الآية ٤ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٤ من سورة التوبة

إِلَّا ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْـًۭٔا وَلَمْ يُظَـٰهِرُوا۟ عَلَيْكُمْ أَحَدًۭا فَأَتِمُّوٓا۟ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ ٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 96 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا استثناء من ضرب مدة التأجيل بأربعة أشهر ، لمن له عهد مطلق ليس بمؤقت ، فأجله ، أربعة أشهر يسيح في الأرض ، يذهب فيها لينجو بنفسه حيث شاء ، إلا من له عهد مؤقت ، فأجله إلى مدته المضروبة التي عوهد عليها ، وقد تقدمت الأحاديث : ومن كان له عهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعهده إلى مدته وذلك بشرط ألا ينقض المعاهد عهده ، ولم يظاهر على المسلمين أحدا ، أي : يمالئ عليهم من سواهم ، فهذا الذي يوفى له بذمته وعهده إلى مدته ؛ ولهذا حرض الله تعالى على الوفاء بذلك فقال : ( إن الله يحب المتقين ) أي : الموفين بعهدهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ،, إلا من عَهْدِ الذين عاهدتم من المشركين، أيها المؤمنون (58) =(ثم لم ينقصوكم شيئا)، من عهدكم الذي عاهدتموهم =(ولم يظاهروا عليكم أحدًا)، من عدوكم, فيعينوهم بأنفسهم وأبدانهم, ولا بسلاح ولا خيل ولا رجال (59) =(فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم)، يقول: فَفُوا لهم بعهدهم الذي عاهدتموهم عليه, (60) ولا تنصبوا لهم حربًا إلى انقضاء أجل عهدهم الذي بينكم وبينهم =(إن الله يحب المتقين)، يقول: إن الله يحب من اتقاه بطاعته، بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.

(61) 16471- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم)، يقول: إلى أجلهم.

16472- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (إلا الذين عاهدتم من المشركين)، : أي العهد الخاص إلى الأجل المسمى =(ثم لم ينقصوكم شيئا)، الآية.

(62) 16473- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا)، الآية, قال: هم مشركو قريش، الذين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية، وكان بقي من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر.

فأمر الله نبيه أن يوفي لهم بعهدهم إلى مدتهم, ومن لا عهد له إلى انسلاخ المحرم, ونبذ إلى كل ذي عهد عهده, وأمره بقتالهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله, وأن لا يقبل منهم إلا ذلك.

16474- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال: مدة من كان له عهد من المشركين قبل أن تنـزل " براءة " أربعة أشهر، من يوم أذن ببراءة إلى عشر من شهر ربيع الآخر, وذلك أربعة أشهر.

فإن نقضَ المشركون عهدهم، وظاهروا عدوًّا فلا عهد لهم.

وإن وفوْا بعهدهم الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يظاهروا عليه عدوًّا, فقد أمر أن يؤدِّي إليهم عهدهم ويفي به.

------------------------ الهوامش : (58) انظر تفسير " المعاهدة " فيما سلف ص : 21 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(59) انظر تفسير "المظاهرة" فيما سلف 2 : 304 .

(60) انظر تفسير " الإتمام " فيما سلف 13 : 87 ، تعليق 1 ، والمراجع هناك .

(61) انظر تفسير " التقوى " فيما سلف من فهارس اللغة ( وقى ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقينقوله تعالى إلا الذين عاهدتم من المشركين في موضع نصب بالاستثناء المتصل ، المعنى : أن الله بريء من المشركين إلا من المعاهدين في مدة عهدهم .

وقيل : الاستثناء منقطع ، أي أن الله بريء منهم ولكن الذين عاهدتم فثبتوا على العهد فأتموا إليهم عهدهم .وقوله لم ينقصوكم يدل على أنه كان من أهل العهد من خاس بعهده ومنهم من ثبت على الوفاء ، فأذن الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم في نقض عهد من خاس ، وأمر بالوفاء لمن بقي على عهده إلى مدته .

ومعنى لم ينقصوكم أي من شروط العهد شيئا .ولم يظاهروا عليكم أحدا لم يعاونوا .

وقرأ عكرمة وعطاء بن يسار " ثم لم ينقضوكم " بالضاد معجمة على حذف مضاف ، التقدير ثم لم ينقضوا عهدهم .

يقال : إن هذا مخصوص يراد به بنو ضمرة خاصة .فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم أي وإن كانت أكثر من أربعة أشهر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي هذه البراءة التامة المطلقة من جميع المشركين‏.‏ ‏{‏إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏}‏ واستمروا على عهدهم، ولم يجر منهم ما يوجب النقض، فلا نقصوكم شيئًا، ولا عاونوا عليكم أحدا، فهؤلاء أتموا لهم عهدهم إلى مدتهم، قَلَّتْ، أو كثرت، لأن الإسلام لا يأمر بالخيانة وإنما يأمر بالوفاء‏.‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ‏}‏ الذين أدوا ما أمروا به، واتقوا الشرك والخيانة، وغير ذلك من المعاصي‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إلا الذين عاهدتم من المشركين ) هذا استثناء من قوله : " براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين " إلا من عهد الذين عاهدتم من المشركين ، وهم بنو ضمرة ، حي من كنانة ، أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بإتمام عهدهم إلى مدتهم ، وكان قد بقي من مدتهم تسعة أشهر ، وكان السبب فيه : أنهم لم ينقضوا العهد ، وهذا معنى قوله تعالى : ( ثم لم ينقصوكم شيئا ) من عهدهم الذي عاهدتموهم عليه ، ( ولم يظاهروا ) لم يعاونوا ، ( عليكم أحدا ) من عدوكم .

وقرأ عطاء بن يسار : " لم ينقضوكم " بالضاد المعجمة من نقض العهد ، ( فأتموا إليهم عهدهم ) فأوفوا لهم بعهدهم ، ( إلى مدتهم ) إلى أجلهم الذي عاهدتموهم عليه ، ( إن الله يحب المتقين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا» من شروط العهد «ولم يظاهروا» يعاونوا «عليكم أحدا» من الكفار «فأتموا إليهم عهدهم إلى» انقضاء «مدتهم» التي عاهدتم عليها «إن الله يحب المتقين» بإتمام العهود.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ويُستثنى من الحكم السابق المشركون الذين دخلوا معكم في عهد محدد بمدة، ولم يخونوا العهد، ولم يعاونوا عليكم أحدا من الأعداء، فأكملوا لهم عهدهم إلى نهايته المحدودة.

إن الله يحب المتقين الذين أدَّوا ما أمروا به، واتقوا الشرك والخيانة، وغير ذلك من المعاصي.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - بعد ذلك : ( إِلاَّ الذين عَاهَدتُّم مِّنَ المشركين ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فأتموا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ ) استثناء من المشركين فى قوله : ( بَرَآءَةٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ مِّنَ المشركين ) .والمعنى : اعلموا .

أيها المؤمنون أن الله ورسوله بريئان من عهود المشركين بسبب نقضهم لها ، لكن الذين عاهدتموهم منهم ولم ينقضوا عهودهم ، ولم ينقصوكم شيئاً من شورط العهد ، ولم يعاونوا عليكم أحدا من الأعداء ، فهؤلاء أتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ولا تعاملوهم معاملة الناكثين .فالآية الكريمة تدل على أن المراد بالمشركين الذين تبرأ الله ورسوله منهم وأعطوا مهلة الأربعة الأشهر ، هم أولئك الذين عرفوا بنقض العهود .أما الذين عاهدوا ووفوهم بعهودهم ، فإن هؤلاء يجب إتمام عهدهم إلى مدتهم وفاء بوفاء ، وكرامة بكرامة .وعبر - سبحانه - بثم فى قوله : ( ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً ) للدلالة على ثباتهم على عهدهم مع تمادى المدة وتطاولها .وقراءة الجمهور ( يَنقُصُوكُمْ ) بالصاد المهملة ، وعليها يجوز أن يتعدى لواحد فيكون شيئاً منصوباً على المصدرية أى : يم ينقصوكم شيئا من النقصان لا قليلا ولا كثيرا ، ويجوز أن يتعدى لاثنين فيكون شيئا مفعوله الثانى ، أى : لم ينقصوكم شيئا من شروط العهد بل أدوها بتمامها .وقرأ عطاء بن السائب الكوفى وعكرمة وأبو زيد ( ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ ) بالضاد المعجمة وهى على حذف مضاف أى : ثم لم ينقضوا عهدكم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه .وفى تنكير كلمة " شيئا " وكلمة " أحدا " دلالة على أن انتقاص المعاهدة ولو شيئا يسيرا ، وأن معاونة الأعداء بأى وسيلة مهما قلت .

.

كل ذلك مبيح لنبذ العهد ، لأن الخيانة الصغيرة كثيرا ما تؤدى إلى الخيانة الكبيرة .قالوا : والمراد بهؤلاء الذين أمر المسلمون بإتمام عهدهم معهم : بنو ضمرة وبنو مدلج وهم من قبائل بنى بكر وان قد بقى من عهدهم تسعة أشهر ، ولم ينقضوا مواثيقهم .وقوله ( إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين ) تذييل قصد به التعليل لوجوب الامتثال ، والتنبيه على أن الوفاء بالعهد إلى نهايته مع الموفين بعهدهم منت تقوى الله التى يحبها لعباده ويحبهم بسببها .قال صاحب المنار : والآية تدل على أن الوفاء بالعهد من فرائض الإِسلام ما دام العهد معقدا ، وعلى أن العهد المؤقت لا يجوز نقضه إلا بانتهاء وقته وأن شرط وجوب الوفاء به علينا محافظة العدو المعاهد لنا عليه بحذافيره .فإن نقص شيئاً ما من شروط العهد ، وأخل بغرض ما من إغراضه عد ناقضاً ، لقوله - تعالى - ( ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً ) ، ولفظ شئ أعم الألفاظ وهو نكرة فى سياق النفى فيصدق بأدنى إخلال بالعهد .ومن الضرورى أن من شروطه التى ينتقض بالإِخلال بها ، عدم مظاهرة أحد من أعدائنا وخصومنا علينا ، وقد صرح بهذا للاهتمام به ، وإلا فهو يدخل فى عموم ما قبله ، وذلك أن الغرض الأول من المعاهدات ترك قتال كل من الفريقين المتعاهدين للآخر ، فمظاهرة أحدهما لعدو الآخر ، أى معاوته ومساعدته على قتاله وما يتعلق به ، كمباشرته للقتال بنفسه .يقال : ظاهره إذا عاونه ، وظاهره عليه إذا ساعده عليه ، وتظاهروا عليهم تعاونوا وكله من الظهر الذى يعبر به عن القوة ، ومنه بعير ظهير أى قوى .وقال بعض العلماء : ويؤخذ من هذا أن الإِسلام يقرر فى حالة نبذ العهود لزوم إعلان العدو بذلك النبذ ، على وجه يمكن العدو من إيصال خبر النبذ إلى أطراف بلده وأنحاء مملكته .وفى ذلك يقول الكمال بن الهام الفقيه الحنفى ، وهو بصدد قوله ، تعالى .

( وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ ) أنه لا يكفى مجرد إعلانهم ، بل لا بد من مضى مدة يتمكن فيه مَلِكُهم بعد علمه بالنبذ من إنفاذ الخبر إلى أطراف مملكته ، ولا يجوز للمسلمين أن يغيروا على شئ من أطرافهم قبل مضى المدة .وذلك كله أثر من آثار وجوب رعاية العهد والبعد عن النكث بكل ما يستطاع .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

هذا الاستثناء إلى أي شيء عاد؟

فيه وجهان: الأول: قال الزجاج: إنه عائد إلى قوله: ﴿ بَرَاءةٌ ﴾ والتقدير ﴿ بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ ﴾ إلى المشركين المعاهدين إلا من الذين لم ينقضوا العهد.

والثاني: قال صاحب الكشاف، وجهه أن يكون مستثنى من قوله: ﴿ فَسِيحُواْ فِي الأرض ﴾ لأن الكلام خطاب للمسلمين، والتقدير: براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم منهم ثم لم ينقصوكم فأتموا إليهم عهدهم.

واعلم أنه تعالى وصفهم بأمرين: أحدهما: قوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ ﴾ والثاني: قوله: ﴿ وَلَمْ يظاهروا عَلَيْكُمْ أَحَداً ﴾ والأقرب أن يكون المراد من الأول أن يقدموا على المحاربة بأنفسهم، ومن الثاني: أن يهيجوا أقواماً آخرين وينصروهم ويرغبوهم في الحرب.

ثم قال: ﴿ فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ ﴾ والمعنى أن الذين ما غادروا من هذين الوجهين، فأتموا إليهم عهدهم، ولا تجعلوا الوافين كالغادرين.

وقوله: ﴿ فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ ﴾ أي أدوه إليهم تاماً كاملاً.

قال ابن عباس: بقي لحي من كنانة من عهدهم تسعة أشهر فأتم إليهم عهدهم ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين ﴾ يعني أن قضية التقوى أن لا يسوى بين القبيلتين أو يكون المراد أن هذه الطائفة لما أنفوا النكث ونقض العهد، استحقوا من الله أن يصان عهدهم أيضاً عن النقض والنكث.

روى أنه عدت بنو بكر على بن خزاعة في حال غيبة رسول الله وظاهرتهم قريش بالسلاح، حتى وفد عمرو بن سالم الخزاعي على رسول الله فأنشده: لا هم إني ناشد محمدا *** حلف أبينا وأبيك الأتلدا إن قريشاً أخلفوك الموعدا *** ونقضوا ذمامك المؤكدا هم بيتونا بالحطيم هجدا *** وقتلونا ركعاً وسجدا فقال عليه الصلاة والسلام: «لا نصرت إن لم أنصركم» وقرئ ﴿ لَمْ ﴾ بالضاد المعجمة أي لم ينقضوا عهدكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: مم استثنى قوله ﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم ﴾ ؟

قلت: وجهه أن يكون مستثنى من قوله: ﴿ فَسِيحُواْ فِي الأرض ﴾ [التوبة: 2] لأن الكلام خطاب للمسلمين.

ومعناه: براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين.

فقولوا لهم سيحوا، إلا الذين عاهدتم منهم ثم لم ينقضوا فأتموا إليهم عهدهم والاستثناء بمعنى الاستدراك، وكأنه قيل بعد أن أمروا في الناكثين، ولكن الذين لم ينكثوا فأتموا إليهم عهدهم، ولا تجروهم مجراهم، ولا تجعلوا الوفيَّ كالغادر ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين ﴾ يعني أنّ قضية التقوى أن لا يسوّي بين القبيلين فاتقوا الله في ذلك ﴿ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً ﴾ لم يقتلوا منكم أحداً ولم يضروكم قط ﴿ وَلَمْ يظاهروا ﴾ ولم يعاونوا ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ عدوّاً، كما عدت بنو بكر على خزاعة عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظاهرتهم قريش بالسلاح حتى وفد عمرو بن سالم الخزاعي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشد: لاَهُمَّ إنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدَا ** حِلْفَ أبِينَا وَأبِيكَ الأتْلَدَا إن قُرَيْشاً أَخْلَفُوكَ الْمَوْعِدَا ** وَنَقَضُوا ذِمَامكَ الْمُؤَكَّدَا هُمْ بَيَّتُونَا بِالْحَطِيمِ هُجَّدا ** وَقَتَلُونَا رُكَّعاً وَسُجَّدَا فقال عليه الصلاة والسلام: «لا نصرت إن لم أنصركم» وقرئ: ﴿ لم ينقضوكم ﴾ ، بالضاد معجمة أي لم ينقضوا عهدكم.

ومعنى ﴿ فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ ﴾ فأدّوه إليهم تامّاً كاملاً.

