الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٥ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 132 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
اختلف المفسرون في المراد بالأشهر الحرم هاهنا ، ما هي ؟
فذهب ابن جرير إلى أنها [ الأربعة ] المذكورة في قوله تعالى : ( منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) الآية [ التوبة : 36 ] قاله أبو جعفر الباقر ، لكن قال ابن جرير : آخر الأشهر الحرم في حقهم المحرم وهذا الذي ذهب إليه حكاه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ، وإليه ذهب الضحاك أيضا ، وفيه نظر ، والذي يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه ابن عباس في رواية العوفي عنه ، وبه قال مجاهد ، وعمرو بن شعيب ، ومحمد بن إسحاق ، وقتادة ، والسدي ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : أن المراد بها أشهر التسيير الأربعة المنصوص عليها في قوله : ( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) [ التوبة : 2 ] ثم قال ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم ) أي : إذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرمنا عليكم فيها قتالهم ، وأجلناهم فيها ، فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم ؛ لأن عود العهد على مذكور أولى من مقدر ؛ ثم إن الأشهر الأربعة المحرمة سيأتي بيان حكمها في آية أخرى بعد في هذه السورة الكريمة .
وقوله : ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) أي : من الأرض .
وهذا عام ، والمشهور تخصيصه بتحريم القتال في الحرم بقوله : ( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم ) [ البقرة : 191 ] .
وقوله : ( وخذوهم ) أي : وأسروهم ، إن شئتم قتلا وإن شئتم أسرا .
وقوله : ( واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد ) أي : لا تكتفوا بمجرد وجدانكم لهم ، بل اقصدوهم بالحصار في معاقلهم وحصونهم ، والرصد في طرقهم ومسالكهم حتى تضيقوا عليهم الواسع ، وتضطروهم إلى القتل أو الإسلام ؛ ولهذا قال : ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم ) ولهذا اعتمد الصديق - رضي الله عنه - في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها ، حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال ، وهي الدخول في الإسلام ، والقيام بأداء واجباته .
ونبه بأعلاها على أدناها ، فإن أشرف الأركان بعد الشهادة الصلاة التي هي حق الله - عز وجل - وبعدها أداء الزكاة التي هي نفع متعد إلى الفقراء والمحاويج ، وهي أشرف الأفعال المتعلقة بالمخلوقين ؛ ولهذا كثيرا ما يقرن الله بين الصلاة والزكاة ، وقد جاء في الصحيحين عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة الحديث .
وقال أبو إسحاق ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال : أمرتم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، ومن لم يزك فلا صلاة له .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : أبى الله أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة ، وقال : يرحم الله أبا بكر ، ما كان أفقهه .
وقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن إسحاق ، أنبأنا عبد الله بن المبارك ، أنبأنا حميد الطويل ، عن أنس ؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، واستقبلوا قبلتنا ، وأكلوا ذبيحتنا ، وصلوا صلاتنا ، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها ، لهم ما للمسلمين ، وعليهم ما عليهم .
ورواه البخاري في صحيحه وأهل السنن إلا ابن ماجه ، من حديث عبد الله بن المبارك ، به .
وقال الإمام أبو جعفر بن جرير : حدثنا عبد الأعلى بن واصل الأسدي ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، أخبرنا أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس [ عن أنس ] قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده ، وعبادته لا يشرك به شيئا ، فارقها والله عنه راض - قال : وقال أنس : هو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم ، قبل هرج الأحاديث ، واختلاف الأهواء ، وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما أنزل ، قال الله تعالى : ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ) - قال : توبتهم خلع الأوثان ، وعبادة ربهم ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، ثم قال في آية أخرى : ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ) [ التوبة : 11 ] .
ورواه ابن مردويه .
ورواه محمد بن نصر المروزي في كتاب " الصلاة " له : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، أنبأنا حكام بن سلم حدثنا أبو جعفر الرازي ، به سواء .
وهذه الآية الكريمة هي آية السيف التي قال فيها الضحاك بن مزاحم : إنها نسخت كل عهد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين أحد من المشركين ، وكل عهد ، وكل مدة .
وقال العوفي ، عن ابن عباس في هذه الآية : لم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة ، منذ نزلت براءة وانسلاخ الأشهر الحرم ، ومدة من كان له عهد من المشركين قبل أن تنزل أربعة أشهر ، من يوم أذن ببراءة إلى عشر من أول شهر ربيع الآخر .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في هذه الآية ، قال : أمره الله تعالى أن يضع السيف فيمن عاهد إن لم يدخلوا في الإسلام ، ونقض ما كان سمى لهم من العقد والميثاق ، وأذهب الشرط الأول .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال : قال سفيان قال علي بن أبي طالب : بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - بأربعة أسياف : سيف في المشركين من العرب قال الله : ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [ وخذوهم ] ) هكذا رواه مختصرا ، وأظن أن السيف الثاني هو قتال أهل الكتاب في قوله : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) [ التوبة : 29 ] والسيف الثالث : قتال المنافقين في قوله : ( ياأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ) [ واغلظ عليهم ] ) [ التوبة : 73 ، والتحريم : 9 ] والرابع : قتال الباغين في قوله : ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) [ الحجرات : 9 ] .
ثم اختلف المفسرون في آية السيف هذه ، فقال الضحاك والسدي : هي منسوخة بقوله تعالى : ( فإما منا بعد وإما فداء ) [ محمد : 4 ] وقال قتادة بالعكس .
القول في تأويل قوله : فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم)، فإذا انقضى ومضى وخرج.
* * * يقال منه: سلخنا شهر كذا نسلَخه سَلْخًا وسُلُوخًا, بمعنى: خرجنا منه.
ومنه قولهم: " شاة مسلوخة ", بمعنى: المنـزوعة من جلدها، المخرجة منه.
(63) * * * ويعني بـ " الأشهر الحرم "، ذا القعدة, وذا الحجة, والمحرم.
(64) وإنما أريد في هذا الموضع انسلاخ المحرم وحده, لأن الأذان كان ببراءة يوم الحج الأكبر.
فمعلوم أنهم لم يكونوا أجَّلوا الأشهرَ الحرم كلَّها = وقد دللنا على صحة ذلك فيما مضى = ولكنه لما كان متصلا بالشهرين الآخرين قبله الحرامين، وكان هو لهما ثالثًا، وهي كلها متصل بعضها ببعض، قيل: " فإذا انسلخ الأشهر الحرم "، ومعنى الكلام: فإذا انقضت الأشهر الحرم الثلاثة عن الذين لا عهد لهم, أو عن الذين كان لهم عهد فنقضوا عهدهم بمظاهرتهم الأعداءَ على رسول الله وعلى أصحابه, أو كان عهدهم إلى أجل غيره معلوم.
* * * =(فاقتلوا المشركين)، يقول: فاقتلوهم =(حيث وجدتموهم)، يقول: حيث لقيتموهم من الأرض، في الحرم، وغير الحرم في الأشهر الحرم وغير الأشهر الحرم =(وخذوهم) يقول: وأسروهم =(واحصروهم)، يقول: وامنعوهم من التصرف في بلاد الإسلام ودخول مكة =(واقعدوا لهم كل مرصد)، يقول: واقعدوا لهم بالطلب لقتلهم أو أسرهم = " كل مرصد "، يعني: كل طريق ومرقَب.
* * * وهو " مفعل "، من قول القائل: " رصدت فلانًا أرصُده رَصْدًا ", بمعنى: رقبته.
* * * (فإن تابوا)، يقول: فإن رجعوا عما نهاهم عليه من الشرك بالله وجحود نبوة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، (65) إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأنداد, والإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم =(وأقاموا الصلاة)، يقول: وأدّوا ما فرض الله عليهم من الصلاة بحدودها = وأعطوا الزكاة التي أوجبها الله عليهم في أموالهم أهلها (66) =(فخلوا سبيلهم)، يقول: فدعوهم يتصرفون في أمصاركم، ويدخلون البيت الحرام =(إن الله غفور رحيم)، لمن تاب من عباده = فأناب إلى طاعته، بعد الذي كان عليه من معصيته, ساتر على ذنبه, رحيم به، أن يعاقبه على ذنوبه السالفة قبل توبته, بعد التوبة.
(67) * * * وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في الذين أجِّلوا إلى انسلاخ الأشهر الحرم.
* * * وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 16475- حدثنا عبد الأعلى بن واصل الأسدي قال، حدثنا عبيد الله بن موسى قال، أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع, عن أنس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده، وعبادته لا يشرك له شيئًا, فارقها والله عنه راضٍ = قال: وقال أنس: هو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم، قبل هَرْج الأحاديث، (68) واختلاف الأهواء.
وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما أنـزل الله, قال الله: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم)، قال: توبتهم، خلع الأوثان، وعبادة ربهم, وإقام الصلاة, وإيتاء الزكاة، ثم قال في آية أخرى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ، [سورة التوبة: 11].
(69) 16476- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)، حتى ختم آخر الآية.
وكان قتادة يقول: خلوا سبيل من أمركم الله أن تخلوا سبيله, فإنما الناس ثلاثة: رَهْط مسلم عليه الزكاة، ومشرك عليه الجزية، وصاحب حرب يأمن بتجارته في المسلمين إذا أعطى عُشُور ماله.
16477- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم)، وهي الأربعة التي عددت لك = يعني: عشرين من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيعًا الأول، وعشرًا من شهر ربيع الآخر.
* * * وقال قائلو هذه المقالة: قيل لهذه: " الأشهر الحرم "، لأن الله عز وجل حرّم على المؤمنين فيها دماءَ المشركين، والعَرْضَ لهم إلا بسبيلِ خيرٍ.
(70) * ذكر من قال ذلك: 16478- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن إبراهيم بن أبي بكر: أنه أخبره عن مجاهد وعمرو بن شعيب في قوله: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم)، أنها الأربعة التي قال الله: فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ ، قال: هي " الحُرم "، من أجل أنهم أومنوا فيها حتى يسيحوها.
(71) 16479- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، قال: ضُرِب لهم أجلُ أربعة أشهر, وتبرأ من كل مشرك.
ثم أمر إذا انسلخت تلك الأشهر الحرم =(فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد)، لا تتركوهم يضربون في البلاد, ولا يخرجوا لتجارة, (72) ضَيِّقوا عليهم بعدها.
ثم أمر بالعفو (73) (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم)،.
16480- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم)، يعني: الأربعة التي ضربَ الله لهم أجلا = لأهل العهد العامّ من المشركين =(فاقتلوهم حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد)، الآية.
(74) --------------------- الهوامش : (62) الأثر : 16472 - سيرة ابن هشام 2 : 188 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16469 .
(63) انظر تفسير " الانسلاخ " فيما سلف 13 : 260 .
(64) انظر تفسير " الأشهر الحرم " فيما سلف 3 : 575 - 579 / 9 : 456 ، 466 / 11 : 91 ، 94 .
(65) انظر تفسير " التوبة " فيما سلف من فهارس اللغة ( تاب ) .
(66) انظر تفسير " إقامة الصلاة " ، و " إيتاء الزكاة " فيما سلف منم فهارس اللغة ( قوم ) ، ( أتى ) .
(67) انظر تفسير " غفور " و"رحيم" فيما سلف من فهارس اللغة (غفر)، (رحم).
(68) "هرج الأحاديث" ، الإكثار فيها ، واختلاف المختلفين ، واختلاط أصواتهم .
(69) الأثر : 16475 - " عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى بن هلال الأسدي " ، شيخ الطبري ، ثقة ، مضى برقم : 11125 .
و " عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي " ، روى له الجماعة ، سلف مرارا ، آخرها : 13177 .
وسائر رجال السند ، ثقات ، مضوا جميعا ، إلا أبا جعفر الرازي ، فقد تكلموا فيه ، وهو ثقة إن شاء الله وهذا الخبر رواه ابن ماجه في سننه : 27 ، رقم : 70 ، من طريقتين : من طريق نصر بن علي الجهضمي ، عن أبي أحمد ، عن أبي جعفر الرازي ، ثم من طريق أبي حاتم ، عن عبيد الله بن موسى العبسي ، عن أبي جعفر ، بمثله .
ورواه الحاكم في المستدرك 2 : 331 ، 332 عن طريق إسحاق بن سليمان الرازي ، عن أبي جعفر الرازي ، ولم يقل فيه : " قال أنس : وهو دين الله .
.
.
، بل ساقه مدرجا في الحديث ، ثم قال : " وهذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه " ، وافقه الذهبي ، إلا أنه استدرك عليه فقال : " صدر الخبر مرفوع ، وسائره مدرج فيما أرى " ، وصدق الذهبي .
(70) في المطبوعة والمخطوطة : " والعرض لهم " ، وهو بمعنى " التعرض " .
(71) الأثر : 16478 - " إبراهيم بن أبي بكر الأخنسي " ، ثقة ، مضى برقم : 10758 .
(72) في المطبوعة : " ولا يخرجون للتجارة " ، وأثبت ما في المخطوطة .
(73) في المخطوطة : " بعد ما أمر بالعفو " ، وفي المطبوعة : " بعدها أمر بالعفو " ، وصواب السياق يقتضي ما أثبت ، وزيادة " ثم " .
(74) الأثر : 16480 - سيرة ابن هشام 3 : 189 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16472 ، قوله : " لأهل العهد العام من المشركين " ، من كلام أبي جعفر ، استظهارا مما سلف قبله في السيرة ، وفي رقم : 16356 .
قوله تعالى فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيمفيه ست مسائل :الأولى : قوله تعالى فإذا انسلخ الأشهر الحرم أي خرج ، وسلخت الشهر إذا صرت في أواخر أيامه ، تسلخه سلخا وسلوخا بمعنى خرجت منه .
وقال الشاعر :إذا ما سلخت الشهر أهللت قبله كفى قاتلا سلخي الشهور وإهلاليوانسلخ الشهر وانسلخ النهار من الليل المقبل .
وسلخت المرأة درعها نزعته وفي التنزيل : وآية لهم الليل نسلخ منه النهار .
ونخلة مسلاخ ، وهي التي ينتثر بسرها أخضر .والأشهر الحرم فيها للعلماء قولان : قيل هي الأشهر المعروفة ، ثلاثة سرد وواحد فرد .
قال الأصم : أريد به من لا عقد له من المشركين ، فأوجب أن يمسك عن قتالهم حتى ينسلخ الحرم ، وهو مدة خمسين يوما على ما ذكره ابن عباس ؛ لأن النداء كان بذلك يوم النحر .
وقد تقدم هذا .
وقيل : شهور العهد أربعة ، قاله مجاهد وابن إسحاق وابن زيد وعمرو بن شعيب .
وقيل لها حرم لأن الله حرم على المؤمنين فيها دماء المشركين والتعرض لهم إلا على سبيل الخير .الثانية : قوله تعالى فاقتلوا المشركين عام في كل مشرك ، لكن السنة خصت منه ما تقدم بيانه في سورة ( البقرة ) من امرأة وراهب وصبي وغيرهم .
وقال الله تعالى في أهل الكتاب : حتى يعطوا الجزية .
إلا أنه يجوز أن يكون لفظ المشركين لا يتناول أهل الكتاب ، ويقتضي ذلك منع أخذ الجزية من عبدة الأوثان وغيرهم ، على ما يأتي بيانه .
واعلم أن مطلق قوله : اقتلوا المشركين يقتضي جواز قتلهم بأي وجه كان ، إلا أن الأخبار وردت بالنهي عن المثلة .
ومع هذا فيجوز أن يكون الصديق رضي الله عنه حين قتل أهل الردة بالإحراق بالنار ، وبالحجارة وبالرمي من رءوس الجبال ، والتنكيس في الآبار ، تعلق بعموم الآية .
[ ص: 13 ] وكذلك إحراق علي رضي الله عنه قوما من أهل الردة يجوز أن يكون ميلا إلى هذا المذهب ، واعتمادا على عموم اللفظ .
والله أعلم .الثالثة : قوله تعالى حيث وجدتموهم عام في كل موضع .
وخص أبو حنيفة رضي الله عنه المسجد الحرام ، كما سبق في سورة " البقرة " ثم اختلفوا ، فقال الحسين بن الفضل : نسخت هذه كل آية في القرآن فيها ذكر الإعراض والصبر على أذى الأعداء .
وقال الضحاك والسدي وعطاء : هي منسوخة بقوله : فإما منا بعد وإما فداء .
وأنه لا يقتل أسير صبرا ، إما أن يمن عليه وإما أن يفادى .
وقال مجاهد وقتادة : بل هي ناسخة لقوله تعالى : فإما منا بعد وإما فداء وأنه لا يجوز في الأسارى من المشركين إلا القتل .
وقال ابن زيد : الآيتان محكمتان .
وهو الصحيح ؛ لأن المن والقتل والفداء لم يزل من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم من أول حرب حاربهم ، وهو يوم بدر كما سبق .وقوله وخذوهم والأخذ هو الأسر .
والأسر إنما يكون للقتل أو الفداء أو المن على ما يراه الإمام .ومعنى واحصروهم يريد عن التصرف إلى بلادكم والدخول إليكم ، إلا أن تأذنوا لهم فيدخلوا إليكم بأمان .الرابعة : قوله تعالى واقعدوا لهم كل مرصد المرصد : الموضع الذي يرقب فيه العدو ، يقال : رصدت فلانا أرصده ، أي رقبته .
أي اقعدوا لهم في مواضع الغرة حيث يرصدون .
قال عامر بن الطفيل :ولقد علمت وما إخالك ناسيا أن المنية للفتى بالمرصدوقال عدي :أعاذل إن الجهل من لذة الفتى وإن المنايا للنفوس بمرصدوفي هذا دليل على جواز اغتيالهم قبل الدعوة .
ونصب ( كل ) على الظرف ، وهو اختيار الزجاج ، ويقال : ذهبت طريقا وذهبت كل طريق .
أو بإسقاط الخافض ، التقدير : في كل مرصد وعلى كل مرصد ، فيجعل المرصد اسما للطريق .
وخطأ أبو علي الزجاج في جعله الطريق ظرفا وقال : الطريق مكان مخصوص كالبيت والمسجد ، فلا يجوز حذف حرف الجر منه إلا فيما ورد فيه الحذف سماعا ، كما حكى سيبويه : دخلت الشام ودخلت البيت ، وكما قيل :كما عسل الطريق الثعلب[ ص: 14 ] الخامسة : قوله تعالى فإن تابوا أي من الشرك .وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم هذه الآية فيها تأمل ، وذلك أن الله تعالى علق القتل على الشرك ، ثم قال : فإن تابوا .
والأصل أن القتل متى كان للشرك يزول بزواله ، وذلك يقتضي زوال القتل بمجرد التوبة ، من غير اعتبار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، ولذلك سقط القتل بمجرد التوبة قبل وقت الصلاة والزكاة .
وهذا بين في هذا المعنى ، غير أن الله تعالى ذكر التوبة وذكر معها شرطين آخرين ، فلا سبيل إلى إلغائهما .
نظيره قوله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله .
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال وقال ابن عباس : رحم الله أبا بكر ما كان أفقهه .
وقال ابن العربي : فانتظم القرآن والسنة واطردا .
ولا خلاف بين المسلمين أن من ترك الصلاة وسائر الفرائض مستحلا كفر ، ومن ترك السنن متهاونا فسق ، ومن ترك النوافل لم يحرج ، إلا أن يجحد فضلها ؛ فيكفر ؛ لأنه يصير رادا على الرسول عليه السلام ما جاء به وأخبر عنه .
واختلفوا فيمن ترك الصلاة من غير جحد لها ولا استحلال ، فروى يونس بن عبد الأعلى قال : سمعت ابن وهب يقول قال مالك : من آمن بالله وصدق المرسلين وأبى أن يصلي قتل ، وبه قال أبو ثور وجميع أصحاب الشافعي .
وهو قول حماد بن زيد ومكحول ووكيع .
وقال أبو حنيفة : يسجن ويضرب ولا يقتل ، وهو قول ابن شهاب وبه يقول داود بن علي .
ومن حجتهم قوله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها .
وقالوا : حقها الثلاث التي قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان ، أو زنى بعد إحصان ، أو قتل نفس بغير نفس .
وذهبت جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن من ترك صلاة واحدة متعمدا حتى يخرج وقتها لغير عذر ، وأبى من أدائها وقضائها وقال لا أصلي فإنه كافر ، ودمه وماله حلالان ، ولا يرثه ورثته من المسلمين ، [ ص: 15 ] ويستتاب ، فإن تاب وإلا قتل ، وحكم ماله كحكم مال المرتد ، وهو قول إسحاق .
قال إسحاق : وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى زماننا هذا .وقال ابن خويزمنداد : واختلف أصحابنا متى يقتل تارك الصلاة ، فقال بعضهم في آخر الوقت المختار ، وقال بعضهم : آخر وقت الضرورة ، وهو الصحيح من ذلك .
وذلك أن يبقى من وقت العصر أربع ركعات إلى مغيب الشمس ، ومن الليل أربع ركعات لوقت العشاء ، ومن الصبح ركعتان قبل طلوع الشمس .
وقال إسحاق : وذهاب الوقت أن يؤخر الظهر إلى غروب الشمس والمغرب إلى طلوع الفجر .السادسة : هذه الآية دالة على أن من قال : قد تبت أنه لا يجتزأ بقوله حتى ينضاف إلى ذلك أفعاله المحققة للتوبة ؛ لأن الله عز وجل شرط هنا مع التوبة إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ؛ ليحقق بهما التوبة .
وقال في آية الربا وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم .
وقال : إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا وقد تقدم معنى هذا في سورة البقرة .
يقول تعالى {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ} أي: التي حرم فيها قتال المشركين المعاهدين، وهي أشهر التسيير الأربعة، وتمام المدة لمن له مدة أكثر منها، فقد برئت منهم الذمة. {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} في أي مكان وزمان، {وَخُذُوهُمْ} أسرى {وَاحْصُرُوهُمْ} أي: ضيقوا عليهم، فلا تدعوهم يتوسعون في بلاد اللّه وأرضه، التي جعلها [الله] معبدا لعباده. فهؤلاء ليسوا أهلا لسكناها، ولا يستحقون منها شبرا، لأن الأرض أرض اللّه، وهم أعداؤه المنابذون له ولرسله، المحاربون الذين يريدون أن يخلو الأرض من دينه، ويأبى اللّه إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. {وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} أي: كل ثنية وموضع يمرون عليه، ورابطوا في جهادهم وابذلوا غاية مجهودكم في ذلك، ولا تزالوا على هذا الأمر حتى يتوبوا من شركهم. ولهذا قال: {فَإِنْ تَابُوا} من شركهم {وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} أي: أدوها بحقوقها {وَآتُوا الزَّكَاةَ} لمستحقيها {فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} أي: اتركوهم، وليكونوا مثلكم، لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم. {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} يغفر الشرك فما دونه، للتائبين، ويرحمهم بتوفيقهم للتوبة، ثم قبولها منهم. وفي هذه الآية، دليل على أن من امتنع من أداء الصلاة أو الزكاة، فإنه يقاتل حتى يؤديهما، كما استدل بذلك أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه.
قوله تعالى ( فإذا انسلخ ) انقضى ومضى ( الأشهر الحرم ) قيل : هي الأشهر الأربعة : رجب ، وذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم .
وقال مجاهد وابن إسحاق : هي شهور العهد ، فمن كان له عهد فعهده أربعة أشهر ، ومن لا عهد له : فأجله إلى انقضاء المحرم خمسون يوما ، وقيل لها " حرم " لأن الله تعالى حرم فيها على المؤمنين دماء المشركين والتعرض لهم .
فإن قيل : هذا القدر بعض الأشهر الحرم والله تعالى يقول : " فإذا انسلخ الأشهر الحرم " ؟
قيل : لما كان هذا القدر متصلا بما مضى أطلق عليه اسم الجمع ، ومعناه : مضت المدة المضروبة التي يكون معها انسلاخ الأشهر الحرم .
قوله تعالى : ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) في الحل والحرم ، ( وخذوهم ) وأسروهم ، ( واحصروهم ) أي : احبسوهم .
قال ابن عباس رضي الله عنه : يريد إن تحصنوا فاحصروهم ، أي : امنعوهم من الخروج .
وقيل : امنعوهم من دخول مكة والتصرف في بلاد الإسلام .
( واقعدوا لهم كل مرصد ) أي : على كل طريق ، والمرصد : الموضع الذي يرقب فيه العدو ، من رصدت الشيء أرصده : إذا ترقبته ، يريد : كونوا لهم رصدا لتأخذوهم من أي وجه توجهوا .
وقيل : اقعدوا لهم بطريق مكة ، حتى لا يدخلوها .
( فإن تابوا ) من الشرك ، ( وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ) يقول : دعوهم فليتصرفوا في أمصارهم ويدخلوا مكة ، ( إن الله غفور ) لمن تاب ، ( رحيم ) به .
وقال الحسين بن الفضل : هذه الآية نسخت كل آية في القرآن فيها ذكر الإعراض والصبر على أذى الأعداء .
«فإذا انسلخ» خرج «الأشهر الحرم» وهي آخر مدة التأجيل «فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم» في حل أو حرم «وخذوهم» بالأسر «واحصروهم» في القلاع والحصون حتى يضطروا إلى القتل أو الإسلام «واقعدوا لهم كلَّ مرصد» طريق يسلكونه ونصب كل على نزع الخافض «فإن تابوا» من الكفر «وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلُّوا سبيلهم» ولا تتعرضوا لهم «إن الله غفور رحيم» لمن تاب.
فإذا انقضت الأشهر الأربعة التي أمَّنتم فيها المشركين، فأعلنوا الحرب على أعداء الله حيث كانوا، واقصدوهم بالحصار في معاقلهم، وترصدوا لهم في طرقهم، فإن رجعوا عن كفرهم ودخلوا الإسلام والتزموا شرائعه من إقام الصلاة وإخراج الزكاة، فاتركوهم، فقد أصبحوا إخوانكم في الإسلام، إن الله غفور لمن تاب وأناب، رحيم بهم.
وبعد أن قررت السورة الكريمة براءة الله ورسوله من عهود المشركين الخائنين ، وأمرت بالوفاء بمن وفى بعهده منهم .
.
بعد كل ذلك أخذت فى بيان كيفية معاملة المشركين بعد انتهاء المهلة الممنوحة هلم فقال - تعالى - : ( فَإِذَا انسلخ الأشهر .
.
.
.
) .وقوله : ( انسلخ ) من السلخ بمعنى الكشط ، يقال : سلخ الإِهاب عن الشاة يسلخه ويسلخه سلخا إذا كشطه ونزعه عنها .
أو بمعنى الإِخراج من قولهم : سلخت الشاة عن الإِهاب إذا أخرجتها منه ، ثم استعير للانقضاء والانتهاء فانسلاخ الأشهر إستعارة لانقضائها والخروج منها .قال الآلوسى : والانسلاخ فيما نحن فيه استعارة حسنة ، وذلك أن الزمان محيط بما فيه من الزمانيات مشتمل عليه اشتمل الجلد على الحيوان ، وكذا كل جزء من أجزاءه الممتدة كالأيام والشهور والسنين ، فإذا مضى فكأنه انسلخ عما فيه ، وفى ذلك ميزد لطف لما فيه من التلويح بأن تلك الأشهر كانت حرزاً لأولئك المعاهدين عن غوائل أيدى المسلمين فنيط قتالهم بزوالها .والمراد بالأشهر الحرم : أشهر الأمان الأربعة التى سبق ذكرها فى قوله ، تعالى ، ( فَسِيحُواْ فِي الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ) وعليه فتكون أى فى قوله ( الأشهر الحرم ) للعهد الذكرى .وسميت حرما لأنه .
سبحانه .
جعلها فترة أمان للمشركين ، ونهى المؤمنين عن التعرض لهم فيها .ووضع - سبحانه - المظهر موضع المضمر حيث لم يقل فإذا انسلخت ، ليكون ذريعة إلى وصفها بالحرمة ، تأكيداً لما ينبئ عنه إباحة السياة من حرمة التعرض لهم ، مع ما فيه من ميزيد الاعتناء بشأنها .وقيل المراد بالأشهر الحرم هنا : الأشهر المعروفة وهى رجب ، وذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، روى ذلك عن ابن عباس والضحاك والباقر واختاره ابن جرير .قال ابن كثير : وفيه نظر ، والذى يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه ابن عباس فى رواية العوفى عنه وبه قال مجاهد ، وعمرو بن شعيب ، وابن إسحاق ، وقتادة والسدى وعبد الرحمن ابن زيد بن أسلم أن المراد بها أشهر التيسير الأربعة المنصوص عليها بقوله : ( فَسِيحُواْ فِي الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ) ثم قال ( فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم ) أى : إذا انقضت الأشهر الأربعة التى حرنما عليكم فيها قتالهم ، وأجلناهم فيها حيثما وجدتموهم فاقتلوهم ، لأن عود العهد على مذكور أولى من مقدر ، ثم إن الأشهر الأربعة المحرمة سيأتى بيان حكمها فى آية أخرى وهى قوله - تعالى - ( إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً .
.
.
) والمراد بالمشركين فى قوله : ( فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ) أولئك الخائنون الذين انتهت مدة الأمان لهم ، أما الذين لم يخونوا ولهم عهود مؤقتة بمدة معينة فلا يحل للمسلمين قتالهم ، إلا بعد انتهاء هذه المدة ، كما سبق أن بينا قبل قليل تفسير قوله - تعالى - : ( إِلاَّ الذين عَاهَدتُّم مِّنَ المشركين ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فأتموا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ ) والمعنى : فإذا انتهت هذه الأشهر الأربعة التى جعلها مهلة للخائنين ، فاقتلوا - أيها المؤمنون - أعداءكم المشركين ( حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ) أى : فى أى مكان تجدونهم فيه ( وَخُذُوهُمْ ) وهو كناية عن السر ، وكانت العرب تعبر عن الأسير بالأخيذ ، ( واحصروهم ) أى : وامنعوهم من الخروج إذا كانت مصحلتكم فى ذلك ( واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ) والمرصد الموضع الذى يقعد فيه للعدو لمراقبته ، يقال : رصدت الشئ أرصده رصدا ورصَدا إذا ترقبته .والمعنى : واقعدوا لهم فى كل موضع يجتازون منه فى أسفارهم ، حتى تسد السبل فى وجوههم ، وتضعف شوكتهم ، وتذهب ريحهم ، فيستسلموا لكم .والمتدبر لهذه الآية الكريمة يرى أن هذه الوسائل الأربع - القتل والأسر والمحاصرة والمراقبة - هى الوسائل الكفيلة بالقضاء على الأعداء ، ولا يخلو عصر من العصور من استعمال بعضها أو كلها عند المهاجمة .هكذا نرى تعاليم الإِسلام تحض المسلمين على استعمال كل الوسائل المشروعة لكيد أعدائهم ، والعمل على هزيمتهم .
.
ما دام هؤلاء الأعداء مستمرين فى ضغانيهم وعدوانهم وانتهاكهم لحدود الله - تعالى - .أما إذا فتحوا قلوبهم للحق واستجابوا له ، فإن الآية الكريمة ترفع عنهم السيف ، وتأمر المؤمنين بإخلاء سبيلهم .استمع إلى بقيتها حيث تقول : ( فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكاة فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) .أى : عليكم - أيها المؤمنون - إذا ما انتهت أشهر الأمان الأربعة أن تقتلوا المشركين الناكثين لعهودهم أينما وجدتموهم وأن تأسروهم وتبسوهم وتراقبوهم على كل طريق حتى تضعف شوكتهم فيناقدوا لكم .
.
( فَإِن تَابُواْ ) عن الشرك بأن دخلوا فى الإِسلام فاتركوا التعرض لهم ، وكفوا عن قتالهم ، وافتحوا المسالك والطرق فى وجوههم .واكتفى - سبحانه - بذكر الصلاة والزكاة عن ذكر بقية العبادات ، لكونهما الأساسين للعبادات البدنية والمالية .وقوله : ( إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) تذييل قصد به التعليل لوجوب إخلاء سبيلهم أى ، إن فعلوا ذلك فخلوا سبيلهم ، ولا تعاملوهم بما كان منهم من شرك ، فإن الإِسلام يجُب ما قبله ، وإن الله قد غفر لهم ما سلف من الكفر والغدر بفضله ورحمته .قال الإِمام ابن كثير : وقد اعتمد الصديق - رضى الله عنه - فى قتال ما نعى الزكاة على هذه الآية وأمثالها ، حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال وهى الدخول فى الإِسلام والقيام بأداء واجباته ، ونبه بأعلاها على ادناها فإن أشرف أركان الإِسلام بعد الشهادتين الصلاة التى هى حق الله - تعالى - وبعدها الزكاة هى نفع متعد إلى الفقراء ، وهى أشرف الأفعال المتعلقة بالخلوقين ، ولهذا كثيرا ما يقرن الله الصلاة والزكاة .وقد جاء فى الصحيحين عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة " .وروى الإِمام أحمد عن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " أمرت أن أقتال الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، فإذا شهدوا واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا ، وصلوا صلاتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها ، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم "ورواه البخارى وغيره .وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : أبى الله أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة ثم قال : يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه .وبذلك ترى هذه الآية قد جمعت فى إرشادها بين الترغيب والترهيب؛ فقد أمرت المؤمنين بأن يستعملوا مع أعدائهم كل الوسائل المشروعة لإِرهابهم ثم أمرتهم فى الوقت نفسه بإخلاء سبيلهم متى تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة .
.
في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الليث: يقال: سلخت الشهر إذا خرجت منه، وكشف أبو الهيثم عن هذا المعنى فقال: يقال: أهللنا هلال شهر كذا، أي دخلنا فيه ولبسناه، فنحن نزداد كل ليلة إلى مضي نصفه لباساً منه، ثم نسلخه عن أنفسنا بعد تكامل النصف منه جزءاً فجزءاً، حتى نسلخه عن أنفسنا وأنشد: إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله *** كفى قائلاً سلخي الشهور وإهلالي وأقول تمام البيان فيه أن الزمان محيط بالشيء وظرف له، كما أن المكان محيط به وظرف له ومكان الشيء عبارة عن السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر ومن الجسم المحوي فإذا انسلخ الشيء من جلده فقد انفصل من السطح الباطن من ذلك الجلد وذلك السطح، وهو مكانه في الحقيقة فكذلك إذا تم الشهر فقد انفصل عن إحاطة ذلك الشهر به، ودخل في شهر آخر، والسلخ اسم لانفصال الشيء عن مكانه المعين، فجعل أيضاً اسماً لانفصاله عن زمانه المعين، لما بين المكان والزمان من المناسبة التامة الشديدة.
وأما الأشهر الحرم فقد فسرناها في قوله: ﴿ فَسِيحُواْ فِي الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ وهي يوم النحر إلى العاشر من ربيع الآخر، والمراد من كونها حرماً، أن الله حرم القتل والقتال فيها.
ثم إنه تعالى عند انقضاء هذه الأشهر الحرم أذن في أربعة أشياء: أولها: قوله: ﴿ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ وذلك أمر بقتلهم على الإطلاق، في أي وقت، وأي مكان.
وثانيها: قوله: ﴿ وَخُذُوهُمْ ﴾ أي بالأسر، والأخيذ الأسير.
وثالثها: قوله: ﴿ واحصروهم ﴾ معنى الحصر المنع من الخروج من محيط.
قال ابن عباس: يريد إن تحصنوا فاحصروهم.
وقال الفراء: حصرهم أن يمنعوا من البيت الحرام.
ورابعها: قوله تعالى: ﴿ واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ والمرصد الموضع الذي يرقب فيه العدو من قولهم: رصدت فلاناً أرصده إذا ترقبته، قال المفسرون: المعنى اقعدوا لهم على كل طريق يأخذون فيه إلى البيت أو إلى الصحراء أو إلى التجارة، قال الأخفش في الكلام محذوف والتقدير: اقعدوا لهم على كل مرصد.
ثم قال تعالى: ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة فخلووا سبيلهم ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج الشافعي رحمه الله بهذه الآية على أن تارك الصلاة يقتل، قال لأنه تعالى أباح دماء الكفار مطلقاً بجميع الطرق، ثم حرمها عند مجموع هذه الثلاثة، وهي التوبة عن الكفر، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فعندما لم يوجد هذا المجموع، وجب أن يبقى إباحة الدم على الأصل.
فإن قالوا: لم لا يجوز أن يكون المراد الإقرار بهما واعتقاد وجوبهما؟
والدليل عليه أن تارك الزكاة لا يقتل.
أجابوا عنه: بأن ما ذكرتم عدول عن الظاهر، وأما في تارك الزكاة فقد دخله التخصيص.
فإن قالوا: لم كان حمل التخصيص أولى من حمل الكلام على اعتقاد وجوب الصلاة والزكاة؟
قلنا: لأنه ثبت في أصول الفقه أنه مهما وقع التعارض بين المجاز وبين التخصيص، فالتخصيص أولى بالحمل.
المسألة الثانية: نقل عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يقول: في مانعي الزكاة لا أفرق بين ما جمع الله، ولعل مراده كان هذه الآية، لأنه تعالى لم يأمر بتخلية سبيلهم إلا لمن تاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة، فأوجب مقاتلة أهل الردة لما امتنعوا من الزكاة وهذا بين إن جحدوا وجوبها أما إن أقروا بوجوبها وامتنعوا من الدفع إليه خاصة، فمن الجائز أنه كان يذهب إلى وجوب مقاتلتهم من حيث امتنعوا من دفع الزكاة إلى الإمام.
وقد كان مذهبه أن ذلك معلوم من دين الرسول عليه السلام كما يعلم سائر الشرائع الظاهرة.
المسألة الثالثة: قد تكلمنا في حقيقة التوبة في سورة البقرة في قوله: ﴿ فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ﴾ روى الحسن أن أسيراً نادى بحيث يسمع الرسول أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد ثلاثاً، فقال عليه السلام: «عرف الحق لأهله فأرسلوه».
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ قيل إلى البيت الحرام، وقيل إلى التصرف في مهماتهم ﴿ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ لمن تاب وآمن.
وفيه لطيفة وهو أنه تعالى ضيق عليهم جميع الخيرات وألقاهم في جميع الآفات، ثم بين أنهم لو تابوا عن الكفر وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فقد تخلصوا عن كل تلك الآفات في الدنيا، فنرجو من فضل الله أن يكون الأمر كذلك يوم القيامة أيضاً فالتوبة عبارة عن تطهير القوة النظرية عن الجهل، والصلاة والزكاة عبارة عن تطهير القوة العملية عما لا ينبغي، وذلك يدل على أن كمال السعادة منوط بهذا المعنى.
<div class="verse-tafsir"
انسلخ الشهر، كقولك انجرد الشهر، وسنة جرداء.
و ﴿ الاشهر الحرم ﴾ التي أبيح فيها للناكثين أن يسيحوا ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ يعني الذين نقضوكم وظاهروا عليكم ﴿ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ من حلٍّ أو حرم ﴿ وَخُذُوهُمْ ﴾ وأسروهم.
والأخيذ: الأسير ﴿ واحصروهم ﴾ وقيدوهم وامنعوهم من التصرف في البلاد.
وعن ابن عباس رضي الله عنه: حصرهم أن يحال بينهم وبين المسجد الحرام ﴿ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ كلّ ممرّ مجتاز ترصدونهم به، وانتصابه على الظرف كقوله ﴿ لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم ﴾ [الأعراف: 16] .
﴿ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ فأطلقوا عنهم بعد الأسر والحصر.
أو فكفوا عنهم ولا تتعرّضوا لهم كقوله: خَلِّ السَّبِيلَ لِمَنْ يَبْنِي الْمَنَارَ بِهِ وعن ابن عباس رضي الله عنه: دعوهم وإتيان المسجد الحرام ﴿ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ يغفر لهم ما سلف من الكفر والغدر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإذا انْسَلَخَ ﴾ انْقَضى، وأصْلُ الِانْسِلاخِ خُرُوجُ الشَّيْءِ مِمّا لابَسَهُ مِن سَلْخِ الشّاةِ.
﴿ الأشْهُرُ الحُرُمُ ﴾ الَّتِي أُبِيحَ لِلنّاكِثِينَ أنْ يَسِيحُوا فِيها.
وقِيلَ هي رَجَبٌ وذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ وهَذا مُخِلٌّ بِالنَّظْمِ مُخالِفٌ لِلْإجْماعِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي بَقاءَ حُرْمَةِ الأشْهُرِ الحُرُمِ إذْ لَيْسَ فِيما نَزَلَ بَعْدُ ما يَنْسَخُها.
﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ ﴾ النّاكِثِينَ.
﴿ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ مِن حِلٍّ أوْ حَرَمٍ.
﴿ وَخُذُوهُمْ ﴾ وأْسِرُوهم، والأخِيذُ الأسِيرُ.
﴿ واحْصُرُوهُمْ ﴾ واحْبِسُوهم أوْ حِيلُوا بَيْنَهم وبَيْنَ المَسْجِدِ الحَرامِ.
﴿ واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ كُلَّ مَمَرٍّ لِئَلّا يَتَبَسَّطُوا في البِلادِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ.
﴿ فَإنْ تابُوا ﴾ عَنِ الشِّرْكِ بِالإيمانِ.
﴿ وَأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ ﴾ تَصْدِيقًا لِتَوْبَتِهِمْ وإيمانِهِمْ.
﴿ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ﴾ فَدَعُوهم ولا تَتَعَرَّضُوا لَهم بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ تارِكَ الصَّلاةِ ومانِعَ الزَّكاةِ لا يُخَلّى سَبِيلُهُ.
﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ أيْ فَخَلُّوهم لِأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ غَفَرَ لَهم ما قَدْ سَلَفَ وعَدَلَهُمُ الثَّوابَ بِالتَّوْبَةِ.
﴿ وَإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ المَأْمُورُ بِالتَّعَرُّضِ لَهم.
﴿ اسْتَجارَكَ ﴾ اسْتَأْمَنَكَ وطَلَبَ مِنكَ جِوارَكَ.
﴿ فَأجِرْهُ ﴾ فَأمِّنْهُ.
﴿ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ﴾ ويَتَدَبَّرَهُ ويَطَّلِعَ عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ.
﴿ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾ مَوْضِعَ أمْنِهِ إنْ لَمْ يُسْلِمْ، وأحَدٌ رُفِعَ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ لا بِالِابْتِداءِ لِأنَّ إنَّ مِن عَوامِلِ الفِعْلِ.
﴿ ذَلِكَ ﴾ الأمْنُ أوِ الأمْرُ.
﴿ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ما الإيمانُ وما حَقِيقَةُ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ فَلا بُدَّ مِن أمانِهِمْ رَيْثَما يَسْمَعُونَ ويَتَدَبَّرُونَ.
<div class="verse-tafsir"
فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)
{فَإِذَا انسلخ} مضى أو خرج {الأشهر الحرم} التي أبيح فيها للناكثين أن يسيحوا {فاقتلوا المشركين} الذين نقضوكم وظاهروا عليكم {حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} من حل أو حرم {وَخُذُوهُمْ} وأسروهم والأخذ الأسر {واحصروهم} وقيدوهم وامنعوهم من التصرف في البلاد {واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} كل ممر ومجتاز ترصدونهم به وانتصابه على الظرف {فَإِن تَابُواْ} عن الكفر {وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} فأطلقوا عنهم بعد الأسر
والحصر أو فكفوا عنهم ولا تتعرضوا لهم {أَنَّ الله غَفُورٌ} بستر الكفر والغدر بالإسلام {رَّحِيمٌ} برفع القتل قبل الاداء
التوبة (٦ _ ٩)
بالالتزام
﴿ فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ ﴾ أيِ انْقَضَتْ، وأصْلُهُ مِنَ السَّلْخِ بِمَعْنى الكَشْطِ يُقالُ: سَلَخْتُ الإهابَ عَنِ الشّاةِ أيْ كَشَطْتُهُ ونَزَعْتُهُ عَنْها، ويَجِيءُ بِمَعْنى الإخْراجِ كَما يُقالُ: سَلَخْتُ الشّاةَ عَنِ الإهابِ إذا أخْرَجْتَها مِنهُ، وذَكَرَ أبُو الهَيْثَمِ أنَّهُ يُقالُ: أهْلَلْنا شَهْرَ كَذا أيْ دَخَلْنا فِيهِ فَنَحْنُ نَزْدادُ كُلَّ لَيْلَةٍ لِباسًا إلى نِصْفِهِ ثُمَّ نَسْلَخُهُ عَنْ أنْفُسِنا جُزْءًا فَجُزْءًا حَتّى يَنْقَضِيَ وأنْشَدَ: إذا ما سَلَخْتُ الشَّهْرَ أهْلَلْتُ مِثْلَهُ كَفى قاتِلًا سَلْخِي الشُّهُورَ وإهْلالِي والِانْسِلاخُ فِيما نَحْنُ فِيهِ اسْتِعارَةٌ حَسَنَةٌ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّ الزَّمانَ مُحِيطٌ بِما فِيهِ مِنَ الزَّمانِيّاتِ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ اشْتِمالَ الجِلْدِ عَلى الحَيَوانِ، وكَذا كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزائِهِ المُمْتَدَّةِ كالأيّامِ والشُّهُورِ والسِّنِينَ، فَإذا مَضى فَكَأنَّهُ انْسَلَخَ عَمّا فِيهِ، وفي ذَلِكَ مَزِيدُ لُطْفٍ لِما فِيهِ مِنَ التَّلْوِيحِ بِأنَّ تِلْكَ الأشْهُرَ كانَتْ حِرْزًا لِأُولَئِكَ المُعاهِدِينَ عَنْ غَوائِلِ أيْدِي المُسْلِمِينَ، فَنِيطَ قِتالُهم بِزَوالِها، ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ جَعْلَهُ اسْتِعارَةً مِنَ المَعْنى الأوَّلِ لِلسَّلْخِ أوْلى مِن جَعْلِهِ مِنَ المَعْنى الثّانِي بِاعْتِبارِ أنَّهُ لَمّا انْقَضى كَأنَّهُ أُخْرِجَ مِنَ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ إذْ لا يَظْهَرُ هَذا التَّلْوِيحُ عَلَيْهِ ظُهُورَهُ عَلى الأوَّلِ ( وال ) في الأشْهُرِ لِلْعَهْدِ فالمُرادُ بِها الأشْهُرُ الأرْبَعَةُ المُتَقَدِّمَةُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ ﴾ ) وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، وغَيْرِهِ، وفي الدُّرِّ المَصُونِ أنَّ العَرَبَ إذا ذَكَرَتْ نَكِرَةً ثُمَّ أرادَتْ ذِكْرَها ثانِيًا أتَتْ بِالضَّمِيرِ أوْ بِاللَّفْظِ مُعَرَّفًا بِألْ ولا يَجُوزُ أنْ تَصِفَهُ حِينَئِذٍ بِصِفَةٍ تُشْعِرُ بِالمُغايِرَةِ فَلَوْ قِيلَ رَأيْتُ رَجُلًا وأكَرَمْتُ الرَّجُلَ الطَّوِيلَ لَمْ تُرِدْ بِالثّانِي الأوَّلَ وإنْ وصَفْتَهُ بِما لا يَقْتَضِي المُغايَرَةَ جازَ كَقَوْلِكَ فَأكْرَمْتُ الرَّجُلَ المَذْكُورَ، والآيَةُ مِن هَذا القَبِيلِ، فَإنَّ ( الحُرُمُ ) صِفَةٌ مَفْهُومَةٌ مِن فَحْوى الكَلامِ فَلا تَقْتَضِي المُغايَرَةَ، وكَأنَّ النُّكْتَةَ في العُدُولِ عَنِ الضَّمِيرِ ووَضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَهُ الإتْيانُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِتَكُونَ تَأْكِيدًا لِما يُنْبِئُ عَنْهُ إباحَةُ السِّياحَةِ مِن حُرْمَةِ التَّعَرُّضِ لَهم مَعَ ما في ذَلِكَ مِن مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المَوْصُوفِ.
وعَلى هَذا فالمُرادُ بِالمُشْرِكِينَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ ﴾ ) النّاكِثُونَ فَيَكُونُ المَقْصُودُ بَيانَ حُكْمِهِمْ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى إتْمامِ مُدَّةِ مَن لَمْ يَنْكُثْ ولا يَكُونُ حُكْمُ الباقِينَ مَفْهُومًا مِن عِبارَةِ النَّصِّ بَلْ مِن دَلالَتِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها تِلْكَ الأرْبَعَةَ مَعَ ما فُهِمَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ ﴾ ) مِن تَتِمَّةِ مُدَّةٍ بَقِيَتْ لِغَيْرِ النّاكِثِينَ، وعَلَيْهِ يَكُونُ حُكْمُ الباقِينَ مَفْهُومًا مِنَ العِبارَةِ حَيْثُ إنَّ المُرادَ بِالمُشْرِكِينَ حِينَئِذٍ ما يَعُمُّهم والنّاكِثِينَ إلّا أنَّهُ يَكُونُ الِانْسِلاخُ وما نِيطَ بِهِ مِنَ القِتالِ شَيْئًا فَشَيْئًا لا دُفْعَةً واحِدَةً، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإذا تَمَّ مِيقاتُ كُلِّ طائِفَةٍ فاقْتُلُوهم، وقِيلَ: المُرادُ بِها الأشْهُرُ المَعْهُودَةُ الدّائِرَةُ في كُلِّ سَنَةٍ وهي رَجَبٌ، وذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، وهو مُخِلٌّ بِالنَّظْمِ الكَرِيمِ لِأنَّهُ يَأْباهُ التَّرْتِيبُ بِالفاءِ وهو مُخالِفٌ لِلسِّياقِ الَّذِي يَقْتَضِي تَوالِيَ هَذِهِ الأشْهُرِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُخالِفٌ لِلْإجْماعِ أيْضًا لِأنَّهُ قامَ عَلى أنَّ هَذِهِ الأشْهُرَ يَحِلُّ فِيها القِتالُ وأنَّ حُرْمَتَها نُسِخَتْ وعَلى تَفْسِيرِهِ بِها يَقْتَضِي بَقاءَ حُرْمَتِها ولَمْ يَنْزِلْ بَعْدُ ما يَنْسَخُها، ورُدَّ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يُنْسَخَ الكِتابُ بِالكِتابِ بَلْ قَدْ يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، وعَلى تَقْدِيرِ لُزُومِهِ كَما هو رَأْيُ البَعْضِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ناسِخُهُ مِنَ الكِتابِ مَنسُوخَ التِّلاوَةِ، وتُعُقِّبَ هَذا بِأنَّهُ احْتِمالٌ لا يُفِيدُ ولا يُسْمَعُ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَنُقِلَ، والنَّسْخُ لا يَكْفِي فِيهِ الِاحْتِمالُ، وقِيلَ: إنَّ الإجْماعَ إذا قامَ عَلى أنَّها مَنسُوخَةٌ كَفى ذَلِكَ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى نَقْلِ سَنَدٍ إلَيْنا، وقَدْ صَحَّ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حاصَرَ الطّائِفَ لِعَشَرٍ بَقِينَ مِنَ المُحَرَّمِ، وكَما أنَّ ذَلِكَ كافٍ لِنَسْخِها يَكْفِي لِنَسْخِ ما وقَعَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ وهو «إنَّ الزَّمانَ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى السَّماواتِ والأرْضَ السَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ؛ ذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ ورَجَبٌ» فَلا يُقالُ: إنَّهُ يُشْكِلُ عَلَيْنا لِعَدَمِ العِلْمِ بِما يَنْسَخُهُ كَما تُوُهِّمَ، وإلى نَسْخِ الكِتابِ بِالإجْماعِ ذَهَبَ البَعْضُ مِنّا، فَفي ”النِّهايَةِ شَرْحِ الهِدايَةِ“ تَجُوزُ الزِّيادَةُ عَلى الكِتابِ بِالإجْماعِ، صَرَّحَ بِهِ الإمامُ السَّرَخْسِيُّ، وقالَ فَخْرُ الإسْلامِ: إنَّ النُّسَخَ بِالإجْماعِ جَوَّزَهُ بَعْضُ أصْحابِنا بِطَرِيقِ أنَّ الإجْماعَ يُوجِبُ العِلْمَ اليَقِينِيَّ كالنَّصِّ، فَيَجُوزُ أنْ يَثْبُتَ بِهِ النَّسْخُ، والإجْماعُ في كَوْنِهِ حُجَّةً أقْوى مِنَ الخَبَرِ المَشْهُورِ والنَّسْخُ بِهِ جائِزٌ فَبِالإجْماعِ أوْلى، وأمّا اشْتِراطُ حَياةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في جَوازِ النَّسْخِ فَغَيْرُ مَشْرُوطٍ عَلى قَوْلِ ذَلِكَ البَعْضِ مِنَ الأصْحابِ اهـ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَسْألَةَ خِلافِيَّةٌ عِنْدَنا، عَلى أنَّ في الإجْماعِ كَلامًا، فَقَدْ قِيلَ: بِبَقاءِ حُرْمَةِ قِتالِ المُسْلِمِينَ فِيها إلّا أنْ يُقاتِلُوا، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ لَكِنَّهُ قَوْلٌ لا يُعْتَدُّ بِهِ، والقَوْلُ بِأنَّ مَنعَ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ كانَ في تِلْكَ السَّنَةِ وهو لا يَقْتَضِي مَنعَهُ في كُلِّ ما شابَهَها، بَلْ هو مَسْكُوتٌ عَنْهُ فَلا يُخالِفُ الإجْماعَ، ويَكُونُ حِلُّهُ مَعْلُومًا مِن دَلِيلٍ آخَرَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ مَن يَدَّعِي الإجْماعَ يَدَّعِيهِ في الحَلِّ في تِلْكَ السَّنَةِ أيْضًا، وبِالجُمْلَةِ لا مُعَوِّلَ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ، وهَذِهِ عَلى ما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ هي آيَةُ السَّيْفِ الَّتِي نَسَخَتْ آياتِ العَفْوِ والصَّفْحِ والإعْراضِ والمُسالَمَةِ.
وقالَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ: آيَةُ السَّيْفِ ﴿ وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً ﴾ وقِيلَ: هُما، واسْتَدَلَّ الجُمْهُورُ بِعُمُومِها عَلى قِتالِ التُّرْكِ والحَبَشَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: فاقْتُلُوا الكُفّارَ مُطْلَقًا ﴿ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ مِن حِلٍّ وحَرَمٍ ( ﴿ وخُذُوهُمْ ﴾ ) قِيلَ: أيِ أْسِرُوهم والأخِيذُ الأسِيرُ، وفُسِّرَ الأسْرُ بِالرَّبْطِ لا لِاسْتِرْقاقٍ، فَإنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ لا يَسْتَرِقُّونَ.
وقِيلَ: المُرادُ إمْهالُهم لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ القَتْلِ والإسْلامِ، وقِيلَ: هو عِبارَةٌ عَنْ أذِيَّتِهِمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ مُمْكِنٍ، وقَدْ شاعَ في العُرْفِ الأخْذُ عَلى الِاسْتِيلاءِ عَلى مالِ العَدُوِّ، فَيُقالُ: إنَّ بَنِي فُلانٍ أخَذُوا بَنِي فُلانٍ أيِ اسْتَوْلَوْا عَلى أمْوالِهِمْ بَعْدَ أنْ غَلَبُوهم ( ﴿ واحْصُرُوهُمْ ﴾ ) قِيلَ أيِ احْبِسُوهم.
ونَقَلَ الخازِنُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ امْنَعُوهم عَنِ الخُرُوجِ إذا تَحَصَّنُوا مِنكم بِحِصْنٍ.
ونَقَلَ غَيْرُهُ عَنْهُ أنَّ المَعْنى حِيلُوا بَيْنَهم وبَيْنَ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴿ واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ أيْ: كُلَّ مَمَرٍّ ومُجْتازٍ يَجْتازُونَ مِنهُ في أسْفارِهِمْ، وانْتِصابُهُ عِنْدَ الزَّجّاجِ ومَن تَبِعَهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، ورَدَّهُ أبُو عَلِيٍّ بِأنَّ المَرْصَدَ المَكانُ الَّذِي يُرْصَدُ فِيهِ العَدُوُّ فَهو مَكانٌ مَخْصُوصٌ لا يَجُوزُ حَذْفُ في مِنهُ ونَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ إلّا سَماعًا، وتَعَقَبَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِنِ انْتِصابِهِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( ﴿ واقْعُدُوا لَهُمْ ﴾ ) لَيْسَ مَعْناهُ حَقِيقَةَ القُعُودِ بَلِ المُرادُ تَرَقُّبُهم وتَرَصُّدُهم، فالمَعْنى ارْصُدُوهم كُلَّ مَرْصَدٍ يُرْصَدُ فِيهِ، والظَّرْفُ مُطْلَقًا يَنْصُبُهُ بِإسْقاطِ- فِي- فِعْلٍ مِن لَفْظِهِ أوْ مَعْناهُ نَحْوَ جَلَسْتُ وقَعَدْتُ مَجْلِسَ الأمِيرِ، والمَقْصُورُ عَلى السَّماعِ ما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، و( كُلَّ ) وإنْ لَمْ يَكُنْ ظَرْفًا لَكِنْ لَهُ حُكْمُ ما يُضافُ إلَيْهِ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْهُ.
وجَوَّزَ ابْنُ المُنِيرِ أنْ يَكُونَ مَرْصَدٌ مَصْدَرًا مِيمِيًّا فَهو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ والعامِلُ فِيهِ الفِعْلُ الَّذِي بِمَعْناهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: وارْصُدُوهم كُلَّ مَرْصَدٍ ولا يَخْفى بَعْدَهُ، وعَنِ الأخْفَشِ أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والأصْلُ عَلى كُلِّ مَرْصَدٍ، فَلَمّا حُذِفَ عَلى انْتَصَبَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ النَّصْبَ بِنَزْعِ الخافِضِ غَيْرُ مَقِيسٍ خُصُوصًا إذا كانَ الخافِضُ عَلى، فَإنَّهُ يَقِلُّ حَذْفُها حَتّى قِيلَ: إنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالشِّعْرِ ( ﴿ فَإنْ تابُوا ﴾ ) عَنِ الشِّرْكِ بِالإيمانِ بِسَبَبِ ما يَنالُهم مِنكم ( ﴿ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ ﴾ ) تَصْدِيقًا لِتَوْبَتِهِمْ وإيمانِهِمْ، واكْتَفى بِذِكْرِهِما لِكَوْنِهِما رَئِيسَيِ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ ( ﴿ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ﴾ ) أيْ فاتْرُكُوهم وشَأْنَهم ولا تَتَعَرَّضُوا لَهم بِشَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ.
وقِيلَ: المُرادُ خَلُّوا بَيْنَهم وبَيْنَ البَيْتِ ولا تَمْنَعُوهم عَنْهُ والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ جاءَتْ تَخْلِيَةُ السَّبِيلِ في كَلامِ العَرَبِ كِنايَةً عَنِ التَّرْكِ كَما في قَوْلِهِ: خَلِّ السَّبِيلَ لِمَن يَبْنِي المَنارَ بِهِ ∗∗∗ وابْرُزْ بِبَرْزَةَ حَيْثُ اضْطَرَّكَ القَدَرُ ثُمَّ يُرادُ مِنها في كُلِّ مَقامٍ ما يَلِيقُ بِهِ، ونُقِلَ عَنِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى قَتْلِ تارِكِ الصَّلاةِ وقِتالِ مانِعِ الزَّكاةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أباحَ دِماءَ الكُفّارِ بِجَمِيعِ الطُّرُقِ والأحْوالِ ثُمَّ حَرَّمَها عِنْدَ التَّوْبَةِ عَنِ الكُفْرِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ فَما لَمْ يُوجَدْ هَذا المَجْمُوعُ تَبْقى إباحَةُ الدَّمِ عَلى الأصْلِ، ولَعَلَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ اسْتَدَلَّ بِها عَلى قِتالِ مانِعِي الزَّكاةِ، وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أنَّ المُزَنِيَّ مِن جِلَّةِ الشّافِعِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أوْرَدَ عَلى قَتْلِ تارِكِ الصَّلاةِ تَشْكِيكًا تَحَيَّرُوا في دَفْعِهِ كَما قالَهُ السُّبْكِيُّ في طَبَقاتِهِ، فَقالَ: إنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ عَلى تَرْكِ صَلاةٍ قَدْ مَضَتْ أوْ لَمْ تَأْتِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ المَقْضِيَّةَ لا يُقْتَلُ بِتَرْكِها، والثّانِي كَذَلِكَ لِأنَّهُ ما لَمْ يَخْرُجِ الوَقْتُ فَلَهُ التَّأْخِيرُ فَعَلامَ يُقْتَلُ؟
وسَلَكُوا في الجَوابِ مَسالِكَ.
الأوَّلُ: أنَّ هَذا وارِدٌ أيْضًا عَلى القَوْلِ بِالتَّعْزِيرِ والضَّرْبِ والحَبْسِ كَما هو مَذْهَبُ الحَنَفِيَّةِ، فالجَوابُ -الجَوابُ- وهو جَدَلِيٌّ، يا رَسُولَ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّهُ عَلى الماضِيَةِ لِأنَّهُ تَرَكَها بِلا عُذْرٍ، ورُدَّ بِأنَّ القَضاءَ لا يَجِبُ عَلى الفَوْرِ وبِأنَّ الشّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَدْ نَصَّ عَلى أنَّهُ لا يُقْتَلُ بِالمَقْضِيَّةِ مُطْلَقًا، والثّالِثُ: أنَّهُ يُقْتَلُ لِلْمُؤَدّاةِ في آخِرِ وقْتِها، ويَلْزَمُهُ أنَّ المُبادَرَةَ إلى قَتْلِ تارِكِ الصَّلاةِ تَكُونُ أحَقَّ مِنها إلى المُرْتَدِّ إذْ هو يُسْتَتابُ وهَذا لا يُسْتَتابُ ولا يُمْهَلُ، إذْ لَوْ أُمْهِلَ صارَتْ مَقْضِيَّةً وهو مَحَلُّ كَلامٍ، فَلا حاجَةَ إلى أنْ يُجابَ مِن طَرَفِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَما قِيلَ: بِأنَّ اسْتِدْلالَ الشّافِعِيَّةِ مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ وهو لا يُعَوَّلُ بِهِ، ولَوْ سَلَّمَهُ فالتَّخْلِيَةُ الِاطِّلاقُ عَنْ جَمِيعِ ما مَرَّ، وحِينَئِذٍ يُقالُ: تارِكُ الصَّلاةِ لا يُخَلّى ويَكْفِي لِعَدَمِ التَّخْلِيَةِ أنْ يُحْبَسَ، عَلى أنَّ ذَلِكَ مَنقُوضٌ بِمانِعِ الزَّكاةِ عِنْدَهُ، وأيْضًا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِإقامَتِهِما التِزامُهُما وإذا لَمْ يَلْتَزِمْهُما كانَ كافِرًا إلّا أنَّهُ خِلافُ المُتَبادَرِ وإنْ قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيَّةِ أنَّ مَن تَرَكَ صَلاةً واحِدَةً كَسَلًا بِشَرْطِ إخْراجِها عَنْ وقْتِ الضَّرُورَةِ بِأنْ لا يُصَلِّيَ الظُّهْرَ مَثَلًا حَتّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ قُتِلَ حَدّا، واسْتَدَلَّ بَعْضُ أجِلَّةِ مُتَأخِّرِيهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ» الحَدِيثَ، وبَيْنَ ذَلِكَ بِأنَّهُما شَرْطًا في الكَفِّ عَنِ القَتْلِ والمُقاتَلَةِ الإسْلامُ وإقامَةُ الصَّلاةِ وإيتاءُ الزَّكاةِ، لَكِنَّ الزَّكاةَ يُمْكِنُ الإمامَ أخْذُها ولَوْ بِالمُقاتَلَةِ مِمَّنِ امْتَنَعُوا مِنها وقاتَلُونا فَكانَتْ فِيها عَلى حَقِيقَتِها بِخِلافِها في الصَّلاةِ فَإنَّهُ لا يُمْكِنُ فِعْلُها بِالمُقاتَلَةِ فَكانَتْ فِيها بِمَعْنى القَتْلِ، ثُمَّ قالَ: فَعُلِمَ وُضُوحُ الفَرْقِ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ وكَذا الصَّوْمُ فَإنَّهُ إذا عُلِمَ أنَّهُ يُحْبَسُ طُولَ النَّهارِ نَواهُ فَأجْدى الحَبْسُ فِيهِ ولا كَذَلِكَ الصَّلاةُ فَتَعَيَّنَ القَتْلُ في حَدِّها ولا يَخْفى أنَّ ظاهِرَ هَذا قَوْلٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ في الآيَةِ، والحَدِيثُ لِأنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ في كُلٍّ مِنهُما، وفي الآيَةِ القَتْلُ وحَقِيقَتُهُ لا تَجْرِي في مانِعِ الزَّكاةِ وفي الحَدِيثِ المُقاتَلَةُ وحَقِيقَتُها لا تَجْرِي في تارِكِ الصَّلاةِ، فَلا بُدَّ أنْ يُرادَ مَعَ القَتْلِ المُقاتَلَةُ في الآيَةِ ومَعَ المُقاتَلَةِ القَتْلُ في الحَدِيثِ لِيَتَأتّى جَرَيانُ ذَلِكَ في تارِكِ الصَّلاةِ ومانِعِ الزَّكاةِ، والجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ لا يَجُوزُ عِنْدَنا، عَلى أنَّ حَمْلَ الآيَةِ والحَدِيثِ عَلى ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ فالنَّقْضُ بِمانِعِ الزَّكاةِ في غايَةِ القُوَّةِ.
وأشارَ إلى ما نُقِلَ عَنِ المُزَنِيِّ مَعَ جَوابِهِ بِقَوْلِهِ: لا يُقالُ: لا قَتْلَ بِالحاضِرَةِ لِأنَّهُ لَمْ يُخْرِجْها عَنْ وقْتِها ولا بِالخارِجَةِ عَنْهُ لِأنَّهُ لا قَتْلَ بِالقَضاءِ وإنْ وجَبَ فَوْرًا لِأنّا نَقُولُ: بَلْ يُقْتَلُ بِالحاضِرَةِ إذا أُمِرَ بِها مِن جِهَةِ الإمامِ أوْ نائِبِهِ دُونَ غَيْرِهِما فِيما يَظْهَرُ في الوَقْتِ عِنْدَ ضِيقِهِ وتَوَعَّدَ عَلى إخْراجِها عَنْهُ فامْتَنَعَ حَتّى خَرَجَ وقْتُها لِأنَّهُ حِينَئِذٍ مُعانِدٌ لِلشَّرْعِ عِنادًا يَقْتَضِي مِثْلُهُ القَتْلَ فَهو لَيْسَ لِحاضِرَةٍ فَقَطْ ولا لِفائِتَةٍ فَقَطْ بَلْ لِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ الأمْرِ والإخْراجِ مَعَ التَّصْمِيمِ ثُمَّ إنَّهم قالُوا: يُسْتَتابُ تارِكُ الصَّلاةِ فَوْرًا نَدْبًا، وفارِقُ الوُجُوبِ في المُرْتَدِّ بِأنَّ تُرْكَ اسْتِتابَتِهِ تُوجِبُ تَخْلِيدَهُ في النّارِ إجْماعًا بِخِلافِ هَذا، ولا يُضَمَّنُ عِنْدَهم مَن قَتَلَهُ قَبْلَ التَّوْبَةِ مُطْلَقًا لَكِنَّهُ يَأْثَمُ مِن جِهَةِ الِافْتِياتِ عَلى الإمامِ، وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ.
واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ أيْضًا -كَما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ- مَن ذَهَبَ إلى كُفْرِ تارِكِ الصَّلاةِ ومانِعِ الزَّكاةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ والصَّحِيحُ أنَّهُما مُؤْمِنانِ عاصِيانِ، وما يُشْعِرُ بِالكُفْرِ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّغْلِيظِ ﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ يَغْفِرُ لَهم ما قَدْ سَلَفَ مِنهم ويُثِيبُهم بِإيمانِهِمْ وطاعَتِهِمْ وهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِتَخْلِيَةِ السَّبِيلِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ يقول: إذا مضى الأشهر التي جعلتها أجلهم، فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ في الحل والحرم، يعني: المشركين الذين لا عهد لهم بعد ذلك الأجل.
ويقال: إن هذه الآية فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ نسخت سبعين آية في القرآن من الصلح والعهد والكف، مثل قوله قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ [الأنعام: 66] وقوله: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية: 22] ، وقوله: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ [النساء: 63] ، وقوله: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: 6] وما سوى ذلك من الآيات التي نحو هذا صارت كلها منسوخة بهذه الآية.
قوله تعالى: وَخُذُوهُمْ، يعني: ائسروهم وشدوهم بالوثاق، وَاحْصُرُوهُمْ يعني: إن لم تظفروا بهم، فاحصروهم في الحصن والحصار.
قال الكلبي: يعني: واحبسوهم عن البيت الحرام أن يدخلوه.
وقال مقاتل: وَاحْصُرُوهُمْ يعني: التمسوهم، وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ يعني: ارصدوا لهم بكل طريق.
وقال الأخفش: يعني: اقعدوا لهم على كل مرصد.
وكلمة «على» محذوفة من الكلام، ومعناه: واقعدوا لهم على كل طريق يأخذون فيه.
فَإِنْ تابُوا من الشرك وَأَقامُوا الصَّلاةَ، يعني: وأقرّوا بالصلاة.
وَآتَوُا الزَّكاةَ، يعني: وأقروا بالزكاة المفروضة.
فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ، يعني: اتركوهم ولا تقتلوهم.
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يعني: غَفُورٌ لما كان من الذنوب في الشرك، رَحِيمٌ بهم بعد الإسلام.
فقال رجل من المشركين: يا عليّ، إن أراد رجل منا بعد انقضاء الأجل أن يأتي محمدا ويسمع كلامه، أو يأتيه لحاجة، أيقتل؟
فقال عليّ: «لا» .
<div class="verse-tafsir"
والظَّهيرُ: المُعِينُ.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ: تنبيهٌ على أنَّ الوفاء بالعَهْد من التقوَى.
فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)
وقوله سبحانه: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ: الانسلاخ: خروجُ الشيء عن الشيء المتلبِّس به كانسلاخ الشاة عن الجِلْدِ، فشبه انصرام الأشهر بذلك.
وقوله سبحانه: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ...
الآية: قال ابن زَيْد: هذه الآية، وقوله سبحانه: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً [محمد: ٤] : هما مُحْكَمَتان أي: ليستْ إِحداهما بناسخةٍ للأخرى.
قال ع «١» : هذا هو الصواب.
وقوله: وَخُذُوهُمْ معناه: الأسْر.
وقوله: كُلَّ مَرْصَدٍ: معناه: مواضع الغرَّة حيث يرصدون ونصب «كُلَّ» على الظرف أو بإسقاط الخافض، التقدير: في كلّ مرصد.
وقوله: فَإِنْ تابُوا، أي: عن الكُفْر.
وقوله سبحانه: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ، أي: جَلَبَ منك عهداً وجواراً/ يأمن به، حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، يعني القُرْآن، والمعنى: يفهم أحكامه، قال الحسن: وهذه آية محكمة وذلك سُنَّة إِلى يوم القيامة «٢» .
وقوله سبحانه: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ...
الآية: قال ابنُ إسحاق: هي قبائلُ بني بَكْر كانوا دخلوا وقْتَ الحديبية في العهد، فأُمِرَ المسلمون بإِتمام العَهْدِ لمن لم يكُنْ نَقَضَ منهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ ﴾ فِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها رَجَبٌ، وذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّها الأرْبَعَةُ الأشْهُرُ الَّتِي جُعِلَتْ لَهم فِيها السِّياحَةُ، قالَهُ الحَسَنُ في آَخَرِينَ، فَعَلى هَذا، سُمِّيَتْ حَرَمًا لِأنَّ دِماءَ المُشْرِكِينَ حُرِّمَتْ فِيها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ ﴾ أيْ: مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ حَيْثُ (وَجَدْتُمُوهُمْ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في الحِلِّ والحَرَمِ والأشْهُرِ الحُرُمِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخُذُوهُمْ ﴾ أيِ: ائْسِرُوهُمْ؛ والأخِيذُ: الأسِيرُ.
﴿ واحْصُرُوهُمْ ﴾ أيِ: احْبِسُوهُمْ؛ والحَصْرُ: الحَبْسُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنْ تَحَصَّنُوا فاحْصُرُوهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ قالَ الأخْفَشُ: أيْ: عَلى كُلِّ مَرْصَدٍ؛ فَألْقى "عَلى" وأعْمَلَ الفِعْلَ، قالَ الشّاعِرُ: نُغالِي اللَّحْمَ لَلْأضْيافِ نِيئًا ونُرَخِّصُهُ إذا نَضِجَ القُدُورُ المَعْنى: نُغالِي بِاللَّحْمِ فَحَذَفَ الباءَ كَما حَذَفَ "عَلى" .
وقالَ الزَّجّاجُ: "كُلُّ مَرْصَدٍ" ظَرْفٌ، كَقَوْلِكَ: ذَهَبْتُ مَذْهَبًا، فَلَسْتَ تَحْتاجُ أنْ تَقُولَ في هَذِهِ الآَيَةِ إلّا ما تَقُولُهُ في الظُّرُوفِ، مِثْلُ: خَلْفٌ وقُدّامٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تابُوا ﴾ أيْ: مِن شِرْكِهِمْ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: اعْتَرَفُوا بِذَلِكَ.
والثّانِي: فَعَلُوهُ.
* فَصْلٌ واخْتَلَفَ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذِهِ الآَيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ حُكْمَ الأسارى كانَ وُجُوبُ قَتْلِهِمْ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً ﴾ ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ في آَخَرِينَ.
والثّانِي: بِالعَكْسِ، وأنَّهُ كانَ الحُكْمُ في الأسارى: أنَّهُ لا يَجُوزُ قَتْلُهم صَبْرًا، وإنَّما يَجُوزُ المَنُّ أوِ الفِداءُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً ﴾ ثُمَّ نَسَخَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ ﴾ قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّ الآَيَتَيْنِ مَحْكَمَتانِ، والأسِيرُ إذا حَصَلَ في يَدِ الإمامِ فَهو مُخَيَّرٌ، إنْ شاءَ مَنَّ عَلَيْهِ، وإنْ شاءَ فاداهُ، وإنْ شاءَ قَتَلَهُ صَبْرًا، أيْ ذَلِكَ رَأيٌ فِيهِ المَصْلَحَةُ لَلْمُسْلِمِينَ فِعْلُ هَذا، قَوْلُ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وعَلَيْهِ عامَّةُ الفُقَهاءِ، وهو قَوْلُ الإمامِ أحْمَدَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ ﴾ ﴿ فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم وخُذُوهم واحْصُرُوهم واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَلاةَ وآتَوُا الزَكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهم إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ هَذا هو الِاسْتِثْناءُ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في المُشْرِكِينَ الَّذِينَ بَقِيَ مِن عَهْدِهِمْ تِسْعَةُ أشْهُرٍ وكانُوا قَدْ وفَّوْا بِالعَهْدِ عَلى ما يَجِبُ، وقالَ قَتادَةُ: هم قُرَيْشٌ الَّذِينَ عُوهِدُوا زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَرْدُودٌ بِإسْلامِ قُرَيْشٍ في الفَتْحِ قَبْلَ الأذانِ بِهَذا كُلِّهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى مُدَّتِهِمْ ﴾ : إلى الأرْبَعَةِ الأشْهَرِ الَّتِي في الآيَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَنْقُصُوكُمْ" بِالصادِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، وقَرَأ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "يَنْقُضُوكُمْ" بِالضادِ، مِنَ النَقْضِ، وهي مُتَمَكِّنَةٌ مَعَ العَهْدِ.
ولَكِنَّها قَلِقَةٌ في تَعَدِّيها إلى الضَمِيرِ، ويُحَسِّنُ ذَلِكَ أنَّ النَقْضَ نَقْضُ وفاءٍ وحَقٌّ لِلْمَعاهَدِ، وكَذَلِكَ تَعَدّى "أتِمُّوا" بِـ "إلى" لَمّا كانَ العَهْدُ في مَعْنى ما يُؤَدّى ويُبَرَأُ بِهِ وكَأنَّهم يَقْتَضُونَ العَهْدَ، و"يُظاهِرُوا" مَعْناهُ: يُعاوِنُوا، فالظَهْرُ: المُعِينُ، وأصْلُهُ مِنَ الظَهْرِ، كَأنَّ هَذا يُسْنِدُ ظَهْرَهُ إلى الآخَرِ، والآخَرُ كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ مِنَ التَقْوى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ ﴾ الآيَةُ، الِانْسِلاخُ: خُرُوجُ الشَيْءِ عَنِ الشَيْءِ المُتَلَبِّسِ بِهِ، كانْسِلاخِ الشاةِ عَنِ الجِلْدِ والرَجُلِ عَنِ الثِيابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَسْلَخُ مِنهُ النَهارَ ﴾ ، فَشَبَّهَ انْصِرامَ الأشْهُرِ بِأسْمائِها وأحْكامِها مِنَ الزَمَنِ بِذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيمَن جَعَلَ لَهُ انْقِضاءَ الأشْهُرِ الحُرُمِ أجَلًا، وما المَعْنى بِـالأشْهُرِ الحُرُمِ بِما أغْنى عن إعادَتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ ﴾ أمْرٌ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ فَخَرَجَ الأمْرُ بِذَلِكَ بِلَفْظِ "اقْتُلُوا" عَلى جِهَةِ التَشْجِيعِ وتَقْوِيَةِ النَفْسِ، أيْ: هَكَذا يَكُونُ أمْرُكم مَعَهُمْ، وهَذِهِ الآيَةُ نَسَخَتْ كُلَّ مُوادَعَةٍ في القُرْآنِ أو مُهادَنَةٍ وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ، وهي عَلى ما ذُكِرَ مِائَةُ آيَةٍ وأرْبَعَ عَشْرَةَ آيَةً، وقالَ الضَحّاكُ، والسُدِّيُّ، وعَطاءٌ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً ﴾ ، وقالُوا: لا يَجُوزُ قَتْلُ أسِيرٍ البَتَّةَ صَبْرًا، إمّا أنْ يُمَنَّ عَلَيْهِ وإمّا أنْ يُفادى، وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً ﴾ مَنسُوخٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: لا يَجُوزُ المَنُّ عَلى أسِيرٍ ولا مُفاداتُهُ، ولا شَيْءَ إلّا القَتْلُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُما مُحْكَمَتانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ يُفَسِّرْ أكْثَرَ مِن هَذا، وقَوْلُهُ هو الصَوابُ، والآيَتانِ لا يُشْبِهُ مَعْنى واحِدَةٍ مَعْنى الأُخْرى، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ ﴾ ، ﴿ وَخُذُوهم واحْصُرُوهُمْ ﴾ أفْعالٌ إنَّما تَمْتَثِلُ مَعَ المُحارِبِ المُرْسَلِ المُناضِلِ، ولَيْسَ لِلْأسِيرِ فِيها ذِكْرٌ ولا حُكْمٌ، وإذا أُخِذَ الكافِرُ خَرَجَ عن دَرَجاتِ هَذِهِ الآيَةِ وانْتَقَلَ إلى حُكْمِ الآيَةِ الأُخْرى، وتِلْكَ الآيَةُ لا مَدْخَلَ فِيها لِغَيْرِ الأسِيرِ، فَقَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ هو الصَوابُ، وقَوْلُهُ: ( خُذُوهم ) مَعْناهُ: الأسْرُ، وقَوْلُهُ: ﴿ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ مَعْناهُ: في مَواضِعِ الغِرَّةِ حَيْثُ يُرْصَدُونَ، وقالَ النابِغَةُ: أعاذِلُ إنَّ الجَهْلَ مِن لَذَّةِ الفَتى ∗∗∗ وإنَّ المَنايا لِلنُّفُوسِ بِمَرْصَدِ ونَصْبُ "كُلَّ" عَلى الظَرْفِ، وهو اخْتِيارُ الزَجّاجِ، أو بِإسْقاطِ الخافِضِ، التَقْدِيرُ: في كُلِّ مَرْصَدٍ، أو عَلى كُلِّ مَرْصَدٍ، وحَكى سِيبَوَيْهِ: ضُرِبَ الظَهْرَ والبَطْنَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تابُوا ﴾ يُرِيدُ: مِنَ الكُفْرِ، فَهي مُتَضَمِّنَةٌ الإيمانَ، ثُمَّ قَرَنَ بِها إقامَةَ الصَلاةِ وإيتاءَ الزَكاةِ تَنْبِيهًا عَلى مَكانِ الصَلاةِ والزَكاةِ مِنَ الشَرْعِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ﴾ تَأْمِينٌ.
وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: هَذا هو دِينُ اللهِ الَّذِي جاءَتْ بِهِ الرُسُلُ، وهو مِن آخِرِ ما نَزَلَ قَبْلَ اخْتِلافِ الأهْواءِ، وفِيهِ قالَ النَبِيُّ : « "مَن فارَقَ الدُنْيا مُخْلِصًا لِلَّهِ تَعالى مُطِيعًا لَهُ لَقِيَ اللهَ وهو عنهُ راضٍ"»، ثُمَّ وعَدَ بِالمَغْفِرَةِ في صِيغَةِ الخَبَرِ عن أوصافِهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ واحصروهم واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ .
تفريع على قوله: ﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ﴾ [التوبة: 2] فإن كان المراد في الآية المعطوففِ عليها بالأربعة الأشهر أربعةً تبتدئ من وقت نزول براءة كان قوله: ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ تفريعاً مراداً منه زيادة قيد على قيد الظرف من قول: ﴿ أربعة أشهر ﴾ [التوبة: 2] أي: فإذا انتهى أجل الأربعة الأشهر وانسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين إلخ لانتهاء الإذن الذي في قوله: ﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ﴾ [التوبة: 2]، وإن كانت الأربعة الأشهر مراداً بها الأشهر الحرم كان قوله: ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ تصريحاً بمفهوم الإذن بالأمن أربعةَ أشهر، المقتضي أنّه لا أمْن بعد انقضاء الأربعة الأشهر، فهو على حدّ قوله تعالى: ﴿ وإذا حللتم فاصطادوا ﴾ [المائدة: 2]، بعد قوله ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم ﴾ [المائدة: 1] فيكون تأجيلاً لهم إلى انقضاء شهر المحرم من سنة عشر، ثم تحذيراً من خرق حرمة شهر رجب، وكذلك يستمرّ الحال في كلّ عام إلى نسخ تأمين الأشهر الحرم كما سيأتي عند قوله تعالى: ﴿ منها أربعة حرم...
فلا تظلموا فيهن أنفسكم ﴾ [التوبة: 36].
وانسلاخ الأشهر انقضاؤها وتمامها وهو مطاوع سلخ.
وهو في الأصل استعارة من سلخ جلد الحيوان، أي إزالته.
ثم شاع هذا الإطلاق حتى صار حقيقة.
والحرم جمع حرام وهو سماعي لأنّ فُعُلا بضم الفاء والعيْن إنما ينقاس في الاسم الرباعي ذي مد زائد.
وحرام صفة.
وقال الرضي في باب الجمع من «شرح الشافية» إن جموع التكسير أكثرها محتاج إلى السماع، وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ الشهر الحرام بالشهر الحرام ﴾ في سورة البقرة (194).
وهي ذو القعدة وذو الحجّة ومحرّم ورجب.
وانسلاخها انقضاء المدّة المتتابعة منها، وقد بَقيت حرمتها ما بَقي من المشركين قبيلة، لمصلحة الفريقين، فلما آمن جميع العرب بَطل حكم حُرمة الأشهر الحرم، لأنّ حُرمةَ المحارم الإسلامية أغنت عنها.
والأمر في فاقتلوا المشركين } للإذن والإباحة باعتبار كلّ واحد من المأمورات على حدة، أي فقد أُذن لكل في قتلهم، وفي أخذهم، وفي حصارهم، وفي منعهم من المرور بالأرض التي تحت حكم الإسلام، وقد يعرض الوجوب إذا ظهرت مصلحة عظيمة، ومن صور الوجوب ما يأتي في قوله: ﴿ وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر ﴾ [التوبة: 12] والمقصود هنا: أن حرمة العهد قد زالت.
وفي هذه الآية شرع الجهاد والإذن فيه والإشارة إلى أنّهم لا يقبل منهم غير الإسلام.
وهذه الآية نسخت آيات الموادعة والمعاهدة.
وقد عمّت الآية جميع المشركين وعمّت البقاع إلا ما خصصته الأدلّة من الكتاب والسنة.
والأخذ: الأسر.
والحصر: المنع من دخول أرض الإسلام إلا بإذن من المسلمين.
والقعود مجاز في الثبات في المكان، والملازمةِ له، لأن القعود ثبوت شديد وطويل.
فمعنى القعود في الآية المرابطة في مظانّ تطرقّ العدوّ المشركين إلى بلاد الإسلام، وفي مظان وجود جيش العدوّ وعُدته.
والمرصد مكان الرَصْد.
والرصْد: المراقبة وتتبع النظر.
و ﴿ كلّ ﴾ مستعملة في تعميم المراصد المظنون مرورهم بها، تحذيراً للمسلمين من إضاعتهم الحراسة في المراصد فيأتيهم العدوّ منها، أو من التفريط في بعض ممارّ العدوّ فينطلق الأعداء آمنين فيستخفّوا بالمسلمين ويتسامع جماعات المشركين أنّ المسلمين ليسوا بذوي بأس ولا يقظة، فيؤول معنى ﴿ كل ﴾ هنا إلى معنى الكثرة للتنبيه على الاجتهاد في استقصاء المراصد كقول النابغة: بها كُل ذيَّال وخنساءَ ترعوي *** إلى كلّ رجّاف من الرمل فارد وانتصب ﴿ كل مرصد ﴾ إمَّا على المفعول به بتضمين ﴿ اقعدوا ﴾ معنى (الزموا) كقوله تعالى: ﴿ لأقعدن لهم صراطك المستقيم ﴾ [الأعراف: 16]، وإمّا على التشبيه بالظرف لأنّه من حقّ فعل القعود أن يَتعدّى إليه ب (في) الظرفية فشبّه بالظرف وحذفت (في) للتّوسّع.
وتقدم ذكر (كلّ) عند قوله تعالى: ﴿ وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ﴾ في سورة الأنعام (25).
تفريع على الأفعال المتقدمة في قوله: ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم ﴾ .
والتوبة عن الشرك هي الإيمان، أي فإن آمنوا إيماناً صادقاً، بأن أقاموا الصلاة الدالّةَ إقامتُها على أنّ صاحبها لم يكن كاذباً في إيمانه، وبأن آتوا الزكاة الدالَّ إيتاؤُها على أنّهم مؤمنون حقّاً، لأنّ بذل المال للمسلمين أمارة صدق النية فيما بُذل فيه فإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة شرط في كفّ القتال عنهم إذا آمنوا، وليس في هذا دلالة على أنّ الصلاة والزكاة جزء من الإيمان.
وحقيقة ﴿ خلوا سبيلهم ﴾ اتركوا طريقهم الذي يمرّون به، أي اتركوا لهم كلّ طريق أمرتم برصدهم فيه أي اتركوهم يسيرون مجتازين أو قَادمين عليكم، إذ لا بأس عليكم منهم في الحالتين، فإنّهم صاروا إخوانكم، كما قال في الآية الآتية ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ﴾ [التوبة: 11].
وهذا المركب مستعمل هنا تمثيلاً في عدم الإضرار بهم ومتاركتهم، يقال: خَلّ سبيلي، أي دعني وشأني، كما قال جرير: خَلّ السبيلَ لمن يبنِي المنارَ به *** وأبرز ببَرْزَةَ حيث اضطرّك القدَر وهو مقابل للتمثيل الذي في قوله: ﴿ واقعدوا لهم كل مرصد ﴾ .
وجملة: ﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ تذييل أريد به حثّ المسلمين على عدم التعرّض بالسوء للذين يسلمون من المشركين، وعدممِ مؤاخذتهم لما فرط منهم، فالمعنى اغفروا لهم، لأنّ الله غفر لهم وهو غفور رحيم، أو اقتدوا بفعل الله إذ غفر لهم ما فَرَطَ منهم كما تعلمون فكونوا أنتم بتلك المثابة في الإغضاء عمّا مضى.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ ﴾ الآيَةَ.
في الأشْهُرِ الحُرُمِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها رَجَبٌ وذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ، ثَلاثَةٌ سَرْدٌ وواحِدٌ فَرْدٌ، وهَذا رَأْيُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: أنَّها الأرْبَعَةُ الأشْهَرِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تَعالى أنْ يَسِيحُوا فِيها آمِنِينَ وهي عِشْرُونَ مِن ذِي الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ وصَفَرٌ وشَهْرُ رَبِيعٍ وعَشْرٌ مِن شَهْرِ رَبِيعٍ الآخَرِ، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: في حِلٍّ أوْ حَرَمٍ.
والثّانِي: في الأشْهُرِ الحُرُمِ وفي غَيْرِها.
والقَتْلُ وإنْ كانَ بِلَفْظِ الأمْرِ فَهو عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ لِوُرُودِهِ بَعْدَ حَظْرٍ اعْتِبارًا بِالأصْلَحِ.
﴿ وَخُذُوهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وتَقْدِيرُهُ فَخُذُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم واقْتُلُوهم.
والثّانِي: أنَّهُ عَلى سِياقِهِ مِن غَيْرِ تَقْدِيمٍ ولا تَأْخِيرٍ، وتَقْدِيرُهُ: فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم وخُذُوهم.
﴿ واحْصُرُوهُمْ ﴾ عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ في اعْتِبارِ الأصْلَحِ مِنَ الأمْرَيْنِ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ واحْصُرُوهُمْ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِرْقاقُهم.
والثّانِي: أنَّهُ الفِداءُ بِمالٍ أوْ شِراءٍ.
﴿ واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يُطْلَبُوا في كُلِّ مَكانٍ فَيَكُونَ القَتْلُ إذا وُجِدُوا، والطَّلَبُ إذا بَعُدُوا.
والثّانِي: أنْ يُفْعَلَ بِهِمْ كُلُّ ما أرْصَدَهُ اللَّهُ تَعالى لَهم فِيما حَكَمَ بِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن قَتْلٍ أوِ اسْتِرْقاقٍ أوْ مُفاداةٍ أوْ مَنٍّ لِيُعْتَبَرَ فِيها فِعْلُ الأصْلَحِ مِنها.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَإنْ تابُوا ﴾ أيْ أسْلَمُوا، لِأنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الكُفْرِ تَكُونُ بِالإسْلامِ.
﴿ وَأقامُوا الصَّلاةَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيِ اعْتَرَفُوا بِإقامَتِها، وهو مُقْتَضى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ، لِأنَّهُ لا يُقْتَلُ تارِك ُ الصَّلاةِ إذا اعْتَرَفَ بِها.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ فِعْلَ الصَّلاةِ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ مالِكٍ والشّافِعِيِّ، لِأنَّهُما يَقْتُلانِ تارِكَ الصَّلاةِ وإنِ اعْتَرَفَ بِها.
﴿ وَآتَوُا الزَّكاةَ ﴾ يَعْنِي اعْتَرَفُوا بِها عَلى الوَجْهَيْنِ مَعًا، لِأنَّ تارِك َ الزَّكاةِ لا يُقْتَلُ مَعَ الِاعْتِرافِ بِها وتُؤْخَذُ مِن مالِهِ جَبْرًا، وهَذا إجْماعٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ قال: هي الأربعة عشرون من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، وعشرون من شهر ربيع الآخر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ قال: عشر من ذي القعدة، وذي الحجة، والمحرم، سبعون ليلة.
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ قال: هي الأربعة التي قال: ﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ﴾ [ براءة: 2] .
وأخرج ابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم...
﴾ الآية.
قال: كان عهد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش أربعة أشهر بعد يوم النحر، كانت تلك بقية مدتهم ومن لا عهد له إلى انسلاخ المحرم، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم إذا مضى هذا الأجل أن يقاتلهم في الحل والحرم وعند البيت، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه قال: كل آية في كتاب الله تعالى فيها ميثاق بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أحد من المشركين، وكل عهد ومدة نسخها سورة براءة ﴿ خذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ واحصروهم ﴾ قال: ضيِّقوا عليهم ﴿ واقعدوا لهم كل مرصد ﴾ قال: لا تتركوهم يضربون في البلاد ولا يخرجون التجارة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني رضي الله عنه قال: الرباط في كتاب الله تعالى ﴿ واقعدوا لهم كل مرصد ﴾ .
وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ ثم نسخ واستثنى فقال: ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ﴾ وقال: ﴿ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ﴾ [ التوبة: 6] .
أما قوله تعالى: ﴿ فإن تابوا ﴾ الآية.
أخرج ابن ماجة ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق الربيع بن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من فارق الدنيا على الإِخلاص لله وعبادته وحده لا شريك له، وأقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فارقها والله عنه راض» ، قال أنس رضي الله عنه: وهو دين الله الذي جاءت به الرسل، وبلغوه عن ربهم من قبل هوج الأحاديث واختلاف الأهواء.
قال أنس: وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى في آخر ما أنزل ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ﴾ قال: توبتهم خلع الأوثان وعبادة ربهم.
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ قال: حرمت هذه دماء أهل القبلة.
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم ﴾ قال: فإنما الناس ثلاثة نفر.
مسلم عليه الزكاة، ومشرك عليه الجزية، وصاحب حرب يأتمن بتجارته إذا أعطى عشر ماله.
وأخرج الحاكم وصححه عن مصعب بن عبد الرحمن عن أبيه رضي الله عنه قال: افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، ثم انصرف إلى الطائف فحاصرهم ثمانية أو سبعة، ثم ارتحل غدوة وروحة، ثم نزل ثم هجر، ثم قال: «أيها الناس إني لكم فرط، وإني أوصيكم بعترتي خيراً موعدكم الحوض، والذي نفسي بيده لتقيمن الصلاة ولتؤتن الزكاة أو لأبعثن عليكم رجلاً مني أو كنفسي فليضربن أعناق مقاتلهم وليسبين ذراريهم، فرأى الناس أنه يعني أبا بكر أو عمر رضي الله عنهما، فأخذ بيد علي رضي الله عنه فقال: هذا» .
وأخرج ابن سعد عن عبد الرحمن بن الربيع الظفري رضي الله عنه- وكانت له صحبة- قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل من أشجع تؤخذ صدقته، فجاءه الرسول فرده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب فإن لم يعط صدقته فاضرب عنقه» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى ﴿ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ ﴾ ، قال الليث: "يقال سلخت الشهر إذا خرجت منه فصرت في آخر يومه (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله ...
كفى قاتلا سلخي الشهور وإهلالي (٨) (٩) (١٠) (١١) ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ﴾ \[على التخصيص، ومعناه: فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ﴾ \] (١٢) -، هذا على قول من يقول الأشهر الحرم هذه الثلاثة التي تعرف بالحرم (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ﴾ يوجب تعميم الحل والحرم، قال الفراء: "في الأشهر الحرم وغيرها في الحل والحرم" (٢١) ﴿ وَخُذُوهُمْ ﴾ أي (٢٢) ﴿ وَاحْصُرُوهُمْ ﴾ معنى الحصر: المنع عن الخروج من محيط، قال ابن عباس: يريد: إن تحصنوا فاحصروهم" (٢٣) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ المرصد: الموضع الذي يرقب فيه العدو، من قولهم: رصدت فلانًا أرصده: إذا ترقبته، قال المفسرون (٢٥) ﴿ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ المعنى: كل طريق" (٢٦) (٢٧) المعنى نغالى باللحم (٢٨) ﴿ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ ظرف، كقولك: ذهبت مذهبًا، وذهبت طريقًا، وذهبت كل طريق، فلست تحتاج أن تقول في هذا إلا بما تقوله في الظروف نحو: خلف وأمام وقدام" (٢٩) قال أبو علي: "ذهب أبو الحسن إلى أن المرصد اسم للطريق كما فسره أبو عبيدة، وإذا (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) ﴿ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ ظرف كقولك ذهبت مذهبًا في أن جعل الطريق ظرفًا كالمذهب وليس الطريق بظرف، ألا ترى [أن الطريق] (٣٥) (٣٦) (٣٧) لَدْنٌ بهز الكف (٣٨) (٣٩) (٤٠) على أنه حذف الحرف اتساعًا، كما حذف عنده من ذهبت الشام (٤١) (٤٢) ﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ : أي على طريقك، قال: ولا اختلاف بين النحويين أن (على) محذوفة" (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَابُوا ﴾ ، قال ابن عباس: "يريد: من الشرك" (٤٨) ﴿ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ﴾ قال أصحابنا (٤٩) وقوله تعالى: ﴿ وَآتَوُا الزَّكَاةَ ﴾ ، قال ابن عباس: "يريد: زكاة الأموال من العين والمواشي والثمار" (٥٠) ﴿ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ﴾ قيل: يعني: إلى البيت الحرام، وقيل: إلى التصرف في أمصاركم للتجارة وغيرها، وقوله (٥١) ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ لمن تاب وآمن.
(١) في كتاب"العين" و"تهذيب اللغة": في آخر يوم منه.
(٢) في النسخة (ح): (فانسلخ).
وما أثبته موافق لكتاب "العين" و"تهذيب اللغة".
(٣) "تهذيب اللغة" (سلخ) 2/ 1730، والنص في كتاب"العين" (سلخ) 4/ 198.
(٤) تقدمت ترجمته.
(٥) في (ى): (نفسه)، وهو خطأ.
(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).
(٧) البيت بغير نسبة في: "تهذيب اللغة" (سلخ) 2/ 1731، و"أساس البلاغة" (سلخ) 2/ 453، و"لسان العرب" (سلخ) 4/ 2063.
(٨) اهـ كلام أبي الهيثم، انظر: "تهذيب اللغة" (سلخ) 2/ 1731.
(٩) ساقط من (ح).
(١٠) في (م): (من تاريخ).
(١١) هذا قول الزهري وحده، وقد سبق تخريجه، وانظر رد هذا القول هناك، وفي "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 412.
(١٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ى).
(١٣) روى هذا القول ابن جرير 10/ 60 - 61، عن ابن عباس والضحاك وقتادة.
(١٤) يعني شهور السياحة التي ذكرها الله بقوله: ﴿ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ .
إذ أن هذا هو قول جميع من نسب إليهم المؤلف هذا القول، وذكر الشوكاني في تفسيره 2/ 337 احتمالاً آخر للمراد بها، وأنها المشار إليها بقوله تعالى: ﴿ فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ ﴾ .
(١٥) في (ح): (ذلك)، وفي (ى): (دلل)، ولا معنى لهما.
(١٦) ذكره عنه الهواري 2/ 114، والماوردي 2/ 340، وابن الجوزي 3/ 398.
(١٧) رواه ابن جرير 10/ 79، والثعلبي 6/ 79 ب، والبغوي 4/ 13، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 384 - 385، وهو في "تفسير مجاهد" ص 363.
(١٨) انظر: "السيرة النبوية" 4/ 204.
(١٩) رواه ابن جرير 10/ 79، والثعلبي 6/ 79 ب.
(٢٠) رواه ابن جرير 10/ 79، وابن أبي حاتم 6/ 1752 - 1753.
(٢١) "معاني القرآن" 1/ 421.
(٢٢) ساقط من (م).
(٢٣) ذكره ابن الجوزي في"زاد المسير" 3/ 398.
(٢٤) "معاني القرآن" 1/ 421.
(٢٥) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 78، والسمرقندي 2/ 34، والثعلبي 6/ 79 ب، والبغوي 4/ 13.
(٢٦) "مجاز القرآن" 1/ 253 بمعناه.
(٢٧) البيت لرجل من قيس، كما في كتاب "المعاني الكبير" 1/ 386، وهو بلا نسبة في "معاني القرآن" للأخفش 1/ 85، و"لسان العرب" (رخص) 3/ 1616.
(٢٨) اهـ كلام الأخفش، انظر: "معاني القرآن" له 1/ 353.
(٢٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 431.
(٣٠) في (ح): (فإذا)، وما أثبته موافق لما في "الإغفال".
(٣١) في (ح): (اسم).
(٣٢) كلمة (جر) ليست موجودة في "الإغفال".
(٣٣) انظر: "كتاب سيبويه" 1/ 414.
(٣٤) في "الإغفال": قوله -عز وجل-.
(٣٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ي)، وفي "الإغفال": إلا أنه مكان ...
إلخ.
(٣٦) انظر: "كتاب سيبويه" 1/ 35.
(٣٧) هو: ساعدة بن جؤية الهذلي، من شعراء هذيل المجيدين، وشعره محشو بالغريب والمعاني الغامضة، وهو من مخضرمي الجاهلية والإسلام، وقد أسلم، ولم يلق النبي - -.
انظر: "خزانة الأدب" 1/ 476، و"سمط اللآلئ" ص 115، و"الأعلام" 3/ 70.
(٣٨) في (ى): (الكهف).
(٣٩) ساقطة من (م).
(٤٠) البيت لساعدة بن جؤية كما في "شرح أشعار الهذليين" ص 1120، و"كتاب سيبويه" 1/ 36، و"لسان العرب" (عسل) 5/ 2946، و"نوادر أبي زيد" ص15.
ورواية المصدر الأول: لذٌ.
أي تلذ الكف بهزه.
ومعنى: لدن: أي لين.
والمتن: الظهر، ويعسل: يضطرب، وعسل الطريق الثعلب: أي اضطرب في الطريق.
والشاعر يصف سنانًا مرهفًا يهتز في الكف.
انظر: "شرح أشعار الهذليين" ص 1119، 1120، و"لسان العرب" (عسل) 5/ 2946.
(٤١) انظر: "كتاب سيبويه" (1/ 35، 36).
(٤٢) في"الإغفال": ألا ترى أنه قال في قوله "لأقعدن ....
" إلخ.
(٤٣) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 324.
(٤٤) في "الإغفال": مبهم ظرف.
(٤٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(٤٦) في (ى): (هاهنا).
(٤٧) انظر: "الإغفال"، سورة التوبة، المسألة الأولى ص 848 - 852.
(٤٨) "تنوير المقباس" 187.
(٤٩) يعني أئمة الشافعية.
انظر: "كتاب الأم" 1/ 424، و"أحكام القرآن" للهراس 3/ 177.
(٥٠) لم أقف عليه، وقد ذكره في "الوسيط" 2/ 479 بلا نسبة.
(٥١) ساقط من (ح) و (ى).
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم ﴾ يريد الذين لم ينقضوا العهد ﴿ فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ يعني الأشهر الأربعة التي جعلت لهم، فمن قال: إنها شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم فهي الحرم المعروفة زاد فيها شوال ونقص رجب، وسميت حرماً تغليباً للأكثر ومن قال: إنها إلى ربيع الثاني: فسميت حرماً لحرمتها ومنع القتال فيها حينئذ ﴿ فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ ناسخة لكل موادعة في القرآن، وقيل: إنها نسخت أيضاً فإما منَّا بعدُ وإما فداءً، وقيل: بل نسختها هي فيجوز المنّ والفداء ﴿ وَخُذُوهُمْ ﴾ معناه الأسر، والأحيذ هو الأسير ﴿ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ كل طريق ونصبه على الظرفية ﴿ فَإِن تَابُواْ ﴾ يريد من الكفر، ثم قرن بالإيمان الصلاة والزكاة، فذلك دليل على قتال تارك الصلاة والزكاة، كما فعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه، والآية في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة» ﴿ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ تأمين لهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ورسوله ﴾ بالنصب: روح وزيد.
الباقون: بالرفع.
﴿ أئمة ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام يدخل بينهما مدة الباقون ﴿ أيمة ﴾ بهمز ثم ياء.
﴿ لا إيمان ﴾ بكسر الهمزة: ابن عامر.
الباقون: بالفتح جمع يمين ﴿ يعملون ﴾ بياء الغيبة: عباس.
الوقوف: ﴿ من المشركين ﴾ ط ﴿ معجزي الله ﴾ لا للعطف ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من المشركين ﴾ لا للعطف ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ لكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع الواو ﴿ معجزي الله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه للاستثناء ﴿ مدتهم ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ مرصد ﴾ ج ﴿ سبيلهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ مأمنه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ المسجد الحرام ﴾ ج لأن "ما" للجزاء مع اتصالها بالفاء ﴿ فاستقيموا لهم ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ ولا ذمة ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ج ﴿ فاسقون ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً.
﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ولا ذمة ﴾ ط ﴿ المتعدون ﴾ ه ﴿ في الدين ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ أئمة الكفر ﴾ لا لتعلق "لعلهم" بقوله ﴿ فقاتلوا ﴾ وما بينها اعتراض ﴿ ينتهون ﴾ ه ﴿ أوّل مرّة ﴾ ط ﴿ أتخشونهم ﴾ جل لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿ مؤمنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ وليجة ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.
التفسير: قد عد في الكشاف من أسماء هذه السورة "براءة" وذلك واضح، و "التوبة" لأن فيها ذكر التوبة على المؤمنين و "المقشقشة" لأنها تقشقش من النفاق أي تبرىء منه و "المبعثرة" و "المثيرة" و "الحافرة" و "الفاضحة" و "المنكلة" و "المشردة" و "المخزية" و "المدمدمة" لأنها تبعثر عن أسرار المنافقين تبحث عنها وتثيرها وتحفر عنها وتفضحهم وتنكلهم وتشرد بهم وتخزيهم وتدمدم عليهم.
وعن حذيفة: إنكم تسمونها سورة التوبة وإنما هي سورة العذاب، والله ما تركت أحداً إلا نالت منه.
وعن ابن عباس: ما زالت تقول ﴿ ومنهم ﴾ حتى حسبنا أن لا تدع أحداً.
وللعلماء خلاف في سبب إسقاط التسمية من أولها.
فعن ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان في ذلك فقال: كان النبي كلما نلزت عليه سورة يقول: ضعوها في موضع كذا، وكانت براءة آخر القرآن نزولاً وتوفي رسول الله ولم يبين موضعها، وكانت قصتها شبيهة بقصة الأنفال فقرنت بينهما وكأنه أراد بالمشابهة.
ما روي عن أبيّ بن كعب في الأنفال ذكر العهود، وفي براءة نبذ العهود، فوضعت إحداهما بجنب الأخرى.
واستبعد جمع من العلماء هذا القول لأنا لو جوّزنا في بعض السور أن لا يكون ترتيبها من الله على سبيل الوحي لجوزنا مثله في سائر السور وفي آيات السورة الواحدة وذلك يفضي إلى تجويز الزيادة والنقصان في القرآن على ما يقول به الإمامية.
وقال بعض العلماء: إن الصحابة اختلفوا في أن "الأنفال" مع "التوبة" سورتان أم سورة واحدة لأنهما مائتان وست آيات فهما بمنزلة إحدى الطوال، وكلتاهما وردت في القتال والمغازي، فلمكان هذا الاختلاف فرجوا بينهما فرجة تنبيهاً على قول من يقول إنهما سورتان، ولم تكتب البسملة تنبهاً على قول من يرى أنهما واحدة فعملوا عملاً يدل على أن هذا الاشتباه حاصل.
وفيه أنهما لما لم يسامحوا بهذا القدر من الشبهة دل على أنهم كانوا متشددين في ضبط الدين وحفظ القرآن من التغيير والتحريف وذلك يبطل قول الإمامية، وفيه دليل على أن البسملة آية من كل سورة والإجازات كتابتها ههنا بل عند كل مقطع كلام.
وعن ابن عباس: سألت علي بن أبي طالب عن ذلك فقال: لأن ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ أما وأن هذه السورة نزلت بالسيف ونبذ العهود.
وذكر سفيان بن عيينة هذا المعنى وأكده بقوله ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً ﴾ فقيل له: أليس أن النبي كتب إلى أهل الحرب "بسم الله الرحمن الرحيم"؟.
فأجاب بأن ذلك ابتداء منه يدعوهم إلى الله ولم ينبذ إليهم عهدهم ولهذا قال في آخر الكتاب ﴿ والسلام على من اتبع الهدى ﴾ ومما يؤكد شبهة من زعم أنهما سورة واحدة هو أن ختم الأنفال وقع بإيجاب أن يوالي المؤمنون بعضهم بعضاً وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكلية، وقوله ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ و "من" لابتداء الغاية متعلق بمحذوف لا بالبراءة لفساد المعنى.
والمعنى هذه براءة واصلة من الله ورسوله ﴿ إلى الذين عاهدتم ﴾ كما تقول: كتاب من فلان إلى فلان.
ويجوز أن يكون ﴿ براءة ﴾ مبتدأ لتخصصها بصفتها هي الجار والمجرور كما قلنا والخبر محذوف كما ذكرنا نظيره قولك: رجل من بني تميم في الدار.
كان قد أذن الله في معاهدة المشركين فاتفق المسلمون مع رسول الله وعاهدوهم فلما نقضوا العهد أوجب الله النبذ إليهم وكأنه قيل للمسلمين: اعلموا ان الله ورسوله قد برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين.
روي أنهم كانوا عاهدوا المشركين من غير أهل مكة وغيرهم من العرب فنكثوا إلا ناساً منهم وهم بنو ضمرة وبنو كنانة، فنبذ العهد إلى الناكثين وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين ساروا.
والأشهر هي الحرم لقوله ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ والسياحة الضرب في الأرض والاتساع في السير والبعد عن المدن وموضع العمارة مع الإقلال من الطعام والشراب منه يقال للصائم سائح لتركه المطعم والمشرب.
والمعنى في هذا الأمر إباحة الذهاب مع الأمان وإزالة الخوف.
روي أن فتح مكة كان سنة ثمان من الهجرة وكان رسول الله قد ولّى عتاب بن أسيد الوقوف بالناس في الموسم، فاجتمع في تلك السنة في المواقف ومعالم الحج المسلمون والمشركون ونزلت هذه السورة سنة تسع، وكان أمر فيها أبا بكر على الموسم فلما نزلت السورة أتبعه علياً راكب العضباء ليقرأها على أهل الموسم فقيل له: لو بعثت بها إلى أبي بكر؟
فقال: لا يؤدي عني إلا رجل مني، فلما دنا علي سمع أبو بكر الرغاء فوقف وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله .
فلما لحقه قال: أمير أو مأمور؟
قال: مأمور.
وروي أن أبا بكر لما كان ببعض الطريق هبط جبريل وقال: يا محمد لا يبلغن رسالتك إلا رجل منك فأرسل علياً فرجع أبو بكر إلى رسول الله : يا رسول الله أشيء نزل من السماء؟
قال: نعم.
فسر وأنت على الموسم وعلي ينادي بالآي.
فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر وحدّثهم عن مناسكهم وقام علي يوم النحر عند جمرة العقبة فقال: يا أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم.
فقال: بماذا؟
فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية.
وعن مجاهد ثلاث عشرة.
ثم قال: أمرت بأربع: أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده.
فقالوا عند ذلك: يا علي أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهرونا، وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب السيوف.
استدلت الإمامية بهذا القصة على تفضيل علي كرم الله وجهه وعلى تقديمه.
وأجاب أهل السنة بأنه أمر أبا بكر على الموسم وبعث علياً خلفه لتبليغ هذه الرسالة حتى يصلي علي خلف أبي بكر ويكون ذلك جارياً مجرى التنبيه على إمامة أبي بكر.
وأما قوله: "لا يبلغ عني إلا رجل مني" فذلك لأن المتعارف بين العرب أنه إذا عقد السيد الكبير منهم لقوم حلفاً أو عاهد عهداً لم يحل ذلك العهد إلا هو أو رجل من ذوي قرابته كأخ أو عم.
فلو تولاه أبو بكر لجاز أن يقولوا هذا خلاف ما يعرف فينافي نقص العهد فأزيلت علتهم بتولية ذلك علياً.
وقيل: لما أحضر أبا بكر لتولية أمر الموسك أحضر علياً لهذا التبليغ تطبيباً للقلوب ورعاية للجوانب.
ولنرجع إلى التفسير.
قال ابن الأنباري: في الكلام إضمار التقدير: فقل لهم سيحوا.
ويكون ذلك رجوعاً من الغيبة إلى الحضور كقوله ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً إن هذا كان لكم جزاء ﴾ واختلفوا في الأشهر الأربعة.
فعن الزهري أن براءة نزلت في شوال والمراد شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم.
وقيل: هي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشر من ربيع الآخر.
وكانت حرماً لأنهم أومنوا فيها وحرم قتلهم وقتالهم، أو سميت حرماً على التغليب لأن ذا الحجة والمحرم منها.
وقيل: ابتداء المدّة من عشر ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت للنسيء الذي كان فيهم، ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة.
قال المفسرون: هذا تأجيل من الله للمشركين ومن كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر حطت إلى أربعة ومن كانت مدته أقل رفعت إليها.
والمقصود من هذا التأجيل أن يتفكروا في أنفسهم ويحتاطوا في الأمر ويعلموا أنه ليس لهم بعد هذه المدة إلا أحد أمور ثلاثة: الإسلام أو قبول الجزية أو السيف.
فيصير ذلك حاملاً لهم على قبول الإسلام ظاهراً وإلى هذا المعنى أشار بقوله ﴿ واعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ أي اعلموا أن هذا الإمهال ليس لعجز ولكن لمصلحة ولطف ليتوب من تاب، وفيه ضرب من التهديد كأنه قيل: افعلوا في هذه المدة كل ما أمكنكم من إعداد اللآلات والأدوات فإنكم لا تفوتون الله وهو مخزيكم أي مذلكم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالعذاب.
وقوله ﴿ مخزي الكافرين ﴾ من باب الالتفاف من الحضور إلى الغيبة.
ومن وضع الظاهر موضع المضمر ليكون فيه إشارة إلى أن سبب الإخزاء هو الكفر.
ثم أراد أن يعلم جميع الناس البراءة المذكورة فقال ﴿ وأذان ﴾ وارتفاعه كارتفاع براءة على الوجهين، ثم الجملة معطوفة على مثلها.
وخطىء الزجاج في قوله "إنه معطوف على براءة" لأنه لو عطف عليها لكان هو أيضاً مخبراً عنه بالخبر الأوّل وهو ﴿ إلى الذين عاهدتم ﴾ لكنه غير مقصود بل المقصود الإخبار عنه بقوله ﴿ إلى الناس ﴾ والأذان اسم بمعنى الإيذان الإعلام كالأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء ومنه أذان الصلاة.
أمر الله تعالى بهذا الإعلام ﴿ يوم الحج الأكبر ﴾ وهو الجمع الأعظم الذي حضر فيه المؤمن والمشرك والعاهد الناكث وغير الناكث ليصل الخبر إلى جميع الأطراف ويشتهر، وكان النبي يريد أن يحج في السنة الآتية فأمر بإظهار هذه البراءة لئلا يحضر الموقف غير.
المؤمنين الموحدين وقيل: يوم الحج الأكبر يوم عرفة لأن فيه أعظم أعمال الحج وهو الوقوف بعرفة ولهذا قال : "الحج عرفة" وهو قول عمر وسعيد بن المسيب وابن الزبير وعطاء وطاوس ومجاهد وإحدى الروايتين عن علي وابن عباس ورواية المسوّر بن مخرمة عن رسول الله صلى الله عليه سلم أنه قال: خطب رسول الله عشية عرفة فقال: "أما بعد فإن هذا يوم الحج الأكبر" .
وقال ابن عباس في رواية عطاء: هو يوم النحر.
ووافقه قول الشعبي والنخعي والسدي والمغيرة بن شعبة وسيعد بن جبير.
وذلك أن معظم أفعال الحج من الطواف والحلق والرمي والنحر يقع فيه.
ومثله ما روي عن علي أن رجلاً أخذ بلجام دابته فقال: ما يوم الحج الأكبر؟
فقال: يومك هذا خلّ عن دابتي يعني يوم النحر.
وعن ابن عمر أن رسول الله صلى عليه وسلم وقف يوم النحر عند الجمرات في الوداع فقال: هذا يوم الحج الأكبر.
قال ابن جريج عن مجاهد: يوم الحج الأكبر أيام منى كلها وهو قول سفيان الثوري.
وكان يقول: يوم الحج الأكبر أيامه كلها كيوم صفين ويوم الجمل يراد به الحين والزمان، لأن كل حرب من هذه الحروب دامت أياماً كثيرة.
وعلى هذا فقد وصف الحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر.
وقيل: الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد.
عن مجاهد أيضاً: هذا وقد حذفت الباء التي هي صلة الأذان تخفيفاً والتقدير ﴿ أن الله بريء من المشركين ﴾ وقوله ﴿ ورسوله ﴾ بالرفع مبتدأ محذوف الخبر أي ورسوله أيضاً كذلك، أو هو معطوف على المنوي في ﴿ بريء ﴾ أي بريء هو ورسوله.
وجاز العطف من غير تأكيدبالمنفصل للفصل.
وقرىء بالجر على الجوار أو على أن الواو للقسم كقوله ﴿ لعمرك أنهم لفي سكرتهم يعمهون ﴾ والفرق بين قوله ﴿ براءة من الله ﴾ وبين قوله ﴿ إن الله بريء ﴾ أن المقصود من الكلام الأول هو الإخبار بثبوت البراءة، والمقصود من هذا الثاني إعلام جميع الناس بما حصل وثبت.
وأيضاً المراد بالأولالبراءة من العهد، وبالثاني البراءة التي هي نقيض المولاة، ولهذا لم يصف المشركين ثانياً بوصف معين كالمعاهدة تنبيهاً على أن الموجب لهذه البراءة وهو كفرهم وشركهم ولهذا أتبعه قوله ﴿ فإن تبتم ﴾ أي عن الشرك ﴿ فهو خير لكم ﴾ وفيه ترغيب في التوبة والإقلاع الموجب لزوال البراءة ﴿ وإن توليتم ﴾ أعرضتم عن التوبة أو بقيتم على التولي والإعراض عن الإيمان والوفاء ﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ فائتين أخذ الله وعقابه.
قال بعض العلماء: قوله ﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ ليس بتكرار لأن الأول للمكان والثاني للزمان.
﴿ وبشر ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب.
وفيه من التهكم والتهديد ما فيه كيلا يظن أن عذاب الدنيا لو فات وزال خلصوا من العذاب بل العذاب الشديد معدّ لهم يوم القيامة.
أما قوله ﴿ إلا الذين ﴾ قد قال الزجاج: إن الاستثناء يعود إلى قوله ﴿ براءة ﴾ والتقدير: براءة من الله ورسوله إلى المشركين المعاهدين إلا الذين لم ينقضوا العهد.
وقال في الكشاف: وجهه أن يكون مستثنى من قوله ﴿ فسيحوا في الأرض ﴾ لأن الكلام خطاب للمسلمين والتقدير: فقولوا لهم سيحوا إلا الذين عاهدتم ثم لم ينقضوا فأتموا إليهم عهدهم.
وقيل: استثناء من قوله ﴿ إلى الذين عاهدتم ﴾ ومعنى ﴿ لم ينقصوكم شيئاً ﴾ لم يقتلوا منكم أحداً ولم يضروكم قط.
ومعنى ﴿ لم يظاهروا ﴾ لم يعاونوا أي لم يقدموا على المحاربة بأنفسهم ولم يهيجوا أقواماً آخرين.
وقرىء ﴿ ينقضوكم ﴾ بالضاد المعجمة أي لم ينقضوا عهدكم.
ومعنى ﴿ فأتموا إليهم ﴾ أدوه إليهم تاماً كاملاً.
قال ابن عباس: بقي لحي من كنانة من عهدهم تسعة أشهر فأتم إليهم عهدهم.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن الله يحب المتقين ﴾ يعني أن قضية التقوى أن لا يسوى بين القبيلين ولا يجعل الوفي كالغادر، ومن جملة الغادرين بنو بكر عدواً على خزاعة عيبة رسول الله وظاهرتهم قريش بالسلاح حتى وفد عمرو بن سالم الخزاعي على رسول الله فأنشد: لا هم إني ناشد محمدا *** حلف أبينا وأبيك الأتلدا إن قريشاً أخلفوك الموعدا *** ونقضوا ذمامك المؤكدا هم بيتونا بالحطيم هجدا *** وقتلونا ركعاً وسجدا فقال : " لا نصرت إن لم أنصركم" ومعنى ناشد محمداً أذكر له الحلف والعهد لأنه كان بين أبيه عبد المطلب وبين خزاعة حلف قديم.
والأتلد الأقدم.
ثم بين حكم انقضاء أجل الناكثين فقال ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ أي التي أبيح فيها للناكثين أن يسيحوا.
وانسلاخ الشهر تكامله جزءاً فجزءاً إلى أن ينقضي كانسلاخ الجلد عما يحويه، شبه خروج المتزمن عن زمانه بانفصال المتمكن عن مكانه فكلاهما ظرف ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ يعني الناقضين ﴿ حيث وجدتموهم ﴾ من حل أو حرم وفي أي وقت كان.
﴿ وخذوهم ﴾ وأسروهم والأخيذ الأسير ﴿ واحصروهم ﴾ امنعوهم من التصرف في البلاد وقيدوهم.
وقال ابن عباس: حصرهم أن يحال بينهم وبين المسجد الحرام.
﴿ واقعدوا لهم في كل مرصد ﴾ أي في كل ممر ومجاز ترقبوهم هناك.
وانتصابه على الظرف كما مر في قوله ﴿ لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم ﴾ ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ إن حصلوا على شروطها ﴿ فخلوا سبيلهم ﴾ المراد من التخلية الكف عنهم وإطلاقهم من الأسر والحصر عن البيت الحرام، أو عن التصرف في مهماتهم ﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ يغفر لهم ما سلف لهم من الكفر والغدر.
قال الشافعي: إنه أباح دماء الكفار بجميع الطرق والأحوال ثم حرمها عند التوبة عن الكفر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فما لم يوجد أحد هذه الأمور لم يوجد هذا المجموع، فوجب أن تبقى إباحة الدم على الأصل.
فتارك الصلاة يقتل، ولعل أبا بكر استدل بمثل ذلك على جواز قتال مانعي الزكاة.
وحمل أكثر الأئمة الإقامة والإيتاء ههنا على اعتقاد وجوبهما والإقرار بذلك وإن كان له وجه عدول عن الظاهر.
وعن الحسن أن أسيراً نادى بحيث يسمع النبي أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد ثلاثاً.
فقال : "عرف الحق لأهله فأرسلوه" .
قال بعض العلماء: ذكر التوبة ههنا عبارة عن تطهير القوة النظرية عن الجهل، وذكر الصلاة والزكاة عبارة عن تطهير القوة العملية عما لا ينبغي، ولا ريب أن كمال السعادة منوط بهذا المعنى جعلنا الله من أهلها.
لما أوجب الله بعد انسلاخ الأشهر الحرم قتل المشركين دل ذلك على أن حجة الله قد قامت عليهم وأن ما ذكره الرسول قبل ذلك من أنواع الدلائل والبينات كفي في إزاحة علتهم فينتج ذلك أن أحداً من المشركين لو طلب الدليل والحجة يلتفت إليه بل يطالب إما بالإسلام أو بالجزية أو بالقتل، فأزال الله بكمال رأفته هذه الشبهة فقال ﴿ وإن أحد من المشركين استجارك ﴾ الآية.
قال علماء العربية: ارتفع ﴿ أحد ﴾ بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره: وإن استجارك أحد استجارك.
كرهوا الجمع بين المفسر والمفسر فحذفوا المفسر.
والغرض بناء الكلام على الإبهام ثم التفسير من حيث إنّ "إن" من مظان وقوع الفعل بعده.
وأيضاً ذكر الفاعل ههنا أهم لما بينا أن ظاهر الدليل يقتضي إباحة دم المشرك فقدم ليدل على مزيد العناية بصون دمه عن الإهدار.
يقال: استجرت فلاناً أي طلب منه أن يكون جاراً لي أي محامياً وحافظاً من أن يظلمني ظالم، ومنه يقال: أجاره الله من العذاب أي أنقذه.
والمعنى وإن جاءك أحد من المشركين بعد انسلاخ الأشهر لا عهد بينك وبينه.
فاستأمنك ليسمع ما تدعو إليه من التوحيد والقرآن فأمنه ﴿ حتى يسمع كلام الله ﴾ سماع تدبر وتأمل ﴿ ثم أبلغه ﴾ داره التي يأمن فيها إن لم يسلم ثم قاتله إن شئت فيها، وفيه أن المقصود من شرع القتل قبول الدين والإقرار بالتوحيد وأن النظر في دين الله من أعلى المقامات فإن الكافر الذي دمه مهدر لما أظهر من نفسه كونه طالباً للنظر والاستدلال زال ذلك الإهدار ووجب على الرسول أن يبلغه مأمنه، أما زمان مهلة النظر فليس في الآية ما يدل على ذلك ولعله مفوّض إلى اجتهاد الإمام، فمتى ظهر على ذلك المشرك علامات كونه طالباً للحق باحثاً عن وجه الاستدلال أمهل وترك، ومتى ظهر عليه كونه معرضاً عن الحق دافعاً للزمان بالأكاذيب لم يلتفت إليه وأبلغ المؤمن.
ويشبه أن يقال: المدة أربعة أشهر وهو الصحيح من مذهب الشافعي.
والمذكور في الآية كونه طالباً لسماع القرآن إلا أنه ألحق به كونه طالباً لسماع الدلائل والجواب الشبهات لأنه علل وجوب الإجارة بكونه غير عالم حيث قال في آخر الآية ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ﴾ فكل من حصلت فيه هذه العلة وجبت إجارته.
وفي سماع كلام الله وجوه: قيل أراد جميع القرآن لأن تمام الدلائل والبينات فيه.
وقيل: سماع سورة براءة لأنها مشتملة على كيفية المعاملة مع المشركين والأولى حمله على كل الدلائل، وإنما خص القرآن بالذكر لأنه الكتاب الحاوي لمعظم الدلائل.
واعلم أن الأمان قد يكون عاماً يتعلق بأهل إقليم أو بلدة أو ناحية وهو عقد المهادنة ويختص بالإمام وقد مر في تفسير قوله ﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ﴾ وقد يكون خاصاً يتعلق بأفراد الكفار وهذا يصح من الولاة ومن آحاد المسلمين أيضاً وهذا مقصود الآية وإنه ثابت غير منسوخ.
روي عن سعيد بن جبير أن رجلاً من المشركين جاء إلى علي فقال: أراد الرجل منا أن يأتي محمداً بعد انقضاء هذا الأجل يسمع كلام الله أو يأتيه لحاجة قتل؟
قال: "لا".
واستدل بالآية.
وعن السدي والضحاك هو منسوخ بقوله ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ وشرط الأمان الإسلام والتكليف فيصح من العبد والمرأة والفاسق.
روي أنه قال: "يسعى بذمتهم أدناهم" وعن أم هانىء قالت: أجرت رجلين من أحمائي فقال : "أمنا من أمنت" .
ويعتبر أن الإسلام والتكليف الاختيار فلا يصح أمان المكره على عقد الأمان، وينعقد الأمان بكل لفظ مفيد للغرض صريحاً كقوله: أجرتك أو لا تخف، وكناية كقوله: أنت على ما تحب أو كن كيف شئت، ومثله الكتابة والرسالة والإشارة المفهمة.
روي عن عمر أنه قال: والذي نفسي بيده لو أن أحدكم أشار بأصبعه إلى مشرك فنزل على ذلك ثم قتله لقتلته.
هذا إذا دخل الكافر بلا سبب أما إذا دخل لسفارة فلا يتعرض له، وكذا إذا دخل لسماع الدلائل وقصد التجارة لا يفيد الأمان إلا إذا رأى الإمام مصلحة في دخول التجار.
وحكم الأمان إذا انعقد عصمة المؤمن من القتل والسبي فإن قتله قاتل ضمن بما يضمن له الذمي، ولا يتعدى الأمان إلى ما خلفه في دار الحرب من أهل ومال، وأما الذي معه منهما فإن وقع التعرض لأمانه اتبع الشرط وإلا فالأرجح أن لا يتعدى الأمان إلى ذلك.
وقد بقي في الآية مسألة أصولية هي أن المعتزلة استدلوا بالآية على أن كلام الله هو هذه الحروف المسموعة ويتبع ذلك أن يكون كلامه محدثاً لأن دخول هذه الحروف في الوجود على التعاقب.
وأجيب بأن هذه المسموعة فعل الإنسان وليست هي التي خلقها الله أوّلاً عندكم فعلمنا أن هذا المسموع ليس كلام الله بالاتفاق فيجب ارتكاب التجوز ألبتة، ونحن نحمله على أنها هي الدالة على الكلام النفسي فلهذا أطلق عليها أنها كلام الله كما أن الجبائي قال: إن كلام الله شيء مغاير لهذه الحروف والأصوات وهو باقٍ مع قراءة كل قارىء.
وزعم بعض الناس حين رأوا أنه جعل كلامه مسموعاً أن هذه الحروف والأصوات قديمة ليلزم قدم كلامه وفيه ما فيه، ثم أكد المعاني المذكورة من أول السورة إلى ههنا فقال على سبيل الاستنكار والاستبعاد ﴿ كيف يكون للمشركين عهد ﴾ المرفوع اسم كان وفي خبره ثلاثة أوجه: الأول ﴿ كيف ﴾ وقدم للاستفهام، الثاني ﴿ للمشركين ﴾ وعند على هذين ظرف للعهد أو ليكون أو للجار أو هو وصف للعهد.
الثالث الخبر ﴿ عند الله ﴾ و ﴿ للمشركين ﴾ تبيين أو متعلق بـ ﴿ يكون ﴾ و ﴿ كيف ﴾ حال من العهد يعني محال أن يثبت لهؤلاء عهد وهم أضداد لكم يضمرون الغدر في كل عهد، فلا تطعموا في الوفاء منهم ولا تتوانوا في قتلهم.
ثم استثنى منهم المعاهدين عند المسجد الحرام الذين لم يظهر منهم نكث كبني كنانة وبني ضمرة ثم بيّن حكمهم فقال ﴿ فما استقاموا لكم ﴾ في "ما" وجهان: أحدهما أن تكون زمانية وهي المصدرية على التحقيق أي استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم.
الثاني شرطية أي إن استقاموا لكم على العهد فاستقيموا لهم على مثله.
﴿ إن الله يحب المتقين ﴾ فيه إشارة إلى أن الوفاء بالعهد والاستقامة عليه من أعمال المتقين.
ثم كرر الاستبعاد فقال ﴿ كيف ﴾ وحذف الفعل لكونه معلوماً أي كيف يكون لهم عهد ﴿ و ﴾ حالهم أنهم ﴿ إن يظهروا عليكم ﴾ أي يغلبوكم، ويظفروا بكم وذلك أن الغلبة من الكمال عند الشخص وكل من تصور في نفسه كمالاً فإنه يريد أن يظهر ذلك لغيره فأطلق الظهور على الغلبة لكونه من لوازمها ﴿ لا يرقبوا ﴾ لا يراعوا ﴿ فيكم ﴾ ولا ينتظروا بكم ﴿ إلا ولا ذمة ﴾ قال في الصحاح: الأل العهد والقرابة.
ووجه ذلك في الكشاف بأن اشتقاقه من الأل هو الجؤار والأنين لأنهم إذا تحالفوا رفعوا به أصواتهم، وسميت به القرابة لأنها تعقد بين الرجلين ما لا يعقده الميثاق.
وفي الصحاح أيضاً أن الأل بالكسر من أسماء الله عزّ وجلّ.
وفي الكشاف أنه قرىء "إيلا" بمعناه.
وقيل: جبرئيل وجبرئلّ من ذلك.
وقيل: منه اشتق الأل بمعنى القرابة كما اشتقت الرحم من الرحمن.
قال الزجاج: الأل عندي على ما توجبه اللغة يدور على معنى الحدّة من ذلك الألة الحربة، وأذن مؤللة محدّدة.
ومعنى العهد والقرابة غير خارج من ذلك، والذمة العهد وجمعها ذمم وذمام وهو كل أمر لزمك وكان بحيث لو ضيعته لزمك مذمة.
وقال أبو عبيدة: الذمة ما يتذمم منه أي ما يجتنب فيه الذم.
قال في الكشاف ﴿ يرضونكم ﴾ كلام مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن مقرر لاستبعاد الثبات منهم على العهد وإباء القلوب مخالفة ما فيها من الأضغان لما يجرونه على ألسنتهم من الكلام الجميل.
ثم قال ﴿ وأكثرهم فاسقون ﴾ عن ابن عباس: لا يبعد أن يكون بعض هؤلاء الكفار قد أسلم وتاب فلهذا لم يحكم بالفسق على الكل.
والظاهر أنه أراد أن أكثرهم فساق في دينهم لا يتحرزون عن الكذب ونقض العهد الذي هو مذموم في جميع الأديان والنحل ﴿ اشتروا ﴾ استبدلوا ﴿ بآيات الله ﴾ بالقرآن أو بالإسلام ﴿ ثمناً قليلاً ﴾ هو اتباع الأهواء ﴿ فصدوا عن سبيله ﴾ فصرفوا عنه غيرهم وعدلوا هم أنفسهم.
قال مجاهد أراد الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم.
وقيل: يبعد أن يراد طائفة من اليهود الذين أعانوا المشركين على نقض العهود، فإن هذا اللفظ من القرآن كالأمر المختص باليهود ولأنه وصفهم بقوله ﴿ لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ﴾ ولو أراد المشركين كان تكراراً ﴿ وأولئك هم المعتدون ﴾ المتجاوزون حدود الله في دنيه وما يوجبه العهد والعقد.
ثم قال ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ فإن كان هذا في اليهود وما ذكره قبل في الكفار فلا تكرار، وإن كان كلاهما في الكفار فجزاء الأول تخلية سبيلهم وجزاء الثاني قوله ﴿ فإخوانكم ﴾ أي فهم إخوانكم ﴿ في الدين ﴾ فلم يكن من التكرار في شيء.
قال ابن عباس: حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة: ﴿ ونفصل الآيات ﴾ نبينها ﴿ لقوم يعلمون ﴾ لأنهم هم المنتفعون بالبيان.
وهذه جملة معترضة تفيد الحث على التأمل في أحكام المشركين وعلى المحافظة على مواردها ﴿ وإن نكثوا ﴾ يعني هؤلاء التائبين ﴿ أيمانهم من بعد عهدهم ﴾ أي من بعد إسلامهم حتى يكونوا مرتدين، أو المراد نكث المشركين عهودهم ومواثيقهم.
والنكث نقض طاقات الخيط من بعد برامه.
﴿ وطعنوا في دينكم ﴾ ثلبوه وعابوه ﴿ فقاتلوا أئمة الكفر ﴾ هي جمع إمام وأصلها "أأممة" كمثال وأمثلة نقلت حركة الميم إلى الهمزة وأدغمت الميم في الميم، وهو من وضع الظاهر موضع المضمر دلالة على أن من كان بهذه المثابة من الغدر وقلة الوفاء وعدم الحياء فهو عريق في الكفر متقدم فيه لا يشق كافر غباره.
وقيل: خص سادتهم بالذكر لأن من سواهم يتبعهم لا محالة.
ثم أبدى غرض القتال بقوله ﴿ لعلهم ينتهون ﴾ ليعلم أن الباعث على قتالهم هو ردهم إلى طاعة معبودهم رحمة عليهم لا أمر نفساني وداعٍ شهواني ووسط بين الأمر بالقتال وبين الحامل عليه قوله ﴿ إنهم لا أيمان لهم ﴾ تنبيهاً على العلة الفاعلية للقتال، أثبت لهم الأيمان أوّلاً في الظاهر حيث قال ﴿ وإن نكثوا أيمانهم ﴾ ثم نفاها عنهم في الحقيقة لأن إيمانهم ليست مما يعد أيماناً إذ لم يوفوا بها.
وبهذا تمسك أبو حنيفة في أن يمين الكافر لا تكون يميناً، وعند الشافعي يمينهم يمين لأنه وصفها بالنكث ولو لم تكن منعقدة لم يتصور نكثها.
ومن قرأ ﴿ لا إيمان ﴾ لهم بالكسر أي لا إسلام لهم أو لا يعطون الأمان بعد الردة والنكث فظاهر.
قال العلماء: إذا طعن الذمي في دين الإسلام طعناً ظاهراً جاز قتله لأن العهد معقود معه على أن لا يطعن فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة.
ثم شرع في ذكر سائر الأسباب المحرّضة على القتال فقال ﴿ ألا تقاتلون ﴾ قال أهل المعاني: إذا قلت: ألا تفعل كذا.
فإنما يستعمل ذلك في فعل مقدر وجوده.
وإذا قلت: ألست تفعل تقول فى ذلك في فعل تحقيق وجوده.
والفرق أن "لا" ينفي بها المستقبل فإذا دخلت عليه الألف صار تحضيضاً على فعل ما يستقبل و "ليس" مستعمل في نفي الحال فإذا دخلت عليه الألف صار لتحقيق الحال.
قال ابن إسحق والسدي والكلبي: نزلت في كفار مكة نكثوا أيمانهم بعد عهد الحديبية وأعانوا بني بكر على خزاعة وهموا بإخراج الرسول من مكة حتى هاجر أو من المدينة.
يريد اليهود هموا بإخراجه منها ونكثوا عهده وظاهروا أبا سفيان عليه يوم الأحزاب.
وقيل: همت قريش يوم الحديبية بأن يدخلوه مكة ثم يخرجوه قبل أن يتم حجه استخفافاً به ، وعلى هذا أريد بالهم العزم على الفعل وإن لم يوجد ﴿ وهم بدؤكم أول مرّة ﴾ بالقتال يعني يوم بدر لأنهم حين سلم العير قالوا: لا ننصرف حتى نستأصل محمداً ومن معه.
أو المراد أنهم قاتلوا حلفاءه من خزاعة، أو المراد أن الرسول جاءهم أولاً بالكتاب المنير وتحداهم به فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى المقاتلة والبادىء أظلم.
والحاصل أن من كان في مثل صفاتهم من نكث العهد وإخراج الرسول والبدء للقتال حقيق بأن لا تترك مقاتلته وأن يوبخ من فرط فيها.
ثم زاد في التوبيخ فقال فيه ﴿ أتخشونهم ﴾ تقريراً للخشية منهم وتقوية لداعية القتال كما إذا قلت للرجل: أتخشى خصمك لأنه يستنكف أن ينسب إلى كونه خائفاً من خصمه.
ثم بيّن ما يجب أن يكون الأمر عليه قائلاً ﴿ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ﴾ يعني أن قضية الإيمان الصحيح أن لا يخشى المؤمن إلا الله، لأن قدرته أتم وعقابه أشدّ بل لا قدرة إلا له ولا يكون إلا ما يريد.
وفي الفاء نوع من تعليل لأن الاستفهام في معنى النهي كأنه قيل: لا تخشوهم لأن الله أحق بالخشية وأحرى بالطاعة، وفيه نوع مجازاة كأنه قيل: إن صح أنكم مؤمنون فلا تخشوا إلا الله.
ثم زاد في تأكيد الأمر بالقتال فقال ﴿ قاتلوهم ﴾ ورتب عليه خمس نتائج: الأولى: قوله ﴿ يعذبهم الله بأيديكم ﴾ أي القتل والأسر واغتنام الأموال، وهذا لا ينافي ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ لأنه أراد هناك عذاب الاستئصال.
قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن الذي يدخل في الوجود من الأفعال كلها من الله يظهرها على أيدي العباد.
واعترض الجبائي بأنه لو كان كذلك لجاز أن يقال: كذب الله أنبياءه على لسان الكفرة.
وأجيب بأن الأمر كذلك عندنا إلا أنا لا نقوله رعاية للأدب كما لا يقال يا خالق الخنافس والحشرات.
وكما أنكم لا تقولون يا مسهل أسباب الزنا واللواط ويا دافع الموانع عنها.
الثانية: ﴿ ويخزهم ﴾ قيل: هو الأسر وقيل: المراد ما نزل بهم من الذل والهوان حين شاهدوا أنفسهم مقهورين في أيدي المؤمنين وهو قريب من الأول.
أو هو هو.
وقيل: هو عذاب الآخرة.
الثالثة: ﴿ وينصركم عليهم ﴾ أورد عليه أن النصر يستتبعه إخزاء الخصم فأي حاجة إلى إفراده بالذكر؟
والجواب أن المغايرة كافية في إفراد كل من المتلازمين بالذكر على أنه من المحتمل أن يحصل لهم الخزي من جهة المؤمنين إلا أن المؤمنين يحصل لهم آفة لسبب آخر، فلما وعدهم النصر على الإطلاق زال ذلك الاحتمال.
الرابعة: ﴿ ويشف صدور قوم مؤمنين ﴾ هم خزاعة.
وعن ابن عباس: بطون من اليمن وسبأ، قدموا مكة فأسلموا فلقوا من أهلها أذى شديداً فبعثوا إلى رسول الله يشكون إليه فقال: أبشروا فإن الفرج قريب.
الخامسة: ﴿ ويذهب غيظ قلوبهم ﴾ قيل: شفاء الصدر وإذهاب غيظ القلب كلاهما بمعنى فيكون تكراراً.
والجواب أن القلب أخص من الصدر كقوله: يا دار ميَّة بالعلياء فالسند *** أو شفاء الصدر إشارة إلى الوعد بالفتح، ولا ريب أن الانتظار شاق وإن كان مع الثقة بالموعود فإذهاب غيظ القلب إشارة إلى الفتح وقد حصل الله لهم هذه المواعيد كلها وكان ذلك دليلاً على صدق النبي وإعجازه.
ثم قال ﴿ ويتوب الله على من يشاء ﴾ وهو ابتداء كلام للإخبار بأن بعض أهل مكة يتوب عن كفره وقد وقع، فقد أسلم ناس منهم وحسن إسلامهم.
وقرىء ﴿ ويتوب ﴾ بالنصب بإضمار "أن" ودخول التوبة في جملة ما أجيب به الأمر من طريق المعنى كقوله ﴿ فأصدق وأكن ﴾ أما أن التوبة كيف تقع جزاء للمقاتلة فذلك من قبل الكفرة واضح فإن القتال قد يصير سبباً لتوبة بعضهم عن الكفر، وأما من جهة المؤمنين فلعل القتال كان شاقاً على بعضهم فإذا أقدم عليه صار ذلك العمل جارياً مجرى التوبة عن تلك الكراهة.
وأيضاً إن حصول النصر والظفر إنعام عظيم والعبد إذا شاهد توالي النعم لم يبعد أن يصير ذلك داعياً له إلى أن يتوب عن جميع الذنوب وقد تصير كثرة المال والجاه سبباً لتحصيل اللذات بالطريق الحلال فينتهي عن الحرام.
وأيضاً الإنسان حريص على ما منع فإذا انفتحت عليه أبواب الخيرات الدنيوية فربما يصير ذلك سبباً لانقباضه عن الدنيا وإعراضه عنها وهذا هو أحد الوجوه التي ذكروها في تفسير قوله حكاية عن سليمان ﴿ رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي ﴾ يعني بعد حصول هذا الملك لا ينبغي للنفس الاشتغال بالدنيا ﴿ والله عليم ﴾ بكل ما يجري في ملكه وملكوته ﴿ حكيم ﴾ مصيب في أفعاله وأقواله وأحكامه وتدابيره.
عن ابن عباس أن قوله ﴿ ألا تقاتلون ﴾ الآية.
ترغيب في فتح مكة لأن النتائج المذكورة مشاكلة لتلك الأحوال.
واستبعده الحسن لأن هذه السورة نزلت بعد فتح مكة بسنة.
ثم بين أنه ليس الغرض من إيجاب القتال نفس القتال وإنما المقصود أن يؤتى به انقياداً لأمر الله ولتكاليفه ليظهر المخلص من المنافق فقال ﴿ أم حسبتم ﴾ الآية.
وقد مرّ وجه إعرابه في آل عمران عند قوله ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا ﴾ .
وقوله ﴿ ولم يتخذوا ﴾ معطوف على ﴿ جاهدوا ﴾ داخل في حيز الصلة.
والوليجة لبطانة يعني الحبيب الخالص "فعيلة" من ولج كالدخيلة من دخل، أو هو الرجل يكون في القوم وليس منهم.
قال الواحدي: يقال هو وليجتي وهم وليجتي يستوي فيه الواحد والجمع.
ومعنى الآية لا تحسبوا أن تتركوا على ما أنتم عليه ولم يظهر بعد معلوم الله من تميز المجاهدين المنافقين من المجاهدين الخلص الذين جاهدوا لوجه الله ولم يتخذوا حبيباً من الذين يضادون رسول الله والمؤمنين.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ ليعلموا أنه لم يزل عالماً بالأشياء لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء فيجدّوا في استقامة السيرة ويجتهدوا في نقاء السريرة.
التأويل: ﴿ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم ﴾ من النفوس المشركة التي اتخذت الهوى وصنم الدنيا معبوداً فهادنها الروح والقلب في أوان الطفولية لاستكمال القالب وتربيته ﴿ فسيحوا ﴾ في أرض البشرية ﴿ أربعة أشهر ﴾ هي مدة كمال الأوصاف الأربعة: النباتية والحيوانية والشيطانية والإنسانية ﴿ وأذان من الله ورسوله ﴾ إلى الصفات الناسوتية ﴿ يوم الحج الأكبر ﴾ يوم الوصول إلى كعبة الجمال والحج الأصغر الوصول إلى كعبة القلب إن زيارة كعبة الوصال حرام على مشركي الصفات الناسوتية ﴿ فإن تبتم ﴾ عن الناسوتية بإفنائها في اللاهوتية ﴿ فهو خير لكم ﴾ من قيامكم بالناسوت ﴿ وإن توليتم ﴾ ركنتم إلى غير الله ﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ عن التصرف فيكم.
أما لأهل السعادة فبالجذبات الأزلية، وأما لأهل الشقاوة فبأليم عذاب القطيعة ﴿ إلا الذين عاهدتم ﴾ أيها القلوب والأرواح من مشركي النفوس على التوافق في العبودية ﴿ ثم لم ينقصوكم ﴾ شيئاً من وظائف الشريعة ﴿ ولم يظاهروا عليكم أحداً ﴾ من الشيطان والدنيا ﴿ فأتموا إليهم عهدهم ﴾ بالمداراة والرفق إلى أوان طلوع قمر العناية ونجم الجذبة والهداية.
﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ استكملت مدة التربية تمام الأوصاف الأربعة ﴿ فاقتلوا ﴾ النفوس المشركة بسيف النهي عن الشهوات ﴿ حيث وجتموهم ﴾ في الطاعة بأن تكلفوها إياها وفي المعصية بأن تزجروها عنها ﴿ وخذوهم ﴾ بآداب الطريقة ﴿ واحصروهم ﴾ احبسوهم في حصار الحقيقة ﴿ واقعدوا لهم كل مرصد ﴾ راقبوهم في الأحوال كلها ﴿ فإن تابوا ﴾ رجعوا إلى طلب الحق ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ أدّوا حق العبودية ﴿ وآتوا الزكاة ﴾ تزكت عن الأخلاق الذميمة ﴿ فخلوا سبيلهم ﴾ اتركوا التشديد عليهم بالرياضات ليعملوا بالشريعة بعد الوصول إلى الحقيقة فإن النهاية هي الرجوع إلى البداية ﴿ وإن أحد ﴾ من مشركي صفات النفس ﴿ استجارك ﴾ يا قلب لترك ما هو المخصوص به من الصفات الذميمة ﴿ فأجره حتى يسمع كلام الله ﴾ حتى يلهم بإلهام ﴿ ثم أبلغه مأمنه ﴾ وهو وارد الجذبة الإلهية، وإن الجذبة إذا تعلقت بصفة من صفات النفس تنجذب النفس بجميع صفاتها ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ﴾ الله وأسراره فلا يميلون إليه ويعلمون الدنيا وشهواتها فيركنون إليها.
﴿ كيف يكون ﴾ لمشركي النفوس ثبات على العهد وقد جبلت ميالة إلى السفليات وغايتها بعد إصلاح حالها أن تميل إلى نعيم الجنات ﴿ إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ﴾ وهو مقام الوصول المحرم على أهل الدنيا وهو مقام أهل الله وخاصته، الذين تنورت نفوسهم بأنوار الجمال والجلال فيثبتها الله على العهد بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴿ فما استقاموا لكم ﴾ على الصراط المستقيم ﴿ فاستقيموا لهم ﴾ بشرحها في متسع رياض الشريعة ﴿ ولا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ﴾ لا يحفظوا حقوق الجنسية فإن الأرواح والقلوب والنفوس مزدوجة في عالمي الأمر والخلق ﴿ يرضونكم ﴾ بالأعمال الظاهرة ﴿ وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون ﴾ فيما يعملون خارجون عن الصدق والإخلاص ﴿ اشتروا ﴾ بدلالات توصلهم إلى الله ﴿ ثمناً قليلاً ﴾ من متاع الدنيا ومصالحها ﴿ فصدّوا عن سبيله ﴾ قطعوا طريق الحق على الأرواح والقلوب ﴿ فإخوانكم في الدين ﴾ رفقاؤكم في طلب الحق فارعوا حقوقهم فإن لنفسك عليك حقاً.
﴿ لقوم يعلمون ﴾ أن السير إلى الله من أعظم المقامات وأهم المهمات ﴿ وطعنوا في دينكم ﴾ أنكروا مذهب السلوك ﴿ أئمة الكفر ﴾ النفوس ﴿ وهموا بإخراج الرسول ﴾ يعني الواردات الغيبية بانسداد روزنة القلب ﴿ أول مرّة ﴾ في أوان الطفولية.
﴿ أتخشونهم ﴾ في فوات حظوظهم ﴿ فالله أحق أن تخشوه ﴾ بفوات حقوقها.
﴿ ويذهب غيظ قلوبهم ﴾ يعني وحشة الأرواح والقلوب وكدورتها ﴿ ويتوب الله على من يشاء ﴾ بالرجوع إلى الحق قبل التمادي في الباطل من غير حاجة إلى رياضة شديدة ﴿ والله عليم ﴾ باستعدادات النفوس ﴿ حكيم ﴾ فيما يدبر لكل منها.
﴿ أم حسبتم ﴾ أيها النفوس الأمارة ﴿ أن تتركوا ﴾ بلا رياضة ﴿ وليجة ﴾ أولياء من الشيطان والدنيا والهوى.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ قال بعضهم من أهل التأويل: ذلك في قوم كان بينهم وبين رسول الله عهد على غير مدة مبينة، فأمر بنقض العهد المرسل وجعله في أربعة الأشهر التي ذكر في قوله: ﴿ فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ .
وقال بعضهم: هي في قوم كان لهم عهد دون أربعة أشهر، فأمر بإتمام أربعة أشهر؛ [و] دليله قوله: ﴿ فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ .
وقال أبو بكر الكيساني: الآية في قوم كانت عادتهم نقض العهد ونكثه؛ كقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ﴾ فأمر [أن يعطي العهد أربعة أشهر التي ذكر في الآية ثم الحرب بعد ذلك.
وقال بعضهم: لما نزل قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ بعث رسول الله] عليّاً إلى الموسم ليقرأه على الناس، فقرأ عليهم: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ من العهد غير أربعة أشهر ﴿ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .
على ما ذكرنا حمل هؤلاء كلهم قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ ﴾ على النقض.
وعندنا يحتمل غير هذا، وهو أن قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ في إمضاء العهد ووفائه، والبراءة هي الوفاء، وإتمامه ليس على النقض؛ [لأنه قال: إلى الذين عاهدتم من المشركين والبراءة إليهم هي الأمان والعهد إليهم، ولو كان على النقض لقال: "من الذين عاهدتم من المشركين" فدل أنه هو إتمام إعطاء العهد إليهم] وإمضاؤه إليهم، [ويؤيد هذا] ما قال بعض أهل الأدب: إن البراءة هي الأمان؛ يقال: كتبت له براءة، أي: أماناً؛ هذا الذي ذكرنا أشبه مما قالوا، أعني: أهل التأويل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ .
أي: سيروا واذهبوا في الأرض ﴿ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ أي: في مدة العهد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ ﴾ .
أي: اعلموا أن المؤمنين وإن أعطوا لكم العهد في وقت فإنكم غير معجزي الله وأولياءه، ولا فائتين عنكم في تلك المدة.
﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِي ٱلْكَافِرِينَ ﴾ الخزي: هو العذاب الفاضح الذي يفضحهم ويظهر عليهم.
ويحتمل أن يكون ذلك العذاب والإخزاء الذي ذكر في الآخرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ ﴾ .
قال القتبي: ﴿ وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ ، أي: إعلام، ومنه أذان الصلاة، وهو الإعلام؛ يقال: آذنتهم إيذاناً.
وكذلك قال أبو عوسجة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ﴾ يكون في قوله: ﴿ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ﴾ دلالة ما قال أهل التأويل من النقض؛ لأن قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ يكون فيه انقضاء العهد وإتمامه إلى المدة التي ذكر، ويكون ما روي في الخبر [وذكر] في القصة "أن نبي الله لما نزل ﴿ بَرَآءَةٌ ﴾ بعث أبا بكر على حج الناس، يقيم للمؤمنين حجهم، وبعث معه بـ ﴿ بَرَآءَةٌ ﴾ السورة، ثم أتبعه علي بن أبي طالب، فأدركه فأخذها منه، ورجع أبو بكر إلى النبي، فقال للنبي : بأبي أنت وأمي، نزل في شيء؟
قال: لا، ولكن لا يبلغ غيري أو رجل مني، أما ترضى يا أبا بكر أنت صاحبي في الغار، وأنت أخي في الإسلام، وأنت ترد على الحوض يوم القيامة؟!
قال: بلى يا رسول الله" .
فمضى أبو بكر على الناس، ومضى علي بن أبي طالب بالبراءة، فقام على بالموسم، فقرأ على الناس: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ : من العهد، غير أربعة أشهر؛ فإنهم يسيحون فيها.
ثم قوله: ﴿ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: هو يوم النحر؛ لأن فيه ذكر طواف البيت وحج البيت.
وقال بعضهم: هو يوم عرفة؛ لأنه هو الذي يوقف فيه بعرفة، وبه يتم الحج على ما روي في الخبر: [ "الحج عرفة، ومن أدرك عرفة بليل وصلي معنا بجمع، فقد تم حجه وقضى تفثه، بإدراكه يتم الحج] وبفوته يفوت" وعن الحسن أنه سئل فقيل [له]: ما الحج الأكبر؟
فقال: سنة حج المسلمون والمشركون جميعاً، اجتمعوا بمكة، وفي ذلك اليوم كان لليهود عيد، وللنصارى عيد، لم يكن قبله ولا بعده، فسماه الله الحج الأكبر.
قال أبو بكر الأصم: لا يحتمل أن يسمي الله عيد النصارى واليهود يوم الحج الأكبر، وهو يوم نزول السخط عليهم واللعنة، ولكن جائز أن يسمى بذلك؛ لاجتماع الخلائق فيه من كل نوع؛ على ما سمي يوم الحشر يوماً [عظيما]؛ كقوله: ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .
أي: إن تبتم عما كنتم عليه فهو خير لكم؛ لأنهم يأمنون من الرعب الذي كان في قلوبهم، ويكون ذلك الخوف والرعب في قلوب المشركين؛ على ما روي في الخبر أنه قال: "نصرت بالرعب مسيرة شهر" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ : عما ذكرنا، ﴿ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ ﴾ أي: غير فائتين من نقمة الله وعذابه.
ويحتمل قوله: ﴿ فَإِن تُبْتُمْ ﴾ عن نقض العهد فهو خير لكم [في الدنيا]، والأول: فإن تبتم وأسلمتم فهو خير لكم في الدنيا والآخرة.
وروي في بعض الأخبار عن علي - - "أنه سئل: بأي شيء بعثت؟
قال: بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ومن كان بينه وبين النبي - - عهد فعهده أربعة أشهر، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الحرم مشرك بعد هذا" .
وفي بعض الأخبار: ولا يحج المشرك بعد عامه هذا، وكذلك قال في الآية الأخرى: ﴿ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا ﴾ ، ففيه دلالة إثبات رسالة محمد؛ لأنه قال في ملأ من الناس بالموسم: لا يحج مشرك بعد هذا، مع كثرة أولئك وقوتهم، وقلة المؤمنين وضعفهم، ثم لم يتجاسر بعد ذلك النداء أحد أن يدخل مكة للحج وغيره، دل أن ذلك أن كله كان بالله - - لا بهم.
ثم من الناس من استدل بالخبر الذي روي أنه بعث أبا بكر الصديق على الحج وبعث معه ببراءة، ثم أتبعه عليّاً، فأدركه فأخذها منه، ورجع أبو بكر إلى النبي فقال: هل نزل في شيء؟
قال: "لا، ولكن لا يبلغ عني غيري أو رجل مني" - على أن عليّاً هو المستحق للخلافة، وهو الأحق بها دون أبي بكر؛ حيث قال: "لا يبلغ عني غيري أو رجل مني".
لكن يحتمل أنه وَلَّى ذلك عليّاً؛ لما كان من عادة العرب أنهم إذا عاهدوا عهداً أنه لا ينقض ذلك عليهم إلا من هو من قومهم، فولى ذلك عليّاً؛ لئلا يكون لهم الاحتجاج عليه فيقولون: لم ينقض علينا العهد.
أو أن يقال: ولى عليّاً أمر الحرب، وهو كان أبصر وأقوى بأمر الحرب من أبي بكر، وولى أبا بكر إقامة الحج والمناسك، فكان أبو بكر هو المولى أمر العبادات، وعلي أمر الحروب، والحاجة إلى الخلافة لإقامة العبادات.
أو أن يقال: إن أبا بكر كان أمير الموسم، وعليّاً كان مناديه، فالأمير في شاهدنا أجل قدراً وأعظم منزلة من المنادي، وأمر عليّاً ذلك؛ لما أن ذلك كان أقبل وأسمع من غيره من الأمير نفسه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً ﴾ "قال بعضهم: هذا صلة قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ .
أمر بإتمام العهد للذين لم ينقضوا المسلمين، ولا ظاهروا عليهم أحداً، وأما الذين كانت عادتهم نقض العهد ونكثه فإنه لا يتم لهم، ولكن ينقض، وكذلك تأولوا قوله: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ : النقض.
ويحتمل أن يكون صلة قوله: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ، ويكون العذاب الأليم هو القتل والأسر؛ كأنه يقول: وبشر الذين كفروا بالقتل والأسر ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً ﴾ .
ثم يحتمل قوله: ﴿ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً ﴾ أي: لم يخونوكم شيئاً ما داموا في العهد، ﴿ وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً ﴾ أي: لم يعاونوا ولا أطلعوا أحداً من المشركين عليكم، ﴿ فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ﴾ أمر بالنبذ إليهم عند خوف الخيانة، وأمر بالإتمام إذا لم يخونوا ولم يظاهروا عليهم أحداً.
ودل قوله: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ على أن قوله: ﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ ﴾ أي: غير معجزي أولياء الله في عذاب الدنيا؛ لأنهم جميعاً سواء في عذاب الآخرة، مشتركون فيه.
وقوله: ﴿ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ قال بعضهم: مدة القوم أربعة أشهر بعد يوم النحر لعشر مضين من ربيع الآخر لمن كان له عهد، ومن لا عهد له إلى انسلاخ المحرم، خمسون ليلة.
وقال بعضهم: إلا الذين عاهدتم من المشركين بالحديبية فلم يبرأ الله ورسوله من عهدهم من الأشهر الأربع [ثم لم ينقصوكم في الأشهر الأربع]، ﴿ وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً ﴾ أي: لم يعينوا على قتالكم أحداً من المشركين، أي: [إن] لم يفعلوا ذلك ﴿ فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ﴾ وهو الأربعة الأشهر ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ : الذين اتقوا المعاصي والشرك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ ﴾ قال بعضهم: الأشهر الحرم وهي أشهر العهد والأمان، فإذا انسلخ تلك الأشهر ومضت، ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ .
وقال بعضهم: الأشهر الحرم هي الأشهر التي خلقها الله وجعلها حراماً؛ كقوله: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ .
قال بعضهم: حيث وجدتموهم وخذوهم في الأماكن كلها؛ لأن "حيث" إنما يترجم عن مكان، [و]أمر بقتلهم في الأماكن كلها؛ لأنه لم يخص مكاناً دون مكان.
وقال آخرون: هو في الأماكن كلها إلا مكان الحرم، دليله ما ذكر في السورة التي ذكر فيها البقرة، وهو قوله: ﴿ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم ﴾ ، وقال: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ أمرهم بقتالهم في الأماكن كلها إلا المسجد الحرام.
وأمكن أن يكون أنهم يقتلون إلا أن يدخلوا الحرم، فإذا دخلوا الحرم وقد نهوا عن الدخول فيه والحج هنالك، على ما روي أن عليّاً نادى بالموسم: ألا لا يحجن بعد العام مشرك - فإذا دخلوا يقتلون، ويكون دخولهم فيه بعد النهي كابتداء مقاتلتهم إيانا، فإذا قاتلونا عند المسجد الحرام قاتلناهم؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ ﴾ والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَخُذُوهُمْ ﴾ قيل: ائْسِروهم.
وقوله: ﴿ وَٱحْصُرُوهُمْ ﴾ قيل: احبسوهم، ﴿ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ ، والمرصد: الطريق؛ كأنه أمر بقوله: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ بقتلهم إذا قدروا عليهم، وأمكن لهم ذلك، والأسر عند الإمكان والحبس إذا دخلوا الحصن، وحفظ المراصد عند غير الإمكان؛ لئلا يغروا، ويقال: أرصدت له، أي: انتظرت أن أجد فرصتي، ويقال: ترصدته، أي: انتظرته.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ أي: كل طريق يرصدونكم؛ كأنه أمر بذلك؛ ليضيق عليهم الأمر؛ ليضجروا وينقادوا.
وفيه دليل النهي عما يحمل إلى دار الحرب من أنواع الثياب والأمتعة وما ينتفعون به؛ لأنه أمر بالحصر وحفظ الطرق والمراصد؛ ليضيق عليهم الأمر ويشتد، فينقادوا، وفيما يحملون إليهم توسيع عليهم.
وقوله: ﴿ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ ﴾ أي: أقيموا عليهم الحجج والبراهين؛ ليضطروا إلى قبول ذلك، فإذا انقادوا لكم وإلا فاقتلوهم حيث وجدتموهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ : [قال بعضهم أمر الله في أول الآية بقتل المشركين، فقال: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ وقال: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ ] فوجب بظاهر الآية أن نقاتل من آمن ولم يقم الصلاة ولم يؤت الزكاة؛ لأن الله - - إنما رفع القتل عنهم بالإيمان وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فإذا لم يأتوا بذلك فالقتل واجب عليهم، وكذلك فعل أبو بكر الصديق لما ارتدت العرب ومنعتهم الزكاة حاربهم حتى أذعنوا بأدائها إليه.
روي عن أنس قال: "لما توفي رسول الله ارتدت العرب كافة، فقال عمر: يا أبا بكر، أتريد أن تقاتل العرب كافة؟!
فقال أبو بكر: إنما قال رسول الله : إذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، منعوني دماءهم وأموالهم والله لو منعوني عناقاً مما كانوا يعطون رسول الله قاتلتهم عليه.
قال عمر: فلما رأيت رأي أبي بكر قد شرح عرفت أنه الحق" .
وفي بعض الأخبار قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله، ونصلي، ولكن لا نزكي، فمشى عمر والبدريون إلى أبي بكر، فقالوا: دعهم؛ فإنهم إذا استقر الإسلام في قلوبهم وثبت أدَّوْا، فقال: والله، لو منعوني عقالا مما أخذ رسول الله قاتلتهم عليه، قيل: أو قاتل رسول الله على ثلاث: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وقال الله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ ، والله لا أسأل فوقهن ولا أقصر دونهن، فقالوا: إنا نزكي، ولكن لا ندفعها [إليك]، فقال: والله حتى آخذها كما أخذها رسول الله وأضعها مواضعها.
وقال آخرون: قوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ في قبولهم والاعتقاد بهما دون فعلهما، لما لا يحتمل حبسهم ومنعهم إلى أن يحول الحول فيؤخذون بأداء الزكاة - دل على أنه على القبول والإقرار بذلك، واستدلوا بما روي في بعض الأخبار عن رسول الله قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله [فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" وقالوا في بعض الأخبار: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إ لا الله]، وإني رسول الله، فإذا قالوا ذلك: عصموا مني ..." كذا، وفي بعضها: "حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وإني رسول الله، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك منعوا مني..." كذا دل ما ذكرنا من الزيادات والنقصان [أن ذلك] في قوم مختلفين، وأنه على القبول لذلك والاعتقاد، لا على الفعل نفسه، فمن كان لا يقرأ بشيء من ذلك، فإذا قال: لا إله إلا الله، كان ذلك منه إيماناً في الظاهر، ومن كان يقول: لا إله إلا الله، ولا يقول: محمد رسول الله، فإذا قال ذلك كان ذلك منه إيماناً، ومن كان يقر بهذين ولا يقر بالصلاة والزكاة، فإذا أقر بذلك كان ذلك منه إيماناً، فهو على الإقرار به والاعتقاد، لا على الفعل، ألا ترى أن للأئمة أن يأخذوا منهم الزكاة شاءوا أو أبو؟!
فلو كان الأداء من شرط الإيمان لكانوا غير مؤمنين بأخذ هؤلاء.
واختلف الصحابة والروايات في الحج الأكبر: روي عن عبد الله بن الزبير [عن أبيه] قال: قال النبي - - يوم عرفة: "هل تدرون أي يوم هذا؟
قالوا: نعم، اليوم الحرام، يوم الحج الأكبر، قال: فإن الله قد حرم دماءكم وأموالكم عليكم إلى يوم القيامة كحرمة يومكم هذا" وعن عمر - - أنه سئل عن الحج الأكبر، فقال: يوم عرفة.
وعنه: أنه وقف عليهم يوم عرفة فقال: إن هذا يوم الحج الأكبر، فلا يصومنه أحد.
وعن ابن الزبير يقول: يوم عرفة هذا يوم الحج الأكبر.
وفي بعض الأخبار عنه أنه خطب على ناقة حمراء يوم النحر، فقال رسول الله: "أتدرون أي يوم هذا؟
هذا يوم النحر، وهذا يوم الحج الأكبر" وفي بعض الأخبار عن ابن عمر قال: رأيت أو قال: "سمعت - رسول الله يقول يوم النحر عند المحراب في حجة الوداع، فقال: أي يوم هذا؟، قالوا: هذا يوم النحر، قال: فأي بلد هذا؟
قالوا: بلد حرام، قال: فأي شهر هذا؟، قالوا: شهر حرام، قال: هذا يوم الحج الأكبر، فدماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام؛ كحرمة هذا البلد في هذا اليوم، ثم قال: هل بلغت " وعن الحارث [قال]: سألت عليّاً عن الحج الأكبر، فقال: يوم النحر.
وعن المغيرة بن شعبة: أنه خطب يوم العيد، فقال: "هذا يوم النحر، ويوم الأضحى، ويوم الحج الأكبر".
وعن ابن عباس - - قال: "الحج الأكبر: يوم النحر".
وفيه قول ثالث: ما روي أنه كان في كتاب رسول الله الذي كتبه لعمرو بن حزم: "والحج الأصغر العمرة".
وعن ابن عباس: العمرة: هي الحجة الصغرى.
وسئل عبد الله بن شداد عن الحج الأكبر، فقال: الحج الأكبر يوم النحر، والأصغر العمرة.
فأما حديث عمرو بن حزم: فهو حكاية عن كتاب، وليس فيه بيان عن يوم الحج الأكبر، إنما يذكر فيه الحج الأصغر، ولولا خبر علي وابن عمر لجاز أن يقال: يوم عرفة [هو] يوم الحج الأكبر؛ لأنه يقضى فيه فرض الحج وهو الوقوف، ومن فاته ذلك فقد فاته الحج، وجاز أن يقال: هو يوم النحر؛ لأنه فيه يقضى طواف الزيارة، وهو فرض ويقضى فيه أكبر مناسك الحج؛ بل يوم النحر أولى أن يكون يوم الحج الأكبر؛ لأن الحاج يفعل في يوم عرفة فرضاً من فرائض الحج، وهو الوقوف، ويقضي في يوم النحر فرضاً آخر من فرائضه، وهو طواف الزيارة، ويقضي مع ذلك [أكثر] مناسك الحج، فقد استوى هذان اليومان في أنه يُقْضَى في كل واحد منهما فرض من فرائض الحج، وزاد يوم النحر على يوم عرفة بما يفعل في يوم النحر من مناسك الحج، ولا يفعل في يوم عرفة شيئاً من النسك إلا الوقوف بعرفة.
واحتج بعض الناس بفرضية العمرة بما رواه عمرو بن حزم أن الحج الأصغر هو العمرة، والأكبر هو الحج، بما سميت العمرة حجّاً، وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم.
وعن علي وأبي هريرة وابن أبي أوفى - م - أنهم قالوا: الحجة الكبرى: يوم النحر.
وعن عمر وابن عباس أنهما قالا: يوم عرفة.
<div class="verse-tafsir"
فإذا انتهت الأشهر الحرم التي أَمَّنْتُم فيها أعداءكم فاقتلوا المشركين حيث لقيتموهم، وحاصروهم في مَعاقِلِهم، وترصَّدوا لهم طرقهم، فإن تابوا إلى الله من الشرك، وأقاموا الصلاة، وأعطوا زكاة أموالهم؛ فقد أصبحوا إخوانكم في الإسلام؛ فاتركوا قتالهم، إن الله غفور لمن تاب من عباده، رحيم به.
<div class="verse-tafsir" id="91.7DAwv"