الآية ٤١ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٤١ من سورة التوبة

ٱنفِرُوا۟ خِفَافًۭا وَثِقَالًۭا وَجَـٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ٤١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 129 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤١ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤١ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال سفيان الثوري ، عن أبيه ، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح : هذه الآية : ( انفروا خفافا وثقالا ) أول ما نزل من سورة " براءة " .

وقال معتمر بن سليمان ، عن أبيه قال : زعم حضرمي أنه ذكر له أن ناسا كانوا عسى أن يكون أحدهم عليلا أو كبيرا ، فيقول : إني لا آثم ، فأنزل الله : ( انفروا خفافا وثقالا ) الآية .

أمر الله تعالى بالنفير العام مع الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - عام غزوة تبوك ، لقتال أعداء الله من الروم الكفرة من أهل الكتاب ، وحتم على المؤمنين في الخروج معه على كل حال في المنشط والمكره والعسر واليسر ، فقال : ( انفروا خفافا وثقالا ) وقال علي بن زيد ، عن أنس ، عن أبي طلحة : كهولا وشبابا ما أسمع الله عذر أحدا ، ثم خرج إلى الشام ، فقاتل حتى قتل .

وفي رواية : قرأ أبو طلحة سورة براءة ، فأتى على هذه الآية : ( انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ) فقال : أرى ربنا يستنفرنا شيوخا وشبابا جهزوني يا بني .

فقال بنوه : يرحمك الله ، قد غزوت مع رسول الله حتى مات ، ومع أبي بكر حتى مات ، ومع عمر حتى مات ، فنحن نغزو عنك .

فأبى ، فركب البحر فمات ، فلم يجدوا له جزيرة يدفنوه فيها إلا بعد تسعة أيام ، فلم يتغير ، فدفنوه بها .

وهكذا روي عن ابن عباس ، وعكرمة وأبي صالح ، والحسن البصري ، وشمر بن عطية ، ومقاتل بن حيان ، والشعبي وزيد بن أسلم : أنهم قالوا في تفسير هذه الآية : ( انفروا خفافا وثقالا ) قالوا : كهولا وشبابا ، وكذا قال عكرمة والضحاك ، ومقاتل بن حيان ، وغير واحد .

وقال مجاهد : شبابا وشيوخا ، وأغنياء ومساكين .

وكذا قال أبو صالح ، وغيره .

وقال الحكم بن عتيبة : مشاغيل وغير مشاغيل .

وقال العوفي ، عن ابن عباس في قوله تعالى : ( انفروا خفافا وثقالا ) يقول : انفروا نشاطا وغير نشاط .

وكذا قال قتادة .

وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( انفروا خفافا وثقالا ) قالوا : فإن فينا الثقيل ، وذا الحاجة ، والضيعة والشغل ، والمتيسر به أمر ، فأنزل الله وأبى أن يعذرهم دون أن ينفروا خفافا وثقالا وعلى ما كان منهم .

وقال الحسن بن أبي الحسن البصري أيضا : في العسر واليسر .

وهذا كله من مقتضيات العموم في الآية ، وهذا اختيار ابن جرير .

وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي : إذا كان النفير إلى دروب الروم نفر الناس إليها خفافا وركبانا ، وإذا كان النفير إلى هذه السواحل نفروا إليها خفافا وثقالا وركبانا ومشاة .

وهذا تفصيل في المسألة .

وقد روي عن ابن عباس ، ومحمد بن كعب ، وعطاء الخراساني وغيرهم أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ) وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله .

وقال السدي : قوله : ( انفروا خفافا وثقالا ) يقول : غنيا وفقيرا ، وقويا وضعيفا فجاءه رجل يومئذ ، زعموا أنه المقداد ، وكان عظيما سمينا ، فشكا إليه وسأله أن يأذن له ، فأبى ، فنزلت يومئذ ( انفروا خفافا وثقالا ) فلما نزلت هذه الآية اشتد على الناس شأنها فنسخها الله ، فقال : ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ) [ التوبة : 91 ] .

وقال ابن جرير : حدثني يعقوب ، حدثنا ابن علية ، حدثنا أيوب ، عن محمد قال : شهد أبو أيوب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدرا ثم لم يتخلف عن غزاة للمسلمين إلا وهو في آخرين إلا عاما واحدا قال : وكان أبو أيوب يقول : قال الله : ( انفروا خفافا وثقالا ) فلا أجدني إلا خفيفا أو ثقيلا .

وقال ابن جرير : حدثني سعيد بن عمر السكوني ، حدثنا بقية ، حدثنا حريز ، حدثني عبد الرحمن بن ميسرة ، حدثني أبو راشد الحبراني قال : وافيت المقداد بن الأسود فارس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسا على تابوت من توابيت الصيارفة بحمص ، وقد فضل عنها من عظمه ، يريد الغزو ، فقلت له : لقد أعذر الله إليك فقال : أتت علينا سورة " البحوث " ( انفروا خفافا وثقالا ) وبه قال ابن جرير : حدثني حيان بن زيد الشرعبي قال : نفرنا مع صفوان بن عمرو - وكان واليا على حمص - قبل الأفسوس ، إلى الجراجمة فلقيت شيخا كبيرا هما ، وقد سقط حاجباه على عينيه ، من أهل دمشق ، على راحلته ، فيمن أغار .

فأقبلت إليه فقلت : يا عم ، لقد أعذر الله إليك .

قال : فرفع حاجبيه فقال : يا ابن أخي ، استنفرنا الله خفافا وثقالا إنه من يحبه الله يبتليه ، ثم يعيده الله فيبقيه وإنما يبتلي الله من عباده من شكر وصبر وذكر ، ولم يعبد إلا الله ، عز وجل .

ثم رغب تعالى في النفقة في سبيله ، وبذل المهج في مرضاته ومرضاة رسوله ، فقال : ( وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) أي : هذا خير لكم في الدنيا والآخرة ، ولأنكم تغرمون في النفقة قليلا فيغنمكم الله أموال عدوكم في الدنيا ، مع ما يدخر لكم من الكرامة في الآخرة ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : وتكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة ، أو يرده إلى منزله نائلا ما نال من أجر أو غنيمة .

ولهذا قال تعالى : ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) [ البقرة : 216 ] .

ومن هذا القبيل ما رواه الإمام أحمد : حدثنا محمد بن أبي عدي ، عن حميد ، عن أنس ؛ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل : أسلم .

قال : أجدني كارها .

قال : أسلم وإن كنت كارها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا قال أبو جعفر: واختلف أهل التأويل في معنى " الخفة " و " الثقل "، اللذين أمر الله من كان به أحدهما بالنفر معه.

فقال بعضهم: معنى " الخفة "، التي عناها الله في هذا الموضع، الشباب = ومعنى " الثقل "، الشيخوخة.

* ذكر من قال ذلك: 16734- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن رجل, عن الحسن في قوله: (انفروا خفافًا وثقالا)، قال: شيبًا وشبّانًا.

16735- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص, عن عمرو, عن الحسن قال: شيوخًا وشبانًا.

16736-......

قال، حدثنا ابن عيينة, عن علي بن زيد, عن أنس, عن أبي طلحة: (انفروا خفافا وثقالا)، قال: كهولا وشبانًا, ما أسمع الله عَذَر واحدًا!!

(1) فخرج إلى الشأم، فجاهد حتى مات.

(2) 16737- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن المغيرة بن النعمان قال: كان رجل من النَّخع، وكان شيخًا بادنًا, فأراد الغزوَ، فمنعه سعد بن أبي وقاص فقال: إن الله يقول: (انفروا خفافًا وثقالا)، فأذن له سعد, فقتل الشيخ, فسأل عنه بعدُ عُمَرُ, فقال: ما فعل الشيخ الذي كأنّه من بني هاشم؟

(3) فقالوا: قتل يا أمير المؤمنين!

(4) 16738- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون, عن إسماعيل, عن أبي صالح قال: الشابُّ والشيخ.

16739-......

قال، حدثنا أبو أسامة, عن مالك بن مغول, عن إسماعيل, عن عكرمة, قال: الشاب والشيخ.

16740-......

قال، حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك: كهولا وشبَّانًا.

16741-......

قال، حدثنا حبويه أبو يزيد, عن يعقوب القمي, عن جعفر بن حميد, عن بشر بن عطية: كهولا وشبانًا (5) 16742- حدثنا الوليد قال، حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم, عن بكير بن معروف, عن مقاتل بن حيان, في قوله: (انفروا خفافًا وثقالا)، قال: شبانًا وكهولا.

16743- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (انفروا خفافًا وثقالا)، قال: شبابًا وشيوخًا, وأغنياء ومساكين.

16744- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال، قال الحسن: شيوخًا وشبّانًا.

16745- حدثني سعيد بن عمرو قال، حدثنا بقية قال، حدثنا حَرِيز قال، حدثني حبان بن زيد الشرعبيّ قال: نفرنا مع صَفْوان بن عمرو، وكان واليًا على حمص قِبَلَ الأفْسوس، إلى الجَرَاجمة, (6) فلقيت شيخًا كبيرًا هِمًّا, (7) قد سقط حاجباه على عينيه، من أهل دمشق، على راحلته، فيمن أغار.

(8) فأقبلت عليه فقلت: يا عمِّ، لقد أعذر الله إليك!

قال: فرفع حاجبيه، فقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافًا وثقالا من يحبَّه الله يبتَليه، ثم يعيده فيبْتليه, (9) إنما يبتلي الله من عباده من شكر وصبر وذكر ولم يعبد إلا الله.

(10) 16746- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسماعيل, عن أبي صالح: (انفروا خفافًا وثقالا)، قال: كل شيخ وشابّ.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: مشاغيل وغير مشاغيل.

* ذكر من قال ذلك: 16747- حدثنا ابن بشار وابن وكيع قالا حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن الحكم في قوله: (انفروا خفافًا وثقالا)، قال: مشاغيل وغير مشاغيل.

* * * وقال آخرون: معناه: انفروا أغنياء وفقراء.

* ذكر من قال ذلك: 16748- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عمن ذكره, عن أبي صالح: (انفروا خفافًا وثقالا)، قال: أغنياء وفقراء.

* * * وقال آخرون: معناه: نِشاطًا وغير نِشاط.

* ذكر من قال ذلك: 16749- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (انفروا خفافًا وثقالا)، يقول: انفروا نِشاطًا وغير نِشاط.

* * * 16750- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر عن قتادة: (خفافًا وثقالا)، قال: نِشاطًا وغير نِشاط.

* * * وقال آخرون: معناه: ركبانًا ومشاةَ.

* ذكر من قال ذلك: 16751- حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا الوليد قال، قال أبو عمرو: إذا كان النَّفْر إلى دروب الشأم، نفر الناس إليها " خفافًا "، ركبانًا.

وإذا كان النَّفْر إلى هذه السواحل، نفروا إليها " خفافًا وثقالا "، ركبانًا ومشاة.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: ذا ضَيْعَة, وغير ذي ضَيْعة.

* ذكر من قال ذلك: 16752- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (انفروا خفافًا وثقالا)، قال: " الثقيل "، الذي له الضيعة, فهو ثقيل يكره أن يُضيع ضَيْعته ويخرج = و " الخفيف " الذي لا ضيعة له، فقال الله: (انفروا خفافًا وثقالا).

16753- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر, عن أبيه قال: زعم حضرميّ أنه ذُكر له أن ناسًا كانوا عسى أن يكون أحدهم عليلا أو كبيرًا فيقول: إن أجتنبْه إباءً، فإني آثم!

(11) فأنـزل الله: (انفروا خفافًا وثقالا).

16754- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا أيوب, عن محمد قال: شهد أبو أيوب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرًا, ثم لم يتخلف عن غَزاة للمسلمين إلا وهو في أخرى، (12) إلا عامًا واحدًا.

وكان أبو أيوب يقول: (انفروا خفافًا وثقالا)، فلا أجدني إلا خفيفًا أو ثقيلا.

(13) 16755- حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا حَرِيز بن عثمان, عن راشد بن سعد, عمن رأى المقداد بن الأسود فارسَ رسول الله صلى الله عليه وسلم على تابوتٍ من توابيت الصَّيارفة بحمص, وقد فَضَل عنها من عِظَمِه, فقلت له: لقد أعذر الله إليك !

فقال: أبتْ علينا " سورة البعوث "، (14) (انفروا خفافًا وثقالا).

(15) 16756- حدثنا سعيد بن عمرو السكوني قال، حدثنا بقية بن الوليد قال: حدثنا حريز قال، حدثني عبد الرحمن بن ميسرة قال، حدثني أبو راشد الحبراني قال: وافيت المقداد بن الأسود فارسَ رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا على تابوت من توابيت الصيارفة بحمص, قد فَضَل عنها من عِظَمه, (16) يريد الغزو, فقلت له: لقد أعذر الله إليك !

فقال: أبَتْ علينا " سورة البُحُوث ": (17) (انفروا خفافًا وثقالا).

(18) * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمر المؤمنين بالنَّفر لجهاد أعدائه في سبيله، خفافًا وثقالا.

وقد يدخل في " الخفاف " كل من كان سهلا عليه النفر لقوة بدنه على ذلك، وصحة جسمه وشبابه, ومن كان ذا يُسْرٍ بمالٍ وفراغ من الاشتغال، (19) وقادرًا على الظهر والركاب.

ويدخل في " الثقال "، كل من كان بخلاف ذلك، من ضعيف الجسم وعليله وسقيمه, ومن مُعسِرٍ من المال، ومشتغل بضيعة ومعاش, ومن كان لا ظهرَ له ولا ركاب, والشيخ وذو السِّن والعِيَال.

فإذ كان قد يدخل في " الخفاف " و " الثقال " من وصفنا من أهل الصفات التي ذكرنا، ولم يكن الله جل ثناؤه خصَّ من ذلك صنفًا دون صنف في الكتاب, ولا على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم, ولا نَصَب على خصوصه دليلا وجب أن يقال: إن الله جل ثناؤه أمر المؤمنين من أصحاب رسوله بالنفر للجهاد في سبيله خفافًا وثقالا مع رسوله صلى الله عليه وسلم، على كل حال من أحوال الخفّة والثقل.

* * * 16757- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل, عن سعيد بن مسروق, عن مسلم بن صبيح قال: أول ما نـزل من " براءة ": (انفروا خفافًا وثقالا).

16758- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن أبيه, عن أبي الضحى, مثله.

16759- حدثنا الحارث قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قال: إن أول ما نـزل من " براءة ": لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ، قال: يعرِّفهم نصره, ويوطِّنهم لغزوة تَبُوك.

* * * القول في تأويل قوله تعالى: وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: (جاهدوا)، أيها المؤمنون، الكفارَ =(بأموالكم), فأنفقوها في مجاهدتهم على دين الله الذي شرعه لكم, حتى ينقادوا لكم فيدخلوا فيه طوعًا أو كرهًا, أو يعطوكم الجزية عن يدٍ صَغَارًا، إن كانوا أهل كتابٍ, أو تقتلوهم (20) =(وأنفسكم)، يقول: وبأنفسكم، فقاتلوهم بأيديكم، يخزهم الله وينصركم عليهم =(ذلكم خير لكم)، يقول: هذا الذي آمركم به من النفر في سبيل الله تعالى خفافًا وثقالا وجهادِ أعدائه بأموالكم وأنفسكم، خيرٌ لكم من التثاقل إلى الأرض إذا استنفرتم، والخلودِ إليها، والرضا بالقليل من متاع الحياة الدنيا عِوضًا من الآخرة = إن كنتم من أهل العلم بحقيقة ما بُيِّن لكم من فضل الجهاد في سبيل الله على القعود عنه.

-------------------- الهوامش : (1) في المطبوعة: "عذر أحدًا"، وأثبت ما في المخطوطة.

(2) الأثر: 16736 - " علي بن زيد بن عبد الله بن أبي مليكة"، مضى مرارًا، وثقة.

أخي السيد أحمد فيما سلف رقم : 4897 ، وقد تكلم فيه أحمد وغيره قال: "ضعيف الحديث".

و "أنس" هو "أنس بن مالك" خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

و "أبو طلحة"، هو "زيد بن سهل الأنصاري"، صاحب رسول الله ، شهد العقبة ، وبدرا ، المشاهد كلها.

وهذا الخبر، رواه ابن سعد في الطبقات 3 2 66 من طريق عفان بن مسلم ، عن حماد بن سلمة ، عن ثابت، وعلي بن يزيد، عن أنس، مطولا ، بغير هذا اللفظ .

ورواه الحاكم في المستدرك 3 : 353 ، من هذه الطريق نفسها وقال : " هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه " .

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 246 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي عمر العدني في مسنده ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد الزهد، وأبي يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ، وابن حبان ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه.

وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 9 : 312 ، بغير هذا اللفظ ، وقال : " رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح" .

(3) في المطبوعة: "كان من بني هاشم" ، وهو خطأ لا شك فيه، فإن الرجل "من النخع"، كما ذكر قبل، والصواب ما في المخطوطة.

(4) الأثر : 16737 - "المغيرة بن النعمان النخعي"، ثقة، مضى برقم: 13622.

(5) الأثر : 16741 - " حبويه ، أبو يزيد " ، هو " إسحاق بن إسماعيل الرازي " ، مضى مرارًا ، منها رقم : 15993 ، وكتب في المطبوعة: "حيوة"، وغير ما في المخطوطة، وهو خطأ محض.

وأما "جعفر بن حميد"، فلم أجد له ذكرًا في شيء من مراجعي، والذي يروي عنه يعقوب بن عبد الله القمي، هو: " جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي القمي"، والذي نقله ابن حجر في التهذيب في ترجمته عن أبي نعيم أن اسم "أبي المغيرة" هو: "دينار" لا "حميد".

وأما " بشر بن عطية " ، فلم أجد من يسمى بهذا إلا "بشر بن عطية" ، رجل روى عنه مكحول، يقال هو صحابي، ويقال هو: "بشر بن عصمة المزني" ، انظر لسان الميزان 2 : 26 ، 27 ، في الترجمتين ، والإصابة في ترجمة الاسمين.

وهذا كله مضطرب.

(6) "الأفسوس"، بلد بثغور طرسوس، و "طرسوس" مدينة بثغور الشأم بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم.

و " الجراجمة " ، نبط الشأم ، ويقال : هم قوم من العجم بالجزيرة .

وكان في المخطوطة : " قبل الأفسون إلى الحراصه" ، والصواب في المطبوعة وهو مطابق لما في تفسير ابن كثير 4 : 176 ، نقلا عن هذا الموضع من الطبري .

(7) " الهم " ( بكسر الهاء ) : الشيخ الكبير الفاني البالي.

(8) في المخطوطة : "أعات" ، والصواب ما في المطبوعة ، وهو موافق لما في ابن كثير .

(9) في المطبوعة: " من يحبه الله يبتليه ، ثم يعيده فيبقيه " ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو الصواب وحده.

(10) الأثر : 16745 - "بقية" هو "بقية بن الوليد"، سلف مرارًا كثيرة.

و " حريز" هو " حريز بن عثمان بن جبر الرحبي " ، ثقة مأمون ، ثبت في الحديث ، وإنما وضع منه من وضع ، لأنه كان ينال من علي رضي الله عنه ، ثم ترك ذلك .

و " حريز " ( بفتح الحاء ، وكسر الراء ) .

وقال أبو داود : " شيوخ حريز ، كلهم ثقات " .

مترجم في التهذيب ، والكبير 2 1 96 ، وابن أبي حاتم 1 2 289 .

وكان في المطبوعة : " جرير " ، وهو في المخطوطة غير منقوط .

و " حبان بن زيد الشرعبي ( بكسر الحاء من : حبان ) ، أبو خداش الحمصي ، ذكره ابن حبان في الثقات ، وسلف قبل أن أبا داود ، وثق جميع شيوخ حريز بن عثمان .

مترجم في التهذيب ، والكبير 2 1 78 ، وابن أبي حاتم 1 2 269 .

و " صفوان بن عمرو " ، كأنه هو " صفوان بن عمرو بن هرم السكسكي " ، ثقة .

والذي حملني على هذا الظن ، أني رأيت في ترجمته في التهذيب عن أبي اليمان ، عن صفوان : " أدركت من خلافة عبد الملك ، وخرجنا في بعث سنة 94 " ، ولكني لم أجد ذكرًا لولايته على حمص.

وقد سلف " صفوان بن عمرو السكسكي " مرارًا ، منها رقم : 7009 ، 12807 ، 13108 .

(11) في المطبوعة مكان : " إن أحتنبه إباء ، فإني آثم " ما نصه : " فيقول : إني أحسبه قال : أنا لا آثم " ، وهو مضطرب جدًا ، وفي تفسير ابن كثير 4 : 174 ، 175 ، اختصر الكلام وكتب : " فيقول : إني لا آثم " ، وفي الدر المنثور 3 : 246 ، مثله مختصرًا .

وأما المخطوطة فكان رسمها هكذا: "فيقول : إن أحسبه أبًا قال آثم" ، فآثرت قراءتها كما أثبتها ، ومعناه : إن أجتنب النفر إباء للغزو ، فإني آثم، ولكن علتي أو كبرى عذر يدفع عنى إثم التخلف .

هذا ما رجحته ، والله أعلم .

(12) في المطبوعة: "إلا وهو في أخرى " ، وفي المخطوطة : "في آخرين"، وحذف هذه العبارة ابن كثير في تفسيره ، والسيوطي في الدر المنثور .

وهي صحيحة المعنى ، رواها ابن سعد " في أخرى " كما في المطبوعة : ورواها الحاكم : " إلا هو فيها " .

(13) الأثر : 16754 - رواه ابن سعد في الطبقات 3 2 49 من طريق إسماعيل بن إبراهيم الأسدي ، وهو " ابن عطية " ، مطولا مفصلا .

ورواه الحاكم في المستدرك 3 : 458 ، من هذه الطريق نفسها ، مطولا .

(14) هكذا جاء هنا في المخطوطة : " البعوث " ، وأنا في شك منه شديد ، لأني لم أجد من سمى " سورة التوبة " ، " سورة البعوث " ، بل أجمعوا على تسميتها " سورة البحوث " ، كما سأفسره بعد ص : 265 ، تعليق : 6 .

ثم انظر آخر التعليق على الخبر رقم : 16756 .

(15) الأثر : 16755 .

" حريز بن عثمان بن جبر الرحبي " ، مضى آنفا برقم 16745 .

وكان في المطبوعة : " جرير " ، وهو خطأ ، وفي المخطوطة غير منقوط .

و " راشد بن سعد المقرائي الحبراني الحمصي " ، ثقة ، لا بأس به إذا لم يحدث عنه متروك ، وشيوخ " حريز بن عثمان " ثقات جميعًا ، كما أسلفت في رقم : 16745 ، و " حريز " ثقة في نفسه .

وهذا الخبر سيأتي بعد هذا ، ليس فيه مجهول.

(16) في المطبوعة : " فضل عنه " ، وأثبت ما في المخطوطة ، لأنه صواب محض ، فالتابوت ، يذكر ، وقد يؤنث .

(17) في المطبوعة: " البعوث " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الموافق لرواية هذا الأثر في المراجع التي سأذكرها .

و " البحوث " : منهم من يقولها بضم الباء ، جمع " بحث " ، سميت بذلك لأنها بحثت عن المنافقين وأسرارهم ، أي : استثارتها وفتشت عنها .

وقد قال ابن الأثير إنه رأى في "الفائق" للزمخشري "البحوث" بفتح الباء ، ومطبوعة الفائق ، لا ضبط فيها .

ثم قال ابن الأثير : " فإن صحت ، فهي فعول ، من أبنية المبالغة ، أما الزمخشري فقال : " سورة البحوث : هي سورة التوبة ، لما فيها من البحث عن المنافقين وكشف أسرارهم ، وتسمى المبعثرة " .

وهذا كله يؤيد ما ذهبت إليه في ص ، 265 ، التعليق رقم : 3 .

(18) الأثر : 16756 - انظر التعليق على الأثر السالف رقم : 16755 .

" سعيد بن عمرو السكوني"، شيخ الطبري، ثقة ، مضى برقم : 5563 ، 6521 ، وغيرهما .

و " بقية بن الوليد " ، مضى توثيقه ، ومن تكلم فيه قريبًا رقم : 16745 .

و " حريز " هو " حريز بن عثمان " ، سلف في الأثر السالف ، ومراجعه هناك ، وكان في المطبوعة هنا " جرير " أيضًا ، والمخطوطة غير منقوطة .

و " عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي " ، أبو سلمة الحمصي ، ثقة ، لأن أبا داود قال : و "أبو راشد الحبراني الحميري الحمصي" ، تابعي ثقة.

لم يرو عنه غير "حريز".

مترجم في التهذيب ، والكنى للبخاري : 30 .

وهذا الخبر رواه ابن سعد في الطبقات 3 1 115 ، من طريق يزيد بن هارون ، عن حريز بن عثمان (وفي الطبقات : جرير ، وهو خطأ كما بينت) .

ورواه الحاكم في المستدرك من طريق : بقية بن الوليد ، عن حريز بن عثمان ( وفيه: جرير ، وهو خطأ ) .

وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 30 ، وقال : " رواه الطبراني ، وفيه بقية بن الوليد ، وفيه ضعف ، وقد وثق .

وبقية رجاله ثقات " .

قلت : قد تبين من التخريج أنه رواه عن " حريز"، " يزيد بن هارون " ، وهو ثقة روى له الجماعة ، كما سلف مرارًا .

هذا ، وقد جاء في مجمع الزوائد "سورة البعوث"، وانظر ما كتبته آنفا في ص : 265 ، تعليق : 3 ، و ص : 265 ، تعليق : 6 .

(19) في المطبوعة: "ذا تيسر" ، والذي في المخطوطة محض الصواب .

(20) انظر تفسير " الجهاد " فيما سلف ص : 173، تعليق: 5 ، والمراجع هناك .

= وتفسير " سبيل الله " فيما سلف من فهارس اللغة ( سبل ).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمونفيه سبع مسائل :الأولى : روى سفيان عن حصين بن عبد الرحمن عن أبي مالك الغفاري قال : أول ما نزل من سورة ( براءة ) انفروا خفافا وثقالا .

وقال أبو الضحاك كذلك أيضا .

قال : ثم نزل أولها وآخرها .الثانية : قوله تعالى انفروا خفافا وثقالا نصب على الحال ، وفيه عشرة أقوال الأول : يذكر عن ابن عباس " فانفروا ثبات " : سرايا متفرقين .

الثاني : روي عن ابن عباس أيضا وقتادة : نشاطا وغير نشاط .

الثالث : الخفيف : الغني ، والثقيل : الفقير ، قاله مجاهد .

الرابع : الخفيف : الشاب ، والثقيل : الشيخ ، قاله الحسن .

الخامس : مشاغيل وغير مشاغيل ، قاله زيد بن علي والحكم بن عتيبة .

السادس : الثقيل : الذي له عيال ، والخفيف : الذي لا عيال له ، قاله زيد بن أسلم .

السابع : الثقيل : الذي له ضيعة يكره أن يدعها ، والخفيف : الذي لا ضيعة له ، قاله ابن زيد .

الثامن : الخفاف : الرجال ، والثقال : الفرسان ، قاله الأوزاعي .

التاسع : الخفاف : الذين يسبقون إلى الحرب كالطليعة وهو مقدم الجيش والثقال : الجيش بأثره العاشر : الخفيف : الشجاع ، والثقيل : الجبان ، حكاه النقاش .

والصحيح في معنى الآية أن الناس أمروا جملة أي انفروا خفت عليكم الحركة أو ثقلت .

وروي أن ابن أم مكتوم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له : أعلي أن أنفر ؟

فقال : نعم حتى أنزل الله تعالى ليس على الأعمى حرج .

وهذه الأقوال إنما هي على معنى المثال في الثقل والخفة .الثالثة : واختلف في هذه الآية ، فقيل إنها منسوخة بقوله تعالى : ليس على الضعفاء ولا على المرضى .

وقيل : الناسخ لها قوله : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة .

والصحيح أنها ليست بمنسوخة .

روى ابن عباس عن أبي طلحة في قوله تعالى : انفروا خفافا وثقالا قال : شبانا وكهولا ، ما سمع الله عذر أحد .

فخرج إلى الشام فجاهد حتى مات رضي الله عنه .

وروى حماد عن ثابت وعلي بن زيد عن أنس أن أبا طلحة قرأ سورة ( براءة ) فأتى على هذه الآية انفروا خفافا وثقالا فقال : أي بني جهزوني جهزوني فقال بنوه : [ ص: 81 ] يرحمك الله لقد غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات ومع أبي بكر حتى مات ومع عمر حتى مات فنحن نغزو عنك .

قال : لا ، جهزوني .

فغزا في البحر فمات في البحر ، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام فدفنوه فيها ، ولم يتغير رضي الله عنه .

وأسند الطبري عمن رأى المقداد بن الأسود بحمص على تابوت صراف ، وقد فضل على التابوت من سمنه وهو يتجهز للغزو .

فقيل له : لقد عذرك الله .

فقال : أتت علينا سورة البعوث انفروا خفافا وثقالا .

وقال الزهري : خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه .

فقيل له : إنك عليل .

فقال : استنفر الله الخفيف والثقيل ، فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع .

وروي أن بعض الناس رأى في غزوات الشام رجلا قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر ، فقال له : يا عم إن الله قد عذرك فقال : يا ابن أخي ، قد أمرنا بالنفر خفافا وثقالا .

ولقد قال ابن أم مكتوم رضي الله عنه - واسمه عمرو - يوم أحد : أنا رجل أعمى ، فسلموا لي اللواء ، فإنه إذا انهزم حامل اللواء انهزم الجيش ، وأنا ما أدري من يقصدني بسيفه فما أبرح فأخذ اللواء يومئذ مصعب بن عمير على ما تقدم في ( آل عمران ) بيانه .

فلهذا وما كان مثله مما روي عن الصحابة والتابعين ،قلنا : إن النسخ لا يصح .

وقد تكون حالة يجب فيها نفير الكل ، وهي :الرابعة : وذلك إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار ، أو بحلوله بالعقر ، فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافا وثقالا ، شبابا وشيوخا ، كل على قدر طاقته ، من كان له أب بغير إذنه ومن لا أب له ، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج ، من مقاتل أو مكثر .

فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة ، حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم .

وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضا الخروج إليهم ، فالمسلمون كلهم يد على من سواهم ، حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التي نزل العدو عليها واحتل بها سقط الفرض عن الآخرين .

ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضا الخروج إليه ، حتى يظهر دين الله وتحمى البيضة وتحفظ الحوزة ويخزى العدو ، ولا خلاف في هذا .وقسم ثان من واجب الجهاد - فرض أيضا على الإمام إغزاء طائفة إلى العدو كل سنة مرة يخرج معهم بنفسه أو يخرج من يثق به ليدعوهم إلى الإسلام ويرغبهم ، ويكف أذاهم ويظهر دين الله عليهم حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية عن يد .ومن الجهاد أيضا ما هو نافلة وهو إخراج الإمام طائفة بعد طائفة وبعث السرايا في [ ص: 82 ] أوقات الغرة وعند إمكان الفرصة والإرصاد لهم بالرباط في موضع الخوف وإظهار القوة .فإن قيل : كيف يصنع الواحد إذا قصر الجميع ، وهيالخامسة : قيل له : يعمد إلى أسير واحد فيفديه ، فإنه إذا فدى الواحد فقد أدى في الواحد أكثر مما كان يلزمه في الجماعة ، فإن الأغنياء لو اقتسموا فداء الأسارى ما أدى كل واحد منهم إلا أقل من درهم .

ويغزو بنفسه إن قدر وإلا جهز غازيا .

قال صلى الله عليه وسلم : من جهز غازيا فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا أخرجه الصحيح .

وذلك لأن مكانه لا يغني وماله لا يكفي .السادسة : روي أن بعض الملوك عاهد كفارا على ألا يحبسوا أسيرا ، فدخل رجل من المسلمين جهة بلادهم فمر على بيت مغلق ، فنادته امرأة إني أسيرة فأبلغ صاحبك خبري فلما اجتمع به واستطعمه عنده وتجاذبا ذيل الحديث انتهى الخبر إلى هذه المعذبة فما أكمل حديثه حتى قام الأمير على قدميه وخرج غازيا من فوره ومشى إلى الثغر حتى أخرج الأسيرة واستولى على الموضع رضي الله عنه .

ذكره ابن العربي وقال : ولقد نزل بنا العدو - قصمه الله - سنة سبع وعشرين وخمسمائة فجاس ديارنا وأسر خيرتنا وتوسط بلادنا في عدد هال الناس عدده وكان كثيرا وإن لم يبلغ ما حددوه .

فقلت للوالي والمولى عليه : هذا عدو الله قد حصل في الشرك والشبكة فلتكن عندكم بركة ، ولتظهر منكم إلى نصرة الدين المتعينة عليكم حركة فليخرج إليه جميع الناس حتى لا يبقى منهم أحد في جميع الأقطار فيحاط به ؛ فإنه هالك لا محالة إن يسركم الله له فغلبت الذنوب ورجفت القلوب بالمعاصي وصار كل أحد من الناس ثعلبا يأوي إلى وجاره وإن رأى المكيدة بجاره .

فإنا لله وإنا إليه راجعون .

وحسبنا الله ونعم الوكيل .السابعة : قوله تعالى وجاهدوا أمر بالجهاد ، وهو مشتق من الجهد بأموالكم وأنفسكم روى أبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم .

وهذا وصف لأكمل ما يكون من الجهاد وأنفعه عند الله تعالى .

فحض على كمال الأوصاف ، وقدم الأموال في الذكر إذ هي أول مصرف وقت التجهيز .

فرتب الأمر كما هو في نفسه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى لعباده المؤمنين ـ مهيجا لهم على النفير في سبيله فقال‏:‏ ‏{‏انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا‏}‏ أي‏:‏ في العسر واليسر، والمنشط والمكره، والحر والبرد، وفي جميع الأحوال‏.‏ ‏{‏وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ ابذلوا جهدكم في ذلك، واستفرغوا وسعكم في المال والنفس، وفي هذا دليل على أنه ـ كما يجب الجهاد في النفس ـ يجب الجهاد في المال، حيث اقتضت الحاجة ودعت لذلك‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏ أي‏:‏ الجهاد في النفس والمال، خير لكم من التقاعد عن ذلك، لأن فيه رضا اللّه تعالى، والفوز بالدرجات العاليات عنده، والنصر لدين اللّه، والدخول في جملة جنده وحزبه‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( انفروا خفافا وثقالا ) قال الحسن والضحاك ومجاهد وقتادة وعكرمة : شبانا وشيوخا .

وعن ابن عباس : نشاطا وغير نشاط .

وقال عطية العوفي : ركبانا ومشاة .

وقال أبو صالح : خفافا من المال ، أي فقراء ، وثقالا أي : أغنياء .

وقال ابن زيد : الثقيل الذي له الضيعة ، فهو ثقيل يكره أن يدع ضيعته ، والخفيف الذي لا ضيعة له .

ويروى عن ابن عباس قال : خفافا أهل الميسرة من المال ، وثقالا أهل العسرة .

وقيل : خفافا من السلاح ، أي : مقلين منه ، وثقالا أي : مستكثرين منه .

وقال الحكم بن عتيبة : مشاغيل وغير مشاغيل .

وقال مرة الهمذاني : أصحاء ومرضى .

وقال يمان بن رباب : عزابا ومتأهلين .

وقيل : خفافا من حاشيتكم وأتباعكم ، وثقالا مستكثرين بهم .

وقيل : خفافا مسرعين خارجين ساعة سماع النفير ، وثقالا بعد التروي فيه والاستعداد له .

( وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) قال الزهري : خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه ، فقيل له : إنك عليل صاحب ضر ، فقال : استنفر الله الخفيف والثقيل ، فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع .

وقال عطاء الخراساني عن ابن عباس : نسخت هذه الآية بقوله : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) .

وقال السدي : لما نزلت هذه الآية اشتد شأنها على الناس فنسخها الله تعالى وأنزل : ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ) الآية .

ثم نزل في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«انفِروا خفافا وثقالا» نشاطا وغير نشاط، وقيل أقوياء وضعفاء، أو أغنياء وفقراء، وهي منسوخة بآية (ليس على الضعفاء) «وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون» أنه خير لكم فلا تثاقلوا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

اخرجوا -أيها المؤمنون- للجهاد في سبيل الله شبابًا وشيوخًا في العسر واليسر، على أي حال كنتم، وأنفقوا أموالكم في سبيل الله، وقاتلوا بأيديكم لإعلاء كلمة الله، ذلك الخروج والبذل خير لكم في حالكم ومآلكم فافعلوا ذلك وانفروا واستجيبوا لله ورسوله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا التذكير للمؤمنين بما كان منه - سبحانه - من تأييد لرسوله عند هجرته ، أمرهم - جل شأنه - بالنفير فى كل حال فقال : ( انفروا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ الله ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) .قال الفخر الرازى ما ملخصه : اعلم أنه - تعالى - لما توعد من لا ينفر مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وضرب له من الأمثال ما وصفنا ، ابتعه بهذا الأمر الجازم فقال : ( انفروا خِفَافاً وَثِقَالاً ) .والمراد : انفروا سواء أكنتم على الصفة التى يخف عليكم الجهاد فيها ، أو على الصفة التى يثقل .

وهذا الوصف يدخل تحته أقسام كثيرة .منها : ( خِفَافاً ) فى النفور لنشاطكم له ، و ( وَثِقَالاً ) عنه لمشقته عليكم .ومنها : ( خِفَافاً ) لقلة عيالكم ، و ( وَثِقَالاً ) لكثرتها .ومنها : ( خِفَافاً ) من السلاح ، و ( وَثِقَالاً ) منه .والصحيح ما ذكرنا ، إذ الكل داخل فيه ، لأن الوصف المذكور وصف كلى يدخل فيه كل هذه الجزئيات .والمعنى : ( انفروا ) - أيها المؤمنون - ( خِفَافاً وَثِقَالاً ) أى : فى حال سهولة النفر عليكم ، وفى حال صعوبته ومشقته .( وَجَاهِدُواْ ) أعداءكم ببذل أموالكم .

وببذل أنفسكم ( فِي سَبِيلِ الله ) أى : فى سبيل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه ورسوله - صلى الله عليه وسلم - .فمن استطاع منكم الجهاد بالمال والنفس وجب عليه الجهاد بها .

ومن قدر على أحدهما دون الآخر ، وجب عليه ما كان فى قدرته منهما .قال القرطبى روى أبو داود عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم " .وهذا وصف لأكمل ما يكون الجهاد وأنفعه عند الله - تعالى - فقد حض - سبحانه - على كمال الأوصاف .وقدم الأموال فى الذكر ، إذ هى أول مصرف وقت التجهيز ، فرتب الأمر كما هو فى نفسه .واسم الإِشارة فى قوله : ( ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) يعود إلى المذكور من الأمرين السابقين وهما : النفور والجهاد .أى : ذلكم الذى أمرتم به من النفور والجهاد فى سبيل الله ، خير لكم فى دنياكم وفى آخرتكم من التثاقل عنهما ، إن كنتم من أهلا لعلم بحقيقة ما بين لكم خالقكم ومربيكم على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - .ولقد أدرك المؤمنون الصادقون هذا الخير فامتثلوا أمر ربهم ، ونفروا للجهاد فى سبيله خفاقاً وثقالاً ، بدون تباطؤ أو تقاعس .وقد ساق المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآية كثيراً من الأمثة التى تدل على محبة السلف الصالح للجهاد فى سبيل الله ، ومن ذلك .ما جاء عن أنس أن أبا طلحة قرأ سورة براءة ، فأتى على هذه الآية : ( انفروا خِفَافاً وَثِقَالاً ) فقال : أى بنى ، جهزونى جهزونى .

فقال بنوه .

يرحمك الله!!

لقد غزوت مع النبى - صلى الله عليه وسلم - تحتى مات ، ومع أبى بكر حتى مات .

ومع عمر حتى مات .

فنحن نغزو عنك .

فقال : لا ، جهزونى .

فغزا فى البحر فمات فى البحر ، فلما يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام فدفنوه فيها ، ولم يتغير - رضى الله عنه .وقال الزهرى : خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له : إنك عليل : فقال : استنفر الله الخفيف والثقيل ، فإن لتم يمكنى الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع .وأخرج ابن جرير عن حيان بن زيد الشرعبى قال : نفرنا مع صفوان بن عمرو : وكان والياً على حمص ، فلقيت شيخاً كبيراً هرما ، لى راحلته فيمن نفر ، فأقبلت عليه فقلت : يا عماه لقد أعذر الله إليك .قال : فرفع حاجبيه فقال .

يا ابن أخى ، استنفرنا الله خفافا وثقالا ، من يحبه الله يتليه ، ثم يعيده فيبقيه ، وإنما يبتلى الله من عباده من شكر وصبر وذكر ، لوم يعبد إلا الله .وعن أبى راشد الحبرانى قال .

وافيت المقداد بن الأسود ، فارس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالساً على تابوت من توابيت الصيارفة بحمص ، وهو يريد الغزو - وقد تقدمت به السن - فقلت : له لقد أعذر الله إليك .فقال : أبت علينا سورة البعوث ذلك .

يعنى هذه الآية : ( انفروا خِفَافاً وَثِقَالاً ) .هذا ، ومن العلماء من يرى أن هذه الآية تجعل الجهاد على الجميع حتى المريض والزمن والفقير .

.

وليس الأمر كذلك ، فما معنى هذا الأمر؟قلت .

من العلماء من حمله على الوجوب ثم إنه نسخ بقوله - تعالى - ( لَّيْسَ عَلَى الضعفآء وَلاَ على المرضى ) ومنهم من حمل هذا الأمر الندب .والصحيح أنها منسوخة ، لأن الجهاد من فروض الكفاية ، ويدل عليه أن هذه الآيات نزلت فى غزوة تبوك ، وأن النبى - صلى الله عليه وسلم - خلف فى المدينة فى تلك الغزوة النساء وبعض الرجال ، فدل ذلك على أن الجهد من فروض الكفايات ، وأنه ليس على الأعيان .ويرى بعض العلماء أن الاية ليست منسوخة ، فقد قال الإِمام القرطبى - ما ملخصه - واختلف فى هذه الآية ، فقيل إنها منسوخة بقوله - تعالى - ( لَّيْسَ عَلَى الضعفآء وَلاَ على المرضى )والصحيح أنها ليست بمنسوخة .روى ابن عباس عن أبى طلحة فى قوله - تعالى - ( انفروا خِفَافاً وَثِقَالاً ) قال : شباناً وكهولا .

ما سمع الله عذر أحد .

فخرج إلى الشام فجاهد حتى مات .ثم قال - بعد أن ساق نماذج متعددة لمن خرجوا للجهاد خفافاً وثقالا - فلهذا وما كان مثله مما روى عن الصحابة والتابعين قلنا .

إن النسخ لا يصح .فقد تكون هناك حالة يجب فيها نفير الكل ، وذلك إذا تعين الجهاد لغلبة العدو على قطر من الأقطار الإِسلامية ، أو بحلوله فى العقر .

ففى هذه الحالة يجب على جميع أهل الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافاً وثقالاً؛ شباباً وشيوخاً ، كل على قدر طافته .

ولا يتخلف أنحد يقدر على الخروج .فإن عجز أهل تلك البلدة عن صد عدوهم؛ كان على من قاربهم أن يخرجوا معهم لصد العدو ، وكذلك الشأن بالنسبة لكل من علم بضعفهم عن عدوهم فالمسلمون كلهم يد على من سواهم .حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التى نزل العدو عليها ، سقط الفرض على الآخرين .ثم قال - رحمه الله - ومن الجهاد أيضاً ما هو نافلة ، وهو إخراج الإِمام طائفة .

.

لإِظهار القوة ، وإعزاز دين الله .ثم قال : وقال ابن العربى ، ولقد نزل بنا العدو - قصمه الله .

سنة سبع وعشرين وخمسمائة : فجاس ديارنا ، وأسر خيرتنا ، وتوسط بلادنا .

.

فقلت للوالى والمولى عليه : عدو الله قد حصل فى الشرك والشبكة ، فلتكن عندكم بركة ، ولتظهر منكم إلى نصرة الدين المعينة عليكم حركة ، فليخرج إليه جميع الناس .

.

فيحاط به فيهلك .فغلبت الذنوب ، ورجفت القلوب بالمعاصى ، وصار كل أحد من الناس ثعلباً يأوى إلى وجاره ، وإن رأى المكيدة بجاره .فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .والذى نراه .

أن ما ذهب إليه الإِمام القرطبى ، من أن الآية الكريمة ليست منسوخة ، أولى بالاتباع .لأن الجهاد قد يكون فرض كفاية فى بعض الحالات ، وقد يكون فرض عين فى حالات أخرى والآية الكريمة التى معنا تدعو المؤمنين إلى النفي العام فى تلك الحالات الأخرى التى يكون الجهد فيها فرض عين وبذلك يمكن الجمع بين الآيات التى تدعو إلى النفير العام .

والآيات التى تعفى بعض الن عاسن مشاقه ومتاعبه .ومن كل ما تقدم يتبين لنا أن هذه الآيات الأربع قد عاتبت المؤمنين الذين تخلفوا عن الجهاد فى غزوة تبوك عتاباً شديداً؛ وأنذرتهم بالعذاب الأليم إن لم ينفروا .

.

وذكرتهم بما كان من نصر الله لنبيه حين أخرجه الذين كفروا ثانى اثنين .

.

وأمرتهم بالنفور إلى الجهاد خفافاً وثقالا .وبمجاهدة المشركين بأموالهم وأنفهسم ، فذلك هو الخير لهم فى عاجلتهم وآجلتهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما توعد من لا ينفر مع الرسول، وضرب له من الأمثال ما وصفنا، أتبعه بهذا الأمر الجزم.

فقال: ﴿ انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً ﴾ والمراد انفروا سواء كنتم على الصفة التي يخف عليكم الجهاد أو على الصفة التي يثقل، وهذا الوصف يدخل تحته أقسام كثيرة والمفسرون ذكروها.

فالأول: ﴿ خِفَافًا ﴾ في النفور لنشاطكم له ﴿ وَثِقَالاً ﴾ عنه ولمشقته عليكم.

الثاني: ﴿ خِفَافًا ﴾ لقلة عيالكم ﴿ وَثِقَالاً ﴾ لكثرتها.

الثالث: ﴿ خِفَافًا ﴾ من السلاح ﴿ وَثِقَالاً ﴾ منه.

الرابع: ركباناً ومشاة.

الخامس: شباناً وشيوخاً.

السادس: مهازيل وسمانا.

السابع: صحاحاً ومراضاً والصحيح ما ذكرنا إذ الكل داخل فيه لأن الوصف المذكور وصف كلي، يدخل فيه كل هذه الجزئيات.

فإن قيل: أتقولون إن هذا الأمر يتناول جميع الناس حتى المرضى والعاجزين؟

قلنا: ظاهره يقتضي ذلك عن ابن أم مكتوم أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أعلي أن أنفر، قال: ما أنت إلا خفيف أو ثقيل فرجع إلى أهله ولبس سلاحه ووقف بين يديه، فنزل قوله تعالى: ﴿ لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ  ﴾ وقال مجاهد: إن أبا أيوب شهد بدراً مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يتخلف عن غزوات المسلمين، ويقول: قال الله: ﴿ انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً ﴾ فلا أجدني إلا خفيفاً أو ثقيلاً.

وعن صفوان بن عمرو قال: كنت والياً على حمص، فلقيت شيخاً قد سقط حاجباه، من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو، قلت يا عم أنت معذور عند الله، فرفع حاجبيه وقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافاً وثقالاً، ألا إن من أحبه ابتلاه.

وعن الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له إنك عليل صاحب ضرر، فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل، فإن عجزت عن الجهاد كثرت السواد وحفظت المتاع.

وقيل للمقداد بن الأسود وهو يريد الغزو: أنت معذور، فقال: أنزل الله علينا في سورة براءة ﴿ انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً ﴾ .

واعلم أن القائلين بهذا القول الذي قررناه يقولون: هذه الآية صارت منسوخة بقوله تعالى: ﴿ لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ  ﴾ وقال عطاء الخراساني: منسوخة بقوله: ﴿ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً  ﴾ .

ولقائل أن يقول: اتفقوا على أن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك، واتفقوا على أنه عليه الصلاة والسلام خلف النساء وخلف من الرجال أقواماً، وذلك يدل على أن هذا الوجوب ليس على الأعيان، لكنه من فروض الكفايات، فمن أمره الرسول بأن يخرج، لزمه ذلك خفافاً وثقالاً، ومن أمره بأن يبقى هناك، لزمه أن يبقى ويترك النفر.

وعلى هذا التقدير: فلا حاجة إلى التزام النسخ.

ثم قال تعالى: ﴿ وجاهدوا بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ وفيه قولان: القول الأول: أن هذا يدل على أن الجهاد إنما يجب على من له المال والنفس، فدل على أن من لم يكن له نفس سليمة صالحة للجهاد، ولا مال يتقوى به على تحصيل آلات الجهاد لا يجب عليه الجهاد.

والقول الثاني: أن الجهاد يجب بالنفس إذا انفرد وقوي عليه، وبالمال إذا ضعف عن الجهاد بنفسه، فيلزم على هذا القول أن من عجز أن ينيب عنه نفراً بنفقة من عنده فيكون مجاهداً بماله لما تعذر عليه بنفسه، وقد ذهب إلى هذا القول كثير من العلماء.

ثم قال تعالى: ﴿ ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .

فإن قيل: كيف يصح أن يقال: الجهاد خير من القعود عنه، ولا خير في القعود عنه.

قلنا: الجواب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن لفظ ﴿ خَيْرٌ ﴾ يستعمل في معنيين: أحدهما: بمعنى هذا خير من ذاك.

والثاني: بمعنى أنه في نفسه خير كقوله: ﴿ إِنّى لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ  ﴾ وقوله: ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبّ الخير لَشَدِيدٌ  ﴾ ويقال: الثريد خير من الله، أي هو خير في نفسه، وقد حصل من الله تعالى، فقوله: ﴿ ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ المراد هذا الثاني، وعلى هذا الوجه يسقط السؤال.

الوجه الثاني: سلمنا أن المراد كونه خيراً من غيره، إلا أن التقدير: أن ما يستفاد بالجهاد من نعيم الآخرة خير مما يستفيده القاعد عنه من الراحة والدعة والتنعم بهما، ولذلك قال تعالى: ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ لأن ما يحصل من الخيرات في الآخرة على الجهاد لا يدرك إلا بالتأمل، ولا يعرفه إلا المؤمن الذي عرف بالدليل أن القول بالقيامة حق، وأن القول بالثواب والعقاب حق وصدق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ اثاقلتم ﴾ تثاقلتم.

وبه قرأ الأعمش، أي تباطأتم وتقاعستم.

وضمن معنى الميل والإخلاد فعدي بإلى.

والمعنى: ملتم إلى الدنيا وشهواتها وكرهتم مشاق السفر ومتاعبه، ونحوه: ﴿ أَخْلَدَ إِلَى الأرض واتبع هَوَاهُ ﴾ [الأعراف: 176] وقيل: ملتم إلى الإقامة بأرضكم ودياركم.

وقرئ: ﴿ أثاقلتم ﴾ ؟

على الاستفهام الذي معناه الإنكار والتوبيخ.

فإن قلت: فما العامل في (إذا) وحرف الاستفهام مانعة أن يعمل فيه؟

قلت: ما دلّ عليه قوله: ﴿ اثاقلتم ﴾ أو ما في ﴿ مَالَكُمْ ﴾ من معنى الفعل، كأنه قيل: ما تصنعون إذا قيل لكم كما تعمله في الحال إذا قلت: مالك قائماً، وكان ذلك في غزوة تبوك في سنة عشر بعد رجوعهم من الطائف.

استتفروا في وقت عسرة وقحط وقيظ مع بعد الشقة وكثرة العدو، فشقّ عليهم.

وقيل: ما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة إلاّ ورّى عنها بغيرها إلاّ في غزوة تبوك ليستعدّ الناس تمام العدة ﴿ مِنَ الاخرة ﴾ أي بدل الآخرة كقوله: لَجَعَلْنَا مِنكُمْ ملائكة [الزخرف: 60] .

﴿ فِى الآخرة ﴾ في جنب الآخرة ﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ ﴾ سخط عظيم على المتثاقلين حيث أوعدهم بعذاب أليم مطلق يتناول عذاب الدارين، وأنه يهلكهم ويستبدل بهم قوماً آخرين خيراً منهم وأطوع، وأنه غني عنهم في نصرة دينه، لا يقدح تثاقلهم فيها شيئاً: وقيل: الضمير للرسول: أي ولا تضروه، لأنّ الله وعده أن يعصمه من الناس وأن ينصره، ووعد الله كائن لا محالة، وقيل: يريد بقوله: ﴿ قَوْماً غَيْرَكُمْ ﴾ [التوبة: 39] أهل اليمن.

وقيل: أبناء فارس، والظاهر مستغن عن التخصيص.

فإن قلت: كيف يكون قوله: ﴿ فَقَدْ نَصَرَهُ الله ﴾ جواباً للشرط؟

قلت: فيه وجهان أحدهما: إلاّ تنصروه فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلاّ رجل واحد ولا أقل من الواحد، فدلّ بقوله: ﴿ فَقَدْ نَصَرَهُ الله ﴾ على أنه ينصره في المستقبل، كما نصره في ذلك الوقت.

والثاني: أنه أوجب له النصرة وجعله منصوراً في ذلك الوقت، فلن يخذل من بعده.

وأسند الإخراج إلى الكفار كما أسند إليهم في قوله: ﴿ مّن قَرْيَتِكَ التى أَخْرَجَتْكَ ﴾ [محمد: 13] لأنهم حين هموا بإخراجه أذن الله له في الخروج فكأنهم أخرجوه ﴿ ثَانِيَ اثنين ﴾ أحد اثنين، كقوله: ﴿ ثالث ثلاثة ﴾ وهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق رضي الله عنه.

يروى: (أنّ جبريل عليه السلام لما أمره بالخروج قال: من يخرج معي؟

قال: أبو بكر) وانتصابه على الحال.

وقرئ: ﴿ ثاني اثنين ﴾ بالسكون و ﴿ إِذْ هُمَا ﴾ بدل من إذ أخرجه.

والغار: ثقب في أعلى ثور، وهو جبل في يمين مكة على مسيرة ساعة، مكثا فيه ثلاثاً ﴿ إِذْ يَقُولُ ﴾ بدل ثان.

وقيل: طلع المشركون فوق الغار فأشفق أبو بكر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: إن تصب اليوم ذهب دين الله، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» وقيل: لما دخلا الغار بعث الله تعالى حمامتين فباضتا في أسفله، والعنكبوت فنسجت عليه.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللَّهم أعم أبصارهم» فجعلوا يتردّدون حول الغار ولا يفطنون.

وقد أخذ الله بأبصارهم عنه.

وقالوا: من أنكر صحبة أبي بكر رضي الله عنه فقد كفر، لإنكاره كلام الله، وليس ذلك لسائر الصحابة ﴿ سَكِينَتَهُ ﴾ ما ألقى في قلبه من الأمنة، التي سكن عندها وعلم أنهم لا يصلون إليه، والجنود الملائكة يوم بدر، والأحزاب وحنين.

وكلمة الذين كفروا: دعوتهم إلى الكفر ﴿ وَكَلِمَةُ الله ﴾ دعوته إلى الإسلام.

وقرئ: ﴿ كلمة الله ﴾ بالنصب، والرفع أوجه و ﴿ هِىَ ﴾ فصل أو مبتدأ، وفيها تأكيد فضل كلمة الله في العلوّ، وأنها المختصة به دون سائر الكلم ﴿ خِفَافًا وَثِقَالاً ﴾ خفافاً في النفور لنشاطكم له، وثقالاً عنه لمشقته عليكم، أو خفافاً لقلة عيالكم وأذيالكم، وثقالاً لكثرتها.

أو خفافاً من السلاح وثقالاً منه.

أو ركباناً ومشاة.

أو شباباً وشيوخاً.

أو مهازيل وسماناً.

أو صحاحاً ومراضاً.

وعن ابن أمّ مكتوم أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أعليّ أن أنفر؟

قال: نعم، حتى نزل قوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ ﴾ [النور: 61] .

وعن ابن عباس: نسخت بقوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى الضعفاء وَلاَ على المرضى ﴾ [التوبة: 91] وعن صفوان بن عمرو: كنت والياً على حمص، فلقيت شيخاً كبيراً قد سقط حاجباه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو.

فقلت: يا عمّ لقد أعذر الله إليك فرفع حاجبيه وقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافاً وثقالاً، إلا أنه من يحبه الله يبتله.

وعن الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو، وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل له: إنك عليل صاحب ضرر، فقال: استنفرنا الله الخفيف والثقيل، فإن لم يمكنّي الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع ﴿ وجاهدوا بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ ﴾ إيجاب للجهاد بهما إن أمكن، أو بأحدهما على حسب الحال والحاجة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ انْفِرُوا خِفافًا ﴾ لِنَشاطِكم لَهُ.

﴿ وَثِقالا ﴾ عَنْهُ لِمَشَقَّتِهِ عَلَيْكم، أوْ لِقِلَّةِ عِيالِكم ولِكَثْرَتِها أوْ رُكْبانًا ومُشاةً، أوْ خِفافًا وثِقالًا مِنَ السِّلاحِ، أوْ صِحاحًا ومُراضًا ولِذَلِكَ لَمّا «قالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ لِرَسُولِ اللَّهِ  : أعَلَيَّ أنْ أنْفِرَ قالَ « نَعَمْ» .

حَتّى نَزَلَ ﴿ لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ﴾ .» ﴿ وَجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ بِما أمْكَنَ لَكم مِنهُما كِلَيْهِما أوْ أحَدَهَما.

﴿ ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ مِن تَرْكِهِ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ الخَيْرَ عَلِمْتُمْ أنَّهُ خَيْرٌ، أوْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ خَيْرٌ إذْ إخْبارُ اللَّهِ تَعالى بِهِ صِدْقٌ فَبادِرُوا إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{انفروا خِفَافًا} في النفور لنشاطكم له {وَثِقَالاً} عنه لمشقته عليكم أو خفافاً لقلة عيالكم وثقالاً لكثرتها أو خفافاً من السلاح وثقالاً منه أو ركباناً ومشاة أو شباباً وشيوخاً أو مهازيل وسمانا أو صحاحا ومرضا {وجاهدوا بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ} إيجاب للجهاد بهما إن إمكن أو بأحدهما على حسب الحال والحاجة {فِي سَبِيلِ الله ذلكم} الجهاد {خَيْرٌ

لَّكُمْ} من تركه {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} كون ذلك خيراً فبادروا إليه ونزل في المتخلفين عن غزوة تبوك من المنافقين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

( ﴿ انْفِرُوا ﴾ ) تَجْرِيدٌ لِلْأمْرِ بِالنُّفُورِ بَعْدَ التَّوْبِيخِ عَلى تَرْكِهِ والإنْكارِ عَلى المُساهَلَةِ فِيهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ خِفافًا وثِقالا ﴾ حالانِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ أيْ عَلى كُلِّ حالٍ مِن يُسْرٍ أوْ عُسْرٍ حاصِلِينَ بِأيِّ سَبَبٍ كانَ مِنَ الصِّحَّةِ والمَرَضِ أوِ الغِنى والفَقْرِ أوْ قِلَّةِ العِيالِ وكَثْرَتِهِمْ أوِ الكِبَرِ والحَداثَةِ أوِ السِّمَنِ والهُزالِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَنْتَظِمُ في مُساعَدَةِ الأسْبابِ وعَدَمِها بَعْدَ الإمْكانِ والقُدْرَةِ في الجُمْلَةِ، أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي يَزِيدَ المَدِينِيِّ قالَ: كانَ أبُو أيُّوبَ الأنْصارِيُّ، والمِقْدادُ بْنُ الأُسُودِ يَقُولانِ: أُمِرْنا أنْ نَنْفِرَ عَلى كُلِّ حالٍ ويَتَأوَّلانِ الآيَةَ، وأخْرَجا عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالُوا إنَّ فِينا الثَّقِيلَ وذا الحاجَةِ والصَّنْعَةِ، والشُّغْلِ، والمُنْتَشِرَ بِهِ أمْرُهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا ﴾ وأبى أنْ يَعْذُرَهم دُونَ أنْ يَنْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا وعَلى ما كانَ مِنهم، فَما رُوِيَ في تَفْسِيرِهِما مِن قَوْلِهِمْ: خِفافًا مِنَ السِّلاحِ وثِقالًا مِنهُ أوْ رُكْبانًا ومُشاةً أوْ شُبّانًا وشُيُوخًا أوْ أصِحّاءَ ومِراضًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ لَيْسَ تَخْصِيصًا لِلْأمْرَيْنِ المُتَقابِلَيْنِ بِالإرادَةِ مِن غَيْرِ مُقارِنَةٍ لِلْباقِي، «وعَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أنَّهُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ  : أعْلى أنْ أنْفِرَ؟

قالَ: نَعَمْ، حَتّى نَزَلَ: ﴿ لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ﴾ » وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وغَيْرُهُ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ اشْتَدَّ عَلى النّاسِ شَأْنُها فَنَسَخَها اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿ لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ﴾ الآيَةَ، وقِيلَ: إنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً ﴾ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، ويُفْهَمُ مِن بَعْضِ الرِّواياتِ أنْ لا نَسْخَ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي راشِدٍ قالَ: رَأيْتُ المِقْدادَ فارِسَ رَسُولِ اللَّهِ  بِحِمْصَ يُرِيدُ الغَزْوَ فَقُلْتُ: لَقَدْ أعْذَرَ اللَّهُ تَعالى إلَيْكَ قالَ: أبَتْ عَلَيْنا سُورَةُ البُحُوثِ يَعْنِي هَذِهِ الآيَةَ مِنها.

﴿ وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أيْ بِما أمْكَنَ لَكم مِنهُما كِلَيْهِما أوْ أحَدِهِما، والجِهادُ بِالمالِ إنْفاقُهُ عَلى السِّلاحِ وتَزْوِيدُ الغُزاةِ ونَحْوُ ذَلِكَ ( ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ ) أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ النَّفِيرِ والجِهادِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ( ﴿ خَيْرٌ ﴾ ) عَظِيمٌ في نَفْسِهِ ( ﴿ لَكُمْ ﴾ ) في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ خَيْرٌ لَكم مِمّا يُبْتَغى بِتَرْكِهِ مِنَ الرّاحَةِ، والدَّعَةِ، وسَعَةِ العَيْشِ، والتَّمَتُّعِ بِالأمْوالِ والأوْلادِ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الخَيْرَ عَلِمْتُمْ أنَّهُ خَيْرٌ أوْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ خَيْرٌ إذْ لا احْتِمالَ لِغَيْرِ الصِّدْقِ في أخْبارِهِ تَعالى فَبادِرُوا إلَيْهِ، فَجَوابُ إنَّ مُقَدَّرٌ، وعَلِمَ إمّا مُتَعَدِّيَةٌ لِواحِدٍ بِمَعْنى عَرَفَ تَقْلِيلًا لِلتَّقْدِيرِ أوْ مُتَعَدِّيَةٌ لِاثْنَيْنِ عَلى بابِها هَذا.

* * * / ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ ﴾ إلَخْ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أنْ يَحْتَجِبَ بِشَيْءٍ عَنْ مُشاهَدَةِ اللَّهِ تَعالى والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ ومَنِ احْتَجَبَ بِشَيْءٍ وُكِلَ إلَيْهِ، ومِن هُنا قالُوا: اسْتِجْلابُ النَّصْرِ في الذِّلَّةِ والِافْتِقارِ والعَجْزِ، ولَمّا رَأى سُبْحانَهُ نَدَمَ القَوْمِ عَلى عَجَبِهِمْ بِكَثْرَتِهِمْ رَدَّهم إلى ساحَةِ جُودِهِ وألْبَسَهم أنْوارَ قُرْبِهِ وأمَدَّهم بِجُنُودِهِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ الآيَةَ، وكانَتْ سَكِينَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما قالَ بَعْضُ العارِفِينَ مِن مُشاهَدَةِ الذّاتِ، وسَكِينَةُ المُؤْمِنِينَ مِن مُعايَنَةِ الصِّفاتِ، ولَهم في تَعْرِيفِ السَّكِينَةِ عِباراتٌ كَثِيرَةٌ مُتَقارِبَةُ المَعْنى فَقِيلَ: هي اسْتِحْكامُ القَلْبِ عِنْدَ جَرَيانِ حُكْمِ الرَّبِّ بِنَعْتِ الطُّمَأْنِينَةِ بِخُمُودِ آثارِ البَشَرِيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ والرِّضا بِالبادِي مِنَ الغَيْبِ مِن غَيْرِ مُعارِضَةٍ واخْتِيارٍ، وقِيلَ: هي القَرارُ عَلى بِساطِ الشُّهُودِ وبِشَواهِدِ الصَّحْوِ والتَّأدُّبِ بِإقامَةِ صَفاءِ العُبُودِيَّةِ مِن غَيْرِ لُحُوقِ مَشَقَّةٍ ولا تَحَرُّكِ عَرَقٍ بِمُعارَضَةِ حُكْمٍ وقِيلَ: هي المُقامُ مَعَ اللَّهِ تَعالى بِفَناءِ الحُظُوظِ، والجُنُودُ رَوادِفُ آثارِ قُوَّةٍ تُجْلِي الحَقَّ سُبْحانَهُ، ويُقالُ: هي وُفُودُ اليَقِينِ وزَوائِدُ الِاسْتِبْصارِ.

والإشارَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ إلَخْ إلى أنَّ مَن تَدَنَّسَ بِالمَيْلِ إلى السِّوى وأشْرَكَ بِعِبادَةِ الهَوى لا يَصْلُحُ لِلْحَضْرَةِ، وهَلْ يَصْلُحُ لِبِساطِ القُدْسِ إلّا المُقَدَّسُ، وذَكَرَ أبُو صالِحٍ حَمْدُونُ أنَّ المُشْرِكَ في عَمَلِهِ مَن يَحْسُنُ ظاهِرُهُ لِمُلاقاةِ النّاسِ ومُخالَطَتِهِمْ ويُظْهِرُ لِلْخَلْقِ أحْسَنَ ما عِنْدَهُ ويَنْظُرُ إلى نَفْسِهِ بِعَيْنِ الرِّضا عَنْها، ويَنْجُسُ باطِنُهُ بِنَحْوِ الرِّياءِ، والسُّمْعَةِ، والعُجْبِ، والحِقْدِ، ونَحْوِ ذَلِكَ فالحَرَمُ الإلَهِيُّ حَرامٌ عَلى هَذا وهَيْهاتَ هَيْهاتَ أنْ يَلِجَ المَلَكُوتَ أوْ يَلِجَ الجُمَلُ في سَمِّ الخِياطِ، وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: مِن فَقَدَ طَهارَةَ الإسْرارِ بِماءِ التَّوْحِيدِ وبَقِيَ في قاذُوراتِ الظُّنُونِ والأوْهامِ فَذَلِكَ هو المُشْرِكُ وهو مَمْنُوعٌ عَنْ قُرْبانِ المَساجِدِ الَّتِي هي مَشاهِدُ القُرْبِ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى مَنعِ الِاخْتِلاطِ مَعَ المُشْرِكِينَ، وقاسَ الصُّوفِيَّةُ أهْلَ الدُّنْيا بِهِمْ، ومِن هُنا قالَ الجُنَيْدُ: الصُّوفِيَّةُ أهْلُ غَيْبٍ لا يَدْخُلُ فِيهِمْ غَيْرُهم، وقالَ بَعْضُهم: مَن بَقِيَ في قَلْبِهِ نَظَرٌ إلى غَيْرِ خالِقِهِ لا يَجُوزُ أنْ يَدْنُوَ إلى مَجالِسِ الأوْلِياءِ غَيْرَ مُسْتَشْفٍ بِهِمْ فَإنَّ صُحْبَتَهُ تُشَوِّشُ خَواطِرَهم ويُنَجِّسُ بِنَفْسِهِ أنْفاسَهم، وصُحْبَةُ المُنْكِرِ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى تُورِثُ فَتْقًا يَصْعُبُ عَلى الخَيّاطِ رَتْقُهُ وتُؤْثِرُ خَرْقًا يُعْيِي الواعِظَ رَقْعُهُ، ومِنَ الغَرِيبِ ما يُحْكى أنَّ الجُنَيْدَ قُدِّسَ سِرُّهُ جَلَسَ يَوْمًا مَعَ خاصَّةِ أصْحابِهِ وقَدْ أغْلَقَ بابَ المَجْلِسِ حَذَرًا مَنِ الأغْيارِ وشَرَعُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فَلَمْ يَتِمَّ لَهُمُ الحُضُورُ وفَتَحَ لَهم بابَ التَّجَلِّي الَّذِي يَعْهَدُونَهُ عِنْدَ الذِّكْرِ فَتَعَجَّبُوا مِن ذَلِكَ فَقالَ الجُنَيْدُ، هَلْ مَعَكم مُنْكِرٌ حُرِمْنا بِسَبَبِهِ؟

فَقالُوا: لا، ثُمَّ اجْتَهَدُوا في مَعْرِفَةِ المانِعِ فَلَمْ يَجِدُوا إلّا نَعْلًا لِمُنْكِرٍ فَقالَ الجُنَيْدُ: مِن هُنا أُوتِينا، فانْظُرْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ تَعالى إذا كانَ هَذا حالَ نَعْلِ المُنْكِرِ فَما ظَنُّكَ بِهِ إذا حَضَرَ بِلِحْيَتِهِ؟

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَمَّ أهْلَ الكِتابَيْنِ بِالِاحْتِجابِ عَنْ رُؤْيَةِ الحَقِّ سُبْحانَهُ حَيْثُ قالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى ذَمِّ التَّقْلِيدِ الصِّرْفِ وذَمِّ البُخَلاءِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ﴾ الآيَةَ، ولَعَمْرِي إنَّهم أحِقّاءُ بِالذَّمِّ، وقَدْ قالَ بَعْضُهم: مَن بَخِلَ بِالقَلِيلِ مِن مِلْكِهِ فَقَدْ سَدَّ عَلى نَفْسِهِ بابَ نَجاتِهِ وفَتَحَ عَلَيْها طَرِيقَ هَلاكِهِ.

ولا يَخْفى أنَّ جَمْعَ المالِ وكَنْزَهُ وعَدَمَ الإنْفاقِ لا يَكُونُ إلّا لِاسْتِحْكامِ رَذِيلَةِ الشُّحِّ وكُلُّ رَذِيلَةٍ كَيَّةٌ يُعَذَّبُ بِها صاحِبُها في الآخِرَةِ ويَخْزى بِها في الدُّنْيا، ولَمّا كانَتْ مادَّةُ رُسُوخِ تِلْكَ الرَّذِيلَةِ واسْتِحْكامِها هي ذَلِكَ المالَ كانَ هو الَّذِي يُحْمى عَلَيْهِ في نارِ جَهَنَّمَ الطَّبِيعَةَ وهاوِيَةَ الهَوى فَيُكْوى صاحِبُهُ بِهِ، وخُصَّتْ هَذِهِ الأعْضاءُ لِأنَّ الشُّحَّ مَرْكُوزٌ في النَّفْسِ تَغْلِبُ القَلْبَ مِن هَذِهِ الجِهاتِ لا مِن جِهَةِ العُلُوِّ الَّتِي هي جِهَةُ اسْتِيلاءِ الرُّوحِ ومَمَدُّ الحَقائِقِ والأنْوارِ ولا مِن جِهَةِ السُّفْلى الَّتِي هِي جِهَةُ الطَّبِيعَةِ الجُسْمانِيَّةِ لِعَدَمِ تَمَكُّنِ الطَّبِيعَةِ مِن ذَلِكَ، فَبَقِيَتْ سائِرُ الجِهاتِ فَيُؤْذى بِذَلِكَ مِنَ الجِهاتِ الأرْبَعِ ويُعَذَّبُ، وهَذا كَما تَراهُ يُعابُ في الدُّنْيا ويَخْزى مِن هَذِهِ الجِهاتِ فَيُواجَهُ بِالذَّمِّ جَهْرًا فَيُفْضَحُ أوْ يَسارُ في جَنْبِهِ أوْ يُغْتابُ مِن وراءِ ظَهْرِهِ قالَهُ بَعْضُ العارِفِينَ، ولَهم في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا ﴾ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ يُطْلَبُ مِن مَحِلِّهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا تَنْصُرُوهُ ﴾ إلَخْ عِتابٌ لِلْمُتَثاقِلِينَ أوْ لِأهْلِ الأرْضِ كافَّةً وإرْشادٌ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُسْتَغْنٍ بِنُصْرَةِ اللَّهِ عَنْ نُصْرَةِ المَخْلُوقِينَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى رُتْبَةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقَدِ انْفَرَدَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ انْفِرادَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِرَبِّهِ سُبْحانَهُ في مَقامِ قابِ قَوْسَيْنِ، ومَعْنى ﴿ إنَّ اللَّهَ مَعَنا ﴾ عَلى ما قالَ ابْنُ عَطاءٍ إنَّهُ مَعَنا في الأزَلِ حَيْثُ وُصِلَ بَيْنَنا بِوَصْلَةِ الصُّحْبَةِ، وأثَرُ هَذِهِ المَعِيَّةِ قَدْ ظَهَرَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَلَمْ يُفارِقْهُ حَيًّا ولا مَيِّتًا، وقِيلَ: مَعَنا بِظُهُورِ عِنايَتِهِ ومُشاهَدَتِهِ وقُرْبِهِ الَّذِي لا يُكَيَّفُ، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ: يا طالِبَ اللَّهِ في العَرْشِ الرَّفِيعِ بِهِ لا تَطْلُبُ العَرْشَ إنَّ المَجْدَ لِلْغارِ ولا يَخْفى ما بَيْنَ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ إنَّ اللَّهَ مَعَنا ﴾ وقَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ إنَّ مَعِيَ رَبِّي ﴾ مِنَ الفَرْقِ الظّاهِرِ لِأرْبابِ الأذْواقِ حَيْثُ قَدَّمَ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اسْمَهُ تَعالى عَلَيْهِ وعَكَسَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأتى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالِاسْمِ الجامِعِ وأتى الكَلِيمُ بِاسْمِ الرَّبِّ، وأتى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِنا في ( مَعَنا ) وأتى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِياءِ المُتَكَلِّمِ لِأنَّ نَبِيَّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى خُلُقٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ﴾ إنْ كانَ لِلصّاحِبِ فالأمْرُ ظاهِرٌ وإنْ كانَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَيُقالُ: في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَقامِ الفَناءِ في الشَّيْخِ إذْ ذاكَ.

وقالَ بَعْضُ الأكابِرِ: أُنْزِلَتِ السَّكِينَةُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَسْكِينِ قَلْبِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وإذْهابِ الحُزْنِ عَنْهُ بِطَرِيقِ الِانْعِكاسِ والإشْراقِ ولَوْ أُنْزِلَتْ عَلى الصِّدِّيقِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ لَذابَ لَها ولِعِظَمِها فَكَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلَ سَكِينَةَ صاحِبِهِ عَلَيْهِ.

﴿ انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا ﴾ أيِ انْفِرُوا إلى طاعَةِ مَوْلاكم خِفافًا بِالأرْواحِ ثِقالًا بِالقُلُوبِ، أوْ خِفافًا بِالقُلُوبِ وثِقالًا بِالأجْسامِ بِأنْ يُطِيعُوهُ بِالأعْمالِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ، أوْ خِفافًا بِأنْوارِ المَوَدَّةِ وثِقالًا بِأماناتِ المَعْرِفَةِ، أوْ خِفافًا بِالبَسْطِ وثِقالًا بِالقَبْضِ، وقِيلَ: خِفافًا بِالطّاعَةِ وثِقالًا عَنِ المُخالَفَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ﴿ وجاهِدُوا بِأمْوالِكُمْ ﴾ بِأنْ تُنْفِقُوها لِلْفُقَراءِ ( ﴿ وأنْفُسِكُمْ ﴾ ) بِأنْ تَجُودُوا بِها لِلَّهِ تَعالى ﴿ ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ في الدّارَيْنِ ﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلرَّشادِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا قال الكلبي: خِفافاً يعني: أهل العسرة من المال، وقلة العيال، وثِقالًا يعني: أهل الميسرة في المال والصبية والعيال.

وقال الكلبي: ويقال فيها وجه آخر: انْفِرُوا خِفافاً، يقول: نشاطاً في الجهادِ وَثِقالًا غير نشاط في الجهاد، وكذا قال مقاتل.

ويقال: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا يعني: شباناً وشيوخاً.

وروى حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: أن أبا طلحة الأنصاري قرأ هذه الآية انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا، فقال: ما أرى الله تعالى إلا يستنفرنا شبابا وشيوخا، جهزوني فقلنا: قد غزوت مع رسول الله  وأبي بكر وعمر وأنت اليوم شيخ.

قال: جهزوني، فجهزناه، فركب البحر فمات في غزاته.

وروى سفيان، عن منصور، عن الحكم قال: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا قال: مشاغيل وغير مشاغيل.

وروى مسروق، عن أبي الضحى قال: أول ما نزلت من سورة براءة هذا انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا ثم نزل أولها وآخرها.

وروي عن ابن عباس أنه قال: «نسختها هذه الآية» : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [التوبة: 122] وقال بعضهم: ليست بمنسوخة، ولكنها في الحالة التي وقع فيها النفير عاما، وجب على جميع الناس الخروج إلى الجهاد، وإذا لم يكن النفير عاماً، لا يكون فرضاً عاماً.

فإذا خرج بعض الناس، سقط عن الباقين، وبه نأخذ.

ثم قال تعالى: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ، يعني: الجهاد خير لكم من الجلوس، إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يعني: تصدقون بثواب الله.

ويقال: معناه إن كنتم تعلمون أن الخروج إلى الجهاد خير لكم من القعود، فَانْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً.

ثم نزل في شأن المنافقين الذين تخلفوا قوله: لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً، يعني: غنيمة قريبة، ويقال: سهلاً قريباً.

وَسَفَراً قاصِداً، يعني: هيناً، لَاتَّبَعُوكَ يعني: لو علموا أنهم يصيبون مغنماً، لَاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ والشقة: السفر، يعني: ثقل عليهم السفر.

وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ الذين تخلفوا.

لَوِ اسْتَطَعْنا، يعني: لو قدرنا، ولو كانت لنا سعة في المال والزاد، لَخَرَجْنا مَعَكُمْ إلى الغزو.

وقال الله تعالى: يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ، يعني: بحلفهم كذباً.

وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ بحلفهم، وأن لهم سعة للخروج، ولكنهم لم يريدوا الخروج.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

، هذه الآيةُ بلا خلافٍ أنها نزلَتْ عتاباً على تخلّف من تخلّف عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في غزوة تَبُوكَ، وكانَتْ سنةَ تسْعٍ من الهجرةِ بعد/ الفَتْح بعامٍ، غزا فيها الرُّوم في عِشْرينَ ألْفاً بين راكبٍ وراجلٍ، والنَّفْر: هو التنقُّل بسرعة من مكانٍ إلى مكانٍ، وقوله: «أثاقلتم» أصله تَثَاقَلْتُمْ، وكذلك قرأ الأعمش «١» وهو نحو قوله: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ [الأعراف:

١٧٦] وقوله: أَرَضِيتُمْ تقريرٌ، والمعنى: أرضيتمْ نَزْرَ الدنيا، على خطير الآخرةِ، وحَظِّها الأَسْعَد.

قَالَ ابنُ هِشامٍ ف «مِنْ» من قوله: مِنَ الْآخِرَةِ للبدل.

انتهى.

ثم أخبر سبحانه، أنَّ الدنيا بالإِضافة إِلى الآخرة قليلٌ نَزْرٌ، فتعطي قُوةُ الكلام التعجُّبَ مِنْ ضلالِ مَنْ يرضَى النزْرَ الفانِيَ بَدَل الكثير الباقي.

ت: وفي «صحيح مُسْلم» و «الترمذي» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَا الدُّنْيَا في الآخرة إِلاَّ مَثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَاذَا تَرْجعٌ» .

قال أبو عيسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

انتهى «٢» .

وقوله سبحانه: إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ: شرطٌ وجوابٌ، ولفظُ «العذاب» عامٌّ يدخل تحته أنواعُ عذابِ الدنيا والآخرة.

وقوله: وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ: تَوعُّدٌ بأن يبدل لرسوله عليه السلام قوماً لا يقعدون عند استنفاره إِياهم، والضميرُ في قوله: وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً عائدٌ على اللَّه عزَّ وجلَّ، ويحتمل أن يعود على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو أليق.

وقوله سبحانه: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ هذا أيضاً شرطٌ وجوابٌ، ومعنى الآية:

إِنكم إِن تركتم نَصْره، فاللَّه متكفِّل به إِذ قد نصره في موضع القلَّة والانفراد وكثرةِ العدو، ولَنْ يترك نَصْرَهُ الآن.

وقوله: إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، أسند الإخراج إِليهم تذنيباً لهم، ولما كان مَقْصِدُ أبي سفيان بن الحارثِ الفَخْرَ في قوله: من طردت كل مطرد، لم يقرّه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عَلَى ما عُلِمَ في كتب «السِّيرَةِ» ، والإِشارةُ إلى خروج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مِنْ مكَّة إلى المدينة، وفي صحبته أبو بكر، واختصار القصّة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان ينتظر إِذْنَ اللَّه سبحانه في الهِجْرة من مكَّة، وكان أبو بَكْر حينَ تَرَكَ ذمَّة ابنِ الدِّغِنَّةِ قد أراد الخروجَ، فقال له النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

«اصبر، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُسَهِّلَ الصُّحْبَةَ» فَلَمَّا أَذِنَ اللَّه لنبيِّه في الخروج، تجهَّز مِنْ دار أبي بَكْر، وخَرَجَا، فبقيا في الغار الذي في جَبَلِ ثَوْرٍ في غَرْبِيِّ مَكَّة ثلاثَ ليالٍ، وخرج المشركُونَ في إِثرهِمْ حتى انتهوا إِلى الغار، فَطَمَسَ اللَّهُ عَلَيْهِم الأَثَرَ، وقال أبو بكر للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: لَوْ نَظَر أَحَدُهُمْ إِلى قدمه، لرآنَا، فَقَالَ له النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَا ظَنُّكَ باثنين اللَّهُ ثَالِثُهُمَا» «١» هكذا في الحديث الصحيحِ، ويروَى أن العنكبوتَ نَسَجَتْ على باب الغَار.

ويُرْوَى أن الحمامة عشَّشَتْ عند باب الغارِ، وكان يروحُ عليهما باللَّبَنِ عامرُ بْنُ فُهَيْرَةَ «٢» .

وقوله: ثانِيَ اثْنَيْنِ، معناه: أحد اثنين، وقوله: إِنَّ اللَّهَ مَعَنا، يريد: بالنصر والنجاة واللُّطْف.

وقوله سبحانه: وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا، قيل: يريد: لا إله إِلا اللَّه، وقيل: الشرع بأسره.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ المِقْدادَ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، وكانَ عَظِيمًا سَمِينًا، فَشَكا إلَيْهِ وسَألَهُ أنْ يَأْذَنَ لَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ» قالَهُ السُّدِّيُّ.

وفي مَعْنى "خِفافًا وثِقالًا" أحَدَ عَشَرَ قَوْلًا.

أحَدُها: شُيُوخًا وشَبابًا، رَواهُ أنَسٌ عَنْ أبِي طَلْحَةَ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو صالِحٍ، وشَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ، وابْنُ زَيْدٍ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: رَجّالَةً ورُكْبانًا، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الأوْزاعِيُّ.

والثّالِثُ: نِشاطًا وغَيْرَ نِشاطٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: أغْنِياءَ وفُقَراءَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ثُمَّ في مَعْنى هَذا الوَجْهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الخِفافَ: ذَوُو العُسْرَةِ وقِلَّةُ العِيالِ، والثِّقالُ: ذَوُو العِيالِ والمَيْسَرَةِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: أنَّ الخِفافَ: أهْلُ المَيْسَرَةِ، والثِّقالُ: أهْلُ العُسْرَةِ، حُكِيَ عَنِ الزَّجّاجِ.

والخامِسُ: ذَوِي عِيالٍ، وغَيْرِ عِيالٍ.

قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والسّادِسُ: ذَوِي ضَياعٍ، وغَيْرُ ذَوِي ضَياعٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والسّابِعُ: ذَوِي أشْغالٍ، وغَيْرِ ذَوِي أشْغالٍ، قالَهُ الحَكَمُ.

والثّامِنُ: أصِحّاءُ، ومَرْضى، قالَهُ مُرَّةُ الهَمْدانِيُّ، وجُوَيْبِرٌ.

والتّاسِعُ: عُزّابًا ومُتَأهِّلِينَ، قالَهُ يَمانُ بْنُ رَيّابٍ.

والعاشِرُ: خِفافًا إلى الطّاعَةِ، وثِقالًا عَنِ المُخالَفَةِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

والحادِيَ عَشَرَ: خِفافًا مِنَ السِّلاحِ، وثِقالًا بِالِاسْتِكْثارِ مِنهُ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

* فَصْلٌ رَوى عَطاءٌ الخُراسانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً  ﴾ .

وقالَ السُّدِّيُّ: نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ ﴾ قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: أوْجَبَ الجِهادَ بِالمالِ والنَّفْسِ جَمِيعًا، فَمَن كانَ لَهُ مالٌ وهو مَرِيضٌ أوْ مُقْعَدٌ أوْ ضَعِيفٌ لا يَصْلُحُ لَلْقِتالِ، فَعَلَيْهِ الجِهادُ بِمالِهِ، بِأنْ يُعْطِيَهُ غَيْرَهُ فَيَغْزُو بِهِ، كَما يَلْزَمُهُ الجِهادُ بِنَفْسِهِ إذا كانَ قَوِيًّا.

وإنْ كانَ لَهُ مالٌ وقُوَّةٌ، فَعَلَيْهِ الجِهادُ بِالنَّفْسِ والمالِ.

ومَن كانَ مَعْدُمًا عاجِزًا، فَعَلَيْهِ الجِهادُ بِالنُّصْحِ لَلَّهِ ورَسُولِهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: ذَلِكم خَيْرٌ لَكم مِن تَرْكِهِ والتَّثاقُلِ عَنْهُ.

والثّانِي: ذَلِكُمُ الجِهادُ خَيْرُ حاصِلٍ لَكم ﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ما لَكم مِنَ الثَّوابِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللهِ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُقَّةُ وسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوْ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم واللهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ تَعالى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ  بِالنَفِيرِ إلى الغَزْوِ، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: هَذا أمْرٌ عامٌّ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ فَعَبَّرَ عنهُ بِالفَرْضِ عَلى الأعْيانِ في تِلْكَ المُدَّةِ، ثُمَّ نَسَخَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا  ﴾ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ.

وقالَ جُلُّ الناسِ: بَلْ هَذا حَضٌّ، والأمْرُ في نَفْسِهِ مَوْقُوفٌ عَلى فَرْضِ الكِفايَةِ، ولَمْ يُقْصَدْ بِالآيَةِ فَرْضُهُ عَلى الأعْيانِ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ خِفافًا وثِقالا ﴾ فَنَصْبٌ عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: "انْفِرُوا"، ومَعْنى الخِفَّةِ والثِقَلِ هُنا مُسْتَعارٌ لِمَن يُمْكِنُهُ السَفَرُ بِسُهُولَةٍ ومَن يُمْكِنُهُ بِصُعُوبَةٍ، وأمّا مَن لا يُمْكِنُهُ كالعُمْيِ ونَحْوِهِمْ فَخارِجٌ عن هَذا، ورُوِيَ «أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ جاءَ إلى النَبِيِّ  فَقالَ: أعَلَيَّ أنْ أنْفِرَ؟

فَقالَ لَهُ: نَعَمْ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿ لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ  ﴾ »، وذَكَرَ الناسُ مِن مَعانِي الخِفَّةِ والثِقَلِ أشْياءَ لا وجْهَ لِتَخْصِيصِ بَعْضِها دُونَ بَعْضٍ، بَلْ هي وُجُوهٌ مُتَّفِقَةٌ، فَقِيلَ: الخَفِيفُ: الغَنِيُّ، والثَقِيلُ: الفَقِيرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: الخَفِيفُ: الشابُّ والثَقِيلُ: الشَيْخُ، قالَهُ الحَسَنُ وجَماعَةٌ، وقِيلَ: الخَفِيفُ: النَشِيطُ والثَقِيلُ: الكاسِلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وقِيلَ: المَشْغُولُ ومَن لا شُغْلَ لَهُ، قالَهُ الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وقِيلَ: الَّذِي لَهُ ضَيْعَةٌ هو الثَقِيلُ ومَن لا ضَيْعَةَ لَهُ هو الخَفِيفُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ: وقِيلَ: الشُجاعُ هو الخَفِيفُ والجَبانُ هو الثَقِيلُ، حَكاهُ النَقّاشُ، وقِيلَ: الرَجُلُ هو الثَقِيلُ والفارِسُ هو الخَفِيفُ، قالَهُ الأوزاعِيُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانِ الوَجْهانِ الآخَرانِ يَنْعَكِسانِ، وقَدْ قِيلَ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ بِحَسَبِ وطْأتِهِمْ عَلى العَدُوِّ، فالشُجاعُ هو الثَقِيلُ، وكَذَلِكَ الفارِسُ، والجَبانُ هو الخَفِيفُ وكَذَلِكَ الراجِلُ، وكَذَلِكَ يَنْعَكِسُ الفَقِيرُ والغَنِيُّ، فَيَكُونُ الغَنِيُّ هو الثَقِيلَ بِمَعْنى صاحِبِ الشُغْلِ، ومَعْنى هَذا أنَّ الناسَ أُمِرُوا جُمْلَةً، وهَذِهِ الأقْوالُ إنَّما هي عَلى مَعْنى المِثالِ في الثِقَلِ والخِفَّةِ، وقالَ أبُو طَلْحَةَ: ما سَمِعَ اللهُ عُذْرَ أحَدٍ، وخَرَجَ إلى الشامِ فَجاهَدَ حَتّى ماتَ، وقالَ أبُو أيُّوبٍ: ما أجِدُنِي أبَدًا إلّا ثَقِيلًا أو خَفِيفًا، ورُوِيَ أنَّ بَعْضَ الناسِ رَأى في غَزَواتِ الشامِ رَجُلًا سَقَطَ حاجِباهُ عَلى عَيْنَيْهِ مِنَ الكِبَرِ، فَقالَ لَهُ: يا عَمِّ، إنَّ اللهَ قَدْ عَذَرَكَ، فَقالَ: يا ابْنَ أخِي، إنّا قَدْ أُمِرْنا بِالنَفْرِ خِفافًا وثِقالًا، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عَمَّنْ رَأى المِقْدادَ بْنَ الأسْوَدِ بِحِمْصٍ، وهو عَلى تابُوتٍ صَرّافٍ وقَدْ فَضُلَ عَلى التابُوتِ مِن سِمَنِهِ وهو يَتَجَهَّزُ لِلْغَزْوِ، فَقالَ لَهُ: لَقَدْ عَذَرَكَ اللهُ، فَقالَ: أتَتْ عَلَيْنا سُورَةُ البُعُوثِ ﴿ انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا ﴾ ، ورُوِيَ: سُورَةُ البُحُوثِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ ﴾ وصْفٌ لِأكْمِلِ ما يَكُونُ مِنَ الجِهادِ وأنْفَسِهِ عِنْدَ اللهِ تَعالى، فَحَضَّ عَلى أكْمَلِ الأوصافِ، وقُدِّمَتِ الأمْوالُ في الذِكْرِ إذْ هي أوَّلُ مَصْرَفٍ وقْتَ التَجْهِيزِ، فَرَتَّبَ الأمْرَ كَما هو في نَفْسِهِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ لَهم خَيْرٌ لِلْفَوْزِ بِرِضى اللهِ وغَلَبَةِ العَدُوِّ ووِراثَةِ الأرْضِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ تَنْبِيهٌ وهَزٌّ لِلنُّفُوسِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا ﴾ الآيَةُ، ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ وما يُحْفَظُ مِن قِصَّةِ تَبُوكَ أنَّ اللهَ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِغَزْوِ الرُومِ نَدَبَ الناسَ، وكانَ ذَلِكَ في شِدَّةٍ مِنَ الحَرِّ وطِيبٍ مِنَ الثِمارِ والظِلالِ، فَنَفَرَ المُؤْمِنُونَ، واعْتَذَرَ مِنهم لا مَحالَةَ فَرِيقٌ لا سِيَّما مِنَ القَبائِلِ المُجاوِرَةِ لِلْمَدِينَةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكم انْفِرُوا في سَبِيلِ اللهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ  ﴾ ، لِأنَّ هَذا الخِطابَ لَيْسَ لِلْمُنافِقِينَ خاصَّةً، بَلْ هو عامٌّ، واعْتَذَرَ المُنافِقُونَ بِأعْذارٍ كاذِبَةٍ، وكانُوا بِسَبِيلِ كَسَلٍ مُفْرِطٍ وقَصْدٍ لِلتَّخَلُّفِ، وكانَتْ أعْذارُ المُؤْمِنِينَ حَفِيفَةً ولَكِنَّهم تَرَكُوا الأولى مِنَ التَحامُلِ، فَنَزَلَ ما سَلَفَ مِنَ الآياتِ في عِتابِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ ابْتَدَأ مِن هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ المُنافِقِينَ وكَشْفُ ضَمائِرِهِمْ، فَيَقُولُ: لَوْ كانَ هَذا الغَزْوُ لِعَرَضٍ أيْ: لِمالٍ وغَنِيمَةٍ تُنالُ قَرِيبًا بِسِفْرٍ قاصِدٍ يَسِيرٍ، لَبادَرُوا إلَيْهِ، لا لِوَجْهِ اللهِ ولا لِظُهُورِ كَلِمَتِهِ، ﴿ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُقَّةُ ﴾ في غَزْوِ الرُومِ، أيِ المَسافَةُ الطَوِيلَةُ.

وذَكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ أعْرابِيًّا قَدِمَ البَصْرَةَ وكانَ قَدْ حَمَلَ حِمالَةً فَعَجَزَ عنها، وكانَ مَعَهُ ابْنٌ لَهُ يُسَمّى الأحْوَصَ، فَبادَرَ الأحْوَصُ أباهُ بِالقَوْلِ فَقالَ: "إنّا مَن تَعْلَمُونَ، وابْنا سَبِيلٍ، وجِئْنا مِن شُقَّةٍ، ونَطْلُبُ في حَقِّ، وتُنْطُونَنا ويَجْزِيكُمُ اللهُ".

فَتَهَيَّأ أبُوهُ لِيَخْطُبَ فَقالَ لَهُ: "يا، إيّاكَ، إنِّي قَدْ كَفَيْتُكَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: "يا": تَنْبِيهٌ، و"إيّاكَ": نَهْيٌ، وقَرَأ عِيسى ابْنُ عُمَرَ: "الشِقَّةُ" بِكَسْرِ الشِينِ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "بَعِدَتْ" بِكَسْرِ العَيْنِ، وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّها لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ في اللَفْظَتَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ ﴾ يُرِيدُ المُنافِقِينَ، وهَذا إخْبارٌ بِغَيْبٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ ﴾ يُرِيدُ عِنْدَ تَخَلُّفِهِمْ مُجاهَرَةً وكُفْرِهِمْ، فَكَأنَّهم يُوجِبُونَ عَلى أنْفُسِهِمُ الحَتْمَ بِعَذابِ اللهِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ اللهَ الَّذِي هو أعْدَلُ الشاهِدِينَ يَعْلَمُ كَذِبَهُمْ، وأنَّهم كانُوا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ ولَكِنَّهم تَرَكُوهُ كُفْرًا ونِفاقًا، وهَذا كُلُّهُ في الجُمْلَةِ لا بِتَعْيِينِ شَخْصٍ، ولَوْ عُيِّنَ، لَقُتِلَ بِالشَرْعِ.

وقَرَأ الأعْمَشُ عَلى جِهَةِ التَشْبِيهِ بِواوِ ضَمِيرِ الجَماعَةِ: "لَوُ اسْتَطَعْنا" بِضَمِّ الواوِ، ذَكَرَهُ ابْنُ جِنِّيِّ، ومَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ  ﴾ ، ﴿ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ  ﴾ ، و ﴿ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ  ﴾ وما أشْبَهَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الخطاب للمؤمنين الذين سبق لومهم بقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذ قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ﴾ [التوبة: 38]، فالنفير المأمور به ما يستقبل من الجهاد.

وقد قدّمنا أنّ الاستنفار إلى غزوة تبوك كان عامَّاً لكلّ قادر على الغزو: لأنّها كانت في زمن مشقّة، وكان المغزُوُّ عدوّاً عظيماً، فالضمير في ﴿ انفروا ﴾ عام للذين استُنفروا فتثاقلوا، وإنّما استُنفِر القادرون، وكان الاستنفار على قدر حاجة الغزو، فلا يقتضي هذا الأمر توجّه وجوب النفير على كلّ مسلم في كلّ غزوة، ولا على المسلم العاجز لعمىً أو زَمانة أو مرض، وإنّما يجري العمل في كلّ غزوة على حسب ما يقتضيه حالها وما يصدر إليهم من نفير.

وفي الحديث: " وإذا استنفرتم فانْفِروا " و ﴿ خفافا ﴾ جمع خفيف وهو صفة مشبّهة من الخفّة، وهي حالة للجسم تقتضي قلّة كمية أجزائه بالنسبة إلى أجسام أخرى متعارفة، فيكون سهْلَ التنقّل سهل الحمل.

والثقال ضدّ ذلك.

وتقدّم الثقل آنفاً عند قوله: ﴿ اثاقلتم إلى الأرض ﴾ [التوبة: 38].

والخفاف والثقال هنا مستعاران لما يشابههما من أحوال الجيش وعلائقهم، فالخفّة تستعار للإسراع إلى الحرب، وكانوا يتمادحون بذلك لدلالتها على الشجاعة والنجدةِ، قال قُريط بن أنيف العنبري: قومٌ إذا الشرُّ أبدَى ناجِذَيْه لهم *** طَاروا إليه زَرَافَات ووُحدانا فالثقل الذي يناسب هذا هو الثبات في القتال كما في قول أبي الطيب: ثِقال إذا لاقَوْا خِفاف إذا دُعوا *** وتستعار الخفّة لقلّة العدد، والثقلُ لكثرة عدد الجيش كما في قول قُريط: «زَرافات ووُحدانا».

وتستعار الخفّة لتكرير الهجوم على الأعداء، والثقل للتثبّت في الهجوم.

وتستعار الخفّة لقلّة الأزوَاد أو قلّة السلاح، والثقل لضدّ ذلك.

وتستعار الخفّة لقلّة العيال، والثقل لضدّ ذلك وتستعار الخفّة للركوب لأنّ الراكب أخفّ سيراً، والثقل للمشي على الأرجل وذلك في وقت القتال.

قال النابغة: على عارفاتتٍ للطِّعان عوابِسٍ *** بهِنَّ كلوم بين داممٍ وجالب إذ استُنزلوا عنهنّ للضَّرب ارقلوا *** إلى الموت ارْقالَ الجمال المصَاعب وكلّ هذه المعاني صالحة للإرادة من الآية ولمّا وقع ﴿ خفافاً وثقالاً ﴾ حالاً من فاعل ﴿ انفروا ﴾ ، كان محمل بعض معانيهما على أن تكون الحال مقدّرة والواو العاطفة لإحدى الصفتين على الأخرى للتقسيم، فهي بمعنى (أو)، والمقصود الأمر بالنفير في جميع الأحوال.

والمجاهدة: المغالبة للعدوّ، وهي مشتقّة من الجُهد بضمّ الجيم أي بذل الاستطاعة في المغالبة، وهو حقيقة في المدافعة بالسلاح، فإطلاقه على بذل المال في الغزو من إنفاققٍ على الجيش واشتراءِ الكراع والسلاح، مجاز بعلاقة السببية.

وقد أمر الله بكلا الأمرين فمن استطاعهما معاً وجبا عليه، ومن لم يستطع إلاّ واحداً منهما وجب عليه الذي استطاعه منهما.

وتقديم الأموال على الأنفس هنا: لأنّ الجهاد بالأموال أقلّ حُضوراً بالذهن عند سماع الأمر بالجهاد، فكان ذكره أهمّ بعد ذكر الجهاد مجملاً.

والإشارة ب ﴿ ذلكم ﴾ إلى الجهاد المستفاد من ﴿ وجاهدوا ﴾ .

وإبهام ﴿ خير ﴾ لقصد توقّع خير الدنيا والآخرة من شعب كثيرة أهمها الاطمئنان من أن يغزوهم الروم ولذلك عُقب بقوله: ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ أي إن كنتم تعلمون ذلك الخير وشعبه.

وفي اختيار فعل العلم دون الإيمان مثلاً للإشارة إلى أنّ من هذا الخير ما يخفى فيحتاج متطلّب تعيين شعبه إلى اعمال النظر والعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا ﴾ فِيهِ عَشَرَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي شَبابًا وشُيُوخًا، قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: في اليُسْرِ والعُسْرِ فُقَراءَ وأغْنِياءَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

والثّالِثُ: مَشاغِيلَ وغَيْرَ مَشاغِيلِ، قالَهُ الحَكَمُ.

والرّابِعُ: نَشاطًا وغَيْرَ نَشاطٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

والخامِسُ: رُكْبانًا ومُشاةً، قالَهُ أبُو عَمْرٍو الأوْزاعِيُّ.

والسّادِسُ: ذا صَنْعَةٍ وغَيْرَ ذِي صَنْعَةٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والسّابِعُ: ذا عِيالٍ وغَيْرَ ذِي عِيالٍ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والثّامِنُ: أصِحّاءَ وغَيْرَ أصِحّاءَ ومَرْضى، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.

والتّاسِعُ: عَلى خِفَّةِ البَعِيرِ وثِقَلِهِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى والطَّبَرِيُّ.

والعاشِرُ: خِفافًا إلى الطّاعَةِ وثِقالًا عَنِ المُخالَفَةِ.

وَيَحْتَمِلُ حادِيَ عَشَرَ: خِفافًا إلى المُبارَزَةِ، وثِقالًا في المُصابَرَةِ.

﴿ وَجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أمّا الجِهادُ بِالنَّفْسِ فَمِن فُرُوضِ الكِفاياتِ إلّا عِنْدَ هُجُومِ العَدُوِّ فَيَصِيرُ مُتَعَيِّنًا.

وَأمّا بِالمالِ فَبِزادِهِ وراحِلَتِهِ إذا قَدَرَ عَلى الجِهادِ بِنَفْسِهِ، فَإنْ عَجَزَ عَنْهُ بِنَفْسِهِ فَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ بَذْلَ المالِ يَلْزَمُ بَدَلًا عَنْ نَفْسِهِ.

وَقالَ جُمْهُورُهُمْ: لا يَجِبُ لِأنَّ المالَ في الجِهادِ تَبَعُ النَّفْسِ إلّا سَهْمَ سَبِيلِ اللَّهِ مِنَ الزَّكاةِ.

﴿ ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الجِهادَ خَيْرٌ لَكم مِن تَرْكِهِ إلى ما أُبِيحَ مِنَ القُعُودِ عَنْهُ.

والثّانِي: مَعْناهُ أنَّ الخَيْرَ في الجِهادِ لا في تَرْكِهِ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ صِدْقَ اللَّهِ تَعالى فِيما وعَدَ بِهِ مِن ثَوابِهِ وجَنَّتِهِ.

والثّانِي: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ الخَيْرَ في الجِهادِ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُرِيدُ لَكُمُ الخَيْرَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وأبو الشيخ عن أبي الضحى رضي الله عنه قال: أوّل ما نزل من براءة ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ ثم نزل أولها وآخرها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن أبي مالك رضي الله عنه قال: أول شيء نزل من براءة ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ ثم نزل أولها وآخرها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن أبي مالك رضي الله عنه قال: أول شيء نزل من براءة ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ قال: نشاطاً وغير نشاط.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحكم في قوله: ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ قال: مشاغيل وغير مشاغيل.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ قال: في العسر واليسر.

وأخرج ابن المنذر عن زيد بن أسلم رضي الله عنه في قوله: ﴿ خفافاً وثقالاً ﴾ قال: فتياناً وكهولاً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ خفافاً وثقالاً ﴾ قال: شباباً وشيوخاً.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال: قالوا: إن فينا الثقيل وذا الحاجة والصنعة والشغل والمنتشر به أمره في ذلك، فأنزل الله: ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ وأبى أن يعذرهم دون أن ينفروا خفافاً وثقالاً وعلى ما كان منهم.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه قال: جاء رجل زعموا أنه المقداد وكان عظيماً سميناً، فشكا إليه وسأله أن يأذن له فأبى، فنزلت يومئذ فيه ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ فلما نزلت هذه الآية اشتد على الناس شأنها، فنسخها الله فقال: ﴿ ليس على الضعفاء ولا على المرضى ﴾ [ التوبة: 91] الآية.

وأخرج ابن جرير عن حضرمي قال: ذكر لنا أن أناساً كانوا عسى أن يكون أحدهم عليلاً أو كبيراً فيقول: إني لا آثم، فأنزل الله: ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ الآية.

وأخرج ابن سعد وابن أبي عمر العدني في مسنده وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس بن مالك.

أن أبا طلحة قرأ سورة براءة، فأتى على هذه الآية ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ قال: أرى ربنا يستنفرنا شيوخاً وشباباً.

وفي لفظ فقال: ما أسمع الله عذر أحد أجهزوني.

قال بنوه: يرحمك الله تعالى قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات، وغزوت مع أبي بكر حتى مات وغزوت مع عمر رضي الله عنه حتى مات، فنحن نغزو عنك.

فأبى فركب البحر فمات، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد تسعة أيام، فلم يتغير فدفنوه فيها.

وأخرج ابن سعد والحاكم عن ابن سيرين رضي الله عنه قال: شهد أبو أيوب رضي الله عنه بدراً ثم لم يتخلف عن غزوة للمسلمين إلا عاماً واحداً، وكان يقول: قال الله: ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ فلا أجدني إلا خفيفاً وثقيلاً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن أبي راشد الحبراني قال: رأيت المقداد فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص يريد الغزو فقلت: لقد أعذر الله تعالى إليك.

قال: ابت علينا سورة التحوب ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ يعني سورة التوبة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي يزيد المديني قال: كان أبو أيوب الأنصاري والمقداد بن الأسود يقولان: أمرنا أن تنفر على كل حال، ويتأوّلان قوله تعالى ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا ﴾ الآية، اختلفوا في تفسير الخفاف والثقال، فقال ابن عباس في رواية عطاء: شبانا وكهولاً (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) ﴿ خِفَافًا ﴾ أهل الميسرة من المال، ﴿ وَثِقَالًا ﴾ : أهل العسرة (٧) (٨) وعلى العكس من هذا قال أبو صالح: ﴿ خِفَافًا ﴾ من المال، أي فقراء، ﴿ وَثِقَالًا ﴾ منه، أي أغنياء (٩) (١٠) قال أهل المعاني: الأولى أن يقال: هذا عام في كل حال، وفي كل أحد؛ لأنه ما من أحد إلا وهو ممن تخف عليه الحركة أو تثقل، فهو ممن أمر في هذه الآية بالنفير (١١) (١٢) (١٣) ﴿ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا ﴾ ولا أجدني إلا خفيفًا أو ثقيلاً (١٤) (١٥) ﴿ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا ﴾ (١٦) (١٧)  - ومع أبي بكر وعمر حتى ماتوا فنحن نغزو عنك، فقال: لا، جهزوني جهزوني (١٨) (١٩) وهذه الآية مما دل بظاهره على وجوب (٢٠) ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً  ﴾ (٢١) (٢٢) ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ  ﴾ (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ، قال أهل العلم: هذا يدل على أن الموسر يجب عليه الجهاد بالمال إذا عجز عن الجهاد ببدنه لزمانة (٢٤) (٢٥) ﴿ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ قيل: ذلكم خير لكم من التثاقل إلى الأرض إذا استنفرتم (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) ﴿ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ  ﴾ : ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ  ﴾ ومثله كثير.

وقوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ : قال ابن عباس: إن كنتم تعلمون ما لكم من الثواب (٣٠) (٣١) (٣٢) (١) ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1802 بغير سند وبصيغة التمريض.

(٢) هو: شمر بن عطية بن عبد الرحمن الأسدي الكاهلي الكوفي، راوٍ صدوق، له أحاديث صالحة، وثقه النسائي وابن معين وغيرهما، توفي بعد سنة 100 هـ.

انظر: "الكاشف" 1/ 490، و"تقريب التهذيب" 2681 (2821)، و"تهذيب التهذيب" 2/ 179.

(٣) ذكره عنهم جميعًا الثعلبي 6/ 110 ب، وكذلك -عدا أنس- الإمام ابن جرير 10/ 138، وابن أبي حاتم 6/ 1802.

والجدير بالتنبيه أن في تفسير ابن جرير: بثمر بن عطية، وذكر المحقق أن في اسمه اضطرابًا ولم يهتد للصواب، والصواب: شمر بن عطية،، كما ذكره الواحدي وابن أبي حاتم والثعلبي، فليصحح.

(٤) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 442، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 449.

(٥) ذكره الثعلبي 6/ 111 أ، والبغوي 4/ 53.

(٦) رواه ابن جرير 10/ 139، من وراية العوفي وكذلك ابن أبي حاتم 3/ 1803، وذكره الثعلبي 6/ 111 أدون ذكر الراوي عنه.

(٧) ذكره البغوي 4/ 53 بصيغة التمريض، وكذلك ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 442، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 499.

(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 499.

(٩) رواه الثعلبي 6/ 111 أ، وبنحوه ابن جرير 10/ 139، والبغوي 4/ 53.

(١٠) "معاني القرآن" 1/ 439.

(١١) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 499، وبمعناه النحاس في "معاني القرآن الكريم" 3/ 212.

(١٢) في (ج): (أن).

(١٣) بل ذكرت المصادر التالية أن أبا أيوب -  - تخلف عامًا واحداً، وذكر بعضها أنه ندم على ذلك.

(١٤) رواه ابن جرير 14/ 138، والحاكم في "المستدرك"، كتاب "معرفة الصحابة" 3/ 458، وابن سعد في "الطبقات" 3/ 2/49.

(١٥) في (ج): (في).

(١٦) رواه ابن جرير 10/ 139 - 140، والحاكم في "المستدرك" كتاب: معرفة الصحابة 3/ 349، وقال: صحيح الإسناد، وابن أبي حاتم 6/ 1802.

(١٧) هو: زيد بن سهل بن الأسود النجاري الخزرجي، أبو طلحة الأنصاري صاحب رسول الله -  - ومن بني أخواله، وأحد أعيان البدريين، واحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة، توفي سنة 34 هـ.

انظر: "المعارف" 154، و"سير أعلام النبلاء" 2/ 27، و"الإصابة" 1/ 566.

(١٨) ساقط من (ج) و (م).

(١٩) رواه الحاكم في "المستدرك"، كتاب: معرفة الصحابة، ذكر مناقب أبي طلحة == 3/ 353، وابن حبان في "صحيحه" (الإحسان) كتاب: المناقب، ذكر الموضع الذي مات فيه أبو طلحة، رقم (7184) 16/ 512، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1802، وصححه الحاكم، وقال: على شرط مسلم، وقال الذهبي: على شرط الشيخين.

(٢٠) في (ج): (وجود)، وهو خطأ.

(٢١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1803، والبغوي في "تفسيره" 4/ 54 بغير سند، والبيهقي في "السنن الكبرى"، كتاب: السير، باب: النفير ..

رقم (17938) 9/ 81 وفي سنده عثمان بن عطاء الخرساني، قال الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب" 385 (4502): (ضعيف.

اهـ.

وفيه علة أخرى وهي الإرسال؛ فإن عطاء الخرساني لم يسمع من ابن عباس كما في "العبر" 1/ 140، و"تهذيب التهذيب" 3/ 71، 72، وقد سبق بيان التحقيق في نسخ هذه الآية عند قوله تعالى: ﴿ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ ﴾ .

(٢٢) في (ي): (وهل يجب ذلك).

(٢٣) انظر: "النسخة الأزهرية" 1/ 131 أوقد قال في هذا الموضع: اختلف العلماء في حكم هذه الآية، فمذهب عطاء أن المعني بهذا أصحاب رسول الله -  - خاصة دون غيرهم؛ لأنه قال: كان القتال مع النبي -  - فريضة ..

وقال بعضهم: كان الجهاد في الابتداء من فرائض الأعيان، ثم صار فرض كفاية، لقوله عز وجل ﴿ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ﴾ ولو كان القاعد مضيعًا فرضًا ما كان موعوداً بالحسنى، وقال بعضهم: لم يزل الجهاد فرض كفاية، غير أن رسول الله -  - كان إذا استنفرهم تعين عليهم النفير، لوجوب طاعته، ..

والإجماع اليوم على أنه من فروض الكفاية، إلا أن ==أن يدخل المشركون ديار المسلمين فإنه يتعين على كافة المسلمين إلى أن يقوم بكفايتهم من يصرف وجوههم.

(٢٤) الزمانة: العاهة والبلوى، انظر: "القاموس المحيط"، فصل الزاي، باب: النون ص 1203، و"مختار الصحاح" (ز م ن) ص 275.

(٢٥) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 3/ 443، والرازي 16/ 70 - 71، والخازن 2/ 228، و"حاشية الروض المربع" 4/ 256، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والعاجز عن الجهاد بنفسه يجب عليه الجهاد بماله في أصح قولي العلماء ..

فإن الله أمر بالجهاد بالمال والنفس في غير موضع من القرآن، و"مجموع فتاوى شيخ الإسلام" 28/ 87.

(٢٦) هذا قول ابن جرير، انظر "تفسيره" 10/ 140.

(٢٧) ذكر هذا القول الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 366، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 444.

(٢٨) في (ج): (ص).

(٢٩) في (ج): (أحد).

(٣٠) لم أجد من ذكره سوى المؤلف في "الوجيز" 1/ 465.

(٣١) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).

(٣٢) لم أهتد إلى القائل.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ انفروا خِفَافاً وَثِقَالاً ﴾ أمر بالنفير إلى الغزو، والخفة استعارة لمن يمكنه السفر بسهولة، والثقل من يمكنه بصعوبة، وقال بعض العلماء: الخفيف: الغني، والثقيل: الفقير، وقيل: الخفيف الشاب، والثقيل الشيخ، وقيل: الخفيف النشيط، والثقيل الكسلان، وهذه الأقوال أمثلة في الثقل والخفة، وقيل: إن هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى الضعفآء وَلاَ على المرضى ﴾ [التوبة: 91] الآية ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً ﴾ الآية: نزلت هي وكثير مما بعدها في هذه السورة في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وذلك أنها كانت إلى أرض بعيدة وكانت في شدّة الحر وطيب الثمار والظلال، فثقلت عليهم فأخبر الله في هذه الآية أن السفر لو كان لعرض من الدنيا، أو إلى مسافة قريبة لفعلوه ﴿ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة ﴾ أي الطريق والمسافة ﴿ وَسَيَحْلِفُونَ بالله ﴾ إخبار بغيب وهو أنهم يعتذرون بأعذار كاذبة ويحلفون ﴿ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ أي يوقعونها في الهلاك بحلفهم الكاذبة، أو تخلفهم عن الغزو.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وكلمة الله ﴾ بالنصب: يعقوب.

الباقون: بالرفع.

الوقوف: ﴿ إلى الأرض ﴾ ط ﴿ من الآخرة ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ شيئا ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ معنا ﴾ ج لعطف ﴿ أنزل ﴾ على ﴿ نصره ﴾ مع عوارض الظروف.

﴿ السفلى ﴾ ط إلا لمن قرأ ﴿ وكلمة ﴾ بالنصب ﴿ العليا ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ الشقة ﴾ ط ﴿ معكم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال.

﴿ أنفسهم ﴾ ج لواو الابتداء والحال.

﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ عنك ﴾ ج لحق الاستفهام مع اتصال الكلام معنى.

﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ وأنفسهم ﴾ ط ﴿ بالمتقين ﴾ ه ﴿ يتردّدون ﴾ ه ﴿ القاعدين ﴾ ه ﴿ الفتنة ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ ولا تفتني ﴾ ط ﴿ سقطوا ﴾ ط ﴿ بالكافرين ﴾ ه.

التفسير: لما شرح الله معايب هؤلاء الكفار عاد إلى الترغيب في قتالهم.

عن ابن عباس أنها نزلت في غزوة تبوك سنة عشر؛ وذلك أنه  لما رجع من الطائف أقام بالمدينة أياماً فأمر بجهاد الروم فاستثقله الناس لكون الزمان زمان صيف وللقحط ولبعد المسافة ولمزيد احتياج الاستعداد ولشدة الحر وللخوف من عسكر الروم ولوجود أسباب الرفاهية بالمدينة لكون الوقت وقت إدراك الثمار وحصول الغلات.

روي أن رسول الله  ما خرج في غزوة إلا ورّى عنها بغيرها إلا في غزوة تبوك ليستعد الناس تمام العدة.

أصل النفر الخروج إلى مكان لأمر هاج عليه واسم ذلك القوم الذين يخرجون النفير.

وأصل ﴿ اثاقلتم ﴾ تثاقلتم كما قلنا في ﴿ فادّارأتم  ﴾ ومعناه تبأطاتم.

وإنما عدّي بإلى لتضمين معنى الميل والإخلاد كقوله ﴿ أخلد إلى الأرض  ﴾ أي مال إلى الدنيا وشهواتها.

وقيل: المراد لتم إلى الإقامة بأرضكم والبقاء فيها.

ومعنى الاستفهام في ﴿ مالكم ﴾ الإنكار.

وقرىء ﴿ أثاقلتم ﴾ على الاستفهام للإنكار أيضاً فيكون جواب "إذا" فعلاً آخر مدلولاً عليه بأثاقلتم كنحو ملتم، وذلك أن جواب "إذا" عامل في "إذا"، والاستفهام لا يعمل فيما قبله.

ويجوز على هذه أن يكون "إذا" لمجرد الظرفية والعامل فيه ما في ﴿ مالكم ﴾ من معنى الفعل كأنه قيل: ما تصنعون إذا قيل لكم و "من" في ﴿ من الآخرة ﴾ للبدل كقوله ﴿ لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون ﴾ كأنه قيل: قد ذكرنا الموجبات الكثيرة الداعية إلى القتال وبينا أنواع فضائحهم التي تحمل العاقل على مقاتلتهم، ولو لم يكن فيه إلا طاعة المعبود المستلزمة لثواب الآخرة لكفى به باعثاً.

﴿ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة ﴾ أي في جنبها وفي مقابلها.

﴿ إلا قليل ﴾ ويجوز أن يراد بالقلة العدم إذ لا نسبة للمتناهي الزائل إلى غير المتناهي الباقي.

والظاهر أن هذا التثاقل لم يصدر من جميع المخاطبين لاستحالة إطباق هذه الأمة على المعصية والضلالة إلا أنه طالما أعطى للأكثر حكم الكل وأطلق لفظ الكل على الإغلب، ثم لما رغبهم في الجهاد بعرض الثواب عليهم رغبتهم فيه بعرض العقاب فقال ﴿ إلا تنفروا ﴾ ورتب عليه ثلاث خصال: الأولى قوله ﴿ يعذبكم عذاباً أليماً ﴾ قيل: هو عذاب الدنيا.

عن استنفرهم رسول الله  فتثاقلوا فأمسك الله عنهم المطر.

وقال الحسن: الله أعلم بالعذاب الذي كان ينزل عليهم.

وقيل: هو عذاب الآخرة فإن الأليم لا يليق إلا به.

وقيل: إنه تهديد بالعذاب المطلق الشامل للدارين.

الثانية قوله ﴿ ويستبدل قوماً غيركم ﴾ يعني قوماً آخرين خيراً منهم وأطوع.

قيل: هم أهل اليمن.

عن أبي روق.

وقيل: أبناء فارس عن سعيد بن جبير.

وقيل: يحتمل أن يراد بهم الملائكة.

وقال الأصم: معناه أنه يخرجه من بين أظهركم وهي المدينة والأصح إبقاء الآية على الإطلاق.

الثالثة قوله ﴿ ولا تضروه شيئاً ﴾ قال الحسن: الضمير لله وفيه أنه غني عنهم في نصرة دينه بل في كل شيء.

وقال آخرون: الضمير للرسول لأن الله وعده أن يعصمه ووعد الله كائن لا محالة.

وفي قوله ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ تنبيه على أنه قادر على نصرة رسوله بأي وجه أراد، وقادر على إيقاع العذاب بكل من يخالف أمره كائناً من كان.

عن الحسن وعكرمة أن الآية منسوخة بقوله ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة  ﴾ والصحيح أنها خطاب لمن استنفرهم رسول الله  فلم ينفروا فلا نسخ.

قال الجبائي: في الآية دلالة على إبطال مذهب المرجئة من أن أهل القبلة لا وعيد لهم.

وقال القاضي: فيها دلالة على وجوب الجهاد سواء كان مع الرسول أولا لقوله  ﴿ مالكم إذا قيل لكم ﴾ ولم ينص على أن القائل هو الرسول.

ومن قال إن الضمير في قوله ﴿ لا يضروه ﴾ عائد إلى الرسول فجوابه أن خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها.

ثم رغبهم في الجهاد بطريق آخر فقال ﴿ إلا تنصروه فقد نصره الله ﴾ وهذا كالتفسير لما تقدم.

والمعنى إن لم تشتغلوا بنصره فإن الله سينصره بدليل أن الله نصره وقواه حال ما لم يكن معه إلا رجل واحد ولا أقل من الواحد.

وفيه أنه لما أوجب له النصرة وقتئذّ فلن يخذله بعد ذلك.

وقوله ﴿ إذ أخرجه الذين كفروا ﴾ أي ألجؤه إلى أن خرج ظرف لنصره، و ﴿ ثاني اثنين ﴾ نصب على الحال ومعناه أحد اثنين لأنه إذا حضر اثنان فكل واحد منهما ثانٍ للآخر وواحد منهما.

وقوله ﴿ إذ هما في الغار ﴾ بدل من إذ أخرجه و ﴿ إذ يقول ﴾ بدل ثان والغار نقب عظيم في الجبل والمراد به ههنا نقب في أعلى ثور وهو جبل في يمين مكة على مسيرة ساعة.

واعلم أنا قد ذكرنا في سورة الأنفال أن قريشاً ومن بمكة تعاقدوا على قتل رسول الله  فنزل ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا  ﴾ فأمره الله  أن يخرج هو وأبو بكر الصديق إلى الغار.

فخرج وأمر علياً أن يضطجع على فراشه فلما وصلا إلى الغار دخل أبو بكر يلتمس ما في الغار فقال له الرسول: مالك؟

فقال: بأبي أنت وأمي، الغيران مأوى السباع والهوام فإن كان فيه شيء كان بي لا بك، فخرق عمامته وسد الحجرة وبقي حجر واحد فوضع عقبه عليه كيلا يخرج منه ما يؤذي الرسول  .

فلما طلب المشركون الأثر وقربوا بكى أبو بكر خوفاً على رسول الله  فقال  : ﴿ لا تحزن إن الله معنا ﴾ وقيل: طلع المشركون فوق الغار فأشفق أبو بكر على رسول الله  فقال إن تصب اليوم ذهب دين الله فقال  : ما ظنك باثنين الله ثالثهما!

وقيل: لما دخلا الغار بعث الله حمامتين فباضتا في أسفله، والعنكبوت فنسجت عليه وقال رسول الله  : اللهم أعم أبصارهم.

فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطنون له قد أخذ الله أبصارهم عنه.

استدل أهل السنة بالآية على أفضلية أبي بكر وغاية اتحاده ونهاية صحبته وموافقة باطنه ظاهره وإلا لم يعتمد الرسول عليه في مثل تلك الحالة، وأنه كان ثاني رسول الله  في الغار وفي العلم لقوله "ما صب في صدري شيء إلا وصببته في صدر أبي بكر" .

وفي الدعوة إلى الله لأنه  عرض الإيمان أولاً على أبي بكر فآمن، ثم عرض أبو بكر الإيمان على طلحة والزبير وعثمان بن عفان وجماعة أخرى من أجلة الصحابة، وكان لا يفارق الرسول  في الغزوات وفي أداء الجماعات وفي المجالس والمحافل، وقد أقامه في مرضه مقامه في الإمامة، ولما توفي دفن بجنب رسول الله  ، وكان ثاني اثنين من أول أمره إلى آخره، ولو قدرنا أنه توفي رسول الله  في ذلك السفر لزم أن لا يقوم بأمره ولا يكون وصيه إلا أبو بكر.

وأن لا يبلغ ما حدث في ذلك الطريق من الوحي والتنزيل إلا أبو بكر.

وقوله ﴿ لا تحزن ﴾ نهى عن الحزن مطلقاً والنهي يقتضي الدوام والتكرار فهو لا يحزن قبل الموت وعنده وبعده.

ولا شك أن من كان الله معه فإنه يكون من المتقين المحسنين لقوله ﴿ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون  ﴾ قال الحسين بن فضيل: من أنكر صحبة غير أبي بكر من الصحابة فإنه يكون كذاباً مبتدعاً، ومن أنكر صحبة أبي بكر فإنه يكون كافراً لأنه خالف قول الله  ﴿ إذ يقول لصاحبه ﴾ أجابت الشيعة بأن كونه ثاني اثنين ليس أعظم من كون الله رابعاً لكل ثلاثة في قوله ﴿ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم  ﴾ وهذا عام في حق كل كافر ومؤمن.

وكون المصاحبة موجبة للتشريف معارض بقوله  للكافر ﴿ قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك  ﴾ وكما احتمل أن يقال إنه  استخلصه لنفسه في هذا السفر لأجل الثقة، احتمل أن يكون ذلك لأجل إنه خاف أن يدل الكفار عليه أو يوقفهم على أسراره لو تركه.

ثم إن حزنه لو كان حقاً لم ينه عنه فهو ذنب وخطأ.

سلمنا دلالة الآية على فضل أبي بكر إلا أن اضطجاع علي  على فراشه أعظم من ذلك فيه من خطر النفس.

أجاب أهل السنة بأن كون الله رابعاً لكل ثلاثة أمر مشترك، وكونه ثاني اثنين تشريف زائد اختص الله أبا بكر به على أن المعية هنالك بالعمل والتدبير وههنا بالصحبة والمرافقة، فأين إحداهما من الأخرى؟!

والصحبة في قوله ﴿ قال له صاحبه ﴾ مقرونة بما تقتضي الإهانة والإذلال وهو قوله ﴿ أكفرت ﴾ وفي الآية مقرونة بما يوجب التعظيم والإجلال وهو قوله ﴿ لا تحزن إن الله معنا ﴾ قالوا: والعجب أن الشيعة إذا حلفوا قالوا: وحق خمسة سادسهم جبريل.

واستنكروا أن يقال: وحق اثنين الله ثالثهما.

والاحتمال الذي ذكروه مدفوع بما روي أن أبا بكر هو الذي اشترى الراحلة للرسول وأن عبد الرحمن بن أبي بكر وأسماء بنت أبي بكر هما اللذان كانا يأتيانهما بالطعام مدة مكثهما في الغار وذلك ثلاثة أيام وقيل بضعة عشر يوماً.

وروي أن جبريل  أتاه وهو جائع فقال؛ هذه أسماء قد أتتك بحيسة ففرح بذلك رسول الله  وأخبر به أبا بكر، ولو كان أبو بكر قاصداً له لصاح بالكفار عند وصولهم إلى باب الغار، ولقال ابنه وابنته نحن نعرف مكان محمد.