قال ابن عباس رضي الله عنه: بقي لحيّ من كنانة من عهدهم تسعة أشهر، فأتمّ إليهم عهدهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ ﴾ أيْ إعْلامٌ فَعالٌ بِمَعْنى الإفْعالِ كالأمانِ والعَطاءِ، ورَفْعُهُ كَرَفْعِ بَراءَةٌ عَلى الوَجْهَيْنِ.

﴿ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ ﴾ يَوْمَ العِيدِ لِأنَّ فِيهِ تَمامَ الحَجِّ ومُعْظَمَ أفْعالِهِ، ولِأنَّ الإعْلامَ كانَ فِيهِ ولِما رُوِيَ أنَّهُ  وقَفَ يَوْمَ النَّحْرِ عِنْدَ الجَمَراتِ في حِجَّةِ الوَداعِ فَقالَ «هَذا يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ» وقِيلَ يَوْمُ عَرَفَةَ لِقَوْلِهِ  «الحَجُّ عَرَفَةُ» .

وَوُصِفَ الحَجُّ بِالأكْبَرِ لِأنَّ العُمْرَةَ تُسَمّى الحَجَّ الأصْغَرَ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالحَجِّ ما يَقَعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِن أعْمالِهِ فَإنَّهُ أكْبَرُ مِن باقِي الأعْمالِ، أوْ لِأنَّ ذَلِكَ الحَجَّ اجْتَمَعَ فِيهِ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ ووافَقَ عِيدُهُ أعْيادَ أهْلِ الكِتابِ، أوْ لِأنَّهُ ظَهَرَ فِيهِ عِزُّ المُسْلِمِينَ وذُلُّ المُشْرِكِينَ.

﴿ أنَّ اللَّهَ ﴾ أيْ بِأنَّ اللَّهَ.

﴿ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ أيْ مِن عُهُودِهِمْ.

﴿ وَرَسُولِهِ ﴾ عُطِفَ عَلى المُسْتَكِنِّ في ﴿ بَرِيءٌ ﴾ ، أوْ عَلى مَحَلِّ (إنَّ) واسْمِها في قِراءَةِ مَن كَسَرَها إجْراءً لِلْأذانِ مَجْرى القَوْلِ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ أوْ لِأنَّ الواوَ بِمَعْنى مَعَ ولا تَكْرِيرَ فِيهِ، فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿ بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ إخْبارٌ بِثُبُوتِ البَراءَةِ وهَذِهِ إخْبارٌ بِوُجُوبِ الإعْلامِ بِذَلِكَ ولِذَلِكَ عَلَّقَهُ بِالنّاسِ ولَمْ يَخُصَّهُ بِالمُعاهِدِينَ.

﴿ فَإنْ تُبْتُمْ ﴾ مِنَ الكُفْرِ والغَدْرِ.

﴿ فَهُوَ ﴾ فالتَّوْبُ ﴿ خَيْرٌ لَكم وإنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ عَنِ التَّوْبَةِ أوْ ثَبَتُّمْ عَلى التَّوَلِّي عَنِ الإسْلامِ والوَفاءِ.

﴿ فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ﴾ لا تَفُوتُونَهُ طَلَبًا ولا تُعْجِزُونَهُ هَرَبًا في الدُّنْيا.

﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ في الآخِرَةِ.

﴿ إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، أوِ اسْتِدْراكٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم بَعْدَ أنْ أُمِرُوا بِنَبْذِ العَهْدِ إلى النّاكِثِينَ ولَكِنِ الَّذِينَ عاهَدُوا مِنهم.

﴿ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا ﴾ مِن شُرُوطِ العَهْدِ ولَمْ يَنْكُثُوهُ أوْ لَمْ يَقْتُلُوا مِنكم ولَمْ يَضُرُّوكم قَطُّ.

﴿ وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا ﴾ مِن أعْدائِكم ﴿ فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ ﴾ إلى تَمامِ مُدَّتِهِمْ ولا تُجْرُوهم مَجْرى النّاكِثِينَ.

﴿ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ ﴾ تَعْلِيلٌ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ إتْمامَ عَهْدِهِمْ مِن بابِ التَّقْوى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِلاَّ الذين عاهدتم مّنَ المشركين} استثناء من قوله فَسِيحُواْ فِى الأرض والمعنى براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فقولوا لهم سيحوا إلا الذين عاهدتم منهم {ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً} من شروط العهد أي وفوا بالعهد ولم ينقضوه وقرىء لَمْ ينقضوكم أي عهدكم وهو أليق لكن المشهورة أبلغ لأنه في مقابلة التمام {وَلَمْ يظاهروا عَلَيْكُمْ أَحَداً} ولم يعاونوا عليكم عدواً {فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ} فأدوه إليهم تاماً كاملاً {إلى مُدَّتِهِمْ} إلى تمام مدتهم والاستثناء بمعنى الاستدراك كأنه قيل بعد أن أمروا في الناكثين لكن الذين لم ينكثوا فأتموا إليهم عهدهم ولا تجروهم مجراهم ولا تجعلوا الوفي كالغادر {إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين} يعني أن قضية التقوى أن لا يسوّي بين الفريقين فاتقوا الله في ذلك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ اسْتِثْناءٌ عَلى ما في الكَشّافِ مِنَ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ: ( ﴿ فَسِيحُوا في الأرْضِ ﴾ ) إلَخْ لِأنَّ الكَلامَ خِطابٌ مَعَ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ المَعْنى بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقُولُوا لَهم سِيحُوا إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنهم ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم، وهو بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلا تُمْهِلُوا النّاكِثِينَ غَيْرَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ ولَكِنَّ الَّذِينَ لَمْ يَنْكُثُوا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم ولا تُجْرُوهم مَجْرى النّاكِثِينَ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ كَيْفَ يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ وقَدْ تَخَلَّلَ بَيْنَ المُسْتَثْنى والمُسْتَثْنى مِنهُ جُمْلَةٌ أجْنَبِيَّةٌ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ ) فَإنَّهُ كَما قُرِّرَ عَطْفٌ عَلى ( ﴿ بَراءَةٌ ﴾ )، وأُجِيبُ بِأنَّ تِلْكَ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ أجْنَبِيَّةً مِن كُلِّ وجْهٍ لِأنَّها في مَعْنى الأمْرِ بِالإعْلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَقُولُوا لَهم سِيحُوا واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى بَرِيءٌ مِنهم لَكِنَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمُ إلَخْ، وجَعَلَهُ بَعْضُهُمُ اسْتِدْراكًا مِنَ النَّبْذِ السّابِقِ الَّذِي أُخِّرَ فِيهِ القِتالُ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ والمَآلُ واحِدٌ، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ الأُوَلِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ، ورُدَّ بِأنَّ بَقاءَ التَّعْمِيمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ) يُنافِيهِ، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ الثّانِي، ورُدَّ بِأنَّ بَقاءَ التَّعْمِيمِ في الأوَّلِ يُنافِيهِ، والقَوْلُ بِالرُّجُوعِ إلَيْهِما والمُسْتَثْنى مِنهُما في الجُمْلَتَيْنِ لَيْسَتا عَلى نَسَقٍ واحِدٍ لا يَحْسُنُ، وجَعَلَ الثّانِيَ مَعْهُودًا وهُمُ المُشْرِكُونَ المُسْتَثْنى مِنهم هَؤُلاءِ فَقِيلَ: مَجِيءُ الِاسْتِثْناءِ يُبْعِدُ ارْتِكابَهُ في النَّظْمِ المُعْجِزِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ ﴾ ) حِينَئِذٍ لا بُدَّ مِن أنْ يُجْعَلَ جَزاءُ شَرْطٍ مَحْذُوفٌ وهو أيْضًا خِلافُ الظّاهِرِ والظّاهِرُ الخَبَرِيَّةُ، والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ، وكَوْنُ المُرادِ بِهِ أُناسًا بِأعْيانِهِمْ فَلا يَكُونُ عِلْمًا فَيُشْبِهُ الشَّرْطَ فَتَدْخُلُ الفاءُ في خَبَرِهِ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ غَيْرَ مُضِرٍّ فَقَدْ ذَهَبَ الأخْفَشُ إلى زِيادَةِ الفاءِ في خَبَرِ المَوْصُولِ مِن غَيْرِ اشْتِراطِ العُمُومِ، واسْتَدَلَّ القُطْبُ لِما في الكَشّافِ بِأنَّ هاهُنا جُمْلَتَيْنِ يُمْكِنُ أنْ يُعَلَّقَ بِهِما الِاسْتِثْناءُ جُمْلَةُ البَراءَةِ وجُمْلَةُ الإمْهالِ، لَكِنَّ تَعْلِيقَ الِاسْتِثْناءِ بِجُمْلَةِ البَراءَةِ يَسْتَلْزِمُ أنْ لا بَراءَةَ عَنْ بَعْضِ المُشْرِكِينَ، فَتَعَيَّنَ تَعَلُّقُهُ بِجُمْلَةِ الإمْهالِ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، وفِيهِ غَفْلَةٌ عَنْ أنَّ المُرادَ البَراءَةُ عَنْ عُهُودِ المُشْرِكِينَ لا عَنْ أنْفُسِهِمْ، ولا كَلامَ في أنَّ المُعاهِدِينَ الغَيْرَ النّاكِثِينَ لَيْسَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَرِيئِينَ مِن عُهُودِهِمْ وإنْ بَرِئا عَنْ أنْفُسِهِمْ بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ فافْهَمْ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ فَسِيحُوا ﴾ ) خِطابًا لِلْمُشْرِكِينَ غَيْرَ مُضْمَرٍ قَبْلَهُ القَوْلُ ويَكُونُ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ ﴾ ) كَأنَّهُ قِيلَ: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ إلى المُعاهِدِينَ إلّا الباقِينَ عَلى العَهْدِ فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ أيُّها المُسْلِمُونَ عَهْدَهم، ويَكُونُ فِيهِ خُرُوجٌ مِن خِطابِ المُسْلِمِينَ في ( ﴿ إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ ﴾ ) إلى خِطابِ المُشْرِكِينَ في ( ﴿ فَسِيحُوا ﴾ ) ثُمَّ التِفاتٌ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ في ﴿ واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأنَّ اللَّهِ ﴾ والأصْلُ غَيْرُ مُعْجِزِيَّ وإنِّي، وفي هَذا الِالتِفاتِ بَعْدَ الِالتِفاتِ الأوَّلِ افْتِنانٌ في أسالِيبِ البَلاغَةِ وتَفْخِيمٌ لِلشَّأْنِ وتَعْظِيمٌ لِلْأمْرِ، ثُمَّ يَتْلُو هَذا الِالتِفاتَ العَوْدُ إلى الخِطابِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ ﴾ إلَخْ وكُلُّ هَذا مِن حَسَناتِ الفَصاحَةِ انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِن كَثْرَةِ التَّعَسُّفِ و( مِن ) قِيلَ بَيانِيَّةٌ، وقِيلَ: تَبْعِيضِيَّةٌ، وثُمَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِهِمْ عَلى عَهْدِهِمْ مَعَ تَمادِي المُدَّةِ ويَنْقُصُوا بِالصّادِ المُهْمِلَةِ كَما قَرَأ الجُمْهُورُ يَجُوزُ أنْ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ فَيَكُونُ شَيْئًا مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا مِنَ النُّقْصانِ لا قَلِيلًا ولا كَبِيرًا، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ فَيَكُونُ ( ﴿ شَيْئًا ﴾ ) مَفْعُولَهُ الثّانِيَ أيْ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا مِن شُرُوطِ العَهْدِ وأدَّوْها لَكم بِتَمامِها، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وعَطاءٌ ( يَنْقُضُوكم ) بِالضّادِ المُعْجَمَةِ، والكَلامُ حِينَئِذٍ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ لَمْ يَنْقُضُوا عُهُودَكم شَيْئًا مِنَ النَّقْضِ وهي قِراءَةٌ مُناسِبَةٌ لِلْعَهْدِ إلّا أنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ أوْقَعُ لِمُقابَلَةِ التَّمامِ مَعَ اسْتِغْنائِها عَنِ ارْتِكابِ الحَذْفِ ( ﴿ شَيْئًا ولَمْ يُظاهِرُوا ﴾ ) أيْ: لَمْ يُعاوِنُوا ( ﴿ عَلَيْكم أحَدًا ﴾ ) مِن أعْدائِكم كَما عَدَتْ بَنُو بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ فَظاهَرَتْهم قُرَيْشٌ بِالسِّلاحِ كَما تَقَدَّمَ ( ﴿ فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ ﴾ ) أيْ أدُّوهُ إلَيْهِمْ كامِلًا ( ﴿ إلى مُدَّتِهِمْ ﴾ ) أيْ إلى انْقِضائِها ولا تُجْرُوهم مَجْرى النّاكِثِينَ قِيلَ: بَقِيَ لِبَنِي ضَمْرَةَ، وبَنِي مُدْلِجٍ حَيَّيْنِ مِن كِنانَةَ مِن عَهْدِهِمْ تِسْعَةُ أشْهُرٍ فَأتَمَّ إلَيْهِمْ عَهْدَهم، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّهُ قالَ: هَؤُلاءِ قُرَيْشٌ عاهَدُوا نَبِيَّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ وكانَ بَقِيَ مِن مُدَّتِهِمْ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُوفِيَ لَهم بِعَهْدِهِمْ ذَلِكَ إلى مُدَّتِهِمْ وهو خِلافُ ما تَظافَرَتْ بِهِ الرِّواياتُ مِن أنَّ قُرَيْشًا نَقَضُوا العَهْدَ عَلى ما عَلِمْتَ والمُعْتَمَدُ هو الأوَّلُ ( ﴿ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ ﴾ ) تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مُراعاةَ العَهْدِ مِن بابِ التَّقْوى وأنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الغادِرِ والوَفِيِّ مُنافِيَةٌ لِذَلِكَ وإنْ كانَ المَعاهِدُ مُشْرِكًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، يعني: إعلام من الله ورسوله.

وروي عن أبي هريرة أنه قال: «كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله  إلى مكة ببراءة، فقيل: ما كنتم تنادون؟

قال: كنا ننادي إنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله  عهد فإن أجله وأمده إلى أربعة أشهر، فإذا مضت أربعة أشهر فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج بعد العام مشرك» .

ويقال: «بعث رسول الله  أبا بكر ومعه عشر آيات، وأمره أن يقرأها على أهل مكة، ثم بعث عليّاً وأمره أن يقرأ هذه الآيات» ويقال: إنما أمر علياً بالقرآن، لأن أبا بكر كان خفيض الصوت وكان عليّ جهوري الصوت، فأراد أن يقرأ عليّ حتى يسمعوا جميعاً فذلك قوله تعالى: وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.

إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ.

وروي الأعمش، عن عبد الله بن أبي سنان قال: خطبنا المغيرة بن شعبة يوم النحر، وقال: «هذا يوم النحر، وهذا يوم الحج الأكبر» وقال الحسن: إنما سمي الحج الأكبر، لأنه حج أبو بكر فاجتمع فيها المسلمون والمشركون، ووافق أيضاً عيد اليهود والنصارى، فلذلك سمي الحج الأكبر لاجتماع المسلمين والمشركين في ذلك اليوم.

وروي عن عليّ  أنه قال: «الحج الأكبر يوم النحر» .

وروي عن قيس بن مخرمة أن النبيّ  قال: «الحج الأكبر يوم عَرَفَةَ» وإنما سمي يوم عرفة يوم الحج الأكبر (١) «العمرة هي الحجة الصغرى» وقال ابن أبي أوفى: «يوم الحج الأكبر يوم إهراق الدماء وحلق الشعر، وهو يوم النحر» .

أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ، يعني: ورسوله أيضاً بريء من المشركين.

وقرأ بعضهم وَرَسُولِهِ بنصب اللام ومعناه: أن رسوله بريء من المشركين، وهي قراءة شاذة.

ثم قال: فَإِنْ تُبْتُمْ، يعني: رجعتم من الكفر، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ من الإقامة عليه.

وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ، يعني: أبيتم الإسلام وأقمتم على الكفر وعبادة الأوثان، فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ يعني: لن تفوتوا من عذابه.

ثم قال: وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ وهو القتل في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة.

ثم استثنى الذين لم ينقضوا العهد فقال: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وهم بنو كنانة وبنو ضمرة ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً من عهودكم، وَلَمْ يُظاهِرُوا يقول: ولم يعاونوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ، يعني: إلى تمام أجلهم.

إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ الذين يتقون نقض العهد.

(١) عزاه السيوطي: 4/ 127 إلى الترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لِمَنْ كان بينه وبينهم عهد، وتحسَّس منهم نقْضَهُ، وأول هذا الأجَلِ يومُ الأذان، وَآخره انقضاء العَشْر الأُوَل مِنْ رَبيعٍ الآخِرِ، وقوله سبحانه: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: ٥] حُكْمٌ مباينٌ للأوَّل، حَكَمَ به في المشركين الذي لا عَهْدَ لهم ألبتة، فجاء أَجَلُ تأمينهم خمسين يوماً، أوَّلها يومُ الأذانِ، وآخرها انقضاء المُحَرَّم.

وقوله: إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ، يريد به الذين لَهُمْ عهدٌ، ولم ينقضوا، ولا تُحُسِّسِ منهم نَقْضٌ، وهم فيما روي بَنُو ضَمْرَةَ من كِنَانَة، كان بَقِيَ مِنْ عهدهم يوم الأذان تسعة أشهر.

وقوله عز وجل: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ، أي: لا تفلتون الله، ولا تعجزونه هربا.

وقوله: وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ...

الآية: أي: إعلام، ويَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ قال عمر وغيره: هو يَوْمُ عَرَفَة «١» ، وقال أبو هريرة وجماعة: هو يوم النَّحْر «٢» ، وتظاهرتِ الرواياتُ/ أن عليًّا أَذَّنَ بهذه الآياتِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِثْرَ خُطْبة أبي بَكْر، ثم رأَى أَنه لم يعمَّ الناس بالاستماع، فتتبَّعهم بالأذانِ بها يوم النَّحْر «٣» ، وفي ذلك اليَوْمِ بَعثَ أبو بَكْرٍ مَنْ يعينه في الأذَانِ بها كَأَبِي هُرَيْرَة «٤» وغيره، وتتَّبعوا بها أيضاً أسْوَاقَ العَرَب، كَذِي المَجَازِ وغيره وهذا هو سبب الخلاف، فقالتْ طائفةٌ: يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَر: عرفَةُ حيث وقع أَوَّلُ الأذان.

وقالتْ أُخْرَى: هو يومُ النَّحْرِ حيث وقع إِكمال الأذَان.

وقال سفيان بن عُيَيْنَة: المراد باليَوْمِ أيامُ الحجِّ كلُّها كما تقول: يَوْمُ صفِّينَ، ويوم

الجَمَلِ ويتجه أن يوصَفُ ب «الأَكبر» علَى جهة المدحِ، لا بالإِضافة إِلَى أصْغِرَ معيَّنٍ، بل يكون المعنى: الأكبر مِنْ سائر الأيام، فتأمَّله.

واختصار ما تحتاجُ إِلَيْهِ هذه الآيةُ على ما ذكَرَ مجاهد وغيره مِنْ صورة تلك الحال:

أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم افتتح مكَّة سنةَ ثمانٍ، فاستعمل عليها عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ، وقضى أَمْرَ حُنَيْنٍ والطائِفِ، وانصرف إِلى المدينة، فأقام بها حتَّى خرج إِلى تَبُوكَ، ثم انصرفَ مِنْ تَبُوكَ في رَمَضَانَ سَنَةَ تسْعٍ، فأَراد الحَجَّ، ثم نظر في أَنَّ المشرِكِينِ يَحُجُّون في تلْكَ السَّنَة، ويَطُوفون عُرَاةً، فقال: لا أريدُ أنْ أَرَى ذلك، فأمر أبابكر على الحَجِّ بالناس، وأنفَذَهُ، ثم أَتْبَعَهُ عليَّ بن أبي طالب رضي اللَّه عنه علَى ناقتِهِ العَضْبَاءِ، وأمره أنْ يؤذِّن في النَّاس بأربعين آيةً:

صَدْرُ سورةِ «بَرَاءَة» ، وقيل: ثَلاَثِينَ، وقيل: عشرين، وفي بعض الروايات: عَشْر آيات، وفي بعضها: تسع آيات، وأمره أن يُؤْذِنَ الناسَ بأربعةِ أشياء، وهي: أَلاَّ يحجَّ بعد العام مُشْرِكٌ، ولا يدخُلَ الجَنَّة إِلا نَفْسٌ مؤمنةٌ، وفي بعض الروايات: ولا يَدْخُلَ الجَنَّةَ كَافرٌ، ولا يَطُوفَ بالبَيْتِ عُرْيَانٌ، ومَنْ كان له عنْدَ رَسُولِ اللَّهِ عهْدٌ، فهو إِلى مدَّته، وفي بعض الروايات: ومَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّه عَهْدٌ، فأجله أربعةُ أَشهُرٍ يسيحُ فيها، فإِذا انقضت، فإِن اللَّه بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولَهِ.

قال ع «١» : وأقول: إنهم كانوا ينادُونَ بهذا كلِّه، فأربعةُ أشهر للذين لهم عَهْدٌ وتُحُسِّسَ منهم نقضُهُ، والإِبقاء إِلى المدَّة لمن لم يخبر منه نقضٌ، وذكر الطبريُّ أن العرب قالت يومئذٍ: نَحْنُ نَبرأُ مِنْ عهدك، ثم لام بعضُهُمْ بعضاً، وقالوا: ما تَصْنَعُونَ، وقد أسلَمَتْ قريشٌ؟

فأسلموا كلُّهم، ولم يَسِحْ أحد.

قال ع «٢» : وحينئذٍ دخل الناس في دين اللَّه أفواجاً.

وقوله سبحانه: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ أي: ورسولُهُ بريءٌ منهم.

وقوله: فَإِنْ تُبْتُمْ، أي: عن الكُفْر.

وقوله سبحانه: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ، هذا هو الاستثناءُ الذي تقدَّم ذكْره، وقرأ عكرمة وغيره: «ينقضوكم» «٣» - بالضاد المعجمة-، ويُظاهِرُوا: معناه: يعاونوا،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَلَمّا قَرَأ عَلَيٌّ "بَراءَةَ" قالَتْ بَنُو ضَمْرَةَ: ونَحْنُ مِثْلُهم أيْضًا؟

قالَ: لا، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ اسْتَثْناكُمْ؛ ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآَيَةَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: هم قَوْمٌ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ  عَهْدٌ ومُدَّةٌ، فَأمَرَ أنْ يَفِيَ لَهم.

قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الكَلامِ: وقَعَتِ البَراءَةُ مِنَ المُعاهِدِينَ النّاقِضِينَ لِلْعُهُودِ، إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ ثُمَّ لَمَّ يَنْقُضُوكم، فَلَيْسُوا داخِلِينَ في البَراءَةِ ما لَمْ يَنْقُضُوا العَهْدَ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وفَصْلُ الخِطابِ في هَذا البابِ: أنَّهُ قَدْ كانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ  وبَيْنَ جَمِيعِ المُشْرِكِينَ عَهْدٌ عامٌّ، وهو أنْ لا يُصَدَّ أحَدٌ عَنِ البَيْتِ، ولا يُخافُ أحَدٌ في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَجَعَلَ اللَّهُ عَهْدَهم أرْبَعَةَ أشْهُرٍ؛ وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أقْوامٍ مِنهم عُهُودٌ إلى آَجالٍ مُسَمّاةٍ، فَأمَرَ بِالوَفاءِ لَهم، وإتْمامِ مُدَّتِهِمْ إذا لَمْ يَخْشَ غَدْرَهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ: عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ ﴾ ﴿ فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم وخُذُوهم واحْصُرُوهم واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَلاةَ وآتَوُا الزَكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهم إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ هَذا هو الِاسْتِثْناءُ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في المُشْرِكِينَ الَّذِينَ بَقِيَ مِن عَهْدِهِمْ تِسْعَةُ أشْهُرٍ وكانُوا قَدْ وفَّوْا بِالعَهْدِ عَلى ما يَجِبُ، وقالَ قَتادَةُ: هم قُرَيْشٌ الَّذِينَ عُوهِدُوا زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَرْدُودٌ بِإسْلامِ قُرَيْشٍ في الفَتْحِ قَبْلَ الأذانِ بِهَذا كُلِّهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى مُدَّتِهِمْ ﴾ : إلى الأرْبَعَةِ الأشْهَرِ الَّتِي في الآيَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَنْقُصُوكُمْ" بِالصادِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، وقَرَأ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "يَنْقُضُوكُمْ" بِالضادِ، مِنَ النَقْضِ، وهي مُتَمَكِّنَةٌ مَعَ العَهْدِ.

ولَكِنَّها قَلِقَةٌ في تَعَدِّيها إلى الضَمِيرِ، ويُحَسِّنُ ذَلِكَ أنَّ النَقْضَ نَقْضُ وفاءٍ وحَقٌّ لِلْمَعاهَدِ، وكَذَلِكَ تَعَدّى "أتِمُّوا" بِـ "إلى" لَمّا كانَ العَهْدُ في مَعْنى ما يُؤَدّى ويُبَرَأُ بِهِ وكَأنَّهم يَقْتَضُونَ العَهْدَ، و"يُظاهِرُوا" مَعْناهُ: يُعاوِنُوا، فالظَهْرُ: المُعِينُ، وأصْلُهُ مِنَ الظَهْرِ، كَأنَّ هَذا يُسْنِدُ ظَهْرَهُ إلى الآخَرِ، والآخَرُ كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ مِنَ التَقْوى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ ﴾ الآيَةُ، الِانْسِلاخُ: خُرُوجُ الشَيْءِ عَنِ الشَيْءِ المُتَلَبِّسِ بِهِ، كانْسِلاخِ الشاةِ عَنِ الجِلْدِ والرَجُلِ عَنِ الثِيابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَسْلَخُ مِنهُ النَهارَ  ﴾ ، فَشَبَّهَ انْصِرامَ الأشْهُرِ بِأسْمائِها وأحْكامِها مِنَ الزَمَنِ بِذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيمَن جَعَلَ لَهُ انْقِضاءَ الأشْهُرِ الحُرُمِ أجَلًا، وما المَعْنى بِـالأشْهُرِ الحُرُمِ بِما أغْنى عن إعادَتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ ﴾ أمْرٌ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ فَخَرَجَ الأمْرُ بِذَلِكَ بِلَفْظِ "اقْتُلُوا" عَلى جِهَةِ التَشْجِيعِ وتَقْوِيَةِ النَفْسِ، أيْ: هَكَذا يَكُونُ أمْرُكم مَعَهُمْ، وهَذِهِ الآيَةُ نَسَخَتْ كُلَّ مُوادَعَةٍ في القُرْآنِ أو مُهادَنَةٍ وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ، وهي عَلى ما ذُكِرَ مِائَةُ آيَةٍ وأرْبَعَ عَشْرَةَ آيَةً، وقالَ الضَحّاكُ، والسُدِّيُّ، وعَطاءٌ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً  ﴾ ، وقالُوا: لا يَجُوزُ قَتْلُ أسِيرٍ البَتَّةَ صَبْرًا، إمّا أنْ يُمَنَّ عَلَيْهِ وإمّا أنْ يُفادى، وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً  ﴾ مَنسُوخٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: لا يَجُوزُ المَنُّ عَلى أسِيرٍ ولا مُفاداتُهُ، ولا شَيْءَ إلّا القَتْلُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُما مُحْكَمَتانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ يُفَسِّرْ أكْثَرَ مِن هَذا، وقَوْلُهُ هو الصَوابُ، والآيَتانِ لا يُشْبِهُ مَعْنى واحِدَةٍ مَعْنى الأُخْرى، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ ﴾ ، ﴿ وَخُذُوهم واحْصُرُوهُمْ ﴾ أفْعالٌ إنَّما تَمْتَثِلُ مَعَ المُحارِبِ المُرْسَلِ المُناضِلِ، ولَيْسَ لِلْأسِيرِ فِيها ذِكْرٌ ولا حُكْمٌ، وإذا أُخِذَ الكافِرُ خَرَجَ عن دَرَجاتِ هَذِهِ الآيَةِ وانْتَقَلَ إلى حُكْمِ الآيَةِ الأُخْرى، وتِلْكَ الآيَةُ لا مَدْخَلَ فِيها لِغَيْرِ الأسِيرِ، فَقَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ هو الصَوابُ، وقَوْلُهُ: ( خُذُوهم ) مَعْناهُ: الأسْرُ، وقَوْلُهُ: ﴿ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ مَعْناهُ: في مَواضِعِ الغِرَّةِ حَيْثُ يُرْصَدُونَ، وقالَ النابِغَةُ: أعاذِلُ إنَّ الجَهْلَ مِن لَذَّةِ الفَتى ∗∗∗ وإنَّ المَنايا لِلنُّفُوسِ بِمَرْصَدِ ونَصْبُ "كُلَّ" عَلى الظَرْفِ، وهو اخْتِيارُ الزَجّاجِ، أو بِإسْقاطِ الخافِضِ، التَقْدِيرُ: في كُلِّ مَرْصَدٍ، أو عَلى كُلِّ مَرْصَدٍ، وحَكى سِيبَوَيْهِ: ضُرِبَ الظَهْرَ والبَطْنَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تابُوا ﴾ يُرِيدُ: مِنَ الكُفْرِ، فَهي مُتَضَمِّنَةٌ الإيمانَ، ثُمَّ قَرَنَ بِها إقامَةَ الصَلاةِ وإيتاءَ الزَكاةِ تَنْبِيهًا عَلى مَكانِ الصَلاةِ والزَكاةِ مِنَ الشَرْعِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ﴾ تَأْمِينٌ.

وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: هَذا هو دِينُ اللهِ الَّذِي جاءَتْ بِهِ الرُسُلُ، وهو مِن آخِرِ ما نَزَلَ قَبْلَ اخْتِلافِ الأهْواءِ، وفِيهِ قالَ النَبِيُّ  : « "مَن فارَقَ الدُنْيا مُخْلِصًا لِلَّهِ تَعالى مُطِيعًا لَهُ لَقِيَ اللهَ وهو عنهُ راضٍ"»، ثُمَّ وعَدَ بِالمَغْفِرَةِ في صِيغَةِ الخَبَرِ عن أوصافِهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استثناء من المشركين في قوله: ﴿ أن الله بريء من المشركين ﴾ [التوبة: 3]، ومن ﴿ الذين كفروا ﴾ في قوله: ﴿ وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ﴾ [التوبة: 3] لأنّ شأن الاستثناء إذا ورد عقب جمل أن يرجع إلى ما تحتويه جميعُها ممّا يصلح لِذلك الاستثناء، فهو استثناء لهؤلاء: من حكم نقض العهد، ومن حُكم الإنذار بالقتال، المترتّببِ على النقض، فهذا الفريق من المشركين باقون على حرمة عهدهم وعلى السلم معهم.

والموصول هنا يعمّ كلّ من تحقّقت فيه الصلة، وقد بين مدلول الاستثناء قوله: ﴿ فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ﴾ .

وحرف (ثم) في قوله: ﴿ ثم لم ينقصوكم شيئاً ﴾ للتراخي الرتبي، لأنّ عدم الإخلال بأقلّ شيء ممّا عاهدوا عليه أهمّ من الوفاء بالأمور العظيمة ممّا عاهدوا عليه، لأنّ عدم الإخلال بأقلّ شيء نادر الحصول.

والنقصُ لِشيء إزالة بعضه، والمراد: أنّهم لم يفرّطوا في شيء ممّا عاهدوا عليه.

وفي هذا العطف إيذان بالتنويه بهذا الانتفاء لأنّ (ثُمَّ) إذا عطفت الجمل أفادت معنى التراخي في الرتبة، أي بُعد مرتبة المعطوف من مرتبة المعطوف عليه، بُعد كمال وارتفاع شأن.

فإنّ من كمال العهد الحفاظ على الوفاء به.

وهؤلاء هم الذين احتفظوا بعهدهم مع المسلمين، ووفّوا به على أتمّ وجه، فلم يكيدوا المسلمين بكيد، ولا ظاهروا عليهم عدّواً سِرًّا، فهؤلاء أمِر المسلمون أن لا ينقضوا عهدهم إلى المدّة التي عوهدوا عليها.

ومن هؤلاء: بنو ضَمره، وحَيَّان من بني كنانة: هم بنو جذيمة، وبنو الدِّيل.

ولا شكّ أنّهم ممّن دخلوا في عهد الحديبية.

وقد علم من هذا: أنّ الذين أمَر الله بالبراءة من عهدهم هم ضدّ أولئك، وهم قوم نقصُوا ممّا عاهدوا عليه، أي كَادوا، وغدروا سرّاً، أو ظاهروا العدوّ بالمدد والجوسسة.

ومن هؤلاء: قريظة أمَدُّوا المشركين غير مرّة، وبنو بَكر، عَدَوْا على خزاعة أحلاف المسلمين كما تقدّم فعُبِّر عن فعلهم ذلك بالنقصصِ لأنّهم لم ينقضوا العهد علناً، ولاَ أبطلوه، ولكنهم أخلُّوا به، ممّا استطاعوا أن يَكيدوا ويمكروا، ولأنهم نقضوا بعض ما عاهدوا عليه.

وذكر كلمة ﴿ شيئاً ﴾ للمبالغة في نفي الانتقاص، لأنّ كلمة «شيء» نكرة عامّة، فإذا وقعت في سياق النفي أفادت انتفاء كلّ ما يصدق عليه أنّه موجود، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ وقالت اليهود ليست النصارى على شيء ﴾ في سورة البقرة (113).

والمظاهرة: المعاونة، يجوز أن يكون فعلها مشتقّاً من الاسم الجامد وهو الظهر، أي صُلب الإنسان أو البعيرِ، لأنّ الظهر به قوة الإنسان في المشي والتغلّب، وبه قوة البعير في الرحلة والحمل، يقال: بعير ظهير، أي قوي على الرحلة، مُثِّلَ المُعِين لأحدٍ على عمل بحال من يُعطيه ظهره يحمل عليه، فكأنّه يعيره ظهره ويعيره الآخر ظهره، فمن ثَمّ جاءت صيغة المفاعلة، ومثله المعاضدة مشتقّة من العَضد، والمساعدة من الساعد، والتأييد من اليد، والمكاتفة مشتقّة من الكتف، وكلّها أعضاء العمل.

ويجوز أن يكون فعله مشتقّاً من الظهور، وهو مصدر ضدّ الخفاء، لأنّ المرء إذا انتصر على غيره ظهر حاله للناس، فمُثِّل بالشيء الذي ظهر بعد خفاء، ولذلك يعدى بحرف (على) للاستعلاء المجازي، قال تعالى: ﴿ وإن تظاهرا عليه ﴾ [التحريم: 4] وقال ﴿ كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلّاً ولا ذمة ﴾ [التوبة: 8] وقال ﴿ ليظهره على الدين كله ﴾ [الفتح: 28] وقال ﴿ والملائكة بعد ذلك ظهير ﴾ [التحريم: 4] أي معين.

والفاء في قوله: ﴿ فأتموا ﴾ تفريع على ما أفاده استثناء قوله: ﴿ إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ﴾ إلخ، وهو أنّهم لا تشملهم البراءة من العهد.

والمدّة: الأجل، مشتقّة من المَدّ لأنّ الأجل مَدّ في زمن العمل، أي تطويل، ولذلك يقولون: مَاد القُوم غيرَهم، إذا أجَّلوا الحربَ إلى أمد، وإضافة المدّة إلى ضمير المعاهَدين لأنّها منعقدة معهم، فإضافتها إليهم كإضافتها إلى المسلمين، ولكن رجّح هنا جانبهم، لأنّ انتفاعهم بالأجل أصبح أكثر من انتفاع المسلمين به، إذ صار المسلمون أقوى منهم، وأقدر على حربهم.

وجملة: ﴿ إن الله يحب المتقين ﴾ تذييل في معنى التعليل للأمر بإتمام العهد إلى الأجل بأنّ ذلك من التقوَى، أي من امتثال الشرع الذي أمر الله به، لأنّ الإخبار بمحبة الله المتّقين عقب الأمر كناية عن كون المأمور به من التقوى.

ثم إنّ قبائل العرب كلّها رغبت في الإسلام فأسلموا في تلك المدّة فانتهت حُرمة الأشهر الحرم في حكم الإسلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ ﴾ الآيَةَ.

في الأشْهُرِ الحُرُمِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها رَجَبٌ وذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ، ثَلاثَةٌ سَرْدٌ وواحِدٌ فَرْدٌ، وهَذا رَأْيُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: أنَّها الأرْبَعَةُ الأشْهَرِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تَعالى أنْ يَسِيحُوا فِيها آمِنِينَ وهي عِشْرُونَ مِن ذِي الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ وصَفَرٌ وشَهْرُ رَبِيعٍ وعَشْرٌ مِن شَهْرِ رَبِيعٍ الآخَرِ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: في حِلٍّ أوْ حَرَمٍ.

والثّانِي: في الأشْهُرِ الحُرُمِ وفي غَيْرِها.

والقَتْلُ وإنْ كانَ بِلَفْظِ الأمْرِ فَهو عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ لِوُرُودِهِ بَعْدَ حَظْرٍ اعْتِبارًا بِالأصْلَحِ.

﴿ وَخُذُوهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وتَقْدِيرُهُ فَخُذُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم واقْتُلُوهم.

والثّانِي: أنَّهُ عَلى سِياقِهِ مِن غَيْرِ تَقْدِيمٍ ولا تَأْخِيرٍ، وتَقْدِيرُهُ: فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم وخُذُوهم.

﴿ واحْصُرُوهُمْ ﴾ عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ في اعْتِبارِ الأصْلَحِ مِنَ الأمْرَيْنِ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ واحْصُرُوهُمْ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِرْقاقُهم.

والثّانِي: أنَّهُ الفِداءُ بِمالٍ أوْ شِراءٍ.

﴿ واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يُطْلَبُوا في كُلِّ مَكانٍ فَيَكُونَ القَتْلُ إذا وُجِدُوا، والطَّلَبُ إذا بَعُدُوا.

والثّانِي: أنْ يُفْعَلَ بِهِمْ كُلُّ ما أرْصَدَهُ اللَّهُ تَعالى لَهم فِيما حَكَمَ بِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن قَتْلٍ أوِ اسْتِرْقاقٍ أوْ مُفاداةٍ أوْ مَنٍّ لِيُعْتَبَرَ فِيها فِعْلُ الأصْلَحِ مِنها.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَإنْ تابُوا ﴾ أيْ أسْلَمُوا، لِأنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الكُفْرِ تَكُونُ بِالإسْلامِ.

﴿ وَأقامُوا الصَّلاةَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيِ اعْتَرَفُوا بِإقامَتِها، وهو مُقْتَضى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ، لِأنَّهُ لا يُقْتَلُ تارِك ُ الصَّلاةِ إذا اعْتَرَفَ بِها.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ فِعْلَ الصَّلاةِ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ مالِكٍ والشّافِعِيِّ، لِأنَّهُما يَقْتُلانِ تارِكَ الصَّلاةِ وإنِ اعْتَرَفَ بِها.

﴿ وَآتَوُا الزَّكاةَ ﴾ يَعْنِي اعْتَرَفُوا بِها عَلى الوَجْهَيْنِ مَعًا، لِأنَّ تارِك َ الزَّكاةِ لا يُقْتَلُ مَعَ الِاعْتِرافِ بِها وتُؤْخَذُ مِن مالِهِ جَبْرًا، وهَذا إجْماعٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إلا الذين عاهدتم من المشركين ﴾ قال: هم مشركو قريش الذين عاهدهم نبي الله زمن الحديبية، وكان بقي من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر، فأمر الله نبيه أن يوفي لهم بعهدهم هذا إلى مدتهم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن عباد بن جعفر في قوله: ﴿ إلا الذين عاهدتم من المشركين ﴾ قال: هم بنو خزيمة بن عامر من بني بكر بن كنانة.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم لم ينقصوكم شيئاً..

﴾ الآية.

قال: فإن نقض المشركون عهدهم وظاهروا عدوّاً فلا عهد لهم، وإن أوفوا بعهدهم الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يظاهروا عليه فقد أمر أن يؤدي إليهم عهدهم ويفي به.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ﴾ قال: كان لبني مدلج وخزاعة عهد، فهو الذي قال الله: ﴿ فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا الذين عاهدتم من المشركين ﴾ قال: هؤلاء بنو ضمرة وبنو مدلج حيان من بني كنانة، كانوا حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة العسرة من بني تبيع ﴿ ثم لم ينقصوكم شيئاً ﴾ ثم لم ينقضوا عهدكم بغدر ﴿ ولم يظاهروا ﴾ عدوّكم عليكم ﴿ فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ﴾ يقول: أجلهم الذي شرطتم لهم ﴿ إن الله يحب المتقين ﴾ يقول: الذين يتقون الله تعالى فيما حرم عليهم فيفون بالعهد: قال: فلم يعاهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد هؤلاء الآيات أحد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ الآية، قال أبو إسحاق: "الذين" في موضع نصب، أي: وقعت البراءة من المعاهدين الناقضين للعهود، إلا الذين عاهدتم ثم لم ينقصوكم أي ليسوا داخلين في البراءة" (١) (٢)  - بإتمام عهده وهم بنو ضمرة وبنو كنانة ومن اتبعهم وكان بقي لهم من مدتهم تسعة أشهر فأمر باتمامها لهم".

وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا ﴾ أي من شروط العهد شيئًا {وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا}، قال ابن عباس: "ولم يعاونوا عليكم عدوًا" (٣) (٤) ﴿ فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ ﴾ معناه: إلى انقضاء مدتهم، ومعنى المدة زمان طويل (٥) ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ أي: يحب من اتقاه بطاعته وأداء فرائضه واجتناب معاصيه.

(١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 430 باختصار يسير.

(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 79 ب، والبغوي 4/ 12، وهو قول السدي رواه أبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 383 - 384.

(٣) "تنوير المقباس" ص 187.

(٤) ساقط من (ح) و (ى).

(٥) في "لسان العرب" 7/ 4158 (مدد): المدة: طائفة من الزمان تقع على القليل والكثير، ومادّ فيها أي أطالها.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم ﴾ يريد الذين لم ينقضوا العهد ﴿ فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ يعني الأشهر الأربعة التي جعلت لهم، فمن قال: إنها شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم فهي الحرم المعروفة زاد فيها شوال ونقص رجب، وسميت حرماً تغليباً للأكثر ومن قال: إنها إلى ربيع الثاني: فسميت حرماً لحرمتها ومنع القتال فيها حينئذ ﴿ فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ ناسخة لكل موادعة في القرآن، وقيل: إنها نسخت أيضاً فإما منَّا بعدُ وإما فداءً، وقيل: بل نسختها هي فيجوز المنّ والفداء ﴿ وَخُذُوهُمْ ﴾ معناه الأسر، والأحيذ هو الأسير ﴿ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ كل طريق ونصبه على الظرفية ﴿ فَإِن تَابُواْ ﴾ يريد من الكفر، ثم قرن بالإيمان الصلاة والزكاة، فذلك دليل على قتال تارك الصلاة والزكاة، كما فعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه، والآية في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة» ﴿ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ تأمين لهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ورسوله ﴾ بالنصب: روح وزيد.

الباقون: بالرفع.

﴿ أئمة ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام يدخل بينهما مدة الباقون ﴿ أيمة ﴾ بهمز ثم ياء.

﴿ لا إيمان ﴾ بكسر الهمزة: ابن عامر.

الباقون: بالفتح جمع يمين ﴿ يعملون ﴾ بياء الغيبة: عباس.

الوقوف: ﴿ من المشركين ﴾ ط ﴿ معجزي الله ﴾ لا للعطف ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من المشركين ﴾ لا للعطف ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ لكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع الواو ﴿ معجزي الله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه للاستثناء ﴿ مدتهم ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ مرصد ﴾ ج ﴿ سبيلهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ مأمنه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ المسجد الحرام ﴾ ج لأن "ما" للجزاء مع اتصالها بالفاء ﴿ فاستقيموا لهم ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ ولا ذمة ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ج ﴿ فاسقون ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً.

﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ولا ذمة ﴾ ط ﴿ المتعدون ﴾ ه ﴿ في الدين ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ أئمة الكفر ﴾ لا لتعلق "لعلهم" بقوله ﴿ فقاتلوا ﴾ وما بينها اعتراض ﴿ ينتهون ﴾ ه ﴿ أوّل مرّة ﴾ ط ﴿ أتخشونهم ﴾ جل لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿ مؤمنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ وليجة ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: قد عد في الكشاف من أسماء هذه السورة "براءة" وذلك واضح، و "التوبة" لأن فيها ذكر التوبة على المؤمنين و "المقشقشة" لأنها تقشقش من النفاق أي تبرىء منه و "المبعثرة" و "المثيرة" و "الحافرة" و "الفاضحة" و "المنكلة" و "المشردة" و "المخزية" و "المدمدمة" لأنها تبعثر عن أسرار المنافقين تبحث عنها وتثيرها وتحفر عنها وتفضحهم وتنكلهم وتشرد بهم وتخزيهم وتدمدم عليهم.

وعن حذيفة: إنكم تسمونها سورة التوبة وإنما هي سورة العذاب، والله ما تركت أحداً إلا نالت منه.

وعن ابن عباس: ما زالت تقول ﴿ ومنهم ﴾ حتى حسبنا أن لا تدع أحداً.

وللعلماء خلاف في سبب إسقاط التسمية من أولها.

فعن ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان في ذلك فقال: كان النبي  كلما نلزت عليه سورة يقول: ضعوها في موضع كذا، وكانت براءة آخر القرآن نزولاً وتوفي رسول الله  ولم يبين موضعها، وكانت قصتها شبيهة بقصة الأنفال فقرنت بينهما وكأنه أراد بالمشابهة.

ما روي عن أبيّ بن كعب في الأنفال ذكر العهود، وفي براءة نبذ العهود، فوضعت إحداهما بجنب الأخرى.

واستبعد جمع من العلماء هذا القول لأنا لو جوّزنا في بعض السور أن لا يكون ترتيبها من الله على سبيل الوحي لجوزنا مثله في سائر السور وفي آيات السورة الواحدة وذلك يفضي إلى تجويز الزيادة والنقصان في القرآن على ما يقول به الإمامية.

وقال بعض العلماء: إن الصحابة اختلفوا في أن "الأنفال" مع "التوبة" سورتان أم سورة واحدة لأنهما مائتان وست آيات فهما بمنزلة إحدى الطوال، وكلتاهما وردت في القتال والمغازي، فلمكان هذا الاختلاف فرجوا بينهما فرجة تنبيهاً على قول من يقول إنهما سورتان، ولم تكتب البسملة تنبهاً على قول من يرى أنهما واحدة فعملوا عملاً يدل على أن هذا الاشتباه حاصل.

وفيه أنهما لما لم يسامحوا بهذا القدر من الشبهة دل على أنهم كانوا متشددين في ضبط الدين وحفظ القرآن من التغيير والتحريف وذلك يبطل قول الإمامية، وفيه دليل على أن البسملة آية من كل سورة والإجازات كتابتها ههنا بل عند كل مقطع كلام.

وعن ابن عباس: سألت علي بن أبي طالب  عن ذلك فقال: لأن ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ أما وأن هذه السورة نزلت بالسيف ونبذ العهود.

وذكر سفيان بن عيينة هذا المعنى وأكده بقوله  ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً  ﴾ فقيل له: أليس أن النبي  كتب إلى أهل الحرب "بسم الله الرحمن الرحيم"؟.

فأجاب بأن ذلك ابتداء منه يدعوهم إلى الله ولم ينبذ إليهم عهدهم ولهذا قال في آخر الكتاب ﴿ والسلام على من اتبع الهدى  ﴾ ومما يؤكد شبهة من زعم أنهما سورة واحدة هو أن ختم الأنفال وقع بإيجاب أن يوالي المؤمنون بعضهم بعضاً وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكلية، وقوله ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ و "من" لابتداء الغاية متعلق بمحذوف لا بالبراءة لفساد المعنى.

والمعنى هذه براءة واصلة من الله ورسوله ﴿ إلى الذين عاهدتم ﴾ كما تقول: كتاب من فلان إلى فلان.

ويجوز أن يكون ﴿ براءة ﴾ مبتدأ لتخصصها بصفتها هي الجار والمجرور كما قلنا والخبر محذوف كما ذكرنا نظيره قولك: رجل من بني تميم في الدار.

كان قد أذن الله في معاهدة المشركين فاتفق المسلمون مع رسول الله وعاهدوهم فلما نقضوا العهد أوجب الله النبذ إليهم وكأنه قيل للمسلمين: اعلموا ان الله ورسوله قد برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين.

روي أنهم كانوا عاهدوا المشركين من غير أهل مكة وغيرهم من العرب فنكثوا إلا ناساً منهم وهم بنو ضمرة وبنو كنانة، فنبذ العهد إلى الناكثين وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين ساروا.

والأشهر هي الحرم لقوله ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ والسياحة الضرب في الأرض والاتساع في السير والبعد عن المدن وموضع العمارة مع الإقلال من الطعام والشراب منه يقال للصائم سائح لتركه المطعم والمشرب.

والمعنى في هذا الأمر إباحة الذهاب مع الأمان وإزالة الخوف.

روي أن فتح مكة كان سنة ثمان من الهجرة وكان رسول الله  قد ولّى عتاب بن أسيد الوقوف بالناس في الموسم، فاجتمع في تلك السنة في المواقف ومعالم الحج المسلمون والمشركون ونزلت هذه السورة سنة تسع، وكان أمر فيها أبا بكر على الموسم فلما نزلت السورة أتبعه علياً راكب العضباء ليقرأها على أهل الموسم فقيل له: لو بعثت بها إلى أبي بكر؟

فقال: لا يؤدي عني إلا رجل مني، فلما دنا علي سمع أبو بكر الرغاء فوقف وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله  .

فلما لحقه قال: أمير أو مأمور؟

قال: مأمور.

وروي أن أبا بكر لما كان ببعض الطريق هبط جبريل  وقال: يا محمد لا يبلغن رسالتك إلا رجل منك فأرسل علياً فرجع أبو بكر إلى رسول الله  : يا رسول الله أشيء نزل من السماء؟

قال: نعم.

فسر وأنت على الموسم وعلي ينادي بالآي.

فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر وحدّثهم عن مناسكهم وقام علي يوم النحر عند جمرة العقبة فقال: يا أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم.

فقال: بماذا؟

فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية.

وعن مجاهد ثلاث عشرة.

ثم قال: أمرت بأربع: أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده.

فقالوا عند ذلك: يا علي أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهرونا، وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب السيوف.

استدلت الإمامية بهذا القصة على تفضيل علي كرم الله وجهه وعلى تقديمه.

وأجاب أهل السنة بأنه أمر أبا بكر على الموسم وبعث علياً خلفه لتبليغ هذه الرسالة حتى يصلي علي خلف أبي بكر ويكون ذلك جارياً مجرى التنبيه على إمامة أبي بكر.

وأما قوله: "لا يبلغ عني إلا رجل مني" فذلك لأن المتعارف بين العرب أنه إذا عقد السيد الكبير منهم لقوم حلفاً أو عاهد عهداً لم يحل ذلك العهد إلا هو أو رجل من ذوي قرابته كأخ أو عم.

فلو تولاه أبو بكر لجاز أن يقولوا هذا خلاف ما يعرف فينافي نقص العهد فأزيلت علتهم بتولية ذلك علياً.

وقيل: لما أحضر أبا بكر لتولية أمر الموسك أحضر علياً لهذا التبليغ تطبيباً للقلوب ورعاية للجوانب.

ولنرجع إلى التفسير.

قال ابن الأنباري: في الكلام إضمار التقدير: فقل لهم سيحوا.

ويكون ذلك رجوعاً من الغيبة إلى الحضور كقوله ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً إن هذا كان لكم جزاء  ﴾ واختلفوا في الأشهر الأربعة.

فعن الزهري أن براءة نزلت في شوال والمراد شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم.

وقيل: هي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشر من ربيع الآخر.

وكانت حرماً لأنهم أومنوا فيها وحرم قتلهم وقتالهم، أو سميت حرماً على التغليب لأن ذا الحجة والمحرم منها.

وقيل: ابتداء المدّة من عشر ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت للنسيء الذي كان فيهم، ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة.

قال المفسرون: هذا تأجيل من الله للمشركين ومن كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر حطت إلى أربعة ومن كانت مدته أقل رفعت إليها.

والمقصود من هذا التأجيل أن يتفكروا في أنفسهم ويحتاطوا في الأمر ويعلموا أنه ليس لهم بعد هذه المدة إلا أحد أمور ثلاثة: الإسلام أو قبول الجزية أو السيف.

فيصير ذلك حاملاً لهم على قبول الإسلام ظاهراً وإلى هذا المعنى أشار بقوله ﴿ واعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ أي اعلموا أن هذا الإمهال ليس لعجز ولكن لمصلحة ولطف ليتوب من تاب، وفيه ضرب من التهديد كأنه قيل: افعلوا في هذه المدة كل ما أمكنكم من إعداد اللآلات والأدوات فإنكم لا تفوتون الله وهو مخزيكم أي مذلكم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالعذاب.

وقوله ﴿ مخزي الكافرين ﴾ من باب الالتفاف من الحضور إلى الغيبة.

ومن وضع الظاهر موضع المضمر ليكون فيه إشارة إلى أن سبب الإخزاء هو الكفر.

ثم أراد أن يعلم جميع الناس البراءة المذكورة فقال ﴿ وأذان ﴾ وارتفاعه كارتفاع براءة على الوجهين، ثم الجملة معطوفة على مثلها.

وخطىء الزجاج في قوله "إنه معطوف على براءة" لأنه لو عطف عليها لكان هو أيضاً مخبراً عنه بالخبر الأوّل وهو ﴿ إلى الذين عاهدتم ﴾ لكنه غير مقصود بل المقصود الإخبار عنه بقوله ﴿ إلى الناس ﴾ والأذان اسم بمعنى الإيذان الإعلام كالأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء ومنه أذان الصلاة.

أمر الله تعالى بهذا الإعلام ﴿ يوم الحج الأكبر ﴾ وهو الجمع الأعظم الذي حضر فيه المؤمن والمشرك والعاهد الناكث وغير الناكث ليصل الخبر إلى جميع الأطراف ويشتهر، وكان النبي  يريد أن يحج في السنة الآتية فأمر بإظهار هذه البراءة لئلا يحضر الموقف غير.

المؤمنين الموحدين وقيل: يوم الحج الأكبر يوم عرفة لأن فيه أعظم أعمال الحج وهو الوقوف بعرفة ولهذا قال  : "الحج عرفة" وهو قول عمر وسعيد بن المسيب وابن الزبير وعطاء وطاوس ومجاهد وإحدى الروايتين عن علي  وابن عباس ورواية المسوّر بن مخرمة عن رسول الله صلى الله عليه سلم أنه قال: خطب رسول الله  عشية عرفة فقال: "أما بعد فإن هذا يوم الحج الأكبر" .

وقال ابن عباس في رواية عطاء: هو يوم النحر.

ووافقه قول الشعبي والنخعي والسدي والمغيرة بن شعبة وسيعد بن جبير.

وذلك أن معظم أفعال الحج من الطواف والحلق والرمي والنحر يقع فيه.

ومثله ما روي عن علي  أن رجلاً أخذ بلجام دابته فقال: ما يوم الحج الأكبر؟

فقال: يومك هذا خلّ عن دابتي يعني يوم النحر.

وعن ابن عمر أن رسول الله صلى عليه وسلم وقف يوم النحر عند الجمرات في الوداع فقال: هذا يوم الحج الأكبر.

قال ابن جريج عن مجاهد: يوم الحج الأكبر أيام منى كلها وهو قول سفيان الثوري.

وكان يقول: يوم الحج الأكبر أيامه كلها كيوم صفين ويوم الجمل يراد به الحين والزمان، لأن كل حرب من هذه الحروب دامت أياماً كثيرة.

وعلى هذا فقد وصف الحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر.

وقيل: الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد.

عن مجاهد أيضاً: هذا وقد حذفت الباء التي هي صلة الأذان تخفيفاً والتقدير ﴿ أن الله بريء من المشركين ﴾ وقوله ﴿ ورسوله ﴾ بالرفع مبتدأ محذوف الخبر أي ورسوله أيضاً كذلك، أو هو معطوف على المنوي في ﴿ بريء ﴾ أي بريء هو ورسوله.

وجاز العطف من غير تأكيدبالمنفصل للفصل.

وقرىء بالجر على الجوار أو على أن الواو للقسم كقوله  ﴿ لعمرك أنهم لفي سكرتهم يعمهون  ﴾ والفرق بين قوله ﴿ براءة من الله ﴾ وبين قوله ﴿ إن الله بريء ﴾ أن المقصود من الكلام الأول هو الإخبار بثبوت البراءة، والمقصود من هذا الثاني إعلام جميع الناس بما حصل وثبت.

وأيضاً المراد بالأولالبراءة من العهد، وبالثاني البراءة التي هي نقيض المولاة، ولهذا لم يصف المشركين ثانياً بوصف معين كالمعاهدة تنبيهاً على أن الموجب لهذه البراءة وهو كفرهم وشركهم ولهذا أتبعه قوله ﴿ فإن تبتم ﴾ أي عن الشرك ﴿ فهو خير لكم ﴾ وفيه ترغيب في التوبة والإقلاع الموجب لزوال البراءة ﴿ وإن توليتم ﴾ أعرضتم عن التوبة أو بقيتم على التولي والإعراض عن الإيمان والوفاء ﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ فائتين أخذ الله وعقابه.

قال بعض العلماء: قوله  ﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ ليس بتكرار لأن الأول للمكان والثاني للزمان.

﴿ وبشر ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب.

وفيه من التهكم والتهديد ما فيه كيلا يظن أن عذاب الدنيا لو فات وزال خلصوا من العذاب بل العذاب الشديد معدّ لهم يوم القيامة.

أما قوله ﴿ إلا الذين ﴾ قد قال الزجاج: إن الاستثناء يعود إلى قوله ﴿ براءة ﴾ والتقدير: براءة من الله ورسوله إلى المشركين المعاهدين إلا الذين لم ينقضوا العهد.

وقال في الكشاف: وجهه أن يكون مستثنى من قوله ﴿ فسيحوا في الأرض ﴾ لأن الكلام خطاب للمسلمين والتقدير: فقولوا لهم سيحوا إلا الذين عاهدتم ثم لم ينقضوا فأتموا إليهم عهدهم.

وقيل: استثناء من قوله ﴿ إلى الذين عاهدتم ﴾ ومعنى ﴿ لم ينقصوكم شيئاً ﴾ لم يقتلوا منكم أحداً ولم يضروكم قط.

ومعنى ﴿ لم يظاهروا ﴾ لم يعاونوا أي لم يقدموا على المحاربة بأنفسهم ولم يهيجوا أقواماً آخرين.

وقرىء ﴿ ينقضوكم ﴾ بالضاد المعجمة أي لم ينقضوا عهدكم.

ومعنى ﴿ فأتموا إليهم ﴾ أدوه إليهم تاماً كاملاً.

قال ابن عباس: بقي لحي من كنانة من عهدهم تسعة أشهر فأتم إليهم عهدهم.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن الله يحب المتقين ﴾ يعني أن قضية التقوى أن لا يسوى بين القبيلين ولا يجعل الوفي كالغادر، ومن جملة الغادرين بنو بكر عدواً على خزاعة عيبة رسول الله  وظاهرتهم قريش بالسلاح حتى وفد عمرو بن سالم الخزاعي على رسول الله  فأنشد: لا هم إني ناشد محمدا *** حلف أبينا وأبيك الأتلدا إن قريشاً أخلفوك الموعدا *** ونقضوا ذمامك المؤكدا هم بيتونا بالحطيم هجدا *** وقتلونا ركعاً وسجدا فقال  : " لا نصرت إن لم أنصركم" ومعنى ناشد محمداً أذكر له الحلف والعهد لأنه كان بين أبيه عبد المطلب وبين خزاعة حلف قديم.

والأتلد الأقدم.

ثم بين حكم انقضاء أجل الناكثين فقال ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ أي التي أبيح فيها للناكثين أن يسيحوا.

وانسلاخ الشهر تكامله جزءاً فجزءاً إلى أن ينقضي كانسلاخ الجلد عما يحويه، شبه خروج المتزمن عن زمانه بانفصال المتمكن عن مكانه فكلاهما ظرف ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ يعني الناقضين ﴿ حيث وجدتموهم ﴾ من حل أو حرم وفي أي وقت كان.

﴿ وخذوهم ﴾ وأسروهم والأخيذ الأسير ﴿ واحصروهم ﴾ امنعوهم من التصرف في البلاد وقيدوهم.

وقال ابن عباس: حصرهم أن يحال بينهم وبين المسجد الحرام.

﴿ واقعدوا لهم في كل مرصد ﴾ أي في كل ممر ومجاز ترقبوهم هناك.

وانتصابه على الظرف كما مر في قوله ﴿ لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم  ﴾ ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ إن حصلوا على شروطها ﴿ فخلوا سبيلهم ﴾ المراد من التخلية الكف عنهم وإطلاقهم من الأسر والحصر عن البيت الحرام، أو عن التصرف في مهماتهم ﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ يغفر لهم ما سلف لهم من الكفر والغدر.

قال الشافعي: إنه  أباح دماء الكفار بجميع الطرق والأحوال ثم حرمها عند التوبة عن الكفر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فما لم يوجد أحد هذه الأمور لم يوجد هذا المجموع، فوجب أن تبقى إباحة الدم على الأصل.

فتارك الصلاة يقتل، ولعل أبا بكر استدل بمثل ذلك على جواز قتال مانعي الزكاة.

وحمل أكثر الأئمة الإقامة والإيتاء ههنا على اعتقاد وجوبهما والإقرار بذلك وإن كان له وجه عدول عن الظاهر.

وعن الحسن أن أسيراً نادى بحيث يسمع النبي  أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد ثلاثاً.

فقال  : "عرف الحق لأهله فأرسلوه" .

قال بعض العلماء: ذكر التوبة ههنا عبارة عن تطهير القوة النظرية عن الجهل، وذكر الصلاة والزكاة عبارة عن تطهير القوة العملية عما لا ينبغي، ولا ريب أن كمال السعادة منوط بهذا المعنى جعلنا الله من أهلها.

لما أوجب الله  بعد انسلاخ الأشهر الحرم قتل المشركين دل ذلك على أن حجة الله  قد قامت عليهم وأن ما ذكره الرسول قبل ذلك من أنواع الدلائل والبينات كفي في إزاحة علتهم فينتج ذلك أن أحداً من المشركين لو طلب الدليل والحجة يلتفت إليه بل يطالب إما بالإسلام أو بالجزية أو بالقتل، فأزال الله  بكمال رأفته هذه الشبهة فقال ﴿ وإن أحد من المشركين استجارك ﴾ الآية.

قال علماء العربية: ارتفع ﴿ أحد ﴾ بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره: وإن استجارك أحد استجارك.

كرهوا الجمع بين المفسر والمفسر فحذفوا المفسر.

والغرض بناء الكلام على الإبهام ثم التفسير من حيث إنّ "إن" من مظان وقوع الفعل بعده.

وأيضاً ذكر الفاعل ههنا أهم لما بينا أن ظاهر الدليل يقتضي إباحة دم المشرك فقدم ليدل على مزيد العناية بصون دمه عن الإهدار.

يقال: استجرت فلاناً أي طلب منه أن يكون جاراً لي أي محامياً وحافظاً من أن يظلمني ظالم، ومنه يقال: أجاره الله من العذاب أي أنقذه.

والمعنى وإن جاءك أحد من المشركين بعد انسلاخ الأشهر لا عهد بينك وبينه.

فاستأمنك ليسمع ما تدعو إليه من التوحيد والقرآن فأمنه ﴿ حتى يسمع كلام الله ﴾ سماع تدبر وتأمل ﴿ ثم أبلغه ﴾ داره التي يأمن فيها إن لم يسلم ثم قاتله إن شئت فيها، وفيه أن المقصود من شرع القتل قبول الدين والإقرار بالتوحيد وأن النظر في دين الله من أعلى المقامات فإن الكافر الذي دمه مهدر لما أظهر من نفسه كونه طالباً للنظر والاستدلال زال ذلك الإهدار ووجب على الرسول أن يبلغه مأمنه، أما زمان مهلة النظر فليس في الآية ما يدل على ذلك ولعله مفوّض إلى اجتهاد الإمام، فمتى ظهر على ذلك المشرك علامات كونه طالباً للحق باحثاً عن وجه الاستدلال أمهل وترك، ومتى ظهر عليه كونه معرضاً عن الحق دافعاً للزمان بالأكاذيب لم يلتفت إليه وأبلغ المؤمن.

ويشبه أن يقال: المدة أربعة أشهر وهو الصحيح من مذهب الشافعي.

والمذكور في الآية كونه طالباً لسماع القرآن إلا أنه ألحق به كونه طالباً لسماع الدلائل والجواب الشبهات لأنه  علل وجوب الإجارة بكونه غير عالم حيث قال في آخر الآية ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ﴾ فكل من حصلت فيه هذه العلة وجبت إجارته.

وفي سماع كلام الله وجوه: قيل أراد جميع القرآن لأن تمام الدلائل والبينات فيه.

وقيل: سماع سورة براءة لأنها مشتملة على كيفية المعاملة مع المشركين والأولى حمله على كل الدلائل، وإنما خص القرآن بالذكر لأنه الكتاب الحاوي لمعظم الدلائل.

واعلم أن الأمان قد يكون عاماً يتعلق بأهل إقليم أو بلدة أو ناحية وهو عقد المهادنة ويختص بالإمام وقد مر في تفسير قوله  ﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ﴾ وقد يكون خاصاً يتعلق بأفراد الكفار وهذا يصح من الولاة ومن آحاد المسلمين أيضاً وهذا مقصود الآية وإنه ثابت غير منسوخ.

روي عن سعيد بن جبير أن رجلاً من المشركين جاء إلى علي  فقال: أراد الرجل منا أن يأتي محمداً بعد انقضاء هذا الأجل يسمع كلام الله أو يأتيه لحاجة قتل؟

قال: "لا".

واستدل بالآية.

وعن السدي والضحاك هو منسوخ بقوله ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ وشرط الأمان الإسلام والتكليف فيصح من العبد والمرأة والفاسق.

روي أنه  قال: "يسعى بذمتهم أدناهم" وعن أم هانىء قالت: أجرت رجلين من أحمائي فقال  : "أمنا من أمنت" .

ويعتبر أن الإسلام والتكليف الاختيار فلا يصح أمان المكره على عقد الأمان، وينعقد الأمان بكل لفظ مفيد للغرض صريحاً كقوله: أجرتك أو لا تخف، وكناية كقوله: أنت على ما تحب أو كن كيف شئت، ومثله الكتابة والرسالة والإشارة المفهمة.

روي عن عمر أنه قال: والذي نفسي بيده لو أن أحدكم أشار بأصبعه إلى مشرك فنزل على ذلك ثم قتله لقتلته.

هذا إذا دخل الكافر بلا سبب أما إذا دخل لسفارة فلا يتعرض له، وكذا إذا دخل لسماع الدلائل وقصد التجارة لا يفيد الأمان إلا إذا رأى الإمام مصلحة في دخول التجار.

وحكم الأمان إذا انعقد عصمة المؤمن من القتل والسبي فإن قتله قاتل ضمن بما يضمن له الذمي، ولا يتعدى الأمان إلى ما خلفه في دار الحرب من أهل ومال، وأما الذي معه منهما فإن وقع التعرض لأمانه اتبع الشرط وإلا فالأرجح أن لا يتعدى الأمان إلى ذلك.

وقد بقي في الآية مسألة أصولية هي أن المعتزلة استدلوا بالآية على أن كلام الله  هو هذه الحروف المسموعة ويتبع ذلك أن يكون كلامه محدثاً لأن دخول هذه الحروف في الوجود على التعاقب.

وأجيب بأن هذه المسموعة فعل الإنسان وليست هي التي خلقها الله  أوّلاً عندكم فعلمنا أن هذا المسموع ليس كلام الله بالاتفاق فيجب ارتكاب التجوز ألبتة، ونحن نحمله على أنها هي الدالة على الكلام النفسي فلهذا أطلق عليها أنها كلام الله كما أن الجبائي قال: إن كلام الله شيء مغاير لهذه الحروف والأصوات وهو باقٍ مع قراءة كل قارىء.

وزعم بعض الناس حين رأوا أنه  جعل كلامه مسموعاً أن هذه الحروف والأصوات قديمة ليلزم قدم كلامه  وفيه ما فيه، ثم أكد المعاني المذكورة من أول السورة إلى ههنا فقال على سبيل الاستنكار والاستبعاد ﴿ كيف يكون للمشركين عهد ﴾ المرفوع اسم كان وفي خبره ثلاثة أوجه: الأول ﴿ كيف ﴾ وقدم للاستفهام، الثاني ﴿ للمشركين ﴾ وعند على هذين ظرف للعهد أو ليكون أو للجار أو هو وصف للعهد.

الثالث الخبر ﴿ عند الله ﴾ و ﴿ للمشركين ﴾ تبيين أو متعلق بـ ﴿ يكون ﴾ و ﴿ كيف ﴾ حال من العهد يعني محال أن يثبت لهؤلاء عهد وهم أضداد لكم يضمرون الغدر في كل عهد، فلا تطعموا في الوفاء منهم ولا تتوانوا في قتلهم.

ثم استثنى منهم المعاهدين عند المسجد الحرام الذين لم يظهر منهم نكث كبني كنانة وبني ضمرة ثم بيّن حكمهم فقال ﴿ فما استقاموا لكم ﴾ في "ما" وجهان: أحدهما أن تكون زمانية وهي المصدرية على التحقيق أي استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم.

الثاني شرطية أي إن استقاموا لكم على العهد فاستقيموا لهم على مثله.

﴿ إن الله يحب المتقين ﴾ فيه إشارة إلى أن الوفاء بالعهد والاستقامة عليه من أعمال المتقين.

ثم كرر الاستبعاد فقال ﴿ كيف ﴾ وحذف الفعل لكونه معلوماً أي كيف يكون لهم عهد ﴿ و ﴾ حالهم أنهم ﴿ إن يظهروا عليكم ﴾ أي يغلبوكم، ويظفروا بكم وذلك أن الغلبة من الكمال عند الشخص وكل من تصور في نفسه كمالاً فإنه يريد أن يظهر ذلك لغيره فأطلق الظهور على الغلبة لكونه من لوازمها ﴿ لا يرقبوا ﴾ لا يراعوا ﴿ فيكم ﴾ ولا ينتظروا بكم ﴿ إلا ولا ذمة ﴾ قال في الصحاح: الأل العهد والقرابة.

ووجه ذلك في الكشاف بأن اشتقاقه من الأل هو الجؤار والأنين لأنهم إذا تحالفوا رفعوا به أصواتهم، وسميت به القرابة لأنها تعقد بين الرجلين ما لا يعقده الميثاق.

وفي الصحاح أيضاً أن الأل بالكسر من أسماء الله عزّ وجلّ.

وفي الكشاف أنه قرىء "إيلا" بمعناه.

وقيل: جبرئيل وجبرئلّ من ذلك.

وقيل: منه اشتق الأل بمعنى القرابة كما اشتقت الرحم من الرحمن.

قال الزجاج: الأل عندي على ما توجبه اللغة يدور على معنى الحدّة من ذلك الألة الحربة، وأذن مؤللة محدّدة.

ومعنى العهد والقرابة غير خارج من ذلك، والذمة العهد وجمعها ذمم وذمام وهو كل أمر لزمك وكان بحيث لو ضيعته لزمك مذمة.

وقال أبو عبيدة: الذمة ما يتذمم منه أي ما يجتنب فيه الذم.

قال في الكشاف ﴿ يرضونكم ﴾ كلام مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن مقرر لاستبعاد الثبات منهم على العهد وإباء القلوب مخالفة ما فيها من الأضغان لما يجرونه على ألسنتهم من الكلام الجميل.

ثم قال  ﴿ وأكثرهم فاسقون ﴾ عن ابن عباس: لا يبعد أن يكون بعض هؤلاء الكفار قد أسلم وتاب فلهذا لم يحكم بالفسق على الكل.

والظاهر أنه أراد أن أكثرهم فساق في دينهم لا يتحرزون عن الكذب ونقض العهد الذي هو مذموم في جميع الأديان والنحل ﴿ اشتروا ﴾ استبدلوا ﴿ بآيات الله ﴾ بالقرآن أو بالإسلام ﴿ ثمناً قليلاً ﴾ هو اتباع الأهواء ﴿ فصدوا عن سبيله ﴾ فصرفوا عنه غيرهم وعدلوا هم أنفسهم.

قال مجاهد أراد الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم.

وقيل: يبعد أن يراد طائفة من اليهود الذين أعانوا المشركين على نقض العهود، فإن هذا اللفظ من القرآن كالأمر المختص باليهود ولأنه وصفهم بقوله ﴿ لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ﴾ ولو أراد المشركين كان تكراراً ﴿ وأولئك هم المعتدون ﴾ المتجاوزون حدود الله في دنيه وما يوجبه العهد والعقد.

ثم قال ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ فإن كان هذا في اليهود وما ذكره قبل في الكفار فلا تكرار، وإن كان كلاهما في الكفار فجزاء الأول تخلية سبيلهم وجزاء الثاني قوله ﴿ فإخوانكم ﴾ أي فهم إخوانكم ﴿ في الدين ﴾ فلم يكن من التكرار في شيء.

قال ابن عباس: حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة: ﴿ ونفصل الآيات ﴾ نبينها ﴿ لقوم يعلمون ﴾ لأنهم هم المنتفعون بالبيان.

وهذه جملة معترضة تفيد الحث على التأمل في أحكام المشركين وعلى المحافظة على مواردها ﴿ وإن نكثوا ﴾ يعني هؤلاء التائبين ﴿ أيمانهم من بعد عهدهم ﴾ أي من بعد إسلامهم حتى يكونوا مرتدين، أو المراد نكث المشركين عهودهم ومواثيقهم.

والنكث نقض طاقات الخيط من بعد برامه.

﴿ وطعنوا في دينكم ﴾ ثلبوه وعابوه ﴿ فقاتلوا أئمة الكفر ﴾ هي جمع إمام وأصلها "أأممة" كمثال وأمثلة نقلت حركة الميم إلى الهمزة وأدغمت الميم في الميم، وهو من وضع الظاهر موضع المضمر دلالة على أن من كان بهذه المثابة من الغدر وقلة الوفاء وعدم الحياء فهو عريق في الكفر متقدم فيه لا يشق كافر غباره.

وقيل: خص سادتهم بالذكر لأن من سواهم يتبعهم لا محالة.

ثم أبدى غرض القتال بقوله ﴿ لعلهم ينتهون ﴾ ليعلم أن الباعث على قتالهم هو ردهم إلى طاعة معبودهم رحمة عليهم لا أمر نفساني وداعٍ شهواني ووسط بين الأمر بالقتال وبين الحامل عليه قوله ﴿ إنهم لا أيمان لهم ﴾ تنبيهاً على العلة الفاعلية للقتال، أثبت لهم الأيمان أوّلاً في الظاهر حيث قال ﴿ وإن نكثوا أيمانهم ﴾ ثم نفاها عنهم في الحقيقة لأن إيمانهم ليست مما يعد أيماناً إذ لم يوفوا بها.

وبهذا تمسك أبو حنيفة في أن يمين الكافر لا تكون يميناً، وعند الشافعي يمينهم يمين لأنه  وصفها بالنكث ولو لم تكن منعقدة لم يتصور نكثها.

ومن قرأ ﴿ لا إيمان ﴾ لهم بالكسر أي لا إسلام لهم أو لا يعطون الأمان بعد الردة والنكث فظاهر.

قال العلماء: إذا طعن الذمي في دين الإسلام طعناً ظاهراً جاز قتله لأن العهد معقود معه على أن لا يطعن فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة.

ثم شرع في ذكر سائر الأسباب المحرّضة على القتال فقال ﴿ ألا تقاتلون ﴾ قال أهل المعاني: إذا قلت: ألا تفعل كذا.

فإنما يستعمل ذلك في فعل مقدر وجوده.

وإذا قلت: ألست تفعل تقول فى ذلك في فعل تحقيق وجوده.

والفرق أن "لا" ينفي بها المستقبل فإذا دخلت عليه الألف صار تحضيضاً على فعل ما يستقبل و "ليس" مستعمل في نفي الحال فإذا دخلت عليه الألف صار لتحقيق الحال.

قال ابن إسحق والسدي والكلبي: نزلت في كفار مكة نكثوا أيمانهم بعد عهد الحديبية وأعانوا بني بكر على خزاعة وهموا بإخراج الرسول من مكة حتى هاجر أو من المدينة.

يريد اليهود هموا بإخراجه منها ونكثوا عهده وظاهروا أبا سفيان عليه  يوم الأحزاب.

وقيل: همت قريش يوم الحديبية بأن يدخلوه  مكة ثم يخرجوه قبل أن يتم حجه استخفافاً به  ، وعلى هذا أريد بالهم العزم على الفعل وإن لم يوجد ﴿ وهم بدؤكم أول مرّة ﴾ بالقتال يعني يوم بدر لأنهم حين سلم العير قالوا: لا ننصرف حتى نستأصل محمداً ومن معه.

أو المراد أنهم قاتلوا حلفاءه من خزاعة، أو المراد أن الرسول  جاءهم أولاً بالكتاب المنير وتحداهم به فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى المقاتلة والبادىء أظلم.

والحاصل أن من كان في مثل صفاتهم من نكث العهد وإخراج الرسول والبدء للقتال حقيق بأن لا تترك مقاتلته وأن يوبخ من فرط فيها.

ثم زاد في التوبيخ فقال فيه ﴿ أتخشونهم ﴾ تقريراً للخشية منهم وتقوية لداعية القتال كما إذا قلت للرجل: أتخشى خصمك لأنه يستنكف أن ينسب إلى كونه خائفاً من خصمه.

ثم بيّن ما يجب أن يكون الأمر عليه قائلاً ﴿ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ﴾ يعني أن قضية الإيمان الصحيح أن لا يخشى المؤمن إلا الله، لأن قدرته أتم وعقابه أشدّ بل لا قدرة إلا له ولا يكون إلا ما يريد.

وفي الفاء نوع من تعليل لأن الاستفهام في معنى النهي كأنه قيل: لا تخشوهم لأن الله أحق بالخشية وأحرى بالطاعة، وفيه نوع مجازاة كأنه قيل: إن صح أنكم مؤمنون فلا تخشوا إلا الله.

ثم زاد في تأكيد الأمر بالقتال فقال ﴿ قاتلوهم ﴾ ورتب عليه خمس نتائج: الأولى: قوله ﴿ يعذبهم الله بأيديكم ﴾ أي القتل والأسر واغتنام الأموال، وهذا لا ينافي ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم  ﴾ لأنه أراد هناك عذاب الاستئصال.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن الذي يدخل في الوجود من الأفعال كلها من الله يظهرها على أيدي العباد.

واعترض الجبائي بأنه لو كان كذلك لجاز أن يقال: كذب الله أنبياءه على لسان الكفرة.

وأجيب بأن الأمر كذلك عندنا إلا أنا لا نقوله رعاية للأدب كما لا يقال يا خالق الخنافس والحشرات.

وكما أنكم لا تقولون يا مسهل أسباب الزنا واللواط ويا دافع الموانع عنها.

الثانية: ﴿ ويخزهم ﴾ قيل: هو الأسر وقيل: المراد ما نزل بهم من الذل والهوان حين شاهدوا أنفسهم مقهورين في أيدي المؤمنين وهو قريب من الأول.

أو هو هو.

وقيل: هو عذاب الآخرة.

الثالثة: ﴿ وينصركم عليهم ﴾ أورد عليه أن النصر يستتبعه إخزاء الخصم فأي حاجة إلى إفراده بالذكر؟

والجواب أن المغايرة كافية في إفراد كل من المتلازمين بالذكر على أنه من المحتمل أن يحصل لهم الخزي من جهة المؤمنين إلا أن المؤمنين يحصل لهم آفة لسبب آخر، فلما وعدهم النصر على الإطلاق زال ذلك الاحتمال.

الرابعة: ﴿ ويشف صدور قوم مؤمنين ﴾ هم خزاعة.

وعن ابن عباس: بطون من اليمن وسبأ، قدموا مكة فأسلموا فلقوا من أهلها أذى شديداً فبعثوا إلى رسول الله  يشكون إليه فقال: أبشروا فإن الفرج قريب.

الخامسة: ﴿ ويذهب غيظ قلوبهم ﴾ قيل: شفاء الصدر وإذهاب غيظ القلب كلاهما بمعنى فيكون تكراراً.

والجواب أن القلب أخص من الصدر كقوله: يا دار ميَّة بالعلياء فالسند *** أو شفاء الصدر إشارة إلى الوعد بالفتح، ولا ريب أن الانتظار شاق وإن كان مع الثقة بالموعود فإذهاب غيظ القلب إشارة إلى الفتح وقد حصل الله لهم هذه المواعيد كلها وكان ذلك دليلاً على صدق النبي  وإعجازه.

ثم قال ﴿ ويتوب الله على من يشاء ﴾ وهو ابتداء كلام للإخبار بأن بعض أهل مكة يتوب عن كفره وقد وقع، فقد أسلم ناس منهم وحسن إسلامهم.

وقرىء ﴿ ويتوب ﴾ بالنصب بإضمار "أن" ودخول التوبة في جملة ما أجيب به الأمر من طريق المعنى كقوله ﴿ فأصدق وأكن  ﴾ أما أن التوبة كيف تقع جزاء للمقاتلة فذلك من قبل الكفرة واضح فإن القتال قد يصير سبباً لتوبة بعضهم عن الكفر، وأما من جهة المؤمنين فلعل القتال كان شاقاً على بعضهم فإذا أقدم عليه صار ذلك العمل جارياً مجرى التوبة عن تلك الكراهة.

وأيضاً إن حصول النصر والظفر إنعام عظيم والعبد إذا شاهد توالي النعم لم يبعد أن يصير ذلك داعياً له إلى أن يتوب عن جميع الذنوب وقد تصير كثرة المال والجاه سبباً لتحصيل اللذات بالطريق الحلال فينتهي عن الحرام.

وأيضاً الإنسان حريص على ما منع فإذا انفتحت عليه أبواب الخيرات الدنيوية فربما يصير ذلك سبباً لانقباضه عن الدنيا وإعراضه عنها وهذا هو أحد الوجوه التي ذكروها في تفسير قوله  حكاية عن سليمان ﴿ رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي  ﴾ يعني بعد حصول هذا الملك لا ينبغي للنفس الاشتغال بالدنيا ﴿ والله عليم ﴾ بكل ما يجري في ملكه وملكوته ﴿ حكيم ﴾ مصيب في أفعاله وأقواله وأحكامه وتدابيره.

عن ابن عباس أن قوله ﴿ ألا تقاتلون ﴾ الآية.

ترغيب في فتح مكة لأن النتائج المذكورة مشاكلة لتلك الأحوال.

واستبعده الحسن لأن هذه السورة نزلت بعد فتح مكة بسنة.

ثم بين أنه ليس الغرض من إيجاب القتال نفس القتال وإنما المقصود أن يؤتى به انقياداً لأمر الله ولتكاليفه ليظهر المخلص من المنافق فقال ﴿ أم حسبتم ﴾ الآية.

وقد مرّ وجه إعرابه في آل عمران عند قوله ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا  ﴾ .

وقوله ﴿ ولم يتخذوا ﴾ معطوف على ﴿ جاهدوا ﴾ داخل في حيز الصلة.

والوليجة لبطانة يعني الحبيب الخالص "فعيلة" من ولج كالدخيلة من دخل، أو هو الرجل يكون في القوم وليس منهم.

قال الواحدي: يقال هو وليجتي وهم وليجتي يستوي فيه الواحد والجمع.

ومعنى الآية لا تحسبوا أن تتركوا على ما أنتم عليه ولم يظهر بعد معلوم الله من تميز المجاهدين المنافقين من المجاهدين الخلص الذين جاهدوا لوجه الله ولم يتخذوا حبيباً من الذين يضادون رسول الله والمؤمنين.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ ليعلموا أنه لم يزل عالماً بالأشياء لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء فيجدّوا في استقامة السيرة ويجتهدوا في نقاء السريرة.

التأويل: ﴿ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم ﴾ من النفوس المشركة التي اتخذت الهوى وصنم الدنيا معبوداً فهادنها الروح والقلب في أوان الطفولية لاستكمال القالب وتربيته ﴿ فسيحوا ﴾ في أرض البشرية ﴿ أربعة أشهر ﴾ هي مدة كمال الأوصاف الأربعة: النباتية والحيوانية والشيطانية والإنسانية ﴿ وأذان من الله ورسوله ﴾ إلى الصفات الناسوتية ﴿ يوم الحج الأكبر ﴾ يوم الوصول إلى كعبة الجمال والحج الأصغر الوصول إلى كعبة القلب إن زيارة كعبة الوصال حرام على مشركي الصفات الناسوتية ﴿ فإن تبتم ﴾ عن الناسوتية بإفنائها في اللاهوتية ﴿ فهو خير لكم ﴾ من قيامكم بالناسوت ﴿ وإن توليتم ﴾ ركنتم إلى غير الله ﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ عن التصرف فيكم.

أما لأهل السعادة فبالجذبات الأزلية، وأما لأهل الشقاوة فبأليم عذاب القطيعة ﴿ إلا الذين عاهدتم ﴾ أيها القلوب والأرواح من مشركي النفوس على التوافق في العبودية ﴿ ثم لم ينقصوكم ﴾ شيئاً من وظائف الشريعة ﴿ ولم يظاهروا عليكم أحداً ﴾ من الشيطان والدنيا ﴿ فأتموا إليهم عهدهم ﴾ بالمداراة والرفق إلى أوان طلوع قمر العناية ونجم الجذبة والهداية.

﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ استكملت مدة التربية تمام الأوصاف الأربعة ﴿ فاقتلوا ﴾ النفوس المشركة بسيف النهي عن الشهوات ﴿ حيث وجتموهم ﴾ في الطاعة بأن تكلفوها إياها وفي المعصية بأن تزجروها عنها ﴿ وخذوهم ﴾ بآداب الطريقة ﴿ واحصروهم ﴾ احبسوهم في حصار الحقيقة ﴿ واقعدوا لهم كل مرصد ﴾ راقبوهم في الأحوال كلها ﴿ فإن تابوا ﴾ رجعوا إلى طلب الحق ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ أدّوا حق العبودية ﴿ وآتوا الزكاة ﴾ تزكت عن الأخلاق الذميمة ﴿ فخلوا سبيلهم ﴾ اتركوا التشديد عليهم بالرياضات ليعملوا بالشريعة بعد الوصول إلى الحقيقة فإن النهاية هي الرجوع إلى البداية ﴿ وإن أحد ﴾ من مشركي صفات النفس ﴿ استجارك ﴾ يا قلب لترك ما هو المخصوص به من الصفات الذميمة ﴿ فأجره حتى يسمع كلام الله ﴾ حتى يلهم بإلهام ﴿ ثم أبلغه مأمنه ﴾ وهو وارد الجذبة الإلهية، وإن الجذبة إذا تعلقت بصفة من صفات النفس تنجذب النفس بجميع صفاتها ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ﴾ الله وأسراره فلا يميلون إليه ويعلمون الدنيا وشهواتها فيركنون إليها.

﴿ كيف يكون ﴾ لمشركي النفوس ثبات على العهد وقد جبلت ميالة إلى السفليات وغايتها بعد إصلاح حالها أن تميل إلى نعيم الجنات ﴿ إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ﴾ وهو مقام الوصول المحرم على أهل الدنيا وهو مقام أهل الله وخاصته، الذين تنورت نفوسهم بأنوار الجمال والجلال فيثبتها الله على العهد بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴿ فما استقاموا لكم ﴾ على الصراط المستقيم ﴿ فاستقيموا لهم ﴾ بشرحها في متسع رياض الشريعة ﴿ ولا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ﴾ لا يحفظوا حقوق الجنسية فإن الأرواح والقلوب والنفوس مزدوجة في عالمي الأمر والخلق ﴿ يرضونكم ﴾ بالأعمال الظاهرة ﴿ وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون ﴾ فيما يعملون خارجون عن الصدق والإخلاص ﴿ اشتروا ﴾ بدلالات توصلهم إلى الله ﴿ ثمناً قليلاً ﴾ من متاع الدنيا ومصالحها ﴿ فصدّوا عن سبيله ﴾ قطعوا طريق الحق على الأرواح والقلوب ﴿ فإخوانكم في الدين ﴾ رفقاؤكم في طلب الحق فارعوا حقوقهم فإن لنفسك عليك حقاً.

﴿ لقوم يعلمون ﴾ أن السير إلى الله من أعظم المقامات وأهم المهمات ﴿ وطعنوا في دينكم ﴾ أنكروا مذهب السلوك ﴿ أئمة الكفر ﴾ النفوس ﴿ وهموا بإخراج الرسول ﴾ يعني الواردات الغيبية بانسداد روزنة القلب ﴿ أول مرّة ﴾ في أوان الطفولية.

﴿ أتخشونهم ﴾ في فوات حظوظهم ﴿ فالله أحق أن تخشوه ﴾ بفوات حقوقها.

﴿ ويذهب غيظ قلوبهم ﴾ يعني وحشة الأرواح والقلوب وكدورتها ﴿ ويتوب الله على من يشاء ﴾ بالرجوع إلى الحق قبل التمادي في الباطل من غير حاجة إلى رياضة شديدة ﴿ والله عليم ﴾ باستعدادات النفوس ﴿ حكيم ﴾ فيما يدبر لكل منها.

﴿ أم حسبتم ﴾ أيها النفوس الأمارة ﴿ أن تتركوا ﴾ بلا رياضة ﴿ وليجة ﴾ أولياء من الشيطان والدنيا والهوى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ قال بعضهم من أهل التأويل: ذلك في قوم كان بينهم وبين رسول الله عهد على غير مدة مبينة، فأمر بنقض العهد المرسل وجعله في أربعة الأشهر التي ذكر في قوله: ﴿ فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ .

وقال بعضهم: هي في قوم كان لهم عهد دون أربعة أشهر، فأمر بإتمام أربعة أشهر؛ [و] دليله قوله: ﴿ فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ .

وقال أبو بكر الكيساني: الآية في قوم كانت عادتهم نقض العهد ونكثه؛ كقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ  ﴾ فأمر [أن يعطي العهد أربعة أشهر التي ذكر في الآية ثم الحرب بعد ذلك.

وقال بعضهم: لما نزل قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ بعث رسول الله] عليّاً إلى الموسم ليقرأه على الناس، فقرأ عليهم: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ من العهد غير أربعة أشهر ﴿ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .

على ما ذكرنا حمل هؤلاء كلهم قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ ﴾ على النقض.

وعندنا يحتمل غير هذا، وهو أن قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ في إمضاء العهد ووفائه، والبراءة هي الوفاء، وإتمامه ليس على النقض؛ [لأنه قال: إلى الذين عاهدتم من المشركين والبراءة إليهم هي الأمان والعهد إليهم، ولو كان على النقض لقال: "من الذين عاهدتم من المشركين" فدل أنه هو إتمام إعطاء العهد إليهم] وإمضاؤه إليهم، [ويؤيد هذا] ما قال بعض أهل الأدب: إن البراءة هي الأمان؛ يقال: كتبت له براءة، أي: أماناً؛ هذا الذي ذكرنا أشبه مما قالوا، أعني: أهل التأويل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ .

أي: سيروا واذهبوا في الأرض ﴿ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ أي: في مدة العهد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ ﴾ .

أي: اعلموا أن المؤمنين وإن أعطوا لكم العهد في وقت فإنكم غير معجزي الله وأولياءه، ولا فائتين عنكم في تلك المدة.

﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِي ٱلْكَافِرِينَ ﴾ الخزي: هو العذاب الفاضح الذي يفضحهم ويظهر عليهم.

ويحتمل أن يكون ذلك العذاب والإخزاء الذي ذكر في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ ﴾ .

قال القتبي: ﴿ وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ ، أي: إعلام، ومنه أذان الصلاة، وهو الإعلام؛ يقال: آذنتهم إيذاناً.

وكذلك قال أبو عوسجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ﴾ يكون في قوله: ﴿ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ﴾ دلالة ما قال أهل التأويل من النقض؛ لأن قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ يكون فيه انقضاء العهد وإتمامه إلى المدة التي ذكر، ويكون ما روي في الخبر [وذكر] في القصة "أن نبي الله  لما نزل ﴿ بَرَآءَةٌ ﴾ بعث أبا بكر على حج الناس، يقيم للمؤمنين حجهم، وبعث معه بـ ﴿ بَرَآءَةٌ ﴾ السورة، ثم أتبعه علي بن أبي طالب، فأدركه فأخذها منه، ورجع أبو بكر إلى النبي، فقال للنبي  : بأبي أنت وأمي، نزل في شيء؟

قال: لا، ولكن لا يبلغ غيري أو رجل مني، أما ترضى يا أبا بكر أنت صاحبي في الغار، وأنت أخي في الإسلام، وأنت ترد على الحوض يوم القيامة؟!

قال: بلى يا رسول الله" .

فمضى أبو بكر على الناس، ومضى علي بن أبي طالب بالبراءة، فقام على بالموسم، فقرأ على الناس: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ : من العهد، غير أربعة أشهر؛ فإنهم يسيحون فيها.

ثم قوله: ﴿ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: هو يوم النحر؛ لأن فيه ذكر طواف البيت وحج البيت.

وقال بعضهم: هو يوم عرفة؛ لأنه هو الذي يوقف فيه بعرفة، وبه يتم الحج على ما روي في الخبر: [ "الحج عرفة، ومن أدرك عرفة بليل وصلي معنا بجمع، فقد تم حجه وقضى تفثه، بإدراكه يتم الحج] وبفوته يفوت" وعن الحسن أنه سئل فقيل [له]: ما الحج الأكبر؟

فقال: سنة حج المسلمون والمشركون جميعاً، اجتمعوا بمكة، وفي ذلك اليوم كان لليهود عيد، وللنصارى عيد، لم يكن قبله ولا بعده، فسماه الله الحج الأكبر.

قال أبو بكر الأصم: لا يحتمل أن يسمي الله عيد النصارى واليهود يوم الحج الأكبر، وهو يوم نزول السخط عليهم واللعنة، ولكن جائز أن يسمى بذلك؛ لاجتماع الخلائق فيه من كل نوع؛ على ما سمي يوم الحشر يوماً [عظيما]؛ كقوله: ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ  يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .

أي: إن تبتم عما كنتم عليه فهو خير لكم؛ لأنهم يأمنون من الرعب الذي كان في قلوبهم، ويكون ذلك الخوف والرعب في قلوب المشركين؛ على ما روي في الخبر أنه قال: "نصرت بالرعب مسيرة شهر" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ : عما ذكرنا، ﴿ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ ﴾ أي: غير فائتين من نقمة الله وعذابه.

ويحتمل قوله: ﴿ فَإِن تُبْتُمْ ﴾ عن نقض العهد فهو خير لكم [في الدنيا]، والأول: فإن تبتم وأسلمتم فهو خير لكم في الدنيا والآخرة.

وروي في بعض الأخبار عن علي -  - "أنه سئل: بأي شيء بعثت؟

قال: بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ومن كان بينه وبين النبي -  - عهد فعهده أربعة أشهر، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الحرم مشرك بعد هذا" .

وفي بعض الأخبار: ولا يحج المشرك بعد عامه هذا، وكذلك قال في الآية الأخرى: ﴿ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا ﴾ ، ففيه دلالة إثبات رسالة محمد؛ لأنه قال في ملأ من الناس بالموسم: لا يحج مشرك بعد هذا، مع كثرة أولئك وقوتهم، وقلة المؤمنين وضعفهم، ثم لم يتجاسر بعد ذلك النداء أحد أن يدخل مكة للحج وغيره، دل أن ذلك أن كله كان بالله -  - لا بهم.

ثم من الناس من استدل بالخبر الذي روي أنه بعث أبا بكر الصديق على الحج وبعث معه ببراءة، ثم أتبعه عليّاً، فأدركه فأخذها منه، ورجع أبو بكر إلى النبي  فقال: هل نزل في شيء؟

قال: "لا، ولكن لا يبلغ عني غيري أو رجل مني" - على أن عليّاً هو المستحق للخلافة، وهو الأحق بها دون أبي بكر؛ حيث قال: "لا يبلغ عني غيري أو رجل مني".

لكن يحتمل أنه وَلَّى ذلك عليّاً؛ لما كان من عادة العرب أنهم إذا عاهدوا عهداً أنه لا ينقض ذلك عليهم إلا من هو من قومهم، فولى ذلك عليّاً؛ لئلا يكون لهم الاحتجاج عليه فيقولون: لم ينقض علينا العهد.

أو أن يقال: ولى عليّاً أمر الحرب، وهو كان أبصر وأقوى بأمر الحرب من أبي بكر، وولى أبا بكر إقامة الحج والمناسك، فكان أبو بكر هو المولى أمر العبادات، وعلي أمر الحروب، والحاجة إلى الخلافة لإقامة العبادات.

أو أن يقال: إن أبا بكر كان أمير الموسم، وعليّاً كان مناديه، فالأمير في شاهدنا أجل قدراً وأعظم منزلة من المنادي، وأمر عليّاً ذلك؛ لما أن ذلك كان أقبل وأسمع من غيره من الأمير نفسه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً ﴾ "قال بعضهم: هذا صلة قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ .

أمر بإتمام العهد للذين لم ينقضوا المسلمين، ولا ظاهروا عليهم أحداً، وأما الذين كانت عادتهم نقض العهد ونكثه فإنه لا يتم لهم، ولكن ينقض، وكذلك تأولوا قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ : النقض.

ويحتمل أن يكون صلة قوله: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ، ويكون العذاب الأليم هو القتل والأسر؛ كأنه يقول: وبشر الذين كفروا بالقتل والأسر ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً ﴾ .

ثم يحتمل قوله: ﴿ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً ﴾ أي: لم يخونوكم شيئاً ما داموا في العهد، ﴿ وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً ﴾ أي: لم يعاونوا ولا أطلعوا أحداً من المشركين عليكم، ﴿ فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ  ﴾ أمر بالنبذ إليهم عند خوف الخيانة، وأمر بالإتمام إذا لم يخونوا ولم يظاهروا عليهم أحداً.

ودل قوله: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ على أن قوله: ﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ ﴾ أي: غير معجزي أولياء الله في عذاب الدنيا؛ لأنهم جميعاً سواء في عذاب الآخرة، مشتركون فيه.

وقوله: ﴿ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ قال بعضهم: مدة القوم أربعة أشهر بعد يوم النحر لعشر مضين من ربيع الآخر لمن كان له عهد، ومن لا عهد له إلى انسلاخ المحرم، خمسون ليلة.

وقال بعضهم: إلا الذين عاهدتم من المشركين بالحديبية فلم يبرأ الله ورسوله من عهدهم من الأشهر الأربع [ثم لم ينقصوكم في الأشهر الأربع]، ﴿ وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً ﴾ أي: لم يعينوا على قتالكم أحداً من المشركين، أي: [إن] لم يفعلوا ذلك ﴿ فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ وهو الأربعة الأشهر ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ : الذين اتقوا المعاصي والشرك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ ﴾ قال بعضهم: الأشهر الحرم وهي أشهر العهد والأمان، فإذا انسلخ تلك الأشهر ومضت، ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ .

وقال بعضهم: الأشهر الحرم هي الأشهر التي خلقها الله وجعلها حراماً؛ كقوله: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ .

قال بعضهم: حيث وجدتموهم وخذوهم في الأماكن كلها؛ لأن "حيث" إنما يترجم عن مكان، [و]أمر بقتلهم في الأماكن كلها؛ لأنه لم يخص مكاناً دون مكان.

وقال آخرون: هو في الأماكن كلها إلا مكان الحرم، دليله ما ذكر في السورة التي ذكر فيها البقرة، وهو قوله: ﴿ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم  ﴾ ، وقال: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ  ﴾ أمرهم بقتالهم في الأماكن كلها إلا المسجد الحرام.

وأمكن أن يكون أنهم يقتلون إلا أن يدخلوا الحرم، فإذا دخلوا الحرم وقد نهوا عن الدخول فيه والحج هنالك، على ما روي أن عليّاً نادى بالموسم: ألا لا يحجن بعد العام مشرك - فإذا دخلوا يقتلون، ويكون دخولهم فيه بعد النهي كابتداء مقاتلتهم إيانا، فإذا قاتلونا عند المسجد الحرام قاتلناهم؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ  ﴾ والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَخُذُوهُمْ ﴾ قيل: ائْسِروهم.

وقوله: ﴿ وَٱحْصُرُوهُمْ ﴾ قيل: احبسوهم، ﴿ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ ، والمرصد: الطريق؛ كأنه أمر بقوله: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ بقتلهم إذا قدروا عليهم، وأمكن لهم ذلك، والأسر عند الإمكان والحبس إذا دخلوا الحصن، وحفظ المراصد عند غير الإمكان؛ لئلا يغروا، ويقال: أرصدت له، أي: انتظرت أن أجد فرصتي، ويقال: ترصدته، أي: انتظرته.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ أي: كل طريق يرصدونكم؛ كأنه أمر بذلك؛ ليضيق عليهم الأمر؛ ليضجروا وينقادوا.

وفيه دليل النهي عما يحمل إلى دار الحرب من أنواع الثياب والأمتعة وما ينتفعون به؛ لأنه أمر بالحصر وحفظ الطرق والمراصد؛ ليضيق عليهم الأمر ويشتد، فينقادوا، وفيما يحملون إليهم توسيع عليهم.

وقوله: ﴿ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ ﴾ أي: أقيموا عليهم الحجج والبراهين؛ ليضطروا إلى قبول ذلك، فإذا انقادوا لكم وإلا فاقتلوهم حيث وجدتموهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ : [قال بعضهم أمر الله في أول الآية بقتل المشركين، فقال: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ وقال: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ ] فوجب بظاهر الآية أن نقاتل من آمن ولم يقم الصلاة ولم يؤت الزكاة؛ لأن الله -  - إنما رفع القتل عنهم بالإيمان وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فإذا لم يأتوا بذلك فالقتل واجب عليهم، وكذلك فعل أبو بكر الصديق لما ارتدت العرب ومنعتهم الزكاة حاربهم حتى أذعنوا بأدائها إليه.

روي عن أنس قال: "لما توفي رسول الله  ارتدت العرب كافة، فقال عمر: يا أبا بكر، أتريد أن تقاتل العرب كافة؟!

فقال أبو بكر: إنما قال رسول الله  : إذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، منعوني دماءهم وأموالهم والله لو منعوني عناقاً مما كانوا يعطون رسول الله  قاتلتهم عليه.

قال عمر: فلما رأيت رأي أبي بكر قد شرح عرفت أنه الحق" .

وفي بعض الأخبار قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله، ونصلي، ولكن لا نزكي، فمشى عمر والبدريون إلى أبي بكر، فقالوا: دعهم؛ فإنهم إذا استقر الإسلام في قلوبهم وثبت أدَّوْا، فقال: والله، لو منعوني عقالا مما أخذ رسول الله  قاتلتهم عليه، قيل: أو قاتل رسول الله على ثلاث: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وقال الله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ ، والله لا أسأل فوقهن ولا أقصر دونهن، فقالوا: إنا نزكي، ولكن لا ندفعها [إليك]، فقال: والله حتى آخذها كما أخذها رسول الله  وأضعها مواضعها.

وقال آخرون: قوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ في قبولهم والاعتقاد بهما دون فعلهما، لما لا يحتمل حبسهم ومنعهم إلى أن يحول الحول فيؤخذون بأداء الزكاة - دل على أنه على القبول والإقرار بذلك، واستدلوا بما روي في بعض الأخبار عن رسول الله  قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله [فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" وقالوا في بعض الأخبار: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إ لا الله]، وإني رسول الله، فإذا قالوا ذلك: عصموا مني ..." كذا، وفي بعضها: "حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وإني رسول الله، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك منعوا مني..." كذا دل ما ذكرنا من الزيادات والنقصان [أن ذلك] في قوم مختلفين، وأنه على القبول لذلك والاعتقاد، لا على الفعل نفسه، فمن كان لا يقرأ بشيء من ذلك، فإذا قال: لا إله إلا الله، كان ذلك منه إيماناً في الظاهر، ومن كان يقول: لا إله إلا الله، ولا يقول: محمد رسول الله، فإذا قال ذلك كان ذلك منه إيماناً، ومن كان يقر بهذين ولا يقر بالصلاة والزكاة، فإذا أقر بذلك كان ذلك منه إيماناً، فهو على الإقرار به والاعتقاد، لا على الفعل، ألا ترى أن للأئمة أن يأخذوا منهم الزكاة شاءوا أو أبو؟!

فلو كان الأداء من شرط الإيمان لكانوا غير مؤمنين بأخذ هؤلاء.

واختلف الصحابة والروايات في الحج الأكبر: روي عن عبد الله بن الزبير [عن أبيه] قال: قال النبي -  - يوم عرفة: "هل تدرون أي يوم هذا؟

قالوا: نعم، اليوم الحرام، يوم الحج الأكبر، قال: فإن الله قد حرم دماءكم وأموالكم عليكم إلى يوم القيامة كحرمة يومكم هذا" وعن عمر -  - أنه سئل عن الحج الأكبر، فقال: يوم عرفة.

وعنه: أنه وقف عليهم يوم عرفة فقال: إن هذا يوم الحج الأكبر، فلا يصومنه أحد.

وعن ابن الزبير يقول: يوم عرفة هذا يوم الحج الأكبر.

وفي بعض الأخبار عنه  أنه خطب على ناقة حمراء يوم النحر، فقال رسول الله: "أتدرون أي يوم هذا؟

هذا يوم النحر، وهذا يوم الحج الأكبر" وفي بعض الأخبار عن ابن عمر قال: رأيت أو قال: "سمعت - رسول الله   يقول يوم النحر عند المحراب في حجة الوداع، فقال: أي يوم هذا؟، قالوا: هذا يوم النحر، قال: فأي بلد هذا؟

قالوا: بلد حرام، قال: فأي شهر هذا؟، قالوا: شهر حرام، قال: هذا يوم الحج الأكبر، فدماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام؛ كحرمة هذا البلد في هذا اليوم، ثم قال: هل بلغت " وعن الحارث [قال]: سألت عليّاً عن الحج الأكبر، فقال: يوم النحر.

وعن المغيرة بن شعبة: أنه خطب يوم العيد، فقال: "هذا يوم النحر، ويوم الأضحى، ويوم الحج الأكبر".

وعن ابن عباس -  - قال: "الحج الأكبر: يوم النحر".

وفيه قول ثالث: ما روي أنه كان في كتاب رسول الله الذي كتبه لعمرو بن حزم: "والحج الأصغر العمرة".

وعن ابن عباس: العمرة: هي الحجة الصغرى.

وسئل عبد الله بن شداد عن الحج الأكبر، فقال: الحج الأكبر يوم النحر، والأصغر العمرة.

فأما حديث عمرو بن حزم: فهو حكاية عن كتاب، وليس فيه بيان عن يوم الحج الأكبر، إنما يذكر فيه الحج الأصغر، ولولا خبر علي وابن عمر لجاز أن يقال: يوم عرفة [هو] يوم الحج الأكبر؛ لأنه يقضى فيه فرض الحج وهو الوقوف، ومن فاته ذلك فقد فاته الحج، وجاز أن يقال: هو يوم النحر؛ لأنه فيه يقضى طواف الزيارة، وهو فرض ويقضى فيه أكبر مناسك الحج؛ بل يوم النحر أولى أن يكون يوم الحج الأكبر؛ لأن الحاج يفعل في يوم عرفة فرضاً من فرائض الحج، وهو الوقوف، ويقضي في يوم النحر فرضاً آخر من فرائضه، وهو طواف الزيارة، ويقضي مع ذلك [أكثر] مناسك الحج، فقد استوى هذان اليومان في أنه يُقْضَى في كل واحد منهما فرض من فرائض الحج، وزاد يوم النحر على يوم عرفة بما يفعل في يوم النحر من مناسك الحج، ولا يفعل في يوم عرفة شيئاً من النسك إلا الوقوف بعرفة.

واحتج بعض الناس بفرضية العمرة بما رواه عمرو بن حزم أن الحج الأصغر هو العمرة، والأكبر هو الحج، بما سميت العمرة حجّاً، وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم.

وعن علي وأبي هريرة وابن أبي أوفى -  م - أنهم قالوا: الحجة الكبرى: يوم النحر.

وعن عمر وابن عباس أنهما قالا: يوم عرفة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إلا الذين عاهدتم من المشركين، ووفوا بعهدكم، ولم ينقصوا منه شيئًا، فهم مُسْتَثنَوْنَ من الحكم السابق، فأكملوا لهم الوفاء بعهدهم حتى تنقضي مدته، إن الله يحب المتقين بامتثال أوامره ومنها الوفاء بالعهد، وباجتناب نواهيه ومنها الخيانة.

<div class="verse-tafsir" id="91.KgWVY"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.4 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله