الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٨٤ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 96 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٤ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
أمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يبرأ من المنافقين ، وألا يصلي على أحد منهم إذا مات ، وألا يقوم على قبره ليستغفر له أو يدعو له ؛ لأنهم كفروا بالله ورسوله ، وماتوا عليه .
وهذا حكم عام في كل من عرف نفاقه ، وإن كان سبب نزول الآية في عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين ، كما قال البخاري : حدثنا عبيد بن إسماعيل ، عن أبي أسامة ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : لما توفي عبد الله - هو ابن أبي - جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه ، فأعطاه ، ثم سأله أن يصلي عليه ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصلي عليه ، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه !
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنما خيرني الله فقال : ( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ) وسأزيده على السبعين .
قال : إنه منافق !
قال : فصلى عليه [ رسول الله صلى الله عليه وسلم ] فأنزل الله - عز وجل - آية : ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ) وكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن أبي أسامة حماد بن أسامة ، به .
ثم رواه البخاري عن إبراهيم بن المنذر ، عن أنس بن عياض ، عن عبيد الله - وهو ابن عمر العمري - به ، وقال : فصلى عليه ، وصلينا معه ، وأنزل الله : ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ) الآية .
وهكذا رواه الإمام أحمد ، عن يحيى بن سعيد القطان ، عن عبيد الله ، به .
وقد روي من حديث عمر بن الخطاب نفسه أيضا بنحو من هذا ، فقال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب ، حدثنا أبي ، عن ابن إسحاق ، حدثني الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس قال : سمعت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول : لما توفي عبد الله بن [ أبي دعي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للصلاة عليه ، فقام إليه ، فلما وقف عليه يريد الصلاة تحولت حتى قمت في صدره ، فقلت : يا رسول الله ، أعلى عدو الله عبد الله بن ] أبي القائل يوم كذا : كذا وكذا - يعدد أيامه - قال : ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبسم ، حتى إذا أكثرت عليه قال : أخر عني يا عمر ، إني خيرت فاخترت ، قد قيل لي : ( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ) [ التوبة : 80 ] لو أعلم أنى إن زدت على السبعين غفر له لزدت .
قال : ثم صلى عليه ، ومشى معه ، وقام على قبره حتى فرغ منه - قال : فعجب لي وجراءتي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله ورسوله أعلم !
قال : فوالله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان : ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ولا تعجبك ) فما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعده على منافق ، ولا قام على قبره ، حتى قبضه الله ، عز وجل .
وهكذا رواه الترمذي في " التفسير " من حديث محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، به وقال : حسن صحيح .
ورواه البخاري عن يحيى بن بكير ، عن الليث ، عن عقيل ، عن الزهري ، به ، فذكر مثله ، وقال : أخر عني يا عمر .
فلما أكثرت عليه قال : إني خيرت فاخترت ، ولو أعلم أنى إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها .
قال : فصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم انصرف ، فلم يلبث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان من براءة : ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ) الآية ، فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلم .
.
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن أبي عبيد ، حدثنا عبد الملك ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : لما مات عبد الله بن أبي ، أتى ابنه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، إنك إن لم تأته لم نزل نعير بهذا .
فأتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - فوجده قد أدخل في حفرته ، فقال : أفلا قبل أن تدخلوه !
فأخرج من حفرته ، وتفل عليه من قرنه إلى قدمه ، وألبسه قميصه .
ورواه النسائي ، عن أبي داود الحراني ، عن يعلى بن عبيد ، عن عبد الملك - وهو ابن أبي سليمان - به .
وقال البخاري : حدثنا عبد الله بن عثمان ، أخبرنا ابن عيينة ، عن عمرو ، سمع جابر بن عبد الله قال : أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن أبي بعد ما أدخل في قبره ، فأمر به فأخرج ، ووضع على ركبتيه ، ونفث عليه من ريقه ، وألبسه قميصه والله أعلم .
وقد رواه أيضا في غير موضع مع مسلم والنسائي ، من غير وجه ، عن سفيان بن عيينة ، به .
وقال الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده : حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا يحيى ، حدثنا مجالد ، حدثنا عامر ، حدثنا جابر ( ح ) وحدثنا يوسف بن موسى ، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء الدوسي ، حدثنا مجالد ، عن الشعبي ، عن جابر قال : لما مات رأس المنافقين - قال يحيى بن سعيد : بالمدينة - فأوصى أن يصلي عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاء ابنه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن أبي أوصى أن يكفن في قميصك - وهذا الكلام في حديث عبد الرحمن بن مغراء - قال يحيى في حديثه : فصلى عليه ، وألبسه قميصه ، فأنزل الله تعالى : ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ) وزاد عبد الرحمن : وخلع النبي - صلى الله عليه وسلم - قميصه ، فأعطاه إياه ، ومشى فصلى عليه ، وقام على قبره ، فأتاه جبريل - عليه السلام - لما ولى قال : ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ) وهذا إسناد لا بأس به ، وما قبله شاهد له .
وقال الإمام أبو جعفر الطبري : حدثنا [ أحمد بن إسحاق ، حدثنا ] أبو أحمد ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن يزيد الرقاشي ، عن أنس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يصلي على عبد الله بن أبي ، فأخذ جبريل بثوبه وقال : ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ) ورواه الحافظ أبو يعلى في مسنده ، من حديث يزيد الرقاشي وهو ضعيف .
وقال قتادة : أرسل عبد الله بن أبي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مريض ، فلما دخل عليه قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : أهلكك حب يهود .
قال : يا رسول الله ، إنما أرسلت إليك لتستغفر لي ، ولم أرسل إليك لتؤنبني !
ثم سأله عبد الله أن يعطيه قميصه أن يكفن فيه أباه ، فأعطاه إياه ، وصلى عليه ، وقام على قبره ، فأنزل الله - عز وجل - : ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ) وقد ذكر بعض السلف أنه إنما ألبسه قميصه ؛ لأن عبد الله بن أبي لما قدم العباس طلب له قميص ، فلم يوجد على تفصيله إلا ثوب عبد الله بن أبي ؛ لأنه كان ضخما طويلا ففعل ذلك به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكافأة له ، فالله أعلم ، ولهذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد نزول هذه الآية الكريمة عليه لا يصلي على أحد من المنافقين ، ولا يقوم على قبره ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب ، حدثنا أبي ، عن أبيه ، حدثني عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دعي لجنازة سأل عنها ، فإن أثني عليها خيرا قام فصلى عليها ، وإن أثني عليها غير ذلك قال لأهلها : شأنكم بها ، ولم يصل عليها .
وكان عمر بن الخطاب لا يصلي على جنازة من جهل حاله ، حتى يصلي عليها حذيفة بن اليمان ؛ لأنه كان يعلم أعيان منافقين قد أخبره بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ ولهذا كان يقال له : " صاحب السر " الذي لا يعلمه غيره ، أي من الصحابة .
وقال أبو عبيد في كتاب " الغريب " ، في حديث عمر أنه أراد أن يصلي على جنازة رجل ، فمرزه حذيفة ، كأنه أراد أن يصده عن الصلاة عليها ، ثم حكي عن بعضهم أن " المرز " بلغة أهل اليمامة هو : القرص بأطراف الأصابع .
ولما نهى الله - عز وجل - عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم للاستغفار لهم ، كان هذا الصنيع من أكبر القربات في حق المؤمنين ، فشرع ذلك ، وفي فعله الأجر الجزيل ، لما ثبت في الصحاح وغيرها من حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط ، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان .
قيل : وما القيراطان ؟
قال : أصغرهما مثل أحد .
وأما القيام عند قبر المؤمن إذا مات فقد قال أبو داود : حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي ، أخبرنا هشام ، عن عبد الله بن بحير ، عن هانئ - وهو أبو سعيد البربري ، مولى عثمان بن عفان - عن عثمان - رضي الله عنه - قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا فرغ من دفن الرجل وقف عليه وقال : استغفروا لأخيكم ، واسألوا له التثبيت ، فإنه الآن يسأل .
انفرد بإخراجه أبو داود ، رحمه الله .
القول في تأويل قوله : وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولا تصلِّ، يا محمد، على أحد مات من هؤلاء المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج معك أبدًا =(ولا تقم على قبره)، يقول: ولا تتولَّ دفنه وتقبيره.
(25) من قول القائل: " قام فلان بأمر فلان "، إذا كفاه أمرَه.
* * * =(إنهم كفروا بالله)، يقول: إنهم جحدوا توحيد الله ورسالة رسوله = وماتوا وهم خارجون من الإسلام، مفارقون أمرَ الله ونهيه.
(26) * * * وقد ذكر أن هذه الآية نـزلت حين صلى النبي صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبيّ.
* ذكر من قال ذلك: 17050- حدثنا محمد بن المثنى، وسفيان بن وكيع, وسوار بن عبد الله قالوا: حدثنا يحيى بن سعيد, عن عبيد الله قال، أخبرني نافع, عن ابن عمر قال: جاء ابن عبد الله بن أبيّ ابن سلول إلى رسول الله حين مات أبوه فقال: أعطني قميصَك حتى أكفّنه فيه, وصلّ عليه، واستغفر له .
= فأعطاه قميصه = وإذا فرغتم فآذنوني.
(27) فلما أراد أن يصلي عليه, [جذبه] عمر، (28) وقال: أليس قد نهاك الله أن تُصَلّي على المنافقين؟
فقال: بل خيّرني وقال: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ، قال: فصلي عليه.
قال: فأنـزل الله تبارك وتعالى: (ولا تُصَلِّ على أحَدٍ منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره)، قال: فترك الصلاة عليهم.
(29) 17051- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن عبيد الله, عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبي ابن سلول جاء ابنه عبد الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فسأله أن يعطيه قميصه يكفّن فيه أباه، فأعطاه.
ثم سأله أن يصلي عليه، فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأخذ بثوب النبيّ صلى الله عليه وسلم, فقال: ابنَ سلول !
أتصلي عليه، وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما خيَّرني ربّي, فقال: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ، وسأزيد على سبعين.
فقال: إنه منافق !
فصلى عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم, فأنـزل الله: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره).
(30) 17052- حدثنا سوار بن عبد الله العنبري قال، حدثنا يحيى بن سعيد, عن مجاهد قال، حدثني عامر, عن جابر بن عبد الله: أن رأسَ المنافقين مات بالمدينة, فأوصى أن يصلي عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وأن يكفَّن في قميصه، فكفنه في قميصه, وصلى عليه وقام على قبره, فأنـزل الله تبارك وتعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره).
(31) 17053- حدثني أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سلمة, عن يزيد الرقاشي, عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يصلي على عبد الله بن أبيٍّ ابن سلول، فأخذ جبريل عليه السلام بثوبه فقال: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره).
(32) 17054- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة, عن عمرو, عن جابر قال: جاء النبيُّ صلى الله عليه وسلم عبدَ الله بن أبيّ وقد أدخل حُفْرته, فأخرجه فوضعه على ركبتيه، وألبسه قميصه، وتَفَل عليه من ريقه, والله أعلم .
(33) 17055- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق, عن الزهري, عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود, عن عبد الله بن عباس قال: سمعتُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: لما توفي عبد الله بن أبيٍّ ابن سلول، دُعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه, فقام إليه.
فلما وقف عليه يريد الصلاة, تحوَّلتُ حتى قمت في صدره فقلت: يا رسول الله, أتصلي على عدوّ الله عبد الله بن أبي، القائل يوم كذا كذا وكذا!!
أعدِّد أيّامه, (34) ورسول الله عليه السلام يتبسم، حتى إذا أكثرت عليه قال: أخِّر عنّي يا عمر، إني خُيِّرت فاخترت, وقد قيل لي: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ، فلو أنّي أعلم أنّي إن زدت على السبعين غفر له، لزدت !
قال: ثم صلى عليه، ومشى معه، فقام على قبره حتى فرغ منه.
قال: فعجبتُ لي وجُرْأتي (35) على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ورسوله أعلم.
فوالله ما كان إلا يسيرا حتى نـزلت هاتان الآيتان: (ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبدًا)، فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدَه على منافق, ولا قام على قبره، حتى قبضه الله.
(36) 17056- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق, عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: لما مات عبد الله بن أبي, أتى ابنه عبد الله بن عبد الله رسولَ الله صلى الله عليه وسلم, فسأله قميصه, فأعطاه, فكفَّن فيه أباه.
(37) 17057- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني عقيل, عن ابن شهاب قال، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة, عن عبد الله بن عباس, عن عمر بن الخطاب قال: لما مات عبد الله بن أبيّ = فذكر مثل حديث ابن حميد, عن سلمة.
(38) 17058- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره)، الآية, قال: بعث عبد الله بن أبيّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض ليأتيه, فنهاه عن ذلك عمر.
فأتاه نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم، فلما دخل عليه، قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: أهلكك حبُّ اليهود!
قال فقال: يا نبي الله، إني لم أبعث إليك لتؤنّبني, ولكن بعثت إليك لتستغفر لي!
وسأله قميصه أن يكفن فيه, فأعطاه إياه, فاستغفر له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فمات فكفن في قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم, ونفث في جلده، ودلاه في قبره، فأنـزل الله تبارك وتعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا)، الآية.
قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كُلّم في ذلك فقال: وما يغني عنه قميصي من الله = أو: ربي = وصلى عليه = وإني لأرجو أن يسلم به ألفٌ من قومه.
(39) 17059- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة قال: أرسل عبد الله بن أبي بن سلول وهو مريض إلى النبي صلى الله عليه وسلم; فلما دخل عليه, قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أهلكك حبُّ يهود!
قال: يا رسول الله, إنما أرسلت إليك لتستغفر لي، ولم أرسل إليك لتؤنبني!
ثم سأله عبد الله أن يعطيه قميصه أن يكفّن فيه, فأعطاه إياه، وصلى عليه, وقام على قبره, فأنـزل الله تعالى ذكره: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره ).
------------------------- الهوامش : (25) في المطبوعة : " وتقبره " ، غير ما في المخطوطة .
و " التقبير " بمعنى : الدفن ، من ألفاظ قدماء الفقهاء .
وقد سلف استخدام أبي جعفر هذه اللفظة ، وتعليقي عليها فيما سلف 9 : 387 ، تعليق : 1 .
(26) انظر تفسير " الفسق " فيما سلف ص : 385 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(27) في المطبوعة : " قال : وإذا فرغتم " ، وليس في المخطوطة : " قال " بل فيها : " وإذا وإذا فرغتم " ، بالتكرار .
(28) "جذبه" التي بين القوسين ، ساقطة من المخطوطة ، زادها الناشر الأول ، وأصاب .
.
(29) الأثر : 17050 - خبر " عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر " ، رواه البخاري في صحيحه ( الفتح 3 : 110 8 : 251 ، 255 )، رواه من طريق يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله بن عمر ، ثم من طريق أبي أسامة ، عن عبيد الله ، ثم من طريق أنس بن عياض ، عن عبيد الله .
ورواه مسلم في صحيحه 17 : 121 ، من طريق أبي أسامة ، عن عبيد الله بن عمر .
وسيأتي من رواية أبي جعفر، من طريق أسامة، في الذي يليه، رقم: 17051.
وخرجه ابن كثير في تفسيره 4 : 217 - 219 ، فراجعه هناك .
(30) الأثر : 17051 - انظر التخريج السالف .
(31) الأثر : 17052 - حديث جابر بن عبد الله من هذه الطريق، ذكره ابن كثير في تفسيره 4: 219، عن مسند البزار ، من طريق عمرو بن علي ، عن يحيى ، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر، وقال: "وإسناده لا بأس به، وما قبله شاهد له".
وسيأتي حديث جابر من طريق أخرى رقم: 17054 (32) الأثر : 17053 - " يزيد الرقاشي " ، هو " يزيد بن أبان الرقاشي " ، ضعيف بل متروك ، مضى برقم : 6654 ، 6728 ، 7577 ، وغيرها .
(33) الأثر : 17054 - حديث جابر ، مضى من طريق الشعبي آنفا رقم : 10752 .
وأما هذه الطريق ، فمنها رواه البخاري في صحيحه ( الفتح 3 : 111 ) ، ومسلم في صحيحه 175 : 121 ، وروا أيضا من طريق ابن جريج ، عن عمرو بن دينار .
وقوله : " والله أعلم " ، يعني : والله أعلم بقضائه ، إذ فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعل ، مع قضاء الله في المنافقين بما قضى به فيهم .
(34) هكذا في السيرة : " أعدد أيامه " وظنها بعضهم خطأ ، وهو صواب .
يعني يعدد ما كان منه في أيام من أيامه ، يوم قال كذا ، ويوم قال كذا .
(35) في المطبوعة : "أتعجب لي"، وفي المخطوطة : "تعجبت"، وأثبت نص ابن هشام في سيرته .
وفي السيرة: "ولجرأتي".
(36) الأثر : 17055 - سيرة ابن هشام 4 : 196 ، 197 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 17036 .
وحديث الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، رواه البخاري في صحيحه ( الفتح 8 : 254 ) ، من طريق يحيى بن بكير ، عن الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب الزهري .
وسيأتي من هذه الطريق برقم : 17057 .
وخرجه ابن كثير في تفسيره 4 : 218 .
وقوله : " أخر عني يا عمر " ، أي : أخر عني رأيك ، فاختصر إيجاز وبلاغة - هكذا قالوا : وقد ذكرت آنفا ج 10 : 339 ، تعليق : 6 ، أنهم قصروا من شرحه ، وأن معناه ، اصرف عني رأيك وأبعده ، وأنه مما يزداد على بيان كتب اللغة .
(37) الأثر : 17056 - لم أجد هذا الخبر في سيرة ابن هشام.
(38) الأثر : 17057 - سلف تخريجه في رقم : 17055.
(39) قوله : " وصلى عليه " ، هكذا في المخطوطة ، وجعلها في المطبوعة : " وصلاتي عليه " ، كأنه ظنه معطوفًا على قوله : " ما يغنى عنه قميصي " ، ولكن جائز أن يكون ما أثبته من المخطوطة ، هو الصواب ، وهو خبر من قتادة أو غيره ، فصل به بين كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولذلك وضعته بين خطين .
قوله تعالى ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقونفيه إحدى عشرة مسألة :الأولى : روي أن هذه الآية نزلت في شأن عبد الله بن أبي بن سلول وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم عليه .
ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما .
وتظاهرت الروايات بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه ، وأن الآية نزلت بعد ذلك .
وروي عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تقدم ليصلي عليه جاءه جبريل فجبذ ثوبه وتلا عليه ولا تصل على أحد منهم مات أبدا الآية ; فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصل عليه .
والروايات الثابتة على خلاف هذا ، ففي البخاري عن ابن عباس قال : فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف ; فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان من ( براءة ) ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ونحوه عن ابن عمر ; خرجه مسلم .
قال ابن عمر : لما توفي [ ص: 142 ] عبد الله بن أبي بن سلول جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه ثم سأله أن يصلي عليه ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه ، فقام عمر وأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما خيرني الله تعالى فقال : استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة وسأزيد على سبعين قال : إنه منافق .
فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره فترك الصلاة عليهم .
وقال بعض العلماء : إنما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي بناء على الظاهر من لفظ إسلامه .
ثم لم يكن يفعل ذلك لما نهي عنه .الثانية : إن قال قائل : فكيف قال عمر : أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه ; ولم يكن تقدم نهي عن الصلاة عليهم .
قيل له : يحتمل أن يكون ذلك وقع له في خاطره ، ويكون من قبيل الإلهام والتحدث الذي شهد له به النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد كان القرآن ينزل على مراده ، كما قال : وافقت ربي في ثلاث .
وجاء : في أربع .
وقد تقدم في البقرة .
فيكون هذا من ذلك .
ويحتمل أن يكون فهم ذلك من قوله تعالى : استغفر لهم أو لا تستغفر لهم الآية .
لا أنه كان تقدم نهي على ما دل عليه حديث البخاري ومسلم .
والله أعلم .قلت : ويحتمل أن يكون فهمه من قوله تعالى : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين لأنها نزلت بمكة .
وسيأتي القول فيها .الثالثة : قوله تعالى استغفر لهم الآية .
بين تعالى أنه وإن استغفر لهم لم ينفعهم ذلك وإن أكثر من الاستغفار .
قال القشيري : ولم يثبت ما يروى أنه قال : ( لأزيدن على السبعين ) .قلت : وهذا خلاف ما ثبت في حديث ابن عمر ( وسأزيد على سبعين ) وفي حديث ابن [ ص: 143 ] عباس لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر لهم لزدت عليها .
قال : فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
خرجه البخاري .الرابعة : واختلف العلماء في تأويل قوله : استغفر لهم هل هو إياس أو تخيير ، فقالت طائفة : المقصود به اليأس بدليل قوله تعالى : فلن يغفر الله لهم .
وذكر السبعين وفاق جرى ، أو هو عادتهم في العبارة عن الكثرة والإغياء .
فإذا قال قائلهم : لا أكلمه سبعين سنة صار عندهم بمنزلة قوله : لا أكلمه أبدا .
ومثله في الإغياء قوله تعالى : في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا وقوله عليه السلام : من صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا .
وقالت طائفة : هو تخيير - منهم الحسن وقتادة وعروة - إن شئت استغفر لهم وإن شئت لا تستغفر .
ولهذا لما أراد أن يصلي على ابن أبي قال عمر : أتصلي على عدو الله ، القائل يوم كذا كذا وكذا ؟
فقال : إني خيرت فاخترت .
قالوا ثم نسخ هذا لما نزل سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم .
ذلك بأنهم كفروا أي لا يغفر الله لهم لكفرهم .الخامسة : قوله تعالى : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين الآية .
وهذه الآية نزلت بمكة عند موت أبي طالب ، على ما يأتي بيانه .
وهذا يفهم منه النهي عن الاستغفار لمن مات كافرا .
وهو متقدم على هذه الآية التي فهم منها التخيير بقوله : إنما خيرني الله .
وهذا مشكل .
فقيل : إن استغفاره لعمه إنما كان مقصوده استغفارا مرجو الإجابة حتى تحصل له المغفرة .
وفي هذا الاستغفار استأذن عليه السلام ربه في أن يأذن له فيه لأمه فلم يأذن له فيه .
وأما الاستغفار للمنافقين الذي خير فيه فهو استغفار لساني لا ينفع ، وغايته تطييب قلوب بعض الأحياء من قرابات المستغفر له .
والله أعلم .السادسة : واختلف في إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم قميصه لعبد الله ; فقيل : إنما أعطاه لأن عبد الله كان قد أعطى العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم قميصه يوم بدر .
وذلك أن العباس لما أسر يوم بدر - على [ ص: 144 ] ما تقدم - وسلب ثوبه رآه النبي صلى الله عليه وسلم كذلك فأشفق عليه ، فطلب له قميصا فما وجد له قميص يقادره إلا قميص عبد الله ، لتقاربهما في طول القامة ; فأراد النبي صلى الله عليه وسلم بإعطاء القميص أن يرفع اليد عنه في الدنيا ، حتى لا يلقاه في الآخرة وله عليه يد يكافئه بها ، وقيل : إنما أعطاه القميص إكراما لابنه وإسعافا له في طلبته وتطييبا لقلبه .
والأول أصح ; خرجه البخاري عن جابر بن عبد الله قال : لما كان يوم بدر أتي بأسارى وأتي بالعباس ولم يكن عليه ثوب ; فطلب النبي صلى الله عليه وسلم له قميصا فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه ، فكساه النبي صلى الله عليه وسلم إياه ; فلذلك نزع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه الذي ألبسه .
وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن قميصي لا يغني عنه من الله شيئا وإني لأرجو أن يسلم بفعلي هذا ألف رجل من قومي كذا في بعض الروايات ( من قومي ) يريد من منافقي العرب .
والصحيح أنه قال : رجال من قومه .
ووقع في مغازي ابن إسحاق وفي بعض كتب التفسير : فأسلم وتاب لهذه الفعلة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف رجل من الخزرج .السابعة : لما قال تعالى : ولا تصل على أحد منهم مات أبدا قال علماؤنا : هذا نص في الامتناع من الصلاة على الكفار ، وليس فيه دليل على الصلاة على المؤمنين .
واختلف هل يؤخذ من مفهومه وجوب الصلاة على المؤمنين على قولين .
يؤخذ لأنه علل المنع من الصلاة على الكفار لكفرهم لقوله تعالى : إنهم كفروا بالله ورسوله فإذا زال الكفر وجبت الصلاة .
ويكون هذا نحو قوله تعالى : كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون يعني الكفار ; فدل على أن غير الكفار يرونه وهم المؤمنون ; فذلك مثله .
والله أعلم .
أو تؤخذ الصلاة من دليل خارج عن الآية ، وهي الأحاديث الواردة في الباب ، والإجماع .
ومنشأ الخلاف القول بدليل الخطاب وتركه .
روى مسلم عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أخا لكم قد مات فقوموا فصلوا عليه قال : فقمنا فصففنا صفين ; يعني [ ص: 145 ] النجاشي .
وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه ، فخرج بهم إلى المصلى وكبر أربع تكبيرات .
وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز ترك الصلاة على جنائز المسلمين ، من أهل الكبائر كانوا أو صالحين ، وراثة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم قولا وعملا .
والحمد لله .
واتفق العلماء على ذلك إلا في الشهيد كما تقدم ; وإلا في أهل البدع والبغاة .الثامنة : والجمهور من العلماء على أن التكبير أربع .
قال ابن سيرين : كان التكبير ثلاثا فزادوا واحدة .
وقالت طائفة : يكبر خمسا ; وروي عن ابن مسعود وزيد بن أرقم .
وعن علي : ست تكبيرات .
وعن ابن عباس وأنس بن مالك وجابر بن زيد : ثلاث تكبيرات والمعول عليه أربع .
روى الدارقطني عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الملائكة صلت على آدم فكبرت عليه أربعا وقالوا هذه سنتكم يا بني آدم .التاسعة : ولا قراءة في هذه الصلاة في المشهور من مذهب مالك ، وكذلك أبو حنيفة والثوري ; لقوله صلى الله عليه وسلم : إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء رواه أبو داود من حديث أبي هريرة .
وذهب الشافعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن مسلمة وأشهب من علمائنا وداود إلى أنه يقرأ بالفاتحة ; لقوله عليه السلام : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب حملا له على عمومه .
وبما خرجه البخاري عن ابن عباس وصلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال : لتعلموا أنها سنة .
وخرج النسائي من حديث أبي أمامة قال : السنة في الصلاة على الجنائز أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة ، ثم يكبر ثلاثا ، والتسليم عند الآخرة .
وذكر محمد بن [ ص: 146 ] نصر المروزي عن أبي أمامة أيضا قال : السنة في الصلاة على الجنائز أن تكبر ، ثم تقرأ بأم القرآن ، ثم تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم تخلص الدعاء للميت .
ولا يقرأ إلا في التكبيرة الأولى ثم يسلم .
قال شيخنا أبو العباس : وهذان الحديثان صحيحان ، وهما ملحقان عند الأصوليين بالمسند .
والعمل على حديث أبي أمامة أولى ; إذ فيه جمع بين قوله عليه السلام : " لا صلاة " وبين إخلاص الدعاء للميت .
وقراءة الفاتحة فيها إنما هي استفتاح للدعاء .
والله أعلم .العاشرة : وسنة الإمام أن يقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة ، لما رواه أبو داود عن أنس وصلى على جنازة فقال له العلاء بن زياد : يا أبا حمزة ، هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على الجنائز كصلاتك يكبر أربعا ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة ؟
قال : نعم .
ورواه مسلم عن سمرة بن جندب قال : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وصلى على أم كعب ماتت وهي نفساء ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليها وسطها .الحادية عشرة : قوله تعالى ولا تقم على قبره كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له بالتثبيت ، على ما بيناه ( في التذكرة ) والحمد لله .قوله تعالى ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون كرره تأكيدا .
وقد تقدم الكلام فيه .
يقول تعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أبدا} من المنافقين {وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} بعد الدفن لتدعو له، فإن صلاته ووقوفه على قبورهم شفاعة منه لهم، وهم لا تنفع فيهم الشفاعة. {إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} ومن كان كافرا ومات على ذلك، فما تنفعه شفاعة الشافعين، وفي ذلك عبرة لغيرهم، وزجر ونكال لهم، وهكذا كل من علم منه الكفر والنفاق، فإنه لا يصلى عليه. وفي هذه الآية دليل على مشروعية الصلاة على المؤمنين، والوقوف عند قبورهم للدعاء لهم، كما كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يفعل ذلك في المؤمنين، فإن تقييد النهي بالمنافقين يدل على أنه قد كان متقررا في المؤمنين.
( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ) الآية .
قال أهل التفسير : بعث عبد الله بن أبي ابن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض ، فلما دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له أهلكك حب اليهود؟
فقال : يا رسول الله إني لم أبعث إليك لتؤنبني ، إنما بعثت إليك لتستغفر لي ، وسأله أن يكفنه في قميصه ويصلي عليه .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، حدثنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا يحيى بن بكير ، حدثني الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أنه قال : لما مات عبد الله بن أبي ابن سلول دعي له رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه ، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت إليه ، فقلت : يا رسول الله أتصلي على ابن أبي ابن سلول وقد قال يوم كذا وكذا كذا وكذا؟
أعدد عليه قوله ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " أخر عني يا عمر " فلما أكثرت عليه قال : إني خيرت فاخترت ، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها ، قال : فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان من براءة : ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ) إلى قوله : ( وهم فاسقون ) قال : فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ، والله ورسوله أعلم .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، حدثنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان قال عمرو : سمعت جابر بن عبد الله قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بعدما أدخل في حفرته فأمر به فأخرج فوضعه على ركبتيه ونفث في فيه من ريقه وألبسه قميصه .
فالله أعلم وكان كسا عباسا قميصا .
قال سفيان : وقال هارون : وكان على رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصان فقال ابن عبد الله : يا رسول الله ألبس أبي قميصك الذي يلي جلدك .
وروي عن جابر قال : لما كان يوم بدر أتي بالعباس ولم يكن عليه ثوب فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه ، فكساه النبي صلى الله عليه وسلم إياه ، فلذلك نزع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه الذي ألبسه عبد الله .
قال ابن عيينة : كانت له عند النبي صلى الله عليه وسلم يد فأحب أن يكافئه .
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كلم فيما فعل بعبد الله بن أبي فقال صلى الله عليه وسلم : " وما يغني عنه قميصي وصلاتي من الله شيئا والله إني كنت أرجو أن يسلم به ألف من قومه " ، وروي أنه أسلم به ألف من قومه لما رأوه يتبرك بقميص النبي صلى الله عليه وسلم .
قوله : ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ) ولا تقف عليه ، ولا تتول دفنه ، من قولهم : قام فلان بأمر فلان : إذا كفاه أمره .
( إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ) فما صلى النبي صلى الله عليه وسلم بعدها على منافق ولا قام على قبره حتى قبض .
ولما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على ابن أبيّ نزل «ولا تُصلِّ على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره» لدفن أو زيارة «إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون» كافرون.
ولا تصلِّ -أيها الرسول- أبدًا على أحد مات من المنافقين، ولا تقم على قبره لتدعو له؛ لأنهم كفروا بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم وماتوا وهم فاسقون.
وهذا حكم عام في كل من عُلِمَ نفاقه.
وبعد أن بين - سبحانه - ما يجب أن يفعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - معهم فى حياتهم ، أتبع ذلك ببيان ما يجب أن يفعله معهم بعد مماتهم فقال - تعالى - : ( وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ ) .قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : " أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يبرأ من المنافقين ، وان لا يصلى على أحد منهم إذا مات ، وأن لا يقوم على قبره ليستغفر له ، أو يدعو له؛ لأنهم كفروا بالله ورسوله ، وهذا حكم عام فى كل من عرف نفاقه ، وإن كان سبب نزول الآية فى عبد الله بن أبى بن سلول رأس المنافقين " .فقد روى البخارى " عن ابن عمر قال : لما توفى عبد الله بن أبى جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأله أن يعطيه قميصه ليكفن فيه أباه ، فأعطاه إياه ، ثم سأله أن يصلى عليه ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصى عليه ، فقام عمر ، فأخذ بثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال : يا رسول الله ، تصلى عليه ، وقد نهاك ربك أن تصلى عليه؟
فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - " وإنما خيرنى الله " فقال : ( استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ ) وسأزيده على السبعين .
قال : إنه منافق - قال : فصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله - تعالى - قوله : ( وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً .
.
.
) الآية " .وروى الإِمام أحمد عن ابن عباس قال : " سمعت عمر بن الخطاب يقول : لما توفى عبد الله ابن أبى دعى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للصلاة عليه ، فقام عليه " فلما وقف عليه - يريد الصلاة - تحولت حتى قمت فى صدره فقلت : يا رسول الله ، أعلى عدو الله : عبد الله بن أبى القائل يوم كذا ، كذا وكذا ، - وأخذ يعدد أيامه .
قال : ورسول الله - صلى الله عليه وسلم يبتسم حتى إذا أكثرت عليه قال : تأخر عنى يا عمر .
إنى خيرت فاخترت ، قد قيل لى : ( استغفر لَهُمْ ) الآية .
لو أعلم أنى لو زدت على السبعين غفر له لزدت ، قال : ثم صلى عليه ومشى معه وقام على قبره حتى فرغ منه .
قال : فعجبت من جرأتى على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله ورسوله أعلم .
قال فوالله ما كان إلا يسيراً حتى نزلت ( وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً ) الآية .
قال : فما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله - عز وجل " .والمعنى : " لا تصل " - أيها الرسول الكريم - " على أحد " من هؤلاء المنافقين " مات أبدا ولا تقم على قبره " أى : ولا تقف على قبره عند الدفن أو بعد بقصد الزيارة أو الدعاء له ، وذلك لأن صلاتك علهيم ، ووقوفك على قلوبهم شفاعة لهم ، ورحمة بهم ، وتكريم لشأنهم .
وهم ليسوا أهلا لذلك .وقوله : ( إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ ) تعليل للنهى عن الصلاة عليهم ، والوقوف على قبورهم .أى نهيناك - يا محمد - عن ذلك ، لأن هؤلاء المنافقين قد عاشوا حياتهم كافرين بالله ورسوله ، ومحاربين لدعوة الحق ، وماتوا وهم خارجون عن حظيرة الإِيمان .وجمع - سبحانه - بين وصفهم بالكفر ووصفهم بالفسق زيادة فى تقبيح أمرهم ، وتحقير شأنهم؛ فهم لم يكتفوا بالكفر وحده ، وإنما أضافوا إليه الفسق ، وهو الخروج عن كل قول طيب ، وخلق حسن ، وفعل كريم .قال بعضهم : فإن قلت : الفسق أدنى حالا من الكفر ، فما الفائدة فى وصفهم بالفسق بعد وصفهم بالكفر؟
قلت إن الكافر قد يكون عدلا بأن يؤدى الأمانة ، ولا يضمر لأحد سوءاً ، وقد يكون خبيثا كثير الكذب والمكر والخداع وإضمار السوء للغير ، وهذا أمر مستقبح عن كل أحد ، ولما كان المنافقون بهذه الصفة الخبيثة ، وصفهم الله - تعالى - بكونهم فاسقين بعد أن وصفهم بالكفر .هذا ، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى :1- تحريم الصلاة على الكافر ، والوقوف على قبره ، ومفهومه وجوب الصلاة على المسلم ودفنه ومشروعية الوقوف على قبره ، والدعاء له .قال الإِمام ابن كثير : ولما نهى الله - تعالى - عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبوهم للاستغفار لهم ، كان هذا الصنيع من أكبر القربات فى حق المؤمنين ، فشرع ذلك وفى فعله الأجر الجزيل ، كما ثبت فى الصحاح وغيرها من حديث أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " " من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط ، من شهدها حتى تدفن فله قيراطان ، قيل : وما القيراطان ، قال : " أصغرهما مثل أحد " وأما القيام عند قبر المؤمن إذا مات ، فروى أبو دواد عن عثمان بن عفان قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا فرغ من الميت وقف عليه وقال : " استغروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل " " .2- وجوب منع كل مظهر من مظاهر التكريم - فى الحياة وبعد الممات عن الذين يحاربون دعوة الحق ، ويقفون فى وجه انتشارها وظهورها : أما منع تكريمهم فى حياتهم فتراه فى قوله - تعالى - فى الآية السابقة : ( فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً )وأما منع تكريمهم بعد مماتهم فتراه فى هذه الآية : ( وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ ) .ولا شك أن حجب كل تكريم عن أولئك المنافقين فى العهد النبوى ، كان له أثره القوى فى انهيار دولتهم ، وافتضاح أمرهم ، وذهاب ريحهم ، وتهوين شأنهم .
.هذا ، وما فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع عبد الله بن أبى من الصلاة عليه ، والقيام على قبره إنما كان قبل نزول هذه الآية .
.أو أنه - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك تطييباً لقلب ابنه الذى كان من فضلاء الصحابة وأصدقهم إسلاما .فقد سبق أن ذكرنا ما رواه البخارى عن ابن عمر أنه قال : لما توفى عبد الله ابن أبى جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأله أن يعطيه قميصه ليكفن فيه أباه ، فأعطاه إياه ثم سأله أن يصلى عليه .
.
الحديث .
اعلم أنه تعالى أمر رسوله بأن يسعى في تخذيلهم وإهانتهم وإذلالهم، فالذي سبق ذكره في الآية الأولى وهو منعهم من الخروج معه إلى الغزوات سبب قوي من أسباب إذلالهم وإهانتهم، وهذا الذي ذكره في هذه الآية، وهو منع الرسول من أن يصلي على من مات منهم، سبب آخر قوي في إذلالهم وتخذيلهم.
عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لما اشتكى عبد الله بن أبي بن سلول عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلب منه أن يصلي عليه إذا مات ويقوم على قبره، ثم إنه أرسل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يطلب منه قميصه ليكفن فيه، فأرسل إليه القميص الفوقاني فرده وطلب الذي يلي جلده ليكفن فيه، فقال عمر رضي الله عنه: لم تعطي قميصك الرجس النجس؟
فقال عليه الصلاة والسلام: «إن قميصي لا يغني عنه من الله شيئاً فلعل الله أن يدخل به ألفاً في الإسلام» وكان المنافقون لا يفارقون عبد الله، فلما رأوه يطلب هذا القميص ويرجو أن ينفعه، أسلم منهم يومئذ ألف.
فلما مات جاء ابنه يعرفه فقال عليه الصلاة والسلام لابنه: صل عليه وادفنه فقال: إن لم تصل عليه يا رسول الله لم يصل عليه مسلم، فقام عليه الصلاة والسلام ليصلي عليه، فقام عمر فحال بين رسول الله وبين القبلة لئلا يصلي عليه، فنزلت هذه الآية.
وأخذ جبريل عليه السلام بثوبه وقال: ﴿ وَلاَ تُصَلّ على أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَداً ﴾ واعلم أن هذا يدل على منقبة عظيمة من مناقب عمر رضي الله عنه، وذلك لأن الوحي نزل على وفق قوله في آيات كثيرة منها آية أخذ الفداء عن أسارى بدر وقد سبق شرحه.
وثانيها: آية تحريم الخمر.
وثالثها: آية تحويل القبلة.
ورابعها: آية أمر النسوان بالحجاب.
وخامسها: هذه الآية.
فصار نزول الوحي على مطابقة قول عمر رضي الله عنه منصباً عالياً ودرجة رفيعة له في الدين.
فلهذا قال عليه الصلاة والسلام في حقه: «لو لم أبعث لبعثت يا عمر نبياً».
فإن قيل: كيف يجوز أن يقال إن الرسول رغب في أن يصلي عليه بعد أن علم كونه كافراً وقد مات على كفره، وأن صلاة الرسول عليه تجري مجرى الإجلال والتعظيم له، وأيضاً إذا صلى عليه فقد دعا له، وذلك محظور، لأنه تعالى أعلمه أنه لا يغفر للكفار البتة، وأيضاً دفع القميص إليه يوجب إعزازه؟
والجواب: لعل السبب فيه أنه لما طلب من الرسول أن يرسل إليه قميصه الذي مس جلده ليدفن فيه، غلب على ظن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه انتقل إلى الإيمان، لأن ذلك الوقت وقت يتوب فيه الفاجر ويؤمن فيه الكافر، فلما رأى منه إظهار الإسلام وشاهد منه هذه الأمارة التي دلت على دخوله في الإسلام، غلب على ظنه أنه صار مسلماً، فبنى على هذا الظن ورغب في أن يصلي عليه، فلما نزل جبريل عليه السلام وأخبره بأنه مات على كفره ونفاقه، امتنع من الصلاة عليه.
وأما دفع القميص إليه فذكروا فيه وجوهاً: الأول: أن العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أخذ أسيراً ببدر، لم يجدوا له قميصاً، وكان رجلاً طويلاً، فكساه عبد الله قميصه.
الثاني: أن المشركين قالوا له يوم الحديبية، إنا لا ننقاد لمحمد ولكنا ننقاد لك، فقال لا، إن لي في رسول الله أسوة حسنة، فشكر رسول الله له ذلك.
والثالث: أن الله تعالى أمره أن لا يرد سائلاً بقوله: ﴿ وَأَمَّا السائل فَلاَ تَنْهَرْ ﴾ فلما طلب القميص منه دفعه إليه لهذا المعنى.
الرابع: أن منع القميص لا يليق بأهل الكرم.
الخامس: أن ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي، كان من الصالحين، وأن الرسول أكرمه لمكان ابنه.
السادس: لعل الله تعالى أوحى إليه أنك إذا دفعت قميصك إليه صار ذلك حاملاً لألف نفر من المنافقين في الدخول في الإسلام ففعل ذلك لهذا الغرض، وروى أنهم لما شاهدوا ذلك أسلم ألف من المنافقين.
السابع: أن الرحمة والرأفة كانت غالبة عليه كما قال: ﴿ وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين ﴾ وقال: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله لِنتَ لَهُمْ ﴾ فامتنع من الصلاة عليه رعاية لأمر الله تعالى، ودفع إليه القميص لإظهار الرحمة والرأفة.
إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ وَلاَ تُصَلّ على أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَداً ﴾ قال الواحدي: ﴿ مَّاتَ ﴾ في موضع جر لأنه صفة للنكرة كأنه قيل على أحد منهم ميت وقوله: ﴿ أَبَدًا ﴾ متعلق بقوله: ﴿ أَحَدٍ ﴾ والتقدير ولا تصل أبداً على أحد منهم.
واعلم أن قوله: ولا تصل أبداً يحتمل تأبيد النفي ويحتمل تأبيد المنفي، والمقصود هو الأول، لأن قرائن هذه الآيات دالة على أن المقصود منعه من أن يصلي على أحد منهم منعاً كلياً دائماً.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ ﴾ وفيه وجهان: الأول: قال الزجاج: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له، فمنع هاهنا منه.
الثاني: قال الكلبي لا تقم بإصلاح مهمات قبره، وهو من قولهم، قام فلان بأمر فلان إذا كفاه أمره وتولاه، ثم إنه تعالى علل المنع من الصلاة عليه والقيام على قبره بقوله: ﴿ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فاسقون ﴾ وفيه سؤالات: السؤال الأول: الفسق أدنى حالاً من الكفر، ولما ذكر في تعليل هذا النهي كونه كافراً فما الفائدة في وصفه بعد ذلك بكونه فاسقاً؟
والجواب أن الكافر قد يكون عدلاً في دينه.
وقد يكون فاسقاً في دينه خبيثاً ممقوتاً عند قومه، والكذب والنفاق والخداع والمكر والكيد، أمر مستقبح في جميع الأديان، فالمنافقون لما كانوا موصوفين بهذه الصفات وصفهم الله تعالى بالفسق بعد أن وصفهم بالكفر، تنبيهاً على أن طريقة النفاق طريقة مذمومة عند كل أهل العالم.
السؤال الثاني: أليس أن المنافق يصلى عليه إذا أظهر الإيمان مع قيام الكفر فيه؟
والجواب: أن التكاليف مبنية على الظاهر قال عليه الصلاة والسلام: «نحن نحكم بالظاهر والله تعالى يتولى السرائر».
السؤال الثالث: قوله: ﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ ﴾ تصريح بكون ذلك النهي معللاً بهذه العلة، وذلك يقتضي تعليل حكم الله تعالى وهو محال، لأن حكم الله قديم، وهذه العلة محدثة، وتعليل القديم بالمحدث محال.
والجواب: الكلام في أن تعليل حكم الله تعالى بالمصالح هل يجوز أم لا؟
بحث طويل، ولا شك أن هذا الظاهر يدل عليه.
<div class="verse-tafsir"
روي: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم على قبور المنافقين ويدعو لهم فلما مرض رأس النفاق عبد الله بن أبيّ بعث إليه ليأتيه، فلما دخل عليه قال: أهلكك حبّ اليهود.
فقال: يا رسول الله بعثت إليك لتستغفر لي لا لتؤنبني وسأله أن يكفنه في شعاره الذي يلي جلده ويصلّي عليه، فلما مات دعاه ابنه حباب إلى جنازته، فسأله عن اسمه فقال: أنت عبد الله ابن عبد الله.
الحباب: اسم شيطان، فلما همّ بالصلاة عليه قال له عمر: أتصلّي على عدوّ الله، فنزلت وقيل: أراد أن يصلّي عليه فجذبه جبريل.
فإن قلت: كيف جازت له تكرمة المنافق وتكفينه في قميصه؟
قلت: كان ذلك مكافأة له على صنيع سبق له.
وذلك أنّ العباس رضي الله عنه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أخذ أسيراً ببدر لم يجدوا له قميصاً وكان رجلاً طوالاً، فكساه عبد الله قميصه.
وقال له المشركون يوم الحديبية: إنا لا نأذن لمحمد ولكنا نأذن لك، فقال: لا، إن لي في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة فشكر رسول الله صلى الله عليه وسلم له ذلك، وإجابة له إلى مسئلته إياه، فقد كان عليه الصلاة والسلام لا يردّ سائلاً، وكان يتوفر على دواعي المروءة ويعمل بعادات الكرام، وإكراماً لابنه الرجل الصالح، فقد روي: أنه قال له: أسألك أن تكفنه في بعض قمصانك، وأن تقوم على قبره، ولا يشمت به الأعداء، وعلماً بأن تكفينه في قميصه لا ينفعه مع كفره، فلا فرق بينه وبين غيره من الأكفان، وليكون إلباسه إياه لطفاً لغيره، فقد روي أنه قيل له: لم وجهت إليه بقميصك وهو كافر؟
فقال: «إنّ قميصي لن يغني عنه من الله شيئاً، وإني أؤمل من الله أن يدخل في الإسلام كثير بهذا السبب» فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه طلب الاستشفاء بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك ترحمه واستغفاره كان للدعاء إلى التراحم والتعاطف، لأنهم إذا رأوه يترحم على من يظهر الإيمان وباطنه على خلاف ذلك، دعا المسلم إلى أن يتعطف على من واطأ قلبه لسانه ورآه حتماً عليه.
فإن قلت: فكيف جازت الصلاة عليه؟
قلت: لم يتقدم نهي عن الصلاة عليهم، وكانوا يجرون مجرى المسلمين لظاهر إيمانهم، لما في ذلك من المصلحة.
وعن ابن عباس رضي الله عنه: ما أدري ما هذه الصلاة، إلاّ أني أعلم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخادع ﴿ مَّاتَ ﴾ صفة لأحد.
وإنما قيل: مات، وماتوا بلفظ الماضي- والمعنى على الاستقبال- على تقدير الكون والوجود؛ لأنه كائن موجود لا محالة ﴿ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ ﴾ تعليل للنهي، وقد أعيد قوله: ﴿ وَلاَ تُعْجِبْكَ ﴾ لأنّ تجدد النزول له شأن في تقرير ما نزل له وتأكيده، وإرادة أن يكون على بال من المخاطب لا ينساه ولا يسهو عنه، وأن يعتقد أن العمل به مهمّ يفتقر إلى فضل عناية به، لا سيما إذا تراخى ما بين النزولين فأشبه الشيء الذي أهم صاحبه، فهو يرجع إليه في أثناء حديثه ويتخلص إليه، وإنما أعيد هذا المعنى لقوته فيما يجب أن يحذر منه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ﴾ رُوِيَ: « (أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ دَعا رَسُولَ اللَّهِ في مَرَضِهِ، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ سَألَهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ ويُكَفِّنَهُ في شِعارِهِ الَّذِي يَلِي جَسَدَهُ ويُصَلِّي عَلَيْهِ فَلَمّا ماتَ أرْسَلَ قَمِيصَهُ لِيُكَفَّنَ فِيهِ وذَهَبَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ)» .
وقِيلَ صَلّى عَلَيْهِ ثُمَّ نَزَلَتْ، وإنَّما لَمْ يَنْهَ عَنِ التَّكْفِينِ في قَمِيصِهِ ونَهى عَنِ الصَّلاةِ عَلَيْهِ لِأنَّ الضَّنَّ بِالقَمِيصِ كانَ مُخِلًّا بِالكَرَمِ ولِأنَّهُ كانَ مُكافَأةً لِإلْباسِهِ العَبّاسَ قَمِيصَهُ حِينَ أُسِرَ بِبَدْرٍ، والمُرادُ مِنَ الصَّلاةِ الدُّعاءُ لِلْمَيِّتِ والِاسْتِغْفارُ لَهُ وهو مَمْنُوعٌ في حَقِّ الكافِرِ ولِذَلِكَ رُتِّبَ النَّهْيُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ ماتَ أبَدًا ﴾ يَعْنِي المَوْتَ عَلى الكُفْرِ فَإنَّ إحْياءَ الكافِرِ لِلتَّعْذِيبِ دُونَ التَّمَتُّعِ فَكَأنَّهُ لَمْ يَحْيَ.
﴿ وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ ﴾ ولا تَقِفْ عِنْدَ قَبْرِهِ لِلدَّفْنِ أوِ الزِّيارَةِ.
﴿ إنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وماتُوا وهم فاسِقُونَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أوْ لِتَأْبِيدِ المَوْتِ.
﴿ وَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ والأمْرُ حَقِيقٌ بِهِ فَإنَّ الأبْصارَ طامِحَةٌ إلى الأمْوالِ والأوْلادِ والنُّفُوسَ مُغْتَبِطَةٌ عَلَيْها.
ويَجُوزُ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ في طَرِيقٍ غَيْرِ الأوَّلِ.
<div class="verse-tafsir"
وسأل ابن عبد الله بن أبي وكان مؤمنا أن يكفن النبى عليه السلام أباه في قميصه ويصلي عليه فقبل فاعترض عمر رضى الله عنه في ذلك فقال عليه السلام ذلك لا ينفعه وإني أرجو أن يؤمن به ألف من قومه فنزل {وَلاَ تُصَلّ على أَحَدٍ مّنْهُم} من المنافقين يعني صلاة الجنازة روي أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب التبرك بثوب النبى صلى الله عليه وسلم {مات} صفة لأحد {أبدا} ظرف لتصل وكان عليه السلام إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له فقيل {وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فاسقون} تعليل للنهي أي أنهم ليسوا بأهل للصلاة عليهم لأنهم كفروا بالله ورسوله
﴿ ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ﴾ إشارَةٌ إلى إهانَتِهِمْ بَعْدَ المَوْتِ.
أخْرَجَ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «لَمّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ جاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَسَألَهُ أنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفِّنُ فِيهِ أباهُ، فَأعْطاهُ ثُمَّ سَألَهُ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيُصَلِّيَ فَقامَ عُمَرُ فَأخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ تُصَلِّي عَلَيْهِ وقَدْ نَهاكَ رَبُّكَ أنْ تُصْلِيَ عَلَيْهِ؟!
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنَّما خَيَّرَنِي اللَّهُ فَقالَ: ( ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً ﴾ ) وسَأزِيدُهُ عَلى السَّبْعِينَ.
قالَ: إنَّهُ مُنافِقٌ، قالَ: فَصَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهُمْ ﴾ الآيَةَ» .
وفي رِوايَةٍ أُخْرى لَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ «أنَّهُ لَمّا ماتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمّا قامَ وثَبَتَ إلَيْهِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتُصَلِّي عَلى ابْنِ أُبَيٍّ وقَدْ قالَ يَوْمَ كَذا كَذا وكَذا أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقالَ: ”أخِّرْ عَنِّي يا عُمَرُ“ فَلَمّا أكْثَرْتُ عَلَيْهِ قالَ: ”أخِّرْ عَنِّي لَوْ أعْلَمُ لَوْ زِدْتُ عَلى السَّبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْها“ قالَ فَصَلّى عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إلّا يَسِيرًا حَتّى نَزَلَتِ الآيَتانِ مِن بَراءَةَ ﴿ ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وهم فاسِقُونَ ﴾ فَعَجِبْتُ مِن جَراءَتِي عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ»، وظاهِرُ هَذَيْنِ الخَبَرَيْنِ أنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ بَيْنَ ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهُمْ ﴾ شَيْءٌ يَنْفَعُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وإلّا لَذُكِرَ، والظّاهِرُ أنَّ مُرادَهُ بِالنَّهْيِ في الخَبَرِ الأوَّلِ ما فَهِمَهُ مِنَ الآيَةِ الأُولى لا ما يَفْهَمُ كَما قِيلَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ لِعَدَمِ مُطابَقَةِ الجَوابِ حِينَئِذٍ كَما لا يَخْفى، وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وغَيْرُهُ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أرادَ أنْ يُصَلِّيَ عَلى ابْنِ أُبَيٍّ فَأخَذَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِثَوْبِهِ فَقالَ: ﴿ ولا تُصَلِّ ﴾ الآيَةَ»، وأكْثَرُ الرِّواياتِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صَلّى عَلَيْهِ، وأنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أحَبَّ عَدَمَ الصَّلاةِ عَلَيْهِ، وعُدَّ ذَلِكَ أحَدَ مُوافَقاتِهِ لِلْوَحْيِ وإنَّما لَمْ يَنْهَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ التَّكْفِينِ بِقَمِيصِهِ ونَهى عَنِ الصَّلاةِ عَلَيْهِ لِأنَّ الضِّنَةَ بِالقَمِيصِ كانَتْ مَظِنَّةَ الإخْلالِ بِالكَرَمِ عَلى أنَّهُ كانَ مُكافَأةً لِقَمِيصِهِ الَّذِي ألْبَسَهُ العَبّاسَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حِينَ أُسِرَ بِبَدْرٍ، فَإنَّهُ جِيءَ بِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ولا ثَوْبَ عَلَيْهِ، وكانَ طَوِيلًا جَسِيمًا، فَلَمْ يَكُنْ ثَوْبٌ بِقَدْرِ قامَتِهِ غَيْرَ ثَوْبِ ابْنِ أُبَيٍّ فَكَساهُ إيّاهُ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ «أنَّهم ذَكَرُوا القَمِيصَ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”وما يُغْنى عَنْهُ قَمِيصِي واللَّهِ إنِّي لَأرْجُو أنْ يُسْلِمَ بِهِ أكْثَرُ مِن ألْفٍ مِن بَنِي الخَزْرَجِ»“ وقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ تَعالى رَجاءَ نَبِيِّهِ كَما في بَعْضِ الآثارِ والأخْبارِ فِيما كانَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ ابْنِ أُبَيٍّ مِنَ الصَّلاةِ عَلَيْهِ وغَيْرِها لا تَخْلُو عَنِ التَّعارُضِ، وقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُما حَسْبَما أمْكَنَ عُلَماءُ الحَدِيثِ، وفي لُبابِ التَّأْوِيلِ نُبْذَةٌ مِن ذَلِكَ فَلْيُراجَعْ.
والمُرادُ مِنَ الصَّلاةِ المَنهِيِّ عَنْها صَلاةُ المَيِّتِ المَعْرُوفَةُ وهي مُتَضَمِّنَةٌ لِلدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ والِاسْتِشْفاعِ لَهُ، قِيلَ: والمَنعُ عَنْها لِمَنعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الدُّعاءِ لِلْمُنافِقِينَ المَفْهُومِ مِنَ الآيَةِ السّابِقَةِ أوْ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ ﴾ ) إلَخْ، وقِيلَ: هي هُنا بِمَعْنى الدُّعاءِ، ولَيْسَ بِذاكَ، و( أبَدًا ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِماتَ، والمَوْتُ الأبَدِيُّ كِنايَةٌ عَنِ المَوْتِ عَلى الكُفْرِ لِأنَّ المُسْلِمَ يُبْعَثُ ويَحْيا حَياةً طَيِّبَةً، والكافِرُ وإنْ بُعِثَ لَكِنَّهُ لِلتَّعْذِيبِ فَكَأنَّهُ لَمْ يَحْيَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لَوْ تَعَلَّقَ بِالنَّهْيِ لَزِمَ أنْ لا تَجُوزَ الصَّلاةُ عَلى مَن تابَ مِنهم وماتَ عَلى الإيمانِ مَعَ أنَّهُ لا حاجَةَ لِلنَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ عَلَيْهِمْ إلى قَيْدِ التَّأْبِيدِ، ولا يَخْفى أنَّهُ أخْطَأ ولَمْ يَشْعُرْ بِأنَّ ( مِنهم ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ماتَ أيْ ماتَ حالَ كَوْنِهِ مِنهم أيْ مُتَّصِفًا بِصِفَتِهِمْ وهي النِّفاقُ كَقَوْلِهِمْ: أنْتَ مِنِّي يَعْنِي عَلى طَرِيقَتِي وصِفَتِي كَما صَرَّحُوا بِهِ عَلى أنَّهُ لَوْ جُعِلَ الجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةً لِأحَدٍ لا يَكادُ يُتَوَهَّمُ ما ذُكِرَ وكَيْفَ يُتَوَهَّمُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى الآتِي: ﴿ إنَّهم كَفَرُوا ﴾ إلَخْ، وقَوْلُهُ: مَعَ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى النَّهْيِ إلَخْ لِظُهُورِ ما فِيهِ لا حاجَةَ إلى ذِكْرِهِ، و( ماتَ ) ماضٍ بِاعْتِبارِ سَبَبِ النُّزُولِ وزَمانِ النَّهْيِ، ولا يُنافِي عُمُومُهُ وشُمُولُهُ لِمَن سَيَمُوتُ، وقِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ وعَبَّرَ بِهِ لِتَحَقُّقِهِ؛ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِأحَدٍ ﴿ ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ ﴾ أيْ لا تَقِفْ عَلَيْهِ ولا تَتَوَلَّ دَفْنَهُ مِن قَوْلِهِمْ: قامَ فُلانٌ بِأمْرِ فُلانٍ إذا كَفاهُ إيّاهُ ونابَ عَنْهُ فِيهِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ ( عَلى ) بِمَعْنى عِنْدَ، والمُرادُ لا تَقِفُ عِنْدَ قَبْرِهِ لِلدَّفْنِ أوْ لِلزِّيارَةِ، والقَبْرُ في المَشْهُورِ مَدْفَنُ المَيِّتِ ويَكُونُ بِمَعْنى الدَّفْنِ وجَوَّزُوا إرادَتَهُ هُنا أيْضًا.
وفِي فَتاوى الجَلالِ السُّيُوطِيِّ هَلْ يُفَسَّرُ القِيامُ هُنا بِزِيارَةِ القُبُورِ وهَلْ يُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الحِكْمَةَ في زِيارَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْرَ أُمِّهِ أنَّهُ حَيائُها لِتُؤْمِنَ بِهِ بِدَلِيلِ أنَّ تارِيخَ الزِّيارَةِ كانَ بَعْدَ النَّهْيِ؟
الجَوابُ المُرادُ بِالقِيامِ عَلى القَبْرِ الوُقُوفُ عَلَيْهِ حالَةَ الدَّفْنِ وبَعْدَهُ ساعَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُمَّ الزِّيارَةَ أيْضًا أخْذًا مِنَ الإطْلاقِ، وتارِيخُ الزِّيارَةِ كانَ قَبْلَ النَّهْيِ لا بَعْدَهُ، فَإنَّ الَّذِي صَحَّ في الأحادِيثِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ زارَها عامَ الحُدَيْبِيَةِ والآيَةُ نازِلَةٌ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، ثُمَّ الضَّمِيرُ في ( مِنهم ) خاصٌّ بِالمُنافِقِينَ وإنْ كانَ بَقِيَّةُ المُشْرِكِينَ يَلْحَقُونَ بِهِمْ قِياسًا، وقَدْ صَحَّ في حَدِيثِ الزِّيارَةِ أنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ في ذَلِكَ فَأذِنَ لَهُ، وهَذا الإذْنُ عِنْدِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى أنَّها مِنَ المُوَحِّدِينَ لا مِنَ المُشْرِكِينَ كَما هو اخْتِيارِي، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ أنَّهُ نَهاهُ عَنِ القِيامِ عَلى قُبُورِ الكُفّارِ وأذِنَ لَهُ في القِيامِ عَلى قَبْرِ أُمِّهِ فَدَلَّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مِنهُمْ، وإلّا لَما كانَ يَأْذَنُ لَهُ فِيهِ، واحْتِمالُ التَّخْصِيصِ خِلافُ الظّاهِرِ ويَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ صَرِيحٍ، ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ عِنْدَهُ وقْفَةٌ في صِحَّةِ تَوْحِيدِ مَن كانَ في الجاهِلِيَّةِ حَتّى أوْحى إلَيْهِ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، فَلا يُرَدُّ أنَّ اسْتِئْذانَهُ يَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ وإلّا لَزارَها مِن غَيْرِ اسْتِئْذانٍ اهـ وفي كَوْنِ المُرادِ بِالقِيامِ عَلى القَبْرِ الوُقُوفَ عَلَيْهِ حالَةَ الدَّفْنِ وبَعْدَهُ ساعَةُ خَفاءٍ إذِ المُتَبادَرُ مِنَ القِيامِ عَلى القَبْرِ ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، نَعَمْ كانَ الوُقُوفُ بَعْدَ الدَّفْنِ قَدْرَ نَحْرِ جَزُورٍ مَندُوبًا ولَعَلَّهُ لِشُيُوعِ ذَلِكَ إذْ ذاكَ أخَذَ في مَفْهُومِ القِيامِ عَلى القَبْرِ ما أخَذَ.
وفِي جَوازِ زِيارَةِ قُبُورِ الكُفّارِ خِلافٌ، وكَثِيرٌ مِنَ القائِلِينَ بِعَدَمِ الجَوازِ حَمَلَ القِيامَ عَلى ما يَعُمُّ الزِّيارَةَ، ومَن أجازَ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «كُنْتُ نَهَيْتُكم عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ فَزُورُوها فَإنَّها تُذَكِّرُكُمُ الآخِرَةَ» فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَّلَ الزِّيارَةَ بِتَذْكِيرِ الآخِرَةِ ولا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ زِيارَةِ قُبُورِ المُسْلِمِينَ وقُبُورِ غَيْرِهِمْ، وتَمامُ البَحْثِ في مَوْضِعِهِ والِاحْتِياطُ عِنْدِي عَدَمُ زِيارَةِ قُبُورِ الكُفّارِ ﴿ إنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَلى مَعْنى أنَّ الصَّلاةَ عَلى المَيِّتِ والِاحْتِفالَ بِهِ إنَّما يَكُونُ لِحُرْمَتِهِ وهم بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ لِأنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُدَّةَ حَياتِهِمْ ﴿ وماتُوا وهم فاسِقُونَ ﴾ أيْ مُتَمَرِّدُونَ في الكُفْرِ خارِجُونَ عَنْ حُدُودِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً، يعني: لا تصل أبداً على من مات من المنافقين.
وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ، يعني: لا تدفنه.
إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ في السر، وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ يعني: ماتوا على الكفر.
قال مقاتل: ذلك أن النبيّ جاء إليه عبد الله بن أبي بن سلول وهو رأس المنافقين، حين مات أبوه، فقال: أنشدك الله أن لا تشمت بي الأعداء، فطلب منه أن يصلي على أبيه، فأراد النبي أن يفعل، فنزلت هذه الآية، فانصرف النبيّ ولم يصل عليه.
وقال في رواية الكلبي: لما اشتكى عبد الله بن أُبي ابن سلول، عاده رسول الله ، فطلب منه عبد الله أن يصلي عليه إذا مات، وأن يقوم على قبره، وأن يكفنه في القميص الذي يلي جسده، فقبل ذلك رسول الله قال عمر: فجئت إلى رسول الله حين أراد أن يصلي عليه فقلت: يا رسول الله، أتصلي عليه وهو صاحب كذا وصاحب كذا؟
فقال: «دَعْنِي يا عُمَر» .
ثم عدت ثانياً، ثم عدت ثالثاً، فنزلت هذه الآية (١) وروى عكرمة، عن ابن عباس: «أن النبيّ قد صلى عليه، وقام على قبره، وكفنه في قميصه» ، فنزل وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً الآية فنهي أن يصلي على أحد من المنافقين بعده.
قال ابن عباس: «والله لا أعلم أي صلاة كانت؟
وما خادع رسول الله إنساناً قط» .
وفي خبر آخر، أنّ عمر قال: «يا رسول الله أتصلي عليه وتعطيه قميصك وهو كافر منافق» ؟
فقال النبي : «وَمَا عَلِمْتَ يا عُمَرُ، عَسَى أنْ يُسْلِمَ بِسَبَبِ هذا القَمِيصِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَلا يُغْنِيهِ قَمِيصٌ مِنْ عَذابِ الله شَيْئاً» .
فأسلم من بني الخزرج من أهاليه خلق كثير، وقالوا: لولا أن عبد الله عرفه حقاً، ما تبرك بقميصه، وما طلب منه أن يصلي عليه (٢) ثمَّ قال تعالى: وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا، يعني: بالأموال في الآخرة على وجه التقديم، وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ.
(١) حديث ابن عمر: أخرجه البخاري (1269) و (4670) و (4672) ومسلم (2774) (4) والترمذي (3098) والنسائي 4/ 36.
وأحمد: 1/ 18.
وفي الباب حديث ابن عباس عن عمر أخرجه البخاري (1366) و (4671) وأحمد: 1/ 16 والترمذي (3097) والنسائي: 4/ 68.
(٢) عزاه السيوطي: 4/ 259 إلى أبي الشيخ عن قتادة.
<div class="verse-tafsir"
ووَكَلَ سريرته إِلى اللَّه عزَّ وجلَّ، وعلَى هذا كان سَتْرُ المنافقين، وإِذا ترتَّب كما قلنا التخييرُ في هذه الآيةِ، صَحَّ أَنَّ ذلك التخييرَ هو الَّذِي نُسِخَ بقوله تعالى في «سورة المنافقين: [٦] » :
سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ.
ت: والظاهر أن الآيتين بمعنًى، فلا نَسْخ، فتأمَّله، ولولا الإِطالة لأَوْضَحْت ذلك.
قال ع «١» : وأما تمثيله بالسبعين دُونَ غيرها من الأعدادِ، فلأَنه عددٌ كثيراً مَّا يجيءُ غايةً ومقنعاً في الكَثْرة.
وقوله: ذلِكَ إِشارة إِلى امتناع الغُفْرَانِ.
وقوله عزَّ وجلَّ: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ ...
الآية: هذه آية تتضمَّن وصف حالِهِمْ، على جهة التوبيخ، وفي ضمنها وعيدٌ، وقوله: الْمُخَلَّفُونَ: لفظٌ يقتضي تحقيرَهُم، وأنهم الذين أبعدهم اللَّه مِنْ رضاه/ و «مقْعَد» : بمعنى القُعُود، و «خِلاَف» : معناه: «بَعْدَ» ومنه قولُ الشاعر: [الطويل]
فَقُلْ للَّذِي يَبْغِي خِلاَفَ الَّذِي مَضَى ...
تَأَهَّبْ لأُخْرَى مِثْلِهَا فَكَأَنْ قَد
يريد: بعد الذي مَضَى.
وقال الطبريُّ «٢» : هو مصدرُ: خَالَفَ يُخَالِفُ، وقولهم: لاَ تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ: كان هذا القول منهم لأن غزوة تبوك كَانَتْ في شدّة الحرّ وطيب الثمار.
وقوله سبحانه: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا إِشارة إِلى مدة العُمر في الدنيا.
وقوله: وَلْيَبْكُوا كَثِيراً إِشارةٌ إِلى تأبيدِ الخلودِ في النَّارِ، فجاء بلَفْظ الأمر، ومعناه الخبر عن حالهم، وتقديرُ الكلام: لِيَبْكُوا كثيراً إِذ هم معذَّبون، جزاءً بما كانوا يكسبون،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهُمْ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّهُ «لَمّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، جاءَ ابْنُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ، فَقالَ: أعْطِنِي قَمِيصَكَ حَتّى أُكَفِّنَهُ فِيهِ، وصَلَّ عَلَيْهِ، واسْتَغْفَرَ لَهُ.
فَأعْطاهُ قَمِيصَهُ؛ فَقالَ: آَذِنِّي أُصَلِّي عَلَيْهِ، فَآَذَنَهُ؛ فَلَمّا أرادَ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، جَذَبَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وقالَ: ألَيْسَ قَدْ نَهاكَ اللَّهُ أنْ تُصْلِّيَ عَلى المُنافِقِينَ؟
فَقالَ: "أنا بَيْنَ خِيرَتَيْنِ: ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ فَصَلّى عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ نافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ كانَ يَقُولُ: "ما يُغْنِي عَنْهُ قَمِيصِي مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى، واللَّهِ إنِّي لَأرْجُو أنْ يُسْلِمَ بِهِ ألْفٌ مِن قَوْمِهِ" .» قالَ الزَّجّاجُ: فَيُرْوى أنَّهُ أسْلَمَ ألْفٌ مِنَ الخَزْرَجِ لَمّا رَأوْهُ يَطْلُبُ الِاسْتِشْفاءَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ، وأرادَ الصَّلاةَ عَلَيْهِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: "مِنهُمْ" فَإنَّهُ يَعْنِي المُنافِقِينَ.
وقَوْلُهُ: (وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ) قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ، إذا دُفِنَ المَيِّتُ، وقَفَ عَلى قَبْرِهِ ودَعا لَهُ؛ فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ في حَقِّ المُنافِقِينَ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْناهُ: لا تَتَوَلَّ دَفْنَهُ؛ وهو مِن قَوْلِكَ: قامَ فَلانٌ بِأمْرِ فُلانٍ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إنَّهم كَفَرُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ وماتُوا وهم فاسِقُونَ ﴾ ﴿ وَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأولادُهم إنَّما يُرِيدُ اللهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ ﴾ ﴿ وَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَوْلِ مِنهم وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ ﴾ ﴿ رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في شَأْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ وصَلاةُ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ.
رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ «أنَّ رَسُولَ اللهِ لَمّا تَقَدَّمَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ جاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، فَجَذَبَهُ بِثَوْبِهِ وتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ، ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا الآيَةُ، فانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ولَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ،» وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلّى عَلَيْهِ، وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، وفي كِتابِ الجَنائِزِ مِنَ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ جابِرٍ قالَ: « "أتى رَسُولُ اللهِ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيِّ بَعْدَما أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ فَأمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ ووَضَعَهُ عَلى رُكْبَتِهِ ونَفَثَ عَلَيْهِ مِن رِيقِهِ، وألْبَسَهُ قَمِيصَهُ"،» وَرُوِيَ في ذَلِكَ «أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعَثَ إلى رَسُولِ اللهِ في مَرَضِهِ ورَغِبَ إلَيْهِ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ وأنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ.» ورُوِيَ «أنَّ ابْنَهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ جاءَ رَسُولَ اللهِ بَعْدَ مَوْتِ أبِيهِ فَرَغِبَ في ذَلِكَ وفي أنْ يَكْسُوَهُ قَمِيصَهُ الَّذِي يَلِي بَدَنَهُ، فَفَعَلَ، فَلَمّا جاءَ رَسُولُ اللهِ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ قامَ إلَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، أتُصَلِّي عَلَيْهِ وقَدْ نَهاكَ اللهُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لَهُمْ؟
وجَعَلَ يُعَدِّدُ أفْعالَ عَبْدِ اللهِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ : "أخِّرْ عَنِّي يا عُمَرُ فَإنِّي خُيِّرْتَ، ولَوْ أعْلَمُ أنِّي إنْ زِدْتُ عَلى السَبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ"»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ: « "إنَّ قَمِيصِي لا يُغْنِي عنهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وإنِّي لِأرْجُو أنْ يُسْلِمَ بِفِعْلِي هَذا ألْفُ رَجُلٍ مِن قَوْمِي"»، كَذا في بَعْضِ الرِواياتِ، يُرِيدُ: مِن مُنافِقِي العَرَبِ، والصَحِيحُ أنَّهُ قالَ: "رِجالٌ مِن قَوْمِهِ"، فَسَكَتَ عُمَرُ، وصَلّى رَسُولُ اللهِ عَلى عَبْدِ اللهِ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، وصَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ لِمَوْضِعِ إظْهارِ الإيمانِ، ومُحالٌ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ وهو يَتَحَقَّقُ كُفْرَهُ، وبَعْدَ هَذا -واللهُ أعْلَمُ- عُيِّنَ لَهُ مَن لا يُصَلِّي عَلَيْهِ، ووَقَعَ في مَغازِي أبِي إسْحاقَ وفي بَعْضِ كُتُبِ التَفْسِيرِ: فَأسْلَمَ وتابَ بِهَذِهِ الفِعْلَةِ مِن رَسُولِ اللهِ والرَغْبَةِ مِن عَبْدِ اللهِ ألْفُ رَجُلٍ مِنَ الخَزْرَجِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، قالَهُ مَن لَمْ يَعْرِفْ عِدَّةَ الأنْصارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ ﴾ الآيَةُ، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ والمُرادُ أُمَّتُهُ إذْ هو بِإجْماعٍ- مِمَّنْ لا تَفْتِنُهُ زَخارِفُ الدُنْيا.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: "وَلا تُعْجِبُكَ أيُّها الإنْسانُ"، والمُرادُ الجِنْسُ، ووَجْهُ تَكْرِيرِها تَأْكِيدُ هَذا المَعْنى وإيضاحُهُ، لِأنَّ الناسَ كانُوا يُفْتَنُونَ بِصَلاحِ حالِ المُنافِقِينَ في دُنْياهم.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ﴾ الآيَةُ، العامِلُ في "إذا" "اسْتَأْذَنَكَ"، والسُورَةُ المُشارُ إلَيْها هي بَراءَةٌ فِيما قالَ بَعْضُهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إلى كُلِّ سُورَةٍ فِيها الأمْرُ بِالإيمانِ والجِهادِ مَعَ الرَسُولِ ، وسُورَةُ القُرْآنِ أُجْمِعَ عَلى تَرْكِ هَمْزِها في الِاسْتِعْمالِ، واخْتُلِفَ هَلْ أصْلُها الهَمْزُ أمْ لا فَقِيلَ: أصْلُها الهَمْزُ، فَهي مِن أسْأرَ إذا بَقِيَتْ لَهُ قِطْعَةٌ مِنَ الشَيْءِ، فالسُورَةُ: قِطْعَةٌ مِنَ القُرْآنِ، وقِيلَ: أصْلُها ألّا تُهْمَزَ فَهي كَسُورَةِ البِناءِ، وهي ما انْبَنى مِنهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَهي الرُتْبَةُ بَعْدَ الرُتْبَةِ، ومِن هَذا قَوْلُ النابِغَةِ: ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ أعْطاكَ سُورَةً ∗∗∗ تَرى كُلَّ مَلِكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ وقَدْ مَضى هَذا كُلُّهُ مُسْتَوْعَبًا في صَدْرِ هَذا الكِتابِ.
و"أنْ" في قَوْلِهِ: "أنْ آمِنُوا" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى أيْ، فَهي -عَلى هَذا- لا مَوْضِعَ لَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: بِـ "أنْ" فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ، و"الطَوْلُ" في هَذِهِ الآيَةِ: المالُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ إسْحاقَ، وغَيْرُهُما، والإشارَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، ومَعْتَبِ بْنِ قَشَيْرٍ، ونُظَرائِهِمْ.
والقاعِدُونَ: الزَمْنى وأهْلُ العُذْرِ في الجُمْلَةِ ومَن تُرِكَ لِضَبْطِ المَدِينَةِ لِأنَّ ذَلِكَ عُذْرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ ﴾ الآيَةُ، تَقْرِيعٌ وإظْهارُ شُنْعَةٍ كَما يُقالُ عَلى وجْهِ التَعْيِيرِ: رَضِيتَ يا فُلانُ كَذا؟
و"الخَوالِفُ": النِساءُ، جَمْعُ خالِفَةٍ، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ النَحّاسُ: يُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ: خالِفَةٌ، فَهَذا جَمْعُهُ بِحَسَبِ اللَفْظِ، والمُرادُ أخِسَّةُ الناسِ وأخالِفُهُمْ، وقالَ النَضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ في كِتابِ النَقّاشِ: الخَوالِفُ: مَن لا خَيْرَ فِيهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الخَوالِفُ جَمْعُ خالِفٍ فَهو جارٍ مَجْرى فَوارِسَ ونَواكِسَ وهَوالِكَ.
و"طُبِعَ" في هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَعارٌ، ولَمّا كانَ الطَبْعُ عَلى الصَوّانِ والكِتابِ مانِعًا مِنهُ وحافِظًا عَلَيْهِ شَبَّهَ القَلْبَ الَّذِي قَدْ غَشِيَهُ الكُفْرُ والضَلالُ حَتّى مَنَعَ الإيمانَ والهُدى مِنهُ بِالصَوّانِ المَطْبُوعِ عَلَيْهِ، ومِن هَذا اسْتِعارَةٌ الغُفْلِ والكِنانِ لِلْقَلْبِ، و"لا يَفْقَهُونَ" مَعْناهُ: لا يَفْهَمُونَ.
<div class="verse-tafsir"
لمّا انقضى الكلام على الاستغفار للمنافقين الناشئ، عن الاعتذار والحلف الكاذبيْن وكان الإعلام بأن الله لا يغفر لهم مشوباً بصورة التخيير في الاستغفار لهم، وكان ذلك يبقي شيئاً من طمعهم في الانتفاع بالاستغفار لأنهم يحسبون المعاملة الربانية تجري على ظواهر الأعمال والألفاظِ كما قدمناه في قوله: ﴿ فرح المخلفون ﴾ [التوبة: 81]، تهيَّأ الحال للتصريح بالنهي عن الاستغفار لهم والصلاةِ على موتاهم، فإنّ الصلاة على الميت استغفار.
فجملة ﴿ ولا تصل ﴾ عطف على جملة ﴿ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ﴾ [التوبة: 80] عطفَ كلام مراد إلحاقه بكلام آخر لأنّ القرآن ينزل مراعىً فيه مواقع وضع الآي.
وضمير ﴿ منهم ﴾ عائد إلى المنافقين الذين عُرفوا بسيماهم وأعمالهم الماضية الذكر.
وسبب نزول هذه الآية ما رواه البخاري والترمذي من حديث عبد الله بن عباس عن عمر بن الخطاب قال: «لما مات عبد الله بنُ أبَيّ بن سَلُول دُعِي له رسول الله ليصلي عليه، فلمّا قام رسول الله وثَبْتُ إليه فقلت: يا رسول الله أتصلّي على ابن أُبيّ وقد قال يومَ كذَا وكذا، كذا وكذا أعَدّدُ عليه قولَه، فتبسّم رسول الله وقال: " أخِّرْ عنّي يا عمرُ " فلمّا أكثرت عليه قال: " إنّي خُيِّرتُ فاخترتُ، لو أعلم أنّي لو زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها " قال: فصلى عليه رسول الله ثم انصرف فلم يمكث إلاّ يسيراً حتّى نزلتْ الآيتان من براءة ﴿ ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ﴾ إلى قوله: ﴿ وهم فاسقون ﴾ قال: فعجبت بعدُ من جُرْأتِي على رسول الله واللَّهُ ورسوله أعلم اه».
وفي رواية أخرى فلم يصل رسول الله على أحد منهم بعد هذه الآية حتى قُبض صلى الله عليه وسلم وإنّما صلّى عليه وأعطاه قميصه ليكفّن فيه إكراماً لابنه عبدِ الله وتأليفاً للخزرج.
وقوله: ﴿ منهم ﴾ صفة ﴿ أحدٍ ﴾ .
وجملة ﴿ مات ﴾ صفة ثانية ل ﴿ أحد ﴾ .
ومعنى ﴿ ولا تقم على قبره ﴾ لا تقفْ عليه عند دفنه لأنّ المشاركة في دفن المسلم حقّ على المسلم على الكفاية كالصلاة عليه فتركُ النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عليهم وحضور دفنهم إعلان بكفر من ترك ذلك له.
وجملة: ﴿ إنهم كفروا بالله ورسوله ﴾ تعليلية ولذلك لم تعطف وقد أغنى وجود (إنَّ) في أولها عن فاء التفريع كما هو الاستعمال.
والفسق مراد به الكفر فالتعبير ب ﴿ فاسقون ﴾ عوض (كافرون) مجرّد تفنّن.
والأحسن أن يفسّر الفسق هنا بالخروج عن الإيمان بعد التلبّس به، أي بصورة الإيمان فيكون المراد من الفسق معنى أشنعَ من الكفر.
وضمائر ﴿ إنهم كفروا وماتوا وهم فاسقون ﴾ عائد إلى ﴿ أحدٍ ﴾ لأنّه عام لكونه نكرة في سياق النهي والنهي كالنفي.
وأمّا وصفه بالإفراد في قوله ﴿ مات ﴾ فجرى على لفظ الموصوف لأنّ أصل الصفة مطابقة الموصوف.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ﴾ «لَمّا احْتُضِرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنُ سَلُولَ أتى ابْنُهُ النَّبِيَّ فَسَألَهُ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ وأنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ لِيُكَفَّنَ فِيهِ فَأعْطاهُ إيّاهُ وهو عَرَقٌ فَكَفَّنَهُ فِيهِ وحَضَرَهُ، فَقِيلَ إنَّهُ أدْرَكَهُ حَيًّا، فَقالَ النَّبِيُّ : (أهْلَكَهُمُ اليَهُودُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لا تُؤَنِّبُنِي واسْتَغْفِرْ لِي، فَلَمّا ماتَ ألْبَسَهُ قَمِيصَهُ وأرادَ الصَّلاةَ عَلَيْهِ فَجَذَبَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألَيْسَ اللَّهُ قَدْ نَهاكَ عَنِ الصَّلاةِ عَلَيْهِمْ؟
فَقالَ: (يا عُمَرُ خَيَّرَنِي رَبِّي فَقالَ: ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴾ لَأزِيدَنَّ عَلى السَّبْعِينَ فَصَلّى عَلَيْهِ.
فَنَزَلَتْ: ﴿ وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ﴾ الآيَةَ، فَما صَلّى بَعْدَها عَلى مُنافِقٍ،» وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وجابِرٍ وقَتادَةَ.
وَقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: أرادَ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَأخَذَ جِبْرِيلُ بِثَوْبِهِ وقالَ: ﴿ وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ﴾ ﴿ وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ ﴾ يَعْنِي قِيامَ زائِرٍ ومُسْتَغْفِرٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج البخاري ومسلم وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبي ابن سلول أتى ابنه عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه.
فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه.
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام عمر بن الخطاب فأخذ ثوبه فقال: يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟
فقال: «إن ربي خيَّرني وقال: ﴿ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ﴾ [ التوبة: 80] وسأزيد على السبعين فقال: إنه منافق فصلى عليه.
فأنزل الله تعالى ﴿ ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره ﴾ فترك الصلاة عليهم» .
وأخرج الطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أن عبد الله بن عبد الله بن أبي قال له أبوه: أي بني، اطلب لي ثوباً من ثياب النبي صلى الله عليه وسلم فكفني فيه، ومره أن يصلي عليَّ.
قال «فأتاه فقال: يا رسول الله قد عرفت شرف عبد الله، وهو يطلب إليك ثوباً من ثيابك نكفنه فيه وتصلي عليه؟
فقال عمر: يا رسول الله قد عرفت عبد الله ونفاقه.
أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟
فقال: وابني؟!
فقال: ﴿ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ﴾ [ التوبة: 80] قال: فإني سأزيد على سبعين.
فأنزل الله عز وجل ﴿ ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره...
﴾ الآية.
قال: فأرسل إلى عمر فأخبره بذلك، وأنزل الله: ﴿ سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ﴾ [ المنافقون: 6] » .
وأخرج ابن المنذر عن عمر بن الخطاب قال: لما مرض عبد الله بن أبي بن سلول مرضه الذي مات فيه عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما مات صلى عليه وقام على قبره.
قال: فوالله إن مكثنا إلا ليالي حتى نزلت ﴿ ولا تصل على أحد منهم مات أبداً...
﴾ الآية.
وأخرج ابن ماجة والبزار وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن جابر قال «مات رأس المنافقين بالمدينة، فأوصى أن يصلي عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأن يكفنه في قميصه، فجاء ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبي أوصى أن يكفن في قميصك، فصلى عليه وألبسه قميصه وقام على قبره، فأنزل الله: ﴿ ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره ﴾ » .
وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن مردويه عن أنس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يصلي على عبد الله بن أبي، فأخذ جبريل عليه السلام بثوبه وقال: ﴿ ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره ﴾ » .
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال: «وقف نبي الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي، فدعاه فأغلظ له وتناول لحية النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو أيوب: كف يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوالله لئن أذن لأضعن فيك السلاح، وأنه مرض فأرسل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم يدعوه، فدعا بقميصه فقال عمر: والله ما هو بأهل أن تأتيه.
قال: بلى.
فأتاه فقال: أهلكتك موادّتك اليهود؟
قال: إنما دعوتك لتستغفر لي ولم أدعك لتؤنبني.
قال: أعطني قميصك لأكفن فيه.
فأعطاه ونفث في جلده، ونزل في قبره، فأنزل الله: ﴿ ولا تصل على أحد منهم مات أبداً...
﴾ الآية قال: فذكروا القميص.
قال: وما يغني عنه قميصي، والله إني لأرجو أن يسلم به أكثر من ألف من بني الخزرج، فأنزل الله: ﴿ ولا تعجبك أموالهم وأولادهم ﴾ الآية» .
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا ﴾ ، ﴿ مَات ﴾ (١) ﴿ أَبَدًا ﴾ ظرف لـ ﴿ تُصَلِّ ﴾ ، كأنه قيل: ولا تصل أبدًا على أحد منهم.
قال عامة المفسرين: (لما مرض عبد الله بن أبي أرسل (٢) - يسأله أن يكفنه في قميصه الذي يلي بدنه ويصلي عليه، فلما مات فعل ذلك رسول الله - -، وشهد دفنه، ودلاه في قبره، فما لبث إلا يسيرًا حتى نزلت هذه الآية، ثم كُلم رسول - - فيما فعل بعبد الله بن أبي، فقال: "وما يغني عنه قميصي وصلاتي من الله، والله إني كنت أرجو أن يسلم به ألف من قومه" فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب الاستشفاء بثوب رسول الله - - (٣) قال أبو إسحاق: ويروى أنه - - إنما أجاز الصلاة عليه لأن ظاهره كان الإسلام فأعلمه الله عز وجل أنه إذا علم منه النفاق فلا صلاة عليه) (٤) - أن يصلي عليه فأخذ جبريل بثوبه (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ﴾ ، قال الزجاج: (كان رسول الله - - إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له) (٨) (٩) (١) ساقط من (ح).
(٢) هذه رواية قتادة كما في "تفسير ابن جرير" 10/ 206ورواية "الصحيحين" عن ابن عمر أن السائل عبد الله بن عبد الله بن أبي، وجمع الثعلبي في "تفسيره" 6/ 13 أبين الأمرين بأن عبد الله بن أبي طلب ذلك من النبي - -، فلما مات عبد الله انطلق ابنه إلى النبي - - ودعاه إلى جنازة أبيه.
اهـ.
ويؤيد ذلك ما رواه ابن جرير وابن ماجه والبزار وأبو الشيخ وابن مردويه (كما في "الدر المنثور" 3/ 475).
عن جابر قال: مات رأس المنافقين بالمدينة، فأوصى أن يصلي عليه النبي - - وأن يكفنه في قميصه، فجاء ابنه إلى النبي - - فقال: أبي أوصى أن يكفن في قميصك ..) إلخ، فتبين من مجموع الروايات أن ابن أبي طلب من النبي - - ذلك، وحرص عليه، وأوصى به، وأن ابنه نفذ وصيته، وشفع له عند النبي - - حتى تم الأمر.
(٣) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 463، و"تفسير ابن جرير" 10/ 204 - 206، والثعلبي 6/ 136 أ، والبغوي 4/ 81، و"الدر المنثور" 3/ 476، وأصل القصة في "صحيح البخاري" (4670)، كتاب: التفسير، باب: قوله ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ ، و"صحيح مسلم" (2400)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 464.
(٥) ساقط من (ح).
(٦) ساقط من (ى).
(٧) رواه ابن جرير 10/ 205، وأبو يعلى وابن مردويه كما في "الدر المنثور" 3/ 476، وفي سند ابن جرير ضعيف بل متروك، وهو يزيد بن أبان الرقاشي كما في "تهذيب التهذيب" 4/ 403، ثم إن في الأثر علة قادحة لمخالفته رواية "الصحيحين" السابقة وفيها أن النبي - - صلى عليه.
(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 464، والحديث رواه أبو داود (3221)، كتاب: الجنائز، باب: الاستغفار عن القبر للميت، وهو حديث صحيح كما في "صحيح الجامع وزياداته"، رقم (4760) 2/ 865.
(٩) ذكره بنحوه الرازي في "تفسيره" 16/ 153.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً ﴾ نزلت في شأن عبد الله بن أبي سلول، وصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه حين مات، وروي أنه صلى عليه فنزلت الآية، وروي أنه صلى الله عليه وسلم لما تقدم ليصلي عليه جاءه جبريل فجبذ ثوبه، وتلا عليه ﴿ وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً ﴾ الآية، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصل عليه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ معي أبدأ ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص والمفضل ﴿ معي عدو ﴾ بالفتح: حفص فقط.
الوقوف: ﴿ أو لا تستغفر لهم ﴾ ط ﴿ فلن يغفر الله لهم ﴾ ط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ في الحر ﴾ ط ﴿ حراً ﴾ م لأن المعنى لو كانوا يفقهون حرارة النار لما قالوا لا تنفروا في الحر.
ولو وصل لأوهم أن جهنم لا يكون نارها أشد حراً إذا لم يفقهوا ذلك ﴿ يفقهون ﴾ ه ﴿ كثيراً ﴾ ج لأن ﴿ جزاء ﴾ يصلح أن يكون مفعولاً له أو مصدر محذوف أي يجزون جزاء ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ معي عدوّاً ﴾ ط ﴿ الخالفين ﴾ ه ﴿ على قبره ﴾ ط ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ وأولادهم ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ القاعدين ﴾ ه ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ وأنفسهم ﴾ ط ﴿ الخيرات ﴾ ز لابتداء وعد الفلاح على التعظيم بدليل تكرار ﴿ أولئك ﴾ مع اتفاق الجملتين.
﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه.
التفسير: عن ابن عباس أن عند نزول الآية الأولى في المنافقين قالوا: يا رسول الله استغفر لنا واشتغل بالاستغفار لهم فنزل ﴿ استغفر لهم ﴾ الآية، ومن المفسرين من قال: إنهم طلبوا من الرسول أن يستغفر لهم وإن الله نهاه عنه.
والنهي عن الشيء لا يدل على أن المنهي أقدم على ذلك الفعل.
ثم إن الدليل قد يدل على أنه ما اشتغل بالاستغفار لأن المنافق كافر، وقد ظهر في شرعه أن الاستغفار للكافر غير جائز، ولأن الاستغفار للمنافق يجري مجرى اغرائه على مزيد النفاق ولأنه يلزم أن يكون النبي غير مجاب الدعوة وإن أكثر في الدعاء.
ومن الفقهاء من قال: التخصيص بالعدد المعين يدل على أن الحال فيما وراء ذلك العدد بخلافه لما روي أنه لما نزلت الآية قال : "لأزيدن على السبعين" فنزل ﴿ سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم ﴾ فكف عنه.
فلولا أنه فهم بدليل الخطاب أن الأمر فيما وراء السبعين بالخلاف لم يقل لأزيدنّ على ذلك.
وأجيب بأنه أراد إظهار الرحمة والرأفة بأمته ودعاء لهم إلى ترحم بعضهم لبعض لا أنه فهم منه ذلك، كيف وقد قال ﴿ لن يغفر الله لهم ﴾ وأردفه بقوله ﴿ ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله ﴾ .
فليس المقصود بهذا العدد تحديد المنع وإنما هو كقول القائل لمن يسأله حاجة: لو سألتني سبعين مرة لم أقضها.
ولهذا بين العلة التي لأجلها لا ينفعهم استغفار الرسول وهي كفرهم وفسقهم، وهذا المعنى قائم في الزيادة على السبعين.
وذكر بعضهم لتخصيص السبعين وجهاً هو أن السبعة عدد شريف لأنه عدد السموات والأرضين والبحار والأقاليم والنجوم السيارة والأعضاء وأيام الأسبوع، فضرب السبعة في عشرة لأن الحسنة بعشر أمثالها.
وقيل: خص بالذكر لأنه كبّر على حمزة سبعين تكبيرة وكأنه قال: إن تستغفر لهم سبعين مرة بإزاء تكبيراتك على حمزة: هذا وقد مر في تفسير قوله ﴿ قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً ﴾ أن هذا أمر في معنى الخبر كأنه قيل: لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أم لا، وانتصاب سبعين على المصدر كقولك: ضربته عشرين ضربة.
ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أفعالهم فقال ﴿ فرح المخلفون ﴾ قيل: إنهم احتالوا أن يتخلفوا وكان الأولى أن يقال فرح المتخلفون.
وأجيب بأنهم استأذنوا رسول الله فأذن لهم وخلفهم بالمدينة في غزوة تبوك، أو أريد خلفهم كسلهم ونفاقهم والشيطان، أو المجاهدون لما لم يوافقوهم في القعود فكأنهم خلفوهم، أو أطلق عليهم المخلفون باعتبار أنهم سيصيرون ممنوعين من الخروج في الآية الآتية ﴿ فإن رجعك الله ﴾ إلى قوله ﴿ ولن تقاتلوا معي عدواً ﴾ ومعنى ﴿ بمقعدهم ﴾ بقعودهم قاله مقاتل.
أو بموضع قعودهم وهو المدينة قاله ابن عباس.
ومعنى ﴿ خلاف رسول الله ﴾ مخالفة رسول الله حين سار وأقاموا قاله قطرب والزجاج فانتصابه على أنه مفعول له أي قعد والأجل خلافه أو على الحال مثل "فأرسلها العراك" أي مخالفين له، وقال الأخفش ويونس: الخلاف بمعنى الخلف أي بعد رسول الله وذلك أن جهة الأمام التي يقصدها الإنسان يخالفها جهة الخلف ﴿ وكرهوا أن يجاهدوا ﴾ كيف لا يكرهون وليس فيهم باعث الإيمان وداعي الإخلاص ومعهم صارف الكفر والنفاق؟
وفيه تعريض بالمؤمنين الباذلين أموالهم وأرواحهم في الله المؤثرين ذلك على الدعة والخفض.
واعلم أن الفرح بالإقامة يدل على كراهية الذهاب إلا أنه صريح بذلك للتوكيد، ولعل المراد أنه مال طبعهم إلى الإقامة لإلفهم بالبلد واستئناسهم بالأهل والولد، وكرهوا الخروج إلى الغزو لأنه تعريض بالنفس والمال للقتل والإهدار.
﴿ قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون ﴾ أن بعد هذه الدار دار أخرى وبعد هذه الحياة حياة أخرى.
وهذه المشقة منقضية سهلة وتلك باقية صعبة ولبعضهم وكأنه صاحب الكشاف: مسرة أحقاب تلقيت بعدها *** مساءة يوم أنها شبه أنصاب فكيف بأن تلقى مسرة ساعة *** وراء تقضيها مساءة أحقاب وفي هذا استجهال عظيم لهم.
ثم قال ﴿ فليضحكوا ﴾ وهو خبر إلا أنه أخرج على لفظ الأمر للدلالة على أنه حتم لا يكون غيره ومعناه فسيضحكون قليلاً أي ضحكاً قليلاً أو زماناً قليلاً وسيبكون كثيراً.
يروى أن أهل النفاق يبكون في النار عمر الدنيا لا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم.
ثم عرف نبيه وجه الصلاح في سائر الغزوات فقال ﴿ فإن رجعك الله إلى طائفة منهم ﴾ أي إن ردّك إلى المدينة.
الرجع متعد مثل الرد، والرجوع لازم.
وإنما قال طائفة لأن منهم من تاب عن النفاق وندم أو اعتذر بعذر صحيح.
وقيل: لم يكن المخلفون كلهم منافقين فأراد بالطائفة المخلفين من المنافقين.
﴿ فاستأذنوك للخروج ﴾ إلى غزوة أخرى بعد غزوة تبوك ﴿ فقل لن تخرجوا معي أبداً ﴾ عاقبهم بإسقاط عن ديوان الغزاة جزاء على تخلفهم لما فيه من الذم والطرد وصلاحاً لأمر الجهاد لما في استصحابهم من المفاسد المذكورة في قوله ﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلاَّ خبالاً ﴾ ويعني بأول مرة غزوة تبوك.
وإنما لم يقل أول المرات معرفاً مجموعاً لأن المعنى إن فصلت المرات مرة مرة كانت هذه أولها نظيره "هو أفضل رجل" يعني إن عدّ الرجال رجلاً رجلاً كان هو أفضلهم.
وإنما لم يقل "أولى مرة" لأن أكثر اللغتين "هند أكبر النساء" ولا يكاد يقال "هي أكبر امرأة" ﴿ فاقعدوا مع الخالفين ﴾ كقوله ﴿ وقيل اقعدوا مع القاعدين ﴾ {التوبة: 46] والخالف من يخلف الرجل في قومه.
وعن الأصمعي أنه الفاسد من خلف اللبن والنبيذ إذا فسد.
وعن الفراء معناه المخالف.
قال قتادة: ذكر لنا أن الخالفين الذين أمروا بالقعود كانوا اثني عشر رجلاً.
عن ابن عباس أنه لما اشتكى عبد الله ابن أبيّ ابن سلول عاده رسول الله فطلب منه أن يصلي عليه إذا مات ويقوم على قبره ويعطيه قميصه الذي يلي جلده ليكفن فيه ففعل كل ذلك.
وعنه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لما توفي عبد الله بن أبيّ دعي رسول الله للصلاة عليه فقام إليه، فلما وقف علي يريد الصلاة تحوّلت حتى قمت في صدره فقلت: يا رسول الله أعلى عدوّ الله عبد الله ابن أبيّ القائل يوم كذا كذا وكذا؟
أعدد أيامه ورسوله يتبسم، حتى إذا أكثرت عليه قال: أخر عني يا عمر إني خيرت فاخترت، قد قيل لي استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم، ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت.
قال: ثم صلى عليه ومشى معه فقام على قبره حتى فرغ منه قال: فعجبت من جرأتي على رسول الله والله ورسوله أعلم.
قال: فوالله ما كان إلا يسيراً حتى نزل ﴿ ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ﴾ الآية.
فما صلى رسول الله بعده على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله.
قال المفسرون: وكلم رسول الله فيما فعل بعبد الله بن أيّ قال: وما يغني عنه قميصي وصلاتي من الله، والله إن كنت لأرجو أن يسلم به ألف من قومه وكان كما قال.
وقيل: لعل السبب فيه أنه لما طلب من الرسول قميصه الذي مس جلده ليدفن فيه غلب على ظن الرسول أنه انتقل إلى الإيمان لأنه وقت يتوب فيه الكافر فرغب أن يصلي عليه.
وذكر من أسباب دفع القميص أن العباس عم رسول الله أخذ أسيراً ببدر ولم يجدوا له قميصاً طويلاً فكساه عبد الله قميصه، ومنها أن المشركين قالوا له يوم الحديبية إنا لا ننقاد لمحمد ولكنا ننقاد لك.
فقال: إن لي في رسول الله أسوة حسنة، فشكر رسول الله صنيعه.
ومنها أنه كان لا يرد السائل لقوله ﴿ وأما السائل فلا تنهر ﴾ ومنها أن ابنه عبد الله كان من الصالحين فالرسول أكرمه لمكان ابنه.
ومنها إظهار الرأفة والرحمة كما مر.
قوله ﴿ مات ﴾ صفة لأحد ﴿ وأبداً ﴾ ظرف لقوله ﴿ لا تصل ﴾ وإنه يحتمل تأبيد النفي ونفي التأبيد والظاهر الأول، لأن القرائن تدل على منعه من أن يصلي على أحد منهم منعاً كلياً دائماً.
قال الزجاج: معنى قوله ﴿ ولا تقم على قبره ﴾ أن رسول الله كان إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له فمنع ههنا منه.
وقال الكلبي: معناه لا تقم بإصلاح مهمات قبره و ﴿ أنهم كفروا ﴾ تعليل للنهي ويرد عليه أن الكفر حادث وحكم الله قديم والحادث لا يكون علة للقديم.
وأجيب بأن العلة ههنا بمعنى الإمارة المعرفة للحكم.
قال في الكشاف: وإنما قيل مات وماتوا بلفظ الماضي والمعنى على الاستقبال على تقدير لكون والوجود لأنه كائن موجود لا محالة.
وإنما وصفهم بالفسق بعد وصفهم بالكفر لأن الكافر قد يكون عدلاً في دينه، والكذب والنفاق والخداع والجبن والخبث مستقبح في جميع الأديان.
أما قوله ﴿ ولا تعجبك أموالهم وأولادهم ﴾ فقد سبق مثله في هذه السورة بتفاوت ألفاظ فوجب علينا أن نذكر سبب التفاوت، ثم فائدة التكرار فنقول والله أعلم بمراده: إنما ذكر النهي ههنا بالواو وهناك بالفاء لأنه لا تعلق له ههنا بما قبله وهو موتهم على حالة الفسق خلاف ما هنالك.
وإنما قال ههنا ﴿ وأولادهم ﴾ بدون "لا" لأن المراد هنالك الترقي من الأدون إلى الأعلى وهو أن إعجاب أولئك الأقوام بأولادهم فوق إعجابهم بأموالهم كقولك: لا يعجبني أمر النائب ولا أمر المنوب.
وههنا أراد المعية فقط إما اكتفاء بما سبق هناك، وإما لأن هؤلاء أقوام آخرون لم يكن عندهم تفاوت بين الأمرين.
وقيل: إنه هناك لما علق الثاني بالأول تعليق الجزاء بالشرط أكد معنى النهي بتكرار "لا"، وإنما قال ههنا ﴿ إن يعذبهم ﴾ لأنه إخبار عن قوم ماتوا على الكفر فتعلق الإرادة بما هم فيه وهو العذاب.
وأما في الآية المتقدمة فالمفعول محذوف وقد مر.
وقيل: الفائدة فيه التنبيه على أن التعليل في أحكام الله محال وأنه أينما ورد حرف التعليل فمعناه "أن"، وإنما حذف الحياة ههنا اكتفاء بما ذكر هنالك وقيل تنبيهاً على أن الحياة الدنيا لا تستحق أن تسمى حياة لخستها.
وأما فائدة التكرير فهي المبالغة في التحذير من الأموال والأولاد لأنها جذابه للقلوب فتحتاج إلى صارف قوي، ويحتمل أن تكون الأولى في قوم والثانية في آخرين.
وقيل: الثانية في اليهود والأولى في المنافقين.
ثم عاد إلى توبيخ المنافقين فقال ﴿ وإذا أنزلت سورة ﴾ أي تمامها ويجوز أن يزاد عليها كما يقع القرآن والكتاب على بعضه.
وقيل: هي براءة لأن فيها الأمر بالإيمان والجهاد ﴿ أن آمنوا ﴾ "أن" هي المفسرة لأن إنزال السورة في معنى القول.
وقال الواحدي: تقديره بأن آمنوا وإنما قدم الأمر بالإيمان لأن الاشتغال بالجهاد لا يفيد إلا بعد الإيمان ﴿ أولوا الطول ﴾ ذو الفضل والسمعة من طال عليه طولاً قاله ابن عباس والحسن.
وقال الأصم: الرؤساء والكبراء المنظور إليهم، وخصوا بالذكر لأن الذم لهم ألزم إذ لا عذر لهم في القعود ﴿ مع القاعدين ﴾ مع أصحاب الأعذار من الضعفة والزمنى.
والخوالف النساء اللواتي تخلفن في البيت، وجوز بعضهم أن يكون الخوالف جمع خالف وكان يصعب على المنافقين تشبيههم بالخوالف.
ثم قال ﴿ وطبع على قلوبهم ﴾ كقوله ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ وقد مر البحث فيه، وقال الحسن: الطبع بلوغ القلب في الكفر إلى حد كأنه مات عن الإيمان.
وقالت الأشاعرة: هو حصول داعية الكفر المانعة من الإيمان.
والطبع في اللغة الختم وهو التأثير في الطين ونحوه، ومنه الطبع للسجية التي جبل عليها الإنسان ﴿ فهم لا يفقهون ﴾ أسرار حكمة الله في الجهاد أو في الذهاب من السعادة وما في التخلف من الشقاء.
وفي قوله ﴿ لكن الرسول ﴾ نكتة هي أنه إن تخلف هؤلاء فقد أنهض إلى الغزو من هو خير منهم وأصدق نية كقوله ﴿ فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين ﴾ ثم ذكر منافع الجهاد على الإجمال فقال ﴿ وأولئك لهم الخيرات ﴾ وهي شاملة لمنافع الدارين.
وقيل: هي الحور لقوله ﴿ فيهن خيرات حسان ﴾ وقوله ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ المراد منه الخلاص من المكاره.
ثم فصل ما أجمل فقال ﴿ أعد الله ﴾ الآية وقيل: الخيرات الفلاح في الدنيا وهذه في الآخرة.
و ﴿ الفوز العظيم ﴾ عبارة عن كون تلك الحالة مرتبة رفيعة ودرجة عالية.
التأويل: إنما لم يؤثر استغفار الرسول في حقهم لقصور في القائل لا لتقصير في الفاعل، والأثر يتوقف على الأمرين ﴿ جزاء بما كانوا يكسبون ﴾ من رين القلوب وكدورة الأرواح بظلمة الصفات الحيوانية.
﴿ وهم كافرون ﴾ مستورو القلوب بحجاب حب الأموال والأولاد.
لهم الخيرات لما سعوا سعي العبودية نالوا خيرات الربوبية، ﴿ هم المفلحون ﴾ المتخلصون عن حجب صفات النفس ﴿ ذلك الفوز العظيم ﴾ إذ لا حجاب أعظم من حجاب النفس والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية.
جمعوا - أعني المنافقين - جميع خصال الشر التي فعلوا: أحدها: ما ذكر من فرحهم بالتخلف عن رسول الله.
والثاني: كراهيتهم الجهاد مع رسول الله وبخلهم بأموالهم.
والثالث: صدهم الناس عن الجهاد والخروج في سبيل الله بقولهم: ﴿ لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ ﴾ .
جمع الله جميع خصال المنافقين في هذه الآية.
وقوله: ﴿ فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ ﴾ ، ذكر المخلفون، وهم كانوا متخلفين في الحقيقة، لكنه يحتمل وجهين:] مخلفون خلفهم الله؛ لما ذكر أن خروجهم لا يزيدهم إلا خبالاً، وأنهم يبغون الفتنة خلفهم عن ذلك؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ ﴾ قيل: حبسهم؛ فعلى ذلك مخلفون خلفهم الله لما علم أن خروجهم لا يزيدهم إلا خبالاً وفساداً.
ويحتمل: مخلفون خلفهم أصحاب رسول الله ؛ لأنهم لو أرادوا أن يخرجوهم كرهاً لقدروا على ذلك، فهم كالمخلفين من هذا الوجه لما لو أرادوا إخراجهم أخرجوهم، وإن كانوا متخلفين في الحقيقة.
وقوله: ﴿ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ ﴾ أي: مخالفة رسول الله، وقرئ: (خَلْفَ رَسُولِ اللهِ)، أي: فرحوا لقعودهم بعد خروج رسول الله .
وقوله: ﴿ بِمَقْعَدِهِمْ ﴾ .
يحتمل: القعود، أي: بقعودهم خلفه.
ويحتمل: ﴿ بِمَقْعَدِهِمْ ﴾ ، أي: موضع قعودهم، وهو منازلهم وأوطانهم، وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم؛ لبخلهم وخلافهم الذي في قلوبهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ ﴾ هذا في الظاهر يخرج على إظهار الشفقة للمؤمنين، ولكن لم يكونوا أرادوا ذلك؛ إنما أرادوا حبسهم عن الخروج في سبيل الله، لكن المؤمنين لا يمتنعون عن الخروج في سبيل الله؛ إذ قالوا لهم مطلقاً: "لا تنفروا"، وهو كقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ ﴾ ، كانوا يجبنون المؤمنين عن الخروج إلى الغزو، وكانوا يحتالون في منعهم المؤمنين عن الخروج في سبيل الله، ولو أطلقوا القول في المنع وصرحوه لفهم المؤمنون ذلك، ولظهر نفاقهم.
وجائز أن يكون قولهم: ﴿ لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ ﴾ قالوا ذلك لأتباعهم، لا للمؤمنين؛ كقوله: ﴿ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴾ \[أي: لو كانوا يفقهون\] ما أنزل على رسول الله لعلموا أن نار جهنم أشد حرّاً من حر الدنيا.
أو لو كانوا يفقهون أنهم لم يخلقوا في الدنيا للدنيا خاصّة، ولكن خلقهم [فيها] ليمتحنهم؛ لعلموا أن الموعود في الآخرة أشد مما امتحنوا في الدنيا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً ﴾ .
يشبه أن يكون الضحك كناية عن الفرح والسرور، والبكاء كناية عن الحزن؛ يقول: افرحوا وسروا قليلا، وتحزنون في الآخرة طويلاً كثيراً.
ويمكن أن يكون على حقيقة الضحك؛ لأنهم كانوا يضحكون ويستهزئون بالمؤمنين في الدنيا؛ يقول: ضحكوا قليلاً؛ لأن الدنيا قليلة تنقطع، ويبكون كثيراً في الآخرة؛ لأنها لا تنقطع ﴿ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ ﴾ .
[دل] قوله: ﴿ رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ ﴾ ، أي: ليس كل من تخلف عنه في ذلك فهو منافق، ولا كل المنافقين امتنعوا وتخلفوا عنه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً ﴾ .
لأنه أخبر أن خروجهم معهم لا يزيدهم إلا خبالاً وفساداً، فيقول: ﴿ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ ، أي: عوقبوا بالقعود أول مرة لنفاقهم.
وقوله: ﴿ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً ﴾ ، أي: لن آذن لكم أن تخرجوا معي أبداً، ولن آذن لكم أن تقاتلوا معي أبداً.
ويحتمل: لن تخرجوا، أي: و[إن] أذنت لكم بالخروج فلن تخرجوا أبداً.
﴿ فَٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْخَالِفِينَ ﴾ .
قيل: مع المتخلفين، وهم المنافقون؛ على ما ذكر.
ويحتمل: أن اقعدوا مع أصحاب الأعذار.
وقال بعضهم: مع النساء والزمنى؛ وهو واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً ﴾ .
يعني: المنافقين.
﴿ وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ﴾ .
ذكر في بعض القصّة "أنه لما مات عبد الله بن أبيّ، فجاء ابنه إلى رسول الله ، فقال: يا رسول الله، إن إبي مات وأوصانا أن نكفنه في قميصك، وأن تصلي عليه، فخلع النبي قميصه فأعطاه، ومشى فصلى، وقام على قبره" .
وروي في بعض الأخبار "أنه صلى عليه، وألبسه قميصه، فقيل له: تلبس عدو الله فميصك، فقال: إني لأرجو أن يسلم بقميصي من بني الخزرج ألف" ، فذكر أنه لما فعل ذلك أسلم ألف رجل من المنافقين.
وروي أنه لم يصل عليه، فلا ندري كيف كان الأمر بعد أن جاء النهي عن الصلاة على المنافقين بقوله: ﴿ وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ ، سماهم فسقة، واسم الكفر أقبح وأذمّ، لكنهم جمعوا مع الكفر أنواع الفسق؛ ليعلم أن اعتقادهم الكفر والمذهب الذي يذهبون إليه إنما اعتقدوا لهواهم؛ إذ الفسق مما يحرمه كل [ذي] مذهب ودين، وكل يأنف عن الفسق ويتبرأ منه، ولا كذلك الكفر؛ لأن كل من آمن بشيء كفر بضده، وأصل الفسق: هو الخروج عن الأمر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ .
قال بعضهم من أهل التأويل: إنه على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: ولا تعجبك أموالهم وأولادهم في الدنيا إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الآخرة.
وفيه نقض قول المعتزلة في الأصلح، وقد ذكرنا الوجه الذي يدل على نقض قولهم فيما تقدم.
ويحتمل قوله: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ : وهو القتال والحروب التي أمروا بها؛ [كقوله]: ﴿ مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً ﴾ .
وهو التعذيب الذي ذكر؛ لأنهم يصيرون مقتولين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ ﴾ .
قيل: تذهب وتهلك ﴿ وَهُمْ كَٰفِرُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
ولا تصلّ -أيها الرسول- على أي ميت من موتى المنافقين أبدًا، ولا تقف على قبره للدعاء له بالمغفرة، ذلك لأنهم كفروا بالله وكفروا برسوله، وماتوا وهم خارجون عن طاعة الله، ومن كان كذلك لا يُصَلَّى عليه ولا يُدْعَى له.
<div class="verse-tafsir" id="91.zaVJ7"