الآية ٧ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٧ من سورة التوبة

كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۖ فَمَا ٱسْتَقَـٰمُوا۟ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُوا۟ لَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ ٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 99 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يبين تعالى حكمته في البراءة من المشركين ونظرته إياهم أربعة أشهر ، ثم بعد ذلك السيف المرهف أين ثقفوا ، فقال تعالى : ( كيف يكون للمشركين عهد ) وأمان ويتركون فيما هم فيه وهم مشركون بالله كافرون به وبرسوله ، ( إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ) يعني يوم الحديبية ، كما قال تعالى : ( هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ) الآية [ الفتح : 25 ] ، ( فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ) أي : مهما تمسكوا بما عاقدتموهم عليه وعاهدتموهم من ترك الحرب بينكم وبينهم عشر سنين ( فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين ) وقد فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك والمسلمون ، استمر العقد والهدنة مع أهل مكة من ذي القعدة في سنة ست ، إلى أن نقضت قريش العهد ومالئوا حلفاءهم بني بكر على خزاعة أحلاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقتلوهم معهم في الحرم أيضا ، فعند ذلك غزاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان سنة ثمان ، ففتح الله عليه البلد الحرام ، ومكنه من نواصيهم ، ولله الحمد والمنة ، فأطلق من أسلم منهم بعد القهر والغلبة عليهم ، فسموا الطلقاء ، وكانوا قريبا من ألفين ، ومن استمر على كفره وفر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث إليه بالأمان والتسيير في الأرض أربعة أشهر ، يذهب حيث شاء : منهم صفوان بن أمية ، وعكرمة بن أبي جهل وغيرهما ، ثم هداهم الله بعد ذلك إلى الإسلام التام ، والله المحمود على جميع ما يقدره ويفعله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أنّى يكون أيها المؤمنون بالله ورسوله, وبأيِّ معنى، يكون للمشركين بربهم عهدٌ وذمة عند الله وعند رسوله, يوفّى لهم به, ويتركوا من أجله آمنين يتصرفون في البلاد؟

(1) وإنما معناه: لا عهد لهم, وأن الواجب على المؤمنين قتلهم حيث وجدوهم، إلا الذين أعطوا العهد عند المسجد الحرام منهم, فإن الله جل ثناؤه أمرَ المؤمنين بالوفاء لهم بعهدهم، والاستقامة لهم عليه, ما داموا عليه للمؤمنين مستقيمين.

* * * واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بقوله: (إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام).

فقال بعضهم: هم قوم من جذيمة بن الدُّئِل.

* ذكر من قال ذلك: 16490- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم)، هم بنو جذيمة بن الدُّئِل.

(2) 16491- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن محمد بن عباد بن جعفر قوله: (إلا الذين عاهدتم من المشركين)، قال: هم جذيمة بكر كنانة.

(3) 16492- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (كيف يكون للمشركين)، الذين كانوا هم وأنتم على العهد العام، (4) بأن لا تخيفوهم ولا يخيفوكم في الحرمة ولا في الشهر الحرام (5) =(عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام)، وهي قبائل بني بكر الذين كانوا دخلوا في عهد قريش وعقدهم يوم الحديبية، إلى المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش, فلم يكن نَقَضَها إلا هذا الحيُّ من قريش، وبنو الدُّئِل من بكر.

فأمر بإتمام العهد لمن لم يكن نقض عهده من بني بكر إلى مدته =(فما استقاموا لكم)، الآية.

(6) * * * وقال آخرون: هم قريش.

* ذكر من قال ذلك: 16493- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, قال: قال ابن عباس قوله: (إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام)، هم قريش.

16494- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: (إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام)، يعني: أهل مكة.

16495- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام)، يقول: هم قوم كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم مدة, ولا ينبغي لمشرك أن يدخل المسجد الحرام ولا يعطي المسلمَ الجزيةَ.(فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم)، يعني: أهل العهد من المشركين.

16496- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم)، قال: هؤلاء قريش.

وقد نسخ هذا الأشهر التي ضربت لهم, وغدروا بهم فلم يستقيموا, كما قال الله.

فضرب لهم بعد الفتح أربعة أشهر، يختارون من أمرهم: إما أن يسلموا, وإما أن يلحقوا بأيِّ بلاد شاؤوا.

قال: فأسلموا قبل الأربعة الأشهر, وقبل قَتْلٍ.

(7) 16497- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر، عن قتادة: (إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم)، قال: هو يوم الحديبية، (8) قال: فلم يستقيموا, نقضوا عهدهم، أي أعانوا بني بكرٍ حِلْفِ قريش، على خزاعة حِلْفِ النبي صلى الله عليه وسلم.

(9) * * * وقال آخرون: هم قوم من خزاعة.

* ذكر من قال ذلك: 16498- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا ابن عيينة, عن ابن جريج, عن مجاهد: (إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام)، قال: أهل العهد من خزاعة.

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي، قولُ من قال: هم بعضُ بني بكر من كنانة, ممن كان أقام على عهده، ولم يكن دخل في نقض ما كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش يوم الحديبية من العهد مع قريش، حين نقضوه بمعونتهم حلفاءَهم من بني الدُّئِل، على حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خزاعة.

* * * وإنما قلتُ: هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن الله أمر نبيه والمؤمنين بإتمام العهد لمن كانوا عاهدوه عند المسجد الحرام, ما استقاموا على عهدهم.

وقد بينَّا أن هذه الآيات إنما نادى بها عليّ في سنة تسع من الهجرة, وذلك بعد فتح مكة بسنة, فلم يكن بمكة من قريش ولا خزاعة كافرٌ يومئذ بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدٌ، فيؤمر بالوفاء له بعهده ما استقام على عهده, لأنّ من كان منهم من ساكني مكة، كان قد نقض العهد وحورب قبل نـزول هذه الآيات.

* * * وأما قوله: (إن الله يحب المتقين)، فإن معناه: إن الله يحب من اتقى الله وراقبه في أداء فرائضه, والوفاء بعهده لمن عاهده, واجتناب معاصيه, وترك الغدر بعهوده لمن عاهده.

----------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير "العهد" و"المعاهدة" فيما سلف ص: 132، تعليق: 1، والمراجع هناك.

(2) هكذا جاء هنا " بنو جذيمة بن الدئل " ، وفي رقم : 16491 : " جذيمة بكر كنانة " .

ولا أعلم في " الدئل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة " ، " جذيمة " فإن " جذيمة كنانة " إنما هم : " بنو جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة " ، أبناء عمومة " الدئل " ، و " بكر بن عبد مناة " .

وبنو جذيمة بن عامر بن عبد مناة ، هم أهل الغميصاء ، الذين أوقع بهم خالد بن الوليد بعد الفتح ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه ليتلافى خطأ خالد بن الوليد ، فودي لهم الدماء وما أصيب من الأموال ، حتى إنه إنه ليدي لهم ميلغة الكلب .

( انظر سيرة ابن هشام 4 : 70 - 73 ) .

(3) الأثر : 16491 - راجع التعليق السالف .

وكان في المطبوعة : " بكر ، من كنانة " ، وأثبت ما في المخطوطة .

(4) في المطبوعة والمخطوطة : " كانوا وأنتم " ، واثبتت ما في سيرة ابن هشام .

(5) في المطبوعة : " بأن لا تمنعوهم ولا يمنعوكم من الحرم " ، غير ما في المخطوطة ، لأنه لم يحسن قراءتها .

والصواب ما في المخطوطة ، مطابقا لما في السيرة .

وقوله : " في الحرمة " ، يعني في مكة البلد الحرام ، وسائر مناسك الحج ، وهي بضم الحاء وسكون الراء .

وهي من " الحرمة " ، وهو ما لا يحل انتهاكه .

وقد قصرت كتب اللغة في إثبات لفظ " الحرمة " بهذا المعنى الذي فسرته ، وهو كثير في أخبارهم بالمعنى الذي ذكرت ، فأثبته هناك .

ومن أجل هذا ظن الناشر أنه حين كتب " من الحرم " ، أن " الحرمة " لا تأتي بمعنى " الحرم " .

(6) الأثر : 16492 - سيرة ابن هشام 4 : 189 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16481 .

(7) في المطبوعة والمخطوطة : " وقبل وقبل " ، ولا معنى له ، ولكنه في المخطوطة غير منقوط والصواب إن شاء الله ما أثبت .

(8) كان في المطبوعة : " هم قوم جذيمة " ، وهذا كلام فاسد كل الفساد .

وفي المخطوطة : " هم يوم الحديبية " ، وصواب قراءته ما أثبت .

وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كتب الهدنة بينه وبين قريش عام الحديبية ، تواثبت بنو بكر بن عبد مناة فقالت : " نحن في عقد قريش وعهدهم " ، وتواثبت خزاعة فقالت : " نحن في عقد محمد وعهده " ( سيرة ابن هشام 3 : 332 ) .

ثم كان بعد ذلك بمدة أن تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة ، وهم حلف رسول الله ، فكان ذلك أحد الأسباب الموجبة المسير إلى مكة وفتحها .

وهذا ما دل عليه سائر الخبر .

(9) هو " حلفه " ، أي : حليفة ، وهو الذي بينه وبينه عهد .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقينقوله تعالى كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام " كيف " هنا للتعجب ، كما تقول : كيف يسبقني فلان أي لا ينبغي أن يسبقني .

و عهد اسم يكون .

وفي الآية إضمار ، أي كيف يكون للمشركين عهد مع إضمار الغدر ، كما قال :وخبرتماني إنما الموت بالقرى فكيف وهاتا هضبة وكثيبالتقدير : فكيف مات ، عن الزجاج .

وقيل : المعنى كيف يكون للمشركين عهد عند الله يأمنون به عذابه غدا ، وكيف يكون لهم عند رسوله عهد يأمنون به عذاب الدنيا .

ثم استثنى فقال : إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام .

قال محمد بن إسحاق : هم بنو بكر ، أي ليس العهد إلا لهؤلاء الذين لم ينقضوا ولم ينكثوا .قوله تعالى فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين أي فما أقاموا على الوفاء بعهدكم فأقيموا لهم على مثل ذلك .

ابن زيد : فلم يستقيموا فضرب لهم أجلا أربعة أشهر فأما من لا عهد له فقاتلوه حيث وجدتموه إلا أن يتوب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا بيان للحكمة الموجبة لأن يتبرأ اللّه ورسوله من المشركين، فقال‏:‏ ‏{‏كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ‏}‏ هل قاموا بواجب الإيمان، أم تركوا رسول اللّه والمؤمنين من أذيتهم‏؟‏ أما حاربوا الحق ونصروا الباطل‏؟‏ أما سعوا في الأرض فسادا‏؟‏ فيحق عليهم أن يتبرأ اللّه منهم، وأن لا يكون لهم عهد عنده ولا عند رسوله‏.‏ ‏{‏إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ‏}‏ من المشركين ‏{‏عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ‏}‏ فإن لهم في العهد وخصوصا في هذا المكان الفاضل حرمة، أوجب أن يراعوا فيها‏.‏ ‏{‏فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ‏}

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ) هذا على وجه التعجب ، ومعناه جحد ، أي : لا يكون لهم عهد عند الله ، ولا عند رسوله ، وهم يغدرون وينقضون العهد ، ثم استثنى فقال جل وعلا ( إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ) قال ابن عباس : هم قريش .

وقال قتادة : هم أهل مكة الذين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية .

قال الله تعالى : ( فما استقاموا لكم ) أي : على العهد ، ( فاستقيموا لهم ) فلم يستقيموا ، ونقضوا العهد ، وأعانوا بني بكر على خزاعة ، فضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح أربعة أشهر يختارون من أمرهم : إما أن يسلموا ، وإما أن يلحقوا بأي بلاد شاءوا ، فأسلموا قبل الأربعة الأشهر .

قال السدي والكلبي وابن إسحاق : هم من قبائل بكر : بنو خزيمة وبنو مدلج وبنو ضمرة وبنو الديل ، وهم الذين كانوا قد دخلوا في عهد قريش يوم الحديبية ، ولم يكن نقض العهد إلا قريش وبنو الديل من بني بكر ، فأمر بإتمام العهد لمن لم ينقض وهم بنو ضمرة .

وهذا القول أقرب إلى الصواب ؛ لأن هذه الآيات نزلت بعد نقض قريش العهد وبعد فتح مكة ، فكيف يقول لشيء قد مضى : " فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم " ؟

وإنما هم الذين قال عز وجل : " إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا " كما نقصتكم قريش ، ولم يظاهروا عليكم أحدا كما ظاهرت قريش بني بكر على خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم .

( إن الله يحب المتقين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«كيف» أي لا «يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله» وهم كافرون بالله ورسوله غادرون «إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام» يوم الحديبية وهم قريش المستثنون من قبل «فما استقاموا لكم» أقاموا على العهد ولم ينقضوه «فاستقيموا لهم» على الوفاء به وما شرطية «إن الله يحب المتقين» وقد استقام النبي صلى الله عليه وسلم على عهدهم حتى نقضوا بإعانة بني بكر على خزاعة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لا ينبغي أن يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله، إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام في صلح (الحديبية) فما أقاموا على الوفاء بعهدكم فأقيموا لهم على مثل ذلك.

إن الله يحب المتقين الموفِّين بعهودهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

بعد كل ذلك أخذت السورة الكريمة فى بيان الاسباب التى أوجبت البراءة من عهود المشركين ، والحِكَم التى من أجلها أمر الله بقتالهم والتضييق عليهم فقال - تعالى - : ( كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ .

.

.

لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ) .وقوله - سبحانه - : ( كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ الله وَعِندَ رَسُولِهِ ) الاستفهام فيه للانكار والاستبعاد لأن يكون للمشركين عهد .

وهو إنكار للوقوع لا للواقع .

أى؛ تحذير للمؤمنين من أن يقع منهم ذلك فى المستقبل .والمراد بالمشركين أولئك الذين نقضوا عهودهم ، لأن البراءة إنما هى فى شأنهم والعهد : ما يتفق شخصان او طائفتان من الناس على التزامه بينهما ، فإن أكداه ووثقاه بما يقتضى زيادة العناية بالوفاء به سمى ميثاقا ، لاشتقاقه من الوثاق - بفتح الواو - وهو الحبل أو القيد .

وإن أكداه بالميمين خاصة سمى يمينا .ومسى بذلك لوضع كل من المتعاقدين يمينه فى يمين الآخر عند عقده .والمعنى : لا ينبغى ولا يجوز أن يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله لأن هؤلاء المشركين لا يدينون لله بالعبودية ، ولا لرسوله بالطاعة ، ولأنهم قوم دأبهم الخيانة .

وعادتهم الغدر ، ومن كان كذلك لا يكون له عهد عند الله ولا عند رسوله .قالوا : وفى توجيه الإِنكار إلى كيفية ثبوت العهد من المبالغة ما ليس فى توجيهه إلى ثبوته ، لأن كل موجود يجب أن يكون وجوده على حال من الأحوال ، فإذا انتفت جميع أحوال وجوده ، فقد انتفى وجوده بالطريق البرهانى .

وتكرير كلمة ( عِندَ ) للايذان بعدم الاعتداء بعهودهم عند كل من الله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - على حدة .و ( يَكُونُ ) من الكون التام و ( كَيْفَ ) محلها النصب على التشبيه بالحال أو الظرف .

أو من الكون الناقص فيكون قوله ( عَهْدٌ ) اسمها ، وقوله ( كَيْفَ ) خبرها وهو واجب التقديم ، لأن الاستفهام له صدر الكلام .وقوله : ( إِلاَّ الذين عَاهَدْتُمْ عِندَ المسجد الحرام فَمَا استقاموا لَكُمْ فاستقيموا لَهُمْ .

.

) استثناء من المشركين الذين استنكرت الآية أن تكون لهم عهود عند الله وعند رسوله .والمراد بالمشركين الذين استثنوا هنا : أولئك الذين سبق الحديث عنهم فى قوله - تعالى - قبل ذلك ( إِلاَّ الذين عَاهَدتُّم مِّنَ المشركين ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فأتموا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ ) وهم - كما رجحه ابن جرير والخازن - بنو خزيمه وبنو مدلج وبنو مضرة من قبائل بنى بكر ، وكانوا قد وفوا بعهودهم مع المسلمين .وأيد ذكر استثنائهم هنا ، لتأكيد هذا الحكم وتقريره .والمراد بالمسجد الحرام : جميع الحرم ، فيكون الكلام على حذف مضاف .أى : عند قرب المسجد الحرام .والتعرض لكون المعاهدة عند المسجد الحرام ، لزيادة بيان اصحابها ، وللإِشعار بسبب وجوب الوفاء بها .والمعنى : لا ينبغى ولا يصح أن يكون للشمركين عهد عند الله وعند رسوله ، لكن الذين عاهدتموهم - أيها المؤمنون - عند المسجد الحرام من المشركين ولم ينقضوا عهودهم ( فَمَا استقاموا لَكُمْ فاستقيموا لَهُمْ ) .أى : فاستقيموا لهم مدة استقامتهم لكم ، فتكون ( مَا ) مصدرية منصوبة المحل على الظرفية .ويصح أن تكون شرطية وعائدة محذوف فيكون المعنى : فأى زمان استقاموا لكم فيه فاستقيموا لهم ، إذ لا يجوز أن يكون نقض العهد من جهتكم .وقوله : ( إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين ) تذييل قصد به التعليل لوجوب الامتثال ، وتبيين أن الوفاء بالعهد إلى مدته مع الموفين بعهدهم من تقوى الله التى يحبها لعباده ، ويحبهم بسبب تمسكهم بها .هذا ، وقد أخذ العلماء من هذه الآية : ان العهد المعتد به فى شريعة الإِسلام ، هو عهد الأوفياء غير الناكثين ، وأن من استقام على عهده عاملناه بمقتضى استقامته ، وأن الالتزام بالعهود من تقوى الله التى يحبها لعباده .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله: ﴿ كَيْفَ ﴾ استفهام بمعنى الإنكار كما تقول: كيف يسبقني مثلك، أي لا ينبغي أن يسبقني وفي الآية محذوف وتقديره: كيف يكون للمشركين عهد مع إضمار الغدر فيما وقع من العهد إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام، لأجل أنهم ما نكثوا وما نقضوا قيل: إنهم بنو كنانة وبنو ضمرة فتربصوا أمرهم ولا تقتلوهم فما استقاموا لكم على العهد فاستقيموا لهم على مثله ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين ﴾ يعني من اتقى الله يوفي بعهده لمن عاهد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ كَيْفَ ﴾ استفهام في معنى الاستنكار والاستبعاد؛ لأن يكون للمشركين عهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أضداد وغرة صدورهم، يعني: محال أن يثبت لهؤلاء عهد فلا تطمعوا في ذلك ولا تحدثوا به نفوسكم ولا تفكروا في قتلهم.

ثم استدرك ذلك بقوله: ﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم ﴾ أي ولكن الذين عاهدتم منهم ﴿ عِندَ المسجد الحرام ﴾ ولم يظهر منهم نكث كبني كنانة وبني ضمرة، فتربصوا أمرهم ولا تقاتلوهم ﴿ فَمَا استقاموا لَكُمْ ﴾ على العهد ﴿ فاستقيموا لَهُمْ ﴾ على مثله ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين ﴾ يعني أن التربص بهم من أعمال المتقين ﴿ كَيْفَ ﴾ تكرار لاستبعاد ثبات المشركين على العهد، وحذف الفعل لكونه معلوماً كما قال: وَخَبَّرْتُمَانِي أَنَّمَا الْمَوْتُ بِالْقُرَى ** فَكَيْف وَهَاتَا هَضْبَة وَقَليبُ يريد: فكيف مات.

أي: كيف يكون لهم عهد ﴿ و ﴾ حالهم أنهم ﴿ إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ ﴾ بعد ما سبق لهم من تأكيد الأيمان والمواثيق، لم ينظروا في حلف ولا عهد ولم يبقوا عليكم ﴿ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ ﴾ لا يراعوا حلفاً.

وقيل: قرابة.

وأنشد لحسان رضي الله عنه: لَعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ مِنْ قُرَيْش ** كَإلِّ السَّقْبِ مِنْ رَأَلِ النَّعَامِ وقيل: ﴿ إِلاًّ ﴾ إلها وقرئ: ﴿ إيلا ﴾ ، بمعناه وقيل: جبرئيل، وجبرئل، من ذلك.

وقيل: منه اشتق الآل بمعنى القرابة، كما اشتقت الرحم من الرحمن، والوجه ان اشتقاق الإلّ بمعنى الحلف، لأنهم إذا تماسحوا وتحالفوا رفعوا به أصواتهم وشهروه، من الأل وهو الجؤار، وله أليل: أي أنين يرفع به صوته.

ودعت ألليها: إذا ولولت، ثم قيل لكل عهد وميثاق: إلّ.

وسميت به القرابة، لأن القرابة عقدت بين الرجلين ما لا يعقده الميثاق ﴿ يُرْضُونَكُم ﴾ كلام مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن، مقرّر لاستبعاد الثبات منهم على العهد.

وإباء القلوب مخالفة ما فيها من الأضغان، لما يجرونه على ألسنتهم من الكلام الجميل ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ فاسقون ﴾ متمرّدون خلعاء لا مروءة تزعهم، ولا شمائل مرضية تردعهم، كما يوجد ذلك في بعض الكفرة، من التفادي عن الكذب والنكث، والتعفف عما يثلم العرض ويجرّ أحدوثة السوء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ لِأنْ يَكُونَ لَهم عَهْدٌ ولا يَنْكُثُوهُ مَعَ وغْرَةِ صُدُورِهِمْ، أوْ لِأنْ يَفِيَ اللَّهُ ورَسُولُهُ بِالعَهْدِ وهم نَكَثُوهُ، وخَبَرُ يَكُونُ كَيْفَ وقُدِّمَ لِلِاسْتِفْهامِ أوْ لِلْمُشْرِكِينَ أوْ عِنْدَ اللَّهِ وهو عَلى الأوَّلَيْنِ صِفَةٌ لِـ ﴿ عَهْدٌ ﴾ أوْ ظَرْفٌ لَهُ أوْ لِـ ﴿ يَكُونُ ﴾ ، و ﴿ كَيْفَ ﴾ عَلى الأخِيرَيْنِ حالٌ مِنَ الـ ﴿ عَهْدٌ ﴾ ولِلْمُشْرِكِينَ إنْ لَمْ يَكُنْ خَبَرًا فَتَبْيِينٌ.

﴿ إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ هُمُ المُسْتَثْنَوْنَ قَبْلُ ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ أوِ الجَرُّ عَلى البَدَلِ أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ أيْ: ولَكِنِ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ.

﴿ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ﴾ أيْ فَتَرَبَّصُوا أمْرَهم فَإنِ اسْتَقامُوا عَلى العَهْدِ فاسْتَقِيمُوا عَلى الوَفاءِ وهو كَقَوْلِهِ ﴿ فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ ﴾ غَيْرَ أنَّهُ مُطْلَقٌ وهَذا مُقَيَّدٌ وما تَحْتَمِلُ الشَّرْطِيَّةَ والمَصْدَرِيَّةَ ﴿ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ ﴾ سَبَقَ بَيانُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ الله وَعِندَ رَسُولِهِ} كَيْفَ استفهام في معنى الاستنكار أي مستنكر أن يثبت لهؤلاء عهد فلا تطمعوا في ذلك ولا تحدثوا به نفوسكم ولا تفكروا في قتلهم ثم استدرك ذلك بقوله {إِلاَّ الذين عاهدتم} أي ولكن الذين عاهدتم منهم {عِندَ المسجد الحرام} ولم يظهر منهم نكث كبني كنانة وبني ضمرة فتربصوا أمرهم ولا تقاتلوهم {فَمَا استقاموا لَكُمْ} ولم يظهر منهم نكث أي فما أقاموا على وفاء العهد {فاستقيموا لهم} على الوفاء وما شرطية أي فإن استقاموا لكم فاستقيموا لهم {إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين} يعني أن التربص بهم من أعمال المتقين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ ﴾ تَبْيِينٌ لِلْحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ لِما سَبَقَ مِنَ البَراءَةِ ولَواحِقِها والمُرادُ ”مِنَ المُشْرِكِينَ“ النّاكِثُونَ لِأنَّ البَراءَةَ إنَّما هي في شَأْنِهِمْ، والِاسْتِفْهامُ لِإنْكارِ الوُقُوعِ، و( يَكُونُ ) تامَّةٌ و( كَيْفَ ) في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى التَّشْبِيهِ بِالحالِ أوِ الظَّرْفِ.

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: ناقِصَةٌ و( كَيْفَ ) خَبَرُها وهو واجِبُ التَّقْدِيمِ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ و( المُشْرِكِينَ ) مُتَعَلِّقٌ بِيكُونُ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ عَمَلَ الأفْعالِ النّاقِصَةِ بِالظُّرُوفِ، أوْ صِفَةٌ لِعُهَدٍ قُدِّمَتْ فَصارَتْ حالًا و( عِنْدَ ) إمّا مُتَعَلِّقٌ بِيكُونُ عَلى ما مَرَّ أوْ بِعَهْدٍ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ بِمَحْذُوفٌ وقَعَ صِفَةً لَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ( لِلْمُشْرِكِينَ) و( عِنْدَ ) فِيها الأوْجُهُ المُتَقَدِّمَةُ، ويَجُوزُ أيْضًا تَعَلُّقُها بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ ( لِلْمُشْرِكِينَ ) أوِ الخَبَرُ ( عِنْدَ اللَّهِ ) ولِلْمُشْرِكِينَ إمّا تَبْيِينٌ كَما في سُقْيًا لَكَ، فَيَتَعَلَّقُ بِمُقَدَّرٍ مِثْلِ أقُولُ هَذا الإنْكارَ لَهُمْ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِيكُونُ، وإمّا حالٌ مِن عَهْدٍ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ، ويُغْتَفَرُ تَقَدُّمُ مَعْمُولِ الخَبَرِ لِكَوْنِهِ جارًّا ومَجْرُورًا، و( كَيْفَ ) عَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ شَبِيهَةٌ بِالظَّرْفِ أوْ بِالحالِ كَما في احْتِمالِ كَوْنِ الفِعْلِ تامًّا وهو عَلى ما قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ الأوْلى؛ لِأنَّ في إنْكارِ ثُبُوتِ العَهْدِ في نَفْسِهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في إنْكارِ ثُبُوتِهِ لِلْمُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ ثُبُوتَهُ الرّابِطِيَّ فَرْعُ ثُبُوتِهِ العَيْنِيِّ، فانْتِفاءُ الأصْلِ يُوجِبُ انْتِفاءَ الفَرْعِ رَأْسًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِما تَقَرَّرَ أنَّ انْتِفاءَ مَبْدَأِ المَحْمُولِ في الخارِجِ لا يُوجِبُ انْتِفاءَ الحِمْلِ الخارِجِيِّ لِاتِّصافِ الأعْيانِ بِالِاعْتِبارِيّاتِ والعَدَمِيّاتِ حَتّى صَرَّحُوا بِأنَّ زَيْدًا عَمِيَ قَضِيَّةٌ خارِجِيَّةٌ مَعَ أنَّهُ لا ثُبُوتَ عَيْنًا لِلْعَمى، وصَرَّحُوا بِأنَّ ثُبُوتَ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ وإنْ لَمْ يَقْتَضِ ثُبُوتَ الشَّيْءِ الثّابِتِ في ظَرْفِ الِاتِّصافِ لَكِنَّهُ يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ في نَفْسِهِ ولَوْ في مَحَلِّ انْتِزاعِهِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في مَحَلِّهِ نَعَمْ في تَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى كَيْفِيَّةِ ثُبُوتِ العَهْدِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في تَوْجِيهِهِ إلى ثُبُوتِهِ لِأنَّهُ إذا انْتَفى جَمِيعُ أحْوالِ وُجُودِ الشَّيْءِ وكُلُّ مَوْجُودٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ وُجُودُهُ عَلى حالٍ فَقَدِ انْتَفى وُجُودُهُ عَلى الطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ أيْ في أيِّ حالٍ يُوجَدُ لَهم عَهْدٌ مُعْتَدٍ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وعِنْدَ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَسْتَحِقُّ أنْ يُراعى حُقُوقُهُ ويُحافَظَ عَلَيْهِ إلى تَمامِ المُدَّةِ ولا يَتَعَرَّضُ لَهم بِحَسَبِهِ قَتْلًا وأخْذًا.

وتَكْرِيرُ كَلِمَةِ عِنْدَ لِلْإيذانِ بِعَدَمِ الِاعْتِدادِ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى حِدَةٍ ﴿ إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ ﴾ وهُمُ المُسْتَثْنَوْنَ فِيما سَلَفَ، والخِلافُ هو الخِلافُ والمُعْتَمَدُ هو المُعْتَمَدُ، والتَّعَرُّضُ لِكَوْنِ المُعاهَدَةِ ﴿ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ لِزِيادَةِ بَيانِ أصْحابِها والإشْعارِ بِسَبَبِ وِكادَتِها، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ وهو بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ مِنَ النَّفْيِ المَفْهُومِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ المُتَبادَرِ شُمُولُهُ بِجَمِيعِ المُعاهِدِينَ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مُقَدَّرٌ أوْ هو ﴿ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ﴾ والفاءُ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَّرْطِ عَلى ما مَرَّ و( ما ) كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ إمّا مَصْدَرِيَّةٌ مَنصُوبَةُ المَحَلِّ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ فاسْتَقِيمُوا لَهم مُدَّةَ اسْتِقامَتِهِمْ لَكُمْ، وإمّا شَرْطِيَّةٌ مَنصُوبَةُ المَحَلِّ عَلى الظَّرْفِيَّةِ الزَّمانِيَّةِ أيْ: أيَّ زَمانٍ اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم وهو أسْلَمُ مِنَ القِيلِ صِناعَةً مِنَ الِاحْتِمالِ الأوَّلِ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَرْفُوعَةَ المَحَلِّ عَلى الِابْتِداءِ وفي خَبَرِها الخِلافُ المَشْهُورُ، واسْتَقِيمُوا جَوابُ الشَّرْطِ والفاءُ واقِعَةٌ في الجَوابِ، وعَلى احْتِمالِ المَصْدَرِيَّةِ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا ومُحَلُّ المَوْصُولِ النَّصْبُ أوِ الجَرُّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ بِمَعْنى النَّفْيِ، والمُرادُ بِهِمُ الجِنْسُ لا المَعْهُودُونَ، وأيًّا ما كانَ فَحُكْمُ الأمْرِ بِالِاسْتِقامَةِ يَنْتَهِي بِانْتِهاءِ مُدَّةِ العَهْدِ فَيَرْجِعُ هَذا إلى الأمْرِ بِالإتْمامِ المارِّ خَلا أنَّهُ قَدْ صَرَّحَ هاهُنا بِما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ هُناكَ مَعَ كَوْنِهِ مُعْتَبَرًا فِيهِ قَطْعًا، وهو تَقْيِيدُ الإتْمامِ المَأْمُورِ بِهِ بِبَقائِهِمْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الوَفاءِ، وعَلَّلَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ ﴾ ) عَلى طَرْزِ ما تَقَدَّمَ حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قال الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ، يعني: استأمنك.

ويقال: فيه تقديم، ومعناه: وإن استجارك أحد من المشركين، يقول: وإن طلب أحد من المشركين منك الأمان، فَأَجِرْهُ، يقول: فأمنه، حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ يعني: اعرض عليه القرآن حتى يسمع قراءتك بكلام الله، فإن أبى أن يسلم ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ يقول: فرده إلى مأمنه من حيث أتاك.

ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ، يعني: أمرتك بذلك، لأنهم قوم لا يعلمون حكم الله تعالى.

وفي الآية دليل: أن حربياً لو دخل دار الإسلام على وجه الأمان، يكون آمناً ما لم يرجع إلى مأمنه.

ثم قال على وجه التعجب: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ ويقال: على وجه التوبيخ، يعني: لا يكون لهم عهد عند الله ولا عند رسوله، ثم استثنى فقال: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، يعني: بني كنانة وبني ضمرة، وهم لم ينقضوا العهد، فأمر الله تعالى بإتمام عهدهم.

ويقال: هم بنو خزاعة، وبنو مدلج، وبنو خزيمة.

فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ على وفاء العهد، فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ بالوفاء على التمام.

إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ الذين يتقون ربهم ويمتنعون عن نقض العهد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والظَّهيرُ: المُعِينُ.

وقوله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ: تنبيهٌ على أنَّ الوفاء بالعَهْد من التقوَى.

فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)

وقوله سبحانه: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ: الانسلاخ: خروجُ الشيء عن الشيء المتلبِّس به كانسلاخ الشاة عن الجِلْدِ، فشبه انصرام الأشهر بذلك.

وقوله سبحانه: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ...

الآية: قال ابن زَيْد: هذه الآية، وقوله سبحانه: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً [محمد: ٤] : هما مُحْكَمَتان أي: ليستْ إِحداهما بناسخةٍ للأخرى.

قال ع «١» : هذا هو الصواب.

وقوله: وَخُذُوهُمْ معناه: الأسْر.

وقوله: كُلَّ مَرْصَدٍ: معناه: مواضع الغرَّة حيث يرصدون ونصب «كُلَّ» على الظرف أو بإسقاط الخافض، التقدير: في كلّ مرصد.

وقوله: فَإِنْ تابُوا، أي: عن الكُفْر.

وقوله سبحانه: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ، أي: جَلَبَ منك عهداً وجواراً/ يأمن به، حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، يعني القُرْآن، والمعنى: يفهم أحكامه، قال الحسن: وهذه آية محكمة وذلك سُنَّة إِلى يوم القيامة «٢» .

وقوله سبحانه: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ...

الآية: قال ابنُ إسحاق: هي قبائلُ بني بَكْر كانوا دخلوا وقْتَ الحديبية في العهد، فأُمِرَ المسلمون بإِتمام العَهْدِ لمن لم يكُنْ نَقَضَ منهم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ ﴾ أيْ: لا يَكُونُ لَهم ذَلِكَ، ﴿ إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ وفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم بَنُو ضَمْرَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم قُرَيْشٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا.

وقالَ قَتادَةُ: هم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ الَّذِينَ عاهَدَهُمُ نَبِيُّ اللَّهِ  زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، فَنَكَثُوا وظاهَرُوا المُشْرِكِينَ.

والثّالِثُ: أنَّهم خُزاعَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ بِالسَّيْرِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  لَمّا صالَحَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو في غَزْوَةِ الحُدَيْبِيَةِ، كُتِبَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ: "هَذا ما اصْطَلَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، اصْطَلَحا عَلى وضْعِ الحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيها النّاسُ، ويَكُفُّ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ، عَلى أنَّهُ لا إسْلالَ ولا إغْلالَ، وأنَّ بَيْنَنا عَيْبَةً مَكْفُوفَةً، وأنَّهُ مَن أحَبَّ أنْ يَدْخُلَ في عَهْدِ مُحَمَّدٍ وعَقْدِهِ فِعْلٌ، ومَن أحَبَّ أنْ يَدْخُلَ في عَهْدِ قُرَيْشٍ وعَقْدِها فِعْلٌ، وأنَّهُ مَن أتى مُحَمَّدًا مِنهم بِغَيْرِ إذْنِ ولِيِّهِ رَدَّهُ إلَيْهِ، وأنَّهُ مَن أتى قُرَيْشًا مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ لَمْ يَرُدُّوهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا يَرْجِعُ عَنّا عامَهُ هَذا بِأصْحابِهِ ويَدْخُلُ عَلَيْنا في قابِلٍ في أصْحابِهِ، فَيُقِيمُ بِها ثَلاثًا لا يَدْخُلُ عَلَيْنا بِسِلاحٍ، إلّا سِلاحُ المُسافِرِ، السُّيُوفُ في القُرُبِ" فَوَثَبَتْ خُزاعَةُ فَقالُوا: نَحْنُ نَدْخُلُ في عَهْدِ مُحَمَّدٍ وعَقْدِهِ، ووَثَبَتْ بَنُو بَكْرٍ فَقالُوا: نَحْنُ نَدْخُلُ في عَهْدِ قُرَيْشٍ وعَقْدِها.

ثُمَّ إنْ قُرَيْشًا أعانَتْ بَنِي بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ بِالرِّجالِ والسِّلاحِ فَبَيَّتُوا خُزاعَةَ لَيْلًا، فَقَتَلُوا مِنهم عِشْرِينَ رَجُلًا.

ثُمَّ إنَّ قُرَيْشًا نَدِمَتْ عَلى ما صَنَعَتْ، وعَلِمُوا أنَّ هَذا نَقْضٌ لَلْعَهْدِ والمُدَّةِ الَّتِي بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ  ، وخَرَجَ قَوْمٌ مِن خُزاعَةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَأُخْبَرُوهُ بِما أصابَهم، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ وكانَتْ غُزاةَ الفَتْحِ.» قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإسْلالُ: السَّرِقَةُ، والإغْلالُ: الخِيانَةُ.

قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: وقَوْلُهُ: "وَأنَّ بَيْنَنا عَيْبَةً مَكْفُوفَةً" مَثَلٌ، أرادَ: أنَّ صُلْحَنا مُحْكَمٌ مُسْتَوْثَقٌ مِنهُ، كَأنَّهُ عَيْبَةٌ مُشَرَّجَةٌ.

وزَعَمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ: عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم إنَّ اللهِ يُحِبُّ المُتَّقِينَ ﴾ أُمِرَ رَسُولُ اللهِ  في هَذِهِ الآيَةِ -بَعْدَ الأمْرِ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ- بِأنْ يَكُونَ مَتى طَلَبَ مُشْرِكٌ عَهْدًا يَأْمَنُ بِهِ يَسْمَعُ القُرْآنَ ويَرى حال الإسْلامِ أنْ يُعْطِيَهُ ذَلِكَ، وهي الإجارَةُ وهو مِنَ الجِوارِ.

ثُمَّ أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ المَأْمَنَ إذا لَمْ يَرْضَ الإسْلامَ ولَمْ يُهْدَ إلَيْهِ، وقالَ الحَسَنُ: هي مُحْكَمَةٌ سُنَّةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وقالَ الضَحّاكُ، والسُدِّيُّ: هَذا مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ  ﴾ ، وقالَ غَيْرُهُما: هَذِهِ الآيَةُ إنَّما كانَ حُكْمُها مُدَّةَ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ الَّتِي ضُرِبَتْ لَهم أجَلًا.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، وهي إضافَةُ صِفَةٍ إلى مَوْصُوفٍ، لا إضافَةُ خَلْقٍ إلى خالِقٍ، والمَعْنى: ويَفْهَمُ أحْكامَهُ وأوامِرَهُ ونَواهِيَهُ، فَذَكَرَ السَماعَ بِالآذانِ إذْ هو الطَرِيقُ إلى الفَهْمِ، وقَدْ يَجِيءُ السَماعُ في كَلامِ العَرَبِ مُسْتَعْمَلًا بِمَعْنى الفَهْمِ، كَما تَقُولُ لِمَن خاطَبْتَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنكَ: "أنْتَ لَمْ تَسْمَعْ قَوْلِي"، تُرِيدُ: لَمْ تَفْهَمْهُ، وذَلِكَ في كِتابِ اللهِ تَعالى في عِدَّةِ مَواضِعَ.

و"أحَدٌ" في هَذِهِ الآيَةِ مُرْتَفِعٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْتَجارَكَ ﴾ ويَضْعُفُ فِيهِ الِابْتِداءُ لِوِلايَةِ الفِعْلِ لِـ"إنْ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى هَذا اللُطْفِ في الإجارَةِ والإسْماعِ وتَبْلِيغِ المَأْمَنِ، و"لا يَعْلَمُونَ" نُفِيَ عِلْمُهم بِمَراشِدِهِمْ في اتِّباعِ مُحَمَّدٍ  .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ ﴾ الآيَةُ.

لَفْظُ اسْتِفْهامٍ وهو عَلى جِهَةِ التَعَجُّبِ والِاسْتِبْعادِ، أيْ: عَلى أيِّ وجْهٍ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ وهم قَدْ نَقَضُوا وجاهَرُوا بِالتَعَدِّي؟

ثُمَّ اسْتَثْنى مِن عُمُومِ المُشْرِكِينَ القَوْمَ الَّذِينَ عُوهِدُوا عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ، أيْ: في ناحِيَتِهِ وجِهَتِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فِيما رُوِيَ عنهُ: المَعْنِيُّ بِهَذا قُرَيْشٌ.

وقالَ السُدِّيُّ: المَعْنِيُّ بَنُو جُذَيْمَةَ مِنَ الدَيْلِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هي قَبائِلُ بَنِي بَكْرٍ، كانُوا دَخَلُوا وقْتَ الحُدَيْبِيَةِ في المُدَّةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ  وبَيْنَ قُرَيْشٍ، فَلَمْ يَكُنْ نَقْضٌ إلّا قُرَيْشٌ وبَنُو الدَيْلِ مِن بَنِي بَكْرٍ، فَأمَرَ المُسْلِمُونَ بِإتْمامِ العَهْدِ لِمَن لَمْ يَكُنْ نَقَضَ، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنِيُّ خُزاعَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهو مَرْدُودٌ بِإسْلامِ خُزاعَةَ عامَ الفَتْحِ، وقالَ بَعْضُ مَن قالَ إنَّهم قُرَيْشٌ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، بَلْ نَقَضُوا فَنَزَلَ تَأْجِيلُهم أرْبَعَةَ أشْهُرٍ بَعْدَ ذَلِكَ، وحَكى الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، وهو ضَعِيفٌ مُتَناقِضٌ، لِأنَّ قُرَيْشًا وقْتَ الأذانِ بِالأرْبَعَةِ الأشْهَرِ لَمْ يَكُنْ مِنهم إلّا مُسْلِمٌ، وذَلِكَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ بِسَنَةٍ، وكَذَلِكَ خُزاعَةُ، قالَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ المُوفِينَ بِالعَهْدِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَلِذَلِكَ جاءَ بِلَفْظٍ مُعَرَّفٍ لِلْوَفاءِ بِالعَهْدِ مُتَضَمِّنٌ الإيمانَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بياني، نشأ عن قوله: ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ [التوبة: 1] ثم عن قوله: ﴿ أن الله بريء من المشركين ﴾ [التوبة: 3] وعن قوله ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ [التوبة: 5] التي كانت تدرجاً في إبطال ما بينهم وبين المسلمين من عهود سابقة، لأنّ ذلك يثير سؤالاً في نفوس السامعين من المسلمين الذين لم يطلعوا على دخيلة الأمر، فلعلّ بعض قبائل العرب من المشركين يتعجّب من هذه البراءة، ويسأل عن سببها، وكيف أنهيت العهود وأعلنت الحرب، فكان المقام مقام بيان سبب ذلك، وأنّه أمران: بُعد ما بين العقائد، وسبق الغدر.

والاستفهام ب ﴿ كيف ﴾ : إنكاري إنكاراً لحالة كيان العهد بين المشركين وأهل الإسلام، أي دوام العهد في المستقبل مع الذين عاهدوهم يوم الحديبية وما بعده ففعل ﴿ يكون ﴾ مستعمل في معنى الدوام مثل قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ﴾ [النساء: 136] كما دلّ عليه قوله بعده ﴿ فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ﴾ .

وليس ذلك إنكاراً على وقوع العهد، فإن العهد قد انعقد بإذن من الله، وسمّاه الله فتحاً في قوله: ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ [الفتح: 1] وسمّي رضى المؤمنين به يومئذ سكينة في قوله: ﴿ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ﴾ [الفتح: 4].

والمعنى: أنّ الشأن أن لا يكون لكم عهد مع أهل الشرك، للبون العظيم بين دين التوحيد ودين الشرك، فكيف يمكن اتّفاق أهليهما، أي فما كان العهد المنعقد مَعهم إلاّ أمراً موقّتاً بمصلحة.

ففي وصفهم بالمشركين إيماء إلى علّة الإنكار على دوام العهد معهم.

وهذا يؤيّد ما فسّرنا به وجه إضافة البراءة إلى الله ورسوله، وإسنادِ العهد إلى ضمير المسلمين، في قوله تعالى: ﴿ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم ﴾ [التوبة: 1].

ومعنى ﴿ عند ﴾ الاستقرار المجازي، بمعنى الدوام أي إنّما هو عهد موقّت، وقد كانت قريش نكثوا عهدهم الذي عاهدوه يوم الحديبية، إذْ أعانوا بني بكر بالسلاح والرجال على خزاعة، وكانت خزاعة داخلة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان ذلك سبب التجهيز لغزوة فتح مكة.

واستثناء ﴿ إلا الذين عاهدتم ﴾ ، من معنى النفي الذي استعمل فيه الاستفهام ب ﴿ كيف يكون للمشركين عهد ﴾ ، أي لا يكون عهد المشركين إلا المشركين الذين عاهدتم عند المسجد الحرام.

والذين عاهدوهم عند المسجد الحرام: هم بنو ضمرة، وبنو جذيمة بن الدّيل، من كنانة؛ وبنو بكر من كنانة.

فالموصول هنا للعهد، وهم أخصّ من الذين مضى فيهم قوله: ﴿ إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ﴾ [التوبة: 4].

والمقصود من تخصيصهم بالذكر: التنويه بخصلة وفائهم بما عاهدوا عليه ويتعّين أن يكون هؤلاء عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضاء عند المسجد الحرام، ودخلوا في الصلح الذي عقده مع قريش بخصوصهم، زيادة على دخولهم في الصلح الأعمّ، ولم ينقضوا عهدهم، ولا ظاهروا عدوّا على المسلمين، إلى وقت نزول براءة.

على أنّ معاهدتهم عند المسجد الحرام أبعد عن مظنّة النكث لأنّ المعاهدة عنده أوقع في نفوس المشركين من الحلف المجرّد، كما قال تعالى: ﴿ إنّهم لا أيمان لهم ﴾ [التوبة: 12].

وليس المراد كُلَّ من عاهد عند المسجد الحرام كما قد يتوهّمه المتوهّم، لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مأذوناً بأن يعاهد فريقاً آخر منهم.

وقوله: ﴿ فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ﴾ تفريع على الاستثناء.

فالتقدير: إلاّ الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فاستقيموا لهم ما استقاموا لكم، أي ما داموا مستقيمين لكم.

والظاهر أنّ استثناء هؤلاء؛ لأنّ لعهدهم حرمة زائِدة لوقوعه عند المسجد الحرام حول الكعبة.

و ﴿ مَا ﴾ ظرفية مضمّنة معنى الشرط، والفاء الداخلة على فاء التفريع.

والفاء الواقعة في قوله: ﴿ فاستقيموا لهم ﴾ فاء جواب الشرط، وأصل ذلك أنّ الظرف والمجرور إذا قدّم على متعلّقه قد يُشرب معنى الشرط فتدخل الفاء في جوابه، ومنه قوله تعالى: ﴿ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ﴾ [المطففين: 26] لوجوب جعل الفاء غير تفريعية، لأنّه قد سبقها العطف بالواو، وقولُ النبي صلى الله عليه وسلم " كمَا تكونوا يولّ عليكم " بجزم الفعلين، وقوله لمن سأله أن يجاهد وسأله الرسول «ألك أبوان» قال: نعم قال: «ففيهما فجاهد» في روايته بفاءَيْن.

والاستقامة: حقيقتها عدم الاعوجاج، والسين والتاء للمبالغة مثل استجاب واستحبّ، وإذا قام الشيء انطلقت قامته ولم يكن فيه اعوجاج، وهي هنا مستعارة لحسن المعاملة وترك القتال، لأنّ سوء المعاملة يطلق عليه الالتواء والاعوجاج، فكذلك يطلق على ضدّه الاستقامة.

وجملة: ﴿ إن الله يحب المتقين ﴾ تعليل للأمر بالاستقامة.

وموقع ﴿ إنّ ﴾ أولها، للاهتمام وهو مؤذن بالتعليل لأن ﴿ إنّ ﴾ في مثل هذا تغني غناء فاء، وقد أنبأ ذلك، التعليل، أنّ الاستقامة لهم من التقوى وإلاّ لم تكن مناسبة للإخبار بأنّ الله يحبّ المتّقين.

عقب الأمر بالاستقامة لهم، وهذا من الإيجاز.

ولأنّ في الاستقامة لهم حفظاً للعهد الذي هو من قبيل اليمين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ الآيَةَ.

يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إذا لَمْ يُعْطُوا أمانًا.

الثّانِي: إذا غَدَرُوا وقاتَلُوا.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم قَوْمٌ مِن بَنِي بَكْرِ بْنِ كِنانَةَ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والثّانِي: أنَّهم قُرَيْشٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: خُزاعَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: بَنُو ضَمْرَةَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ﴾ يَعْنِي فَما أقامُوا عَلى الوَفاءِ بِالعَهْدِ فَأقِيمُوا عَلَيْهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهم إذا نَقَضُوا العَهْدَ سَقَطَ أمانُهم وحَلَّتْ دِماؤُهم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثم أبلغه مأمنه ﴾ قال: إن لم يوافقه ما يقضي عليه، ويجتريه فأبلغه مأمنه، وليس هذا بمنسوخ.

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ﴾ قال: أمر من أراد ذلك أن يأمنه، فإن قبل فذاك وإلا خلى عنه حتى يأتي منه، وأمر أن ينفق عليهم على حالهم ذلك.

وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ حتى يسمع كلام الله ﴾ أي كتاب الله.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه قال: ثم استثنى فنسخ منها فقال: ﴿ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ﴾ وهو كلامك بالقرآن فأمنه ﴿ ثم أبلغه مأمنه ﴾ يقول: حتى يبلغ مأمنه من بلاده.

وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن أبي عروبة رضي الله عنه قال: كان الرجل يجيء إذا سمع كلام الله وأقرَّ به وأسلم.

فذاك الذي دعي إليه، وإن أنكر ولم يقر به فرد إلى مأمنه، ثم نسخ ذلك فقال: ﴿ وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ﴾ [ التوبة: 5] .

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ﴾ قال: قريش.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ﴾ قال: هؤلاء قريش.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عاهده أناس من المشركين وعاهد أيضاً أناساً من بني ضمرة بن بكر وكنانة خاصة، عاهدهم عند المسجد الحرام وجعل مدتهم أربعة أشهر، وهم الذين ذكر الله ﴿ إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ﴾ يقول: ما وفوا لكم بالعهد فوفوا لهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ﴾ قال: هم بنو خزيمة بن فلان.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ﴾ قال: هو يوم الحديبية ﴿ فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ﴾ قال: فلم يستقيموا ونقضوا عهدكم أعانوا بني بكر حلفاء قريش على خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ الآية، قال الفراء: "هذا على التعجب [كما تقول: كيف] (١) (٢) (٣) (٤) (٥) وقوله: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ ، قال الزجاج: "أي: ليس العهد إلا لهؤلاء الذين لم ينكثوا"، قال: "وموضع "الذين" نصب بالاستثناء" (٦) واختلفوا في المعنيّ بقوله: ﴿ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ ﴾ والذي يشهد له ظاهر اللفظ أنهم بنو ضمرة وبنو كنانة الذين ذكروا في قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا} [التوبة: 4] وهو قول السدي (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) وكذلك قال ابن جريج (١٥) قال محمد بن إسحاق: "هم قبائل من بني بكر (١٦) (١٧)  - يوم الحديبية إلى المدة التي كانت بين النبي -  - وبين قريش، فلم يكن نقضه إلا هذا الحي من قريش (١٨)  - باتمام العهد لمن لم يكن نقض من بني بكر" (١٩) وقوله تعالى: ﴿ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: "يريد ما أوفوا بعهدهم أوفوا بعهدكم" (٢٠) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ يعني من اتقى الله وراقبه في أداء فرائضه، والوفاء بعهده لمن عاهده.

(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٢) في (م): (واحدًا).

(٣) "معاني القرآن" 1/ 423.

(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).

(٥) هذا القول للحوفي في "البرهان" 11/ 142 ب، وذكره الرازي 15/ 229، والقرطبي 8/ 78 دون تعيين القائل.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 432.

(٧) رواه الثعلبي 6/ 81 أ، والبغوي 4/ 15، ورواه ابن جرير 10/ 81 بلفظ: هم بنو جذيمة بن الدئل، ورواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 3/ 386 بلفظ: هم بنو خزيمة بن فلان.

(٨) انظر: "السيرة النبوية" 4/ 202 وسيذكر المؤلف لفظه.

(٩) سقط اسم الكلبي من النسخة (ح)، وانظر قوله في: "تفسير الثعلبي" 6/ 81 أ، والبغوي 4/ 15.

(١٠) هم بنو جذيمة بن عامر بن عبد كنانة.

انظر: "جمهرة أنساب العرب" 187.

(١١) هم بنو مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة انظر: المصدر السابق، نفس الموضع.

(١٢) هم بنو ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة.

المصدر السابق ص 185، و"نهاية الأرب" ص 293.

(١٣) هم بنو الدئل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة.

انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 184، و"نهاية الأرب" ص 61.

(١٤) هم بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة.

انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص180، و"نهاية الأرب" 180، وليس لبكر من هذه القبائل سوى بني ضمرة وبني الدئل، أما بنو جذيمة وبنو مدلج فهم أبناء أخويه.

(١٥) لم أقف على من ذكره، وقد رواه ابن جرير 10/ 81 عنه عن محمد بن عباد.

(١٦) في السيرة النبوية: من بني بكر.

(١٧) ساقط من (ح) و (ى).

(١٨) في المصدر السابق زيادة.

وبنو الدئل من بني بكر.

اهـ.

وهو الصواب.

(١٩) المصدر السابق 4/ 544.

(٢٠) رواه بنحوه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص188.

(٢١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 432، وجملة: فأقيموا أنتم ليست من كلام الزجاج.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ ﴾ لفظ استفهام، ومعناه استنكار واستبعاد ﴿ إِلاَّ الذين عاهدتم عِندَ المسجد الحرام ﴾ قيل: المراد قريش، وقيل: قبائل بني بكر ﴿ فَمَا استقاموا ﴾ ما ظرفية ﴿ كَيْفَ ﴾ تأكيد للأولى، وحذف الفعل بعدها للعلم به تقديره: كيف يكون لهم عهد؟

﴿ لاَ يَرْقُبُواْ ﴾ أي لا يراعوا ﴿ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ الإل القرابة، وقيل: الحلف، والذمة العهد ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ فاسقون ﴾ استثنى من قضي له بالإيمان ﴿ أَئِمَّةَ الكفر ﴾ أي رؤساء أهله قيل: إنهم أبو جهل لعنه الله، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، وحكى ذلك الطبري وهو ضعيف لأن أكثر هؤلاء كان قد مات قبل نزول هذه السورة، والأحسن أنها على العموم ﴿ لاَ أيمان لَهُمْ ﴾ أي لا إيمان لهم يوفون بها، وقرئ لا إيمان بكسر الهمزة ﴿ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ﴾ يتعلق بقاتلوا ﴿ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرسول ﴾ قيل: يعني إخراجه من المدينة حين قاتلوه بالخندق وأحد، وقيل: يعني إخراجه من مكة إذا تشاوروا فيه بدار الندوة ثم خرج هو بنفسه ﴿ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ يعني: إذايَتَهم للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بمكة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ورسوله ﴾ بالنصب: روح وزيد.

الباقون: بالرفع.

﴿ أئمة ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام يدخل بينهما مدة الباقون ﴿ أيمة ﴾ بهمز ثم ياء.

﴿ لا إيمان ﴾ بكسر الهمزة: ابن عامر.

الباقون: بالفتح جمع يمين ﴿ يعملون ﴾ بياء الغيبة: عباس.

الوقوف: ﴿ من المشركين ﴾ ط ﴿ معجزي الله ﴾ لا للعطف ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من المشركين ﴾ لا للعطف ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ لكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع الواو ﴿ معجزي الله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه للاستثناء ﴿ مدتهم ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ مرصد ﴾ ج ﴿ سبيلهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ مأمنه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ المسجد الحرام ﴾ ج لأن "ما" للجزاء مع اتصالها بالفاء ﴿ فاستقيموا لهم ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ ولا ذمة ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ج ﴿ فاسقون ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً.

﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ولا ذمة ﴾ ط ﴿ المتعدون ﴾ ه ﴿ في الدين ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ أئمة الكفر ﴾ لا لتعلق "لعلهم" بقوله ﴿ فقاتلوا ﴾ وما بينها اعتراض ﴿ ينتهون ﴾ ه ﴿ أوّل مرّة ﴾ ط ﴿ أتخشونهم ﴾ جل لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿ مؤمنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ وليجة ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: قد عد في الكشاف من أسماء هذه السورة "براءة" وذلك واضح، و "التوبة" لأن فيها ذكر التوبة على المؤمنين و "المقشقشة" لأنها تقشقش من النفاق أي تبرىء منه و "المبعثرة" و "المثيرة" و "الحافرة" و "الفاضحة" و "المنكلة" و "المشردة" و "المخزية" و "المدمدمة" لأنها تبعثر عن أسرار المنافقين تبحث عنها وتثيرها وتحفر عنها وتفضحهم وتنكلهم وتشرد بهم وتخزيهم وتدمدم عليهم.

وعن حذيفة: إنكم تسمونها سورة التوبة وإنما هي سورة العذاب، والله ما تركت أحداً إلا نالت منه.

وعن ابن عباس: ما زالت تقول ﴿ ومنهم ﴾ حتى حسبنا أن لا تدع أحداً.

وللعلماء خلاف في سبب إسقاط التسمية من أولها.

فعن ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان في ذلك فقال: كان النبي  كلما نلزت عليه سورة يقول: ضعوها في موضع كذا، وكانت براءة آخر القرآن نزولاً وتوفي رسول الله  ولم يبين موضعها، وكانت قصتها شبيهة بقصة الأنفال فقرنت بينهما وكأنه أراد بالمشابهة.

ما روي عن أبيّ بن كعب في الأنفال ذكر العهود، وفي براءة نبذ العهود، فوضعت إحداهما بجنب الأخرى.

واستبعد جمع من العلماء هذا القول لأنا لو جوّزنا في بعض السور أن لا يكون ترتيبها من الله على سبيل الوحي لجوزنا مثله في سائر السور وفي آيات السورة الواحدة وذلك يفضي إلى تجويز الزيادة والنقصان في القرآن على ما يقول به الإمامية.

وقال بعض العلماء: إن الصحابة اختلفوا في أن "الأنفال" مع "التوبة" سورتان أم سورة واحدة لأنهما مائتان وست آيات فهما بمنزلة إحدى الطوال، وكلتاهما وردت في القتال والمغازي، فلمكان هذا الاختلاف فرجوا بينهما فرجة تنبيهاً على قول من يقول إنهما سورتان، ولم تكتب البسملة تنبهاً على قول من يرى أنهما واحدة فعملوا عملاً يدل على أن هذا الاشتباه حاصل.

وفيه أنهما لما لم يسامحوا بهذا القدر من الشبهة دل على أنهم كانوا متشددين في ضبط الدين وحفظ القرآن من التغيير والتحريف وذلك يبطل قول الإمامية، وفيه دليل على أن البسملة آية من كل سورة والإجازات كتابتها ههنا بل عند كل مقطع كلام.

وعن ابن عباس: سألت علي بن أبي طالب  عن ذلك فقال: لأن ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ أما وأن هذه السورة نزلت بالسيف ونبذ العهود.

وذكر سفيان بن عيينة هذا المعنى وأكده بقوله  ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً  ﴾ فقيل له: أليس أن النبي  كتب إلى أهل الحرب "بسم الله الرحمن الرحيم"؟.

فأجاب بأن ذلك ابتداء منه يدعوهم إلى الله ولم ينبذ إليهم عهدهم ولهذا قال في آخر الكتاب ﴿ والسلام على من اتبع الهدى  ﴾ ومما يؤكد شبهة من زعم أنهما سورة واحدة هو أن ختم الأنفال وقع بإيجاب أن يوالي المؤمنون بعضهم بعضاً وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكلية، وقوله ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ و "من" لابتداء الغاية متعلق بمحذوف لا بالبراءة لفساد المعنى.

والمعنى هذه براءة واصلة من الله ورسوله ﴿ إلى الذين عاهدتم ﴾ كما تقول: كتاب من فلان إلى فلان.

ويجوز أن يكون ﴿ براءة ﴾ مبتدأ لتخصصها بصفتها هي الجار والمجرور كما قلنا والخبر محذوف كما ذكرنا نظيره قولك: رجل من بني تميم في الدار.

كان قد أذن الله في معاهدة المشركين فاتفق المسلمون مع رسول الله وعاهدوهم فلما نقضوا العهد أوجب الله النبذ إليهم وكأنه قيل للمسلمين: اعلموا ان الله ورسوله قد برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين.

روي أنهم كانوا عاهدوا المشركين من غير أهل مكة وغيرهم من العرب فنكثوا إلا ناساً منهم وهم بنو ضمرة وبنو كنانة، فنبذ العهد إلى الناكثين وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين ساروا.

والأشهر هي الحرم لقوله ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ والسياحة الضرب في الأرض والاتساع في السير والبعد عن المدن وموضع العمارة مع الإقلال من الطعام والشراب منه يقال للصائم سائح لتركه المطعم والمشرب.

والمعنى في هذا الأمر إباحة الذهاب مع الأمان وإزالة الخوف.

روي أن فتح مكة كان سنة ثمان من الهجرة وكان رسول الله  قد ولّى عتاب بن أسيد الوقوف بالناس في الموسم، فاجتمع في تلك السنة في المواقف ومعالم الحج المسلمون والمشركون ونزلت هذه السورة سنة تسع، وكان أمر فيها أبا بكر على الموسم فلما نزلت السورة أتبعه علياً راكب العضباء ليقرأها على أهل الموسم فقيل له: لو بعثت بها إلى أبي بكر؟

فقال: لا يؤدي عني إلا رجل مني، فلما دنا علي سمع أبو بكر الرغاء فوقف وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله  .

فلما لحقه قال: أمير أو مأمور؟

قال: مأمور.

وروي أن أبا بكر لما كان ببعض الطريق هبط جبريل  وقال: يا محمد لا يبلغن رسالتك إلا رجل منك فأرسل علياً فرجع أبو بكر إلى رسول الله  : يا رسول الله أشيء نزل من السماء؟

قال: نعم.

فسر وأنت على الموسم وعلي ينادي بالآي.

فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر وحدّثهم عن مناسكهم وقام علي يوم النحر عند جمرة العقبة فقال: يا أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم.

فقال: بماذا؟

فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية.

وعن مجاهد ثلاث عشرة.

ثم قال: أمرت بأربع: أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده.

فقالوا عند ذلك: يا علي أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهرونا، وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب السيوف.

استدلت الإمامية بهذا القصة على تفضيل علي كرم الله وجهه وعلى تقديمه.

وأجاب أهل السنة بأنه أمر أبا بكر على الموسم وبعث علياً خلفه لتبليغ هذه الرسالة حتى يصلي علي خلف أبي بكر ويكون ذلك جارياً مجرى التنبيه على إمامة أبي بكر.

وأما قوله: "لا يبلغ عني إلا رجل مني" فذلك لأن المتعارف بين العرب أنه إذا عقد السيد الكبير منهم لقوم حلفاً أو عاهد عهداً لم يحل ذلك العهد إلا هو أو رجل من ذوي قرابته كأخ أو عم.

فلو تولاه أبو بكر لجاز أن يقولوا هذا خلاف ما يعرف فينافي نقص العهد فأزيلت علتهم بتولية ذلك علياً.

وقيل: لما أحضر أبا بكر لتولية أمر الموسك أحضر علياً لهذا التبليغ تطبيباً للقلوب ورعاية للجوانب.

ولنرجع إلى التفسير.

قال ابن الأنباري: في الكلام إضمار التقدير: فقل لهم سيحوا.

ويكون ذلك رجوعاً من الغيبة إلى الحضور كقوله ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً إن هذا كان لكم جزاء  ﴾ واختلفوا في الأشهر الأربعة.

فعن الزهري أن براءة نزلت في شوال والمراد شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم.

وقيل: هي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشر من ربيع الآخر.

وكانت حرماً لأنهم أومنوا فيها وحرم قتلهم وقتالهم، أو سميت حرماً على التغليب لأن ذا الحجة والمحرم منها.

وقيل: ابتداء المدّة من عشر ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت للنسيء الذي كان فيهم، ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة.

قال المفسرون: هذا تأجيل من الله للمشركين ومن كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر حطت إلى أربعة ومن كانت مدته أقل رفعت إليها.

والمقصود من هذا التأجيل أن يتفكروا في أنفسهم ويحتاطوا في الأمر ويعلموا أنه ليس لهم بعد هذه المدة إلا أحد أمور ثلاثة: الإسلام أو قبول الجزية أو السيف.

فيصير ذلك حاملاً لهم على قبول الإسلام ظاهراً وإلى هذا المعنى أشار بقوله ﴿ واعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ أي اعلموا أن هذا الإمهال ليس لعجز ولكن لمصلحة ولطف ليتوب من تاب، وفيه ضرب من التهديد كأنه قيل: افعلوا في هذه المدة كل ما أمكنكم من إعداد اللآلات والأدوات فإنكم لا تفوتون الله وهو مخزيكم أي مذلكم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالعذاب.

وقوله ﴿ مخزي الكافرين ﴾ من باب الالتفاف من الحضور إلى الغيبة.

ومن وضع الظاهر موضع المضمر ليكون فيه إشارة إلى أن سبب الإخزاء هو الكفر.

ثم أراد أن يعلم جميع الناس البراءة المذكورة فقال ﴿ وأذان ﴾ وارتفاعه كارتفاع براءة على الوجهين، ثم الجملة معطوفة على مثلها.

وخطىء الزجاج في قوله "إنه معطوف على براءة" لأنه لو عطف عليها لكان هو أيضاً مخبراً عنه بالخبر الأوّل وهو ﴿ إلى الذين عاهدتم ﴾ لكنه غير مقصود بل المقصود الإخبار عنه بقوله ﴿ إلى الناس ﴾ والأذان اسم بمعنى الإيذان الإعلام كالأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء ومنه أذان الصلاة.

أمر الله تعالى بهذا الإعلام ﴿ يوم الحج الأكبر ﴾ وهو الجمع الأعظم الذي حضر فيه المؤمن والمشرك والعاهد الناكث وغير الناكث ليصل الخبر إلى جميع الأطراف ويشتهر، وكان النبي  يريد أن يحج في السنة الآتية فأمر بإظهار هذه البراءة لئلا يحضر الموقف غير.

المؤمنين الموحدين وقيل: يوم الحج الأكبر يوم عرفة لأن فيه أعظم أعمال الحج وهو الوقوف بعرفة ولهذا قال  : "الحج عرفة" وهو قول عمر وسعيد بن المسيب وابن الزبير وعطاء وطاوس ومجاهد وإحدى الروايتين عن علي  وابن عباس ورواية المسوّر بن مخرمة عن رسول الله صلى الله عليه سلم أنه قال: خطب رسول الله  عشية عرفة فقال: "أما بعد فإن هذا يوم الحج الأكبر" .

وقال ابن عباس في رواية عطاء: هو يوم النحر.

ووافقه قول الشعبي والنخعي والسدي والمغيرة بن شعبة وسيعد بن جبير.

وذلك أن معظم أفعال الحج من الطواف والحلق والرمي والنحر يقع فيه.

ومثله ما روي عن علي  أن رجلاً أخذ بلجام دابته فقال: ما يوم الحج الأكبر؟

فقال: يومك هذا خلّ عن دابتي يعني يوم النحر.

وعن ابن عمر أن رسول الله صلى عليه وسلم وقف يوم النحر عند الجمرات في الوداع فقال: هذا يوم الحج الأكبر.

قال ابن جريج عن مجاهد: يوم الحج الأكبر أيام منى كلها وهو قول سفيان الثوري.

وكان يقول: يوم الحج الأكبر أيامه كلها كيوم صفين ويوم الجمل يراد به الحين والزمان، لأن كل حرب من هذه الحروب دامت أياماً كثيرة.

وعلى هذا فقد وصف الحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر.

وقيل: الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد.

عن مجاهد أيضاً: هذا وقد حذفت الباء التي هي صلة الأذان تخفيفاً والتقدير ﴿ أن الله بريء من المشركين ﴾ وقوله ﴿ ورسوله ﴾ بالرفع مبتدأ محذوف الخبر أي ورسوله أيضاً كذلك، أو هو معطوف على المنوي في ﴿ بريء ﴾ أي بريء هو ورسوله.

وجاز العطف من غير تأكيدبالمنفصل للفصل.

وقرىء بالجر على الجوار أو على أن الواو للقسم كقوله  ﴿ لعمرك أنهم لفي سكرتهم يعمهون  ﴾ والفرق بين قوله ﴿ براءة من الله ﴾ وبين قوله ﴿ إن الله بريء ﴾ أن المقصود من الكلام الأول هو الإخبار بثبوت البراءة، والمقصود من هذا الثاني إعلام جميع الناس بما حصل وثبت.

وأيضاً المراد بالأولالبراءة من العهد، وبالثاني البراءة التي هي نقيض المولاة، ولهذا لم يصف المشركين ثانياً بوصف معين كالمعاهدة تنبيهاً على أن الموجب لهذه البراءة وهو كفرهم وشركهم ولهذا أتبعه قوله ﴿ فإن تبتم ﴾ أي عن الشرك ﴿ فهو خير لكم ﴾ وفيه ترغيب في التوبة والإقلاع الموجب لزوال البراءة ﴿ وإن توليتم ﴾ أعرضتم عن التوبة أو بقيتم على التولي والإعراض عن الإيمان والوفاء ﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ فائتين أخذ الله وعقابه.

قال بعض العلماء: قوله  ﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ ليس بتكرار لأن الأول للمكان والثاني للزمان.

﴿ وبشر ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب.

وفيه من التهكم والتهديد ما فيه كيلا يظن أن عذاب الدنيا لو فات وزال خلصوا من العذاب بل العذاب الشديد معدّ لهم يوم القيامة.

أما قوله ﴿ إلا الذين ﴾ قد قال الزجاج: إن الاستثناء يعود إلى قوله ﴿ براءة ﴾ والتقدير: براءة من الله ورسوله إلى المشركين المعاهدين إلا الذين لم ينقضوا العهد.

وقال في الكشاف: وجهه أن يكون مستثنى من قوله ﴿ فسيحوا في الأرض ﴾ لأن الكلام خطاب للمسلمين والتقدير: فقولوا لهم سيحوا إلا الذين عاهدتم ثم لم ينقضوا فأتموا إليهم عهدهم.

وقيل: استثناء من قوله ﴿ إلى الذين عاهدتم ﴾ ومعنى ﴿ لم ينقصوكم شيئاً ﴾ لم يقتلوا منكم أحداً ولم يضروكم قط.

ومعنى ﴿ لم يظاهروا ﴾ لم يعاونوا أي لم يقدموا على المحاربة بأنفسهم ولم يهيجوا أقواماً آخرين.

وقرىء ﴿ ينقضوكم ﴾ بالضاد المعجمة أي لم ينقضوا عهدكم.

ومعنى ﴿ فأتموا إليهم ﴾ أدوه إليهم تاماً كاملاً.

قال ابن عباس: بقي لحي من كنانة من عهدهم تسعة أشهر فأتم إليهم عهدهم.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن الله يحب المتقين ﴾ يعني أن قضية التقوى أن لا يسوى بين القبيلين ولا يجعل الوفي كالغادر، ومن جملة الغادرين بنو بكر عدواً على خزاعة عيبة رسول الله  وظاهرتهم قريش بالسلاح حتى وفد عمرو بن سالم الخزاعي على رسول الله  فأنشد: لا هم إني ناشد محمدا *** حلف أبينا وأبيك الأتلدا إن قريشاً أخلفوك الموعدا *** ونقضوا ذمامك المؤكدا هم بيتونا بالحطيم هجدا *** وقتلونا ركعاً وسجدا فقال  : " لا نصرت إن لم أنصركم" ومعنى ناشد محمداً أذكر له الحلف والعهد لأنه كان بين أبيه عبد المطلب وبين خزاعة حلف قديم.

والأتلد الأقدم.

ثم بين حكم انقضاء أجل الناكثين فقال ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ أي التي أبيح فيها للناكثين أن يسيحوا.

وانسلاخ الشهر تكامله جزءاً فجزءاً إلى أن ينقضي كانسلاخ الجلد عما يحويه، شبه خروج المتزمن عن زمانه بانفصال المتمكن عن مكانه فكلاهما ظرف ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ يعني الناقضين ﴿ حيث وجدتموهم ﴾ من حل أو حرم وفي أي وقت كان.

﴿ وخذوهم ﴾ وأسروهم والأخيذ الأسير ﴿ واحصروهم ﴾ امنعوهم من التصرف في البلاد وقيدوهم.

وقال ابن عباس: حصرهم أن يحال بينهم وبين المسجد الحرام.

﴿ واقعدوا لهم في كل مرصد ﴾ أي في كل ممر ومجاز ترقبوهم هناك.

وانتصابه على الظرف كما مر في قوله ﴿ لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم  ﴾ ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ إن حصلوا على شروطها ﴿ فخلوا سبيلهم ﴾ المراد من التخلية الكف عنهم وإطلاقهم من الأسر والحصر عن البيت الحرام، أو عن التصرف في مهماتهم ﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ يغفر لهم ما سلف لهم من الكفر والغدر.

قال الشافعي: إنه  أباح دماء الكفار بجميع الطرق والأحوال ثم حرمها عند التوبة عن الكفر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فما لم يوجد أحد هذه الأمور لم يوجد هذا المجموع، فوجب أن تبقى إباحة الدم على الأصل.

فتارك الصلاة يقتل، ولعل أبا بكر استدل بمثل ذلك على جواز قتال مانعي الزكاة.

وحمل أكثر الأئمة الإقامة والإيتاء ههنا على اعتقاد وجوبهما والإقرار بذلك وإن كان له وجه عدول عن الظاهر.

وعن الحسن أن أسيراً نادى بحيث يسمع النبي  أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد ثلاثاً.

فقال  : "عرف الحق لأهله فأرسلوه" .

قال بعض العلماء: ذكر التوبة ههنا عبارة عن تطهير القوة النظرية عن الجهل، وذكر الصلاة والزكاة عبارة عن تطهير القوة العملية عما لا ينبغي، ولا ريب أن كمال السعادة منوط بهذا المعنى جعلنا الله من أهلها.

لما أوجب الله  بعد انسلاخ الأشهر الحرم قتل المشركين دل ذلك على أن حجة الله  قد قامت عليهم وأن ما ذكره الرسول قبل ذلك من أنواع الدلائل والبينات كفي في إزاحة علتهم فينتج ذلك أن أحداً من المشركين لو طلب الدليل والحجة يلتفت إليه بل يطالب إما بالإسلام أو بالجزية أو بالقتل، فأزال الله  بكمال رأفته هذه الشبهة فقال ﴿ وإن أحد من المشركين استجارك ﴾ الآية.

قال علماء العربية: ارتفع ﴿ أحد ﴾ بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره: وإن استجارك أحد استجارك.

كرهوا الجمع بين المفسر والمفسر فحذفوا المفسر.

والغرض بناء الكلام على الإبهام ثم التفسير من حيث إنّ "إن" من مظان وقوع الفعل بعده.

وأيضاً ذكر الفاعل ههنا أهم لما بينا أن ظاهر الدليل يقتضي إباحة دم المشرك فقدم ليدل على مزيد العناية بصون دمه عن الإهدار.

يقال: استجرت فلاناً أي طلب منه أن يكون جاراً لي أي محامياً وحافظاً من أن يظلمني ظالم، ومنه يقال: أجاره الله من العذاب أي أنقذه.

والمعنى وإن جاءك أحد من المشركين بعد انسلاخ الأشهر لا عهد بينك وبينه.

فاستأمنك ليسمع ما تدعو إليه من التوحيد والقرآن فأمنه ﴿ حتى يسمع كلام الله ﴾ سماع تدبر وتأمل ﴿ ثم أبلغه ﴾ داره التي يأمن فيها إن لم يسلم ثم قاتله إن شئت فيها، وفيه أن المقصود من شرع القتل قبول الدين والإقرار بالتوحيد وأن النظر في دين الله من أعلى المقامات فإن الكافر الذي دمه مهدر لما أظهر من نفسه كونه طالباً للنظر والاستدلال زال ذلك الإهدار ووجب على الرسول أن يبلغه مأمنه، أما زمان مهلة النظر فليس في الآية ما يدل على ذلك ولعله مفوّض إلى اجتهاد الإمام، فمتى ظهر على ذلك المشرك علامات كونه طالباً للحق باحثاً عن وجه الاستدلال أمهل وترك، ومتى ظهر عليه كونه معرضاً عن الحق دافعاً للزمان بالأكاذيب لم يلتفت إليه وأبلغ المؤمن.

ويشبه أن يقال: المدة أربعة أشهر وهو الصحيح من مذهب الشافعي.

والمذكور في الآية كونه طالباً لسماع القرآن إلا أنه ألحق به كونه طالباً لسماع الدلائل والجواب الشبهات لأنه  علل وجوب الإجارة بكونه غير عالم حيث قال في آخر الآية ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ﴾ فكل من حصلت فيه هذه العلة وجبت إجارته.

وفي سماع كلام الله وجوه: قيل أراد جميع القرآن لأن تمام الدلائل والبينات فيه.

وقيل: سماع سورة براءة لأنها مشتملة على كيفية المعاملة مع المشركين والأولى حمله على كل الدلائل، وإنما خص القرآن بالذكر لأنه الكتاب الحاوي لمعظم الدلائل.

واعلم أن الأمان قد يكون عاماً يتعلق بأهل إقليم أو بلدة أو ناحية وهو عقد المهادنة ويختص بالإمام وقد مر في تفسير قوله  ﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ﴾ وقد يكون خاصاً يتعلق بأفراد الكفار وهذا يصح من الولاة ومن آحاد المسلمين أيضاً وهذا مقصود الآية وإنه ثابت غير منسوخ.

روي عن سعيد بن جبير أن رجلاً من المشركين جاء إلى علي  فقال: أراد الرجل منا أن يأتي محمداً بعد انقضاء هذا الأجل يسمع كلام الله أو يأتيه لحاجة قتل؟

قال: "لا".

واستدل بالآية.

وعن السدي والضحاك هو منسوخ بقوله ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ وشرط الأمان الإسلام والتكليف فيصح من العبد والمرأة والفاسق.

روي أنه  قال: "يسعى بذمتهم أدناهم" وعن أم هانىء قالت: أجرت رجلين من أحمائي فقال  : "أمنا من أمنت" .

ويعتبر أن الإسلام والتكليف الاختيار فلا يصح أمان المكره على عقد الأمان، وينعقد الأمان بكل لفظ مفيد للغرض صريحاً كقوله: أجرتك أو لا تخف، وكناية كقوله: أنت على ما تحب أو كن كيف شئت، ومثله الكتابة والرسالة والإشارة المفهمة.

روي عن عمر أنه قال: والذي نفسي بيده لو أن أحدكم أشار بأصبعه إلى مشرك فنزل على ذلك ثم قتله لقتلته.

هذا إذا دخل الكافر بلا سبب أما إذا دخل لسفارة فلا يتعرض له، وكذا إذا دخل لسماع الدلائل وقصد التجارة لا يفيد الأمان إلا إذا رأى الإمام مصلحة في دخول التجار.

وحكم الأمان إذا انعقد عصمة المؤمن من القتل والسبي فإن قتله قاتل ضمن بما يضمن له الذمي، ولا يتعدى الأمان إلى ما خلفه في دار الحرب من أهل ومال، وأما الذي معه منهما فإن وقع التعرض لأمانه اتبع الشرط وإلا فالأرجح أن لا يتعدى الأمان إلى ذلك.

وقد بقي في الآية مسألة أصولية هي أن المعتزلة استدلوا بالآية على أن كلام الله  هو هذه الحروف المسموعة ويتبع ذلك أن يكون كلامه محدثاً لأن دخول هذه الحروف في الوجود على التعاقب.

وأجيب بأن هذه المسموعة فعل الإنسان وليست هي التي خلقها الله  أوّلاً عندكم فعلمنا أن هذا المسموع ليس كلام الله بالاتفاق فيجب ارتكاب التجوز ألبتة، ونحن نحمله على أنها هي الدالة على الكلام النفسي فلهذا أطلق عليها أنها كلام الله كما أن الجبائي قال: إن كلام الله شيء مغاير لهذه الحروف والأصوات وهو باقٍ مع قراءة كل قارىء.

وزعم بعض الناس حين رأوا أنه  جعل كلامه مسموعاً أن هذه الحروف والأصوات قديمة ليلزم قدم كلامه  وفيه ما فيه، ثم أكد المعاني المذكورة من أول السورة إلى ههنا فقال على سبيل الاستنكار والاستبعاد ﴿ كيف يكون للمشركين عهد ﴾ المرفوع اسم كان وفي خبره ثلاثة أوجه: الأول ﴿ كيف ﴾ وقدم للاستفهام، الثاني ﴿ للمشركين ﴾ وعند على هذين ظرف للعهد أو ليكون أو للجار أو هو وصف للعهد.

الثالث الخبر ﴿ عند الله ﴾ و ﴿ للمشركين ﴾ تبيين أو متعلق بـ ﴿ يكون ﴾ و ﴿ كيف ﴾ حال من العهد يعني محال أن يثبت لهؤلاء عهد وهم أضداد لكم يضمرون الغدر في كل عهد، فلا تطعموا في الوفاء منهم ولا تتوانوا في قتلهم.

ثم استثنى منهم المعاهدين عند المسجد الحرام الذين لم يظهر منهم نكث كبني كنانة وبني ضمرة ثم بيّن حكمهم فقال ﴿ فما استقاموا لكم ﴾ في "ما" وجهان: أحدهما أن تكون زمانية وهي المصدرية على التحقيق أي استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم.

الثاني شرطية أي إن استقاموا لكم على العهد فاستقيموا لهم على مثله.

﴿ إن الله يحب المتقين ﴾ فيه إشارة إلى أن الوفاء بالعهد والاستقامة عليه من أعمال المتقين.

ثم كرر الاستبعاد فقال ﴿ كيف ﴾ وحذف الفعل لكونه معلوماً أي كيف يكون لهم عهد ﴿ و ﴾ حالهم أنهم ﴿ إن يظهروا عليكم ﴾ أي يغلبوكم، ويظفروا بكم وذلك أن الغلبة من الكمال عند الشخص وكل من تصور في نفسه كمالاً فإنه يريد أن يظهر ذلك لغيره فأطلق الظهور على الغلبة لكونه من لوازمها ﴿ لا يرقبوا ﴾ لا يراعوا ﴿ فيكم ﴾ ولا ينتظروا بكم ﴿ إلا ولا ذمة ﴾ قال في الصحاح: الأل العهد والقرابة.

ووجه ذلك في الكشاف بأن اشتقاقه من الأل هو الجؤار والأنين لأنهم إذا تحالفوا رفعوا به أصواتهم، وسميت به القرابة لأنها تعقد بين الرجلين ما لا يعقده الميثاق.

وفي الصحاح أيضاً أن الأل بالكسر من أسماء الله عزّ وجلّ.

وفي الكشاف أنه قرىء "إيلا" بمعناه.

وقيل: جبرئيل وجبرئلّ من ذلك.

وقيل: منه اشتق الأل بمعنى القرابة كما اشتقت الرحم من الرحمن.

قال الزجاج: الأل عندي على ما توجبه اللغة يدور على معنى الحدّة من ذلك الألة الحربة، وأذن مؤللة محدّدة.

ومعنى العهد والقرابة غير خارج من ذلك، والذمة العهد وجمعها ذمم وذمام وهو كل أمر لزمك وكان بحيث لو ضيعته لزمك مذمة.

وقال أبو عبيدة: الذمة ما يتذمم منه أي ما يجتنب فيه الذم.

قال في الكشاف ﴿ يرضونكم ﴾ كلام مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن مقرر لاستبعاد الثبات منهم على العهد وإباء القلوب مخالفة ما فيها من الأضغان لما يجرونه على ألسنتهم من الكلام الجميل.

ثم قال  ﴿ وأكثرهم فاسقون ﴾ عن ابن عباس: لا يبعد أن يكون بعض هؤلاء الكفار قد أسلم وتاب فلهذا لم يحكم بالفسق على الكل.

والظاهر أنه أراد أن أكثرهم فساق في دينهم لا يتحرزون عن الكذب ونقض العهد الذي هو مذموم في جميع الأديان والنحل ﴿ اشتروا ﴾ استبدلوا ﴿ بآيات الله ﴾ بالقرآن أو بالإسلام ﴿ ثمناً قليلاً ﴾ هو اتباع الأهواء ﴿ فصدوا عن سبيله ﴾ فصرفوا عنه غيرهم وعدلوا هم أنفسهم.

قال مجاهد أراد الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم.

وقيل: يبعد أن يراد طائفة من اليهود الذين أعانوا المشركين على نقض العهود، فإن هذا اللفظ من القرآن كالأمر المختص باليهود ولأنه وصفهم بقوله ﴿ لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ﴾ ولو أراد المشركين كان تكراراً ﴿ وأولئك هم المعتدون ﴾ المتجاوزون حدود الله في دنيه وما يوجبه العهد والعقد.

ثم قال ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ فإن كان هذا في اليهود وما ذكره قبل في الكفار فلا تكرار، وإن كان كلاهما في الكفار فجزاء الأول تخلية سبيلهم وجزاء الثاني قوله ﴿ فإخوانكم ﴾ أي فهم إخوانكم ﴿ في الدين ﴾ فلم يكن من التكرار في شيء.

قال ابن عباس: حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة: ﴿ ونفصل الآيات ﴾ نبينها ﴿ لقوم يعلمون ﴾ لأنهم هم المنتفعون بالبيان.

وهذه جملة معترضة تفيد الحث على التأمل في أحكام المشركين وعلى المحافظة على مواردها ﴿ وإن نكثوا ﴾ يعني هؤلاء التائبين ﴿ أيمانهم من بعد عهدهم ﴾ أي من بعد إسلامهم حتى يكونوا مرتدين، أو المراد نكث المشركين عهودهم ومواثيقهم.

والنكث نقض طاقات الخيط من بعد برامه.

﴿ وطعنوا في دينكم ﴾ ثلبوه وعابوه ﴿ فقاتلوا أئمة الكفر ﴾ هي جمع إمام وأصلها "أأممة" كمثال وأمثلة نقلت حركة الميم إلى الهمزة وأدغمت الميم في الميم، وهو من وضع الظاهر موضع المضمر دلالة على أن من كان بهذه المثابة من الغدر وقلة الوفاء وعدم الحياء فهو عريق في الكفر متقدم فيه لا يشق كافر غباره.

وقيل: خص سادتهم بالذكر لأن من سواهم يتبعهم لا محالة.

ثم أبدى غرض القتال بقوله ﴿ لعلهم ينتهون ﴾ ليعلم أن الباعث على قتالهم هو ردهم إلى طاعة معبودهم رحمة عليهم لا أمر نفساني وداعٍ شهواني ووسط بين الأمر بالقتال وبين الحامل عليه قوله ﴿ إنهم لا أيمان لهم ﴾ تنبيهاً على العلة الفاعلية للقتال، أثبت لهم الأيمان أوّلاً في الظاهر حيث قال ﴿ وإن نكثوا أيمانهم ﴾ ثم نفاها عنهم في الحقيقة لأن إيمانهم ليست مما يعد أيماناً إذ لم يوفوا بها.

وبهذا تمسك أبو حنيفة في أن يمين الكافر لا تكون يميناً، وعند الشافعي يمينهم يمين لأنه  وصفها بالنكث ولو لم تكن منعقدة لم يتصور نكثها.

ومن قرأ ﴿ لا إيمان ﴾ لهم بالكسر أي لا إسلام لهم أو لا يعطون الأمان بعد الردة والنكث فظاهر.

قال العلماء: إذا طعن الذمي في دين الإسلام طعناً ظاهراً جاز قتله لأن العهد معقود معه على أن لا يطعن فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة.

ثم شرع في ذكر سائر الأسباب المحرّضة على القتال فقال ﴿ ألا تقاتلون ﴾ قال أهل المعاني: إذا قلت: ألا تفعل كذا.

فإنما يستعمل ذلك في فعل مقدر وجوده.

وإذا قلت: ألست تفعل تقول فى ذلك في فعل تحقيق وجوده.

والفرق أن "لا" ينفي بها المستقبل فإذا دخلت عليه الألف صار تحضيضاً على فعل ما يستقبل و "ليس" مستعمل في نفي الحال فإذا دخلت عليه الألف صار لتحقيق الحال.

قال ابن إسحق والسدي والكلبي: نزلت في كفار مكة نكثوا أيمانهم بعد عهد الحديبية وأعانوا بني بكر على خزاعة وهموا بإخراج الرسول من مكة حتى هاجر أو من المدينة.

يريد اليهود هموا بإخراجه منها ونكثوا عهده وظاهروا أبا سفيان عليه  يوم الأحزاب.

وقيل: همت قريش يوم الحديبية بأن يدخلوه  مكة ثم يخرجوه قبل أن يتم حجه استخفافاً به  ، وعلى هذا أريد بالهم العزم على الفعل وإن لم يوجد ﴿ وهم بدؤكم أول مرّة ﴾ بالقتال يعني يوم بدر لأنهم حين سلم العير قالوا: لا ننصرف حتى نستأصل محمداً ومن معه.

أو المراد أنهم قاتلوا حلفاءه من خزاعة، أو المراد أن الرسول  جاءهم أولاً بالكتاب المنير وتحداهم به فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى المقاتلة والبادىء أظلم.

والحاصل أن من كان في مثل صفاتهم من نكث العهد وإخراج الرسول والبدء للقتال حقيق بأن لا تترك مقاتلته وأن يوبخ من فرط فيها.

ثم زاد في التوبيخ فقال فيه ﴿ أتخشونهم ﴾ تقريراً للخشية منهم وتقوية لداعية القتال كما إذا قلت للرجل: أتخشى خصمك لأنه يستنكف أن ينسب إلى كونه خائفاً من خصمه.

ثم بيّن ما يجب أن يكون الأمر عليه قائلاً ﴿ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ﴾ يعني أن قضية الإيمان الصحيح أن لا يخشى المؤمن إلا الله، لأن قدرته أتم وعقابه أشدّ بل لا قدرة إلا له ولا يكون إلا ما يريد.

وفي الفاء نوع من تعليل لأن الاستفهام في معنى النهي كأنه قيل: لا تخشوهم لأن الله أحق بالخشية وأحرى بالطاعة، وفيه نوع مجازاة كأنه قيل: إن صح أنكم مؤمنون فلا تخشوا إلا الله.

ثم زاد في تأكيد الأمر بالقتال فقال ﴿ قاتلوهم ﴾ ورتب عليه خمس نتائج: الأولى: قوله ﴿ يعذبهم الله بأيديكم ﴾ أي القتل والأسر واغتنام الأموال، وهذا لا ينافي ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم  ﴾ لأنه أراد هناك عذاب الاستئصال.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن الذي يدخل في الوجود من الأفعال كلها من الله يظهرها على أيدي العباد.

واعترض الجبائي بأنه لو كان كذلك لجاز أن يقال: كذب الله أنبياءه على لسان الكفرة.

وأجيب بأن الأمر كذلك عندنا إلا أنا لا نقوله رعاية للأدب كما لا يقال يا خالق الخنافس والحشرات.

وكما أنكم لا تقولون يا مسهل أسباب الزنا واللواط ويا دافع الموانع عنها.

الثانية: ﴿ ويخزهم ﴾ قيل: هو الأسر وقيل: المراد ما نزل بهم من الذل والهوان حين شاهدوا أنفسهم مقهورين في أيدي المؤمنين وهو قريب من الأول.

أو هو هو.

وقيل: هو عذاب الآخرة.

الثالثة: ﴿ وينصركم عليهم ﴾ أورد عليه أن النصر يستتبعه إخزاء الخصم فأي حاجة إلى إفراده بالذكر؟

والجواب أن المغايرة كافية في إفراد كل من المتلازمين بالذكر على أنه من المحتمل أن يحصل لهم الخزي من جهة المؤمنين إلا أن المؤمنين يحصل لهم آفة لسبب آخر، فلما وعدهم النصر على الإطلاق زال ذلك الاحتمال.

الرابعة: ﴿ ويشف صدور قوم مؤمنين ﴾ هم خزاعة.

وعن ابن عباس: بطون من اليمن وسبأ، قدموا مكة فأسلموا فلقوا من أهلها أذى شديداً فبعثوا إلى رسول الله  يشكون إليه فقال: أبشروا فإن الفرج قريب.

الخامسة: ﴿ ويذهب غيظ قلوبهم ﴾ قيل: شفاء الصدر وإذهاب غيظ القلب كلاهما بمعنى فيكون تكراراً.

والجواب أن القلب أخص من الصدر كقوله: يا دار ميَّة بالعلياء فالسند *** أو شفاء الصدر إشارة إلى الوعد بالفتح، ولا ريب أن الانتظار شاق وإن كان مع الثقة بالموعود فإذهاب غيظ القلب إشارة إلى الفتح وقد حصل الله لهم هذه المواعيد كلها وكان ذلك دليلاً على صدق النبي  وإعجازه.

ثم قال ﴿ ويتوب الله على من يشاء ﴾ وهو ابتداء كلام للإخبار بأن بعض أهل مكة يتوب عن كفره وقد وقع، فقد أسلم ناس منهم وحسن إسلامهم.

وقرىء ﴿ ويتوب ﴾ بالنصب بإضمار "أن" ودخول التوبة في جملة ما أجيب به الأمر من طريق المعنى كقوله ﴿ فأصدق وأكن  ﴾ أما أن التوبة كيف تقع جزاء للمقاتلة فذلك من قبل الكفرة واضح فإن القتال قد يصير سبباً لتوبة بعضهم عن الكفر، وأما من جهة المؤمنين فلعل القتال كان شاقاً على بعضهم فإذا أقدم عليه صار ذلك العمل جارياً مجرى التوبة عن تلك الكراهة.

وأيضاً إن حصول النصر والظفر إنعام عظيم والعبد إذا شاهد توالي النعم لم يبعد أن يصير ذلك داعياً له إلى أن يتوب عن جميع الذنوب وقد تصير كثرة المال والجاه سبباً لتحصيل اللذات بالطريق الحلال فينتهي عن الحرام.

وأيضاً الإنسان حريص على ما منع فإذا انفتحت عليه أبواب الخيرات الدنيوية فربما يصير ذلك سبباً لانقباضه عن الدنيا وإعراضه عنها وهذا هو أحد الوجوه التي ذكروها في تفسير قوله  حكاية عن سليمان ﴿ رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي  ﴾ يعني بعد حصول هذا الملك لا ينبغي للنفس الاشتغال بالدنيا ﴿ والله عليم ﴾ بكل ما يجري في ملكه وملكوته ﴿ حكيم ﴾ مصيب في أفعاله وأقواله وأحكامه وتدابيره.

عن ابن عباس أن قوله ﴿ ألا تقاتلون ﴾ الآية.

ترغيب في فتح مكة لأن النتائج المذكورة مشاكلة لتلك الأحوال.

واستبعده الحسن لأن هذه السورة نزلت بعد فتح مكة بسنة.

ثم بين أنه ليس الغرض من إيجاب القتال نفس القتال وإنما المقصود أن يؤتى به انقياداً لأمر الله ولتكاليفه ليظهر المخلص من المنافق فقال ﴿ أم حسبتم ﴾ الآية.

وقد مرّ وجه إعرابه في آل عمران عند قوله ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا  ﴾ .

وقوله ﴿ ولم يتخذوا ﴾ معطوف على ﴿ جاهدوا ﴾ داخل في حيز الصلة.

والوليجة لبطانة يعني الحبيب الخالص "فعيلة" من ولج كالدخيلة من دخل، أو هو الرجل يكون في القوم وليس منهم.

قال الواحدي: يقال هو وليجتي وهم وليجتي يستوي فيه الواحد والجمع.

ومعنى الآية لا تحسبوا أن تتركوا على ما أنتم عليه ولم يظهر بعد معلوم الله من تميز المجاهدين المنافقين من المجاهدين الخلص الذين جاهدوا لوجه الله ولم يتخذوا حبيباً من الذين يضادون رسول الله والمؤمنين.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ ليعلموا أنه لم يزل عالماً بالأشياء لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء فيجدّوا في استقامة السيرة ويجتهدوا في نقاء السريرة.

التأويل: ﴿ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم ﴾ من النفوس المشركة التي اتخذت الهوى وصنم الدنيا معبوداً فهادنها الروح والقلب في أوان الطفولية لاستكمال القالب وتربيته ﴿ فسيحوا ﴾ في أرض البشرية ﴿ أربعة أشهر ﴾ هي مدة كمال الأوصاف الأربعة: النباتية والحيوانية والشيطانية والإنسانية ﴿ وأذان من الله ورسوله ﴾ إلى الصفات الناسوتية ﴿ يوم الحج الأكبر ﴾ يوم الوصول إلى كعبة الجمال والحج الأصغر الوصول إلى كعبة القلب إن زيارة كعبة الوصال حرام على مشركي الصفات الناسوتية ﴿ فإن تبتم ﴾ عن الناسوتية بإفنائها في اللاهوتية ﴿ فهو خير لكم ﴾ من قيامكم بالناسوت ﴿ وإن توليتم ﴾ ركنتم إلى غير الله ﴿ فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ عن التصرف فيكم.

أما لأهل السعادة فبالجذبات الأزلية، وأما لأهل الشقاوة فبأليم عذاب القطيعة ﴿ إلا الذين عاهدتم ﴾ أيها القلوب والأرواح من مشركي النفوس على التوافق في العبودية ﴿ ثم لم ينقصوكم ﴾ شيئاً من وظائف الشريعة ﴿ ولم يظاهروا عليكم أحداً ﴾ من الشيطان والدنيا ﴿ فأتموا إليهم عهدهم ﴾ بالمداراة والرفق إلى أوان طلوع قمر العناية ونجم الجذبة والهداية.

﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ استكملت مدة التربية تمام الأوصاف الأربعة ﴿ فاقتلوا ﴾ النفوس المشركة بسيف النهي عن الشهوات ﴿ حيث وجتموهم ﴾ في الطاعة بأن تكلفوها إياها وفي المعصية بأن تزجروها عنها ﴿ وخذوهم ﴾ بآداب الطريقة ﴿ واحصروهم ﴾ احبسوهم في حصار الحقيقة ﴿ واقعدوا لهم كل مرصد ﴾ راقبوهم في الأحوال كلها ﴿ فإن تابوا ﴾ رجعوا إلى طلب الحق ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ أدّوا حق العبودية ﴿ وآتوا الزكاة ﴾ تزكت عن الأخلاق الذميمة ﴿ فخلوا سبيلهم ﴾ اتركوا التشديد عليهم بالرياضات ليعملوا بالشريعة بعد الوصول إلى الحقيقة فإن النهاية هي الرجوع إلى البداية ﴿ وإن أحد ﴾ من مشركي صفات النفس ﴿ استجارك ﴾ يا قلب لترك ما هو المخصوص به من الصفات الذميمة ﴿ فأجره حتى يسمع كلام الله ﴾ حتى يلهم بإلهام ﴿ ثم أبلغه مأمنه ﴾ وهو وارد الجذبة الإلهية، وإن الجذبة إذا تعلقت بصفة من صفات النفس تنجذب النفس بجميع صفاتها ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ﴾ الله وأسراره فلا يميلون إليه ويعلمون الدنيا وشهواتها فيركنون إليها.

﴿ كيف يكون ﴾ لمشركي النفوس ثبات على العهد وقد جبلت ميالة إلى السفليات وغايتها بعد إصلاح حالها أن تميل إلى نعيم الجنات ﴿ إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ﴾ وهو مقام الوصول المحرم على أهل الدنيا وهو مقام أهل الله وخاصته، الذين تنورت نفوسهم بأنوار الجمال والجلال فيثبتها الله على العهد بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴿ فما استقاموا لكم ﴾ على الصراط المستقيم ﴿ فاستقيموا لهم ﴾ بشرحها في متسع رياض الشريعة ﴿ ولا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ﴾ لا يحفظوا حقوق الجنسية فإن الأرواح والقلوب والنفوس مزدوجة في عالمي الأمر والخلق ﴿ يرضونكم ﴾ بالأعمال الظاهرة ﴿ وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون ﴾ فيما يعملون خارجون عن الصدق والإخلاص ﴿ اشتروا ﴾ بدلالات توصلهم إلى الله ﴿ ثمناً قليلاً ﴾ من متاع الدنيا ومصالحها ﴿ فصدّوا عن سبيله ﴾ قطعوا طريق الحق على الأرواح والقلوب ﴿ فإخوانكم في الدين ﴾ رفقاؤكم في طلب الحق فارعوا حقوقهم فإن لنفسك عليك حقاً.

﴿ لقوم يعلمون ﴾ أن السير إلى الله من أعظم المقامات وأهم المهمات ﴿ وطعنوا في دينكم ﴾ أنكروا مذهب السلوك ﴿ أئمة الكفر ﴾ النفوس ﴿ وهموا بإخراج الرسول ﴾ يعني الواردات الغيبية بانسداد روزنة القلب ﴿ أول مرّة ﴾ في أوان الطفولية.

﴿ أتخشونهم ﴾ في فوات حظوظهم ﴿ فالله أحق أن تخشوه ﴾ بفوات حقوقها.

﴿ ويذهب غيظ قلوبهم ﴾ يعني وحشة الأرواح والقلوب وكدورتها ﴿ ويتوب الله على من يشاء ﴾ بالرجوع إلى الحق قبل التمادي في الباطل من غير حاجة إلى رياضة شديدة ﴿ والله عليم ﴾ باستعدادات النفوس ﴿ حكيم ﴾ فيما يدبر لكل منها.

﴿ أم حسبتم ﴾ أيها النفوس الأمارة ﴿ أن تتركوا ﴾ بلا رياضة ﴿ وليجة ﴾ أولياء من الشيطان والدنيا والهوى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ وقد قال: ﴿ فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ الآية [التوبة: 5]، فأمر بالآية الأولى عند الوجود [بالإجارة]، وفي هذه بالقتل والأسر، وأمر في الأولى بتبليغه مأمنه، وفي هذه بأن يقعد له كل مرصد، وحال هذه هي حال الأولى في رأي العين، ويتهيأ له في كل وقت يظفر به أن يستجير؛ لما ذكر، وفي كل حال يرصد له أن يحتال ليرد إلى مأمنه، وفي ذلك زوال القيام بما في إحدى الآيتين في الظاهر، فألزم ذلك طلب المعنى الموفق بين الأمرين من طريق التأمل بالأسباب التي هي تدل على حق المعاملة بالآيتين جميعاً.

فقال أصحابنا: إنه إذا قصد نحو مأمن أهل الإسلام غير مظهر أعلام الحرب، ولا بما يدل أنه على ذلك مجيئه؛ بل يمشي مشي من ينقلب لحاجة، ومن يتعاهد ومن ينادي إليه بالاستجارة - فيجار.

ولو كان مقبلا نحو مأمننا، كالطالب لأحد، عليه أعلام الحرب، لكنه كالغافل عن الذين يرصدون له أو الذين لهم منعة ولا قوة به - فلا يقبل قوله، وذلك على تسليم الأمر الغالب من الأحوال؛ إذ لا وجه لعلم الحقيقة في ذلك، وعلى ذلك عامة الأمور بين أهل الدارين، وما ذكرت عن الآية في لزوم ذلك الاعتبار؛ إذ لا وجه له غيره هو دليله، والله أعلم.

ثم دل قوله: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ ﴾ بعد العلم بأنه من مأمنه لا يقدر على الاستجارة لبعد [مأمن كل من] مأمن الآخر، ثم لا يكون مأمن الفريقين في إحدى الدارين؛ لما كان تحقيق أمن كل فريق منهما نفي أمن الآخر؛ إذ به خوفه؛ فثبت أنه قد يؤذن له بالخروج للاستجارة من مأمنه والدخول في مأمن المسلمين إلى أن يبلغوا مساكنهم فيستجيروا؛ فلذلك لا يوجب ذلك الوجود حق الأسر ولا القتل، ويجب رده لو لم يجر، ولم يسع تعرضه لشيء من ذلك.

ثم قوله: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ ﴾ من غير أن يبين استجارته لماذا، يحتمل أن يكون ترك بيانه؛ لما في الجواب ذلك بقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ ، وذلك كقوله: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ  ﴾ أنه في الجواب بيان ما استفتوا.

ويحتمل أن يكون ذلك لازم أن يسمع كلام الله بمعنى حجته لأي وجه دخل بأمان.

وذلك قريب؛ لأنا أمرنا بالتضييق عليهم ليسلموا، فإذا أبحنا لهم الدخول للحاجات بلا غرض، تذهب منفعة التضييق، فيكون المقصود بالعهد لما يرون من آثار الإسلام، وحسن رعاية أهل الإسلام، ويسمعون حججه وما به ظهور الحق فيه، رجاء أن يجيبوا، فلذلك يؤذنون، وإن كان في ذلك قضاء حاجاتهم.

وقد روي عن نبي الله  أنه لم يكن يقاتل حتى يدعو؛ إلى الإسلام، فيما قد كان دعاهم غير مرة، فذلك المعنى عند الأمان أولى، والله أعلم.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ فالأصل أن حقيقة الكلام لا تسمع بالكلام نفسه؛ إذ الذي يؤدي حروف الكلام بما يقلب الحروف ويؤلفه ولا صوت له يسمع؛ نحو اللسان والشفة، ونحو ذلك، وإنما يسمع بصوت يهيج من حيث الجارحة التي [يتكلم وقوله]، فيبلغ كلامه أو حروف كلامه المسامع، فالسمع يقع على الصوت الذي به يدرك الكلام ويفهم، فصار سمع الكلام في الأصل مجازاً لا حقيقة؛ فعلى ذلك ما قيل من سماع كلام الله.

ثم هو يخرج على وجوه: أحدها: أن يسمع المعنى الذي جعل له الكلام وهو الأمر، والنهي، والتحريم والتحليل، ونحو ذلك، وذلك مما ينسب إلى الله، فقيل بذلك كلام الله؛ لما إليه ينسب إلى الأمر به والنهي، ونحو ذلك.

والوجه الثاني: أن يكون [الله] ألفه ونظمه على ما أعجز خلقه عن مثله، فينسب إليه بما منه تأليفه على ما هو عليه، وإن كان مسموعاً من غيره؛ على ما تنسب القصائد إلى مبدعيها، والكتب إلى مؤلفيها، والأقاويل إلى الأوائل التي منهم ظهرت، وإن لم يكن الذي يقوله في الحقيقة قوله أو كلامه بما كان منه البداء الذي عليه يتكلم؛ فمثله معنى قوله: "حتى يسمع كلام الله".

والثالث: أن يكون ذلك؛ لما بكلامه يعبر، وبه يوصف أن له كلاماً، وبه يرجع إلى ذلك، وإن كان الله -  - يجل عن الوصف لكلامه بالحروف، والهجاء، والأبعاض، ونحو ذلك، فلما كان إليه المرجع، وإن كان حد ذلك غير متوهم هنالك ولا متصور، فنسب إليه؛ كما قال الله -  - ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ  ﴾ وقال: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ  ﴾ من غير توهم كلية العالم في ذلك التراب أو النفس الواحدة؛ لما إليه مرجع الكل نسب إليه؛ فعلى ذلك أمر الكلام، وذلك على ما قيل من لقاء الله والمرجع إلى الله والمصير بما لا تدبير لأحد هنالك ذكر المصير إليه؛ لأن لذلك من صيرورة إليه - في الحقيقة - ورجوع لم يكن من قبل، فمثله لما قيل: كلام الله.

ثم الله -  - يجل عن التصوير في الأوهام أو التقدير في العقول [فعلى ذلك صفته بل ذلك أحق وأولى، إذ نجد صفات الخلق لا تحد ولا تصور في الأوهام ولا تقدر بها العقول]، إلا من طريق القول بالحقيقة على ما هن أغيار لهم، فالله -  - المتعالي عن التصور في الأوهام ووصفه بالعلم، والكلام، ونحو ذلك، أحق في إبطال توهم ذلك، [فتدبر] فيه.

وقال [الثلجي]: يقال: كلام الله، على الموافقة، لا على الحقيقة؛ كما يقال: ذا قول فلان، وكلام فلان، وليس غيره كلام المتكلم به، فالقائل الشاهد.

وقال أبو بكر: فهذا يدل على أن كلام الله يسمع من وجوه؛ فكأنه يذهب إلى مثل ما يقال: يعرف الله من وجوه، على تحقيق الوجوه، فمثله كلامه والله [أعلم] من غير توهم المعنى الذي به يعرف عن الله -  - كذلك سماع كلامه.

وفي قوله: ﴿ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾ دلالة أنه لم يقبل ما سمع وعرض عليه؛ إذ لو قبل لكان يكون مأمنه هذه الدار، لا تلك، ولكان يحق عليه الخروج منها، لا العود إليها.

ثم معلوم أن كلام الله هو حجته، وأن الحجة قد لزمته؛ لوجهين: أحدهما: ما ظهر عجز الخلق عن مثله، وانتشر الخبر في الآفاق على قطع طمع المقابلين لرسول الله بالرد، الباذلين مهجهم وما حوته أيديهم في إطفاء نوره، فكان ذلك حجة بينة لزمتهم.

والثاني: أن جميع ما يتلى منه لا يؤتى عن آيات إلا وفيها مما يشهد العقول على قصور أفهام الخلق عن بلوغ مثله من الحكمة وعجيب ما فيه من الحجة؛ مما لو قوبل بما فيه من المعنى وما يحدث به من الفائدة، ليعلم أن ذلك من كلام من يعلم الغيب، ولا يخفى عليه شيء، وإذا كان كذلك صار هو بالرد مكابراً، وحق مثله الزجر والتأديب أنه لم يفعل [لما لم يكن] يضمن أمانة القبول، ولا [أن] يعارضه بالرد، وذلك أعظم مما فيه الحدود، فالحد أحق ألا يقام عليه، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يدعه ولا يمنعه عن العود إلى مأمنه؛ ليعلم أن حكم تلك الدار لم يزل عنه، وأنه لا تلزم الجزية إلا عن طوع أو دلالة عليه.

والثاني: أن يكون عليه حفظه إلى أن يبلغه مأمنه بدفع المسلمين عنه، وفي ذلك لزوم حق الأمان الجميع بإجازة [بعض]، وعلى ذلك كل مسلم.

ثم سماع كلام الله يخرج على القرآن، وفيه ما ذكرت من الدلالة، وعلى سماع أوامر الله ونواهيه في حق الفرض عليه، وعلى سماع حجج النبوة وآيات الرسالة والتوحيد من القرآن، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ ﴾ .

أي: ما لهم وما عليهم.

ويحتمل نفي العلم: بما لم ينتفعوا بما علموا.

ويحتمل ذلك تعليم [من] مع رسول الله كيفية معاملة الكفرة؛ إذ هم لم يكونوا يعلمون من قبل، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ ﴾ .

هو - والله أعلم - أن كيف يستحقون العهد، وكيف يُعْطَى لهم العهد، وقد نقضوا العهود التي بينهم وبين ربهم وبين رسول الله؟!

فأما العهود التي بينهم وبين ربهم فهي عهد الخلقة؛ إذ في خلقة كل أحد الشهادة على وحدانية الله وألوهيته، والشهادة على الرسالة.

وما عهد إليهم في كتبهم من إظهار صفة محمد ونعته للخلق، فنقضوا ذلك كله ونقضوا العهود التي بينهم وبين رسول الله ولم يحفظوها؛ يقول - والله أعلم -: كيف يستحقون أن يُعْطَى العهد لهم، وقد نقضوا العهد الذي عهد الله إليهم والعهود التي أعطاهم رسول الله؟!

لا يستحقون ذلك، إلا أن الله - عز وجل - بفضله وإحسانه أذن أن يعطي لهم العهود: ﴿ فَمَا ٱسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ ﴾ ، أي: أوفوا لهم العهد إذا أوفوا لكم وإن انقضت المدة؛ يقول - والله أعلم -: إذا استقاموا لكم في وفاء العهد، فاستقيموا لهم في وفائه، وإن انقضت المدة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ .

استثنى الذين عاهدوا عند المسجد الحرام، يحتمل ألا يعطى العهد إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام.

ويحتمل قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ ﴾ ، فإنهم [إن وفوا لكم فأوفوا لهم] ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ إن الله يحب من اتقى الشرك واتقى كل جور وظلم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ يقول: كيف تعطون لهم العهد وكيف يستحقون العهد، ولو ظهروا عليكم لا يرقبون فيكم إلاًّ ولا ذمة؟!

وقال بعضهم: وكيف لا تقاتلونهم ﴿ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ ، قال: الإل: الله، والذمة: العهد.

وقيل: الإل: القرابة.

وقيل: الإل: العهد، والذمة، وكذلك ذكر في حرف حفصة: (لا يرقبوا فيكم عهدا ولا ذمة).

وقال القتبي: الإل: العهد.

قال: ويقال: القرابة.

وقال أبو عوسجة: الإل: القرابة.

وقال أبو عبيدة: الإل: العهد، والذمة: التذمم.

وقال ابن عباس: الإل: الله، بمنزلة جبريل، تفسيره: عبد الله؛ لما قيل: جبريل هو عبد الله.

وقيل: الإل: الحرم؛ يقول: كيف تعطونهم العهد وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم القرابة ولا العهد، ولا يرقبوا الحرم فيكم؟!

وقد كانوا يحفظون فيما بينهم القرابة والرحم حتى يعاون بعضهم بعضاً ويناصر، إذا وقع بين قرابتهم ورحمهم وبين قوم آخرين مباغضة وعداوة، وكانوا يرقبون حرم الله حتى لا يقاتلون في الأشهر الحرم وعند المسجد الحرام، وكانوا يحفظون العهود فيما بينهم من قبل، ولا يرقبونها فيكم ولا يحفظونها.

هذا - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ ، وقد كانوا يرقبون من قبل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ .

بأنهم يوفون العهد ويحفظونه.

﴿ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ ﴾ إلا النقض.

وقوله: ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ في نقض العهد.

والفسق: هو الخروج عن أمر الله؛ كقوله: ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل: حججه وبراهينه.

ويحتمل: آيات القرآن ومحمد.

ويحتمل: آياته: دينه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ ﴾ .

أي: صدوا الناس عن متابعة النبي.

وقيل: صدوا الناس عن دين الله الإسلام.

﴿ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

أي: بئس ما عملوا بصدهم الناس عن دين الإسلام ومتابعة محمد  ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ هذا قد ذكرناه.

﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ ﴾ .

في نقض العهد، والاعتداء: هو المجاوزة عن الحد الذي جعل لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: انظروا إلى كرم ربكم وجوده، قوم قد افتروا على الله كذباً، وكذبوا رسول الله، وهموا بقتله وإخراجه من بين أظهرهم، وطعنوا في دينهم، وعملوا كل بلية من نصب الحروب والقتال فيما بينهم، ثم إنه وعدهم التوبة والمغفرة والتجاوز عما كان منهم بقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ وجعل فيما بينهم الأخوة والمودة بقوله: ﴿ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً  ﴾ وقال: ﴿ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً  ﴾ وغير ذلك من الآيات، وفيه أن من كان له بمكان آخر ذنب أو جفاء، فإذا رجع عن ذلك وتاب لزمه أن يتجاوز عنه وألا يذكر بعد ذلك ما كان منه من الذنب؛ على ما جعل الله فيما بين هؤلاء الأخوة والمودة إذا تابوا، وقال: ﴿ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ وقد كان منهم ما كان، ومن حق الأخوة ألا يذكر ما كان منهم من المساوئ.

ثم قوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ ﴾ من الشرك وما كان منهم.

وقوله: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ وجهين: الأول: يحتمل: الصلاة المعروفة والزكاة المعروفة، زكاة المال، وهو ما ذكرنا فيما تقدم من الإقرار بهما والاعتقاد والقبول لذلك دون فعلهما، وهو في الكبراء والقادة الذين كانوا يأنفون عن الخضوع لأحد، ولا يؤتون الزكاة، ولا يتصدقون؛ لما ظنوا أنهم يخلدون في الدنيا؛ إشفاقاً على أنفسهم.

والثاني: يحتمل أن يكون المراد من الصلاة: الخضوع والخشوع، لا الصلاة المعروفة، والمراد من الزكاة زكاة النفس وإصلاحها، فإن كان هذا فهو لازم في الأوقات كلها، ما من وقت إلا وله على كل أحد الخضوع [له] والخشوع له، ويزكي نفسه ويصلحها، وهو كقوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَنُفَصِّلُ ٱلأيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: نبين الآيات لقوم يعلمون ينتفعون بعلمهم.

ويحتمل: ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: لقوم إذا نظروا فيها وتدبروا يعلمون لا لقوم لا يعلمون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ ﴾ [قوله: أيمانهم: العهود نفسها كقوله: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا  ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ ﴾ \[أيمانهم\] أيماناً يحلفونها بعد إعطاء العهد توكيداً؛ لئلا ينقضوا العهد إذ عادتهم نقض العهد ونكثه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ ﴾ \[طعنهم\] في الدين ظاهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ ﴾ .

أي: أئمة الكفرة، وتخصيص الأمر بمقاتلة الأئمة؛ لما أن الأتباع أبداً يقلدون الأئمة، ويصدرون عن آرائهم وتدبيرهم، فإذا قاتلوهم اتبع الأتباع لهم.

والثاني: لنفي الشبه أي: ليس الأئمة منهم كأصحاب الصوامع، وإن كانوا هم أئمة في العبادة، فلا تترك مقاتلتهم؛ كما تترك مقاتلة أصحاب الصوامع؛ [لأن أصحاب الصوامع] قد عزلوا أنفسهم عن الناس وعن جميع المنافع، وحبسوها للعبادة، والأئمة ليسوا كذلك.

والثالث: خصّ الأئمة بالقتال؛ لأنهم إذا قتلوهم لم يبق لهم إمام في الكفر، فيذهب الكفر رأساً، وهو كقوله: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ...

﴾ الآية [الأنفال: 39].

[وقوله]: ﴿ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ .

يحتمل: ﴿ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ أي: لا عهد لهم بعد نقضهم العهد، أي: لا توفوا لهم العهد الذي كان لهم إذا نقضوا.

ويحتمل: ﴿ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ أي: لا يعطي لهم العهد [مبتدأً بعدما نقضوا العهد؛ لأنهم اعتادوا نقض العهد.

والثاني: قال ذلك في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون] أبداً.

وفيه لغة أخرى: ﴿ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ ، بكسر الألف: ﴿ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ أي: لا يؤمنون أبداً [فإن كان كذلك وذلك في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً].

وفائدة قوله: ﴿ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ تخرج على وجهين: أحدهما: أن أهل العهد إذا نقضوا العهد ينقض ذلك، ويتركون على النقض، ويقاتلون بعد النقض، وليس كأهل الذمة إذا نقضوا الذمة لا يتركون على ذلك، ولكن يردون إلى الذمة ولا تنقض الذمة [فيما] بينهم.

وقال الحسن: قوله: ﴿ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ ﴾ يقول: لا تصديق لهم.

وقوله: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ﴾ .

عن نقض العهد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ ﴾ أي: كيف لا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم، وأيمانهم ما ذكرنا، وهو حرف الإغراء على مقاتلة من اعتقد نقض العهود والتحريش عليهم ﴿ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ ﴾ : القتل، أي: هموا بقتله، وفي القتل إخراجه.

أو هو إخراجه من المدينة، على ما ذكر في بعض القصة: أن اليهود قالوا لرسول الله: إن مكان الأنبياء والرسل بيت المقدس، لا المدينة، فانتقل إليه.

وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ لأنه معلوم أنهم أسروا في أنفسهم وفيما بينهم إخراجه وقتله، لا أنهم أظهروا ذلك، ثم أخبرهم بذلك، دل أنهم إنما علموا أنه إنما عرف ذلك بالله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ في نقض العهد، أي: هم بدءوكم بنقض العهد.

ويحتمل: بدءوكم بالقتال أول مرة والإخراج.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ ﴾ أي: لا تخشوهم واخشوا الله؛ فإنهم لا يقدرون أن تصل إليكم نكبة إلا بإقدار الله إياهم، فلا تخشوهم واخشوا الله.

ويحتمل قوله: ﴿ أَتَخْشَوْنَهُمْ ﴾ فالله القادر بنصركم وبقهر عدوكم ﴿ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ ﴾ : إذ هو القادر على منعهم عنكم ونصركم عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ ﴾ الآية.

علم الله - عز وجل - كراهة القتل وثقله على الخلق، فأمر المؤمنين بمقاتلة الكفرة، ووعدهم النصر.

والتعذيب بأيديهم: يحتمل وجهين: الأول: يحتمل: القتل والإهلاك.

والثاني: يحتمل الأسر والسبي.

﴿ وَيُخْزِهِمْ ﴾ يحتمل أيضاً وجهين: الأول: يحتمل: الهزيمة والإذلال.

والثاني: يحتمل قوله: ﴿ وَيُخْزِهِمْ ﴾ : في الآخرة؛ كقوله: ﴿ رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ  ﴾ ، الخزي: العذاب الذي فيه الفضيحة والذلة.

وفي قوله: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة؛ لقولهم: إنه لا قدرة لله على أفعال الخلق، وقد أخبر أنه يعذبهم بأيديهم، ولو كان غير قادر على أفعالهم، كان يعذبهم بيده لا بأيديهم.

﴿ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ﴾ .

وعدهم النصر عليهم والظفر وخزي الكفرة، وهو ما ذكر: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا  ﴾ [وكذلك في قوله: ﴿ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ﴾ ] دلالة نقض قولهم [أيضا،] لأنه أخبر أنهم يصيبهم العذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين؛ كما ذكرناه.

[و] قوله: ﴿ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

يحتمل أن تكون قلوبهم توجعت وتألمت بكفرهم بالله وتكذيبهم الرسول، فوعدهم شفاء صدورهم، وذلك يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم يسلمون، فيصيرون إخواناً، فيدخل فيهم السرور والفرح بإزاء ما حزنوا وتألموا، وذلك شفاء صدورهم.

والثاني: يشف صدورهم بالقتل والهزيمة، يقتلون ويهزمون، ففي ذلك شفاء صدورهم، لما تألمت وتوجعت بالتكذيب والكفر بالله وآياته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ﴾ هذا يحتمل - أيضاً - وجهين: يذهب الغيظ الذي كان في قلوبهم [بتكذيبهم رسول الله وكفرهم بآيات الله بإسلامهم يسلمون فيكونون إخواناً.

أو يقتلون ويهلكون فيذهب عنهم الغضب الذي كانوا] غضبوا عليهم بالذي ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ﴾ أي: من شاء عذب، ومن شاء تاب عليه.

وفي الآية دلالة [الرد] على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: شاء أن يتوب على جميع الكفرة، لكنهم لا يتوبون، فأخبر أنه يعذب بعضاً ويتوب على بعض، فإنما شاء أن يعذب غير الذي شاء أن يتوب [عليه وشاء أن يتوب على] غير الذي شاء أن يعذبه.

﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ .

بما كان ويكون، أي: عن علم بما كان منهم خلقهم، لا عن جهل؛ إذ خلقه إياهم ليس لمنافع نفسه وحاجته، إنما خلقهم لحاجتهم ومنافعهم ﴿ حَكِيمٌ ﴾ وضع كل شيء موضعه.

ويحتمل: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : بما كان من هؤلاء من التكذيب لرسول الله والكفر بآياته، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ أي: فيما جعل عليهم من القتل والتعذيب والخزي كأنه وضع الشيء موضعه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لا يصح أن يكون للمشركين بالله عهد وأمان عند الله وعند رسوله إلا عهد أولئك المشركين الذين عاهدتموهم -أيها المسلمون- عند المسجد الحرام في صلح الحديبية، فما أقاموا لكم على العهد الذي بينكم وبينهم ولم ينقضوه فأقيموا أنتم عليه ولا تنقضوه، إن الله يحب المتقين من عباده الذين يمتثلون أوامره، ويجتنبون نواهيه.

<div class="verse-tafsir" id="91.6xa1N"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله