الآية ٢٠ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٢٠ من سورة التوبة

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ ٢٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 93 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٠ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٠ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال العوفي في تفسيره ، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية ، قال : إن المشركين قالوا : عمارة بيت الله ، وقيام على السقاية ، خير ممن آمن وجاهد ، وكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعماره ، فذكر الله استكبارهم وإعراضهم ، فقال لأهل الحرم من المشركين : ( قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون مستكبرين به سامرا تهجرون ) [ المؤمنون : 66 ، 67 ] يعني : أنهم كانوا يستكبرون بالحرم قال : ( به سامرا ) كانوا يسمرون به ، ويهجرون القرآن والنبي - صلى الله عليه وسلم - فخير الله الإيمان والجهاد مع نبي الله - صلى الله عليه وسلم - على عمارة المشركين البيت وقيامهم على السقاية ولم يكن ينفعهم عند الله مع الشرك به إن كانوا يعمرون بيته ويخدمونه .

قال الله : ( لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين ) يعني : الذين زعموا أنهم أهل العمارة ، فسماهم الله " ظالمين " بشركهم ، فلم تغن عنهم العمارة شيئا .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، في تفسير هذه الآية ، قال : نزلت في العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم بدر قال : لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد ، لقد كنا نعمر المسجد الحرام ، ونسقي [ الحاج ] ونفك العاني ، قال الله - عز وجل - : ( أجعلتم سقاية الحاج ) إلى قوله : ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) يعني أن ذلك كان في الشرك ، ولا أقبل ما كان في الشرك .

وقال الضحاك بن مزاحم : أقبل المسلمون على العباس وأصحابه ، الذين أسروا يوم بدر ، يعيرونهم بالشرك ، فقال العباس : أما والله لقد كنا نعمر المسجد الحرام ، ونفك العاني ، ونحجب البيت ، ونسقي الحاج ، فأنزل الله : ( أجعلتم سقاية الحاج [ وعمارة المسجد الحرام ] ) الآية .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا ابن عيينة ، عن إسماعيل ، عن الشعبي قال : نزلت في علي ، والعباس - رضي الله عنهما - تكلما في ذلك .

وقال ابن جرير : حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرت عن أبي صخر قال : سمعت محمد بن كعب القرظي يقول : افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار ، وعباس بن عبد المطلب ، وعلي بن أبي طالب ، فقال طلحة : أنا صاحب البيت ، معي مفتاحه ، ولو أشاء بت فيه .

وقال العباس : أنا صاحب السقاية والقائم عليها ، ولو أشاء بت في المسجد .

فقال علي - رضي الله عنه - : ما أدري ما تقولان ، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس ، وأنا صاحب الجهاد ، فأنزل الله - عز وجل - : ( أجعلتم سقاية الحاج ) الآية كلها .

وهكذا قال السدي ، إلا أنه قال : افتخر علي ، والعباس ، وشيبة بن عثمان ، وذكر نحوه .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن عمرو ، عن الحسن قال : نزلت في علي ، وعباس وعثمان ، وشيبة ، تكلموا في ذلك ، فقال العباس : ما أراني إلا تارك سقايتنا .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أقيموا على سقايتكم ، فإن لكم فيها خيرا .

ورواه محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الحسن فذكر نحوه .

وقد ورد في تفسير هذه الآية حديث مرفوع ، فلا بد من ذكره هاهنا ، قال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن يحيى بن أبي كثير [ عن رجل ] عن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - أن رجلا قال : ما أبالي ألا أعمل عملا بعد الإسلام ، إلا أن أسقي الحاج .

وقال آخر : ما أبالي ألا أعمل بعد الإسلام ، إلا أن أعمر المسجد الحرام .

وقال آخر : الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم .

فزجرهم عمر - رضي الله عنه - وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك يوم الجمعة - ولكن إذا صلينا الجمعة دخلنا عليه .

فنزلت ( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ) إلى قوله : ( لا يستوون عند الله ) طريق أخرى : قال الوليد بن مسلم : حدثني معاوية بن سلام ، عن جده أبي سلام الأسود ، عن النعمان بن بشير الأنصاري قال : كنت عند منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نفر من أصحابه ، فقال رجل منهم : ما أبالي ألا أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج .

وقال آخر : بل عمارة المسجد الحرام .

وقال آخر : بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم .

فزجرهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك يوم الجمعة - ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستفتيته فيما اختلفتم فيه .

قال : ففعل ، فأنزل الله - عز وجل - : ( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ) إلى قوله : ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) رواه مسلم في صحيحه ، وأبو داود - وابن جرير وهذا لفظه - وابن مردويه ، وابن أبي حاتم في تفاسيرهم وابن حبان في صحيحه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) قال أبو جعفر: وهذا قضاءٌ من الله بَيْن فِرَق المفتخرين الذين افتخرَ أحدهم بالسقاية, والآخرُ بالسِّدانة, والآخر بالإيمان بالله والجهاد في سبيله.

يقول تعالى ذكره: (الذين أمنوا) بالله، وصدقوا بتوحيده من المشركين =(وهاجروا) دورَ قومهم (32) =(وجاهدوا) المشركين في دين الله (33) =(بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله)، وأرفع منـزلة عنده، (34) من سُقَاة الحاج وعُمَّار المسجد الحرام، وهم بالله مشركون =(وأولئك)، يقول: وهؤلاء الذين وصفنا صفتهم، أنهم آمنوا وهاجروا وجاهدوا =(هم الفائزون)، بالجنة، الناجون من النار.

(35) ------------------------------- الهوامش : (32) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 427 .

(33) انظر تفسير " هاجر " فيما سلف ص : 81 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(34) انظر تفسير " جاهد " فيما سلف ص : 163 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

= وتفسير " سبيل الله " فيما سلف من فهارس اللغة ( سبل ) .

(35) انظر تفسير " الدرجة " فيما سلف : 13 : 389 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون [ ص: 30 ] قوله تعالى : ( الذين آمنوا ) في موضع رفع بالابتداء .

وخبره أعظم درجة عند الله .

و ( درجة ) نصب على البيان ، أي من الذين افتخروا بالسقي والعمارة .

وليس للكافرين درجة عند الله حتى يقال : المؤمن أعظم درجة .

والمراد أنهم قدروا لأنفسهم الدرجة بالعمارة والسقي فخاطبهم على ما قدروه في أنفسهم وإن كان التقدير خطأ كقوله تعالى : أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا .

وقيل : أعظم درجة من كل ذي درجة ، أي لهم المزية والمرتبة العلية .

وأولئك هم الفائزون بذلك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم صرح بالفضل فقال‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ‏}‏ بالنفقة في الجهاد وتجهيز الغزاة ‏{‏وَأَنْفُسِهِمْ‏}‏ بالخروج بالنفس ‏{‏أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ‏}‏ أي‏:‏ لا يفوز بالمطلوب ولا ينجو من المرهوب، إلا من اتصف بصفاتهم، وتخلق بأخلاقهم‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة ) فضيلة ، ( عند الله ) من الذين افتخروا بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام .

( وأولئك هم الفائزون ) الناجون من النار .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة» رتبة «عند الله» من غيرهم «وأولئك هم الفائزون» الظافرون بالخير.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الذين آمنوا بالله وتركوا دار الكفر قاصدين دار الإسلام، وبذلوا أموالهم وأنفسهم في الجهاد لإعلاء كلمة الله، هؤلاء أعظم درجه عند الله، وأولئك هم الفائزون برضوانه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله .

( الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ الله .

.

) .

استئناف لبيان مراتب فضلهم زيادة فى الرد ، وتكميلا له .أى : ( الذين آمَنُواْ ) بالله - تعالى - إيماناً حقاً ، ( وَهَاجَرُواْ ) من دار الكفر إلى دار الإِيمان فراراً بدينهم ، ( وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ الله ) لإِعلاء كلمة الله ( بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ) هؤلاء الذين توفرت فيهم هذه الصفات الجليلة ( أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ الله ) أى : أعلى مقاماً وأشرف منزلة فى حكم الله وتقديره من أهل سقاية الحاج .

وعمارة المسجد ( الحرام ) ومن كل من لم يتصف بهذه الصفات الأربعة الكريمة وهى : الايمان ، والهجرة ، والجهاد بالمال ، والجهاد بالنفس .قال الفخر الرازى : فان قيل : لما أخبرتم أن هذه الصفات كانت بين المسلمين والكافرين .

كما جاء فى بعض روايات أسباب النزول .

فكيف قال فى وصفهم اعظم درجة مع أنه ليس للكفار درجة .قلنا .

الجواب عنه من وجوه .

الأول أن هذا ورد على حسب ما كانوا يقدرون لأنفسهم من الدرجة والفضيلة عند الله ، ونظيره قوله .

سبحانه ( ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ) الثانى : أن يكون المراد أن أولئك أعظم درجة من كل من لم يكن موصوفاً بهذه الصفات ، تنبيهاً على أنهم لما كانوا أفضل من المؤمنين ما كانوا موصوفين بهذه الصفات ، فبأن لا يقاسوا إلى الكفار أولى .الثالث : أن يكون المراد أن المؤمن المجاهد المهاجر أفضل ممن على الساقية والعمارة والمراد منه ترجيح تلك الأعمال .

ولا شك أن السقاية والعمارة من أعمال الخير .

وإنما بطل ثوابها فى حق الكفار بسبب كفرهم .وقوله : ( وأولئك هُمُ الفائزون ) أى : وأولئك الموصوفون بتلك الصفات الكريمة ، هم الفائزون ، بثواب الله الأعظم ، وبرضائه الأسمى الذى لا يصل إليه سواهم ممن لم يفعل فعلهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى ذكر ترجيح الإيمان والجهاد على السقاية وعمارة المسجد الحرام، على طريق الرمز ثم أتبعه بذكر هذا الترجيح على سبيل التصريح في هذه الآية، فقال: إن من كان موصوفاً بهذه الصفات الأربعة كان أعظم درجة عند الله ممن اتصف بالسقاية والعمارة.

وتلك الصفات الأربعة هي هذه: فأولها الإيمان.

وثانيها الهجرة.

وثالثها الجهاد في سبيل الله بالمال.

ورابعها الجهاد بالنفس، وإنما قلنا إن الموصوفين بهذه الصفات الأربعة في غاية الجلالة والرفعة لأن الإنسان ليس له إلا مجموع أمور ثلاثة: الروح، والبدن، والمال.

أما الروح فلما زال عنه الكفر وحصل فيه الإيمان، فقد وصل إلى مراتب السعادات اللائقة بها.

وأما البدن والمال فبسبب الهجرة وقعا في النقصان، وبسبب الاشتغال بالجهاد صارا معرضين للهلاك والبطلان.

ولا شك أن النفس والمال محبوب الإنسان، والإنسان لا يعرض عن محبوبه إلا للفوز بمحبوب أكمل من الأول، فلولا أن طلب الرضوان أتم عندهم من النفس والمال، وإلا لما رجحوا جانب الآخرة على جانب النفس والمال ولما رضوا بإهدار النفس والمال لطلب مرضاة الله تعالى فثبت أن عند حصول الصفات الأربعة صار الإنسان واصلاً إلى آخر درجات البشرية وأول مراتب درجات الملائكة، وأي مناسبة بين هذه الدرجة وبين الإقدام على السقاية والعمارة لمجرد الاقتداء بالآباء والأسلاف ولطلب الرياسة والسمعة؟

فثبت بهذا البرهان اليقين صحة قوله تعالى: ﴿ الذين ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ الله وأولئك هُمُ الفائزون ﴾ .

واعلم أنه تعالى لم يقل أعظم درجة من المشتغلين بالسقاية والعمارة لأنه لو عين ذكرهم لأوهم أن فضيلتهم إنما حصلت بالنسبة إليهم، ولما ترك ذكر المرجوح، دل ذلك على أنهم أفضل من كل من سواهم على الإطلاق، لأنه لا يعقل حصول سعادة وفضيلة للإنسان أعلى وأكمل من هذا الصفات.

واعلم أن قوله: ﴿ عَندَ الله ﴾ يدل على أن المراد من كون العبد عند الله الاستغراق في عبوديته وطاعته، وليس المراد منه العندية بحسب الجهة والمكان، وعند هذا يلوح أن الملائكة كما حصلت لهم منقبة العندية في قوله: ﴿ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ  ﴾ فكذلك الأرواح القدسية البشرية إذا تطهرت عن دنس الأوصاف البدنية والقاذورات الجسدانية، أشرقت بأنوار الجلالة وتجلى فيها أضواء عالم الكمال وترقت من العبدية إلى العندية، بل كأنه لا كمال في العبدية إلا مشاهدة حقيقة العندية، ولذلك قال: ﴿ سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً  ﴾ فإن قيل: لما أخبرتم أن هذه الصفات كانت بين المسلمين والكافرين، فكيف قال في وصفهم ﴿ أعظم درجة ﴾ مع أنه ليس للكفار درجة؟

قلنا: الجواب عنه من وجوه: الأول: أن هذا ورد على حسب ما كانوا يقدرون لأنفسهم من الدرجة والفضيلة عند الله، ونظيره قوله: ﴿ قُلِ آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ  ﴾ وقوله: ﴿ أذلك خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزقوم  ﴾ الثاني: أن يكون المراد أن أولئك أعظم درجة من كل من لم يكن موصوفاً بهذه الصفات، تنبيهاً على أنهم لما كانوا أفضل من المؤمنين الذين ما كانوا موصوفين بهذه الصفات فبأن لا يقاسوا إلى الكفار أولى.

الثالث: أن يكون المراد أن المؤمن المجاهد المهاجر أفضل ممن على السقاية والعمارة والمراد منه ترجيح تلك الأعمال على هذه الأعمال، ولا شك أن السقاية والعمارة من أعمال الخير، وإنما بطل إيجابهما للثواب في حق الكفار لأن قيام الكفر الذي هو أعظم الجنايات يمنع ظهور ذلك الأثر.

واعلم أنه تعالى لما بين أن الموصوفين بالإيمان والهجرة أعظم درجة عند الله بين تعالى أنهم هم الفائزون وهذا للحصر، والمعنى أنهم هم الفائزون بالدرجة العالية الشريفة المقدسة التي وقعت الإشارة إليها بقوله تعالى: ﴿ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ وهي درجة العندية، وذلك لأن من آمن بالله وعرفه فقل أن يبقى قلبه ملتفتاً إلى الدنيا، ثم عند هذا يحتال إلى إزالة هذه العقدة عن جوهر الروح، وإزالة حب الدنيا لا يتم له إلا بالتفريق بين النفس وبين لذات الدنيا، فإذا دام ذلك التفريق وانتقص تعلقه بحب الدنيا، فهذا التفريق والنقص يحصلان بالهجرة.

ثم إنه بعده لابد من استحقار الدنيا والوقوف على معايبها وصيرورتها في عين العاقل بحيث يوجب على نفسه تركها ورفضها، وذلك إنما يتم بالجهاد لأنه تعريض النفس والمال للهلاك والبوار، ولولا أنه استحقر الدنيا وإلا لما فعل ذلك، وعند هذا يتم ما قاله بعض المحققين وهو أن العرفان مبتدأ من تفريق ونقص وترك ورفض، ثم عند حصول هذه الحالة يصير القلب مشتغلاً بالنظر إلى صفات الجلال والإكرام، وفي مشاهدتها يحصل بذل النفس والمال، فيصير الإنسان شهيداً مشاهداً لعالم الجلال مكاشفاً بنور الجلالة مشهوداً له بقوله تعالى: ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ ورضوان وجنات لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خالدين فِيهَا أَبَداً ﴾ وعند هذا يحصل الانتهاء إلى حضرة الأحد الصمد، وهو المراد من قوله: ﴿ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ وهنا يحق الوقوف في الوصول.

ثم قال تعالى: ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ ورضوان وجنات لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خالدين فِيهَا أَبَداً إِنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ .

واعلم أن هذه الإشارة اشتملت على أنواع من الدرجات العالية وأنه تعالى ابتدأ فيها بالأشرف فالأشرف، نازلاً إلى الأدون فالأدون، ونحن نفسرها تارة على طريق المتكلمين وأخرى على طريقة العارفين.

أما الأول فنقول: فالمرتبة الأولى منها وهي أعلاها وأشرفها كون تلك البشارة حاصلة من ربهم بالرحمة والرضوان، وهذا هو التعظيم والإجلال من قبل الله.

وقوله: ﴿ وجنات لَّهُمْ ﴾ إشارة إلى حصول المنافع العظيمة وقوله: ﴿ فِيهَا نَعِيمٌ ﴾ إشارة إلى كون المنافع خالصة عن المكدرات لأن النعيم مبالغة في النعمة، ولا معنى للمبالغة في النعمة إلا خلوها عن ممازجة الكدورات وقوله: ﴿ مُّقِيمٌ ﴾ عبارة عن كونها دائمة غير منقطعة.

ثم إنه تعالى عبر عن دوامها بثلاث عبارات: أولها: ﴿ مُّقِيمٌ ﴾ .

وثانيها: قوله: ﴿ خالدين فِيهَا ﴾ .

وثالثها: قوله: ﴿ أَبَدًا ﴾ فحصل من مجموع ما ذكرنا أنه تعالى يبشر هؤلاء المؤمنين المهاجرين المجاهدين بمنفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، وذلك هو حد الثواب.

وفائدة تخصيص هؤلاء المؤمنين بكون هذا الثواب كامل الدرجة عالي الرتبة بحسب كل واحد من هذه القيود الأربعة.

ومن المتكلمين من قال قوله: ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ ﴾ المراد منه خيرات الدنيا وقوله: ﴿ وَرِضْوَانٍ لَهُمْ ﴾ المراد منه كونه تعالى راضياً عنهم حال كونهم في الحياة الدنيا وقوله: ﴿ وجنات ﴾ المراد منه المنافع وقوله: ﴿ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ ﴾ المراد منه كون تلك النعم خالصة عن المكدرات، لأن النعيم مبالغة في النعمة وقوله: ﴿ مُّقِيمٌ خالدين فِيهَا أَبَداً ﴾ المراد منه الإجلال والتعظيم الذي يجب حصوله في الثواب.

وأما تفسير هذه الآية على طريقة العارفين المحبين المشتاقين فنقول: المرتبة الأولى من الأمور المذكورة في هذه الآية قوله: ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم ﴾ .

واعلم أن الفرح بالنعمة يقع على قسمين: أحدهما: أن يفرح بالنعمة لأنها نعمة.

والثاني: أن يفرح بها لا من حيث هي بل من حيث إن المنعم خصه بها وشرفه وإن عجز ذهنك عن الوصول إلى الفرق بين القسمين فتأمل فيما إذا كان العبد واقفاً في حضرة السلطان الأعظم وسائر العبيد كانوا واقفين في خدمته، فإذا رمى ذلك السلطان تفاحة إلى أحد أولئك العبيد عظم فرحه بها فذلك الفرح العظيم ما حصل بسبب حصول تلك التفاحة، بل بسبب أن ذلك السلطان خصه بذلك الإكرام، فكذلك هاهنا.

قوله: ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ ورضوان ﴾ منهم من كان فرحهم بسبب الفوز بتلك الرحمة، ومنهم من لم يفرح بالفوز بتلك الرحمة، وإنما فرح لأن مولاه خصه بتلك الرحمة وحينئذ يكون فرحه لا بالرحمة بل بمن أعطى الرحمة، ثم إن هذا المقام يحصل فيه أيضاً درجات فمنهم من يكون فرحه بالراحم لأنه رحم، ومنهم من يتوغل في الخلوص فينسى الرحمة ولا يكون فرحه إلا بالمولى لأنه هو المقصد، وذلك لأن العبد ما دام مشغولاً بالحق من حيث إنه راحم فهو غير مستغرق في الحق، بل تارة مع الحق وتارة مع الخلق، فإذا تم الأمر انقطع عن الخلق وغرق في بحر نور الحق وغفل عن المحبة والمحنة، والنقمة والنعمة، والبلاء والآلاء، والمحققون وقفوا عند قوله: ﴿ يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم ﴾ فكان ابتهاجهم بهذا وسرورهم به وتعويلهم عليه ورجوعهم إليه ومنهم من لم يصل إلى تلك الدرجة العالية فلا تقنع نفسه إلا بمجموع قوله: ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ ﴾ فلا يعرف أن الاستبشار بسماع قول ربهم، بل إنما يستبشر بمجموع كونه مبشراً بالرحمة، والمرتبة الثانية هي أن يكون استبشاره بالرحمة وهذه المرتبة هي النازلة عند المحققين.

واللطيفة الثانية من لطائف هذه الآية هي أنه تعالى قال: ﴿ يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم ﴾ وهي مشتملة على أنواع من الرحمة والكرامة.

أولها: أن البشارة لا تكون إلا بالرحمة والإحسان.

والثاني: أن بشارة كل أحد يجب أن تكون لائقة بحاله، فلما كان المبشر هاهنا هو أكرم الأكرمين، وجب أن تكون البشارة بخيرات تعجز العقول عن وصفها وتتقاصر الأفهام عن نعتها.

والثالث: أنه تعالى سمى نفسه هاهنا بالرب وهو مشتق من التربية كأنه قال: الذي رباكم في الدنيا بالنعم التي لا حد لها ولا حصر لها يبشركم بخيرات عالية وسعادات كاملة.

والرابع: أنه تعالى قال: ﴿ رَّبُّهُمْ ﴾ فأضاف نفسه إليهم، وما أضافهم إلى نفسه.

والخامس: أنه تعالى قدم ذكرهم على ذكر نفسه فقال: ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم ﴾ والسادس: أن البشارة هي الإخبار عن حدوث شيء ما كان معلوم الوقوع، أما لو كان معلوم الوقوع لم يكن بشارة، ألا ترى أن الفقهاء قالوا: لو أن رجلاً قال من يبشرني من عبيدي بقدوم ولدي فهو حر، فأول من أخبر بذلك الخبر يعتق، والذين يخبرون بعده لا يعتقون وإذا كان الأمر كذلك فقوله: ﴿ يُبَشِّرُهُمْ ﴾ لابد أن يكون إخباراً عن حصول مرتبة من مراتب السعادات ما عرفوها قبل ذلك، وجميع لذات الجنة وخيراتها وطيباتها قد عرفوه في الدنيا من القرآن، والإخبار عن حصول بشارة فلابد وأن تكون هذه البشارة بشارة عن سعادات لا تصل العقول إلى وصفها ألبتة.

رزقنا الله تعالى الوصول إليها بفضله وكرمه.

واعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم ﴾ بين الشيء الذي به يبشرهم وهو أمور: أولها: قوله: ﴿ بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ ﴾ .

وثانيها: قوله: ﴿ وَرِضْوَانٍ ﴾ وأنا أظن والعلم عند الله أن المراد بهذين الأمرين ما ذكره في قوله: ﴿ ارجعى إلى رَبّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً  ﴾ والرحمة كون العبد راضياً بقضاء الله وذلك لأن من حصلت له هذه الحالة كان نظره على المبلي والمنعم لا على النعمة والبلاء، ومن كان نظره على المبلي والمنعم لم يتغير حاله، لأن المبلي والمنعم منزه عن التغير.

فالحاصل أن حاله يجب أن يكون منزهاً عن التغير، أما من كان طالباً لمحض النفس كان أبداً في التغير من الفرح إلى الحزن، ومن السرور إلى الغم، ومن الصحة إلى الجراحة، ومن اللذة إلى الألم، فثبت أن الرحمة التامة لا تحصل إلا عندما يصير العبد راضياً بقضاء الله فقوله: ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ ﴾ هو أنه يزيل عن قلبه الالتفات إلى غير هذه الحالة، ويجعله راضياً بقضائه.

ثم إنه تعالى يصير راضياً وهو قوله: ﴿ وَرِضْوَانٍ ﴾ وعند هذا تصير هاتان الحالتان هما المذكورتان في قوله: ﴿ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ﴾ وهذه هي الجنة الروحانية النورانية العقلية القدسية الإلهية.

ثم إنه تعالى بعد أن ذكر هذه الجنة العالية المقدسة ذكر الجنة الجسمانية، وهي قوله: ﴿ وجنات لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خالدين فِيهَا أَبَداً ﴾ وقد سبق شرح هذه المراتب، ولما ذكر هذه الأحوال قال: ﴿ إِنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ والمقصود شرح تعظيم هذه الأحوال، ولنختم هذا الفصل ببيان أن أصحابنا يقولون إن الخلود يدل على طول المكث، ولا يدل على التأبيد، واحتجوا على قولهم في هذا الباب بهذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿ خالدين فِيهَا أَبَداً ﴾ ولو كان الخلود يفيد التأبيد، لكان ذكر التأبيد بعد ذكر الخلود تكراراً وأنه لا يجوز.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

هم ﴿ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ الله ﴾ من أهل السقاية والعمارة عندكم ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفائزون ﴾ لا أنتم والمختصون بالفوز دونكم وقرئ: ﴿ يبشرهم ﴾ بالتخفيف والتثقيل، وتنكير المبشر به لوقوعه وراء صفة الواصف وتعريف المعرّف.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: هي في المهاجرين خاصة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أعْلى رُتْبَةً وأكْثَرُ كَرامَةً مِمَّنْ لَمْ تُسْتَجْمَعْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ أوْ مِن أهْلِ السِّقايَةِ والعِمارَةِ عِنْدَكم.

﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ ﴾ بِالثَّوابِ ونِيلِ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ دُونَكم.

﴿ يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها ﴾ في الجَنّاتِ.

﴿ نَعِيمٌ مُقِيمٌ ﴾ دائِمٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ ﴿ يُبَشِّرُهُمْ ﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وتَنْكِيرُ المُبَشَّرِ بِهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ وراءَ التَّعْيِينِ والتَّعْرِيفِ.

﴿ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ﴾ أكَّدَ الخُلُودَ بِالتَّأْبِيدِ لِأنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلْمُكْثِ الطَّوِيلِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ يُسْتَحْقَرُ دُونَهُ ما اسْتَوْجَبُوهُ لِأجْلِهِ أوْ نَعِيمُ الدُّنْيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الذين آمنوا وَهَاجَرُواْ وجاهدوا فِى سَبِيلِ الله بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ} أولئك {أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ الله} من أهل السقاية والعمارة {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفائزون} لا أنتم المختصون بالفوز دونهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ مَراتِبِ فَضْلِهِمْ زِيادَةً في الرَّدِّ وتَكْمِيلًا لَهُ، وزِيادَةُ الهِجْرَةِ وتَفْصِيلُ نَوْعَيِ الجِهادِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ مِن لَوازِمِ الجِهادِ لا أنَّهُ اعْتُبِرَ بِطَرِيقِ التَّدارُكِ أمْرٌ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيما سَلَفَ، والظّاهِرُ مِنَ السِّياقِ أنَّ المُفَضَّلَ عَلَيْهِ أهْلُ السِّقايَةِ والعِمارَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقَدْ أشَرْنا إلى مالِهِ وما عَلَيْهِ حَسْبَما ذَكَرَهُ بَعْضُ الفُضَلاءِ، وأنا أقُولُ: إذا أُرِيدَ مِن أفْعَلَ المُبالَغَةُ في الفَضْلِ وعُلُوُّ المَرْتَبَةِ والمَنزِلَةِ فالأمْرُ هَيِّنٌ، وإذا أُرِيدَ بِهِ حَقِيقَتُهُ فَهُناكَ احْتِمالانِ؛ الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: حُذِفَ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ إيذانًا بِالعُمُومِ، أيْ إنَّ هَؤُلاءِ المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ أعْلى رُتْبَةً وأكْثَرُ كَرامَةً مِمَّنْ لَمْ يَتَّصِفُ بِها كائِنًا مَن كانَ، ويَدْخُلُ فِيهِ أهْلُ السِّقايَةِ والعِمارَةِ، ويَكْفِي في تَحَقُّقِ حَقِيقَةِ أفْعَلَ وُجُودُ أصْلِ الفِعْلِ في بَعْضِ الأفْرادِ المُنْدَرِجَةِ تَحْتَ العُمُومِ كَما يُقالُ: فُلانٌ أعْلَمُ الخَلْقِ مَعَ أنَّ مِنهم مَن لا يَتَّصِفُ بِشَيْءٍ مِنَ العِلْمِ بَلْ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَّصِفَ بِهِ أصْلًا، وهَذا مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَشُكَّ فِيهِ سِوى أنَّهُ يُعَكِّرُ عَلَيْنا أنَّ المَقْصُودَ بِالمُفَضَّلِ عَلَيْهِ في المِثالِ مَن لَهُ مُشارَكَةٌ في أصْلِ الفِعْلِ ولا كَذَلِكَ ما نَحْنُ فِيهِ، فَإنْ لَمْ يَضُرَّ هَذا فالأمْرُ ذاكَ وإلّا فَهو كَما تَرى، الثّانِي: أنْ يُقالَ: ما أفْهَمَتْهُ الصِّيغَةُ مِن أنَّ لِلسُّقاةِ والعُمّارِ مِنَ المُشْرِكِينَ دَرَجَةً جاءَ عَلى زَعْمِ المُشْرِكِينَ وحَسَّنَ ذَلِكَ وُقُوعُ مِثْلِهِ في كَلامِهِمْ مَعَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّهم قالُوا كَما دَلَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الأخْبارِ السّابِقَةِ: السِّقايَةُ والعِمارَةُ خَيْرٌ مِنَ الإيمانِ والجِهادِ، ولا شَكَّ أنَّ ما يُشْعَرُ بِهِ خَيْرٌ مِن أنَّ في الإيمانِ والجِهادِ خَيْرًا إنَّما جاءَ عَلى زَعْمِ المُؤْمِنِينَ فَما في الآيَةِ خارِجٌ مَخْرَجَ المُشاكَلَةِ مَعَ ما في كَلامِهِمْ وإنِ اخْتَلَفَ اللَّفْظُ، وما قِيلَ: مِن أنَّ جَعْلَ مَعْنى التَّفْضِيلِ بِالنِّسْبَةِ إلى زَعْمِ الكَفَرَةِ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ نَفْعٍ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ ضَرَرٍ كَما لا يَخْفى عَلى مَن ذاقَ طَعْمَ البَلاغَةِ ولَوْ بِطَرَفِ اللِّسانِ، ويُشْعِرُ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّ التَّفْضِيلَ مَبْنِيٌّ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَطْعِ النَّظَرِ وإغْماضِ العَيْنِ أيِ المُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الأوْصافِ الجَلِيلَةِ أعْلى رُتْبَةً مِمَّنْ خَلا مِنها وإنْ حازَ جَمِيعَ ما عَداها مِمّا هو كَمالٌ في حَدِّ ذاتِهِ كالسِّقايَةِ والعِمارَةِ، والمُرادُ بِسَبِيلِ اللَّهِ هُنا الإخْلاصُ أوْ نَحْوُهُ لا الجِهادُ فالمَعْنى جاهِدُوا مُخْلِصِينَ ( ﴿ وأُولَئِكَ ﴾ ) المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ ﴿ هُمُ الفائِزُونَ ﴾ أيِ المُخْتَصُّونَ بِالفَوْزِ العَظِيمِ أوْ بِالفَوْزِ المُطْلَقِ كَأنَّ فَوْزَ مَن عَداهم لَيْسَ بِفَوْزٍ بِالنِّسْبَةِ إلى فَوْزِهِمْ.

والكَلامُ عَلى الثّانِي تَوْبِيخٌ لِمَن يُؤْثِرُ السِّقايَةَ والعِمارَةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى الهِجْرَةِ والجِهادِ، أيْ أجَعَلْتُمْ أهْلَهُما مِنَ المُؤْمِنِينَ في الفَضِيلَةِ والكَرامَةِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِهِ أوْ أجَعَلْتُمُوهُما كالإيمانِ والجِهادِ، قالُوا: وإنَّما لَمْ يَذْكُرِ الإيمانَ في جانِبِ المُشَبَّهِ مَعَ كَوْنِهِ مُعْتَبَرًا فِيهِ قَطْعًا تَعْوِيلًا عَلى ظُهُورِ الأمْرِ وإشْعارًا بِأنَّ مَدارَ إنْكارِ التَّشْبِيهِ هو السِّقايَةُ والعِمارَةُ دُونَ الإيمانِ، وإنَّما لَمْ يَتْرُكْ ذِكْرَهُ في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ أيْضًا تَقْوِيَةً لِلْإنْكارِ وتَذْكِيرًا لِأسْبابِ الرُّجْحانِ ومَبادِئِ الأفْضَلِيَّةِ، وإيذانًا بِكَمالِ التَّلازُمِ بَيْنَ الإيمانِ وما تَلاهُ.

ومَعْنى عَدَمِ الِاسْتِواءِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وأعْظَمِيَّةُ دَرَجَةِ الفَرِيقِ الثّانِي عَلى هَذا التَّقْرِيرِ ظاهِرٌ.

والمُرادُ بِالظُّلْمِ الظُّلْمُ بِوَضْعِ كُلٍّ مِنَ الرّاجِحِ والمَرْجُوحِ في مَوْضِعِ الآخَرِ لا الظُّلْمُ الأعَمُّ، وبِعَدَمِ الهِدايَةِ عَدَمُ هِدايَتِهِ تَعالى لِلْمُؤْثِرِينَ إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ لا عَدَمُ الهِدايَةِ مُطْلَقًا، والقَصْرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( أُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ ) بِالنِّسْبَةِ إلى دَرَجَةِ الفَرِيقِ الثّانِي أوْ إلى الفَوْزِ المُطْلَقِ ادِّعاءٌ كَما مَرَّ ا هـ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ عَدَمَ ذِكْرِ الإيمانِ في جانِبِ المُشَبَّهِ ظاهِرٌ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ ما تَنازَعُوا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ مُسْلِمٍ السّابِقُ إلّا فِيما هو الأفْضَلُ بَعْدَهُ فَمِن قائِلٍ: السِّقايَةُ، ومِن قائِلٍ: العِمارَةُ ومِن قائِلٍ: الجِهادُ، نَعَمْ يَحْتاجُ ذِكْرُهُ في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ إلى نُكْتَةٍ، والتَّوْبِيخُ في الآيَةِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أبْلَغُ مِنهُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَتَأمَّلْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا، يعني: صدقوا بوحدانية الله، وَهاجَرُوا إلى المدينة.

وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ، يعني: هؤلاء أفضل عند الله، وأفضل درجة في الجنة من الذين لم يهاجروا ولم يؤمنوا ولم يعمروا المسجد الحرام، ولم يسقوا الحاج.

وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ، يعني: الناجين من النار.

قوله تعالى: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ، يعني: يفرحهم بِرَحْمَةٍ، يعني: بجنة مِنْهُ وَرِضْوانٍ رضي الله تعالى عنهم كما قال في آية أخرى: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المجادلة: 22] بالثواب الذي أعطاهم.

ثم قال تعالى: وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ، يعني: دائماً لا ينقطع عنهم.

خالِدِينَ فِيها، يعني: مقيمين دائمين في الجنات أَبَداً، هو تأكيد للخلود.

إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ، وهي الجنة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ت: زاد ابن الخَطِيبِ في روايته: «فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.

انتهى من ترجمة محمَّد بنِ عبدِ اللَّهِ، وفي الحديثِ عنه صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ ضَمِنَ لِمَنْ كَانَتْ المَسَاجِدُ بَيْتَهُ الأَمْنَ، والأَمَانَ، وَالجَوَازَ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ القِيَامَةِ» خَرَّجه عليُّ بن عبد العزيز البَغَوِّيُّ في «المُسْنَد المُنْتَخَب» له، وروى البغويُّ أيضا في هذا «المسند» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا أَوْطَنَ الرَّجُلُ المَسَاجِدَ بِالصَّلاَةِ، وَالذِّكْرِ، تَبَشْبَش اللَّهُ لَهُ كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الغَائِبِ لِغَائِبِهمْ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ» .

انتهى من «الكَوْكَب الدُّرِّيِّ» ، قيل: ومعنى «يَتَبَشْبَشُ» : أي يفرح به.

وقوله سبحانه: وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ، يريد: خشيةَ التعظيمِ والعبادةِ، وهذه مرتبةُ العَدْل من الناس، ولا محالة أَنَّ الإِنسان يخشَى غيره، ويخشَى المحاذيرَ الدنيويَّة، وينبغي أن يخشَى في ذلك كلّه قضاء الله وتصريفه.

أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)

وقوله سبحانه: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ ...

الآية: سِقايَةَ الْحاجِّ: كانَتْ في بني هَاشِمٍ، وكان العبَّاس يتولاَّها، قال الحسن: ولما نزلَتْ هذه الآيةُ، قال العبَّاس: ما أَراني إلاَّ أتركُ السقاية، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أُقِيمُوا عَلَيْهَا فَهِيَ خَيْرٌ لَكُمْ» «١» وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ: قيلَ: هي حِفْظه ممَّن يظلم فيه، أو يقول هُجْراً، وكان ذلك إِلى العبَّاس، وقيل:

هي السّدَانَة «٢» وَخِدْمَةِ البَيْت خَاصَّة، وكان ذلك في بني عَبْد الدَّار، وكان يتولاَّها عثمانُ بنُ طَلْحَة، وابنُ عمه شَيْبَةُ، وأقرَّها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لهما ثَانِيَ يَوْمِ الفتحِ، وقال: «خُذَاهَا خَالِدَةً تالدة

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: رَواهُ مُسْلِمٌ في "صَحِيحِهِ" مِن حَدِيثِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَقالَ رَجُلٌ: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ [الإسْلامِ إلّا] أنْ أسْقِيَ الحاجَّ، وقالَ الآَخَرُ: ما أُبالِيَ أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بِعْدَ [الإسْلامِ إلّا] أنْ أُعَمِّرَ المَسْجِدَ الحَرامَ، وقالَ آَخَرُ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ أفْضَلُ مِمّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهم عُمَرُ، وقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ  ، وهو يَوْمُ الجُمْعَةِ، ولَكِنِّي إذا صَلَّيْتُ الجُمْعَةَ، دَخَلْتُ فاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» والثّانِي: أنَّ العَبّاسَ بْنَ عَبَدِ المَطَّلِبِ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: لَئِنْ كُنْتُمْ سَبَقْتُمُونا بِالإسْلامِ والهِجْرَةِ والجِهادِ، لَقَدْ كُنّا نُعَمِّرُ المَسْجِدَ الحَرامَ ونَسَقِيَ الحاجَّ ونَفُكُّ العانِيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: عِمارَةُ بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ، والقِيامُ عَلى السِّقايَةِ، خَيْرٌ مِمَّنْ آَمَنَ وجاهَدَ، وكانُوا يَفْتَخِرُونَ بِالحَرَمِ مِن أجْلِ أنَّهم أهْلُهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّ عَلِيًّا والعَبّاسَ وطَلْحَةَ - يَعْنِي سادِنَ الكَعْبَةِ افْتَخَرُوا، فَقالَ طَلْحَةُ: أنا صاحِبُ البَيْتِ، بِيَدِي مِفْتاحُهُ، ولَوْ أشاءُ بِتُّ فِيهِ.

وقالَ العَبّاسُ: أنا صاحِبُ السِّقايَةِ، والقائِمُ عَلَيْها، ولَوْ أشاءُ بِتُّ في المَسْجِدِ.

وقالَ عَلَيٌّ: ما أدْرِي ما تَقُولُونَ، لَقَدْ صَلَّيْتُ سِتَّةَ أشْهُرٍ قَبْلَ النّاسِ، وأنا صاحِبُ الجِهادِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، والقُرَظِيُّ.

والخامِسُ: أنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ قالَ العَبّاسُ: أنا أسْقِي الحاجَّ، وقالَ طَلْحَةُ: أنا صاحِبُ الكَعْبَةِ فَلا نُهاجِرُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ والَّتِي بَعْدَها، قالَهُ مُجاهِدٌ.

هَكَذا ذَكَرَ مُجاهِدٌ، وإنَّما الصَّوابُ عُثْمانُ بْنُ طَلْحَةَ، لِأنَّ طَلْحَةَ هَذا لَمْ يُسْلِمْ.

والسّادِسُ: أنَّ عَلِيًّا قالَ لَلْعَبّاسِ: ألا تَلْحَقُ بِالنَّبِيِّ  ؟

فَقالَ: ألَسْتُ في أفْضَلَ مِنَ الهِجْرَةِ، ألَسْتُ أسْقِيَ حاجَّ بَيْتِ اللَّهِ وأعْمُرَ المَسْجِدَ الحَرامَ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ والَّتِي بَعْدَها، قالَهُ المُرَّةُ الهَمْدانِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الآَيَةِ: أجَعَلْتُمْ أهْلَ سِقايَةِ الحاجِّ وأهْلَ عِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آَمَنَ بِاللَّهِ؟

فَحَذَفَ المُضافَ، وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ.

قالَ الحَسَنُ: كانَ يُنْبِذُ زَبِيبٌ، فَيَسْقُونَ الحاجَّ في المَوْسِمِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عِمارَةُ المَسْجِدِ: تَجْمِيرُهُ، وتَخْلِيقُهُ، فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّ أفْعالَهم تِلْكَ لا تَنْفَعُهم مَعَ الشِّرْكِ، وسَمّاهم ظالِمِينَ لَشِرْكِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أعْظَمُ دَرَجَةً ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.

والمَعْنى: أعْظَمُ مِن غَيْرِهِمْ دَرَجَةً.

والفائِزُ: الَّذِي يَظْفَرُ بِأُمْنِيَّتِهِ مِنَ الخَيْرِ.

فَأمّا النَّعِيمُ، فَهو لِينُ العَيْشِ، والمُقِيمُ: الدّائِمُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ ﴾ ﴿ يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ ﴾ ﴿ خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أولِياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ ﴾ لَمّا حَكَمَ اللهُ تَعالى في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِأنَّ الصِنْفَيْنِ لا يَسْتَوُونَ بَيَّنَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ الأخِيرَةِ، وأوضَحَهُ، فَعَدَّدَ الإيمانَ والهِجْرَةَ، والجِهادَ بِالمالِ والنَفْسِ، وحَكَمَ أنَّ أهْلَ هَذِهِ الخِصالِ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ مِن جَمِيعِ الخَلْقِ، ثُمَّ حَكَمَ لَهم بِالفَوْزِ بِرَحْمَتِهِ، ورِضْوانِهِ، والفَوْزُ: بُلُوغُ البُغْيَةِ، إمّا في نَيْلِ رَغْبَةٍ، أو نَجاةٍ مِن مَهْلَكَةٍ، ويَنْظُرُ إلى مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الحَدِيثُ الَّذِي جاءَ "دَعُوا لِي أصْحابِي، فَلَوْ أنَّ أحَدَكم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ أصْحابَ هَذِهِ الخِصالِ عَلى سُيُوفِهِمُ انْبَنى الإسْلامُ، وهم رَدُّوا الناسَ إلى الشَرْعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ آيَةُ وعْدٍ، وقِراءَةُ الناسِ: "يُبَشِّرُهُمْ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الشِينِ المُشَدَّدَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ،، وحُمَيْدُ بْنُ هِلالٍ: "يَبْشُرُهُمْ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِينِ خَفِيفَةً، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى جابِرِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: أعْطَيْتُكم أفْضَلَ مِن هَذا، فَيَقُولُونَ: رَبَّنا أيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِن هَذا؟

قالَ: رِضْوانِي"»، وفي البُخارِيِّ في كِتابِ السُنَّةِ مِنهُ: « "فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا"».

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَرِضْوانٌ" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وعَمْرٌو: "وَرُضْوانٌ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِضَمِّ الراءِ والضادِ جَمِيعًا، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ ﴾ الآيَةُ.

ظاهِرُ هَذِهِ المُخاطَبَةِ أنَّها لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ كافَّةً، وهي باقِيَةُ الحُكْمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ورَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ في الحَضِّ عَلى الهِجْرَةِ ورَفْضِ بِلادِ الكُفْرِ، فالمُخاطَبَةُ -عَلى هَذا- إنَّما هي لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا في مَكَّةَ وغَيْرِها مِن بِلادِ العَرَبِ، خُوطِبُوا بِألا يُوالُوا الآباءَ والإخْوَةَ فَيَكُونُونَ لَهم تَبَعًا في سُكْنى بِلادِ الكُفْرِ، ولَمْ يَذْكُرِ الأبْناءَ في هَذِهِ الآيَةِ إذِ الأغْلَبُ مِنَ البَشَرِ أنَّ الأبْناءَ هُمُ التَبَعُ لِلْآباءِ.

و"الإخْوانُ" في هَذِهِ الآيَةِ جَمْعُ أخِ النَسَبِ، وكَذَلِكَ هي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أو بُيُوتِ إخْوانِكُمْ  ﴾ .

وَقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "أنِ اسْتَحَبُّوا" بِفَتْحِ الألِفِ مِن "أنْ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ "إنْ" بِكَسْرِ الألِفِ عَلى الشَرْطِ، و"اسْتَحَبُّوا" مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنى: فَضَّلُوا وآثَرُوا، ولِذَلِكَ تَعَدَّتْ بِـ "عَلى".

ثُمَّ حَكَمَ اللهُ تَعالى بِأنَّ مَن والاهم واتَّبَعَهم في أغْراضِهِمْ فَإنَّهُ ظالِمٌ، أيْ واضِعٌ لِلشَّيْءِ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، وهَذا ظُلْمُ المَعْصِيَةِ لا ظُلْمُ الكُفْرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه الجملة مبيّنة لنفي الاستواء الذي في جملة ﴿ لا يستون عند الله ﴾ [التوبة: 19] ومفصّلة للجهاد الذي في قوله: ﴿ كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله ﴾ [التوبة: 19] بأنّه الجهاد بالأموال والأنفس، وإدماج لبيان مزية المهاجرين من المجاهدين.

و (الذين هاجروا) هم المؤمنون من أهل مكة وما حولها، الذين هاجروا منها إلى المدينة لما أذنهم النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة إليها بعد أن أسلموا، وذلك قبل فتح مكة.

والمهاجَرة: ترك الموطن والحلولُ ببلد آخر، وهي مشتقّة من الهجر وهو الترك، واشتقّت لها صيغة المفاعلة لاختصاصها بالهجر القوي وهو هجر الوطن، والمراد بها في عرف الشرع هجرة خاصّة: وهي الهجرة من مكة إلى المدينة، فلا تشمل هجرةَ مَن هاجر من المسلمين إلى بلاد الحبشة لأنّها لم تكن على نية الاستيطان بل كانت هجرة مؤقته، وتقدّم ذكر الهجرة في آخر سورة الأنفال.

والمفضل عليه محذوف لظهوره: أي أعظم درجة عند الله من أصحاب السقاية والعمارة الذين آمنوا ولم يهاجروا ولم يجاهدوا الجهاد الكثير الذي جاهده المسلمون أيام بقاء أولئك في الكفر، والمقصود تفضيل خصالهم.

والدرجة تقدّمت عند قوله تعالى: ﴿ وللرجال عليهن درجة ﴾ في سورة البقرة (228).

وقوله: ﴿ لهم درجات عند ربّهم ﴾ في أوائل الأنفال (4).

وهي في كلّ ذلك مستعارة لرفع المقدار.

وعند الله } إشارة إلى أنّ رفعة مقدارهم رفعة رضى من الله وتفضيل بالتشريف، لأنّ أصل (عند) أنّها ظرف للقرب.

وجملة ﴿ وأولئك هم الفائزون ﴾ معطوفة على ﴿ أعظم درجة ﴾ أي: أعظم وهم أصحاب الفوز.

وتعريف المسند باللام مفيد للقصر، وهو قصر ادّعائي للمبالغة في عظم فوزهم حتّى إن فوز غيرهم بالنسبة إلى فوزهم يُعَدّ كالمعدوم.

والإتيان باسم الإشارة للتنبيه على أنّهم استحقوا الفوز لأجل تلك الأوصاف التي ميزّتهم: وهي الإيمان والهجرة والجهاد بالأموال والأنفس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ يَعْنِي بِعِمارَتِهِ السِّدانَةَ والقِيامَ بِهِ.

﴿ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ لِأنَّ قُرَيْشًا فَضَّلَتْ ذَلِكَ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ، فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ وأعْلَمَهم أنَّهُما لا يَسْتَوِيانِ، وأنَّ ذَلِكَ مَعَ الكُفْرِ مُحْبَطٌ.

وَحَكى مُقاتِلٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وهو صاحِبُ السِّقايَةِ، وفي شَيْبَةَ بْنِ عُثْمانَ وهو صاحِبُ السِّدانَةِ وحاجِبُ الكَعْبَةِ أُسِرا يَوْمَ بَدْرٍ فَعُيِّرا بِالمَقامِ عَلى الكُفْرِ بِمَكَّةَ وأغْلَظَ لَهُما المُهاجِرُونَ، فَقالا نَحْنُ أفْضَلُ مِنكم أجْرًا نُعَمِّرُ المَسْجِدَ الحَرامَ ونَحْجُبُ الكَعْبَةَ ونَسْقِي الحاجَّ فَنَزَلَ هَذا فِيهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج مسلم وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم، ما أبالي ان لا أعمل لله عملاً بعد الإِسلام إلا أن أسقي الحاج.

وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام.

وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم.

فزجرهم عمر رضي الله عنه وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم- وذلك يوم الجمعة- ولكن إذا صليتم الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستفتيته فيما اختلفتم فيه، فانزل الله: ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ إلى قوله: ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أجعلتم سقاية الحاج...

﴾ الآية.

وذلك أن المشركين قالوا: عمارة بيت الله، وقيام على السقاية، خير ممن آمن وجاهد.

فكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعماره، فذكر الله استكبارهم واعراضهم فقال لأهل الحرم من المشركين ﴿ قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون.

مستكبرين به سامراً تهجرون ﴾ [ المؤمنون: 67] .

يعني أنهم كانوا يستكبرون بالحرم.

وقال ﴿ به سامراً ﴾ كانوا به يسمرون ويهجون بالقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم، فخير الإِيمان بالله والجهاد مع نبي الله صلى الله عليه وسلم على عمران المشركين البيت وقيامهم على السقاية، ولم يكن ينفعهم عند الله تعالى مع الشرك به وإن كانوا يعمرون بيته ويخدمونه، قال الله: ﴿ لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ يعني الذين زعموا أنهم أهل العمارة، فسماهم الله ظالمين بشركهم فلم تغن عنهم العمارة شيئاً.

وأخرح ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال العباس رضي الله عنه حين أسر يوم بدر: إن كنتم سبقتمونا بالإِسلام والهجرة والجهاد لقد كنت نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج، ونفك العاني، فأنزل الله: ﴿ أجعلتم سقاية الحاج...

﴾ الآية.

يعني أن ذلك كان في الشرك، فلا أقبل ما كان في الشرك.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام...

﴾ الآية.

قال: نزلت في علي بن أبي طالب والعباس رضي الله عنه.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الشعبي رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ في العباس وعلي رضي الله عنهما تكلما في ذلك.

وأخرج ابن مردويه عن الشعبي رضي الله عنه قال: كانت بين علي والعباس رضي الله عنهما منازعة فقال العباس لعلي رضي الله عنه: أنا عم النبي صلى الله عليه وسلم وأنت ابن عمه، وإلي سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، فأنزل الله: ﴿ أجعلتم سقاية الحاج...

﴾ الآية.

وأخرج عبد الرزاق عن الحسن قال: نزلت في علي والعباس وعثمان وشيبة تكلموا في ذلك.

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن عبيدة رضي الله عنه قال: قال علي رضي الله عنه للعباس: لو هاجرت إلى المدينة.

قال: أوَلست في أفضل من الهجرة؟

ألست أسقي الحاج، وأعمر المسجد الحرام؟

فنزلت هذه الآية يعني قوله: ﴿ أعظم درجة عند الله ﴾ قال: فجعل الله للمدينة فضل درجة على مكة.

وأخرج الفريابي عن ابن سيرين قال: قدم علي بن أبي طالب رضي الله عنه مكة فقال للعباس رضي الله عنه: أي عم الا تهاجر، ألا تلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فقال: أعمر المسجد الحرام، وأحجب البيت.

فأنزل الله: ﴿ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام...

﴾ الآية.

وقال لقوم قد سماهم: ألا تهاجرون ألا تلحقون برسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فقالوا: نقيم مع اخواننا وعشائرنا ومساكننا، فأنزل الله تعالى ﴿ قل إن كان آباؤكم ﴾ [ التوبة: 24] الآية كلها.

وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: افتخر طلحة بن شيبة، والعباس، وعلي بن أبي طالب، فقال طلحة: أنا صاحب البيت معي مفتاحه.

وقال العباس رضي الله عنه: أنا صاحب السقاية والقائم عليها: فقال علي رضي الله عنه: ما أدري ما تقولون: لقد صليت إلى القبلة قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله: ﴿ أجعلتم سقاية الحاج...

﴾ الآية كلها.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه قال: أقبل المسلمون على العباس وأصحابه الذين أسروا يوم بدر يعيرونهم بالشرك، فقال العباس: أما- والله- لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونفك العاني، ونحجب البيت، ونسقي الحاج، فأنزل الله: ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ الآية.

وأخرج أبو نعيم في فضائل الصحابة وابن عساكر عن أنس رضي الله عنه قال: قعد العباس وشيبة صاحب البيت يفتخران، فقال له العباس رضي الله عنه: أنا أشرف منك، أنا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصي أبيه، وساقي الحجيج.

فقال شيبة: أنا أشرف منك، أنا أمين الله على بيته وخازنه، أفلا ائتمنك كما ائتمنني؟

فاطلع عليهما عليّ رضي الله عنه فأخبراه بما قالا.

فقال علي رضي الله عنه: أنا أشرف منكما، أنا أوّل من آمن وهاجر: فانطلقوا ثلاثتهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه.

فما أجابهم بشيء، فانصرفوا فنزل عليه الوحي بعد أيام، فأرسل إليهم فقرأ عليهم ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ إلى آخر العشر.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي حمزة السعدي أنه قرأ ﴿ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ قال: أرادوا أن يدعوا السقاية والحجابة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تدعوها فإن لكم فيها خيراً» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن عبد الله بن السائب رضي الله عنه قال: اشرب من سقاية العباس فانها من السنة.

ولفظ ابن أبي شيبة: فإنه من تمام الحج.

وأخرج البخاري والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما «ان رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى السقاية فاستسقى، فقال للعباس: يا فضل اذهب إلى أمك فائت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراب من عندها، فقال: اسقني.

فقال: يا رسول الله انهم يجعلون أيديهم فيه.

فقال: اسقني.

فشرب منه ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها فقال: اعملوا فإنكم على عمل صالح، لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه، وأشار إلى عاتقه» .

وأخرج أحمد عن أبي محذورة رضي الله عنه قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان لنا ولموالينا، والسقاية لنبي هاشم، والحجابة لبني عبد الدار.

وأخرج ابن سعد عن علي رضي الله عنه قال: «قلت للعباس رضي الله عنه: سل لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نأتيك بماء لم تمسه الأيدي؟

قال: بلى، فاسقوني فسقوه، ثم أتى زمزم فقال: استقوا لي منها دلواً، فأخرجوا منها دلواً فمضمض منه ثم مجه فيه، ثم قال: أعيدوه ثم قال: إنكم على عمل صالح، ثم قال: لولا أن تغلبوا عليه لنزلت فنزعت معكم» .

وأخرج ابن سعد عن جعفر بن تمام قال: جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: أرأيت ما تسقون الناس من نبيذ هذا الزبيب، أسنة تبغونها أم تجدون هذا أهون عليكم من البن والعسل؟

قال ابن عباس رضي الله عنهما: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى العباس وهو يسقي الناس فقال اسقني.

فدعا العباس بعساس من نبيذ، فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم عساً منها فشرب، ثم قال: أحسنتم هكذا فاصنعوا.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: فما يسرني أن سقايتها جرت عليَّ لبناً وعسلا مكان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحسنتم هكذا فافعلوا» .

وأخرج ابن سعد عن مجاهد رضي الله عنه قال: اشرب من سقاية آل العباس فإنها من السنة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ أجعلتم سقاية الحاج؟

﴾ قال: زمزم.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف والأزرقي في تاريخ مكة والبيهقي في الدلائل عن الزهري رضي الله عنه قال: أول ما ذكر من عبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن قريشاً خرجت من الحرم فارّة من أصحاب الفيل وهو غلام شاب فقال: والله لا أخرج من حرم الله أبتغي العز في غيره.

فجلس عند البيت وأجلت عنه قريش فقال: لاهم إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك ** لا يغلبن صليبهم وضلالهم عدواً محالك فلم يزل ثابتاً في الحرم حتى أهلك الله الفيل وأصحابه، فرجعت قريش وقد عظم فيها لصبره وتعظيمه محارم الله، فبينما هو في ذلك وقد ولد له أكبر بنيه، فأدرك- وهو الحارث بن عبد المطلب- فأتي عبد المطلب في المنام فقيل له: احفر زمزم خبيئة الشيخ الأعظم، فاستيقظ فقال: اللهمَّ بيِّن لي.

فأتي في النام مرة أخرى فقيل: احفرتكم بين الفرث والدم في مبحث الغراب في قرية النمل مستقبل الأنصاب الحمر.

فقام عبد المطلب فمشى حتى جلس في المسجد الحرام ينتظر ما سمي له من الآيات، فنحرت بقرة بالجزورة فانفلتت من جازرها تحمي نفسها حتى غلب عليها الموت في المسجد في موضع زمزم، فجزرت تلك البقرة من مكانها حتى احتمل لحمها فأقبل غراب يهوي حتى وقع في الفرث، فبحث عن قرية النمل فقام عبد المطلب فحفر هناك، فجاءته قريش فقالت لعبد المطلب: ما هذا الصنيع إنما لم نكن نرميك بالجهل لم تحفر في مسجدنا؟!

فقال عبد المطلب: إني لحافر هذا البئر ومجاهد من صدني عنها.

فطفق هو وولده الحارث وليس له ولد يومئذ غيره، فسفه عليهما يومئذ ناس من قريش فنازعوها وقاتلوهما، وتناهى عنه ناس من قريش لما يعلمون من عتق نسبه وصدقه واجتهاده في دينهم.

حتى إذا أمكن الحفر واشتد عليه الأذى، نذر أن وفي له عشرة من الولدان ينحر أحدهم، ثم حفر حتى أدرك سيوفاً دفنت في زمزم حين دفنت، فلما رأت قريش أنه قد أدرك السيوف قالوا: يا عبد المطلب أجدنا مما وجدت.

فقال عبد المطلب: هذه السيوف لبيت الله.

فحفر حتى انبط الماء في التراب وفجرها حتى لا تنزف وبنى عليها حوضاً، فطفق هو وابنه ينزعان فيملآن ذلك الحوض فيشربه الحاج، فيكسره أناس حسدة من قريش فيصلحه عبد المطلب حين يصبح.

فلما أكثروا فساده دعا عبد المطلب ربه، فأريَ في المنام فقيل له: قل اللهمَّ لا أحلها المغتسل ولكن هي للشاربين حل وبل ثم كفيتهم.

فقام عبد المطلب حين اختلفت قريش في المسجد، فنادى بالذي أرى ثم انصرف فلم يكن يفسد حوضه ذلك عليه أحد من قريش إلا رمى في جسده بداء حتى تركوا حوضه وسقايته، ثم تزوّج عبد المطلب النساء فولد له عشرة رهط.

فقال: اللهمَّ إني كنت نذرت لك نحر أحدهم وإني أقرع بينهم فأصيب بذلك من شئت.

فأقرع بينهم فطارت القرعة على عبد الله، وكان أحب ولده إليه فقال عبد المطلب: اللهم هو أحب إليك أم مائة من الابل؟

ثم أقرع بينه وبين المائة من الإِبل فطارت القرعة على المائة من الإِبل، فنحرها عبد المطلب.

وأخرج الأزرقي والبيهقي في الدلائل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال عبد المطلب: إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت فقال: أحفر طيبة.

قلت: وما طيبة؟

فذهب عني، فلما كان من الغد رجعت إلى مضجعي فنمت به، فجاءني فقال: احفر زمزم.

فقلت: وما زمزم؟

قال: لا تنزف ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم عند قرية النمل.

قال: فلما أبان له شأنها ودل على موضعها وعرف أن قد صدق غدا بمعول ومعه ابنه الحارث ليس له يومئذ غيره فحفر، فلما بدا لعبد المطلب الطي كبر فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه فقالوا: يا عبد المطلب إنها بئر إسماعيل، وإن لنا فيها حقاً فأشركنا معك فيها؟

فقال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم.

قالوا: فأنصفنا فإنَّا غير تاركيك حتى نحاكمك.

قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم.

قالوا: كاهنة من سعد هذيل.

قال: نعم- وكانت باشراف الشام- فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني عبد مناف، وركب من كل ركب من قريش نفر- والأرض إذ ذاك مفاوز- فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض المفاوز بين الحجاز والشام فنى ماء عبد المطلب وأصحابه فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة، فاستسقوا ممن معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم وقالوا: إنا في مفازة نخشى فيها على أنفسنا مثل ما أصابكم.

فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم وما يتخوف على نفسه وأصحابه قال: ماذا ترون؟

قالوا: ما رأينا الا تبع لرأيك فمرنا ما شئت.

قال: فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم لنفسه لما بكم الآن من القوة، كلما مات رجل دفنه أصحابه في حفرته ثم واروه حتى يكون آخركم رجلاً فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعاً.

قالوا: سمعنا ما أردت.

فقام كل رجل منهم يحفر حفرته، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشاً، ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه: والله إن إلقاءنا بأيدينا لعجز ما نبتغي لأنفسنا حيلة، عسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد ارحلوا، فارتحلوا حتى فرغوا ومن معهم من قريش ينظرون إليهم وما هم فاعلون، فقام عبد المطلب إلى راحلته فركبها، فلما انبعثت انفجرت من تحت خفها عين من ماء عذب، فكبر عبد المطلب وكبر أصحابه، ثم نزل فشرب وشربوا واستقوا حتى ملأوا سقيتهم، ثم دعا القبائل التي معه من قريش فقال: هلم الماء قد سقانا الله تعالى فاشربوا واستقوا.

فقالت القبائل التي نازعته: قد- والله- قضى الله لك يا عبد المطلب علينا، والله لا نخاصمك في زمزم.

فارجع إلى سقايتك راشداً.

فرجع ورجعوا معه ولم يمضوا إلى الكاهنة، وخلوا بينه وبين زمزم.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجة وعمر بن شبة والفاكهاني في تاريخ مكة والطبراني في الأوسط وابن عدي والبيهقي في سننه من طريق أبي الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ماء زمزم لما شرب له» .

وأخرج المستغفري في الطب عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ماء زمزم لما شرب له، من شربه لمرض شفاه الله، أو جوع أشبعه الله، أو لحاجة قضاها الله» .

وأخرج الدينوري في المجالسة عن الحميدي- وهو شيخ البخاري رضي الله عنهما- قال: كنا عند ابن عينية فحدثنا بحديث ماء زمزم لما شرب له، فقام رجل من المجلس ثم عاد فقال: يا أبا محمد ليس الحديث الذي قد حدثتنا في زمزم صحيحاً.

فقال: بلى.

فقال الرجل: فإني شربت الآن دلواً من زمزم على أن تحدثني بمائة حديث.

فقال سفيان رضي الله عنه: اقعد فقعد.

فحدثه بمائة حديث.

وأخرج الفاكهاني في تاريخ مكة عن عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال: حج معاوية رضي الله عنه وحججنا معه، فلما طاف بالبيت صلى عند المقام ركعتين، ثم مر بزمزم وهو خارج إلى الصفا فقال: يا غلام انزع لي منها دلواً.

فنزع له دلواً يشرب وصب على وجهه، وخرج وهو يقول: ماء زمزم لما شرب له.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ماء زمزم لما شرب له» .

وأخرج الحافظ أبو الوليد بن الدباغ رضي الله عنه في فوائده والبيهقي والخطيب في تاريخه عن سويد بن سعيد رضي الله عنه قال: رأيت ابن المبارك رضي الله عنه أتى زمزم، فملأ إناء ثم استقبل الكعبة فقال: اللهم إن ابن أبي الموالي حدثنا عن ابن المنكدر عن جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ماء زمزم لما شرب له» وهو ذا أشرب هذا لعطش يوم القيامة.

ثم شربه.

وأخرج الحكيم الترمذي من طريق أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ماء زمزم لما شرب له» قال الحكيم: وحدثني أبي قال: دخلت الطواف في ليلة ظلماء، فأخذني من البول ما شغلني، فجعلت أعتصر حتى آذاني، وخفت ان خرجت من المسجد أن أطأ بعض تلك الأقذار وذلك أيام الحج، فذكرت هذا الحديث، فدخلت زمزم فتضلعت منه، فذهب عني إلى الصباح.

وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير ماء على وجه الأرض زمزم، فيه طعام من الطعم، وشفاء من السقم» .

وأخرج ابن أبي شيبة والفاكهاني والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «زمزم خير ماء يعلم، وطعام يطعم، وشفاء سقم» .

وأخرج الترمذي والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تحمل ماء زمزم في القوارير، وتذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، وكان يصب على المرضى ويسقيهم.

وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن صفية رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ماء زمزم شفاء من كل داء» .

وأخرج الدارقطني والحاكم وصححه من طريق مجاهد رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ماء زمزم لما شرب له، فإن شربته تشتفي به شفاك الله، وان شربته مستعيذاً أعاذك الله، وإن شربته ليقطع ظمؤك قطعه الله، وإن شربته لشبعك أشبعك الله، وهي عزيمة جبريل، وسقيا إسماعيل عليهما السلام.

قال: وكان ابن عباس رضي الله عنهما إذا شرب ماء زمزم قال: اللهمَّ إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاء من كل داء» .

وأخرج عبد الرزاق وابن ماجة والطبراني والدارقطني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن عثمان بن الأسود رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: من أين جئت؟

قال: شربت من زمزم فقال: اشرب منها كما ينبغي.

قال: وكيف ذاك يا أبا عباس؟

قال: إذا شربت منها فاستقبل القبلة واذكر اسم الله واشرب وتنفس ثلاثاً وتضلع منها، فإذا فرغت فاحمد الله فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم» .

وأخرج الأزرقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة زمزم، فأمر بدلو انتزع له من البئر فوضعها على شفة البئر، ثم وضع يده من تحت عراقي الدلو، ثم قال: بسم الله.

ثم كرع فيها فأطال، فرفع رأسه فقال: الحمد لله.

ثم دعا فقال: بسم الله.

ثم كرع فيها فأطال وهو دون الأول، ثم رفع رأسه فقال: الحمد لله.

ثم دعا فقال: بسم الله.

ثم كرع فيها وهو دون الثاني، ثم رفع فقال: الحمد لله.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: علامة ما بيننا وبين المنافقين لم يشربوا منها قط حتى يتضلعوا» .

وأخرج الأزرقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم «التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق» .

وأخرج الأزرقي عن رجل من الأنصار عن أبيه عن جده «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: علامة ما بيننا وبين المنافقين أن يدلوا دلواً من ماء زمزم فيتضلعوا منها، ما استطاع منافق قط أن يتضلع منها» .

وأخرج الأزرقي عن الضحاك بن مزاحم رضي الله عنه قال: بلغني أن التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق، وأن ماءها مذهب بالصداع، وأن الاطلاع فيها يجلو البصر، وأنه سيأتي عليها زمان تكون أعذب من النيل والفرات.

وأخرج ابن أبي شيبة والأزرقي والفاكهاني عن كعب رضي الله عنه قال: إني لأجد في كتاب الله المنزل أن زمزم طعام طعم، وشفاء سقم.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والأزرقي عن عبد الله بن عثمان بن خثيم رضي الله عنه قال: قدم علينا وهب بن منبه مكة فاشتكى، فجئنا نعوده فإذا عنده من ماء زمزم، فقلنا: لو استعذبت فإن هذا ماء فيه غلظ.

قال: ما أريد أن أشرب حتى أخرج منها غيره، والذي نفس وهب بيده إنها لفي كتاب الله مضنونة، وإنها لفي كتاب الله طعام طعم، وشفاء سقم، والذي نفس وهب بيده لا يعمد إليها أحد فيشرب منها حتى يتضلع إلا نزعت داء وأحدثت له شفاء.

وأخرج الأزرقي عن كعب رضي الله عنه.

أنه قال: لزمزم أنا نجدها مضنونة ضن بها لكم، وأول من سقي ماءها إسماعيل عليه السلام، طعام طعم وشفاء سقم.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وسعيد بن منصور والأزرقي والحكيم الترمذي عن مجاهد رضي الله عنه قال: ماء زمزم لما شرب له، إن شربته تريد الشفاء شفاك الله، وإن شربته لظمأ رواك الله، وإن شربته لجوع أشبعك الله، وهي هزمة جبريل عليه السلام بعقبه، وسقيا الله لإسمعيل عليه السلام.

وأخرج بقية عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: خير واد في الناس وادي مكة، ووادي الهند الذي هبط به آدم عليه السلام، ومنه يؤتى بهذا الطيب الذي تطيبون به.

وشر واد الناس واد بالأحقاف، ووادي حضرموت يقال له برهوت، وخير بئر في الناس بئر زمزم، وشر بئر في الناس بئر برهوت، وإليها تجتمع أرواح الكفار.

وأخرج الأزرقي من طريق عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صلوا في مصلى الأخيار، واشربوا من شراب الأبرار.

قيل لابن عباس: ما مصلى الأخيار؟

قال: تحت الميزاب.

قيل: وما شراب الأبرار؟

قال: ماء زمزم.

وأخرج الأزرقي عن ابن جريج رضي الله عنه قال: سمعت أنه يقال: خير ماء في الأرض ماء زمزم، وشر ماء في الأرض ماء برهوت، شعب من شعب حضرموت.

وأخرج الأزرقي عن كعب الأحبار رضي الله عنه قال: إن إيليا وزمزم ليتعارفان.

وأخرج الأزرقي عن عكرمة بن خالد رضي الله عنه قال: بينما أنا ليلة في جوف الليل عند زمزم جالس إذا نفر يطوفون عليهم ثياب بيض لم أر بياض ثيابهم بشيء قط، فلما فرغوا صلوا قريباً منا، فالتفت بعضهم فقال لأصحابه اذهبوا بنا نشرب من شراب الأبرار.

فقاموا فدخلوا زمزم فقلت: والله لو دخلت على القوم فسألتهم.

فقمت فدخلت فإذا ليس فيها أحد من البشر.

وأخرج الأزرقي عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: تنافس الناس في زمزم في الجاهلية، حتى أن كان أهل العيال يغدون بعيالهم فيشربون فيكون صبوحاً لهم، وقد كنا نعدها عوناً على العيال.

وأخرج ابن أبي شيبة والأزرقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت زمزم تسمى في الجاهلية شباعه، وتزعم أنها نعم العون على العيال.

وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والأزرقي والبزار وأبو عوانة والبيهقي في سننه عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قدمت مكة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «متى كنت ههنا؟

قلت: أربع عشرة.

وفي لفظ: قلت ثلاثين من بين يوم وليلة.

قال: من كان يطعمك؟

قلت: ما كان لي طعام ولا شراب إلا ماء زمزم فما أجد على كيدي سحقة جوع، ولقد تكسرت عكن بطني.

إنها مباركة إنها طعام طعم، زاد الطيالسي وشفاء سقم» .

وأخرج الأزرقي عن رباح بن الأسود رضي الله عنه قال: كنت مع أهلي بالبادية، فابتعت بمكة فاعتقت، فمكثت ثلاثة أيام لا أجد شيئاً آكله، فكنت أشرب من ماء زمزم، فشربت يوماً فإذا أنا بصريف اللبن من بين ثناياي، فقلت: لعلي ناعس...

!

فانطلقت وأنا أجد قوة اللبن وشبعه.

وأخرج الأزرقي عن عبد العزيز بن أبي رواد رضي الله عنه.

أن راعياً كان يرعى وكان من العباد، فكان إذا ظمئ وجد فيها لبناً، وإذا أراد أن يتوضأ وجد فيها ماء.

وأخرج الأزرقي عن الضحاك بن مزاحم رضي الله عنه قال: إن الله يرفع المياه قبل يوم القيامة غير زمزم، فتغور المياه غير زمزم، وتلقي الأرض ما في بطنها من ذهب وفضة، ويجيء الرجل بالجراب فيه الذهب والفضة فيقول: من يقبل هذا مني؟

فيقول: لو أتيتني به أمس قبلته.

وأخرج الأزرقي عن زر بن حبيش قال: رأيت عباس بن عبد المطلب في المسجد الحرام وهو يطوف حول زمزم يقول: لا أحلها لمغتسل وهي لمتوضئ وشارب حلُّ وبلٌّ.

وأخرج الأزرقي عن ابن أبي حسين «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى سهيل بن عمرو يستهديه من ماء زمزم، فبعث له براويتين» .

وأخرج عبد الرزاق والأزرقي عن ابن جريج عن ابن أبي حسين واسمه عبد الله بن أبي عبد الرحمن قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سهيل بن عمرو «إن جاءك كتابي ليلاً فلا تُصبِحَنَّ، وإن جاءك نهار فلا تُمْسِيَنَّ حتى تبعث إليَّ بماء من زمزم، فملأ له مزادتين وبعث بهما على بعير» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استهدى سهيل بن عمرو رضي الله عنه من ماء زمزم.

وأخرج ابن سعد عن أم أيمن رضي الله عنهما قالت «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم شكا صغيراً ولا كبيراً جوعاً ولا عطشاً، كان يغدو فيشرب من ماء زمزم فاعرض عليه الغداء فيقول: لا أريده أنا شبعان» .

وأخرج الدارقطني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خمس من العبادة: النظر إلى المصحف، والنظر إلى الكعبة، والنظر إلى الوالدين، والنظر في زمزم وهي تحط الخطايا، والنظر في وجه العالم» .

وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد رضي الله عنه.

أنه كان إذا شرب من زمزم قال: هي لما شربت له.

وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما من رجل يشرب من ماء زمزم حتى يتضلع إلا حطَّ الله به داء من جوفه، ومن شربه لعطش روي، ومن شربه لجوع شبع.

وأخرج عبد الرزاق عن طاوس رضي الله عنه قال: ماء زمزم طعام طعم، وشفاء سقم.

وأخرج الفاكهاني عن سعيد بن أبي هلال رضي الله عنه قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عيناً له إلى مكة فاقام بها ليالي يشرب من ماء زمزم، فلما رجع قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان عيشك؟

فأخبره أنه كان يأتي زمزم فيشرب من مائها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها شفاء من سقم وطعام من طعم» .

وأخرج أبو نعيم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان إذا أراد أن يتحف الرجل بتحفة سقاه من ماء زمزم.

وأخرج الفاكهاني عن مجاهد رضي الله عنه قال: كان ابن عباس رضي الله عنهما إذا نزل به ضيف أتحفه من ماء زمزم، ولا أطعم قوماً طعاماً إلا سقاهم من ماء زمزم.

وأخرج أبو ذر الهروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت أهل مكة لا يسابقهم أحد إلا سبقوه، ولا يصارعهم أحد إلا صرعوه حتى رغبوا عن ماء زمزم.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن مجاهد رضي الله عنه قال: كانوا يستحبون إذا ودعوا البيت أن يأتوا زمزم فيشربوا منها.

وأخرج السلفي في الطيوريات عن ابن حبيب رضي الله عنه قال: زمزم شراب الأبرار، والحجر مصلى الأخيار.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم نعت المهاجرين فقال: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إلى قوله: ﴿ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أي من الذين افتخروا بعمارة البيت وسقي الحاج، فإن قيل: إنهم كانوا كفارًا فكيف جاز في صفة المؤمنين أنهم أعظم درجة عند الله منهم، ولا درجة لهم عند الله؟

قيل: هذا على ما كانوا يقدرون هم لأنفسهم وإن كان ذلك التقدير خطأ (١) (٢) ﴿ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا  ﴾ ، وقال الزجاج: "المعنى: أعظم من غيرهم درجة" (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾ معنى الفوز في اللغة: الظفر بالبغية وإدراك الطلبة (٤) (٥) (٦) (١) في (ح): حقًّا، والصواب ما أثبته من (ى) و (م).

(٢) (كقوله) ساقط من (ح).

(٣) اهـ.

كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 438.

(٤) انظر: "الصحاح" (فوز) 3/ 890، و"تهذيب اللغة" 3/ 2718 (فاز).

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 439.

(٦) انظر: "البسيط" آل عمران: 185.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مساجد الله ﴾ أي ليس لهم ذلك بالحق والواجب، وإن كانوا قد عمروها تغليباً وظلماً، ومن قرأ مساجد بالجمع أراد جميع المساجد، ومن قرأ بالتوحيد أراد المسجد الحرام ﴿ شاهدين على أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ﴾ أي أن أحوالهم وأقوالهم تقتضي الإقرار بالكفر، وقيل: الإشارة إلى قولهم في التلبية: لا شريك لك إلا شريكاً هو لك ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج ﴾ الآية: سببها أن قوماً من قريش افتخروا بسقاية الحاج، وبعمارة المسجد الحرام؛ فبين الله أن الجهاد أفضل من ذلك، ونزلت الآية في علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وطلحة بن شيبة افتخروا فقال طلحة أنا صاحب البيت وعندي مفاتحه.

وقال العباس: أنا صاحب السقاية، وقال علي: لقد أسلمت قبل الناس، وجاهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مسجد الله ﴾ ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون: على الجمع ﴿ يبشرهم ﴾ خفيفاً: حمزة ﴿ وعشيراتكم ﴾ على الجمع: أبو بكر وحماد وجبلة ﴿ وضاقت ﴾ ونحو ممالة: حمزة ﴿ رحبت ثم ﴾ مظهراً: أبو جعفر ونافع وابن كثير وخلف ويعقوب وعاصم غير الأعشى.

الوقوف: ﴿ بالكفر ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ المهتدين ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه لئلا يشتبه بالوصف ﴿ وأنفسهم ﴾ لا لأن ما بعده خبر "الذين" ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ مقيم ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ على الإيمان ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ بأمره ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ كثيرة ﴾ لا لعطف الظرف على الظرف ﴿ حنين ﴾ لا لأن "إذ" ظرف ﴿ نصركم ﴾ .

﴿ مدبرين ﴾ ه ج للآية والعطف.

﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ هذا ﴾ ج ﴿ إن شاء ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه.

التفسير: إنه  بدأ السورة بذكر البراءة من المشركين وبالغ في إيجاب ذلك بتعداد فضائحهم وقبائحهم، ثم أراد يحكي شبهاتهم التي كانوا يحتجون في أن هذه البراءة غير جائزة مع الجواب عنها.

قال المفسرون: لما أسر العباس يوم بدر أقبل عليه المسلمون فعيروه بالكفر وقطيعة الرحم وأغلظ علي  له القول فقال العبّاس: ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا؟

فقال علي  ألكم محاسن؟

فقال: نعم إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ونفك العاني فأنزل الله تعالى رداً عليهم ﴿ ما كان للمشركين ﴾ ما صح لهم وما استقام ﴿ أن يعمروا مسٰجد الله ﴾ يعني المسجد الحرام.

ومن قرأ على الجمع فإما أن يراد جميع المساجد فيشمل المسجد الحرام أيضاً الذي هو أشرفها وهذا آكد لأن طريقه طريق الكناية كما لو قلت: فلان لا يقرأ كتب الله كنت أنفي لقراءته القرآن من تصريحك بذلك، أو يراد المسجد الحرام وجمع لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها فعامره كعامر جميع المساجد، أو لأن بقعة منه مسجد.

قال الفراء: العرب قد تضع الواحد مكان الجمع كقولهم: فلان كثير الدرهم، وبالعكس كقولهم: فلان يجالس الملوك ولعله لم يجالس إلا ملكاً واحداً.

وعمارة المسجد إما لزومه وإما كثرة إتيانه للصلاة والاعتكاف، ولا شك أنه ليس للمشرك ذلك وإما مرمته وتعهده، وليس للمشرك هذا أيضاً لأنه يجري مجرى الإنعام على المسلمين ولا ينبغي أن يكون للكافر منه على أهل الإسلام، ولأن دخوله المسجد يؤدي إلى تلوث المسجد إما لكونه نجساً في الحكم، وإما لأنه قلما يحترز من النجاسات.

وما روي أنه صلى الله عليه وآله أنزل وفد ثقيف في المسجد وهم كفار وشدّ ثمامة بن أثال الحنفي على سارية من سواري المسجد محمول على تعظيم شأنه  كأنه أراد أن يكون ذلك بمحضر منه وهو في المسجد.

وقوله ﴿ شاهدين على أنفسهم ﴾ حال من الواو في ﴿ يعمروا ﴾ والمعنى ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارة معابد الله مع الكفر به.

وفي تفسير هذه الشهادة أقوال أصحها أنهم أقروا على أنفسهم بعبادة الأوثان وتكذيب النبي والقرآن ولهذا قال السدي: هي أن النصراني إذا قيل له ما أنت؟

قال: نصراني.

واليهودي يقول: يهودي، وعابد الوثن يقول: أنا عابد الوثن.

وقيل: هي قولهم في طوافهم "لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك".

وعن ابن عباس أنه قال: المراد أنهم يشهدون على محمد بالكفر.

وإنما جاز هذا التفسير لقوله  ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم  ﴾ ثم بيّن  ما هو الحق في هذا الباب فقال ﴿ أولئك حبطت أعمالهم ﴾ الصادرة عنهم كإكرام الوالدين وبناء الربط وإطعام الجائع لأنه لا يفيد مع الكفر طاعة لأن الكفر يوجب عقاب الأبد ولهذا قال ﴿ وفي النار هم خالدون ﴾ ولإفادة هذا التركيب الحصر احتجت الأشاعرة به على خلاص صاحب الكبيرة.

ثم وصف من له استئهال عمارة المسجد فقال ﴿ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ﴾ لأن المرء ما لم يعرف المبدأ والمعاد لا يصح منه التوجه إليه.

وإنما طوى ذكر الرسول تنبيهاً على أنه واسطة والتوجه الحقيقي من الله وإلى الله ولهذا ورد في الحديث: "المصلي يناجي ربه" .

وقيل: إن المشركين كانوا يقولون إن محمداً ادّعى رسالة الله طلباً للرياسة والملك فلنفي هذه التهمة ترك ذكره  .

وقيل: دل عليه بقوله ﴿ وأقام الصلاة وآتى الزكاة ﴾ لأنهما معلومتان من أفعاله  ولما في الصلاة من التشهد وقبلها الأذان والإقامة.

ثم إن إقامة الصلاة لا ريب أن فيها عمارة المسجد والحضور فيه، وأما إيتاء الزكاة فإنما كان سبباً للعمارة لأنه يحضر المسجد طوائف الفقراء والمساكين لأخذ الزكاة، ولأن إيتاء الزكاة واجب وبناء المسجد وإصلاحه نفل والإنسان ما لم يفرغ عن الواجب لم يشتغل بالنافلة، فلو لم يكن مؤدياً للزكاة فالظاهر أنه لم يشتغل بعمارة المسجد.

ثم قال ﴿ ولم يخش إلا الله ﴾ ليعلم أنه لو أتى المسجد وبناه رياء وسمعة لم يكن عامراً له.

فعلى المؤمن أن يختار في جميع الأحوال رضوان الله على غيره فإن ذلك لو ضره في العاجل فسينفعه في الآجل وفي إدخال كلمة "إنما" في صدر الآية تنبيه على أن من لم يكن موصوفاً بالصفات المذكورة لم يكن من أهل عمارة المسجد، وأن المسجد يجب صونه عن غير العبادة.

فقد روي عن النبي  أنه قال: "يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي يأتون المساجد فيقعدون فيها حلقاً ذكرهم الدنيا لا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة" وعنه  : "الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش" وقال صلى الله عليه وآله: قال الله  : "إن بيوتي في أرضي المساجد وإن زوّاري فيها عمارها فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحقّ على المزور أن يكرم زائره" ومن عمارة المساجد تعظيمها والدرس فيها وقمها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح.

فعن أنس عن النبي  : "من أسرج في مسجد سراجاً لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام في ذلك المسجد ضوؤه" .

وفي قوله ﴿ فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ﴾ حسم لأطماع الكفار في الانتفاع بأعمالهم فإن الموصوفين بالصفات المذكورة إذا كان اهتداؤهم المستعقب لصلاح حالهم في الدارين دائراً بين عسى ولعل فما ظنك باهتداء المشركين ومغبتهم؟

وفيه أن المؤمن يجب أن لا يغتر بالله عزّ وجلّ.

هذا وقد مر أن بعض الأئمة ذهبوا إلى أن "عسى" من الله الكريم واجب.

وقال بعضهم: إن الرجاء راجع إلى العباد.

ثم إنه قال ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ ومعناه هبوا أن عمارة المسجد وسقي الحجيج يوجب لكم نوعاً من الفضيلة إلا أن هذه الأعمال في مقابلة الإيمان بالله والجهاد شيء نزر.

قال المفسرون: إنها نزلت في مناظرة جرت بين فريقين إلا أنهم اختلفوا فقيل: "كافر" و "مؤمن" لقوله ﴿ كمن آمن ﴾ وقصة ما مر أن العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم بدر قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد فلقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج.

وروي أن المشركين قالوا لليهود: نحن سقاة الحجيج وعمار المسجد الحرام أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه؟

فقالت اليهود لهم: أنتم أفضل.

وقيل: إن كلا الفريقين مؤمن لقوله ﴿ أولئك أعظم درجة ﴾ وهذا يقتضي أن يكون للمفضول أيضاً درجة.

وقصته ما روى عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله  فقال رجل: لا أبالي أن لا أعمل عملاً بعد أن أسقي الحاج.

وقال الآخر: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد أن أعمر المسجد الحرام.

وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم: فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله  وذلك يوم الجمعة ولكني إذا صليت دخلت فاستفتيت رسول الله  فيما اختلفتم فيه ففعل فأنزل الله الآية.

ويروى عن الحسن والشعبي أن طلحة قال: أنا صاحب البيت بيدي مفاتحه ولو أشاء بت فيه.

وقال العباس: وذلك بعد إسلامه أنه صاحب السقاية والقائم عليها.

وقال عليّ  : ما أدري ما تقولان لقد صليت ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد فنزلت.

وعن ابن سيرين: قال عليّ  للعباس بعد إن كان أسلم: ألا تهاجر ألا تلحق بالنبي  ؟

فقال: ألست في أفضل من الهجرة، ألست أسقي حاج بيت الله وأعمر المسجد الحرام؟

فنزلت هذه الآية.

فقال العباس: ما أراني إلا ترك سقايتنا.

فقال النبي  : "أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيراً" .

والسقاية والعمارة مصدران من سقي وعمر، ولا بد من تقدير مضاف أي أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن، أو أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كخصال من آمن؟

ثم كان لسائل أن يسأل ما بال أحد الفريقين لا يشبه بالآخر فلا جرم قال مستأنفاً ﴿ لا يستوون عند الله ﴾ ثم صرح بالمفضول فقال ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ أي المشركين ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ وأي ظلم أشنع من وضع أخس الموجودات وهو الأصنام مقام أشرفها وهو الله  .

وإنما لم يهدهم الله لعدم قابلية وقع في استعدادهم الفطري.

وذلك لكونهم مظاهر القهر فافهم.

ثم صرح بالفريق الفاضل فقال ﴿ الذين آمنوا ﴾ الآية.

ثم من قال إن الفريقين المتناظرين كافر ومؤمن أورد عليه أن قوله: ﴿ أعظم درجة ﴾ وجب أن يكون للمفضول أيضاً درجة ولكنه ليس للكافر درجة.

وأجيب بأن هذا وارد على حسب ما كانوا يقدرونه لأنفسهم من الدرجة والفضيلة نظيره قوله: ﴿ أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم ﴾ .

أو المراد أنهم أعظم درجة من كل من لم يكن موصوفاً بالهجرة ولا الجهاد وإن كان مؤمناً فضلاً عن الكافر.

أو المراد ترجيح الإيمان والهجرة والجهاد على السقاية والعمارة.

ولا شك أنهما من أعمال والخير وموجبان للثواب لولا الكفر.

وفي قوله: ﴿ عند الله ﴾ تشريف عظيم لقوله ﴿ ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ﴾ وكذا في قوله ﴿ وأولئك هم الفائزون ﴾ لدلالته على انحصار الفوز فيهم.

ثم فسر الفوز بقوله ﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات ﴾ التنكير فيها يفيد أنها وراء وصف الواصف، قال المتكلمون: الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، فالتبشير بالرحمة والرضوان إشارة إلى غاية التعظيم ونهاية الإجلال والجنات إشارة إلى حصول المنافع العظيمة.

وقوله ﴿ لهم فيها نعيم ﴾ إشارة إلى خلوص تلك المنافع عن شوائب الكدورات.

ثم عبر عن دوامها بثلاثة ألفاظ مؤكدات أولها ﴿ مقيم ﴾ وثانيها ﴿ خالدين ﴾ وثالثها ﴿ أبداً ﴾ وقال أهل التحقيق: الفرح بالنعمة قد يكون من حيث إنها نعمة وقد يكون من حيث إن المنعم خصه بها كالسلطان إذا أعطى بعض الحاضرين تفاحة مثلاً، ثم النعمة قد تكون حسية وقد تكون عقلية فقوله ﴿ يبشرهم ربهم ﴾ إشارة إلى أعلى المراتب وهو مقام العارفين الذين نظرهم على مجرد سماع البشارة لا على المبشر به.

وقوله ﴿ برحمة منه ورضوان ﴾ إشارة إلى المرتبة الوسطى وهم العاكفون على عتبة اللذات الروحانية العقلية.

وقوله ﴿ جنات ﴾ إلى آخره إشارة إلى المرتبة السفلى وهم الواقفون عند ساحات مواقع اللذات الحسيات.

وفي تخصيص الرب بالمقام إشارة إلى أن الذي رباكم في الدنيا بالنعم التي لا حد لها يبشركم بخيرات دائمة وسعادات باقية لا حصر لها.

ويجوز أن تكون الرحمة إشارة إلى رضا العبد بقضائه فيسهل عليه الغموم والآفات، والرضوان إشارة إلى رضاه عن العبد فيكون كقوله ﴿ ارجعي إلى ربك راضية مرضية  ﴾ ثم أكد المعاني المذكورة بقوله ﴿ الله عنده أجر عظيم ﴾ وفي تصدير الجملة الاسمية بأن وفي لفظ "عند" وتقديمه وتنكير "أجر" ووصفه بالعظم مبالغات لا تخفى.

قال الكلبي: لما أمر رسول الله  الناس بالهجرة إلى المدينة جعل الرجل يقول لأبيه ولأخيه ولقرابته إنا قد أمرنا بالهجرة فمنهم من يسرع إلى ذلك ويعجبه، ومنهم من تتعلق به زوجته وعياله وولده فيقولون: ننشدك الله أن لا تدعنا إلى غير شيء فنضيع فيرق فيجلس معهم ويدع فنزل فيهم ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ﴾ الآيتين.

وذكروا في وجه النظم أن هذه الآية جواب عن شبهة أخرى قالوها وهي أنه كيف يمكن دعوى البراءة من الكفار وبينهم وبين المسلمين قرابات ومواصلات ومعاملات؟

فذكر الله  أن الانقطاع عن الآباء والأبناء والإخوان واجب بسبب الكفر.

ومعنى استحبوا اختاروا وهو في الأصل طلب المحبة.

ثم إن النهي كان يحتمل أن يكون نهي تنزيه لا تحريم فلإزالة الوهم ختم الآية بقوله ﴿ ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون ﴾ قال ابن عباس: يريد أنه يكون مشركاً مثلهم لأن الرضا بالشرك شرك.

وعن النبي  : "لا يطعم أحدكم طعم الإيمان حتى يحب في الله ويبغض في الله حتى يحب في الله أبعد الناس ويبغض في الله أقرب الناس" .

وعن ابن عباس: هي في المهاجرين خاصة كان قبل فتح مكة من آمن لم يتم إيمانه إلا بأن يهاجر ويصارم أقاربه الكفرة ويقطع موالاتهم..

فقالوا: يا رسول الله إن نحن اعتزلنا من يخالفنا في الدين قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشائرنا وذهبت تجارتنا وهلكت أموالنا وخربت ديارنا ضائعين فنزلت ﴿ قل إن كان آباؤكم ﴾ الآية.

فهاجروا فجعل الرجل يأتيه ابنه وأبوه وأخوه أو بعض أقاربه فلا يلتفت إليه ولا ينزله ولا ينفق عليه ثم رخص لهم بعد ذلك.

وقيل: نزلت في التسعة الذين ارتدوا ولحقوا بمكة فنهى الله عزّ وجلّ عن موالاتهم.

قال الواحدي: عشيرة الرجل أهله الأدنون وهم الذين يعاشرونه.

ومن قرأ على الوحدة فلأن العشيرة اسم جمع.

ومن قرأ على الجمع فلأن كل واحد من المخاطبين له عشيرة.

قال الأخفش: لا تكاد العرب تجمع عشيرة على عشيرات وإنما يجمعونها على عشائر القرآن حجة عليه.

والاقتراب الاكتساب والتركيب يدور على الدنو والكاسب يدني الشيء من نفسه ويدخله تحت ملكه.

والترتيب المذكور في الآية غاية الحسن لأن أعظم الأسباب الداعية إلى المخالطة القرابة القريبة ثم البعيدة، ثم إنه يتوسل بتلك المخالطة إلى إبقاء الأموال المكتسبة ثم إلى التجارات المثمرة، وفي آخر المراتب الرغبة في الأوطان التي بنيت للسكنى، فبيّن  أنه يجب تحمل هذه المضار في الدنيا ليبقى الدين سليماً، وذكر أنه إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية أولى عندهم من طاعة الله وطاعة رسوله ومن المجاهدة في سبيل الله ﴿ فتربصوا ﴾ انتظروا بما تحبون ﴿ حتى يأتي الله بأمره ﴾ عن الحسن هو عقوبة عاجلة أو آجلة.

وقيل: يعني القتال.

وعن ابن عباس: هو فتح مكة وفيه بعد لما روي أن هذه السورة نزلت بعد فتح مكة ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ الخارجين عن طاعة الله إلى معصيته ولا يخفى ما فيه من التهديد.

ثم لما أوجب ترك مصالح الدنيا لأجل الدين أراد أن يبين أن كل من أعرض عن الدنيا لأجل مصالح دينه فإن الله  يراعي مصالح دنياه فيفوز بسعادة الدارين وضرب لنا مثلاً فقال ﴿ لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ﴾ قال الواحدي: النصر المعونة على الأعداء خاصة، والمواطن جمع موطن وهو كل موضع أقام به الإنسان لأمر.

ومواطن الحرب مقاماتها ومواقعها.

وامتناعها من الصرف لأنه على صيغة منتهى الجموع ولا هاء كمساجد.

والمواطن الكثيرة غزوات الرسول  وهي على ما في الصحاح تسع عشرة منها: غزوة بدر وقريظة والنضير وأحد وغزوة الخندق وذات الرقاع وغزوة بني المصطلق وغزوة أنمار وغزوة ذي قرد وخيبر والحديبية والفتح.

﴿ ويوم حنين ﴾ أي يوم حنين.

واستبعد صاحب الكشاف عطف الزمان على المكان فقال: معناه في أيام مواطن كثيرة ويوم حنين، وجوّز أن يراد بالموطن الوقت كمقتل الحسين  قال علي: أن الواجب أن يكون يوم ﴿ حنين ﴾ منصوباً بالفعل مضمر لا بهذا الظاهر أي ونصركم يوم حنين لأن قوله ﴿ إذ أعجبتكم كثرتكم ﴾ بدل من ﴿ يوم حنين ﴾ فلو جعلت ناصبه هذا الظاهر لم يصح لأن كثرتهم لم تعجبهم في جميع المواطن ولم يكونوا كثيراً في جميعها، وجوّز أن يكون "إذ" منصوباً بإضمار "اذكر".

قلت: ولعله لا حاجة إلى هذه التكلفات فلا استبعاد في عطف الزمان والمكان، وما جعل بدلاً عن الزمان لا يلزم أن يكون بدلاً عن المكان حتى يكون الفعل الأوّل مقيداً بهما جميعاً.

وحنين وداً بين مكة والطائف.

قال المفسرون: لما فتح رسول الله  مكة وقد بقيت أيام من شهر رمضان خرج متوجهاً إلى حنين لقتال هوازن وثقيف.

واختلفوا في عدد عسكر رسول الله  حينئذ فعن عطاء عن ابن عباس كانوا ستة عشر ألفاً.

وقال قتادة: كانوا اثني عشر ألفاً وعشرة الآف من الذين حضروا مكة وألفان من الطلقاء الأسارى الذين أعتقهم رسول الله  .

وقال الكلبي: كانوا عشرة آلاف.

وبالجملة كانوا عدداً كثيرين وكانت هوازن وثقيف أربعة آلاف، فلما التقوا قال رجل من المسلمين: لن نغلب اليوم من قلة.

فهذه الكلمة ساءت رسول الله  وهي المراد من قوله ﴿ إذ أعجبتكم ﴾ وقيل: قالها أبو بكر.

وقيل: رسول الله  وهو بعيد لأنه كان في جميع الأحوال متوكلاً على الله منقطع القلب عن الدنيا وأسبابها.

ثم قال ﴿ فلم تغن عنكم شيئاً ﴾ والإغناء إعطاء ما يدفع الحاجة أي لم تعطكم الكثرة شيئاً يدفع حاجتكم ولم تفدكم ﴿ وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ﴾ "ما" مصدرية والباء بمعنى "مع" والرحب السعة والجار والمجرور في موضع الحال أي متلبسة برحبها كقولك: دخلت عليه بثياب السفر، والمعنى أنكم لشدة ما لحقكم من الرعب لم تجدوا في الأرض ذات الطول والعرض موضعاً يصلح لهربكم إليه وكأنها ضاقت عليكم ﴿ ثم وليتم مدبرين ﴾ أي انهزمتم انهزاماً.

قال البراء بن عازب: كانت هوازن رماة فلما حملنا عليهم انكشفوا وأكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام فانكشف المسلمون عن رسول الله  ولم يبق معه إلا العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحرث، والذي لا إله إلا الله ما ولى رسول الله  دبره قط، ولقد رأيته وأبو سفيان أخذ بالركاب والعباس آخذ بلجام الدابة وهو يقول: أنا النبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطلب *** وطفق يركض بغلته نحو الكفار لا يبالي وكانت بغلته شهباء ثم قال للعباس: ناد المهاجرين والأنصار وكان العباس رجلاً صيتاً فنادى يا أصحاب الشجرة فرجعوا ونزلت الملائكة عليهم ثياب بيض وهم على خيول بلق، وأخذ رسول الله  بيده كفاً من الحصباء فرماهم بها وقال: شاهت الوجوه، فما زال جدهم مدبراً وحدهم كليلاً ولم يبق منهم أحد إلا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب فانهزموا وذلك قوله  ﴿ ثم أنزل الله سكينته ﴾ رحمته التي سكنوا بها وآمنوا ﴿ على رسوله وعلى المؤمنين ﴾ الذين كانوا انهزموا وعلى الذين ثبتوا مع رسول الله  حين وقع الهرب.

﴿ وأنزل الله جنوداً لم تروها ﴾ يعني الملائكة ستة عشر ألفاً أو ثمانية آلاف أو خمسة آلاف على اختلاف الروايات.

وعن سعيد بن المسيب قال: حدّثني رجل كان من المشركين يوم حنين: قال لما كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم فلما انتهينا إلى صاحب البلغة الشهباء تلقانا رجال بيض الوجوه حسان فقالوا: شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا وركبوا أكتافنا.

واختلفوا في قتال الملائكة فقيل: قاتلوا.

وقيل: ما قاتلوا إلا يوم بدر وإنما نزلوا في هذا اليوم لتكثير السواد ولإلقاء الخواطر الحسنة في قلوب المؤمنين.

ثم قال ﴿ وعذب الذين كفروا ﴾ أي بالقتل والأسر وأخذ الأموال وسبي الذراري.

واحتجت الأشاعرة بإنزال السكينة وهي داعية السكون والثبات وبقوله ﴿ وعذب ﴾ على أن الدواعي والأفعال كلها بخلق الله  .

ثم ختم الآية بقوله ﴿ وذلك جزاء الكافرين ﴾ واعلم أن الحنفية تمسكوا في مسألة الجلد مع التغريب بقوله  ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا  ﴾ قالوا الفاء للجزاء اسم للكافي وكون الجلد كافياً يمنع أن يكون غيره مشروعاً معه.

وأجابت الشافعية بأنه قال  في هذه الآية ﴿ ذلك ﴾ أي الأخذ والأسر ﴿ جزاء الكافرين ﴾ سمي العذاب العاجل جزاءً مع أنه غير كافٍ لأن العذاب الآجل باقٍ.

أما قوله ﴿ ثم يتوب الله من بعد ذلك ﴾ أي يسلم ناس منهم.

"روي أن ناساً منهم جاؤا تائبين فأسلموا وقالوا: يا رسول الله أنت خير الناس وأبرهم وقد سبي أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا.

قيل سبي يومئذ ستة آلاف نفس وأخذ من الإبل والغنم ما لا يحصى.فقال: إن عندي ما ترون العساكر الفقراء وإن خير القول أصدقه، اختاروا وإما ذراريكم ونساءكم وإما أموالكم.

قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئاً.

فقام رسول الله  فقال: إن هؤلاء جاؤا مسلمين وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئاً.

فمن كان بيده شيء وطابت نفسه أن يرده فشأنه ومن لا فليعطنا وليكن قرضاً علينا حتى نصيب شيئاً فنعطيه مكانه.

قالوا: رضينا وسلمنا فقال: إني لا أدري لعل فيكم من لا يرضى فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا.

فرفعت إليه  العرفاء أن قد رضوا" .

ثم إنه  أجاب عن شبهة أخرى لهم وذلك أن علياً  حين قرأ عليهم براءة فنبذ إليهم عهدهم قال أناس: يا أهل مكة ستعلمون ما تلقونه من الشدة لانقطاع السبل وفقد الحمولات فقال  ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس ﴾ قال في الكشاف: هو مصدر كالقذر ومعناه ذوو ونجس.

وقال الليث: إنه صفة يستوي فيه الواحد وغيره: رجل نجس وقوم نجس وامرأة نجس.

قلت ويجوز أن يجعل المصدر نغتاً للمبالغة في الوصف.

واختلف في تفسير كون المشرك نجساً فعن ابن عباس أن أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير.

وعن الحسن من صافح مشركاً توضأ وهو قول الهادي من أئمة الزيدية.

وأما الفقهاء فقد اتفقوا على طهارة أبدانهم واحتج القاضي على ذلك بما روي أنه  شرب من أوانيهم وبأنه لو كان نجس العين لما تبدلت النجاسة بسبب الإسلام، وأوّلوا الآية بأن معناها أنهم لا يغتسلون عن الجنابة ولا يتوضؤون عن الحدث، أو أنهم بمنزلة الشيء النجس في وجوب الاجتناب والاحتراز عنهم، أو أن كفرهم الذي هو صفة لهم بمنزلة النجاسة الملتصقة بالشيء ﴿ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾ وهي السنة التاسعة من الهجرة التي وقع النداء فيها بالبراءة من المشركين واختلفوا في هذا النهي فعن أبي حنيفة وأصحابه أن المراد أن لا يحجوا ولا يعتمروا كما كانوا يفعلونه في الجاهلية، والدليل عليه قول علي  في النداء: ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك.

وقال الشافعي: المراد المنع من الدخول فيه وهو ظاهر النص.

وقاس مالك سائر المساجد على المسجد الحرام في المنع من الدخول فيه.

وقيل: المراد أن يمنعوا من تولي المسجد الحرام والقيام بمصالحه ويعزلوا عن ذلك.

وعن عطاء أن المراد بالمسجد الحرام والحرم وأن على المسلمين أن لا يمكنوهم من دخوله، ونهي المشركين أن يقربوهراجع إلى نهي المسلمين عن تمكينهم منه لقوله ﴿ وإن خفتم عيلة ﴾ أي فقراً بسبب منع المشركين وموضع التجارات ليس هو عين المسجد بل الحرم كله.

ومن قال إن المراد منعهم من الحج قال إنهم إذا لم يحضروا الموسم لم يحصل للمسلمين ما كان لهم في قدومهم عليهم من الأرفاق والمكاسب فلهذا خافوا الفقر، ثم وعدهم الله إزالة الفقر بقوله ﴿ فسوف يغنيكم الله من فضله ﴾ أي من تفضله بوجه آخر قال عكرمة: أنزل الله عليهم المطر فكثر خيرهم.

وعن الحسن: جعل الله لهم أخذ الجزية بدلاً عن ذلك.

وقيل:أغناهم من الفيء.

وعن مقاتل: أسلم أهل جدة وصنعاء وجرش وحملوا الطعام إلى مكة فكان ذلك أعود عليهم.

واعلم أن هذا إخبار بالغيب وقد وقع فكان معجزاً.

ومعنى ﴿ إن شاء ﴾ تعليم وإرشاد وأن لا يغتر المسلمون بذلك فيتركوا التضرع إلى الله واللجأ إليه، وليعلم أن حصول ذلك لا يكون في كل الأوقات لأغراض ومقاصد لا يعلمها إلا ضابط الأمور ورابط الأسباب، ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن الله عليم ﴾ أي بأحوالكم ﴿ حكيم ﴾ لا يعطي ولا يمنع إلا عن حكمة وصواب.

التأويل: ما كان لمشركي النفوس الأمارة ﴿ أن يعمروا مساجد الله ﴾ وهي القلوب وهم مصرون على ما جبلوا عليه من التمرد وتعبد الهوى.

﴿ حبط أعمالهم ﴾ التي صدرت عنهم رياء وسمعة ﴿ إنما يعمر ﴾ القلوب ﴿ من آمن بالله واليوم الآخر ﴾ صدق بأن المقصود والمعبود هو الله، وعمل لنيل السعادات الأخروية وأدام المناجاة مع الله بصدق الطلب، وزكى نفسه عن الأخلاق الذميمة ولم يخف فوات الخطوط الدنيوية وإنما يخاف فوات الحقوق الإلهية.

﴿ سقاية الحاج ﴾ خدمة هذه الطائفة للأغراض الفاسدة ﴿ وعمارة المسجد الحرام ﴾ الأعمال الموجبة لعمارة القلوب إذا كانت مشوبة بالرياء والهوى ﴿ لا يستوون عند الله ﴾ الطالبون والبطالون ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ الذين يضعون الأعمال الصالحة في غير موضعها ﴿ الذين آمنوا ﴾ أي القلوب المؤمنة ﴿ وهاجروا ﴾ أي الأرواح المهاجرة إلى القوالب ﴿ وجاهدوا في سبيل الله ﴾ الجهاد الأكبر ﴿ بأموالهم وأنفسهم ﴾ ببذل الموجود والوجود جميعاً ﴿ يبشرهم ربهم ﴾ بعد الخلاص عن حبس الوجود بتجلي صفات لطفه وجنات الشواهد والكشوف ﴿ إن الله عنده أجر عظيم ﴾ أي من وصل إلى مقام العندية فالله يعظم أجره ﴿ لا تتخذوا آباءكم ﴾ الآيتان.

فيهما إشارة إلى أن آثر محبة المخلوق على محبة الخالق فقد أبطل الاستعداد الفطري لقبول الفيض الإلهي.

﴿ ويوم حنين ﴾ أي حين حنت قلوبكم شوقاً إلى لقاء ربها وحسبتم أنكم تبلغونه بكثرة الطاعات، وضاقت عليكم أرض الوجود ثم أعرضتم عن الطلب إذ احتجبتم بحجب العجب مدبرين إلى عالم الطبيعة الحيوانية ﴿ ثم أنزل الله سكينته ﴾ هي واردات ترد على الأرواح والقلوب فتسكن إلى ربها على رسول الروح وعلى القلوب المؤمنة ﴿ وأنزل جنوداً ﴾ من المواهب الربانية وعذب النفوس المتمردة باستعمالها في أحكام الشريعة وآداب الطريقة ﴿ ذلك جزاء الكافرين ﴾ أي علاج النفوس المتمردة ثم يتوب الله من بعد ذلكالعلاج بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ ، ﴿ إنما المشركون ﴾ النفوس العابدة للدنيا والشيطان والهوى ﴿ فلا يقربوا ﴾ القلب ﴿ بعد عامهم هذا ﴾ وهو حالة البلوغ وجريان قلم التكليف على الإنسان، نهى القلوب حينئذ عن اتباع النفوس وأمرها بقتالها ومنعها عن طوافها لئلا تنجس كعبة القلب بنجاسة شرك النفس وأوصافها الذميمة ﴿ وإن خفتم عيلة ﴾ حظوظاً يستلذ بها عند اتباع النفس ﴿ فسوف يغنيكم الله ﴾ بعد انقطاع تصرفات النفس عن القلب بالواردات الربانية والكشوف الروحانية ﴿ إن الله عليم ﴾ بمستحقي فضله ﴿ حكيم ﴾ فيما دبر من قتال النفوس.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ .

في الآية إضمار فعل أو فاعل لكي تصح المقابلة؛ لأنه إنما يقابل فعل بفعل، أو فاعل بفاعل، لا يقابل فعل بفاعل، ولا فاعل بفعل، فهاهنا ذكر السقاية وعمارة المسجد مقابل من آمن بالله، فهو - والله أعلم -: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر؟!

أو أن يقال: أجعلتم القائم بإصلاح سقاية الحاج وعامر المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر؟!

ليكون مقابلة شخس بشخص، أو فعل بفعل.

ثم لا يصح أن يجمع بين الكافر والمؤمن، فيقال: لا يستويان عند الله، وإن كان الكافر قد أتى بالمحاسن، إلا أن يقال: ليس من فعل محاسن في حال كفره ثم آمن من بعده كمن [آمن و] فعل محاسن وهو مؤمن، هذا يجوز أن يجمع فيقال: لا يستوون عند الله، وأما الكافر الذي مات على الكفر وإن عمل خيرات، والمؤمن الذي عمل الصالحات فمات على ذلك، فيجمع فيقال: لا يستويان فلا.

أو أن يقابل بالجهاد الذي ذكر: لا يستوي من بذل نفسه للقتل والتلف كمن سقى الحاج وعمر المسجد الحرام ولم يبذل نفسه لذلك؛ فأما أن يقال: لا يستوي الكافر والمؤمن، فذلك محتمل؛ لأنه إنما يقابل الشيء بالشيء إذا قرب بعضه من بعض، وأما عند البعد منه فلا يقال ولا يقابل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

ما داموا في ظلمهم، وما داموا اختاروا الظلم، لا يهديهم وقت اختيارهم الظلم، أو لقوم مخصوصين، وقد ذكرنا معناه في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ قوله: ﴿ آمَنُواْ ﴾ ، أي: صدقوا رسول الله في جميع ما يخبر عن الله أنه صادق، وفي جميع ما دعا إليه وأمرهم به ونهاهم عنه أنه محق، وإلا كانوا مؤمنين بالله؛ كقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ كانوا مؤمنين بالله، لكنهم يكذبون الرسل ورسالتهم.

أي: فارقوا آباءهم وإخوانهم وعشيرتهم وأموالهم ومنازلهم وبلدهم، وهجروا جميع ما تحبه أنفسهم وتهواه، وتميل إليه القلوب مما ذكر في الآية التي تتلو هذه الآية، وفارقوا ذلك الكل؛ إشفاقاً على دينهم؛ ليسلم ما لو أعطوا قبل الإسلام الدنيا وما فيها مما أوعدوا بكل وعيد وخوف، ما فارقوا آباءهم وإخوانهم وعشائرهم وأولادهم الذين ذكر في الآية، ثم إذا أسلموا فارقوهم وأجابوا رسول الله في ذلك ابتغاء مرضاة الله، وطلباً لرضوانه؛ ليعلم عظيم قدر الدين في قلوبهم، وخطير منزلته عندهم؛ ليعلم أن محن أصحاب رسول الله  أعظم وأشدّ من محننا؛ لأن محنهم كانت على خلاف عادتهم وخلاف ما طبعوا [عليه]؛ لأن الإنسان مطبوع على حب ما ذكرنا، مجبول عليه، فهم مع ذلك تركوا وفارقوا ذلك، وتحملوا كراهة ذلك؛ ابتغاء مرضاة ربهم.

وأما محننا: فإنها على سبق من العادة، فهي أهون وأيسر.

وقوله: ﴿ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ﴾ .

أي: بذلوا لله ألذ الأشياء وأحبها وهي الأموال والأنفس.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: من صدقوا بتوحيد الله، وهاجروا إلى المدينة، وجاهدوا العدو بأموالهم وأنفسهم - أعظم درجة عند الله من الذين افتخروا بعمران البيت وسقاية الحاج وهم كفار.

وكذلك قالوا في قوله: ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ولكن الوجه في ذلك عندنا ومعنى المقابلة: أولئك الذين ذكر أعظم درجة عند الله من الذين أسلموا [من بعد ولحقوا].

وقوله: ﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ ﴾ .

الفوز: هو الظفر في اللغة، أي: أولئك هم الظافرون بنعيم الله وكرامته، والناجون من عذاب الله ونقمته ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ ﴾ : بالنصر لهم في الدنيا، والظفر لهم على عدوهم؛ كقوله: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ  ﴾ إلى آخر ما ذكر، كله إنما كان برحمته.

ويحتمل [رحمة منه]: الثواب لهم في الآخرة والكرامة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرِضْوَانٍ ﴾ .

أي: يبشرهم - أيضاً - أن ربكم عنكم راض.

﴿ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ ﴾ .

أي: يبشرهم بجنات لهم فيها نعيم مقيم دائم، وكرامة ﴿ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ قال الحسن: ما سمى الله عظيماً فهو عظيم لا تدرك عظمته.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الذين جمعوا بين الإيمان بالله والهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، والجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس أعظم رتبة عند الله من غيرهم، وأولئك المتصفون بتلك الصفات هم الظافرون بالجنة.

من فوائد الآيات في الآيات دلالة على محبة الله لعباده المؤمنين واعتنائه بأحوالهم، حتى إنه جعل من جملة المقاصد الشرعية شفاء ما في صدورهم وذهاب غيظهم.

شرع الله الجهاد ليحصل به هذا المقصود الأعظم، وهو أن يتميز الصادقون الذين لا يتحيزون إلا لدين الله من الكاذبين الذين يزعمون الإيمان.

عُمَّار المساجد الحقيقيون هم من وُصِفوا بالإيمان الصادق، وبالقيام بالأعمال الصالحة التي أُمُّها الصلاة والزكاة، وبخشية الله التي هي أصل كل خير.

الجهاد والإيمان بالله أفضل من سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام بدرجات كثيرة؛ لأن الإيمان أصل الدين، وأما الجهاد في سبيل الله فهو ذروة سنام الدين.

<div class="verse-tafsir" id="91.rAQyn"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله