الآية ١٢٧ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١٢٧ من سورة التوبة

وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌۭ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَىٰكُم مِّنْ أَحَدٍۢ ثُمَّ ٱنصَرَفُوا۟ ۚ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ ١٢٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 67 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢٧ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢٧ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون ) هذا أيضا إخبار عن المنافقين أنهم إذا أنزلت سورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ( نظر بعضهم إلى بعض ) أي : تلفتوا ، ( هل يراكم من أحد ثم انصرفوا ) أي : تولوا عن الحق وانصرفوا عنه ، وهذا حالهم في الدين لا يثبتون عند الحق ولا يقبلونه ولا يقيمونه كما قال تعالى : ( فما لهم عن التذكرة معرضين .

كأنهم حمر مستنفرة .

فرت من قسورة ) [ المدثر : 49 - 51 ] ، وقال تعالى : ( فمال الذين كفروا قبلك مهطعين .

عن اليمين وعن الشمال عزين ) [ المعارج : 36 ، 37 ] ، أي : ما لهؤلاء القوم يتقللون عنك يمينا وشمالا هروبا من الحق ، وذهابا إلى الباطل .

وقوله : ( ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم ) كقوله : ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) [ الصف : 5 ] ، ( بأنهم قوم لا يفقهون ) أي : لا يفهمون عن الله خطابه ، ولا يقصدون لفهمه ولا يريدونه ، بل هم في شده عنه ونفور منه فلهذا صاروا إلى ما صاروا إليه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (127) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (وإذا ما أنـزلت سورة)، من القرآن، فيها عيبُ هؤلاء المنافقين الذين وصفَ جل ثناؤه صفتهم في هذه السورة, وهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم =(نظر بعضهم إلى بعض), فتناظروا =(هل يراكم من أحد)، إن تكلمتم أو تناجيتم بمعايب القوم يخبرهم به, ثم قاموا فانصرفوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يستمعوا قراءة السورة التي فيها معايبهم.

ثم ابتدأ جل ثناؤه قوله: (صرف الله قلوبهم) ، فقال: صرف الله عن الخير والتوفيق والإيمان بالله ورسوله قلوبَ هؤلاء المنافقين (10) = ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ، يقول: فعل الله بهم هذا الخذلان, وصرف قلوبهم عن الخيرات، من أجل أنهم قوم لا يفقهون عن الله مواعظه, استكبارًا، ونفاقا.

(11) * * * واختلف أهل العربية في الجالب حرفَ الاستفهام.

فقال بعض نحويي البصرة, قال: (نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد)، كأنه قال: " قال بعضهم لبعض "، لأن نظرهم في هذا المكان كان إيماءً وشبيهًا به, (12) والله أعلم.

* * * وقال بعض نحويي الكوفة: إنما هو: وإذا ما أنـزلت سورة قال بعضهم لبعض: هل يراكم من أحد؟

وقال آخر منهم: هذا " النظر " ليس معناه " القول ", ولكنه النظر الذي يجلب الاستفهام، كقول العرب: " تناظروا أيهم أعلم ", و " اجتمعوا أيهم أفقه "، أي: اجتمعوا لينظروا = فهذا الذي يجلب الاستفهام.

* * * 17498- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن شعبة, عن أبي حمزة, عن ابن عباس قال: لا تقولوا: " انصرفنا من الصلاة ", فإن قومًا انصرفوا فصرف الله قلوبهم, ولكن قولوا: " قد قضينا الصلاة ".

17499-......

قال: حدثنا أبي, عن سفيان, عن أبي إسحاق, عن عمير بن تميم الثعلبي, عن ابن عباس قال: لا تقولوا: " انصرفنا من الصلاة ", فإن قومًا انصرفوا فصرف الله قلوبهم.

(13) 17500-......

قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش, عن أبي الضحى, عن ابن عباس قال: لا تقولوا: " انصرفنا من الصلاة ", فإن قومًا انصرفوا فصرف الله قلوبهم, ولكن قولوا: " قد قضينا الصلاة ".

17501-......

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (وإذا ما أنـزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض) ، الآية, قال: هم المنافقون.

* * * وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:- 17502- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وإذا ما أنـزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد) ، ممن سمع خبرَكم، رآكم أحدٌ أخبره؟

(14) إذا نـزل شيء يخبر عن كلامهم.

قال: وهم المنافقون.

قال: وقرأ: وَإِذَا مَا أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا ، حتى بلغ: ( نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ) أخبره بهذا؟

أكان معكم أحد؟

سمع كلامكم أحد يخبره بهذا؟

17503- حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا أبو إسحاق الهمداني, عمن حدثه, عن ابن عباس قال: لا تقل: " انصرفنا من الصلاة ", فإن الله عيَّر قومًا فقال: (انصرفوا صرف الله قلوبهم) ، ولكن قل: " قد صلَّينا ".

------------------------ الهوامش : (10) انظر تفسير " الصرف " فيما سلف 3 : 194 / 11 : 286 / 13 : 112 .

(11) انظر تفسير " الفقه " فيما سلف ص : 573 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(12) في المطبوعة " وتنبيها به " ، وصواب قراءته ما أثبت .

(13) الأثر : 17499 - " عمير بن تميم الثعلبي " ، هكذا في المخطوطة أيضا ، لم أجد له ترجمة في غير الجرح والتعديل 3 / 1 / 378 في " عمير بن قميم الثعلبي " بالقاف .

وقال المعلق إنه في إحدى النسخ " عمير بن قثم التغلبي " .

وفي الثقات والكنى للدولابي " بن تميم " .

وقال ابن أبي حاتم : ( قال يحيى بن سعيد ، وأبو نعيم ، هو " أبو هلال الطائي " ، وقال وكيع : هو " أبو تهلل " .

روى عن ابن عباس ، روى عنه أبو إسحاق الهمداني ، ويونس بن أبي إسحاق ، سمعت أبي يقول ذلك ) .

(14) في المخطوطة : " من يسمع خبركم ولكم أحد أخبره " ، وما في المطبوعة مطابق لما في الدر المنثور 3 : 293 ، وهو شبيه بالصواب إن شاء الله .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهونقوله تعالى وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض ( ما ) صلة ، والمراد المنافقون ; أي إذا حضروا الرسول وهو يتلو قرآنا أنزل فيه فضيحتهم أو فضيحة أحد منهم جعل ينظر بعضهم إلى بعض نظر الرعب على جهة التقرير ; يقول : هل يراكم من أحد إذا تكلمتم [ ص: 216 ] بهذا فينقله إلى محمد ; وذلك جهل منهم بنبوته عليه السلام ، وأن الله يطلعه على ما يشاء من غيبه .

وقيل إن ( نظر ) في هذه الآية بمعنى أنبأ .

وحكى الطبري عن بعضهم أنه قال : ( نظر ) في هذه الآية موضع قال .قوله تعالى ثم ( انصرفوا ) أي انصرفوا عن طريق الاهتداء .

وذلك أنهم حينما بين لهم كشف أسرارهم والإعلام بمغيبات أمورهم يقع لهم لا محالة تعجب وتوقف ونظر ، فلو اهتدوا لكان ذلك الوقت مظنة لإيمانهم ; فهم إذ يصممون على الكفر ويرتبكون فيه كأنهم انصرفوا عن تلك الحال التي كانت مظنة النظر الصحيح والاهتداء ، ولم يسمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم سماع من يتدبره وينظر في آياته ; إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون .

أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها .قوله تعالى صرف الله قلوبهم فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى صرف الله قلوبهم دعاء عليهم ; أي قولوا لهم هذا .

ويجوز أن يكون خبرا عن صرفها عن الخير مجازاة على فعلهم .

وهي كلمة يدعى بها ; كقوله : قاتلهم الله والباء في قوله : ( بأنهم ) صلة ل ( صرف ) .الثانية : قال ابن عباس : يكره أن يقال انصرفنا من الصلاة ; لأن قوما انصرفوا فصرف الله قلوبهم ، ولكن قولوا قضينا الصلاة ; أسنده الطبري عنه .

قال ابن العربي : وهذا فيه نظر وما أظنه بصحيح فإن نظام الكلام أن يقال : لا يقل أحد انصرفنا من الصلاة ; فإن قوما قيل فيهم : ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم .

أخبرنا محمد بن عبد الملك القيسي الواعظ حدثنا أبو الفضل الجوهري سماعا منه يقول : كنا في جنازة فقال المنذر بها : انصرفوا رحمكم الله فقال : لا يقل أحد انصرفوا فإن الله تعالى قال في قوم ذمهم : ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم ولكن قولوا : انقلبوا رحمكم الله فإن الله تعالى قال في قوم مدحهم : فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء .الثالثة : أخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أنه صارف القلوب ومصرفها وقالبها ومقلبها ; ردا على القدرية في اعتقادهم أن قلوب الخلق بأيديهم ، وجوارحهم بحكمهم ، يتصرفون بمشيئتهم ويحكمون بإراداتهم واختيارهم ; ولذلك قال مالك فيما رواه عنه أشهب : ما [ ص: 217 ] أبين هذا في الرد على القدرية لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم .

وقوله عز وجل لنوح : أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فهذا لا يكون أبدا ولا يرجع ولا يزول .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يعني‏:‏ أن المنافقين الذين يحذرون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم، إذا نزلت سورة ليؤمنوا بها، ويعملوا بمضمونها ‏{‏نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ‏}‏ جازمين على ترك العمل بها، ينتظرون الفرصة في الاختفاء عن أعين المؤمنين، ويقولون‏:‏ ‏{‏هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا‏}‏ متسللين، وانقلبوا معرضين، فجازاهم اللّه بعقوبة من جنس عملهم، فكما انصرفوا عن العمل ‏{‏صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ صدها عن الحق وخذلها‏.‏ ‏{‏بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ‏}‏ فقها ينفعهم، فإنهم لو فقهوا، لكانوا إذا نزلت سورة آمنوا بها، وانقادوا لأمرها‏.‏ والمقصود من هذا بيان شدة نفورهم عن الجهاد وغيره، من شرائع الإيمان، كما قال تعالى عنهم‏:‏ ‏{‏فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ‏}‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإذا ما أنزلت سورة فيها عيب المنافقين وتوبيخهم ، ( نظر بعضهم إلى بعض ) يريدون الهرب يقول بعضهم لبعض إشارة ، ( هل يراكم من أحد ) أي : أحد من المؤمنين ، إن قمتم ، فإن لم يرهم أحد خرجوا من المسجد ، وإن علموا أن أحدا يراهم أقاموا وثبتوا ، ( ثم انصرفوا ) عن الإيمان بها .

وقيل : انصرفوا عن مواضعهم التي يسمعون فيها ، ( صرف الله قلوبهم ) عن الإيمان .

قال أبو إسحاق الزجاج : أضلهم الله مجازاة على فعلهم ذلك ، ( بأنهم قوم لا يفقهون ) عن الله دينه .

قال ابن عباس رضي الله عنهما : " لا تقولوا إذا صليتم انصرفنا من الصلاة فإن قوما انصرفوا فصرف الله قلوبهم ، ولكن قولوا قد قضينا الصلاة " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا ما أنزلت سورة» فيها ذكرهم وقرأها النبي صلى الله عليه وسلم «نظر بعضهم إلى بعض» يريدون الهرب يقولون «هل يراكم من أحد» إذا قمتم فإن لم يرهم أحد قاموا وإلا ثبتوا «ثم انصرفوا» على كفرهم «صرف الله قلوبهم» عن الهدى «بأنهم قوم لا يفقهون» الحق لعدم تدبرهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا ما أُنزلت سورة تغَامَزَ المنافقون بالعيون إنكارًا لنزولها وسخرية وغيظًا؛ لِمَا نزل فيها مِن ذِكْر عيوبهم وأفعالهم، ثم يقولون: هل يراكم من أحد إن قمتم من عند الرسول؟

فإن لم يرهم أحد قاموا وانصرفوا من عنده عليه الصلاة والسلام مخافة الفضيحة.

صرف الله قلوبهم عن الإيمان؛ بسبب أنهم لا يفهمون ولا يتدبرون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم تصور السورة الكريمة تصويرا معجزا ، مشهدهم عندما تنزل السورة القرآنية على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهم حاضرون فى مجلسه فتقول : ( وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ ) أو آيات منها ، على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهم موجودون فى مجلسه ( نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ ) فى ريبة ومكر ، وتغامزوا بعيونهم وجوارحهم فى لؤم وخسة ثم تساءلوا : ( هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ ) أى : هل يراكم فى أحد من المسلمين إذا ما قمتم من هذا المجلس ، قبل أن يتلو الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذه السورة أو الآيات التى قد تفضحكم وتكشف عما اسررتموه فيما بينكم .( ثُمَّ انصرفوا ) من مجلس الرسول - صلى الله عليه وسلم - متسللين فى حذر حتى لا يراهم أحد من المسلمين .وقوله : ( صَرَفَ الله قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ) ذم لهم لإِيثارهم الغى على الرشد ، والضلالة على الهداية .أى : صرف الله قلوبهم عن الهداية والرشاد ، بسبب أنهم قوم لا يفقهون ما فيه خيرهم ونفعهم .

وإنما يفقهون ما فيه شقاؤهم وتعاستهم .هذا ، وإن الناظر فى هذه الآيات الكريمة يتدبر وإمعان ، ليراها قد صورت أحوال المنافقين وأخلاقهم وحركاتهم تصويرا دقيقا معجزا ، حتى إنه ليخيل إلى القارئ لهذه الآيات الكريمة أو السامع لها ، أنه يشهد المنافقين مشاهدة حسية وهم على تلك الحالة من التحرك المريب والنظرات الخبيثة ، والخروج من مجلس النبى - صلى الله عليه وسلم - فى حذر وريبة .

.وهذا كله مما يشهد بأنه هذا القرآن إنما هو من عند الله العليم بخفايا الصدور ، وبطوايا النفوس .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا نوع آخر من مخازي المنافقين، وهو أنه كلما نزلت سورة مشتملة على ذكر المنافقين وشرح فضائحهم، وسمعوها تأذوا من سماعها، ونظر بعضهم إلى بعض نظراً مخصوصاً دالاً على الطعن في تلك السورة والاستهزاء بها وتحقير شأنها، ويحتمل أن لا يكون ذلك مختصاً بالسورة المشتملة على فضائح المنافقين بل كانوا يستخفون بالقرآن، فكلما سمعوا سورة استهزؤوا بها وطعنوا فيها، وأخذوا في التغامز والتضاحك على سبيل الطعن والهزء، ثم قال بعضهم لبعض: هل يراكم من أحد؟

أي لو رآكم من أحد؟

وهذا فيه وجوه: الأول: أن ذلك النظر دال على ما في الباطن من الإنكار الشديد والنفرة التامة، فخافوا أن يرى أحد من المسلمين ذلك النظر وتلك الأحوال الدالة على النفاق والكفر، فعند ذلك قالوا: ﴿ هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ ﴾ أي لو رآكم أحد على هذا النظر وهذا الشكل لضركم جداً؟

والثاني: أنهم كانوا إذا سمعوا تلك السورة تأذوا من سماعها، فأرادوا الخروج من المسجد، فقال بعضهم لبعض: ﴿ هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ ﴾ يعني إن رأوكم فلا تخرجوا، إن كان ما رآكم أحد فاخرجوا من المسجد، لتتخلصوا عن هذا الإيذاء.

والثالث: ﴿ هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ ﴾ يمكنكم أن تقولوا نحبه، فوجب علينا الخروج من المسجد.

قال تعالى: ﴿ ثُمَّ انصرفوا ﴾ يحتمل أن يكون المراد نفس هربهم من مكان الوحي واستماع القرآن، ويجوز أن يراد به، ثم انصرفوا عن استماع القرآن إلى الطعن فيه وإن ثبتوا في مكانهم.

فإن قيل: ما التفاوت بين هذه الآية وبين الآية المتقدمة وهي قوله: ﴿ وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إيمانا ﴾ .

قلنا: في تلك الآية حكى عنهم أنهم ذكروا قولهم: ﴿ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إيمانا ﴾ وفي هذه الآية حكى عنهم أنهم اكتفوا بنظر بعضهم إلى بعض على سبيل الهزؤ، وطلبوا الفرار.

ثم قال تعالى: ﴿ صَرَفَ الله قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ﴾ واحتج أصحابنا به على أنه تعالى صرفهم عن الإيمان وصدهم عنه وهو صحيح فيه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: عن كل رشد وخير وهدى، وقال الحسن: صرف الله قلوبهم وطبع عليها بكفرهم، وقال الزجاج: أضلهم الله تعالى، قالت المعتزلة: لو كان تعالى هو الذي صرفهم عن الإيمان فكيف قال: ﴿ أنى يُصْرَفُونَ ﴾ وكيف عاقبهم على الانصراف عن الإيمان؟

قال القاضي: ظاهر الآية يدل على أن هذا الصرف عقوبة لهم على انصرافهم، والصرف عن الإيمان لا يكون عقوبة، لأنه لو كان كذلك، لكان كما يجوز أن يأمر أنبياءه بإقامة الحدود، يجوز أن يأمرهم بصرف الناس عن الإيمان.

وتجويز ذلك يؤدي أن لا يوثق بما جاء به الرسول.

ثم قال: هذا الصرف يحتمل وجهين: أحدهما: أنه تعالى صرف قلوبهم بما أورثهم من الغم والكيد.

الثاني: صرفهم عن الألطاف التي يختص بها من آمن واهتدى.

والجواب: أن هذه الوجوه التي ذكرها القاضي ظاهر أنها متكلفة جداً، وأما الوجه الصحيح الذي يشهد بصحته كل عقل سليم، هو أن الفعل يتوقف على حصول الداعي، وإلا لزم رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح، وهو محال.

وحصول ذلك الداعي ليس من العبد وإلا لزم التسلسل، بل هومن الله تعالى.

فالعبد إنما يقدم على الكفر إذا حصل في قلبه داعي الكفر، وذلك الحصول من الله تعالى، وإذا حصل ذلك الداعي انصرف ذلك القلب من جانب الإيمان إلى الكفر، فهذا هو المراد من صرف القلب وهو كلام مقرر ببرهان قطعي وهو منطبق على هذا النص، فبلغ في الوضوح إلى أعلى الغايات، ومما بقي من مباحث الآية ما نقل عن محمد بن إسحاق أنه قال: لا تقولوا انصرفنا من الصلاة، فإن قوماً انصرفوا صرف الله قلوبهم، لكن قولوا قد قضينا الصلاة، وكان المقصود منه التفاؤل بترك هذه اللفظة الواردة فيما لا ينبغي، والترغيب في تلك اللفظة الواردة في الخير، فإنه تعالى قال: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ أولا يرون ﴾ ، بالياء والتاء ﴿ يُفْتَنُونَ ﴾ يبتلون بالمرض والقحط وغيرهما من بلاء الله ثم لا ينتهون ولا يتوبون عن نفاقهم، ولا يذكرون، ولا يعتبرون، ولا ينظرون في أمرهم، أو يبتلون في الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعاينون أمره وما ينزل الله عليه من نصرته وتأييده.

أو يفتنهم الشيطان فيكذبون وينقضون العهود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقتلهم وينكل بهم، ثم لا ينزجرون ﴿ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ ﴾ تغامزوا بالعيون إنكاراً للوحي وسخرية به قائلين ﴿ هَلْ يَرَاكُمْ مّنْ أَحَدٍ ﴾ من المسلمين لننصرف، فإنا لا نصبر على استماعه ويغلبنا الضحك، فنخاف الافتضاح بينهم.

أو ترامقوا يتشاورون في تدبير الخروج والانسلال لواذا يقولون: هل يراكم من أحد.

وقيل: معناه: إذا ما أنزلت سورة في عيب المنافقين ﴿ صَرَفَ الله قُلُوبَهُم ﴾ دعاء عليهم بالخذلان وبصرف قلوبهم عما في قلوب أهل الإيمان من الانشراح ﴿ قُلُوبَهُم ﴾ بسبب أنهم ﴿ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ﴾ لا يتدبرون حتى يفقهوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أوَلا يَرَوْنَ ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ وقُرِئَ بِالتّاءِ.

﴿ أنَّهم يُفْتَنُونَ ﴾ يُبْتَلَوْنَ بِأصْنافِ البَلِيّاتِ، أوْ بِالجِهادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  فَيُعايِنُونَ ما يَظْهَرُ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ.

﴿ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ﴾ لا يَنْتَهُونَ ولا يَتُوبُونَ مِن نِفاقِهِمْ.

﴿ وَلا هم يَذَّكَّرُونَ ﴾ ولا يَعْتَبِرُونَ.

﴿ وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ﴾ تَغامَزُوا بِالعُيُونِ إنْكارًا لَها وسُخْرِيَةً، أوْ غَيْظًا لِما فِيها مِن عُيُوبِهِمْ.

﴿ هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ ﴾ أيْ يَقُولُونَ هَلْ يَراكم أحَدٌ إنْ قُمْتُمْ مِن حَضْرَةِ الرَّسُولِ  ، فَإنْ لَمْ يَرَهم أحَدٌ قامُوا وإنْ يَرَهم أحَدٌ أقامُوا.

﴿ ثُمَّ انْصَرَفُوا ﴾ عَنْ حَضْرَتِهِ مَخافَةَ الفَضِيحَةِ.

﴿ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ عَنِ الإيمانِ وهو يَحْتَمِلُ الإخْبارَ والدُّعاءَ.

﴿ بِأنَّهُمْ ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم.

﴿ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ﴾ لِسُوءِ فَهْمِهِمْ أوْ لِعَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧)

{وإذا ما أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ} تغامزوا بالعيون إنكاراً للوحي وسخرية به قائلين {هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ} من المسلمين لننصرف فإنا لا نصير على استماعه ويغلبنا الضحك فنخاف الافتضاح بينهم أو إذا ما أنزلت سورة في عيب المنافقين أشار بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد إن قمتم من حضرته عليه السلام {ثُمَّ انصرفوا} عن حضرة النبي عليه السلام مخافة الفضيحة {صَرَفَ الله قُلُوبَهُم} عن فهم القرآن {بِأَنَّهُمْ} بسبب أنهم {قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} لا يتدبرون حتى يفقهوا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ﴾ بَيانٌ لِأحْوالِهِمْ عِنْدَ نُزُولِها وهم في مَحْفِلِ تَبْلِيغِ الوَحْيِ كَما أنَّ الأوَّلَ بَيانٌ لِمَقالاتِهِمْ وهم غائِبُونَ عَنْهُ ﴿ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ﴾ لِيَتَواطَئُوا عَلى الهَرَبِ كَراهَةَ سَماعِها قائِلِينَ إشارَةً: ﴿ هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ ﴾ أيْ هَلْ يَراكم أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ إذا قُمْتُمْ مِنَ المَجْلِسِ أوْ تَغامَزُوا بِالعُيُونِ إنْكارًا وسُخْرِيَةً بِها قائِلِينَ: هَلْ يَراكم أحَدٌ لِنَنْصَرِفَ مُظْهِرِينَ أنَّهم لا يَصْطَبِرُونَ عَلى اسْتِماعِها ويَغْلِبُ عَلَيْهِمُ الضَّحِكُ فَيَفْتَضِحُونَ، والسُّورَةُ عَلى هَذا مُطْلَقَةٌ وقِيلَ: إنَّ نَظَرَ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ وتَغامُزَهم كانَ غَيْظًا لِما في السُّورَةِ مِن مَخازِيهِمْ وبَيانِ قَبائِحِهِمْ فالمُرادُ بِالسُّورَةِ سُورَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ذَلِكَ والإطْلاقُ هو الظّاهِرُ وأيًّا ما كانَ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ القَوْلِ قَبْلَ الِاسْتِفْهامِ لِيَرْتَبِطَ الكَلامُ، فَإنْ قُدِّرِ اسْمًا كانَ نَصْبًا عَلى الحالِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ وإنْ قُدِّرَ فِعْلًا كانَتِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا ويَجُوزُ جَعْلُها مُسْتَأْنَفَةً وإيرادُ ضَمِيرِ الخِطابِ لِبَعْثِ المُخاطَبِينَ عَلى الحَزْمِ فَإنَّ المَرْءَ بِشَأْنِهِ أكْثَرُ اهْتِمامًا مِنهُ في شَأْنِ أصْحابِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ولْيَتَلَطَّفْ ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا ﴿ ثُمَّ انْصَرَفُوا ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ نَظَرَ بَعْضُهُمْ ﴾ والتَّراخِي بِاعْتِبارِ وُجُودِ الفُرْصَةِ والوُقُوفِ عَلى عَدَمِ رُؤْيَةِ أحَدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أيْ ثُمَّ انْصَرَفُوا جَمِيعًا عَنْ مَحْفِلِ الوَحْيِ لِعَدَمِ تَحَمُّلِهِمْ سَماعَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ كَراهَتِهِمْ أوْ مَخافَةِ الفَضِيحَةِ بِغَلَبَةِ الضَّحِكِ أوِ الِاطِّلاعِ عَلى تَغامُزِهِمْ أوِ انْصَرَفُوا عَنِ المَجْلِسِ بِسَبَبِ الغَيْظِ وقِيلَ: المُرادُ انْصِرافُهم عَنِ الهِدايَةِ والأوَّلُ أظْهَرُ (صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهم عَنِ الإيمانِ) حَسَبَ انْصِرافِهِمْ عَنْ ذَلِكَ المَجْلِسِ والجُمْلَةُ تَحْتَمِلُ الإخْبارَ والدُّعاءَ واخْتارَ الثّانِيَ أبُو مُسْلِمٍ وغَيْرُهُ مِنَ المُعْتَزِلَةِ ودُعاؤُهُ تَعالى عَلى عِبادِهِ وعِيدٌ لَهم وإعْلامٌ بِلُحُوقِ العَذابِ بِهِمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بِأنَّهُمْ ﴾ قِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِصَرَفَ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ وبِانْصَرَفُوا عَلى الثّانِي والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ 127﴾ لَسُوءِ فَهْمِهِمْ أوْ لِعَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ فَهم إمّا حَمْقى أوْ غافِلُونَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ قرأ حمزة: أولا تَرَوْنَ بالتاء، ويكون الخطاب للنبي  وأصحابه، وقرأ الباقون بالياء، يعني: أَوَلا يَرَوْنَ المنافقون ولا يعتبرون.

أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ، يقول يبتلون بإظهار مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ النفاق في كل عام.

مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ من نفاقهم وكفرهم في السر، وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ، يعني: لا يتعظون ولا يتفكرون.

قال الكلبي: كانوا ينقضون عهدهم في السنة مرة أو مرتين، فيعاقبون ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ عن نقض العهد.

وقال مقاتل: وذلك أنهم إذا خلوا، تكلموا بما لا يحل لهم، فإذا أتوا النبي  ، أخبرهم بما تكلموا به، فيعرفون أنه نبي.

ثم يأتيهم الشيطان فيحدثهم أنه يخبرهم بما بلغه عنهم، فيشكون فيه، فذلك قوله: يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، يعني: يعرفون مرة أنه نبي وينكرون مرة أُخرى ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ عن ذلك وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ فيما أخبرهم، ويقال: يُفْتَنُونَ يعني: يبتلون بالأمراض والأسقام، ويعاهدون الله تعالى لو زال عنا لفعلنا كذا وكذا، ثم لا يوفون به، ولا يتوبون من النفاق وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ أي: لا يتعظون بما أنزل الله عليهم.

قوله تعالى: وَإِذا مآ أُنْزِلَتْ سُورَةٌ يعني: من القرآن على رسول الله  مثل سورة براءة، فيها عيب المنافقين، نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ أي: ويتغامزون ويقولون فيما بينهم: هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ من أصحاب محمد  ، فإذا رآهم أحد قاموا وصلوا، وإن لم يرهم أحد انصرفوا.

يعني: خرجوا من المسجد، ويقال: انصرفوا عن الإيمان.

صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ عن الإيمان، وخذلهم عن الفهم بخروجهم وانصرافهم عن الإيمان، ويقال: هذا على وجه الدعاء واللعن، كقوله تعالى: قاتَلَهُمُ اللَّهُ [التوبة: 30] ويقال: هذا على معنى التقديم، ومعناه: صرف الله قلوبهم، لأنهم انصرفوا عن الإيمان.

بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ أمر الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تأخَّر عنه بعد العِلْمِ، فيظهر واللَّه أعلم، أنَّ الآية الأولَى باقٍ حكمها كما قال ابن عباس، وتكون الثانية ليستْ في معنى الغَزْو، بل في شأن التفقُّه في الدِّين على الإِطلاق «١» وهذا هو الذي يُفْهَمُ من استدلالهم بالآية علَى فَضْلِ العلْم، وقد قالت فرقة: إِن هذه الآية لَيْسَتْ في معنى الغَزْو، وإِنما سببها قبائلٌ مِنَ العرب أصابتهم مجاعةٌ، فنفزوا إلى المدينة لِمَعْنَى المعاشِ، فكادوا يُفْسِدونها، وكان أكثرهم غَيْرَ صحيحِ الإِيمانِ، وإِنما أَضْرَعَه الجُوع، فنزلَتِ الآية في ذلك، والإِنذارُ في الآية عامٌّ للكفر والمعاصي، والحذرِ منها أيضاً كذلك قال ابن المبارك في «رقائقه» أخبرنا موسَى بْنُ عُبَيْدَة، عن محمد بن كَعْب القُرَظِيِّ، قال:

إِذا أراد اللَّه تبارك وتعالَى بِعَبْدٍ خيراً، جعل فيه ثلاثَ خصالٍ: فقْهاً في الدِّينِ، وزَهَادةً في الدنيا، وبَصَّرَهُ بعيوبه «٢» .

انتهى.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣) وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (١٢٥) أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ (١٢٧)

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ قيل: إِنَّ هذه الآية نزَلَتْ قبل الأمر بقتال الكُفَّار كافَّة، فهي من التدريجِ الذي كان في أوَّل الإِسلام.

قال ع «٣» : وهذا ضعيفٌ فإِن هذه السورة من آخر ما نَزَلَ.

وقالتْ فرقة: معنى الآية أنَّ اللَّه تبارك وتعالى أمر فيها المؤمنين أنْ يقاتل كُلُّ فريقٍ منهم الجنْسَ الذي يليه من الكَفَرة.

وقوله سبحانه: وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً: أي: خشونةً وبأساً، ثم وعَدَ سبحانه في آخر الآية وحَضَّ على التقوَى التي هي مِلاَكُ الدِّينِ والدنيا، وبها يُلْقَى العَدُوُّ، وقد قال

بعضُ الصحابة: إِنما تُقَاتِلُونَ النَّاس بأَعمالكم، وَوَعَد سبحانه أنه مع المتَّقِينَ، وَمَنْ كان اللَّه مَعِهُ، فَلَنْ يُغْلَبَ.

وقوله تعالى: وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً ...

الآية: هذه الآية نزلَتْ في شأن المنافقين، وقولهم: أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً يحتمل أنْ يكون لمنافقينَ مِثْلِهِمْ، أو لقومٍ من قراباتهم علَى جهة الاستخفاف والتحقير لشأن السُّورة، ثم ابتدأ عزَّ وجلَّ الردَّ عليهم بقوله: فَأَمَّا/ الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وذلك أنه إذا نزلَتْ سورةٌ، حَدَثَ للمؤمنين بها تصديقٌ خاصٌّ، لم يكنْ قبلُ، فتصديقهم بما تضمَّنته السورةُ مِنْ أخبار وأمرٍ ونَهْيٍ أمرٌ زائد على الذي كان عِنْدهم قبلُ، وهذا وجْهٌ من زيادة الإِيمان.

ووجه آخر أنَّ السورة ربَّما تضمَّنت دليلاً أو تنبيهاً على دليل، فيكون المؤمن قد عَرَفَ اللَّه بعدَّة أدلَّة، فإِذا نزلت السورةُ، زادَتْ في أدلَّته، وَوَجْهٌ آخر من وجوه الزيادة أنَّ الإِنسان ربَّما عرضه شكٌ يسيرٌ، أو لاحَتْ له شبهة مشغِّبة، فإِذا نزلَتِ السورة، ارتَفَعَتْ تلك الشبهة، وقَوِيَ إِيمانه وارتقى اعتقاده عن معارَضَة الشبهات، والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ:

هم المنافقون، و «الرجْسُ» في اللغة: يجيء بمعنى القَذَرِ، ويجيء بمعنى العذاب، وحالُ هؤلاء المنافقين هي قَذَرٌ، وهي عذابٌ عاجلٌ، كفيلٌ بآجِلٍ، وإِذا تَجدَّد كفْرُهم بسورةٍ، فقد زاد كُفْرهم، فذلك زيادةُ رجْسٍ إِلى رِجْسهم.

وقوله سبحانه: أَوَلا يَرَوْنَ يعني: المنافقين، وقرأ حَمزة: «أَوَلاَ تَرَوْنَ» - بالتاء من فوق- على معنى: أو لا تَرَوْنَ أيُّها المؤمنون أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ، أي: يُخْتَبرُونَ، وقرأ مجاهدٌ: «مَرْضَةً أَوْ مَرْضَتَيْنِ» ، والذي يظهر مما قبل الآية، ومما بعدها أَنَّ الفتنة والاختبار إِنما هي بكَشْفِ اللَّه أَسرارهم وإِفشائه عقائدهم إِذ يعلمون أنَّ ذلك مِنْ عند اللَّه، وبهذا تقومُ الحُجَّة عليهم، وأما الاختبار بالمَرَضِ فهو في المؤمنين.

وقوله سبحانه: وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ: المعنى: وإِذا ما أنزلَتْ سورةٌ فيها فضيحةُ أسرار المنافقين، نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ: أي: هلْ معكم مَنْ يَنْقُلُ عَنْكم، هَلْ يراكم من أحدٍ حين تدبِّرون أموركم، ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْ طريق الاهتداء وذلك أنهم وقْتَ كشْف أسرارهم والإِعلام بمغيِّبات أمورهم، يقع لهم لا مَحَالة تَعَجُّب وتوقُّف ونَظَر، فلو أريد بهم خَيْرٌ، لكان ذلك الوَقْتُ مَظِنَّةَ الاهتداء، وقد تقدَّم بيانُ قوله: صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «كانَتْ إذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فِيها عَيْبُ المُنافِقِينَ، وخَطَبَهم رَسُولُ اللَّهِ  وعَرَّضَ بِهِمْ في خُطْبَتِهِ، شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، ونَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ يُرِيدُونَ الهَرَبَ، يَقُولُونَ: ( هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ) مِنَ المُؤْمِنِينَ إنْ قُمْتُمْ؟

فَإنْ لَمْ يَرَهم أحَدٌ، خَرَجُوا مِنَ المَسْجِدِ.» قالَ الزَّجّاجُ: كَأنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ إيماءً لِئَلّا يَعْلَمَ بِهِمْ أحَدٌ، "ثُمَّ انْصَرَفُوا" عَنِ المَكانِ، وجائِزٌ عَنِ العَمَلِ بِما يَسْمَعُونَ.

وقالالحَسَنُ: ثُمَّ انْصَرَفُوا عَلى عَزْمِ التَّكْذِيبِ بِمُحَمَّدٍ  وبِما جاءَ بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَنِ الإيمانِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: أضَلَّهم مُجازاةً عَلى فِعْلِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهم بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ﴾ ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إلَهَ إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وهو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( بَعْضُهم ) عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ، والمَعْنى: وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فِيها فَضِيحَةُ أسْرارِهِمْ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، يَفْهَمُ مِن تِلْكَ النَظْرَةِ التَقْرِيرَ، هَلْ مَعَكم مَن يَنْقُلُ عنكُمْ؟

هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ حِينَ تُدَبِّرُونَ أُمُورَكُمْ؟

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ انْصَرَفُوا ﴾ مَعْناهُ: عن طَرِيقِ الِاهْتِداءِ، وذَلِكَ أنَّهم حِينَما يُبَيَّنُ لَهم كَشْفُ أسْرارِهِمْ والإعْلامُ بِمُغَيَّباتِ أُمُورِهِمْ يَقَعُ لَهم لا مَحالَةَ تَعَجُّبٌ وتَوَقُّفٌ ونَظَرٌ، فَلَوِ اهْتَدَوْا لَكانَ ذَلِكَ الوَقْتُ مَظِنَّةَ ذَلِكَ، فَهم إذْ يُصَمِّمُونَ عَلى الكُفْرِ ويَرْتَبِكُونَ فِيهِ كَأنَّهُمُ انْصَرَفُوا عن تِلْكَ الحالِ الَّتِي كانَتْ مَظِنَّةً لِلنَّظَرِ الصَحِيحِ والِاهْتِداءِ، وابْتَدَأ بِالفِعْلِ المُسْنَدِ إلَيْهِمْ إذْ هو تَعْدِيدُ ذَنْبٍ عَلى ما قَدْ بَيَّناهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، أيِ اسْتَوْجَبُوا ذَلِكَ ﴿ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ﴾ أيْ لا يَفْهَمُونَ عَنِ اللهِ ولا عن رَسُولِهِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: "لا تَقُولُوا: انْصَرَفْنا مِنَ الصَلاةِ، فَإنَّ قَوْمًا انْصَرَفُوا فَصَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ، ولَكِنْ قُولُوا: قَضَيْنا الصَلاةَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا النَظَرُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ هو إيماءٌ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: "نَظَرَ" في هَذِهِ الآيَةِ في مَوْضِعِ: "قالَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ جاءَكُمْ ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْعَرَبِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وهَذا عَلى جِهَةِ تَعْدِيدِ النِعْمَةِ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ، إذْ جاءَ بِلِسانِهِمْ وبِما يَفْهَمُونَهُ مِنَ الأغْراضِ والفَصاحَةِ وشُرِّفُوا بِهِ غابِرَ الأيّامِ.

وقالَ الزَجّاجُ: هي مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ العالَمِ، والمَعْنى: لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِنَ البَشَرِ، والأوَّلُ أصْوَبُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ يَقْتَضِي مَدْحًا لِنَسَبِ النَبِيِّ  وأنَّهُ مِن صَمِيمِ العَرَبِ وأشْرَفِها، ويَنْظُرُ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ  : « "إنَّ اللهَ اصْطَفى كِنانَةَ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، واصْطَفى قُرَيْشًا مِن كِنانَةَ، واصْطَفى بَنِي هاشِمٍ مِن قُرَيْشٍ، واصْطَفانِي مِن بَنِي هاشِمٍ"»، ومِنهُ قَوْلُهُ  : « "إنِّي مِن نِكاحٍ ولَسْتُ مِن سِفاحٍ"»، مَعْناهُ: أنَّ نَسَبَهُ  إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَكُنِ النَسْلُ فِيهِ إلّا مِن نِكاحٍ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ زِنًى، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ قُسَيْطٍ المَكِّيُّ: "مِن أنْفَسِكُمْ" بِفَتْحِ الفاءِ مِنَ النَفاسَةِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ  وعن فاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَواها عَنِ النَبِيِّ  .

وقَوْلُهُ: ﴿ ما عَنِتُّمْ ﴾ مَعْناهُ: عُنَتُكُمْ، فَـ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، وهي ابْتِداءٌ، و"عَزِيزٌ" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "ما عَنِتُّمْ" فاعِلًا بِـ "عَزِيزٌ" و"عَزِيزٌ" صِفَةٌ لِلرَّسُولِ  ، وهَذا أصْوَبُ مِنَ الأوَّلِ.

والعَنَتُ: المَشَقَّةُ، وهي هُنا لَفْظَةٌ عامَّةٌ، أيْ: ما شَقَّ عَلَيْكم مِن كُفْرٍ وضَلالٍ بِحَسَبِ الحَقِّ، ومِن قَتْلٍ أو إسارٍ وامْتِحانٍ بِسَبَبِ الحَقِّ واعْتِقادِكم أيْضًا مَعَهُ، وقالَقَتادَةُ: المَعْنى: عَنَتُ مُؤْمِنِيكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَعْمِيمُ عَنَتِ الجَمِيعِ أوجَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ﴾ يُرِيدُ: عَلى إيمانِكم وهُداكُمْ، وقَوْلِهِ: رَؤُفٌ مَعْناهُ: مُبالِغٌ في الشَفَقَةِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَأْفَةُ أرَقُّ مِنَ الرَحْمَةِ.

وقَرَأ "رَؤُفٌ" دُونَ مَدٍّ؛ الأعْمَشُ، وأهْلُ الكُوفَةِ، وأبُو عَمْرٍو.

ثُمَّ خاطَبَ النَبِيَّ  بَعْدَ تَقْرِيرِهِ عَلَيْهِمْ هَذِهِ النِعْمَةَ فَقالَ: ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ يا مُحَمَّدُ، أيْ أعْرَضُوا بَعْدَ هَذِهِ الحالِ المُتَقَرِّرَةِ الَّتِي مَنَّ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلَيْهِمْ بِها ﴿ فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ ﴾ مَعْناهُ: وأعْمالُكَ بِحَسَبِ قَوْلِكَ مِنَ التَفْوِيضِ إلى اللهِ والتَوَكُّلِ عَلَيْهِ والجِدِّ في قِتالِهِمْ.

ولَيْسَتْ بِآيَةِ مُوادَعَةٍ لِأنَّها مِن آخِرِ ما نَزَلَ، وخُصِّصَ العَرْشُ بِالذِكْرِ إذْ هو أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "العَظِيمُ" بِرَفْعِ المِيمِ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ.

وهاتانِ الآيَتانِ لَمْ تُوجَدا حِينَ جُمِعَ المُصْحَفُ إلّا في حِفْظِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ، "وَوَقَعَ في البُخارِيِّ: أو أبِي خُزَيْمَةَ"، فَلَمّا جاءَ بِهِما تَذَكَّرَهُما كَثِيرٌ مِنَ الصَحابَةِ، وقَدْ كانَ زَيْدٌ يَعْرِفُهُما ولِذَلِكَ قالَ: "فَقَدْتُ آيَتَيْنِ مِن آخَرِ سُورَةِ التَوْبَةِ".

ولَوْ لَمْ يَعْرِفْهُما لَمْ يَدْرِ هَلْ فَقَدَ شَيْئًا أمْ لا، فَإنَّما ثَبَتَتِ الآيَةُ بِالإجْماعِ لا بِخُزَيْمَةَ وحْدَهُ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في كِتابِهِ قالَ: كانَ عُمَرُ لا يُثْبِتُ آيَةً في المُصْحَفِ إلّا أنْ يَشْهَدَ عَلَيْها رَجُلانِ، فَلَمّا جاءَ خُزَيْمَةُ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ قالَ: واللهِ لا أسْألُكَ عَلَيْهِما بَيِّنَةً أبَدًا فَإنَّهُ هَكَذا كانَ  .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَعْنِي صِفَةَ النَبِيِّ  الَّتِي تَضَمَّنَتْها الآيَةُ، وهَذا -واللهُ أعْلَمُ- قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في مُدَّةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ الجَمْعِ الأوَّلِ، وحِينَئِذٍ فُقِدَتِ الآيَتانِ، ولَمْ يُجْمَعْ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ في خِلافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

وخُزَيْمَةُ بْنُ ثابِتٍ هو المَعْرُوفُ بِذِي الشَهادَتَيْنِ، وعُرِفَ بِذَلِكَ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ  أمْضى شَهادَتَهُ وحْدَهُ في ابْتِياعِ فَرَسٍ وحَكَمَ بِها لِنَفْسِهِ  ، وهَذا خُصُوصٌ لِرَسُولِ اللهِ  .

وذَكَرَ النَقّاشُ عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: أقْرَبُ القُرْآنِ عَهْدًا بِاللهِ تَعالى هاتانِ الآيَتانِ: ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ ﴾ إلى آخِرِ السُورَةِ.

انْتَهى بِعَوْنِ اللهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ سُورَةُ التَوْبَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة: ﴿ وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً ﴾ [التوبة: 124] والظاهر أن المقصود عطف جملة: ﴿ نظر بعضهم إلى بعض ﴾ على جملة: ﴿ فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً ﴾ [التوبة: 124].

وإنما أعيدت جملة الشرط لبعد ما بين الجملة المعطوفة وجملة الجزاء، أو للإشارة إلى اختلاف الوقت بالنسبة للنزول الذي يقولون عنده ﴿ أيكم زادته هذه إيماناً ﴾ [التوبة: 124] وبالنسبة للسورة التي عند نزولها ينظر بعضهم إلى بعض، أو لاختلاف السورتين بأن المراد هنا سورة فيها شيء خاص بهم.

وموجب زيادة (ما) بعد (إذا) في الآيتين متحد لاتحاد مقتضيه.

ونظَرُ بعضهم إلى بعض عند نزول السورة يدل على أنهم كانوا حينئذٍ في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم لأن نظر بعضهم إلى بعض تعلقت به أداة الظرفية، وهي (إذا).

فتعين أن يكون نظرُ بعضهم إلى بعض حاصلاً وقت نزول السورة.

ويدل لذلك أيضاً قوله: ﴿ ثُم انصرفوا ﴾ أي عن ذلك المجلس.

ويدل أيضاً على أن السورة مشتملة على كشف أسرارهم وفضح مكرهم لأن نظر بعضهم إلى بعض هو نظر تعجب واستفهام.

وقد قال تعالى في الآية السابقة: ﴿ يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون ﴾ [التوبة: 64].

ويدل أيضاً على أنهم كاتمون تعجُّبَهم من ظهور أحوالهم خشية الاعتراف بما نسب إليهم ولذلك اجتزوا بالتناظر دون الكلام.

فالنظر هنا نظر دال على ما في ضمير الناظر من التعجب والاستفهام.

وجملة: ﴿ هل يراكم من أحد ﴾ بيان لجملة ﴿ نظر بعضهم إلى بعض ﴾ لأن النظر تفاهموا به فيما هو سِرّ بينهم؛ فلما كان النظر نظر تفاهم صح بيان جملته بما يدل على الاستفهام التعجيبي، ففي هذا النظم إيجازُ حذف بديعٌ دلت عليه القرينة.

والتقدير: وإذا ما أنزلت سورة فيها فضيحةُ أمرهم نظر بعضهم إلى بعض بخائنة الأعين مستفهمين متعجبين من اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على أسرارهم، أي هل يراكم من أحد إذا خلوتم ودبرتم أموركم، لأنهم بكفرهم لا يعتقدون أن الله أطْلع نبيه عليه الصلاة والسلام على دخيلة أمرهم.

وزيادة جملة: ﴿ ثم انصرفوا ﴾ لإفادة أنهم لم يكتسبوا من نزول السورة التي أطلعت المؤمنين على أسرارهم عبرةً ولا قُرباً من الإيمان، بل كان قصارى أمرهم التعجب والشك في أن يكون قد اطلع عليهم من يبوح بأسرارهم ثم انصرفوا كأن لم تكن عبرة.

وهذا من جملة الفتن التي تحل بهم ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون.

وجملة: ﴿ صرف الله قلوبهم ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأن ما أفاده قوله: ﴿ ثم انصرفوا ﴾ من عدم انتفاعهم بما في تلك السورة من الإخبار بالمغيبات الدال على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم يثير سؤال من يسأل عن سَبب عدم انتفاعهم بذلك واهتدائهم، فيجاب بأن الله صرف قلوبهم عن الفهم بأمر تكويني فحُرموا الانتفاع بأبلغ واعظ.

وكان ذلك عقاباً لهم بسبب أنهم ﴿ قوم لا يفقهون ﴾ ، أي لا يفهمون الدلائل، بمعنى لا يتطلبون الهدى بالتدبر فيفهموا.

وجعل جماعة من المفسرين قولَه: ﴿ صرف الله قلوبهم ﴾ دعاء عليهم، ولا داعي إليه لأن دعاء الله على مخلوقاته تكوين كما تقدم، ولأنه يأباه تسْبيبه بقوله: ﴿ بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ .

وقد أعرض المفسرون عن تفسير هذه الآية تفسيراً يبين استفادة معانيها من نظم الكلام فأتوا بكلام يخاله الناظر إكراهاً لها على المعنى المراد وتقديرات لا ينثلج لها الفؤاد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ ﴾ الآيَةَ.

في مَعْنى الِافْتِتانِ هُنا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُبْتَلَوْنَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: يَضِلُّونَ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: يَخْتَبِرُونَ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ.

وَفي الَّذِي يُفْتَنُونَ بِهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الجُوعُ والقَحْطُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُ الغَزْوُ والجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: ما يُلْقُونَهُ مِنَ الكَذِبِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ، قالَهُ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ ما يُظْهِرُهُ اللَّهُ تَعالى مِن هَتْكِ أسْتارِهِمْ وسُوءِ نِيّاتِهِمْ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

وَهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (أوَ لاَ تَرى أنَّهم يُفْتَنُونَ) خِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ  .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض ﴾ قال: هم المنافقون.

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك ﴿ وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ﴾ كراهية أن يغصنا بها.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله: ﴿ وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ﴾ ممن سمع خيركم رآكم أحد أخبره إذا نزل شيء يخبر عن كلامهم وهم المنافقون.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: لا تقولوا انصرفنا من الصلاة، فإن قوماً انصرفوا صرف الله قلوبهم، ولكن قولوا: قضينا الصلاة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: لا يقال انصرفنا من الصلاة، ولكن قد قضيت الصلاة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ﴾ الآية، قال ابن عباس: كان إذا نزلت سورة فيها عيب المنافقين، وخَطَبَهم رسول الله  فعرض بهم في خطبته شق ذلك عليهم، فنظر بعضهم إلى بعض، يريدون الهرب من عند رسول الله  ، ﴿ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ﴾ إن (١) (٢) ﴿ ثُمَّ انْصَرَفُوا ﴾ من (٣) (٤) ﴿ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ﴾ فيه إضمار أي: نظر بعضهم إلى بعض [وقال هل يراكم من أحد.

وقال الأخفش: معنى ﴿ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾ ] (٥) (٦) (٧) (٨) ﴿ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ﴾ في المفهوم، وذلك أنه لما جرت عادتهم بأنهم إذا نظر بعضهم إلى بعض أرادوا هذا المعنى صار كأنهم تلفظوا به.

وقوله تعالى: ﴿ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ﴾ إن أضمرنا (٩) والمعنى: هل يراكم من أحد إن خرجتم، على ما ذكرنا وفيه حذف، ويصح المعنى من غير حذف وهو أن المعنى هل يراكم أحد (١٠) (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ انْصَرَفُوا ﴾ ذكرنا فيه قول ابن عباس: إن المعنى: ثم انصرفوا عن الإيمان به، ونحوه قال مقاتل (١٣) وقال الحسن: ثم انصرفوا على عزم الكفر والتكذيب بمحمد  وما جاء به (١٤) قال الزجاج: جائز أن يكونوا ينصرفون عن العمل بشيء بما يسمعون (١٥) وهذا كما (١٦) (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: عن كل رُشْد وخير وهدى (١٩) وقال الحسن: صرف الله قلوبهم فطبع عليها بكفرهم ونفاقهم (٢٠) ﴿ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ﴾ عن الله دينه وما دعاهم إليه.

وقال الزجاج: أي أضلهم الله مجازاةً على فعلهم (٢١) (٢٢) (١) ساقط من (ح).

(٢) في (م) و (ى): أقمتم، وما أثبته من (ح) أليق بالسياق وهو موافق لما في المصادر.

(٣) هكذا في جميع النسخ، ولم يذكر المؤلف هذه الجملة في "الوسيط"، وفي "تفسير الثعلبي"، والبغوي وابن الجوزي: (عن الإيمان)، وبهذا اللفظ سيذكره المؤلف بعد عدة أسطر.

(٤) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 535، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 520، كما ذكره من غير نسبة الثعلبي 6/ 165 أ، والبغوي 4/ 115 بنحوه.

(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (م).

(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٧) ساقط من (ى).

(٨) كتاب "معاني القرآن" للأخفش 1/ 368، وعبارته: لأن نظرهم في هذا المكان كان إيماء أو شبيهًا به.

(٩) ساقط من (م).

(١٠) رواه الثعلبي 6/ 165 أ.

(١١) رواه الثعلبي 6/ 1165.

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 477.

(١٣) انظر: "تفسيره" 137 أ.

(١٤) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 525، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 535، وبمعناه مختصرًا هود بن محكم في "تفسيره" 2/ 148.

(١٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 477.

(١٦) ساقط من (ى).

(١٧) المصدر السابق، نفس الموضع.

(١٨) كذا في جميع النسخ، وقد جرى المؤلف على لغة لبعض العرب غير مشهورة، وجمهور العرب يوجبون توحيد فعل الفاعل مع جمعه كحالته مع الإفراد والتثنية.

انظر: "أوضح المسالك" 1/ 345.

(١٩) ذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 234، وأبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 117، ورواه بمعناه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 207.

(٢٠) ذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 234، وأبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 117.

(٢١) معاني القرآن وإعرابه" 2/ 477.

(٢٢) يعني السابق.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ ﴾ قيل: يفتنون أي يختبرون بالأمراض والجوع، وقيل: بالأمر بالجهاد واختار ابن عطية أن يكون المعنى يفضحون بما يكشف من سرائرهم ﴿ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ ﴾ أي: تغامزوا، وأشار بعضهم إلى بعض على وجه الاستخفاف بالقرآن، ثم قال بعضهم لبعض: هل يراكم من أحد؟

كأن سبب خوفهم أن ينقل عنهم ذلك.

وقيل: معنى نظر بعضهم إلى بعض وعلى وجه التعجب مما ينزل في القرآن؛ من كشف أسرارهم ثم قال بعضهم لبعض ﴿ هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ ﴾ أي: هل رأى أحوالكم فنقلها عنكم أو علمت من غير نقل فهذا أيضاً على وجه التعجب ﴿ ثُمَّ انصرفوا ﴾ يحتمل أن يراد الانصراف بالأبدان، أو الانصراف بالقلوب عن الهدى ﴿ صَرَفَ الله قُلُوبَهُم ﴾ دعاء أو خبر ﴿ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ﴾ تعليل لصرف قلوبهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ موطئاً ﴾ ونحوه بالياء: يزيد والشموني وحمزة في الوقف ﴿ غلظة ﴾ بفتح الغين: المفضل.

الباقون بكسرها.

﴿ أولا ترون ﴾ بتاء الخطاب للمؤمنين: حمزة ويعقوب.

الباقون على الغيبة.

الوقوف: ﴿ عن نفسه ﴾ ط ﴿ صالح ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ كافة ﴾ ط ﴿ يحذرون ﴾ ه ﴿ غلظة ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ إيماناً ﴾ ط ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ إلى بعض ﴾ ط لحق المحذوف أي يقولون هل يراكم ﴿ ثم انصرفوا ﴾ ط ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ عزيز ﴾ ط، على تأويل عليه شفاعة ما عنتم والصحيح الوصل لأن المعنى شديد عليه ما أثمتم ولا وقف في الآية إلى قوله رحيم ﴿ حسبي الله ﴾ ط والأصح الوصل على جعل الجملة حالاً أي يكفي الله غير مشارك في الألوهية ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه.

التفسير: لما أمر بموافقة النبي وأصحابه في جميع الغزوات والمشاهد بقوله ﴿ وكونوا مع الصادقين  ﴾ أكد ذلك المعنى بالنهي عن التخلف عنه فقال: ﴿ ما كان لأهل المدينة ﴾ أي لا يستقيم ولا يجوز لهم.

والأعراب الذين كانوا حول المدينة قد ذكرنا - عن ابن عباس - أنهم مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار، وكأنه أراد المعروفين منهم وإلا فاللفظ عام.

ومعنى ﴿ ولا يرغبوا ﴾ ولا أن يرغبوا.

يقال: غبت بنفسي عن هذا الأمر أي أبخل بها عليه ولا أتركها له، والمراد أنه لا يصح لهم أن يرغبوا عن صحبة رسول الله  بسبب صلاح أنفسهم وبقائها بل عليهم أن يصحبوه على البأساء والضراء ويرضوا لأنفسهم ما يرضاه الرسول لنفسه لأن نفسه أعز نفس عند الله، فإذا تعرضت مع كرامتها للخوض في شدة وجب على سائر الأنفس أن لا يضنوا بها على ما سمح بنفسه عليه.

وفي هذا النهي مع التهييج توبيخ عظيم، ولا يخفى أن الجهاد لا يجب على كل فرد بعينه للإجماع وأن أصحاب الأعذار من الضعفاء والمرضى ونحوهم مخصوصون بالعقل وبالنقل فيبقى ما وراء هاتين الصورتين داخلاً تحت عموم الآية.

ثم ذكر ترغيباً يجري مجرى علة المنع من التخلف فقال: ﴿ ذلك بأنهم ﴾ أي الوجوب الدال عليه بقوله: ﴿ ما كان لهم ﴾ بسبب أنهم مثابون على أنواع المتاعب وأصناف الشدائد بل على جميع الحركات والسكنات مدة الذهاب والإياب.

والظمأ شدة العطش، والنصب الإعياء والتعب، والمخمصة المجاعة الشديدة التي تظهر ضمور البطن، والموطىء إما مصدر كالمورد أو مكان وعلى التقديرين الضمير في ﴿ يغيظ ﴾ عائد إلى الوطء الصريح أو المقدر.

ثم الوطء يجوز أن يكون حقيقة فيراد به الدوس بالأقدام وبحوافر الخيول وبأخفاف الإبل، ويجوز أن يكون مجازاً فيراد به الإيقاع والإهلاك.

قال ابن الأعرابي: غاظه وغيظه وأغاظه بمعنى.

ويقال نال منه إذا رزأه ونقصه وهو عام في كل ما يسوءهم ويلحق بهم ضرراً من قتل أو أسر أو غنيمة أو هزيمة، والمراد أنهم لا يتصرفون في أرض الكفار تصرفاً يغيظهم ويرزؤهم شيئاً إلا كتب لهم به عمل صالح.

وفيه دليل على أن من قصد طاعة الله كان قيامه وقعوده ومشيه وحركته وسكونه كلها حسنات مكتوبة عند الله، وكذا القول في طرف المعصية ولكن بالضد فما أعظم بركة الطاعة وما أشد شؤم المعصية.

وبهذه الآية استشهد أصحاب أبي حنيفة أن المدد القادم بعد انقضاء الحرب يشارك الجيش في الغنيمة لأن وطء ديارهم مما يغيظهم وينكي فيهم.

وقال الشافعي: لا يشاركون الغانمين في الغنيمة وإن شاركوهم في الثواب لأن الغنيمة من خواص المحاربين ومن قد تعاطى خطراً.

قال قتادة: هذا الحكم من خواص رسول الله  إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر.

وقال ابن زيد: هذا حين كان في المسلمين قلة فلما كثروا نسخه الله بقوله: ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴾ وقال عطية: ما كان لهم التخلف إذا دعاهم الرسول وأمرهم.

قال العلماء: وكذلك غيره من الأئمة والولاة إذا عينوا طائفة لأنا لو جوزنا للمندوب أن يتقاعد لم يختص بذلك بعض دون بعض فيؤدي الى تعطيل الجهاد.

قوله: ﴿ ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ﴾ .

قال المفسرون: يريد تمرة فما فوقها وعلاقة سيف أو سوط وما أربى عليها مثل ما أنفق عثمان في جيش العسرة ﴿ ولا يقطعون وادياً ﴾ أي أرضاً في ذهابهم ومجيئهم وهذا شائع في استعمال العرب يقولون: لا تصل في وادي غيرك.

وهو في الأصل فاعل من ودى إذا سال.

والوادي كل منعطف بين جبال وآكام يكون منفذاً للسيل.

﴿ إلا كتب لهم ﴾ ذلك الإنفاق والقطع أو ذلك العمل الصالح المعهود في الآية المتقدمة.

ثم ذكر غاية الكتب فقال: ﴿ ليجزيهم الله ﴾ أي أثبت في صحائفهم لأجل الجزاء جزاء أحسن من أعمالهم وأجل.

وقيل: الأحسن من صفة الفعل أي يجزيهم على الأحسن وهو الواجب والمندوب دون المباح.

واعلم أنه  عدد أشياء بعضها ليس من أعمال المجاهدين وهو الظمأ والنصب والمخمصة، وباقيها من أعمالهم وهي الوطء والنيل والإنفاق وقطع الأرض، وقسم هذا الباقي قسمين فضم شطراً منه إلى ما ليس من أعمالهم تنبيهاً على أنه في الثواب جارٍ مجرى عملهم ولهذا صرح بذلك فقال: ﴿ إلا كتب لهم به عمل صالح ﴾ أي جزاء عمل صالح وأكد ذلك بقوله: ﴿ إن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ .

ثم أورد الشطر الباقي لغرض آخر وهو الوعد بأحسن الجزاء، واقتصر ههنا على قوله ﴿ إلا كتب لهم ﴾ لأن هذا القسم من عملهم فلم يحتج إلى تصريح بذلك، أو اكتفاء بما تقدم، أو لأن الضمير عائد إلى المصدر الدال عليه الفعل والله  أعلم بمراده.

ثم قال: ﴿ وما كان المؤمنون ﴾ وفيه قولان: أحدهما أنه من بقية أحكام الجهاد لأنه  لما بالغ في عيوب المنافقين كان المسلمون إذا بعث رسول الله  سرية إلى الكفار ينفرون جميعاً ويتركونه بالمدينة وحده فنزلت الآية.

قاله ابن عباس.

والمعنى أنه لا يجوز للمؤمنين أن ينفروا بأسرهم إلى الجهاد بل يجب أن يصيروا طائفتين إحداهما لملازمة خدمة الرسول والأخرى للنفر إلى الغزو.

ثم ههنا احتمالان لأنه قال محرضاً ﴿ فلولا نفر ﴾ أي هلا نفر ﴿ من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ﴾ فذهب الأكثر إلى أن الضمير في ﴿ ليتفقهوا ﴾ عائد إلى الفرقة الباقية في حضرة الرسول  لأنهم إذا بقوا في خدمته شاهدوا الوحي والتنزيل وضبطوا ما حدث من الشرائع، وعلى هذا فلا بد من إضمار والتقدير: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة وأقام طائفة ليتفقه المقيمون في الدين ﴿ ولينذروا قومهم ﴾ النافرين ﴿ إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ﴾ معاصي الله عند ذلك وبهذا الطريق يتم أمر الدين بهاتين الطائفتين وإلا ضاع أحد الشقين، والاحتمال الآخر ما روي عن الحسن أن الضمير يعود إلى الطائفة النافرة.

وتفقههم هو أنهم يشاهدون ظهور المسلمين على المشركين وأن العدد القليل منهم من غير زاد ولا سلاح كيف يغلبون الجم الغفير من الكفار فينتبهون لدقائق صنع الله في إعلاء كلمته.

فإذا رجعوا إلى قومهم أنذروهم بما شاهدوا من دلائل الحق فيحذروا أي يتركوا الكفر والشرك والنفاق.

القول الثاني أنه ليس من بقية أحكام الجهاد وإنما هو حكم مستقل بنفسه، ووجه النظم أن الجهاد أمر يتعلق بالسفر وكذلك التفقه، أما في زمن الرسول  فوجوبه ظاهر لمن ليس بحضرته حتى يصل إليه ويستفيد من خدمته لأن الشريعة ما كانت مستقرة بل كانت تتجدد كل يوم شيئاً فشيئاً، وأما في زماننا فلا ريب أنه متى عجز عن التفقه إلا بالسفر وجب عليه، وإن أمكنه في الحضر فلا شك أن للسفر بركة أخرى يعرفها كل من زاول الأسفار وحاول الأخطار، ومعنى ﴿ ليتفقهوا ﴾ ليتكلفوا الفقاهة في الدين ويتجشموا المتاعب في أخذها وتحصيلها.

والفقه في الاصطلاح هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المستنبطة من دلائلها التفصيلية.

والظاهر أن المراد في الآية أعم من ذلك بحيث يشمل علوم الشرع كلها من التفسير والحديث وأصول الدين وأصول الفقه ومقدمات كل من ذلك وغاياتها بحسب الإمكان النوعي أو الشخصي.

وفي قوله: ﴿ ولينذروا قومهم ﴾ إشارة إلى أن الغرض الأصلي من التعلم هو الإنذار والإرشاد لا ما يقصده علماء السوء من الأغراض الفاسدة كالمطاعم والملابس والمناصب والمفاخر، أعاذنا الله  بفضله من قبح النية وفساد الطوية، وجعلنا ممن لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً.

القائلون بأن خبر الواحد حجة قالوا: أوجب الله  أن يخرج من كل فرقة طائفة، والخارج من الثلاثة اثنين أو واحداً.

ثم إنه أوجب العمل بأخبارهم بقوله: ﴿ ولينذروا ﴾ وأجيب بأن إيجاب الإنذار لا يدل على وجوب العمل لأن الشاهد الواحد يلزمه أداء الشهادة وإن لم يلزم القبول ورد بأن قوله: ﴿ لعلهم يحذرون ﴾ إيجاب للعمل بأخبارهم.

ثم أرشد  إلى ترتيب القتال فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم ﴾ أي يقربون منكم مبتدأ من الأقرب ومنتقلاً إلى الأبعد.

والقتال واجب مع كافة الكفر بآية القتال، ولكن هذه الآية أخص لأن الغرض منها الترتيب ما لم يدع إلى قتال الأبعد قبل دفع الأقرب ضرورة فلا تكون هذه منسوخة بآية القتال على ما نقل عن الحسن، وإنما وجب الابتداء بالغزو من المواضع القريبة لأن قتال الكل دفعة متعذر وللأقرب ترجيح ظاهر كما في الدعوة وكما في سائر المهمات مثلاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يبتدأ بالجمع الحاضرين ثم ينتقل الى الغائبين.

وأيضاً المؤنة في قتال الأقربين من النفقة والدواب تكون أقل والقتال معهم يكون أسهل للوقوف على أحوالهم وعدد عسكرهم، والفرقة المجاهدة إذا تجاوزوا من الأقرب إلى الأبعد فقد عرضوا الذراري للفتنة.

وقد حارب رسول الله  قومه ثم غيرهم من عرب الحجاز ثم غزا الشام.

ويروى أن أعرابياً جلس على المائدة وكان يمد يده إلى الجوانب البعيدة من تلك المائدة فقال  : "كل مما يليك" .

فثبت بهذه الوجوه أن الابتداء بالأقرب فالأقرب واجب ما لم يضطر الى العدول ضرورة.

وقوله ﴿ وليجدوا فيكم غلظة ﴾ أي شدة نظير قوله: { ﴿ واغلظ عليهم  ﴾ ومن قرأ بفتح الغين فهو المصدر أيضاً كالسخطة وهي لفظة جامعة للجراءة والصبر على القتال ولشدة العداوة والعنف في القتل والأسر، كل ذلك فيما يتصل بالدعوة إلى الدين إما بإقامة الحجة وإما بالسيف، أما فيما يتصل بالبيع والشراء والمجالسة فلا وليكن تقوى الله  على ذكر منه في موارده ومصادره، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ فإن قلته قتله لله وان تركه على الجزية تركه لله وإن كسر عدوه وآل الأمر إلى أخذ الغنيمة راعى فيه حدود الله.

ثم حكى بقية فضائح أعمال المنافقين فقال: ﴿ وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول ﴾ أي يقول بعض المنافقين لبعض إنكاراً واستهزاء بالمؤمنين المعتقدين زيادة الإيمان بزيادة العلم الحاصل بالوحي والعمل به، أو يقولونه لقوم من المسلمين وغرضهم صرفهم عن الإيمان والمقول ﴿ أيكم ﴾ مرفوع بالابتداء وخبره ﴿ زادته هذه إيماناً ﴾ .

ثم إنه  حكى أنه حصل للمؤمنين بسبب نزول هذه السورة أمران: أحدهما ازدياد الإيمان وقد مر معناه في أول سورة الأنفال، والثاني الاستبشار وهو استدعاء البشارة إما بثواب الآخرة وإما بالعزة والنصرة في الدنيا والمراد أنهم يفرحون بسبب تلك التكاليف الزائدة من حيث إنه يتوسل بها إلى مزيد الثواب.

وحصل للمنافقين الذين لهم عقائد فاسدة وأخلاق ذميمة أمران: أولهما زيادة الرجس لأن تكذيب سورة بعد تكذيب مثلها انضمام كفر إلى كفر أو لأن حصول حسد وغل ونفاق عقيب أمثالها ازدياد ملكة ذميمة غب أخرى، وثانيهما بقاؤهم على تلك العقائد والأعمال إلى أن ماتوا لأن الملكة الراسخة لا تزول إلا إن مات صاحبها، وإسناد زيادة الرجس إلى السورة إسناد حقيقي عند الأشاعرة لأنهم يقولون إنه  يخلق الكفر والإيمان في العبد فلا يبعد إحداث السورة فيهم الرجس، وإسناد مجازي عند المعتزلة لأنهم يقولون إنهم أحدثوا الرجس من عند أنفسهم حين نزول السورة بدليل أن الآخرين سمعوا السورة وازدادوا إيماناً.

والتحقيق في أن النفس الطاهرة النقية عن درن الدنيا باستيلاء حب الله والآخرة إذا سمعتها صار سماعها موجباً لازدياد رغبته في الآخرة ونفرته عن الدنيا.

وأما النفس الحريصة المتهالكة على لذات الدنيا وطيباتها الغافلة عن حب الآخرة وعشق المولى إذا سمعتها مشتملة على تعريض النفس للقتل والمال للنهب بسبب الجهاد زادت نفرته عنها وإنكاره عليها وكل بقدر.

ثم عجب من حال المنافقين فقال: ﴿ أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ﴾ قال ابن عباس: أي يمتحنون بالمرض ﴿ ثم لا يتوبون ﴾ من النفاق ولا يتعظون بذلك المرض كما يتعظ المؤمن فإنه عند ذلك يتذكر ذنوبه وموقفه بين يدي ربه فيزيده ذلك إيماناً وخوفاً.

وقال مجاهد: بالقحط والجوع.

وقال قتادة: بالغزو أو الجهاد فإن تخلفوا وقعوا في ألسنة الناس باللعن والخزي، وإن ذهبوا وهم على حالة النفاق عرضوا أنفسهم للقتل وأموالهم للنهب من غير فائدة.

وقال مقاتل: كانوا يجتمعون على ذكر الرسول بالطعن فيخبره جبرائيل فيوبخهم بذلك ويعظهم فما كانوا يتعظون.

ثم ذكر نوعاً آخر من مخازيهم فقال ﴿ وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض ﴾ أي سورة مشتملة على ذكرهم أو أعم من ذلك.

والنظر نظر الطعن والاستهزاء والازدراء بالوحي قائلين ﴿ هل يراكم من أحد ﴾ من المسلمين لننصرف فإنا لا نصبر على استماعه ويغلبنا الضحك فنخاف الافتضاح بينهم لأن نظر التغامز دال على ما في الباطن من الإنكار الشديد، أو أرادوا إن كان من ورائكم أحد فلا تخرجوا وإلا فاخرجوا لنتخلص من هذا الإيذاء وسماع الباطل.

﴿ ثم انصرفوا ﴾ أي من مكان الوحي إلى مكانهم أو عن استماع القرآن الى الطعن فيه.

ومعنى ﴿ صرف الله قلوبهم ﴾ قال ابن عباس: منعهم عن كل رشد وخير.

وقال الحسن: طبع الله على قلوبهم.

وقال الزجاج: أضلهم الله.

قالت الأشاعرة: هو إخبار عما فعل الله بهم من الصد عن الإيمان والمنع منه.

وقالت المعتزلة: هو دعاء عليهم بالخذلان وبصرف قلوبهم عن الانشراح، أو إخبار بأنه صرفهم عن الألطاف التي يختص بها من آمن بها، أو المراد صرف قلوبهم بما أورثهم من الغم والكيد قالوا: ومعنى قوله: ﴿ لا يفقهون ﴾ لا يتدبرون حتى يفقهوا.

وعند الأشاعرة: هم قوم جبلوا على ذلك.

يحكى عن محمد بن إسحق أنه قال: لا تقولوا انصرفنا من الصلاة فإن قوماً انصرفوا صرف الله قلوبهم، لكن قولوا قضينا الصلاة كان مقصوده التفاؤل باللفظ الوارد في الخير دون الشر فإنه  قال: ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله  ﴾ ثم لما أمر رسوله في هذه السورة بتبليغ تكاليف شاقة يعسر تحملها ختم السورة بما يهون الخطب في تحملها فقال: ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ أي من جنس البشر لا الملك لأن الجنس إلى الجنس أميل وبه آلف وآنس، أو الخطاب للعرب والمقصود ترغيبهم في نصرته والقيام بخدمته لأن كل ما يحصل له من الدولة والرفعة فإن ذلك سبب لعزهم وفخرهم لأنه من أبناء جلدتهم، أو الخطاب لأهل الحرم خاصة لأنهم كانوا يسمون أهل الحرم أهل الله وخاصته وكانوا يخدمونهم ويقومون بإصلاح مهماتهم فكأنه قيل لهم: كنتم قبل مقدمه مجدين في خدمة أسلافه فلم تتكاسلون في خدمته مع أنه لا نسبة له في الشرف إلى آبائه؟

أو المقصود من ذكر هذه الصفة التنبيه على طهارته كأنه قيل: هو من عشيرتكم تعرفونه بالصدق والأمانة والعفاف، وتعرفون كونه حريصاً على دفع الآفات عنكم وإيصال الخيرات إليكم.

فإرسال من هذه حاله وصفته يكون من أعظم نعم الله عليكم.

وقرىء ﴿ من أنفسكم ﴾ بفتح الفاء أي من أشرفكم وأفضلكم.

وتنسب هذه القراءة الى النبي والوصي وأهل البيت عليهم السلام.

ثم وصفه بما تستتبعه المجانسة والمناسبة من النتائج وذلك قوله: ﴿ عزيز عليه ما عنتم ﴾ العزة الغلبة والشدة والعنت المشقة والوقوع في المكروه والإثم.

و "ما" مصدرية أي شديد شاق عليه - لكونه بعضاً منكم - عنتكم ولقاؤكم المكروه، وأولى المكاره بالدفع عقاب الله وهو إنما أرسل لدفع هذا المكروه.

﴿ حريص عليكم ﴾ الحرص يمتنع أن يتعلق بذواتهم فالمراد حريص على إيصال الخيرات إليكم في الدارين؛ فالصفة الأولى لدفع الآفات والثانية لإيصال الخيرات والسعادات فلا تكرار.

وقال الفراء: الحريص الشحيح والمعنى أنه شحيح عليكم أن تدخلوا النار وفيه نوع تكرار.

ثم بين أنه رحمة للعاملين فقال ﴿ بالمؤمنين ﴾ أي منكم ومن غيركم ﴿ رؤوف رحيم ﴾ قال ابن عباس: لم يجمع الله بين اسمين من أسمائه إلا له، وحاصل هذه الخاتمة أن هذا الرسول منكم فكل ما يحصل له من العز والشرف فذاك عائد إليكم وإنه كالطبيب الحاذق وكالأب الشفيق وإذا عرف أن الطبيب حاذق والأب مشفق فالعلاج والتأديب منهما إحسان وإحمال، وإن كان صعباً مؤلماً فاقبلوا ما أمركم به من التكاليف وإن كانت شاقة لتفوزوا بسعادة الدارين، ثم قال لرسوله فإن لم يقبلوا بل أعرضوا وتولوا فاتركهم ولا تلتفت إليهم وارجع في جمع أمورك إلى الله الذي بالحق أرسلك فهو كافيك ﴿ وهو رب العرش العظيم ﴾ فلا يخرج عن قبضة قدرته وتصرفه شيء لأنه يحيط بالعرش وبما يحويه العرش والله أعلم.

التأويل: ﴿ ما كان لأهل ﴾ مدينة القالب وهو النفس والهوى والقلب ﴿ ومن حولهم من الأعراب ﴾ الصفات النفسانية والقلبية ﴿ أن يتخلفوا عن رسول ﴾ الروح السائر ولا يبذلوا وجودهم عند بذل وجوده بالفناء في الله ﴿ ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ﴾ من ماء الشهوات ﴿ ولا نصب ﴾ من أنواع المجاهدات ﴿ ولا مخمصة ﴾ بترك اللذات وحطام الدنيا في طلب الله ﴿ لا يطؤن موطئاً ﴾ من مقامات الفناء ﴿ يغيظ ﴾ كفار النفس والهوى ﴿ ولا ينالون من عدوّ ﴾ الشيطان والنفس والدنيا بلاء ومحنة وفقراً وحزناً وغير ذلك من أسباب الفناء ﴿ إلا كتب لهم به عمل صالح ﴾ من البقاء بالله بقدر الفناء في الله ﴿ ولا ينفقون نفقة صغيرة ﴾ هي بذل الصفات ﴿ ولا كبيرة ﴾ هي بذل الذات في صفات الله وفي ذاته ﴿ ولا يقطعون وادياً ﴾ من أودية الدنيا والآخرة والنفس والهوى والقلب والروح.

﴿ أحسن ما كانوا يعملون ﴾ لأن عملهم بقدر معرفتهم وجزاؤه يضيق عنه نطاق فهمهم ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم ﴾ } [السجدة: 17] ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا ﴾ في السير إلى الله وبالله وفي الله، فهلا نفر من كل قوم وقبيلة فرقة طائفة هم خواصهم وأهل الاستعداد الكاملون ليتعلموا السلوك ويخبروا بذلك قومهم ﴿ لعلهم يحذرون ﴾ من غير الله.

﴿ قاتلوا الذين يلونكم ﴾ من كفار النفس والهوى وصفاتها ﴿ وليجدوا فيكم غلظة ﴾ عزيمة صادقة في ترك شهواتها ﴿ وماتوا وهم كافرون ﴾ أي لموت قلبهم لتزايد ظلمة النفاق كل حين، ثم أخبر عن موت القلب بقوله: ﴿ أولا يرون أنهم يفتنون ﴾ والفتنة موجبة لانتباه القلب الحي ﴿ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب  ﴾ أي قلب حي ﴿ هل يراكم من أحد ﴾ في مقام الإنكار والنفاق أي هل يرى محمد إنكارنا على رسالته والقرآن، فإن كان رسولاً يرانا بنور رسالته ﴿ ثم انصرفوا ﴾ على هذا الحسبان لأن قلوبهم مصروفة وليس لهم فقه القلب لأن ذلك من أمارات حياة القلب.

﴿ من أنفسكم ﴾ تسكين للعوام لئلا يتنفروا عنه وإشارة للخواص إلى أن البشر لهم استعداد الوصول والوصال، فإن لم يكن بالاستقلال فبالمتابعة فاتبعوني يحببكم الله.

ومن قرأ ﴿ من أنفسكم ﴾ أي أشرفكم فلأنه أوّل جوهر خلقه الله  "أول ما خلق الله  روحي" ولاختصاصه بالخلاص عن تعلق الكونين وبلوغه إلى قاب قوسين أو أدنى وتحليه بحلية ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ ولعلو همته، ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ ولرؤيته سر القدر ﴿ ولقد رأى من آيات ربه الكبرى  ﴾ ﴿ بالمؤمنين رؤوف رحيم ﴾ فمن رأفته أمر بالرفق كما قال: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه بالرفق" ومن رحمته قيل له ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم  ﴾ وههنا نكتة وهي أن رأفته ورحمته لما كانت مخلوقة اختصت بالمؤمنين فقط، وكانت رحمته تعالى ورأفته للناس عامة ﴿ إن الله بالناس لرؤوف رحيم ﴾ ونكتة أخرى هي أن رحمته  عامة للعالمين بقوله: ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين  ﴾ وأما رحمته المضمومة إلى الرأفة فخاصة بالمؤمنين وكأن الرأفة إشارة إلى ظهور أثر الدعوة في حقهم، فالمؤمنون أمة الدعوة والإجابة جميعاً وغيرهم أمة الدعوة فقط ﴿ فقل حسبي الله ﴾ لأن المقصود من التبليغ قد حصل لك وهو وصولك إلى الله أعرضوا عن دعوتك أو أقبلوا والله المستعان.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً ﴾ .

قال أهل التأويل: قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً ﴾ يعني: يقول المنافقون بعضهم لبعض إذا خلوا عن المؤمنين: أيكم زادته هذه إيماناً؟

استهزاء منهم بها وسخرية، فأجاب الله  فقال: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ ، أي: شك ونفاق، ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ ﴾ أي: تكذيباً وكفراً إلى تكذيبهم الذي كان منهم؛ لأن أهل النفاق والكفر ليسوا هم بأهل إنصاف يقبلون الحجة والدلالة إذا قامت عليهم، إنما همتهم العناد والتكذيب ورد الحجج والدلائل، فكلما ازداد لهم الحجج والبراهين ازداد لهم عناداً في التكذيب والرد، وأما أهل الإيمان فإن همتهم قبول الحجج والإنصاف، فكلما ازداد لهم الحجج والبراهين ازداد لهم إيماناً وتصديقاً على ما كان لهم.

ثم قوله: ﴿ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً ﴾ : زادتهم ثباتاً ودواماً على ما كانوا من قبل، بما قامت لهم من الحجج والبراهين، وكذلك ازداد أهل النفاق والكفر بها الثبات على العناد في تكذيب الحجج والآيات.

والثاني: ازداد لهم إيماناً بالتفسير على إيمانهم بالجملة، وإذا كانوا مصدقين لذلك كله جملة، فإذا نزلت لهم نوازل وفرائض ازداد لهم بذلك التصديق والثبات.

وأصله أنه لو ما كان منهم من الإيمان والتصديق، لكان هذا منهم ابتداء إيمان وإحداث تصديق، وكذلك لو لم يكن من أهل النفاق ما سبق من العناد، لكان ذلك منهم إحداث تكذيب وعناد، فإذا كان منهم ما ذكرنا كان ذلك زيادة على ما كان لما ذكرنا.

وقال بعضهم: يزداد لأهل الإيمان خيرات، ولأهل النفاق شرّ، ولكن هو واحد وهو ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً ﴾ .

يخرج على وجهين: أحدهما: زادت المؤمنين إيماناً على الذين كان لهم من الإيمان والتصديق.

والثاني: زاد لهم حجة وبرهاناً لما كان، وكذلك يزداد لأهل النفاق ضد ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ .

قيل: يفرحون بنزولها، ثم إضافة الزيادة إلى السورة بقوله: ﴿ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً ﴾ لوجهين: أحدهما: أضيف أليها الزيادة على ما أضيف الغرور إلى الدنيا، وهو لما ذكرنا أنه يبدو منها لهم من التزيين ما لو كان [ذلك] من ذوي الأفعال والتغرير كان ذلك غروراً.

والثاني: إضافة التغرير إليها لما بها اغتر أهلها، وكذلك إضافة الزيادة إلى السورة لما بها ازداد لهم التكذيب والكفر، وازداد لأهل الإيمان بها التصديق، فأضيف الزيادة إليها.

وقال بعضهم: [هو] ما ذكرنا أنها حجة ودلالة، فبالحجة يزداد لأهل [الإيمان] الإيمان بها؛ إذ هم قد اعتقدوا قبول الحجج والدلائل، وأما أهل النفاق والكفر فإنهم أهل عناد ومكابرة؛ إذ قد اعتقدوا العناد ورد الحجج، فكلما [ازداد لهم الحجة] ازداد لهم عناداً وكفراً.

وقال أبو بكر الأصم: إنما أضيف الزيادة إليها؛ لأنها كانت سبب الزيادة، وقد تضاف الأشياء إلى أسبابها كما تضاف إلى حقيقة الأفعال، ولكن [لا] يحتمل أن تكون السورة التي نزلت سبباً لزيادة الكفر، لكن الوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ﴾ .

قيل: يبتلون بالجهاد والغزو فيتخلفون عنه، فيظهر بذلك نفاقهم وكفرهم.

وقيل: يبتلون بالشدة والجوع فيظهر أيضاً بذلك نفاقهم؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ  ﴾ .

وقيل: يفتنون في كل عام مرة أو مرتين؛ وذلك أنهم كانوا إذا خلوا تكلموا بالكفر فيما بينهم، ثم إذا أتوا النبي  أخبرهم بما تكلموا به في الخلوة فيفتضحون بذلك، فذلك افتتانه إياهم وابتلاؤه لهم، كان يظهر بما ذكر نفاقهم: مرة في الجهاد في سبيل الله، ومرة بالشدة والخوف، ومرة بما يطلع الله نبيه بما يضمرون ويتكلمون به [في الخلاء].

وتحتمل هذه الآية الوجوه الثلاثة: الجهاد معه، الابتلاء بالشدائد، والإفزاع.

وتحتمل إظهار الأسرار التي أسروا في أنفسهم والافتضاح مما أخفوا، لكن لو كان هذا فذلك مما يكثر منهم، أعني: كتمان النفاق وإسرار الخلاف لهم، لكن ذكر المرة والمرتين يرجع [إلى] الافتضاح والإظهار، فذلك يحتمل أن يكون في العام مرة أو مرتين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ ﴾ : عن نفاقهم.

﴿ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ : بما ابتلوا من الافتضاح وظهور النفاق منهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم ﴾ .

قال بعضهم: الآية صلة قوله: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً  ﴾ ، أي: كان ينظر بعضهم إلى بعض ثم يقولون ما ذكر.

ومنهم من يقول: إذا كانت السورة التي نزلت حجة في إظهار الدين والإيمان، يسمعون ويقولون: ﴿ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً ﴾ وإذا أنزلت في إظهار نفاقهم وافتضاحهم نظر بعضهم إلى بعض، ثم انصرفوا ولا يسمعون منه السورة؛ إشفاقاً لئلا يظهر نفاقهم.

وقوله: ﴿ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم ﴾ .

يحتمل خلق الله منهم انصرافهم فأضيف إليه الصرف، ويشبه أن يكون قوله: ﴿ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم ﴾ عقوبة، أي: عاقبهم الله بصرف قلوبهم باعتقادهم العناد وردهم الحجج وتركهم القبول.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا أنزل الله سورة على رسوله  فيها ذكر أحوال المنافقين نظر بعض المنافقين إلى بعض قائلين: هل يراكم أحد؟

فإن لم يرهم أحد انصرفوا عن المجلس، ألا صرف الله قلوبهم عن الهداية والخير، وخذلهم بأنهم قوم لا يفهمون.

<div class="verse-tafsir" id="91.ZZ3x2"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله