الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٣٢ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 89 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٢ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قول تعالى : يريد هؤلاء الكفار من المشركين وأهل الكتاب ( أن يطفئوا نور الله ) أي : ما بعث به رسوله من الهدى ودين الحق بمجرد جدالهم وافترائهم ، فمثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس ، أو نور القمر بنفخه ، وهذا لا سبيل إليه ، فكذلك ما أرسل الله به رسوله لا بد أن يتم ويظهر ؛ ولهذا قال تعالى مقابلا لهم فيما راموه وأرادوه : ( ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ) والكافر : هو الذي يستر الشيء ويغطيه ، ومنه سمي الليل " كافرا " ؛ لأنه يستر الأشياء ، والزارع كافرا ؛ لأنه يغطي الحب في الأرض كما قال : ( أعجب الكفار نباته ) [ الحديد : 20 ] .
القول في تأويل قوله : يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يريد هؤلاء المتخذون أحبارَهم ورهبانهم والمسيحَ ابن مريم أربابًا =(أن يطفئوا نور الله بأفواههم)، يعني: أنهم يحاولون بتكذيبهم بدين الله الذي ابتعثَ به رسوله، وصدِّهم الناسَ عنه بألسنتهم، أن يبطلوه, وهو النُّور الذي جعله الله لخلقه ضياءً (1) =(ويأبى الله إلا أن يتم نوره)، يعلو دينُه، وتظهر كلمته, ويتم الحقّ الذي بعث به رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم =(ولو كره) إتمامَ الله إياه =(الكافرون), يعني: جاحديه المكذِّبين به.
* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 16644- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم)، يقول: يريدون أن يطفئوا الإسلام بكلامهم.
------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير " الإطفاء " فيما سلف 10 : 458 .
قوله تعالى يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرونقوله تعالى يريدون أن يطفئوا نور الله أي دلالته وحججه على توحيده .
جعل البراهين بمنزلة النور لما فيها من البيان .
وقيل : المعنى نور الإسلام ، أي أن يخمدوا دين الله بتكذيبهم .بأفواههم ، جمع فوه على الأصل ؛ لأن الأصل في فم : فوه ، مثل حوض وأحواض .ويأبى الله إلا أن يتم نوره يقال : كيف دخلت ( إلا ) وليس في الكلام حرف نفي ، ولا يجوز : ضربت إلا زيدا .
فزعم الفراء أن ( إلا ) إنما دخلت لأن في الكلام طرفا من الجحد .
قال الزجاج : الجحد والتحقيق ليسا بذوي أطراف .
وأدوات الجحد : ما ، ولا ، وإن ، وليس .
وهذه لا أطراف لها ينطق بها ولو كان الأمر كما أراد لجاز : كرهت إلا زيدا ، ولكن الجواب أن العرب تحذف مع أبى .
والتقدير : ويأبى الله كل شيء إلا أن يتم نوره .
وقال [ ص: 55 ] علي بن سليمان : إنما جاز هذا في " أبى " لأنها منع أو امتناع فضارعت النفي .
قال النحاس : فهذا حسن ، كما قال الشاعر :وهل لي أم غيرها إن تركتها أبى الله إلا أن أكون لها ابنا
فلما تبين أنه لا حجة لهم على ما قالوه، ولا برهان لما أصَّلوه، وإنما هو مجرد قول قالوه وافتراء افتروه أخبر أنهم {يُرِيدُونَ} بهذا {أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ}. ونور اللّه: دينه الذي أرسل به الرسل، وأنزل به الكتب، وسماه اللّه نورا، لأنه يستنار به في ظلمات الجهل والأديان الباطلة، فإنه علم بالحق، وعمل بالحق، وما عداه فإنه بضده، فهؤلاء اليهود والنصارى ومن ضاهوه من المشركين، يريدون أن يطفئوا نور اللّه بمجرد أقوالهم، التي ليس عليها دليل أصلا. {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ} لأنه النور الباهر، الذي لا يمكن لجميع الخلق لو اجتمعوا على إطفائه أن يطفئوه، والذي أنزله جميع نواصي العباد بيده، وقد تكفل بحفظه من كل من يريده بسوء، ولهذا قال: {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} وسعوا ما أمكنهم في رده وإبطاله، فإن سعيهم لا يضر الحق شيئًا.
( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ) أي : يبطلوا دين الله بألسنتهم وتكذيبهم إياه .
وقال الكلبي : النور القرآن ، أي : يريدون أن يردوا القرآن بألسنتهم تكذيبا ، ( ويأبى الله إلا أن يتم نوره ) أي : يعلي دينه ويظهر كلمته ويتم الحق الذي بعث به محمدا صلى الله عليه وسلم ( ولو كره الكافرون ) .
«يريدون أن يطفئوا نور الله» شرعه وبراهينه «بأفواههم» بأقوالهم فيه «ويأبى الله إلا أن يتم» يظهر «نوره ولو كره الكافرون» ذلك.
يريد الكفار بتكذيبهم أن يبطلوا دين الإسلام، ويبطلوا حجج الله وبراهينه على توحيده الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ويأبى الله إلا أن يتم دينه ويظهره، ويعلي كلمته، ولو كره ذلك الجاحدون.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما يهدف إليه أهل الكتاب من وراء أقاويلهم الكاذبة ، ودعاواهم الباطلة فقال : ( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ ويأبى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون ) .والمراد بنور الله : دين الإِسلام الذى ارتضاه .
سبحانه - لعباده ديناً وبعث به رسوله ، صلى الله عليه وسلم ، وأعطاه من المعجزات والبراهين الدالة على صدقه ، وعلى صحته ما جاء به مما يهدى القلوب ، ويشفى النفوس ، ويجعلها لا تدين بالعبادة والطاعة إلا لله الواحد القهار .وقيل المراد بنور الله : حججه الدالة على وحدانيته - سبحانه - وقيل المراد به ، القرآن ، وقيل المراد به : نبوة النبى - صلى الله عليه وسلم - وكلها معان متقاربة .والمراد بإطفاء نور الله : محاولة طمسه وإبطاله والقضاء عليه ، بكل وسيلة يستطيعها أعداؤه ، كثغراهم للشبهات من حول تعاليمه ، وكتحريضهم لأتباعهم وأشياعهم على الوقوف فى وجهه ، وعلى محاربته .والمراد بأفواههم .
أقوالهم الباطلة الخارجة من تلك الأفواه التى تنطق بما لا وزن له ولا قيمة .والمعنى : يريد هؤلاء الكافريون بالحق من أهل الكتاب أن يقضوا على دين الإِسلام ، وأن يطمسوا تعاليمه السامية التى جاء بها نبيه - صلى الله عليه وسلم - عن طريق أقاويلهم الباطلة الصادرة عن أفواههم من غير أن يكون لها مصداق من الواقع تنطبق عليه ، أو أصل تستند إليه ، وإنما هى أقوال من قبيل اللغو الساقط المهمل الذى لا وزن له ولا قيمة .
.قال الآلوسى ما ملخصه : فى الكلام استعارة تمثيلية ، حيث شبه - سبحانه - حال أهل الكتاب فى محاولة إبطار نبوة النبى ، صلى الله عليه وسلم ، عن طريق تكذيبهم له ، بحال من ريد أن ينفخ فى نور عظيم مثبت فى الآفاق ليطفئه بنفخه ..وروعى فى كل من المشبه به معنى الإِفراط والتفريط ، حيث شبه الإِبطال والتكذيب بالإِطفاء بالفم ، ونسب النور إلى الله - تعالى - العظيم الشأن .ومن شأن النور المضاف إليه - سبحانه - أن يكون عظيما ، فكيف يطفأ بنفخ الفم .
.وقوله : ( ويأبى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون ) بشارة منه - سبحانه - للمؤمنين ، وتقرير لسنة التى لا تتغير ولا تتبدل فى جعل العاقبة للحق وأتباعه .والفعل ( يأبى ) هنا بمعنى لا ريد أو لا يرضى - أى : أنه جار مجرى النفى ، ولذا صح الاستثناء منه .قال أبو السعود : وإنما صح الاستثناء المفرغ - وهو قوله ( إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ ) .
من الموجب ، وهو قوله ( ويأبى الله ) - لكونه بمعنى النفى ، ولوقوعه فى مقابلة قوله : ( يُرِيدُونَ ) ، وفيه من المبالغة والدلالة على الامتناع ما ليس فى نفى الإِرادة ، أى : لا يريد شيئا من الأشياء إلا إتمام نوره فيندرج فى المسثنى منه بقاؤه على ما كان عليه ، فضلا عن الإِطفاء .وفى إظهار " النور " فى مقام الإِضمار مضافا إلى ضميره - سبحانه - زيادة اعتناء بشأنه ، وتشريف له على تشريف ، وإشعار بعلة الحكم .وجواب ( وَلَوْ ) فى قوله ( وَلَوْ كَرِهَ الكافرون ) محذوف لدلالة ما قبله عليه .والمعنى : يريد أعداء الله أن يطفئوا نور الله بأفواههم ، والحال أن الله - تعالى - لا يريد إلا إتمام هذا النور ، ولو كره الكافرون هذا الإِتمام - سبحانه - دون أن يقيم لكراهتهم وزنا .فالآية الكريمة وعد من الله ، تعالى للمؤمنين بإظهار دينهم وإعلاء كلمتهم لكى يمضوا قدماً إلى تنفيذ ما كلهم الله به بدون إبطاء أو تثاقل ، وهى فى الوقت نفسه تتضمن فى ثناياها الوعيد لهؤلا الضالين وأمثالهم .-
اعلم أن المقصود منه بيان نوع ثالث من الأفعال القبيحة الصادرة عن رؤساء اليهود والنصارى، وهو سعيهم في إبطال أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وجدهم في إخفاء الدلائل الدالة على صحة شرعه وقوة دينه، والمراد من النور: الدلائل الدالة على صحة نبوته، وهي أمور كثيرة جداً.
أحدها: المعجزات القاهرة التي ظهرت على يده، فإن المعجز إما أن يكون دليلاً على الصدق أو لا يكون، فإن كان دليلاً على الصدق، فحيث ظهر المعجز لابد من حصول الصدق، فوجب كون محمد صلى الله عليه وسلم صادقاً، وإن لم يدل على الصدق قدح ذلك في نبوة موسى وعيسى عليهما السلام.
وثانيها: القرآن العظيم الذي ظهر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم مع أنه من أول عمره إلى آخره ما تعلم وما طالع وما استفاد وما نظر في كتاب، وذلك من أعظم المعجزات.
وثالثها: أن حاصل شريعته تعظيم الله والثناء عليه، والانقياد لطاعته وصرف النفس عن حب الدنيا، والترغيب في سعادات الآخرة.
والعقل يدل على أنه لا طريق إلى الله إلا من هذا الوجه.
ورابعها: أن شرعه كان خالياً عن جميع العيوب، فليس فيه إثبات ما لا يليق بالله، وليس فيه دعوة إلى غير الله، وقد ملك البلاد العظيمة، وما غير طريقته في استحقار الدنيا، وعدم الالتفات إليها، ولو كان مقصوده طلب الدنيا لما بقي الأمر كذلك، فهذه الأحوال دلائل نيرة وبراهين قاهرة في صحة قوله، ثم إنهم بكلماتهم الركيكة وشبهاتهم السخيفة، وأنواع كيدهم ومكرهم، أرادوا إبطال هذه الدلائل، فكان هذا جارياً مجرى من يريد إبطال نور الشمس بسبب أن ينفخ فيها، وكما أن ذلك باطل وعمل ضائع، فكذا هاهنا، فهذا هو المراد من قوله: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم ﴾ ثم إنه تعالى وعد محمداً صلى الله عليه وسلم مزيد النصرة والقوة وإعلاء الدرجة وكمال الرتبة فقال: ﴿ ويأبى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون ﴾ .
فإن قيل: كيف جاز أبى الله إلا كذا، ولا يقال كرهت أو أبغضت إلا زيداً؟
قلنا: أجرى (أبى) مجرى لم يرد، والتقدير: ما أراد الله إلا ذلك، إلا أن الإباء يفيد زيادة عدم الإرادة وهي المنع والامتناع، والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «وإن أرادوا ظلمنا أبينا» فامتدح بذلك، ولا يجوز أن يمتدح بأنه يكره الظلم، لأن ذلك يصح من القوي والضعيف، ويقال: فلان أبى الضيم، والمعنى ما ذكرناه، وإنما سمى الدلائل بالنور لأن النور يهدي إلى الصواب فكذلك الدلائل تهدي إلى الصواب في الأديان.
<div class="verse-tafsir"
مثل حالهم في طلبهم أن يبطلوا نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم بالتكذيب، بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم منبث في الآفاق، يريد الله أن يزيده ويبلغه الغاية القصوى في الإشراق أو الإضاءة.
ليطفئه بنفخة ويطمسه ﴿ لِيُظْهِرَهُ ﴾ ليظهر الرسول عليه السلام ﴿ عَلَى الدين كُلّهِ ﴾ على أهل الأديان كلهم.
أو ليظهر دين الحق على كل دين.
فإن قلت: كيف جاز، أبى الله إلاّ كذا، ولا يقال: كرهت أو أبغضت إلا زيداً؟
قلت: قد أجرى (أبى) مجرى (لم يرد) ألا ترى كيف قوبل ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ ﴾ بقوله: ﴿ ويأبى الله ﴾ وكيف أوقع موقع ولا يريد الله إلاّ أن يتمّ نوره.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ بِأنْ أطاعُوهم في تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ وتَحْلِيلِ ما حَرَّمَ اللَّهُ أوْ بِالسُّجُودِ لَهم.
﴿ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ بِأنْ جَعَلُوهُ ابْنًا لِلَّهِ.
﴿ وَما أُمِرُوا ﴾ أيْ وما أُمِرَ المُتَّخِذُونَ أوِ المُتَّخَذُونَ أرْبابًا فَيَكُونُ كالدَّلِيلِ عَلى بُطْلانِ الِاتِّخاذِ.
﴿ إلا لِيَعْبُدُوا ﴾ لِيُطِيعُوا.
﴿ إلَهًا واحِدًا ﴾ وهو اللَّهُ تَعالى وأمّا طاعَةُ الرَّسُولِ وسائِرِ مَن أمَرَ اللَّهُ بِطاعَتِهِ فَهو في الحَقِيقَةِ طاعَةُ اللَّهِ.
﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ أوِ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلتَّوْحِيدِ.
﴿ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ.
﴿ يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا ﴾ يُخْمِدُوا.
﴿ نُورَ اللَّهِ ﴾ حُجَّتَهُ الدّالَّةَ عَلى وحْدانِيِّتِهِ وتَقَدُّسِهِ عَنِ الوَلَدِ، أوِ القُرْآنَ أوْ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ .
﴿ بِأفْواهِهِمْ ﴾ بِشِرْكِهِمْ أوْ بِتَكْذِيبِهِمْ.
﴿ وَيَأْبى اللَّهُ ﴾ أيْ لا يَرْضى.
﴿ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ﴾ بِإعْلاءِ التَّوْحِيدِ وإعْزازِ الإسْلامِ.
وقِيلَ إنَّهُ تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في طَلَبِهِمْ إبْطالَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ بِالتَّكْذِيبِ بِحالِ مَن يَطْلُبُ إطْفاءَ نُورٍ عَظِيمٍ مُنْبَثٍّ في الآفاقِ يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يَزِيدَهُ بِنَفْخِهِ، وإنَّما صَحَّ الِاسْتِثْناءُ المُفَرَّغُ والفِعْلُ مُوجَبٌ لِأنَّهُ في مَعْنى النَّفْيِ.
﴿ وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ﴾ مَحْذُوفُ الجَوابِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
{يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم ويأبى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون} مثل حالهم في طلبهم أن يبطلوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالتكذيب يحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم منبث في الآفاق يريد الله أن يزيده ويبلغه الغاية القصوى من الإشراق ليطفئه بنفخه أجرى ويأبى الله مجرى لاَ يُرِيدُ الله ولذا وقع فى مقابلة يريدون وإلا لا يقال كرهت أو أبغضت إلا زيداً
﴿ يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ ﴾ إطْفاءُ النّارِ عَلى ما في ”القامُوسِ“ إذْهابُ لَهَبِها المُوجِبِ لِإذْهابِ نُورِها لا إذْهابُ نُورِها عَلى ما قِيلَ، لَكِنْ لَمّا كانَ الغَرَضُ مِن إطْفاءِ نارٍ لا يُرادُ بِها إلّا النُّورُ كالمِصْباحِ إذْهابُ نُورِها جَعَلَ إطْفاءَها عِبارَةً عَنْهُ ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ حَتّى كانَ عِبارَةً عَنْ مُطْلَقِ إذْهابِ النُّورِ وإنْ كانَ لِغَيْرِ النّارِ، والمُرادُ بِنُورِ اللَّهِ حُجَّتُهُ تَعالى النَّيِّرَةُ المُشْرِقَةُ الدّالَّةُ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وتَنَزُّهِهِ سُبْحانَهُ عَنِ الشُّرَكاءِ والأوْلادِ أوِ القُرْآنُ العَظِيمُ الصّادِعُ الصّادِحُ بِذَلِكَ، وقِيلَ: نُبُوَّتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّتِي ظَهَرَتْ بَعْدَ أنِ اسْتَطالَ دُجا الكُفْرِ صُبْحًا مُنِيرًا، وأيًّا ما كانَ فالنُّورُ اسْتِعارَةٌ أصْلِيَّةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ لِما ذُكِرَ، وإضافَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى قَرِينَةٌ، والمُرادُ مِنَ الإطْفاءِ الرَّدُّ والتَّكْذِيبُ أيْ يُرِيدُ أهْلُ الكِتابَيْنِ أنْ يَرُدُّوا ما دَلَّ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى وتَنْزِيهِهِ عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ( ﴿ بِأفْواهِهِمْ ﴾ ) أيْ بِأقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ الخارِجَةِ عَنْها مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَها مِصْداقٌ تَنْطَبِقُ عَلَيْهِ أوْ أصْلٌ تَسْتَنِدُ إلَيْهِ بَلْ كانَتْ أشْبَهَ شَيْءٍ بِالمُهْمَلاتِ، قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِأنْ يُشَبَّهَ حالُهم في مُحاوَلَةِ إبْطالِ نُبُوَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالتَّكْذِيبِ بِحالِ مَن يُرِيدُ أنْ يَنْفُخَ في نُورٍ عَظِيمٍ مُنْبَثٍّ في الآفاقِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويَأْبى اللَّهُ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ﴾ تَرْشِيحًا لِلِاسْتِعارَةِ لِأنَّ إتْمامَ النُّورِ زِيادَةٌ في اسْتِنارَتِهِ وفُشُوِّ ضَوْئِهِ فَهو تَفْرِيعٌ عَلى المُشَبَّهِ بِهِ وما بَعْدُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ هُوَ الَّذِي ﴾ ) إلَخْ تَجْرِيدٌ عَلى الفَرْعِ، ورُوعِيَ في كُلٍّ مِنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ مَعْنى الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ حَيْثُ شَبَّهَ الإبْطالَ بِالإطْفاءِ بِالفَمِ، ونَسَبَ النُّورَ إلى اللَّهِ تَعالى العَظِيمِ الشَّأْنِ ومِن شَأْنِ النُّورِ المُضافِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ عَظِيمًا فَكَيْفَ يُطْفَأُ بِنَفْخِ الفَمِ، وتَمَّمَ كُلًّا مِنَ التَّرْشِيحِ والتَّجْرِيدِ بِما تَمَّمَ لِما بَيْنَ الكُفْرِ الَّذِي هو سَتْرٌ وإزالَةٌ لِلظُّهُورِ والإطْفاءِ مِنَ المُناسَبَةِ وبَيْنَ دِينِ الحَقِّ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ والشِّرْكُ مِنَ المُقابَلَةِ انْتَهى.
ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالنُّورِ هُنا هو الأوَّلُ إلّا أنَّهُ أُقِيمَ الظّاهِرُ مَقامَ الضَّمِيرِ وأُضِيفَ إلى ضَمِيرِهِ سُبْحانَهُ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ ولِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ فالمَصْدَرُ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ والمُصَحَّحُ لِلتَّفْرِيغِ عِنْدَ جَمْعِ كَوْنِ ( يَأْبى ) في مَعْنى النَّفْيِ، والمُرادُ بِهِ إمّا لا يُرِيدُ لِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةٍ يُرِيدُونَ كَما قِيلَ أوْ لا يَرْضى كَما ارْتَضاهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِإرادَةِ إتْمامِ نُورِهِ سُبْحانَهُ إرادَةً خاصَّةً وهي الإرادَةُ عَلى وجْهِ الرِّضا بِقَرِينَةِ ﴿ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ﴾ لا الإرادَةُ الجامِعَةُ لِعَدَمِ الرِّضا كَما هو مَذْهَبُ أهْلِ الحَقِّ خِلافًا لِمَن يُسَوِّي بَيْنَهُما، وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مُصَحِّحَ التَّفْرِيغِ عُمُومُ المُسْتَثْنى مِنهُ وهو مَحْذُوفٌ ولا يَضُرُّ كَوْنُ ذَلِكَ نِسْبِيًّا إذْ غالِبُ العُمُومِيّاتِ كَذَلِكَ بَلْ قَدْ قِيلَ: ما مِن عامٍّ إلّا وقَدْ خُصَّ مِنهُ البَعْضُ، أيْ يُكْرَهُ كُلُّ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِنُورِهِ إلّا إتْمامَهُ، وقَرِينَةُ التَّخْصِيصِ السِّياقُ.
ولا يَجُوزُ تَأْوِيلُ الجَماعَةِ عِنْدَهُ إذْ ما مِن إثْباتٍ إلّا ويُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ بِالنَّفْيِ فَيَلْزَمُ جَرَيانُ التَّفْرِيغِ في كُلِّ شَيْءٍ وهو كَما تَرى، والحَقُّ أنَّهُ لا مانِعَ مِنَ التَّأْوِيلِ إذا اقْتَضاهُ المَقامُ، وإتْمامُ النُّورِ بِإعْلاءِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ وإعْزازِ دِينِ الإسْلامِ ﴿ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ﴾ جَوابُ ( لَوْ ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ أيْ يُتِمُّ نُورَهُ.
والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ قَبْلَها مُقَدَّرَةٍ أيْ لَوْ لَمْ يَكْرَهِ الكافِرُونَ ولَوْ كَرِهَ وكِلْتاهُما في مَوْضِعِ الحالِ، والمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُتِمُّ نُورَهُ ولا بُدَّ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: يُرِيدُونَ، يعني: اليهود النصارى أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ، يعني: يريدون أن يردوا القرآن تكذيباً بألسنتهم ويقال: يريدون أن يغيروا دين الإسلام بألسنتهم، ويقال: يريدون أن يبطلوا كلمة التوحيد بكلمة الشرك.
وَيَأْبَى اللَّهُ، يعني: لا يرضى الله ولا يترك إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ، يعني: يظهر دينه الإسلام.
وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ فيظهره.
ثم قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى، يعني: بالقرآن والتوحيد، وَدِينِ الْحَقِّ يعني: دين الإسلام ويقال: دين الله، لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ حتى: يظهره بالحجة على الدين كله ويقال: بالقهر والغلبة والرعب في قلوب الكفار وقال ابن عباس: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ يعني: بعد نزول عيسى لا يبقى أحد إلا ودخل في دين الإسلام، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.
<div class="verse-tafsir"
منها: أنْ يريد عن قُوَّة منكم عليهم، وقَهْرٍ، واليدُ في كلام العرب: القُوَّة.
ومنها: أَنْ يريد سَوْقَ الذِّميِّ لها بِيَدِهِ، لا أنْ يبعثها معَ رَسُولٍ ليكون في ذلك إِذلالٌ لهم.
ومنها: أنْ يريد نَقْدَهَا ناجزاً، تقول: بِعْتُهُ يَداً بِيَدٍ، أي: لا يؤخِّروا بها.
ومنها: أنْ يريد عن استسلام، يقال: ألقى فلان بيده، إذا عجز واستسلم.
وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)
وقوله سبحانه: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ: الذي كثر في كُتُب أهْل العلم أنَّ فرقةً من اليهود قالَتْ هذه المقالة وروي أنه قالها نَفَرٌ يسير منهم فِنحْاص وغيره، قال النَّقَّاش: ولم يبق الآن يهودي يقولها، بل انقرضوا.
قال ع «١» : فإِذا قالها ولو واحدٌ من رُؤسَائهم، توجَّهت شنعة المقالة علَى جماعتهم، وحكَى الطبريُّ وغيره أن بني إِسرائيل أصابتهم فتن وجلاء، وقيل: مَرَض، وأذهب اللَّه عنهم التَّوْراة في ذلك، ونَسُوها، وكان علماؤهم قد دَفَنُوها أول ما أحسُّوا بذلك البلاء، فلما طالَتْ المدة، فُقِدَت التوراة جملةً، فحفَّظها اللَّهُ عُزَيْراً كرامةً منه له، فقال لبني إِسرائيل: إِن اللَّهَ قد حفَّظني التوراةَ، فجعلوا يَدْرُسُونها من عنْده، ثم إِن التوراة المدْفُونَة وجدت، فإذا هي مساوية لما كان عزيز يدرِّس، فضَلُّوا عند ذلك، وقالوا: إِن هذا لم يتهيّأ لعزيز إِلاَ وهو ابن اللَّه، نعوذُ باللَّه من الضَّلال.
وقوله: بِأَفْواهِهِمْ، أي: بمجرَّد الدعوَى من غير حجّة ولا برهان، ويُضاهِؤُنَ، قراءةُ الجماعة «٢» ، ومعناه: يحاكُون ويماثلون، والإشارة بقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ:
إِما لمشركي العرب إِذ قالوا: الملائكة بناتُ اللَّهِ قاله الضَّحَّاك، وإِما لأممٍ سالفةٍ قبلها، وإِما للصَّدْر الأول من كَفَرة اليهودِ والنَصَارَى، ويكون يُضاهِؤُنَ لمعاصري النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وإن كان الضمير في يُضاهِؤُنَ للنصارَى فقطْ، كانت الإِشارة ب الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ إلى اليهود وعلى هذا فسَّر الطبريُّ، وحكاه غيره عن قتادة «١» .
وقوله: قاتَلَهُمُ اللَّهُ: دعاءٌ عليهم عامٌّ لأنواع الشَّر، وعن ابن عباس أن المعنَى:
لعنهم اللَّه «٢» .
قال الداوديّ: وعن ابن عباس قاتلهم اللَّه: لعنهم اللَّه، وكلُّ شيء في القُرآن: قَتَلَ، فهو لَعْن.
انتهى.
وأَنَّى يُؤْفَكُونَ، أَي: يُصْرَفُون عن الخَيْر.
وقوله سبحانه: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ ...
الآية: هذه الآية يفسِّرها ما حكاه الطَّبريُّ «٣» أن عدي بن حاتم قال: «جئت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وفي عُنُقي صَلِيبُ ذَهَب، فَقَالَ: يَا عَدِيُّ/ اطرح هَذَا الصَّلِيبَ مِنْ عُنُقِكَ، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وكَيْفَ ذَلِكَ، وَنَحْنُ لَمْ نَعْبُدْهُمْ؟
فَقَالَ: أَلَيْسَ تَسْتَحِلُّونَ مَا أَحَلُّوا وَتُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمُوا؟
قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَذَلِكَ «٤» » .
ومعنى: سُبْحانَهُ تنزيها له، ونُورَ اللَّهِ في هذه الآية: هُدَاه الصادرُ عن القرآن والشَّرْع.
وقوله: بِأَفْواهِهِمْ عبارةٌ عن قلَّةِ حيلتهم وضَعْفها.
وقوله: بِالْهُدى: يعم القرآن وجميعَ الشَّرْع.
وقوله: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وقد فعل ذلك سبحانه، فالضمير في لِيُظْهِرَهُ:
عائدٌ على الدِّين، وقيل: على الرسول، وهذا وإِنْ كان صحيحاً، فالتأويل الأول أبْرَعُ منه، وأَلْيَقُ بنظام الآية.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُخْمِدُوا دِينَ اللَّهِ بِتَكْذِيبِهِمْ، يَعْنِي: أنَّهم يُكَذِّبُونَ بِهِ ويُعْرِضُونَ عَنْهُ يُرِيدُونَ إبْطالَهُ بِذَلِكَ.
وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: نُورُ اللَّهِ: القُرْآَنُ والإسْلامُ.
فَأمّا تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالأفْواهِ، فَلَمّا ذَكَرْناهُ في الآَيَةِ قَبْلَها.
وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ قَوْلًا مَقْرُونًا بِالأفْواهِ والألْسُنِ إلّا وهو زُورٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَأْبى اللَّهُ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: إنَّما دَخَلَتْ "إلّا" هاهُنا، لِأنَّ في الإباءِ طَرَفًا مِنَ الجَحْدِ، ألا تَرى أنْ "أبَيْتَ" كَقَوْلِكَ: "لَمْ أفْعَلْ"، "وَلا أفْعَلْ"، فَكَأنَّهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: ما ذَهَبَ إلّا زَيْدٌ، قالَ الشّاعِرُ: فَهَلْ لِي أُمٌّ غَيْرُها إنْ تَرَكْتُها أبى اللَّهُ إلّا أنْ أكُونَ لَها ابْنَما وَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ويَأْبى اللَّهُ كُلَّ شَيْءٍ إلّا إتْمامَ نُورِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: "يَتِمُّ نُورَهُ" أيْ: يُظْهِرُ دِينَهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لا إلَهَ إلا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأفْواهِهِمْ ويَأْبى اللهِ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ ﴾ واحِدُ "الأحْبارِ" حِبْرٌ بِكَسْرِ الحاءِ، ويُقالُ: حَبْرٌ بِفَتْحِ الحاءِ، والأوَّلُ أفْصَحُ ومِنهُ مِدادُ الحِبْرِ، والحَبْرُ بِالفَتْحِ: العالِمُ، وقالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: لَمْ أسْمَعْهُ إلّا بِكَسْرِ الحاءِ، وقالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ فَتْحَ الحاءِ وكَسْرَها في العالِمِ، وقالَ ابْنُ السِكِّيتِ: الحِبْرُ بِالكَسْرِ: المِدادُ، والحَبْرُ بِالفَتْحِ: العالِمُ، والرُهْبانُ: جَمْعُ راهِبٍ وهو الخائِفُ، مِنَ الرَهْبَةِ، وسَمّاهم أرْبابًا وهم لا يَعْبُدُوهم ولَكِنْ مِن حَيْثُ تَلَقَّوُا الحَلالَ والحَرامَ مِن جِهَتِهِمْ، وهو أمْرٌ لا يُتَلَقّى إلّا مِن جِهَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ونَحْوُ هَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وأبُو العالِيَةِ، وحَكى الطَبَرِيُّ «أنَّ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ قالَ: جِئْتُ رَسُولَ اللهِ وفي عُنُقِي صَلِيبُ ذَهَبٍ، فَقالَ: يا عَدِيُّ اطْرَحْ هَذا الصَلِيبَ مِن عُنُقِكَ، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: ﴿ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللهِ ﴾ ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ وكَيْفَ ولَمْ نَعْبُدْهُمْ؟
فَقالَ: ألَيْسَ تَسْتَحِلُّونَ ما أحَلُّوا وتُحَرِّمُونَ ما حَرَّمُوا؟
قُلْتُ: نَعَمْ.
قالَ: فَذاكَ،» و"المَسِيحَ" عَطْفٌ عَلى الأحْبارِ والرُهْبانِ، وَ"سُبْحانَهُ" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مِنَ المَعْنى؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن لَفْظِ "سُبْحانَ" فِعْلٌ، والتَقْدِيرُ: أُنَزِّهُهُ تَنْزِيهًا، فَمَعْنى: "سُبْحانَهُ": تَنْزِيهًا لَهُ، واحْتَجَّ مَن يَقُولُ إنَّ أهْلَ الكِتابِ مُشْرِكُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ، والغَيْرُ يَقُولُ: إنَّ اتِّخاذَ هَؤُلاءِ الأرْبابِ ضَرْبٌ ما مِنَ الإشْراكِ، وقَدْ يُقالُ في المُرائِي: إنَّهُ أشْرَكَ، وفي ذَلِكَ آثارٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ( يُرِيدُونَ أنْ يُطْفئوُا نُورَ اللهِ ) الآيَةُ، نُورُ اللهِ في هَذِهِ الآيَةِ: هُداهُ الصادِرُ عَنِ القُرْآنِ والشَرْعُ المُثْبَتُ في قُلُوبِ الناسِ، فَمِن حَيْثُ سَمّاهُ نُورًا سَمّى مُحاوَلَةَ إفْسادِهِ والصَدَّ في وجْهِهِ إطْفاءً.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: النُورُ: القُرْآنُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا مَعْنى لِتَخْصِيصِ شَيْءٍ مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ المَقْصُودِ بِالنُورِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ بِأفْواهِهِمْ ﴾ عِبارَةٌ عن قِلَّةِ حِيلَتِهِمْ وضَعْفِها، أخْبَرَ عنهم أنَّهم يُحاوِلُونَ مُقاوَمَةَ أمْرٍ جَسِيمٍ بِسَعْيٍ ضَعِيفٍ، فَكانَ الإطْفاءَ بِنَفْخِ الأفْواهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: بِأقْوالٍ لا بُرْهانَ عَلَيْها، فَهي لا تُجاوِزُ الأفْواهَ إلى فَهْمِ سامِعٍ، وقَوْلُهُ: "وَيَأْبى" إيجابٌ يَقَعُ بَعْدَهُ أحْيانًا "إلّا" وذَلِكَ لِوُقُوعِهِ هو مَوْقِعَ الفِعْلِ المَنفِيِّ، لِأنَّ التَقْدِيرَ: ولا يُرِيدُ اللهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ، وقالَ الفَرّاءُ: "هُوَ إيجابٌ فِيهِ طَرَفٌ مِنَ النَفْيِ"، ورَدَّ الزَجّاجُ عَلى هَذِهِ العِبارَةِ وبَيانُهُ ما قُلْناهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ ﴾ الآيَةُ، "رَسُولَهُ" يُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ، وقَوْلُهُ: "بِالهُدى" يَعُمُّ القُرْآنَ وجَمِيعَ الشَرْعِ، وقَوْلُهُ: "وَدِينِ الحَقِّ" إشارَةٌ إلى الإسْلامِ والمِلَّةِ بِجَمْعِها وهي الحَنِيفِيَّةُ، وقَوْلُهُ: "لِيُظْهِرَهُ" قالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ما مَعْناهُ: إنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى الدِينِ، وإظْهارُهُ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وكَوْنُ الأدْيانِ كُلِّها راجِعَةً إلى دِينِ الإسْلامِ، فَذَلِكَ إظْهارُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّ هَذِهِ الفِرْقَةَ رَأتِ الإظْهارَ عَلى أتَمِّ وُجُوهِهِ، أيْ: حَتّى لا يَبْقى مَعَهُ دِينٌ آخَرُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِينِ ﴾ أيْ لِيَجْعَلَهُ أعْلاها وأظْهَرَها، وإنْ كانَ مَعَهُ غَيْرُهُ كانَ دُونَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا لا يَحْتاجُ إلى نُزُولِ عِيسى، بَلْ كانَ هَذا في صَدْرِ الأُمَّةِ وهو حَتّى الآنَ إنْ شاءَ اللهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الرَسُولِ، ومَعْنى "لِيُظْهِرَهُ" لِيُطْلِعَهُ ويُعْلِّمَهُ الشَرائِعَ كُلَّها والحَلالَ والحَرامَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ وإنْ كانَ صَحِيحًا جائِزًا فالآخَرُ أبْرَعُ مِنهُ وألْيَقُ بِنِظامِ الآيَةِ وأجْرى مَعَ كَراهِيَةِ المُشْرِكِينَ، وخَصَّ المُشْرِكُونَ هُنا بِالذِكْرِ لَمّا كانَتْ كَراهِيَةً مُخْتَصَّةً بِظُهُورِ دِينِ مُحَمَّدٍ ، فَذُكِرَ العُظْمُ والأُوَّلُ مِمَّنْ كَرِهَ وصَدَّ فِيهِ، وذُكِرَ الكافِرُونَ في الآيَةِ قَبْلُ لِأنَّها كَراهِيَةُ إتْمامِ نُورِ اللهِ في قَدِيمِ الدَهْرِ وفي باقِيهِ فَعَمَّ الكُفْرُ مِن لَدُنْ خَلْقِ الدُنْيا إلى انْقِراضِها إذْ قَدْ وقَعَتِ الكَراهِيَةُ والإتْمامُ مِرارًا كَثِيرَةً.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي لزيادة إثارة غيظ المسلمين على أهل الكتاب، بكشف ما يضمرونه للإسلام من الممالاة، والتألّب على مناواة الدين، حين تحقّقوا أنّه في انتشار وظهور، فثار حسدهم وخشوا ظهور فضله على دينهم، فالضمير في قوله: ﴿ يريدون ﴾ عائد إلى ﴿ الذين أوتوا الكتاب ﴾ [التوبة: 29] والإطفاء إبطال الإسراج وإزالةُ النور بنفخ عليه، أو هبوب رياح، أو إراقة مياه على الشيء المستنير من سراج أو جمر.
والنور: الضوء وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ نوراً وهدى للناس ﴾ في سورة الأنعام (91).
والكلام تمثيل لحالهم في محاولة تكذيب النبي، وصدّ الناس عن اتّباع الإسلام، وإعانة المناوئين للإسلام بالقول والإرجاف، والتحريض على المقاومة.
والانضمام إلى صفوف الأعداء في الحروب، ومحاولة نصارى الشام الهجوم على المدينة بحال من بيحاول إطفاء نور بنفخ فمِه عليه، فهذا الكلام مركّب مستعمل في غير ما وضع له على طريقة تشبيه الهيئة بالهيئة، ومن كمال بلاغته أنّه صالح لتفكيك التشبيه بأنّ يشبّه الإسلام وحده بالنور، ويشبّه محاولو إبطاله بمريدي إطفاءِ النور ويشبّه الإرجاف والتكذيب بالنفخ، ومن الرشاقة أنّ آلة النفخ وآلة التكذيب واحدة وهي الأفواه.
والمثال المشهور للتمثيل الصالححِ لاعتباري التركيب والتفريق قول بشار: كَأنَّ مُثَار النَّقْع فوقَ رؤوسنا *** وأسْيافَنَا ليلٌ تَهاوَى كواكبُه ولكن التفريق في تمثيليةِ الآيةِ أشدّ استقلالاً، بخلاف بيت بشّار، كما يظهر بالتأمّل.
وإضافة النور إلى اسم الجلالة إشارة إلى أنّ محاولة إطفائه عبث وأنّ أصحاب تلك المحاولة لا يبلغون مرادهم.
والإباء والإباية: الامتناع من الفعل، وهو هنا تمثيل لإرادة الله تعالى إتمام ظهور الإسلام بحال من يحاوِله محاوِل على فعللٍ وهو يمتنع منه، لأنّهم لمّا حاولوا طمس الإسلام كانوا في نفس الأمر محاولين إبطال مراد الله تعالى، فكان حالهم، في نفس الأمر، كحال من يحاول من غيره فعلاً وهو يأبى أن يفعله.
والاستثناء مفرّغ وإن لم يسبقه نفي لأنه أجري فعل يأبَى مجرَى نفي الإرادة، كأنّه قال: ولا يريد الله إلاّ أن يتمّ نوره، ذَلك أنّ فعل (أبَى) ونحوه فيه جانب نفي لأنّ إباية شيء جحد له، فقَويَ جانب النفي هنا لوقوعه في مقابلة قوله: يريدون أن يطفئوا نور الله}.
فكان إباء ما يريدونه في معنى نفي إرادة الله ما أرادوه.
وبذلك يظهر الفرق بين هذه الآية وبين أن يقول قائل «كَرِهْت إلاّ أخَاك».
وجيء بهذا التركيب هنا لشدّة مماحكة أهل الكتاب وتصلّبهم في دينهم، ولم يُجأْ به في سورة الصف (8) إذ قال: ﴿ يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ﴾ لأنّ المنافقين كانوا يكيدون للمسلمين خُفية وفي لين وتملّق.
وذكر صاحب الكشاف عند قوله تعالى: ﴿ فشربوا منه إلا قليل منهم ﴾ في قراءة الأعمش وأبي برفع قليل في سورة البقرة (249): أن ارتفاع المستثنى على البدلية من ضمير فشربوا } على اعتبار تضمين ﴿ شربوا ﴾ معنى، فلم يطعموه إلاّ قليل، ميلاً مع معنى الكلام.
والإتمام مؤذن بالريادة والانتشار ولذلك لم يقل: ويأبى الله إلاّ أن يُبْقي نوره.
و ﴿ لو ﴾ في ﴿ ولو كره الكافرون ﴾ اتّصالية، وهي تفيد المبالغة بأنّ ما بعدها أجدر بانتفاء ما قبلها لو كان منتفياً.
والمبالغة بكراهية الكافرين ترجع إلى المبالغة بآثار تلك الكراهية، وهي التألّب والتظاهر على مقاومة الدين وإبطاله.
وأمّا مجرد كراهيتهم فلا قيمة لها عند الله تعالى حتّى يبالَغ بها، والكافرون هم اليهود والنصارى.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ ﴾ وفي نُورِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ والإسْلامُ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ آياتُهُ ودَلائِلُهُ لِأنَّهُ يُهْتَدى بِها كَما يُهْتَدى بِالأنْوارِ.
وَإنَّما خَصَّ ذَلِكَ بِأفْواهِهِمْ لِما ذَكَرْنا أنَّهُ لَيْسَ يَقْتَرِنُ بِقَوْلِهِمْ دَلِيلٌ.
﴿ وَيَأْبى اللَّهُ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ﴾ ولَيْسَ يُرِيدُ تَمامَهُ مِن نُقْصانٍ لِأنَّ نُورَهُ لَمْ يَزَلْ تامًّا.
وَيَحْتَمِلُ المُرادُ بِهِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إظْهارُ دَلائِلِهِ.
والثّانِي: مَعُونَةُ أنْصارِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا أرْسَلَهُ اللَّهُ إلى خَلْقِهِ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ.
وَفِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الهُدى البَيانُ، ودِينَ الحَقِّ الإسْلامُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنَّ الهُدى الدَّلِيلُ، ودِينَ الحَقِّ المَدْلُولُ عَلَيْهِ.
والثّالِثُ: مَعْناهُ بِالهُدى إلى دِينِ الحَقِّ.
والرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُما واحِدٌ وإنَّما جَمَعَ بَيْنَهُما تَأْكِيدًا لِتَغايُرِ اللَّفْظَيْنِ.
﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي عِنْدَ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ لا يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى إلّا بِالإسْلامِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.
والثّانِي: مَعْناهُ أنْ يُعَلِّمَهُ شَرائِعَ الدِّينِ كُلِّهِ ويُطْلِعَهُ عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: لِيُظْهِرَ دَلائِلَهُ وحُجَجَهُ، وقَدْ فَعَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ.
والرّابِعُ: لِيُظْهِرَهُ بِرَغْمِ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِهِ.
والخامِسُ: أنَّهُ وارِدٌ عَلى سَبَبٍ، وهو أنَّهُ كانَ لِقُرَيْشٍ رِحْلَتانِ رِحْلَةَ الصَّيْفِ إلى الشّامِ ورِحْلَةَ الشِّتاءِ إلى اليَمَنِ والعِراقِ فَلَمّا أسْلَمُوا انْقَطَعَتْ عَنْهُمُ الرِّحْلَتانِ لِلْمُبايَنَةِ في الدِّينِ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ﴾ يَعْنِي في بِلادِ الرِّحْلَتَيْنِ وقَدْ أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِما.
والسّادِسُ: أنَّ الظُّهُورَ الِاسْتِعْلاءُ، ودِينُ الإسْلامِ أعْلى الأدْيانِ كُلِّها وأكْثَرُها أهْلًا، قَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ بِالبَرِّ والفاجِرِ والمُسْلِمِ والكافِرِ، فَرَوى الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ النَّبِيَّ قالَ: « (إنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ بِأقْوامٍ ما لَهم في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ)» .
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ﴾ قال: الإِسلام بكلامهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله ﴾ يقول: يريدون أن يهلك محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن لا يعبدوا الله بالإِسلام في الأرض، يعني بها كفار العرب وأهل الكتاب من حارب منهم النبي صلى الله عليه وسلم وكفر بآياته.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ﴾ قال: هم اليهود والنصارى.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ ، قال ابن عباس: "يريدون أن يخمدوا دين الله بتكذيبهم" (١) (٢) وقال الكلبي: "يردون (٣) (٤) ﴿ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ﴾ .
قال الفراء: "لم يجىء عن العرب حرف على (فعل) (يفعل) مفتوح العين في الماضي والغابر إلا وثانيه أو ثالثه أحد حروف الحلق، غير أبى يأبى، جاء نادرًا" (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ﴾ ، قال ابن عباس: "إلا أن يظهر دينه" (٨) قال الفراء: "دخلت (إلا) لأن في (أبيت) طرفًا من الجحد، ألا ترى أن (أبيت) كقولك: لم أفعل (٩) (١٠) فهل (١١) (١٢) (١٣) ﴿ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ﴾ فالمعنى: ويأبى الله كل شيء إلا إتمام نوره، والحذف مستعمل مع الإباء" (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 426، والمصنف في "الوسيط" 2/ 491، وبنحوه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 192.
(٢) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 116، وابن أبي حاتم 6/ 1784، والثعلبي 6/ 98 ب.
(٣) في (ح): (يريدون)، وهو خطأ.
(٤) رواه الثعلبي 6/ 98 ب، والبغوي 4/ 39.
(٥) "تهذيب اللغة" (أبى) 1/ 113، وقد زاد اللغويون: قلى يقلى، وغشى يغشى، وشجى يشجى، وجبى يجبى.
انظر: المصدر السابق، نفس الموضع.
(٦) ساقط من (ى).
(٧) في (ح): (إباءة)، والصواب ما أثبته وهو موافق لما في "تهذيب اللغة" (أبى) 1/ 113.
(٨) رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 192.
(٩) في النسخة (ح) اضطراب وتحريف، ونص قول الفراء فيها: ودخلت (إلا) أن في أثبت طرفًا من الجحد ألا ترى أن أثبت لقولك لم أفعل ...
إلخ، وما في (م) و (ى) موافق لما في "معاني القرآن".
(١٠) ما بين المعقوفين ليس موجودًا في "معاني القرآن" 1/ 433.
(١١) في "معاني القرآن": وهل.
(١٢) في (ح) و (م): (ابنا، والصواب ما في (ي) كما في "معاني القرآن" 1/ 433.
(١٣) البيت للمتلمس، وهو في "ديوانه" ص30 وانظر: "الأصمعيات" ص 245، و"خزانة الأدب" 10/ 58، و"المقاصد النحوية" 4/ 568، و"المقتضب" 2/ 93.
(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 444.
(١٥) ما بين المعقوفين ساقط من: (ح).
(١٦) ساقط من: (ح).
(١٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 444 وأكثر الجمل منقولة بالمعنى.
<div class="verse-tafsir"
[الفتح: 15] أي يريدون أن يطفئوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عبادة الله وتوحيده ﴿ بأفواههم ﴾ إشارة إلى أقوالهم كقولهم ساحر وشاعر، وفيه أيضاً إشارة إلى ضعف حيلتهم فيما أرادوا ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين ﴾ الضمير للرسول صلى الله عليه وسلم، أو للدين، وإظهاره جعله أعلى الأديان وأقواها حتى يعم المشارق والمغارب، وقيل: ذلك عند نزول عيسى بن مريم حتى لا يبقى إلا دين الإسلام.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ عزير ابن ﴾ بالتنوين مكسورة للساكنين: عاصم وعلي وسهل ويعقوب.
الباقون: بغير تنوين ﴿ يضاهئون ﴾ بالهمز.
عاصم.
الآخرون ﴿ يضاهون ﴾ بحذف الهمزة.
﴿ أن يطفوا ﴾ و ﴿ ليواطوا ﴾ بحذف الهمزة فيهما.
يزيد وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة ﴿ اثنا عشر ﴾ بسكون العين: يزيد والخزاز ﴿ إنما النسي ﴾ بالتشديد: ورش من طريق النجاري وحمزة في الوقف.
الباقون: بباء بعدها همزة.
﴿ يضل ﴾ بضم الياء وفتح الضاد: علي وحمزة غير العجلي وحفص وخلف لنفسه.
﴿ يضل ﴾ بضم الياء وكسر الضاد: العجلي وأوقية ورويس.
الباقون ﴿ يضل ﴾ بفتح الياء وكسر الضاد.
الوقوف: ﴿ صاغرون ﴾ ه ﴿ المسيح ابن الله ﴾ ط ﴿ بأفواههم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ قاتلهم الله ﴾ ج ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ ابن مريم ﴾ ج لاحتمال الجملة بعده أن تكون حالاً واستئنافاً.
﴿ واحداً ﴾ ج لأن ما بعده يصلح ابتداء ووصفاً ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ كله ﴾ لا لتعلق "لو" بما قبله ﴿ المشركون ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ في سبيل الله ﴾ لا لتعلق الفاء ﴿ أليم ﴾ ه لا أي في يوم.
﴿ وظهورهم ﴾ ط ﴿ تكنزون ﴾ ه ﴿ حرم ﴾ ط ﴿ يقاتلونكم كافة ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ فيحلوا ما حرم الله ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه.
التفسير: إنه لما ذكر شبهات المشركين وأجاب عنها بأجوبة صحيحة أراد أن يبين أحكام أهل الكتاب والمقصود تميزهم من المشركين في الحكم لأن الواجب في المشركين القتال إلى الإسلام، والواجب في أهل الكتاب القتال إلى الإسلام أو الجزية.
واعلم أنه ذكر صفات أربع وأمر بقتال من اتصف بها ثم بين الموصوفين بها بقوله ﴿ من الذين أوتوا الكتاب ﴾ فدل ذلك على أن أهل الكتاب متصفون بتلك الصفات؛ فالصفة الأولى أنهم ﴿ لا يؤمنون بالله ﴾ فأورد عليه أن القوم يقولون نحن نؤمن بالله، وأجيب بأنإيمانهم بالله كلا أيمان لأنهم مشبهة وحلولية.
واعترض ثانياً بأن كل من نازع في صفة من صفات الله وكان منكراً لله لزم أن يكون أكثر المتكلمين كذلك فالأشعري من أهل السنة أثبت البقاء صفة، والقاضي أنكره، وعبد الله بن سعيد أثبت القدم صفة، والباقون أنكروه، والقاضي أثبت لله إدراك الطعوم وإدراك الروائح والحرارة والبرودة والأستاذ أبو إسحق أنكره، والقاضي أثبت للصفات سبعة أحوال معللة بغير الصفات وغيره أنكره، وعبد الله ابن سعيد زعم أن كلام الله في الأزل ما كان أمراً ولا نهياً ولا خبراً ثم صار كذلك عند الإنزال، والآخرون أنكروه، وقوم من قدماء الأشاعرة أثبتوا لله خمس كلمات: الأمر والنهي والاستخبار والخبر والنداء.
والمشهور أن كلام الله واحد.
واختلفوا في أن خلاف المعلوم هل هو مقدور لله؟.
وأما اختلافات المعتزلة وسائر الفرق فأكثر من أن تحصى ههنا.
وأجيب بأن المجسم خالف في الذات لأنه يقول إن الإله جسم والبرهان دل على أن إله العالم ليس بجسم ولا جسماني.
وأما الخلاف في المسائل المذكورة فراجع إلى الصفة فظهر الفرق.
نعم إنا نكفر الحلولية والحروفية القائلين بأن كلام الله حل في كل لسان وفي كل جسم كتب فيه القرآن كما نكفر النصارى القائلين بأن أقنوم الكلمة حلت في عيسى.
الصفة الثانية: أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر لأن اليهود والنصارى ينكرون المعاد الجسماني.
والقرآن دل على أن أهل الجنة يأكلون ويشربون وباللذات يتمتعون، وأما السعادات الروحانية فمتفق عليها.
الصفة الثالثة: ﴿ ولا يحرّمون ما حرم الله ورسوله ﴾ أي لا يحرّمون ما حرم الله في القرآن، والرسول في سنته كالخمر والخنزير ونحوهما.
وقال أبو روق: أي لا يعملون بما في التوراة والإنجيل بل حرفوهما وأتوا بأحكام توافق مشتهاهم.
الصفة الرابعة: ﴿ ولا يدينون دين الحق ﴾ أي لا يعتقدون صحة دين الإسلام الذي هو الحق.
يقال: فلان يدين بكذا إذا اتخذ ذلك دينه ومعتقده.
وقيل: الحق هو الله.
ثم ذكر غاية القتال فقال ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ فعله من جزى يجزي إذا قضى ما عليه.
قال الواحدي: هي ما يعطى المعاهد على عهده.
وقال في الكشاف: سميت جزية لأنها طائفة مما على أهل الذمة أن يجزوه أي يقضوه، أو لأنهم يجزون بها من منّ عليهم بالإعفاء عن القتل.
ومعنى ﴿ عن يد ﴾ إن أريد بها يد المعطي أي عن يد مؤاتية غير ممتنعة يقال: أعطى بيده إذا انقاد وأصحب، أو المراد حتى يعطوها عن يد إلى نقداً غير نسيئة ولا مبعوثاً على يد أحد، وإن أريد بها يد الآخذ فمعناه حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية أي بسببها كقوله: ينهون عن أكل وعن شرب *** أي يتناهون السمن بسببهما.
أو المراد عن إنعام عليهم فإن قبول الجزية منهم بدلاً عن أرواحهم نعمة عظيمة عليهم.
قيل: إن من اليهود موحدة فما وجه إيجاب الجزية عليهم؟
والجواب أنه إذا ثبت وجوب الجزية على بعضهم لزم القول في حق الكل لعسر الامتياز ولوجود الصفات الباقية فيهم.
أما مقدار الجزية فعن أنس: قسم رسول الله على كل محتلم ديناراً، وقسم عمر على فقرائهم في المدينة اثني عشر درهماً، وعلى الأوساط أربعة وعشرين، وعلى أهل الثروة ثمانية وأربعين.
فذهب الشافعي إلى أن أقل الجزية دينار لا يزاد على الدنيار إلا بالتراضي.
وذهب أبو حنيفة إلى قسم عمر.
والمجوس سبيلهم سبيل أهل الكتاب لقوله : "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ويروى أنه أخذ الجزية من مجوس هجر وذلك أن لهم شبهة كتاب.
ومعنى ذلك أن كتبهم وهي الصحف التي أنزلت على إبراهيم قد رفعت إلى السماء لأحداث أحدثوها.
وليس المقصود من أخذ الجزية تقرير الكفرة على كفرهم بدينار واحد حتى يصير موجباً للطعن، وإنما الغرض حقن دمائهم وإمهالهم مدة لعلهم يتفكرون في كتابهم فيعرفون صدق محمد وما دعاهم إليه.
وأيضاً فيه حرمة أنبيائهم وحرمة كتابهم وحرمة آبائهم الذين انقرضوا على الحق من شريعة التوراة والإنجيل.
وأما قوله ﴿ وهم صاغرون ﴾ فمعناه أنه لا بد مع أخذ الجزية من إلحاق الذل والصغار بهم.
والسبب فيه أن طبع العاقل ينفر عن تحمل الذل فإذا أمهل الكافر مدة وهو يشاهد عزّ الإسلام وذل الكفر ويسمع الدلائل فالظاهر أن مجموع ذلك يحمله على الانتقال إلى الإسلام.
وفسروا الصغار في الآية بأخذ الجزية على سبيل الإهانة بأن يكون الذمي قائماً والمسلم الذي يأخذ الجزية قاعداً ويأمره بأن يخرج يده من جيبه ويحني ظهره ويطأطىء رأسه فيصب ما معه في كفة الميزان ويأخذ المستوفي بلحيته ويضرب في لهزمتيه.
وهذه الهيئة مستحبة على الأصح لا واجبة.
وقيل: الصغار هو نفس أخذ الجزية.
والجزية تسقط بالإسلام عند أبي حنيفة دون الشافعي.
وإنها تؤخذ عند أبي حنيفة في أوّل السنة وعند الشافعي في آخرها.
ولا تؤخذ من فقير لا كسب له ولا من امرأة وخنثى ولا صبي ولا مجنون وعبد ولا من سيده بسببه، وتضرب على الزمن والعسيف والشيخ الفاني والراهب والأعمى على الأصح من قولي الشافعي، لأن الجزية بمنزلة الكراء يستوي فيه المعذورون وغيرهم.
قال الشافعي في أحد قوليه.
العاجز عن الكسب يعقد له الذمة بالجزية فإذا تم الحول أخذنا إن أيسر وإلا فهي في ذمته إلى أن يوسر وهكذا في كل حول.
ولا يصح عقد الذمة إلا من الإمام أو نائبه الذي فوضه إليه لأنه من الأمور الكلية.
وكيفية العقد أن يقول: أقررتكم وأذنت لكم في الإقامة في دار الإسلام على أن تبذلوا كذا وتنقادوا لأحكام الإسلام التي يراها الإمام.
ولا يقرأ أهل الكتاب بالجزية في أرض الحجاز لما روي أنه قال: "أخرجوا اليهود من الحجاز" قال الشافعي: هو مكة والمدينة ومخالفيهما أي قراهما.
وما روي أنه أوصى بأن يخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب فمحمول على أنه أراد الحجاز جمعاً بين الحديثين.
وقد بقي في الآية نكته ذكرها بعض العلماء في أن المسلم لا يقتل بالذمي قال: لأن قوله ﴿ قاتلوا ﴾ مشتمل على إباحة دمهم وعلى عدم وجوب القصاص بسبب قتلهم فلما قال ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ علمنا أن المجموع انتفى عند إعطاء الجزية، ولكن انتفاء المجموع يكفي فيه انتفاء أحد جزأيه وأحد الجزأين - وهو وجوب قتلهم - مرتفع بالاتفاق فيبقى الآخر وهو عدم وجوب القصاص بقتلهم بعد أداء الجزية كما كان.
ولقائل أن يقول: لا نزاع في الاحتمال ولكن ما الدليل على عدم وجوب القصاص وأنت بصدد إثباته؟.
ولما حكم في الآية المتقدمة أن أهل الكتاب لا يؤمنون بالله شرع في إثبات تلك الدعوى فقال ﴿ وقالت اليهود عزير ابن الله ﴾ الآية.
العلم مبتدأ والابن خبره ومن أسقط التنوين من عزير فلأنه اسم أعجمي زائد على ثلاثة أحرف فيمتنع من الصرف كعازر.
وقيل: منصرف لكونه عربياً وكان الوجه كسر التنوين كقراءة عاصم ولكنه أسقط التنوين للساكنين على مذهب بعضهم.
أو لأن الابن وقع وصفاً والخبر محذوف وهو معبودنا.
وطعن في هذا الوجه عبد القاهر باستلزامه احتمال توجه الذم إلى الخبر دون الوصف.
وحينئذ يحصل تسليم كونه ابناً لله ومعلوم أن ذلك كفر.
وهذا قول ناس من اليهود بالمدينة.
وما هو بقول كلهم إلا أنه جاء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد.
يقال: فلان يركب الخيول أو يجالس الملوك.
ولعله لم يركب أو لم يجالس إلا واحداً.
عن ابن عباس: جاء رسول الله سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف فقالوا ذلك.
وعنه أيضاً أن اليهود أضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق فأنساهم الله التوراة ونسخها من صدورهم، فتضرع عزير إلى الله وابتهل إليه فعاد حفظ التوراة إلى قلبه فأنذر قومه، فلما جربوه وجدوه صادقاً فيه فقالوا: هذا ابن الله.
وقال عبيد بن عمير: إنما قال هذا القول رجل من اليهود اسمه فنحاص بن عازوراء.
وقيل: لعل هذا المذهب كان فاشياً فيهم ثم انقطع، ولا عبرة بإنكار اليهود قول الله أصدق.
وقال في الكشاف: الدليل على أن هذا القول كان فيهم أن الآية تليت عليهم فما أنكروا ولا كذبوا مع تهالكهم على التكذيب.
وأما النصارى فلا شك أنهم يقولون ذلك وقد حكى الواحدي في سبب ذلك أن أتباع عيسى كانوا على الحق بعد رفع عيسى إلى السماء حتى وقع حرب بينهم وبين اليهود وكان في اليهود رجل شجاع، يقال له بولس.
قتل جمعاً من أصحاب عيسى ثم قال لليهود: إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا والنار مصيرنا ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار وإني أحتال فأضلهم، فعرقب فرسه وأظهر الندامة بما كان يصنع ووضع على رأسه التراب وقال: نوديت من السماء ليس لك توبة إلا أن تنتصر وقد تبت فأدخله النصارى الكنيسة.
ومكث سنة لا يخرج وتعلم الإنجيل فصدقوه وأحبوه ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف عليهم رجلاً اسمه نسطور وعلمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة، وتوجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت وقال: ما كان عيسى إنساناً ولا جسماً ولكنه الله.
وعلم رجلاً آخر - يقال له يعقوب - ذلك ثم دعا رجلاً - يقال له ملكاً - فقال له: إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى.
ثم دعا هؤلاء الثلاثة وقال لكل واحد منهم: أنت خليفتي فادع الناس إلى نحلتك، ولقد رأيت عيسى في المنام ورضي عني وإني غداً أذبح نفسي لمرضاة عيسى، ثم دخل المذبح فذبح نفسه.
هذا هو السبب في وقوع هذا الكفر في طوائف النصارى.
الأقرب أن لفظ الابن قد وقع في الإنجيل على سبيل التشريف حيث قال: إنك أنت الابن الوحيد كما وقع لفظ الخليل في حق إبراهيم .
وقال المسيح للحواريين: أحبوا أعداءكم وباركوا على لاعنيكم وأحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا على من يؤذيكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماء الذي أشرق شمسه على الصالحين والفجرة.
ثم إن القوم لأجل عداوة اليهود ولأجل أن يقابلوا غلوهم الفاسد في أحد الطرفين بلغو فاسد في الطرف الآخر حملوا لفظ الابن على البنوة الحقيقية والله أعلم بحقيقة الحال.
ثم قال ﴿ ذلك قولهم بأفواههم ﴾ وفائدة هذا التخصيص - وكل قول فإنما يقال بالفم - أنه قول لا يعضده برهان بل البرهان دال على نقيضه لاستحالة إثبات الولد لمن هو مبرأ عن الحاجة والشهوة والمضاجعة واتخاذ الصاحبة، فما هو إلا لفظ يفوهون به فارغ من معنى تحته كالألفاظ المهملة التي لا تجاوز الحناجر ولا يؤثر معناها في القلب بل لا معنى لها حتى تؤثره، نظيره قوله ﴿ وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ﴾ أو نقول: إن الإنسان قد يختار مذهباً ولكن لا يصرح به ولا يذكره بلسانه، أما إذا نطق به فذلك هو الغاية في اختياره وإذا ساعده عليه دليل كان نهاية في الحسن والتأثير.
فالمارد بالقول المذهب وأنهم يصرحون به لا يخفونه ألبتة، أو أنه مذهب لا يساعده دليل فلا تأثير له في القلوب.
ويحتمل أن يراد أنهم دعوا الخلق إلى هذه المقالة حتى وقعت في الأفواه والألسنة ﴿ يضاهنون ﴾ من قرأ بغير همز فظاهر لأنه من ضاهى يضاهي منقوصاً أي شاكل، ومن قرأ بالهمز فلمجيء ضاهأت من قولهم امرأة ضهيأ على وزن "فعيل" وهي التي شاكلت الرجال في أنها لا تحيض ومن جعل ضهيأ على "فعلأ" بزيادة الهمزة كما في "غرقىء" لقشرة البيض السفلى لمجيء ضهياء ممدوداً بمعناه فلا ثبت في هذا الثاني عنده.
ولا بد من تقدير مضاف أي يضاهي قولهم قول الذين، حذف المضاف وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه فانقلب مرفوعاً لفقد الجار.
والمعنى أن قول هؤلاء المعاصرين للنبي من أهل الكتاب يشبه قول قدمائهم أي إنه كفر قديم فيهم غير مستحدث، أو يضاهي قول أهل الكتاب قول المشركين القائلين الملائكة بنات الله.
وقيل: الضمير في ﴿ يضاهئون ﴾ للنصارى فقط أي يشاكل قول النصارى "المسيح ابن الله" قول اليهود "عزير ابن الله" لأن اليهود أقدم منهم.
ثم قال على عادة محاورات العرب معجباً ومستفهماً على سبيل الإنكار ﴿ قاتلهم الله أنى يؤفكون ﴾ كيف يصرفون عن الحق أي هم أحقاء بأن يقال لهم هذا تعجباً من شناعة قولهم كما يقال القوم ركبوا شنعاء: قاتلهم الله ما أعجب فعلهم، ولمن ضل عن الطريق أين تذهب؟.
ثم وصفهم بضرب آخر من الإشراك فقال ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ﴾ قال أهل المعاني: الحبر العالم الذي يعبر عما يريد بأحسن بيان، والراهب الذي ظهرت أثار الرهبة من قلبه على وجهه ولباسه، ولكن في عرف الاستعمال اختص الأحبار بعلماء اليهود من ولد هارون.
والرهبان بعلماء النصارى من أصحاب الصوامع.
واختلفوا في معنى اتخاذهم إياهم أرباباً بعد الاتفاق على أنه ليس المراد أنهم جعلوهم آلهة العالم فقال أكثر المفسرين: المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم.
نقل أن عدي بن حاتم كان نصرانياً فانتهى إلى النبي وهو يقرأ سورة براءة، فلما وصل إلى هذه الآية قال عدي: إنا لسنا نعبدهم فقال: أليس تحرّمون ما أحلّ الله وتحلون ما حرم الله؟
فقلت: بلى.
فقال: فتلك عبادتهم.
قال الربيع: قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل؟
فقال: إنهم ربما وجدوا في كتاب الله ما يخالف قول الأحبار والرهبان فكانوا يأخذون بأقوالهم وما كانوا يقبلون حكم الله.
قال العلماء: إنما لم يلزم تكفير الفاسق بطاعة الشيطان خلاف ما عليه الخوارج لأن الفاسق وإن كان يقبل دعوة الشيطان إلا أنه يلعنه ويستخف به بخلاف أولئك الأتباع المعظمين لمتبوعهم.
قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله في مسائل كانت تلك الآيات مخالفة لمذهبهم فيها فلم يقبلوا تلك الآيات ولم يلتفتوا إليها وكانوا ينظرون إليّ كالمتعجب يعني كيف الآيات مع أن الرواية عن سلفنا.
وردت بخلافها، ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا سارياً في عرف الأكثرين.
وقلت: ولعلهم توقفوا لحسن ظنهم بالسلف لأنهم ربما وقفوا من تلك الآي على ما لم يقف عليه الخلف.
وقيل في تفسير هذه الربوبية: إن الجهال والحشوية إذا بالغوا في تعظيم شيخهم وقدوتهم فقد يميل طبعهم إلى الحلول والاتحاد، وقد يساعدهم الشيخ في ذلك إذا كان مزوّراً طالباً للدنيا وقد يرضى بسجودهم له تعظيماً وإجلالاً مع أن السجود عبادة لا تليق إلا بالله.
وإذا كان هذا مشاهداً في هذه الأمة فكيف بالأمم السالفة؟!
وأما المسيح فحين جعلوه ابناً لله فقد أهلوه للعبادة والإلهية، ولعل السبب في إفراد المسيح بالذكر أن قولهم فيه أشنع من قولهم في الأحبار والرهبان، أو لأن القول بإلهية المسيح مخصوص بأحد الفريقين.
فلو قيل اتخذوا أحبارهم ورهبانهم والمسيح ابن مريم أرباباً لأوهم اشتراك الفريقين في اتخاذ المسيح رباً ﴿ وما أمروا ﴾ الضمير للمتخذين.
والذي أمرهم بذلك أدلة العقل والكتب السماوية، وفي القرآن حكاية عن المسيح ﴿ أنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ﴾ ويجوز أن يكون الضمير للأحبار والرهبان أي وما أمر هؤلاء الذين هم عندهم أرباب إلا بأن يكونوا مربوبين.
ثم نزه نفسه عن مقالة الظالمين فقال { عما يشركون} ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أفعال أهل الكتاب وهو سعيهم في أبطال أمر محمد وجدهم في إخفاء الدلائل الدالة على صحة نبوّته فقال ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله ﴾ أي دينه الثابت بالدليل المشبه بالنور لاشتراكهما في الاهتداء بهما.
وذلك أن دين محمد مؤيد بالمعجزات الباهرة التي بمثلها ثبتت نبوّة موسى وعيسى ولا سيما بالقرآن، وحاصل شرعه تعظيم الله وتنزيهه عما لا يليق به والانقياد لطاعته وصرف النفس عن الأمور الفانية والترغيب في السعادات الباقية، ثم إنهم بكلماتهم الركيكة وشبهاتهم السخيفة أرادوا إبطال هذه الدلائل فكانوا كمن يريد إبطال نور الشمس الذي هو أشد الأنوار المحسوسة بسبب أن ينفخ فيه.
ولا ريب أن ذلك سعي باطل وكيد زاهق ولهذا قال ﴿ ويأبى الله إلا أن يتم نوره ﴾ أي لم يرد الله إلا ذلك إلا أن الإباء يفيد زيادة على عدم الإرادة وهي المنع والامتناع قال: وإن أرادوا ظلمنا أبينا *** امتدح بذلك ولا يجوز أن يمتدح بأنه يكره الظلم لأن ذلك يستوي فيه القوي والضعيف.
وفيه وعد بمزيد النصرة والقوة وإعلاء الدرجة.
ثم أكد ذلك المعنى بقوله ﴿ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ﴾ أي بكثرة الدلائل والمعجزات ﴿ ودين الحق ﴾ لاشتماله على أمور تظهر لكل أحد كونه موصوفاً بالصواب ومطابقاً للحكمة ومؤدياً إلى صلاح الدنيا والآخرة.
ثم بيّن غاية أمره وتمام حكمه فقال ﴿ ليظهره على الدين كله ﴾ أي ليجعل الرسول أو دين الحق غالباً على أهل الأديان كلهم أو على كل دين.
عن أبي هريرة أنه قال هذا وعد من الله بأن يجعل الإسلام ظاهراً على جميع الأديان.
وتمام هذا إنما يظهر عند خروج المهدي ونزول عيسى وقال السدي: ذلك عند خروج المهدي لا يبقى أحد إلا دخل الإسلام وأدّى الخراج.
قلت: قد دخل في عصرنا من الملوك الكفرة ومن أشياعهم في الإسلام ما لا يعدّ ولا يحصى، وازدياد ذلك كل يوم دليل ظاهر على أن الكل سيدخلون في الإسلام.
وقد جاء في الحديث: "زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتى ما زوي لي منها" وقيل: ليظهر الإسلام على غيره في جزيرة العرب.
وهذا تخصيص أوجبه ضيق العطن.
وقيل: ليظهر الرسول على جميع شرائط الدين حتى لا يخفى عليه شيء من مدارك الأحكام.
وقيل ليظهره بالحجة والبرهان لأن غلبة الكفار في بعض الأقطار ظاهرة.
ولقائل أن يقول: إن المسلمين في تلك البلاد وإن قلوا غالبون على الكفار وإن كثروا بدليل أنهم لا يمنعونهم من إظهار شعائر الإسلام والتزام أحكامه، قوله ﴿ هو الذي أرسل ﴾ فيه مدح منه لنفسه من جهة أنه هو القادر على إبداء مثل هذا الأمر العظيم ومن جهة أنه هو الغالب على إيصاله إلى حيث شاء وأراد من غير معاند ولا منازع، ومن جهة أنه هو المعطي لمثل هذه النعمة التي لا يوازيها نعمة وهي نعمة الهدى والإسلام.
وقوله ﴿ ولو كره الكافرون ﴾ وفي الآية الثانية ﴿ ولو كره المشركون ﴾ إما متساويا الدلالة تنبيهاً على أن اليهود والنصارى أيضاً مشركون، وإما تخصيص بعد تعميم، ولعله رغم لأنف مشركي قريش ثم لما وصف رؤساء اليهود والنصارى بالتكبر والتجبر وادعاء الربوبية والترفع على الخلق أراد أن يصفهم بالطمع والحرص فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ﴾ الآية.
وفيه تنبيه على أن مقصودهم من إظهار تلك الربوبية والتجبر تحصيل حطام الدنيا.
قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله .
ولعمري أن من تأمل في أحوال أهل الناقوس والتزوير في زماننا وجد هذه الآيات كأنها ما أنزلت إلا في شأنهم وشرح أحوالهم، فترى الواحد منهم يدعي أنه لا يلتفت إلى الدنيا ولا يعلق خاطره بجميع المخلوقات وأنه من الطهارة والعصمة مثل الملائكة المقربين حتى إذا آل الأمر إلى الرغيف الواحد تراه يتهالك ويتحمل الذل والدناءة في تحصيله.
وفي قوله ﴿ كثيراً ﴾ دلالة على أن هذه الطريقة طريقة بعضهم لا كلهم، فإن العالم لا يخلو عن المحق وإطباق الكل على الباطل وإثبات ذلك كالممتنع، وهذا يوهم أنه كما أن إجماع هذه الأمة على الباطل لا يحصل فكذلك في سائر الأمم.
وعبر عن أخذهم أموال الناس بالأكل تسمية للشيء باسمما هو أعظم مقاصده.
وأيضاً من أكل شيئاً فقد ضمه إلى نفسه ومنعه عن الوصول إلى غيره كما لو أخذه، ولهذا فإن من أخذ أموال الناس فإذا طولب بردها قال أكلتها وما بقيت فلا قدرة لي على ردّها.
وفي تفسير الباطل وجوه: منها أنهم كانوا يأخذون الرشا في تخفيف الأحكام والمسامحة في الشرائع وفي إخفاء نعت محمد وتأويل الدلائل الدالة على نبوّته.
ومنها أنهم كانوا يدّعون عند عوامهم الحمقى أنه لا سبيل إلى الفوز بمرضاة الله إلا بخدمتهم وطاعتهم وبذل الأموال في مرضاتهم، والعوام كانوا يغترون بتلكالأكاذيب.
ومنها أنهم قالوا لا طريق إلى تقوية دينهم إلا إذا كان أولئك الفقهاء أقوياء عظماء أصحاب الجاه والحشمة والأموال كما يفعله المزوّرون في زماننا هذا.
أما قوله ﴿ ويصدّون عن سبيل الله ﴾ فمعناه يبالغون في المنع من متابعة محمد كيلا يبطل جاههم وحشمتهم عند العوام لو أقروا بدينه.
ثم قال ﴿ والذين يكنزون ﴾ الكنز هو المال المدفون وقد كنزه يكنزه.
والتركيب يدل على الجمع ومنه ناقة كناز مكتنزة اللحم، واكتنز الشيء اجتمع.
قيل: المراد بقوله ﴿ والذين يكنزون ﴾ الأحبار والرهبان لما وصفهم بالحرص الشديد، أراد أن يصفهم بالامتناع من إخراج الواجبات عن أموالهم.
وقيل: المقصود مانعو الزكاة من المسلمين.
ووجه النظم أنه لما كان حال من أمسك مال نفسه بالباطل كذلك فما ظنك بحال من سعى في أخذ مال غيره بالباطل والخديعة؟!
عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر فقلت له: ما أنزلك هذه البلاد؟
قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب.
وقلت: نزلت فينا وفيهم فصار ذلك سبباً للوحشة.
فكتب إلي عثمان يشكوني فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة، فلما قدمت المدينة انحرف الناس عني كأنهم لم يروني من قبل، فذكرت ذلك لعثمان فقال: إن شئت تنحيت فكنت قريباً.
قلت: إني والله لا أدع ما كنت أقول.
وعن الأحنف قال: لما قدمت المدينة رأيت أبا ذر يقول: بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه.
فلما سمع القوم ذلك تركوه فاتبعته وقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم.
فقال: ما عسى يصنع بي قريش.
واختلف علماء الصحابة في هذا الكنز المذموم فقال الأكثرون: هو المال الذي لم تؤّد زكاته.
عن عمر بن الخطاب: مال أديت زكاته فليس بكنز.
وقال ابن عمر: كل ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل مال لم تؤدّ زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض.
وقال جابر: إذا أخرجت الصدقة من مالك فقد أذهبت عنه شره وليس بكنز.
وعن ابن عباس: قوله ﴿ ولا ينفقونها في سبيل الله ﴾ يريد الذين لا يؤدّون زكاة أموالهم.
قال القاضي: ويندرج فيه سائر الحقوق من الكفارات والديون ونفقة الحج والجهاد والإنفاق على الأهل والعيال وضمان المتلفات وأروش الجنايات.
وقال الأقلون: كل مال كثير فهو مذموم سواء أديت زكاته أو لم تؤد.
وحجة الأولين قوله ﴿ لها ما كسبت ﴾ ﴿ ولا يسألكم أموالكم ﴾ {محمد: 36] وقوله : "كل امرىء أحق بكسبه" "نعم المال الصالح للرجل الصالح ما أدّيت زكاته فليس بكنز وإن كان باطناً، وما بلغ أن يزكى ولم يزك فهو كنز وإن كان ظاهراً" وقد كان رسول الله جمع من الأغنياء كعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وكان يعدّهم من أكابر المؤمنين، وقد ندب إلى إخراج الثلث أو الأقل في المرض ولو كان جمع المال محرماً لكان يأمر المريض أن يتصدق بالكل بل الصحيح في حال صحته.
حجة الأقلين عموم الآية "وما روى سالم بن الجعد أنها لما نزلتقال رسول الله : تباً للذهب تباً للفضة قالها ثلاثاً فقالوا له : أي مال نتخذ؟
قال: لساناً ذاكراً وقلباً خاشعاً وزوجة تعين أحدكم على دينه" .
وقوله: "من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها" وتوفي رجل فوجد في مئزره دينار فقال رسول الله : كية.
وتوفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال: كيتان.
وعن عليّ : كل مال زاد على أربعة آلاف فهو كنز أديت منه الزكاة أو لم تؤد.
ومن المعقول أن الله خلق الأموال لدفع الحاجات فإذا حصل للمرء منه ما زاد على قدر حاجته ومنع منه الغير كان مانعاً من ظهور حكمة الله ودافعاً لوجوه الإحسان إلى عبيده.
وقد رام طائفة من العلماء الجمع بين القولين فقالوا: كان هذا قبل أن تفرض الزكاة، فأما بعد فرض الزكاة فالله أعدل وأكرم من أن يجمع عبده مالاً من حيث أذن له فيه ويؤدي عنه ما أوجب عليه ثم يعاقبه.
وقال أهل التحقيق: النهي عن جمع المال محمول على التقوى لأن تزايد المال لا حد له يقف هنالك فينجز إلى تضييع العمر تارة في تحصيله وأخرى في حفظه، لأنه كلما ازداد المال ازدادت لذته بذلك فيشتد حرصه ولا ينقطع البتة، وقد يفضي إلى الطغيان والخذلان كقوله ﴿ إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ﴾ ولو لم يكن في الفقر سوى الانكسار وقلة التعلق وفراغ البال لكفى بها منقبة وفخراً، وكل ما يلهيك عن الله ولم يكن في سبيل الله فعدمه خير من وجوده.
وأما ظاهر الفتوى فهو أن صاحب المال الكثير لا عتب عليه إذا أدّى منه حقوقه.
هذا ومن حمل الآية على وعيد مانعي الزكاة في النقود قاس الزكاة في المواشي عليه.
وقد ورد أيضاً في الحديث: "ما من صاحب إبل أو بقر أو غنم" وهو مشهور.
ولا ريب أن الأصل المعتبر في الأموال هو النقدان، وسائر الأمتعة إنما تحصيل بهما وتدور عليهما.
ولمن أوجب الزكاة في الحلي المباح الاستدلال بالآية لأن الذهب والفضة يشمله، ومن لم يوجب الزكاة فيه خصص عموم الآية بما روي أنه قال: "لا زكاة في الحلي المباح" ولم يصححه أبو عيسى الترمذي.
وبتقدير أن يصح حملوه على اللآلىء لقوله ﴿ وتستخرجون حلية تلبسونها ﴾ ولقائل أن يقول: لو حملنا الحلي في الحديث على اللآلىء لم تبق لقيد المباح فائدة، ثم إنه ذكر شيئين الذهب والفضة ثم قال ﴿ ولا ينفقونها ﴾ فقيل: الضمير عائد إلى المعنى وهو الكنوز أو الأموال، أو لأن كل واحد منهما جملة واحدة وافية وعدة كثيرة ودراهم ودنانير فهو كقوله ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾ وقيل: إلى اللفظ أي ولا ينفقون الفضة.
وحذف الذهب إما لأنه داخل في الفضة من حيث كونهما جوهرين ثمينين نفيسين مقصودين بالكنز فأغنى ذكر أحدهما عن الآخر كقوله ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ﴾ ﴿ ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً ﴾ وإما لأن التقدير والذهب كذلك كما أن معنى قوله: فإني وقيار بها لغريب *** وقيار كذلك.
ثم قال ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ تهكماً مثل قولهم: تحيتهم الضرب وإكرامهم الشتم.
ولو قيل: البشارة وهي الخبر الذي يؤثر في القلب فيتغير بسببه لون بشرة الوجه سواء كان من الفرح أو من الغم كان حقيقة ﴿ يوم يحمى عليها ﴾ معناه أن النار تحمى عليها أي يوقد عليها نار ذات حمى وحر شديد من قوله ﴿ نار حامية ﴾ ولو قيل يوم تحمى أي الكنوز كقولك: أحميت الحديد لم يفد هذا المعنى وإنما ذكر الفعل مع أن الإحماء للنار لأنه مسند إلى الجار والمجرور بعد حذف النار كما تقول: رفعت القصة إلى الأمير.
فإن لم تذكر القصة قلت: رفع إلى الأمير.
﴿ فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ﴾ ذكر العلماء في تخصيص هذه الأعضاء بالكي وجوهاً منها.
إن حصول الأموال يقصد به فرح القلب يظهر أثره في الوجه وشبع ينتفخ بسببه الجنبان ولبس ثياب فاخرة يطرحونها على ظهورهم فعورضوا بنقيض المقصود.
ومنها أن هذه الأعضاء يعظم تألمها لكونها مجوّفة ولما في داخلها من الأعضاء الشريفة.
ومنها أنهم يكوون على الجهات الأربع، أما من قدام فعلى الجبهة، وأما من خلف فعلى الظهر، وأما من اليمين واليسار فعلى الجنبين.
ومنها أن المراد وقوع الكي على كل الأعضاء لأنها إما في غاية النظافة ومثاله الجبهة، وإما في غاية الصلابة ومثاله الظهر، وإما متوسطة ومثاله الجنبان.
ومنها أن الجمال في الوجه والقوة في الظهر والجنبين والإنسان إنما يطلب المال للجمال والقوة فعورض بإزالتهما.
ومنها قول أبي بكر الوراق: خصت بالذكر لأن صاحب المال إذا رأى الفقير قبض جنبيه، وإذا قعد بجنبه تباعد وتجافى عنه وولى ظهره.
وأنا أقول: يحتمل أن يراد بالجباه قدام الشخص حيث لم يقدم لنفسه خير، أو بالظهور جهة الخلف حيث خلف ما أعقبه الحسرات وبالجنوب اليمين والشمال حيث لم يصرف المال في مرضاة الله وأنفقه في معصيته وسخطه وهذا بالتأويل أليق.
ثم الذي جعل كياً هو كل ماله أو قدر الزكاة الظاهر أنه الكل لأنه لما لم يخرج منه الحق كان ذلك الجزء شائعاً في كل ماله فناسب أن يعذب بكل الأجزاء ثم قال ﴿ هذا ما كنزتم ﴾ والتقدير فيقال لهم هذا ما كنزتم ﴿ لأنفسكم ﴾ وفيه توبيخ وإشعار بأنهم عورضوا بنقيض ما قصدوا وأكد ذلك بقوله ﴿ فذوقوا ما كنتم تكنزون ﴾ ما مصدرية أو موصولة والمعنى اعرفوا وبال كونكم كانزين، أو ذوقوا وبال المال الذي كنتم تكنزونه.
ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أعمال اليهود والنصارى والمشركين فقال ﴿ إن عدّة الشهور ﴾ الآيتان وذلك أنه لما حكم في كل وقت بحكم خاص فإذا غيروا تلك الأوقات بسبب النسيء والكبيسة كان ذلك سعياً منهم في تغيير حكم الله بحسب الهوى فكان ذلك زيادة في كفرهم.
واعلم أن المعالم الشرعية كلها منوطة بالشهور القمرية الهلالية لقوله ﴿ قل هي مواقيت للناس والحج ﴾ والسنة القمرية.
عبارة عن اثني عشر شهراً قمرياً بدليل قوله ﴿ إن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً ﴾ قال أبو علي الفارسي: لا يجوز أن يتعلق قوله ﴿ في كتاب الله ﴾ بقوله ﴿ عدّة الشهور ﴾ للفصل بالأجنبي وهو الخبر أعني اثنا عشر.
فقوله ﴿ في كتاب الله ﴾ و ﴿ يوم خلق ﴾ الثاني بدل من الأول وهو من عند.
والتقدير إن عدّة الشهور عند الله في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض.
وفائدة الإبدالات تقدير الكلام في الأذهان لأنه يعلم منه أن ذلك العدد واجب عند الله وثابت في عمله في أول ما خلق الله العالم.
ويجوز أن يكون ﴿ في كتاب الله ﴾ صفة اثنا عشر أي اثنا عشر شهراً مثبتة في كتاب الله وعلى هذا لا يجوز أن يراد بالكتاب كتاب من الكتب لأن ﴿ يوم ﴾ متعلق به ولا تتعلق الظروف بأسماء الأعيان.
لا يقال: غلامك يوم الجمعة بل الكتاب يكون مصدراً بمعنى المفعول أي فيما أثبته في ذلك اليوم اللهم إلا إذا قدر الكلام هكذا.
إن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً مكتوباً في كتاب الله يوم خلق.
قال ابن عباس: هو اللوح المحفوظ.
وقيل: القرآن.
﴿ منها أربعة حرم ﴾ ثلاثة سرد أي مسرودة ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد فرد وهو رجب ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ يعني أن تحريم الأشهر الحرم الدين المستقيم الذي كان عليه إبراهيم وإسماعيل وقد توارثته العرب منهما، وكانوا يعظمونها ويحرّمون القتال فيها حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو أخيه تركه ﴿ فلا تظلموا فيهن ﴾ أي في الأشهر الأربعة ﴿ أنفسكم ﴾ بأن تجعلوا حرامها حلالاً.
عن عطاء قال: تالله ما يحل للناس أن يغزو في الحرم ولا في الأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا وما نسخت.
وعن الحسن مثله لأنه فسر الدين القيم بأنه الثابت الدائم الذي لا يزول.
وعن عطاء الخراساني: أحلت القتال في الأشهر الحرم ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ وقيل: معناه لا تأثموا فيهن بياناً لعظم حرمتهن كما عظم أشهر الحج بقوله ﴿ فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ﴾ والسبب فيه أن لبعض الأوقات أثراً في زيادة الثواب أو العقاب كالأمكنة، وكانت الحكماء يختارون لإجابة الدعاء أوقاتاً مخصوصة.
وفيه فائدة أخرى هي أن الإنسان جبل مطبوعاً على الظلم والفساد، ومنعه من ذلك على الإطلاق شاق عليه فخص بعض الأزمنة والأمكنة بطاعة ليسهل عليه الإتيان بها فيهما ولا يمتنع عن ذلك.
ثم لو اقتصر على ذلك فهو أمر مطلوب في نفسه وإن جره ذلك إلى الاستدامة والاستقامة بحسب الإلفة والاعتياد أو لاعتقاده أن الإقدام على ضد ذلك يبطل مساعيه السالفة فذلك هو المطلوب الكلي.
ولا ريب أن تخصيص ذلك من الشارع أقرب إلى اتحاد الآراء وتطابق الكلمة.
وقيل: الضمير في قوله ﴿ فيهن ﴾ عائد إلى ﴿ اثنا عشر ﴾ والمقصود منع الإنسان من الإقدام على الفساد مدة عمره، أو المراد المنع من النسيء على ما يجيء.
قال الفراء: الأولى رجوع الضمير إلى الأربعة لقربها ولما ذكرنا أن لهذه الأشهر مزيد شرف، فناسب أن تخص بالمنع من الظلم، ولأن العرب تختار فيما بين الثلاثة إلى العشرة ضميراً الجماعة، وفيما جاوز العشرة وهو جمعالكثرة تختار ضمير الوحدة.
قال حسان: لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى *** وأسيافنا يقطرن من نجدة دما ويقال: لثلاث خلون من شهر كذا ولإحدى عشرة ليلة خلت.
ثم قال عز من قائل ﴿ وقاتلوا المشركين ﴾ وظاهر الآية يدل على إباحة القتال في جميع الأشهر لأن الأمر الوارد عقيب الحرمة يدل على الإباحة.
ومعنى ﴿ كافة ﴾ جميعاً لأنهم إذا اجتمعوا تزاحموا فكف بعضهم بعضاً.
ونصبه على المصدر عند بعضهم لأنه مثل العاقبة والعافية.
وقال الزجاج: نصبه على الحال.
ولا يجوز أن يثنى ويجمع ويعرف باللام كقولك: قاموا معاً وقاموا جميعاً.
وفي وجه التشبيه في قوله ﴿ كما يقاتلونكم كافة ﴾ قولان: فعن ابن عباس: قاتلوهم بكليتهم ولا تحابوا بعضهم بترك القتال كما أنهم يستحلون قتال جميعكم.
وقيل: قاتلوهم بأجمعكم غير متفرقين في مقاتلة الأعداء ومقابلتهم.
فعلى الأول يكون ﴿ كافة ﴾ حالاً من المفعول وعلى الثاني يكون حالاً من الفاعل وفي قوله ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ حث لهم على التقوى وعلى الجهاد بضمان النصر والمعونة.
ثم فسر الظلم المنهى عنه في الآية المتقدمة وأكد النهي عنه بقوله ﴿ إنما النسيء ﴾ وهو مصدر نسأ إذا أخر كالنذير والنكير.
وقال قطرب: أصله الزيادة من قوله: نسأت المرأة إذا حبلت لزيادة الولد فيها.
وردّ بأنه يقال لها ذلك فيؤول لتأخر حيضها.
وقيل: هو معنى منسوء كقتيل بمعنى مقتول.
واعترض بأن المؤخر هو الشهر المعنى إلى أن الشهر زيادة في الكفر وهذا الحمل غير صحيح.
ويمكن أن يجاب بأن المراد أن العمل الذي بسببه يصير الشهر الحرام مؤخراً زيادة في الكفر.
احتج الجبائي ههنا بأن الكفر يقبل الزيادة فكذا الإيمان.
وأيضاً أطلق الكفر على هذا العمل فتركه يكون إيماناً فلا يكون الإيمان مجرد الاعتقاد والإقرار.
وأجيب بأن الزيادة راجعة إلى الكمال وإنما سمي هذا العمل كفراً لأنه يؤول إلى اعتقاد تحليل ما هو حرام وبالعكس.
وفي قوله ﴿ يضل به الذين كفروا ﴾ بحث مشهور بين المعتزلة وغيرهم أن إسناد الإضلال إلى الله بالمجاز أو بالحقيقة وقد مر مراراً.
قوله ﴿ يحلونه عاماً ﴾ الضمير فيه عائد إلى النسيء.
قال الواحدي: أي يحلون التأخير عاماً وهو العام الذي يريدون أن يقاتلوا فيه في الشهر الحرام.
ويحرّمون التأخير عاماً آخر وهو الذي يتركون فيه الشهر الحرام على تحريمه.
قال المفسرون: إنهم كانوا أصحاب حروب وغارات وكان يشق عليهم مكث ثلاثة أشهر متوالية من غير قتل وغارة، فإذا اتفق لهم في شهر منها أو في المحرم حرب وغارة أخروا تحريم ذلك الشهر إلى شهر آخر.
قال الواحدي وأكثر العلماء: على أن هذا التأخير كان من المحرم إلى صفر.
ويروى أنه حدث ذلك في كنانة لأنهم كانوا فقراء محاويج إلى الغارة، وكان جنادة بن عوف الكناني مطاعاً في قومه وكان يقوم على جمل في الموسم فيقول بأعلى صوته: إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه.
ثم يقوم في القابل فيقول: إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرّموه.
والأكثرون على أنهم كانوا يحرمون من جملة شهور العام أربعة أشهر وذلك قوله ﴿ ليواطئوا عدّة ما حرم الله ﴾ أي ليوافقوا العدة التي هي الأربعة ولا يخالفوا ولم يعلموا أنهم خالفوا ترك القتال ووجوب التخصيص وذلك قوله تعالى ﴿ فيحلوا ما حرم الله ﴾ أي من القتال وترك الاختصاص.
قال أهل اللغة: يقال تواطأ القوم على كذا إذا اجتمعوا عليه كأن واحد منهم يطأ حيث يطأ صاحبه.
والإيطاء في الشعر من هذا وهو أن يأتي في القصيدة بقافيتين لفظهما ومعناهما واحد.
قال ابن عباس: إنهم ما أحلوا شهراً من الأشهر الحرم إلا حرموا مكانه شهراً آخر من الحلال، ولم يحرموا شهراً من الحلال إلا أحلوا مكانه شهراً آخر من الحرام لأجل أن تكون عدة الحرم أربعة مطابقة لما ذكره الله فهذا هو المراد بالمواطأة.
وللآية تفسيراً آخر وهو أن يكون المراد بالنسيء كبس بعض السنين القمرية بشهر حتى يلتحق بالسنة الشمسية، وذلك أن السنة القمرية أعني اثني عشر شهراً قمرياً هي ثلثمائة وأربعة وخمسون يوماً وخمس وسدس من يوم على ما عرف من علم النجوم وعمل الزيجات، والسنة الشمسية وهي عبارة عن عود الشمس من أية نقطة تفرض من الفلك إليها بحركتها الخاصة ثلثمائة وخمسة وستون يوماً وربع يوم إلا كسراً قليلاً، فالسنة القمرية أقل من السنة الشمسية بعشرة أيام وإحدى وعشرين ساعة وخمس ساعة تقريباً، وبسبب هذا النقصان تنتقل الشهور القمرية من فصل إلى فصل فيكون الحج واقعاً في الشتاء مرة وفي الصيف أخرى، وكذا في الربيع والخريف، فكان يشق الأمر عليهم إذ ربما كان وقت الحج غير موافق لحضور التجار من الأطراف فكان يختل أسباب تجاراتهم ومعايشهم فلهذا السبب أقدموا على عمل الكبيسة بحيث يقع الحج دائماً عند اعتدال الهواء، وإدراك الثمار والغلات وذلك بقرب حلول الشمس نقطة الاعتدال الخريفي، فكبسوا تسع عشر سنة قمرية بسبعة أشهر قمرية حتى صارت تسع عشرة سنة شمسية فزادوا في السنة الثانية شهراً ثم في الخامسة ثم في السابعة ثم في العاشرة ثم في الثالثة عشرة ثم في السادسة عشرة ثم في الثامنة عشرة، وذلك ترتيب بهر يحوج عند المنجمين، وقد تعلموا هذه الصفة من اليهود والنصارى فأنهم يفعلون هكذا لأجل أعيادهم، فالشهر الزائد هو الكبس وسمي بالنسيء لأنه المؤخر والزائد مؤخر عن مكانه، وهذا التفسير يطابق ما روي أنه خطب في حجة الوداع وكان في جملة ما خطب به: "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" والمعنى رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه وعاد الحج في ذي الحجة وبطل النسيء الذي كان في الجاهلية.
وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة في نفس الأمر فكانت حجة أبي بكر قبلها وفي ذي القعدة التي سموها ذا الحجة.
وإنمالزم العتب عليهم في هذا التفسير لأنهم إذا حكموا على بعض السنين بأنها ثلاثة عشر شهراً كان مخالفاً لحكم الله بأن عدّة الشهور اثنا عشر شهراً أي لا أزيد ولا أنقص وإليه الإشارة بقوله ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ على هذا التفسير.
ويلزمهم أيضاً ما لزمهم في التفسير الأول من تغيير الأشهر الحرم عن أماكنها، فيجوز أن تكون الإشارة إلى المجموع.
ومعنى قوله ﴿ يحلونه عاماً ﴾ أي يحلون النسيء في عام الكبس ويحرمونه عاماً أي في غير سنة الكبس.
ومعنى قوله ﴿ ليواطؤا عدّة ما حرم الله ﴾ ما روي أنه كان يقوم في الموسم منهم خطيب ويقول: أنا أنسىء لكم في هذه السنة شهراً وكذا أفعل في كل سنين أقبلت حتى يأتي حجكم وقت الإدراك فينسىء المحرم ويجعله كبيساً.
ثم إنه متى انتهت النوبة إلى الشهر الحرام فتكرر حرم عليهم واحداً برأيه وعلى وفق مصلحتهم، وأحل الآخر وباقي في الآية قد مر في تفسير مثله مراراً والله أعلم.
التأويل: ﴿ قاتلوا ﴾ النفوس ﴿ الذين لا يؤمنون بالله ﴾ بتعبده ﴿ ولا باليوم الآخر ﴾ أي لا يعملون للآخرة ﴿ ولا يحرمون ما حرم الله ﴾ من حب الدنيا فإنها رأس كل خطيئة ﴿ وحرم ﴾ ﴿ رسوله ﴾ على نفسه ﴿ ولا يدينون دين الحق ﴾ أي لا يطلبون الحق ﴿ من الذين أوتوا الكتاب ﴾ من النفوس الملهمة بالواردات الربانية ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ وهي معاملتها على خلاف طبعها ﴿ عن يد ﴾ عن حكم صاحب قوة وهو الشارع (وقالت يهود النفس أن عزير) القلب ﴿ ابن الله ﴾ وذلك إذا انعكس عن مرآه القلب آثار أنوار الواردات إلى النفس المظلمة فتنورت، كما أن اليهود لما سمعت التوراة والعلوم التي هم عنها بمعزل من عزير قالوا إنه ابن الله (وقالت نصارى) القلوب إن مسيح الروح ابن الله، وذلك أن الروح ربما يتجلى للقلب في صفة الربوبية والخلافة مقترناً بصفة إبداع الحق وبتشريف إضافة ﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ ﴿ يضاهئون قول الذين كفروا من قبل ﴾ وهم النفوس الكافرة الذين ﴿ اتخذوا أحبارهم ﴾ أي قلوبهم ﴿ ورهبانهم ﴾ أي أرواحهم ﴿ أرباباً ﴾ والمسيح ابن مريم وهو الخفي وذلك أن الخفي هو أول مظهر للفيض الإلهي الذي منه التربية ثم الروح ثم القلب ثم النفس ثم القالب.
فالنفس من قصر نظرها ترى التربية من القالب، ثم يرتقي نظرها إلى أن ترى التربية من القلب، ثم يرتقي نظرها إلى أن ترى الكل من الحق فإن رؤية ذلك من شأن القلب كقوله ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ ﴿ يريدون ﴾ أي النفوس ﴿ أن يطفئوا نور الله ﴾ الذي رش على الأرواح في بدء الخلق ﴿ بأفواههم ﴾ أي بأفواه استيفاء الشهوات واللذات الجسمانيات ﴿ هو الذي أرسل رسوله ﴾ وهو النور المرشش بالهداية إلى الله وطلب الحق ﴿ ليظهره ﴾ في طلب الحق على طلب غيره ﴿ إن كثيراً ﴾ من أحبار القلوب ورهبان الأرواح ﴿ ليأكلون ﴾ أي يتمتعون بحظوظ النفس وهواها ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ﴾ حرصاً وطمعاً في الاستمتاع بحظوظ النفوس ﴿ ولا ينفقونها في سبيل الله ﴾ ليقطعوا مسافة البعد عن الله بقدمى ترك الدنيا وقمع الهوى ﴿ يحمى عليها في نار جهنم ﴾ الحرص ﴿ فتكوى بها ﴾ جباه القلوب والأرواح لأنهم امتنعوا بذلك عن التوجه إلى الحق ﴿ وجنوبهم ﴾ حيث لا تتجافى جنوبهم عن مضاجع المكونات ﴿ وظهورهم ﴾ حيث لم يقضوا حق التواضع والخشوع فيقال لهم ﴿ هذا ﴾ الذي أصابكم من ألم الحرمان وعذاب القطيعة بسبب ﴿ ما كنزتم ﴾ ﴿ فذوقوا ﴾ الآن ألم كي نار الحرص لأنكم لم تذوقوه في الدنيا حيث كنتم في منام الغفلة ﴿ منها أربعة حرم ﴾ فيه إشارة إلى أن الطالب المضطر إلى تحصيل قوت نفسه وعياله يجب أن يجعل أوقات عمره أثلاثاً: ثلثاً لطلب المعاش وترتيب مصالح الدنيا، وثلثاً للطاعات التي ينتفع بها في الآخرة، وثلثاً من ذلك حرام أن يقع في خاطره غير المولى.
ومن استغنى عن الموانع فيحرم عليه صرف لحظة في غير طلب الحق وإلى هذا المعنى أشار بقوله ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ وفيه تنبيه على أن من لم يكن هكذا كان في سلوكه اعوجاج.
ثم ذكر أن من شأن النفوس المشركة أنها إن أقبلت على طاعة أخرتها عن وقتها وهو النسيء الموجب لازدياد كفرها لأنها قد خالفت الشرع من حيث تركها الطاعة باختيارها، ومن حيث إنها اعتقدت أن ذلك التأخير مما لا بأس به.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ﴾ .
وقال في آية أخرى: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً ﴾ ، أخبر أن السماوات تكاد تتفطر، وتنشق الأرض وتخر الجبال؛ لعظيم ما قالوا في الله - - من البهتان والفرية عليه أن له ولداً، ثم بين الذي ذكر ذلك فقال: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ﴾ : فذكر الآية، وأخبر - والله أعلم - أنهم قالوا في الله ما قالوا لوجوه: أحدها: دلالة إثبات رسالة محمد ؛ لأن هؤلاء المتأخرين لم يقولوا هذا، ولكن إنما قال ذلك أوائلهم، لكن كتموا ذلك، فأخبر رسول الله أن أوائلهم قالوا ذلك، وهم كانوا يكتمون عن رسول الله ذلك؛ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله.
والثاني: يخبر رسوله سفه أوائلهم، ويصبره على سفه هؤلاء؛ ليصبر على سفههم وأذاهم.
والثالث: يخبر أنهم مشبهة؛ لأنهم نسبوا المخلوق إليه، وقالوا: إن فلاناً ابنه؛ لما رأوا منه أشياء، فلولا أنهم عرفوا الله بمثل معرفتهم المخلوق وإلا ما قالوا ذلك، ولا اعتقدوا من التشبيه، وغير ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ .
أى: ذلك قول قالوه بلا حجة ولا برهان كان لهم في ذلك.
أو قالوا ذلك بأفواههم على غير شبه اعترضت لهم تحملهم على ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ﴾ .
يحتمل هذا أن قد كان قبل هؤلاء من قد قال مثل قول هؤلاء [ ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ﴾ من الشرك أو الكفر أو غير ذلك من الكذب والافتراء على الله، كقوله: ﴿ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ بالكفر وكقوله]: ﴿ كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ ، ليس أن يحيي الموتى كلهم إحياء كما أحيا ذلك القتيل بضرب بعض من البقرة، ولكن يحييهم إحياء، [فعلى] ذلك قوله: ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ﴾ ] في الكفر نفسه.
ويحتمل: ضاهى قول النصارى قول اليهود، والمضاهاة: المشابهة والإشباه.
وقوله [أيضاً]: ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ﴾ ، أي: يشبه النصارى بقولهم لعيسى إنه ابن الله قول اليهود من قبل: عزير ابن الله؛ فضاهى النصارى في عيسى اليهود قبلهم في عزير.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ .
هذه الكلمة كلمة اللعن، تستعمل عند مناكير القول والفعل من غير حصول المنفعة.
وقوله: ﴿ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ يحتمل: من أين يؤفكون ويفترون على الله على غير شبهة اعترضت لهم.
ويحتمل: ﴿ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ ، أي: كيف يؤفكون بلا منفعة تحصل لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً ﴾ .
قيل: الأحبار: هم العلماء، والرهبان: هم العباد.
وقيل: الأحبار هم أصحاب الصوامع مع اليهود، والرهبان: من النصارى.
وقوله: ﴿ ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل أن يكون هذا في السفهاء والأتباع، وقوله: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ﴾ : في العلماء منهم والرؤساء، فاتخذ الأتباع أولئك أرباباً يتبعونهم في جميع ما يدعونهم إليه، يأتمرون بهم في جميع أوامرهم ونواهيهم؛ لا أنهم عبدوهم، ولكن ذكر أرباباً لما ذكرنا من اتباعهم وانتظارهم إياهم فيما يدعونهم إليه ويأمرونهم؛ كقوله: ﴿ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ ﴾ ، وقول إبراهيم لأبيه: ﴿ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ ﴾ ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان وطاعته، ولكن نسب العبادة إليه؛ لما يجيبونه في كل ما يدعوهم إليه ويأمرهم به؛ فعلى ذلك هذا.
ويحتمل ما روي في الخبر - إن ثبت - أنهم لم يعبدوهم، ولكن هم أحلوا لهم أشياء حرمها [الله] عليهم فاستحلوها، أو حرموا عليهم أشياء أحل الله ذلك لهم، فحرموا ذلك فقيل: اتخذوهم أرباباً - والله أعلم - يخرج هذا في الأحبار والرهبان على التمثيل، أي: اتخذوهم في الطاعة لهم والاتباع لأمرهم؛ كأنهم اتخذوهم أرباباً، لا على التحقيق، وهو ما ذكر من عبادتهم الشيطان، لا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكن صاروا بالطاعة للشيطان والاتباع لأمره كأنهم عبدوه.
وأما في المسيح فهو على التحقيق؛ لأنهم قالوا: ابن إله، وقالوا: ابن [الإله] إله؛ فهو يخرج في المسيح على التحقيق، وفي الأحبار والرهبان على التمثيل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً ﴾ .
يحتمل: إلا ليوحدوا إلهاً واحداً الذي لا إله إلا هو.
ويحتمل: أي: ما أمروا أن يعبدوا آلهة [على ما] يعبدون من الأصنام والأوثان، ولكن أمروا أن يعبدوا إلهاً واحداً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ ﴾ .
قيل: ﴿ نُورَ ٱللَّهِ ﴾ : ذكر الله وتوحيده.
وقيل: ﴿ نُورَ ٱللَّهِ ﴾ : القرآن.
وقيل: ﴿ نُورَ ٱللَّهِ ﴾ : هو الإسلام.
فإذا كان النور هو الذكر والتوحيد فهو - والله أعلم - أنهم لم يكونوا يعرفون ذكر الله، ولا يذكرونه، إنما كانوا يعرفون ذكر الأصنام، وإياها يذكرون، وبحق القرابة والرحم يتناصرون فيما بينهم، فلما أن بعث الله رسوله محمداً بذكر الله وتوحيده، وأمر بالتناصر بحق الدين، أرادوا أن يطفئوا ذلك النور.
ومن قال: أراد بنور الله القرآن، أرادوا إطفاءه؛ كقوله: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، و ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ و ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ﴾ ونحوه، أرادوا إطفاءه بنحو ما ذكرنا ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى ﴾ ، وقولهم: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ...
﴾ الآية [النحل: 103].
ومن قال: نور الله هو الدين؛ كقوله: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ ، وقال: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ...
﴾ النور: 35] في حرف أبي: (مثل نور المؤمن)، ومثله - أرادوا إطفاء هذا النور؛ لتسلم لهم المنافع التي كانت [لهم].
وقوله: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ ﴾ يحتمل وجهين: ﴿ يُرِيدُونَ ﴾ ، أي: يجتهدون أن يطفئوه، فما يقدرون على إطفائه.
ويحتمل: ﴿ يُرِيدُونَ ﴾ ، أي: يحتالون أن يطفئوه بأسباب يتكلفونها ويحتالونها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ ﴾ .
بالحجج والبراهين، أو بالنشر والإظهار، وقد أتمه؛ كقوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ ﴾ .
وقد كره الكافرون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ بِٱلْهُدَىٰ ﴾ : هدى يهديهم إلى ما به تكون جميع المحاسن والخيرات محاسن وخيرات؛ لأن المحاسن والخيرات إنما تقوم بالإيمان، وبه ينتفع بها، بعثه لذلك.
ويحتمل قوله: ﴿ بِٱلْهُدَىٰ ﴾ : وهو القرآن، يهديهم، ويبين لهم المحاسن من المساوئ، والحسنات من السيئات، وهو هدى يهديهم إلى ذلك.
وقوله - عز جل -: ﴿ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ \[وهو دين الحق\].
أي: الإيمان الذي به تصير المحاسن محاسن، والخيرات خيرات - هو دين الحق.
ويحتمل قوله: ﴿ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ [أي: أرسله بالهدى وبدين الحق.
ويحتمل قوله: ودين الحق] أي: دين الله؛ كقوله: ﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ .
يحتمل وجوهاً: [يحتمل]: ليظهر رسوله على أهل الدين كله بالحجج والآيات، فقد أظهره بحمد الله على الأديان كلها بالحجج والبراهين، حتى لم يتعرض أحد في شبه ذلك فضلاً أن يتعرض في إبطاله.
ويحتمل: ليظهره على أهل الدين كله بالقهر والغلبة والإذلال، فقد كان، حق خضعوا له كلهم وذلوا، حتى لم يبق في جزيرة العرب مشرك ولا كافر إلا خضع له، وصار أهل الكتاب ذليلين صاغرين في أيدي المسلمين.
فإن كان المراد من قوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ ، فهو بالحجج والبراهين كلها.
وإن كان أراد به الدين أن يظهره على الأديان كلها فبعد لم يكن، ويكون - إن شاء الله - هو الظاهر على الأديان كلها يوم القيامة.
وقوله - عز جل -: ﴿ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ .
ولم يقل: على الأديان كلها؛ فالدين يتناول الأديان كلها؛ كقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ ﴾ يدخل فيه كل إنسان.
وجائز أن تكون أدياناً مختلفة فهو واحد؛ لأن الكفر كله ملة واحدة، وهو دين الشيطان، فسماه بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ ﴾ .
أما الأحبار والرهبان فقد ذكرناهما.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ ﴾ .
لأنهم كانوا يأكلون أموالهم بما يحرفون كتاب الله ويبدلونه؛ كقوله: ﴿ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ الآية [آل عمران: 78]، فهم إنما حرفوا ذلك وبدلوه؛ لتسلم لهم تلك الأموال، فذلك أكل بباطل؛ لأنهم خافوا ذهاب تلك المنافع والأموال إذا أسلموا، فيجوز أن يكون إنما سماهم أرباباً في الآية الأولى؛ لما أنهم جعلوا أموالهم أموالاً لأنفسهم، وأنفسهم عبيداً لهم، فهم كالأرباب لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .
يحتمل أن يكون هذا صلة ما قال: ﴿ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: أخذوا أموالهم لصد الناس عن سبيل الله، وكنزوها، ولم ينفقوها في سبيل الله، إنما أنفقوها لصد الناس عن سبيله.
ومن الناس من حمل الآية في منع الزكاة.
روي في الأخبار عن رسول الله وعن بعض الصحابة - رضوان الله عليهم - أن كل مال أديت الزكاة عنه فهو ليس بكنز، وإن كان تحت سبع أرضين، وكل مال لم تؤدّ الزكاة [عنه] فهو كنز، وإن كان على وجه الأرض.
ومن أصحابنا من استدل بلزوم ضمّ الفضة والذهب بعضه إلى بعض في الزكاة بهذه الآية؛ لأنه ذكر الذهب والفضة جميعاً، وألحق الوعيد بترك الإنفاق من الفضة بقوله: ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، فلولا أن الضم واجب ويكون المؤدى عن أحدهما مؤدى عن الآخر، وإلا لم يكن لذلك معنى.
ثم في متعارف الناس أنهم يؤدون من الفضة عن الذهب؛ لأن الذهب أعز عندهم، والفضة دونه.
ثم إن كانت الآية في الكفرة فهي في القبول؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾ وذلك على القبول، لا في الأداء نفسه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ...
﴾ الآية.
جعل الله تعذيب الكفرة في الآخرة بالأسباب التي منعتهم عن طاعة الله، ودعتهم إلى مخالفة أمره، ويجمع بينهما في النار؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ ، وقوله: ﴿ يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ ﴾ وقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ ﴾ ونحو ذلك؛ فعلى ذلك ما كنزوا يحمى عليها، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، يعذبهم بها؛ لما منعتهم تلك الأموال من طاعته، ودعتهم إلى صدّ الناس عن سبيل الله؛ يجعل عذابهم في الآخرة بها.
ويحتمل قوله: ﴿ جِبَاهُهُمْ ﴾ : كناية عن التقديم إلى الآخرة، أي: لم يقدموها ولم ينفقوها في سبيل الله.
وقوله: ﴿ وَجُنوبُهُمْ ﴾ : لما أخذوها مما يحل ومما لا يحل من كل جهة.
وقوله: ﴿ وَظُهُورُهُمْ ﴾ : لما أنفقوها في الصد عن سبيل الله.
ويحتمل ذكر هذا إحاطة العذاب بهم من كل الجهات؛ كقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ﴾ ، وقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ ، أي: يحيط العذاب بهم؛ فعلى ذلك هذا - والله أعلم - كقوله: ﴿ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ ، أي: يحيط بهم حتى لا يقدروا على دفعه عن وجوههم.
وقوله: ﴿ يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ...
﴾ الآية.
روي عن أبي هريرة أن رسول الله قال: "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها، إلا جعلت له يوم القيامة صفائح، ثم أحمي عليها في نار جهنم، يكوى بها جنبه وجبهته وظهره، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين الناس، فيرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وما من صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي حقها، إلا أتى بها يوم القيامة تطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها" ثم ذكر فيه ما ذكر في الأول، قالوا: "يا رسول الله، فصاحب الخيل؟
قال: هي لثلاث: لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر؛ فأما من ربطها عدة في سبيل الله، فإنه لو أنه طول لها في مرج خصب أو في روضة، كتب الله له عدد ما أكلت حسنات، وعدد أرواثها حسنات، ولو انقطع طولها ذلك فاستنت شرفاً أو شرفين، وكتب الله له عدد آثارها حسنات، ولو مرت بنهر عجاج لا يريد السقي به فشربت، كتب الله له عدد ما شربت حسنات.
ومن ارتبطها فخراً وعزّاً على المسلمين، كان له وزر إلى يوم القيامة؛ ومن ارتبطها تغنياً وتعففاً ثم لم ينس حق الله في رقابها وظهورها، كانت له ستراً من النار يوم القيامة" فإن ثبت هذا الخبر عن رسول الله ففيه دلالة وجوب الزكاة في الخيل، وهو حجة لأبي حنيفة؛ لأنه قال: "ثم لم ينس حق الله في رقابها"، والحق الذي في رقابها هو الزكاة، والذي في ظهورها هو الجهاد عليها، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
يريد هؤلاء الكفار وغيرهم ممن هم على ملة من ملل الكفر بافتراءاتهم هذه وتكذيبهم بما جاء به محمد أن يقضوا على الاسلام ويبطلوه، ويبطلوا ما جاء فيه من الحجج الواضحة والبراهين الجلية على توحيد الله، وأن ما جاء به رسوله حق، ويأبى الله سبحانه وتعالى إلا أن يكمل دينه ويظهره، ويعليه على غيره، ولو كره الكافرون إكمال دينه وإظهاره وإعلاءه فإن الله مُتِمُّه ومُظْهِرُه ومُعْلِيه، وإذا أراد الله أمرًا بطلت إرادة غيره.
<div class="verse-tafsir" id="91.8K45W"