وكون حزنه معصية معارض بقوله  لموسى ﴿ لا تخف إنك أنت الأعلى  ﴾ وقول الملائكة لإبراهيم ﴿ لا تخف وبشروه  ﴾ ثم إنا لا ننكر أن اضطجاع علي  على فراش الرسول طاعة وفضيلة إلا أن صحبة أبي بكر أعظم لأن الحاضر أعلى حالاً من الغائب، ولأن علياً  ما تحمل المحنة إلا ليلة وأبو بكر مكث في الغار أياماً، وإنما اختار علياً للنوم على فراشه لأنه كان صغيراً لم يظهر عنه بعد دعوة بالدليل والحجة ولا جهاد بالسيف والسنان بخلاف أبي بكر فإنه قد دعا حينئذ جماعة إلى الدين وكان يذب عن الرسول بالنفس والمال، فكان غضب الكفار على أبي بكر أشد من غضبهم على عليّ  ولهذا لم يقصدوا علياً بضرب ولا ألم لما عرفوا أن المضطجع هو.

ثم زعم أهل السنة أن الضمير في قوله ﴿ فأنزل الله سكينته عليه ﴾ عائد إلى أبي بكر لا إلى الرسول لأنه أقرب المذكورين فإن التقدير: إذ يقول محمد لصاحبه أبي بكر ولأن الخوف كان حاصلاً لأبي بكر والرسول كان آمناً ساكن القلب بما وعده الله من النصر، ولو كان خائفاً لم يمكنه إزالة الخوف عن غيره بقوله ﴿ لا تحزن ﴾ ولناسب أن يقال: فأنزل الله سكينته عليه فقال لصاحبه لا تحزن.

واعترض بأن قوله ﴿ وأيده ﴾ عطف على ﴿ فأنزل ﴾ فواجب أن يتحد الضميران في حكم العود.

وأجيب بأن قوله ﴿ وأيده ﴾ معطوف على قوله ﴿ فقد نصره ﴾ والتقدير: إلا تنصروه فقد نصره في واقعة الغار وأيده في واقعة بدر والأحزاب وحنين بالملائكة، والظاهر أن الحزن لا يبعد أن يكون شاملاً للنبي  أيضاً من حيث البشرية كقوله ﴿ وزلزلوا  ﴾ ويكون في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: فأنزل الله سكينته عليه إذ يقول، أو يكون ﴿ فأنزل ﴾ معطوفاً على نصره.

والمراد بالسكينة ما ألقي في قلبه من الأمنة التي سكن عندها قلبه وعلم أنه منصور لا محالة كقوله في قصة حنين ﴿ ثم أنزل الله سكينته على رسوله  ﴾ وقوله ﴿ وجعل ﴾ يعني يوم بدر وسائر الوقائع ﴿ كلمة الذين كفروا ﴾ وهي دعوتهم إلى الكفر وعبادة الأصنام ﴿ السفلى وكلمة الله ﴾ وهي دعوته إلى الإسلام أو كلمة التوحيد لا إله إلا الله ﴿ هي العليا ﴾ وفي توسيط كلمة الفصل - أعني هي - تأكيد فضل كلمة الله في العلو وأنها المختصة بالعلاء دون سائر الكلم.

قال الفراء: لا أحب قراءة نصب الكلمة لأن الأجود حينئذ أن يقال: وكلمته هي العليا.

ألا ترى أنك تقول: أعتق أبوك غلامه ولا تقول أعتق أبوك غلام أبيك؟

قلت: وفي الرفع أيضاً الاستئناف وما في الجملة الاسمية من الثبات ﴿ والله عزيز حكيم ﴾ قاهر غالب لا فعل له إلا الصواب.

ثم لما توعد من لا ينفر مع الرسول وضرب له من الأمثال ما وصف عقبه بالأمر الجزم فقال ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ قال المفسرون: أي خفافاً في النفور لنشاطكم وثقالاً عنه لمشقته عليكم، أو خفافاً لقلة عيالكم وثقالاً لكثرتهم، أو خفافاً من السلام وثقالاً منه، أو ركباناً ومشاة، أو شباناً وشيوخاً، أو مهازيل وسماناً، أو صحاحاً ومراضاً، والصحيح التعميم، وأن المراد انفروا سواء كنتم على الصفة التي يخف عليكم الجهاد معها أو على ضدها.

قال الأكثرون: ظاهر هذا الأمر يقتضي تناول جميع الناس حتى المرضى والعاجزين ويؤيده ما روي عن ابن أم مكتوم أنه قال لرسول الله  : أعليّ أن أنفر؟

قال: ما أنت إلا خفيف أو ثقيل فرجع إلى أهله ولبس سلاحه ووقف بين يديه فنزل قوله ﴿ ليس على الأعمى حرج  ﴾ وقال مجاهد: إن أبا أيوب شهد بدراً مع رسول الله ولم يتخلف عن غزوات المسلمين ويقول: قال الله ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ فلا أجدني إلا خفيفاً أو ثقيلاً.

وعن صفوان بن عمرو قال: كنت والياً على حمص فلقيت شيخاً كبيراً قد سقط حاجباه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو فقلت: يا عم لقد أعذر الله إليك.

فرفع حاجبيه وقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافاً وثقالاً إلا أنه من يحبه الله يبتليه.

وعن الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل: إنك عليل صاحب ضرر.

فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل فإن لم تمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع.

وعن أنس قال: قرأ أبو طلحة هذه الآية فقال: ما أسمع الله عذر أحداً فخرج مجاهداً إلى الشام حتى مات.

وقال السدي: جاء المقداد بن الأسود إلى رسول الله  وكان عظيماً سميناً وشكا إليه وسأله أن يأذن له فنزل فيه ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ فاشتد شأنها على الناس فنسخها الله بقوله ﴿ ليس على الضعفاء ولا على المرضى  ﴾ الآية.

وقيل: لا حاجة إلى التزام النسخ لأن هذه الآيات نزلت في غزوة تبوك بالاتفاق، ولا شك أنه  خلف من النساء والرجال أقواماً فذلك يدل على أن هذا الوجوب ليس على الأعيان ولكنه من فروض الكفايات.

فمن أمره الرسول  بأن يخرج لزمه ذلك ومن أمره أن يبقى لزمه أن يبقى.

ولقائل أن يقول: لا نزاع في هذا إنما النزاع في الضعفاء والمرضى.

ثم قال ﴿ وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ﴾ وفي إيجاب للجهاد بهما إن أمكن، أو بالنفس إن لم يكن مال زائد على أسباب الجهاد، أو بالمال بأن يستنيب من يغزو وعنه إن لم تكن له نفس سليمة صالحة للجهاد وهذا قول كثير من العلماء.

﴿ ذلكم خير لكم ﴾ يعني أنه خير في نفسه أو أنه خير من القعود لما فيه من الراحة والدعة والنعيم العاجل.

وإنما قال ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ لأن ما يحصل من الخيرات في الجهاد لا يدرك إلا بالتأمل ولا يعرفه إلا المؤمن الذي عرف بالدليل أن وعد الله حق.

ثم نزل في المتخلفين عن غزوة تبوك من المنافقين ﴿ لو كان عرضاً قريباً ﴾ قال الزجاج: أي لو كان المدعو إليه فحذف لدلالة ما تقدم عليه.

والعرض ما عرض لك من منافع الدنيا ومنه قولهم: الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، والمراد بالقرب سهولة مأخذه ﴿ وسفراً قاصداً ﴾ أي وسطاً بين القرب والبعد وكل متوسط بين الإفراط والتفريط فهو قاصد أي ذو قصد لأن كل أحد يقصده.

والشقة المسافة الشاقة الشاطة، ووصف المسافة البعيدة بالبعد مبالغة نحو جد جدّة.

وفحوى الكلام لو كانت المنافع قريبة الحصول والسفر وسطاً ﴿ لاتبعوك ﴾ طمعاً في الفوز بتلك المنافع ولكن طال السفر فكانوا كالآيسين من الفوز بالغنيمة.

ثم أخبر أنه سيجدهم إذا رجع من الجهاد يحلفون بالله إما ابتداء على طريق إقامة العذر وإما عندما يعاتبهم بسبب التخلف وقد وقع كما أخبر فكان معجزاً.

و ﴿ بالله ﴾ متعلق بـ ﴿ سيحلفون ﴾ أو هو من جملة كلام المتخلفين والقول مقدر في الوجهين أي سيحلفون بالله قائلين ﴿ لو استطعنا ﴾ وقوله ﴿ لخرجنا ﴾ سادّ مسدّ جوابي القسم ولو جميعاً.

قيل: في الآية دلالة على أن قوله ﴿ انفروا ﴾ خطاب للمستطيعين وإلا لما أمكنهم جعل عدم الاستطاعة عذراً في التخلف.

قال الجبائي: فيها دليل على أن الاستطاعة قبل الفعل وإلا لما كذبهم الله  ، فإن لم من يخرج إلى القتال لم يكن مستطيعاً للقتال عند من يجعل الاستطاعة مع الفعل.

وقال الكعبي: زائداً عليه فإن قيل: لم لا يجوز أن يراد أنهم ما كان لهم زاد ولا راحلة ولا يراد نفس القدرة؟

قلنا إن من لا راحلة له يعذر في ترك الخروج فمن لا قدرة له أولى.

وأيضاً الظاهر من الاستطاعة قوة البدن وإذا أريد به المال فلأنه يعين على ما يفعله الإنسان بقوة البدن.

وأجيب بأن المعتزلة سلموا أن القدرة على الفعل لا تتقدم الفعل إلا بوقت واحد فإن الإنسان الجالس في مكان لا يكون قادراً في هذا الزمان على أن يفعل فعلاً في مكان بعيد عنه وإنما يقدر على فعله في المكان الملاصق لمكانه.

فالقوم الذين تخلفوا ما كانوا قادرين على القتال عندنا وعندهم فيلزمهم ما ألزموه علينا فوجب المصير إلى تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة فيسقط السؤال.

ولقائل أن يقول: إنهم وإن كانوا غير قادرين على القتال إلا أنهم كانوا قادرين على الاشتغال بأسباب القتال فيعود السؤال.

قال في الكشاف ﴿ يهلكون ﴾ بدل من ﴿ سيحلفون ﴾ أو حال أي يوقعونها في الهلاك بحلفهم الكاذب، أو حال من ضمير ﴿ خرجنا ﴾ أي لخرجنا معكم وإن ألقينا أنفسنا في التهلكة.

وإنما جاء به على لفظ الغائب لأنه مخبر عنهم.

حلف بالله ليفعلن أو لأفعلن فالغيبة على الإخبار والتكلم على الحكاية.

قلت: وفي الوجه الأخير نظر للزوم بناء أول الكلام على التكلم وآخره على الغيبة، ولعل الصحيح حينئذ أن لو قيل: لخرجنا معكم نهلك أنفسنا والله  أعلم.

ثم بين أن ذلك التخلف من بعضهم كان بإذن الرسول ولهذا توجه عليه العتاب بقوله ﴿ عفا الله عنك ﴾ فإن العفو يستدعي سابقة الذنب.

وبقوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ فإنه استفهام في معنى الإنكار وبيان لما كنى عنه بالعفو.

قال قتادة وعمرو بن ميمون: شيئان فعلهما الرسول لم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين وأخذه الفداء من الأسارى.

فعاتبه الله بطريق الملاطفة كما تسمعون.

والذي عليه المحققون أنه محمول على ترك الأولى.

وقوله ﴿ عفا الله عنك ﴾ إنما جاء على عادة العرب في التعظيم والتوقير فيقدمون أمثال ذلك بين يدي الكلام يقولون: عفا الله عنك ما صنعت في أمري، رضي الله عنك ما جوابك عن كلامي، وعافاك الله ألا عرفت حقي.

وبعد حصول العفو من الله  يستحيل أن يكون قوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ وارداً على سبيل الذم والإنكار بل يحمل على ترك الأكمل والأولى لا سيما وهذه الواقعة كانت من جنس ما يتعلق بالحروب ومصالح الدنيا.

قال كثير من العلماء:في الآية دلالة على جواز الاجتهاد لأنه  أذن لهم من تلقاء نفسه من غير أن يكون من الله في ذلك إذن وإلا لم يعاتب أو منع وإلا كان عاصياً بل كافراً لقوله ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله  ﴾ ولا ريب أنه لا يكون بمجرد التشهي فيكون بالاجتهاد ثم إنه لم يمنع من الاجتهاد مطلقاً وإنما منع إلى غاية هي قوله ﴿ حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ﴾ ولا يمكن أن يكون المراد من ذلك التبين هو التبين بطريق الوحي وإلا كان ترك ذلك كبيرة فتعين أن يحمل التبين على استعلام الحال بطريق الاجتهاد ليكون الخطأ واقعاً في الاجتهاد لا في النص ويدخل تحت قوله "ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد" وفي الآية دلالة على وجوب الاحتراز عن العجلة وترك الاغترار بظواهر الأمور.

قال قتادة.

عاتبه الله كما تسمعون ثم رخص له في سورة النور في قوله ﴿ فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم  ﴾ .

قال أبو مسلم: يحتمل أن يريد بقوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ الإذن في الخروج لا في القعود، فقد يكون الخروج غير صواب لكونهم عيناً للمنافقين على المسلمين، وإذا كان هذا محتملاً فلا تتعين الآية لرخصة الإذن في القعود.

وقال القاضي: هذا بعيد لأن سياق الآية يدل على أن الكلام في القاعدين وفي بيان حالهم.

ثم ذكر أنه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوا لأن الاستئذان من علامات النفاق فقال ﴿ لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا ﴾ أي في أن يجاهدوا، وكان الأكابر من المهاجرين والأنصار يقولون: لا نستأذن النبي  في الجهاد وكانوا بحيث لو أمرهم بالقعود شق عليهم ذلك.

ألا ترى أن علي بن أبي طالب  لما أمره الرسول صلىالله عليه وسلم بأن يبقى في المدينة شق عليه ذلك ولم يرض إلى أن قال له الرسول  "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" .

وقيل: إن حرف النفي مضمر كإضمار الجار والتقدير في أن لا يجاهد والآن سياق الآية يدل على ذم من يستأذن في القعود.

وعلى هذا يمكن أن يقال: معناه كراهة أن يجاهدوا وفي قوله ﴿ والله عليم بالمتقين ﴾ رمز إلى أنهم من جملة المتقين وأن لهم ثوابهم.

ثم بين الذين من شأنهم الاستئذان فقال ﴿ إنما يستأذنك ﴾ الآية.

وفيه أن الشاك في أمر الدين وفي أصوله لا في بعض مسائلة غير مؤمن بالله  ، وفيه أن محل الريب واليقين هو القلب وأن الإيمان ليس مجرد الإقرار باللسان وإلا لم يصح نفيه عن المنافقين.

ومعنى قوله ﴿ فهم في ريبهم يترددون ﴾ أن الشاك متردد بين النفي والإثبات غير حاكم بأحد الطرفين.

وتقريره أن الاعتقاد إما أن يكون جازماً أولاً، فالجازم إن كان غير مطابق فهو الجهل وإن كان مطابقاً فإما بضرورة أو نظر فهو العلم أولاً وهو اعتقاد المقلد.

وغير الجازم إن كان أحد الطرفين راجحاً عنده فالراجع هو الظن والمرجوح هو الوهم، وإن تساوى الطرفان فهو الريب والشك فلهذا كانت الحيرة والتردد من شأن صاحبه كما أن الثبات والاستقرار ديدن المستبصر.

قال المفسرون: إن المستأذنين هم المنافقون وكانوا تسعة وثلاثين رجلاً.

ثم نعى على المنافقين سوء فعالهم فقال ﴿ ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ﴾ قال ابن عباس: يريد من الماء والزاد والراحلة لأن سفرهم بعيد والزمان شديد، فتركهم العدّة دليل على أنهم أرادوا التخلف.

قال العلماء: وفيه إشارة إلى أنهم كانوا مياسير قادرين على تحصيل الأهبة والعدّة.

﴿ ولكن كره الله انبعاثهم ﴾ أي انطلاقهم ﴿ فثبطهم ﴾ والتثبيط رد الإنسان عن الفعل الذي هم به.

ومعنى الاستدراك أن قوله ﴿ ولو أرادوا الخروج ﴾ يعطي معنى نفي الخروج وكأنه قيل: ما خرجوا ولكن تنبطوا لأن الله  صرفهم عن ذلك كما تقول: ما أحسن إليّ زيد ولكن أساء إليّ.

ومثل هذا يسمى في علم البديع صنعة الاستدراك.

وقد يقال: تأكيد الذم بما يشبه المدح.

ولو قيل مثل هذا في المنع لقيل تأكيد المدح بما يشبه الذم.

وههنا سؤال وهو أن خروجهم مع الرسول إن كان مفسدة فلم عاتب الله رسوله في إذنه لهم بالقعود، وإن كان مصلحة فلم كره الله انبعاثهم؟

والجواب أنه كان مفسدة لقوله عقيب ذلك ﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ﴾ وحديث العتاب ظاهر عند من لا يجوز الاجتهاد على الأنبياء لتمكنهم من استعلام الصواب بطريق الوحي، وكذا على قول أبي مسلم.

ومما يوهم أنه  أذن لهم في الخروج قوله  في هذه السورة ﴿ فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً  ﴾ وقوله في سورة الفتح ﴿ سيقول لك المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم  ﴾ إلى قوله ﴿ قل لن تتبعونا  ﴾ وأما عندنا فإنما لم يستحسن الله من الرسول  إذنه لهم بالقعود وإن كان قعودهم مصلحة لأنه أذن لهم قبل إتمام التفحص وإكمال التدبر ولأنه لو لم يأذن لهم فهم كانوا يقعدون من تلقاء أنفسهم فكان يصير ذلك القعود علامة على نفاقهم ولا تبقى حاجة إلى إظهار نفاقهم بوجوه أخر دالة على هتك أستارهم وكشف أسرارهم.

قال معتزلة البصرة: في الآية دلالة على أنه  موصوف بصفة الكراهة كما أنه موصوف بصفة الإرادة.

قالت الأشاعرة: معنى كره الله أنه أراد عدم ذلك الشيء.

وزيف بأن العدم لا يصلح أن يكون متعلق الإرادة لأن العدم مستمر فتعلق الإرادة به يكون تحصيلاً للحاصل.

ويمكن أن يجاب بأن الإرادة صفة تقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر سواء في ذلك طرف الوجود وطرف العدم، وطرف العدم غير حاصل إلا بإرادة العدم فكيف يكون تعلق الإرادة به تحصيلاً للحاصل؟

وأيضاً عدم الشيء المخصوص ليس عدماً محضاً.

أما قوله ﴿ وقيل اقعدوا ﴾ فيحتمل أن يكون قد جعل إلقاء الله في قلوبهم كراهة الخروج أمراً بالقعود، ويحتمل أن يراد به قول الشيطان بطريق الوسوسة، أو قول بعضهم لبعض لما أرادوا الاجتماع على التخلف، أو هو قول الرسول كأنه غضب عليهم حين استأذنوه فقال على سبيل الزجر ﴿ اقعدوا مع القاعدين ﴾ فاغتنموا هذه اللفظة وقالوا قد أذن لنا فلهذا عوتب بقوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ أي لم ذكرت هذه اللفظة التي أمكنهم أن يتوسلوا بها إلى تحصيل غرضهم.

ومعنى قوله ﴿ مع القاعدين ﴾ ذم لهم وتعجيز وإلحاق بالنساء والصبيان والزمنى الذين شأنهم الجثوم في البيوت.

﴿ رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ﴾ قال المفسرون: لما خرج رسول الله  ضرب عسكره على ثنية الوداع وضرب عبد الله بن أبي عسكره على ذي حدة - أسفل من ثنية الوداع - ولم يكن بأقل العسكرين، فلما سار رسول الله  تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب فأنزل الله يعزي نبيه ﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ﴾ فيكون استثناء متصلاً من أعم العام، وحمله على الاستثناء المنقطع بناء على أن التقدير ما زادوكم خيراً إلا خبالاً ضعيف.

والخبال في اللغة الفساد ومنه المخبل للمعتوه، وللمفسرين عبارات؛ قال الكلبي: إلا شراً.

وقال سلمان إلا مكراً.

وقال الضحاك: إلا غدراً.

وقيل: إلا خبثاً.

وقيل: هو الاضطراب في الرأي وذلك بتزيين أمر لقوم وتقبيحه لآخرين حتى يختلفوا وتتفرق كلمتهم.

قالت المعتزلة: دلت الآية على أنه كره انبعاثهم لاشتماله على هذا الخبال والشر.

وفيه دليل على أنه  لا يريد إلا الخير والصلاح.

ولقائل: أن يقول إثبات حكم كلي بحكم جزئي غير معقول.

واعلم أنه  عد من مفاسد خروجهم ثلاثة: الأول: قوله ﴿ ما زادوكم إلا خبالاً ﴾ الثاني: ﴿ ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة ﴾ قال في الكشاف: زيد ألف في الكتابة لأن الفتحة كانت تكتب ألفاً قبل الخط العربي والخط العربي اخترع قريباً من نزول القرآن وقد بقي من ذلك الألف أثر في الطباع فكتبوا صورة الهمزة ألفاً أخرى ونحوه ﴿ أو لأذبحنه  ﴾ في النمل ﴿ لأتوها  ﴾ في الأحزاب، ولا رابع لها في القرآن.

وفي الإيضاع قولان لأهل اللغة؛ فقال أكثرهم: هو متعد يقال: وضع البعير إذا عدا، وأوضعه الراكب إذا حمله على العدو.

وعلى هذا يكون في الآية حذف والتقدير: ولأوضعوا ركائبهم.

وقال الأخفش وأبو عبيد: إنه جاء لازماً ويقال: أوضع الرجل إذا سار بنفسه سيراً حثيثاً.

ومنه ما روي أن النبي  أفاض من عرفة وعليه السكينة وأوضع في وادي محسر أي أسرع.

قال الواحدي: والآية تشهد للأخفش وأبي عبيد.

وعلى القولين المراد في الآية السعي بين المسلمين بالتضريب والنميمة والمبالغة في الأول أكثر لأن الراكب أسرع من الماشي.

ومعنى ﴿ خلالكم ﴾ أي فيما بينكم.

والخلل الفرجة فيما بين الشيئين.

و ﴿ يبغونكم الفتنة ﴾ أي يبغون لكم.

قال الأصمعي: يقال ابغني كذا وابغ لي أي اطلبه لأجلي.

ومعنى الفتنة هنا افتراق الكلمة والتشويش في المقاصد فعند ذلك يحصل الانهزام أسرع ما يكون.

فالحاصل من النوع الأول اختلاف الآراء، ومن الثاني المشي بالنميمة لتسهيل ذلك الغرض.

وأما النوع الثالث فذلك قوله ﴿ وفيكم سماعون لهم ﴾ قال مجاهد وابن زيد: أي عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم.

وقال قتادة: فيكم من يسمع كلامهم ويقبل قولهم وإذا تعاضد الفاعل والقابل وقع الأثر على أكمل الوجوه لا محالة.

واعترض على هذا القول بأنه كيف يجوز ذلك على المؤمنين مع قوة دينهم؟

وأجيب بأن ذلك إنما يقع لمن قرب عهده بالإسلام أو لمن جبل على الجبن والفشل أو لمن حسن ظنه ببعض المنافقين لقرابة أو هيبة، وقلما يخلو الأقوياء من ضعيف سخيف أو أهل الحق من مبطل منافق ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم ونفاقهم وغيرهم بإلقاء الفتنة فيما بينهم.

ثم سلى نبيه بتوهين كيد أهل النفاق قديماً وحديثاً فقال ﴿ لقد ابتغوا الفتنة من قبل ﴾ أي من قبل وقعة تبوك.

قال ابن جريج: هو أن اثني عشر رجلاً من المنافقين وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة ليفتكوا بالنبي  .

وقيل: المراد ما فعله عبد الله بن أبي يوم أحد حين انصرف عن النبي  مع أصحابه.

ومعنى الفتنة السعي في تشتيت شمل المسلمين والاختلاف الموجب للفرقة بعد الألفة فسلمهم الله منه ﴿ وقلبوا لك الأمور ﴾ حرفوها ودبروا كل الحيل والمكايد.

ومنه فلان حوّل قلب إذا كان دائراً حول مصايد المكايد ﴿ حتى جاء الحق ﴾ الذي هو القرآن ﴿ وظهر أمر الله ﴾ غلب دينه وشرعه ﴿ وهم كارهون ﴾ رد الله مكرهم في نحرهم وأتى بضد مقصودهم.

ولما كان الأمر كذلك في الماضي فكذا يكون الحال في المستقبل لقوله ﴿ ويأبى الله إلا أن يتم نوره  ﴾ ﴿ ومنهم من يقول ائذن لي ﴾ في القعود ﴿ ولا تفتني ﴾ ولا توقعني في الفتنة وهي الإثم بأن لا تأذن لي فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت.

احتمل أن يكون قد ذكره على سبيل السخرية أو على سبيل الجد بأن كان يغلب على ظن ذلك المنافق صدق محمد وإن كان غير جازم به بعد.

وقيل: لا تفتني أي لا تلقني في التهلكة فإني إن خرجت معك هلك مالي وعيالي.

وقيل: قال الجد بن قيس؛ قد علمت الأنصار أني مستهتر بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر يعني نساء الروم، ولكني أعينك بما لي فاتركني، فأعرض عنه النبي  وقال: قد أذنت لك فنزلت الآية.

فقال رسول الله  لبني سلمة - وكان الجد منهم - من سيدكم يا بني سلمة؟

قالوا: جد بن قيس غير أنه بخيل جبان.

فقال النبي  : وأي داء أدوى من البخل؟

بل سيدكم الفتى الأبيض الجعد الشعر البراء ابن معرور.

﴿ ألا في الفتنة سقطوا ﴾ أي إن الفتنة هي التي سقطوا فيها وهي فتنة النفاق والتمرد عن قبول التكليف المستتبع لشقاء الدارين ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ﴾ أما في الدنيا فلإحاطة أسبابها بهم من النعي عليهم بالنفاق وإفشاء الأسرار وهتك الأستار وتحقير المقدار، وأما في الآخرة فلمآل حالهم إلى الدرك الأسفل من النار.

التأويل: أيها الأرواح والقلوب المؤمنة ما مصيبتكم وبلواكم إذ قيل لكم بالإلهام الرباني اخرجوا من الدنيا وما فيها في طلب والسير إليه، أثاقلتم إلى أرض الدنيا وشهواتها.

﴿ إلا تنفروا ﴾ من سجن الدنيا وقيود شهواتها ﴿ يعذبكم عذاباً أليماً ﴾ باستيلاء ظلمات الصفات النفسانية وغلبات الأوصاف السبعية والشيطانية وبألم البعد عن الحضرة الربانية ﴿ ويستبدل قوماً غيركم ﴾ من الأرواح والقلوب العاشقة الصادقة بل من العقول الكاملة المفارقة ﴿ إلا تنصروه ﴾ والرسول الوارد الرباني ﴿ فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ﴾ أي النفوس الأمارة الكافرة من أرض القبول.

﴿ ثاني اثنين ﴾ ثاني النفس الملهمة ﴿ إذ هما في ﴾ غار العدم.

﴿ وكلمة الله هي العليا ﴾ بجعل النفس المطمئنة بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ {الفجر: 28] واصلة إلى مقام العنديه ﴿ انفروا ﴾ أيها الطلاب ﴿ خفافاً ﴾ مجردين من علائق الأهل والأولاد والأموال ﴿ وثقالاً ﴾ متلبسين بها، أو ﴿ خفافاً ﴾ مجذوبين بالعناية ﴿ وثقالاً ﴾ سالكين بالهداية ﴿ وجاهدوا ﴾ بقدمي بذل الأموال والأنفس.

وقدّم إنفاق المال لأن بذل النفس مع بقاء صفاتها الذميمة غير معتبر، ومن صفاتها الذميمة الحرص على الدنيا والبخل بها ذلكم خير لكم لأن الحاصل من المال ومن النفس الوزر والوبال.

والحاصل من الطلب الوصول والوصال ﴿ لو كان ﴾ مطلوبك يا محمد ﴿ عرضاً قريباً ﴾ هو الدنيا ونعيمها ﴿ وسفراً قاصداً ﴾ هو تتبع شهوات النفس وهواها ﴿ لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة ﴾ لأنها الخروج من الدنيا والعقبى.

﴿ وسيحلفون ﴾ يعني أرباب النفوس ﴿ لخرجنا معكم ﴾ يا أهل القلوب.

﴿ عفا الله عنك ﴾ قدم العفو على العتاب تحقيقاً لقوله ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ {الفتح: 2] ﴿ فهم في ريبهم يترددون ﴾ بين أوصافهم الذميمة النفسانية والحيوانية بلا داعية لخروج إلى الأنوار الروحانية ﴿ لأعدوا له عدة ﴾ وهي متابعة الأنبياء ﴿ فثبطهم ﴾ حبسهم في سجن البشرية ﴿ ما زادوكم إلاَّ خبالاً ﴾ فيه إشارة إلى أن قعود أهل الطبيعة في حبس البشرية صلاح لأرباب القلوب وأصحاب السلوك لأنهم لو خرجوا لا عن نية صادقة وعزيمة صالحة ما زادوهم إلا تشويشاً وتفرقة لأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم.

﴿ لقد ابتغوا الفتنة من قبل ﴾ يعني أن صفات النفس قبل البلوغ كانت تستخدم الروح في شهواتها ﴿ حتى جاء الحق ﴾ وهو العقل القابل لأوامر الشرع ﴿ وظهر أمر الله ﴾ وهو التكليف ﴿ ومنهم ﴾ أي من صفات النفس ﴿ من يقول ﴾ وهو الهوى ﴿ ائذن لي ﴾ في القعود عن الارتقاء في مدارج المعارف والمشارع ﴿ ولا تفتني ﴾ يا روح بتكليفي ما ليس من شأني.

وذلك أن الهوى مركب المحبة تستعمله الروح في تصاعده إلى ذروة الكمال والوصال.

﴿ ألا في الفتنة سقطوا ﴾ أي إن فتنة الهبوط هي الفتنة بالحقيقة ﴿ وإن جهنم ﴾ البعد والقطيعة من لوازم كفار النفس وصفاتها أعاذنا الله منها.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

ألا ترى أنه قال في الآية التي تتلو هذه: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ ﴾ ، قال بعضهم: الآية في المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك؛ كقوله: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ...

 ﴾ الآية، فيفهم ذكر ذلك الوعيد.

وقال بعضهم: الآية في المؤمنين؛ أمروا أن ينفروا في سبيل الله.

﴿ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ ﴾ .

قيل: استثقلتم النفر في سبيل الله وأقمتم.

ويحتمل التثاقل: هو أن يروا من أنفسهم الثقل من غير أن أقاموا؛ كما يقال: يتصامم ويتعامى، من غير أن كان به الصمم والعمى، ولكن لما يرى من نفسه ذلك.

وقال بعض أهل الأدب: قوله: ﴿ ٱثَّاقَلْتُمْ ﴾ .

أي: تثاقلتم وركنتم إلى المقام، وذلك في القرآن كثير؛ كقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً  ﴾ أي: تداركوا.

وقوله: ﴿ أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ .

أي: ما متعكم في الدنيا قليل بما وعد أن يمتعكم في الآخرة.

أو أن يقال: متاع الحياة الدنيا من أولها إلى آخر ما تنتهي قليل من متاع الآخرة وكراماتها؛ لأن كرامات الدنيا على شرف الزوال، وكرامات الآخرة على الدوام أبداً.

أو أن يقول: متاع الحياة الدنيا قليل من متاع الآخرة؛ لأن متاع الدنيا ومنافعها تشوبه الآفات والمضرات، ومتاع الآخرة لا تشوبه الآفات والمضرات.

وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية.

عاتب المؤمنين بالتثاقل بالخروج إلى الأرض، ونهاهم عن الركون إلى الدنيا.

وقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ  ﴾ .

أي: لما أحدث أولئك الملوك من تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله زيادة في كفر أولئك أحدثوا من وقت إحداثهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ  ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ، أي: يهلك به الذين كفروا، أي: الذين أحدثوا.

ويحتمل: ﴿ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ، أي: ما أحدثوا أولئك الملوك إنما أحدثوا؛ ليضلوا به الأتباع ﴿ يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً ﴾ على ما ذكر في القصة أنهم كانوا يستحلون المحرم عاماً فيصيبون فيه الدماء والأموال، ويحرمونه عاماً فلا يستحلون فيه الدماء والأموال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ  ﴾ قيل: ليوافقوا عدد ما حرم الله؛ كان عندهم أن التحريم إنما كان لعدد الأشهر [لا] للأشهر؛ لما في الأشهر، فحفظوا عدد الأشهر، ولم يحفظوا الوقت، وذلك تأويل قوله: ﴿ لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوۤءُ أَعْمَالِهِمْ  ﴾ ، أي: زين تأخير المحلل وتقديم المحرم ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ  ﴾ .

قيل: لا يهديهم وقت اختيارهم الكفر، ولا يهديهم في الآخرة طريق الجنة؛ لكفرهم في الدنيا، وقد ذكرنا تأويله في غير موضع.

قال أبو عوسجة: النسيء: التأخير؛ يقال: نسأت الشهر، أي: أخرته، ويقال: أنسأ الله في أجلك، أي: أخره الله.

وقوله: ﴿ لِّيُوَاطِئُواْ ﴾ .

المواطأة: أن يدخلوا شهراً مكان شهر، وهو التتابع؛ يقال: تواطأ القوم على حديث كذا وكذا، أي: تتابعوا، وواطأت فلاناً، أي: تابعته.

وقال القتبي: النسيء: التأخير، وكانوا يؤخرون تحرم المحرم منها سنة، ويحرمون غيره مكانه؛ لحاجتهم إلى القتال فيه، ثم يردونه إلى التحريم في سنة أخرى؛ كأنهم ينسئون ذلك.

﴿ لِّيُوَاطِئُواْ ﴾ أي: ليوافقوا ﴿ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ ﴾ ، يقول: إذا حرموا من الشهور عدد الشهور المحرمة، لم يبالوا أن يحلوا الحرام ويحرموا الحلال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ .

أي: إن لم تنفروا يعذبكم عذاباً [أليماً]، فإن كانت الآية في المنافقين فهو ظاهر، وإن كانت في المؤمنين فيحتمل قوله: ﴿ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ : يحل بهم، ولم يبين ما ذلك العذاب.

وقال بعضهم: شدد الله الوعيد في تركهم النفر والخروج في سبيل الله، وعلى ما شدد ببدر في التولية للدبر بقوله: ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ ﴾ الآية [الأنفال: 16]، غير أنه شدد يوم بدر لما لم يكن ملجأ، وكان نفارهم نفار نفاق، وهاهنا شدد لغير ذلك؛ لوجوه: أحدها: لما في تخلف المؤمنين عنه موضع العذر للمنافقين بالتخلف عنه أنهم [إن تخلفوا] للعذر، فنحن نتخلف - أيضاً - للعذر، ولنا في ذلك عذر.

والثاني: يكون للكفار موضع الاحتجاج عليهم، يقولون: إنهم يرغبوننا في الآخرة ويحثوننا في ذلك، ثم إنهم ينفرون عن ذلك ويرغبون عنه.

والثالث: يكون في تخلفهم الشوكة على المؤمنين؛ إذ يقلون إذا تخلفوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ﴾ .

[قيل فيه بوجوه: قيل: يستبدل الملائكة فينصروا رسول الله على ما استبدل يوم بدر ويوم حنين ويوم الأحزاب.

وقيل: يستبدل قوماً غيركم على ما استبدلكم يا أهل مكة فينصرونه.

وقال بعض من أهل التأويل: يستبدل قوماً غيركم] أي: ينشئ قوماً غيركم.

لكن تأويل الأول أشبه.

ألا ترى أنه قال في آخره: ﴿ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً ﴾ .

هو ما ذكرنا، أي: لا تضروا رسول الله بالتخلف عنه.

وقال بعضهم: لا تضروا الله [شيئاً].

والأول أشبه؛ لما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ ﴾ يقول: إن لم تنصروا رسول الله فالله ينصره، على ما نصره في الوقت الذي كان في الغار، لم يكن معه أحد من البشر إلا واحد، فإن لم تنصروه فالله كافيه في النصر، على ما كفاه ونصره في الحال التي لم يكن معه من البشر [أحد] إلا واحد، فاليوم لا ينصره ومعه من الأنصار والأعوان ما لا يحصى؟!

وكان ما استنفرهم رسول الله وأمرهم بالخروج إلى العدو، لم يكن يستنفرهم لمكان نفسه؛ إذ يعلم أن الله كافيه في نصره، ولكن إنما كان يستنفرهم ويأمرهم بالخروج لمكان أنفسهم؛ ليكتسبوا [بذلك] قرباً وثواباً عند الله وزلفى؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ ، وقال: ﴿ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً ﴾ ، أي: إن لم تنفروا ولم تنصروا رسول الله فلا تضروه شيئاً؛ إذ الله كافيه في نصره.

وإنما عاتبهم بترك النفر والخروج؛ لئلا يركنوا إلى الدنيا، ولا يرضوا بالحياة الدنيا من الآخرة على ما ركن أولئك الكفرة؛ لأن ركونهم إلى الدنيا وحبهم إياها هو الذي منعهم عن اتباع محمد، وهو الذي حملهم على الكفر بالله، والتكذيب لرسوله، وترك الإجابة له فيما يدعوهم إليه فيقول - والله أعلم - للمؤمنين: ولا تركنوا إلى الدنيا، ولا ترضوا بها من الآخرة؛ ليمنعكم ذلك عن النفر والخروج إلى ما يأمركم رسول الله، على ما منع أولئك الكفرة؛ على ما ذكرنا.

وأصله: أنه إنما استنصرهم لا لحاجة له إلى نصرهم؛ إذ هو قادر أن ينصر رسوله بما شاء، لكن طلب منهم النصر له؛ ليكتسبوا بذلك ثواباً لأنفسهم، وذكراً في الأجل، وكذلك ما طلب منهم الشكر له على نعمه، لا لحاجة له في ذلك، ولكن ليستديموا النعمة، ويصلوا إلى الباقية الدائمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .

أي: اضطروه إلى الخروج حين هموا بقتله، حتى خرج من بين أظهرهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ ﴾ .

[ثاني اثنين] أي: لم يكن معه من البشر إلا واحد؛ ليعلموا أن النصر لم يكن بأحد من البشر، إنما كان بالله -  - إذ بالواحد لا تكون النصرة والحفظ من ألوف، يذكر فضل أبي بكر، وكان هو ثانيه في كل أمره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا ﴾ لم يكن حزن أبي بكر [خوفاً] على نفسه، ولكن إشفاقاً على رسول الله أن يصاب، وكذلك روي في الخبر أنه قال لرسول الله  : يا رسول الله، إنك إن تُصبْ يذهب دين الله، ولن يعبد الله على الوجه الأرض.

وفي بعض الأخبار "أن أبا بكر كان يبكي إشفاقاً على رسول الله، فقال له رسول الله  : ما يبكيك؟، فقال له: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين ثالثهما الله" وقيل: إنهما لما أتيا باب الغار سبق أبو بكر فدخل الغار، وكان الغار معروفاً بالهوام، فألقمها أبو بكر قدميه، فأطال ذلك، فقال: إن كان فيه شيء بدا لي، أو كلام نحو هذا، - والله أعلم -.

[وقوله] ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا  ﴾ : ليس بنهي عن الحزن و[الخوف على رسول الله  ]، ولكن على تخفيف الأمر عليه وتيسير الحال التي هو عليها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ﴾ .

قيل: أنزل سكينته على أبي بكر حين قال له رسول الله: "ما ظنك باثنين ثالثهما الله؟!" ، حتى سكن قلب أبي بكر من الحزن والخوف على رسول الله  .

وقال بعضهم: أنزل السكينة على رسول الله؛ فهو يخرج على وجهين: أحدهما: أنه أنزل السكينة عليه حتى رأى هو جنوداً لم يروها هم؛ حيث قال: ﴿ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ .

والثاني: أنزل سكينته بالحجج والبراهين، لكنه إن كان ما ذكر، فهو قد أنزل السكينة عليه في البدء؛ لأنه كان رسول الله لا يخاف سوى الله، ويعلم أنه ينصره، وكذلك روي عن ابن عباس قال: فأنزل [الله] سكينته على أبي بكر؛ لأن النبي لم تزل السكينة معه؛ وهو أشبه.

وقوله: ﴿ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ .

يحتمل: في ذلك الوقت.

ويحتمل: في الغزوات التي نصره بالملائكة يوم بدر وغيره؛ يخبر أنه قادر أن ينصره لا بالبشر؛ ليعلموا أنه إنما يأمرهم بالنصر، لا لنصر رسول الله، ولكن ليكتسبوا بذلك ما ذكرنا من الثواب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا ﴾ .

[يحتمل ﴿ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ : وهو ما مكروا برسول الله  وهموا بقتله جعل مكرهم ومكيدتهم واجتماعهم على ذلك هي السفلى وكلمة الله هي العليا].

أي: مكر الله [بهم] ونصرة رسوله هي العليا؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...

﴾ الآية [الأنفال: 30].

ويحتمل قوله: ﴿ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ : دينهم الذي يدينون به، ومذهبهم الذي ينتحلونه.

﴿ ٱلسُّفْلَىٰ ﴾ ، أي: جعل ذلك السفلى بالحجج، وجعل دين محمد [هو] العليا بالحجج والبراهين على ذلك ما كان.

ويحتمل قوله: ﴿ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ ﴾ ، أي: جعل أهل الكلمة الذين كفروا هم السفلى، وأهل دين الله هم الأعلون؛ كقوله: ﴿ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ﴾ لا يعجزه شيء ﴿ حَكِيمٌ ﴾ : في أمره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً ﴾ .

اختلف فيه؛ قيل: شباباً وشيوخاً.

وقيل: مرضى وأصحاء.

وقيل: مشاغيل وغير مشاغيل.

وقيل: فقراء وأغنياء.

وقيل: نشاطاً وغير نشاط.

وأصله: انفروا مستخفين ومستثقلين، أي: انفروا، خف عليكم الخروج أو ثقل، وما ذكر أهل التأويل من الشيوخة والشغل والفقر والمرض؛ لأن ذلك بالذي يثقل الخروج والنفر.

وأصله ما ذكرنا أن انفروا، خف عليكم [ذلك] أو ثقل.

وقوله: ﴿ ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً ﴾ .

انفروا، خف على النفس أو ثقل، أو خف على العقل أو ثقل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .

في الدنيا والآخرة، أي: اعلموا أن ذلك خير لكم من المقام وترك النفر، ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

سيروا -أيها المؤمنون- للجهاد في سبيل الله في العسر واليسر، شبابًا وشيوخًا، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم، فإن ذلك الخروج والجهاد بالأموال والأنفس أكثر نفعًا في الحياة الدنيا والآخرة من القعود والتعلق بسلامة الأموال والأنفس، إن كنتم تعلمون ذلك فاحرصوا عليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.2REZL"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله