الآية ٧١ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٧١ من سورة التوبة

وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ ٧١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 73 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧١ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧١ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما ذكر [ الله ] تعالى صفات المنافقين الذميمة ، عطف بذكر صفات المؤمنين المحمودة ، فقال : ( بعضهم أولياء بعض ) أي : يتناصرون ويتعاضدون ، كما جاء في الصحيح : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه وفي الصحيح أيضا : مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم ، كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر .

وقوله : ( يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) كما قال تعالى : ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) [ آل عمران : 104 ] .

وقوله تعالى : ( ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ) أي : يطيعون الله ويحسنون إلى خلقه ، ( ويطيعون الله ورسوله ) أي : فيما أمر ، وترك ما عنه زجر ، ( أولئك سيرحمهم الله ) أي : سيرحم الله من اتصف بهذه الصفات ، ( إن الله عزيز حكيم ) أي : عزيز ، من أطاعه أعزه ، فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ، ( حكيم ) في قسمته هذه الصفات لهؤلاء ، وتخصيصه المنافقين بصفاتهم المتقدمة ، فإن له الحكمة في جميع ما يفعله تبارك وتعالى .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأما " المؤمنون والمؤمنات ", وهم المصدقون بالله ورسوله وآيات كتابه, فإن صفتهم: أن بعضهم أنصارُ بعض وأعوانهم (14) =(يأمرون بالمعروف)، يقول: يأمرون الناس بالإيمان بالله ورسوله, وبما جاء به من عند الله، (15) = [(وينهون عن المنكر) ...

] (16) =(ويقيمون الصلاة)، يقول: ويؤدُّون الصلاة المفروضة (17) =(ويؤتون الزكاة)، يقول: ويعطون الزكاة المفروضةَ أهلَها (18) =(ويطيعون الله ورسوله)، فيأتمرون لأمر الله ورسوله، وينتهون عما نهياهم عنه =(أولئك سيرحمهم الله)، يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم، الذين سيرحمهم الله, فينقذهم من عذابه، ويدخلهم جنته, لا أهل النفاق والتكذيب بالله ورسوله, الناهون عن المعروف, الآمرون بالمنكر, القابضون أيديهم عن أداء حقّ الله من أموالهم =(إن الله عزيز حكيم)، يقول: إن الله ذو عزة في انتقامه ممن انتقم من خلقه على معصيته وكفره به, لا يمنعه من الانتقام منه مانع، ولا ينصره منه ناصر =(حكيم)، في انتقامه منهم، وفي جميع أفعاله.

(19) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 16938- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية قال: كل ما ذكره الله في القرآن من " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ", فـ " الأمر بالمعروف "، دعاء من الشرك إلى الإسلام = و " النهي عن المنكر "، النهي عن عبادة الأوثان والشياطين.

16939-......

قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (يقيمون الصلاة)، قال: الصلوات الخمس.

-------------------- الهوامش : (14) انظر تفسير " الأولياء " فيما سلف من فهارس اللغة (ولي).

(15) انظر تفسير " المعروف " فيما سلف ص : 338 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(16) ما بين القوسين زدته استظهارًا ، وهو تمام الآية ، أخل به الناسخ، وأسقط تفسيره، كما هو بين من سياق أبي جعفر في تفسيره.

انظر تفسير "المنكر" فيما سلف ص : 338، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.

(17) انظر تفسير " إقامة الصلاة " فيما سلف من فهارس اللغة (قوم).

(18) انظر تفسير " إيتاء الزكاة " فيما سلف من فهارس اللغة (أتى).

(19) انظر تفسير "عزيز"، و "حكيم"، فيما سلف من فهارس اللغة (عزز) ، (حكم).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيمفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى بعضهم أولياء بعض أي قلوبهم متحدة في التواد والتحاب والتعاطف .

وقال في المنافقين بعضهم من بعض لأن قلوبهم مختلفة ولكن يضم بعضهم إلى بعض في الحكم .الثانية : قوله تعالى يأمرون بالمعروف أي بعبادة الله تعالى وتوحيده ، وكل ما أتبع ذلك .وينهون عن المنكر عن عبادة الأوثان وكل ما أتبع ذلك .

وذكر الطبري عن أبي العالية أنه قال : كل ما ذكر الله في القرآن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو النهي عن عبادة الأوثان والشياطين .

وقد مضى القول في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في سورة ( المائدة ) و ( آل عمران ) والحمد لله .الثالثة : قوله تعالى ويقيمون الصلاة تقدم في أول البقرة القول فيه .

وقال ابن عباس : هي الصلوات الخمس ، وبحسب هذا تكون الزكاة هنا المفروضة .

ابن عطية : والمدح عندي بالنوافل أبلغ ; إذ من يقيم النوافل أحرى بإقامة الفرائض .الرابعة : قوله تعالى ويطيعون الله في الفرائض ورسوله فيما سن لهم .

والسين في قوله : سيرحمهم الله مدخلة في الوعد مهلة لتكون النفوس تتنعم برجائه ; وفضله تعالى زعيم بالإنجاز .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر أن المنافقين بعضهم أولياء بعض ذكر أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، ووصفهم بضد ما وصف به المنافقين، فقال‏:‏ ‏{‏وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ‏}‏ أي‏:‏ ذكورهم وإناثهم ‏{‏بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ‏}‏ في المحبة والموالاة، والانتماء والنصرة‏.‏ ‏{‏يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ‏}‏ وهو‏:‏ اسم جامع، لكل ما عرف حسنه، من العقائد الحسنة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة، وأول من يدخل في أمرهم أنفسهم، ‏{‏وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ‏}‏ وهو كل ما خالف المعروف وناقضه من العقائد الباطلة، والأعمال الخبيثة، والأخلاق الرذيلة‏.‏ ‏{‏وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ‏}‏ أي‏:‏ لا يزالون ملازمين لطاعة اللّه ورسوله على الدوام‏.‏ ‏{‏أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ‏}‏ أي‏:‏ يدخلهم في رحمته، ويشملهم بإحسانه‏.‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏}‏ أي‏:‏ قوي قاهر، ومع قوته فهو حكيم، يضع كل شيء موضعه اللائق به الذي يحمد على ما خلقه وأمر به‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) في الدين واتفاق الكلمة والعون والنصرة .

( يأمرون بالمعروف ) بالإيمان والطاعة والخير ، ( وينهون عن المنكر ) عن الشرك والمعصية وما لا يعرف في الشرع ، ( ويقيمون الصلاة ) المفروضة ، ( ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز» لا يعجزه شيء عن إنجاز وعده ووعيده «حكيم» لا يضع شيئا إلا في محله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والمؤمنون والمؤمنات بالله ورسوله بعضهم أنصار بعض، يأمرون الناس بالإيمان والعمل الصالح، وينهونهم عن الكفر والمعاصي، ويؤدون الصلاة، ويعطون الزكاة، ويطيعون الله ورسوله، وينتهون عما نُهوا عنه، أولئك سيرحمهم الله فينقذهم من عذابه ويدخلهم جنته.

إن الله عزيز في ملكه، حكيم في تشريعاته وأحكامه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قال الإِمام ابن كثير : لما ذكر - سبحانه - صفات المنافقين الذميمة ، عطف بذكر صفات المؤمنين المحمودة فقال : ( والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ) .أى : يتناصرون ويتعاضدون كما جاء فى الحديث الصحيح : " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا " وفى الصحيح - أيضا - : " مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر " .وقال - سبحانه - هنا ( بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ) بينما قال فى المنافقين ( بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ ) للإِشعار بأن المؤمنين فى تناصرهم وتعاضدهم وتراحمهم مدفعون بدافع العقيدة الدينية التى ألفت بين قلوبهم ، وجعلتهم أشبه ما يكون بالجسد الواحد ، أما المنافقون فى توجد بيهم هذه الروابط السامية ، وإنما الذى يوجد بينهم هو التقليد واتباع الهوى ، والسير رواء العصبية الممقوتة ، فهم لا ولاية بينهم ، وإنما الذى بينهم هو التقليد وكراهية ما أنزل الله على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .وقوله ( يَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر .

.

.

) بيان للآثار التى تترتب على تلك الولاية الخاصة ، وتفصيل للصفات الحسنة التى تحلى بها المؤمنون والمؤمنات .أى : أن من صفات هؤلاء المؤمنين والمؤمنات الذين جمعتهم العقيدة الدينية على التناصر والتراحم .

.

من صفاتهم ( يَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر ) أى يأمرون بكل خير دعا إليه الشرع ، وينهون عن كل شر تأباه تعاليم الإِسلام الحنيف .وقوله : ( وَيُقِيمُونَ الصلاة ) أى : يؤدونها فى أوقاتها بإخلاص وخشوع .

.وقوله : ( وَيُؤْتُونَ الزكاة ) أى : يعطونها لمستحقيها بدون منِّ أو أذى .

.وقوله : ( وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ ) أى : فى سائر الأحوال بدون ملل أو انقطاع أو تكاسل .

.وقوله : ( أولئك سَيَرْحَمُهُمُ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) بيان للجزاء الطيب الذى ادخره الله - تعالى - لهم .أى : أولئك المؤمنون والمؤمنات المتصفون بتلك الصفات السامية ، سيرحمهم الله - تعالى - برحمته الوساعة ، إنه - سبحانه - " عزيز " لا يعجزه شئ " حكيم " فى كل أفعاله وتصرفاته .قال صاحب الكشاف : والسين هنا مفيد لوجود الرحمة ، فهى تؤكد الوعد ، كما تؤكد الوعيد كما فى قولك : سأنتقم منك يوما ، تعنى أنك لا تفوتنى وإن تباطأ ذلك ، ونحوه : ( إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً )

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بالغ في وصف المنافقين بالأعمال الفاسدة والأفعال الخبيثة، ثم ذكر عقيبه أنواع الوعيد في حقهم في الدنيا والآخرة، ذكر بعده في هذه الآية كون المؤمنين موصوفين بصفات الخير وأعمال البر، على ضد صفات المنافقين، ثم ذكر بعده في هذه الآية أنواع ما أعد الله لهم من الثواب الدائم والنعيم المقيم، فأما صفات المؤمنين فهي قوله: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾ .

فإن قيل: ما الفائدة في أنه تعالى قال في صفة المنافقين و ﴿ المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ ﴾ وهاهنا قال في صفحة المؤمنين: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾ فلم ذكر في المنافقين لفظ ﴿ مِنْ ﴾ وفي المؤمنين لفظ ﴿ أَوْلِيَاء ﴾ .

قلنا: قوله في صفة المنافقين ﴿ بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ ﴾ يدل على أن نفاق الأتباع، كالأمر المتفرع على نفاق الأسلاف، والأمر في نفسه كذلك، لأن نفاق الأتباع وكفرهم حصل بسبب التقليد لأولئك الأكابر، وبسبب مقتضى الهوى والطبيعة والعادة، أما الموافقة الحاصلة بين المؤمنين فإنما حصلت لا بسبب الميل والعادة، بل بسبب المشاركة في الاستدلال والتوفيق والهداية، فلهذا السبب قال تعالى في المنافقين: ﴿ بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ ﴾ وقال في المؤمنين: ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾ .

واعلم أن الولاية ضد العداوة، وقد ذكرنا فيما تقدم أن الأصل في لفظ الولاية القرب، ويتأكد ذلك بأن ضد الولاية هو العداوة، ولفظة العداوة مأخوذة من عدا الشيء إذا جاوز عنه.

واعلم أنه تعالى لما وصف المؤمنين بكون بعضهم أولياء بعض، ذكر بعده ما يجري مجرى التفسير والشرح له فقال: ﴿ يَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر وَيُقِيمُونَ الصلاة وويؤتون الزَّكاةَ ويُطِيعُونَ اللهَ ورسولهُ ﴾ فذكر هذه الأمور الخمسة التي بها يتميز المؤمن من المنافق، فالمنافق على ما وصفه الله تعالى في الآية المتقدمة يأمر بالمنكر، وينهى عن المعروف، والمؤمن بالضد منه.

والمنافق لا يقوم إلى الصلاة إلا مع نوع من الكسل والمؤمن بالضد منه.

والمنافق يبخل بالزكاة وسائر الواجبات كما قال: ﴿ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ﴾ والمؤمنون يؤتون الزكاة، والمنافق إذا أمره الله ورسوله بالمسارعة إلى الجهاد فإنه يتخلف بنفسه ويثبط غيره كما وصفه الله بذلك، والمؤمنون بالضد منهم.

وهو المراد في هذه الآية بقوله: ﴿ وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ ﴾ ثم لما ذكر صفات المؤمنين بين أنه كما وعد المنافقين نار جهنم فقد وعد المؤمنين الرحمة المستقبلة وهي ثواب الآخرة، فلذلك قال: ﴿ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الله ﴾ وذكر حرف السين في قوله: ﴿ سَيَرْحَمُهُمُ الله ﴾ للتوكيد والمبالغة كما تؤكد الوعيد في قولك سأنتقم منك يوماً، يعني أنك لا تفوتني وإن تباطأ ذلك، ونظيره ﴿ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً  ﴾ ﴿ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى  ﴾ ﴿ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ  ﴾ .

ثم قال: ﴿ إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ وذلك يوجب المبالغة في الترغيب والترهيب لأن العزيز هو من لا يمنع من مراده في عباده من رحمة أو عقوبة، والحكيم هو المدبر أمر عباده على ما يقتضيه العدل والصواب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾ في مقابلة قوله في المنافقين: ﴿ بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ ﴾ .

﴿ سَيَرْحَمُهُمُ الله ﴾ السين مفيدة وجود الرحمة لا محالة، فهي تؤكد الوعد، كما تؤكد الوعيد في قولك: سأنتقم منك يوماً، تعني أنك لا تفوتني وإن تباطأ ذلك، ونحوه ﴿ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً ﴾ [مريم: 96] ، ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى ﴾ [الضحى: 5] ، ﴿ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ﴾ [النساء: 152] .

﴿ عَزِيزٌ ﴾ غالب على كل شيء قادر عليه، فهو يقدر على الثواب والعقاب ﴿ حَكِيمٌ ﴾ واضع كلا موضعه على حسب الاستحقاق ﴿ ومساكن طَيّبَةً ﴾ عن الحسن: قصوراً من اللؤلؤ والياقوت الأحمر والزبرجد.

و ﴿ عَدْنٍ ﴾ علم، بدليل قوله: ﴿ جنات عَدْنٍ التى وَعَدَ الرحمن ﴾ [مريم: 61] ويدلّ عليه ما روى أبو الدرداء رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عدن دار الله التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها غير ثلاثة: النبيون، والصدّيقون، والشهداء.

يقول الله تعالى طوبى لمن دخلك» وقيل: هي مدينة في الجنة.

وقيل: نهر جناته على حافاته ﴿ ورضوان مّنَ الله أَكْبَرُ ﴾ وشيء من رضوان الله أكبر من ذلك كله، لأنّ رضاه هو سبب كل فوز وسعادة، ولأنهم ينالون برضاه عنهم تعظيمه وكرامته، والكرامة أكبر أصناف الثواب، ولأن العبد إذا علم أن مولاه راض عنه فهو أكبر في نفسه مما وراءه من النعم، وإنما تتهنأ له برضاه، كما إذا علم بسخطته تنغصت عليه، ولم يجد لها لذة وإن عظمت.

وسمعت بعض أولى الهمة البعيدة والنفس المرّة من مشايخنا يقول: لا تطمح عيني ولا تنازع نفسي إلى شيء مما وعد الله في دار الكرامة، كما تطمح وتنازع إلى رضاه عني، وأن أحشر في زمرة المهديين المرضيين عنده ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما وعد الله، أو إلى الرضوان: أي هو ﴿ الفوز العظيم ﴾ وحده دون ما يعدّه الناس فوزاً.

وروى: «أنّ الله عزّ وجلّ يقول لأهل الجنة هل رضيتم؟

فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك؟

قالوا: وأي شيء أفضل من ذلك؟

قال: أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ ﴿ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ ﴾ ﴿ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ في سائِرِ الأُمُورِ.

﴿ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ﴾ لا مَحالَةَ فَإنَّ السِّينَ مُؤَكِّدَةٌ لِلْوُقُوعِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ﴾ غالِبٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ما يُرِيدُهُ.

﴿ حَكِيمٌ ﴾ يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)

{والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} في التناصر والتراحم {يَأْمُرُونَ بالمعروف} بالطاعة والإيمان {وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر} عن الشرك والعصيان {وَيُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ

الله} السين مفيدة وجود الرحمة لا محالة فهي تؤكد الوعد كما تؤكد الوعيد في سأنتقم منك يوماً {إِنَّ الله عزيزٌ} غالب على كل شيء قادر

التوبة (٧١ _ ٧٤)

عليه فهو يقدر على الثواب والعقاب {حَكِيمٌ} واضع كل موضعه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ ﴾ بَيانٌ لِحُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ حالًا ومَآلًا بَعْدَ بَيانِ حالِ أضِّدادِهِمْ عاجِلًا وآجِلًا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ ﴾ يُقابِلُ قَوْلَهُ تَعالى فِيما مَرَّ: ﴿ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ ﴾ ، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِلْإشارَةِ إلى تَناصُرِهِمْ وتَعاضُدِهِمْ بِخِلافِ أُولَئِكَ؛ وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ﴾ ظاهِرُ المُقابَلَةِ لِـ ﴿ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ﴾ إلَخْ والكَلامُ في المُنْكَرِ والمَعْرُوفِ مَعْرُوفٌ، وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ﴾ في مُقابَلَةِ ﴿ نَسُوا اللَّهَ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى جَدُّهُ: ﴿ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ في مُقابَلَةِ ﴿ ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ ﴾ وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ أيْ في سائِرِ الأُمُورِ في مُقابَلَةِ وصْفِ المُنافِقِينَ بِكَمالِ الفِسْقِ والخُرُوجِ عَنِ الطّاعَةِ وقِيلَ: هو في مُقابَلَةِ ﴿ نَسُوا اللَّهَ ﴾ ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ﴾ زِيادَةُ مَدْحِ، وقَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ﴾ في مُقابَلَةِ ( ﴿ فَنَسِيَهُمْ ﴾ ) المُفَسَّرِ بِمَنعِ لُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: في مُقابَلَةِ ﴿ إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ لِأنَّهُ بِمَعْنى المُتَّقِينَ المَرْحُومِينَ، والإشارَةُ إلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما سَلَفَ مِنَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ، والإتْيانُ بِما يَدُلُّ عَلى البُعْدِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.

والسِّينُ عَلى ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وتَبِعَهُ غَيْرُ واحِدٍ لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ وهي كَما تُفِيدُ ذَلِكَ تُفِيدُ تَأْكِيدَ الوَعِيدِ، ونَظَرَ فِيهِ صاحِبُ التَّقْرِيبِ ووَجَّهَ ذَلِكَ بِأنَّ السِّينَ في الإثْباتِ في مُقابَلَةِ لَنْ في النَّفْيِ فَتَكُونُ بِهَذا الِاعْتِبارِ تَأْكِيدًا لِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ ولا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ وعْدًا أوْ وعِيدًا أوْ غَيْرُهُما، وقالَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ: ما زَعَمَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ السِّينَ تُفِيدُ القَطْعَ بِمَدْخُولِها مَرْدُودٌ بِأنَّ القَطْعَ إنَّما فُهِمَ مِنَ المَقامِ لا مِنَ الوَضْعِ وهو تَوْطِئَةٌ لِمَذْهَبِهِ الفاسِدِ في تَحَتُّمِ الجَزاءِ، ومَن غَفَلَ عَنْ هَذِهِ الدَّسِيسَةِ وجَّهَهُ وتَعَقَّبَهُ الفَهّامَةُ ابْنُ قاسِمٍ بِأنَّ هَذا لا وجْهَ لَهُ لِأنَّهُ أمْرٌ نَقْلِيٌّ لا يَدْفَعُهُ ما ذُكِرَ ونِسْبَةُ الغَفْلَةِ لِلْأئِمَّةِ إنَّما أوْجَبَهُ حُبُّ الِاعْتِراضِ، وحِينَئِذٍ فالمَعْنى أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِما فُصِّلَ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ يَرْحَمُهُمُ اللَّهُ تَعالى لا مَحالَةَ ﴿ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ﴾ قَوِيٌّ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ما يُرِيدُهُ ( ﴿ حَكِيمٌ ﴾ ) يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها ومِن ذَلِكَ النِّعْمَةُ والنِّقْمَةُ؛ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْوَعْدِ.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، يعني: بعضهم على دين بعض، وبعضهم معين لبعض في الطاعة.

يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، يعني: بالإيمان واتباع محمد  ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ يعني: عن الشرك، وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ يعني: يقرون بها ويتمّونها، وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ يعني: ويقرون بها ويؤدونها.

وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، يعني: يطيعون الله في فرائضه، ويطيعون الرسول في السنن وفيما بَيَّنَ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ، يعني: ينجيهم الله من العذاب الأليم.

إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذو النقمة حَكِيمٌ في أمره حكم للمؤمنين بالجنة وللكافرين بالنار.

قال الفقيه: ذكر عن أبي سعيد الفاريابي أنه قال: سيرحمهم الله في خمسة مواضع: عند الموت وسكراته، وفي القبر وظلماته، وعند الكتاب وحسراته، وعند الميزان وندامته، وعند الوقوف بين يدي الله وسؤالاته.

قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ، يعني: المصدقين من الرجال والمصدقات من النساء.

جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً، يعني: منازل طاهرة تطيب فيها النفس.

فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ في قصور من الدُّر والياقوت.

وقال الفقيه: حدثنا محمد بن الفضل، وعبد الله بن محمد قالا: حدثنا فارس بن مردويه قال: حدثنا محمد بن الفضل العابد قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: حدّثنا سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن مجاهد قال: قرأ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب  وهو على المنبر جَنَّاتِ عَدْنٍ، فقال: «هل تدرون ما جنات عدن؟

ثمّ قال: قصر في الجنة من ذهب، له خمسمائة ألف باب، وعلى كل باب خمسة وعشرون ألفاً من الحور العين، لا يدخلها إلا نبي، وهنيئاً لصاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر النبيّ  أو صديقٍ وهنيئاً لأبي بكر، أو شهيد وأنَّى لعمر بالشهادة!» ثم قال تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ، يعني: رضى الرب عنهم أعظم مما هم فيه من الثواب والنعيم في الجنة.

ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، يعني: النجاة الوافرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ، يريد فيما ذكره المفسِّرون، رجلاً واحداً، قيل: اسمه مَخْشِيُّ بْنُ حِمْيَر، قاله ابنُ إِسحاق، وذكر جميعهم أنَّه استشهد باليَمَامَةِ، وقد كان تَابَ، وتسمَّى عبد الرحمن، فدعا اللَّه أنْ يَسْتَشْهِدَ، ويُجْهَلَ أمره، فكان كذلك، ولم يوجَدْ جَسَده، وكان مَخْشِيٌّ مع المنافقين الذين قالوا: إِنما كنا نخوضُ وَنَلْعَبُ، فقيل: كان منافقاً، ثم تاب توبةً صحيحةً، وقيل: كان مسلماً مُخْلِصاً إِلا أنه سمع المنافقينَ، فَضَحِكَ لهم، ولم يُنْكِرْ عليهم، فعفا اللَّه عنْه في كلا الوجْهَيْن، ثم أوجب العذاب لباقي المنافقين الّذين قالوا ما تقدّم.

وقوله سبحانه: الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ: يريد: في الحُكْم والمَنْزلة في الكُفْر، ولمَّا تقدَّم قبلُ: وَما هُمْ مِنْكُمْ [التوبة: ٥٦] حَسُن هذه الإخبار، ويَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ: أي: عن الصدقة، وفعْلِ الخير، نَسُوا اللَّهَ: أَيْ: تركوه حِينَ تَرَكُوا اتباع نَبيِّه وشَرْعِهِ، فَنَسِيَهُمْ: أي: فتركَهم حين لم يَهْدِهِمْ، والكُفَّار في الآية:

المُعْلِنُونَ، وقوله: هِيَ حَسْبُهُمْ: أي: كافيتهم.

كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٩) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠) وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)

وقوله تعالى: كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ: أي: أنتم، أيها المنافقُونَ، كالذين مِنْ قبلكم كانوا أشدَّ منكم قوةً، فَعَصَوْا فأهلكوا، فأنتم أولَى بالإِهلاك لمعصيتكم وضَعْفِكم، والخَلاَقُ: الحَظُّ من القَدْرِ والدينِ وجميعِ حال المَرْءِ، فخلاقُ المَرْء: الشيء الذي هُوَ به خليقٌ، والمعنى: عَجَّلوا حَظَّهم في دنياهم، وتركوا الآخرة، فاتبعتموه أنتم،

أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ: المعنى: وأنتم أيضاً كذلك، ويحتمل أنْ يريد ب أُولئِكَ: المنافقين.

وقوله سبحانه: أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ ...

الآية:

المعنى ألم يأتِ هؤلاءِ المنافقين خَبَرُ الأُمم السالفة التي عَصَتِ اللَّه بتكْذيب رسله، فأهلكها، وقَوْمِ إِبْراهِيمَ: نُمْرُود وأصحابه وأَتْبَاعَ دَوْلَته، وَأَصْحابِ مَدْيَنَ قومُ شُعَيْب، وَالْمُؤْتَفِكاتِ: أهلُ القرى الأربعةِ أو السَّبْعة التي بعث إِليهم لوطٌ عليه السلام، ومعنى الْمُؤْتَفِكاتِ: المنصرفَاتُ والمنْقَلِبَاتُ أُفِكَتْ فَأْتَفَكَتْ لأنها جعل عاليها سافلها، ولفظ البخاريّ: الْمُؤْتَفِكاتِ: ائتفكت: انقلبت بهم الأرضُ.

انتهى.

والضمير في أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ: عائدٌ على هذه الأمم المذكورة، ثم عقَّب سبحانه بذكْر المؤمنين، وما مَنَّ به علَيْهِمْ مِنْ حُسْن الأعمال ترغيباً وتنشيطاً لمبادرة ما به أَمَرَ لطفاً منه بعباده سبحانه، لا ربَّ غيْرُهُ، ولا خَيْر إِلا خيره.

وقوله سبحانه: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ: قال ابن عباس: هي الصلوات الخمس «١» .

قال ع «٢» : وبحسب هذا تكون الزَّكَاةُ هي المفروضةُ، والمَدْحُ عندي بالنوافلُ أبلغُ إِذ من يقيم النوافِلَ أحْرَى بإِقامة/ الفَرْض، والسين في قوله: سَيَرْحَمُهُمُ: مُدْخِلَةٌ في الوَعْدِ مُهْلَةً لتكون النفوسُ تنعم برجائه سبحانه، وفَضْلُه سبحانه زعيمٌ بالإِنجاز، وذكَر الطبريُّ «٣» في قوله تعالى: وَمَساكِنَ طَيِّبَةً، عن الحسن أنَّه سأل عنها عِمْرَانَ بنَ حُصَيْن وأبا هريرة، فقالا: على الخَبِيرِ سَقَطَت!

سَأَلْنَا عَنْهَا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ: «قَصْرٌ فِي الجَنَّةِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، فِيهِ سَبْعُونَ دَاراً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاء، في كُلِّ دار سبعون بيتا من زمرّدة خَضْرَاءَ، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيراً» «٤» ونحو هذا مما يشبه هذه الألفاظ، ويقرب منها، فاختصرتها طَلَبَ الإِيجاز.

ت: وتمام الحديث من «الإِحياءِ» ، وكتاب الآجُرِّيِّ المعروف ب «كتاب النصيحة» ، عن الحسن عن عمرانَ بن حُصَيْن وأبي هريرة، قالا: «على كُلِّ سَرِيرٍ سَبْعُونَ فِرَاشاً مِنْ كُلِّ لَوْنٍ، عَلَى كُلِّ فِرَاشٍ زَوْجَةٌ مِنَ الحُورِ العِينِ، وفِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ مائدة،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ ﴾ أيْ: بَعْضُهم يُوالِي بَعْضًا، فَهم يَدٌ واحِدَةٌ، يَأْمُرُونَ بِالإيمانِ، ويَنْهَوْنَ عَنِ الكُفْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي جَنّاتِ عَدْنٍ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: في جَنّاتِ خُلْدٍ، يُقالُ: عَدَنَ فُلانٌ بِأرْضِ كَذا، أيْ: أقامَ؛ ومِنهُ: المَعْدِنُ، وهو في مَعْدِنِ صِدْقٍ، أيْ: في أصْلٍ ثابِتٍ.

قالَ الأعْشى: وإنْ تَسْتَضِيفُوا إلى حِلْمِهِ تُضافُوا إلى راجِحٍ قَدْ عَدَنَ أيْ: رَزِينٍ لا يَسْتَخِفُّ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَنّاتُ عَدْنٍ، هي بُطْنانُ الجَنَّةِ، وبُطْنانُها: وسَطُها، وهي أعْلى دَرَجَةٍ في الجَنَّةِ، وهي دارُ الرَّحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ، وسَقْفُها عَرْشُهُ، خَلَقَها بِيَدِهِ، وفِيها عَيْنُ التَّسْنِيمِ، والجِنانُ حَوْلَها مُحْدِقَةٌ بِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أكْبَرُ مِمّا يُوصَفُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: أكْبَرُ مِمّا هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ.

فَإنْ قِيلَ: لَمْ يَكُنِ الرِّضْوانُ أكْبَرَ مِنَ النَّعِيمِ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّ سُرُورَ القَلْبِ بِرِضى الرَّبِّ نَعِيمٌ يَخْتَصُّ بِالقَلْبِ، وذاكَ أكْبَرُ مِن نَعِيمِ الأكْلِ والشُّرْبِ.

وفي حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: "يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِأهْلِ الجَنَّةِ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، هَلْ رَضِيتُمْ؟

فَيَقُولُونَ: رَبَّنا وما لَنا لا نَرْضى، وقَدْ أعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِن خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أفَلا أُعْطِيكم أفْضَلَ مِن ذَلِكَ؟

فَيَقُولُونَ: وأيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِن ذَلِكَ؟

قالَ: أُحِلُّ عَلَيْكم رِضْوانِي، فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا"» والثّانِي: أنَّ المُوجِبَ لِلنَّعِيمِ الرِّضْوانُ، والمُوجَبُ ثَمَرَةُ المُوجِبِ، فَهو الأصْلُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وأصْحابِ مَدْيَنَ والمُؤْتَفِكاتِ أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ ﴿ والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أولِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَلاةَ ويُؤْتُونَ الزَكاةَ ويُطِيعُونَ اللهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهَ إنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتٍ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِن اللهُ أكْبَرُ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ يَقُولُ عَزَّ وجَلَّ لِنَبِيِّهِ  : ألَمْ يَأْتِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ خَبَرُ الأُمَمِ السالِفَةِ الَّتِي عَصَتِ اللهَ بِتَكْذِيبِ رُسُلِهِ فَأهْلَكَها؟

وعادٌ وثَمُودُ قَبِيلَتانِ، وقَوْمُ إبْراهِيمَ: نَمْرُودٌ وأصْحابُهُ وتُبّاعُ دَوْلَتِهِ، وأصْحابُ مَدْيَنَ: قَوْمُ شُعَيْبٍ، والمُؤْتَفِكاتُ: أهْلُ القُرى الأرْبَعَةِ، وقِيلَ: السَبْعَةُ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ لُوطٌ  ، ومَعْنى المُؤْتَفِكاتِ: المُنْصَرِفاتُ والمُنْقَلِباتُ، أفِكَتْ فائْتَفَكَتْ لِأنَّهُ جَعَلَ أعالِيَها أسافِلَها، وقَدْ جاءَتْ في القُرْآنِ مُفْرَدَةً تَدُلُّ عَلى الجَمْعِ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ عِمْرانَ بْنِ حَطّانِ: بِمَنطِقٍ مُسْتَبِينٍ غَيْرِ مُلْتَبِسٍ ∗∗∗ بِهِ اللِسانُ وإنِّي غَيْرُ مُؤْتَفِكِ أيْ: غَيْرُ مُنْقَلِبٍ مُنْصَرِفٍ مُضْطَرِبٍ، ومِنهُ يُقالُ لِلرِّيحِ: مُؤْتَفِكَةٌ لِتَصَرُّفِها، ومِنهُ: ( أنّى يُؤْفَكُونَ )، والإفْكُ صَرْفُ القَوْلِ مِنَ الحَقِّ إلى الكَذِبِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ أتَتْهم رُسُلُهُمْ ﴾ عائِدٌ عَلى هَذِهِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ، وقِيلَ: عَلى المُؤْتَفِكاتِ خاصَّةً، وجَعَلَ لَهم رُسُلًا وإنَّما كانَ نَبِيُّهم واحِدًا لِأنَّهُ كانَ يُرْسِلُ إلى كُلِّ قَرْيَةٍ رَسُولًا داعِيًا، فَهم رُسُلُ رَسُولِ اللهِ، ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ في عَوْدِ الضَمِيرِ عَلى جَمِيعِ الأُمَمِ أبْيَنُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ بِالبَيِّناتِ ﴾ يُرِيدُ: بِالمُعْجِزاتِ، وهي بَيِّنَةٌ في نَفْسِها بِالإضافَةِ إلى الحَقِّ لا بِالإضافَةِ إلى المُكَذِّبِينَ بِها.

ولَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ المُنافِقِينَ بِالأشْياءِ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ تَصْرِفَ عَنِ النِفاقِ وتَنْهى عنهُ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ بِالأشْياءِ الَّتِي تُرَغِّبُ في الإيمانِ وتُنَشِّطُ إلَيْهِ تَلَطُّفًا مِنهُ تَبارَكَ وتَعالى بِعِبادِهِ لا رَبَّ غَيْرُهُ، وذُكِرَتْ هُنا الوِلايَةُ إذْ لا وِلايَةَ بَيْنَ المُنافِقِينَ، ولا شَفاعَةَ لَهُمْ، ولا يَدْعُو بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وكَأنَّ المُرادَ هُنا الوِلايَةُ في اللهِ خاصَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿ بِالمَعْرُوفِ ﴾ يُرِيدُ: بِعِبادَةِ اللهِ وتَوْحِيدِهِ وكُلِّ ما اتَّبَعَ ذَلِكَ، وقَوْلِهِ: ﴿ عَنِ المُنْكَرِ ﴾ يُرِيدُ عن عِبادَةِ الأوثانِ وكُلِّ ما اتَّبَعَ ذَلِكَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن أبِي العالِيَةِ أنَّهُ قالَ: كَلُّ ما ذَكَرَ اللهُ في القُرْآنِ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ فَهو دُعاءٌ مِنَ الشِرْكِ إلى الإسْلامِ، وكُلُّ ما ذُكِرَ مِنَ النَهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَهو النَهْيُ عن عِبادَةِ الأوثانِ والشَياطِينِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيُقِيمُونَ الصَلاةَ ﴾ هي الصَلَواتُ الخَمْسُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِحَسَبِ هَذا تَكُونُ الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ، والمَدْحُ عِنْدِي بِالنَوافِلِ أبْلَغُ، إذْ مَن يُقِيمُ النَوافِلَ أحْرى بِإقامَةِ الفَرْضِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَيُطِيعُونَ اللهَ ورَسُولَهُ ﴾ جامِعٌ لِلْمَندُوباتِ، والسِينُ في قَوْلِهِ: ﴿ سَيَرْحَمُهُمُ ﴾ مَدْخَلٌ في الوَعْدِ مُهْلَةً، لِتَكُونَ النُفُوسُ تَنْعَمُ بِرَجائِهِ، وفَضْلُهُ تَعالى زَعِيمٌ بِالإنْجازِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنِينَ ﴾ الآيَةُ، وعْدُهُ في هَذِهِ الآيَةِ صَرِيحٌ نَصٌّ في الخَيْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن تَحْتِها ﴾ إمّا مِن تَحْتِ أشْجارِها، وإمّا مِن تَحْتِ عُلِّيّاتِها، وإمّا مِن تَحْتِ مَجالِسِها بِالإضافَةِ إلى هَذا، كَما تَقُولُ في دارَيْنِ مُتَجاوِرَتَيْنِ مُتَساوِيَتَيِ المَكانَ: هَذِهِ تَحْتَ هَذِهِ.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً ﴾ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: سَألْتُ عنها عِمْرانَ بْنَ الحُصَيْنِ وأبا هُرَيْرَةَ فَقالا: عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ، سَألْنا عنها رَسُولَ اللهِ  فَقالَ: "قَصْرٌ في الجَنَّةِ مِنَ اللُؤْلُؤِ، فِيهِ سَبْعُونَ دارًا مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ، في كُلِّ دارٍ سَبْعُونَ بَيْتًا مِن زُمُرُّدَةٍ خَضْراءَ، في كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيرًا"،» ونَحْوُ هَذا مِمّا يُشْبِهُ هَذِهِ الألْفاظَ أو يَقْرُبُ مِنها فاخْتَصَرْتُها طَلَبَ الإيجازِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ فِي جَنّاتِ عَدْنٍ ﴾ فَمَعْناهُ: في جَنّاتِ إقامَةٍ وثُبُوتٍ، يُقالُ: عَدَنَ الشَيْءُ في المَكانِ إذا أقامَ بِهِ وثَبَتَ، ومِنهُ المَعْدِنُ، أيْ مَوْضِعُ ثُبُوتِ الشَيْءِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: وإنْ يَسْتَضِيفُوا إلى حِلْمِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ يُضافُوا إلى راجِحٍ قَدْ عَدَنْ هَذا الكَلامُ اللُغَوِيُّ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: جَنّاتُ عَدْنٍ هي بِالفارِسِيَّةِ: جَنّاتُ الكُرُومِ والأعْنابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأظُنُّ هَذا وهْمًا اخْتَلَطَ بِالفِرْدَوْسِ، وقالَ الضَحّاكُ: جَنّاتُ عَدْنٍ هِيَ: مَدِينَةُ الجَنَّةِ وعُظْمُها، فِيها الأنْبِياءُ والعُلَماءُ والشُهَداءُ وأئِمَّةُ العَدْلِ والناسُ حَوْلَهم بَعْدُ والجَنّاتُ حَوْلَها، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: عَدْنٌ هي بُطْنانُ الجَنَّةِ وسُرَّتُها، وقالَ عَطاءٌ: عَدْنٌ: نَهْرٌ في الجَنَّةِ جَنّاتُهُ عَلى حافَّتِهِ، وقالَ الحَسَنُ: عَدْنٌ: قَصْرٌ في الجَنَّةِ لا يَدْخُلُهُ إلّا نَبِيٌّ أو صِدِّيقٌ أو شَهِيدٌ أو حَكَمٌ عَدْلٌ، ومَدَّ بِها صَوْتَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والآيَةُ تَأْبى هَذا التَخْصِيصَ إذْ قَدْ وعَدَ اللهُ بِها جَمْعَ المُؤْمِنِينَ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أكْبَرُ ﴾ فَرُوِيَ فِيهِ «أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ لِعِبادِهِ إذا اسْتَقَرُّوا في الجَنَّةِ: "هَلْ رَضِيتُمْ؟

فَيَقُولُونَ: وكَيْفَ لا نَرْضى يا رَبَّنا؟

فَيَقُولُ: إنِّي سَأُعْطِيكم أفْضَلَ مِن هَذا كُلِّهِ، رِضْوانِي، أرْضى عَلَيْكُمْ، فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا".» الحَدِيثُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أكْبَرُ ﴾ يُرِيدُ: أكْبَرَ مِن كُلِّ ما تَقَدَّمَ، ومَعْنى الآيَةِ والحَدِيثِ مُتَّفِقٌ.

وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: وصَلَ إلى قُلُوبِهِمْ بِرِضْوانِ اللهِ مِنَ اللَذَّةِ والسُرُورِ ما هو ألَذُّ عِنْدَهم وأقَرُّ لِأعْيُنِهِمْ مِن كُلِّ شَيْءٍ أصابُوهُ مِن لَذَّةِ الجَنَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَظْهَرُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أكْبَرُ ﴾ إشارَةً إلى مَنازِلِ المُقَرَّبِينَ الشارِبِينَ مِن تَسْنِيمِ الَّذِينَ يُرَوْنَ كَما يُرى النَجْمُ الغائِرُ في الأُفُقِ، وجَمِيعُ مَن في الجَنَّةِ راضٍ والمَنازِلُ مُخْتَلِفَةٌ، وفَضْلُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى مُتَّسِعٌ، والفَوْزُ: النَجاةُ والخَلاصُ ﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ  ﴾ ، والمُقَرَّبُونَ هم في الفَوْزِ العَظِيمِ، والعِبارَةُ عِنْدِي عن حالِهِمْ بِسُرُورٍ وكَمالٍ أجْوَدُ مِنَ العِبارَةِ عنها بِلَذَّةٍ، واللَذَّةُ أيْضًا مُسْتَعْمَلَةٌ في هَذا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه تقابل قوله: ﴿ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ﴾ [التوبة: 67] لبيان أنّ الطائفة التي ينالها العفو هي الملتحقة بالمؤمنين.

فالجملة معطوفة على جملة: ﴿ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ﴾ [التوبة: 67] وما بينهما جمل تسلسل بعضها عن بعض.

وقوله: ﴿ بعضهم أولياء بعض ﴾ مقابل قوله: في المنافقين ﴿ بعضهم من بعض ﴾ [التوبة: 67].

وعبّر في جانب المؤمنين والمؤمنات بأنّهم أولياء بعضضٍ للإشارة إلى أنّ اللحمة الجامعة بينهم هي وَلاية الإسلام، فهم فيها على السواء ليس واحد منهم مقلّداً للآخر ولا تابعاً له على غير بصيرة لما في معنى الولاية من الإشعار بالإخلاص والتناصر بخلاف المنافقين فكأنّ بَعضَهم ناشئ من بعض في مذامّهم.

وزيد في وصف المؤمنين هنا ﴿ يقيمون الصلاة ﴾ تنويهاً بأنّ الصلاة هي أعظم المعروف.

وقوله: ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ مقابل قوله في المنافقين ﴿ ويقبضون أيديهم ﴾ [التوبة: 67].

وقوله ﴿ ويطيعون الله ورسوله ﴾ مقابل قوله في المنافقين ﴿ نسوا الله ﴾ [التوبة: 67] لأنّ الطاعة تقتضي مراقبة المطاع فهي ضدّ النسيان.

وقوله: ﴿ أولئك سيرحمهم الله ﴾ مقابل قوله في المنافقين ﴿ فنسيهم ﴾ [التوبة: 67].

والسين لتأكيد حصول الرحمة في المستقبل، فحرف الاستقبال يفيد مع المضارع ما تفيد (قد) مع الماضي كقوله: ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ [الضحى: 5].

والإشارةُ للدلالة على أنّ ما سيرد بعد اسم الإشارة صاروا أحرياءَ به من أجللِ الأوصاف المذكورة قبل اسم الإشارة.

وجملة: ﴿ إن الله عزيز حكيم ﴾ تعليل لجملة ﴿ سيرحمهم الله ﴾ أي: أنّه تعالى لعزّته ينفع أولياءه وأنّه لحكمته يضع الجزاء لمستحقّه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَساكِنَ الطَّيِّبَةَ قُصُورٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ والياقُوتِ الأحْمَرِ والزَّبَرْجَدِ الأخْضَرِ مَبْنِيَّةٌ بِهَذِهِ الجَواهِرِ.

الثّانِي: أنَّها المَساكِنُ الَّتِي يَطِيبُ العَيْشُ فِيها، وهو مُحْتَمَلٌ.

وَأمّا جَنّاتُ عَدْنٍ فِيها خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها جَنّاتُ خُلُودٍ وإقامَةٍ، ومِنهُ سُمِّيَ المَعْدِنُ لِإقامَةِ جَوْهَرِهِ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: فَإنْ تَسْتَضِيفُوا إلى حِلْمِهِ تُضافُوا إلى راجِحٍ قَدْ عَدَنَ يَعْنِي ثابِتَ الحِلْمِ.

وَهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ جَنّاتِ عَدْنٍ هي جَنّاتُ كُرُومٍ وأعْنابٍ بِالسُّرْيانِيَّةِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنَّ عَدْنَ اسْمٌ لِبَطْنانِ الجَنَّةِ أيْ وسَطِها، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ.

والرّابِعُ: أنَّ عَدْنَ اسْمُ قَصْرٍ في الجَنَّةِ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ والحَسَنُ.

والخامِسُ: «أنَّ جَنَّةَ عَدْنٍ في السَّماءِ العُلْيا لا يَدْخُلُها إلّا نَبِيٌّ أوْ صِدِّيقٌ أوْ شَهِيدٌ أوْ إمامٌ عَدْلٌ.

وَجَنَّةُ المَأْوى في السَّماءِ الدُّنْيا تَأْوِي إلَيْها أرْواحُ المُؤْمِنِينَ» رَواهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ مَرْفُوعًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ والمؤتفكات ﴾ قال: قوم لوط، ائتفكت بهم أرضهم فجعل عاليها سافلها.

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ يدعون إلى الإِيمان بالله ورسوله والنفقات في سبيل الله وما كان من طاعة الله ﴿ وينهون عن المنكر ﴾ ينهون عن الشرك والكفر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة من فرائض الله كتبها الله على المؤمنين.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ﴾ قال: اخاؤهم في الله يتحابون بجلال الله والولاية لله.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب قضاء الحوائج والطبراني عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا أهل المنكر في الآخرة» وأخرجه ابن أبي شيبة عن أبي عثمان مرسلاً.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي موسى «أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: إن المعروف والمنكر خليقتان ينصبان يوم القيامة، فأما المعروف فيبشر أهله ويعدهم الخير، وأما المنكر فيقول لأصحابه: إليكم وما تستطيعون له إلا لزوماً» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأس العقل بعد الإِيمان بالله مداراة الناس، ولن يهلك رجل بعد مشورة، وأهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا أهل المنكر في الآخرة» .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا أهل المنكر في الآخرة، أن الله ليبعث المعروف يوم القيامة في صورة الرجل المسافر، فيأتي صاحبه إذا انشق قبره فيمسح عن وجهه التراب ويقول: ابشر يا ولي الله بأمان الله وكرامته، لا يهولنَّك ما ترى من أهوال يوم القيامة.

فلا يزال يقول له: احذر هذا واتق هذا يسكن بذلك روعه حتى يجاوز به الصراط، فإذا جاوز به الصراط عدل ولي الله إلى منازله في الجنة، ثم يثنى عنه المعروف فيتعلق به فيقول: يا عبد الله من أنت خذلني الخلائق في أهوال القيامة غيرك فمن أنت؟

فيقول له: أما تعرفني؟!

فيقول: لا.

فيقول: أنا المعروف الذي عملته في الدنيا، بعثني الله خلقاً لأجازيك به يوم القيامة» .

وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اطلبوا المعروف من رحماء أمتي تعيشوا في أكنافهم، ولا تطلبوه من القاسية قلوبهم، فإن اللعنة تنزل عليهم، يا علي إن الله خلق المعروف وخلق له أهلاً، فحببه إليهم وحبب إليهم فعاله، ووجه إليهم طلابه كما وجه الماء في الأرض الجدبة لتحيا به ويحيى به أهلها، إن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة» .

وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي عن علي قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «اطلبوا المعروف من رحماء أمتي تعيشوا في أكنافهم» .

وأخرج الحاكم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء والآفات والهلكات، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة جمع الله الأوّلين والآخرين، ثم أمر منادياً ينادي: ألا ليقم أهل المعروف في الدنيا.

فيقومون.

حتى يقفوا بين يدي الله، فيقول الله: أنتم أهل المعروف في الدنيا؟

فيقولون: نعم.

فيقول: وأنتم أهل المعروف في الآخرة فقوموا مع الأنبياء والرسل فاشفعوا لمن أحببتم فادخلوه الجنة حتى تدخلوا عليهم المعروف في الآخرة كما أدخلتم عليهم المعروف في الدنيا» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب قضاء الحوائج عن بلال قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل معروف صدقة، والمعروف يقي سبعين نوعاً من البلاء ويقي ميتة السوء، والمعروف والمنكر خلقان منصوبان للناس يوم القيامة، فالمعروف لازم لأهله والمنكر لازم لأهله، يقودهم ويسوقهم إلى النار» .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أحب عباد الله إلى الله عز وجل من حبَّب إليه المعروف وحبَّب إليه فعاله» .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله جعل للمعروف وجوهاً من خلقه، وحبب إليهم فعاله ووجه طلاب المعروف إليهم، ويسر عليهم إعطاءه كما يسر الغيث إلى الأرض الجدبة ليحييها ويحيي به أهلها، وإن الله جعل للمعروف أعداء من خلقه بغض إليهم المعروف وبغض إليهم فعاله، وحظر عليهم اعطاءه كما يحظر الغيث عن الأرض الجدبة ليهلكها ويهلك بها أهلها، وما يعفو الله أكثر» .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عليكم باصطناع المعروف فإنه يمنع مصارع السوء، وعليكم بصدقة السر فإنها تطفئ غضب الله عز وجل» .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل معروف صدقة» .

وأخرج ابن أبي شيبة والقضاعي والعسكري وابن أبي الدنيا من طريق محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل معروف صدقة، وكل ما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتب له به صدقه، وما وقى به عرضه كتب له به صدقة، وقد قيل لمحمد بن المنكدر ما يعني ما وقى به عرضه؟

قال: الشيء يعطى الشاعر وذا اللسان المتقى» .

وأخرج ابن أبي الدنيا والبزار والطبراني عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل معروف صنعته إلى غني أو فقير فهو صدقة» .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل معروف يصنعه أحدكم إلى غني فقير فهو صدقة» .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل معروف صدقة» .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن جابر الجعفي رفعه قال: المعروف خلق من خلق الله تعالى كريم.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن الحسن قال: سألت عمران بن حصين وأبا هريرة عن تفسير ﴿ ومساكن طيبة في جنات عدن ﴾ قالا: على الخبير سقطت.

سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «قصر من لؤلؤة في الجنة، في ذلك القصر سبعون داراً من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتاً من زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريراً، على كل سرير سبعون فراشاً من كل لون، على كل فراش امرأة من الحور العين، في كل بيت سبعون مائدة، في كل مائدة سبعون لوناً من كل طعام، في كل بيت سبعون وصيفاً ووصيفة، فيعطى المؤمن من القوة في كل غداة ما يأتي على ذلك كله» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سليم بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الجنة مائة درجة: فأولها من فضة أرضها فضة، ومساكنها فضة، وآنيتها فضة، وترابها مسك.

والثانية من ذهب أرضها ذهب، ومساكنها ذهب، وآنيتها ذهب، وترابها مسك.

والثالثة لؤلؤ أرضها لؤلؤ، وآنيتها لؤلؤ، وترابها مسك.

وسبع وتسعون بعد ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي حازم قال: إن الله ليعد للعبد من عبيده في الجنة لؤلؤة مسيرة أربعة برد، أبوابها وغرفها ومغاليقها ليس فيها قضم ولا قصم، والجنة مائة درجة: فثلاث منها ورق وذهب ولؤلؤ وزبرجد وياقوت، وسبع وتسعون لا يعلمها إلا الذي خلقها.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: إن أدنى أهل الجنة منزلة رجل له ألف قصر، ما بين كل قصرين مسيرة سنة، يرى أقصاها كما يرى أدناها، في كل قصر من الحور العين والرياحين والولدان ما يدعو شيئاً إلا أتى به.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مغيث بن سمي قال: إن في الجنة قصوراً من ذهب، وقصوراً من فضة، وقصوراً من ياقوت، وقصوراً من زبرجد، جبالها المسك، وترابها الورس والزعفران.

وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: إن في الجنة ياقوتة ليس فيها صدع ولا وصل، وفيها سبعون ألف دار في كل دار سبعون ألفاً من الحور العين لا يدخلها إلا نبي، أو صديق، أو شهيد، أو إمام عادل، أو محكم في نفسه.

قيل لكعب: وما المحكم في نفسه؟

قال: الرجل يأخذه العدوّ فيحكمونه بين أن يكفر أو يلزم الإِسلام فيقتل، فيختار أن يلزم الإِسلام.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ جنات عدن ﴾ قال: معدن الرجل الذي يكون فيه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ جنات عدن ﴾ قال: معدنهم فيها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن خالد بن معدان قال: إن الله خلق في الجنة جنة عدن دملج لؤلؤة، وغرس فيها قضيباً ثم قال لها: امتدي حتى أرضى.

ثم قال لها: أخرجي ما فيك من الأنهار والثمار ففعلت.

فقالت ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ [ المؤمنون: 1] .

وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ورضوان من الله أكبر ﴾ يعني إذا أخبروا أن الله عنهم راض فهو أكبر عندهم من التحف والتسليم.

وأخرج ابن مردويه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله: هل تشتهون شيئاً فأزيدكم؟

قالوا: يا ربنا وهل بقي شيء إلا قد أنلتناه؟!

فيقول: نعم.

رضائي فلا أسخط عليكم أبداً» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عبد الملك الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لنعيم أهل الجنة برضوان الله عنهم أفضل من نعيمهم بما في الجنان» .

وأخرج أبو الشيخ عن شمر بن عطية قال: يجيء القرآن يوم القيامة في صورة الرجل الشاحب حين ينشق عنه قبره فيقول: أبشر بكرامة الله تعالى.

قال: فله حلة الكرامة.

فيقول: يا رب زدني.

فيقول: رضواني ورضوان من الله أكبر.

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة.

فيقولون: لبيك يا ربنا وسعديك والخير في يديك.

فيقول: هل رضيتم؟

فيقولون: ربنا، وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطه أحداً من خلقك؟

فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟

قالوا: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟!

قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً» .

وأخرج أحمد في الزهد عن الحسن قال: بلغني أن أبا بكر الصديق كان يقول في دعائه: اللهمَّ أسألك الذي هو خير في عاقبة الخير، اللهمَّ اجعل آخر ما تعطيني الخير رضوانك والدرجات العلى في جنات النعيم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد في الرحمة والمحبة) (١) قال أبو علي: (المعنى فيه أن بعضهم يوالي بعضًا ولا يبرأ بعضهم من بعض كما يبرؤون ممن خالفهم وشاقهم، ولكنهم يد واحدة في النصرة والموالاة، فهم أهل كلمة واحدة لا يفترقون، ومن ثم قالوا في خلاف الولاية: العداوة، ألا ترى أن العداوة من عدا الشيء: إذا جاوزه، فمن ثم كانت (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ ، قال ابن عباس: (بأنه لا إله إلا الله) (٤) ﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ يريد: عن الشرك بالله) (¬4)، قال أبو العالية: (كل ما ذكر الله في كتابه من الأمر بالمعروف فهو الدعاء إلى الإسلام، والنهي عن المنكر: النهي عن عبادة الأوثان) (٥) (٦) ﴿ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾ وذكر المؤمنين فقال: ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ وذلك أن المعنى في المنافقين: أن بعضهم يضاف إلى بعض بالاجتماع على النفاق، ولا يكون بينهم موالاة؛ لأن قلوبهم تكون مختلفة، ولا تكون كقلوب المؤمنين في التواد والتعاطف) (٧) (١) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 509، ورواه بمعناه أبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 459.

(٢) في (ح): (كأنه)، وما أثبته موافق للمصدر التالي.

(٣) "الحجة للقراء السبعة" 2/ 233.

(٤) رواه بمعناه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 198.

(٥) رواه بنحوه ابن جرير 10/ 179، والثعلبى 6/ 126، والفيروزأبادي ص 198.

(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).

(٧) ذكر هذا القول بنحوه القرطبي في "تفسيره" 8/ 203، وبمعناه ابن عطية في "المحرر الوجيز" 3/ 58، ولم ينساه لأحد.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ في مقابلة قوله: المنافقون بعضهم أولياء بعض، ولكنه خص المؤمنين بالوصف بالولاية ﴿ جنات عَدْنٍ ﴾ قيل: عدن هي مدينة الجنة وأعظمها، وقال الزمخشري: هو اسم علم ﴿ ورضوان مِّنَ الله أَكْبَرُ ﴾ أي رضوان من الله أكبر من كل ما ذكر، وذلك معنى ما ذكر في الحديث: «إن الله تعالى يقول لأهل الجنة أتريدون شيئاً أزيدكم، فيقولون يا ربنا أي شيء تزيدنا؟

فيقول رضواني فلا أسخط عليكم أبداً» .

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ والمؤتفكات ﴾ وبابه بغير همز: أبو عمرو غير شجاع وورش ويزيد والحلواني عن قالون والأعشى وحمزة في الوقف.

الوقوف: ﴿ والمؤتفكات ﴾ ط ﴿ بالبينات ﴾ ج لابتداء النفي مع فاء التعقيب.

﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ أولياء بعض ﴾ م لما مر.

﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ سيرحمهم الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ عدن ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ واغلظ عليهم ﴾ ط ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ ما قالوا ﴾ ط ﴿ لم ينالوا ﴾ ج ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ خيراً لهم ﴾ ج ﴿ والآخرة ﴾ ج ﴿ ولا نصير ﴾ ه ﴿ من الصالحين ﴾ ه ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ يكذبون ﴾ ه ﴿ علام الغيب ﴾ ه ج لاحتمال النصب أو الرفع على الذم.

وكونه بدلاً من الضمير في ﴿ نجواهم ﴾ ﴿ فيسخرون منهم ﴾ ط.

﴿ سخر الله منهم ﴾ ط لإتمام الجزء مع اختلاف النظم.

﴿ أليم ﴾ ه.

التفسير: لما شبه المنافقين بالكفار المتقدمين في تكذيب الأنبياء والاشتغال بالنعيم الزائل بين أن أولئك الكفار من هم فذكر ست طوائف سمع العرب أخبارهم لأن بلادهم - وهي الشام - قريبة من بلادهم وقد بقيت آثارهم مشاهدة، ولهذا صدر الكلام بحرف الاستفهام للتقرير.

فأوّلهم قوم نوح وقد أهلكوا بالإغراق، وثانيهم: قوم عاد وأهلكوا بالريح العقيم، وثالثهم: ثمود وأخمدوا بالصيحة، ورابعهم: قوم إبراهيم سلط الله عليهم البعوض وكفى شر ملكهم وهو نمرود ببعوضة واحدة سلطها على دماغه.

وخامسهم: أًصحاب مدين قوم شعيب أخذتهم الرجفة، وسادسهم: أصحاب المؤتفكات قوم لوط أمطر الله عليهم الحجارة بعد أن جعل مدائنهم عاليها سافلها.

والائتفاك الانقلاب سميت مدائنهم بذلك لأن الله  قلبها عليهم.

ويمكن أن يراد بالمؤتفكات الناس لانقلاب أحوالهم من الخير إلى الشر.

ثم قال ﴿ أتتهم رسلهم بالبينات ﴾ أي بالمعجزات ولا بد بعد هذا من إضمار والتقدير فكذبوهم فأهلكهم الله.

﴿ فما كان الله ليظلمهم ﴾ قالت المعتزلة: أي ما صح منه الظلم ولكنهم استحقوا ذلك بسبب كفرهم، وقد مر الكلام في أمثال ذلك.

ثم بين أن شأن المؤمنين في الدنيا والآخرة بخلاف المنافقين فقال ﴿ والمؤمنون ﴾ الآية قال بعض العلماء: إنما قال ههنا ﴿ أولياء بعض ﴾ وهناك ﴿ من بعض  ﴾ لأن نفاق أتباع المنافقين حصل بسبب التقليد لأكابرهم بمقتضى الطبع والعادة بخلاف الموافقة بين المؤمنين فإنها بسبب المشاركة في الاستدلال والتوفيق والهداية.

وأقول: كون بعض المنافقين من بعض يوجب اشتراكهم في أمر من الأمور بالجملة كالدار أو حكم من الأحكام الشرعية أو سيرة وطريقة وهذا هو المقصود، ولكنه يحتمل أن يكون تكلفاً أو بطريق النفاق لأن سببه انعقاد غرض من الأغراض الدنيوية العاجلة فذكر الله  اشتراكهم في ذلك بلفظ "من" لمكان الاحتمال المذكور.

وأما تشارك المؤمنين في السيرة فلما كان سبببه الإخلاص والعصبية للدين والاجتماع على ما يفضي إلى سعادة الدارين كانت الموالاة بينهم محققة فصرح الله  بذلك.

ثم وصفهم بأضداد صفات المنافقين فقال ﴿ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ وهاتان الصفتان بالنسبة إلى غيرهم.

ثم قال ﴿ ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ﴾ وهاتان لهم في أنفسهم وهما بإزاء قوله في صفة المنافقين ﴿ ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون  ﴾ .

ثم وصفهم بالطاعة على الإطلاق فقال ﴿ ويطيعون الله ورسوله ﴾ أي في كل ما يأتون ويذرون.

ثم ذكر ما أعدّ لهم من الثواب على سبيل الإجمال فقال ﴿ أولئك سيرحمهم الله ﴾ والسين تفيد المبالغة في إنجاز الوعد بالرحمة كما يؤكد الوعيد به إذا قلت سأنتقم منك يوماً يعني أنك لا تفوتني وإن تباطأ ذلك.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن الله عزيز حكيم ﴾ وفيه ترغيب للمؤمنين وترهيب للكافرين لأن العزيز هو من لا يمنع من مرادة في عباده من رحمة أو عقوبة.

والحكيم هو الذي يدبر عباده على وفق ما يقتضيه العدل والصلاح.

ثم فصل ما أجمل من الرحمة بقوله ﴿ وعد الله المؤمنين ﴾ الآية.

وقد كثر كلام أصحاب الآثار في معنى جنات عدن فقال الحسن: سألت عمران بن الحصين وأبا هريرة عن ذلك فقالا: على الخبير سقطت سألنا رسول الله  فقال: "هو قصر في الجنة من اللؤلؤ وفيه سبعون داراً من ياقوته حمراء، في كل دار سبعون بيتاً من زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريراً على كل سرير سبعون فراشاً على كل فراش زوجة من الحور العين، وفي كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لوناً من الطعام، وفي كل بيت سبعون وصيفة يعطى المؤمن من القوة ما يأتي على ذلك أجمع" .

وعن ابن عباس أنها دار الله لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر.

وقال ابن مسعود: جنات عدن بطنان الجنة أي وسطها قاله الأزهري.

وبطنان الأودية المواضع التي يستنقع فيها السيل واحدها بطن.

وقال عطاء عن ابن عباس: هي قصبة الجنة وسقفها عرش الرحمن وهي المدينة التي فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى.

وسائر الجنات حولها.

وفيها عين التسنيم وفيها قصور الدر والياقوت والذهب.

فتهب الريح من تحت العرش فتدخل عليها كثبان المسك الأبيض.

وقال عبد الله بن عمر: وإن في الجنة قصراً يقال له عدن حوله البروج وله خمسة آلاف باب على كل باب خمسة آلاف حبرة لا يدخله إلا نبي أو صدّيق أو شهيد.

وفي هذه الأخبار دلالة على أن عدناً علم ويؤيده قوله ﴿ جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب  ﴾ ولو لم يكن علماً لم يوصف بالمعرفة.

ولا ريب أن أصله صفة من قولك عدن بالمكان إذا أقام به، ومنه المعدن للمكان الذي تخلق فيه الجواهر.

وعلى هذا فالجنات كلها جنات عدن.

إلا أن يغلب الاسم على بعضها.

﴿ ورضوان من الله ﴾ شيء يسير من رضاه ﴿ أكبر ﴾ من ذلك كله لأن رضاه سبب كل فوز وكرامة وكل خطب مع رضا المولى هين، وكل نعيم مع سخطه منغص.

وفيه دليل على أن السعادات الروحانية أعلى حالاً وأشرف مآلاً من السعادات الجسمانية بل لا نسبة لتلك اللذة والابتهاج إلى هذه على أن الاعتراف بالسعادات الجسمانية واجب من حيث الشرع ﴿ ذلك ﴾ الموعود والرضوان ﴿ هو الفوز العظيم ﴾ وحده دون ما يعده الناس فوزاً.

في الحديث "إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة هل رضيتم؟

فيقولون: ومالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك فيقول أنا أعطيكم أفضل من ذلك قالوا وأي شيء أفضل من ذلك قال أدخل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً" ثم عاد مرة أخرى إلى شرح أحوال المنافقين فقال ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ﴾ قال الضحاك: أي جاهد الكفار واغلظ على المنافقين لأن المنافق لا تجوز محاربته في ظاهر الشرع.

وضعف بأن النسق يأباه.

وقيل: المراد بهؤلاء المنافقين هم الذين عرفه الله حالهم فصاروا كسائر الكفرة فجاز قتالهم، وزيف بأنه وإن علم حالهم بالوحي إلا أنه مأمور بأن يحكم بالظاهر والقوم كانوا يظهرون الإسلام فكيف يجوز قتالهم؟

والصحيح أن الجهاد بذل المجهود في حصول المقصود وهو شامل للسيف واللسان، فالمراد جاهد الكفار بالسيف والمنافقين بالحجة واغلظ عليهم في الجهادين جميعاً عن ابن مسعود: إن لم يستطع بيده فبلسانه، فإن لم يستطع فليكفهر في وجهه، فإن لم يستطع فبقلبه بأن يكرهه ويبغضه ويتبرأ منه.

وحمل الحسن جهاد المنافقين على إقامة الحدود عليهم إذا تعاطوا أسبابها.

واعترض عليه بأن إقامة الحدود واجبة على كل فاسق فلا يكون لهذا تعلق بالنفاق.

واعتذر عنه بأنه قال ذلك لأن عنده أن كل فاسق منافق أو لأن الغالب ممن يقام عليه الحد في زمن رسول الله  كونه منافقاً.

قال الضحاك: خرج المنافقون مع رسول الله  إلى تبوك، وكانوا إذا خلا بعضهم إلى بعض سبوا رسول الله  وأصحابه وطعنوا في الدين، فنقل ما قالوا حذيفة إلى رسول الله  فقال رسول الله  : يا أهل النفاق ما هذا الذي بلغني عنكم؟

فحلفوا ما قالوا شيئاً من ذلك فأنزل الله  ﴿ يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر ﴾ وعن قتادة أن رجلين اقتتلا رجل من جهينة ورجل من غفار فظهر الغفاري على الجهني فنادى عبد الله بن أبيّ يا بني الأوس انصروا أخاكم فوالله ما مثلنا محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك وقال ﴿ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل  ﴾ فسعى بها رجل من المسلمين إلى نبي الله  فأرسل إليه فجعل يحلف بالله ما قال فنزلت الآية.

ومعنى قوله ﴿ وكفروا بعد إسلامهم ﴾ أنهم أظهروا الكفر بعدما كانوا يظهرون الإسلام.

أما قوله ﴿ وهموا بما لم ينالوا ﴾ فهو الفتك برسول الله  عند مرجعه من تبوك، وذلك أنه توافقخمسة عشر رجلاً منهم على أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي إذا تسنم العقبة بالليل، وكان عمار بن ياسر أخذ بخطام راحلته يقودها وحذيفة خلفها يسوقها، فبيناهم كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الإبل وبقعقعة السلام فالتفت فإذا هم قوم متلثمون فقال: إليكم إليكم يا أعداء الله فهربوا.

وقيل: همّ المنافقون بقتل عامر بن قيس لرده على الجلاس بن سويد وقد مر في تفسير قوله ﴿ يحلفون بالله لكم ليرضوكم  ﴾ وقيل: أرادوا أن يتوجوا عبد الله بن أبي وإن لم يرض رسول الله  .

﴿ وما نقموا ﴾ وما أنكروا وما عابوا ﴿ إلا أن أغناهم ﴾ كقول القائل.

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** وذلك أنهم كانوا حين قدم رسول الله  المدينة في ضنك من العيش لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة فظفروا بالغنائم وجمعوا الأموال.

وروي أنه قُتل للجلاس مولى فأمر رسول الله  بديته اثني عشر ألفاً فاستغنى، ثم استعطف قلوبهم بعد صدور هذه الجنايات العظيمة عنهم فقال ﴿ فإن يتوبوا يك ﴾ يعني ذلك الرجوع ﴿ خيراً لهم ﴾ وكان الجلاس ممن تاب فحسنت توبته ﴿ وإن يتولوا ﴾ يعرضوا عن التوبة ﴿ يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا ﴾ بالقتل والسبي واغتنام الأموال.

وقيل: بما ينالهم عند الموت ومعاينة ملائكة العذاب.

وقيل: في القبر وأما عذاب الآخرة فمعلوم ﴿ وما لهم في الأرض ﴾ يحتمل أرض الدنيا وأرض القيامة.

ثم بين أن هؤلاء كما ينافقون الرسول والمؤمنين فكذلك ينافقون ربهم فيما يعاهدونه عليه فقال ﴿ ومنهم من عاهد الله ﴾ يروى عن أبي أمامة الباهلي أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري قال لرسول الله  : ادع الله أن يرزقني مالاً فقال: ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه.

ثم قال مرة أخرى فقال: أما ترضى أن تكون مثل نبي الله، فوالذي نفسي بيده لو شئت أن تسير معي الجبال فضة وذهباً لسارت.

فقال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله أن يرزقني مالاً لأويتن كل ذي حق حقه.

فقال رسول الله  : اللهم ارزق ثعلبة مالاً.

فاتخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها ونزل وادياً من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما.

ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمو كما ينمو الدود حتى ترك الجمعة، فسأل عنه رسول الله  فأخبر خبره فقال: يا ويح ثعلبة ثلاثاً وأنزل الله عز وجل ﴿ خذ من أموالهم صدقة  ﴾ فبعث رسول الله  رجلين على الصدقة رجلاً من جهينة ورجلاً من بني سليم، وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة وقال لهما.

مرا بثعلبة وبفلان رجل من بني سليم فخذا صدقاتهما.

فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله  فقال: ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية ما أدري ما هذا، انطلقا حتى تفرغا ثم تعودان إليّ.

فانطلقا وأخبرا السلمي فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهم بها فلما رأوها قالوا: ما يجب هذا عليك وما نريد أن نأخذ هذا منك.

قال: بلى خذوه فإن نفسي بها طيبة.

فأخذوها منه ثم رجعا على ثعلبة فقال: أروني كتابكما ثم قال: ما هذه إلا أخت الجزية، انطلقا حتى أرى رأيي.

فانطلقا حتى أتيا النبي  فلما رآهما قال: يا ويح ثعلبة قبل أن يكلمهما ودعا للسلمي بالبركة ثم نزلت الآية وعند رسول الله  رجل من أقارب ثعلبة، فخرج إليه وقال: يا ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا.

فخرج ثعلبة حتى أتى النبي  فسأله أن يقبل منه صدقته فقال: إن الله قد منعني أن أقبل منك صدقتك.

فجعل يحثو التراب على رأسه فقال رسول الله  : هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني.

فلما أبى أن يقبل منه شيئاً رجع إلى منزله وقبض رسول الله  ولم يقبل منه شيئاً، ثم أتى أبا بكر حين استخلف فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله  وموضعي من الأنصاري فاقبل صدقتي.

فقال: لم يقبلها رسول الله وأنا أقبلها؟

فقبض أبو بكر وأبى أن يقبلها، ثم جاء بها إلى عمر في خلافته فلم يقبلها في خلافة عثمان ولم يقبل صدقته واحد من الخلفاء اقتداء برسول الله  .

وأقول وما ذاك إلا بشؤم اللجاج أولاً وآخراً.

قال بعض العلماء: المعاهدة أعم من أن تكون باللسان أو بالقلب.

وقال المحققون.

إنه لا بد من التلفظ بها لما روي أنه  قال: "إن الله عفا عن أمتي ما حدثت به نفوسهم ولم يتلفظوا به" ولأن قوله عز من قائل ﴿ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدّقن ﴾ ظاهره مشعر بالقول اللساني.

والمراد بالفضل إيتاء المال بطريق التجارة أو الاستغنام ونحوهما.

وأصل ﴿ لنصدقن ﴾ لنتصدقن أدغمت التاء في الصاد.

والمصدق المعطي لا السائل كقوله  ﴿ وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين  ﴾ ومعنى قوله ﴿ ولنكونن من الصالحين ﴾ عن ابن عباس أنه أراد الحج.

ولعل المراد إخراج كل ما يجب إخراجه إذ لا دليل على التقييد.

ثم وصفهم بصفات ثلاث فقال ﴿ فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون ﴾ فالبخل عبارة عن منع الحق الشرعي، والتولي نقض العهد، والإعراض أراد به الإحجام عن تكاليف الله وأن ذلك منهم عادة معتادة، ولترتب هذا الذم عل أمنع الصدقة ولإطلاق لفظة البخل عليه وهو في عرف الشرع عبارة عن منع الواجب.

ذكر العلماء أن الصدقة الملتزمة في قوله ﴿ لنصدقن ﴾ هي الصدقة الواجبة.

وأن الرجل قد عاهد ربه أن يقول بما يلزمه من الإنفاقات الواجبة.

إن وسع الله عليه دون ما يلتزنه الإنسان بالنذر من المندوبات إذ لا دليل في الآية على ذلك مع أن سبب النزول يأباه.

فإن قيل: الزكاة لا تلزم بسبب الالتزام وإنما تلزم بسبب ملك النصاب وحلول الحول.

قلنا إن قوله ﴿ لنصدقن ﴾ لا دليل فيه على الفور بل المراد لنصدقن في وقته الذي يليق به.

وفي الآية دلالة على أن الرجل حين عاهد بهذا العهد كان مسلماً ثم إنه لما بخل بالمال ولم يف بالعهد صار منافقاً ويؤكده قوله  ﴿ فأعقبهم نفاقاً ﴾ عن الحسن وقتادة أن أعقب مسند إلى ضمير البخل أي أورثهم البخل نفاقاً متمنكاً في قلوبهم لأنه كان سبباً فيه وباعثاً عليه، وكذا التأويل إن جعل عائداً إلى التولي أو الإعراض.

وضعت بأن حاصل هذه الأمور كونه تاركا لأداء الواجب وذلك لا يمكن جعله مؤثراً في حصول النفاق فى القلب لأن ترك الواجب عدم والنفاق جهل وكفر وهو أمر وجودي والعدم لا يؤثر في الوجود، ولأن هذا الترك قد يوجد في حق كثير من الفساق مع أنه لا يحصل معه النفاق، ولأنه لو أوجب حصول الكفر في القلب لأوجبه سواء كان الترك جائزاً شرعاً أو محرماً فسبب اختلافات الأحكام الشرعية لا يخرج السبب عن كونه مؤثراً، ولأن البخل أو التولي أو الإعراض هو بعينه خلاف ما وعدوا الله به فيصير تقدير الآية إن التولي أوجب النفاق بسبب التولي وهذا كلام كما ترى فلم يبق إلا أن يسند الفعل إلى الله  فيكون فيه دليل على أن خالق الكفر في القلوب هو الله، ومن هنا قال الزجاج: معناه أنهم لما ضلوا في الماضي فالله  يضلهم عن الدين في المستقبل ومما يؤكد القول بأن الضمير في ﴿ أعقب ﴾ لله أن الضمير في قوله ﴿ إلى يوم يلقونه ﴾ عائد إلى الله.

وللمعتزلة أن يقولوا: النفاق وإن سلم أنه وجودي لكنه أمر شرعي ولا يبعد جعل شيء عدمي أمارة عليه.

وأيضاً الترك المقرون بالتولي والإعراض لا نسلم أنه لا يحصل معه النفاق، ولا يلزم من كون الترك المحرم موجباً للكفر بجعل الشارع كون الترك الجائز كذلك، ولا نسلم أن البخل هو بعينه إخلاف الوعد والكذب بل قد يقع البخل من غير سبق وعد.

سلمنا عود الضمير إلى الله لكن من أين يلزم كونه خالقاً للكفر والنفاق، ولم لا يجوز أن يراد فأعقبهم الله العقوبة على النفاق بإحداث الغم في قلوبهم وضيق الصدور ما ينالهم من الذل والخوف، أو يراد فخذلهم حتى نافقوا وتمكن في قلوبهم نفاقهم فلا ينفك عنها إلى أن يموتوا؟

ولأهل السنة أن يقولوا هذا عدول عن الظاهر مع أن الدلائل الدالة على وجوب انتهاء الكل إلى مشيئة الله وتقديره تعضد ما قلناه.

قال العلماء: ظاهر الآية يدل على أن نقض العهد وخلف الوعد يورث النفاق، فعلى المسلم أن يبالغ في الاحتراز عنه.

ومذهب الحسن البصري أن نقض العهد يوجب النفاق لا محالة تمسكاً بهذه الآية وبقوله  "ثلاث من كنّ فيه فهو منافق وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان" وقال عطاء بن أبي رباح: حدثني جابر بن عبد الله أن رسول الله  إنما ذكر قوله "ثلاث من كن فيه فهو منافق" في المنافقين خاصة الذين حدثوا رسول الله  فكذبوه واؤتمنوا على سره فخانوه ووعدوه أن يخرجوا معه إلى الغزو فأخلفوه.

ونقل أن عمرو بن عبيد فسر الحديث فقال: إذا حدث عن الله كذب عليه وعلى دينه ورسوله، وإذا وعد أخلف كما ذكره الله فيمن عاهده، وإذا أؤتمن على دين الله خان في السر وكان قلبه على خلاف لسانه.

ونقل أن واصل بن عطاء أرسل إلى الحسن رجلاً فقال: إن أولاد يعقوب حدثوه في قولهم ﴿ فأكله الذئب  ﴾ فكذبوا، ووعدوه في قولهم ﴿ وإنّا له لحافظون  ﴾ فأخلفوا وائتمنهم أبوهم على يوسف فخانوه، فهل تحكم بكونهم منافقين؟

فتوقف الحسن في مذهبه.

قال أهل التفسير: قوله ﴿ إلى يوم يلقونه ﴾ دل على أن ذلك المعاهد يموت على ذلك وكان كما أخبر فيكون إخباراً بالغيب ومعجزاً.

قال الجبائي: هذا اللقاء لا شك أنه ليس بمعنى الرؤية لأن الكفار لا يرونه بالاتفاق فدل على أن اللقاء في القرآن ليس بمعنى الرؤية، وضعف بأنه لا يلزم من عدم كون هذا اللقاء بمعنى الرؤية كون كل لقاء ورد في القرآن كذلك كقوله ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم  ﴾ .

ثم وبخهم على التجاهل أو عدم العلم بعلم الله وإحاطته بضمائرهم وتناجيهم فقال ﴿ ألم يعلموا ﴾ الآية.

والسر ما ينطوي عليه الصدر، والنجوى ما يكون بين اثنين وأكثر مع الإخفاء عن غيرهم.

والترتيب يدل على التخليص كما مر في الإنجاء كان المتناجيين تخلصا عن غيرهما ومنه ﴿ خلصوا نجياً  ﴾ ومعنى الآية كيف تتجرؤون على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتناجي فيما بينهم مع أنه  يعلم ذلك من حالهم كما يعلم الظاهر ويعاقب عليه كما يعاقب على الظاهر لأنه العالم بجميع المعلومات على أي وجه يفرض؟!

عن ابن عباس أن رسول الله  خطبهم ذات يوم وحثهم على أن يجمعوا الصدقات، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال: يا رسول الله  مالي ثمانية آلاف جئتك بنصفها فاجعلها في سبيل الله وأمسكت نصفها لعيالي.

فقال رسول الله  : بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت فبارك الله في مال عبد الرحمن حتى إنه خلف امرأتين يوم مات فبلغ ثمن ماله لهما مائة وستين ألف درهم.

وقيل؛ صولحت إحداهما على ثمانين ألفاً.

وتصدق يومئذ عاصم بن عدي العجلاني بمائة وسق من تمر، وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع من تمر وقال: أجرت الليلة الماضية نفسي من رجل لإرسال الماء إلى نخيله فأخذت صاعين من تمر، أمسكت أحدهما لعيالي وأقرضت الآخر لربي، فأمر رسول الله  بوضعه في الصدقات فلمزهم المنافقون وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلاَّ رياء وسمعة، وأما أبو عقيل فإنه جاء بصاعه ليذكر مع سائر الأكابر والله غني عن صاعه فأنزل الله  ﴿ الذين يلمزون المطوعين ﴾ أي المتطوعين فأدغمت.

والتطوع التنفل وهو الطاعة لله بما ليس بواجب.

والجهد بالضم والفتح شيء قليل يعيش به المقل، قاله الليث.

وقال الفراء: الضم لغة أهل الحجاز والفتح لغيرهم.

وفرق ابن السكيت بينهما فقال: الجهد بالضم الطاقة وبالفتح المشقة.

وقال الشعبي: الأول في العمل والثاني في القوة ﴿ سخر الله منهم ﴾ خير لا دعاء كقوله ﴿ الله يستهزىء بهم  ﴾ وقد عرفت أن هذا من قبيل المشاكلة، أو المراد منه لازم السخرية وهو إيقاع الذل والهوان بهم.

وقال الأصم: المراد أنه تعالى يكلفهم إنفاق المال مع أنه لا يثيبهم عليه، وإنما توجه الذم على المنافقين في هذا اللمز لأن الحكم بالرياء لمن يعطي الكثير كعبد الرحمن بن عوف وعاصم حكم على بواطن الأمور وذلك أمر استأثر الله به ورسوله.

وأيضاً لمز الفقير على جهد المقل سفه لأنه لما لم يقدر إلا عليه فقد بذل كل ما له فعلم منه غالباً أنه إن قدر على أكثر من ذلك لم يكن منه منع، وسعي الإنسان في أن يضم نفسه إلى أهل الخير والدين خير له من أن يضم نفسه إلى أهل الكسل والبطالة، ولو لم تكن فيه إلا الثقة بالله والدخول في زمرة من يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة لكفى به منقبة وفضلاً.

التأويل: ﴿ بعضهم أولياء بعض ﴾ لأن التعارف في عالم الأرواح يوجب التآلف في عالم الأشباح ﴿ يأمرون بالمعروف ﴾ الحقيقي أي بطلبه والمطلوب هو الله لقوله "فأحببت أن أعرف" ﴿ وينهون عن المنكر ﴾ وهو ما يقطع العبد عن الله ﴿ ويقيمون الصلاة ﴾ الحقيقية ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ يعني ما فضل عن كفافهم الضروري ﴿ ويطيعون الله ورسوله ﴾ بخلاف المنافقين فإنهم يطيعون النفس والهوى ﴿ ومساكن طيبة ﴾ على مراتب النفوس الطيبة فإن الطيبات للطيبين ﴿ يا أيها النبي ﴾ يعني القلب الذي له نبأ من مقام الانباء ﴿ جاهد ﴾ النفوس الكافرة بسيف الصدق والمخالفات، وجاهد نفوس المريدين الذين يدعون الإرادة في الظاهر دون الباطن ﴿ واغلظ عليهم ﴾ في المؤخذات بأحكام الشريعة والطريقة حتى تتمرن نفوسهم وإلا ﴿ فمأواهم جهنم ﴾ القطيعة ﴿ ولقد قالوا كلمة الكفر ﴾ وهي التي توجب الإنكار والاعتراض على الشيخ ﴿ وهموا بما لم ينالوا ﴾ أي أثبتوا لأنفسهم مرتبة الشيخوخة قبل أوانها ﴿ وما نقموا ﴾ إلا أن الشيخ رباهم بلبان فضل الله عن حلمة الولاية فلم يحتملوا لضيق حوصلة الهمة، ومربد الطريقة أعظم من مربد الشريعة فلهذا يكون عذابه أليماً في الدنيا والآخرة كما قال الجنيد: لو أقبل صديق إلى الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ناله ﴿ ومنهم من عاهد الله ﴾ باستعداده الفطري ﴿ لئن آتانا من فضله ﴾ جعلنا متمكنين من اكتساب الكمال ﴿ لنصدقن ﴾ لنصرفن كل ما أعطانا فيما أعطى لأجله ﴿ إلى يوم يلقونه ﴾ أي يلقون جزاء النفاق ﴿ وأن الله علام الغيوب ﴾ يعلم ما توسوس به أنفسهم وهو غيب عن الخلق ويعلم ما يستكن في قلوبهم وهو غيب في نفوسهم ولهذا قال ﴿ الغيوب ﴾ .

﴿ سخر الله منهم ﴾ ذكره بلفظ الماضي ليعلم أن سخرية المنافقين نتيجة سخرية الله بهم في الأزل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ على الإيجاب والإخبار أن الدين الذي اعتقدوا أو تمسكوا به يوجب لهم الولاية، ويصير بعضهم أولياء بعض؛ كقوله: ﴿ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ...

 ﴾ الآية، وقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ  ﴾ ونحوه، فهي أخوة الدين وولايته.

ويحتمل قوله: ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ : على الأمر، أي: اتخذوا بعضكم أولياء بعض، ولا تتخذوا غيركم أولياء؛ كقوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ  ﴾ وقوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ  ﴾ نهى المؤمنين أن يتخذوا أولياء من غيرهم، فكأنه أمر أن يتخذ المؤمنون بعضهم بعضاً أولياء، لا يتخذوا من غيرهم.

ثم يحتمل الولاية وجهين: الأولى: ولاية روحانية؛ وهي ولاية في الدين توجب مراعاة حقوق تحدث بالدين الذي جمعهم وحفظها.

والثانية: ولاية نفسانية؛ وهي الولاية التي تكون في الأنفس والأموال؛ من نحو ولاية النكاح والميراث وغيره، فهذه الولاية هي الولاية النفسانية التي كانت بالرحم والنسب، فإذا اجتمعوا في دين واحد وجبت تلك الولاية لهم؛ وهي الولاية نفسها.

والولاية الروحانية هي [المودة والمحبة]، فيجب مراعاتها بالدين وتعاهدها، وهذا كما تقول: حياة روحانية وحياة جسدانية، والحياة الروحانية: هي العلم والآداب، يرى أشياء ويعرفها من بعد الحياة الجسدانية: وهي الروح الذي به يحيا الجسد، وبذهابه يموت الجسد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ .

يحتمل المعروف: الذي توجبه العقول، وهو التوحيد لله والإيمان به.

﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ .

أي: ينهون عما ينكر بالعقول؛ وهو الشرك بالله والتكذيب له.

وهذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [هو] فيما بين الكفرة، يأمرهم المؤمنون بذلك، ويدعونهم إلى ذلك، وينهونهم عن ضدّ ذلك.

وإن كان فيما بين المؤمنين فهو أمر شرع [ونهي شرع] يأمر بعضهم بعضاً بما جاء به الشرع، وينهاه عما لم يجيء به الشرع.

أو يأمر بعضهم بعضاً بكل خير وبرّ، وينهى عن كل شرّ ومعصية.

﴿ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ في كل أمره ونهيه.

﴿ أُوْلَـٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ ﴾ وعد أنه يرحمهم.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .

قيل: ﴿ عَزِيزٌ ﴾ ترى آثار عزه في كل شيء، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ : ترى آثار حكمته وتدبيره في كل شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ .

أي: رضاء الله عنهم أكبر من كل ما أعطاهم؛ لأن فيه حياة الروح ولذته، وما أعطاهم من الجنة والمساكن الطيبة فيه حياة الجسد ولذته، وحياة الروح أرفع وأكبر من حياة الجسد؛ لأنه لا يؤثر زيادة في الجسد، كذلك العز والحمد، وذكر الحسن فيه حياة الروح ولذته؛ إذ ليس فيه زيادة في الجسد، إنما هو فرح وسرور يدخل فيه، وإذا أصابه شيء من الذل أو سمع مكروهاً، حزن واهتم من غير أن يتألم جسده أو يجد ألماً وشدة في نفسه، وذلك لما أصاب روحه لم يصب جسده، وأصله أن العمل في الدنيا لطلب مرضاة الله، ومرضاته أكبر من العمل لطلب ثوابه؛ لأن العمل لطلب [رضائه أمر عليه، والعمل لطلب] الثواب أمر له، فالذي قام بأداء ما عليه أعظم درجة وأكبر فضلاً من الذي قام بعمل ما له؛ لأن كل أحد يعمل ما له وله فيه نفع، ولا كل أحد يعمل لغيره؛ لذلك كان ما ذكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ .

لأنه فوز ونجاة، لا خوف بعده، ولا هوان ولا ذل.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أنصار بعض وأعوانهم؛ لجمع الإيمان بينهم، يأمرون بالمعروف؛ وهو كل محبوب لله تعالى من وجوه طاعته كالتوحيد والصلاة، وينهون عن المنكر؛ وهو كل ما أبغضه الله تعالى من المعاصي كالكفر والربا، ويؤدون الصلاة كاملة على أكمل وجه، ويطيعون الله، ويطيعون رسوله؛ أولئك المتصفون بهذه الصفات الحميدة سيدخلهم الله في رحمته، إن الله عزيز، لا يغالبه أحد، حكيم في خلقه وتدبيره وشرعه.

<div class="verse-tafsir" id="91.MbMX0"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل