﴾ يُبْتَلَوْنَ بِأصْنافِ البَلِيّاتِ، أوْ بِالجِهادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَيُعايِنُونَ ما يَظْهَرُ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ.
﴿ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ﴾ لا يَنْتَهُونَ ولا يَتُوبُونَ مِن نِفاقِهِمْ.
﴿ وَلا هم يَذَّكَّرُونَ ﴾ ولا يَعْتَبِرُونَ.
﴿ وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ﴾ تَغامَزُوا بِالعُيُونِ إنْكارًا لَها وسُخْرِيَةً، أوْ غَيْظًا لِما فِيها مِن عُيُوبِهِمْ.
﴿ هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ ﴾ أيْ يَقُولُونَ هَلْ يَراكم أحَدٌ إنْ قُمْتُمْ مِن حَضْرَةِ الرَّسُولِ ، فَإنْ لَمْ يَرَهم أحَدٌ قامُوا وإنْ يَرَهم أحَدٌ أقامُوا.
﴿ ثُمَّ انْصَرَفُوا ﴾ عَنْ حَضْرَتِهِ مَخافَةَ الفَضِيحَةِ.
﴿ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ عَنِ الإيمانِ وهو يَحْتَمِلُ الإخْبارَ والدُّعاءَ.
﴿ بِأنَّهُمْ ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم.
﴿ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ﴾ لِسُوءِ فَهْمِهِمْ أوْ لِعَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{أَوْ لاَ يَرَوْنَ} يعني المنافقين وبالتاء حمزة خطاب للمؤمنين {أنهم يفتنون} يبتلون
التوبة (١٢٦ _ ١٢٩)
بالقحط والمرض وغيرهما {فِي كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ} عن نفاقهم {وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ} لا يعتبرون أو
بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتوبون بما يرون من دولة الإسلام ولاهم يذكرون بما يقع بهم من الاصطدام
﴿ أوَلا يَرَوْنَ ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ والكَلامِ في العَطْفِ شَهِيرٌ وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ والهَمْزَةَ لِلتَّعْجِيبِ أيْ أوَلا يَعْلَمُونَ وقِيلَ: أوَلا يُبْصِرُونَ ﴿ أنَّهُمْ ﴾ أيِ المُنافِقِينَ ﴿ يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ ﴾ مِنَ الأعْوامِ ﴿ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ ﴾ بِأفانِينِ البَلِيّاتِ مِنَ المَرَضِ والشَّدَّةِ مِمّا يَذْكُرُ الذُّنُوبَ والوُقُوفَ بَيْنَ يَدَيْ عَلّامِ الغُيُوبِ فَيُؤَدِّي إلى الإيمانِ بِهِ تَعالى والكَفِّ عَمّا هم عَلَيْهِ، وفي الخَبَرِ: «إذا مَرِضَ العَبْدُ ثُمَّ عُوفِيَ ولَمْ يَزْدَدْ خَيْرًا قالَتِ المَلائِكَةُ: هو الَّذِي داوَيْناهُ فَلَمْ يَنْفَعْهُ الدَّواءُ» .
فالفِتْنَةُ هُنا بِمَعْنى البَلِيَّةِ والعَذابِ وقِيلَ: هي بِمَعْنى الِاخْتِبارِ والمَعْنى أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُخْتَبَرُونَ بِالجِهادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَيُعايِنُونَ ما يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ لا سِيَّما الآياتِ النّاعِيَةَ عَلَيْهِمْ قَبائِحَهم ثُمَّ يَتُوبُونَ عَمّا هم فِيهِ ﴿ولا هم يَذَّكَّرُونَ 126﴾ ولا يَعْتَبِرُونَ والجُمْلَةُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَطْفٌ عَلى (يَرَوْنَ) داخِلٌ تَحْتِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ وعَلى القِراءَةِ الأُخْرى عَطْفٌ عَلى (يُفْتَنُونَ) والمُرادُ مِنَ المَرَّةِ والمَرَّتَيْنِ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهم مُجَرَّدُ التَّكْثِيرِ لا بَيانُ الوُقُوعِ عَلى حَسَبِ العَدَدِ المَزْبُورِ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ وما يَتَذَكَّرُونَ) <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ قرأ حمزة: أولا تَرَوْنَ بالتاء، ويكون الخطاب للنبي وأصحابه، وقرأ الباقون بالياء، يعني: أَوَلا يَرَوْنَ المنافقون ولا يعتبرون.
أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ، يقول يبتلون بإظهار مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ النفاق في كل عام.
مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ من نفاقهم وكفرهم في السر، وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ، يعني: لا يتعظون ولا يتفكرون.
قال الكلبي: كانوا ينقضون عهدهم في السنة مرة أو مرتين، فيعاقبون ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ عن نقض العهد.
وقال مقاتل: وذلك أنهم إذا خلوا، تكلموا بما لا يحل لهم، فإذا أتوا النبي ، أخبرهم بما تكلموا به، فيعرفون أنه نبي.
ثم يأتيهم الشيطان فيحدثهم أنه يخبرهم بما بلغه عنهم، فيشكون فيه، فذلك قوله: يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، يعني: يعرفون مرة أنه نبي وينكرون مرة أُخرى ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ عن ذلك وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ فيما أخبرهم، ويقال: يُفْتَنُونَ يعني: يبتلون بالأمراض والأسقام، ويعاهدون الله تعالى لو زال عنا لفعلنا كذا وكذا، ثم لا يوفون به، ولا يتوبون من النفاق وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ أي: لا يتعظون بما أنزل الله عليهم.
قوله تعالى: وَإِذا مآ أُنْزِلَتْ سُورَةٌ يعني: من القرآن على رسول الله مثل سورة براءة، فيها عيب المنافقين، نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ أي: ويتغامزون ويقولون فيما بينهم: هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ من أصحاب محمد ، فإذا رآهم أحد قاموا وصلوا، وإن لم يرهم أحد انصرفوا.
يعني: خرجوا من المسجد، ويقال: انصرفوا عن الإيمان.
صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ عن الإيمان، وخذلهم عن الفهم بخروجهم وانصرافهم عن الإيمان، ويقال: هذا على وجه الدعاء واللعن، كقوله تعالى: قاتَلَهُمُ اللَّهُ [التوبة: 30] ويقال: هذا على معنى التقديم، ومعناه: صرف الله قلوبهم، لأنهم انصرفوا عن الإيمان.
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ أمر الله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
تأخَّر عنه بعد العِلْمِ، فيظهر واللَّه أعلم، أنَّ الآية الأولَى باقٍ حكمها كما قال ابن عباس، وتكون الثانية ليستْ في معنى الغَزْو، بل في شأن التفقُّه في الدِّين على الإِطلاق «١» وهذا هو الذي يُفْهَمُ من استدلالهم بالآية علَى فَضْلِ العلْم، وقد قالت فرقة: إِن هذه الآية لَيْسَتْ في معنى الغَزْو، وإِنما سببها قبائلٌ مِنَ العرب أصابتهم مجاعةٌ، فنفزوا إلى المدينة لِمَعْنَى المعاشِ، فكادوا يُفْسِدونها، وكان أكثرهم غَيْرَ صحيحِ الإِيمانِ، وإِنما أَضْرَعَه الجُوع، فنزلَتِ الآية في ذلك، والإِنذارُ في الآية عامٌّ للكفر والمعاصي، والحذرِ منها أيضاً كذلك قال ابن المبارك في «رقائقه» أخبرنا موسَى بْنُ عُبَيْدَة، عن محمد بن كَعْب القُرَظِيِّ، قال:
إِذا أراد اللَّه تبارك وتعالَى بِعَبْدٍ خيراً، جعل فيه ثلاثَ خصالٍ: فقْهاً في الدِّينِ، وزَهَادةً في الدنيا، وبَصَّرَهُ بعيوبه «٢» .
انتهى.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣) وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (١٢٥) أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ (١٢٧)
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ قيل: إِنَّ هذه الآية نزَلَتْ قبل الأمر بقتال الكُفَّار كافَّة، فهي من التدريجِ الذي كان في أوَّل الإِسلام.
قال ع «٣» : وهذا ضعيفٌ فإِن هذه السورة من آخر ما نَزَلَ.
وقالتْ فرقة: معنى الآية أنَّ اللَّه تبارك وتعالى أمر فيها المؤمنين أنْ يقاتل كُلُّ فريقٍ منهم الجنْسَ الذي يليه من الكَفَرة.
وقوله سبحانه: وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً: أي: خشونةً وبأساً، ثم وعَدَ سبحانه في آخر الآية وحَضَّ على التقوَى التي هي مِلاَكُ الدِّينِ والدنيا، وبها يُلْقَى العَدُوُّ، وقد قال
بعضُ الصحابة: إِنما تُقَاتِلُونَ النَّاس بأَعمالكم، وَوَعَد سبحانه أنه مع المتَّقِينَ، وَمَنْ كان اللَّه مَعِهُ، فَلَنْ يُغْلَبَ.
وقوله تعالى: وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً ...
الآية: هذه الآية نزلَتْ في شأن المنافقين، وقولهم: أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً يحتمل أنْ يكون لمنافقينَ مِثْلِهِمْ، أو لقومٍ من قراباتهم علَى جهة الاستخفاف والتحقير لشأن السُّورة، ثم ابتدأ عزَّ وجلَّ الردَّ عليهم بقوله: فَأَمَّا/ الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وذلك أنه إذا نزلَتْ سورةٌ، حَدَثَ للمؤمنين بها تصديقٌ خاصٌّ، لم يكنْ قبلُ، فتصديقهم بما تضمَّنته السورةُ مِنْ أخبار وأمرٍ ونَهْيٍ أمرٌ زائد على الذي كان عِنْدهم قبلُ، وهذا وجْهٌ من زيادة الإِيمان.
ووجه آخر أنَّ السورة ربَّما تضمَّنت دليلاً أو تنبيهاً على دليل، فيكون المؤمن قد عَرَفَ اللَّه بعدَّة أدلَّة، فإِذا نزلت السورةُ، زادَتْ في أدلَّته، وَوَجْهٌ آخر من وجوه الزيادة أنَّ الإِنسان ربَّما عرضه شكٌ يسيرٌ، أو لاحَتْ له شبهة مشغِّبة، فإِذا نزلَتِ السورة، ارتَفَعَتْ تلك الشبهة، وقَوِيَ إِيمانه وارتقى اعتقاده عن معارَضَة الشبهات، والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ:
هم المنافقون، و «الرجْسُ» في اللغة: يجيء بمعنى القَذَرِ، ويجيء بمعنى العذاب، وحالُ هؤلاء المنافقين هي قَذَرٌ، وهي عذابٌ عاجلٌ، كفيلٌ بآجِلٍ، وإِذا تَجدَّد كفْرُهم بسورةٍ، فقد زاد كُفْرهم، فذلك زيادةُ رجْسٍ إِلى رِجْسهم.
وقوله سبحانه: أَوَلا يَرَوْنَ يعني: المنافقين، وقرأ حَمزة: «أَوَلاَ تَرَوْنَ» - بالتاء من فوق- على معنى: أو لا تَرَوْنَ أيُّها المؤمنون أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ، أي: يُخْتَبرُونَ، وقرأ مجاهدٌ: «مَرْضَةً أَوْ مَرْضَتَيْنِ» ، والذي يظهر مما قبل الآية، ومما بعدها أَنَّ الفتنة والاختبار إِنما هي بكَشْفِ اللَّه أَسرارهم وإِفشائه عقائدهم إِذ يعلمون أنَّ ذلك مِنْ عند اللَّه، وبهذا تقومُ الحُجَّة عليهم، وأما الاختبار بالمَرَضِ فهو في المؤمنين.
وقوله سبحانه: وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ: المعنى: وإِذا ما أنزلَتْ سورةٌ فيها فضيحةُ أسرار المنافقين، نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ: أي: هلْ معكم مَنْ يَنْقُلُ عَنْكم، هَلْ يراكم من أحدٍ حين تدبِّرون أموركم، ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْ طريق الاهتداء وذلك أنهم وقْتَ كشْف أسرارهم والإِعلام بمغيِّبات أمورهم، يقع لهم لا مَحَالة تَعَجُّب وتوقُّف ونَظَر، فلو أريد بهم خَيْرٌ، لكان ذلك الوَقْتُ مَظِنَّةَ الاهتداء، وقد تقدَّم بيانُ قوله: صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ.
أحَدُها: أنَّهُمُ الرُّومُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
والثّانِي: قُرَيْظَةُ، والنَّضِيرُ، وخَيْبَرُ، وفَدْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: الدَّيْلَمُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والرّابِعُ: العَرَبُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والخامِسُ: أنَّهُ عامٌّ في قِتالِ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: في هَذِهِ الآَيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُقاتِلَ أهْلَ كُلِّ ثَغْرٍ الَّذِينَ يَلُونَهم.
قالَ: وقِيلَ: «كانَ النَّبِيُّ رُبَّما تَخَطّى في حَرْبِهِ الَّذِينَ يَلُونَهُ مِنَ الأعْداءِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أهْيَبُ لَهُ، فَأمَرَ بِقِتالِ مَن يَلِيهِ لِيُسْتَنَّ بِذَلِكَ.» وفي الغِلْظَةِ ثَلاثُ لُغاتٍ: غِلْظَةٌ، بِكَسْرِ الغَيْنِ؛ وبِها قَرَأ الأكْثَرُونَ.
وغَلْظَةٌ، بِفَتْحِ الغَيْنِ، رَواها جَبَلَةٌ عَنْ عاصِمٍ.
وغُلْظَةٌ، بِضَمِّ الغَيْنِ، رَواها المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ.
ومِثْلُها: جَذْوَةٌ وجِذْوَةٌ وجُذْوَةٌ، ووَجْنَةٌ ووِجْنَةٌ ووُجْنَةٌ، ورَغْوَةٌ ورِغْوَةٌ ورُغْوَةٌ، ورَبْوَةٌ ورِبْوَةٌ ورُبْوَةٌ، وقَسْوَةٌ وقِسْوَةٌ وقُسْوَةٌ، وألْوَةٌ وإلْوَةٌ وأُلْوَةٌ، في اليَمِينِ.
وشاةٌ لَجْبَةٌ ولِجْبَةٌ ولُجْبَةٌ: قَدْ ولّى لَبَنُها.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ "غِلْظَةٌ": شَجاعَةٌ.
وقالَ مُجاهِدٌ: شِدَّةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا ﴾ هَذا قَوْلُ المُنافِقِينَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ اسْتِهْزاءً بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى.
﴿ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا ﴾ لِأنَّهم إذا صَدَّقُوا بِها وعَمِلُوا بِما فِيها، زادَتْهم إيمانًا.
﴿ وَهم يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ أيْ: يَفْرَحُونَ بِنُزُولِها.
﴿ وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ أيْ: شَكٌّ ونِفاقٌ.
وَفِي المُرادِ بِالرِّجْسِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الشَّكُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الإثْمُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: الكُفْرُ، لِأنَّهم كُلَّما كَفَرُوا بِسُورَةٍ زادَ كُفْرُهُمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلا يَرَوْنَ ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ.
وقَرَأ حَمْزَةُ: "أوَلا تَرَوْنَ" بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لَلْمُؤْمِنِينَ.
وفي مَعْنى يَفْتِنُونَ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يَكْذِبُونَ كِذْبَةً أوْ كِذْبَتَيْنِ يَضِلُّونَ بِها، قالَهُ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ.
والثّانِي: يُنافِقُونَ ثُمَّ يُؤْمِنُونَ ثُمَّ يُنافِقُونَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: يُبْتَلَوْنَ بِالغَزْوِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والرّابِعُ: يُفْتَنُونَ بِالسَّنَةِ والجُوعِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والخامِسُ: بِالأوْجاعِ والأمْراضِ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
والسّادِسُ: يَنْقُضُونَ عَهْدَهم مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ، قالَهُ يَمانُ.
والسّابِعُ: يَكْفُرُونَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا إذا أخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ بِما تَكَلَّمُوا بِهِ إذْ خَلَوْا، عَلِمُوا أنَّهُ نَبِيٌّ، ثُمَّ يَأْتِيهِمُ الشَّيْطانُ فَيَقُولُ: إنَّما بَلَغَهُ هَذا عَنْكُمْ، فَيُشْرِكُونَ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.
والثّامِنُ: يُفْضَحُونَ بِإظْهارِ نِفاقِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ﴾ أيْ: مِن نِفاقِهِمْ.
﴿ وَلا هم يَذَّكَّرُونَ ﴾ أيْ: يَعْتَبِرُونَ ويَتَّعِظُونَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ ﴿ وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ ﴾ ﴿ أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أو مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ولا هم يَذَّكَّرُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في شَأْنِ المُنافِقِينَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمِنهُمْ ﴾ عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِمُنافِقِينَ مِثْلِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِقَوْمٍ مِن قَراباتِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَسْتَنِيمُونَ إلَيْهِمْ، ويَثِقُونَ بِسَتْرِهِمْ عَلَيْهِمْ، ويَطْمَعُونَ في رَدِّهِمْ إلى النِفاقِ.
ومَعْنى ﴿ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا ﴾ الِاسْتِخْفافُ والتَحْقِيرُ لِشَأْنِ السُورَةِ كَما تَقُولُ: أيُّ غَرِيبٍ في هَذا؟
أو أيُّ دَلِيلٍ؟
ثُمَّ ابْتَدَأ عَزَّ وجَلَّ الرَدَّ عَلَيْهِمْ والحُكْمَ بِما يَهْدِمُ لَبْسَهم فَأخْبَرَ أنَّ المُؤْمِنِينَ زادَتْهم إيمانًا، وأنَّهم يَسْتَبْشِرُونَ مِن ألْفاظِها ومَعانِيها بِرَحْمَةِ اللهِ ورِضْوانِهِ، والزِيادَةُ في الإيمانِ مَوْضِعُ تَخَبُّطٍ لِلنّاسِ وتَطْوِيلٍ، وتَلْخِيصُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ الإيمانَ الَّذِي هو نَفْسُ التَصْدِيقِ لَيْسَ مِمّا يَقْبَلُ الزِيادَةَ والنَقْصَ في نَفْسِهِ، وإنَّما تَقَعُ الزِيادَةُ في المُصَدِّقِ بِهِ، فَإذا نَزَلَتْ سُورَةٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، حَدَثَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِها تَصْدِيقٌ خاصٌّ لَمْ يَكُنْ قَبْلُ، فَتَصْدِيقُهم بِما تَضَمَّنَتْهُ السُورَةُ مِن أخْبارٍ وأمْرٍ ونَهْيٍ أمْرٌ زائِدٌ عَلى الَّذِي كانَ عِنْدَهم قَبْلُ، فَهَذا وجْهٌ مِن زِيادَةِ الإيمانِ، ووَجْهٌ آخَرُ أنَّ السُورَةَ رُبَّما تَضَمَّنَتْ دَلِيلًا أو تَنْبِيهًا عَلَيْهِ فَيَكُونُ المُؤْمِنُ قَدْ عَرَفَ اللهَ بِعِدَّةِ أدِلَّةٍ، فَإذا نَزَلَتِ السُورَةُ زادَتْ في أدِلَّتِهِ، وهَذِهِ أيْضًا جِهَةٌ أُخْرى مِنَ الزِيادَةِ، وكُلُّها خارِجَةٌ عن نَفْسِ التَصْدِيقِ إذا حَصَلَ تامًّا، فَإنَّهُ لَيْسَ يَبْقى فِيهِ مَوْضِعُ زِيادَةٍ، ووَجْهٌ آخَرُ مِن وُجُوهِ الزِيادَةِ أنَّ الرَجُلَ رُبَّما عارَضَهُ شَكٌّ يَسِيرٌ أو لاحَتْ لَهُ شُبْهَةٌ مُشَغِّبَةٌ فَإذا نَزَلَتِ السُورَةُ ارْتَفَعَتْ تِلْكَ الشُبْهَةُ واسْتَراحَ مِنها، فَهَذا أيْضًا زِيادَةٌ في الإيمانِ إذْ يَرْتَقِي اعْتِقادُهُ عن مَرْتَبَةِ مُعارَضَةِ تِلْكَ الشُبْهَةِ إلى الخُلُوصِ مِنها، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن يُسَمِّي الطاعاتِ إيمانًا -وَذَلِكَ مَجازٌ عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ- فَتَتَرَتَّبُ الزِيادَةُ بِالسُورَةِ، إذْ تَتَضَمَّنُ أوامِرَ ونَواهِيَ وأحْكامًا، وهَذا حُكْمُ مَن يَتَعَلَّمُ العِلْمَ في مَعْنى زِيادَةِ الإيمانِ ونُقْصانِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّ تَعَلُّمَ الإنْسانِ العِلْمَ بِمَنزِلَةِ نُزُولِ سُورَةِ القُرْآنِ.
و ﴿ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ هُمُ المُنافِقُونَ، وهَذا تَشْبِيهٌ، وذَلِكَ أنَّ السالِمَ المُعْتَقَدِ المُنْشَرِحَ الصَدْرِ بِالإيمانِ يُشْبِهُهُ الصَحِيحُ، والفاسِدُ المُعْتَقَدِ يُشْبِهُهُ المَرِيضُ، فَفي العِبارَةِ مَجازٌ فَصِيحٌ لِأنَّ المَرَضَ والصِحَّةَ إنَّما هي خاصَّةٌ في الأعْضاءِ، فَهي في المُعْتَقَداتِ مَجازٌ، والرِجْسُ في هَذِهِ الآيَةِ عِبارَةٌ عن حالِهِمُ الَّتِي جَمَعَتْ مَعْنى الرِجْسِ في اللُغَةِ، وذَلِكَ أنَّ الرِجْسَ في اللُغَةِ يَجِيءُ بِمَعْنى القَذَرِ، ويَجِيءُ بِمَعْنى العَذابِ، وحالُ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ هي قَذَرٌ وهي عَذابٌ عاجِلٌ كَفِيلٌ بِآجِلٍ، وزِيادَةُ الرِجْسِ إلى الرِجْسِ هي عَمَهُهم في الكُفْرِ وخَبْطُهم في الضَلالِ، يُعاقِبُهُمُ اللهُ عَلى الكُفْرِ والإعْراضِ بِالخَتْمِ عَلى قُلُوبِهِمْ والخَتْمِ بِالنارِ عَلَيْهِمْ، وإذْ كَفَرُوا بِسُورَةٍ فَقَدْ زادَ كُفْرُهم فَذَلِكَ زِيادَةُ رِجْسٍ إلى رِجْسِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ ﴾ الآيَةُ، قَرَأ الجُمْهُورُ: "أوَ لا يَرَوْنَ" بِالياءِ عَلى مَعْنى: أو لا يَرى المُنافِقُونَ.
وقَرَأ حَمْزَةُ: "أو لا تَرَوْنَ" بِالتاءِ عَلى مَعْنى: أو لا تَرَوْنَ أيُّها المُؤْمِنُونَ، فَهَذا تَنْبِيهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والأعْمَشُ: "أو لا تَرى" أيْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ.
ورُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ أيْضًا: "أو لَمْ تَرَوْا".
وذَكَرَ عنهُ أبُو حاتِمٍ: "أو لَمْ يَرَوْا"، وقالَ مُجاهِدٌ: "يُفْتَنُونَ" مَعْناهُ: يُخْتَبَرُونَ بِالسَنَةِ والجُوعِ، وحَكى عنهُ النَقّاشُ أنَّهُ قالَ: مَرْضَةً أو مَرْضَتَيْنِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: يُخْتَبَرُونَ بِالأمْرِ بِالجِهادِ، والَّذِي يَظْهَرُ مِمّا قَبْلَ الآيَةِ ومِمّا بَعْدَها أنَّ الفِتْنَةَ والِاخْتِبارَ إنَّما هي بِكَشْفِ اللهِ تَعالى أسْرارَهم وإفْشائِهِ عَقائِدَهُمْ، فَهَذا هو الِاخْتِبارُ الَّذِي تَقُومُ عَلَيْهِ الحُجَّةُ بِرُؤْيَتِهِ وتَرْكِ التَوْبَةِ، وأمّا الجِهادُ أوِ الجُوعُ فَلا يُتَرَقَّبُ مَعَهُما ما ذَكَرْناهُ، فَمَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا: أفَلا يَزْدَجِرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تُفْضَحُ سَرائِرُهم كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً أو مَرَّتَيْنِ بِحَسَبِ واحِدٍ واحِدٍ، ويَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللهِ فَيَتُوبُونَ ويَتَذَكَّرُونَ وعْدَ اللهِ ووَعِيدَهُ، وأمّا الِاخْتِبارُ في المَرَضِ فَهو في المُؤْمِنِينَ، وقَدْ كانَ الحَسَنُ يُنْشِدُ: أفِي كُلِّ عامٍ مَرْضَةٌ ثُمَّ نَقْهَةٌ ∗∗∗ فَحَتّى مَتى حَتّى مَتى وإلى مَتى؟
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: يُفْتَنُونَ بِما يُشِيعُهُ المُشْرِكُونَ عَلى رَسُولِ اللهِ مِنَ الأكاذِيبِ، فَكانَ الَّذِي في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُفْتَنُونَ في ذَلِكَ، وحَكى الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ عن حُذَيْفَةَ وهو غَرِيبٌ مِنَ المَعْنى.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم ﴾ [التوبة: 125] إلى آخره فهي من تمام التفصيل.
وقدّمت همزة الاستفهام على حرف العطف على طريقة تصدير أدوات الاستفهام.
والتصدير للتنبيه على أن الجملة في غرض الاستفهام.
والاستفهام هنا إنكار وتعجيب لعدم رؤيتهم فتنتهم فلا تعقبها توبتهم ولا تذكّرهم أمر ربهم.
والغرض من هذا الإنكار هو الاستدلال على ما تقدم من ازدياد كفر المنافقين وتمكنه كلما نزلت سورة من القرآن بإيراد دليل واضح يُنَزَّلُ منزلة المحسوس المرئيّ حتى يَتوجه الإنكار على من لا يراه.
والفتنة: اختلال نظام الحالة المعتادة للناس واضطرابُ أمرهم، مثل الأمراض المنتشرة، والتقاتل، واستمرار الخوف.
وقد تقدم ذكرها عند قوله: ﴿ والفتنة أشد من القتل ﴾ [البقرة: 191] وقوله: ﴿ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ﴾ في سورة البقرة (193).
فمعنى أنهم يفتنون} أن الله يسلط عليهم المصائب والمضار تنال جماعتهم مما لا يُعتاد تكرر أمثاله في حياة الأمم بحيث يدل تكرر ذلك على أنه مراد منه إيقاظ اللّهِ الناس إلى سوء سيرتهم في جانب الله تعالى، بعدم اهتدائهم إلى الإقلاع عما هم فيه من العناد للنبيء صلى الله عليه وسلم فإنهم لو رزقوا التوفيق لأفاقوا من غفلتهم، فعلِموا أن ما يحل بهم كل عام ما طرأ عليهم إلا من وقت تلبسهم بالنفاق.
ولا شك أن الفتنة التي أشارت إليها الآية كانت خاصة بأهل النفاق من أمراض تحل بهم، أو متالف تصيب أموالهم، أو جوائح تصيب ثمارهم، أو نقص من أنفسهم ومواليدهم؛ فإذا حصل شيئان من ذلك في السنة كانت الفتنة مرتين.
وقرأ الجمهور ﴿ أولا يَرون ﴾ بالمثناة التحتية.
وقرأ حمزة ويعقوب ﴿ أولا ترون ﴾ بالمثناة الفوقية على أن الخطاب للمسلمين، فيكون من تنزيل الرائي منزلة غيره حتى ينكر عليه عدم رؤيته مَا لا يخفى.
و ﴿ ثم ﴾ للترتيب الرتبي لأن المعطوف بها هو زائد في رتبة التعجيب من شأنه على المعطوف عليه، فإن حصول الفتنة في ذاته عجيب، وعدم اهتدائهم للتدارك بالتوبة والتذكر أعجب.
ولو كانت (ثم) للتراخي الحقيقي لكان محل التعجيب من حالهم هو تأخر توبتهم وتذكرهم.
وأتي بجملة ﴿ ولا هم يذكرون ﴾ مبتدأة باسم أسند إليه فعل ولم يقل: ولا يذكرون، قصداً لإفادة التقوي، أي انتفاء تذكرهم محقق.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ ﴾ الآيَةَ.
في مَعْنى الِافْتِتانِ هُنا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُبْتَلَوْنَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: يَضِلُّونَ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: يَخْتَبِرُونَ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ.
وَفي الَّذِي يُفْتَنُونَ بِهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الجُوعُ والقَحْطُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ الغَزْوُ والجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: ما يُلْقُونَهُ مِنَ الكَذِبِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ، قالَهُ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ ما يُظْهِرُهُ اللَّهُ تَعالى مِن هَتْكِ أسْتارِهِمْ وسُوءِ نِيّاتِهِمْ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
وَهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (أوَ لاَ تَرى أنَّهم يُفْتَنُونَ) خِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ .
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فمنهم من يقول أيكم زادته ﴾ قال: من المنافقين من يقول.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً ﴾ قال: كانت إذا أنزلت سورة آمنوا بها فزادهم الله إيماناً وتصديقاً وكانوا بها يستبشرون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم ﴾ قال: شكاً إلى شكهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو لا يرون أنهم يفتنون ﴾ قال: يبتلون.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ يفتنون ﴾ قال: يبتلون ﴿ في كل عام مرة أو مرتين ﴾ قال: بالسنة والجوع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ﴾ قال: يبتلون بالعدوّ في كل عام مرة أو مرتين.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ يفتنون في كل عام ﴾ قال: يبتلون بالغزو في سبيل الله.
وأخرج أبو الشيخ عن بكار بن مالك ﴿ أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ﴾ قال: يمرضون في كل عام مرة أو مرتين.
وأخرج أبو الشيخ عن العتبي قال: إذا مرض العبد ثم عوفي فلم يزدد خيراً قالت الملائكة عليهم السلام هذا الذي داويناه فلم ينفعه الدواء.
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد ﴿ أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ﴾ قال: كانت لهم في كل عام كذبة أو كذبتان.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن حذيفة في قوله: ﴿ أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ﴾ قال: كنا نسمع في كل عام كذبة أو كذبتين، فيضل بها فئام من الناس كثير.
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال: في قراءة عبد الله «أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين وما يتذكرون» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أَوَلَا يَرَوْنَ ﴾ الآية، هذه واو العطف دخل عليها ألف الاستفهام فهو متصل بذكر المنافقين وفي ﴿ يَرَوْنَ ﴾ قراءتان الياء والتاء (١) ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾ ، المعنى: انتبه!
أنزل الله من السماء ماءً، فكان كذا وكذا (٢) (٣) ومن قرأ بالياء فمعناه التقريع بالإعراض عن التوبة للمنافقين من غير أن يُصرف التنبيه إلى المسلمين (٤) والرؤية على ما ذكرنا بمعنى العلم، ويجوز أن تكون من رؤية العين المتعدية إلى مفعولين وسدَّ (أن) مسدهما، وهذا الوجه أولى؛ لأن معنى الآية أنهم يُستبطؤون (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ﴾ ، قال ابن عباس في رواية عطاء: يمتحنون بالمرض في كل عام مرة أو مرتين (٧) ﴿ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ ﴾ من النفاق، ولا يتعظون بذلك المرض، كما يتعظ المؤمن إذا مرض ذكر ذنوبه وموقفه بين يدي الله، فيزيده ذلك إيمانًا وخوفًا من الله، وازداد الله له رحمة ورضوانًا.
وهذا قول عطية قال: يفتنون بالأمراض والأوجاع وهن روائد الموت (٨) (٩) وقال مجاهد: يفتنون بالقحط والجوع (١٠) وقال قتادة: بالغزو والجهاد (١١) بالسرايا فيقتلونهم (١٢) وقال مقاتل (١٣) بالطعن عليه، وكان جبريل يخبره بذلك فيوبخهم ويعظهم، فلا يتعظون ولا يرجعون عن ذلك (١٤) قال أهل المعاني: وهذه الآية بيان عما يوجبه تقلب الأحوال مرة بعد مرة من تذكر العبرة التي تدعو إلى إخلاص الطاعة والتوبة من كل خطيئة لشدة الحاجة إلى من يكشف البلية ويسبغ النعمة (١٥) (١) قرأ حمزة ويعقوب بالتاء، وقرأ الباقون بالياء.
انظر: "الغاية في القراءات العشر" 1689، "إرشاد المبتدي" ص 357، "تقريب الشر" ص 121.
(٢) "كتاب سيبويه" 3/ 40بنحوه، وذكره أبو علي الفارسي في "الحجة" 4/ 232 بلفظ المؤلف.
(٣) ساقط من (ح).
(٤) في (ى): (المؤمنين).
(٥) في (ى): (يستبطنون)، والصواب: ما أثبته وهو موافق لما في "الحجة للقراء السبعة" 4/ 233، الذي نُقل منه النص.
(٦) في (م): (يفتنون).
(٧) ذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 233، ورواه بمعناه مختصرًا بن أبي حاتم 6/ 1915 من رواية الضحاك.
(٨) رواه الثعلبي 6/ 164 ب.
(٩) "الحجة" للقراء السبعة 4/ 232.
(١٠) رواه ابن جرير 11/ 73، 74، وابن أبي حاتم 4/ 113 ب، والثعلبي 6/ 164 ب، والبغوي 4/ 115.
(١١) المصادر السابقة، نفس الموضع.
(١٢) ليس للمنافقين عهد حتى ينقضوه، وليسوا من أهل الحرب حتى يبعث إليهم النبي بالسرايا، بل ظاهرهم الإسلام والولاء والطاعة، ولذا تعليل المؤلف قول قتادة بما ذكره فيه نظر، بل قول قتادة يحتمل أحد ثلاثة أمور: أ- أنهم يفتنون بالغزو والجهاد فيتخلفون بغير عذر فيظهر نفاقهم.
ب- أنهم يفتنون بالغزو والجهاد فيخرجون ويتعرضون للقتل قبل التوبة والإيمان الصحيح.
ج- أنهم يبتلون بالغزو والجهاد فيرون تصديق ما وعد الله رسوله من النصر والظفر، وهذا معنى قول الحسن البصري كما في "تفسير الثعلبي" 6/ 164 ب، بل نسبه القرطبي 8/ 299 إلى قتادة نفسه.
(١٣) هو ابن حيان، انظر قوله في "تفسير الثعلبي" 6/ 164 ب، والبغوي 4/ 115، وابن الجوزي 3/ 519.
(١٤) ذكر هذا القول الرازي في "تفسيره" 16/ 233 دون تعيين القائل.
(١٥) لم أقف عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ ﴾ قيل: يفتنون أي يختبرون بالأمراض والجوع، وقيل: بالأمر بالجهاد واختار ابن عطية أن يكون المعنى يفضحون بما يكشف من سرائرهم ﴿ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ ﴾ أي: تغامزوا، وأشار بعضهم إلى بعض على وجه الاستخفاف بالقرآن، ثم قال بعضهم لبعض: هل يراكم من أحد؟
كأن سبب خوفهم أن ينقل عنهم ذلك.
وقيل: معنى نظر بعضهم إلى بعض وعلى وجه التعجب مما ينزل في القرآن؛ من كشف أسرارهم ثم قال بعضهم لبعض ﴿ هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ ﴾ أي: هل رأى أحوالكم فنقلها عنكم أو علمت من غير نقل فهذا أيضاً على وجه التعجب ﴿ ثُمَّ انصرفوا ﴾ يحتمل أن يراد الانصراف بالأبدان، أو الانصراف بالقلوب عن الهدى ﴿ صَرَفَ الله قُلُوبَهُم ﴾ دعاء أو خبر ﴿ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ﴾ تعليل لصرف قلوبهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ موطئاً ﴾ ونحوه بالياء: يزيد والشموني وحمزة في الوقف ﴿ غلظة ﴾ بفتح الغين: المفضل.
الباقون بكسرها.
﴿ أولا ترون ﴾ بتاء الخطاب للمؤمنين: حمزة ويعقوب.
الباقون على الغيبة.
الوقوف: ﴿ عن نفسه ﴾ ط ﴿ صالح ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ كافة ﴾ ط ﴿ يحذرون ﴾ ه ﴿ غلظة ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ إيماناً ﴾ ط ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ إلى بعض ﴾ ط لحق المحذوف أي يقولون هل يراكم ﴿ ثم انصرفوا ﴾ ط ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ عزيز ﴾ ط، على تأويل عليه شفاعة ما عنتم والصحيح الوصل لأن المعنى شديد عليه ما أثمتم ولا وقف في الآية إلى قوله رحيم ﴿ حسبي الله ﴾ ط والأصح الوصل على جعل الجملة حالاً أي يكفي الله غير مشارك في الألوهية ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه.
التفسير: لما أمر بموافقة النبي وأصحابه في جميع الغزوات والمشاهد بقوله ﴿ وكونوا مع الصادقين ﴾ أكد ذلك المعنى بالنهي عن التخلف عنه فقال: ﴿ ما كان لأهل المدينة ﴾ أي لا يستقيم ولا يجوز لهم.
والأعراب الذين كانوا حول المدينة قد ذكرنا - عن ابن عباس - أنهم مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار، وكأنه أراد المعروفين منهم وإلا فاللفظ عام.
ومعنى ﴿ ولا يرغبوا ﴾ ولا أن يرغبوا.
يقال: غبت بنفسي عن هذا الأمر أي أبخل بها عليه ولا أتركها له، والمراد أنه لا يصح لهم أن يرغبوا عن صحبة رسول الله بسبب صلاح أنفسهم وبقائها بل عليهم أن يصحبوه على البأساء والضراء ويرضوا لأنفسهم ما يرضاه الرسول لنفسه لأن نفسه أعز نفس عند الله، فإذا تعرضت مع كرامتها للخوض في شدة وجب على سائر الأنفس أن لا يضنوا بها على ما سمح بنفسه عليه.
وفي هذا النهي مع التهييج توبيخ عظيم، ولا يخفى أن الجهاد لا يجب على كل فرد بعينه للإجماع وأن أصحاب الأعذار من الضعفاء والمرضى ونحوهم مخصوصون بالعقل وبالنقل فيبقى ما وراء هاتين الصورتين داخلاً تحت عموم الآية.
ثم ذكر ترغيباً يجري مجرى علة المنع من التخلف فقال: ﴿ ذلك بأنهم ﴾ أي الوجوب الدال عليه بقوله: ﴿ ما كان لهم ﴾ بسبب أنهم مثابون على أنواع المتاعب وأصناف الشدائد بل على جميع الحركات والسكنات مدة الذهاب والإياب.
والظمأ شدة العطش، والنصب الإعياء والتعب، والمخمصة المجاعة الشديدة التي تظهر ضمور البطن، والموطىء إما مصدر كالمورد أو مكان وعلى التقديرين الضمير في ﴿ يغيظ ﴾ عائد إلى الوطء الصريح أو المقدر.
ثم الوطء يجوز أن يكون حقيقة فيراد به الدوس بالأقدام وبحوافر الخيول وبأخفاف الإبل، ويجوز أن يكون مجازاً فيراد به الإيقاع والإهلاك.
قال ابن الأعرابي: غاظه وغيظه وأغاظه بمعنى.
ويقال نال منه إذا رزأه ونقصه وهو عام في كل ما يسوءهم ويلحق بهم ضرراً من قتل أو أسر أو غنيمة أو هزيمة، والمراد أنهم لا يتصرفون في أرض الكفار تصرفاً يغيظهم ويرزؤهم شيئاً إلا كتب لهم به عمل صالح.
وفيه دليل على أن من قصد طاعة الله كان قيامه وقعوده ومشيه وحركته وسكونه كلها حسنات مكتوبة عند الله، وكذا القول في طرف المعصية ولكن بالضد فما أعظم بركة الطاعة وما أشد شؤم المعصية.
وبهذه الآية استشهد أصحاب أبي حنيفة أن المدد القادم بعد انقضاء الحرب يشارك الجيش في الغنيمة لأن وطء ديارهم مما يغيظهم وينكي فيهم.
وقال الشافعي: لا يشاركون الغانمين في الغنيمة وإن شاركوهم في الثواب لأن الغنيمة من خواص المحاربين ومن قد تعاطى خطراً.
قال قتادة: هذا الحكم من خواص رسول الله إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر.
وقال ابن زيد: هذا حين كان في المسلمين قلة فلما كثروا نسخه الله بقوله: ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴾ وقال عطية: ما كان لهم التخلف إذا دعاهم الرسول وأمرهم.
قال العلماء: وكذلك غيره من الأئمة والولاة إذا عينوا طائفة لأنا لو جوزنا للمندوب أن يتقاعد لم يختص بذلك بعض دون بعض فيؤدي الى تعطيل الجهاد.
قوله: ﴿ ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ﴾ .
قال المفسرون: يريد تمرة فما فوقها وعلاقة سيف أو سوط وما أربى عليها مثل ما أنفق عثمان في جيش العسرة ﴿ ولا يقطعون وادياً ﴾ أي أرضاً في ذهابهم ومجيئهم وهذا شائع في استعمال العرب يقولون: لا تصل في وادي غيرك.
وهو في الأصل فاعل من ودى إذا سال.
والوادي كل منعطف بين جبال وآكام يكون منفذاً للسيل.
﴿ إلا كتب لهم ﴾ ذلك الإنفاق والقطع أو ذلك العمل الصالح المعهود في الآية المتقدمة.
ثم ذكر غاية الكتب فقال: ﴿ ليجزيهم الله ﴾ أي أثبت في صحائفهم لأجل الجزاء جزاء أحسن من أعمالهم وأجل.
وقيل: الأحسن من صفة الفعل أي يجزيهم على الأحسن وهو الواجب والمندوب دون المباح.
واعلم أنه عدد أشياء بعضها ليس من أعمال المجاهدين وهو الظمأ والنصب والمخمصة، وباقيها من أعمالهم وهي الوطء والنيل والإنفاق وقطع الأرض، وقسم هذا الباقي قسمين فضم شطراً منه إلى ما ليس من أعمالهم تنبيهاً على أنه في الثواب جارٍ مجرى عملهم ولهذا صرح بذلك فقال: ﴿ إلا كتب لهم به عمل صالح ﴾ أي جزاء عمل صالح وأكد ذلك بقوله: ﴿ إن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ .
ثم أورد الشطر الباقي لغرض آخر وهو الوعد بأحسن الجزاء، واقتصر ههنا على قوله ﴿ إلا كتب لهم ﴾ لأن هذا القسم من عملهم فلم يحتج إلى تصريح بذلك، أو اكتفاء بما تقدم، أو لأن الضمير عائد إلى المصدر الدال عليه الفعل والله أعلم بمراده.
ثم قال: ﴿ وما كان المؤمنون ﴾ وفيه قولان: أحدهما أنه من بقية أحكام الجهاد لأنه لما بالغ في عيوب المنافقين كان المسلمون إذا بعث رسول الله سرية إلى الكفار ينفرون جميعاً ويتركونه بالمدينة وحده فنزلت الآية.
قاله ابن عباس.
والمعنى أنه لا يجوز للمؤمنين أن ينفروا بأسرهم إلى الجهاد بل يجب أن يصيروا طائفتين إحداهما لملازمة خدمة الرسول والأخرى للنفر إلى الغزو.
ثم ههنا احتمالان لأنه قال محرضاً ﴿ فلولا نفر ﴾ أي هلا نفر ﴿ من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ﴾ فذهب الأكثر إلى أن الضمير في ﴿ ليتفقهوا ﴾ عائد إلى الفرقة الباقية في حضرة الرسول لأنهم إذا بقوا في خدمته شاهدوا الوحي والتنزيل وضبطوا ما حدث من الشرائع، وعلى هذا فلا بد من إضمار والتقدير: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة وأقام طائفة ليتفقه المقيمون في الدين ﴿ ولينذروا قومهم ﴾ النافرين ﴿ إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ﴾ معاصي الله عند ذلك وبهذا الطريق يتم أمر الدين بهاتين الطائفتين وإلا ضاع أحد الشقين، والاحتمال الآخر ما روي عن الحسن أن الضمير يعود إلى الطائفة النافرة.
وتفقههم هو أنهم يشاهدون ظهور المسلمين على المشركين وأن العدد القليل منهم من غير زاد ولا سلاح كيف يغلبون الجم الغفير من الكفار فينتبهون لدقائق صنع الله في إعلاء كلمته.
فإذا رجعوا إلى قومهم أنذروهم بما شاهدوا من دلائل الحق فيحذروا أي يتركوا الكفر والشرك والنفاق.
القول الثاني أنه ليس من بقية أحكام الجهاد وإنما هو حكم مستقل بنفسه، ووجه النظم أن الجهاد أمر يتعلق بالسفر وكذلك التفقه، أما في زمن الرسول فوجوبه ظاهر لمن ليس بحضرته حتى يصل إليه ويستفيد من خدمته لأن الشريعة ما كانت مستقرة بل كانت تتجدد كل يوم شيئاً فشيئاً، وأما في زماننا فلا ريب أنه متى عجز عن التفقه إلا بالسفر وجب عليه، وإن أمكنه في الحضر فلا شك أن للسفر بركة أخرى يعرفها كل من زاول الأسفار وحاول الأخطار، ومعنى ﴿ ليتفقهوا ﴾ ليتكلفوا الفقاهة في الدين ويتجشموا المتاعب في أخذها وتحصيلها.
والفقه في الاصطلاح هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المستنبطة من دلائلها التفصيلية.
والظاهر أن المراد في الآية أعم من ذلك بحيث يشمل علوم الشرع كلها من التفسير والحديث وأصول الدين وأصول الفقه ومقدمات كل من ذلك وغاياتها بحسب الإمكان النوعي أو الشخصي.
وفي قوله: ﴿ ولينذروا قومهم ﴾ إشارة إلى أن الغرض الأصلي من التعلم هو الإنذار والإرشاد لا ما يقصده علماء السوء من الأغراض الفاسدة كالمطاعم والملابس والمناصب والمفاخر، أعاذنا الله بفضله من قبح النية وفساد الطوية، وجعلنا ممن لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً.
القائلون بأن خبر الواحد حجة قالوا: أوجب الله أن يخرج من كل فرقة طائفة، والخارج من الثلاثة اثنين أو واحداً.
ثم إنه أوجب العمل بأخبارهم بقوله: ﴿ ولينذروا ﴾ وأجيب بأن إيجاب الإنذار لا يدل على وجوب العمل لأن الشاهد الواحد يلزمه أداء الشهادة وإن لم يلزم القبول ورد بأن قوله: ﴿ لعلهم يحذرون ﴾ إيجاب للعمل بأخبارهم.
ثم أرشد إلى ترتيب القتال فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم ﴾ أي يقربون منكم مبتدأ من الأقرب ومنتقلاً إلى الأبعد.
والقتال واجب مع كافة الكفر بآية القتال، ولكن هذه الآية أخص لأن الغرض منها الترتيب ما لم يدع إلى قتال الأبعد قبل دفع الأقرب ضرورة فلا تكون هذه منسوخة بآية القتال على ما نقل عن الحسن، وإنما وجب الابتداء بالغزو من المواضع القريبة لأن قتال الكل دفعة متعذر وللأقرب ترجيح ظاهر كما في الدعوة وكما في سائر المهمات مثلاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يبتدأ بالجمع الحاضرين ثم ينتقل الى الغائبين.
وأيضاً المؤنة في قتال الأقربين من النفقة والدواب تكون أقل والقتال معهم يكون أسهل للوقوف على أحوالهم وعدد عسكرهم، والفرقة المجاهدة إذا تجاوزوا من الأقرب إلى الأبعد فقد عرضوا الذراري للفتنة.
وقد حارب رسول الله قومه ثم غيرهم من عرب الحجاز ثم غزا الشام.
ويروى أن أعرابياً جلس على المائدة وكان يمد يده إلى الجوانب البعيدة من تلك المائدة فقال : "كل مما يليك" .
فثبت بهذه الوجوه أن الابتداء بالأقرب فالأقرب واجب ما لم يضطر الى العدول ضرورة.
وقوله ﴿ وليجدوا فيكم غلظة ﴾ أي شدة نظير قوله: { ﴿ واغلظ عليهم ﴾ ومن قرأ بفتح الغين فهو المصدر أيضاً كالسخطة وهي لفظة جامعة للجراءة والصبر على القتال ولشدة العداوة والعنف في القتل والأسر، كل ذلك فيما يتصل بالدعوة إلى الدين إما بإقامة الحجة وإما بالسيف، أما فيما يتصل بالبيع والشراء والمجالسة فلا وليكن تقوى الله على ذكر منه في موارده ومصادره، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ فإن قلته قتله لله وان تركه على الجزية تركه لله وإن كسر عدوه وآل الأمر إلى أخذ الغنيمة راعى فيه حدود الله.
ثم حكى بقية فضائح أعمال المنافقين فقال: ﴿ وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول ﴾ أي يقول بعض المنافقين لبعض إنكاراً واستهزاء بالمؤمنين المعتقدين زيادة الإيمان بزيادة العلم الحاصل بالوحي والعمل به، أو يقولونه لقوم من المسلمين وغرضهم صرفهم عن الإيمان والمقول ﴿ أيكم ﴾ مرفوع بالابتداء وخبره ﴿ زادته هذه إيماناً ﴾ .
ثم إنه حكى أنه حصل للمؤمنين بسبب نزول هذه السورة أمران: أحدهما ازدياد الإيمان وقد مر معناه في أول سورة الأنفال، والثاني الاستبشار وهو استدعاء البشارة إما بثواب الآخرة وإما بالعزة والنصرة في الدنيا والمراد أنهم يفرحون بسبب تلك التكاليف الزائدة من حيث إنه يتوسل بها إلى مزيد الثواب.
وحصل للمنافقين الذين لهم عقائد فاسدة وأخلاق ذميمة أمران: أولهما زيادة الرجس لأن تكذيب سورة بعد تكذيب مثلها انضمام كفر إلى كفر أو لأن حصول حسد وغل ونفاق عقيب أمثالها ازدياد ملكة ذميمة غب أخرى، وثانيهما بقاؤهم على تلك العقائد والأعمال إلى أن ماتوا لأن الملكة الراسخة لا تزول إلا إن مات صاحبها، وإسناد زيادة الرجس إلى السورة إسناد حقيقي عند الأشاعرة لأنهم يقولون إنه يخلق الكفر والإيمان في العبد فلا يبعد إحداث السورة فيهم الرجس، وإسناد مجازي عند المعتزلة لأنهم يقولون إنهم أحدثوا الرجس من عند أنفسهم حين نزول السورة بدليل أن الآخرين سمعوا السورة وازدادوا إيماناً.
والتحقيق في أن النفس الطاهرة النقية عن درن الدنيا باستيلاء حب الله والآخرة إذا سمعتها صار سماعها موجباً لازدياد رغبته في الآخرة ونفرته عن الدنيا.
وأما النفس الحريصة المتهالكة على لذات الدنيا وطيباتها الغافلة عن حب الآخرة وعشق المولى إذا سمعتها مشتملة على تعريض النفس للقتل والمال للنهب بسبب الجهاد زادت نفرته عنها وإنكاره عليها وكل بقدر.
ثم عجب من حال المنافقين فقال: ﴿ أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ﴾ قال ابن عباس: أي يمتحنون بالمرض ﴿ ثم لا يتوبون ﴾ من النفاق ولا يتعظون بذلك المرض كما يتعظ المؤمن فإنه عند ذلك يتذكر ذنوبه وموقفه بين يدي ربه فيزيده ذلك إيماناً وخوفاً.
وقال مجاهد: بالقحط والجوع.
وقال قتادة: بالغزو أو الجهاد فإن تخلفوا وقعوا في ألسنة الناس باللعن والخزي، وإن ذهبوا وهم على حالة النفاق عرضوا أنفسهم للقتل وأموالهم للنهب من غير فائدة.
وقال مقاتل: كانوا يجتمعون على ذكر الرسول بالطعن فيخبره جبرائيل فيوبخهم بذلك ويعظهم فما كانوا يتعظون.
ثم ذكر نوعاً آخر من مخازيهم فقال ﴿ وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض ﴾ أي سورة مشتملة على ذكرهم أو أعم من ذلك.
والنظر نظر الطعن والاستهزاء والازدراء بالوحي قائلين ﴿ هل يراكم من أحد ﴾ من المسلمين لننصرف فإنا لا نصبر على استماعه ويغلبنا الضحك فنخاف الافتضاح بينهم لأن نظر التغامز دال على ما في الباطن من الإنكار الشديد، أو أرادوا إن كان من ورائكم أحد فلا تخرجوا وإلا فاخرجوا لنتخلص من هذا الإيذاء وسماع الباطل.
﴿ ثم انصرفوا ﴾ أي من مكان الوحي إلى مكانهم أو عن استماع القرآن الى الطعن فيه.
ومعنى ﴿ صرف الله قلوبهم ﴾ قال ابن عباس: منعهم عن كل رشد وخير.
وقال الحسن: طبع الله على قلوبهم.
وقال الزجاج: أضلهم الله.
قالت الأشاعرة: هو إخبار عما فعل الله بهم من الصد عن الإيمان والمنع منه.
وقالت المعتزلة: هو دعاء عليهم بالخذلان وبصرف قلوبهم عن الانشراح، أو إخبار بأنه صرفهم عن الألطاف التي يختص بها من آمن بها، أو المراد صرف قلوبهم بما أورثهم من الغم والكيد قالوا: ومعنى قوله: ﴿ لا يفقهون ﴾ لا يتدبرون حتى يفقهوا.
وعند الأشاعرة: هم قوم جبلوا على ذلك.
يحكى عن محمد بن إسحق أنه قال: لا تقولوا انصرفنا من الصلاة فإن قوماً انصرفوا صرف الله قلوبهم، لكن قولوا قضينا الصلاة كان مقصوده التفاؤل باللفظ الوارد في الخير دون الشر فإنه قال: ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ﴾ ثم لما أمر رسوله في هذه السورة بتبليغ تكاليف شاقة يعسر تحملها ختم السورة بما يهون الخطب في تحملها فقال: ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ أي من جنس البشر لا الملك لأن الجنس إلى الجنس أميل وبه آلف وآنس، أو الخطاب للعرب والمقصود ترغيبهم في نصرته والقيام بخدمته لأن كل ما يحصل له من الدولة والرفعة فإن ذلك سبب لعزهم وفخرهم لأنه من أبناء جلدتهم، أو الخطاب لأهل الحرم خاصة لأنهم كانوا يسمون أهل الحرم أهل الله وخاصته وكانوا يخدمونهم ويقومون بإصلاح مهماتهم فكأنه قيل لهم: كنتم قبل مقدمه مجدين في خدمة أسلافه فلم تتكاسلون في خدمته مع أنه لا نسبة له في الشرف إلى آبائه؟
أو المقصود من ذكر هذه الصفة التنبيه على طهارته كأنه قيل: هو من عشيرتكم تعرفونه بالصدق والأمانة والعفاف، وتعرفون كونه حريصاً على دفع الآفات عنكم وإيصال الخيرات إليكم.
فإرسال من هذه حاله وصفته يكون من أعظم نعم الله عليكم.
وقرىء ﴿ من أنفسكم ﴾ بفتح الفاء أي من أشرفكم وأفضلكم.
وتنسب هذه القراءة الى النبي والوصي وأهل البيت عليهم السلام.
ثم وصفه بما تستتبعه المجانسة والمناسبة من النتائج وذلك قوله: ﴿ عزيز عليه ما عنتم ﴾ العزة الغلبة والشدة والعنت المشقة والوقوع في المكروه والإثم.
و "ما" مصدرية أي شديد شاق عليه - لكونه بعضاً منكم - عنتكم ولقاؤكم المكروه، وأولى المكاره بالدفع عقاب الله وهو إنما أرسل لدفع هذا المكروه.
﴿ حريص عليكم ﴾ الحرص يمتنع أن يتعلق بذواتهم فالمراد حريص على إيصال الخيرات إليكم في الدارين؛ فالصفة الأولى لدفع الآفات والثانية لإيصال الخيرات والسعادات فلا تكرار.
وقال الفراء: الحريص الشحيح والمعنى أنه شحيح عليكم أن تدخلوا النار وفيه نوع تكرار.
ثم بين أنه رحمة للعاملين فقال ﴿ بالمؤمنين ﴾ أي منكم ومن غيركم ﴿ رؤوف رحيم ﴾ قال ابن عباس: لم يجمع الله بين اسمين من أسمائه إلا له، وحاصل هذه الخاتمة أن هذا الرسول منكم فكل ما يحصل له من العز والشرف فذاك عائد إليكم وإنه كالطبيب الحاذق وكالأب الشفيق وإذا عرف أن الطبيب حاذق والأب مشفق فالعلاج والتأديب منهما إحسان وإحمال، وإن كان صعباً مؤلماً فاقبلوا ما أمركم به من التكاليف وإن كانت شاقة لتفوزوا بسعادة الدارين، ثم قال لرسوله فإن لم يقبلوا بل أعرضوا وتولوا فاتركهم ولا تلتفت إليهم وارجع في جمع أمورك إلى الله الذي بالحق أرسلك فهو كافيك ﴿ وهو رب العرش العظيم ﴾ فلا يخرج عن قبضة قدرته وتصرفه شيء لأنه يحيط بالعرش وبما يحويه العرش والله أعلم.
التأويل: ﴿ ما كان لأهل ﴾ مدينة القالب وهو النفس والهوى والقلب ﴿ ومن حولهم من الأعراب ﴾ الصفات النفسانية والقلبية ﴿ أن يتخلفوا عن رسول ﴾ الروح السائر ولا يبذلوا وجودهم عند بذل وجوده بالفناء في الله ﴿ ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ﴾ من ماء الشهوات ﴿ ولا نصب ﴾ من أنواع المجاهدات ﴿ ولا مخمصة ﴾ بترك اللذات وحطام الدنيا في طلب الله ﴿ لا يطؤن موطئاً ﴾ من مقامات الفناء ﴿ يغيظ ﴾ كفار النفس والهوى ﴿ ولا ينالون من عدوّ ﴾ الشيطان والنفس والدنيا بلاء ومحنة وفقراً وحزناً وغير ذلك من أسباب الفناء ﴿ إلا كتب لهم به عمل صالح ﴾ من البقاء بالله بقدر الفناء في الله ﴿ ولا ينفقون نفقة صغيرة ﴾ هي بذل الصفات ﴿ ولا كبيرة ﴾ هي بذل الذات في صفات الله وفي ذاته ﴿ ولا يقطعون وادياً ﴾ من أودية الدنيا والآخرة والنفس والهوى والقلب والروح.
﴿ أحسن ما كانوا يعملون ﴾ لأن عملهم بقدر معرفتهم وجزاؤه يضيق عنه نطاق فهمهم ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم ﴾ } [السجدة: 17] ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا ﴾ في السير إلى الله وبالله وفي الله، فهلا نفر من كل قوم وقبيلة فرقة طائفة هم خواصهم وأهل الاستعداد الكاملون ليتعلموا السلوك ويخبروا بذلك قومهم ﴿ لعلهم يحذرون ﴾ من غير الله.
﴿ قاتلوا الذين يلونكم ﴾ من كفار النفس والهوى وصفاتها ﴿ وليجدوا فيكم غلظة ﴾ عزيمة صادقة في ترك شهواتها ﴿ وماتوا وهم كافرون ﴾ أي لموت قلبهم لتزايد ظلمة النفاق كل حين، ثم أخبر عن موت القلب بقوله: ﴿ أولا يرون أنهم يفتنون ﴾ والفتنة موجبة لانتباه القلب الحي ﴿ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ﴾ أي قلب حي ﴿ هل يراكم من أحد ﴾ في مقام الإنكار والنفاق أي هل يرى محمد إنكارنا على رسالته والقرآن، فإن كان رسولاً يرانا بنور رسالته ﴿ ثم انصرفوا ﴾ على هذا الحسبان لأن قلوبهم مصروفة وليس لهم فقه القلب لأن ذلك من أمارات حياة القلب.
﴿ من أنفسكم ﴾ تسكين للعوام لئلا يتنفروا عنه وإشارة للخواص إلى أن البشر لهم استعداد الوصول والوصال، فإن لم يكن بالاستقلال فبالمتابعة فاتبعوني يحببكم الله.
ومن قرأ ﴿ من أنفسكم ﴾ أي أشرفكم فلأنه أوّل جوهر خلقه الله "أول ما خلق الله روحي" ولاختصاصه بالخلاص عن تعلق الكونين وبلوغه إلى قاب قوسين أو أدنى وتحليه بحلية ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ ولعلو همته، ﴿ ما زاغ البصر وما طغى ﴾ ولرؤيته سر القدر ﴿ ولقد رأى من آيات ربه الكبرى ﴾ ﴿ بالمؤمنين رؤوف رحيم ﴾ فمن رأفته أمر بالرفق كما قال: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه بالرفق" ومن رحمته قيل له ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ وههنا نكتة وهي أن رأفته ورحمته لما كانت مخلوقة اختصت بالمؤمنين فقط، وكانت رحمته تعالى ورأفته للناس عامة ﴿ إن الله بالناس لرؤوف رحيم ﴾ ونكتة أخرى هي أن رحمته عامة للعالمين بقوله: ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ وأما رحمته المضمومة إلى الرأفة فخاصة بالمؤمنين وكأن الرأفة إشارة إلى ظهور أثر الدعوة في حقهم، فالمؤمنون أمة الدعوة والإجابة جميعاً وغيرهم أمة الدعوة فقط ﴿ فقل حسبي الله ﴾ لأن المقصود من التبليغ قد حصل لك وهو وصولك إلى الله أعرضوا عن دعوتك أو أقبلوا والله المستعان.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً ﴾ .
قال أهل التأويل: قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً ﴾ يعني: يقول المنافقون بعضهم لبعض إذا خلوا عن المؤمنين: أيكم زادته هذه إيماناً؟
استهزاء منهم بها وسخرية، فأجاب الله فقال: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ ، أي: شك ونفاق، ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ ﴾ أي: تكذيباً وكفراً إلى تكذيبهم الذي كان منهم؛ لأن أهل النفاق والكفر ليسوا هم بأهل إنصاف يقبلون الحجة والدلالة إذا قامت عليهم، إنما همتهم العناد والتكذيب ورد الحجج والدلائل، فكلما ازداد لهم الحجج والبراهين ازداد لهم عناداً في التكذيب والرد، وأما أهل الإيمان فإن همتهم قبول الحجج والإنصاف، فكلما ازداد لهم الحجج والبراهين ازداد لهم إيماناً وتصديقاً على ما كان لهم.
ثم قوله: ﴿ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً ﴾ : زادتهم ثباتاً ودواماً على ما كانوا من قبل، بما قامت لهم من الحجج والبراهين، وكذلك ازداد أهل النفاق والكفر بها الثبات على العناد في تكذيب الحجج والآيات.
والثاني: ازداد لهم إيماناً بالتفسير على إيمانهم بالجملة، وإذا كانوا مصدقين لذلك كله جملة، فإذا نزلت لهم نوازل وفرائض ازداد لهم بذلك التصديق والثبات.
وأصله أنه لو ما كان منهم من الإيمان والتصديق، لكان هذا منهم ابتداء إيمان وإحداث تصديق، وكذلك لو لم يكن من أهل النفاق ما سبق من العناد، لكان ذلك منهم إحداث تكذيب وعناد، فإذا كان منهم ما ذكرنا كان ذلك زيادة على ما كان لما ذكرنا.
وقال بعضهم: يزداد لأهل الإيمان خيرات، ولأهل النفاق شرّ، ولكن هو واحد وهو ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً ﴾ .
يخرج على وجهين: أحدهما: زادت المؤمنين إيماناً على الذين كان لهم من الإيمان والتصديق.
والثاني: زاد لهم حجة وبرهاناً لما كان، وكذلك يزداد لأهل النفاق ضد ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ .
قيل: يفرحون بنزولها، ثم إضافة الزيادة إلى السورة بقوله: ﴿ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً ﴾ لوجهين: أحدهما: أضيف أليها الزيادة على ما أضيف الغرور إلى الدنيا، وهو لما ذكرنا أنه يبدو منها لهم من التزيين ما لو كان [ذلك] من ذوي الأفعال والتغرير كان ذلك غروراً.
والثاني: إضافة التغرير إليها لما بها اغتر أهلها، وكذلك إضافة الزيادة إلى السورة لما بها ازداد لهم التكذيب والكفر، وازداد لأهل الإيمان بها التصديق، فأضيف الزيادة إليها.
وقال بعضهم: [هو] ما ذكرنا أنها حجة ودلالة، فبالحجة يزداد لأهل [الإيمان] الإيمان بها؛ إذ هم قد اعتقدوا قبول الحجج والدلائل، وأما أهل النفاق والكفر فإنهم أهل عناد ومكابرة؛ إذ قد اعتقدوا العناد ورد الحجج، فكلما [ازداد لهم الحجة] ازداد لهم عناداً وكفراً.
وقال أبو بكر الأصم: إنما أضيف الزيادة إليها؛ لأنها كانت سبب الزيادة، وقد تضاف الأشياء إلى أسبابها كما تضاف إلى حقيقة الأفعال، ولكن [لا] يحتمل أن تكون السورة التي نزلت سبباً لزيادة الكفر، لكن الوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ﴾ .
قيل: يبتلون بالجهاد والغزو فيتخلفون عنه، فيظهر بذلك نفاقهم وكفرهم.
وقيل: يبتلون بالشدة والجوع فيظهر أيضاً بذلك نفاقهم؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ ﴾ .
وقيل: يفتنون في كل عام مرة أو مرتين؛ وذلك أنهم كانوا إذا خلوا تكلموا بالكفر فيما بينهم، ثم إذا أتوا النبي أخبرهم بما تكلموا به في الخلوة فيفتضحون بذلك، فذلك افتتانه إياهم وابتلاؤه لهم، كان يظهر بما ذكر نفاقهم: مرة في الجهاد في سبيل الله، ومرة بالشدة والخوف، ومرة بما يطلع الله نبيه بما يضمرون ويتكلمون به [في الخلاء].
وتحتمل هذه الآية الوجوه الثلاثة: الجهاد معه، الابتلاء بالشدائد، والإفزاع.
وتحتمل إظهار الأسرار التي أسروا في أنفسهم والافتضاح مما أخفوا، لكن لو كان هذا فذلك مما يكثر منهم، أعني: كتمان النفاق وإسرار الخلاف لهم، لكن ذكر المرة والمرتين يرجع [إلى] الافتضاح والإظهار، فذلك يحتمل أن يكون في العام مرة أو مرتين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ ﴾ : عن نفاقهم.
﴿ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ : بما ابتلوا من الافتضاح وظهور النفاق منهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم ﴾ .
قال بعضهم: الآية صلة قوله: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً ﴾ ، أي: كان ينظر بعضهم إلى بعض ثم يقولون ما ذكر.
ومنهم من يقول: إذا كانت السورة التي نزلت حجة في إظهار الدين والإيمان، يسمعون ويقولون: ﴿ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً ﴾ وإذا أنزلت في إظهار نفاقهم وافتضاحهم نظر بعضهم إلى بعض، ثم انصرفوا ولا يسمعون منه السورة؛ إشفاقاً لئلا يظهر نفاقهم.
وقوله: ﴿ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم ﴾ .
يحتمل خلق الله منهم انصرافهم فأضيف إليه الصرف، ويشبه أن يكون قوله: ﴿ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم ﴾ عقوبة، أي: عاقبهم الله بصرف قلوبهم باعتقادهم العناد وردهم الحجج وتركهم القبول.
<div class="verse-tafsir"
أوَلَا ينظر المنافقون معتبرين بابتلاء الله لهم بكشف حالهم وفضح نفاقهم كل سنة مرة أو مرتين؟!
ثم مع علمهم بأن الله تعالى هو فاعل ذلك بهم لا يتوبون إليه من كفرهم، ولا يقلعون عن نفاقهم، ولا هم يتذكرون ما حل بهم وأنه من الله!
<div class="verse-tafsir" id="91.ZAlMJ"