الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٤٠ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 228 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٠ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : ( إلا تنصروه ) أي : تنصروا رسوله ، فإن الله ناصره ومؤيده وكافيه وحافظه ، كما تولى نصره ( إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين ) [ إذ هما في الغار ] ) أي : عام الهجرة ، لما هم المشركون بقتله أو حبسه أو نفيه ، فخرج منهم هاربا صحبة صديقه وصاحبه أبي بكر بن أبي قحافة ، فلجأ إلى غار ثور ثلاثة أيام ليرجع الطلب الذين خرجوا في آثارهم ، ثم يسيرا نحو المدينة ، فجعل أبو بكر - رضي الله عنه - يجزع أن يطلع عليهم أحد ، فيخلص إلى الرسول - عليه السلام - منهم أذى ، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يسكنه ويثبته ويقول : يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا همام ، أنبأنا ثابت ، عن أنس أن أبا بكر حدثه قال : قلت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن في الغار : لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه .
قال : فقال : يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله ثالثهما .
أخرجاه في الصحيحين .
ولهذا قال تعالى : ( فأنزل الله سكينته عليه ) أي : تأييده ونصره عليه ، أي : على الرسول في أشهر القولين : وقيل : على أبي بكر ، وروي عن ابن عباس وغيره ، قالوا : لأن الرسول لم تزل معه سكينة ، وهذا لا ينافي تجدد سكينة خاصة بتلك الحال ؛ ولهذا قال : ( وأيده بجنود لم تروها ) أي الملائكة ، ( وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا ) قال ابن عباس : يعني ( كلمة الذين كفروا ) الشرك و ( كلمة الله ) هي : لا إله إلا الله .
وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يقاتل شجاعة ، ويقاتل حمية ، ويقاتل رياء ، أي ذلك في سبيل الله ؟
فقال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله .
وقوله : ( والله عزيز ) أي : في انتقامه وانتصاره ، منيع الجناب ، لا يضام من لاذ ببابه ، واحتمى بالتمسك بخطابه ، ( حكيم ) في أقواله وأفعاله .
القول في تأويل قوله : إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا قال أبو جعفر: وهذا إعلامٌ من الله أصحابَ رسوله صلى الله عليه وسلم أنّه المتوكّل بنصر رسوله على أعداء دينه وإظهاره عليهم دونهم, أعانوه أو لم يعينوه, = وتذكيرٌ منه لهم فعلَ ذلك به, وهو من العدد في قلة، والعدوُّ في كثرة, فكيف به وهو من العدد في كثرة، والعدو في قلة؟
يقول لهم جل ثناؤه: إلا تنفروا، أيها المؤمنون، مع رسولي إذا استنفركم فتنصروه, فالله ناصره ومعينه على عدوّه ومغنيه عنكم وعن معونتكم ونصرتكم; كما نصره =(إذ أخرجه الذين كفروا)، بالله من قريش من وطنه وداره =(ثاني اثنين)، يقول: أخرجوه وهو أحد الاثنين، أي: واحد من الاثنين.
* * * وكذلك تقول العرب: " هو ثاني اثنين " يعني: أحد الاثنين, و " ثالث ثلاثة, ورابع أربعة ", يعني: أحد الثلاثة, وأحد الأربعة.
وذلك خلاف قولهم: " هو أخو ستة، وغلام سبعة ", لأن " الأخ "، و " الغلام " غير الستة والسبعة, " وثالث الثلاثة "، أحد الثلاثة.
* * * وإنما عنى جل ثناؤه بقوله: (ثاني اثنين)، رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه, لأنهما كانا اللذين خرجَا هاربين من قريش إذ همُّوا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم واختفيا في الغار.
* * * وقوله: (إذ هما في الغار)، يقول: إذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رحمة الله عليه، في الغار.
* * * و " الغار "، النقب العظيم يكون في الجبل.
* * * =(إذ يقول لصاحبه)، يقول: إذ يقول رسول الله لصاحبه أبي بكر، (لا تحزن)، وذلك أنه خافَ من الطَّلَب أن يعلموا بمكانهما, فجزع من ذلك, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تحزن "، لأن الله معنا والله ناصرنا, (33) فلن يعلم المشركون بنا ولن يصلوا إلينا.
يقول جل ثناؤه: فقد نصره الله على عدوه وهو بهذه الحال من الخوف وقلة العدد, فكيف يخذله ويُحْوِجه إليكم، وقد كثَّر الله أنصاره, وعدد جنودِه؟
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 16725- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (إلا تنصروه)، ذكر ما كان في أول شأنه حين بعثَه.
يقول الله: فأنا فاعلٌ ذلك به وناصره، كما نصرته إذ ذاك وهو ثاني اثنين.
16726- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: (إلا تنصروه فقد نصره الله)، قال: ذكر ما كان في أول شأنه حين بُعثَ, فالله فاعلٌ به كذلك، ناصره كما نصره إذ ذاك (ثانيَ اثنين إذ هما في الغار).
16727- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (إلا تنصروه فقد نصره الله)، الآية, قال: فكان صاحبَه أبو بكر، وأما " الغار "، فجبل بمكة يقال له: " ثَوْر ".
16728- حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد قال، حدثني أبي قال، حدثنا أبان العطار قال، حدثنا هشام بن عروة, عن عروة قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه, وكان لأبي بكر مَنِيحةٌ من غَنَم تروح على أهله, (34) فأرسل أبو بكر عامر بن فهيرة في الغنم إلى ثور.
وكان عامر بن فهيرةَ يروح بتلك الغنم على النبي صلى الله عليه وسلم بالغار في ثور, وهو " الغار " الذي سماه الله في القرآن.
(35) 16729- حدثني يعقوب بن إبراهيم بن جبير الواسطي قال، حدثنا عفان وحَبَّان قالا حدثنا همام, عن ثابت، عن أنس, أن أبا بكر رضي الله عنه حدَّثهم قال: بينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار وأقدامُ المشركين فوق رؤوسنا, فقلت: يا رسول الله, لو أن أحدهم رفع قَدَمَه أبصرنا!
فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟
(36) 16730- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن شريك, عن إبراهيم بن مهاجر, عن مجاهد قال: مكث أبو بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثًا.
16731- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الزهري: (إذ هما في الغار)، قال: في الجبل الذي يسمَّى ثورًا, مكث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ثلاث ليالٍ.
16732- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني عمرو بن الحارث, عن أبيه: أن أبا بكر الصديق رحمة الله تعالى عليه حين خطب قال: أيُّكم يقرأ " سورة التوبة "؟
(37) قال رجل: أنا.
قال: اقرأ.
فلما بلغ: (إذ يقول لصاحبه لا تحزن)، بكى أبو بكر وقال: أنا والله صاحبُه.
(38) * * * القول في تأويل قوله تعالى: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فأنـزل الله طمأنينته وسكونه على رسوله (39) = وقد قيل: على أبي بكر =(وأيده بجنود لم تروها)، يقول: وقوّاه بجنودٍ من عنده من الملائكة، لم تروها أنتم (40) =(وجعل كلمة الذين كفروا)، وهي كلمة الشرك =(السُّفْلى)، لأنها قُهِرَت وأذِلَّت، وأبطلها الله تعالى، ومحق أهلها, وكل مقهور ومغلوب فهو أسفل من الغالب، والغالب هو الأعلى =(وكلمة الله هي العليا)، يقول: ودين الله وتوحيده وقولُ لا إله إلا الله, وهي كلمتُه =(العليا)، على الشرك وأهله, الغالبةُ، (41) كما:- 16733- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (وجعل كلمة الذين كفروا السفلى)، وهي: الشرك بالله =(وكلمة الله هي العليا)، وهي: لا إله إلا الله.
* * * وقوله: (وكلمة الله هي العليا)، خبر مبتدأ، غيرُ مردودٍ على قوله: (وجعل كلمة الذين كفروا السفلى)، لأن ذلك لو كان معطوفًا على " الكلمة " الأولى، لكان نصبًا.
(42) * * * وأما قوله: (والله عزيز حكيم)، فإنه يعني: (والله عزيز)، في انتقامه من أهل الكفر به, لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب، ولا ينصر من عاقبه ناصر =(حكيم)، في تدبيره خلقَه، وتصريفه إياهم في مشيئته.
(43) ------------------------ الهوامش: (33) انظر تفسير "مع" فيما سلف ص : 240 ، تعليق : 2، والمراجع هناك.
(34) " المنيحة" ، شاة أو ناقة يعيرها الرجل أخاه، يحتلبها وينتفع بلبنها سنة، ثم يردها إليه.
(35) الأثر: 16728 - هذا جزء من كتاب عروة بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان، والذي خرجته فيما سلف برقم : 16083 ، ومواضع أخرى كثيرة.
وهذا الجزء من الكتاب في تاريخ الطبري 2 : 246.
(36) الأثر : 16729 - " يعقوب بن إبراهيم بن جبير الواسطي" ، شيخ الطبري ، لم أجد له ترجمة في غير الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 4 2 302 .
و "عفان" هو "عفان بن مسلم بن عبد الله الصفار"، ثقة، من شيوخ أحمد والبخاري، مضى برقم : 5392 .
و "حبان"، هو "حبان بن هلال الباهلي" ، ثقة، روى له الجماعة.
مضى برقم : 5472 .
" حبان " بفتح الحاء لا بكسرها.
و "همام" هو "همام بن يحيى بن دينار الأزدي" ، ثقة روى له الجماعة ، مضى مرارًا، آخرها: 16306.
و "ثابت" هو "ثابت بن أسلم البناني" ، ثقة روى له الجماعة، مضى برقم : 2942 ، 7030 .
وهذا الخبر رواه من طريق عفان بن مسلم، ابن سعد في الطبقات 3 1 123 ، وأحمد في مسنده رقم : 11، والترمذي في تفسير الآية.
ورواه من طريق حبان بن هلال، البخاري في صحيحه ( الفتح 8 : 245 ) ، ومسلم في صحيحه 15 : 149 .
ورواه البخاري من طريق محمد بن سنان ، عن هلال في صحيحه (الفتح 7 : 9) .
وقال الترمذي: "هذا حديث صحيح غريب، إنما يروى من حديث همام .
وقد روى هذا الحديث حبان بن هلال ، وغير واحد ، عن همام ، نحو هذا " .
وخرجه السيوطي في الدر 3 : 242 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة ، وأبي عوانة ، وابن حبان ، وابن المنذر ، وابن مردويه.
(37) في المخطوطة: "سورة البقرة" ، وهو خطأ أبين من أن يدل على تصحيحه.
(38) الأثر : 16732 - " عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري المصري"، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم : 5973 .
وأبوه "الحارث بن يعقوب بن ثعلبة، أو : ابن عبد الله ، الأنصاري المصري".
ثقة.
مترجم في التهذيب ، والكبير 1 2 282 ، وابن أبي حاتم 1 2 93.
(39) انظر تفسير "السكينة" فيما سلف ص : 189، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(40) انظر تفسير " التأييد " فيما سلف ص : 44 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك.
(41) انظر تفسير "الأعلى" فيما سلف 7 : 234.
(42) انظر تفصيل ذلك في معاني القرآن للفراء 1: 438 ، وهو فصل جيد واضح.
(43) انظر تفسير "عزيز" و "حكيم"، فيما سلف من فهارس اللغة (عزز) ، (حكم).
قوله تعالى إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيمفيه إحدى عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى إلا تنصروه يقول : تعينوه بالنفر معه في غزوة تبوك .
عاتبهم الله بعد انصراف نبيه عليه السلام من تبوك .
قال النقاش : هذه أول آية نزلت من سورة ( براءة ) والمعنى : إن تركتم نصره فالله يتكفل به ، إذ قد نصره الله في مواطن القلة وأظهره على عدوه بالغلبة والعزة .
وقيل : فقد نصره الله بصاحبه في الغار بتأنيسه له وحمله على عنقه ، وبوفائه ووقايته له بنفسه ومواساته له بماله .
قال الليث بن سعد : ما صحب الأنبياء عليهم السلام مثل أبي بكر الصديق .
وقال سفيان بن عيينة .
خرج أبو بكر بهذه الآية من المعاتبة التي في قوله : إلا تنصروهالثانية : قوله تعالى إذ أخرجه الذين كفروا وهو خرج بنفسه فارا ، لكن بإلجائهم إلى ذلك حتى فعله ، فنسب الفعل إليهم ورتب الحكم فيه عليهم ، فلهذا يقتل المكره على القتل ويضمن المال المتلف بالإكراه ، لإلجائه القاتل والمتلف إلى القتل والإتلاف .الثالثة : قوله تعالى ثاني اثنين أي أحد اثنين .
وهذا كثالث ثلاثة ورابع أربعة .
فإذا اختلف اللفظ فقلت : رابع ثلاثة وخامس أربعة ، فالمعنى صير الثلاثة أربعة بنفسه والأربعة خمسة .
وهو منصوب على الحال ، أي أخرجوه منفردا من جميع الناس إلا من أبي بكر .
[ ص: 75 ] والعامل فيها نصره الله أي نصره منفردا ونصره أحد اثنين .
وقال علي بن سليمان : التقدير فخرج ثاني اثنين ، مثل والله أنبتكم من الأرض نباتا .
وقرأ جمهور الناس ثاني بنصب الياء .
قال أبو حاتم : لا يعرف غير هذا .
وقرأت فرقة " ثاني " بسكون الياء .
قال ابن جني : حكاها أبو عمرو بن العلاء ووجهه أنه سكن الياء تشبيها لها بالألف .
قال ابن عطية : فهي كقراءة الحسن ما بقي من الربا وكقول جرير :هو الخليفة فارضوا ما رضي لكم ماضي العزيمة ما في حكمه جنفالرابعة : قوله تعالى إذ هما في الغار الغار : ثقب في الجبل ، يعني غار ثور .
ولما رأت قريش أن المسلمين قد صاروا إلى المدينة قالوا : هذا شر شاغل لا يطاق ، فأجمعوا أمرهم على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبيتوه ورصدوه على باب منزله طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه ، ودعا الله أن يعمي عليهم أثره ، فطمس الله على أبصارهم فخرج وقد غشيهم النوم ، فوضع على رءوسهم ترابا ونهض فلما أصبحوا خرج عليهم علي رضي الله عنه وأخبرهم أن ليس في الدار أحد فعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فات ونجا وتواعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر الصديق للهجرة ، فدفعا راحلتيهما إلى عبد الله بن أرقط .
ويقال ابن أريقط ، وكان كافرا لكنهما وثقا به ، وكان دليلا بالطرق فاستأجراه ليدل بهما إلى المدينة ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من خوخة في ظهر دار أبي بكر التي في بني جمح ونهضا نحو الغار في جبل ثور ، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يستمع ما يقول الناس ، وأمر مولاه عامر بن فهيرة أن يرعى غنمه ويريحها عليهما ليلا فيأخذ منها حاجتهما .
ثم نهضا فدخلا الغار .
وكانت أسماء بنت أبي بكر الصديق تأتيهما بالطعام ويأتيهما عبد الله بن أبي بكر بالأخبار ، ثم يتلوهما عامر بن فهيرة بالغنم فيعفي آثارهما .
فلما فقدته قريش جعلت تطلبه بقائف معروف بقفاء الأثر ، حتى وقف على الغار فقال : هنا انقطع الأثر .
فنظروا فإذا بالعنكبوت قد نسج على فم الغار من ساعته ، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله ، فلما رأوا نسج العنكبوت أيقنوا أن لا أحد فيه فرجعوا وجعلوا في النبي صلى الله عليه وسلم مائة ناقة لمن رده عليهم ، الخبر مشهور ، وقصة سراقة بن مالك بن جعشم في ذلك مذكورة .
وقد روي من حديث أبي الدرداء وثوبان [ ص: 76 ] رضي الله عنهما : أن الله عز وجل أمر حمامة فباضت على نسج العنكبوت ، وجعلت ترقد على بيضها ، فلما نظر الكفار إليها ردهم ذلك عن الغار .الخامسة : روى البخاري عن عائشة قالت : استأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل هاديا خريتا وهو على دين كفار قريش فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال فأتاهما براحلتيهما صبيحة ثلاث فارتحلا وارتحل معهما عامر بن فهيرة والدليل الديلي فأخذ بهم طريق الساحل . قال المهلب : فيه من الفقه ائتمان أهل الشرك على السر والمال إذا علم منهم وفاء ومروءة كما ائتمن النبي صلى الله عليه وسلم هذا المشرك على سره في الخروج من مكة وعلى الناقتين .
وقال ابن المنذر : فيه استئجار المسلمين الكفار على هداية الطريق .
وقال البخاري في ترجمته : [ باب استئجار المشركين عند الضرورة أو إذا لم يوجد أهل الإسلام ] قال ابن بطال : إنما قال البخاري في ترجمته [ أو إذا لم يوجد أهل الإسلام ] من أجل أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عامل أهل خيبر على العمل في أرضها إذ لم يوجد من المسلمين من ينوب منابهم في عمل الأرض ، حتى قوي الإسلام واستغني عنهم أجلاهم عمر .
وعامة الفقهاء يجيزون استئجارهم عند الضرورة وغيرها .
وفيه : استئجار الرجلين الرجل الواحد على عمل واحد لهما .
وفيه : دليل على جواز الفرار بالدين خوفا من العدو ، والاستخفاء في الغيران وغيرها ألا يلقي الإنسان بيده إلى العدو توكلا على الله واستسلاما له .
ولو شاء ربكم لعصمه مع كونه معهم ولكنها سنة الله في الأنبياء وغيرهم ، ولن تجد لسنة الله تبديلا .
وهذا أدل دليل على فساد من منع ذلك وقال : من خاف مع الله سواه كان ذلك نقصا في توكله ، ولم يؤمن بالقدر .
وهذا كله في معنى الآية ، ولله الحمد والهدايةالسادسة : قوله تعالى إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا هذه الآية تضمنت فضائل الصديق رضي الله عنه .
روى أصبغ وأبو زيد عن ابن القاسم عن مالك ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا هو الصديق .
فحقق الله تعالى قوله له بكلامه ووصف الصحبة في كتابه .
قال بعض العلماء : من أنكر أن يكون عمر وعثمان أو أحد [ ص: 77 ] من الصحابة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كذاب مبتدع .
ومن أنكر أن يكون أبو بكر رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر ؛ لأنه رد نص القرآن .
ومعنى إن الله معنا أي بالنصر والرعاية والحفظ والكلاءة .
روى الترمذي والحارث بن أبي أسامة قالا : حدثنا عفان قال حدثنا همام قال أخبرنا ثابت عن أنس أن أبا بكر حدثه قال : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار : لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه ، فقال : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما .
قال المحاسبي : يعني معهما بالنصر والدفاع ، لا على معنى ما عم به الخلائق فقال : ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم .
فمعناه العموم أنه يسمع ويرى من الكفار والمؤمنين .السابعة : قال ابن العربي : قالت الإمامية قبحها الله : حزن أبي بكر في الغار دليل على جهله ونقصه وضعف قلبه وخرقه .
وأجاب علماؤنا عن ذلك بأن إضافة الحزن إليه ليس بنقص ، كما لم ينقص إبراهيم حين قال عنه : نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف .
ولم ينقص موسى قوله : فأوجس في نفسه خيفة موسى .
قلنا لا تخف .
وفي لوط : ولا تحزن إنا منجوك وأهلك .
فهؤلاء العظماء صلوات الله عليهم قد وجدت عندهم التقية نصا ولم يكن ذلك طعنا عليهم ووصفا لهم بالنقص ، وكذلك في أبي بكر .
ثم هي عند الصديق احتمال ، فإنه قال : لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا .جواب ثان : إن حزن الصديق إنما كان خوفا على النبي صلى الله عليه وسلم أن يصل إليه ضرر ، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت معصوما وإنما نزل عليه والله يعصمك من الناس بالمدينة .الثامنة : قال ابن العربي : قال لنا أبو الفضائل العدل قال لنا جمال الإسلام أبو القاسم قال موسى صلى الله عليه وسلم : كلا إن معي ربي سيهدين وقال في محمد صلى الله عليه وسلم : لا تحزن إن الله معنا لا جرم لما كان الله مع موسى وحده ارتد أصحابه بعده ، فرجع من عند ربه ووجدهم يعبدون العجل .
ولما قال في محمد صلى الله عليه وسلم لا تحزن إن الله معنا بقي أبو بكر مهتديا موحدا عالما جازما قائما بالأمر ولم يتطرق إليه اختلال .[ ص: 78 ] التاسعة : خرج الترمذي من حديث نبيط بن شريط عن سالم بن عبيد - له صحبة - قال : أغمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
.
.
، الحديث .
وفيه : واجتمع المهاجرون يتشاورون فقالوا : انطلقوا بنا إلى إخواننا من الأنصار ندخلهم معنا في هذا الأمر .
فقالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير .
فقال عمر رضي الله عنه : من له مثل هذه الثلاث ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا من هما ؟
قال : ثم بسط يده فبايعه وبايعه الناس بيعة حسنة جميلة .قلت : ولهذا قال بعض العلماء : في قوله تعالى : ثاني اثنين إذ هما في الغار ما يدل على أن الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه ؛ لأن الخليفة لا يكون أبدا إلا ثانيا .
وسمعت شيخنا الإمام أبا العباس أحمد بن عمر يقول : إنما استحق الصديق أن يقال له ثاني اثنين لقيامه بعد النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر ، كقيام النبي صلى الله عليه وسلم به أولا .
وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات ارتدت العرب كلها ، ولم يبق الإسلام إلا بالمدينة ومكة وجواثا ، فقام أبو بكر يدعو الناس إلى الإسلام ويقاتلهم على الدخول في الدين كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، فاستحق من هذه الجهة أن يقال في حقه " ثاني اثنين " .قلت : وقد جاء في السنة أحاديث صحيحة ، يدل ظاهرها على أنه الخليفة بعده ، وقد انعقد الإجماع على ذلك ولم يبق منهم مخالف .
والقادح في خلافته مقطوع بخطئه وتفسيقه .
وهل يكفر أم لا ، يختلف فيه ، والأظهر تكفيره .
وسيأتي لهذا المعنى مزيد بيان في سورة ( الفتح ) إن شاء الله .
والذي يقطع به من الكتاب والسنة وأقوال علماء الأمة ويجب أن تؤمن به القلوب والأفئدة فضل الصديق على جميع الصحابة .
ولا مبالاة بأقوال أهل الشيع ولا أهل البدع ، فإنهم بين مكفر تضرب رقبته ، وبين مبتدع مفسق لا تقبل كلمته .
ثم بعد الصديق ، عمر الفاروق ، ثم بعده عثمان .
روى البخاري عن ابن عمر قال : كنا نخير بين الناس في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخير أبا بكر ثم عمر ثم عثمان .
واختلف أئمة أهل السلف في عثمان وعلي ، فالجمهور منهم على تقديم عثمان .
وروي عن مالك أنه توقف في ذلك .
وروي عنه أيضا أنه رجع إلى ما عليه الجمهور .
وهو الأصح إن شاء الله .[ ص: 79 ] العاشرة : قوله تعالى فأنزل الله سكينته عليه فيه قولان : أحدهما : على النبي صلى الله عليه وسلم .
والثاني : على أبي بكر .
ابن العربي : قال علماؤنا : وهو الأقوى ؛ لأنه خاف على النبي صلى الله عليه وسلم من القوم فأنزل الله سكينته عليه بتأمين النبي صلى الله عليه وسلم ، فسكن جأشه وذهب روعه وحصل الأمن وأنبت الله سبحانه ثمامة ، وألهم الوكر هناك حمامة وأرسل العنكبوت فنسجت بيتا عليه .
فما أضعف هذه الجنود في ظاهر الحس وما أقواها في باطن المعنى ولهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر حين تغامر مع الصديق : هل أنتم تاركو لي صاحبي إن الناس كلهم قالوا كذبت وقال أبو بكر صدقت رواه أبو الدرداء .الحادية عشرة : قوله تعالى وأيده بجنود لم تروها أي من الملائكة .
والكناية في قوله وأيده ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
والضميران يختلفان ، وهذا كثير في القرآن وفي كلام العرب .وجعل كلمة الذين كفروا السفلى أي كلمة الشرك .
وكلمة الله هي العليا قيل : لا إله إلا الله .
وقيل : وعد النصر .
وقرأ الأعمش ويعقوب " وكلمة الله " بالنصب حملا على ( جعل ) والباقون بالرفع على الاستئناف .
وزعم الفراء أن قراءة النصب بعيدة ، قال : لأنك تقول أعتق فلان غلام أبيه ، ولا تقول غلام أبي فلان .
وقال أبو حاتم نحوا من هذا .
قال : كان يجب أن يقال وكلمته هي العليا .
قال النحاس : الذي ذكره الفراء لا يشبه الآية ، ولكن يشبهها ما أنشد سيبويه :لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموت ذا الغنى والفقيرافهذا حسن جيد لا إشكال فيه ، بل يقول النحويون الحذاق : في إعادة الذكر في مثل هذا فائدة وهي أن فيه معنى التعظيم ، قال الله تعالى : إذا زلزلت الأرض زلزالها .
وأخرجت الأرض أثقالها فهذا لا إشكال فيه .
وجمع الكلمة كلم .
وتميم تقول : هي كلمة بكسر الكاف .
وحكى الفراء فيها ثلاث لغات : كلمة وكلمة وكلمة مثل كبد وكبد وكبد ، وورق وورق وورق .
والكلمة أيضا القصيدة بطولها ، قاله الجوهري .
أي: إلا تنصروا رسوله محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاللّه غني عنكم، لا تضرونه شيئا، فقد نصره في أقل ما يكون وأذلة {إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} من مكة لما هموا بقتله، وسعوا في ذلك، وحرصوا أشد الحرص، فألجؤوه إلى أن يخرج. {ثَانِيَ اثْنَيْنِ} أي: هو وأبو بكر الصديق رضي اللّه عنه. {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} أي: لما هربا من مكة، لجآ إلى غار ثور في أسفل مكة، فمكثا فيه ليبرد عنهما الطلب. فهما في تلك الحالة الحرجة الشديدة المشقة، حين انتشر الأعداء من كل جانب يطلبونهما ليقتلوهما، فأنزل اللّه عليهما من نصره ما لا يخطر على البال. {إِذْ يَقُولُ} النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ {لِصَاحِبِهِ} أبي بكر لما حزن واشتد قلقه، {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} بعونه ونصره وتأييده. {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} أي: الثبات والطمأنينة، والسكون المثبتة للفؤاد، ولهذا لما قلق صاحبه سكنه وقال {لا تحزن إن اللّه معنا} {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا} وهي الملائكة الكرام، الذين جعلهم اللّه حرسا له، {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى} أي: الساقطة المخذولة، فإن الذين كفروا قد كانوا على حرد قادرين، في ظنهم على قتل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وأخذه، حنقين عليه، فعملوا غاية مجهودهم في ذلك، فخذلهم اللّه ولم يتم لهم مقصودهم، بل ولا أدركوا شيئا منه. ونصر اللّه رسوله بدفعه عنه، وهذا هو النصر المذكور في هذا الموضع، فإن النصر على قسمين: نصر المسلمين إذا طمعوا في عدوهم بأن يتم اللّه لهم ما طلبوا، وقصدوا، ويستولوا على عدوهم ويظهروا عليهم. والثاني نصر المستضعف الذي طمع فيه عدوه القادر، فنصر اللّه إياه، أن يرد عنه عدوه، ويدافع عنه، ولعل هذا النصر أنفع النصرين، ونصر اللّه رسوله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين من هذا النوع. وقوله {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا} أي كلماته القدرية وكلماته الدينية، هي العالية على كلمة غيره، التي من جملتها قوله: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} فدين اللّه هو الظاهر العالي على سائر الأديان، بالحجج الواضحة، والآيات الباهرة والسلطان الناصر. {وَاللَّهُ عَزِيزٌ} لا يغالبه مغالب، ولا يفوته هارب، {حَكِيمٌ} يضع الأشياء مواضعها، وقد يؤخر نصر حزبه إلى وقت آخر، اقتضته الحكمة الإلهية. وفي هذه الآية الكريمة فضيلة أبي بكر الصديق بخصيصة لم تكن لغيره من هذه الأمة، وهي الفوز بهذه المنقبة الجليلة، والصحبة الجميلة، وقد أجمع المسلمون على أنه هو المراد بهذه الآية الكريمة، ولهذا عدوا من أنكر صحبة أبي بكر للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كافرًا، لأنه منكر للقرآن الذي صرح بها. وفيها فضيلة السكينة، وأنها من تمام نعمة اللّه على العبد في أوقات الشدائد والمخاوف التي تطيش بها الأفئدة، وأنها تكون على حسب معرفة العبد بربه، وثقته بوعده الصادق، وبحسب إيمانه وشجاعته. وفيها: أن الحزن قد يعرض لخواص عباد الله الصديقين، مع أن الأولى ـ إذا نزل بالعبد ـ أن يسعى في ذهابه عنه، فإنه مضعف للقلب، موهن للعزيمة.
قوله تعالى : ( إلا تنصروه فقد نصره الله ) هذا إعلام من الله عز وجل أنه المتكفل بنصر رسوله وإعزاز دينه ، أعانوه أو لم يعينوه ، وأنه قد نصره عند قلة الأولياء ، وكثرة الأعداء ، فكيف به اليوم وهو في كثرة من العدد والعدد؟
( إذ أخرجه الذين كفروا ) من مكة حين مكروا به وأرادوا تبيينه وهموا بقتله ، ( ثاني اثنين ) أي هو أحد الاثنين ، والاثنان : أحدهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والآخر أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، ( إذ هما في الغار ) وهو نقب في جبل ثور بمكة ، ( إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ) قال الشعبي : عاتب الله عز وجل أهل الأرض جميعا في هذه الآية غير أبي بكر الصديق رضي الله عنه .
أخبرنا أبو المظفر محمد بن أحمد التميمي ، أنبأنا محمد بن عبد الرحمن بن عثمان ، أنبأنا خيثمة بن سليمان ، حدثنا أحمد بن عبد الله الدورقي ، حدثنا سعيد بن سليمان ، عن علي بن هاشم عن كثير النواء عن جميع بن عمير قال : أتيت ابن عمر رضي الله عنهما فسمعته يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه : " أنت صاحبي في الغار ، وصاحبي على الحوض " .
قال الحسين بن الفضل : من قال إن أبا بكر لم يكن صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر لإنكاره نص القرآن .
وفي سائر الصحابة إذا أنكر يكون مبتدعا ، لا يكون كافرا .
وقوله عز وجل : ( لا تحزن إن الله معنا ) لم يكن حزن أبي بكر جبنا منه ، وإنما كان إشفاقا على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال : إن أقتل فأنا رجل واحد وإن قتلت هلكت الأمة وروي أنه حين انطلق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار جعل يمشي ساعة بين يديه ، وساعة خلفه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : مالك يا أبا بكر؟
قال : أذكر الطلب فأمشي خلفك ، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك ، فلما انتهيا إلى الغار قال مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ الغار ، فدخل فاستبرأه ثم قال : انزل يا رسول الله ، فنزل فقال عمر : والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر .
أخبرنا أبو المظفر التميمي ، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن عثمان المعروف بابن أبي النظر ، أخبرنا خيثمة بن سليمان ، حدثنا أبو قلابة الرقاشي ، حدثنا حيان بن هلال ، حدثنا همام بن يحيى ، حدثنا ثابت البناني ، حدثنا أنس بن مالك أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حدثهم ، قال : نظرت إلى أقدام المشركين فوق رؤوسنا ونحن في الغار فقلت : يا رسول الله لو أن أحدهم نظر تحت قدميه أبصرنا ، فقال : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، حدثنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن عقيل ، قال ابن شهاب : فأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين ، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشيا ، فلما ابتلي المسلمون قال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين : " إني أريت دار هجرتكم ، ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان " .
فهاجر من هاجر قبل المدينة ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة ، وتجهز أبو بكر رضي الله عنه قبل المدينة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي " فقال أبو بكر : وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟
قال : " نعم " فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه ، وعلف راحلتين - كانتا عنده - ورق السمر ، وهو الخبط ، أربعة أشهر .
قال ابن شهاب .
قال عروة : قالت عائشة رضي الله عنها : فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة ، قال قائل لأبي بكر : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها ، فقال أبو بكر : فداء له أبي وأمي ، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر ، قالت : فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستأذن ، فأذن له ، فدخل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : أخرج من عندك ، فقال أبو بكر : إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله ، قال : " فإني قد أذن لي في الخروج " فقال أبو بكر : الصحبة بأبي أنت يا رسول الله؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نعم " قال أبو بكر : فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين ، قال رسول الله : " بالثمن " قالت عائشة رضي الله عنها : فجهزناهما أحث الجهاز ، وصنعنا لهما سفرة في جراب ، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب ، فبذلك سميت ذات النطاقين ، قالت : ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور ، فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن ، فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة ، كبائت فيها ، فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة ، مولى أبي بكر ، منحة من غنم ، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء ، فيبيتان في رسل ، وهو لبن منحتهما - ورضيفهما حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس ، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث ، واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل ، وهو من بني عبد بن عدي هاديا خريتا ، والخريت : الماهر بالهداية ، قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي ، وهو على دين كفار قريش فأمناه ، فدفعا إليه راحلتيهما وواعده غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث ، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم على طريق السواحل .
قال ابن شهاب : وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي ، وهو ابن أخي سراقة بن مالك بن جعشم : أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن مالك بن جعشم يقول : جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره ، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج ، أقبل رجل منهم ، حتى قام علينا ونحن جلوس ، فقال : يا سراقة إني قد رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمدا وأصحابه ، قال سراقة : فعرفت أنهم هم ، فقلت له : إنهم ليسوا بهم ، ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا ، ثم لبثت في المجلس ساعة ، ثم قمت فدخلت البيت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمة ، فتحبسها علي ، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت ، فخططت بزجه الأرض ، وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها فدفعتها تقرب بي حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي ، فخررت عنها فقمت ، فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا؟
فخرج الذي أكره ، فركبت فرسي وعصيت الأزلام ، تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات ، فساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين ، فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت ، فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان ، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره ، فناديتهم بالأمان ، فوقفوا ، فركبت فرسي حتى جئتهم ، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له : إن قومك قد جعلوا فيك الدية وأخبرتهم خبر ما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع ، فلم يرزآني ولم يسألاني شيئا إلا أن قالا أخف عنا ، فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدم ، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال ابن شهاب : فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام ، فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياب بياض ، وسمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة ، فانقلبوا يوما بعدما أطالوا انتظارهم ، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه ، فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب ، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته : يا معشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرون ، فثار المسلمون إلى السلاح ، فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة ، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف ، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول ، فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتا ، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه ، فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك ، فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة ، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى ، وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ركب راحلته ، فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين ، وكان مربدا للتمر ، لسهيل وسهل ، غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بركت به راحلته : هذا إن شاء الله المنزل .
ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين ، فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا فقالا بل نهبه لك يا رسول الله ، ثم بناه مسجدا ، وطفق رسول الله ينقل معهم اللبن في بنيانه ويقول وهو ينقل اللبن : هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبر - ربنا - وأطهر ويقول : اللهم إن الأجر أجر الآخره فارحم الأنصار والمهاجره فتمثل ببيت رجل من المسلمين لم يسم لي .
قال ابن شهاب : ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات .
قال الزهري : لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الغار أرسل الله تعالى زوجا من حمام حتى باضا في أسفل النقب ، والعنكبوت حتى نسجت بيتا ، وفي القصة : أنبت يمامة على فم الغار ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم أعم أبصارهم عنا فجعل الطلب يضربون يمينا وشمالا حول الغار يقولون : لو دخلا هذا الغار لتكسر بيض الحمام وتفسخ بيت العنكبوت .
قوله عز وجل : ( فأنزل الله سكينته عليه ) قيل : على النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال ابن عباس : على أبي بكر رضي الله عنه ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كانت عليه السكينة من قبل ، ( وأيده بجنود لم تروها ) وهم الملائكة نزلوا يصرفون وجوه الكفار وأبصارهم عن رؤيته .
وقيل : ألقوا الرعب في قلوب الكفار حتى رجعوا .
وقال مجاهد والكلبي : أعانه بالملائكة يوم بدر ، أخبر أنه صرف عنه كيد الأعداء في الغار ثم أظهر نصره بالملائكة يوم بدر .
( وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ) وكلمتهم الشرك ، وهي السفلى إلى يوم القيامة ، ( وكلمة الله هي العليا ) إلى يوم القيامة .
قال ابن عباس : هي قول لا إله إلا الله .
وقيل كلمة الذين كفروا : ما قدروا بينهم في الكيد به ليقتلوه ، وكلمة الله : وعد الله أنه ناصره .
وقرأ يعقوب : " وكلمة الله " بنصب التاء على العطف ( والله عزيز حكيم ) .
«إلاّ تنصروه» أي النبيَّ صلى الله عليه وسلم «فقد نصره الله إذ» حين «أخرجه الذين كفروا» من مكة أي الجؤوه إلى الخروج لما أرادوا قتله أو حبسه أو نفيه بدار الندوة «ثاني اثنين» حال أي أحد اثنين والآخر أبو بكر - المعنى نصره الله في مثل تلك الحالة فلا يخذله في غيرها - «إذ» بدل من إذ قبله «هما في الغار» نقب في جبل ثور «إذ» بدل ثان «يقول لصاحبه» أبي بكر وقد قال له لما رأى أقدام المشركين لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا «لا تحزن إن الله معنا» بنصره «فأنزل الله سكينته» طمأنينته «عليه» قيل على النبي * وقيل على أبي بكر «وأيَّده» أي النبي صلى الله عليه وسلم «بجنود لم تروها» ملائكة في الغار ومواطن قتاله «وجعل كلمة الذين كفروا» أي دعوة الشرك «السفلى» المغلوبة «وكلمة الله» أي كلمة الشهادة «هي العليا» الظاهرة الغالبة «والله عزيز» في ملكه «حكيم» في صنعه.
يا معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لا تنفروا معه أيها المؤمنون إذا استَنْفَركم، وإن لا تنصروه؛ فقد أيده الله ونصره يوم أخرجه الكفار من قريش من بلده (مكة)، وهو ثاني اثنين (هو وأبو بكر الصديق رضي الله عنه) وألجؤوهما إلى نقب في جبل ثور "بمكة"، فمكثا فيه ثلاث ليال، إذ يقول لصاحبه (أبي بكر) لما رأى منه الخوف عليه: لا تحزن إن الله معنا بنصره وتأييده، فأنزل الله الطمأنينة في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعانه بجنود لم يرها أحد من البشر وهم الملائكة، فأنجاه الله من عدوه وأذل الله أعداءه، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى.
وكلمةُ الله هي العليا،، ذلك بإعلاء شأن الإسلام.
والله عزيز في ملكه، حكيم في تدبير شؤون عباده.
وفي هذه الآية منقبة عظيمة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه.
ثم ذكرهم ، سبحانه ، بما يعرفونه من حال الرسول - صلى الله عليه وسلم - حيث نصره الله .تعالى ، على أعدائه بدون عون منهم ، وأيده بجنود لم يروها فقال ، ( إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله ) .قال ابن جرير .
هذا إعلام من الله لأصحاب رسوله - صلى الله عليه وسلم - أنه المتوكل بنصر رسوله على أعداء دينه ، وإظهاره عليهم دونهم ، أعانوه أو لم يعينوه ، وتذكير منه لهم بأنه فعل ذلك به ، وهو من العدد فى قلة ، والعدو فى كثرة فكيف به وهو من العدد فى كثرة والعدو فى قلة .والمعنى : إنكم ، أيها المؤمنون ، إن آثرتم القعود والراحة على الجهاد وشدائده ، ولم تنصروا رسولكم الذى استنفركم للخروج معه .
فاعلموا أن الله سينصره بقدرته النافذة ، كما نصره ، وأنتم تعلمون ذلك ، وقت أن أخرجه الذين كفروا من مكة ( ثَانِيَ اثنين ) أى : أحد اثنين .
والثانى : أبو بكر الصديق ، رضى الله عنه .يقال .
فلان ثالث ثلاثة ، أو رابع أربعة .
.
أى : هو من الثلاثة أو من الأربعة .فإن قيل : فلان رابع ثلاث أو خامس أربعة ، فمعناه أنه صير الثلاثة أربعة بإضافة ذاته اليهم ، أو صير الأربعة خمسة .وأسند سبحانه الإِخراج إلى المشركين مع أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد خرج بنفسه بإذن من الله ، تعالى ، لأنهم السبب فى هذا الخروج حيث اضطروه إلى ذلك ، بعد أن تآمروا على قتله .قيل : وجواب الشرط فى قوله ، ( إِلاَّ تَنصُرُوهُ ) محذوف وقوله ( فَقَدْ نَصَرَهُ الله ) تعليل لهذا لمحذوف .والتقدير : إلا تنصروه ينصره الله فى كل حال .
( فَقَدْ نَصَرَهُ ) سبحانه وقت أن أخرجه الكافرون من بدله ولم يكن معه سوى رجل واحد .وقال صاحب الكشاف : فإن قلت .
كيف يكون قوله ( فَقَدْ نَصَرَهُ الله ) جواباً للشرط؟
.قلت " فيه وجهان " أحدهما : إلا تنصروه فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد .
ولا أقل من الواحد ، فدل بقوله .
( فَقَدْ نَصَرَهُ الله ) على أنه ينصره فى المستقبل كما نصره فى ذلك الوقت .والثانى .
أنه أوجب له النصرة وجعله منصوراً فى ذلك الوقت ، فلن يخذل من بعده .وقوله : ( ثَانِيَ اثنين ) حال من الهاء فى قوله ( أَخْرَجَهُ ) أى اخرجه الذين كفروا حال كونه منفرداً عن جميع الناس إلا أبا بكر الصديق - رضى الله عنه .وقوله : ( إِذْ هُمَا فِي الغار ) بدل من قوله ( إِذْ أَخْرَجَهُ ) .والغار : النقب العظيم يكون فى الجبل .
والمراد به هنا : غار جبل ثور .
وهو جبل فى الجهة الجنوبية لمكة ، وقد مكثا فيه ثلاثة أيام .وقوله : ( إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا ) بدل ثان من قوله ( إِذْ أَخْرَجَهُ ) .أى : لا تنصروه فقد نصره الله وقت أن أخرجه الذين كفروا من مكة ، ووقت أن كان هو وصاحبه أبو بكر فى الغار ، ووقت أن كان - صلى الله عليه وسلم - يقول لصاحبه الصديق :" لا تحزن إن الله معنا بتأييده ونصره وحمايته " .وذلك أن أبا بكر وهو مع النبى - صلى الله عليه وسلم - فى الغار ، أحسن بحركة المشركين من فوق الغار ، فخاف خوفا شديداً لا على حياته هو ، وإنما على حياة النبى - صلى الله عليه وسلم - فلما رأى النبى - صلى الله عليه وسلم - منه ذلك ، أخذ فى تسكين روعة وجزعه وجعل يقول له : لا تحزن إن الله معنا .أخرج الشيخان " عن أبى بكر قال .
نظرت إلى أقدام المشركين ونحن فى الغار ، وهم على رءوسنا ، فقلت .
يا رسول الله ، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قديمه ، فقال : " يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ، لا تحزن إن الله معنا " " .وقوله : ( فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ) بيان لما أحاط الله به نبيه - صلى الله عليه وسلم - من مظاهر الحفظ والرعاية .والسكينة : من السكون ، وهو ثبوت الشئ؛ بعد التحرك .
أو من السكن - بالتحريك - وهو كل ما سكنت إليه نفسك ، واطمأنت به من أهل وغيرهم .والمراد بها هنا : الطمأنينة التى استقرت فى قلب النبى - صلى الله عليه وسلم - فجعلته لا يبالى بجموع المشركين المحيطين بالغار ، لأنه واثق بأنهم لن يصلوا إليه .والمراد بالجنود المؤيدين له .
الملائكة الذين أرسلهم - سبحانه - لهذا الغرض : والضمير فى قوله : ( عَلَيْهِ ) يعود إلى النبى - صلى الله عليه وسلم .أى .
فأنزل الله سكينته وطمأنينته وأمنه على رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأيده وقواه بجنود من الملائكة لم تروها أنتم ، كان من وظيفتهم حراسته وصرف أبصار المشركين عنه .ويرى بعضهم أن الضمير فى قوله ( عَلَيْهِ ) يعود إلى ابى بكر الصديق ، لأن الأصل فى الضمير أن يعود إلى أقرب مذكور ، وأقرب مذكور هنا هو الصاحب ولأن الرسول لم يكن فى حاجة إلى السكينة .
وإنما الذى كان فى حاجة إليها هو أبو بكر ، بسبب ما اعتراه من فزع وخوف .وقد رد أصحاب الرأى الأول على ذلك بأن قوله ( وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ) الضمير فيه لا يصح إلا للنبى - صلى الله عليه وسلم - وهو معطوف على ما قبله فوجب أن يكون الضمير فى قوله ( عَلَيْهِ ) عائداً إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - حتى لا يحصل تفكك فى الكلام .أما نزول السكينة فلا يلزم منه أن يكون لدفع الفزع والخوف ، بل يصح أن يكون لزيادة الاطمئنان ، وللدلالة على علو شأنه - صلى الله عليه وسلم .قال ابن كثير قوله ( فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ) أى .
تأييده ونصره عليه أى .على الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى أشهر القولين .
وقيل .
على أبى بكر .قالوا : لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم تزل معه سكينة .
وهذا لا ينافى تجدد سكينة خاصة بتلك الحال ، ولهذا قال : ( وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ) أى : الملائكة .وقوله : ( وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ السفلى وَكَلِمَةُ الله هِيَ العليا ) بيان لما ترتب على إنزال السكينة والتأييد بالملائكة .والمراد بكلمة الذين كفروا .
كملة الشرك ، أو كلمتهم التى اجتمعوا عليها فى دار الندوة وهى اتفاقهم على قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم .والمراد بكلمة الله : دينه الذى ارتضاه لعباده ، وهو دين الإِسلام ، وما يترتب على اتباع هذا لدين من نصر وحسن عاقبة ، أى : كانت نتيجة إنزال السكينة والتأييد بالملائكة ، أن جعل كلمة الشرك هى السفلى ، أى .
المقهورة الذليلة .
وكلمة الحق والتوحيد المتمثلة فى دين الإِسلام هى العليا أى : هى الثابتة الغالبة النافذة .وقراءة الجمهور برفع .
( كَلِمَةَ ) على الابتداء .
وقوله ( هِيَ ) مبتدأ ثان : وقوله : ( العليا ) خبرها ، والجملة خبر المبتدأ الأول .ويجوز أن يكون الضمير ( هِيَ ) ضمير فصل ، وقوله ( العليا ) هو الخبر وقرأ الأعمش ويعقوب ( وَكَلِمَةُ الله ) بالنصر عطفاً على مفعول جعل وهو ( كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ ) .أى : وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ، وجعل كلمة الله هى العليا .قالوا : وقراءة الرفع أبلغ وأوجه ، لأن الجملة الأسمية تدل .
على الدوام والثبوت ، ولأن الجعل لم يتطرق إلى الجملة الثانية وهى قوله : ( وَكَلِمَةُ الله هِيَ العليا ) لأنها فى ذاتها عالية ثابتة ، بدون جعلها كذلك فى حالة معينة .
بخلاف علو غيرها فهو ذاتى ، وإنما هو علو مؤقت فى حال معينة ، ثم مصيرها إلى الزوال والخذلان بعد ذلك .وقوله : ( والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) تذييل مقرر لمضمون ما قبله .أى : والله - تعالى - ( عَزِيزٌ ) لا يغلبه غالب ، ولا يقهر قاهر ، ولا ينصر من عاقبه ناصر ، ( وَحَكِيمٌ ) فى تصريفه شأن خلقه ، لا قصور فى تدبيره ، ولا نقص فى أفعاله .هذا ، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية : الدلالة على فضل أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - وعلى علو منزلته ، وقوة إيمانه ، وشدة إخلاصه لله - تعالى - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - .ومما يشهد لذلك ، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما أذن الله له بالهجرة ، لم يخبر أحدا غيره لصحبته فى طريق هجرته إلى المدينة .ولقد أظهر الصديق - رضى الله عنه - خلال مصاحبته للرسول - صلى الله عليه وسلم - الكثير من ألوان الوفاء والإِخلاص وصدق العقيدة .قال الآلوسى ما ملخصه : واستدل بالآية على فضل أبى بكر .
.
فإنها خرجت مخرج العتاب للمؤمنين ما عدا أبا كبر .
.
فعن الحسن قال : عاتب الله جميع أهل الأرض غير أبى بكر فقال : ( إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله ) الآية .ولأن فيها النص على صحبته للرسول - صلى الله عليه وسلم - ولم يثبت ذلك لأحد من الصحابة : لأنه هو المراد بالصاحب فى قوله ( إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ ) وهذا مما وقع عليه الإِجماع .ومن هنا قالوا : من أنكر صحبة أبى بكر فقد كفر ، لإِنكار كلام الله ، وليس ذلك لسائر الصحابة .وقد ساق الإِمام الرازى ، والشيخ رشيد رضا ، عند تفسيرهما لهذه الآية اثنى عشر وجهاً فى فضل أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - ، فارجع إليهما إن شئت .
اعلم أن هذا ذكر طريق آخر في ترغيبهم في الجهاد، وذلك لأنه تعالى ذكر في الآية الأولى أنهم إن لم ينفروا باستنفاره، ولم يشتغلوا بنصرته فإن الله ينصره بدليل أن الله نصره وقواه، حال ما لم يكن معه إلا رجل واحد، فهاهنا أولى، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول: كيف يكون قوله: ﴿ فَقَدْ نَصَرَهُ الله ﴾ جواباً للشرط؟
وجوابه أن التقدير إلا تنصروه، فسينصره من نصره حين ما لم يكن معه إلا رجل واحد، ولا أقل من الواحد والمعنى أنه ينصره الآن كما نصره في ذلك الوقت.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُواْ ﴾ يعني قد نصره الله في الوقت الذي أخرجه الذين كفروا من مكة وقوله: ﴿ ثَانِيَ اثنين ﴾ نصب على الحال، أي في الحال التي كان فيها ﴿ ثَانِيَ اثنين ﴾ وتفسير قوله: ﴿ ثَانِيَ اثنين ﴾ سبق في قوله: ﴿ ثالث ثلاثة ﴾ وتحقيق القول أنه إذا حضر اثنان فكل واحد منهما يكون ثانياً في ذينك الاثنين للآخر فلهذا السبب قالوا: يقال فلان ثاني اثنين، أي هو أحدهما.
قال صاحب الكشاف: وقرئ ﴿ ثَانِيَ اثنين ﴾ بالسكون و ﴿ إِذْ هُمَا ﴾ بدل من قوله: ﴿ إِذْ أَخْرَجَهُ ﴾ والغار ثقب عظيم في الجبل، وكان ذلك الجبل يقال له ثور، في يمين مكة على مسيرة ساعة، مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه مع أبي بكر ثلاثاً.
وقوله: ﴿ إذ يقول ﴾ : بدل ثان.
المسألة الثالثة: ذكروا أن قريشاً ومن بمكة من المشركين تعاقدوا على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل ﴿ وإذْ يَمْكُر بِكَ الذينَ كفروا ﴾ فأمره الله تعالى أن يخرج هو وأبو بكر أول الليل إلى الغار، والمراد من قوله: ﴿ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُواْ ﴾ هو أنهم جعلوه كالمضطر إلى الخروج.
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أول الليل إلى الغار، وأمر علياً أن يضطجع على فراشه ليمنعهم السواد من طلبه، حتى يبلغ هو وصاحبه إلى ما أمر الله به، فلما وصلا إلى الغار دخل أبو بكر الغار أولاً، يلتمس ما في الغار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم، «مالك؟» فقال: بأبي أنت وأمي، الغيران مأوى السباع والهوام، فإن كان فيه شيء كان بي لا بك، وكان في الغار جحر، فوضع عقبه عليه لئلا يخرج ما يؤذي الرسول، فلما طلب المشركون الأثر وقربوا، بكى أبو بكر خوفاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام: «لا تحزن إن الله معنا» فقال أبو بكر: إن الله لمعنا، فقال الرسول: نعم فجعل يمسح الدموع عن خده.
ويروى عن الحسن أنه كان إذا ذكر بكاء أبي بكر بكى، وإذا ذكر مسحه الدموع مسح هو الدموع عن خده.
وقيل: لما طلع المشركون فوق الغار أشفق أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن تصب اليوم ذهب دين الله.
فقال رسول الله: ما ظنك باثنين الله ثالثهما وقيل لما دخل الغار وضع أبو بكر ثمامة على باب الغار، وبعث الله حمامتين فباضتا في أسفله والعنكبوت نسجت عليه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم أعم أبصارهم» فجعلوا يترددون حول الغار ولا يرون أحداً.
المسألة الرابعة: دلت هذه الآية على فضيلة أبي بكر رضي الله عنه من وجوه: الأول: أنه عليه السلام لما ذهب إلى الغار لأجل أنه كان يخاف الكفار من أن يقدموا على قتله، فلولا أنه عليه السلام كان قاطعاً على باطن أبي بكر، بأنه من المؤمنين المحققين الصادقين الصديقين، وإلا لما أصحبه نفسه في ذلك الموضع، لأنه لو جوز أن يكون باطنه بخلاف ظاهره، لخافه من أن يدل أعداءه عليه، وأيضاً لخافه من أن يقدم على قتله فلما استخلصه لنفسه في تلك الحالة، دل على أنه عليه السلام كان قاطعاً بأن باطنه على وفق ظاهره.
الثاني: وهو أن الهجرة كانت بإذن الله تعالى، وكان في خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من المخلصين، وكانوا في النسب إلى شجرة رسول الله أقرب من أبي بكر، فلولا أن الله تعالى أمره بأن يستصحب أبا بكر في تلك الواقعة الصعبة الهائلة، وإلا لكان الظاهر أن لا يخصه بهذه الصحبة، وتخصيص الله إياه بهذا التشريف دل على منصب عال له في الدين.
الثالث: أن كل من سوى أبي بكر فارقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما هو فما سبق رسول الله كغيره، بل صبر على مؤانسته وملازمته وخدمته عند هذا الخوف الشديد الذي لم يبق معه أحد، وذلك يوجب الفضل العظيم.
الرابع: أنه تعالى سماه ﴿ ثَانِيَ اثنين ﴾ فجعل ثاني محمد عليه السلام حال كونهما في الغار، والعلماء أثبتوا أنه رضي الله عنه كان ثاني محمد في أكثر المناصب الدينية، فإنه صلى الله عليه وسلم لما أرسل إلى الخلق وعرض الإسلام على أبي بكر آمن أبو بكر، ثم ذهب وعرض الإسلام على طلحة والزبير وعثمان بن عفان وجماعة آخرين من أجلة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والكل آمنوا على يديه، ثم إنه جاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أيام قلائل، فكان هو رضي الله عنه ﴿ ثَانِيَ اثنين ﴾ في الدعوة إلى الله وأيضاً كلما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، كان أبو بكر رضي الله عنه يقف في خدمته ولا يفارقه، فكان ثاني اثنين في مجلسه، ولما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قام مقامه في إمامة الناس في الصلاة فكان ثاني اثنين، ولما توفي دفن بجنبه، فكان ثاني اثنين هناك أيضاً، وطعن بعض الحمقى من الروافض في هذا الوجه وقال: كونه ثاني اثنين للرسول لا يكون أعظم من كون الله تعالى رابعاً لكل ثلاث في قوله: ﴿ مَا يَكُونُ مِن نجوى ثلاثة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ ﴾ ثم إن هذا الحكم عام في حق الكافر والمؤمن، فلما لم يكن هذا المعنى من الله تعالى دالاً على فضيلة الإنسان فلأن لا يدل من النبي على فضيلة الإنسان كان أولى.
والجواب: أن هذا تعسف بارد، لأن المراد هناك كونه تعالى مع الكل بالعلم والتدبير، وكونه مطلعاً على ضمير كل أحد، أما هاهنا فالمراد بقوله تعالى: ﴿ ثَانِيَ اثنين ﴾ تخصيصه بهذه الصفة في معرض التعظيم وأيضاً قد دللنا بالوجوه الثلاثة المتقدمة على أن كونه معه في هذا الموضع دليل قاطع على أنه صلى الله عليه وسلم كان قاطعاً بأن باطنه كظاهره، فأين أحد الجانبين من الآخر؟
والوجه الخامس: من التمسك بهذه الآية ما جاء في الأخبار أن أبا بكر رضي الله عنه لما حزن قال عليه الصلاة والسلام ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟
ولا شك أن هذا منصب علي، ودرجة رفيعة.
واعلم أن الروافض في الدين كانوا إذا حلفوا قالوا: وحق خمسة سادسهم جبريل، وأرادوا به أن الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلياً، وفاطمة، والحسن والحسين، كانوا قد احتجبوا تحت عباءة يوم المباهلة، فجاء جبريل وجعل نفسه سادساً لهم، فذكروا للشيخ الإمام الوالد رحمه الله تعالى أن القوم هكذا يقولون، فقال رحمه الله: لكم ما هو خير منه بقوله: ما ظنك باثنين الله ثالثهما ومن المعلوم بالضرورة أن هذا أفضل وأكمل.
والوجه السادس: أنه تعالى وصف أبا بكر بكونه صاحباً للرسول وذلك يدل على كمال الفضل.
قال الحسين بن فضيل البجلي: من أنكر أن يكون أبو بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كافراً، لأن الأمة مجمعة على أن المراد من ﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ ﴾ هو أبو بكر، وذلك يدل على أن الله تعالى وصفه بكونه صاحباً له، اعترضوا وقالوا: إن الله تعالى وصف الكافر بكونه صاحباً للمؤمن، وهو قوله: ﴿ قَالَ لَهُ صاحبه وَهُوَ يحاوره أَكَفَرْتَ بالذى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ﴾ .
والجواب: أن هناك وإن وصفه بكونه صاحباً له ذكراً إلا أنه أردفه بما يدل على الإهانة والإذلال، وهو قوله: ﴿ أَكَفَرْتَ ﴾ أما هاهنا فبعد أن وصفه بكونه صاحباً له، ذكر ما يدل على الإجلال والتعظيم وهو قوله: ﴿ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا ﴾ فأي مناسبة بين البابين لولا فرط العداوة؟
والوجه السابع: في دلالة هذه الآية على فضل أبي بكر.
قوله: ﴿ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا ﴾ ولا شك أن المراد من هذه المعية، المعية بالحفظ والنصرة والحراسة والمعونة، وبالجملة فالرسول عليه الصلاة والسلام شرك بين نفسه وبين أبي بكر في هذه المعية، فإن حملوا هذه المعية على وجه فاسد، لزمهم إدخال الرسول فيه، وإن حملوها على محمل رفيع شريف، لزمهم إدخال أبي بكر فيه، ونقول بعبارة أخرى، دلت الآية على أن أبا بكر كان الله معه، وكل من كان الله معه فإنه يكون من المتقين المحسنين، لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا والذين هُم مُّحْسِنُونَ ﴾ والمراد منه الحصر، والمعنى: إن الله مع الذين اتقوا لا مع غيرهم، وذلك يدل على أن أبا بكر من المتقين المحسنين.
والوجه الثامن: في تقرير هذا المطلوب أن قوله: ﴿ إِنَّ الله مَعَنَا ﴾ يدل على كونه ثاني اثنين في الشرف الحاصل من هذه المعية، كما كان ثاني اثنين إذ هما في الغار، وذلك منصب في غاية الشرف.
والوجه التاسع: أن قوله: ﴿ لاَ تَحْزَنْ ﴾ نهى عن الحزن مطلقاً، والنهي يوجب الدوام والتكرار، وذلك يقتضي أن لا يحزن أبو بكر بعد ذلك البتة، قبل الموت وعند الموت وبعد الموت.
والوجه العاشر: قوله: ﴿ فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ﴾ ومن قال الضمير في قوله: ﴿ عَلَيْهِ ﴾ عائداً إلى الرسول فهذا باطل لوجوه: الوجه الأول: أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات، وأقرب المذكورات المتقدمة في هذه الآية هو أبو بكر، لأنه تعالى قال: ﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ ﴾ والتقدير: إذ يقول محمد لصاحبه أبي بكر لا تحزن، وعلى هذا التقدير: فأقرب المذكورات السابقة هو أبو بكر، فوجب عود الضمير إليه.
والوجه الثاني: أن الحزن والخوف كان حاصلاً لأبي بكر لا للرسول عليه الصلاة والسلام، فإنه عليه السلام كان آمناً ساكن القلب بما وعده الله أن ينصره على قريش فلما قال لأبي بكر لا تحزن صار آمناً، فصرف السكينة إلى أبي بكر ليصير ذلك سبباً لزوال خوفه، أولى من صرفها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، مع أنه قبل ذلك ساكن القلب قوي النفس.
والوجه الثالث: أنه لو كان المراد إنزال السكينة على الرسول لوجب أن يقال: إن الرسول كان قبل ذلك خائفاً، ولو كان الأمر كذلك لما أمكنه أن يقول لأبي بكر: ﴿ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا ﴾ فمن كان خائفاً كيف يمكنه أن يزيل الخوف عن قلب غيره؟
ولو كان الأمر على ما قالوه لوجب أن يقال: فأنزل الله سكينته عليه، فقال لصاحبه لا تحزن، ولما لم يكن كذلك، بل ذكر أولاً أنه عليه الصلاة والسلام قال لصاحبه لا تحزن، ثم ذكر بفاء التعقيب نزول السكينة، وهو قوله: ﴿ فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ﴾ علمنا أن نزول هذه السكينة مسبوق بحصول السكينة في قلب الرسول عليه الصلاة والسلام، ومتى كان الأمر كذلك وجب أن تكون هذه السكينة نازلة على قلب أبي بكر.
فإن قيل: وجب أن يكون قوله: ﴿ فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ﴾ المراد منه أنه أنزل سكينته على قلب الرسول، والدليل عليه أنه عطف عليه قوله: ﴿ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ وهذا لا يليق إلا بالرسول، والمعطوف يجب كونه مشاركاً للمعطوف عليه، فلما كان هذا المعطوف عائداً إلى الرسول وجب في المعطوف عليه أن يكون عائداً إلى الرسول.
قلنا: هذا ضعيف، لأن قوله: ﴿ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ إشارة إلى قصة بدر وهو معطوف على قوله: ﴿ فَقَدْ نَصَرَهُ الله ﴾ وتقدير الآية إلا تنصروه فقد نصره الله في واقعة الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها في واقعة بدر، وإذا كان الأمر كذلك فقد سقط هذا السؤال.
الوجه الحادي عشر: من الوجوه الدالة على فضل أبي بكر من هذه الآية إطباق الكل على أن أبا بكر هو الذي اشترى الراحلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أن عبد الرحمن بن أبي بكر وأسماء بنت أبي بكر هما اللذان كانا يأتيانهما بالطعام.
روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: لقد كنت أنا وصاحبي في الغار بضعة عشر يوماً وليس لنا طعام إلا التمر وذكروا أن جبريل أتاه وهو جائع فقال هذه أسماء قد أتت بحيس، ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وأخبر به أبا بكر ولما أمر الله رسوله بالخروج إلى المدينة أظهره لأبي بكر، فأمر ابنه عبد الرحمن أن يشتري جملين ورحلين وكسوتين، ويفصل أحدهما للرسول عليه الصلاة والسلام فلما قربا من المدينة وصل الخبر إلى الأنصار فخرجوا مسرعين، فخاف أبو بكر أنهم لا يعرفون الرسول عليه الصلاة والسلام فألبس رسول الله ثوبه، ليعرفوا أن الرسول هو هو، فلما دنوا خروا له سجداً فقال لهم: اسجدوا لربكم وأكرموا أخاً لكم ثم أناخت ناقته بباب أبي أيوب روينا هذه الروايات من تفسيرأبي بكر الأصم.
الوجه الثاني عشر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل المدينة ما كان معه إلا أبو بكر، والأنصار ما رأوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً إلا أبا بكر، وذلك يدل على أنه كان يصطفيه لنفسه من بين أصحابه في السفر والحضر، وأن أصحابنا زادوا عليه وقالوا: لما لم يحضر معه في ذلك السفر أحد إلا أبو بكر، فلو قدرنا أنه توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك السفر لزم أن لا يقوم بأمره إلا أبو بكر وأن لا يكون وصيه على أمته إلا أبو بكر، وأن لا يبلغ ما حدث من الوحي والتنزيل في ذلك الطريق إلى أمته إلا أبو بكر، وكل ذلك يدل على الفضائل العالية والدرجات الرفيعة لأبي بكر.
واعلم أن الروافض احتجوا بهذه الآية وبهذه الواقعة على الطعن في أبي بكر من وجوه ضعيفة حقيرة جارية مجرى إخفاء الشمس بكف من الطين: فالأول: قالوا إنه عليه الصلاة والسلام قال لأبي بكر: لا تحزن فذلك الحزن إن كان حقاً فكيف نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عنه؟
وإن كان خطأ، لزم أن يكون أبو بكر مذنباً وعاصياً في ذلك الحزن، والثاني: قالوا يحتمل أن يقال: إنه استخلصه لنفسه لأنه كان يخاف منه أنه لو تركه في مكة أن يدل الكفار عليه، وأن يوقفهم على أسراره ومعانيه، فأخذه مع نفسه دفعاً لهذا الشر.
والثالث: وإن دلت هذه الحالة على فضل أبي بكر إلا أنه أمر علياً بأن يضطجع على فراشه، ومعلوم أن الاضطجاع على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل تلك الليلة الظلماء مع كون الكفار قاصدين قتل رسول الله تعريض النفس للفداء، فهذا العمل من علي، أعلى وأعظم من كون أبي بكر صاحباً للرسول، فهذه جملة ما ذكروه في ذلك الباب.
والجواب عن الأول: أن أبا علي الجبائي لما حكى عنهم تلك الشبهة، قال: فيقال لهم يجب في قوله تعالى لموسى عليه السلام: ﴿ لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأعلى ﴾ أن يدل على أنه كان عاصياً في خوفه، وذلك طعن في الأنبياء، ويجب في قوله تعالى في إبراهيم، حيث قالت الملائكة له: ﴿ لاَ تَخَفْ ﴾ في قصة العجل المشوي مثل ذلك، وفي قولهم للوط: ﴿ لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ ﴾ مثل ذلك.
فإذا قالوا: إن ذلك الخوف إنما حصل بمقتضى البشرية، وإنما ذكر الله تعالى ذلك في قوله: ﴿ لاَ تَخَفْ ﴾ ليفيد الأمن، وفراغ القلب.
قلنا لهم في هذه المسألة كذلك.
فإن قالوا: أليس إنه تعالى قال: ﴿ والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس ﴾ فكيف خاف مع سماع هذه الآية؟
فنقول: هذه الآية إنما نزلت في المدينة، وهذه الواقعة سابقة على نزولها، وأيضاً فهب أنه كان آمناً على عدم القتل، ولكنه ما كان آمناً من الضرب، والجرح والإيلام الشديد والعجب منهم، فإنا لو قدرنا أن أبا بكر ما كان خائفاً، لقالوا إنه فرح بسبب وقوع الرسول في البلاء، ولما خاف وبكى قالوا: هذا السؤال الركيك، وذلك يدل على أنهم لا يطلبون الحق، وإنما مقصودهم محض الطعن!
والجواب عن الثاني: أن الذي قالوه أخس من شبهات السوفسطائية، فإن أبا بكر لو كان قاصداً له، لصاح بالكفار عند وصولهم إلى باب الغار، وقال لهم نحن هاهنا، ولقال ابنه وابنته عبد الرحمن وأسماء للكفار نحن نعرف مكان محمد فندلكم عليه، فنسأل الله العصمة من عصبية تحمل الإنسان على مثل هذا الكلام الركيك.
والجواب عن الثالث من وجوه: الأول: أنا لا ننكر أن اضطجاع علي بن أبي طالب في تلك الليلة المظلمة على فراش رسول الله طاعة عظيمة ومنصب رفيع، إلا أنا ندعي أن أبا بكر بمصاحبته كان حاضراً في خدمة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلي كان غائباً، والحاضر أعلى حالاً من الغائب.
الثاني: أن علياً ما تحمل المحنة إلا في تلك الليلة، أما بعدها لما عرفوا أن محمداً غاب تركوه، ولم يتعرضوا له.
أما أبو بكر، فإنه بسبب كونه مع محمد عليه الصلاة والسلام ثلاثة أيام في الغار كان في أشد أسباب المحنة، فكان بلاؤه أشد.
الثالث: أن أبا بكر رضي الله عنه كان مشهوراً فيما بين الناس بأنه يرغب الناس في دين محمد عليه الصلاة والسلام ويدعوهم إليه، وشاهدوا منه أنه دعا جمعاً من أكابر الصحابة رضي الله عنهم إلى ذلك الدين، وأنهم إنما قبلوا ذلك الدين بسبب دعوته، وكان يخاصم الكفار بقدر الإمكان، وكان يذب عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالنفس والمال وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فإنه كان في ذلك الوقت صغير السن، وما ظهر منه دعوة لا بالدليل والحجة، ولا جهاد بالسيف والسنان، لأن محاربته مع الكفار إنما ظهرت بعد انتقالهم إلى المدينة بمدة مديدة، فحال الهجرة ما ظهر منه شيء من هذه الأحوال، وإذا كان كذلك كان غضب الكفار على أبي بكر لا محالة أشد من غضبهم على علي، ولهذا السبب، فإنهم لما عرفوا أن المضطجع على ذلك الفراش هو علي لم يتعرضوا له ألبتة، ولم يقصدوه بضرب ولا ألم، فعلمنا أن خوف أبي بكر على نفسه في خدمة محمد صلى الله عليه وسلم أشد من خوف علي كرم الله وجهه، فكانت تلك الدرجة أفضل وأكمل.
هذا ما نقوله في هذا الباب على سبيل الاختصار.
أما قوله تعالى: ﴿ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ فاعلم أن تقدير الآية أن يقال: ﴿ إِلاَّ تَنصُرُوهُ ﴾ فلابد له ذلك بدليل صورتين.
الصورة الأولى: أنه قد نصره في واقعة الهجرة ﴿ إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُواْ ثَانِيَ اثنين إِذْ هُمَا فِي الغار إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ﴾ .
والصورة الثانية: واقعة بدر، وهي المراد من قوله: ﴿ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ لأنه تعالى أنزل الملائكة يوم بدر، وأيد رسوله صلى الله عليه وسلم بهم، فقوله: ﴿ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ معطوف على قوله: ﴿ فَقَدْ نَصَرَهُ الله إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُواْ ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ السفلى وَكَلِمَةُ الله هِىَ العليا ﴾ والمعنى أنه تعالى جعل يوم بدر كلمة الشرك سافلة دنيئة حقيرة، وكلمة الله هي العليا، وهي قوله لا إله إلا الله.
قال الواحدي: والاختيار في قوله: ﴿ وَكَلِمَةُ الله ﴾ الرفع، وهي قراءة العامة على الاستئناف، قال الفراء، ويجوز ﴿ كَلِمَةَ الله ﴾ بالنصب، ولا أحب هذه القراءة لأنه لو نصبها لكان الأجود أن يقال: وكلمة الله العليا، ألا ترى أنك تقول أعتق أبوك غلامك، ولا تقول أعتق غلامه أبوك.
ثم قال: ﴿ والله عَزِيزٌ حَكُيمٌ ﴾ أي قاهر غالب لا يفعل إلا الصواب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اثاقلتم ﴾ تثاقلتم.
وبه قرأ الأعمش، أي تباطأتم وتقاعستم.
وضمن معنى الميل والإخلاد فعدي بإلى.
والمعنى: ملتم إلى الدنيا وشهواتها وكرهتم مشاق السفر ومتاعبه، ونحوه: ﴿ أَخْلَدَ إِلَى الأرض واتبع هَوَاهُ ﴾ [الأعراف: 176] وقيل: ملتم إلى الإقامة بأرضكم ودياركم.
وقرئ: ﴿ أثاقلتم ﴾ ؟
على الاستفهام الذي معناه الإنكار والتوبيخ.
فإن قلت: فما العامل في (إذا) وحرف الاستفهام مانعة أن يعمل فيه؟
قلت: ما دلّ عليه قوله: ﴿ اثاقلتم ﴾ أو ما في ﴿ مَالَكُمْ ﴾ من معنى الفعل، كأنه قيل: ما تصنعون إذا قيل لكم كما تعمله في الحال إذا قلت: مالك قائماً، وكان ذلك في غزوة تبوك في سنة عشر بعد رجوعهم من الطائف.
استتفروا في وقت عسرة وقحط وقيظ مع بعد الشقة وكثرة العدو، فشقّ عليهم.
وقيل: ما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة إلاّ ورّى عنها بغيرها إلاّ في غزوة تبوك ليستعدّ الناس تمام العدة ﴿ مِنَ الاخرة ﴾ أي بدل الآخرة كقوله: لَجَعَلْنَا مِنكُمْ ملائكة [الزخرف: 60] .
﴿ فِى الآخرة ﴾ في جنب الآخرة ﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ ﴾ سخط عظيم على المتثاقلين حيث أوعدهم بعذاب أليم مطلق يتناول عذاب الدارين، وأنه يهلكهم ويستبدل بهم قوماً آخرين خيراً منهم وأطوع، وأنه غني عنهم في نصرة دينه، لا يقدح تثاقلهم فيها شيئاً: وقيل: الضمير للرسول: أي ولا تضروه، لأنّ الله وعده أن يعصمه من الناس وأن ينصره، ووعد الله كائن لا محالة، وقيل: يريد بقوله: ﴿ قَوْماً غَيْرَكُمْ ﴾ [التوبة: 39] أهل اليمن.
وقيل: أبناء فارس، والظاهر مستغن عن التخصيص.
فإن قلت: كيف يكون قوله: ﴿ فَقَدْ نَصَرَهُ الله ﴾ جواباً للشرط؟
قلت: فيه وجهان أحدهما: إلاّ تنصروه فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلاّ رجل واحد ولا أقل من الواحد، فدلّ بقوله: ﴿ فَقَدْ نَصَرَهُ الله ﴾ على أنه ينصره في المستقبل، كما نصره في ذلك الوقت.
والثاني: أنه أوجب له النصرة وجعله منصوراً في ذلك الوقت، فلن يخذل من بعده.
وأسند الإخراج إلى الكفار كما أسند إليهم في قوله: ﴿ مّن قَرْيَتِكَ التى أَخْرَجَتْكَ ﴾ [محمد: 13] لأنهم حين هموا بإخراجه أذن الله له في الخروج فكأنهم أخرجوه ﴿ ثَانِيَ اثنين ﴾ أحد اثنين، كقوله: ﴿ ثالث ثلاثة ﴾ وهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق رضي الله عنه.
يروى: (أنّ جبريل عليه السلام لما أمره بالخروج قال: من يخرج معي؟
قال: أبو بكر) وانتصابه على الحال.
وقرئ: ﴿ ثاني اثنين ﴾ بالسكون و ﴿ إِذْ هُمَا ﴾ بدل من إذ أخرجه.
والغار: ثقب في أعلى ثور، وهو جبل في يمين مكة على مسيرة ساعة، مكثا فيه ثلاثاً ﴿ إِذْ يَقُولُ ﴾ بدل ثان.
وقيل: طلع المشركون فوق الغار فأشفق أبو بكر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: إن تصب اليوم ذهب دين الله، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» وقيل: لما دخلا الغار بعث الله تعالى حمامتين فباضتا في أسفله، والعنكبوت فنسجت عليه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللَّهم أعم أبصارهم» فجعلوا يتردّدون حول الغار ولا يفطنون.
وقد أخذ الله بأبصارهم عنه.
وقالوا: من أنكر صحبة أبي بكر رضي الله عنه فقد كفر، لإنكاره كلام الله، وليس ذلك لسائر الصحابة ﴿ سَكِينَتَهُ ﴾ ما ألقى في قلبه من الأمنة، التي سكن عندها وعلم أنهم لا يصلون إليه، والجنود الملائكة يوم بدر، والأحزاب وحنين.
وكلمة الذين كفروا: دعوتهم إلى الكفر ﴿ وَكَلِمَةُ الله ﴾ دعوته إلى الإسلام.
وقرئ: ﴿ كلمة الله ﴾ بالنصب، والرفع أوجه و ﴿ هِىَ ﴾ فصل أو مبتدأ، وفيها تأكيد فضل كلمة الله في العلوّ، وأنها المختصة به دون سائر الكلم ﴿ خِفَافًا وَثِقَالاً ﴾ خفافاً في النفور لنشاطكم له، وثقالاً عنه لمشقته عليكم، أو خفافاً لقلة عيالكم وأذيالكم، وثقالاً لكثرتها.
أو خفافاً من السلاح وثقالاً منه.
أو ركباناً ومشاة.
أو شباباً وشيوخاً.
أو مهازيل وسماناً.
أو صحاحاً ومراضاً.
وعن ابن أمّ مكتوم أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أعليّ أن أنفر؟
قال: نعم، حتى نزل قوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ ﴾ [النور: 61] .
وعن ابن عباس: نسخت بقوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى الضعفاء وَلاَ على المرضى ﴾ [التوبة: 91] وعن صفوان بن عمرو: كنت والياً على حمص، فلقيت شيخاً كبيراً قد سقط حاجباه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو.
فقلت: يا عمّ لقد أعذر الله إليك فرفع حاجبيه وقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافاً وثقالاً، إلا أنه من يحبه الله يبتله.
وعن الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو، وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل له: إنك عليل صاحب ضرر، فقال: استنفرنا الله الخفيف والثقيل، فإن لم يمكنّي الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع ﴿ وجاهدوا بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ ﴾ إيجاب للجهاد بهما إن أمكن، أو بأحدهما على حسب الحال والحاجة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ﴾ أيْ إنْ لَمْ تَنْصُرْهُ فَسَيَنْصُرُهُ اللَّهُ كَما نَصَرَهُ.
﴿ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ ﴾ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلّا رَجُلٌ واحِدٌ، فَحُذِفَ الجَزاءُ وأُقِيمُ ما هو كالدَّلِيلِ عَلَيْهِ مَقامَهُ، أوْ إنْ لَمْ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ أوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّصْرَ حَتّى نَصَرَهُ في مِثْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ فَلَنْ يَخْذُلَهُ في غَيْرِهِ، وإسْنادُ الإخْراجِ إلى الكَفَرَةِ لِأنَّ هَمَّهم بِإخْراجِهِ أوْ قَتْلِهِ تَسَبَّبَ لِإذْنِ اللَّهِ لَهُ بِالخُرُوجِ.
وقُرِئَ « ثانِي اثْنَيْنِ» بِالسُّكُونِ عَلى لُغَةِ مَن يُجْرِي المَنقُوصَ مَجْرى المَقْصُورِ في الإعْرابِ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ.
﴿ إذْ هُما في الغارِ ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ إذْ أخْرَجَهُ ﴾ بَدَلَ البَعْضِ إذِ المُرادُ بِهِ زَمانٌ مُتَّسِعٌ، والغارُ نَقْبٌ في أعْلى ثَوْرٍ وهو جَبَلٌ في يُمْنى مَكَّةَ عَلى مَسِيرَةِ ساعَةٍ مَكَثا فِيهِ ثَلاثًا.
﴿ إذْ يَقُولُ ﴾ بَدَلٌ ثانٍ أوْ ظَرْفٌ لِثانِي.
﴿ لِصاحِبِهِ ﴾ وهو أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ﴿ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا ﴾ بِالعِصْمَةِ والمَعُونَةِ.
رُوِيَ «أنَّ المُشْرِكِينَ طَلَعُوا فَوْقَ الغارِ فَأشْفَقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : « ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما»، فَأعْماهُمُ اللَّهُ عَنِ الغارِ فَجَعَلُوا يَتَرَدَّدُونَ حَوْلَهُ فَلَمْ يَرَوْهُ.» وَقِيلَ لَمّا دَخَلا الغارَ بَعَثَ اللَّهُ حَمامَتَيْنِ فَباضَتا في أسْفَلِهِ والعَنْكَبُوتَ فَنَسَجَتْ عَلَيْهِ.
﴿ فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ ﴾ أمَنَتَهُ الَّتِي تَسْكُنُ عِنْدَها القُلُوبُ.
﴿ عَلَيْهِ ﴾ عَلى النَّبِيِّ ، أوْ عَلى صاحِبِهِ وهو الأظْهَرُ لِأنَّهُ كانَ مُنْزَعِجًا.
﴿ وَأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ أنْزَلَهم لِيَحْرُسُوهُ في الغارِ أوْ لِيُعِينُوهُ عَلى العَدُوِّ يَوْمَ بَدْرٍ والأحْزابِ وحُنَيْنٍ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ ﴿ نَصَرَهُ اللَّهُ ﴾ .
﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ أوْ دَعْوَةَ الكُفْرِ.
﴿ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا ﴾ يَعْنِي التَّوْحِيدَ أوْ دَعْوَةَ الإسْلامِ، والمَعْنى وجَعَلَ ذَلِكَ بِتَخْلِيصِ الرَّسُولِ عَنْ أيْدِي الكُفّارِ إلى المَدِينَةِ فَإنَّهُ المَبْدَأُ لَهُ، أوْ بِتَأْيِيدِهِ إيّاهُ بِالمَلائِكَةِ في هَذِهِ المَواطِنِ أوْ بِحِفْظِهِ ونَصْرِهِ لَهُ حَيْثُ حَضَرَ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ ﴿ وَكَلِمَةُ اللَّهِ ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى كَلِمَةِ ﴿ الَّذِينَ ﴾ ، والرَّفْعُ أبْلَغُ لِما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِأنَّ (كَلِمَةُ اللَّهِ) عالِيَةٌ في نَفْسِها وإنْ فاقَ غَيْرُها فَلا ثَباتَ لِتَفَوُّقِهِ ولا اعْتِبارَ ولِذَلِكَ وسَّطَ الفَصْلَ.
﴿ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ في أمْرِهِ وتَدْبِيرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله} إلا تنصروه فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد فدل بقوله فَقَدْ نَصَرَهُ الله على أنه ينصره في المستقبل كما نصره في ذلك الوقت {إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كفروا} أسند الإخراج إلى الكفار لأنهم حيث هموا بإخراجه أذن الله له في الخروج فكأنهم أخرجوه {ثَانِيَ اثنين} أحد اثنين كقوله ثالث ثلاثة وهما رسول الله وأبو بكر وانتصابه على الحال {إِذْ هُمَا} بدل من إِذْ أَخْرَجَهُ {فِي الغار} هو نقب في أعلى ثور وهو جبل في يمنى مكة على مسيرة ساعة مكثاً فيه ثلاثاً {إِذْ يَقُولُ} بدل ثانٍ {لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا} بالنصرة والحفظ قيل طلع المشركون فوق الغار فأشفق أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن تصب اليوم ذهب دين الله فقال عليه السلام ماظنك باثنين الله ثالثهما
وقيل لما دخل الغار بعث الله حمامتين فباضنتا في أسفله والعنكبوت فنسجت عليه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم أعم أبصارهم فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطنون قد أخذ الله بأبصارهم عنه وقالوا من أنكر صحبة أبي بكر فقد كفر لإنكاره كلام الله وليس ذلك لسائر الصحابة {فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ} ما ألقى في قلبه من الأمنة التي سكن عندها وعلم أنهم لا يصلون
التوبة (٤٠ _ ٤٣)
إليه {عليه} على النبى صلى الله عليه وسلم أو على أبي بكر لأنه كان يخاف وكان عليه السلام ساكن القلب {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} هم الملائكة صرفوا وجوه الكفار وأبصارهم عن أن يروه أو أيده بالملائكة يوم بدر والأحزاب وحنين {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ} أي دعوتهم إلى الكفر {السفلى وَكَلِمَةُ الله} دعوته إلى الإسلام {هِىَ} فصل {العليا} وَكَلِمَةُ الله بالنصب يعقوب بالعطف والرفع على الاستئناف أوجه إذ هي كانت ولم تزل عالية {والله عَزِيزٌ} يعز بنصره أهل كلمته {حَكِيمٌ} يذل أهل الشرك بحكمته
﴿ إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ مِن مَكَّةَ، وإسْنادُ الإخْراجِ إلَيْهِمْ إسْنادٌ إلى السَّبَبِ البَعِيدِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى أذِنَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالخُرُوجِ حِينَ كانَ مِنهم ما كانَ فَخَرَجَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِنَفْسِهِ ﴿ ثانِيَ اثْنَيْنِ ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أيْ أحَدَ اثْنَيْنِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ كَوْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثانِيًا، فَإنَّ مَعْنى قَوْلِهِمْ ثالِثُ ثَلاثَةٍ ورابِعُ أرْبَعَةٍ ونَحْوُ ذَلِكَ أحَدُ هَذِهِ الأعْدادِ مُطْلَقًا لا الثّالِثُ والرّابِعُ خاصَّةً، ولِذا مَنَعَ الجُمْهُورُ أنْ يُنْصَبَ ما بَعْدُ بِأنْ يُقالَ ثالِثُ ثَلاثَةً ورابِعُ أرْبَعَةً، فَلا حاجَةَ إلى تَكَلُّفِ تَوْجِيهِ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثانِيَهُما كَما فَعَلَهُ بَعْضُهم، وقُرِئَ ( ثانِي ) بِسُكُونِ الياءِ عَلى لُغَةِ مَن يُجْرِي النّاقِصَ مَجْرى المَقْصُورِ في الإعْرابِ، ولَيْسَ بِضَرُورَةٍ خِلافًا لِمَن زَعَمَهُ وقالَ: إنَّهُ مِن أحْسَنَ الضَّرُورَةِ في الشِّعْرِ، واسْتَشْكَلَتِ الشَّرْطِيَّةُ بِأنَّ الجَوابَ فِيها ماضٍ ويَتَشَرَّطُ فِيهِ أنْ يَكُونَ مُسْتَقْبَلًا حَتّى إذا كانَ ماضِيًا قُلِبَ مُسْتَقْبَلًا وهُنا لَمْ يَنْقَلِبْ، وأُجِيبُ بِأنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ أُقِيمَ سَبَبُهُ مَقامَهُ وهو مُسْتَقْبَلٌ أيْ إنْ لَمْ تَنْصُرُوهُ فَسَيَنْصُرُهُ اللَّهُ تَعالى الَّذِي قَدْ نَصَرَهُ في وقْتِ ضَرُورَةٍ أشَدَّ مِن هَذِهِ المَرَّةِ وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ مُجاهِدٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ إنْ لَمْ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ أوْجَبَ لَهُ النُّصْرَةَ حِينَ نَصَرَهُ في مِثْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ فَلَنْ يَخْذُلَهُ في غَيْرِهِ، وفَرْقٌ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ بَعْدَ اشْتِراكِهِما في أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ بِأنَّ الدّالَّ عَلَيْهِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ النُّصْرَةُ المُقَيَّدَةُ بِزَمانِ الضَّعْفِ والقِلَّةِ في السّالِفِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مَعْرِفَتُهم بِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ المَنصُورِينَ، وقالَ القُطْبُ: الوَجْهانِ مُتَقارِبانِ إلّا أنَّ الأوَّلَ مَبْنِيٌّ عَلى القِياسِ والثّانِيَ عَلى الِاسْتِصْحابِ، فَإنَّ النُّصْرَةَ ثابِتَةٌ في تِلْكَ الحالَةِ فَتَكُونُ ثابِتَةً في الِاسْتِقْبالِ إذِ الأصْلُ بَقاءُ ما كانَ عَلى ما كانَ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يُقَدَّرُ الجَوابُ وعَلى الثّانِي هو نَصْرٌ مُسْتَمِرٌّ فَيَصِحُّ تَرْتِيبُهُ عَلى المُسْتَقْبَلِ لِشُمُولِهِ لَهُ ﴿ إذْ هُما في الغارِ ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ إذْ أخْرَجَهُ ﴾ بَدَلُ البَعْضِ إذِ المُرادُ بِهِ زَمانٌ مُتَّسِعٌ فَلا يُتَوَهَّمُ التَّغايُرُ المانِعُ مِنَ البَدَلِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُ ظَرْفٌ ﴿ ثانِيَ اثْنَيْنِ ﴾ والمُرادُ بِالغارِ ثُقْبٌ في أعْلى ثَوْرٍ وهو جَبَلٌ في الجِهَةِ اليُمْنى لِمَكَّةَ عَلى مَسِيرِ ساعَةٍ، مَكَثا فِيهِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ثَلاثَةَ أيّامٍ يَخْتَلِفُ إلَيْهِما بِالطَّعامِ عامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ؛ وعَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ يُجَهِّزُهُما فاشْتَرى ثَلاثَةَ أباعِرَ مِن إبِلِ البَحْرَيْنِ واسْتَأْجَرَ لَهُما دَلِيلًا، فَلَمّا كانا في بَعْضِ اللَّيْلِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ أتاهم عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بِالإبِلِ والدَّلِيلِ، فَرَكِبُوا وتَوَجَّهُوا نَحْوَ المَدِينَةِ، ولِاخْتِفائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الغارِ ثَلاثَةً اخْتَفى الإمامُ أحْمَدُ فِيما يُرْوى زَمَنَ فِتْنَةِ القُرْآنِ كَذَلِكَ لَكِنْ لا في الغارِ، واخْتَفى هَذا العَبْدُ الحَقِيرُ زَمَنَ فَتْحِ بَغْدادَ بَعْدَ المُحاصَرَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وأرْبَعِينَ بَعْدَ الألْفِ والمِائَتَيْنِ خَوْفًا مِنَ العامَّةِ وبَعْضِ الخاصَّةِ لِأُمُورٍ نُسِبَتْ إلَيَّ وافْتَراها بَعْضُ المُنافِقِينَ عَلَيَّ في سِرْدابٍ عِنْدَ بَعْضِ الأحِبَّةِ ثَلاثَةَ أيّامٍ أيْضًا لِذَلِكَ، ثُمَّ أخْرَجَنِي مِنهُ بِالعِزِّ أمِينٌ وأيَّدَنِي اللَّهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ بِالغُرِّ المَيامِينَ ﴿ إذْ يَقُولُ ﴾ بَدَلٌ ثانٍ، وقِيلَ: أوَّلُ ( لِصاحِبِهِ ) وهو أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
وقَدْ أخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ شاهِينَ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنْتَ صاحِبِي في الغارِ، وأنْتَ مَعِي عَلى الحَوْضِ» وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ، وأخْرَجَ هو، وابْنُ عُدَيٍّ مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِحَسّانَ: هَلْ قُلْتَ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ شَيْئًا؟
قالَ: نَعَمْ، قالَ: قُلْ وأنا أسْمَعُ، فَقالَ حَسّانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: وثانِيَ اثْنَيْنِ في الغارِ المَنِيفِ وقَدْ طافَ العَدُوُّ بِهِ إذْ صاعَدَ الجَبَلا وكانَ حِبَّ رَسُولِ اللَّهِ قَدْ عَلِمُوا ∗∗∗ مِنَ البَرِّيَّةِ لَمْ يَعْدِلْ بِهِ رَجُلًا فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ ثُمَّ قالَ: صَدَقْتَ يا حَسّانُ هو كَما قُلْتَ» ولَمْ يُخالِفْ في ذَلِكَ أحَدٌ حَتّى الشِّيعَةُ فِيما أعْلَمُ لَكِنَّهم يَقُولُونَ ما سَتَعْلَمُهُ ورَدَّهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ﴿ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا ﴾ بِالعِصْمَةِ والمَعُونَةِ فَهي مَعِيَّةٌ مَخْصُوصَةٌ وإلّا فَهو تَعالى مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِن خَلْقِهِ، رَوى الشَّيْخانِ، وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: حَدَّثَنِي أبُو بَكْرٍ قالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الغارِ فَرَأيْتُ آثارَ المُشْرِكِينَ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أنَّ أحَدَهم رَفَعَ قَدَمَهُ لَأبْصَرَنا تَحْتَ قَدَمِهِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا أبا بَكْرٍ ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ تَعالى ثالِثُهُما» .
ورَوى البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ.
«أنَّهُ لَمّا دَخَلا الغارَ أمَرَ اللَّهُ تَعالى العَنْكَبُوتَ فَنَسَجَتْ عَلى فَمِ الغارِ وبَعَثَ حَمامَتَيْنِ وحْشِيَّتَيْنِ فَباضَتا فِيهِ، وأقْبَلَ فِتْيانُ قُرَيْشٍ مِن كُلِّ بَطْنٍ رُجْلًا بِعِصِيِّهِمْ وسُيُوفِهِمْ حَتّى إذا كانُوا قَدْرَ أرْبَعِينَ ذِراعًا تَعَجَّلَ بَعْضُهم فَنَظَرَ في الغارِ لِيَرى أحَدًا فَرَأى حَمامَتَيْنِ فَرَجَعَ إلى أصْحابِهِ فَقالَ: لَيْسَ في الغارِ أحَدٌ ولَوْ كانَ قَدْ دَخَلَهُ أحَدٌ ما بَقِيَتْ هاتانِ الحَمامَتانِ ”.
وجاءَ في رِوايَةٍ قالَ بَعْضُهم: إنَّ عَلَيْهِ لَعَنْكَبُوتًا قَبْلَ مِيلادِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فانْصَرَفُوا، وأوَّلُ مَن دَخَلَ الغارَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ»، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيانَ قالَ: «لَمّا انْطَلَقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى الغارِ قالَ أبُو بَكْرٍ: لا تَدْخُلْ يا رَسُولَ اللَّهِ حَتّى أسْتَبْرِئَهُ فَدَخَلَ الغارَ فَأصابَ يَدَهُ شَيْءٌ فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ أُصْبُعِهِ وهو يَقُولُ: ما أنْتِ إلّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ ∗∗∗ وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيتِ » رَوى البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، وابْنُ عَساكِرَ“ «أنَّهُ لَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُهاجِرًا تَبِعَهُ أبُو بَكْرٍ فَجَعَلَ يَمْشِي مَرَّةً أمامَهُ ومَرَّةً خَلْفَهُ ومَرَّةً عَنْ يَمِينِهِ ومَرَّةً عَنْ يَسارِهِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ما هَذا يا أبا بَكْرٍ؟
فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أذْكُرُ الرَّصْدَ فَأكُونُ أمامَكَ وأذْكُرُ الطَّلَبَ فَأكُونُ خَلْفَكَ، ومَرَّةً عَنْ يَمِينِكَ ومَرَّةً عَنْ يَسارِكَ، لا آمَنُ عَلَيْكَ، فَمَشى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْلَتَهُ عَلى أطْرافِ أصابِعِهِ حَتّى حَفِيَتْ رِجْلاهُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ حَمَلَهُ عَلى كاهِلِهِ وجَعَلَ يَشْتَدُّ بِهِ حَتّى أتى فَمَ الغارِ فَأنْزَلَهُ ثُمَّ قالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لا تَدْخُلْ حَتّى أدْخُلَهُ فَإنْ كانَ فِيهِ شَيْءٌ نَزَلَ بِي قَبْلَكَ، فَدَخَلَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا فَحَمَلَهُ فَأدْخَلَهُ، وكانَ في الغارِ خَرْقٌ فِيهِ حَيّاتٌ وأفاعِي فَخَشِيَ أبُو بَكْرٌ أنْ يَخْرُجَ مِنهُنَّ شَيْءٌ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَألْقَمَهُ قَدَمَهُ فَجَعَلْنَ يَضْرِبْنَهُ ويَلْسَعْنَهُ وجَعَلَتْ دُمُوعُهُ تَتَحَدَّرُ وهو لا يَرْفَعُ قَدَمَهُ حُبًّا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ”.
وفي رِوايَةٍ:“ أنَّهُ سَدَّ كُلَّ خَرْقٍ في الغارِ بِثَوْبِهِ قَطَعَهُ لِذَلِكَ قِطَعًا وبَقِيَ خَرْقٌ سَدَّهُ بِعَقِبِهِ ”» رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ﴿ فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ ﴾ وهي الطُّمَأْنِينَةُ الَّتِي تَسْكُنُ عِنْدَها القُلُوبُ ( عَلَيْهِ ) أيْ: عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، وابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الضَّمِيرَ لِلصّاحِبِ، وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ نَحْوَهُ، وقِيلَ: وهو الأظْهَرُ لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَنْزَعِجْ حَتّى يَسْكُنَ ولا يُنافِيهُ تَعَيُّنُ ضَمِيرِ ﴿ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها ﴾ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِعَطْفِهِ عَلى ( نَصَرَهُ اللَّهُ ) لا عَلى ( أنْزَلَ ) حَتّى تَتَفَكَّكَ الضَّمائِرُ عَلى أنَّهُ إذا كانَ العَطْفُ عَلَيْهِ كَما قِيلَ بِهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلصّاحِبِ أيْضًا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ:“ يا أبا بَكْرٍ إنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ سَكِينَتَهُ عَلَيْكَ وأيَّدَكَ» إلَخْ وأنْ أبَيْتُ فَأيُّ ضَرَرٍ في التَّفْكِيكِ إذا كانَ الأمْرُ ظاهِرًا.
واسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمُ الأوَّلَ وادَّعى أنَّهُ المُناسِبُ لِلْمَقامِ، وإنْزالُ السَّكِينَةِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِدَفْعِ الِانْزِعاجِ بَلْ قَدْ يَكُونُ لِرِفْعَتِهِ ونَصْرِهِ ، والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ الذِّكْرِيِّ وفِيهِ بُعْدٌ، وفَسَّرَها بَعْضُهم عَلى ذَلِكَ الِاحْتِمالِ بِما لا يَحُومُ حَوْلَهُ شائِبَةُ خَوْفٍ أصْلًا، والمُرادُ بِالجُنُودِ المَلائِكَةُ النّازِلُونَ يَوْمَ بَدْرٍ، والأحْزابِ، وحُنَيْنٍ، وقِيلَ: هم مَلائِكَةٌ أنْزَلَهُمُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى لِيَحْرُسُوهُ في الغارِ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ أبُو نُعَيْمٍ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ أبا بَكْرٍ رَأى رَجُلًا يُواجِهُ الغارَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ لَرَآنا، قالَ: كَلّا إنَّ المَلائِكَةَ تَسْتُرُهُ الآنَ بِأجْنِحَتِها فَلَمْ يَنْشَبِ الرَّجُلُ أنْ قَعَدَ يَبُولُ مُسْتَقْبِلَهُما فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : يا أبا بَكْرٍ لَوْ كانَ يَرانا ما فَعَلَ هَذا»، والظّاهِرُ أنَّهُما عَلى هَذا كانا في الغارِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُما عادَةً مِمَّنْ هو خارِجَ الغارِ، واعْتُرِضَ هَذا القَوْلُ بِأنَّهُ يَأْباهُ وصْفُ الجُنُودِ بِعَدَمِ رُؤْيَةِ المُخاطِبِينَ لَهم إلّا أنْ يُقالَ: المُرادُ مِن هَذا الوَصْفُ مُجَرَّدُ تَعْظِيمِ أمْرِ الجُنُودِ، ومَن جَعَلَ العَطْفَ عَلى ( أنْزَلَ ) التَزَمَ القَوْلَ المَذْكُورَ لِاقْتِضائِهِ لِظاهِرِ حالِ الفاءِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الإنْزالُ مُتَعَقَّبًا عَلى ما قَبْلَهُ وذَلِكَ مِمّا لا يَتَأتّى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ في الجُنُودِ ﴿ وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى ﴾ أيْ: كَلِمَتُهُمُ الَّتِي اجْتَمَعُوا عَلَيْها في أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في دارِ النَّدْوَةِ حَيْثُ نَجّاهُ رَبُّهُ سُبْحانَهُ عَلى رَغْمِ أُنُوفِهِمْ وحَفِظَهُ مِن كَيْدِهِمْ مَعَ أنَّهم لَمْ يَدَعُوا في القَوْسِ مَنزَعًا في إيصالِ الشَّرِّ إلَيْهِ، وجَعَلُوا الدِّيَةَ لِمَن يَقْتُلُهُ أوْ يَأْسِرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وخَرَجُوا في طَلَبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رِجالًا ورُكْبانًا فَرَجَعُوا صِفْرَ الأكُفِّ سُودَ الوُجُوهِ، وصارَ لَهُ بَعْضُ مَن كانَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «لَمّا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأبُو بَكْرٍ التَفَتَ أبُو بَكْرٍ فَإذا هو بِفارِسٍ قَدْ لَحِقَهم فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ هَذا فارِسٌ قَدْ لَحِقَ بِنا فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: اللَّهُمَّ اصْرَعْهُ فَصُرِعَ عَنْ فَرَسِهِ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ مُرْنِي بِما شِئْتَ قالَ: فَقِفْ مَكانَكَ لا تَتْرُكَنَّ أحَدًا يَلْحَقُ بِنا، فَكانَ أوَّلَ النَّهارِ جاهِدًا عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وآخِرَ النَّهارِ مَسْلَحَةً» وكانَ هَذا الفارِسُ سُراقَةَ، وفي ذَلِكَ يَقُولُ لِأبِي جَهْلٍ: أبا حَكَمٍ واللَّهِ لَوْ كُنْتَ شاهِدًا ∗∗∗ لِأمْرِ جَوادِي إذْ تَسِيخُ قَوائِمُهُ عَلِمْتَ ولَمْ تَشْكُكْ بِأنَّ مُحَمَّدًا ∗∗∗ رَسُولٌ بِبُرْهانٍ فَمَن ذا يُقاوِمُهُ وصَحَّ مِن حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ وغَيْرِهِما «أنَّ القَوْمَ طَلَبُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأبا بَكْرٍ، وقالَ أبُو بَكْرٍ: ولَمْ يُدْرِكْنا مِنهم إلّا سِراقَةُ عَلى فَرَسٍ لَهُ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا الطَّلَبُ قَدْ لَحِقَنا فَقالَ: ﴿ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا ﴾ حَتّى إذا دَنا فَكانَ بَيْنَنا وبَيْنَهُ قَدْرَ رُمْحٍ أوْ رُمْحَيْنِ أوْ ثَلاثَةٍ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا الطَّلَبُ قَدْ لَحِقَنا وبَكَيْتُ قالَ: لِمَ تَبْكِي؟
قُلْتُ: أما واللَّهِ ما أبْكِي عَلى نَفْسِي ولَكِنْ أبْكِي عَلَيْكَ فَدَعا عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَ: اللَّهُمَّ أكْفِناهُ بِما شِئْتَ فَساخَتْ فَرَسُهُ إلى بَطْنِها في أرْضٍ صَلْدَةٍ ووَثَبَ عَنْها وقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ هَذا عَمَلُكَ فادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُنْجِيَنِي مِمّا أنا فِيهِ فَواللَّهِ لَأُعْمِيَنَّ عَلى مَن ورائِي مِنَ الطَّلَبِ وهَذِهِ كِنانَتِي فَخُذْ مِنها سَهْمًا فَإنَّكَ سَتَمُرُّ بِإبِلِي وغَنَمِي في مَوْضِعِ كَذا وكَذا فَخُذْ مِنها حاجَتَكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: لا حاجَةَ لِي فِيها ودَعا لَهُ فانْطَلَقَ ورَجَعَ إلى أصْحابِهِ ومَضى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنا مَعَهُ حَتّى قَدِمْنا المَدِينَةَ» الحَدِيثَ، ويَجُوزُ تَفْسِيرُ الكَلِمَةِ بِالشِّرْكِ وهو الَّذِي أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَهي مَجازٌ عَنْ مُعْتَقَدِهِمُ الَّذِي مِن شَأْنِهِمُ التَّكَلُّمُ بِهِ، وفَسَّرَها بَعْضُهم بِدَعْوَةِ الكُفْرِ فَهي بِمَعْنى الكَلامِ مُطْلَقًا، وزَعَمَ شَيْخُ الإسْلامِ بِأنَّ الجَعْلَ المَذْكُورَ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ آبَ عَنْ حَمْلِ الجُنُودِ عَلى المَلائِكَةِ الحارِسِينَ لِأنَّهُ لا يَتَحَقَّقُ بِمُجَرَّدِ الإنْجاءِ بَلْ بِالقَتْلِ والأسْرِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا إباءَ عَلى التَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ نَحْنُ عَلى أنَّ كَوْنَ الإنْجاءِ مَبْدَأٌ لِلْجَعْلِ بِتَفْسِيرَيْهِ كافٍ في دَفْعِ الإباءِ بِلا امْتِراءٍ ﴿ وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها وعْدُهُ سُبْحانَهُ لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ ﴾ وإمّا كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وإمّا دَعْوَةُ الإسْلامِ كَما قِيلَ، ولا يَخْفى ما في تَغْيِيرِ الأُسْلُوبِ مِنَ المُبالَغَةِ لِأنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ تَدُلُّ عَلى الدَّوامِ والثُّبُوتِ مَعَ الإيذانِ بِأنَّ الجَعْلَ لَمْ يَتَطَرَّقْ لِتِلْكَ الكَلِمَةِ وأنَّها في نَفْسِها عالِيَةٌ بِخِلافِ عُلُوِّ غَيْرِها فَإنَّهُ غَيْرُ ذاتِيٍّ بَلْ بِجَعْلٍ وتَكَلُّفٍ فَهو عَرَضٌ زائِلٌ وأمْرٌ غَيْرُ قارٍّ ولِذَلِكَ وسَّطَ ضَمِيرَ الفَصْلِ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ ( وكَلِمَةَ اللَّهِ ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ﴿ كَلِمَةَ الَّذِينَ ﴾ وهو دُونُ الرَّفْعِ في البَلاغَةِ، ولَيْسَ الكَلامُ عَلَيْهِ كَأعْتَقَ زَيْدٌ غُلامَ زَيْدٍ كَما لا يَخْفى ﴿ واللَّهُ عَزِيزٌ ﴾ لا يُغالَبُ في أمْرَهِ ( حَكِيمٌ ) لا قُصُورَ في تَدْبِيرِهِ هَذا، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى فَضْلِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو لَعَمْرِي مِمّا يَدَعُ الرّافِضِيَّ في جُحْرِ ضَبٍّ أوْ مَهامِهِ قَفْرٍ فَإنَّها خَرَجَتْ مَخْرَجَ العِتابِ لِلْمُؤْمِنِينَ ما عَدا أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قالَ: عاتَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ المُسْلِمِينَ جَمِيعًا في نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ وحْدَهُ فَإنَّهُ خَرَجَ مِنَ المُعاتَبَةِ ثُمَّ قَرَأ ﴿ إلا تَنْصُرُوهُ ﴾ الآيَةَ، بَلْ أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: عاتَبَ اللَّهُ تَعالى جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: ﴿ إلا تَنْصُرُوهُ ﴾ إلَخْ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بِلَفْظِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّ النّاسَ كُلَّهم ومَدَحَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: ﴿ إلا تَنْصُرُوهُ ﴾ إلَخْ، وفِيها النَّصُّ عَلى صُحْبَتِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ولَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ لِأحَدٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سِواهُ، وكَوْنُهُ المُرادَ مِنَ الصّاحِبِ مِمّا وقَعَ عَلَيْهِ الإجْماعُ كَكَوْنِ المُرادِ مِنَ العَبْدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ ﴾ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومِن هُنا قالُوا: إنَّ إنْكارَ صُحْبَتِهِ كُفْرٌ، مَعَ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن تَسْلِيَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا تَحْزَنْ ﴾ وتَعْلِيلُ ذَلِكَ بِمَعِيَّةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ الخاصَّةِ المُفادَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللَّهَ مَعَنا ﴾ ولَمْ يَثْبُتْ مِثْلُ ذَلِكَ في غَيْرِهِ بَلْ لَمْ يُثْبِتْ نَبِيٌّ مَعِيَّةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ ولِآخَرَ مِن أصْحابِهِ وكَأنَّ في ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ كَأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وفِي إنْزالِ السَّكِينَةِ عَلَيْهِ بِناءً عَلى عَوْدِ الضَّمِيرِ إلَيْهِ ما يُفِيدُ السَّكِينَةَ في أنَّهُ هُوَ- هُوَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ولَعَنَ باغِضِيهِ، وكَذا في إنْزالِها عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أنَّ المُنْزَعِجَ صاحِبُهُ ما يُرْشِدُ المُنْصِفَ إلى أنَّهُما كالشَّخْصِ الواحِدِ، وأظْهَرَ مِن ذَلِكَ إشارَةَ ما ذُكِرَ إلى أنَّ الحُزْنَ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ ما مَرَّ في حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ، وأنْكَرَ الرّافِضَةُ دَلالَةَ الآيَةِ عَلى شَيْءٍ مِنَ الفَضْلِ في حَقِّ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالُوا: إنَّ الدّالَّ عَلى الفَضْلِ إنْ كانَ ﴿ ثانِيَ اثْنَيْنِ ﴾ فَلَيْسَ فِيهِ أكْثَرُ مِن كَوْنِ أبِي بَكْرٍ مُتِمًّا لِلْعَدَدِ، وإنْ كانَ ﴿ إذْ هُما في الغارِ ﴾ فَلا يَدُلُّ عَلى أكْثَرَ مِنِ اجْتِماعِ شَخْصَيْنِ في مَكانٍ وكَثِيرًا ما يَجْتَمِعُ فِيهِ الصّالِحُ والطّالِحُ، وإنْ كانَ ( لِصاحِبِهِ ) فالصُّحْبَةُ تَكُونُ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ ﴾ و ﴿ يا صاحِبَيِ السِّجْنِ ﴾ بَلْ قَدْ تَكُونُ بَيْنَ مَن يَعْقِلُ وغَيْرُهُ كَقَوْلِهِ: إنَّ الحِمارَ مَعَ الحَمِيرِ مَطِيَّةٌ ∗∗∗ وإذا خَلَوْتَ بِهِ فَبِئْسَ الصّاحِبُ وإنْ كانَ ﴿ لا تَحْزَنْ ﴾ فَيُقالُ: لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ الحُزْنُ طاعَةً أوْ مَعْصِيَةً لا جائِزَ أنْ يَكُونَ طاعَةً وإلّا لِما نَهى عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً لِمَكانِ النَّهْيِ وذَلِكَ مُثْبَتٌ خِلافَ مَقْصُودِكم عَلى أنَّ فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الجُبْنِ ما فِيهِ، وإنْ كانَ ﴿ إنَّ اللَّهَ مَعَنا ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إثْباتَ مَعِيَّةِ اللَّهِ تَعالى الخاصَّةِ لَهُ وحْدَهُ لَكِنْ أتى بِـ ”نا“ سَدًّا لِبابِ الإيحاشِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ الإتْيانُ بِأوْفى قَوْلُهُ: ﴿ وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ وإنْ كانَ ﴿ فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ﴾ فالضَّمِيرُ فِيهِ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِئَلّا يَلْزَمَ تَفْكِيكُ الضَّمائِرِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ في تَخْصِيصِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالسَّكِينَةِ هُنا مَعَ عَدَمِ التَّخْصِيصِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ إشارَةٌ إلى ضِدِّ ما ادَّعَيْتُمُوهُ، وإنْ كانَ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ مِن خُرُوجِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ فَهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُخْرِجْهُ مَعَهُ إلّا حَذَرًا مِن كَيْدِهِ لَوْ بَقِيَ مَعَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ، وفي كَوْنِ المُجْهِّزِ لَهم بِشِراءِ الإبِلِ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ إشارَةٌ لِذَلِكَ، وإنْ كانَ شَيْئًا وراءَ ذَلِكَ فَبَيِّنُوهُ لِنَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ.
انْتَهى كَلامُهم.
ولَعَمْرِي إنَّهُ أشْبَهُ شَيْءٍ بِهَذَيانِ المَحْمُومِ أوْ عَرْبَدَةِ السَّكْرانِ، ولَوْلا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ حَكى في كِتابِهِ الجَلِيلِ عَنِ إخْوانِهِمُ اليَهُودِ والنَّصارى ما هو مِثْلُ ذَلِكَ ورَدَّهُ رَحْمَةً بِضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ ما كُنّا نَفْتَحُ في رَدِّهِ فَمًا أوْ نُجْرِي فِي مَيْدانِ تَزْيِيفِهِ قَلَمًا لَكِنِّي لِذَلِكَ أقُولُ: لا يَخْفى أنَّ ﴿ ثانِيَ اثْنَيْنِ ﴾ وكَذا ﴿ إذْ هُما في الغارِ ﴾ إنَّما يَدُلّانِ بِمَعُونَةِ المَقامِ عَلى فَضْلِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ولا نَدَّعِي دَلالَتَهُما مُطْلَقًا، ومَعُونَةُ المَقامِ أظْهَرُ مِن نارٍ عَلى عَلَمٍ ولا يَكادُ يَنْتَطِحُ كَبْشانِ في أنَّ الرَّجُلَ لا يَكُونُ ثانِيًا بِاخْتِيارِهِ لِآخَرَ ولا مَعَهُ في مَكانٍ إذا فَرَّ مِن عَدُوٍّ ما لَمْ يَكُنْ مُعَوَّلًا عَلَيْهِ مُتَحَقِّقًا صِدْقُهُ لَدَيْهِ لا سِيَّما وقَدْ تَرَكَ الآخَرُ لِأجْلِهِ أرْضًا حَلَّتْ فِيها قَوابِلُهُ وحَلَّتْ عَنْهُ بِها تَمائِمُهُ وفارَقَ أحْبابَهُ وجَفا أتْرابُهُ وامْتَطى غارِبَ سَبْسَبٍ يَضِلُّ بِهِ القَطا وتَقْصُرُ فِيهِ الخُطا، ومِمّا يَدُلُّ عَلى فَضْلِ تِلْكَ الِاثْنَيْنِيَّةِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَسَكِّنًا جَأْشَ أبِي بَكْرٍ: «ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ تَعالى ثالُهُما» والصُّحْبَةُ اللُّغَوِيَّةُ وإنْ لَمْ تَدُلَّ بِنَفْسِها عَلى المُدَّعِي لَكِنَّها تَدُلُّ عَلَيْهِ بِمَعُونَةِ المَقامِ أيْضًا فَإضافَةُ صاحِبٍ إلى الضَّمِيرِ لِلْعَهْدِ أيْ صاحِبِهِ الَّذِي كانَ مَعَهُ في وقْتٍ يَجْفُو فِيهِ الخَلِيلُ خَلِيلَهُ ورَفِيقَهُ الَّذِي فارَقَ لِمُرافَقَتِهِ أهْلَهُ وقَبِيلَهُ، وأنَّ ﴿ لا تَحْزَنْ ﴾ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ حَقِيقَةَ النَّهْيِ عَنِ الحُزْنِ فَإنَّهُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا تَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ التَّسْلِيَةُ لِلصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أوْ نَحْوُها، وما ذَكَرُوهُ مِنَ التَّرْدِيدِ يَجْرِي مَثَلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى خِطابًا لِمُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما ﴾ وكَذا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، أفَتَرى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ نَهى عَنْ طاعَتِهِ؟
أوْ أنَّ أحَدًا مِن أُولَئِكَ المَعْصُومِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً، سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، ولا يُنافِي كَوْنُ الحُزْنِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا تَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ بِالنَّظَرِ إلى نَفْسِهِ أنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَوْرِدًا لِلْمَدْحِ والذَّمِّ كالحُزْنِ عَلى فَواتِ طاعَةٍ فَإنَّهُ مَمْدُوحٌ والحُزْنُ عَلى فَواتِ مَعْصِيَةٍ فَإنَّهُ مَذْمُومٌ لِأنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارٍ آخَرَ كَما لا يَخْفى، وما ذُكِرَ في حَيِّزِ العِلاوَةِ مِن أنَّ فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الجُبْنِ ما فِيهِ، فِيهِ مِنِ ارْتِكابِ الباطِلِ ما فِيهِ، فَإنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الخَوْفَ يَدُلُّ عَلى الجُبْنِ وإلّا لَزِمَ جُبْنُ مُوسى وأخِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ فَما ظَنُّكَ بِالحُزْنِ؟
ولَيْسَ حُزْنُ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأعْظَمَ مِنَ الِاخْتِفاءِ بِالغارِ، ولا يَظُنُّ مُسْلِمٌ أنَّهُ كانَ عَنْ جُبْنٍ أوْ يَتَّصِفُ بِالجُبْنِ أشْجَعُ الخَلْقِ عَلى الإطْلاقِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ؟، ومَن أنْصَفَ رَأى أنَّ تَسْلِيَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأبِي بَكْرٍ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا تَحْزَنْ ﴾ كَما سَلّاهُ رَبُّهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ( لا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم ) مُشِيرَةً إلى الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عِنْدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَنزِلَتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ جَلَّ شَأْنُهُ فَهو حَبِيبُ حَبِيبِ اللَّهِ تَعالى بَلْ لَوْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْ وُقُوعِ مِثْلِ هَذِهِ التَّسْلِيَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ النَّبِيهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ نَفْسُ الخِطابِ بِلا تَحْزَنْ كافِيًا في الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَبِيبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإلّا فَكَيْفَ تَكُونُ مُحاوَرَةُ الأحِبّاءِ وهَذا ظاهِرٌ إلّا عِنْدَ الأعْداءِ، وما ذُكِرَ مِن أنَّ المَعِيَّةَ الخاصَّةَ كانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وحْدَهُ والإتْيانُ بِنا لِسَدِّ بابِ الإيحاشِ مِن بابِ المُكابَرَةِ الصِّرْفَةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الخَبَرُ المارُّ آنِفًا، عَلى أنَّهُ إذا كانَ ذَلِكَ الحُزْنُ إشْفاقًا عَلى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا غَيْرَ فَأيُّ إيحاشٍ في قَوْلِهِ لا تَحْزَنْ عَلى أنَّ اللَّهَ مَعِي، وإنْ كانَ إشْفاقًا عَلى الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَلى نَفْسِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمْ يَقَعِ التَّعْلِيلُ مَوْقِعَهُ والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لَهُ ولَوْ سَلَّمْنا الإيحاشَ عَلى الأوَّلِ ووُقُوعَ التَّعْلِيلِ مَوْقِعَهُ عَلى الثّانِي يَكُونُ ذَلِكَ الحُزْنُ دَلِيلًا واضِحًا عَلى مَدْحِ الصِّدِّيقِ، وإنْ كانَ عَلى نَفْسِهِ فَقَطْ كَما يَزْعُمُهُ ذُو النَّفْسِ الخَبِيثَةِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّعْلِيلِ مَعْنًى أصْلًا، وأيُّ مَعْنًى في لا تَحْزَنْ عَلى نَفْسِكَ إنَّ اللَّهَ مَعِي لا مَعَكَ.
عَلى أنَّهُ يُقالُ لِلرّافِضِيِّ هَلْ فَهِمَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِنَ الآيَةِ ما فَهِمْتَ مِنَ التَّخْصِيصِ وأنَّ التَّعْبِيرَ بِـ ”نا“ كانَ سَدًّا لِبابِ الإيحاشِ أمْ لا؟
فَإنْ كانَ الأوَّلَ يَحْصُلُ الإيحاشُ ولا بُدَّ فَنَكُونُ قَدْ وقَعْنا فِيما فَرَرْنا عَنْهُ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَقَدْ زَعَمْتَ لِنَفْسِكَ رُتْبَةً لَمْ تَكُنْ بالِغَها ولَوْ زَهَقَتْ رُوحُكَ، ولَوْ زَعَمْتَ المُساواةَ في فَهْمِ عِباراتِ القُرْآنِ الجَلِيلِ وإشاراتِهِ لِمَصاقِعِ أُولَئِكَ العَرَبِ المُشاهِدِينَ لِلْوَحْيِ ما سَلِمَ لَكَ أوْ تَمُوتَ فَكَيْفَ يَسْلَمُ لَكَ الِامْتِيازُ عَلى الصِّدِّيقِ وهو -هُوَ- وقَدْ فُهِمَ مِن إشارَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في حَدِيثِ التَّخْيِيرِ ما خَفِيَ عَلى سائِرِ الصَّحابَةِ حَتّى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فاسْتَغْرَبُوا بُكاءَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى يَوْمَئِذٍ، وما ذُكِرَ مِنَ التَّنْظِيرِ في الآيَةِ مُشِيرٌ إلى التَّقِيَّةِ الَّتِي اتَّخَذَها الرّافِضَةُ دِينًا وحَرَّفُوا لَها الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِها، وقَدْ أسْلَفْنا لَكَ الكَلامَ في ذَلِكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ فَتَذَكَّرْهُ، وما ذُكِرَ في أمْرِ السَّكِينَةِ فَجَوابُهُ يُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْناهُ، وكَوْنُ التَّخْصِيصِ مُشِيرًا إلى إخْراجِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنْ زُمْرَةِ المُؤْمِنِينَ كَما رَمَزَ إلَيْهِ الكَلْبُ عَدُوُّ اللَّهِ ورَسُولِهِ لَوْ كانَ ما خَفِيَ عَلى أُولَئِكَ المُشاهِدِينَ لِلْوَحْيِ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمُ الأمِيرُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَكَيْفَ مَكَّنُوهُ مِنَ الخِلافَةِ الَّتِي هي أُخْتُ النُّبُوَّةِ عِنْدَ الشِّيعَةِ وهُمُ الَّذِينَ لا تَأْخُذُهم في اللَّهِ تَعالى لَوْمَةُ لائِمٍ، وكَوْنُ الصَّحابَةِ قَدِ اجْتَمَعُوا في ذَلِكَ عَلى ضَلالَةٍ، والأمِيرُ كانَ مُسْتَضْعَفًا فِيما بَيْنَهم أوْ مَأْمُورًا بِالسُّكُوتِ وغَمْدِ السَّيْفِ إذْ ذاكَ كَما زَعَمَهُ المُخالِفُ قَدْ طَوى بِساطَ رَدِّهِ وعادَ شَذَرَ مَذَرَ فَلا حاجَةَ إلى إتْعابِ القَلَمِ في تَسْوِيدِ وجْهِ زاعِمِهِ، وما ذُكِرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يُخْرِجْهُ إلّا حَذَرًا مِن كَيْدِهِ فِيهِ أنَّ الآيَةَ لَيْسَ فِيها شائِبَةٌ دَلالَةً عَلى إخْراجِهِ لَهُ أصْلًا، فَضْلًا عَنْ كَوْنِ ذَلِكَ حَذَرًا مِنَ الكَيْدِ، عَلى أنَّ الحَذَرَ لَوْ كانَ في مَعِيَّتِهِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأيُّ فُرْصَةٍ تَكُونُ مِثْلَ الفُرْصَةِ الَّتِي حَصَلَتْ حِينَ جاءَ الطَّلَبُ لِبابِ الغارِ؟
فَلَوْ كانَ عِنْدَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وحاشاهُ أدْنى ما يُقالُ لَقالَ: هَلُمُّوا فَهَهُنا الغَرَضُ، ولا يُقالُ: إنَّهُ خافَ عَلى نَفْسِهِ أيْضًا لِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُخَلِّصَها مِنهم بِأُمُورٍ ولا أقَلَّ مِن أنْ يَقُولَ لَهم: خَرَجْتُ لِهَذِهِ المَكِيدَةِ، وأيْضًا لَوْ كانَ الصِّدِّيقُ كَما يَزْعُمُ الزِّنْدِيقُ فَأيُّ شَيْءٍ مَنَعَهُ مِن أنْ يَقُولَ لِابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أوِ ابْنَتِهِ أسْماءَ أوْ مَوْلاهُ عامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ فَقَدْ كانُوا يَتَرَدَّدُونَ إلَيْهِ في الغارِ كَما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ فَيُخْبِرُ أحَدُهُمُ الكَفّارَ بِمَكانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، عَلى أنَّهُ عَلى هَذا الزَّعْمِ يَجِيءُ حَدِيثُ التَّمْكِينِ وهو أقْوى شاهِدٍ عَلى أنَّهُ هو هُوَ، وأيْضًا إذا انْفَتَحَ بابُ هَذا الهَذَيانِ أمْكَنَ لِلنّاصِبِيِّ أنْ يَقُولَ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: إنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالبَيْتُوتَةِ عَلى فِراشِهِ الشَّرِيفِ لَيْلَةَ هاجَرَ إلّا لِيَقْتُلَهُ المُشْرِكُونَ ظَنًّا مِنهم أنَّهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَيَسْتَرِيحُ مِنهُ، ولَيْسَ هَذا القَوْلُ بِأعْجَبَ ولا أبْطَلَ مِن قَوْلِ الشِّيعِيِّ: إنَّ إخْراجَ الصِّدِّيقِ إنَّما كانَ حَذَرًا مِن شَرَهٍ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ سُبْحانَهُ مِن فَتْحِ هَذا البابِ المُسْتَهْجَنِ عِنْدَ ذَوِي الألْبابِ، وزَعَمَ أنَّ تَجْهِيزَ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لَهم بِشِراءِ الأباعِرِ إشارَةً إلى ذَلِكَ لا يُشِيرُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ وإنْ ذَكَرْناهُ فِيما قَبْلُ إنَّما جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَ المُحْدَثِينَ غَيْرُ ذَلِكَ ولا بَأْسَ بِإيرادِهِ تَكْمِيلًا لِلْفائِدَةِ وتَنْوِيرًا لِفَضْلِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَنَقُولُ: أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَمْ أعْقِلْ أبَوَيَّ قَطُّ إلّا وهُما يَدِينانِ الدِّينَ ولَمْ يَمْرُرْ عَلَيْنا يَوْمٌ إلّا يَأْتِينا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ طَرَفَيِ النَّهارِ بِكُرَةً وعَشِيَّةً ولَمّا ابْتُلِيَ المُسْلِمُونَ خَرَجَ أبُو بَكْرٍ مُهاجِرًا قَبْلَ أرْضِ الحَبَشَةِ حَتّى إذا بَلَغَ بَرْكَ الغِمادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ وهو سَيِّدُ القارَةِ فَقالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: أيْنَ تُرِيدُ يا أبا بَكْرٍ؟
فَقالَ أبُو بَكْرٍ: أخْرَجَنِي قَوْمِي فَأُرِيدُ أنْ أسِيحَ في الأرْضِ وأعْبُدَ رَبِّي، قالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: مَثَلُكَ يا أبا بَكْرٍ لا يَخْرُجُ ولا يُخْرَجُ إنَّكَ تَكْسِبُ المَعْدُومَ وتَصِلُ الرَّحِمَ وتَحْمِلُ الكَلَّ وتَقْرِي الضَّيْفَ وتُعِينُ عَلى نَوائِبِ الحَقِّ فَأنا لَكَ جارٌ فارْجِعْ فاعْبُدْ رَبَّكَ بِبَلَدِكَ، فارْتَحَلَ ابْنُ الدَّغِنَةِ فَرَجَعَ مَعَ أبِي بَكْرٍ فَطافَ ابْنُ الدَّغِنَةِ في كُفّارِ قُرَيْشٍ فَقالَ: إنَّ أبا بَكْرٍ لا يَخْرُجُ مِثْلُهُ ولا يُخْرَجُ أتُخْرِجُونَ رَجُلًا يَكْسِبُ المَعْدُومَ ويَصِلُ الرَّحِمَ ويَحْمِلُ الكَلَّ ويَقْرى الضَّيْفَ ويُعِينُ عَلى نَوائِبِ الحَقِّ فَأنْفَذَتْ قُرَيْشٌ جِوارَ ابْنِ الدَّغِنَةِ وأمَّنُوا أبا بَكْرٍ وقالُوا لِابْنِ الدَّغِنَةِ: مُرْ أبا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ في دارِهِ ولْيُصَلِّ فِيهِ ما شاءَ ولْيَقْرَأْ ما شاءَ ولا يُؤْذِينا ولا يَسْتَعْلِنْ بِالصَّلاةِ والقِراءَةِ في غَيْرِ دارِهِ فَفَعَلَ ثُمَّ بَدا لِأبِي بَكْرٍ فابْتَنى مَسْجِدًا بِفِناءِ دارِهِ فَكانَ يُصَلِّي فِيهِ ويَقْرَأُ فَيَتَقَصَّفُ عَلَيْهِ نِساءُ المُشْرِكِينَ وأبْناؤُهم يَعْجَبُونَ مِنهُ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ، وكانَ رَجُلًا بَكّاءً لا يَمْلِكُ دَمْعَهُ حِينَ يَقْرَأُ القُرْآنَ فَأفْزَعُ ذَلِكَ أشْرافَ قُرَيْشٍ فَأرْسَلُوا إلى ابْنِ الدَّغِنَةِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فَقالُوا: إنَّما أجَرْنا أبا بَكْرٍ عَلى أنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ في دارِهِ وإنَّهُ جاوَزَ ذَلِكَ فابْتَنى مَسْجِدًا بِفِناءِ دارِهِ وأعْلَنَ بِالصَّلاةِ والقِراءَةِ وإنّا خَشِينا أنْ يُفْتَتَنَ نِساؤُنا وأبْناؤُنا فَإنْ أحَبَّ أنْ يَقْتَصِرَ عَلى أنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ في دارِهِ فَعَلَ وإنْ أبى إلّا أنْ يُعْلِنَ ذَلِكَ فَسَلْهُ أنْ يَرُدَّ إلَيْكَ ذِمَّتَكَ، فَإنّا قَدْ كَرِهْنا أنْ نُخْفِرَكَ ولَسْنا مُقِرِّينَ لِأبِي بَكْرٍ الِاسْتِعْلانَ فَأتى ابْنُ الدَّغِنَةِ أبا بَكْرٍ فَقالَ: يا أبا بَكْرٍ قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ فَإمّا أنْ تَقْتَصِرَ عَلى ذَلِكَ وإمّا أنْ تَرُدَّ إلى ذِمَّتِي فَإنِّي لا أُحِبُّ أنْ تَسْمَعَ العَرَبُ أنِّي أُخْفِرْتُ في عَقْدِ رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: فَإنِّي أرُدُّ إلَيْكَ جِوارَكَ وأرْضى بِجِوارِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ، قالَ لِلْمُسْلِمِينَ: قَدْ أرَيْتُ دارَ هِجْرَتِكم أرَيْتُ سَبْخَةً ذاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لابَتَيْنِ وهُما حَرَّتانِ، فَهاجَرَ مَن هاجَرَ قِبَلَ المَدِينَةِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ وتَجَهَّزَ أبُو بَكْرٍ مُهاجِرًا فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: عَلى رِسْلِكَ فَإنِّي أرْجُو أنْ يُؤْذَنَ لِي.
فَقالَ أبُو بَكْرٍ: وتَرْجُو ذَلِكَ بِأبِي أنْتَ؟
قالَ: نَعَمْ، فَحَبَسَ أبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِصُحْبَتِهِ وعَلَفَ راحِلَتَيْنِ كانَتا عِنْدَهُ ورَقَ السَّمُرِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، فَبَيْنَما نَحْنُ جُلُوسٌ في بَيْتِنا في نَحْرِ الظَّهِيرَةِ قالَ قائِلٌ لِأبِي بَكْرٍ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُقْبِلًا في ساعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينا فِيها فَقالَ أبُو بَكْرٍ: فَداهُ أبِي وأُمِّي إنْ جاءَ بِهِ في هَذِهِ السّاعَةِ إلّا أمْرٌ، فَجاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فاسْتَأْذَنَ مَن عِنْدَكَ؟
فَقالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّما هم أهْلُكَ بِأبِي أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: فَإنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي بِالخُرُوجِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: فالصَّحابَةَ بِأبِي أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: نَعَمْ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: فَخُذْ بِأبِي أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ إحْدى راحِلَتَيَّ هاتَيْنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: بِالثَّمَنِ، قالَتْ عائِشَةُ: فَجَهَّزْناهُما أحَثَّ الجِهازَ فَصَنَعْنا لَهُما سُفْرَةً في جِرابٍ فَقَطَعَتْ أسْماءُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ مِن نِطاقِها فَأوْكَأتْ بِهِ الجِرابَ فَلِذَلِكَ كانَتْ تُسَمّى ذاتَ النِّطاقِ، ولَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَوَأبُو بَكْرٍ بِغارٍ في جَبَلٍ يُقالُ لَهُ ثَوْرٌ، فَمَكَثا فِيهِ ثَلاثَ لَيالٍ يَبِيتُ عِنْدَهُما عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي بَكْرٍ وهو غُلامٌ شابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ فَيَخْرُجُ مِن عِنْدِهِما سَحَرًا فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبائِتٍ فَلا يَسْمَعُ أمْرًا يُكادانِ بِهِ إلّا وعاهُ حَتّى يَأْتِيَهُما بِخَبَرِ ذَلِكَ حَتّى يَخْتَلِطَ الظَّلامُ ويَرْعى عَلَيْهِما عامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلًى لِأبِي بَكْرٍ مَنِيحَةً مِن غَنَمٍ، فَيُرِيحُها عَلَيْهِما حِينَ يَذْهَبُ بِغَلَسٍ ساعَةً مِنَ اللَّيْلِ، فَيَبِيتانِ في رِسْلِها حَتّى يَنْعَقَ بِها عامِرٌ بِغَلَسٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ مِن تِلْكَ اللَّيالِي الثَّلاثِ، واسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَجُلًا مِنَ الدِّئْلِ مِن بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ هادِيًا خِرِّيتًا، قَدْ غَمَسَ يَمِينَ حِلْفٍ في آلِ العاصِ بْنِ وائِلٍ وهو عَلى دِينِ كُفّارِ قُرَيْشٍ فَأمِناهُ فَدَفَعا إلَيْهِ راحِلَتَيْهِما، وواعَداهُ غارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلاثٍ فَأتاهُما بِراحِلَتَيْهِما صَبِيحَةَ ثَلاثِ لَيالٍ، فَأخَذَ بِهِمْ طَرِيقَ أذاخِرَ وهو طَرِيقُ السّاحِلِ» " الحَدِيثَ بِطُولِهِ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى فَضْلِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما فِيهِ، وهو نَصٌّ في أنَّ تَجْهِيزَهُما كانَ في بَيْتِ أبِي بَكْرٍ وأنَّ الرّاحِلَتَيْنِ كانَتا لَهُ، وذُكِرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَقْبَلْ إحْداهُما إلّا بِالثَّمَنِ يَرُدُّ عَلى الرّافِضِيِّ زَعْمَ تُهْمَةِ الصَّدِيقَةِ وحاشاها في الحَدِيثِ.
هَذا ومَن أحاطَ خَبَرًا بِأطْرافِ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الكَلامِ في هَذا المَقامِ عَلِمَ أنَّ قَوْلَهُ: كانَ شَيْئًا وراءَ ذَلِكَ فَبَيَّنُوهُ لَنا حَتّى نَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ ناشِئٌ عَنْ مُحْصِ الجَهْلِ أوِ العِنادِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ.
وبِالجُمْلَةِ إنَّ الشِّيعَةَ قَدِ اجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهم عَلى الكُفْرِ بِدَلالَةِ الآيَةِ عَلى فَضْلِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ويَأْبى اللَّهُ تَعالى إلّا أنْ يَكُونَ كَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وكَلِمَتُهُ هي العُلْيا.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ، يعني: إن لم تنصروه ولم تخرجوا معه إلى غزوة تبوك، فالله ينصره كما نصره، إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: كفار مكة من مكة.
ثانِيَ اثْنَيْنِ، يعني: كان واحداً من اثنين، يعني: رسول الله وأبا بكر ولم يكن معهما غيرهما، فنصرهما الله تعالى.
إِذْ هُما فِي الْغارِ وذلك حين أراد أهل مكة قتله، فهاجر النبيّ من مكة إلى المدينة فجاء النبيّ إلى بيت أبي بكر فلم يجده، فجلس إلى أن جاء أبو بكر، فقبّل رأس النبيّ فقال: ما لك، بأبي أنت وأمي.
قال: «مَا أَرَى قُرَيْشاً إِلاَّ قَاتِلِيَّ» .
فقال أبو بكر: دمي دون دمك، ونفسي دون نفسك، لا يصنع بك شيء، حتى يبدأ بي.
فقال: «اخْلُ بِي» .
قال أبو بكر: ليس بك عين، إنَّما هما ابنتاي أسماء وعائشة.
قال: «قَدْ أُذِنَ لِي بِالخُرُوجِ» مِنْ مَكَّة.
فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن عندي بعيرين حبستهما للخروج، فخذ إحداهما واركبه.
قال: «لاَ آخُذُهُ إِلاَّ بِالثَّمَنِ» فأخذه بالثمن، وهي ناقته القصواء.
فأمر النبيّ علي بن أبي طالب بأن يبيت مكانه، وخرج النبيّ ومعه أبو بكر، حتى أتيا ثورا، جبلا بأسفل مكة (١) قال الفقيه: حدّثنا أبو جعفر قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن سهل القاضي قال: حدثنا يحيى بن أبي طالب، عن عبد الرحمن بن إبراهيم الرازي قال: حدثنا الفرات، عن ميمون بن مهران، عن ضبّة بن محصن، عن أمير المؤمنين عمر أنه قال: «والله لليلة من أبي بكر خير من عمر وآله» .
قيل: وأيه ليلة هي؟
قال: «لما خرج رسول الله هارباً من أهل مكة ليلاً، فتبعه أبو بكر، فجعل أبو بكر يمشي مرّة أمامه ومرة خلفه، ومرةٌ عن يمينه، ومرةٌ عن يساره، فقال له رسول الله : «مَا هذا يَا أَبَا بَكْرٍ؟» قال: يا رسول الله، أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون خلفك، ومرة عن يمينك وعن يسارك، لا آمن عليك» .
قال: «فمشى رسول الله ليلته على أطراف أصابعه، حتى حفيت، فلما رآها أبو بكر أنها قد حفيت، حمله على عاتقه وجعل يشتد به، حتى أتى فم الغار فأنزله ثمّ قال: والذي بعثك بالحق نبياً، لا تدخله حتى أدخله أنا، فإن كان من شيء نزل بي قبلك.
فدخل فلم ير شيئاً، فحمله وأدخله» (٢) وقال في رواية محمد بن إسحاق: «كان الغار معروفاً بالهوام، فجعل أبو بكر يسد الجحر، حتى بقي جحران، فوضع عقبيه عليهما حتى أصبح.
وقال في رواية عمر: «وكان في الغار خرق فيه حيات، فخشي أبو بكر أن يخرج منه شيء يؤذي رسول الله ، فألقمه قدمه فجعلن يضربنه ويلسعنه، وجعلت الدموع تنحدر على خده من شدة الألم الذي يجده ورسول الله يقول: لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ يعني: الطمأنينة لأبي بكر» ، وهذه ليلته.
قال الفقيه: حدّثنا الفقيه أبو جعفر قال: حدثنا أبو بكر القاضي قال: حدثنا أحمد بن جرير قال: حدثنا عمرو بن عليّ قال: حدثنا عون بن عمرو القيسي، عن مصعب المكي قال: أدركت زيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة وأنس بن مالك، يذكرون النبي ليلة الغار، أمر الله تعالى شجرة فخرجت في وجه النبيّ ، فسترت وجه النبيّ ، وإن الله تعالى بعث العنكبوت، فنسجت ما بينهما، فسترت وجه رسول الله ، وأمر الله تعالى حمامتين وحشيتين، فأقبلتا تزقان، حتى وقفتا بين العنكبوت وبين الشجرة، فأقبلت فتيان قريش من كل بطن، معهم عصيهم وقسيهم وهراواتهم، حتى إذا كانوا من النبيّ على قدر مائتي ذراع قال الدليل سراقة بن مالك: انظروا في هذا الحجر، ثم قال: أين وضع رجله؟
قال الفتيان: أنت لم تخطئ منذ الليلة أثره، حتى إذا أصبحنا قال للفتيان: انظروا إلى فم الغار- فاستقدم القوم حتى إذا كانوا من النبيّ على قدر خمسين ذراعا نظروا فإذا حمامتان وحشيتان بغم الغار (٣) رأينا حمامتين وحشيتين بفم الغار فعرفنا أنه ليس فيه أحد.
فسمعهم النبي ، فعرف أن الله درأ بهما عنه، فشمّت لهما، يعني: بارك عليهما، وأحرزهما الله تعالى في الحرم، فأفرختا كما هما إلى الآن (٤) وفي خبر آخر زيادة: وقد كان أمر أبو بكر عامر بن فهيرة أن يريح إليه غنمه بثور، وكان يريح إليهما غنمه، وكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما بأخبار أهل مكة، فكانا فيه ثلاث ليال، وكانا يريحان الغنم ويحلبان كل ليلة ما أرادا.
فلما نفدوا من الالتماس وجاءهم عبد الله بن أبي بكر فأخبرهم بذلك، فخرج رسول الله وأبو بكر وعامر بن فهيرة، واستأجر رجلاً من بني الدّيل يهديهم الطريق، يقال له عبد الله بن أريقط، أخذ بهم أسفل مكة حتى خرجوا قريباً من جدة.
ثم عارضوا الطريق قريباً من عسفان، ففطن سراقة بن مالك بن جعثم آثارهم، فلبس لأمته، وركب فرسه حتى أدرك رسول الله .
فدعا عليه رسول الله فرسخت قوائم فرسه فقال: يا محمد ادع الله أن يطلق فرسي، فإني أرى الحي قد التمسوني، فأن أكون وراءك خير لك فأرد عنك من ورائي من الناس.
فقال رسول الله : «اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ صَادِقاً فَأَطْلِقْ فَرَسَهُ» فانطلق فرسه.
فقال: يا محمد خذ سهماً من كنانتي، فمر به على إبلي، فإن أردت حمولة فخذ، وإن أردت لبونا فخذ.
فرجع سراقة فوجد الناس يلتمسون رسول الله ، قال لهم: ارجعوا فقد استبرأت لكم ما هاهنا، وقد عرفتم من بصيرتي وقفوّي بالآثار.
قال: فرجعوا عنه، فقدم النبيّ مع أبي بكر المدينة، فذلك قوله: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ.
قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا وإنما كان أبو بكر يخاف على نفس رسول الله ، وعلى ذهاب التوحيد والإسلام، لا على نفسه إِنَّ اللَّهَ مَعَنا في الدفع عنا.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ، يعني: طمأنينته عَلَيْهِ.
يعني: طمأنينته على أبي بكر.
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس ما قال في رواية الكلبي فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ يعني: «على رسول الله ، حتى سكن واطمأن» .
قال: حدثنا الفقيه أبو جعفر قال: حدّثنا أحمد بن محمد الحاكم القاضي قال: حدثنا أحمد بن جرير قال: حدّثنا الحسن بن عرفة قال: حدثنا أبو سوار، عن أبي العطوف، عن الزهري قال قال: رسول الله لحسان بن ثابت الأنصاري: «هَلْ قُلْتَ فِي أَبِي بَكْرٍ شَيْئَاً؟» قال: نعم.
قال: «فَقُلْ حَتَّى أَسْمَعَ» ، فقال: وَثَانِيَ اثْنَيْنِ فِي الْغَارِ المُنِيفِ وَقَد ...
طَافَ الْعَدُوُّ بِهِ إذْ يَصْعَدُ الْجَبَلا وَكَانَ حِبَّ رَسُول الله قَدْ عَلِمُوا ...
مِنَ الْبَرِيَّةِ لَمْ يَعْدِلْ بِهِ رجلا قال: فضحك رسول الله ، حتى بدت نواجذه وقال: «صَدَقْتَ يَا حَسَّانُ، هُوَ كَمَا قُلْتَ» (٥) ثم قال تعالى: وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها، يعني: يوم بدر والأحزاب وحنين وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى، يعني: الشرك بالله.
وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا، يعني: شهادة أن لا إله إلا الله.
قرأ الأعمش ويعقوب الحضرمي وَكَلِمَةُ اللَّهِ بالنصب، يعني: وجعل كلمة الله.
وقراءة العامة بالضم على معنى الاستئناف وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ حكم بإظهار التوحيد وإطفاء دعوة المشركين.
(١) من حديث عائشة: «أخرجه البخاري (2297) و (3905) وأحمد: 6/ 198.
(٢) عزاه السيوطي: 4/ 197 إلى البيهقي في الدلائل.
(٣) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .
(٤) عزاه السيوطي 4/ 200 إلى ابن مردويه و 4/ 201 إلى ابن سعد وابن مردويه.
(٥) عزاه السيوطي 4/ 199 إلى ابن عدي وابن عساكر.
<div class="verse-tafsir"
، هذه الآيةُ بلا خلافٍ أنها نزلَتْ عتاباً على تخلّف من تخلّف عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في غزوة تَبُوكَ، وكانَتْ سنةَ تسْعٍ من الهجرةِ بعد/ الفَتْح بعامٍ، غزا فيها الرُّوم في عِشْرينَ ألْفاً بين راكبٍ وراجلٍ، والنَّفْر: هو التنقُّل بسرعة من مكانٍ إلى مكانٍ، وقوله: «أثاقلتم» أصله تَثَاقَلْتُمْ، وكذلك قرأ الأعمش «١» وهو نحو قوله: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ [الأعراف:
١٧٦] وقوله: أَرَضِيتُمْ تقريرٌ، والمعنى: أرضيتمْ نَزْرَ الدنيا، على خطير الآخرةِ، وحَظِّها الأَسْعَد.
قَالَ ابنُ هِشامٍ ف «مِنْ» من قوله: مِنَ الْآخِرَةِ للبدل.
انتهى.
ثم أخبر سبحانه، أنَّ الدنيا بالإِضافة إِلى الآخرة قليلٌ نَزْرٌ، فتعطي قُوةُ الكلام التعجُّبَ مِنْ ضلالِ مَنْ يرضَى النزْرَ الفانِيَ بَدَل الكثير الباقي.
ت: وفي «صحيح مُسْلم» و «الترمذي» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَا الدُّنْيَا في الآخرة إِلاَّ مَثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَاذَا تَرْجعٌ» .
قال أبو عيسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
انتهى «٢» .
وقوله سبحانه: إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ: شرطٌ وجوابٌ، ولفظُ «العذاب» عامٌّ يدخل تحته أنواعُ عذابِ الدنيا والآخرة.
وقوله: وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ: تَوعُّدٌ بأن يبدل لرسوله عليه السلام قوماً لا يقعدون عند استنفاره إِياهم، والضميرُ في قوله: وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً عائدٌ على اللَّه عزَّ وجلَّ، ويحتمل أن يعود على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو أليق.
وقوله سبحانه: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ هذا أيضاً شرطٌ وجوابٌ، ومعنى الآية:
إِنكم إِن تركتم نَصْره، فاللَّه متكفِّل به إِذ قد نصره في موضع القلَّة والانفراد وكثرةِ العدو، ولَنْ يترك نَصْرَهُ الآن.
وقوله: إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، أسند الإخراج إِليهم تذنيباً لهم، ولما كان مَقْصِدُ أبي سفيان بن الحارثِ الفَخْرَ في قوله: من طردت كل مطرد، لم يقرّه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عَلَى ما عُلِمَ في كتب «السِّيرَةِ» ، والإِشارةُ إلى خروج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مِنْ مكَّة إلى المدينة، وفي صحبته أبو بكر، واختصار القصّة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان ينتظر إِذْنَ اللَّه سبحانه في الهِجْرة من مكَّة، وكان أبو بَكْر حينَ تَرَكَ ذمَّة ابنِ الدِّغِنَّةِ قد أراد الخروجَ، فقال له النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:
«اصبر، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُسَهِّلَ الصُّحْبَةَ» فَلَمَّا أَذِنَ اللَّه لنبيِّه في الخروج، تجهَّز مِنْ دار أبي بَكْر، وخَرَجَا، فبقيا في الغار الذي في جَبَلِ ثَوْرٍ في غَرْبِيِّ مَكَّة ثلاثَ ليالٍ، وخرج المشركُونَ في إِثرهِمْ حتى انتهوا إِلى الغار، فَطَمَسَ اللَّهُ عَلَيْهِم الأَثَرَ، وقال أبو بكر للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: لَوْ نَظَر أَحَدُهُمْ إِلى قدمه، لرآنَا، فَقَالَ له النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَا ظَنُّكَ باثنين اللَّهُ ثَالِثُهُمَا» «١» هكذا في الحديث الصحيحِ، ويروَى أن العنكبوتَ نَسَجَتْ على باب الغَار.
ويُرْوَى أن الحمامة عشَّشَتْ عند باب الغارِ، وكان يروحُ عليهما باللَّبَنِ عامرُ بْنُ فُهَيْرَةَ «٢» .
وقوله: ثانِيَ اثْنَيْنِ، معناه: أحد اثنين، وقوله: إِنَّ اللَّهَ مَعَنا، يريد: بالنصر والنجاة واللُّطْف.
وقوله سبحانه: وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا، قيل: يريد: لا إله إِلا اللَّه، وقيل: الشرع بأسره.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا تَنْصُرُوهُ ﴾ أيْ: بِالنَّفِيرِ مَعَهُ ﴿ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ﴾ إعانَةٌ عَلى أعْدائِهِ؛ ﴿ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ حِينَ قَصَدُوا إهْلاكَهُ عَلى ما شَرَحْنا في قَوْلِهِ: ﴿ وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فَأعْلَمَهم أنَّ نَصْرَهُ لَيْسَ بِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثانِيَ اثْنَيْنِ ﴾ العَرَبُ تَقُولُ: هو ثانِيَ اثْنَيْنِ، أيْ: أحَدُ الِاثْنَيْنِ، وثالِثُ ثَلاثَةٍ، أيْ: أحَدُ الثَّلاثَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ: ﴿ ثانِيَ اثْنَيْنِ ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ؛ المَعْنى: قَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ أحَدَ اثْنَيْنِ، أيْ: نَصَرَهُ مُنْفَرِدًا إلّا مِن أبِي بَكْرٍ.
وَهَذا مَعْنى قَوْلِ الشَّعْبِيِّ: عاتَبَ اللَّهُ أهْلَ الأرْضِ جَمِيعًا في هَذِهِ الآَيَةِ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ.
وَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى: أخْرَجُوهُ وهو أحَدُ الِاثْنَيْنِ، وهُما رَسُولُ اللَّهِ وأبُو بَكْرٍ.
فَأمّا الغارُ، فَهو ثُقْبٌ في الجَبَلِ، وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الغارُ: الكَهْفُ، والغارُ: نَبْتٌ طَيِّبُ الرِّيحِ، والغارُ: الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ، والغارانِ: البَطْنُ والفَرْجُ، وهُما الأجْوَفانِ، يُقالُ: إنَّما هو عَبْدُ غارَيْهِ.
قالَ الشّاعِرُ: ألَمْ تَرَ أنَّ الدَّهْرَ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ وأنَّ الفَتى يَسْعى لَغارَيْهِ دائِبًا قالَ قَتادَةُ: وهَذا الغارُ في جَبَلٍ بِمَكَّةَ يُقالُ لَهُ: ثَوْرٌ.
قالَ مُجاهِدٌ: مَكَثا فِيهِ ثَلاثًا.
وقَدْ ذَكَرْتُ حَدِيثَ الهِجْرَةِ في كِتابِ "الحَدائِقِ" .
قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: أمَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ شَجَرَةً فَنَبَتَتْ في وجْهِ رَسُولِ اللَّهِ فَسَتَرَتْهُ، وأمَرَ العَنْكَبُوتَ فَنَسَجَتْ في وجْهِهِ، وأمَرَ حَمامَتَيْنِ وحْشِيَّتَيْنِ فَوَقَعَتا في فَمِ الغارِ، فَلَمّا دَنَوْا مِنَ الغارِ، عَجِلَ بَعْضُهم لَيَنْظُرَ، فَرَأى حَمامَتَيْنِ، فَرَجَعَ فَقالَ: رَأيْتُ حَمامَتَيْنِ عَلى فَمِ الغارِ، فَعَلِمْتُ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أحَدٌ.
وقالَ مُقاتِلٌ: جاءَ القائِفُ فَنَظَرَ إلى الأقْدامِ فَقالَ: هَذِهِ قَدَمُ ابْنِ أبِي قُحافَةَ، والأُخْرى لا أعْرِفُها، إلّا أنَّها تُشْبِهُ القَدَمَ الَّتِي في المَقامِ.
وصاحَبَهُ في هَذِهِ الآَيَةِ أبُو بَكْرٍ، وكانَ أبُو بَكْرٍ قَدْ بَكى لَمّا مَرَّ المُشْرِكُونَ عَلى بابِ الغارِ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ "ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما"؟
وَفِي السِّكِّينَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الرَّحْمَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الوَقارُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: السُّكُونُ والطُّمَأْنِينَةُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وهو أصْحُّ.
وَفِي هاءِ "عَلَيْهِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى أبِي بَكْرٍ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وحَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ.
واحْتَجَّ مَن نَصَرَ هَذا القَوْلَ بِأنَّ النَّبِيَّ كانَ مُطَمْئِنًا.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى النَّبِيِّ ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّ الهاءَ هاهُنا في مَعْنى تَثْنِيَةٍ، والتَّقْدِيرُ: فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِما، فاكْتَفى بِإعادَةِ الذِّكْرِ عَلى أحَدِهِما مِن إعادَتِهِ عَلَيْهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿ واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ﴾ ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأيَّدَهُ ﴾ أيْ: قَوّاهُ، يَعْنِي النَّبِيَّ بِلا خِلافٍ.
﴿ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها ﴾ وهُمُ المَلائِكَةُ.
ومَتى كانَ ذَلِكَ؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَوْمُ بَدْرٍ، ويَوْمُ الأحْزابِ، ويَوْمُ حُنَيْنٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: لَمّا كانَ في الغارِ، صَرَفَتِ المَلائِكَةُ وُجُوهَ الكُفّارِ وأبْصارَهم عَنْ رُؤْيَتِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
فَإنْ قِيلَ: إذا وقَعَ الِاتِّفاقُ أنَّ هاءَ الكِنايَةِ في "أيَّدَهُ" تَرْجِعُ إلى النَّبِيِّ ، فَكَيْفَ تُفارِقُها هاءُ "عَلَيْهِ" وهُما مُتَّفِقَتانِ في نَظْمِ الكَلامِ؟
فالجَوابُ: أنَّ كُلَّ حَرْفٍ يُرَدُّ إلى الألْيَقِ بِهِ، والسَّكِينَةُ إنَّما يَحْتاجُ إلَيْها المُنْزَعِجُ، ولَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ مُنْزَعِجًا.
فَأمّا التَّأْيِيدُ بِالمَلائِكَةِ، فَلَمْ يَكُنْ إلّا لَلنَّبِيِّ ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ ﴾ يَعْنِي النَّبِيَّ (وَتُسَبِّحُوهُ) يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى ﴾ فِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ كَلِمَةَ الكافِرِينَ الشِّرْكُ، جَعَلَها اللَّهُ السُّفْلى لِأنَّها مَقْهُورَةٌ، وكَلِمَةُ اللَّهِ وهي التَّوْحِيدُ، هي العُلْيا، لِأنَّها ظَهَرَتْ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
والثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ الكافِرِينَ ما قَدَّرُوا بَيْنَهم في الكَيْدِ بِهِ لَيَقْتُلُوهُ، وكَلِمَةُ اللَّهِ أنَّهُ ناصِرُهُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ويَعْقُوبُ: "وَكَلِمَةَ اللَّهِ" بِالنَّصْبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ عَزِيزٌ ﴾ أيْ: في انْتِقامِهِ مِنَ الكافِرِينَ (حَكِيمٌ) في تَدْبِيرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللهُ مَعَنا فَأنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُفْلى وكَلِمَةُ اللهُ هي العُلْيا واللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ هَذا أيْضًا شَرْطٌ وجَوابٌ والجَوابُ في الفاءِ مِن قَوْلِهِ: "فَقَدْ" وفِيما بَعْدَها، قالَ النَقّاشُ: هَذِهِ أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِن سُورَةِ التَوْبَةِ، ومَعْنى الآيَةِ: إنَّكم إنْ تَرَكْتُمْ نَصْرَهُ فاللهُ مُتَكَفِّلٌ بِهِ، إذْ قَدْ نَصَرَهُ في مَوْضِعِ القِلَّةِ والِانْفِرادِ وكَثْرَةِ العَدُوِّ، فَنَصْرُهُ إيّاهُ اليَوْمَ أحْرى مِنهُ حِينَئِذٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يُرِيدُ: فَعَلُوا مِنَ الأفاعِيلِ ما أدّى إلى خُرُوجِهِ، وأسْنَدَ الإخْراجَ إلَيْهِمْ إذِ المَقْصُودُ تَذْنِيبُهُمْ، ولَمّا كانَ مَقْصِدُ أبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثِ الفَخْرَ في قَوْلِهِ: "مَن طَرَّدْتُ كُلَّ مُطَّرَدِ" لَمْ يُقَرِّرْهُ النَبِيُّ ، والإشارَةُ إلى خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، وفي صُحْبَتِهِ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، واخْتِصارُ القِصَّةِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ كانَ يَنْتَظِرُ أمْرَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في الهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ، وكانَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ تَرَكَ ذِمَّةَ ابْنِ الدُغُنَّةِ قَدْ أرادَ الخُرُوجَ مِن مَكَّةَ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ : "اصْبِرْ فَلَعَلَّ اللهَ أنْ يُسَهِّلَ في الصُحْبَةِ"، فَلَمّا أذِنَ اللهُ لِرَسُولِهِ في الخُرُوجِ تَجَهَّزَ مِن دارِ أبِي بَكْرٍ وخَرَجا فَبَقِيا في الغارِ الَّذِي في جَبَلٍ ثَوْرٍ في غَرْبِيِّ مَكَّةَ ثَلاثَ لَيالٍ، وخَرَجَ المُشْرِكُونَ في أثَرِهِمْ حَتّى انْتَهَوْا إلى الغارِ، فَطُمِسَ عَلَيْهِمُ الأثَرُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ : "لَوْ نَظَرَ أحَدُهم إلى قَدَمِهِ لَرَآنا"، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ : "ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثالِثُهُما"؟» ويُرْوى أنَّ العنكَبُوتَ نَسَجَتْ عَلى بابِ الغارِ، ويُرْوى أنَّ الحَمامَةَ عَشَّشَتْ عِنْدَ بابِ الغارِ، ويُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ أمَرَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنْ يَجْعَلَ ثُمامًا في بابِ الغارِ فَتَخَيَّلَهُ المُشْرِكُونَ نابِتًا وصَرَفَهُمُ اللهُ عنهُ، ووَقَعَ في "الدَلائِلِ" في حَدِيثِ النَبِيِّ أنَّهُ نَبَتَتْ عَلى بابِ الغارِ "راءَةٌ" أمَرَها اللهُ بِذَلِكَ في الحِينِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: جَمْعُها "راءٌ" وهي مِن نَباتِ السَهْلِ.
ورُوِيَ «أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لَمّا دَخَلَ الغارَ خَرَقَ رِداءَهُ فَسَدَّ بِهِ كُواءَ الغارِ لِئَلّا يَكُونَ فِيها حَيَوانٌ يُؤْذِي النَبِيَّ ،» ورُوِيَ أنَّهُ بَقِيَتْ واحِدَةٌ فَسَدَّها بِرِجْلِهِ فَوَقى اللهُ تَعالى، وكانَ يَرُوحُ عَلَيْهِما بِاللَبَنِ عامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلى أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ ثانِيَ اثْنَيْنِ ﴾ مَعْناهُ: أحَدُ اثْنَيْنِ، وهَذا كَثالِثِ ثَلاثَةٍ ورابِعِ أرْبَعَةٍ، فَإذا اخْتَلَفَ اللَفْظُ فَقُلْتَ: "رابِعَ ثَلاثَةٍ فالمَعْنى: صَيَّرَ الثَلاثَةَ بِنَفْسِهِ أرْبَعَةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ثانِيَ اثْنَيْنِ" بِنَصْبِ الياءِ مِن "ثانِي".
قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يُعْرَفُ غَيْرُ هَذا، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ثانِي اثْنَيْنِ" بِسُكُونِ الياءِ مِن "ثانِي"، قالَ أبُو الفَتْحِ: حَكاها أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ سَكَّنَ الياءَ تَشْبِيهًا لَها بِالألِفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذِهِ كَقِراءَةِ: "ما بَقِيَ مِنَ الرِبا" وكَقَوْلِ جَرِيرٍ: هو الخَلِيفَةُ فارْضَوْا ما رَضِيَ لَكُمُ ∗∗∗ ماضِي العَزِيمَةِ ما في حُكْمِهِ جَنَفُ وصاحِبُهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ورُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِدِّيقَ قالَ يَوْمًا وهو عَلى المِنبَرِ: أيُّكم يَحْفَظُ سُورَةَ التَوْبَةِ؟
فَقالَ رَجُلٌ: أنا، فَقالَ: اقْرَأْ، فَقَرَأ، فَلَمّا انْتَهى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللهَ مَعَنا ﴾ بَكى وقالَ: أنا واللهِ صاحِبُهُ، وقالَ اللَيْثُ: ما صَحِبَ الأنْبِياءَ مِثْلُ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: خَرَجَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِنَ المُعاتَبَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا تَنْصُرُوهُ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أقُولُ: بَلْ خَرَجَ مِنها كُلُّ مَن شاهَدَ غَزْوَةَ تَبُوكَ ولَمْ يَتَخَلَّفْ، وإنَّما المُعاتَبَةُ لِمَن تَخَلَّفَ فَقَطْ، أما إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُنَوِّهَةٌ بِأبِي بَكْرٍ حاكِمَةٌ بِتَقَدُّمِهِ وسابِقَتِهِ في الإسْلامِ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللهَ مَعَنا ﴾ يُرِيدُ بِهِ النَصْرَ والإنْجاءَ واللُطْفَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ﴾ الآيَةُ، قالَ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ: الضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى أبِي بَكْرٍ لِأنَّ النَبِيَّ لَمْ يَزَلْ ساكِنَ النَفْسِ ثِقَةً بِاللهِ عَزَّ وجَلَّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلُ مَن لَمْ يَرَ السَكِينَةَ إلّا سُكُونَ النَفْسِ والجَأْشِ، وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى النَبِيِّ ، وهَذا أقْوى، والسَكِينَةُ عِنْدِي إنَّما هي ما يُنْزِلُ اللهُ عَلى أنْبِيائِهِ مِنَ الحِياطَةِ لَهم والخَصائِصِ الَّتِي لا تَصْلُحُ إلّا لَهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ فَأنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ يُرادُ بِهِ ما صَنَعَهُ اللهُ لِنَبِيِّهِ إلى وقْتِ تَبُوكَ مِنَ الظُهُورِ والفُتُوحِ، لا أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ تَخْتَصُّ بِقِصَّةِ الغارِ والنَجاةِ إلى المَدِينَةِ، فَعَلى هَذا تَكُونُ الجُنُودُ المَلائِكَةَ النازِلِينَ بِبَدْرٍ وحُنَيْنٍ، ومَن رَأى أنَّ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِتِلْكَ القِصَّةِ قالَ: الجُنُودُ: مَلائِكَةٌ بَشَّرُوهُ بِالنَجاةِ وبِأنَّ الكُفّارَ لا يَنْجَحُ لَهم سَعْيٌ، وفي مُصْحَفِ حَفْصَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: "فَأنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِما وأيَّدَهُما"، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "وَآيَدَهُ" بِألِفَيْنِ، والجُمْهُورُ: "وَأيَّدَهُ" بِشَدِّ الياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُفْلى ﴾ يُرِيدُ بِإدْحارِها ودَحْضِها وإذْلالِها، ﴿ وَكَلِمَةُ اللهِ هي العُلْيا ﴾ قِيلَ: يُرِيدُ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وقِيلَ: الشَرْعُ بِأسْرِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَكَلِمَةُ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، ويَعْقُوبُ: "وَكَلِمَةَ" بِالنَصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: "وَجَعَلَ كَلِمَةَ"، قالَ الأعْمَشُ: ورَأيْتُ في مُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ المَنسُوبِ إلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَجَعَلَ كِلَمَتَهُ هي العُلْيا".
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُواْ ثَانِيَ اثنين إِذْ هُمَا فِى الغار إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا ﴾ .
استئناف بياني لقوله: ﴿ ولا تضروه شيئاً والله على كل شيء قدير ﴾ [التوبة: 39] لأنّ نفي أن يكون قعودهم عن النفير مُضرّاً بالله ورسولِه، يثير في نفس السامع سؤالاً عن حصول النصر بدون نصير، فبيّن بأنّ الله ينصره كما نصره حين كان ثاني اثنين لا جيش معه، فالذي نصره حين كان ثاني اثنين قدير على نصره وهو في جيش عظيم، فتبيّن أنّ تقدير قعودهم عن النفير لا يضرّ الله شيئاً.
والضمير المنصوب ب ﴿ تنصروه ﴾ عائِد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يتقدّم له ذكر، لأنّه واضح من المقام.
وجملة ﴿ فقد نصره الله ﴾ جواب للشرط، جعلت جواباً له لأنّها دليل على معنى الجواب المقدَّر لِكونها في معنى العلّة للجواب المحذوف: فإنّ مضمون ﴿ فقد نصره الله ﴾ قد حصل في الماضي فلا يكون جواباً للشرط الموضوع للمستقبل، فالتقدير: إن لا تنصروه فهو غني عن نصرتكم بنصر الله إيّاه إذ قد نصره في حين لم يكن معه إلا واحد لا يكون به نصر فكما نصره يومئذٍ ينصره حين لا تنصرونه.
وسيجيء في الكلام بيان هذا النصر بقوله: ﴿ فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها ﴾ الآية.
ويتعلّق ﴿ إذ أخرجه ﴾ ب ﴿ نَصَره ﴾ أي زمنَ إخراج الكفارِ إيّاه، أي من مكة، والمراد خروجه مهاجراً.
وأسند الإخراج إلى الذين كفروا لأنّهم تسببوا فيه بأن دبّروا لخروجه غير مرّة كما قال تعالى: ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ﴾ [الأنفال: 30]، وبأن آذوه وضايقوه في الدعوة إلى الدين، وضايقوا المسلمين بالأذى والمقاطعة، فتوفّرت أسباب خروجه ولكنّهم كانوا مع ذلك يتردّدون في تمكينه من الخروج خشية أن يظهر أمر الإسلام بين ظهراني قوم آخرين، فلذلك كانوا في آخر الأمر مصمّمين على منعه من الخروج، وأقاموا عليه من يرقبه وحاولوا الإرسال وراءه ليردّوه إليهم، وجعلوا لمن يظفر به جزاءً جَزلاً، كما جاء في حديث سُراقة بن جُعْشُم.
كتب في المصاحف ﴿ إلاَّ ﴾ من قوله: ﴿ إلا تنصروه ﴾ بهمزة بعدها لام ألف، على كيفية النطق بها مدغمةً، والقياس أن تكتب (إنْ لا) بهمزة فنون فلام ألف لأنّهما حرفان: (إنْ) الشرطية و(لا) النافية، ولكنَّ رسم المصحف سنّة متبعة، ولم تكن للرسم في القرن الأول قواعد متّفق عليها، ومثل ذلك كتب ﴿ إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض ﴾ في سورة الأنفال (73).
وهم كتبوا قوله: ﴿ بل ران ﴾ في سورة المطففين (14) بلام بعد الباء وراء بعدها، ولم يكتبوها بباء وراء مشدّدة بعدها.
وقد أثار رسم إلا تنصروه } بهذه الصورة في المصحف خشية تَوَهُّم مُتوهّم أنّ ﴿ إلاّ ﴾ هي حرف الاستثناء فقال ابن هشام في «مغني اللبيب»: «تنبيه ليس من أقسام (إلاّ)، (إلاّ) التي في نحو ﴿ إلا تنصروه فقد نصره الله ﴾ وإنّما هذه كلمتان (إن) الشرطية و(لا) النافية، ومن العجب أن ابن مالك على إمامته ذكرها في «شرح التسهيل» من أقسام إلاّ، ولم يتبعه الدماميني في شروحه الثلاثة على «المغني» ولا الشمني.
وقال الشيخ محمد الرصاع في كتاب «الجامع الغريب لترتيب آي مغني اللبيب» «وقد رأيت لبعض أهل العصر المشارقة ممن اعتنى بشرح هذا الكتاب أي «التسهيل» أخذ يعتذر عن ابن مالك والانصاف أنّ فيه بعض الإشكال».
وقال الشيخ محمد الأمير في تعليقه على «المغني» «ليس ما في «شرح التسهيل» نصّاً في ذلك وهو يُوهمه فإنّه عَرَّف المستثنى بالمخرَج ب (إلاّ) وقال «واحترزتُ عن (إلا) بمعنى إنْ لم ومثَّل بالآية، أي فلا إخراج فيها».
وقلت عبارة متن «التسهيل» «المستثنى هو المخرج تحقيقاً أو تقديراً من مذكور أو متروك بإلا أو ما بمعناها»، ولم يعرّج شارحه المُرادي ولا شارحه الدماميني على كلامه الذي احترز به في شرحه ولم نقف على شرح ابن مالك على «تسهيله»، وعندي أنّ الذي دعا ابن مالك إلى هذا الاحتراز هو ما وقع للأزهري من قوله: «إلاّ تكون استثناءً وتكون حرف جزاء أصلها «إنْ لا» نقله صاحب «لسان العرب».
وصدوره من مثله يستدعي التنبيه عليه.
و ﴿ ثانيَ اثنين ﴾ حال من ضمير النصب في ﴿ أخرجه ﴾ ، والثاني كلّ من به كان العدد اثنين فالثاني اسم فاعل أضيف إلى الاثنين على معنى ﴿ مِن ﴾ ، أي ثانياً مِن اثنين، والاثنان هما النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر: بتواتر الخبر، وإجماع المسلمين كلّهم.
ولكون الثاني معلوماً للسامعين كلّهم لم يحتج إلى ذكره، وأيضاً لأنّ المقصود تعظيم هذا النصر مع قلّة العدد.
و ﴿ إذْ ﴾ التي في قوله: ﴿ إذ هما في الغار ﴾ بدل من ﴿ إذ ﴾ التي في قوله: ﴿ إذ أخرجه ﴾ فهو زمن واحد وقع فيه الإخراج، باعتبار الخروج، والكونُ في الغار.
والتعريف في الغار للعهد، لغار يعلمه المخاطبون، وهو الذي اختفى فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر حين خروجهما مهاجِريْن إلى المدينة، وهو غارٌ في جبل ثَوْر خارج مكة إلى جنوبيها، بينه وبين مكة نحو خمسة أميال، في طريق جبليّ.
والغار الثقب في التراب أو الصخر.
و ﴿ إذْ ﴾ المضافة إلى جملة ﴿ يقول ﴾ بدل من ﴿ إذ ﴾ المضافة إلى جملة ﴿ هما في الغار ﴾ بدل اشتمال.
والصاحب هو ﴿ ثاني اثنين ﴾ وهو أبو بكر الصديق.
ومعنى الصاحب: المتّصف بالصحبة، وهي المعية في غالب الأحوال، ومنه سمّيت الزوجة صاحبة، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ ولم تكن له صاحبة ﴾ في سورة الأنعام (101).
وهذا القول صدر من النبي لأبي بكر حين كانا مختفيين في غار ثور، فكان أبو بكر حزيناً إشفاقاً على النبي أن يشعر به المشركون، فيصيبوه بمضرّة، أو يرجعوه إلى مكة.
والمعية هنا: معية الإعانة والعناية، كما حكى الله تعالى عن موسى وهارون: ﴿ قال لا تخافا إنني معكما ﴾ [طه: 46] وقوله ﴿ إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم ﴾ [الأنفال: 12].
﴿ فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ السفلى وَكَلِمَةُ الله هِىَ العليا والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .
التفريع مؤذن بأنّ السكينة أنزلت عقب الحُلول في الغار، وأنّها من النصر، إذ هي نصر نفساني، وإنّما كان التأييد بجنود لم يروها نصراً جثمانياً.
وليس يلزم أن يكون نزول السكينة عقب قوله: ﴿ لا تحزن إن الله معنا ﴾ بل إنّ قوله ذلك هو من آثار سكينة الله التي أنزلت عليه، وتلك السكينة هي مظهر من مظاهر نصر الله إيّاه، فيكون تقدير الكلام: فقد نصره الله فأنزل السكينة عليه وأيّده بجنود حين أخرجه الذين كفروا، وحِين كان في الغار، وحين قال لصاحبه: لا تحزن إن الله معنا.
فتلك الظروف الثلاثة متعلّقة بفعل ﴿ نصره ﴾ على الترتيب المتقدّم، وهي كالاعتراض بين المفرّع عنه والتفريع، وجاء نظم الكلام على هذا السبك البديع للمبادأة بالدلالة على أنّ النصر حصل في أزمان وأحوال ما كان النصر ليحصل في أمثالها لغيره لولا عناية الله به، وأنّ نصره كان معجزةً خارقاً للعادة.
وبهذا البيان تندفع الحيرة التي حصلت للمفسّرين في معنى الآية، حتّى أغرب كثير منهم فأرجع الضمير المجرور من قوله: ﴿ فأنزل الله سكينته عليه ﴾ إلى أبي بكر، مع الجزم بأنّ الضمير المنصوب في ﴿ أيّده ﴾ راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنشأ تشتيت الضمائر، وانفكاك الأسلوب بذكر حالة أبي بكر، مع أنّ المقام لذكر ثباتتِ النبي صلى الله عليه وسلم وتأييد الله إيّاه، وما جاء ذكر أبي بكر إلاّ تبعاً لذكر ثبات النبي عليه الصلاة والسلام، وتلك الحيرة نشأت عن جعل ﴿ فأنزل الله ﴾ مفرّعاً على ﴿ إذ يقول لصاحبه لا تحزن ﴾ وألجأهم إلى تأويل قوله: ﴿ وأيده بجنود لم تروها ﴾ إنّها جنود الملائكة يوم بدر، وكلّ ذلك وقوف مع ظاهر ترتيب الجمل، مع الغفلة عن أسلوب النظم المقتضي تقديماً وتأخيراً.
والسكينة: اطمئنان النفس عند الأحوال المخوفة، مشتقّة من السكون، وقد تقدّم ذكرها عند قوله تعالى: ﴿ فيه سكينة من ربكم ﴾ في سورة البقرة (248).
والتأييد: التقوية والنصر، وهو مشتقّ من اسم اليَدِ، وقد تقدّم عند قوله تعالى ﴿ وأيدناه بروح القدس ﴾ في سورة البقرة (87).
والجنود: جمع جند بمعنى الجيش، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ فلما فصل طالوت بالجنود ﴾ في سورة البقرة (249)، وتقدّم آنفاً في هذه السورة.
ثم جوز أن تكون جملة وأيده بجنود } معطوفة على جملة ﴿ فأنزل الله سكينته عليه ﴾ عطف تفسير فيكون المراد بالجنود الملائكة الذين ألقوا الحيرة في نفوس المشركين فصرفوهم عن استقصاء البحث عن النبي صلى الله عليه وسلم وإكثار الطلب وراءهُ والترصّدِ له في الطرق المؤدّية والسبل الموصلة، لا سيما ومن الظاهر أنّه قصد يثرب مهاجَرَ أصحابه، ومدينة أنصاره، فكان سهلاً عليهم أن يرصدوا له طرق الوصول إلى المدينة.
ويحتمل أن تكون معطوفة على جملة ﴿ ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها ﴾ [التوبة: 26].
(والكلمة) أصلها اللفظة من الكلام، ثم أطلقت على الأمر والشأن ونحوِ ذلك من كلّ ما يتحدّث به الناس ويخبر المرءُ به عن نفسه من شأنه، قال تعالى: ﴿ وجعلها كلمة باقية في عقبه ﴾ [الزخرف: 28] (أي أبقى التبرئ من الأصنام والتوحيد لله شأنَ عقبه وشعارهم) وقال ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ﴾ [البقرة: 124] أي بأشياء من التكاليف كذبح ولده، واختتانه، وقال لمريم ﴿ إن الله يبشرك بكلمة منه ﴾ [آل عمران: 45] أي بأمر عجيب، أو بولد عجيب، وقال ﴿ وتمت كلمات ربك صدقاً وعدلاً ﴾ [الأنعام: 115] أي أحكامه ووعوده ومنه قولهم: لا تُفرقْ بين كلمة المسلمين، أي بين أمرهم واتّفاقهم، وجَمع الله كلمة المسلمين، فكلمةُ الذين كفروا شأنهم وكيدهم وما دبروه من أنواع المكر.
ومعنى السفلى الحقيرة لأنّ السُفل يكنّى به عن الحقارة، وعكسه قوله: ﴿ وكلمة الله هي العليا ﴾ فهي الدين وشأن رسوله والمؤمنين، وأشعر قوله: ﴿ وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ﴾ أنّ أمر المشركين كان بمظنّة القوة والشدّة لأنّهم أصحاب عدد كثير وفيهم أهل الرأي والذكاء، ولكنّهم لمّا شاقوا الله ورسوله خذلهم الله وقلب حالهم من علوّ إلى سفل.
وجملة ﴿ وكلمة الله هي العليا ﴾ مستأنفة بمنزلة التذييل للكلام لأنّه لمّا أخبر عن كلمة الذين كفروا بأنّها صارت سفلى أفاد أنّ العَلاء انحصر في دين الله وشأنه.
فضمير الفصل مفيد للقصر، ولذلك لم تعطف كلمة الله على كلمة الذين كفروا، إذ ليس المقصود إفادةَ جعل كلمة اللَّهِ عُليا، لما يُشعر به الجعل من إحداث الحالة، بل إفادةَ أنّ العَلاء ثابت لها ومقصور عليها، فكانت الجملة كالتذييل لجعل كلمة الذين كفروا سفلى.
ومعنى جعلها كذلك: أنّه لمّا تصادمت الكلمتان وتناقضتا بطلت كلمة الذين كفروا واستقرّ ثبوت كلمة الله.
وقرأ يعقوب، وحده ﴿ وكلمةَ الله ﴾ بنصب (كلمة) عطفاً على ﴿ كلمة الذين كفروا السفلى ﴾ فتكون كلمة الله عُليا بجعل الله وتقديره.
وجملة ﴿ والله عزيز حكيم ﴾ تذييل لمضمون الجملتين: لأنّ العزيز لا يغلبه شيء، والحكيم لا يفوته مقصد، فلا جرم تكون كلمته العليا وكلمة ضدّه السفلى.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ﴾ يَعْنِي إلّا تَنْصُرُوا أيُّها النّاسُ النَّبِيَّ بِالنَّفِيرِ مَعَهُ وذَلِكَ حِينَ اسْتَنْفَرَهم إلى تَبُوكَ فَتَقاعَدُوا فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ.
﴿ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي مِن مَكَّةَ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَن يُحامِي عَنْهُ ويَمْنَعُ مِنهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، لِيُعَلِّمَهم بِذَلِكَ أنَّ نَصْرَهُ نَبِيَّهُ لَيْسَ بِهِمْ فَيَضُرُّهُ انْقِطاعُهم وقُعُودُهم، وإنَّما هو مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى فَلَمْ يَضُرُّهُ قُعُودُهم عَنْهُ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِإرْشادِهِ إلى الهِجْرَةِ حَتّى أغْناهُ عَنْ مَعُونَتِهِمْ.
والثّانِي: بِما تَكَفَّلَ بِهِ مِن إمْدادِهِ بِمَلائِكَتِهِ.
﴿ ثانِيَ اثْنَيْنِ ﴾ أيْ أحَدَ اثْنَيْنِ، ولِلْعَرَبِ في هَذا مَذْهَبٌ أنْ تَقُولَ خامِسَ خَمْسَةٍ أيْ أحَدُ خَمْسَةٍ.
﴿ إذْ هُما في الغارِ ﴾ يَعْنِي النَّبِيَّ وأبا بَكْرٍ حِينَ خَرَجا مِن مَكَّةَ دَخَلا غارًا في جَبَلِ ثَوْرٍ لِيَخْفَيا عَلى مَن خَرَجَ مِن قُرَيْشٍ في طَلَبِهِمْ.
والغارُ عُمْقٌ في الجَبَلِ يُدْخَلُ إلَيْهِ.
قالَ مُجاهِدٌ: «مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ في الغارِ مَعَ أبِي بَكْرٍ ثَلاثًا.
» قالَ الحَسَنُ: جَعَلَ اللَّهُ عَلى بابِ الغارِ ثُمامَةً وهي شَجَرَةٌ صَغِيرَةٌ، وقالَ غَيْرُهُ: أُلْهِمَتِ العَنْكَبُوتُ فَنَسَجَتْ عَلى بابِ الغارِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ المُتَعَمِّقَةِ في غَوامِضِ المَعانِي إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إذْ هُما في الغارِ ﴾ أيْ في غَيْرَةٍ عَلى ما كانُوا يَرَوْنَهُ مِن ظُهُورِ الكُفْرِ فَغارَ عَلى دِينِ رَبِّهِ.
وَهو خِلافُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ.
﴿ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ ﴾ يُرِيدُ أنَّ النَّبِيَّ قالَ لِصاحِبِهِ أبِي بَكْرٍ «لا تَحْزَنْ» فاحْتَمَلَ قَوْلُهُ ذَلِكَ لَهُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ تَبْشِيرًا لِأبِي بَكْرٍ بِالنَّصْرِ مِن غَيْرِ أنْ يَظْهَرَ مِنهُ حُزْنٌ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ قَدْ ظَهَرَ مِنهُ حُزْنٌ فَقالَ لَهُ ذَلِكَ تَخْفِيفًا وتَسْلِيَةً.
وَلَيْسَ الحُزْنُ خَوْفًا وإنَّما هو تَألُّمُ القَلْبِ بِما تَخَيَّلَهُ مِن ضَعْفِ الدِّينِ بَعْدَ الرَّسُولِ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ : ﴿ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا ﴾ أيْ ناصِرُنا عَلى أعْدائِنا.
﴿ فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَلى النَّبِيِّ ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّانِي: عَلى أبِي بَكْرٍ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ أعْلَمَ نَبِيَّهُ بِالنَّصْرِ.
وَفي السَّكِينَةِ أرْبَعَةٌ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الرَّحْمَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها الطُّمَأْنِينَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: الوَقارُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: أنَّها شَيْءٌ يُسْكِنُ اللَّهُ بِهِ قُلُوبَهم، قالَهُ الحَسَنُ وعَطاءٌ.
﴿ وَأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالمَلائِكَةِ.
والثّانِي: بِالثِّقَةِ بِوَعْدِهِ واليَقِينِ بِنَصْرِهِ.
وَفي تَأْيِيدِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إخْفاءُ أثَرِهِ في الغارِ حِينَ طُلِبَ.
والثّانِي: المَنعُ مِنَ التَّعَرُّضِ لَهُ حِينَ هاجَرَ.
﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِانْقِطاعِ الحُجَّةِ.
والثّانِي: جَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى بِذُلِّ الخَوْفِ، وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا بِعِزِّ الظَّفَرِ.
﴿ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا ﴾ بِظُهُورِ الحُجَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا تنصروه فقد نصره الله ﴾ قال: ذكر ما كان من أول شأنه حتى بعث؛ يقول الله: فأنا فاعل ذلك به وناصره كما نصرته إذ ذاك وهو ثاني اثنين.
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وابن أبي حاتم عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: اشترى أبو بكر رضي الله عنه من عازب رجلاً بثلاثة عشر درهماً فقال لعازب: مر البراء فليحمله إلى منزلي.
فقال: لا، حتى تحدثنا كيف صنعت حيث خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت معه؟
فقال أبو بكر رضي الله عنه: خرجنا فأدلجنا فأحثثنا يوماً وليلة حتى أظهرنا، وقام قائم الظهيرة فضربت ببصري هل أرى ظلاً فآوي إليه، فإذا أنا بصخرة فأهويت إليها فإذا بقية ظلها فسوّيته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرشت له فروة وقلت اضطجع يا رسول الله فاضطجع، ثم خرجت أنظر هل أرى أحداً من الطلب فإذا أنا براعي غنم، فقلت: لمن أنت يا غلام؟
فقال: لرجل من قريش، فسماه فعرفته فقلت: هل في غنمك من لبن؟
قال: نعم.
فقلت: وهل أنت حالب لي؟
قال: نعم.
قال: فأمرته فاعتقل لي شاة منها، ثم أمرته فنفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته فنفض كفيه ومعي اداوة على فمها خرقة فحلب لي كثبة من اللبن، فصببت على القدح من الماء حتى برد أسفله، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافقته قد استيقظ، فقلت: اشرب يا رسول الله، فشرب حتى رضيت، ثم قلت: هل آن الرحيل؟
قال: فارتحلنا والقوم يطلبونا فلم يدركنا منهم إلا سراقة على فرس له، فقلت: يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا فقال: «لا تحزن إن الله معنا» حتى إذا دنا فكان بيننا وبينه قدر رمح أو رمحين أو ثلاثة، فقلت: يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا وبكيت...
!
قال: لم تبك فقلت: أما والله لا أبكي على نفسي ولكني أبكي عليك.
فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال «اللهمَّ اكفناه بما شئت» فساخت فرسه إلى بطنها في أرض صلد ووثب عنها، وقال: يا محمد إن هذا عملك فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه، فوالله لأعمين على من ورائي من الطلب وهذه كنانتي فخذ منها سهماً فإنك ستمر بإبلي وغنمي في موضع كذا وكذا فخذ منها حاجتك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا حاجة لي فيها» ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق، ورجع إلى أصحابه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه حتى قدمنا المدينة فتلقاه الناس فخرجوا على الطرق وعلى الأجاجير واشتد الخدم والصبيان في الطرق الله أكبر جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد، تنازع القوم أيهم ينزل عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنزل الليلة على بني النجار أخوال عبد المطلب لأكرمهم بذلك» .
فلما أصبح غداً حيث أمر.
وأخرج البخاري عن سراقة بن مالك رضي الله عنه قال: خرجت أطلب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه، حتى إذا دنوت منهما عثرت بي فرسي، فقمت فركبت حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر رضي الله عنه يكثر التلفت، ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عنان ساطع في السماء مثل الدخان، فناديتهما بالأمان: فوقفا لي ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهما أنه سيظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل لحق بغار ثور قال: وتبعه أبو بكر رضي الله عنه، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حسَّه خلفه خاف أن يكون الطلب، فلما رأى ذلك أبو بكر رضي الله عنه تنحنح، فلما سمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفه فقام له حتى تبعه فأتيا الغار، فأصبحت قريش في طلبه فبعثوا إلى رجل من قافة بني مدلج، فتبع الأثر حتى انتهى إلى الغار وعلى بابه شجرة، فبال في أصلها القائف ثم قال: ما جاز صاحبكم الذي تطلبون هذا المكان.
قال: فعند ذلك حزن أبو بكر رضي الله عنه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحزن إن الله معنا» قال: فمكث هو وأبو بكر رضي الله عنه في الغار ثلاثة أيام يختلف إليهم بالطعام عامر بن فهيرة وعلي يجهزهم، فاشتروا ثلاثة أباعر من إبل البحرين واستأجر لهم دليلاً، فلما كان بعض الليل من الليلة الثالثة أتاهم علي رضي الله عنه بالإِبل والدليل، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته وركب أبو بكر أخرى فتوجهوا نحو المدينة وقد بعثت قريش في طلبه.
وأخرج ابن سعد عن ابن عباس وعلي وعائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهم وعائشة بنت قدامة وسراقة بن جعشم دخل حديث بعضهم في بعض قالوا: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والقوم جلوس على بابه، فأخذ حفنة من البطحاء فجعل يدرها على رؤوسهم ويتلو ﴿ يس.
والقرآن الحكيم ﴾ [ يس: 1- 2] الآيات ومضى، فقال لهم قائل ما تنتظرون؟
قالوا: محمداً.
قال: قد- والله- مر بكم.
قالوا: والله ما أبصرناه!
وقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه إلى غار ثور فدخلاه، وضربت العنكبوت على بابه بعشاش بعضها على بعض، وطلبته قريش أشد الطلب حتى انتهت إلى باب الغار، فقال بعضهم: إن عليه لعنكبوتا قبل ميلاد محمد» .
وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن عائشة بنت قدامة «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لقد خرجت من الخوخة متنكراً، فكان أول من لقيني أبو جهل، فعمى الله بصره عني وعن أبي بكر حتى مضينا» .
وأخرج أبو نعيم عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها «أن أبا بكر رضي الله عنه رأى رجلاً مواجه الغار فقال: يا رسول الله إنه لرائينا.
قال: كلا إن الملائكة تستره الآن بأجنحتها، فلم ينشب الرجل أن قعد يبول مستقبلهما.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر لو كان يراك ما فعل هذا» .
وأخرج أبو نعيم عن محمد بن إبراهيم التيمي رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل الغار ضربت العنكبوت على بابه بعشاش بعضها على بعض، فلما انتهوا إلى فم الغار قال قائل منهم: ادخلوا الغار فقال أمية بن خلف: وما أربكم إلى الغار؟
إن عليه لعنكبوتا كان قبل ميلاد محمد، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل العنكبوت، قال: إنها جند من جنود الله» .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عطاء بن أبي ميسرة رضي الله عنه قال: نسجت العنكبوت مرتين.
مرة على داود عليه السلام حين كان طالوت يطلبه، ومرة على النبي صلى الله عليه وسلم في الغار.
وأخرج ابن سعد وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن أنس رضي الله عنه قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه التفت أبو بكر رضي الله عنه فإذا هو بفارس قد لحقهم، فقال: يا نبي الله هذا فارس قد لحقنا.
فقال «اللهمَّ اصرعه» .
فصرع عن فرسه فقال: يا نبي الله مرني بما شئت.
قال: «تقف مكانك لا تتركن أحداً يلحق بنا» .
فكان أول النهار جاهداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي آخر النهار مسلحة له، وفي ذلك يقول سراقة مخاطباً لأبي جهل: أبا حكم لو كنت والله شاهداً ** لأمر جوادي أن تسيخ قوائمه علمت ولم تشكك بأن محمداً ** رسول ببرهان فمن ذا يقاومه وأخرج البيهقي في الدلائل وابن عساكر عن ضبة بن محصن العبري قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنت خير من أبي بكر، فبكى وقال: والله لَليلة من أبي بكر ويوم خير من عمر، هل لك أن أحدثك بليلته ويومه؟
قال: قلت: نعم يا أمير المؤمنين.
قال: أما ليلته، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم هارباً من أهل مكة، خرج ليلاً فتبعه أبو بكر رضي الله عنه فجعل يمشي مرة أمامه ومرة خلفه، ومرة عن يمينه ومرة عن يساره، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما هذا يا أبا بكر ما أعرف هذا من فعلك؟!» قال: يا رسول الله اذكر الرصد فأكون أمامك واذكر الطلب فأكون من خلفك ومرة عن يمينك ومرة عن يسارك لا آمن عليك.
فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلته على أطراف أصابعه حتى حفيت رجلاه، فلما رآه أبو بكر رضي الله عنه أنها قد حفيت حمله على كاهله وجعل يشد به حتى أتى فم الغار فأنزله، ثم قال: والذي بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله فإن كان فيه شيء نزل بي قبلك، فدخل فلم ير شيئاً فحمله فأدخله، وكان في الغار خرق فيه حيات وأفاعي، فخشي أبو بكر رضي الله عنه أن يخرج منهن شيء يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقمه قدمه، فجعلن يضربنه وتلسعه الأفاعي والحيات وجعلت دموعه تتحدر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: «يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا» ، فأنزل الله سكينته، أي طمأنينته لأبي بكر رضي الله عنه، فهذه ليلته.
وأما يومه، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب، فقال بعضهم: نصلي ولا نزكي.
وقال بعضهم: لا نصلي ولا نزكي، فأتيته ولا آلوه نصحاً فقلت: يا خليفة رسول الله تألف الناس وارفق بهم.
فقال: جبار في الجاهلية خوّار في الإِسلام، بماذا تألفهم، أبشعر مفتعل أو بشعر مفتري؟
قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتفع الوحي، فوالله لو منعوني عقالاً مما كانوا يعطون لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه.
قال: فقاتلنا معه فكان- والله- رشيد الأمر؛ فهذا يومه.
وأخرج أبو نعيم والبيهقي في الدلائل.
عن ابن شهاب رضي الله عنه وعروة رضي الله عنه.
أنهم ركبوا في كل وجه يطلبون النبي صلى الله عليه وسلم وبعثوا إلى أهل المياه يأمرونهم ويجعلون له الجعل العظيم، وأتوا على ثور الجبل الذي فيه الغار الذي فيه النبي صلى الله عليه وسلم حتى طلعوا فوقه، وسمع أبو بكر رضي الله عنه والنبي صلى الله عليه وسلم أصواتهم، وأشفق أبو بكر وأقبل عليه الهم والخوف، فعند ذلك يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تحزن إن الله معنا، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت عليه سكينة من الله ﴿ فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم ﴾ » .
وأخرج ابن شاهين وابن مردويه وابن عساكر عن حبشي بن جنادة قال: قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله لو أن أحداً من المشركين رفع قدمه لأبصرنا.
قال «يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا» .
وأخرج ابن عساكر «عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن الذين طلبوهم صعدوا الجبل فلم يبق أن يدخلوا.
فقال أبو بكر رضي الله عنه: أتينا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم» لا تحزن إن الله معنا «وانقطع الأثر فذهبوا يميناً وشمالاً» .
وأخرج ابن عساكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: خرج رسول الله وخرج أبو بكر رضي الله عنه معه، لم يأمن على نفسه غيره حتى دخلا الغار.
وأخرج ابن شاهين والدارقطني وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر «أنت صاحبي في الغار، وأنت معي على الخوض» .
وأخرج ابن عساكر من حديث ابن عباس عن أبي هريرة.
مثله.
وأخرج ابن عدي وابن عساكر من طريق الزهري عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان رضي الله عنه: «هل قلت في أبي بكر شيئاً؟» قال: نعم.
قال: «قل وأنا أسمع» .
فقال: وثاني اثنين في الغار المنيف وقد ** طاف العدوّ به إذ صاعد الجبلا وكان حب رسول الله قد علموا ** من البرية لم يعدل به رجلا فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، ثم قال: «صدقت يا حسان، هو كما قلت» .
وأخرج خيثمة بن سليمان الاطرابلسي في فضائل الصحابة وابن عساكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إن الله ذم الناس كلهم ومدح أبا بكر رضي الله عنه، فقال: ﴿ إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ﴾ .
وأخرج ابن عساكر عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: ما دخلني اشفاق من شيء ولا دخلني في الدين وحشة إلى أحد بعد ليلة الغار، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى اشفاقي عليه وعلى الدين، قال لي «هوّن عليك، فإن الله قد قضى لهذا الأمر بالنصر والتمام» .
وأخرج ابن عساكر عن سفيان بن عيينة رضي الله عنه قال: عاتب الله المسلمين جميعاً في نبيه صلى الله عليه وسلم غير أبي بكر رضي الله عنه وحده، فإنه خرج من المعاتبة، ثم قرأ ﴿ إلا تنصروه فقد نصره الله ﴾ الآية.
وأخرج الحكيم الترمذي عن الحسن رضي الله عنه قال: لقد عاتب الله جميع أهل الأرض فقال: ﴿ إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين ﴾ .
وأخرج ابن عساكر من طريق محمد بن يحيى قال: أخبرني بعض أصحابنا قال: قال شاب من أبناء الصحابة في مجلس فيه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق: والله ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من موطن إلا وأبي فيه معه.
قال: يا ابن أخي لا تحلف.
قال: هلمَّ.
قال: بلى ما لا ترده، قال الله: ﴿ ثاني اثنين إذ هما في الغار ﴾ .
أخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي وأبو عوانة وابن حبان وابن المنذر وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: حدثني أبو بكر رضي الله عنه قال: «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار، فرأيت آثار المشركين فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم رفع قدمه لأبصرنا تحت قدمه.
فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ وأبو نعيم في الدلائل عن أبي بكر رضي الله عنه.
انهما لما انتهيا إلى الغار إذا جحر فالقمه أبو بكر رضي الله عنه رجليه قال: يا رسول الله إن كانت لدغة أو لسعة كانت فيَّ.
وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما كانت ليلة الغار قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله دعني فلأدخل قبلك، فإن كانْت حية أو شيء كانت فيَّ قبلك.
قال «ادخل.
فدخل أبو بكر رضي الله عنه فجعل يلمس بيديه، فكلما رأى جحراً قال بثوبه فشقه ثم ألقمه الجحر حتى فعل ذلك بثوبه أجمع، وبقي جحر فوضع عليه عقبه وقال: أدخل.
فلما أصبح قال له النبي صلى الله عليه وسلم: فأين ثوبك؟
فأخبره بالذي صنع، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: اللهمَّ اجعل أبا بكر معي في درجتي يوم القيامة.
فأوحى الله إليه أن الله قد استجاب لك» .
وأخرج ابن مردويه عن جندب بن سفيان رضي الله عنه قال: لما انطلق أبو بكر رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار قال له أبو بكر رضي الله عنه: لا تدخل يا رسول الله حتى استبرئه.
فدخل أبو بكر رضي الله عنه الغار.
فأصاب يده شيء، فجعل يمسح الدم عن أصبعه وهو يقول: هل أنت إلا أصبع دميت ** وفي سبيل الله ما لقيت وأخرج ابن مردويه عن جعدة بن هبيرة رضي الله عنه قال: قالت عائشة رضي الله عنها: قال أبو بكر رضي الله عنه: لو رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ صعدنا الغار، فأما قدما رسول الله صلى الله عليه وسلم فتفطرتا دماً، وأما قدماي فعادتا كأنهما صفوان.
قالت عائشة رضي الله عنها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتعوّد الحفية.
وأخرج ابن سعد وابن مردويه عن ابن مصعب قال: أدركت أنس بن مالك، وزيد بن أرقم، والمغيرة بن شعبة، فسمعتهم يتحدثون أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الغار أمر الله شجرة فنبتت في وجه النبي فسترته، وأمر الله العنكبوت فنسجت في وجه النبي صلى الله عليه وسلم فسترته، وأمر الله حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار، وأقبل فتيان قريش من كل بطن رجل بعصيهم وأسيافهم وهراويهم، حتى إذا كانوا من النبي صلى الله عليه وسلم قدر أربعين ذراعاً فنزل بعضهم فنظر في الغار، فرجع إلى أصحابه فقالوا: ما لك لم تنظر في الغار؟!
فقال: رأيت حمامتين بفم الغار فعرفت أن ليس فيه أحد.
فسمع النبي صلى الله عليه وسلم ما قال، فعرف أن الله درأ عنه بهما فسمت النبي صلى الله عليه وسلم عليهن وفرض جزاءهن وانحدرن في الحرم، فأخرج ذلك الزوج كل شيء في الحرم.
وأخرج ابن عساكر في تاريخه بسند واه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان أبو بكر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار فعطش، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «اذهب إلى صدر الغار فاشرب.
فانطلق أبو بكر رضي الله عنه إلى صدر الغار فشرب منه ماء أحلى من العسل، وأبيض من اللبن، وأزكى رائحة من المسك، ثم عاد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله أمر الملك الموكل بأنهار الجنة أن خرق نهراً من جنة الفردوس إلى صدر الغار لتشرب» .
وأخرج ابن المنذر عن الشعبي رضي الله عنه قال: والذي لا إله غيره لقد عوتب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في نصرته إلا أبا بكر رضي الله عنه، فإن الله تعالى قال: ﴿ إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار ﴾ خرج أبو بكر رضي الله عنه والله من المعتبة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سالم بن عبيد الله رضي الله عنه- وكان من أهل الصفة- قال: أخذ عمر بيد أبي بكر رضي الله عنهما فقال: من له هذه الثلاث.
إذ يقول لصاحبه من صاحبه؟
﴿ إذ هما في الغار ﴾ من هما؟
﴿ لا تحزن إن الله معنا ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن الحارث عن أبيه أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: أيكم يقرأ سورة التوبة؟
قال: رجل: أنا.
قال: اقرأ.
فلما بلغ ﴿ إذ يقول لصاحبه لا تحزن ﴾ بكى وقال: والله أنا صاحبه.
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال: كان صاحبه أبا بكر رضي الله عنه، والغار جبل بمكة يقال له ثور.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبو بكر أخي وصاحبي في الغار فاعرفوا ذلك له، فلو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، سدوا كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر» .
وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو اتخذت خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخي وصاحبي في الغار» .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الزهري رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذ هما في الغار ﴾ قال: الغار الذي في الجبل الذي يسمى ثوراً.
وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: رأيت قوماً يصعدون حراء فقلت: ما يلتمس هؤلاء في حراء؟
فقالوا: الغار الذي اختبأ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه.
قالت عائشة رضي الله عنها: ما اختبأ في حراء إنما اختبأ في ثور، وما كان أحد يعلم مكان ذلك الغار إلا عبد الرحمن بن أبي بكر وأسماء بنت أبي بكر فإنهما كانا يختلفان إليهما، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر رضي الله عنه فإنه كان إذا سرح غنمه مر بهما فحلب لهما.
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه قال: مكث أبو بكر رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثاً.
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق الزهري عن عروة عن عائشة قالت: لم أعقل أبويَّ قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية، ولما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر رضي الله عنه مهاجراً قبل أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال ابن الدغنة: أين تريد يا أبا بكر؟
فقال أبو بكر رضي الله عنه: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي.
قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار.
فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وأمنوا أبا بكر وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، وليصل فيها ما شاء، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا ولا يشتغلن بالصلاة والقراءة في غير داره.
ففعل ثم بدا لأبي بكر رضي الله عنه فابتنى مسجداً بفناء داره، فكان يصلي فيه ويقرأ فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رضي الله رجلاً بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم فقالوا: إنَّا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره، وإنه جاوز ذلك فابتنى مسجداً بفناء داره وأعلن الصلاة والقراءة، وإنا خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فإن أحب أن يقتصر أن يعبد ربه في داره فعل وإن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنَّا قد كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان.
فأتى ابن الدغنة أبا بكر رضي الله عنه فقال: يا أبا بكر قد علمت الذي عقدت لك عليه، فأما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترد إلي ذمتي فإني لا أحب أن تسمع العرب إني أخفرت في عقد رجل عقدت له.
فقال أبو بكر رضي الله عنه: فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله ورسوله صلى الله عليه وسلم- ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة- قال رسول الله صلى الله عليه «وسلم للمسلمين» قد أريت دار هجرتكم، رأيت سبخة ذات نخل بين لابتين وهما حرتان فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين، وتجهز أبو بكر رضي الله عنه مهاجراً فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي.
فقال أبو بكر رضي الله عنه: وترجو ذلك بأبي أنت؟!
قال: نعم» .
فحبس أبو بكر رضي الله عنه نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم لصحبته، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر.
فبينما نحن جلوس في بيتنا في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر رضي الله عنه: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا في ساعة لم يكن يأتينا فيها !
فقال أبو بكر رضي الله عنه: فداه أبي وأمي إن جاء به في هذه الساعة إلا أمر !
فجاء رسول الله فاستأذن صلى الله عليه وسلم فأذن له فدخل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل لأبي بكر رضي الله عنه «أخرج من عندك فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإنه قد أذن لي بالخروج فقال أبو بكر رضي الله عنه: فالصحابة بأبي أنت يا رسول الله؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم فقال أبو بكر رضي الله عنه: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بالثمن» فقالت عائشة رضي الله عنها: فجهزناهما أحسن الجهاز فصنعنا لهما سفرة من جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر من نطاقها فأوكت به الجراب- فلذلك كانت تسمى ذات النطاقين- ولحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل يقال له ثور فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب لقن ثقف فيخرج من عندهما سحرا فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمر يكاد أن به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى لأبي بكر منيحة من غنم فيريحها عليهما حين يذهب بغلس ساعة من الليل فيبيتان في رسلهما حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث.
واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من بني الديل ثم من بني عبد بن عدي هاديا خريتا- والخريت الماهر بالهداية- قد غمس يمين حلف في آل العاص بن وائل وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال فأتاهما براحلتيهما صبيحة ثلاث ليال فارتحلا فانطل معهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر والدليل الديلي فأخذ بهم طريقا آخر وهو طريق الساحل قال الزهري: أخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي وهو ابن أخي سراقة بن حعشم: إن أباه أخبره أنه سمع سراقة يقول: جاءتنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه دية كل واحد منهما لمن قتلهما أو أسرهما.
فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج أقبل رجل منهم حتى قام علينا فقال: يا سراقة إني رأيت آنفا أسودة بالساحل لا أراها إلا محمدا وأصحابه !
قال سراقة: فعرفت أنهم هم.
فقلت: إنهم ليسوا بهم ولكن رأيت فلانا وفلانا انطلقوا ثم لبثت في المجلس حتى قمت فدخلت بيتي وأمرت جاريتي أن تخرج لي فرسي وهي من وراء أكمة فتحبسها علي وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فخططت برمحي الأرض وخفضت عالية الرمح حتى أتيت فرسي فركبتها ودفعتها تقرب بي حتى رأيت أسودتهما فلما دنوت منهم حيث يسمعهم الصوت عثرت بي فرسي فخررت عنها فقمت فأهويت بيدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا فخرج الذي أكره أن لا أضرهم فركبت فرسي وعصيت الأزلام حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر رضي الله عنه يكثر الالتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغت الركبتين فخررت عنها فجررتها فنهضت فلم تكد تخرج يداها فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان ساطع في السماء من الدخان فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره أن لا أضرهم فناديتهم بالأمان فوقف وركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أنه سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية وأخبرتهم من أخبار سفرهم وما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني شيئا ولم يسألاني إلا أن أخف عنا فسألته أن يكتب لي كتابا موادعة آمن به فأمر عامر بن فهيرة فكتب لي في رقعة من أديم ثم مضى.
قال الزهري: وأخبرني عروة بن الزبير أنه لقي الزبير وركبا من المسلمين كانوا تجارا بالشام قابلين إلى مكة فعرفوا النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر فكساهم ثياب بيض وسمع المسلمون بالمدينة بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يؤذيهم حر الظهيرة فانقلبوا يوما بعدما أطالوا انتظاره فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود أطما من آطامهم لأمر ينظر إليه فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب فنادى بأعلى صوته يا معشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرون.
فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتوه بظهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل في بني عمرو بن عوف بقباء وذلك يوم الإثنين من شهر ربيع الأول فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه يذكر الناس وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتا وطفق من جاء من الأنصار ممن لم يكن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحسبه أبا بكر حتى أصابت رسول الله صلى الله عليه وسلم الشمس فأقبل أبو بكر رضي الله عنه حتى ظلل عليه برادئه فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك.
فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة وابتنى المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته فسار ومشى الناس حتى بركت به عند مسجد رسول الله بالمدينة وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين وكان مربدا للتمر لسهل وسهيل غلامين يتمين أخوين في حجر أبي أمامة أسعد بن زرارة من بني النجار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بركت به راحلته «هذا المنزل إن شاء الله ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين فساومهما بالمربد يتخذه مسجدا فقالا: لا بل نهبه لك يا رسول الله فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبله منهما حتى ابتاعه منهما وبناه مسجدا وطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معهم اللبن في بنائه وهو يقول: هذا الجمال لا جمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة ويتمثل رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي قال ابن شهاب: ولم يبلغني في الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم تمثل ببيت من الشعر تاما غير هؤلاء الأبيات ولكن يرجزهم لبناء المسجد.
فلما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم كفار قريش حالت الحرب بين مهاجري أرض الحبشة وبين القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقوه بالمدينة زمن الخندق فكانت أسماء بنت عميس تحدث: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يعيرهم بالمكث في أرض الحبشة فذكرت ذلك أسماء لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله: لستم كذلك وكانت أول آية أنزلت في القتال ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ﴾ [الحج 39 ]حتى بلغ لقوي عزيز» وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري عن أنس رضي الله عنه قال: أقبل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو يردف أبا بكر رضي الله عنه وهو شيخ يعرف والنبي لا يعرف فكانوا يقولون: يا أبا بكر من هذا الغلام بين يديك؟
فيقول: هاد يهديني السبيل.
قال: فلما دنونا من المدينة نزلنا الحرة وبعث إلى الأنصار فجاءوا قال: فشهدته يوم دخل المدينة فما رأيت يوما كان أحسن منه وما رأيت يوما كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون (42) ﴾ .
وأخرج ابن عبد البر في التمهيد عن كثير بن فرقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج مهاجرا إلى المدينة ومعه أبو بكر رضي الله عنه أتى براحلة أبي بكر فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركب ويردفه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بل أنت راكب وأردفك أنا فإن الرجل أحق بصدر دابته» فلما خرجا لقيا في الطريق سراقة بن جعشم- وكان أبو بكر رضي الله عنه لا يكذب- فسأله من الرجل؟
قال: باغ قال: فما الذي وراءك؟
قال: هاد قال: أحسست محمدا !
قال: هو ورائي وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله فأنزل الله سكينته عليه قال: على أبي بكر رضي الله عنه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل السكينة معه.
وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر غار حراء فقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أن أحدهم يبصر موقع قدمه لأبصرني وإياك فقال «ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟
يا أبا بكر إن الله أنزل سكينته عليك وأيدني بجنود لم تروها» وأخرج الخطيب في تاريخه عن حبيب بن أبي ثابت رضي الله عنه فأنزل الله سكينته عليه قال: على أبي بكر رضي الله عنه فأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد كانت عليه السكينة وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله وجعل كلمة الذين كفروا السفلى قال: هي الشرك وكلمة الله هي العليا قال: لا إله إلا الله وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك مثله وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه عن أبي موسى رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله؟
قال «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله تعالى» <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآية، قال أبو إسحاق: أعلمهم (١) (٢) ﴿ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أي: أعانه على أعدائه حين مكر به المشركون، وهو أن بعث إليه جبريل حتى أمره بالخروج (٣) ﴿ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ حين قصدوا إهلاكه، وذكرنا ذلك في قوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ ﴾ الآية، وأضاف إخراجه إلى الكفار لأنهم لما هموا بقتله صعب عليه المقام، واحتاج (٤) ﴿ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ : يريد: من مكة هاربًا منهم (٥) ﴿ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ ﴾ يريد: أمره إياه بالخروج (٦) وقوله تعالى: ﴿ ثَانِيَ اثْنَيْنِ ﴾ أي واحد اثنين، قال الزجاج: وهو نصب على الحال، المعنى: فقد نصره الله أحد اثنين أي نصره منفردًا (٧) (٨) (٩) (١٠) ﴿ ثَانِيَ اثْنَيْنِ ﴾ هو وأبو بكر (١١) ﴿ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ﴾ (١٢) وقوله تعالى: ﴿ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ ﴾ ، الغار: نقب في الجبل عظيم، قال قتادة: هو غار في جبل بمكة يقال له: ثور (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) - الخروج جاءهما بناقتين (١٩) (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ ﴾ خطب أبو بكر - -، فقال: أيكم يقرأ سورة التوبة؟
فقال رجل: أنا، [قال: اقرأ] (٢١) ﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ ﴾ بكى أبو بكر، وقال: أنا صاحبه (٢٢) - بالخروج قال: "ومن يخرج معي؟
" قال: أبو بكر (٢٣) (٢٤) (٢٥) - فهو كذاب مبتدع، ومن أنكر أن يكون (٢٦) - كان كافرًا؛ لأنه رد نص القرآن (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ لَا تَحْزَنْ ﴾ ، قال ابن عباس: خرج رسول الله - - وأبو بكر معه إلى الغار ليلاً، وأصبح المشركون يطلبونهما فاقتصوا الأثر إلى الغار، فحزن أبو بكر، وقال: أتينا يا رسول الله، فقال: "اللهم أعم أبصارهم" فعميت أبصارهم، وجعلوا يضربون يمينًا وشمالاً حول الغار (٢٨) وقال المفسرون: قال أبو بكر لرسول الله لما خاف (٢٩) (٣٠) -، وخوفًا أن يُطِّلَع عليه (٣١) -: "لا تحزن إن الله معنا" (٣٢) - "ما يبكيك؟
" فقال: أخاف أن تقتل فلا يعبد الله بعد اليوم، فقال له رسول الله - : "لا تحزن إن الله معنا" أي إن الله -عز وجل- يمنعهم منا وينصرنا، قال: أهكذا يا رسول الله؟
قال: "نعم" فرقأ دمع أبي بكر وسكن (٣٣) ونحن في الغار: لو [أن واحداً] (٣٤) (٣٥) ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ﴾ اختلفوا في رجوع الكناية من (عليه)، فقال أبو روق: على النبي - - (٣٦) (٣٧) - فكانت (٣٨) (٣٩) (٤٠) كان آمناً؛ لأنه كان قد وعد بالنصر، فكان ساكن القلب (٤١) ﴿ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ﴾ يريد: رحمته على نبيه وعلى صاحبه (٤٢) ﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ﴾ (٤٣) وذكر ابن الأنباري هذه الأقوال في رجوع الكناية، ونصر مذهب المبرد، وقال: التقدير: فأنزل الله سكينته عليهما وأيدهما، فاكتفى بإعادة الذكر على أحدهما من إعادته عليهما جميعًا كما قال: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} [التوبة: 62] الآية، وكما قال: ﴿ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا ﴾ (٤٤) وقوله تعالى: ﴿ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: وقواه بجنود لم تروها (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) ، والاختيار أن تكون الكناية الأولى راجعة على أبي بكر، والثانية راجعة على النبي - -.
وقال الكلبي: وأيده بجنود لم تروها أي: قواه وأعانه بالملائكة يوم بدر (٤٩) (٥٠) -المدينة، فذكر في هذه السورة (٥١) (٥٢) وقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ﴾ .
قال ابن عباس: (السفلى) كلمة (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦) - ومكروا جعله في ضلالة وندامة ﴿ وَكَلِمَةُ اللَّهِ ﴾ : يريد: موعد الله ومكره هو الأعلى (٥٧) ﴿ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ : ما قدروا بينهم في الكيد به ليقتلوه فلم ينالوا أملهم، ﴿ وَكَلِمَةُ اللَّهِ ﴾ : وعد الله أنه ناصره هو الحق (٥٨) (٥٩) والاختيار في قوله: ﴿ وَكَلِمَةُ اللَّهِ ﴾ هو الرفع (٦٠) (٦١) ﴿ وَكَلِمَةُ اللَّهِ ﴾ بالنصب (٦٢) متى تأتي زيدًا قاعدًا عند حوضه .....
لتهدم ظلمًا حوض زيد تقارع (٦٣) (٦٤) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ ، قال ابن عباس: عزيز في ملكه، حكيم في خلقه (٦٥) وقال ابن كيسان: عزيز في انتقامه من أهل الكفر، حكيم في تدبيره خلقه (٦٦) (١) في (م): (أعلم)، وما أثبته موافق للمصدر التالي.
(٢) اهـ.
كلام أبي إسحاق الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 448.
(٣) رواه ابن إسحاق كما في "سيرة ابن هشام" 4/ 206 وفي سنده راوٍ لم يسم.
(٤) في (ج): (فاحتاج).
(٥) "تنوير المقباس" ص 193 بمعناه.
(٦) عبارة المؤلف توحي بأنه يرى أن الإخراج المذكور في الآيتين واحد، وهو الإخراج من مكة، ومن ثم جمع بين الآيتين، والصحيح أن الإخراج المذكور في آية الأنفال إنما هو من المدينة إلى بدر.
انظر: "تفسير ابن جرير" 9/ 182.
(٧) في (ي): (مفردًا)، وما أثبته موافق لما في "معاني القرآن وإعرابه".
(٨) في (ي): (هو أبو بكر)، وهو خطأ.
(٩) اهـ.
كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 449.
(١٠) رواه الثعلبي 6/ 110 أ، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 3/ 435، وفي سند الثعلبي داود بن المحبر وهو متروك، كما في "تقريب التهذيب" 200 (1811)، كما أن في متن هذا الأثر نظرًا من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الله تعالى هو الذي كف أيدي أصحاب نبيه عن نصرته في مكة كما أفاد ذلك قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ﴾ .
الثاني: أنه ليس في الآية ما يفيد أن الصحابة - م- كلفوا بنصرة نبيهم بمكة فتخلوا عنه حتى تكون عتاباً، أما قوله تعالى: ﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ ﴾ فهو إخبار عن مستقبل، وقد قام الصحابة بذلك خير قيام وفدوه بالنفس والمال، ويكفي شاهدًا على ذلك أنه لم == يتخلف عنه في غزوة تبوك من المؤمنين الصادقين الذين لا عذر لهم سوى بضعة نفر على الرغم من بعد الشقة وحرج الموقف.
الثالث: أن هناك من أصحاب رسول الله - - من شارك أبا بكر في نصرة النبي - - أيام هجرته منهم علي بن أبي طالب الذي نام في فراش النبي - - وتسجى ببردته، وعرض نفسه للخطر، وعبد الله بن أبي بكر الذي كان يتحسس أخبار المشركين ثم يخبر بها النبي - - وصاحبه، وكذلك بنتا أبي بكر اللتان جهزتا الراحلتين، وعامر ابن فهيرة الذي كان يرعى حولهما الغنم فيشربان من لبنها.
انظر: "صحيح البخاري" (3905) كتاب: المناقب، باب: هجرة النبي - -، و"مسند الإمام أحمد" 1/ 331.
(١١) في (ي): (هو أبو بكر)، والصواب ما أثبته وهو موافق لما في "الوسيط" 2/ 497، ولم ينسبه فيه لأحد، وانظر: قول ابن عباس في "تنوير المقباس" ص 193 بنحوه.
(١٢) انظر النسخة (ج) 2/ 65 أوقد قال هنا: قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ﴾ .
قال الفراء: ثالث ثلاثة لا يكون إلا مضافًا ولا يجوز التنوين في (ثالث) فينصب الثلاثة، وكذلك قوله: (ثانى اثنين) لا يكون (اثنين) إلا مضافًا؛ لأن المعنى مذهب اسم، كأنك قلت: واحد من اثنين، وواحد من ثلاثة، ولو قلت أنت: ثالث اثنين، جاز الإضافة وجاز التنوين ونصب الاثنين ...
إلخ.
(١٣) رواه ابن جرير10/ 136، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 435.
(١٤) رواه ابن جرير 10/ 136، والثعلبي 6/ 109 ب، وابن أبي شيبة كما في "الدر المنثور" 3/ 436.
(١٥) هو: عامر بن فهيرة التيمي مولاهم، يقال: إن أصله من الأزد، أو من عنز بن وائل، استرق في الجاهلية فاشتراه أبو بكر الصديق، ثم أعتقه، وهو من السابقين إلى الإسلام وممن كان يعذب في الله، وقد هاجر وشهد بدرًا وأحدًا واستشهد يوم بئر معونة سنة 4 هـ.
انظر: "سيرة ابن هشام" 1/ 272، و"الإصابة" 2/ 256 (4415)، و"تهذيب التهذيب" 2/ 270.
(١٦) رواه ابن جرير 10/ 136، والثعلبي 6/ 109 ب، وقد رواه موصولاً عن عروة عن عائشة الإمام البخاري (3905) في "صحيحه"، كتاب: المناقب، باب: هجرة النبي - - ضمن حديث الهجرة الطويل.
(١٧) هو: عبد الرحمن بن أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان القرشي التيمي، أبو محمد، أكبر ولد أبي بكر الصديق، تأخر إسلامه إلى أيام صلح الحديبية ثم أسلم وحسن إسلامه، كان رجلاً صالحًا شجاعًا راميًا لم يجرب عليه كذبة قط، توفي فجأة قرب مكة سنة 58 هـ.
انظر: "المعارف" ص 102، و"الإصابة" 2/ 392 (2588).
وانظر التعليق التالي.
(١٨) الثابت في "صحيح البخاري" (3905)، كتاب: المناقب، باب: هجرة النبي أن الذي كان يختلف إليهما عبد الله بن أبي بكر، وهو الصواب، وقد أسلم قديمًا مع آل أبي بكر، أما أخوه عبد الرحمن فقد تأخر إسلامه، كما مر في ترجمته.
(١٩) في "صحيح البخاري" في الموضع السابق، حديث الهجرة الطويل وفيه: واستأجر رسول الله - - وأبو بكر رجلاً من بني الديل ..
أمناه فدفعا إليه راحلتيهما ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما.
(٢٠) رواه الثعلبي 6/ 109 ب.
(٢١) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).
(٢٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1800.
(٢٣) في (ج): تكررت جملة: (قال: أبو بكر).
(٢٤) ذكره الزمخشري في "الكشاف" 2/ 190 بصيغة التمريض، وذكره الزيلعي في "تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف" 3/ 75 ولم يذكر من أخرجه.
(٢٥) في (ج): (واحد)، وما أثبته موافق لما في "الوسيط".
(٢٦) ساقط من (ي).
(٢٧) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 49، و"الوسيط" 2/ 99.
(٢٨) أخرجه ابن عساكر كما في "الدر المنثور" 3/ 433 بنحوه، وذكر الثعلبي 6/ 109 ب قول الرسول وما بعده، عن الزهري.
(٢٩) في (ي): (ضاق).
(٣٠) في (ج): (شفقته)، والصواب ما أثبته بدلالة السياق.
(٣١) في هذا أبلغ الرد على الرافضة الذين ينتقصون أبا بكر بحزنه المذكور، وانظر تفصيل ذلك في: "أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 953.
(٣٢) انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 109 أ، والبغوي 4/ 49.
(٣٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 448، وقد روى الأثر بمعناه مختصرًا ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1798 - 1799 ولفظه: فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله وبكيت، فقال: "ما يبكيك؟
" فقلت: أما والله ما على نفسي أبكي، ولكن أبكي عليك.
لكن هذا في مسيرهما إلى المدينة وليس في الغار.
(٣٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).
(٣٥) رواه بنحوه البخاري (4381) كتاب التفسير، باب قوله ﴿ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ ﴾ ، ومسلم (2381) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر الصديق.
(٣٦) لم أجد من ذكره عنه، وقد رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1801 عن حبيب بن أبي ثابت، وذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 440 عنه وعن علي وابن عباس.
(٣٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 449، وهذا أولى لأن في القول الثاني تفكيك للضمائر.
(٣٨) في (ج): (كانت).
(٣٩) ساقط من (ج).
(٤٠) رواه ابن أبي حاتم 6/ 1801، والثعلبي 6/ 110 ب، وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في "الدلائل" وابن عساكر في "تاريخه" كما في "الدر المنثور" 3/ 439.
(٤١) ذكره بمعناه ابن قتيبة في "غريب القرآن" 2/ 12، والنحاس في "معاني القرآن الكريم" 3/ 210، وفي "إعراب القرآن" 2/ 215.
(٤٢) ذكره مختصرًا الماوردي في "النكت" 2/ 364، وأبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 43.
(٤٣) لم أجده في كتب المبرد التي بين يدي.
(٤٤) ذكر قول ابن الأنباري باختصار ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 441 ولم أجده في كتبه المطبوعة.
(٤٥) "الوسيط" 2/ 449، وبمعناه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 193.
(٤٦) هذا التخصيص لا دليل عليه، وليس في سياق الرواية ما يشعر به.
(٤٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 449.
(٤٨) ذكر معنى هذا القول مختصرا ابن عطية في "تفسيره" 6/ 500.
(٤٩) رواه البغوي في "تفسيره" 4/ 53، وانظر: "الوسيط" 2/ 449.
(٥٠) رواه ابن جرير 10/ 136، وابن أبي حاتم 6/ 1801، وعزاه إلى السدي، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" ولفظه عندهم: قال: ذكر== ما كان في أول شأنه حين بعث يقول الله: فأنا فاعل ذلك به وناصره كما نصرته إذ ذاك وهو ثاني اثنين، وهو في "تفسير مجاهد" 369 بلفظ: قال: ذكر ما كان من أول شأنه حين أخرجوه، فالله ناصره كما نصره وهو ثاني اثنين.
(٥١) في (ي): (تكرار لبعض ما سبق ذكره، ولفظ الزيادة: من آخر ما نزل في القرآن، وذكر في هذه السورة.
(٥٢) هذا معنى قول مجاهد عند المؤلف، والمتأمل في لفظي قول مجاهد -وقد سبق ذكرهما في التعليق الأسبق- يظهر له أن معناه: لقد ذكر الله تعالى نصرته لعبده في أول شأنه حين بعث إذ كان ثاني اثنين في الغار، فالله ناصره بعد ذلك كما نصره في تلك الحادثة.
(٥٣) في (ج): (كلمة السفلى: الشرك).
(٥٤) رواه ابن جرير 10/ 137، وابن أبي حا تم 6/ 1801، والثعلبي 110/ 6 ب، والبيهقي في كتاب: "الأسماء والصفات"، باب: ما جاء في فضل الكلمة الباقية ..
1/ 184 وهو من رواية علي بن أبي طلحة، ولفظ: "وكان هذا يوم بدر" ليس من كلام ابن عباس حسب المصادر السابقة.
(٥٥) انظر: "تفسيره" 29 أ.
(٥٦) انظر: "معاني القرآن" 1/ 438، ولم يذكر الفراء أن ذلك كان يوم بدر.
(٥٧) ذكره مختصرًا ابن الجوزي في "الزاد" 3/ 441، وأبو حيان في "البحر" 5/ 44، وأشار إليه المصنف في "الوسيط" 2/ 499.
(٥٨) هكذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: وهو الحق.
(٥٩) "الوسيط" 2/ 449 دون جملة: هو الحق.
(٦٠) على الابتداء و (هي) الخبر، أو تكون فصلاً والخبر (العليا).
(٦١) قرأ بها العشرة غير يعقوب، انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص 165، و"تقريب النشر" ص 120، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 242، وهذه القراءة أبلغ لأن الجملة الاسمية تدل على الدوام والثبوت بخلاف الجملة الفعلية التي تدل على الحدوث والتجدد، ولأن كلمة الله في ذاتها عالية ثابتة فلا حاجة إلى جعلها كذلك.
(٦٢) وقرأ بها يعقوب والحسن والأعمش في رواية المطوعي.
انظر: "إتحاف فضلاء البشر" ص 242 عطفًا على (كلمة الذين كفروا)، والمعنى: وجعل كلمة الذين كفروا، وجعل كلمة الله هي العليا.
(٦٣) لم أهتد إلى قائله.
وانظر البيت بلا نسبة في: "شرح أبيات معاني القرآن" ص 214.
(٦٤) "معاني القرآن" 1/ 438 وقد رد النحاس قول الفراء هذا فقال: قرأ الحسن ويعقوب (وكلمةَ الله) بالنصب عطفًا على الأول، وزعم الفراء أن هذا بعيد؛ قال: لأنك تقول: أعتق فلان غلام أبيه، ولا تقول: غلام أبي فلان.
قال أبو جعفر: الذي ذكره الفراء لا يشبه الآية، ولكن يشبهها ما أنشده سيبوبه: لا أرى الموت يسبق الموت شيء .....
نغص الموت ذا الغنى والفقيرا وهذا جيد حسن؛ لأنه لا إشكال فيه، بل يقول النحويون الحذاق: إن في إعادة الذكر في مثل هذا فائدة وهي أن فيه معنى التعظيم، قال الله عز وجل: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ﴾ فهذا لا إشكال فيه.
"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 752.
(٦٥) لم أعثر على مصدره.
(٦٦) لم أعثر على مصدر هذا القول، وقد ذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 442، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 499 من غير نسبة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله ﴾ شرط وجواب، والضمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن قيل: ارتبط هذا الشرط مع جوابه، فالجواب: أن المعنى؛ إن لم تنصروه أنتم فسينصره الله الذي نصره حين كان ثاني اثنين، فدل بقوله نصره الله على نصره في المستقبل ﴿ إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُواْ ﴾ يعني خروجه من مكة مهاجراً إلى المدينة، وأسند إخراجه إلى الكفار، لأنهم فعلوا معه من الأذى ما اقتضى خروجه ﴿ ثَانِيَ اثنين ﴾ هو أبو بكر الصديق ﴿ إِذْ يَقُولُ لصاحبه لاَ تَحْزَنْ ﴾ يعني أبا بكر ﴿ إِنَّ الله مَعَنَا ﴾ يعني بالنصر واللطف ﴿ فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ﴾ الضمير للرسول صلى الله عليه وسلم، وقيل: لأبي بكر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نزل معه السكينة، ويضعف ذلك بأن الضمائر بعدها للرسول عليه السلام ﴿ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ يعني الملائكة يوم بدر وغيرهم ﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ السفلى ﴾ يريد إذلالها ودحضها.
﴿ وَكَلِمَةُ الله هِيَ العليا ﴾ قيل هي: لا إله إلا الله، وقيل: الدين كله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وكلمة الله ﴾ بالنصب: يعقوب.
الباقون: بالرفع.
الوقوف: ﴿ إلى الأرض ﴾ ط ﴿ من الآخرة ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ شيئا ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ معنا ﴾ ج لعطف ﴿ أنزل ﴾ على ﴿ نصره ﴾ مع عوارض الظروف.
﴿ السفلى ﴾ ط إلا لمن قرأ ﴿ وكلمة ﴾ بالنصب ﴿ العليا ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ الشقة ﴾ ط ﴿ معكم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال.
﴿ أنفسهم ﴾ ج لواو الابتداء والحال.
﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ عنك ﴾ ج لحق الاستفهام مع اتصال الكلام معنى.
﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ وأنفسهم ﴾ ط ﴿ بالمتقين ﴾ ه ﴿ يتردّدون ﴾ ه ﴿ القاعدين ﴾ ه ﴿ الفتنة ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ ولا تفتني ﴾ ط ﴿ سقطوا ﴾ ط ﴿ بالكافرين ﴾ ه.
التفسير: لما شرح الله معايب هؤلاء الكفار عاد إلى الترغيب في قتالهم.
عن ابن عباس أنها نزلت في غزوة تبوك سنة عشر؛ وذلك أنه لما رجع من الطائف أقام بالمدينة أياماً فأمر بجهاد الروم فاستثقله الناس لكون الزمان زمان صيف وللقحط ولبعد المسافة ولمزيد احتياج الاستعداد ولشدة الحر وللخوف من عسكر الروم ولوجود أسباب الرفاهية بالمدينة لكون الوقت وقت إدراك الثمار وحصول الغلات.
روي أن رسول الله ما خرج في غزوة إلا ورّى عنها بغيرها إلا في غزوة تبوك ليستعد الناس تمام العدة.
أصل النفر الخروج إلى مكان لأمر هاج عليه واسم ذلك القوم الذين يخرجون النفير.
وأصل ﴿ اثاقلتم ﴾ تثاقلتم كما قلنا في ﴿ فادّارأتم ﴾ ومعناه تبأطاتم.
وإنما عدّي بإلى لتضمين معنى الميل والإخلاد كقوله ﴿ أخلد إلى الأرض ﴾ أي مال إلى الدنيا وشهواتها.
وقيل: المراد لتم إلى الإقامة بأرضكم والبقاء فيها.
ومعنى الاستفهام في ﴿ مالكم ﴾ الإنكار.
وقرىء ﴿ أثاقلتم ﴾ على الاستفهام للإنكار أيضاً فيكون جواب "إذا" فعلاً آخر مدلولاً عليه بأثاقلتم كنحو ملتم، وذلك أن جواب "إذا" عامل في "إذا"، والاستفهام لا يعمل فيما قبله.
ويجوز على هذه أن يكون "إذا" لمجرد الظرفية والعامل فيه ما في ﴿ مالكم ﴾ من معنى الفعل كأنه قيل: ما تصنعون إذا قيل لكم و "من" في ﴿ من الآخرة ﴾ للبدل كقوله ﴿ لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون ﴾ كأنه قيل: قد ذكرنا الموجبات الكثيرة الداعية إلى القتال وبينا أنواع فضائحهم التي تحمل العاقل على مقاتلتهم، ولو لم يكن فيه إلا طاعة المعبود المستلزمة لثواب الآخرة لكفى به باعثاً.
﴿ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة ﴾ أي في جنبها وفي مقابلها.
﴿ إلا قليل ﴾ ويجوز أن يراد بالقلة العدم إذ لا نسبة للمتناهي الزائل إلى غير المتناهي الباقي.
والظاهر أن هذا التثاقل لم يصدر من جميع المخاطبين لاستحالة إطباق هذه الأمة على المعصية والضلالة إلا أنه طالما أعطى للأكثر حكم الكل وأطلق لفظ الكل على الإغلب، ثم لما رغبهم في الجهاد بعرض الثواب عليهم رغبتهم فيه بعرض العقاب فقال ﴿ إلا تنفروا ﴾ ورتب عليه ثلاث خصال: الأولى قوله ﴿ يعذبكم عذاباً أليماً ﴾ قيل: هو عذاب الدنيا.
عن استنفرهم رسول الله فتثاقلوا فأمسك الله عنهم المطر.
وقال الحسن: الله أعلم بالعذاب الذي كان ينزل عليهم.
وقيل: هو عذاب الآخرة فإن الأليم لا يليق إلا به.
وقيل: إنه تهديد بالعذاب المطلق الشامل للدارين.
الثانية قوله ﴿ ويستبدل قوماً غيركم ﴾ يعني قوماً آخرين خيراً منهم وأطوع.
قيل: هم أهل اليمن.
عن أبي روق.
وقيل: أبناء فارس عن سعيد بن جبير.
وقيل: يحتمل أن يراد بهم الملائكة.
وقال الأصم: معناه أنه يخرجه من بين أظهركم وهي المدينة والأصح إبقاء الآية على الإطلاق.
الثالثة قوله ﴿ ولا تضروه شيئاً ﴾ قال الحسن: الضمير لله وفيه أنه غني عنهم في نصرة دينه بل في كل شيء.
وقال آخرون: الضمير للرسول لأن الله وعده أن يعصمه ووعد الله كائن لا محالة.
وفي قوله ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ تنبيه على أنه قادر على نصرة رسوله بأي وجه أراد، وقادر على إيقاع العذاب بكل من يخالف أمره كائناً من كان.
عن الحسن وعكرمة أن الآية منسوخة بقوله ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴾ والصحيح أنها خطاب لمن استنفرهم رسول الله فلم ينفروا فلا نسخ.
قال الجبائي: في الآية دلالة على إبطال مذهب المرجئة من أن أهل القبلة لا وعيد لهم.
وقال القاضي: فيها دلالة على وجوب الجهاد سواء كان مع الرسول أولا لقوله ﴿ مالكم إذا قيل لكم ﴾ ولم ينص على أن القائل هو الرسول.
ومن قال إن الضمير في قوله ﴿ لا يضروه ﴾ عائد إلى الرسول فجوابه أن خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها.
ثم رغبهم في الجهاد بطريق آخر فقال ﴿ إلا تنصروه فقد نصره الله ﴾ وهذا كالتفسير لما تقدم.
والمعنى إن لم تشتغلوا بنصره فإن الله سينصره بدليل أن الله نصره وقواه حال ما لم يكن معه إلا رجل واحد ولا أقل من الواحد.
وفيه أنه لما أوجب له النصرة وقتئذّ فلن يخذله بعد ذلك.
وقوله ﴿ إذ أخرجه الذين كفروا ﴾ أي ألجؤه إلى أن خرج ظرف لنصره، و ﴿ ثاني اثنين ﴾ نصب على الحال ومعناه أحد اثنين لأنه إذا حضر اثنان فكل واحد منهما ثانٍ للآخر وواحد منهما.
وقوله ﴿ إذ هما في الغار ﴾ بدل من إذ أخرجه و ﴿ إذ يقول ﴾ بدل ثان والغار نقب عظيم في الجبل والمراد به ههنا نقب في أعلى ثور وهو جبل في يمين مكة على مسيرة ساعة.
واعلم أنا قد ذكرنا في سورة الأنفال أن قريشاً ومن بمكة تعاقدوا على قتل رسول الله فنزل ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ﴾ فأمره الله أن يخرج هو وأبو بكر الصديق إلى الغار.
فخرج وأمر علياً أن يضطجع على فراشه فلما وصلا إلى الغار دخل أبو بكر يلتمس ما في الغار فقال له الرسول: مالك؟
فقال: بأبي أنت وأمي، الغيران مأوى السباع والهوام فإن كان فيه شيء كان بي لا بك، فخرق عمامته وسد الحجرة وبقي حجر واحد فوضع عقبه عليه كيلا يخرج منه ما يؤذي الرسول .
فلما طلب المشركون الأثر وقربوا بكى أبو بكر خوفاً على رسول الله فقال : ﴿ لا تحزن إن الله معنا ﴾ وقيل: طلع المشركون فوق الغار فأشفق أبو بكر على رسول الله فقال إن تصب اليوم ذهب دين الله فقال : ما ظنك باثنين الله ثالثهما!
وقيل: لما دخلا الغار بعث الله حمامتين فباضتا في أسفله، والعنكبوت فنسجت عليه وقال رسول الله : اللهم أعم أبصارهم.
فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطنون له قد أخذ الله أبصارهم عنه.
استدل أهل السنة بالآية على أفضلية أبي بكر وغاية اتحاده ونهاية صحبته وموافقة باطنه ظاهره وإلا لم يعتمد الرسول عليه في مثل تلك الحالة، وأنه كان ثاني رسول الله في الغار وفي العلم لقوله "ما صب في صدري شيء إلا وصببته في صدر أبي بكر" .
وفي الدعوة إلى الله لأنه عرض الإيمان أولاً على أبي بكر فآمن، ثم عرض أبو بكر الإيمان على طلحة والزبير وعثمان بن عفان وجماعة أخرى من أجلة الصحابة، وكان لا يفارق الرسول في الغزوات وفي أداء الجماعات وفي المجالس والمحافل، وقد أقامه في مرضه مقامه في الإمامة، ولما توفي دفن بجنب رسول الله ، وكان ثاني اثنين من أول أمره إلى آخره، ولو قدرنا أنه توفي رسول الله في ذلك السفر لزم أن لا يقوم بأمره ولا يكون وصيه إلا أبو بكر.
وأن لا يبلغ ما حدث في ذلك الطريق من الوحي والتنزيل إلا أبو بكر.
وقوله ﴿ لا تحزن ﴾ نهى عن الحزن مطلقاً والنهي يقتضي الدوام والتكرار فهو لا يحزن قبل الموت وعنده وبعده.
ولا شك أن من كان الله معه فإنه يكون من المتقين المحسنين لقوله ﴿ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ﴾ قال الحسين بن فضيل: من أنكر صحبة غير أبي بكر من الصحابة فإنه يكون كذاباً مبتدعاً، ومن أنكر صحبة أبي بكر فإنه يكون كافراً لأنه خالف قول الله ﴿ إذ يقول لصاحبه ﴾ أجابت الشيعة بأن كونه ثاني اثنين ليس أعظم من كون الله رابعاً لكل ثلاثة في قوله ﴿ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ﴾ وهذا عام في حق كل كافر ومؤمن.
وكون المصاحبة موجبة للتشريف معارض بقوله للكافر ﴿ قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك ﴾ وكما احتمل أن يقال إنه استخلصه لنفسه في هذا السفر لأجل الثقة، احتمل أن يكون ذلك لأجل إنه خاف أن يدل الكفار عليه أو يوقفهم على أسراره لو تركه.
ثم إن حزنه لو كان حقاً لم ينه عنه فهو ذنب وخطأ.
سلمنا دلالة الآية على فضل أبي بكر إلا أن اضطجاع علي على فراشه أعظم من ذلك فيه من خطر النفس.
أجاب أهل السنة بأن كون الله رابعاً لكل ثلاثة أمر مشترك، وكونه ثاني اثنين تشريف زائد اختص الله أبا بكر به على أن المعية هنالك بالعمل والتدبير وههنا بالصحبة والمرافقة، فأين إحداهما من الأخرى؟!
والصحبة في قوله ﴿ قال له صاحبه ﴾ مقرونة بما تقتضي الإهانة والإذلال وهو قوله ﴿ أكفرت ﴾ وفي الآية مقرونة بما يوجب التعظيم والإجلال وهو قوله ﴿ لا تحزن إن الله معنا ﴾ قالوا: والعجب أن الشيعة إذا حلفوا قالوا: وحق خمسة سادسهم جبريل.
واستنكروا أن يقال: وحق اثنين الله ثالثهما.
والاحتمال الذي ذكروه مدفوع بما روي أن أبا بكر هو الذي اشترى الراحلة للرسول وأن عبد الرحمن بن أبي بكر وأسماء بنت أبي بكر هما اللذان كانا يأتيانهما بالطعام مدة مكثهما في الغار وذلك ثلاثة أيام وقيل بضعة عشر يوماً.
وروي أن جبريل أتاه وهو جائع فقال؛ هذه أسماء قد أتتك بحيسة ففرح بذلك رسول الله وأخبر به أبا بكر، ولو كان أبو بكر قاصداً له لصاح بالكفار عند وصولهم إلى باب الغار، ولقال ابنه وابنته نحن نعرف مكان محمد.
وكون حزنه معصية معارض بقوله لموسى ﴿ لا تخف إنك أنت الأعلى ﴾ وقول الملائكة لإبراهيم ﴿ لا تخف وبشروه ﴾ ثم إنا لا ننكر أن اضطجاع علي على فراش الرسول طاعة وفضيلة إلا أن صحبة أبي بكر أعظم لأن الحاضر أعلى حالاً من الغائب، ولأن علياً ما تحمل المحنة إلا ليلة وأبو بكر مكث في الغار أياماً، وإنما اختار علياً للنوم على فراشه لأنه كان صغيراً لم يظهر عنه بعد دعوة بالدليل والحجة ولا جهاد بالسيف والسنان بخلاف أبي بكر فإنه قد دعا حينئذ جماعة إلى الدين وكان يذب عن الرسول بالنفس والمال، فكان غضب الكفار على أبي بكر أشد من غضبهم على عليّ ولهذا لم يقصدوا علياً بضرب ولا ألم لما عرفوا أن المضطجع هو.
ثم زعم أهل السنة أن الضمير في قوله ﴿ فأنزل الله سكينته عليه ﴾ عائد إلى أبي بكر لا إلى الرسول لأنه أقرب المذكورين فإن التقدير: إذ يقول محمد لصاحبه أبي بكر ولأن الخوف كان حاصلاً لأبي بكر والرسول كان آمناً ساكن القلب بما وعده الله من النصر، ولو كان خائفاً لم يمكنه إزالة الخوف عن غيره بقوله ﴿ لا تحزن ﴾ ولناسب أن يقال: فأنزل الله سكينته عليه فقال لصاحبه لا تحزن.
واعترض بأن قوله ﴿ وأيده ﴾ عطف على ﴿ فأنزل ﴾ فواجب أن يتحد الضميران في حكم العود.
وأجيب بأن قوله ﴿ وأيده ﴾ معطوف على قوله ﴿ فقد نصره ﴾ والتقدير: إلا تنصروه فقد نصره في واقعة الغار وأيده في واقعة بدر والأحزاب وحنين بالملائكة، والظاهر أن الحزن لا يبعد أن يكون شاملاً للنبي أيضاً من حيث البشرية كقوله ﴿ وزلزلوا ﴾ ويكون في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: فأنزل الله سكينته عليه إذ يقول، أو يكون ﴿ فأنزل ﴾ معطوفاً على نصره.
والمراد بالسكينة ما ألقي في قلبه من الأمنة التي سكن عندها قلبه وعلم أنه منصور لا محالة كقوله في قصة حنين ﴿ ثم أنزل الله سكينته على رسوله ﴾ وقوله ﴿ وجعل ﴾ يعني يوم بدر وسائر الوقائع ﴿ كلمة الذين كفروا ﴾ وهي دعوتهم إلى الكفر وعبادة الأصنام ﴿ السفلى وكلمة الله ﴾ وهي دعوته إلى الإسلام أو كلمة التوحيد لا إله إلا الله ﴿ هي العليا ﴾ وفي توسيط كلمة الفصل - أعني هي - تأكيد فضل كلمة الله في العلو وأنها المختصة بالعلاء دون سائر الكلم.
قال الفراء: لا أحب قراءة نصب الكلمة لأن الأجود حينئذ أن يقال: وكلمته هي العليا.
ألا ترى أنك تقول: أعتق أبوك غلامه ولا تقول أعتق أبوك غلام أبيك؟
قلت: وفي الرفع أيضاً الاستئناف وما في الجملة الاسمية من الثبات ﴿ والله عزيز حكيم ﴾ قاهر غالب لا فعل له إلا الصواب.
ثم لما توعد من لا ينفر مع الرسول وضرب له من الأمثال ما وصف عقبه بالأمر الجزم فقال ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ قال المفسرون: أي خفافاً في النفور لنشاطكم وثقالاً عنه لمشقته عليكم، أو خفافاً لقلة عيالكم وثقالاً لكثرتهم، أو خفافاً من السلام وثقالاً منه، أو ركباناً ومشاة، أو شباناً وشيوخاً، أو مهازيل وسماناً، أو صحاحاً ومراضاً، والصحيح التعميم، وأن المراد انفروا سواء كنتم على الصفة التي يخف عليكم الجهاد معها أو على ضدها.
قال الأكثرون: ظاهر هذا الأمر يقتضي تناول جميع الناس حتى المرضى والعاجزين ويؤيده ما روي عن ابن أم مكتوم أنه قال لرسول الله : أعليّ أن أنفر؟
قال: ما أنت إلا خفيف أو ثقيل فرجع إلى أهله ولبس سلاحه ووقف بين يديه فنزل قوله ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ وقال مجاهد: إن أبا أيوب شهد بدراً مع رسول الله ولم يتخلف عن غزوات المسلمين ويقول: قال الله ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ فلا أجدني إلا خفيفاً أو ثقيلاً.
وعن صفوان بن عمرو قال: كنت والياً على حمص فلقيت شيخاً كبيراً قد سقط حاجباه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو فقلت: يا عم لقد أعذر الله إليك.
فرفع حاجبيه وقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافاً وثقالاً إلا أنه من يحبه الله يبتليه.
وعن الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل: إنك عليل صاحب ضرر.
فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل فإن لم تمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع.
وعن أنس قال: قرأ أبو طلحة هذه الآية فقال: ما أسمع الله عذر أحداً فخرج مجاهداً إلى الشام حتى مات.
وقال السدي: جاء المقداد بن الأسود إلى رسول الله وكان عظيماً سميناً وشكا إليه وسأله أن يأذن له فنزل فيه ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ فاشتد شأنها على الناس فنسخها الله بقوله ﴿ ليس على الضعفاء ولا على المرضى ﴾ الآية.
وقيل: لا حاجة إلى التزام النسخ لأن هذه الآيات نزلت في غزوة تبوك بالاتفاق، ولا شك أنه خلف من النساء والرجال أقواماً فذلك يدل على أن هذا الوجوب ليس على الأعيان ولكنه من فروض الكفايات.
فمن أمره الرسول بأن يخرج لزمه ذلك ومن أمره أن يبقى لزمه أن يبقى.
ولقائل أن يقول: لا نزاع في هذا إنما النزاع في الضعفاء والمرضى.
ثم قال ﴿ وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ﴾ وفي إيجاب للجهاد بهما إن أمكن، أو بالنفس إن لم يكن مال زائد على أسباب الجهاد، أو بالمال بأن يستنيب من يغزو وعنه إن لم تكن له نفس سليمة صالحة للجهاد وهذا قول كثير من العلماء.
﴿ ذلكم خير لكم ﴾ يعني أنه خير في نفسه أو أنه خير من القعود لما فيه من الراحة والدعة والنعيم العاجل.
وإنما قال ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ لأن ما يحصل من الخيرات في الجهاد لا يدرك إلا بالتأمل ولا يعرفه إلا المؤمن الذي عرف بالدليل أن وعد الله حق.
ثم نزل في المتخلفين عن غزوة تبوك من المنافقين ﴿ لو كان عرضاً قريباً ﴾ قال الزجاج: أي لو كان المدعو إليه فحذف لدلالة ما تقدم عليه.
والعرض ما عرض لك من منافع الدنيا ومنه قولهم: الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، والمراد بالقرب سهولة مأخذه ﴿ وسفراً قاصداً ﴾ أي وسطاً بين القرب والبعد وكل متوسط بين الإفراط والتفريط فهو قاصد أي ذو قصد لأن كل أحد يقصده.
والشقة المسافة الشاقة الشاطة، ووصف المسافة البعيدة بالبعد مبالغة نحو جد جدّة.
وفحوى الكلام لو كانت المنافع قريبة الحصول والسفر وسطاً ﴿ لاتبعوك ﴾ طمعاً في الفوز بتلك المنافع ولكن طال السفر فكانوا كالآيسين من الفوز بالغنيمة.
ثم أخبر أنه سيجدهم إذا رجع من الجهاد يحلفون بالله إما ابتداء على طريق إقامة العذر وإما عندما يعاتبهم بسبب التخلف وقد وقع كما أخبر فكان معجزاً.
و ﴿ بالله ﴾ متعلق بـ ﴿ سيحلفون ﴾ أو هو من جملة كلام المتخلفين والقول مقدر في الوجهين أي سيحلفون بالله قائلين ﴿ لو استطعنا ﴾ وقوله ﴿ لخرجنا ﴾ سادّ مسدّ جوابي القسم ولو جميعاً.
قيل: في الآية دلالة على أن قوله ﴿ انفروا ﴾ خطاب للمستطيعين وإلا لما أمكنهم جعل عدم الاستطاعة عذراً في التخلف.
قال الجبائي: فيها دليل على أن الاستطاعة قبل الفعل وإلا لما كذبهم الله ، فإن لم من يخرج إلى القتال لم يكن مستطيعاً للقتال عند من يجعل الاستطاعة مع الفعل.
وقال الكعبي: زائداً عليه فإن قيل: لم لا يجوز أن يراد أنهم ما كان لهم زاد ولا راحلة ولا يراد نفس القدرة؟
قلنا إن من لا راحلة له يعذر في ترك الخروج فمن لا قدرة له أولى.
وأيضاً الظاهر من الاستطاعة قوة البدن وإذا أريد به المال فلأنه يعين على ما يفعله الإنسان بقوة البدن.
وأجيب بأن المعتزلة سلموا أن القدرة على الفعل لا تتقدم الفعل إلا بوقت واحد فإن الإنسان الجالس في مكان لا يكون قادراً في هذا الزمان على أن يفعل فعلاً في مكان بعيد عنه وإنما يقدر على فعله في المكان الملاصق لمكانه.
فالقوم الذين تخلفوا ما كانوا قادرين على القتال عندنا وعندهم فيلزمهم ما ألزموه علينا فوجب المصير إلى تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة فيسقط السؤال.
ولقائل أن يقول: إنهم وإن كانوا غير قادرين على القتال إلا أنهم كانوا قادرين على الاشتغال بأسباب القتال فيعود السؤال.
قال في الكشاف ﴿ يهلكون ﴾ بدل من ﴿ سيحلفون ﴾ أو حال أي يوقعونها في الهلاك بحلفهم الكاذب، أو حال من ضمير ﴿ خرجنا ﴾ أي لخرجنا معكم وإن ألقينا أنفسنا في التهلكة.
وإنما جاء به على لفظ الغائب لأنه مخبر عنهم.
حلف بالله ليفعلن أو لأفعلن فالغيبة على الإخبار والتكلم على الحكاية.
قلت: وفي الوجه الأخير نظر للزوم بناء أول الكلام على التكلم وآخره على الغيبة، ولعل الصحيح حينئذ أن لو قيل: لخرجنا معكم نهلك أنفسنا والله أعلم.
ثم بين أن ذلك التخلف من بعضهم كان بإذن الرسول ولهذا توجه عليه العتاب بقوله ﴿ عفا الله عنك ﴾ فإن العفو يستدعي سابقة الذنب.
وبقوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ فإنه استفهام في معنى الإنكار وبيان لما كنى عنه بالعفو.
قال قتادة وعمرو بن ميمون: شيئان فعلهما الرسول لم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين وأخذه الفداء من الأسارى.
فعاتبه الله بطريق الملاطفة كما تسمعون.
والذي عليه المحققون أنه محمول على ترك الأولى.
وقوله ﴿ عفا الله عنك ﴾ إنما جاء على عادة العرب في التعظيم والتوقير فيقدمون أمثال ذلك بين يدي الكلام يقولون: عفا الله عنك ما صنعت في أمري، رضي الله عنك ما جوابك عن كلامي، وعافاك الله ألا عرفت حقي.
وبعد حصول العفو من الله يستحيل أن يكون قوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ وارداً على سبيل الذم والإنكار بل يحمل على ترك الأكمل والأولى لا سيما وهذه الواقعة كانت من جنس ما يتعلق بالحروب ومصالح الدنيا.
قال كثير من العلماء:في الآية دلالة على جواز الاجتهاد لأنه أذن لهم من تلقاء نفسه من غير أن يكون من الله في ذلك إذن وإلا لم يعاتب أو منع وإلا كان عاصياً بل كافراً لقوله ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله ﴾ ولا ريب أنه لا يكون بمجرد التشهي فيكون بالاجتهاد ثم إنه لم يمنع من الاجتهاد مطلقاً وإنما منع إلى غاية هي قوله ﴿ حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ﴾ ولا يمكن أن يكون المراد من ذلك التبين هو التبين بطريق الوحي وإلا كان ترك ذلك كبيرة فتعين أن يحمل التبين على استعلام الحال بطريق الاجتهاد ليكون الخطأ واقعاً في الاجتهاد لا في النص ويدخل تحت قوله "ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد" وفي الآية دلالة على وجوب الاحتراز عن العجلة وترك الاغترار بظواهر الأمور.
قال قتادة.
عاتبه الله كما تسمعون ثم رخص له في سورة النور في قوله ﴿ فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم ﴾ .
قال أبو مسلم: يحتمل أن يريد بقوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ الإذن في الخروج لا في القعود، فقد يكون الخروج غير صواب لكونهم عيناً للمنافقين على المسلمين، وإذا كان هذا محتملاً فلا تتعين الآية لرخصة الإذن في القعود.
وقال القاضي: هذا بعيد لأن سياق الآية يدل على أن الكلام في القاعدين وفي بيان حالهم.
ثم ذكر أنه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوا لأن الاستئذان من علامات النفاق فقال ﴿ لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا ﴾ أي في أن يجاهدوا، وكان الأكابر من المهاجرين والأنصار يقولون: لا نستأذن النبي في الجهاد وكانوا بحيث لو أمرهم بالقعود شق عليهم ذلك.
ألا ترى أن علي بن أبي طالب لما أمره الرسول صلىالله عليه وسلم بأن يبقى في المدينة شق عليه ذلك ولم يرض إلى أن قال له الرسول "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" .
وقيل: إن حرف النفي مضمر كإضمار الجار والتقدير في أن لا يجاهد والآن سياق الآية يدل على ذم من يستأذن في القعود.
وعلى هذا يمكن أن يقال: معناه كراهة أن يجاهدوا وفي قوله ﴿ والله عليم بالمتقين ﴾ رمز إلى أنهم من جملة المتقين وأن لهم ثوابهم.
ثم بين الذين من شأنهم الاستئذان فقال ﴿ إنما يستأذنك ﴾ الآية.
وفيه أن الشاك في أمر الدين وفي أصوله لا في بعض مسائلة غير مؤمن بالله ، وفيه أن محل الريب واليقين هو القلب وأن الإيمان ليس مجرد الإقرار باللسان وإلا لم يصح نفيه عن المنافقين.
ومعنى قوله ﴿ فهم في ريبهم يترددون ﴾ أن الشاك متردد بين النفي والإثبات غير حاكم بأحد الطرفين.
وتقريره أن الاعتقاد إما أن يكون جازماً أولاً، فالجازم إن كان غير مطابق فهو الجهل وإن كان مطابقاً فإما بضرورة أو نظر فهو العلم أولاً وهو اعتقاد المقلد.
وغير الجازم إن كان أحد الطرفين راجحاً عنده فالراجع هو الظن والمرجوح هو الوهم، وإن تساوى الطرفان فهو الريب والشك فلهذا كانت الحيرة والتردد من شأن صاحبه كما أن الثبات والاستقرار ديدن المستبصر.
قال المفسرون: إن المستأذنين هم المنافقون وكانوا تسعة وثلاثين رجلاً.
ثم نعى على المنافقين سوء فعالهم فقال ﴿ ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ﴾ قال ابن عباس: يريد من الماء والزاد والراحلة لأن سفرهم بعيد والزمان شديد، فتركهم العدّة دليل على أنهم أرادوا التخلف.
قال العلماء: وفيه إشارة إلى أنهم كانوا مياسير قادرين على تحصيل الأهبة والعدّة.
﴿ ولكن كره الله انبعاثهم ﴾ أي انطلاقهم ﴿ فثبطهم ﴾ والتثبيط رد الإنسان عن الفعل الذي هم به.
ومعنى الاستدراك أن قوله ﴿ ولو أرادوا الخروج ﴾ يعطي معنى نفي الخروج وكأنه قيل: ما خرجوا ولكن تنبطوا لأن الله صرفهم عن ذلك كما تقول: ما أحسن إليّ زيد ولكن أساء إليّ.
ومثل هذا يسمى في علم البديع صنعة الاستدراك.
وقد يقال: تأكيد الذم بما يشبه المدح.
ولو قيل مثل هذا في المنع لقيل تأكيد المدح بما يشبه الذم.
وههنا سؤال وهو أن خروجهم مع الرسول إن كان مفسدة فلم عاتب الله رسوله في إذنه لهم بالقعود، وإن كان مصلحة فلم كره الله انبعاثهم؟
والجواب أنه كان مفسدة لقوله عقيب ذلك ﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ﴾ وحديث العتاب ظاهر عند من لا يجوز الاجتهاد على الأنبياء لتمكنهم من استعلام الصواب بطريق الوحي، وكذا على قول أبي مسلم.
ومما يوهم أنه أذن لهم في الخروج قوله في هذه السورة ﴿ فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً ﴾ وقوله في سورة الفتح ﴿ سيقول لك المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم ﴾ إلى قوله ﴿ قل لن تتبعونا ﴾ وأما عندنا فإنما لم يستحسن الله من الرسول إذنه لهم بالقعود وإن كان قعودهم مصلحة لأنه أذن لهم قبل إتمام التفحص وإكمال التدبر ولأنه لو لم يأذن لهم فهم كانوا يقعدون من تلقاء أنفسهم فكان يصير ذلك القعود علامة على نفاقهم ولا تبقى حاجة إلى إظهار نفاقهم بوجوه أخر دالة على هتك أستارهم وكشف أسرارهم.
قال معتزلة البصرة: في الآية دلالة على أنه موصوف بصفة الكراهة كما أنه موصوف بصفة الإرادة.
قالت الأشاعرة: معنى كره الله أنه أراد عدم ذلك الشيء.
وزيف بأن العدم لا يصلح أن يكون متعلق الإرادة لأن العدم مستمر فتعلق الإرادة به يكون تحصيلاً للحاصل.
ويمكن أن يجاب بأن الإرادة صفة تقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر سواء في ذلك طرف الوجود وطرف العدم، وطرف العدم غير حاصل إلا بإرادة العدم فكيف يكون تعلق الإرادة به تحصيلاً للحاصل؟
وأيضاً عدم الشيء المخصوص ليس عدماً محضاً.
أما قوله ﴿ وقيل اقعدوا ﴾ فيحتمل أن يكون قد جعل إلقاء الله في قلوبهم كراهة الخروج أمراً بالقعود، ويحتمل أن يراد به قول الشيطان بطريق الوسوسة، أو قول بعضهم لبعض لما أرادوا الاجتماع على التخلف، أو هو قول الرسول كأنه غضب عليهم حين استأذنوه فقال على سبيل الزجر ﴿ اقعدوا مع القاعدين ﴾ فاغتنموا هذه اللفظة وقالوا قد أذن لنا فلهذا عوتب بقوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ أي لم ذكرت هذه اللفظة التي أمكنهم أن يتوسلوا بها إلى تحصيل غرضهم.
ومعنى قوله ﴿ مع القاعدين ﴾ ذم لهم وتعجيز وإلحاق بالنساء والصبيان والزمنى الذين شأنهم الجثوم في البيوت.
﴿ رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ﴾ قال المفسرون: لما خرج رسول الله ضرب عسكره على ثنية الوداع وضرب عبد الله بن أبي عسكره على ذي حدة - أسفل من ثنية الوداع - ولم يكن بأقل العسكرين، فلما سار رسول الله تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب فأنزل الله يعزي نبيه ﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ﴾ فيكون استثناء متصلاً من أعم العام، وحمله على الاستثناء المنقطع بناء على أن التقدير ما زادوكم خيراً إلا خبالاً ضعيف.
والخبال في اللغة الفساد ومنه المخبل للمعتوه، وللمفسرين عبارات؛ قال الكلبي: إلا شراً.
وقال سلمان إلا مكراً.
وقال الضحاك: إلا غدراً.
وقيل: إلا خبثاً.
وقيل: هو الاضطراب في الرأي وذلك بتزيين أمر لقوم وتقبيحه لآخرين حتى يختلفوا وتتفرق كلمتهم.
قالت المعتزلة: دلت الآية على أنه كره انبعاثهم لاشتماله على هذا الخبال والشر.
وفيه دليل على أنه لا يريد إلا الخير والصلاح.
ولقائل: أن يقول إثبات حكم كلي بحكم جزئي غير معقول.
واعلم أنه عد من مفاسد خروجهم ثلاثة: الأول: قوله ﴿ ما زادوكم إلا خبالاً ﴾ الثاني: ﴿ ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة ﴾ قال في الكشاف: زيد ألف في الكتابة لأن الفتحة كانت تكتب ألفاً قبل الخط العربي والخط العربي اخترع قريباً من نزول القرآن وقد بقي من ذلك الألف أثر في الطباع فكتبوا صورة الهمزة ألفاً أخرى ونحوه ﴿ أو لأذبحنه ﴾ في النمل ﴿ لأتوها ﴾ في الأحزاب، ولا رابع لها في القرآن.
وفي الإيضاع قولان لأهل اللغة؛ فقال أكثرهم: هو متعد يقال: وضع البعير إذا عدا، وأوضعه الراكب إذا حمله على العدو.
وعلى هذا يكون في الآية حذف والتقدير: ولأوضعوا ركائبهم.
وقال الأخفش وأبو عبيد: إنه جاء لازماً ويقال: أوضع الرجل إذا سار بنفسه سيراً حثيثاً.
ومنه ما روي أن النبي أفاض من عرفة وعليه السكينة وأوضع في وادي محسر أي أسرع.
قال الواحدي: والآية تشهد للأخفش وأبي عبيد.
وعلى القولين المراد في الآية السعي بين المسلمين بالتضريب والنميمة والمبالغة في الأول أكثر لأن الراكب أسرع من الماشي.
ومعنى ﴿ خلالكم ﴾ أي فيما بينكم.
والخلل الفرجة فيما بين الشيئين.
و ﴿ يبغونكم الفتنة ﴾ أي يبغون لكم.
قال الأصمعي: يقال ابغني كذا وابغ لي أي اطلبه لأجلي.
ومعنى الفتنة هنا افتراق الكلمة والتشويش في المقاصد فعند ذلك يحصل الانهزام أسرع ما يكون.
فالحاصل من النوع الأول اختلاف الآراء، ومن الثاني المشي بالنميمة لتسهيل ذلك الغرض.
وأما النوع الثالث فذلك قوله ﴿ وفيكم سماعون لهم ﴾ قال مجاهد وابن زيد: أي عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم.
وقال قتادة: فيكم من يسمع كلامهم ويقبل قولهم وإذا تعاضد الفاعل والقابل وقع الأثر على أكمل الوجوه لا محالة.
واعترض على هذا القول بأنه كيف يجوز ذلك على المؤمنين مع قوة دينهم؟
وأجيب بأن ذلك إنما يقع لمن قرب عهده بالإسلام أو لمن جبل على الجبن والفشل أو لمن حسن ظنه ببعض المنافقين لقرابة أو هيبة، وقلما يخلو الأقوياء من ضعيف سخيف أو أهل الحق من مبطل منافق ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم ونفاقهم وغيرهم بإلقاء الفتنة فيما بينهم.
ثم سلى نبيه بتوهين كيد أهل النفاق قديماً وحديثاً فقال ﴿ لقد ابتغوا الفتنة من قبل ﴾ أي من قبل وقعة تبوك.
قال ابن جريج: هو أن اثني عشر رجلاً من المنافقين وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة ليفتكوا بالنبي .
وقيل: المراد ما فعله عبد الله بن أبي يوم أحد حين انصرف عن النبي مع أصحابه.
ومعنى الفتنة السعي في تشتيت شمل المسلمين والاختلاف الموجب للفرقة بعد الألفة فسلمهم الله منه ﴿ وقلبوا لك الأمور ﴾ حرفوها ودبروا كل الحيل والمكايد.
ومنه فلان حوّل قلب إذا كان دائراً حول مصايد المكايد ﴿ حتى جاء الحق ﴾ الذي هو القرآن ﴿ وظهر أمر الله ﴾ غلب دينه وشرعه ﴿ وهم كارهون ﴾ رد الله مكرهم في نحرهم وأتى بضد مقصودهم.
ولما كان الأمر كذلك في الماضي فكذا يكون الحال في المستقبل لقوله ﴿ ويأبى الله إلا أن يتم نوره ﴾ ﴿ ومنهم من يقول ائذن لي ﴾ في القعود ﴿ ولا تفتني ﴾ ولا توقعني في الفتنة وهي الإثم بأن لا تأذن لي فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت.
احتمل أن يكون قد ذكره على سبيل السخرية أو على سبيل الجد بأن كان يغلب على ظن ذلك المنافق صدق محمد وإن كان غير جازم به بعد.
وقيل: لا تفتني أي لا تلقني في التهلكة فإني إن خرجت معك هلك مالي وعيالي.
وقيل: قال الجد بن قيس؛ قد علمت الأنصار أني مستهتر بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر يعني نساء الروم، ولكني أعينك بما لي فاتركني، فأعرض عنه النبي وقال: قد أذنت لك فنزلت الآية.
فقال رسول الله لبني سلمة - وكان الجد منهم - من سيدكم يا بني سلمة؟
قالوا: جد بن قيس غير أنه بخيل جبان.
فقال النبي : وأي داء أدوى من البخل؟
بل سيدكم الفتى الأبيض الجعد الشعر البراء ابن معرور.
﴿ ألا في الفتنة سقطوا ﴾ أي إن الفتنة هي التي سقطوا فيها وهي فتنة النفاق والتمرد عن قبول التكليف المستتبع لشقاء الدارين ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ﴾ أما في الدنيا فلإحاطة أسبابها بهم من النعي عليهم بالنفاق وإفشاء الأسرار وهتك الأستار وتحقير المقدار، وأما في الآخرة فلمآل حالهم إلى الدرك الأسفل من النار.
التأويل: أيها الأرواح والقلوب المؤمنة ما مصيبتكم وبلواكم إذ قيل لكم بالإلهام الرباني اخرجوا من الدنيا وما فيها في طلب والسير إليه، أثاقلتم إلى أرض الدنيا وشهواتها.
﴿ إلا تنفروا ﴾ من سجن الدنيا وقيود شهواتها ﴿ يعذبكم عذاباً أليماً ﴾ باستيلاء ظلمات الصفات النفسانية وغلبات الأوصاف السبعية والشيطانية وبألم البعد عن الحضرة الربانية ﴿ ويستبدل قوماً غيركم ﴾ من الأرواح والقلوب العاشقة الصادقة بل من العقول الكاملة المفارقة ﴿ إلا تنصروه ﴾ والرسول الوارد الرباني ﴿ فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ﴾ أي النفوس الأمارة الكافرة من أرض القبول.
﴿ ثاني اثنين ﴾ ثاني النفس الملهمة ﴿ إذ هما في ﴾ غار العدم.
﴿ وكلمة الله هي العليا ﴾ بجعل النفس المطمئنة بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ {الفجر: 28] واصلة إلى مقام العنديه ﴿ انفروا ﴾ أيها الطلاب ﴿ خفافاً ﴾ مجردين من علائق الأهل والأولاد والأموال ﴿ وثقالاً ﴾ متلبسين بها، أو ﴿ خفافاً ﴾ مجذوبين بالعناية ﴿ وثقالاً ﴾ سالكين بالهداية ﴿ وجاهدوا ﴾ بقدمي بذل الأموال والأنفس.
وقدّم إنفاق المال لأن بذل النفس مع بقاء صفاتها الذميمة غير معتبر، ومن صفاتها الذميمة الحرص على الدنيا والبخل بها ذلكم خير لكم لأن الحاصل من المال ومن النفس الوزر والوبال.
والحاصل من الطلب الوصول والوصال ﴿ لو كان ﴾ مطلوبك يا محمد ﴿ عرضاً قريباً ﴾ هو الدنيا ونعيمها ﴿ وسفراً قاصداً ﴾ هو تتبع شهوات النفس وهواها ﴿ لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة ﴾ لأنها الخروج من الدنيا والعقبى.
﴿ وسيحلفون ﴾ يعني أرباب النفوس ﴿ لخرجنا معكم ﴾ يا أهل القلوب.
﴿ عفا الله عنك ﴾ قدم العفو على العتاب تحقيقاً لقوله ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ {الفتح: 2] ﴿ فهم في ريبهم يترددون ﴾ بين أوصافهم الذميمة النفسانية والحيوانية بلا داعية لخروج إلى الأنوار الروحانية ﴿ لأعدوا له عدة ﴾ وهي متابعة الأنبياء ﴿ فثبطهم ﴾ حبسهم في سجن البشرية ﴿ ما زادوكم إلاَّ خبالاً ﴾ فيه إشارة إلى أن قعود أهل الطبيعة في حبس البشرية صلاح لأرباب القلوب وأصحاب السلوك لأنهم لو خرجوا لا عن نية صادقة وعزيمة صالحة ما زادوهم إلا تشويشاً وتفرقة لأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم.
﴿ لقد ابتغوا الفتنة من قبل ﴾ يعني أن صفات النفس قبل البلوغ كانت تستخدم الروح في شهواتها ﴿ حتى جاء الحق ﴾ وهو العقل القابل لأوامر الشرع ﴿ وظهر أمر الله ﴾ وهو التكليف ﴿ ومنهم ﴾ أي من صفات النفس ﴿ من يقول ﴾ وهو الهوى ﴿ ائذن لي ﴾ في القعود عن الارتقاء في مدارج المعارف والمشارع ﴿ ولا تفتني ﴾ يا روح بتكليفي ما ليس من شأني.
وذلك أن الهوى مركب المحبة تستعمله الروح في تصاعده إلى ذروة الكمال والوصال.
﴿ ألا في الفتنة سقطوا ﴾ أي إن فتنة الهبوط هي الفتنة بالحقيقة ﴿ وإن جهنم ﴾ البعد والقطيعة من لوازم كفار النفس وصفاتها أعاذنا الله منها.
<div class="verse-tafsir"
ألا ترى أنه قال في الآية التي تتلو هذه: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ ﴾ ، قال بعضهم: الآية في المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك؛ كقوله: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ...
﴾ الآية، فيفهم ذكر ذلك الوعيد.
وقال بعضهم: الآية في المؤمنين؛ أمروا أن ينفروا في سبيل الله.
﴿ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ ﴾ .
قيل: استثقلتم النفر في سبيل الله وأقمتم.
ويحتمل التثاقل: هو أن يروا من أنفسهم الثقل من غير أن أقاموا؛ كما يقال: يتصامم ويتعامى، من غير أن كان به الصمم والعمى، ولكن لما يرى من نفسه ذلك.
وقال بعض أهل الأدب: قوله: ﴿ ٱثَّاقَلْتُمْ ﴾ .
أي: تثاقلتم وركنتم إلى المقام، وذلك في القرآن كثير؛ كقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً ﴾ أي: تداركوا.
وقوله: ﴿ أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ .
أي: ما متعكم في الدنيا قليل بما وعد أن يمتعكم في الآخرة.
أو أن يقال: متاع الحياة الدنيا من أولها إلى آخر ما تنتهي قليل من متاع الآخرة وكراماتها؛ لأن كرامات الدنيا على شرف الزوال، وكرامات الآخرة على الدوام أبداً.
أو أن يقول: متاع الحياة الدنيا قليل من متاع الآخرة؛ لأن متاع الدنيا ومنافعها تشوبه الآفات والمضرات، ومتاع الآخرة لا تشوبه الآفات والمضرات.
وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية.
عاتب المؤمنين بالتثاقل بالخروج إلى الأرض، ونهاهم عن الركون إلى الدنيا.
وقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ ﴾ .
أي: لما أحدث أولئك الملوك من تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله زيادة في كفر أولئك أحدثوا من وقت إحداثهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .
يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ، أي: يهلك به الذين كفروا، أي: الذين أحدثوا.
ويحتمل: ﴿ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ، أي: ما أحدثوا أولئك الملوك إنما أحدثوا؛ ليضلوا به الأتباع ﴿ يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً ﴾ على ما ذكر في القصة أنهم كانوا يستحلون المحرم عاماً فيصيبون فيه الدماء والأموال، ويحرمونه عاماً فلا يستحلون فيه الدماء والأموال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ ﴾ قيل: ليوافقوا عدد ما حرم الله؛ كان عندهم أن التحريم إنما كان لعدد الأشهر [لا] للأشهر؛ لما في الأشهر، فحفظوا عدد الأشهر، ولم يحفظوا الوقت، وذلك تأويل قوله: ﴿ لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوۤءُ أَعْمَالِهِمْ ﴾ ، أي: زين تأخير المحلل وتقديم المحرم ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .
قيل: لا يهديهم وقت اختيارهم الكفر، ولا يهديهم في الآخرة طريق الجنة؛ لكفرهم في الدنيا، وقد ذكرنا تأويله في غير موضع.
قال أبو عوسجة: النسيء: التأخير؛ يقال: نسأت الشهر، أي: أخرته، ويقال: أنسأ الله في أجلك، أي: أخره الله.
وقوله: ﴿ لِّيُوَاطِئُواْ ﴾ .
المواطأة: أن يدخلوا شهراً مكان شهر، وهو التتابع؛ يقال: تواطأ القوم على حديث كذا وكذا، أي: تتابعوا، وواطأت فلاناً، أي: تابعته.
وقال القتبي: النسيء: التأخير، وكانوا يؤخرون تحرم المحرم منها سنة، ويحرمون غيره مكانه؛ لحاجتهم إلى القتال فيه، ثم يردونه إلى التحريم في سنة أخرى؛ كأنهم ينسئون ذلك.
﴿ لِّيُوَاطِئُواْ ﴾ أي: ليوافقوا ﴿ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ ﴾ ، يقول: إذا حرموا من الشهور عدد الشهور المحرمة، لم يبالوا أن يحلوا الحرام ويحرموا الحلال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ .
أي: إن لم تنفروا يعذبكم عذاباً [أليماً]، فإن كانت الآية في المنافقين فهو ظاهر، وإن كانت في المؤمنين فيحتمل قوله: ﴿ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ : يحل بهم، ولم يبين ما ذلك العذاب.
وقال بعضهم: شدد الله الوعيد في تركهم النفر والخروج في سبيل الله، وعلى ما شدد ببدر في التولية للدبر بقوله: ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ ﴾ الآية [الأنفال: 16]، غير أنه شدد يوم بدر لما لم يكن ملجأ، وكان نفارهم نفار نفاق، وهاهنا شدد لغير ذلك؛ لوجوه: أحدها: لما في تخلف المؤمنين عنه موضع العذر للمنافقين بالتخلف عنه أنهم [إن تخلفوا] للعذر، فنحن نتخلف - أيضاً - للعذر، ولنا في ذلك عذر.
والثاني: يكون للكفار موضع الاحتجاج عليهم، يقولون: إنهم يرغبوننا في الآخرة ويحثوننا في ذلك، ثم إنهم ينفرون عن ذلك ويرغبون عنه.
والثالث: يكون في تخلفهم الشوكة على المؤمنين؛ إذ يقلون إذا تخلفوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ﴾ .
[قيل فيه بوجوه: قيل: يستبدل الملائكة فينصروا رسول الله على ما استبدل يوم بدر ويوم حنين ويوم الأحزاب.
وقيل: يستبدل قوماً غيركم على ما استبدلكم يا أهل مكة فينصرونه.
وقال بعض من أهل التأويل: يستبدل قوماً غيركم] أي: ينشئ قوماً غيركم.
لكن تأويل الأول أشبه.
ألا ترى أنه قال في آخره: ﴿ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً ﴾ .
هو ما ذكرنا، أي: لا تضروا رسول الله بالتخلف عنه.
وقال بعضهم: لا تضروا الله [شيئاً].
والأول أشبه؛ لما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ ﴾ يقول: إن لم تنصروا رسول الله فالله ينصره، على ما نصره في الوقت الذي كان في الغار، لم يكن معه أحد من البشر إلا واحد، فإن لم تنصروه فالله كافيه في النصر، على ما كفاه ونصره في الحال التي لم يكن معه من البشر [أحد] إلا واحد، فاليوم لا ينصره ومعه من الأنصار والأعوان ما لا يحصى؟!
وكان ما استنفرهم رسول الله وأمرهم بالخروج إلى العدو، لم يكن يستنفرهم لمكان نفسه؛ إذ يعلم أن الله كافيه في نصره، ولكن إنما كان يستنفرهم ويأمرهم بالخروج لمكان أنفسهم؛ ليكتسبوا [بذلك] قرباً وثواباً عند الله وزلفى؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ ، وقال: ﴿ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً ﴾ ، أي: إن لم تنفروا ولم تنصروا رسول الله فلا تضروه شيئاً؛ إذ الله كافيه في نصره.
وإنما عاتبهم بترك النفر والخروج؛ لئلا يركنوا إلى الدنيا، ولا يرضوا بالحياة الدنيا من الآخرة على ما ركن أولئك الكفرة؛ لأن ركونهم إلى الدنيا وحبهم إياها هو الذي منعهم عن اتباع محمد، وهو الذي حملهم على الكفر بالله، والتكذيب لرسوله، وترك الإجابة له فيما يدعوهم إليه فيقول - والله أعلم - للمؤمنين: ولا تركنوا إلى الدنيا، ولا ترضوا بها من الآخرة؛ ليمنعكم ذلك عن النفر والخروج إلى ما يأمركم رسول الله، على ما منع أولئك الكفرة؛ على ما ذكرنا.
وأصله: أنه إنما استنصرهم لا لحاجة له إلى نصرهم؛ إذ هو قادر أن ينصر رسوله بما شاء، لكن طلب منهم النصر له؛ ليكتسبوا بذلك ثواباً لأنفسهم، وذكراً في الأجل، وكذلك ما طلب منهم الشكر له على نعمه، لا لحاجة له في ذلك، ولكن ليستديموا النعمة، ويصلوا إلى الباقية الدائمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .
أي: اضطروه إلى الخروج حين هموا بقتله، حتى خرج من بين أظهرهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ ﴾ .
[ثاني اثنين] أي: لم يكن معه من البشر إلا واحد؛ ليعلموا أن النصر لم يكن بأحد من البشر، إنما كان بالله - - إذ بالواحد لا تكون النصرة والحفظ من ألوف، يذكر فضل أبي بكر، وكان هو ثانيه في كل أمره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا ﴾ لم يكن حزن أبي بكر [خوفاً] على نفسه، ولكن إشفاقاً على رسول الله أن يصاب، وكذلك روي في الخبر أنه قال لرسول الله : يا رسول الله، إنك إن تُصبْ يذهب دين الله، ولن يعبد الله على الوجه الأرض.
وفي بعض الأخبار "أن أبا بكر كان يبكي إشفاقاً على رسول الله، فقال له رسول الله : ما يبكيك؟، فقال له: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين ثالثهما الله" وقيل: إنهما لما أتيا باب الغار سبق أبو بكر فدخل الغار، وكان الغار معروفاً بالهوام، فألقمها أبو بكر قدميه، فأطال ذلك، فقال: إن كان فيه شيء بدا لي، أو كلام نحو هذا، - والله أعلم -.
[وقوله] ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا ﴾ : ليس بنهي عن الحزن و[الخوف على رسول الله ]، ولكن على تخفيف الأمر عليه وتيسير الحال التي هو عليها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ﴾ .
قيل: أنزل سكينته على أبي بكر حين قال له رسول الله: "ما ظنك باثنين ثالثهما الله؟!" ، حتى سكن قلب أبي بكر من الحزن والخوف على رسول الله .
وقال بعضهم: أنزل السكينة على رسول الله؛ فهو يخرج على وجهين: أحدهما: أنه أنزل السكينة عليه حتى رأى هو جنوداً لم يروها هم؛ حيث قال: ﴿ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ .
والثاني: أنزل سكينته بالحجج والبراهين، لكنه إن كان ما ذكر، فهو قد أنزل السكينة عليه في البدء؛ لأنه كان رسول الله لا يخاف سوى الله، ويعلم أنه ينصره، وكذلك روي عن ابن عباس قال: فأنزل [الله] سكينته على أبي بكر؛ لأن النبي لم تزل السكينة معه؛ وهو أشبه.
وقوله: ﴿ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ .
يحتمل: في ذلك الوقت.
ويحتمل: في الغزوات التي نصره بالملائكة يوم بدر وغيره؛ يخبر أنه قادر أن ينصره لا بالبشر؛ ليعلموا أنه إنما يأمرهم بالنصر، لا لنصر رسول الله، ولكن ليكتسبوا بذلك ما ذكرنا من الثواب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا ﴾ .
[يحتمل ﴿ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ : وهو ما مكروا برسول الله وهموا بقتله جعل مكرهم ومكيدتهم واجتماعهم على ذلك هي السفلى وكلمة الله هي العليا].
أي: مكر الله [بهم] ونصرة رسوله هي العليا؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...
﴾ الآية [الأنفال: 30].
ويحتمل قوله: ﴿ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ : دينهم الذي يدينون به، ومذهبهم الذي ينتحلونه.
﴿ ٱلسُّفْلَىٰ ﴾ ، أي: جعل ذلك السفلى بالحجج، وجعل دين محمد [هو] العليا بالحجج والبراهين على ذلك ما كان.
ويحتمل قوله: ﴿ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ ﴾ ، أي: جعل أهل الكلمة الذين كفروا هم السفلى، وأهل دين الله هم الأعلون؛ كقوله: ﴿ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ﴾ لا يعجزه شيء ﴿ حَكِيمٌ ﴾ : في أمره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً ﴾ .
اختلف فيه؛ قيل: شباباً وشيوخاً.
وقيل: مرضى وأصحاء.
وقيل: مشاغيل وغير مشاغيل.
وقيل: فقراء وأغنياء.
وقيل: نشاطاً وغير نشاط.
وأصله: انفروا مستخفين ومستثقلين، أي: انفروا، خف عليكم الخروج أو ثقل، وما ذكر أهل التأويل من الشيوخة والشغل والفقر والمرض؛ لأن ذلك بالذي يثقل الخروج والنفر.
وأصله ما ذكرنا أن انفروا، خف عليكم [ذلك] أو ثقل.
وقوله: ﴿ ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً ﴾ .
انفروا، خف على النفس أو ثقل، أو خف على العقل أو ثقل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .
في الدنيا والآخرة، أي: اعلموا أن ذلك خير لكم من المقام وترك النفر، ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
إن لم تنصروا -أيها المؤمنون- رسول الله ، وتستجيبوا لدعوته للجهاد في سبيل الله، فقد نصره الله دون أن تكونوا معه حين أخرجه المشركون هو وأبا بكر - لا ثالث لهما حين كانا في غار ثور مستخفيَيْن من الكفار الذين كانوا يبحثون عنهما، حين يقول رسول الله لصاحبه أبي بكر الصديق حين خاف عليه أن يدركه المشركون: لا تحزن إن الله معنا بتأييده ونصره، فأنزل الله الطمأنينة على قلب رسوله، وأنزل عليه جنودًا لا تشاهدونهم وهم الملائكة يؤيدونه، وصيَّر كلمة المشركين السفلى، وكلمة الله هي العليا حين أعلى الإسلام، والله عزيز في ذاته وقهره وملكه يغالبه أحد، حكيم في تدبيره وقدره وشرعه.
من فوائد الآيات العادات المخالفة للشرع بالاستمرار عليها دونما إنكار لها يزول قبحها عن النفوس، وربما ظُن أنها عادات حسنة.
عدم النفير في حال الاستنفار من كبائر الذنوب الموجبة لأشد العقاب، لما فيها من المضار الشديدة.
فضيلة السكينة، وأنها من تمام نعمة الله على العبد في أوقات الشدائد والمخاوف التي تطيش فيها الأفئدة، وأنها تكون على حسب معرفة العبد بربه، وثقته بوعده الصادق، وبحسب إيمانه وشجاعته.
أن الحزن قد يعرض لخواص عباد الله الصدِّيقين وخاصة عند الخوف على فوات مصلحة عامة.
<div class="verse-tafsir" id="91.1Wq3G"