الآية ٦١ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٦١ من سورة التوبة

وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌۭ ۚ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍۢ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ ۚ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ٦١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 125 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦١ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦١ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ومن المنافقين قوم يؤذون رسول - الله - صلى الله عليه وسلم - بالكلام فيه ويقولون : ( هو أذن ) أي : من قال له شيئا صدقه ، ومن حدثه فينا صدقه ، فإذا جئنا وحلفنا له صدقنا .

روي معناه عن ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة .

قال الله تعالى : ( قل أذن خير لكم ) أي : هو أذن خير ، يعرف الصادق من الكاذب ، ( يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ) أي : ويصدق المؤمنين ، ( ورحمة للذين آمنوا منكم ) أي : وهو حجة على الكافرين ؛ ولهذا قال : ( والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن هؤلاء المنافقين جماعة يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعيبونه (55) =(ويقولون هو أذن)، سامعةٌ, يسمع من كل أحدٍ ما يقول فيقبله ويصدِّقه.

* * * وهو من قولهم: " رجل أذنة "، مثل " فعلة " (56) إذا كان يسرع الاستماع والقبول, كما يقال: " هو يَقَن، ويَقِن " إذا كان ذا يقين بكل ما حُدِّث.

وأصله من " أذِن له يأذَن "، إذا استمع له.

ومنه الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: " ما أذِن الله لشيء كأذَنِه لنبيّ يتغنى بالقرآن "، (57) ومنه قول عدي بن زيد: أَيُّهـــا القَلْــبُ تَعَلَّــلْ بِــدَدَنْ إنَّ هَمِّـــي فِـــي سَــمَاعِ وَأَذَنْ (58) وذكر أن هذه الآية نـزلت في نبتل بن الحارث.

(59) 16899- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال، ذكر الله غشَّهم (60) = يعني: المنافقين = وأذاهم للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ومنهم الذين يؤذون النبيّ ويقولون هو أذن)، الآية.

وكان الذي يقول تلك المقالة، فيما بلغني، نبتل بن الحارث، أخو بني عمرو بن عوف, وفيه نـزلت هذه الآية، وذلك أنه قال: " إنما محمد أذُنٌ!

من حدّثه شيئًا صدّقه !" ، يقول الله: (قل أذن خير لكم)، أي: يسمع الخير ويصدِّق به.

(61) * * * واختلفت القرأة في قراءة قوله: (قل أذن خير لكم).

فقرأ ذلك عامة قرأة الأمصار: ( قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ )، بإضافة " الأذن " إلى " الخير ", يعني: قل لهم، يا محمد: هو أذن خير، لا أذن شرٍّ.

* * * وذكر عن الحسن البصري أنه قرأ ذلك: (قُلْ أُذُنٌ خَيْرٌ لَكُمْ)، بتنوين " أذن ", ويصير " خير " خبرًا له, بمعنى: قل: من يسمع منكم، أيها المنافقون، ما تقولون ويصدقكم، إن كان محمد كما وصفتموه، من أنكم إذا أتيتموه، فأنكرتم (62) ما ذكر له عنكم من أذاكم إياه وعيبكم له، سمع منكم وصدقكم = خيرٌ لكم من أن يكذبكم ولا يقبل منكم ما تقولون.

ثم كذبهم فقال: بل لا يقبل إلا من المؤمنين =(يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين).

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القراءة عندي في ذلك, قراءةُ من قرأ: ( قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ )، بإضافة " الأذن " إلى " الخير ", وخفض " الخير ", يعني: قل هو أذن خير لكم, لا أذن شر.

(63) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 16900- حدثني المثنى قال، حدثني عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن)، يسمع من كل أحد.

16901- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن)، قال: كانوا يقولون: " إنما محمد أذن، لا يحدَّث عنا شيئًا، إلا هو أذن يسمع ما يقال له ".

16902- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (ويقولون هو أذن)، نقول ما شئنا, ونحلف، فيصدقنا.

16903- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: (هو أذن)، قال: يقولون: " نقول ما شئنا, ثم نحلف له فيصدقنا ".

16904- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, نحوه.

* * * وأما قوله: (يؤمن بالله)، فإنه يقول: يصدِّق بالله وحده لا شريك له.

وقوله: (ويؤمن للمؤمنين)، يقول: ويصدق المؤمنين، لا الكافرين ولا المنافقين.

وهذا تكذيب من الله للمنافقين الذين قالوا: " محمد أذن!", يقول جل ثناؤه: إنما محمد صلى الله عليه وسلم مستمعُ خيرٍ, يصدِّق بالله وبما جاءه من عنده, ويصدق المؤمنين، لا أهل النفاق والكفر بالله.

* * * وقيل: (ويؤمن للمؤمنين)، معناه: ويؤمن المؤمنين, لأن العرب تقول فيما ذكر لنا عنها: "آمنتُ له وآمنتُه ", بمعنى: صدّقته, كما قيل: رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ، [سورة النمل: 72]، ومعناه: ردفكم = وكما قال: لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ [سورة الأعراف: 154]، ومعناه: للذين هم ربّهم يرهبون.

(64) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 16905- حدثني المثنى قال، حدثني عبد الله قال: حدثنى معاوية, عن علي, عن ابن عباس: (يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين)، يعني: يؤمن بالله، ويصدق المؤمنين.

* * * وأما قوله: (ورحمة للذين آمنوا منكم)، فإن القرأة اختلفت في قراءته, فقرأ ذلك عامة قرأة الأمصار: ( وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا )، بمعنى: قل هو أذن خير لكم, وهو رحمة للذين آمنوا منكم = فرفع " الرحمة "، عطفًا بها على " الأذن ".

* * * وقرأه بعض الكوفيين: (وَرَحْمَةٍ)، عطفا بها على " الخير ", بتأويل: قل أذن خير لكم, وأذن رحمة.

(65) * * * قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندي، قراءةُ من قرأه: (وَرَحْمَةٌ)، بالرفع، عطفًا بها على " الأذن ", بمعنى: وهو رحمة للذين آمنوا منكم.

وجعله الله رحمة لمن اتبعه واهتدى بهداه، وصدَّق بما جاء به من عند ربه, لأن الله استنقذهم به من الضلالة، وأورثهم باتِّباعه جنّاته.

* * * القول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لهؤلاء المنافقين الذين يعيبون رسول الله صلى الله عليه وسلم, ويقولون: " هو أذن "، وأمثالِهم من مكذِّبيه, والقائلين فيه الهُجْرَ والباطل، (66) عذابٌ من الله موجع لهم في نار جهنم.

(67) -------------------------- الهوامش : (55) انظر تفسير "الأذى" فيما سلف 8 : 84 - 86 ، و ص : 85 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.

(56) هكذا جاء في المطبوعة والمخطوطة: "رجل أذنة مثل فعلة" ، وهذا شيء لم أعرف ضبطه، ولم أجد له ما يؤيده في مراجع اللغة ، والذي فيها أنه يقال : "رجل أذن" (بضم فسكون) و "أذن" (بضمتين)، ولا أدري أهذه على وزن "فعلة" (بضم ففتح): "همزة" و "لمزة" ، أم على نحو وزن غيره.

وأنا في ارتياب شديد من صواب ما ذكره هنا، وأخشى أن يكون سقط من الناسخ شيء، أو أن يكون حرف الكلام.

(57) هذا الحديث، استدل به بغير إسناد، وهو حديث صحيح، رواه مسلم في صحيحه (6 : 78 ، 79) من حديث أبي هريرة.

(58) أمالي الشريف المرتضى 1 : 33 ، واللسان (أذن) و (ددن) ، و "الدد" (بفتح الدال) و "الددن"، اللهو.

و "السماع"، الغناء، والمغنية يقال لها "المسمعة".

(59) في المخطوطة والمطبوعة : " في ربيع بن الحارث " ، وهو خطأ محض، لا شك فيه.

(60) في المطبوعة: "ذكر الله عيبهم"، أخطأ، والصواب ما في المخطوطة، وسيرة ابن هشام.

(61) الأثر : 16899 - سيرة ابن هشام 4 : 195، وهو تابع الأثر السلف رقم : 16783 ، وانظر خبر نبتل بن الحارث أيضًا في سيرة ابن هشام 2 : 168.

(62) في المطبوعة: "إذا آذيتموه فأنكرتم"، وهو كلام لا معنى له، لم يحسن قراءة المخطوطة، والصواب ما أثبت.

(63) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 444.

(64) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 444 .

(65) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 444.

(66) انظر تفسير "الأذى" فيما سلف ص : 324 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.

(67) انظر تفسير "أليم" فيما سلف من فهارس اللغة (ألم).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليمبين تعالى أن في المنافقين من كان يبسط لسانه بالوقيعة في أذية النبي صلى الله عليه وسلم ويقول : إن عاتبني حلفت له بأني ما قلت هذا فيقبله ، فإنه أذن سامعة .

قال الجوهري : يقال رجل أذن إذا كان يسمع مقال كل أحد ، يستوي فيه الواحد والجمع .

وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى : هو أذن قال : مستمع وقابل .

وهذه الآية نزلت في عتاب بن قشير ، قال : إنما محمد أذن يقبل كل ما قيل له .

وقيل : هو نبتل بن الحارث ، قاله ابن إسحاق .

وكان نبتل رجلا جسيما ثائر شعر الرأس واللحية ، آدم أحمر العينين أسفع الخدين مشوه الخلقة ، وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث .

السفعة بالضم : سواد مشرب بحمرة .

والرجل أسفع ، عند الجوهري .

وقرئ ( أذن ) بضم الذال وسكونها .قل أذن خير لكم أي هو أذن خير لا أذن شر ، أي يسمع الخير ولا يسمع الشر .

وقرأ قل أذن خير لكم بالرفع والتنوين ، الحسن وعاصم في رواية أبي بكر .

والباقون بالإضافة ، وقرأ حمزة ( ورحمة ) بالخفض .

والباقون بالرفع عطف على ( أذن ) ، والتقدير : قل هو أذن خير وهو رحمة ، أي هو مستمع خير لا مستمع شر ، أي هو مستمع ما يحب استماعه ، وهو رحمة .

ومن خفض فعلى العطف على ( خير ) .

قال [ ص: 119 ] النحاس : وهذا عند أهل العربية بعيد ؛ لأنه قد تباعد ما بين الاسمين ، وهذا يقبح في المخفوض .

المهدوي : ومن جر الرحمة فعلى العطف على ( خير ) والمعنى مستمع خير ومستمع رحمة ؛ لأن الرحمة من الخير .

ولا يصح عطف الرحمة على المؤمنين ؛ لأن المعنى يصدق بالله ويصدق المؤمنين ; فاللام زائدة في قول الكوفيين .

ومثله ( لربهم يرهبون ) أي يرهبون ربهم .

وقال أبو علي : كقوله ( ردف لكم ) وهي عند المبرد متعلقة بمصدر دل عليه الفعل ، التقدير : إيمانه للمؤمنين ، أي تصديقه للمؤمنين لا للكفار .

أو يكون محمولا على المعنى ، فإن معنى يؤمن يصدق ، فعدي باللام كما عدي في قوله تعالى : مصدقا لما بين يديه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي‏:‏ ومن هؤلاء المنافقين ‏{‏الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ‏}‏ بالأقوال الردية، والعيب له ولدينه، ‏{‏وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ‏}‏ أي‏:‏ لا يبالون بما يقولون من الأذية للنبي، ويقولون‏:‏ إذا بلغه عنا بعض ذلك، جئنا نعتذر إليه، فيقبل منا، لأنه أذن، أي‏:‏ يقبل كل ما يقال له، لا يميز بين صادق وكاذب، وقصدهم ـ قبحهم اللّه ـ فيما بينهم، أنهم غير مكترثين بذلك، ولا مهتمين به، لأنه إذا لم يبلغه فهذا مطلوبهم، وإن بلغه اكتفوا بمجرد الاعتذار الباطل‏.‏ فأساءوا كل الإساءة من أوجه كثيرة، أعظمها أذية نبيهم الذي جاء لهدايتهم، وإخراجهم من الشقاء والهلاك إلى الهدى والسعادة‏.‏ ومنها‏:‏ عدم اهتمامهم أيضًا بذلك، وهو قدر زائد على مجرد الأذية‏.‏ ومنها‏:‏ قدحهم في عقل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعدم إدراكه وتفريقه بين الصادق والكاذب، وهو أكمل الخلق عقلا، وأتمهم إدراكا، وأثقبهم رأيا وبصيرة، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ يقبل من قال له خيرا وصدقا‏.‏ وأما إعراضه وعدم تعنيفه لكثير من المنافقين المعتذرين بالأعذار الكذب، فلسعة خلقه، وعدم اهتمامه بشأنهم ، وامتثاله لأمر اللّه في قوله‏:‏ ‏{‏سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ‏}‏ وأما حقيقة ما في قلبه ورأيه، فقال عنه‏:‏ ‏{‏يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏ الصادقين المصدقين، ويعلم الصادق من الكاذب، وإن كان كثيرا ما يعرض عن الذين يعرف كذبهم وعدم صدقهم، ‏{‏وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ‏}‏ فإنهم به يهتدون، وبأخلاقه يقتدون‏.‏ وأما غير المؤمنين فإنهم لم يقبلوا هذه الرحمة بل ردوها، فخسروا دنياهم وآخرتهم، ‏{‏وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ‏}‏ بالقول أو الفعل ‏{‏لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ في الدنيا والآخرة، ومن العذاب الأليم أنه يتحتم قتل مؤذيه وشاتمه‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن ) نزلت في جماعة من المنافقين كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم ، ويقولون ما لا ينبغي ، فقال بعضهم : لا تفعلوا ، فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون فيقع بنا .

فقال الجلاس بن سويد منهم : بل نقول ما شئنا ، ثم نأتيه فننكر ما قلنا ، ونحلف فيصدقنا بما نقول ، فإنما محمد أذن أي : أذن سامعة ، يقال : فلان أذن وأذنة على وزن فعلة إذا كان يسمع كل ما قيل له ويقبله .

وأصله من أذن يأذن أذنا أي : استمع .

وقيل : هو أذن أي : ذو أذن سامعة .

وقال محمد بن إسحاق بن يسار : نزلت في رجل من المنافقين يقال له نبتل بن الحارث ، وكان رجلا أذلم ، ثائر شعر الرأس ، أحمر العينين ، أسفع الخدين ، مشوه الخلقة ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من أحب أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث " ، وكان ينم حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنافقين ، فقيل له : لا تفعل ، فقال : إنما محمد أذن فمن حدثه شيئا صدقه ، فنقول ما شئنا ، ثم نأتيه ونحلف بالله فيصدقنا .

فأنزل الله تعالى هذه الآية .

قوله تعالى : ( قل أذن خير لكم ) قرأه العامة بالإضافة ، أي : مستمع خير وصلاح لكم ، لا مستمع شر وفساد .

وقرأ الأعمش والبرجمي عن أبي بكر : " أذن خير لكم " مرفوعين منونين ، يعني : أن يسمع منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم ولا يقبل قولكم ، ثم كذبهم فقال : ( يؤمن بالله ) أي : لا بل يؤمن بالله ، ( ويؤمن للمؤمنين ) أي : يصدق المؤمنين ويقبل منهم لا من المنافقين .

يقال : أمنته وأمنت له بمعنى صدقته .

( ورحمة ) قرأ حمزة : " ورحمة " بالخفض على معنى أذن خير لكم ، وأذن رحمة ، وقرأ الآخرون : " ورحمة " بالرفع ، أي : هو أذن خير ، وهو رحمة ( للذين آمنوا منكم ) لأنه كان سبب إيمان المؤمنين .

( والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومنهم» أي المنافقين «الذين يؤذون النبي» بعيبه وبنقل حديثه «ويقولن» إذا نُهوا عن ذلك لئلا يبلغه «هو أُذُنُ» أي يسمع كل قيل ويقبله فإذا حلفنا له أنَّا لم نقل صدَّقنا «قل» هو «أُذُن» مستمع «خيرٍ لكم» لا مستمع شر «يؤمن بالله ويؤمن» يصدق «للمؤمنين» فيما أخبروه به لا لغيرهم واللام زائدة للفرق بين إيمان التسليم وغيره «ورحمةٌ» بالرفع عطفا على أذن والجر عطفا على خير «للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومن المنافقين قوم يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكلام، ويقولون: إنه يستمع لكل ما يقال له فيصدقه، قل لهم -أيها النبي-: إن محمدًا هو أذن تستمع لكل خير، يؤمن بالله ويصدق المؤمنين فيما يخبرونه، وهو رحمة لمن اتبعه واهتدى بهداه.

والذين يؤذون رسول الله محمدًا صلى الله عليه وسلم بأي نوع من أنواع الإيذاء، لهم عذاب مؤلم موجع.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا الحديث عن الصدقات التى كان المنافقون يلمزون الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيها ، أخذت السورة فى مواصلة حديثها عن رذائل المنافقين ، وعن سوء أدبهم .

.

فقال تعالى - : ( وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي .

.

.

) .روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه ابن أبى حاتم عن السدى أنها نزلت فى جماعة من المنافقين منهم الجلاس بن سويد بن صامت ورفاعة ابن عبد المنذر ، وديعة بن ثابت وغيرهم ، قالوا مالا ينبغى فى حقه - صلى الله عليه وسلم - .فقال رجل منهم لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغ محمداً ما تقولونه فيقع فينا .

فقال الجلاس : بل نقول ما شئنا ، ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول فإن محمداً أذن .فمرادهم بقولهم " هو أذن " أى : كثير الاستماع والتصديق لكل ما يقال له .قال صاحب الكشاف : الأذن : الرجل الذى يصدق كل ما يسمع ، ويقبل قول كل أحد سمى بالجارحة التى هى آلة السماع كأن جملته أذن سامعة ونظيره قولهم للربيئة - أى الطليعة - عين .وقال بعضهم : " الأذن " الرجل المستمع القابل لما يقال له .

وصفوا به الذكر والانثى والواحد والجمع .

فيقال : رجل أذن ، وامرأة أذن ورجال ونساء أذن ، فلا ينثى ولا يجمع .

إنما سموه باسم العضو تهويلا وتشنيعاً فهو مجاز مرسل أطلق فيه الجزع على الكل مبالغة بجعل جملته - لفرط استماعه - آلة السماع ، كما سمى الجاسوس عيناً لذلك .والمعنى : ومن هؤلاء المنافقين قوم يؤذون النبى - صلى الله عليه وسلم - فيقولون عنه أنه كثير السماع والتصديق لكل ما يقال له بدون تمييز بين الحق والباطل .وقوله : ( قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ ) رد عليهم بما يخرس ألسنتهم ويكبت أنفسهم وهو من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة على سبيل المبالغة فى المدح كقولهم رجل صدق أى قد بلغ النهاية فى الصدق والاستقامة .والمعنى : قبل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ والتبكيت : سلمنا .

كما تزعمون .

أنى كثير السماع والتصديق لما يقال ، لكن هذه الكثرة ليست للشر والخير بدون تمييز وإنما هى للخير ولما وافق الشرع فحسب .ويجوز أن تكون الإِضافة فيه على معنى " فى " ، أى هو اذن فى الخير والحق ، وليس بأذن فى غير ذلك من وجوه الباطل والشر .وهذه الجملة الكريمة من أسمى الأساليب وأحكمها فى الرد على المرجفين والفاسقين ، لأنه - سبحانه - صدقهم فى كونه - صلى الله عليه وسلم - أذناً ، وذلك بما هو مدح له ، حيث وصفه بأنه أذن خير لا شر .قال صاحب الإِنصاف : لا شئ أبلغ من الرد عليهم بهذا الوجه ، لأن فى الأول إطماع لهم بالموافقة ثم كر على طمعهم بالحسم ، وأعقبهم فى تنقصه باليأس ، منه ، ولا شئ أقطع من الإِطماع ثم اليأس يتلوه ويعقبه .وقوله : ( يُؤْمِنُ بالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ ) تفسير وتوضيح لكونه - صلى الله عليه وسلم - أذن خير لهم لا أذن شر عليهم .أى : أن من مظاهر كونه - صلى الله عليه وسلم - أذن خير ، أنه " يؤمن بالله " إيماناً حقاً لا يحوم حوله شئ من الرياء ، أو الخداع أو غيرهما من ألوان السوء " ويؤمن للمؤمنين " أى : يصدقهم فيما يقولونه من أقوال توافق الشرع لأنهم أصحابه الذين أطاعوه ، واتبعوا النور الذى أنزل معه ، فهم أهل للتصديق والقبول .

دون غيرهم من المنافقين والفاسقين .قال الفخر الرازى : فإن قيل لماذا عدى الإِيمان إلى الله بالباء ، وإلى المؤمنين باللام؟قلنا : لأن الإِيمان المعدى إلى الله المراد منه التصديق الذى هو نقيض الكفر فعدى بالباء .

والإِيمان المعدى إلى المؤمنين المراد منه الاستماع منهم ، والتسليم لقولهم فعدى باللام ، كما فى قوله ( وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا ) أى بمصدق لنا .

وقوله : ( أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون ) وقوله : ( قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ) وقوله : ( وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ ) معطوف على قوله : ( أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ ) .أى : أن هذا الرسول الكريم بجانب أنه أذن خير لكم هو رحمة للذين آمنوا منكم - أيها المنافقون - إيماناً صحيحاً ، لأنه عن طريق إرشاده لهم إلى الخير ، واتباعهم لهذا الإِرشاد يصلون إلى ما يسعدهم فى دنياهم وآخرتهم .وعلى هذا يكون المارد بالذين آمنوا من المنافقين : أولئك الذيم صدقوا فى إيمانهم ، وأخلصوا لله قلوبهم ، وتركوا النفاق والرياء .أو أن المراد بالذين آمنوا بهم : أولئك الذين أظهروا الإِيمان ، فيكون المعنى : أن هذا الرسول الكريم رحمة للذين أظهروا الإِيمان منكم - أيها المنافقون - حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - عاملهم بحسب الظاهر ، دون أن يشكف أسرارهم ، أو يهتك أستارهم؛ لأن الحكمة تقتضى ذلك .وعلى هذا المعنى سار صاحب الكشاف فقد قال : وهو رحمة لمن آمن منكم ، أى : أظهر الإِيمان - أيها المنافقون - ، حيث يسمع منكم ، ويقبل إيمانكم الظاهر ، ولا يكشف أسراركم ، ولا يفضحكم ، ولا يفعل بكم ما يفعل بالمشركين ، مراعاة لما رأى الله من المصلحة فى الإِبقاء عليكم .

.وقوله : ( والذين يُؤْذُونَ رَسُولَ الله لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) تذييل قصد به تهديدهم وزجرهم عن التعرض لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بآية إساءة .أى : والذين يؤذون رسول الله بأى لون من ألوان الأذى ، لهم عذاب أليم فى دنياهم وآخرتهم؛ لأنهم بإيذائهم له يكونون قد استهانوا بمن أرسله الله رحمة للعالمين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا نوع آخر من جهالات المنافقين وهو أنهم كانوا يقولون في رسول الله أنه أذن على وجه الطعن والذم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم في رواية الأعمش وعبد الرحمن عن أبي عكرمة عنه ﴿ أُذُنُ خَيْرٍ ﴾ مرفوعين منونين، على تقدير: إن كان كما تقولون إنه أذن.

فأذن خير لكم يقبل منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم، والباقون ﴿ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ ﴾ بالإضافة، أي هو أذن خير، لا أذن شر، وقرأ نافع ﴿ أَذِنَ ﴾ ساكنته الذال في كل القرآن، والباقون بالضم وهما لغتان مثل عنق وظفر.

المسألة الثانية: قال ابن عباس رضي الله عنه: أن جماعة من المنافقين، ذكروا النبي صلى الله عليه وسلم بما لا ينبغي من القول فقال بعضهم لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ما نقول، فقال الجلاس بن سويد: بل نقول ما شئنا، ثم نذهب إليه ونحلف أنا ما قلنا، فيقبل قولنا، وإنما محمد أذن سامعة، فنزلت هذه الآية.

وقال الحسن: كان المنافقون يقولون ما هذا الرجل إلا أذن، من شاء صرفه حيث شاء لا عزيمة له.

وروى الأصم أن رجلاً منهم قال لقومه إن كان ما يقول محمد حقاً، فنحن شر من الحمير فسمعها ابن امرأته، فقال: والله إنه لحق وإنك أشر من حمارك، ثم بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال بعضهم: إنما محمد أذن ولو لقيته وحلفت له ليصدقنك، فنزلت هذه الآية على وفق قوله.

فقال القائل: يا رسول الله لم أسلم قط قبل اليوم، وإن هذا الغلام لعظيم الثمن علي والله لأشكرنه ثم قال الأصم: أظهر الله تعالى عن المنافقين وجوه كفرهم التي كانوا يسرونها لتكون حجة للرسول ولينزجروا.

فقال: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات ﴾ .

ثم قال: ﴿ وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبى ﴾ ثم قال: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله ﴾ إلى غير ذلك من الأخبار عن الغيوب، وفي كل ذلك دلائل على كونه نبياً حقاً من عند الله.

المسألة الثالثة: اعلم أنه تعالى حكى أن من المنافقين من يؤذي النبي، ثم فسر ذلك الإيذاء بأنهم يقولون للنبي أنه أذن، وغرضهم منه أنه ليس له ذكاء ولا بعد غور، بل هو سليم القلب سريع الاغترار بكل ما يسمع، فلهذا السبب سموه بأنه أذن، كما أن الجاسوس يسمى بالعين يقال: جعل فلان علينا عيناً، أي جاسوساً متفحصاً عن الأمور، فكذا هاهنا.

ثم إنه تعالى أجاب عنه بقوله: ﴿ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ ﴾ والتقدير: هب أنه أذن لكنه خير لكم وقوله: ﴿ أُذُنُ خَيْرٍ ﴾ مثل ما يقال فلان رجل صدق وشاهد عدل، ثم بين كونه ﴿ أُذُنُ خَيْرٍ ﴾ بقوله: ﴿ يُؤْمِنُ بالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ ﴾ جعل تعالى هذه الثلاثة كالموجبة لكونه عليه الصلاة والسلام ﴿ أُذُنُ خَيْرٍ ﴾ فلنبين كيفية اقتضاء هذه المعاني لتلك الخيرية.

أما الأول: وهو قوله: ﴿ يُؤْمِنُ بالله ﴾ فلأن كل من آمن بالله خائفاً من الله، والخائف من الله لا يقدم على الإيذاء بالباطل.

وأما الثاني: وهو قوله: ﴿ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ فالمعنى أنه يسلم للمؤمنين قولهم والمعنى أنهم إذا توافقوا على قول واحد، سلم لهم ذلك القول، وهذا ينافي كونه سليم القلب سريع الاغترار.

فإن قيل: لم عدى الإيمان إلى الله بالباء وإلى المؤمنين باللام؟

قلنا: لأن الإيمان المعدى إلى الله المراد منه التصديق الذي هو نقيض الكفر، فعدى بالباء، والإيمان المعدى إلى المؤمنين معناه الاستماع منهم والتسليم لقولهم فيتعدى باللام، كما في قوله: ﴿ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا  ﴾ وقوله: ﴿ فَمَا ءامَنَ لموسى إِلاَّ ذُرّيَّةٌ مّن قَوْمِهِ  ﴾ وقوله: ﴿ أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون  ﴾ وقوله: ﴿ ءامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لكم  ﴾ .

وأما الثالث: وهو قوله: ﴿ وَرَحْمَةٌ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ ﴾ فهذا أيضاً يوجب الخيرية لأنه يجري أمركم على الظاهر، ولا يبالغ في التفتيش عن بواطنكم، ولا يسعى في هتك أستاركم، فثبت أن كل واحد من هذه الأوصاف الثلاثة يوجب كونه ﴿ أُذُنُ خَيْرٍ ﴾ ولما بين كونه سبباً للخير والرحمة بين أن كل من آذاه استوجب العذاب الأليم، لأنه إذا كان يسعى في إيصال الخير والرحمة إليهم مع كونهم في غاية الخبث والخزي، ثم إنهم بعد ذلك يقابلون إحسانه بالإساءة وخيراته بالشرور، فلا شك أنهم يستحقون العذاب الشديد من الله تعالى.

المسألة الرابعة: أما قراءة من قرأ ﴿ أُذُنُ خَيْرٍ ﴾ بالتنوين في الكلمتين ففيه وجوه: الوجه الأول: التقدير قل أذن واعية سامعة للحق خير لكم من هذا الطعن الفاسد الذي تذكرون، ثم ذكر بعده ما يدل على فساد هذا الطعن، وهو قوله: ﴿ يُؤْمِنُ بالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ ﴾ والمعنى أن من كان موصوفاً بهذه الصفات، فكيف يجوز الطعن فيه، وكيف يجوز وصفه بكونه سليم القلب سريع الاغترار؟

الوجه الثاني: أن يضمر مبتدأ، والتقدير: هو أذن خير لكم، أي هو أذن موصوف بالخيرية في حقكم، لأنه يقبل معاذيركم، ويتغافل عن جهالاتكم، فكيف جعلتم هذه الصفة طعناً في حقه؟

الوجه الثالث: وهو وجه متكلف ذكره صاحب النظم.

فقال: ﴿ أَذِنَ ﴾ وإن كان رفعاً بالابتداء في الظاهر لكن موضعه نصب على الحال وتأويله قل هو أذناً خير إذا كان أذناًفهو خير لكم لأنه يقبل معاذيركم، ونظيره، وهو حافظاً خير لكم، أي هو حال كونه حافظاً خير لكم إلا أنه لما كان محذوفاً وضع الحال مكان المبتدأ تقديره، وهو حافظ خير لكم وإضمار هو في القرآن كثير.

قال تعالى: ﴿ سَيَقُولُونَ ثلاثة ﴾ أي هم ثلاثة، وهذا الوجه شديد التكلف، وإن كان قد استحسنه الواحدي جداً.

المسألة الخامسة: قرأ حمزة ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ بالجر عطفاً على ﴿ خَيْرٌ ﴾ كأنه قيل: أذن خير ورحمة، أي مستمع كلام يكون سبباً للخير والرحمة.

فإن قيل: وكل رحمة خير، فأي فائدة في ذكر الرحمة عقيب ذكر الخير؟

قلنا: لأن أشرف أقسام الخير هو الرحمة، فجاز ذكر الرحمة عقيب ذكر الخير، كما في قوله تعالى: ﴿ وَمَلئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال  ﴾ قال أبو عبيد: هذه القراءة بعيدة لأنه تباعد المعطوف عن المعطوف عليه.

قال أبو علي الفارسي: البعد لا يمنع من صحة العطف، ألا ترى أن من قرأ ﴿ وَقِيلِهِ يارب  ﴾ إنما يحمله على قوله: ﴿ وَعِندَهُ عِلْمُ الساعة  ﴾ تقديره: وعنده علم الساعة وعلم قيله.

فإن قيل: ما وجه قراءة ابن عامر ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ بالنصب؟

قلنا: هي علة معللها محذوف، والتقدير: ورحمة لكم يأذن إلا أنه حذف، لأن قوله: ﴿ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ ﴾ يدل عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الأذن: الرجل الذي يصدق كل ما يسمع ويقبل قول كل أحد، سمي بالجارحة التي هي آلة السماع، كأن جملته أذنٌ سامعة، ونظيره قولهم للربيئة.

عين.

وإيذاؤهم له: هو قولهم فيه ﴿ هُوَ أُذُنٌ ﴾ .

وأذن خير، كقولك: رجل صدق، تريد الجودة والصلاح، كأنه قيل: نعم هو أذن، ولكن نعم الأذن.

ويجوز أن يريد: هو أذن في الخير والحق وفيما يجب سماعه وقبوله، وليس بأذن في غير ذلك ودلّ عليه قراءة حمزة ﴿ ورحمةٍ ﴾ بالجرّ عطفاً عليه أي: هو أذن خير ورحمة لا يسمع غيرهما ولا يقبله.

ثم فسر كونه أذن خير بأنه يصدق بالله، لما قام عنده من الأدلة ويقبل من المؤمنين الخلص من المهاجرين والأنصار، وهو رحمة لمن آمن منكم، أي أظهر الإيمان أيها المنافقون حيث يسمع منكم ويقبل إيمانكم الظاهر، ولا يكشف أسراركم ولا يفضحكم، ولا يفعل بكم ما يفعل بالمشركين، مراعاة لما رأى الله من المصلحة في الإبقاء عليكم، فهو أذن كما قلتم، إلاّ أنه أذن خير لكم لا أذن سوء فسلم لهم قولهم فيه، إلا أنه فسر بما هو مدح له وثناء عليه، وإن كانوا قصدوا به المذمّة والتقصير بفطنته وشهامته، وأنه من أهل سلامة القلوب والغرّة.

وقيل: إنّ جماعة منهم ذمّوه صلوات الله عليه وسلامه وبلغه ذلك، فاشتغلت قلوبهم فقال بعضهم: لا عليكم فإنما هو أذن سامعة قد سمع كلام المبلغ فأذن، ونحن نأتيه ونعتذر إليه فيسمع عذرنا أيضاً فيرضى، فقيل: هو أذن خير لكم.

وقرئ: ﴿ أذن خير لكم ﴾ ، على أن أذن خبر مبتدإ محذوف؛ وخير كذلك، أي هو أذن هو خير لكم يعني إن كان كما تقولون فهو خير لكم، لأنه يقبل معاذيركم ولا يكافئكم على سوء دخلتكم.

وقرأ نافع بتخفيف الذال.

فإن قلت: لم عدّي فعل الإيمان بالباء إلى الله تعالى، وإلى المؤمنين باللام؟

قلت: لأنه قصد التصديق بالله الذي هو نقيض الكفر به، فعدّي بالباء وقصد السماع من المؤمنين، وأن يسلم لهم ما يقولونه ويصدّقه، لكونهم صادقين عنده، فعدّي باللام، ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَما أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صادقين ﴾ [يوسف: 17] ما أنبأه عن الباء.

ونحوه: ﴿ فما آمن لموسى إلاّ ذرية من قومه ﴾ [يونس: 83] ، ﴿ أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون ﴾ [الشعراء: 111] ، ﴿ ءامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لَكُمْ ﴾ [طه: 71] فإن قلت: ما وجه قراءة ابن أبي عبلة: ورحمة بالنصب؟

قلت: هي علة معللها محذوف تقديره: ورحمة لكم يأذن لكم، فحذف لأنّ قوله: ﴿ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ ﴾ يدلّ عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ ﴾ يَسْمَعُ كُلَّ ما يُقالُ لَهُ ويُصَدِّقُهُ، سَمِّي بِالجارِحَةِ لِلْمُبالَغَةِ كَأنَّهُ مِن فَرْطِ اسْتِماعِهِ صارَ جُمْلَتُهُ آلَةَ السَّماعِ كَما سُمِّيَ الجاسُوسُ عَيْنًا لِذَلِكَ، أوِ اشْتُقَّ لَهُ فِعْلٌ مِن أذِنَ أُذُنًا إذا اسْتَمَعَ كَأنِفَ وشَلِلَ.

رُوِيَ أنَّهم قالُوا مُحَمَّدٌ أُذُنٌ سامِعَةٌ نَقُولُ ما شِئْنا ثُمَّ نَأْتِيهِ فَيُصَدِّقُنا بِما نَقُولُ.

﴿ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ ﴾ تَصْدِيقٌ لَهم بِأنَّهُ أُذُنٌ ولَكِنْ لا عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَمُّوا بِهِ بَلْ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَسْمَعُ الخَيْرَ ويَقْبَلُهُ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾ يُصَدِّقُ بِهِ لِما قامَ عِنْدَهُ مِنَ الأدِلَّةِ.

﴿ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ويُصَدِّقُهم لِما عَلِمَ مِن خُلُوصِهِمْ، واللّامُ مَزِيدَةٌ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ إيمانِ التَّصْدِيقِ فَإنَّهُ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ وإيمانِ الأمانِ.

﴿ وَرَحْمَةٌ ﴾ أيْ وهو رَحْمَةٌ.

﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ ﴾ لِمَن أظْهَرَ الإيمانَ حَيْثُ يَقْبَلُهُ ولا يَكْشِفُ سِرَّهُ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ يَقْبَلُ قَوْلَكم جَهْلًا بِحالِكم بَلْ رِفْقًا بِكم وتَرَحُّمًا عَلَيْكم.

وقَرَأ حَمْزَةُ (وَرَحْمَةٍ) بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى (خَيْرٍ) .

وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها عِلَّةُ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ أُذُنُ خَيْرٍ ﴾ أيْ يَأْذَنُ لَكم رَحْمَةً.

وقَرَأ نافِعٌ ﴿ أُذُنٌ ﴾ بِالتَّخْفِيفِ فِيهِما.

وَقُرِئَ « أُذُنٌ خَيْرٌ» عَلى أنَّ ﴿ خَيْرٍ ﴾ صِفَةٌ لَهُ أوْ خَبَرٌ ثانٍ ﴿ والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ بِإيذائِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} الأذن الرجل الذي يصدق كل ما يسمع ويقبل قول كل أحد سمى بالجارجة التي هي آلة السماع كأن جملته أذن سامعة وإيذاؤهم له هو قولهم فيه هُوَ أُذُنٌ قصدوا به المذمة وأنه من أهل سلامة القلوب والغرة ففسره الله تعالى بما هو مدح له وثناء عليه فقال {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ} كقولك رجل صدق تريد الجودة والصلاح كأنه قيل نعم هو أذن ولكن نعم الأذن ويجوز أن يريد هو أذن في الخير والحق وفيما يجب سماعه وقبوله وليس بأذان في غير ذلك ثم فسر كونه {أذن خير} بأنه {يؤمن بالله} أى يصدق لما قام عنده من الأدلة {وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} ويقبل من المؤمنين الخلص من المهاجرين والأنصار وعدي فعل الإيمان بالباء إلى الله لأنه قصد به التصديق بالله الذي هو ضد الكفر به وإلى المؤمنين باللام لأنه قصد السماع من المؤمنين وأن يسلم لهم ما يقولونه ويصدقه لكونهم صادقين عنده ألا ترى إلى قوله وما أنت بمؤمن لنا كيف ينبىء عن الباء

التوبة (٦١ _ ٦٥)

{وَرَحْمَةٌ} بالعطف على

أذن وَرَحْمَةٌ حمزة عطف على خَيْرٍ أي هو أذن خير وأذن رحمه لا يسمع غيرهم ولا يقبله {للذين آمنوا منكم} أى وهو رحمه للذين آمنوا منكم أي أظهروا الإيمان أيها المنافقون حيث يقبل إيمانكم الظاهر ولا يكشف أسراركم ولا يفعل بكم ما يفعل بالمشركين أو هو رحمة للمؤمنين حيث استنقذهم من الكفر إلى الإيمان ويشفع لهم في الآخرة بإيمانهم في الدنيا {والذين يُؤْذُونَ رَسُولَ الله لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في الدارين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ ﴾ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّها نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِنَ المُنافِقِينَ مِنهم: الحُلاسُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ صامِتٍ، ورِفاعَةُ بْنُ عَبْدِ المُنْذِرِ، ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ، وغَيْرُهم قالُوا ما لا يَنْبَغِي في حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ رَجُلٌ مِنهم: لا تَفْعَلُوا فَإنّا نَخافُ أنْ يَبْلُغَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما تَقُولُونَ فَيَقَعُ بِنا، فَقالَ الحُلاسُ: بَلْ نَقُولُ ما شِئْنا ثُمَّ نَأْتِيهِ فَيُصَدِّقُنا بِما نَقُولُ فَإنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُذُنٌ، وفي رِوايَةٍ: أُذُنٌ سامِعَةٌ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ يُقالُ لَهُ نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وكانَ رَجُلًا آدَمَ أحْمَرَ العَيْنَيْنِ أسْفَعَ الخَدَّيْنِ مُشَوَّهَ الخِلْقَةِ وكانَ يُنِمُّ حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى المُنافِقِينَ فَقِيلَ لَهُ: لا تَفْعَلْ، فَقالَ: إنَّما مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُذُنٌ مَن حَدَّثَهُ شَيْئًا صَدَّقَهُ، نَقُولُ شَيْئًا ثُمَّ نَأْتِيهِ ونَحْلِفُ لَهُ فَيُصَدِّقُنا، وهو الَّذِي قالَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن أرادَ أنْ يَنْظُرَ إلى الشَّيْطانِ فَلْيَنْظُرْ إلى نَبْتَلِ بْنِ الحارِثِ» وأرادُوا سَوَّدَ اللَّهُ تَعالى وُجُوهَهم وأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهم بِقَوْلِهِمْ أُذُنٌ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَسْمَعُ ما يُقالُ لَهُ ويُصَدِّقُهُ فَيَكُونُ وصْفُ ( أُذُنٌ ) بِما يُفِيدُ ذَلِكَ في كَلامِهِمْ كَشْفًا لَهُ، وهي في الأصْلِ اسْمٌ لِلْجارِحَةِ، وإطْلاقُها عَلى الشَّخْصِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ كَما يُؤَيِّدُهُ بَعْضُ الرِّواياتِ مِن بابِ المَجازِ المُرْسَلِ عَلى ما في المِفْتاحِ كَإطْلاقِ العَيْنِ عَلى رَبِيئَةِ القَوْمِ حَيْثُ كانَتِ العَيْنُ هي المَقْصُودَةَ مِنهُ، وصَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ ذَلِكَ مِن إطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِ: إذا ما بَدَتْ لَيْلى فَكُلِّي أعْيُنٌ وإنْ هي ناجَتْنِي فَكُلِّي مَسامِعُ وقِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ عَقْلِيٌّ كَـ ”رَجُلٌ عَدْلٌ“ وفِيهِ نَظَرٌ، والمُبالَغَةُ هُنا عَلى ما قِيلَ في أنَّهُ يَسْمَعُ كُلَّ قَوْلٍ بِاعْتِبارِ أنَّهُ يُصَدِّقُهُ لا في مُجَرَّدِ السَّماعِ، وما قِيلَ: إنَّ مُرادَهم بِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُذُنًا تَصْدِيقُهُ بِكُلِّ ما يُسْمَعُ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ ما يَلِيقُ بِالقَبُولِ لِمُساعَدَةِ أماراتِ الصِّدْقِ لَهُ وبَيْنَ ما لا يَلِيقُ بِهِ، فَلَيْسَ مِن قَبِيلِ إطْلاقِ العَيْنِ عَلى الرَّبِيئَةِ، ولِذا جَعَلَهُ بَعْضُهم مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ بِالأُذُنِ في أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ وراءَ الِاسْتِماعِ تَمْيِيزُ حَقٍّ عَنْ باطِلٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ وقِيلَ: إنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: ذُو أُذُنٍ ولا يَخْفى أنَّهُ مَذْهَبٌ لِرَوْنَقِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( أُذُنٌ ) صِفَةً مُشَبَّهَةً مِن أذِنَ يَأْذَنُ إذْنًا إذا اسْتَمَعَ وأنْشَدَ الجَوْهَرِيُّ لِقَعْنَبٍ: إنْ يَسْمَعُوا رِيبَةً طارُوا بِها فَرَحًا ∗∗∗ مِنِّي وما سَمِعُوا مِن صالِحٍ دَفَنُوا صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ ∗∗∗ وإنْ ذُكِرْتُ بِشَرٍّ عِنْدَهم أذِنُوا وعَلى هَذا هو صِفَةٌ بِمَعْنى سَمِيعٍ ولا تَجُوزُ فِيهِ، وما تَأذّى بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ما قالُوهُ في حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن سائِرِ الأقْوالِ الباطِلَةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ ويَقُولُونَ ﴾ ) إلَخْ غَيْرَ ما تَأذّى بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَفْسُ قَوْلِهِمْ ( ﴿ هُوَ أُذُنٌ ﴾ ) فَيَكُونُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ و( ﴿ يُؤْذُونَ ﴾ ) مُضارِعُ آذاهُ والمَشْهُورُ في مَصْدَرِهِ أذًى وأذاةٍ وأذِيَّةٍ وجاءَ أيْضًا الإيذاءُ كَما أثْبَتَهُ الرّاغِبُ، وقَوْلُ صاحِبِ القامُوسِ: ولا تَقُلْ إيذاءً- خَطَأٌ مِنهُ.

( ﴿ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ ﴾ ) مِن قَبِيلِ: رَجُلُ صِدْقٍ فَهو مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفاتِ لِلْمُبالَغَةِ في الجَوْدَةِ والصَّلاحِ كَأنَّهُ قِيلَ: نَعَمْ هو أُذُنٌ ولَكِنْ نِعْمَ الأُذُنُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ عَلى مَعْنى فِي، أيْ: هو أُذُنٌ في الخَيْرِ والحَقِّ وفِيما يَجِبُ سَماعُهُ وقَبُولُهُ، ولَيْسَ بِأُذُنٍ في غَيْرِ ذَلِكَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ حَمْزَةَ ( ﴿ ورَحْمَةٌ ﴾ ) فِيما يَأْتِي بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى خَيْرٍ، فَإنَّهُ لا يَحْسُنُ وصْفُ الأُذُنِ بِالرَّحْمَةِ، ويَحْسُنُ أنْ يُقالَ: أُذُنٌ في الخَيْرِ والرَّحْمَةِ، وهَذا كَما قالَ ابْنُ المُنِيرِ أبْلَغُ أُسْلُوبٍ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ لِأنَّ فِيهِ أطْماعًا لَهم بِالمُوافَقَةِ عَلى مَدْعاهم ثُمَّ كَرَّ عَلَيْهِمْ بِحَسْمِ طَمَعِهِمْ وبَتِّ أُمْنِيَتِهِمْ وهو كالقَوْلِ المُوجِبِ، وقَرَأ نافِعٌ ( أُذُنُ ) بِالتَّخْفِيفِ في المَوْضِعَيْنِ وقَرَأ ( أُذُنٌ ) بِالتَّنْوِينِ فَخَيْرٌ صِفَةٌ لَهُ بِمَعْنى خَيِّرٍ المُشَدَّدِ أوْ أفْعَلِ تَفْضِيلٍ أوْ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ أوْ بِالتَّأْوِيلِ المَشْهُورِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾ ) تَفْسِيرٌ لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُذُنَ خَيْرٍ لَهم، أيْ يُصَدِّقُ بِاللَّهِ تَعالى لِما قامَ عِنْدَهُ مِنَ الأدِلَّةِ والآياتِ المُوجِبَةِ لِذَلِكَ، وكَوْنُ ذَلِكَ صِفَةَ خَيْرٍ لِلْمُخاطَبِينَ كَما أنَّهُ خَيْرٌ لِلْعالَمِينَ مِمّا لا يَخْفى ( ﴿ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ) أيْ يُصَدِّقُهم لِما عَلِمَ فِيهِمْ مِنَ الخُلُوصِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا مُنْدَرِجٌ في حَيِّزِ التَّفْسِيرِ لَكِنَّ الغالِبَ مِنَ المُفَسِّرِينَ لَمْ يُبَيِّنُوا وجْهَهُ كَوْنَهُ صِفَةَ خَيْرٍ لِلْمُخاطَبِينَ، نَعَمْ قالَ مَوْلانا الشِّهابُ: إنَّ المَعْنى هو أُذُنُ خَيْرٍ يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تَعالى ودَلائِلَهُ فَيُصَدِّقُها ويَسْمَعُ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ فَيُسَلِّمُهُ لَهم ويُصَدِّقُهم بِهِ، وهو تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُنافِقِينَ أُذُنُ شَرٍّ يَسْمَعُونَ آياتِ اللَّهِ تَعالى ولا يَنْتَفِعُونَ بِها ويَسْمَعُونَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ ولا يَقْبَلُونَهُ، وأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَسْمَعُ قَوْلَهم إلّا شَفَقَةً عَلَيْهِمْ لا أنَّهُ يَقْبَلُهُ لِعَدَمِ تَمْيِيزِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما زَعَمُوا، وبِهَذا يَصِحُّ وجْهُ التَّفْسِيرِ فَتَدَبَّرْ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ في إرادَةِ هَذا المَعْنى مِن هَذا المِقْدارِ مِنَ الآيَةِ بُعْدًا، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ المُرادَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَسْمَعُ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ ويُصَدِّقُهم ولا يُصَدِّقُ المُنافِقِينَ، وإنْ سَمِعَ قَوْلَهم، وكَوْنُ ذَلِكَ صِفَةَ خَيْرٍ لِلْمُخاطَبِينَ إمّا بِاعْتِبارِ أنَّهُ قَدْ يَنْجَرُّ إلى إخْلاصِهِمْ لِما أنَّ فِيهِ انْحِطاطَ مَرْتَبَتِهِمْ عَنْ مَرْتَبَةِ المُخْلِصِينَ، وإمّا بِاعْتِبارِ أنَّ تَصْدِيقَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْمُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ فِيما يَقُولُونَهُ مِنَ الحَقِّ مِن مُتَمِّماتِ تَصْدِيقِهِ آياتِ اللَّهِ تَعالى ولا شَكَّ في خَيْرِيَّةِ ذَلِكَ لِلْمُخاطَبِينَ بَلْ ولِغَيْرِهِمْ أيْضًا فَلْيُفْهَمْ.

والإيمانُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾ ) بِمَعْنى الِاعْتِرافِ والتَّصْدِيقِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، ولِذا عَدّى بِالباءِ، وأمّا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ) فَهو بِمَعْنى جَعَلَهم في أمانٍ مِنَ التَّكْذِيبِ، فاللّامُ فِيهِ مَزِيدَةٌ لِلتَّقْوِيَةِ لِأنَّهُ بِذَلِكَ المَعْنى مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ كَذا قِيلَ، وفِيهِ أنَّ الزِّيادَةَ لِتَقْوِيَةِ الفِعْلِ المُتَقَدِّمِ عَلى مَعْمُولِهِ قَلِيلَةٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهُ قَصْدٌ مِنَ الإيمانِ في الأوَّلِ التَّصْدِيقُ بِاللَّهِ تَعالى الَّذِي هو نَقِيضُ الكُفْرِ، فَعُدِّيَ بِالباءِ الَّذِي يَتَعَدّى بِها الكَفْرُ حَمْلًا لِلنَّقِيضِ عَلى النَّقِيضِ وقَصَدَ مِنَ الإيمانِ في الثّانِي السَّماعَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وأنْ يُسَلِّمَ لَهم ما يَقُولُونَهُ ويُصَدِّقُهم لِكَوْنِهِمْ صادِقِينَ عِنْدَهُ فَعُدِّيَ بِاللّامِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ ﴾ ) حَيْثُ عُدِّيَ الإيمانُ فِيهِ بِاللّامِ لِأنَّهُ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ لَهم، وظاهِرُ هَذا أنَّ اللّامَ لَيْسَتْ مَزِيدَةً لِلتَّقْوِيَةِ كَما في الأوَّلِ، وكَلامُ بَعْضِهِمْ يُشْعِرُ ظاهِرُهُ بِزِيادَتِها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ ورَحْمَةٌ ﴾ ) عَطْفٌ عَلى ( ﴿ أُذُنُ خَيْرٍ ﴾ ) أيْ وهو رَحْمَةٌ، وفِيهِ الإخْبارُ بِالمَصْدَرِ والكَلامُ في ذَلِكَ مَعْلُومٌ ( ﴿ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ ﴾ ) أيْ لِلَّذِينِ أظْهَرُوا الإيمانَ حَيْثُ يَقْبَلُهُ مِنهم لَكِنْ لا تَصْدِيقًا لَهم في ذَلِكَ بَلْ رِفْقًا بِهِمْ وتَرَحُّمًا عَلَيْهِمْ ولا يَكْشِفُ أسْرارَهم ولا يَهْتِكُ أسْتارَهم.

وظاهِرُ كَلامِ الخازِنِ أنَّ المُرادَ ( مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ) المُخْلِصُونَ وذَكَرَ ( مِنكم ) بِاعْتِبارِ أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ والحَقُّ حَمَلَ ذَلِكَ عَلى المُنافِقِينَ، وإسْنادُ الإيمانِ إلَيْهِمْ بِصِيغَةِ الفِعْلِ بَعْدَ نِسْبَتِهِ إلى المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ بِصِيغَةِ الفاعِلِ المُنْبِئَةِ عَنِ الرُّسُوخِ والِاسْتِمْرارِ لِلْإيذانِ بِأنَّ إيمانَهم أمْرٌ حادِثٌ ما لَهُ مِن قَرارٍ، ولَعَلَّ العُدُولَ عَنْ رَحْمَةٍ لَكم إلى ما ذُكِرَ لِلْإشارَةِ إلى ذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ( رَحْمَةً ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ أُذُنُ خَيْرٍ ﴾ أيْ يَأْذَنُ لَكم ويَسْمَعُ رَحْمَةً وجُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى آخِرِ مُقَدَّرٍ أيْ تَصْدِيقًا لَهم ورَحْمَةً لَكم ( ﴿ والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ ) أيْ بِأيِّ نَوْعٍ مِنَ الإيذاءِ كانَ وفي صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ المُشْعِرَةِ بِتَرَتُّبِ الوَعِيدِ عَلى الِاسْتِمْرارِ عَلى ما هم عَلَيْهِ إشْعارٌ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ ( ﴿ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ) أيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ بِناءُ الحُكْمِ عَلى المَوْصُولِ، وجُمْلَةُ المَوْصُولِ وخَبَرُهُ مَسُوقٌ مِن قِبَلِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى نَهْجِ الوَعِيدِ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الخِطابِ، وفي تَكْرِيرِ الإسْنادِ بِإثْباتِ العَذابِ الألِيمِ لَهم ثُمَّ جَعَلَ الجُمْلَةَ خَبَرًا ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ، وإيرادُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ مَعَ الإضافَةِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِغايَةِ التَّعْظِيمِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ أذِيَّتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ راجِعَةٌ إلى جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ مُوجِبَةٌ لِكَمالِ السُّخْطِ والغَضَبِ مِنهُ سُبْحانَهُ.

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الإيذاءَ لا يَخْتَصُّ بِحالِ حَياتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَلْ يَكُونُ بَعْدَ وفاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيْضًا، وعَدُّوا مِن ذَلِكَ التَّكَلُّمَ في أبَوَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما لا يَلِيقُ، وكَذا إيذاءُ أهْلِ بَيْتِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كَإيذاءِ يَزِيدَ عَلَيْهِ ما يَسْتَحِقُّ لَهم ولَيْسَ بِالبَعِيدِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ قال ابن عباس: نزلت الآية في جماعة من المنافقين مّنْهُمْ: جلاس بن سويد، ومحشر بن خويلد، وأبو ياسر بن قيس، وذلك أنهم كانوا ينالون من رسول الله  ، فقال رجل منهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه الخبر.

فقال الجلاس: نقول ما نشاء، فإنما هُوَ أُذُنٌ سامعة ثم نأتيه فيصدقنا، والأذن الذي يقبل كل ما قيل له وقال القتبي: قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ، يعني: إن كان الأمر كما يذكرون فهو خير لكم، ولكنه يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ، يعني: يصدق الله ويصدق المؤمنين لا أنتم.

والباء واللام زائدتان، يعني: يصدق الله ويصدق محمد المؤمنين، فذلك قوله تعالى: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ يعني: من المنافقين من يؤذي النبي وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ يعني: سامع لمن حدثه.

قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ.

قراءة العامة قُلْ أُذُنُ بغير تنوين خَيْرٍ لَكُمْ بكسر الراء وقرأ بعضهم: أُذُنٌ بالتنوين خَيْرٍ بالتنوين والضم.

فمن قرأ أذُنٌ بالتنوين، فمعناه إن كان محمد كما قلتم أذنٌ فهو خيرٌ لكم أي: صلاح لكم.

ومن قرأ بالكسر فهو على الإضافة، أي أذن خير لكم وأذن رحمة- وقرأ نافع أُذُنٌ بجزم الذال والباقون بالضم، وهما لغتان (١) يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، يعني: يصدق بالله تعالى في مقالته، وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ يعني: يصدق قول المؤمنين، وَرَحْمَةٌ يعني: نعمة لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ، في السر والعلانية وقرأ حمزة وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ على معنى الإضافة، يعني: أذن رحمة، وقرأ الباقون وَرَحْمَةٌ بالضم على معنى الاستئناف.

وقرأ نافع أُذُنٌ بجزم الذال بضمة واحدة وقرأ الباقون بضمتين.

ثم قال: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، يعني وجيع.

ثم جاءوا إلى الرسول وحلفوا، فأخبر الله تعالى أنهم كاذبون في حلفهم، يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ.

قال الزجاج: لم يقل أحق أن يرضوهما، لأن في الكلام ما يدلّ عليه، لأن في رضى الله تعالى رضى الرسول فحذف تخفيفاً، ومعناه: والله أحق أن يرضوه، ورسوله أحق أن يرضوه، كما قال الشاعر: نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بَمَا ...

عِنْدَكَ رَاضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ أي: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض.

ويقال: يكره أن يجمع بين ذكر الله تعالى وذكر رسوله في كتابة واحدة، ويستحب أن يكون ذكر الله تعالى مقدما ثم ذكر النبي  مؤخراً.

وذكر في بعض الأخبار: أن خطيباً قام عند النبيّ  فقال في خطبته: «من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى فقال النبيّ  : «بِئْسَ الخَطِيبُ أَنْتَ» (٢) مصدقين بقلوبهم في السر.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .

(٢) حديث عدي بن حاتم: أخرجه مسلم (870) وأبو داود (1099) و (498) وأحمد 4/ 379 والنسائي: 6/ 90.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وأَمَّا العاملون: فهم جُبَاتها يستنيبهم الإِمامُ في السعْي على الناس، وجَمْعِ صَدَقَاتهم، قال الجُمْهور: لَهُمْ قَدْر تعبهم ومؤنتهم، وأما الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، فكانوا مُسْلِمين وكافرينَ مستَتِرِينَ مُظْهرين للإِسلام حتى وثَّقه الاستئلاف في أكثرهم، واستئلافهم إِنما كان لِتُجْلَبَ إلى الإِسلام مَنْفَعة، أو تُدْفَعَ عنه مَضَرَّة، والصحيحُ بَقَاءُ حكمهم إِن احتيج إِليهم، وأَما الرِّقابِ، فمذْهَبُ مالك وغيره هو ابتداء عِتْق مؤْمِن، وأما الغَارِمُ: فهو الرجُلُ يرْكَبه دَيْن في غير مَعْصِيَة ولا سَفَه، كذا قال العلماء، وأما فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فهو الغازِي، وإِن كانَ مَلِيًّا ببَلَده، وأمَّا ابْنِ السَّبِيلِ، فهو المسافِرُ، وإِن كان غنيًّا ببلده، وسمي المُسَافِرِ ابْنَ السبيلِ لملازمته السبيلِ.

ومَنِ ادعى الفقْر صُدِّق إِلاَّ لريبة فيكلَّف حينئذٍ/ البيِّنة، وأمَّا إِن ادعى أنه غارمٌ أو ابن السبيل أو غازٍ، ونحو ذلك مما لا يُعْلَم إِلا منه، فلا يعطَى إِلا ببينة، وأهلُ بلد الصَّدقة أَحقُّ بها إِلا أن تَفْضُل فضلةٌ، فتنقل إِلى غيرهم.

قال ابنُ حَبِيب: وينبغي للإِمام أن يأمِر السُّعَاة بتَفْريقها في المواضِعِ التي جُبِيَتْ فيها، ولا يحمل منها شيْءٌ إِلى الإِمام، وفي الحديثِ: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» «١» .

وقوله سبحانه: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ: أي: موجبةً محدودةً.

وقوله سبحانه: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ: أي: ومن المنافقين، ويُؤْذُونَ: لفظ يعمّ أنواع إذاءتهم له صلّى الله عليه وسلّم، وخص بعد ذلك مِنْ قولهم: هُوَ أُذُنٌ، وروي أن قائل هذه المقالة نَبْتَلُ بْنُ الحارثِ، وكان من مَرَدَةِ المنافقين، وفيه قال صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الشَّيْطَانِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى نَبْتَلِ بْنِ الحَارِثِ» «١» ، وكان ثائر الرأس، منتفشَ الشَّعْر، أحمر العينَيْن، أسْفَع الخدَّيْن، مشوَّهاً.

قال الحسن البصريُّ ومجاهد: قولهم: هُوَ أُذُنٌ: أي: يسمع معاذيرنا ويقبلها «٢» ، أي: فنحن لا نُبَالِي من الوقوع فيه، وهذا تنقُّص بقلَّة الحزم، وقال ابن عبَّاس وغيره: إِنهم أرادوا بقولهم: هُوَ أُذُنٌ: أي: يسمع كلَّ ما ينقَلُ إِليهِ عنا، ويصغَي إِليه «٣» ويقبله، فهذا تَشَكٍّ منه عليه السلام، ومعنى أُذُنٌ: سماع، وهذا من باب تسمية الشيْء بالشيء، إِذا كان منْهُ بسبب كما يقال للرؤية: عيْن وكما يقال للمسنَّة من الإِبل التي قد بَزَلَ نابها:

نَاب.

وقيل: معنى الكلامِ: ذو أُذُنٍ، أَي: ذو سماع، وقيل: إِنه مشتقٌّ من قولهم: أَذِنَ إِلَى شَيْءٍ إِذا استمع ومنه قول الشاعر: [البسيط]

صُمٌّ إِذَا سَمِعُوا خَيْراً ذُكِرْتُ بِه ...

وَإِنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهُمْ أَذِنُوا

وقرأ نافع: «أذن» - بسكون الذال فيهما-، وقرأ الباقون «٤» بضمِّها فيهما، وكلُّهم قرأ بالإِضافة إِلى «خير» إِلا ما رُوِيَ عن عاصمٍ، وقرأ الحسن «٥» وغيره: «قُلْ أُذُنٌ خَيْرٌ» - بتنوين

«أُذن» ، ورفع «خير» -، وهذا جار على تأويله المتقدِّم، والمعنى: من يقبل معاذيركم خيرٌ لكم، ورُوِيَتْ هذه القراءة عن عاصمٍ، ومعنى «أذن خيرٍ» على الإِضافة: أي سَمَاعُ خيرٍ وحقٍّ، ويُؤْمِنُ بِاللَّهِ: معناه: يصدِّق باللَّه، وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ: قيل: معناه: ويصدِّق المؤمنين، واللام زائدة، وقيل: يقال: آمَنْتُ لك، بمعنى: صدَّقتك ومنه: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا [يوسف: ١٧] .

قال ع «١» : وعندي أن هذه التي معها اللامُ في ضِمْنها بَاءٌ، فالمعنَى: ويصدِّق للمؤمنين بما يخبرونه به، وكذلك قوله: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا بِمَا نَقُوله.

ت: ولما كانَتْ أخبار المنافقين تصلُ إِلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تارةً بإِخبار اللَّه له، وتارةً بإِخبار المؤمنين، وهم عدولٌ، ناسب اتصال قوله سبحانه: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ بما قبله، ويكون التصديقُ هنا خاصًّا بهذه القضيَّة، وإِن كان ظاهر اللفظ عامّا إذ من المعلوم أنه صلّى الله عليه وسلّم لم يَزَلْ مصدِّقاً باللَّه، وقرأ جميع السبعة إِلاَّ حمزة و «رَحْمَةٌ» - بالرفع- عطفاً على «أُذُن» ، وقرأ حمزة وحْده: و «رَحْمَةٍ» - بالخفض- عطفاً على «خَيْرٍ» ، وخصَّص الرحمة للذين آمنوا إِذ هم الذين فازوا ونَجْوا بالرسول عليه السلام، يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ: يعني: المنافقين.

وقوله: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ: التقدير عند سيبَوَيْهِ: واللَّه أحقُّ أَن يرضوه، ورسوله أحَقُّ أن يرضُوه، فحذف الخَبَر من الجملة الأولَى، لدلالة الثانية عليه.

وقيل: الضمير في «يرضوه» عائدٌ على المذكور كما قال رُؤْبَةُ: [الرجز]

فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلَقْ ...

كَأَنَّهُ فِي الجلد توليع البهق «٢»

أي: كأنّ المذكور.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ خِذامَ بْنَ خالِدٍ، والجُلّاسَ بْنَ سُوَيْدٍ، وعُبَيْدَ بْنَ هِلالٍ في آَخَرِينَ، كانُوا يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا تَفْعَلُوا، فَإنّا نَخافُ أنْ يُبَلِّغَهُ فَيَقَعُ بِنا، فَقالَ الجُلّاسُ: بَلْ نَقُولُ ما شِئْنا، فَإنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنٌ سامِعَةٌ، ثُمَّ نَأْتِيهِ فَيُصَدِّقُنا؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛» قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ «رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ يُقالُ لَهُ: نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، كانَ يَنُمُّ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ  إلى المُنافِقِينَ، فَقِيلَ لَهُ: لا تَفْعَلْ؛ فَقالَ: إنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنُ، مَن حَدَّثَهُ شَيْئًا، صَدَّقَهُ؛ نَقُولُ ما شِئْنا، ثُمَّ نَأْتِيهِ فَنَحْلِفُ لَهُ فَيُصَدِّقُنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛» قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.

والثّالِثُ: «أنَّ ناسًا مِنَ المُنافِقِينَ مِنهم جُلّاسُ بْنُ سُوِيدٍ، ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ، اجْتَمَعُوا، فَأرادُوا أنْ يَقَعُوا في النَّبِيِّ  ، وعِنْدَهم غُلامٌ مِنَ الأنْصارِ يُدْعى عامِرَ بْنَ قَيْسٍ، فَحَقَّرُوهُ، فَتَكَلَّمُوا وقالُوا: لَئِنْ كانَ ما يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ حَقًّا، لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَغَضِبَ الغُلامُ، وقالَ: واللَّهِ إنَّ ما يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ حَقٌّ، وإنَّكم لَشَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ؛ ثُمَّ أتى النَّبِيَّ  فَأخْبَرَهُ، فَدَعاهم فَسَألَهم فَحَلَفُوا أنَّ عامِرًا كاذِبٌ، وحَلَفَ عامِرٌ أنَّهم كَذَبُوا، وقالَ: اللَّهُمَّ لا تُفَرِّقْ بَيْنَنا حَتّى تُبَيِّنَ صِدْقَ الصّادِقِ، وكَذِبَ الكاذِبِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» ونَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ ﴾ ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

فَأمّا الأذى، فَهو عَيْبُهُ ونَقْلُ حَدِيثِهِ.

ومَعْنى (أُذُنٌ) يَقْبَلُ كُلَّ ما قِيلَ لَهُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأصْلُ في هَذا أنَّ الأُذُنَ هي السّامِعَةُ، فَقِيلَ لَكُلِّ مَن صَدَّقَ بِكُلِّ خَبَرٍ يَسْمَعُهُ: أُذُنٌ.

وجُمْهُورُ القُرّاءِ يَقْرَؤُونَ (هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ) بِالتَّثْقِيلِ.

وقَرَأ نافِعٌ "هُوَ أُذْنٌ قُلْ أذْنٌ خَيْرٌ" بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما.

ومَعْنى "أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ" أيْ: أُذُنُ خَيْرٍ، لا أُذُنُ شَرٍّ؛ يَسْمَعُ الخَيْرَ فَيَعْمَلُ بِهِ، ولا يَعْمَلُ بِالشَّرِّ إذا سَمِعَهُ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "أُذُنٌ" بِالتَّنْوِينِ "خَيْرٌ" بِالرَّفْعِ.

والمَعْنى: إنْ كانَ كَما قُلْتُمْ، يَسْمَعُ مِنكم ويُصَدِّقُكم، خَيْرٌ لَكم مِن أنْ يُكَذِّبَكم.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ تُطْلِقَ الأُذُنَ عَلى الجُمْلَةِ كَما قالَ الخَلِيلُ: إنَّما سُمِّيَتِ النّابُ مِنَ الإبِلِ، لِمَكانِ النّابِ البازِلِ، فَسُمِّيَتِ الجُمْلَةُ كُلُّها بِهِ، فَأجْرَوْا عَلى الجُمْلَةِ اسْمَ الجارِحَةِ لِإرادَتِهِمْ كَثْرَةَ اسْتِعْمالِهِ لَها في الإصْغاءِ بِها.

ثُمَّ بَيَّنَ مِمَّنْ يَقْبَلُ، فَقالَ ﴿ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الباءُ واللّامُ زائِدَتانِ؛ والمَعْنى: يُصْدِّقُ اللَّهَ ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: يَسْمَعُ ما يُنْزِلُهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَيُصَدِّقُ بِهِ، ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ فِيما يُخْبِرُونَهُ بِهِ.

ورَحْمَةٌ أيْ وهو رَحْمَةٌ، لِأنَّهُ كانَ سَبَبَ إيمانِ المُؤْمِنِينَ.

وقَرَأ حَمْزَةُ "وَرَحْمَةٍ" بِالخَفْضِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: أُذُنُ خَيْرٍ ورَحْمَةٍ.

والمَعْنى: مُسْتَمِعُ خَيْرٍ ورَحْمَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ قُلْ أُذُنٌ خَيْرٍ لَكم يُؤْمِنُ بِاللهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكم لِيُرْضُوكم واللهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَمِنهُمْ" عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ، و"يُؤْذُونَ" لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ ويَقُولُونَهُ في جِهَةِ رَسُولِ اللهِ  مِنَ الأذى، وخَصَّ -بَعْدَ ذَلِكَ- مِن قَوْلِهِمْ: "هُوَ أُذُنٌ"، ورُوِيَ أنَّ قائِلَ هَذِهِ اللَفْظَةِ نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ وكانَ مِن مَرَدَةِ المُنافِقِينَ، وهو الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ  : « "مَن سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى الشَيْطانِ فَلْيَنْظُرْ إلى نَبْتَلَ بْنِ الحارِثِ» "، وكانَ ثائِرَ الرَأْسِ، مُنْتَفِشَ الشَعْرَةِ، أحْمَرَ العَيْنَيْنِ، أسْفَعَ الخَدَّيْنِ، مُشَوَّهًا.

ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ، ومُجاهِدٍ أنَّهُما تَأوَّلا أنَّهم أرادُوا بِقَوْلِهِمْ: "هُوَ أُذُنٌ" أنَّهُ يَسْمَعُ مِنّا مَعاذِيرَنا وتَنَصُّلَنا ويَقْبَلُهُ، أيْ: فَنَحْنُ لا نُبالِي عن أذاهُ، ولا الوُقُوعِ فِيهِ إذْ هو سَمّاعٌ لِكُلِّ ما يُقالُ مِنِ اعْتِذارٍ ونَحْوِهِ، فَهَذا تَنَقُّصٌ بِقِلَّةِ الحَزامَةِ والِانْخِداعِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وجَماعَةٍ مَعَهُ أنَّهم أرادُوا بِقَوْلِهِمْ: "هُوَ أُذُنٌ" أنَّهُ يَسْمَعُ كُلَّ ما يُنْقَلُ إلَيْهِ عَنّا ويُصْغِي إلَيْهِ ويَقْبَلُهُ، فَهَذا تَشَكُّكٌ مِنهُ ووَصْفٌ بِأنَّهُ تَسُوغُ عِنْدَهُ الأباطِيلُ والنَمائِمُ.

ومَعْنى "أُذُنٌ" سَمّاعٌ، ويُسَمّى الرَجُلُ السَمّاعُ لِكُلِّ قَوْلٍ أُذُنًا إذا كَثُرَ مِنهُ اسْتِعْمالُ الأُذُنِ، فَهَذِهِ تَسْمِيَةُ الشَيْءِ بِالشَيْءِ إذا كانَ مِنهُ بِسَبَبٍ، كَما يُقالُ لِلرَّبِيئَةِ: عَيْنٌ، وكَما يُقالُ لِلسَّمِينَةِ مِنَ الإبِلِ الَّتِي قَدْ بَزَلَ نابُها: نابَ، وقِيلَ: مَعْنى الكَلامِ: ذُو أُذُنٍ، أيْ: ذُو سَماعٍ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "أُذُنٌ" مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِهِمْ: "أذِنَ لِلشَّيْءِ" إذا اسْتَمَعَ، كَما قالَ الشاعِرُ وهو عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ: أيُّها القَلْبُ تَعَلَّلْ بِدَدَنْ ∗∗∗ إنَّ هَمِّي في سَماعِ وأذَنْ وفِي التَنْزِيلِ: ﴿ وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ  ﴾ ، ومِن هَذا قَوْلُ النَبِيِّ  : « "ما أذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ كَإذْنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ"،» ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: في سَماعٍ يَأْذَنُ الشَيْخُ لَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ وحَدِيثٍ مِثْلَ ماذِيٍّ مُشارِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا وقَرَأ نافِعٌ "أُذْنٌ" بِسُكُونِ الذالِ فِيهِما، وقَرَأ الباقُونَ: "أُذُنٌ" بِضَمِّ الذالِ فِيهِما، وكُلُّهم قَرَأ بِالإضافَةِ إلى "خَيْرٍ" إلّا ما رُوِيَ عن عاصِمٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، ومُجاهِدٌ، وعِيسى بِخِلافٍ- "أُذُنٌ خَيْرٌ" بِرَفْعِ "خَيْرٌ" وتَنْوِينِ "أُذُنٌ"، وهَذا يَجْرِي مَعَ تَأْوِيلِ الحَسَنِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، أيْ: مَن يَقْبَلُ مَعاذِيرَكم خَيْرٌ لَكُمْ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عن عاصِمٍ، ومَعْنى "أُذُنُ خَيْرٍ" عَلى الإضافَةِ، أيْ سَمّاعُ خَيْرٍ وحَقٍّ.

و ﴿ يُؤْمِنُ بِاللهِ ﴾ مَعْناهُ: يُصَدِّقُ بِاللهِ، و( يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ) قِيلَ: مَعْناهُ: ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ، واللامُ زائِدَةٌ كَما هي في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ رَدِفَ لَكُمْ  ﴾ ، وقالَ المُبَرِّدُ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ مِنَ الفِعْلِ كَأنَّهُ قالَ: وإيمانُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ تَصْدِيقُهُ، ويُقالُ: "آمَنتُ لَكَ" بِمَعْنى صَدَّقْتُكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعِنْدِي أنَّ هَذِهِ الَّتِي مَعَها اللامُ في ضِمْنِها باءٌ، فالمَعْنى: ويُصَدِّقُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِما يُخْبِرُونَهُ بِهِ، وكَذَلِكَ: وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا بِما نَقُولُهُ لَكَ، واللهُ المُسْتَعانَ.

وقَرَأ جَمِيعُ السَبْعَةِ إلّا حَمْزَةَ: "وَرَحْمَةٌ" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى "أُذُنٌ"، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "وَرَحْمَةٍ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "خَيْرٍ"، وهي قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَبْدِ اللهِ، والأعْمَشِ، وخَصَّصَ الرَحْمَةَ لِلَّذِينَ آمَنُوا إذْ هُمُ الَّذِينَ نَجَوْا بِالرَسُولِ وفازُوا بِهِ، ثُمَّ أوجَبَ تَبارَكَ وتَعالى لِلَّذِينِ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ العَذابَ الألِيمَ وحَتَّمَ عَلَيْهِمْ بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ ﴾ الآيَةُ، ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُرادَ بِها جَمِيعُ المُنافِقِينَ الَّذِينَ يَحْلِفُونَ لِرَسُولِ اللهِ  ولِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّهم مِنهم في الدِينِ، وأنَّهم مَعَهم في كُلِّ أمْرٍ وكُلِّ حِزْبٍ، وهم في ذَلِكَ يُبْطِنُونَ النِفاقَ ويَتَرَبَّصُونَ الدَوائِرَ، وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ، وقَدْ رَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: « "إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَأنا شَرٌّ مِنَ الحُمُرِ"، فَبَلَغَ قَوْلُهُ رَسُولَ اللهِ  فَدَعاهُ ووَقَفَ عَلى قَوْلِهِ ووَبَّخَهُ، فَحَلَفَ مُجْتَهِدًا أنَّهُ ما فَعَلَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ،» وقَوْلُهُ: "واللهُ".

مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُما جُمْلَتانِ حُذِفَتِ الأُولى لِدَلالَةِ الثانِيَةِ عَلَيْها، والتَقْدِيرُ عِنْدَهُ: واللهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ، ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ، وهَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ: نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْـ ∗∗∗ ∗∗∗ دَكَ راضٍ والرَأْيُ مُخْتَلِفٌ وَمَذْهَبُ المُبَرِّدِ أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، وتَقْدِيرُهُ: واللهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ، ورَسُولُهُ، قالَ: وكانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُجْمَعَ الرَسُولُ مَعَ اللهِ في ضَمِيرٍ، حَكاهُ النَقّاشُ عنهُ، ولَيْسَ هَذا بِشَيْءٍ، وفي مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ «أنَّ النَبِيَّ  قالَ: "مَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، ومَن يَعْصِهِما فَقَدْ غَوى"» فَجَمَعَ في ضَمِيرٍ، وقَوْلُهُ  في الحَدِيثِ الآخَرِ: « "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ"» إنَّما ذَلِكَ وقَفَ عَلى "وَمَن يَعْصِهِما" فَأدْخَلَ العاصِيَ في الرَشَدِ، وقِيلَ: الضَمِيرُ في "يُرْضُوهُ" عائِدٌ عَلى المَذْكُورِ كَما قالَ رُؤْبَةُ:.

فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ ∗∗∗ ∗∗∗ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: عَلى قَوْلِهِمْ ودَعْواهم.

وقَوْلُهُ: ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا ﴾ الآيَةُ، قَوْلُهُ: "ألَمْ" تَقْرِيرٌ ووَعِيدٌ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "ألَمْ تَعْلَمْ" عَلى خِطابِ النَبِيِّ  ، وهو وعِيدٌ لَهُمْ، وقَرَأ الأعْرَجُ، والحَسَنُ: "ألَمْ تَعْلَمُوا" بِالتاءِ، و"يُحادِدْ" مَعْناهُ: يُخالِفُ ويُشاقُّ، وهو أنْ يُعْطِيَ هَذا حَدَّهُ لِهَذا وهَذا حَدَّهُ لِهَذا، وقالَ الزَجّاجُ: هو أنْ يَكُونَ هَذا في حَدٍّ وهَذا في حَدٍّ.

وقَوْلُهُ: "فَأنَّ" مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّها بَدَلٌ مِنَ الأولى، وهَذا مُعْتَرَضٌ بِأنَّ الشَيْءَ لا يُبْدَلُ مِنهُ حَتّى يُسْتَوْفى، والأُولى في هَذا المَوْضِعِ لَمْ يَأْتِ خَبَرُها بَعْدَ إذْ لَمْ يَتِمَّ جَوابُ الشَرْطِ، وتِلْكَ الجُمْلَةُ هي الخَبَرُ، وأيْضًا فَإنَّ الفاءَ تُمانِعُ البَدَلَ، وأيْضًا فَهي في مَعْنًى آخَرَ غَيْرِ الأوَّلِ فَيُقْلِقُ البَدَلُ، وإذا تُلُطِّفَ لِلْبَدَلِ فَهو بَدَلُ الِاشْتِمالِ، وقالَ غَيْرُ سِيبَوَيْهِ: هي مُجَرَّدَةٌ لِتَأْكِيدِ الأُولى، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ النُحاةِ: هي في مَوْضِعِ خَبَرِ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: "فَواجِبٌ أنَّ لَهُ"، وقِيلَ: المَعْنى: "فَلَهُ أنَّ لَهُ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي ابْتِداءٌ والخَبَرُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ واجِبٌ"، وهَذا مَرْدُودٌ لِأنَّ الِابْتِداءَ بِـ "أنَّ" لا يَجُوزُ مَعَ إضْمارِ الخَبَرِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، وحُكِيَ عن أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ قَوْلٌ يَقْرُبُ مَعْناهُ مِن مَعْنى القَوْلِ الثالِثِ مِن هَذِهِ الَّتِي ذَكَرْنا لا أقِفُ الآنَ عَلى لَفْظِهِ، وجَمِيعُ القُرّاءِ عَلى فَتْحِ "أنَّ" الثانِيَةِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ نَحْوِيِّي البَصْرَةِ أنَّهُ اخْتارَ في قِراءَتِها كَسْرَ الألِفِ، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدانِي أنَّها قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ، ووَجْهُهُ في العَرَبِيَّةِ قَوِيٌّ لِأنَّ الفاءَ تَقْتَضِي القَطْعَ والِاسْتِئْنافَ، ولِأنَّهُ يَصْلُحُ في مَوْضِعِها الِاسْمُ ويَصْلُحُ الفِعْلُ، وإذا كانَتْ كَذَلِكَ وجَبَ كَسْرُها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف ذكر فيه خلق آخر من أخلاق المنافقين: وهو تعلّلهم على ما يعاملهم به النبي والمسلمون من الحَذر، وما يطَّلعون عليه من فلتات نفاقهم، يزعمون أن ذلك إرجاف من المرجفين بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنّه يُصدّق القالَة فيهم، ويتّهمهم بما يبلغه عنهم ممّا هم منه برآء يعتذرون بذلك للمسلمين، وفيه زيادة في الأذى للرسول صلى الله عليه وسلم وإلقاء الشكّ في نفوس المسلمين في كمالات نبيئهم عليه الصلاة والسلام.

والتعبير بالنبي إظهار في مقام الإضمار لأنّ قبله ﴿ ومنهم من يلمزك في الصدقات ﴾ [التوبة: 58] فكان مقتضى الظاهر أن يقال: «ومنهم الذين يؤذونك» فعُدل عن الإضمار إلى إظهار وصف النبي للإيذان بشناعة قولهم ولزيادة تنزيه النبي بالثناء عليه بوصف النبوءة بحيث لا تحكى مقالتهم فيه إلاّ بعد تقديم ما يشير إلى تنزيهه والتعريض بجرمهم فيما قالوه.

وهؤلاء فريق كانوا يقولون في حق النبي صلى الله عليه وسلم ما يؤذيه إذا بلغه.

وقد عُدّ من هؤلاء المنافقين، القائلين ذلك: الجُلاَسُ بن سُويد، قبل توبته، ونَبْتَل بن الحارث، وعتاب بن قشير، ووديعة بن ثابت.

فمنهم من قال: إن كان ما يقول محمّد حقّاً فنحن شرّ من الحمير، وقال بعضهم: نقول فيه ما شئنا ثم نذهب إليه ونحلف له أنّا ما قلنا فيقبل قولنا.

والأذَى: الإضرار الخفيف، وأكثر ما يطلق على الضرّ بالقول والدسائس، ومنه قوله تعالى: ﴿ لن يضروكم إلا أذى ﴾ وقد تقدّم في سورة آل عمران (111)، وعند قوله تعالى: ﴿ وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ﴾ في سورة الأنعام (34).

ومضمون جملة: ويقولون هو أذن} عطفُ خاصّ على عامّ، لأنّ قولهم ذلك هو من الأذى.

والأذن الجارحة التي بها حاسّة السمع.

ومعنى ﴿ هو أذن ﴾ الإخبار عنه بأنّه آلة سمع.

والإخبار ب ﴿ هو أذن ﴾ من صيغ التشبيه البليغ، أي كالأذن في تلقّي المسموعات لا يردّ منها شيئاً، وهو كناية عن تصديقه بكلّ ما يسمع من دون تمييز بين المقبول والمردود.

روي أنّ قائل هذا هو نَبْتَل بن الحارث أحد المنافقين.

وجملة: ﴿ قل أذن خير لكم ﴾ جملة ﴿ قل ﴾ مستأنفة استينافاً ابتدائياً، على طريقة المقاولة والمحاورة، لإبطال قولهم بقلب مقصدهم إغاظةً لهم، وكمداً لمقاصدهم، وهو من الأسلوب الحكيم الذي يَحمِل فيه المخاطَبُ كلامَ المتكلّم على غير ما يريده، تنبيهاً له على أنّه الأولى بأن يراد، وقد مضى عند قوله تعالى: ﴿ يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ﴾ [البقرة: 189] ومنه ما جَرَى بين الحجّاج والقبعثرَى إذ قال له الحجاج متوعّدا إيّاه «لأحْمِلَنَّك على الأدهْم (أراد لألْزِمنَّك القَيْد لا تفارقه) فقال القبعثري: «مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب» فصرف مراده إلى أنّه أراد بالحمل معنى الركوب وإلى إرادة الفَرس الذي هو أدهم اللون من كلمة الأدهم.

وهذا من غيرة الله على رسوله عليه الصلاة والسلام، ولذلك لم يعقّبه بالردّ والزجر، كما أعقب ما قبله من قوله: ﴿ ومنهم من يقول ائذن لي ﴾ [التوبة: 49].

إلى هنا بل أعقبه ببيان بطلانه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يبلغهم ما هو إبطال لزعمهم من أصله بصرف مقالتهم إلى معنى لائق بالرسول، حتّى لا يبقى للمحكي أثر، وهذا من لطائف القرآن.

ومعنى ﴿ أذن خير ﴾ أنّه يسمع ما يبلغه عنكم ولا يؤاخذكم؛ ويسمع معاذيركم ويقبلها منكم، فقبولهُ ما يسمعه ينفعكم ولا يضرّكم فهذا أذن في الخبر، أي في سماعه والمعاملة به وليَس أذناً في الشر.

وهذا الكلام إبطال لأن يكون ﴿ أذن ﴾ بالمعنى الذي أرادوه من الذم فإنّ الوصف بالأذن لا يختصّ بمن يقبل الكلام المفضي إلى شرّ بل هو أعمّ، فلذلك صحّ تخصيصه هنا بما فيه خير.

وهذا إعمال في غير المراد منه.

وهو ضرب من المجاز المرسل بعلاقة الإطلاق والتقييد في أحد الجانبين، فلا يُشكلْ عليك بأنّ وصف ﴿ أذن ﴾ إذا كان مقصوداً به الذّم كيف يضاف إلى الخير، لأنّ محلّ الذمّ في هذا الوصف هو قبول كلّ ما يسمع ممّا يترتّب عليه شرّ أو خير، بدون تمييز، لأنّ ذلك يوقع صاحبه في اضطراب أعماله ومعاملاته، فأمّا إذا كان صاحبه لا يقبل إلاّ الخير، ويرفض ما هو شرّ من القول، فقد صار الوصف نافعاً، لأنّ صاحبه التزم أن لا يقبل إلاّ الخير، وأن يحمل الناس عليه.

هذا تحقيق معنى المقابلة، وتصحيح إضافة هذا الوصف إلى الخير، فأمّا حملهُ على غير هذا المعنى فيصيّره إلى أنّه من طريقة القول بالموجَب على وجه التنازل وإرخاء العنان، أي هو أذن كما قلتم وَقد انتفعتم بوصفه ذلك إذ قبل منكم معاذيركم وتبرُّؤكم ممّا يبلغه عنكم، وهذا ليس بالرشيق لأنّ ما كان خيراً لهم قد يكون شرّاً لغيرهم.

وقرأ نافع وحده ﴿ أذْن ﴾ بسكون الذال فيهما وقرأ الباقون بضمّ الذال فيهما.

وجملة ﴿ يؤمن بالله ﴾ تمهيد لقوله بعده ﴿ ويؤمن للمؤمنين ﴾ إذ هو المقصود من الجواب لتمحّضه للخير وبعده عن الشرّ بأنّه يؤمن بالله فهو يعامل الناس بما أمر الله به من المعاملة بالعفو، والصفح، والأمر بالمعروف، والإعراض عن الجاهلين، وبأنْ لا يؤاخذ أحد إلاّ ببيّنة، فالناس في أمن من جانبه فيما يبلُغ إليه لأنّه لا يعامل إلاّ بالوجه المعروف فكونه يؤمن بالله وازع له عن المؤاخذة بالظنّة والتهمة.

والإيمان للمؤمنين تصديقهم في ما يخبرونه، يقال: آمن لفلان بمعنى صدَّقه، ولذلك عدّي باللام دون الباء كما في قوله تعالى: ﴿ وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين ﴾ [يوسف: 17] فتصديقه إيّاهم لأنّهم صادقون لا يكذبون، لأنّ الإيمان وازع لهم عن أن يخبروه الكذب، فكما أنّ الرسول لا يؤاخذ أحداً بخبر الكاذب فهو يعامل الناس بشهادة المؤمنين، فقوله: ﴿ ويؤمن للمؤمنين ﴾ ثناء عليه بذلك يتضمّن الأمر به، فهو ضدّ قوله: ﴿ يأيها الذين آمنو إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ﴾ [الحجرات: 6].

وعطف جملة ﴿ ورحمة ﴾ على جملتي ﴿ يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ﴾ لأن كونه رحمة للذين يؤمنون بعد علمه بنفاقهم أثرٌ لإغضائه عن إجرامهم ولإمهالهم حتّى يَتمكن من الإيمان مَن وفّقه الله للإيمان منهم، ولو آخذهم بحالهم دون مهل لكان من سَبْققِ السيففِ العذل، فالمراد من الإيمان في قوله: ﴿ آمنوا ﴾ الإيمان بالفعل، لا التظاهر بالإيمان، كما فَسّر به المفسّرون، يعنون بالمؤمنين المتظاهرين بالإيمان المبطنين للكفر، وهم المنافقون.

وقرأ حمزة بجرّ ﴿ ورحمةٍ ﴾ عطفاً على خير، أي أذن رحمةٍ، والمآل واحد.

وقد جاء ذكر هذه الخصلة مع الخصلتين الأخريَين على عادة القرآن في انتهاز فرصة الإرشاد إلى الخير، بالترغيب والترهيب، فرغَّبَهم في الإيمان ليكفِّروا عن سيّئاتهم الفارطة، ثم أعقب الترغيب بالترهيب من عواقب إيذاء الرسول بقوله: ﴿ والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ﴾ وهو إنذار بعذاب الآخرة وعذاب الدنيا.

وفي ذكر النبي بوصف ﴿ رسول الله ﴾ إيماء إلى استحقاق مُؤذيه العذاب الأليم، فهو من تعليق الحكم بالمشتقّ المؤذن بالعلية.

وفي الموصول إيماء إلى أنّ علّة العذاب هي الإيذاء، فالعلةُ مركبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ ﴾ أيْ يُصْغِي إلى كُلِّ أحَدٍ، فَيَسْمَعُ مِنهُ، قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: أيُّها القَلْبُ تَعَلَّلْ بِدَدَنِ إنَّ هَمِّي مِن سَماعٍ وأُذُنِ ﴿ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ ﴾ أيْ يَسْمَعُ الخَيْرَ ويَعْمَلُ بِهِ، لا أُذُنَ شَرٍّ يَفْعَلُهُ إذا سَمِعَهُ.

قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في جَماعَةٍ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَعِيبُونَ النَّبِيَّ  ويَقُولُونَ فِيهِ ما لا يَجُوزُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ.

وَفي تَأْوِيلِها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَعِيبُونَهُ بِأنَّهُ أُذُنٌ يَسْمَعُ جَمِيعَ ما يُقالُ لَهُ، فَجَعَلُوا ذَلِكَ عَيْبًا فِيهِ.

والثّانِي: أنَّهم عابُوهُ فَقالَ أحَدُهُمْ: كُفُّوا فَإنِّي أخافُ أنْ يَبْلُغَهُ فَيُعاقِبَنا، فَقالُوا: هو أُذُنٌ إذا أجَبْناهُ وحَلَفْنا لَهُ صَدَّقَنا، فَنَسَبُوهُ بِذَلِكَ إلى قَبُولِ العُذْرِ في الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.

وَقِيلَ: إنَّ قائِلَ هَذا نُفَيْلُ بْنُ الحارِثِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان نبتل بن الحرث يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجلس إليه فيسمع منه ثم ينقل حديثه إلى المنافقين، وهو الذي قال لهم: إنما محمد أذن من حدثه شيئاً صدقه، فأنزل الله فيه ﴿ ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: اجتمع ناس من المنافقين فيهم جلاس بن سويد بن صامت، وجحش بن حمير، ووديعة بن ثابت، فأرادوا أن يقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم، فنهى بعضهم بعضاً وقالوا: أنا نخاف أن يبلغ محمداً فيقع بكم، وقال بعضهم: إنما محمد أذن نحلف له فيصدقنا.

فنزل ﴿ ومنهم الذين يؤذون النبي ﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ويقولون هو أذن ﴾ يعني أنه يسمع من كل أحد.

قال الله عزَّ وجل ﴿ قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ﴾ يعني يصدق بالله ويصدق المؤمنين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ويقولون هو أذن ﴾ أي يسمع ما يقال له.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ويقولون هو أذن ﴾ يقولون: سنقول له ما شئنا ثم نحلف له فيصدقنا.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء رضي الله عنه قال: الأذن الذي يسمع من كل أحد ويصدقه.

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ يؤمن بالله ﴾ قال: يصدق الله بما أنزل إليه ﴿ ويؤمن للمؤمنين ﴾ يصدق المؤمنين فيما بينهم في شهاداتهم وإيمانهم على حقوقهم وفروجهم وأموالهم.

وأخرج الطبراني وابن عساكر وابن مردويه عن عمير بن سعد قال: فيَّ أنزلت هذه الآية ﴿ ويقولون هو أذن ﴾ وذلك أن عمير بن سعد كان يسمع أحاديث أهل المدينة فيأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيساره حتى كانوا يتأذون بعمير بن سعد، وكرهوا مجالسته وقالوا ﴿ هو أذن ﴾ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ﴾ ، قال المفسرون: (نزلت في رجل من المنافقين يقال له نبتل بن الحارث (١)  - ويبلغون حديثه إلى المنافقين ويعيبونه، ويقولون فيما بينهم: نقول ما شئنا ثم نأتيه ونحلف له ونقول: ما قلنا فيصدقنا؛ لأنه أذن، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ﴾ (٢) (٣) ﴿ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ﴾ أي يسمع من كل أحد ما يقول ويقبله، وقال (٤) (٥) وقرأ نافعٌ (أذن) بالتخفيف (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) وكما قالوا للربيئة (١١) (١٢) (١٣) (١٤) فوصف المرفق بالإشفى لما أراد من الدقة (١٥) (١٦) وقال آخر (١٧) فلولا الله والمهر المفدى ...

لأبت وأنت غربال الإهاب فجعله غربالًا لكثرة الخروق فيه من آثار الطعن، فكذلك ﴿ هُوَ أُذُنٌ ﴾ أجرى على الجملة اسم الجارحة لإرادة (١٨) (١٩) ﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ﴾ (٢٠) (٢١) (٢٢) في سماع يأذن الشيخ له ...

وحديث مثل ماذي مشار (٢٣) ويقوي هذا الوجه أن أبا زيد قال: رجل أُذُنٌ، ويَقَنٌ: إذا كان يصدق بكل ما يسمع (٢٤) (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ ﴾ أي مستمع خير وصلاح ومصغ إليه، لا مستمع شر وفساد، وروى الأعشى (٢٦) (٢٧) (٢٨) ﴿ خَيْرٍ ﴾ في القراءة الأولى بمعنى صلاح (٢٩) (٣٠) والقراءة هي الأولى؛ لأن ما بعده يؤكده، وهو قوله: ﴿ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي يسمع ما ينزله (٣١) (٣٢) ﴿ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ ﴾ (يريد: يسمع كلام جبريل فينهاكم عن معاصي الله، ويأمركم بطاعته، ولتطرحوا عنكم ما علم الله في قلوبكم من النفاق) (٣٣) ﴿ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾ : أي يصدق بالله، و ﴿ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ويصدق المؤمنين أراد: لكنه لا يصدقكم إنما يصدق المؤمنين، قال: وهو كقوله: ﴿ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ  ﴾ أي يرهبون ربهم (٣٤) ويقال: آمن به وآمنه وآمن له، أي: صدقه، وقال أبو علي: اللام في ﴿ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ على حدها في قوله ﴿ رَدِفَ لَكُمْ  ﴾ أو على المعنى؛ لأن معنى يؤمن: يصدق، فعدى باللام كما عدي مصدق به في نحو: ﴿ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ  ﴾ (٣٥) قال المفسرون (٣٦) ﴿ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ  ﴾ .

وتكلم صاحب "النظم" في هذه الآية فأفاد، وهو أنه قال: من قرأ بترك الإضافة فقوله: ﴿ أُذُنٌ ﴾ رفع بالابتداء في الظاهر، وموضعه في الباطن نصب على الحال؛ لأن تأويله: قل هو أذنًا خير لكم، أي: إذا كان أذنًا خير لكم، و (خير) بمنزلة (أفعل) لأنه يقبل منكم ما تقولون فيما تعتذرون به، وليس ذلك راجعًا عليه بعيب، ويكون قوله: (هو) -لو ظهر- مبتدأ، وقوله تعالى: (أذنًا) (٣٧) وقوله تعالى: ﴿ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ خبر للمبتدأ، كما تقول في الكلام: هو حافظًا خير لك (٣٨) (٣٩) (٤٠) ومن قرأ بالإضافة في (خير) ليس على (أفعل) وتقديره (٤١) (٤٢) (٤٣) ﴿ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي يصدقهم كما قال -عز وجل-: ﴿ وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ  ﴾ أي: لا تصدقوا، والمؤمنون هاهنا: المنافقون (٤٤) (٤٥)  ظاهرهم، وخلطهم بالمؤمنين في الأحكام، ومنه قوله: ﴿ إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ  ﴾ [فسماهن مؤمنات بإقبالهن إلى الهجرة ثم قال: ﴿ فَامْتَحِنُوهُنَّ ﴾ ] (٤٦) ﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ ﴾ أي بما يظهرن من الإيمان بألسنتهن.

وأما قوله: ﴿ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فهم (٤٧) ﴿ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي يصدق المؤمنين المخلصين فأما غير المخلصين فإنه يسمع منهم ما يقولون ولا يظهر لهم التكذيب، ويكل أمرهم إلى الله -عز وجل (٤٨) وقوله تعالى: ﴿ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ﴾ ، قال الزجاج: (أي وهو رحمة؛ لأنه كان سبب إيمان المؤمنين) (٤٩) ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ  ﴾ .

وقرأ حمزة (ورحمةٍ) بالجر (٥٠) (٥١) (٥٢) ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ  ﴾ ، ثم خص فقال: ﴿ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ  ﴾ كذلك الرحمة، وإن كانت من الخير، لم يمتنع أن تُعطف عليه (٥٣) (٥٤)  - وكثرته، قال أبو عبيد: (هذه القراءة بعيدة في مذهب النحو (٥٥) (٥٦) قال أبو علي: (البعد بين (٥٧) ﴿ وَقِيلِهِ يَا رَبِّ  ﴾ إنما يحمله على: ( ﴿ وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ﴾ وعلم قيله (٥٨) (٥٩) (١) هو: نبتل بن الحارث بن قيس الأوسي، أخو بني عمرو بن عوف، ذكره ابن إسحاق في المنافقين، على وجه الظن من غير سند واعتمد قوله من جاء بعده.

وقال الحافظ ابن حجر: (يحتمل أن يكون أبو عبيدة اطلع على أنه تاب).

انظر: "السيرة النبوية" 4/ 208، و"تفسير ابن جرير" 10/ 168، و"الإصابة" 3/ 549.

(٢) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 168، والثعلبي 6/ 122 أ، والبغوي 4/ 67، و"السيرة النبوية" لابن هشام 4/ 208، و"أسباب النزول" للمؤلف ص 254.

(٣) ساقط من (ى).

(٤) في (ى): (قال).

(٥) ذكره عن الحسن، الشيخ هود بن محكم في "تفسيره" 2/ 145، والرازي في "تفسيره" 16/ 116، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 507.

(٦) انظر: "كتاب السبعة في القراءات" ص 315، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 243.

(٧) في (ى): (في).

(٨) قال الجوهري في "الصحاح" (بزل) 4/ 1633: (بزل البعير يبزل بزولاً: فطر نابه، أي انشق، فهو بازل، ذكرًا كان أو أنثى وذلك في السنة التاسعة، وربما بزل في السنة الثامنة، والبازل أيضًا: اسم للسن التي طلعت).

(٩) في (ح): (بها).

(١٠) انظر: "كتاب سيبويه" 3/ 483، و"الحجة للقراء السبعة" 4/ 199.

(١١) قال ابن فارس في "مجمل اللغة" (ربو) 2/ 417: (الربيئة: عين القوم، يكون فوق مربأ من الأرض)، ونحوه في "تهذيب اللغة" (ربا) 1/ 1334.

(١٢) ساقط من (ح).

(١٣) هو: بكر بن محمد، أبو عمان المازني.

(١٤) لم أهتد إلى قائله، وانظر الرجز بلا نسبة في: "الخصائص" 2/ 221، 3/ 195، و"المخصص" 15/ 106، و"الممتع في التصريف" 1/ 74.

والمئبر: ما رقّ من الرمل، وإبرة الفرس: ما انحد من عرقوبيه.

اللسان (أبر).

والإشفى: المثقب.

المصدر السابق (شفا).

يقول: إنها حادة العرقوب، حادة المرفق بسبب الهزال.

(١٥) في (ى): (الذمة)، وهو خطأ.

(١٦) الدرم في الكعب: أن يوازيه اللحم حتى لا يكون له حجم، ودرم الكعب والعرقوب والساق درمًا: استوى، والأدرم: الذي لا حجم لعظامه، وكل ما غطاه الشحم واللحم وخفي حجمه فقد درم.

انظر: "اللسان" (درم) 3/ 1366.

(١٧) البيت لمنذر بن حسان كما في "المقاصد النحوية" 3/ 140، وهو بلا نسبة في "الخصائص" 2/ 221، و"الدرر اللوامع" 2/ 136، و"شرح الأشموني" 2/ 362، و"لسان العرب" (غربل) 6/ 3231، و"المخصص" 15/ 106.

(١٨) في (ح) و (ي): (لإرادته).

(١٩) في (م): (استعماله لها).

(٢٠) الآية: 2 والآيه: 5 من سورة الانشقاق.

(٢١) الحديث بهذا اللفظ رواه مسلم في "صحيحه"، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن، (رقم 234) 1/ 546، وبنحوه رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب من لم يتغن بالقرآن، (رقم 42) 6/ 328.

(٢٢) هو: عدي بن زيد بن حمار العبادي التميمي، شاعر جاهلي، من دهاة العرب، كان يسكن الحيرة، ويحسن الفارسية فاتخذه كسرى ترجمانًا بينه وبين العرب، وعلماء العربية لا يرون شعره حجة لتأثره بالعجم، قتله النعمان بن المنذر نحو سنة 25 ق هـ.

انظر: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 137، 140، و"الشعر والشعراء" ص 130، و"الأعلام" 4/ 220.

(٢٣) البيت لعدي بن زيد كما في "ديوانه" ص 95، و"شرح حماسة التبريزي" 4/ 24، والمرزوقي ص 1451، و"اللسان" (شور) 4/ 2356.

والماذي: العسل الأبيض، والمشار: المجتنى.

انظر: "لسان العرب"، الموضع السابق.

(٢٤) "النوادر في اللغة"، له ص 321، و"الحجة للقراء السبعة" 4/ 201.

(٢٥) ساقط من (ى).

(٢٦) هو: يعقوب بن محمد بن خليفة الكوفي، أبو يوسف الأعشى، أجل تلاميذ شعبة، كان قارئًا مجيدًا ضابطًا، توفي نحو سنة 200 هـ.

انظر: "معرفة الاقراء الكبار" 1/ 159، و"غاية النهاية" 2/ 390.

(٢٧) هو: عبد الحميد بن صالح بن عجلان البرجمي التميمي، أبو صالح الكوفي، مقرئ ثقة، من تلاميذ شعبة، توفي سنة230هـ.

انظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 202، و"غاية النهاية" 1/ 360.

(٢٨) يعني بالرفع والتنوين في الكلمتين، وقد روى هذه القراءة الأعشى والبرجمي عن أبي بكر عن عاصم، انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص 165، و"حجة القراءات" لابن زنجلة ص 319، و"تفسير البغوي" 4/ 67.

(٢٩) في (ى): (صاد).

(٣٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 457.

(٣١) في (ح): (ما بين).

(٣٢) من (م).

(٣٣) هذا الأثر من رواية عطاء التي لم أعثر على مصدرها.

(٣٤) "معاني القرآن" 1/ 444.

(٣٥) "الحجة" 4/ 204.

(٣٦) القول للإمام ابن جرير، انظر: "تفسيره" 10/ 169، وانظر معناه في: "تفسير الثعلبي" 6/ 122 ب، والبغوي 4/ 67.

(٣٧) يعني في حالة التأويل.

(٣٨) في (ح): (لكم)، وأثبت ما في (م) و (ى) لموافقته للموضعين بعده.

(٣٩) ما بين المعقوفتين ساقط من (ى).

(٤٠) انظر: قول صاحب النظم في "تفسير الرازي" 16/ 117 - 118 وقال: هذا الوجه شديد التكلف.

(٤١) ساقط من (ح).

(٤٢) ما بين المعقوفين ساقط عن (ح).

(٤٣) في (ح): (ما).

(٤٤) في (ى): (المنافقين)، وهو خطأ.

(٤٥) في (ح): (وإن لم).

(٤٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٤٧) ساقط من (ح).

(٤٨) وهذا الوجه هو اختيار ابن جرير في تفسيره 10/ 169 حيث قال: يقول جل ثناؤه: إنما محمد  مستمع خير، يصدق بالله وبما جاء من عنده، ويصدق المؤمنين، لا أهل النفاق والكفر بالله.

(٤٩) اهـ.

كلام الزجاج، كما في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 457.

(٥٠) كتاب: "السبعة" ص 315، وكتاب: "التيسير" ص 118.

(٥١) في (ى): (هلا)، وأثبت ما في (ح) و (م) لموافقة لما في "الحجة للقراء السبعة"؛ لأن النص منقول منه حرفيًّا.

(٥٢) في (ى): (من)، وأثبت ما في (ح) للسبب السابق.

(٥٣) ساقط من (ى).

(٥٤) في (ح): (فتخص).

(٥٥) في (ى): (النحويين).

(٥٦) انظر: "تفسير الرازي" 16/ 118 ولم أجد قول أبي عبيد في مصدر آخر، وانظر اختياره لقراءة الجمهور في "تفسير الثعلبي" 6/ 122 ب.

(٥٧) في (م): (من).

(٥٨) يعني أنه قد بعد ما بين المعطوف والمعطوف عليه، فإن قوله: ﴿ وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ﴾ من الآية 85 من السورة نفسها.

(٥٩) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 204.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ والمساكين ﴾ الآية: إنما هو هنا تقتضي حصر الصدقات وهي الزكاة في هذه الأصناف الثمانية، فلا يجوز أن يعطى منها غيرهم، ومذهب مالك أن تفريقها في هؤلاء الأصناف إلى اجتهاد الإمام، فله أن يجعلها في بعض دون بعض، ومذهب الشافعي: أنه يجب أن تقسم على جميع هذه الأصناف بالسواء، واختلف العلماء هل الفقير أشد حاجة من المسكين ليس كذلك أو بالعكس؟

فقيل: هما سواء، وقيل الفقير الذي يسأل الناس ويعلم حاله، والمسكين ليس كذلك ﴿ والعاملين عَلَيْهَا ﴾ أي الذين يقبضونها ويفرقونها ﴿ والمؤلفة قُلُوبُهُمْ ﴾ كفار يعطون ترغيباً في الإسلام، وقيل: هم مسلمون يعطون ليتمكن إيمانهم، واختلف هل بقي حكمهم أو سقط للاستغناء عنهم ﴿ وَفِي الرقاب ﴾ يعني العبيد يشترون ويعتقون ﴿ والغارمين ﴾ يعني من عليه دين، ويشترط أن يكون استدان في غير فساد ولا سرف ﴿ وَفِي سَبِيلِ الله ﴾ يعني الجهاد فيعطى منها المجاهدون ويشتري منها آلات الحرب، واختلف هل تصرف في بناء الأسوار وإنشاء الأساطيل؟

﴿ وابن السبيل ﴾ هو الغريب المحتاج ﴿ فَرِيضَةً ﴾ أي حقاً محموداً: ونصبه على المصدر، فإن قيل.

لم ذكر مصرف الزكاة في تضاعيف ذكر المنافقين؟

فالجواب أنه حصر مصرف الزكاة في تلك الأصناف ليقطع طمع المنافقين فيها، فاتصلت هذه الآية في المعنى بقوله: ومنهم من يلزمك في الصدقات الآية ﴿ وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي ﴾ يعني من المنافقين وإذايتهم للنبي صلى الله عليه وسلم بالأقوال والأفعال ﴿ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ﴾ أي يسمع كل ما يقال له ويصدّقه، ويقال: إنّ قائل هذه المقالة هو نبتل بن الحارث وكان من مرده المنافقين، وقيل: عتاب بن قيس ﴿ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ ﴾ أي يسمع الخير والحق ﴿ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي يصدقهم يقال: آمنت لك إذا صدقتك، ولذلك تعدّى هذا الفعل بإلى وتعدّى يؤمن بالله بالباء ﴿ وَرَحْمَةٌ ﴾ بالرفع عطف على أذن، وبالخفض على خير.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أذن خير ﴾ كلاهما بالرفع والتنوين: الأعشى والمفضل.

الباقون: بالإضافة.

﴿ ورحمة ﴾ بالجر: حمزة الآخرون: بالرفع ﴿ ألم تعلموا ﴾ بتاء الخطاب: جبلة عن المفضل الباقون: بياء الغيبة ﴿ إن نعف ﴾ ﴿ نعذب ﴾ كلاهما بالنون ونصب ﴿ طائفة ﴾ عاصم غير المفضل.

الباقون: على البناء للمفعول بياء الغيبة في الأول، وبتاء التأنيث في التالي.

الوقوف: ﴿ وابن السبيل ﴾ ط أي فرض الله ﴿ فريضة من الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ هو أذن ﴾ ط ﴿ آمنوا منكم ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ ليرضوكم ﴾ ط لاحتمال الواو الحال أو الاستئناف.

﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ خالداً فيها ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ بما في قلوبهم ﴾ ط ﴿ استهزؤا ﴾ ط لاحتمال الهمزة في "إن" للتعليل ﴿ يحذرون ﴾ ه ﴿ ونلعب ﴾ ط ﴿ تستهزؤون ﴾ ه ﴿ بعد إيمانكم ﴾ ط ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ من بعض ﴾ ط كيلا تصير الجملة صفة لبعض المنافقين وهي صفة لكلهم ﴿ أيديهم ﴾ ط ﴿ فنسيهم ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ حسبهم ﴾ ط لاختلاف النظم مع اتحاد المقصود في إتمام الجزاء ﴿ ولعنهم الله ﴾ ج لذلك ﴿ مقيم ﴾ ه لا بناء على تعلق الكاف ﴿ وأولاداً ﴾ ط ﴿ خاضوا ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ج ﴿ الخاسرون ﴾ ه.

التفسير: إن المنافقين لما لمزوا الرسول  في قسمة الصدقات بيَّن لهم الله  مصرفها كيلا يبقى لهم طعن إذا وجدوا فعله موافقاً لحكم الله فقال ﴿ إنما الصدقات ﴾ الآية.

وفي تصدير الكلام بإنما دلالة على أنه لا حق لأحد في الصدقات إلا لهؤلاء، ويؤيده ما روي أنه  قال لرجل: "إن كنت من الأصناف الثمانية فلك فيها حق.

وإلا فهو صداع في الرأس وداء في البطن" .

ولنتكلم في تعريف هؤلا الأصناف.

فالأول والثاني: الفقراء والمساكين.

ولا شك أن كلاً من الصنفين محتاجون لا يفي دخلهم بخرجهم إنما الكلام في أنهما متساوياً الدلالة أو أحدهما أسوأ حالاً.

فعن أبي يوسف ومحمد والجبائي أنهما واحد حتى لو أوصى لزيد وللفقراء والمساكين بمال كان لزيد النصف لا الثلث.

قال الجبائي: إنه  ذكرهما باسمين ليؤكد أمرهم في الصدقات.

والفائدة فيه أن أصرف إليهم من الصدقات سهمان لا كسائرهم.

وعند الشافعي الفقير أسوأ حالاً لأنه  أثبت الصدقات لهؤلاء الأصناف دفعاً لحاجاتهم فالذي وقع الابتداء بذكره يكون أشد حاجة لأن الظاهر تقديم الأهم على المهم، ومما يدل على إشعار الفقر بالشدّة العظيمة قوله  ﴿ تظن أن يفعل بها فاقرة  ﴾ جعل الفاقرة كناية عن أعظم أنواع الشر والدواهي.

وروي أنه  كان يتعوذ من الفقر، وقد سأل المسكنة في قوله "اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين" فكأنه سأل توسط الحال، ولهذا لما توفي رسول الله  ترك أشياء معلومة مع أنه  أجاب دعاءه ظاهراً فأماته مسكيناً.

وتقييده تعالى المسكين بقوله ﴿ ذا متربة  ﴾ يدل على أن المسكين قد لا يكون كذلك، وقال  ﴿ أما السفينة فكانت لمساكين  ﴾ وكان ابن عباس يفسر الفقير بأنه الذي لا يجد شيئاً كأهل الصفة، والمسكين بأنه الطوَّاف الذي يسأل الناس.

والغالب أنه يحصل له منهم شيء وقريب منه قول من قال سمي مسكيناً لأنه الدائم السكون إلى الناس.

ولما كان المسكين هو السائل لما قلنا فالمحرم في قوله  ﴿ وفي أموالهم حق للسائل والمحروم  ﴾ هو الفقير صاحب الحرمان.

واتفق الناس على أن الفقير ضد الغني ولم يقل أحد أن الغنى والمسكنة ضدان فلعل الترفع هو ضد التمسكن.

وقال أبو حنيفة: المسكين أسوأ حالاً لقوله  ﴿ أو مسكيناً ذا متربة  ﴾ وقد تقدم الكلام عليه ولأنه  جعل الكفارات من الأطعمة ولا فاقة أعظم من الجوع ونقل الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أن الفقير الذي له ما يأكل والمسكين هو الذي لا شيء له، وقال يونس: قلت لأعرابي، أفقير أنت؟

قال: لا والله بل مسكين.

وقيل: سمي مسكيناً لأنه يسكن حيث يحضر لأجل أنه لا بيت له ولا منزل.

وأجيب بأنه تعالى جعل الكفارة للمسكين ذي المتربة وهو الفقير بعينه وإنما النزاع في المسكين المطلق والروايات معارضة بأمثالها والله أعلم.

الصنف الثالث: العاملون على الصدقات وهم السعاة الجباة للصدقة.

قال ابن عمر وابن الزبير والشافعي: يعطى هؤلاء أجور أمثالهم لأنها أجرة للعمل.

وقال مجاهد والضحاك: يعطون الثمن من الصدقات لأنهم صنف من الثمانية، والصحيح أن الهاشمي والمطلبي لا يجوز أن يكون عاملاً على الصدقات لأن رسول الله  أبى أن يبعث أبا رافع عاملاً على الصدقات وقال: أما علمت أن مولى القوم منهم.

وفائدة التعدية بعلى التسليط والولاية.

يقال: فلان على بلدة كذا إذا كان والياً عليها.

واختلفوا في أن الإمام هل له حق لأنه هو العامل في الحقيقة أو لا حق له لخروجه عن الأصناف؟

والجمهور على أن العامل يأخذ نصيبه وإن كان غنياً لأن ذلك أجرة عمله.

وعن الحسن أنه لا يأخذ إلا مع الحاجة.

الصنف الرابع: المؤلفة قلوبهم.

عن ابن عباس هم قوم أشراف من الأحياء أعطاهم رسول الله  يوم حنين وكانوا خمسة عشر رجلاً منهم أبو سفيان والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن أعطى كل رجل منهم مائة من الإبل.

قال العلماء: لعل مراد ابن عباس إنه لا يمتنع في الجملة صرف الأموال إلى المؤلفة وإلا فلم يكن ما أعطاهم من الصدقات.

ويروى أن أبا بكر الصديق أعطى عدي بن حاتم لما جاءه بصدقاته وصدقات قومه أيام الردة.

والذي استقر عليه رأى الأئمة أن المؤلفة ثلاثة أقسام: ضعيف النية في الإسلام، وشريف بإعطائه يتوقع سلام نظرائه، والمتألف على جهاد من يليهم من الكفار ومانعي الزكاة حيث يكون ذلك أهون للإمام من بعث جيش يعطى كل واحد ما رأى الإمام باجتهاده، هذا كله إذا كانوا مسلمين، فأما الكفار الذين يميلون إلى الإسلام فيرغبون فيه بإعطاء مال، والذين يخاف شرهم فيتألفون لدفع الشر بمال فلا يعطون شيئاً من الزكاة، وكان النبي  يعطيهم من خمس الخمس والآن لا يعطون أصلاً لقوة الإسلام والاستغناء عن تألفهم ولأنه ليس في الآية دلالة على أن المؤلفة يجوز أن يكونوا من الكفار فلا ينبغي أن يقال إن حكم الآية منسوخ، الصنف الخامس قوله وفي الرقاب.

قال الزجاج: تقديره وفي فك الرقاب، وللأئمة في تفسيره أقوال؛ فعن ابن عباس أنهم المكاتبون وهو مذهب الشافعي قال: إذا عجزوا عن أداء النجوم بأن يكون لهم شيء أو لا يفي ما في أيديهم بنجومهم صرف إليهم أو إلى سيدهم بإذنهم ما يعينهم على العتق.

وقال مالك وأحمد وإسحاق: المراد أنه يشتري به عبيد فيعتقون.

وعن أبي حنيفة وأصحابه.

وهو قول سعيد بن جبير والنخعي، أنه لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة ولكن يعطى منها في رقبة ويعان بها مكاتب لأن قوله ﴿ وفي الرقاب ﴾ يقتضي أن يكون له فيه مدخل وذلك ينافي كونه تاماً فيه.

وقال الزهري: سهم الرقاب نصفه للمكاتبين المسلمين ونصفه يشتري به رقاب ممن صلوا وصاموا وقدم إسلامهم فيعتقون.

قال المفسرون: إنما عدل عن اللام إلى "في" لأن الأصناف الأربعة الأول يصرف المال إليهم حتى يتصرفوا فيه كما شاؤا، وفي الأربعة الأخيرة لا يصرف المال إليهم بل يصرف إلى جهات الحاجات المعتبرة في الصفات التي لأجلها استحقوا سهم الزكاة.

ففي الرقاب يوضع نصيبهم في تخليص رقابهم عن الرق أو الأسر ولا يدفع إليهم، وفي الغارمين يصرف المال إلى قضاء ديونهم، وفي الغزاة يصرف المال إلى إعداد ما يحتاج إليه في الغزو، وفي ابن السبيل كذلك يصرف إلى ما يبلغه المقصد.

وقال في الكشاف: إنما عدل للإيذان بأنهم أرسخ في استحاق التصديق عليهم ممن سبق لأن "في" للوعاء فنبه به على أنهم أحقاء بأن يجعلوا مصباً للصدقات.

وتكرير "في" في قوله ﴿ وفي سبيل الله وابن السبيل ﴾ فيه فضل ترجيح لهذين على الرقاب والغارمين الصنف السادس الغارمون قال الزجاج: أصل الغرم لزوم ما يستحق وسمي العشق غراماً لكونه أمراً شاقاً لازماً.

وفلان مغرم بالنساء، وسمي الدين غرماً لأنه شاق لازم.

فالغارمون المديونون والدين إن حصل بسبب معصية لم يدخل في الآية لأن المعصية لا تستوجب الإعانة وإن حصل لا بالمعصية فهو مقصود الآية سواء حصل بسبب نفقات ضرورية أو لإصلاح ذات البين.

وإن كان متمولاً أو للضمان إن أعسر هو والأصيل وكل داخل في الآية.

روى الأصم في تفسيره أنه  لمّا قضى بالغرة في جنين قالت العاقلة: لا نملك الغرة يا رسول الله، فقال لحمد ابن مالك: أعنهم بغرة من صدقاتهم، وكان حمد على الصدقة يومئذ.

وإنما يعطى الغارم قدر دينه إن لم يقدر على شيء وإن قدر على بعض أعطى الباقي.

الصنف السابع قوله ﴿ في سبيل الله ﴾ يعني الغزاة.

قالالشافعي: يجوز له أن يأخذ من مال الصدقات وإن كان غنياً وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق وأبي عبيد.

وقال أبو حنيفة: لا يعطى الغازي إلا إذا كان محتاجاً وظاهر لفظ الآية لا يوجب القصر على الغزاة فلهذا نقل القفال عن بعض الفقهاء أنهم أجازوا صرف الصدقة إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الحصون وعمارة المساجد لأن كلها في سبيل الله.

الصنف الثامن ابن السبيل وهو المسافر لا لأجل معصية، يعطى ما يبلغه المقصد أو موضع ماله إن كان له في الطريق مال.

قال الشافعي: ويدخل في المسافر الشاخص من وطنه أو من بلد كان مقيماً به منشئاً للسفر والغريب المجتاز ببلدنا والله أعلم.

ولنذكر طرفاً من أحكام هذه الأصناف: الحكم الأول: اتفقوا على دخول الزكاة الواجبة في قوله ﴿ إنما الصدقات ﴾ لقوله في موضع آخر ﴿ خذ من أموالهم صدقة  ﴾ ولقوله  : "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" واختلفوا في الصدقة المندوبة فمنهم من قال تدخل، والفائدة أن تعلم أن مصارف جميع الصدقات ليست إلا هؤلاء الأصناف، والأقرب اختصاص الآية بالواجبة لدخول لام التمليك في الأصناف، والصدقة المملوكة لهم ليست إلا الزكاة ولأن الآية تدل على الحصر في الأصناف الثمانية والصدقة المندوبة يجوز صرفها إلى وجوه أخر كالمساجد والمدارس وتجهيز الموتى، ولأن الصدقات تنصرف إلى معهود سابق وهو الصدقات الواجبة في قوله ﴿ ومنهم من يلمزك في الصدقات ﴾ .

الحكم الثاني: في الآية دلالة على أن الزكاة إنما يتولى أخذها الإمام أو نائبه لأنه تعالى جعل للعاملين سهماً منها.

والعامل هو الذي نصبه الإمام لأخذ الزكوات ويتأكد هذا النص بقوله ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ فالقول بأن المالك يجوز له إخراج زكاة الأموال الباطنة بنفسه إنما يعرف بدليل آخر كقوله ﴿ وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم  ﴾ وإذا كان حقاً لهما وجب أن يجوز دفعه إليهما ابتداء، وإذا كان الإمام جائراً فالتفريق بنفسه أفضل.

الحكم الثالث: مذهب أبي حنيفة أنه يجوز صرف الصدقة إلى بعض هؤلاء الأصناف وهو قول عمر وحذيفة وابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء وأبي العالية والنخعي، لأنه تعالى جعل جملة الصدقات لهؤلاء الثمانية فلا يلزم أن يكون كل جزء من أجزائها كصدقة زيد مثلاً موزعاً على كل واحد منهم، ولأن الرجل الذي لا يملك إلا عشرين ديناراً فأخرج نصف دينار لو كلفناه أن يقسمه على أربعة وعشرين لدفع كل ثلاثة منها إلى ثلاثة من كل صنف صار كل قسم حقيراً صغيراً غير منتفع به في مهم معتبر.

وعن سعيد بن جبير لو نظرت إلى أهل بيت من المسلمين فقراء متعففين فجبرتهم بها كان أحب إلي.

وقال الشافعي: لا بد من صرفها، إلى الأصناف الثمانية وهو قول عكرمة والزهري وعمر بن عبد العزيز.

واحتجوا عليه بأن الله  ذكر هذه القسمة في نص الكتاب ثم أكدها بقوله ﴿ فريضة من الله ﴾ وهو في معنى المصدر المؤكد لأن قوله ﴿ إنما الصدقات للفقراء ﴾ في قوة قوله فرض الله الصدقات لهم، وهذا كالزجر عن مخالفة من الآية.

وعن النبي  "إن الله تبارك وتعالى لم يرض بقسمة ملك مقرب ولا نبي مرسل حتى تولى قسمتها بنفسه" .

ثم ختم الآية بقوله ﴿ والله عليم ﴾ أي بتقدير الأنصباء والمصالح ﴿ حكيم ﴾ لا يفعل إلا ما هو الأصوب والأصلح وكل هذه المؤكدات دليل على وجوب الاحتياط في صرف الزكاة، ومن ههنا قال الشافعي: لا بد في كل صنف من ثلاثة لأنه  ذكر أكثر الأصناف بلفظ الجمع وأقل الجمع ثلاثة، فإن دفع نصيب الفقراء إلى اثنين غرم للثالثأقل متمول على الأقيس لا الثلث، لأن التفضيل في أفراد الصنف جائز للمالك لأن العدد من كل صنف غير محصور فيصعب اعتبار التسوية بخلاف التسوية بين الأصناف لأنهم محصورون فتسهل التسوية بينهم.

الحكم الرابع: العامل والمؤلفة قلوبهم مفقودان في زماننا فبقي أن تصرف الزكاة إلى الأصناف الستة الباقية كما لو فقد بعض الأصناف في بلد فإنه يصرف إلى الباقين، ولا يؤمر بالنقل إلى بلد وجدوا فيه جميعاً والأحوط رعاية التسوية بينهم على ما يقوله الشافعي، أما إذا لم يفعل ذلك فإنها مجزئه عند سائر الأئمة.

أما الحكمة في إيجاب الزكاة فهو أن المال محبوب بالطبع لأن القدرة من صفات الكمال والمال سبب.

لحصول القدرة على المشتهيات والمآرب لكن الاستغراق في حبه يذهل النفس عن حب الله وعن التأهب للآخرة فاقتضت الحكمة الإلهية تكليف مالك المال إخراج طائفة منه كسراً للنفس ومنعاً من انصبابها بالكلية إليه.

فإيجاب الزكاة علاج صالح لإزالة مرض حب الدنيا عن القلب وهو المراد من قوله ﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ﴾ أي عن دنس الاستغراق في حب المال.

وأيضاً إن كثرة الأموال توجب القوة والقدرة والشدة، وتزايد تلك اللذات يدعو الإنسان إلى تحصيل الأموال المتزايدة فتصير المسألة دورية لا مقطع لها ولا آخر فأثبت الشرع لها مقطعاً وآخراً وهو صرف طائفة من المال في طلب مرضاة الله ليصرف النفس عن ذلك الطريق الظلماني الذي لا آخر له ويفضي في الأغلب إلى الطغيان وقساوة القلب.

وأيضاً النفس الناطقة لها قوتان: نظرية وكمالها في التعظيم لأمر الله، وعملية وكمالها في الشفقة على خلق الله فأوجب الله الزكاة ليتصف جوهر الروح بهذا الكمال ويصير بسبب ذلك محسناً إلى الخلق، وإذا أحسن إليهم أمدوه بالدعاء والهمة.

وأيضاً المال سمي مالاً لكثرة ميل كل أحد إليه وهو غاد ورائح سريع الزوال مشرف على التلف والبوار، فإذا أنفقه لوجه الله بقي بقاء لا يمكن زواله.

وفي إنفاق المال تشبه بالمجردات والمفارقات وليس الغنى إلا عن الشيء لا به لأن الاستغناء عن الشيء صفة الحق والاستغناء بالشيء صفة المخلوقين العاجزين، ففي الأمر بالزكاة نقل للإنسان من درجة أدنى إلى درجة أعلى.

وأيضاً للإنسان روح وبدن ومال فإذا بذلك الروح في الاستغراق في بحار معرفة الله، وبذل البدن في العبودية لله والصلاة له فكيف يليق به أن لا يبذل المال في ابتغاء مرضاته؟!

وأيضاً إذا فضل المال عن قدر الحاجة وحضر إنسان آخر محتاج فههنا حصل سببان كل واحد منهما يوجب تملك ذلك المال، أما في حق المالك فهو أنه سعى اكتسابه وتحصيله وتعلق قلبه به، وأما في حق الفقير فلاحتياجه الموجب للتعلق به فلما وجد هذان السببان المتدافعان اقتضت حكمة الشارع رعاية كل منهما بقدر الإمكان.

ورجح جانب المالك لأن له حق الاكتساب وحق التعلق فأبقى عليه الكثير وأمر بصرف جزء يسير إلى الفقير توفيقاً بين الأمرين وجمعاً بين المصلحتين مع رعاية المال عن التعطيل فلا معطل في الوجود.

وأيضاً الأغنياء خزان الله لأن المال مال الله وهم عبيده ولولا أنه ألقاها في أيديهم لما ملكوا منها حبة، فكم من عاقل لا يملك ملء بطنه، وكم من غافل تأتيه الدنيا عفواً صفواً.

وليس بمستبعد أن يقول الملك لخزّانه اصرفوا طائفة من مال خزانتي إلى المحتاجين من عبيدي.

وأيضاً إن الأغنياء لو لم يلزموا بإصلاح مهمات الفقراء فربما حملتهم شدة الحاجة على تحصيل المال من وجوه منكرة كالسرقة ونحوها أو على الالتحاق بأعداء المسلمين.

وقال  "الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر" وكأن  يقول للغني أعطيتك المال فشكرت فصرت من الشاكرين فأخرج من يدك نصيباً منه حتى تصبر على فقدان المال فتصير من الصابرين، ويقول للفقير ما أعطيتك الأموال الكثيرة فصبرت فصرت من الصابرين ولكني أوجبت على الغني أن يصرف إليك طائفة من المال لتشكرني فتكون من الشاكرين.

وأيضاً أراد الله  أن يكون الغني منعماً على الفقير بما يؤديه إليه ويكون الفقير منعماً على الغني بما قبله منه ليحصل الخلاص في الدنيا من الذم والعار وفي الآخرة من عذاب النار.

ثم حكى نوعاً من فضائح المنافقين وهو أنهم كانوا يقولون لرسول الله  على وجه الطعن والذم ﴿ هو أذن ﴾ عن ابن عباس كانوا يؤذون النبي  ويقولون ما لا ينبغي فقال بعضهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون فنحلف له.

فقال الجلاس بن سويد، نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول فإنما محمد أذن سامعة فنزلت الآية.

وقال محمد بن إسحاق بن يسار وغيره: نزلت في رجل من المنافقين يقال له نبتل بن الحرث وكان رجلاً أحمر العينين أسفع الخدين مشوه الخلقة وهو الذي قال فيه النبي  "من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحرث" وكان ينم حديث النبي صل الله عليه وسلم إلى المنافقين فقيل له: لا تفعل فقال: إنما محمد أذن من حدثه شيئاً صدقه نقول ما شئنا ثم نأتيه فنحلف له فيصدّقنا.

وقال السدي: اجتمع ناس من المنافقين فيهم جلاس بن سويد بن الصامت ووديعة بن ثابت فأرادوا أن يقعوا في النبي  وعندهم غلام من الأنصار يدعى عامر بن قيس، فحقروه فتكلموا وقالوا إن كان ما يقوله محمد حقاً لنحن شر من الحمير فغضب الغلام وقال: والله إن ما يقول محمد حق وإنكم لشر من الحمير، ثم أتى النبي  فأخبره فدعاهم فسألهم فحلفوا أن عامراً كاذب وحلف عامر أنهم كذبة.

وقال: اللهم لا تفرق بيننا حتى يتبين صدق الصادق من كذب الكاذب فنزلت الآيتان.

قال علماء اللغة: الأذن الرجل الذي يصدق بكل ما يسمع ويقبل قول كل أحد سمي بالجارحة التي هي آلة السماع كأنه جملته أذن سامعة ومثله قولهم للربيئة عين.

وفسر إيذاءهم النبي  بأنهم يقولون له أذن وذلك أنهم قصدوا به المذمة وأنه ليس ذا ذكاء ولا بعيد غور بل هو سليم القلب سريع الاغترار بكل ما يسمع.

ويجوز أن يراد بالإيذاء أنواع أخر سوى هذا القول أي يؤذونه بالغيبة والنميمة وسائر أنواع الأذية ويقولون في وجه الاعتذار عن ذلك هو أذن يقبل كل ما يسمع، فنحن نأتيه فنعتذر إليه فيسمع عذرنا فيرضى، ثم إنه  أجاب عن قولهم فقال ﴿ قل أذن خير لكم ﴾ بالإضافة كقولهم: رجل صدق يريدون الجودة والصلاح.

ومجوز الإضافة هو الملابسة كأنه قيل: نعم هو أذن ولكن نعم الأذن إذ أريد هو أذن في الخير والحق وفيما يجب سماعه وقبوله وليس بإذن في غير ذلك ويؤيده قراءة حمزة ﴿ رحمة ﴾ بالجر عطفاً عليه عطف الخاص على العام أي هو أذن خير ورحمة لا يسمع ولا يقبل غيرهما.

ثم بين كونه أذن خير بأنه ﴿ يؤمن بالله ﴾ أي يقرّ به ويعترف بوحدانيته لما قام عنده من الأدلة ﴿ ويؤمن للمؤمنين ﴾ يسلم لهم قولهم لوثوقه بقولهم وعلمه بإخلاصهم لا لكونه من أهل الغرة والبله ﴿ و ﴾ هو ﴿ رحمة للذين آمنوا منكم ﴾ باللسان دون الجنان لأنه يجري أمركم على الظاهر ولا يبالغ في التفتيش عن بواطنكم فإن الله هو الذي يتولى السرائر ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ﴾ وأما من قرأ ﴿ أذن خير ﴾ بالرفع فيهما فعلى أن الإذن خبر مبتدأ محذوف و ﴿ خير ﴾ كذلك أي هو أذن هو خير.

والمعنى هو أذن موصوف بالخيرية في حقكم لأنه يقبل معاذيركم ويتغافل عن جهالاتكم فتحفظ بذلك دماؤكم وأموالكم.

وقيل: التقدير قل أذن واعية سامعة للحق خير لكم من هذا الطعن الفاسد.

ثم ذكر بعده ما يدل على فساد هذا الطعن وهو قوله ﴿ يؤمن بالله ﴾ إلى آخره.

ووجه ثالث ذكره صاحب النظم واستحسنه الواحدي وهو أن قوله ﴿ أذن ﴾ وإن كان رافعاً في الظاهر لكنه نصب في الحقيقة على الحال وتأويله: قل هو أذنا خير لكم.

ذكر أن من قبائح المنافقين إقدامهم على الأيمان الكاذبة فقال ﴿ يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه ﴾ أي كان من الواجب أن يرضوا الله  بالإخلاص والتوبة لا بإظهار ما يستسرون خلافه.

وإنما لم يقل يرضوهما تعظيماً لله بالإفراد بالذكر، أو المراد والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك، أو وقع الاكتفاء بذكر الله لأن رضا الله ورضا رسوله شيء واحد كما يقال إحسان زيد وإجماله بعثني ومعني ﴿ إن كانوا مؤمنين ﴾ أي بزعمهم.

ثم وبخهم بقوله ﴿ ألم يعلموا ﴾ وذلك أنه يقال ذلك لمن تتولع في تعليمه مدة ثم لم يظهر عليه أثر العلم والرشد، وكان النبي  طال مكثه فيهم وكثر تحذيره عن المعصية وترغيبه في الطاعة.

والضمير في قوله ﴿ أنه ﴾ للشأن وفائدته مزيد التعظيم والتهويل.

والمحادة المخالفة لأن كلاً منهما في حد غير حد صاحبه كالمشاقة لأن كلاً منهما في شق آخر.

وقال أبو مسلم: هي من الحديد حديد السلاح.

ثم ذكر في الجزاء قوله ﴿ فإن له ﴾ بالفتح أي فحق أن له ﴿ نار جهنم ﴾ وقيل "أن" مكرر للتأكيد والتقدير فله نار جهنم.

وقيل "فإن" معطوف على "أنه" وجواب من محذوف وهو يهلك.

قال الزجاج: يجوز كسر "أن" على الاستئناف بعد الفاء ولكن القراءة بالفتح.

ونقل الكعبي في تفسيره أنه قرىء بالكسر.

قال السدي: قال بعض المنافقين: والله لوددت إني قدمت فجلدت مائة جلدة ولا ينزل فينا شيء فيفضحنا فأنزل الله  ﴿ يحذر المنافقين ﴾ وقال مجاهد: كانوا يقولون القوم بينهم ثم يقولون عسى الله أن لا يفشى علينا سرنا فنزلت.

والضمير في ﴿ عليهم ﴾ و ﴿ تنبئهم ﴾ للمؤمنين وفي ﴿ قلوبهم ﴾ للمنافقين، ويجوز أن تكون الضمائر كلها للمنافقين لأن السورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم وكأنها تخبر عما في بواطنهم وتذيع عليهم أسرارهم.

قيل: المنافق كافر فكيف يحذر نزول الوحي لأنه غير قائل به؟

وأجيب بأنهم عرفوا ذلك بالتجربة أو كفرهم كان كفر عناد أو كانوا شاكين في صحة نبوته والشاك في أمر خائف من وقوعه، أو هذا الخبر في معنى الأمر أي ليحذر المنافقون: عن أبي مسلم أنهم أظهروا هذا الحذر على سبيل الاستهزاء ولهذا أجابهم الله بقوله ﴿ استهزؤا ﴾ وهو أمر تهديد ﴿ إن الله مخرج ما تحذرون ﴾ مظهر ما تحذرونه من نفاقكم أو محصل إنزال السورة لأن الشيء إذا حصل بعد عدم فكأن فاعله أخرجه من العدم إلى الوجود.

قوله ﴿ ولئن سألتهم ﴾ الآية.

عن ابن عمر أن رجلاً من المنافقين في غزوة تبوك.

ما رأيت مثل هؤلاء الفراء أرغب بطوناً أي أوسع ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء يعني رسول الله وأصحابه.

فقال واحد من المؤمنين: كذبت وأنت منافق.

ثم ذهب ليخبر رسول الله  فوجد القرآن قد سبقه فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته فقال: يا رسول الله  إنا كنا نلعب ونتحدث بحديث الركب نقطع به عنا الطريق قال ابن عمر: رأيت عبد الله بن أبيّ يشتد قدام رسول الله  والحجارة تنكبه وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب.

والنبي  يقول: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن؟

ما يلتفت إليه ولا يزيد عليه.

وقال الحسن وقتادة: بينا رسول الله  يسير في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه فقالوا: انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتتح قصور الشام وحصونها هيهات هيهات.

فأطلع الله عز وجل نبيه على ذلك فقال: احبسوا عليّ الركب فأتاهم فقال: قلتم كذا وكذا فقالوا: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب.

قال الواحدي: أصل الخوض الدخول في مائع مثل الماء والطين ثم كثر حتى أطلق على كل دخول فيه تلويث وأذى أي كنا نخوض في الباطل كما يخوض الركب لقطع الطريق.

ثم أمر نبيه بأن يقول في جوابهم ﴿ أبا لله ﴾ أي بتكاليفه أو بأسمائه أو بقدرته حيث استبعدتم إعانته النبي  وأصحابه على فتح قصور الشام ﴿ وآياته ﴾ يعني القرآن ﴿ ورسوله كنتم تستهزؤن ﴾ لم يعبأ باعتذارهم فجعلوا كأنهم معترفون بوقوع الاستهزاء منهم فأوقع الإنكار على الاستهزاء بالله بأن أولى الاستفهام الذي يفيد التقرير المستهزأ به ولم يقل "أتستهزؤن بالله".

ثم قال: ﴿ لا تعتذروا ﴾ نقل الواحدي عن أئمة اللغة أن معنى الاعتذار محو أثر الذنب أو قطعه من قولهم: اعتذر المنزل إذا درس.

واعتذرت المياه إذا انقطعت، ومنه عذرة الجارية لأنها تعذر أي تقطع.

والعذر سبب لقطع اللوم، نهاهم الله عن الاعتذار بالخوض واللعب لأن الشيء الذي يوجب الكفر لا يصلح للعذر.

ثم بين ذلك بقوله ﴿ قد كفرتم ﴾ أي صريحاً ﴿ بعد إيمانكم ﴾ أي بعد الإيمان الذي أظهرتموه.

وفيه أن الاستهزاء بالدين كيف كان كفر بالله صريح لأن العمدة الكبرى في الإيمان هو التعظيم لأمر الله ولشرائعه.

﴿ إن نعف عن طائفة منكم ﴾ ذكر المفسرون أنهم كانوا ثلاثة، استهزأ اثنان وضحك الثالث، ولما كان ذنب الضاحك أخف لأنه لم يوافق القوم في الكفر فلا جرم عفا الله عنه.

وفيه إشارة إلى أنه من خاض في عمل باطل فعليه أن يجتهد في التقليل ويحذر من الانهماك فإنه يرجى له ببركة ذلك القليل أن يعفو الله عنه الكل.

قال الزجاج: الطائفة في اللغة الجماعة لأنها المقدار الذي يمكنه أن يطيف بالشي، ثم يجوز أن يسمى الواحد بالطائفة قال  ﴿ وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين  ﴾ وأقله الواحد.

وروى الفراء بإسناده عن ابن عباس أنه قال: الطائفة الواحد فما فوقه.

ووجه بأن من اختار مذهباً فإنه ينصره ويذب عنه من كل الجوانب فلا يبعد أن يسمى طائفة بهذا السبب والتاء للمبالغة.

وقال ابن الأنباري: العرب قد توقع لفظ الجمع على الواحد وقال  ﴿ الذين قال لهم الناس  ﴾ يعني نعيم بن مسعود.

ثم علل كونه معذباً للطائفة الثانية ﴿ بأنهم كانوا مجرمين ﴾ أي مصّرين مستمرّين على الجرم، ويجوز أن يكون سبب العفو عن الطائفة الأولى إحداثهم التوبة وإخلاصهم الإيمان بعد النفاق، ويجوز أن يراد بالعذاب العذاب العاجل.

ومن قرأ ﴿ أن يعف ﴾ على البناء للمفعول والتذكير فلأنه مستند إلى الظرف كما تقول: سير بالدابة دون سيرت.

وقرىء بالتأنيث ذهاباً إلى المعنى كأنه قيل: إن ترحم طائفة.

ثم ذكر جملة أحوال المنافقين.

وأن إناثهم في ذلك كذكورهم فقال ﴿ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ﴾ أي في صفة النفاق وأريد به نفي أن يكونوا من المؤمنين وتكذيبهم في قولهم ﴿ إنهم لمنكم ﴾ وتقرير قوله ﴿ وما هم منكم ﴾ ثم فصل ذلك المجمل ببيان مضادة حالهم الحال المؤمنين فقال ﴿ يأمرون بالمنكر ﴾ وهو كل قبيح عقلاً أو شرعاً وأعظم ذلك تكذيب الله ورسوله.

﴿ وينهون عن المعروف ﴾ وهو كل حسن عقلاً أو شرعاً وأعظم ذلك الإخلاص في الإيمان ﴿ ويقبضون أيديهم ﴾ عن كل خير أو عن كل واجب كصدقة أو زكاة أو اتفاق في سبيل الله، وهذا أولى ليتوجه الذم بتركه.

وقبض الأيدي كناية عن الشح والبخل كبسطها في الكرم والسخاء ﴿ نسوا الله ﴾ أغفلوا أمره وتركوا ذكره وذلك أن النسيان الحقيقي لا يتوجه عليه الذم ﴿ فنسيهم ﴾ جازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه ورحمته وهذا على سبيل المزاوجة والطباق.

وإنما جعل النسيان عبارة عن ترك الذكر لأن من نسي شيئاً لم يذكره فدل بذكر الملزوم على اللازم، ثم قال ﴿ إن المنافقين هم الفاسقون ﴾ وفيه دليل على أنهم هم الكاملون في الفسق وأن على المسلم أن يتحرز عما يكسبه هذا الاسم.

ثم بين مآل حال أهل النفاق والكفر فقال ﴿ وعد الله ﴾ الآية ومعنى ﴿ خالدين فيها ﴾ مقدرين الخلود فيها قاله في الكشاف ويحتمل أن يراد مستأهلين للخلود ﴿ هي حسبهم ﴾ كافيهم في الجزاء والإيلام ومع ذلك فقد لعنهم الله ليكون العذب مقروناً بالإهانة والطرد ﴿ ولهم عذاب مقيم ﴾ نوع آخر من العذاب الدائم سوى عذاب النار، أو عذاب عاجل لا ينفكون عنه من تعب النفاق والخوف من افتضاحهم.

ثم شبه المنافقين بالكفار الذين كانوا قبلهم في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف وقبض الأيدي عن الخيرات فقال ملتفتاً من الغيبة إلى الخطاب ﴿ كالذين من قبلكم ﴾ أي أنتم مثل الذين أو فعلتم مثل فعل الذين من قبلكم.

فعلى الأول محل الكاف رفع وعلى الثاني نصب.

ثم وصف أولئك الكفار بأنهم كانوا أشد قوة أي جسامة من هؤلاء المنافقين ﴿ وأكثر أموالاً وأولاداً فاستمتعوا بخلاقهم ﴾ وهو ما خلق للإنسان أي قدر له من خير كما قيل له قسم لأنه قسم ونصيب لأنه نصب أي أثبت.

﴿ فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ﴾ قيل: ما الفائدة في ذكر الاستمتاع بالخلاق في حق الأولين مرة ثم ذكره في حق المنافقين ثانياً ثم تكريره في حق الأوّلين ثالثاً؟

وأجيب بأنه  ذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا وحرمانهم عن سعادة الآخرة بسبب استغراقهم في تلك الحظوظ، فلما قرر  هذا الذم عاد فشبه حال المنافقين بحالهم فيكون ذلك نهاية فيالمبالغة.

قال جار الله: نظيره أن تقول لبعض الظلمة أنت مثل فرعون كان يقتل بغير جرم ويعذب وأنت تفعل مثل فعله.

وأما قوله ﴿ وخضتم كالذي خاضوا ﴾ فمعطوف على ما قبله مستند إليه مستغن بإسناده إليه عن تلك التقدمة.

ومعنى "كالذي" كالخوض الذي خاضوه أو كالفوج الذي خاضوا.

وقيل: أصله كالذين فحذف النون.

ثم بين أن أولئك الكفار لم يحصل لهم إلا حبوط الأعمال أما في الدنيا فبسبب الفقر والانتقال من العز إلى الذل ومن القوة إلى الضعف، وأما في الآخرة فلأنهم هلكوا وبادوا وانتقلوا إلى العقاب الدائم وخسران الدارين.

فهؤلاء المنافقون المشاركون لهم في هذه الأعمال والفضائح مع ضعف بنيتهم وقلة عددهم وعددهم أولى بخزي الدارين وخسار الأمرين.

التأويل: ﴿ إنما الصدقات ﴾ وهي صدقات مواهب الله كما قال الله  "ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا لله فيها صدقة على من يشاء من عباده الفقراء وهم الأغنياء بالله الذين فنوا عنهم وبقوا به" ﴿ والمساكين ﴾ الذين لهم بقية أوصاف الوجود ألقوا سفينة القلب في بحر الطلب وقد خرقها خضر المحبة ﴿ وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً  ﴾ ﴿ والعاملين عليها ﴾ وهم أرباب الأعمال كما كان الفقراء والمساكين أرباب الأحوال ﴿ والمؤلفة قلوبهم ﴾ الذين تتألف قلوبهم بذكر الله ﴿ وفي الرقاب ﴾ الذين يريدون أن يتخلصوا عن رق الموجودات تحر لعبودية موجدها.

والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم.

﴿ والغارمين ﴾ الذين استقرضوا من مراتب المكونات أوصافها وطبائعها وخواصها وهم محبوسون في سجن الوجود فهم معاونون بتلك الصدقات للخلاص عن حبس الوجود ﴿ وفي سبيل الله ﴾ المجاهدين الجهاد الأكبر مع كفار النفوس والهوى والشيطان والدنيا ﴿ وابن السبيل ﴾ المسافرون عن أوصاف الطبيعة وعالم البشرية، السائرون إلى الله على أقدام الشريعة والطريقة ﴿ فريضة من الله ﴾ أوجبها على ذمة كرمه كما قال "ألا من طلبني وجدني" ﴿ والله عليم ﴾ بطالبيه ﴿ حكيم ﴾ في معاونتهم بعد الطلب كقوله "من تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً" ﴿ ويقولن هو أذن ﴾ رأوا محامده بنظر المذمة والعيب ﴿ قل أذن خير لكم ﴾ أي سامعيته خير لكم لأن له مقام السامعية يسمع ما يوحى إليه ﴿ يؤمن بالله ﴾ عياناً ﴿ ويؤمن للمؤمنين ﴾ لأن فوائد إيمانه تعود إليهم كما تعود إلى نفسه ﴿ ورحمة للذين آمنوا ﴾ لأنهم يهتدون بهداه ﴿ والذين يؤذون رسول الله ﴾ بأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم ﴿ يحذر المنافقون ﴾ والحذر لا يغني عن القدر ﴿ أن نعف عن طائفة ﴾ إظهاراً للفضل والرأفة ﴿ نعذب طائفة ﴾ إظهار للقهر والعزة ولكن إظهار اللطف بلا سبب.

وإظهار القهر لا يكون إلا بسبب أنهم كانوا مجرمين و ﴿ بعضهم من بعض ﴾ لأن أرواحهم كانت في صف واحد في الأزل فمعاملاتهم من نتائج خصوصيات أرواحهم ﴿ نسوا الله ﴾ ولو ذكروه قبل الإتيان بالمعاصي لم يفعلوا ما فعلوا، ولو ذكروه بعد الإتيان لاستغفروا فغفر لهم ﴿ هي حسبهم ﴾ لأنها نصيبهم في الأزل ﴿ كانوا أشد منكم قوة ﴾ بالاستعداد الفطري وضيعوها في الاستمتاع العاجل فخسروا رأس المال ولم يربحوا.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ ﴾ .

أخبر أنهم يؤذون النبي، ولم يبين بما كانوا يؤذونه، فيحتمل: يؤذون النبي بتكذيبهم إياه، وتركهم الإجابة له والطاعة فيما يدعوهم إليه.

ويحتمل: يؤذونه بكلمات يسمعونه، وطعن يطعنونه، ويعيبون عليه ﴿ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ﴾ .

قيل: الأذن هو الذي يقبل العذر ممن اعتذر إليه، ويسمع [من كل أحد يعتذر إليه ويقبل، وكذلك كان  يقبل العذر ممن اعتذر إليه ويسمع] منه سواء كان له عذر أو لا عذر له؛ لكرمه وشرفه، وحسن خلقه، فظن أولئك لما رأوه أنه كان يعاملهم معاملة أهل الكرم والشرف والمجد أنه إنما يعاملهم هذه المعاملة لسلامة قلبه، وصغر همته، وقصور يده، وهم كانوا أهل كبر وأنفة، قالوا: هو أذن، نقول ما شئنا ثم نتخلف ونعتذر إليه فيصدقنا، ويقبل عذرنا؛ قال الله -  -: ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد ﴿ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ ﴾ أي: الذي يقبل العذر ويسمع خير لكم من الذي لا يقبل ولا يسمع، فكيف تؤذونه، وتطعنون [عليه]، وتعيبونه، ولا تصدقونه ولا تؤمنون به؟

يخبر عن سفههم.

قال أبو عوسجة: الأذن: الذي من قال له شيئاً، أو حدثه حديثاً، صدقه واستمع منه، وكذلك كان رسول الله  يصدق كل من قال له شيئاً أو حدثه حديثاً، واستمع منه؛ لكرمه، وشرفه، ومجده، وحسن خلقه، لا لما ظن أولئك.

وقيل: يقولون: هو أذن، أي: يسر في نفسه ويكتم، ولا يكافيء من آذاه، ولا يجازيه؛ قال الله: ﴿ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ﴾ ، أي: يصدق بالله بما ينزل عليه من آياته.

﴿ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، أي: يصدقهم فيما بينهم من شهاداتهم، وأيمانهم على حقوقهم، وفروجهم، وأموالهم.

ويحتمل قوله: يؤمن بالله ويصدقه بما يخبره من سرّ المنافقين، وما استكتموه منه من الكيد له، والمكر به، ويؤمن للمؤمنين بما يخبرونه من قبل أولئك المنافقين من الطعن فيه، والعيب عليه، والإيمان بآخر هو التصديق بجميع ما فيه، والإيمان له من خبره وحديثه.

وقوله: ﴿ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

فيما يشهدون في الآخرة له بالتبليغ إليهم؛ كقوله: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ أو أن يكون قوله: ﴿ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، أي: يؤمن بالمؤمنين فيما بينهم بالأخوة في الدين؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ ﴾ .

كان  رحمة للمؤمنين؛ لما استنقذهم من الكفر إلى الإيمان، ومن الهلاك إلى النجاة، يشفع لهم في الآخرة بإيمانهم في الدنيا.

﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

في الآخرة، بقية من الآية الأولى.

وقوله: ﴿ وَٱلْغَارِمِينَ ﴾ .

جعل الله الغارم موضعاً للصدقة، وهو الذي عليه الدين والغرم من أي وجه لحقه؛ [و]على ذلك روي في الخبر عن نبي الله  قال: "إن المسألة لا تحل إلا لإحدى ثلاث: من فقر مدقع، أو غرم مفظع، أو لذي دم موجع" وفي بعض الأخبار: "إن الصدقة لا تحل إلا لخمس: للعاملين عليها، أو رجل اشتراها، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، [أو فقير تصدق عليه فأهداها لغني]" وروي عن الحسن، والحسين وابن عمر، وابن جعفر أن رجلاً سألهم شيئاً فقالوا: إن كانت مسألتك في إحدى ثلاث فقد وجب حقك: في فقر مدقع، أو غرم مفظع، أو دم موجع.

هذه الأخبار كلها تدل على أن الغارم موضع للصدقة، قل دينه أو كثر.

فإن قيل: في الخبر: "أو غرم مفظع"، قيل: لا خلاف بينهم في أن من دينه غير مفظع فله أن يأخذ بقدر دينه من الصدقة، فهذا يدل أن الذي روي في الخبر إنما هو لكراهة المسألة، لا على التحريم، وهكذا نقول: إن المسألة لا تحل له إذا كان غرمه غير مفظع، ولكن يحل وضعه عنه وأخذه له.

مسألة: قوله: ﴿ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ هو ما ذكرنا أنه المنقطع من ماله، جعله الله موضعاً للصدقة، وإن كان غنيّاً في مقامه للحاجة التي بدت له؛ وعلى ذلك روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي  قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله، أو ابن السبيل، أو رجل له جار مسكين تصدق عليه فأهدى له" وفي بعض الأخبار عنه ما ذكرنا قال: "لا تحل الصدقة إلا لخمس، وفيه: أو [فقير] تصدق عليه فأهداها لغني" وقد يكون الرجل غنيّاً بأن يكون له دار يسكنها، ومتاع يتهيأه، وثياب وعزم على الخروج في سفر غزو احتاج من آلات سفره، وسلاح يستعمله في غزوه، ومركب يغزو عليه، وخادم يستغني بخدمته إلى ما لم يكن محتاجاً إليه في حال إقامته، فيجوز أن يعطى من الصدقة ما يستغني به في حوائجه التي يحدثها لسفره، فهو في مقامه غني بما يملكه؛ لأنه غير محتاج حينئذ إلى ما وصفنا، وهو في حال سفره غير غني، فيحتمل أن يكون معنى قوله: "لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله" على من كان غنيّاً في حال مقامه، فيعطى بعض ما يحتاج إليه لسفره؛ لما أحدث له السفر من الحاجة.

ألا ترى أن الرجل قد يكون له المتاع لا يحتاج إليه، والدابة لا يركبها، فإذا صار ذلك مائتي درهم لم يجز له أن يأخذ من الزكاة، فإن عرض له مرض أو سفر فاحتاج إلى دابة ليركبها، أنه يخرج من الغناء بما حدث له من الحاجة إلى الركوب، وكان له أن يأخذ من الصدقة عندنا لا يستغني عما هو له، وإنما الغني من استغنى عما يملكه.

فكذلك الغارم على العرف قد تحدث له الحاجة إلى أكثر مما يملك، وصار ممن يجوز أن يعان، وإن كان ملكه الذي كان به غنيّاً قبل ذلك لم ينقص، فهذا - والله أعلم - يحتمل.

وابن السبيل - أيضاً - ما ذكرنا من الخبر ألا تحل الصدقة لغني إلا لابن السبيل ومن ذكر معه، وعلى ذلك اتفاق الأمة، وهو ما قيل: المجتاز من أرض إلى أرض.

وعن ابن عباس - رضي الله  عنه - في تأويل قوله: ﴿ إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ  ﴾ : هو المسافر.

وهو ما ذكرنا أنه المنقطع عن ماله وإن كان غنيّاً في مقامه، والفقير الذي يجوز أن يعطى من الصدقة.

روي عن الحسن بن علي -  ما - قال: قال رسول الله  : "للسائل حق وإن جاء على فرس" وعن أبي هريرة عن النبي  : "أعطوا السائل ولو جاء على فرس" وجاء في بعض الأخبار عن رسول الله قال: "لا يسأل عبدٌ - أو قال: أحد - مسألة ما يغنيه إلا جاءت يوم القيامة خدوشاً وكدوحاً في وجهه قيل: يا رسول الله، وماذا يغنيه؟

أو ما أغناه؟

قال: خمسون درهماً أو حسابها من الذهب" وفي بعض الأخبار يقول: "من سأل وله أربعون درهماً فقد ألحف" وعن علي وعبد الله قالا: لا تحلّ الصدقة لمن له خمسون درهماً، أو عوضها من الذهب.

وعن عمر كذلك.

وعن ابن عباس قال: "[سأل] رجل رسول الله  : إن لي أربعين درهماً، أمستكثر أنا؟

قال: نعم" وفي بعض الأخبار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله  : "لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوى" وفي بعض الأخبار: [ولا] "لقوي مكتسب".

وإنما يحمل قوله: "لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوى" على الزجر عن العرض على الصدقة والمسألة عليها.

ألا ترى أن النبي  قال: "إن الصدقة لا تحل إلا في إحدى ثلاث" ، فذكر إحداها: "أو فقر مدقع"، فذلك يبيح لذي المرة السوى أن يقبل.

ألا ترى أن الرجلين اللذان سألا رسول الله  قال لهما: "إن شئتما أعطيتكما" ، فلو كان حراماً عليهما ما أعطاهما الحرام، ولكن ذلك على الزجر عن المسألة.

وروي عن سلمان أنه حمل إلى رسول الله  صدقة، فقال لأصحابه: "كلوا" ولم يأكل [هو]، ولا يتوهم متوهم أن أصحابه كانوا زمني، فهذا يبين أن النبي أراد الزجر عن المسألة والتعرض لها [إلا] في حال الضرورة، لا على التحريم لها وأن من أخذها وله أقل من مائتي درهم أو قيمتها، فله فيها ملك سداد من عيش، فذلك مكروه.

ألا ترى أنه روي عن الحسن أنه قال: كان أصحاب رسول الله  يأخذون الصدقة ولأحدهم من السلاح والكراع والعقار قيمة عشرة آلاف درهم.

فهذا حسن، والتعفف عنها أحسن؛ لقول رسول الله  : "من استغنى أغناه الله، ومن استعف أعفه الله" وقوله: "لأن يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب خير له من أن يسأل الناس شيئاً أعطوه أو منعوه" وقوله - عز وجل -: ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ ﴾ .

بما حلفوا عليه.

ذكر بعض أهل التأويل أن الأنصار مشت إليهم - يعني: إلى المنافقين - فقالوا: قد عيرنا بما نزل فيكم فحتى متى؟!

فكانوا يحلفون للأنصار: والله ما كان شيء من ذلك، فأكذبهم الله فقال: ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ ﴾ : ما كان الذي بلغكم، ﴿ لِيُرْضُوكُمْ ﴾ : بما حلفوا، ﴿ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ ﴾ : منكم يا معشر الأنصار، ﴿ أَن يُرْضُوهُ ﴾ : حيث اطلع [على ما] حلفوا وهم كذبة، ﴿ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ يقول: ولكن ليسوا بمصدقين.

والأشبه أن تكون الآية نزلت في معاتبة جرت بين المؤمنين والمنافقين باستهزاء كان منهم برسول الله، أو طعن فيه، أو استهزاء بدين الله، فاعتذروا إليهم وحلفوا على ذلك ليرضوهم، فقال [الله]: ﴿ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ حقيقة [ولكن] ليسوا بمؤمنين.

وأما ما قاله بعض أهل التأويل أن رجلاً من المنافقين قال: والله، لئن كان ما يقول محمد حقّاً لنحن شر من الحمر، فسمعها رجل من المسلمين، فأخبر بذلك رسول الله، فدعاه، فقال: "ما حملك على الذي قلت" فحلف والتعن ما قاله، فنزل قوله: ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ ﴾ ، هذا لو كان ما ذكر، لكانوا يحلفون لرسول الله، لا يحلفون لهم؛ دل أن الآية في غير ما ذكر.

ويذكر عن ابن عباس أن الآية نزلت في ناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك، فجعلوا يحلفون لرسول الله حين رجع أنهم لا يتخلفون عنه أبداً وكذلك قال غيره من أهل التأويل، ولكن لو كان ما قالوا لكانوا يحلفون لرسول الله ويرضونه، لا للمؤمنين؛ دل أن الأشبه ما ذكرنا، [و] فيه وجوه: أحدها: أن فيه دلالة تحقيق رسالته  ليعلموا أنه حق؛ حيث اطلع على ما أسرّوا في أنفسهم وكتموا من المكر به وأنواع السفه.

والثاني: ليحذروا ويمتنعوا عن مثله والمعاودة إليه؛ لما علموا أنه يطلع على جميع ما يسرون عنه ويكتمون.

والثالث: تنبيهاً للمؤمنين وتعليماً لهم منه بأنه إذا وقع لهم مثل ذلك لا يشتغلون بالحلف طلباً لإرضاء بعضهم بعضاً، ولكن يتوبون إلى الله، ويطلبون منه مرضاته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ .

ذكره نفسه ورسوله ثم أضاف الرضاء إلى رسوله بقوله: ﴿ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ ، ولم يقل: [أحق] أن يرضوهما؛ فهو - والله أعلم - لأنهم إذا أرضوا رسوله  م، وكان في إرضائهم رسوله إرضاء له، فهو ما ذكر أنهم ﴿ إِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ  ﴾ ثم أضاف الحكم إلى رسوله؛ لأنهم إنما دعوا إلى أن يحكم الرسول بينهم.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ ؛ لأن الخلاف والخيانة كان في حق الله، وفي حق رسوله، لم يكن في حق المؤمنين؛ لذلك قال: ﴿ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ من المؤمنين.

ثم ذكر محادة الله ورسوله، ثم اقتصر على رضاء رسوله؛ لأنهم لم يقصدوا قصد مخالفة [الله، وإنما قصدوا قصد مخالفة] رسوله، أو أن يكون ذكر إرضاء أحدهما؛ لأن في إرضاء رسوله رضاء الرب؛ كقوله: ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ .

[و]في الآية دلالة أنهم علموا أنهم معاندون في صنيعهم، وعلموا أن من عاند وكابر بغير حق فإن له نار جهنم.

وقوله: ﴿ يُحَادِدِ ٱللَّهَ ﴾ .

يحتمل: يعاند الله.

وقيل: ﴿ يُحَادِدِ ٱللَّهَ ﴾ : يشاقق الله ويخالفه؛ وهو واحد.

ثم قوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: قد علموا أنه من يحادد الله ورسوله فإن له ما ذكر، لكنهم عاندوا [وقصدوا] الخلاف والمحادة له مع علمهم.

والثاني: أي: علموا أنه من يحادد الله ورسوله، فإن له ما ذكر؛ على ما ذكرنا أن حرف الاستفهام من الله يخرج على الإيجاب والإلزام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ ٱلْخِزْيُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ .

يحتمل وجهين: الأول: يحتمل الخزي، أي: الفضيحة العظيمة في الدنيا.

والثاني: يحتمل ذلك الخزي العظيم في الآخرة، أي: نار جهنم خزي عظيم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ ﴾ ، أي: الحق عليهم أن يحذروا؛ لما أطلع الله ورسوله مراراً على ما أسروا وكتموا.

ويحتمل على الخبر: أنهم كانوا يحذرون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم عما في قلوبهم؛ لكثرة ما أطلع الله رسوله من سرائرهم وسفههم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱسْتَهْزِءُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ﴾ .

فهو - والله أعلم - ليس على الأمر؛ ولكن على الوعيد، يقول: استهزئوا؛ فإن الله مظهر ومبين ما أسررتم وكتمتم من العيب والاستهزاء برسوله والطعن فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ﴾ .

ذكر السؤال، ولم يبين عمّ يسألهم، ولكن في الجواب بيان أن السؤال إنما كان على الاستهزاء؛ حيث قال: ﴿ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ﴾ : ذكر أن نفرا من المنافقين كانوا اختفوا في بعض الطريق، ليمر رسول الله، ويرجع من الغزو فيقتلونه، فأطلع الله نبيه على اختفائهم في ذلك أنه لماذا؟

فقال: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ﴾ .

وذكر بعض أهل التأويل أن النبي لمّا رجع من غزوة تبوك بينا هو يسير إذ هو برهط يسيرون بين يديه يضحكون ويستهزئون، فأطلع الله رسوله أنهم يستهزءون بالله وكتابه ورسوله؛ فقال: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ﴾ .

وقيل بغير ذلك.

وقيل: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ ﴾ ، أي: لو سألتهم: ما تقولون؟

فيقولون لك: مما يخوض فيه الركب إذا ساروا.

وليس لنا إلى معرفة كيفية استهزائهم حاجة، ولا مأرب سوى أن فيما ذكر لنا من خبر المنافقين تنبيهاً للمؤمنين وتحذيراً لهم؛ ليحذروا إسرار ما لم يظهروا على ألسنتهم؛ ليعلموا أن الله مطلع على ما يسرون ويضمرون.

وقوله: ﴿ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ﴾ .

قوله: ﴿ أَبِٱللَّهِ ﴾ يحتمل الإضافة إلى نفسه إضافة إلى أنفس المؤمنين؛ لأنه لا أحد يقصد قصد الاستهزاء بالله، ولكنهم كانوا يستهزئون برسول الله وبالمؤمنين؛ فأضاف إلى نفسه؛ كقوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ  ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ...

 ﴾ الآية؛ فعلى ذلك الأول كانوا يستهزئون برسول الله وبالمؤمنين، فأضاف إلى نفسه؛ تعظيماً لهم وإكراماً.

وقوله: ﴿ وَآيَاتِهِ ﴾ يحتمل أنهم كانوا يستهزئون بالأحكام التي لها آيات، فاستهزءوابتلك الأحكام؛ فأضاف الاستهزاء إلى الآيات؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ  ﴾ الآية.

{ ﴿ وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً  ﴾ ، [هم] لم يتخذوا آيات الله هزوا؛ ولكن هزوا بالأحكام التي لها آيات فأضاف الهزء إلى آياته، ولكن من استخف بحكم من الأحكام التي لها آيات كان ذلك استخفافا بآياته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ .

أي: لا تعتذروا فإنه لا يقبل اعتذاركم؛ لما لا عذر لكم فيما تعتذرون بعد ما قلتم إنه أذن لما ظهر منكم الخلاف والكذب في ذلك؛ كقوله: ﴿ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ  ﴾ أخبر أنه لا نصدقهم فيما اعتذروا؛ لما ظهر كذبهم وتبين خلافهم.

وقوله: ﴿ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ .

يحتمل: كفرتم في الباطن بعد ما أظهرتم باللسان.

ويحتمل: ﴿ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ حقيقة قد كفروا بعد ما آمنوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ ﴾ ذلك أن المنافقين قد آمن منهم بعد النفاق وتاب، فأخبر أنه إن يعف عنهم يعذب طائفة: الذين لم يؤمنوا ولم يتوبوا.

وقيل: إن يعف عن طائفة منكم يعذب طائفة؛ لأن من المنافقين من قد ماتوا على الإيمان، ومنهم من قد مات على الكفر؛ فوعد العفو لمن مات على الإيمان؛ كقوله: ﴿ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ  ﴾ : أخبر أنه إن شاء تاب عليهم؛ فقوله: ﴿ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ ﴾ الطائفة التي يتوب [الله] عليهم.

وقوله: ﴿ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: على الإيجاب، أي: يفعلون بالله ورسوله ذلك.

وقيل: على الوعيد والتوبيخ؛ أبالله يفعلون هذا؟!

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومن المنافقين من يؤذون رسول الله  بالكلام، فيقولون لمَّا شاهدوا حلمه  : إنه يسمع من كلّ أحد ويصدقه، ولا يميز بين الحق والباطل، قل لهم -أيها الرسول-: إن الرسول لا يسمع إلا الخير، يصدق بالله، ويصدق ما يخبر به المؤمنون الصادقون ويرحمهم، فإن بعثته رحمة لمن آمن به، والذين يؤذونه  بأي نوع من أنواع الإيذاء لهم عذاب موجع.

من فوائد الآيات الأموال والأولاد قد تكون سببًا للعذاب في الدنيا، وقد تكون سببًا للعذاب في الآخرة، فليتعامل العبد معهما بما يرضي مولاه، فتتحقق بهما النجاة.

توزيع الزكاة موكول لاجتهاد ولاة الأمور يضعونها على حسب حاجة الأصناف وسعة الأموال.

إيذاء الرسول  فيما يتعلق برسالته كفر، يترتب عليه العقاب الشديد.

ينبغي للعبد أن يكون أذن خير لا أذن شر، يستمع ما فيه الصلاح والخير، ويعرض ترفعًا وإباء عن سماع الشر والفساد.

<div class="verse-tafsir" id="91.xgRoV"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل