الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٩٠ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 72 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩٠ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم بين تعالى حال ذوي الأعذار في ترك الجهاد الذين جاءوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتذرون إليه ، ويبينون له ما هم فيه من الضعف ، وعدم القدرة على الخروج ، وهم من أحياء العرب ممن حول المدينة .
قال الضحاك ، عن ابن عباس : إنه كان يقرأ : " وجاء المعذرون " بالتخفيف ، ويقول : هم أهل العذر .
وكذا روى ابن عيينة ، عن حميد ، عن مجاهد سواء .
قال ابن إسحاق : وبلغني أنهم نفر من بني غفار منهم : خفاف بن إيماء بن رحضة .
وهذا القول هو الأظهر في معنى الآية ؛ لأنه قال بعد هذا : ( وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ) أي : لم يأتوا فيعتذروا .
وقال ابن جريج عن مجاهد : ( وجاء المعذرون من الأعراب ) قال : نفر من بني غفار ، جاءوا فاعتذروا ، فلم يعذرهم الله .
وكذا قال الحسن ، وقتادة ، ومحمد بن إسحاق ، والقول الأول أظهر والله أعلم ، لما قدمنا من قوله بعده : ( وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ) أي : وقعد آخرون من الأعراب عن المجيء للاعتذار ، ثم أوعدهم بالعذاب الأليم ، فقال : ( سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم ) .
القول في تأويل قوله : وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (90) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (وجاء)، رسولَ الله صلى الله عليه وسلم =(المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم)، في التخلف =(وقعد)، عن المجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والجهاد معه (13) =(الذين كذبوا الله ورسوله)، وقالوا الكذب, واعتذرُوا بالباطل منهم.
يقول تعالى ذكره: سيُصيب الذين جحدوا توحيد الله ونبوة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم منهم، عذابٌ أليم.
(14) * * * فإن قال قائل: (وجاء المعذّرون)، وقد علمت أن " المعذِّر "، في كلام العرب، إنما هو: الذي يُعَذِّر في الأمر فلا يبالغ فيه ولا يُحكمه؟
وليست هذه صفة هؤلاء, وإنما صفتهم أنهم كانوا قد اجتهدوا في طلب ما ينهضون به مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدوّهم, وحرصوا على ذلك, فلم يجدوا إليه السبيل, فهم بأن يوصفوا بأنهم: " قد أعذروا "، أولى وأحق منهم بأن يوصفوا بأنهم " عذَّروا ".
وإذا وصفوا بذلك، (15) فالصَّواب في ذلك من القراءة، ما قرأه ابن عباس, وذلك ما:- 17073- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي حماد قال، حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق، عن الضحاك قال: كان ابن عباس يقرأ: ( وَجَاءَ الْمُعْذِرُونَ )، مخففةً, ويقول: هم أهل العذر.
= مع موافقة مجاهد إياه وغيره عليه؟
قيل: إن معنى ذلك على غير ما ذهبتَ إليه, وإن معناه: وجاء المعتذِرون من الأعراب = ولكن " التاء " لما جاورت " الذال " أدغمت فيها, فصُيِّرتا ذالا مشدَّدة، لتقارب مخرج إحداهما من الأخرى, كما قيل: " يذَّكَّرون " في " يتذكرون ", و " يذكّر " في " يتذكر " وخرجت العين من " المعذّرين " إلى الفتح, لأن حركة التاء من " المعتذرين "، وهي الفتحة، نقلت إليها، فحركت بما كانت به محركة.
والعرب قد توجِّه في معنى " الاعتذار "، إلى " الإعذار ", فيقول: " قد اعتذر فلان في كذا ", يعني: أعذر, (16) ومن ذلك قول لبيد: إِلَـى الحَـوْلِ ثُـمَّ اسْـمُ السَّلامِ عَلَيْكُمَا ومَـنْ يَبْـكِ حَـوْلا كَـامِلا فَقَدِ اعتَذَرْ (17) فقال: فقد اعتذر, بمعنى: فقد أعْذَر.
* * * على أن أهل التأويل قد اختلفوا في صفة هؤلاء القوم الذين وصفهم الله بأنهم جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم " معذِّرين ".
فقال بعضهم: كانوا كاذبين في اعتذارهم, فلم يعذرهم الله.
* ذكر من قال ذلك: 17074- حدثني أبو عبيدة عبد الوارث بن عبد الصمد قال، حدثني أبي, عن الحسين قال: كان قتادة يقرأ: (وجاء المعذرون من الأعراب)، قال: اعتذروا بالكذب.
17075- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا يحيى بن زكريا, عن ابن جريج, عن مجاهد: (وجاء المعذرون من الأعراب)، قال: نفر من بني غفار، جاءوا فاعتذروا, فلم يعذرهم الله.
* * * = فقد أخبر من ذكرنا من هؤلاء: أن هؤلاء القوم إنما كانوا أهل اعتذار بالباطل لا بالحق، فغير جائز أن يوصفوا بالإعذار، إلا أن يوصفوا بأنهم أعْذَرُوا في الاعتذار بالباطل.
فأمّا بالحق = على ما قاله من حكينا قوله من هؤلاء = فغير جائز أن يوصَفوا به.
* * * وقد كان بعضهم يقول: إنما جاءوا معذّرين غير جادِّين, يعرضون ما لا يريدون فعله.
فمن وجَّهه إلى هذا التأويل فلا كلفة في ذلك, غير أني لا أعلم أحدًا من أهل العلم بتأويل القرآن وجَّه تأويله إلى ذلك, فأستحبُّ القول به.
(18) وبعدُ, فإن الذي عليه من القراءة قرأة الأمصار، التشديد في " الذال ", أعني من قوله: (المُعَذّرُونَ)، ففي ذلك دليلٌ على صحة تأويل من تأوله بمعنى الاعتذار، لأن القوم الذين وُصفوا بذلك لم يكلفوا أمرًا عَذَّرُوا فيه, وانما كانوا فرقتين: إما مجتهد طائع، وإما منافق فاسقٌ، لأمر الله مخالف.
فليس في الفريقين موصوفٌ بالتعذير في الشخوص مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, وإنما هو معذّر مبالغٌ, أو معتَذِر.
فإذا كان ذلك كذلك, وكانت الحجة من القرأة مجمعة على تشديد " الذال " من " المعذرين ", عُلم أن معناه ما وصفناه من التأويل.
* * * وقد ذكر عن مجاهد في ذلك موافقة ابن عباس.
17076- حدثني المثنى قال، أخبرنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير, عن ابن عيينة, عن حميد قال: قرأ مجاهد: (وَجاءَ المُعذَرُونَ)، مخففةً, وقال: هم أهل العذر.
17077- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: كان المعذرون، [فيما بلغني، نفرًا من بني غِفارٍ، منهم: خفاف بن أيماء بن رَحَضة، ثم كانت القصة لأهل العذر، حتى انتهى إلى قوله: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ، [الآية].
(19) ----------------------- (13) انظر تفسير " القعود " فيما سلف ص : 412 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(14) انظر تفسير " أليم " فيما سلف من فهارس اللغة ( ألم ) .
(15) في المطبوعة : " بأنهم عذروا ، إذا وصفوا بذلك " ، كأنه متعلق بالسالف .
والصواب أنه ابتداء كلام ، والواو في " وإذا " ثابتة في المخطوطة .
(16) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 447 ، 448 .
(17) سلف البيت وتخريجه 1 : 119 ، تعليق : 1 .
(18) في المطبوعة : " فاستحبوا " جمعًا ، وإنما جاء الخطأ من سوء كتابة المخطوطة ، لأنه أراد أن يكتب بعد آخر الباء واوًا ، ثم عدل عن ذلك ، فأخذ الناشر بما عدل عنه الناسخ !
!
.
(19) الأثر : 17077 - سيرة ابن هشام 4 : 197 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 17063 .
وكان هذا الخبر في المخطوطة والمطبوعة مبتورًا ، أتممته من سيرة ابن هشام ، ووضعت تمامه بين القوسين .
قوله تعالى وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليمقوله تعالى وجاء المعذرون من الأعراب قرأ الأعرج والضحاك " المعذرون " [ ص: 148 ] مخففا .
ورواها أبو كريب عن أبي بكر عن عاصم ، ورواها أصحاب القراءات عن ابن عباس .
قال الجوهري : وكان ابن عباس يقرأ " وجاء المعذرون " مخففة ، من أعذر .
ويقول : والله لهكذا أنزلت .
قال النحاس : إلا أن مدارها عن الكلبي ، وهي من أعذر ; ومنه قد أعذر من أنذر ; أي قد بالغ في العذر من تقدم إليك فأنذرك .
وأما ( المعذرون ) بالتشديد ففيه قولان : أحدهما أنه يكون المحق ; فهو في المعنى المعتذر ؛ لأن له عذرا .
فيكون ( المعذرون ) على هذه أصله المعتذرون ، ولكن التاء قلبت ذالا فأدغمت فيها وجعلت حركتها على العين ; كما قرئ ( يخصمون ) بفتح الخاء .
ويجوز " المعذرون " بكسر العين لاجتماع الساكنين .
ويجوز ضمها اتباعا للميم .
ذكره الجوهري والنحاس .
إلا أن النحاس حكاه عن الأخفش والفراء وأبي حاتم وأبي عبيد .
ويجوز أن يكون الأصل المعتذرون ، ثم أدغمت التاء في الذال ; ويكونون الذين لهم عذر .
قال لبيد :إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذروالقول الآخر : أن المعذر قد يكون غير محق ، وهو الذي يعتذر ولا عذر له .
قال الجوهري : فهو المعذر على جهة المفعل ; لأنه الممرض والمقصر يعتذر بغير عذر .
قال غيره : يقال عذر فلان في أمر كذا تعذيرا ; أي قصر ولم يبالغ فيه .
والمعنى أنهم اعتذروا بالكذب .
قال الجوهري : وكان ابن عباس يقول : لعن الله المعذرين .
كأن الأمر عنده أن المعذر بالتشديد هو المظهر للعذر ، اعتلالا من غير حقيقة له في العذر .
النحاس : قال أبو العباس محمد بن يزيد ولا يجوز أن يكون الأصل فيه المعتذرين ، ولا يجوز الإدغام فيقع اللبس .
ذكر إسماعيل بن إسحاق أن الإدغام مجتنب على قول الخليل وسيبويه ، بعد أن كان سياق الكلام يدل على أنهم مذمومون لا عذر لهم ، قال : لأنهم جاءوا ليؤذن لهم ولو كانوا من الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون لم يحتاجوا أن يستأذنوا .
قال النحاس : وأصل المعذرة والإعذار والتعذير من شيء واحد وهو مما يصعب ويتعذر .
وقول العرب : من عذيري من فلان ، معناه قد أتى أمرا عظيما يستحق أن أعاقبه عليه ولم يعلم الناس به ; فمن يعذرني إن عاقبته .
فعلى قراءة التخفيف قال ابن عباس : هم الذين تخلفوا بعذر فأذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم .
وقيل : هم رهط عامر بن الطفيل قالوا : يا رسول الله ، لو غزونا معك أغارت أعراب طيء على حلائلنا وأولادنا ومواشينا ; فعذرهم النبي صلى الله عليه وسلم .
وعلى قراءة التشديد في القول الثاني ، هم قوم من غفار اعتذروا فلم يعذرهم النبي صلى الله عليه وسلم ; لعلمه أنهم غير محقين ، والله أعلم .
وقعد قوم بغير [ ص: 149 ] عذر أظهروه جرأة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم الذين أخبر الله تعالى عنهم فقال : وقعد الذين كذبوا الله ورسوله والمراد بكذبهم قولهم : ( إنا مؤمنون ) .
و ( ليؤذن ) نصب بلام كي .
يقول تعالى: {وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ} أي: جاء الذين تهاونوا، وقصروا منهم في الخروج لأجل أن يؤذن لهم في ترك الجهاد، غير مبالين في الاعتذار لجفائهم وعدم حيائهم، وإتيانهم بسبب ما معهم من الإيمان الضعيف. وأما الذين كذبوا اللّه ورسوله منهم، فقعدوا وتركوا الاعتذار بالكلية، ويحتمل أن معنى قوله: {الْمُعَذِّرُونَ} أي: الذين لهم عذر، أتوا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليعذرهم، ومن عادته أن يعذر من له عذر. {وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} في دعواهم الإيمان، المقتضي للخروج، وعدم عملهم بذلك، ثم توعدهم بقوله: {سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في الدنيا والآخرة.
قوله تعالى : ( وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم ) الآية ، قرأ يعقوب ومجاهد : ( المعذرون ) بالتخفيف وهم المبالغون في العذر ، يقال في المثل : " لقد أعذر من أنذر " أي : بالغ في العذر من قدم النذارة ، وقرأ الآخرون " المعذرون " بالتشديد أي : المقصرون ، يقال : عذر أي : قصر ، وقال الفراء : المعذرون المعتذرون أدغمت التاء في الذال ونقلت حركة التاء إلى العين .
وقال الضحاك : المعذرون هم رهط عامر بن الطفيل جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم دفاعا عن أنفسهم فقالوا : يا نبي الله إن نحن غزونا معك تغير أعراب طيئ على حلائلنا وأولادنا ومواشينا ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قد أنبأني الله من أخباركم وسيغني الله عنكم " .
وقال ابن عباس : هم الذين تخلفوا بعذر بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
( وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ) يعني : المنافقين .
قال أبو عمرو بن العلاء : كلا الفريقين كان مسيئا قوم تكلفوا عذرا بالباطل ، وهم الذين عناهم الله تعالى بقوله : ( وجاء المعذرون ) وقوم تخلفوا عن غير تكلف عذر فقعدوا جرأة على الله تعالى ، وهم المنافقون فأوعدهم الله بقوله : ( سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم ) .
«وجاء المعذِّرون» بإدغام التاء في الأصل في الدال أي المعتذرون بمعنى المعذورين وقرئ به «من الأعراب» إلى النبي صلى الله عليه وسلم «ليؤذن لهم» في القعود لعذرهم فأذن لهم «وقعد الذين كذبوا الله ورسوله» في ادعاء الإيمان من منافقي الأعراب عن المجيء للاعتذار «سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم».
وجاء جماعة من أحياء العرب حول (المدينة) يعتذرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبينون له ما هم فيه من الضعف وعدم القدرة على الخروج للغزو، وقعد قوم بغير عذر أظهروه جرأة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
سيصيب الذين كفروا من هؤلاء عذاب أليم في الدنيا بالقتل وغيره، وفي الآخرة بالنار.
وبعد أن بين - سبحان- أحوال المنافقين من سكان المدينة ، أتبع ذلك بالحديث عن المنافقين من الأعراب سكان البادية فقال - تعالى : ( وَجَآءَ المعذرون مِنَ الأعراب .
.
.
) .قال القرطبى ما ملخصه : قوله - تعالى - : ( وَجَآءَ المعذرون مِنَ الأعراب ) قرأ الأعرج والضحاك المعذرون مخففا ، ورواها أبو كريب عن أبى بكر عن عاصم .
.
وهى من أعذر ، ومنه قد أعذر من أنذر ، أى : قد بالغ فى العذر من تقدم إليك فأنذرك ، وأما " المعذرون " بالتشديد - وهى قراءة الجمهور - ففيها قولان :أحدهما : أنه يكون المحق ، فهو فى المعنى المعتذر ، لأن له عذراً ، فيكون " المعذرون " على هذه أصله المعتذرون ، ثم أدغمت التاء فى الذال .
.وثانيهما : أن المعذر قد يكون غير محق ، وهو الذى يعتذر ولا عذر له .والمعنى ، أنهم اعتذروا بالكذب .
.قال الجوهرى : وكان ابن عباس يقول : لعن الله المعذرين ، كان الأمر عنده أن المعذر - بالتشديد - هو المظهر للعذر ، اعتلالاً من غير حقيقة له فى العذر .
.ومن هذه الأقوال التى نقلناها عن القرطبى يتبين لنا أن من المفسرين من يرى أن المقصود من المعذرين : أصحاب الأعذار المقبولة .وقد رجح الإِمام ابن كثير هذا الرأى فقال : بين الله - تعالى - حال ذوى الأعذار فى ترك الجهاد ، وهم الذين جاءوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتذرون إليه ، ويبينون له ما هم فيه من الضعف وعدم القدرة على الخروج وهم من أحياء العرب ممن حول المدينة .قال الضحاك عن ابن عباس : إنه كان يقرأ " وجاء المعذرون " - بالتخفيف ، ويقول : هم أهل العذر .
.
وهذا القول أظهر فى معنى الآية؛ لأنه - سبحانه - قال بعد هذا : ( وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله وَرَسُولَهُ ) .أى : لم يأتوا فيعتذروا .
.
.وعلى هذا الرأى تكون الآية قد ذكرت قسمين من الأعراب : قسما جاء معتذرا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقسما لم يجئ ولم يعتذر ، وهذا القسم هو الذى توعده الله بسوء المصير .ومنهم من يرى أن المقصود بالمعذرين : أصحاب الأعذار الباطلة ، وقد سار على هذا الرأى صاحب الكشاف فقال : " المعذرون " عن عذر فى الأمر ، إذا قصر فيه وتوانى ولم يجد فيهن وحقيقته أنه يوهم أن له عذرا فيما يفعل ولا عذر له .أو المعتذرون بإدغام التاء فى الذال ، وهم الذين يعتذرون بالباطل ، كقوله ، يعتذرن إليكم إذا رجعتم إليهم .
.وقرئ " المعذرون " بالتخفيف : وهو الذى يجتهد فى العذر ويحتشد فيه .
قيل هم أسد وغطفان .
قالوا : إن لنا عيالا ، وإن بنا جهدا فائذن لنا فى التخلف .وقيل : " هم رهط عامر بن الطفيل .
قالوا : إن غزونا معك أغارك أعراب طئ على أهالينا ومواشينا ، فقال - صلى الله عليه وسلم - " سيغنين الله عنكم " وعن مجاهد : نفر من غفارا عتذروا فلم يعذرهم الله - تعالى - وعن قتادة : اعتذروا بالكذب ..وعلى هذا الرأى تكون الآية الكريمة قد ذكرت قسمين - أيضاً - من الأعراب ، إلا أن أولهما قد اعتذر بأعذار غير مقبولة ، وثانيهما لم يعتذر ، بل قعد فى داره مصرا على كفره ، ولذا قال أبو عمرو بن العلاء : كلا الفريقين كان سيئا : قوم تكلفوا عذرا بالباطل وهم الذين عناهم الله - تعالى .
بقوله ( وَجَآءَ المعذرون ) ، وقوم تخلفوا من غير عذر فقعدوا جرأة على الله وهم المنافقون ، فتوعدهم الله قوله : ( سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) .والذين يبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب؛ لتناسقه مع يفيده ظاهره الآية ، لأن الآية الكريمة ذكرت نوعين من الأعراب ، أحدهما : المعذرون .أى أصحاب الأعذار ، وثانيهما : الذين قعدوا فى بيوتهم مكذبين لله ولرسوله ، فتوعدهم - سبحانه - بالعذاب الأليم ، ولأنه لا توجد قريئة قوية تجعلنا نرجح أن المراد بالمعذرين هنا ، أصحاب الأعذار الباطلة ، لأن التفسير اللغوى للكلمة - كما نقلنا عن القرطبى - يجعلها صالحة للأعذار المقبولة ، فكان الحلم على حسن الظن أولى ، والله ، تعالى ، بعد ذلك هو العليم بأحوال العباد ، ما ظهر منها وما بطن .وعلى هذا يكون معنى الآية الكريمة : وعندما استنفر النبي ، صلى الله عليه وسلم ، الناس إلى غزة تبوك ، جاءه أصحاب الأعذار من الأعراب ليستأذنوه فى عدم الخروج معه ، فقبل - صلى الله عليه وسلم ما هو حق منها .وقوله : ( وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله وَرَسُولَهُ ) بيان للفريق الثانى من الأعراب وهو الذى لم يجئ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم معتذرا .أى : وقعد عن الخروج إلى تبوك ، وعن المجئ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للاعتذار ، أولئك الذين كذبوا الله ورسوله فى دعوى الإِيمان ، وهم الراسخون فى النفاق والعصيان من الأعراب سكان البادية .وقوله : ( سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) وعيد لهم بسوء العاقبة فى الدارين .أي : سيصيب الذين أصروا على كفرهم ونفاقهم من هؤلاء الأعراب ، عذاب أليم فى الدنيا والآخرة ، أما الذين رجعوا عن كفرهم ونفاقهم منهم ، وتابوا إلى الله - تعالى توبة صادقة ، فهؤلاء عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا .
اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال المنافقين الذين كانوا في المدينة ابتدأ في هذه الآية بشرح أحوال المنافقين من الأعراب في قوله: ﴿ وَجَاء المعذرون ﴾ وقال: لعن الله المعذرين، وذهب إلى أن المعذر هو المجتهد الذي له عذر، والمعذر بالتشديد الذي يعتذر بلا عذر.
والحاصل: أن المعذر هو المجتهد البالغ في العذر، ومنه قولهم: قد أعذر من أنذر، وعلى هذه القراءة فمعنى الآية: أن الله تعالى فصل بين أصحاب العذر وبين الكاذبين، فالمعذرون هم الذين أتوا بالعذر.
قيل: هم أسد وغطفان.
قالوا: إن لنا عيالاً وإنا بنا جهداً فائذن لنا في التخلف.
وقيل: هم رهط عامر بن الطفيل، قالوا: إن غزونا معك أغارت أعراب طيء علينا، فأذن رسول الله لهم.
وعن مجاهد: نفر من غطفان اعتذروا.
والذين قرؤوا ﴿ المعذرون ﴾ بالتشديد وهي قراءة العامة فله وجهان من العربية.
الوجه الأول: ما ذكره الفراء والزجاج وابن الأنباري: وهو أن الأصل في هذا اللفظ المعتذرون فحولت فتحة التاء إلى العين، وأبدلت الذال من التاء، وأدغمت في الذال التي بعدها، فصارت التاء ذالاً مشددة.
والاعتذار قد يكون بالكذب، كما في قوله تعالى: ﴿ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ﴾ فبين كون هذا الاعتذار فاسداً بقوله: ﴿ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ ﴾ وقد يكون بالصدق كما في قول لبيد: ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر *** يريد فقد جاء بعذر صحيح.
الوجه الثاني: أن يكون ﴿ المعذرون ﴾ على وزن قولنا: مفعلون من التعذير الذي هو التقصير.
يقال: عذراً تعذيراً إذا قصر ولم يبالغ.
يقال: قام فلان قيام تعذير، إذا استكفيته في أمر فقصر فيه، فإن أخذنا بقراءة الخفيف، كان ﴿ المعذرون ﴾ كاذبين.
وأما إن أخذنا بقراءة التشديد، وفسرناها بالمعتذرين، فعلى هذا التقدير: يحتمل أنهم كانوا صادقين وأنهم كانوا كاذبين، ومن المفسرين من قال: المعذرون كانوا صادقين بدليل أنه تعالى لما ذكرهم قال بعدهم: ﴿ وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله وَرَسُولَهُ ﴾ فلما ميزهم عن الكاذبين دل ذلك على أنهم ليسوا بكاذبين.
وروى الواحدي بإسناده عن أبي عمرو: أنه لما قيل له هذا الكلام قال: إن أقواماً تكلفوا عذراً بباطل، فهم الذين عناهم الله تعالى بقوله: ﴿ وَجَاء المعذرون ﴾ وتخلف الآخرون لا لعذر ولا لشبهة عذر جراءة على الله تعالى، فهم المرادون بقوله: ﴿ وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله وَرَسُولَهُ ﴾ والذي قاله أبو عمرو محتمل، إلا أن الأول أظهر.
وقوله: ﴿ وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله وَرَسُولَهُ ﴾ وهم منافقو الأعراب الذين ما جاؤوا وما اعتذروا، وظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم الإيمان.
وقرأ أبي ﴿ كَذَّبُواْ ﴾ بالتشديد ﴿ سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار، وإنما قال: ﴿ مِنْهُمْ ﴾ لأنه تعالى كان عالماً بأن بعضهم سيؤمن ويتخلص عن هذا العقاب، فذكر لفظة من الدالة على التبعيض.
<div class="verse-tafsir"
﴿ المعذرون ﴾ من عذر في الأمر، إذا قصر فيه وتوانى ولم يجدّ: وحقيقته أنه يوهم أن له عذراً فيما يفعل ولا عذر له: أو المعتذرون بإدغام التاء في الذال ونقل حركتها إلى العين ويجوز في العربية كسر العين لالتقاء الساكنين وضمها لإتباع الميم، ولكن لم تثبت بهما قراءة، وهم الذين يعتذرون بالباطل، كقوله: ﴿ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ﴾ وقرئ: ﴿ المعذرون ﴾ بالتخفيف: وهو الذي يجتهد في العذر ويحتشد فيه.
قيل: هم أسد وغطفان.
قالوا: إن لنا عيالاً: وإن بنا جهداً فائذن لنا في التخلف.
وقيل: هم رهط عامر بن الطفيل قالوا: إن غزونا معك أغارت أعراب طيّ على أهالينا ومواشينا، فقال صلى الله عليه وسلم: «سيغنيني الله عنكم» .
وعن مجاهد.
نفر من غفار، اعتذروا فلم يعذرهم الله تعالى: وعن قتادة: اعتذروا بالكذب.
وقرئ: ﴿ المعذرون ﴾ بتشديد العين والذال، من تعذر بمعنى اعتذر، وهذا غير صحيح؛ لأنّ التاء لا تدغم في العين إدغامها في الطاء والزاي والصاد، في المطوّعين، وأزكى وأصدق.
وقيل: أريد المعتذرون بالصحة، وبه فسر المعذرون والمعذرون، على قراءة ابن عباس رضي الله عنه الذين لم يفرطوا في العذر ﴿ وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله وَرَسُولَهُ ﴾ هم منافقو الأعراب الذين لم يجيئوا ولم يعتذروا، وظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم الإيمان.
وقرأ أبيّ: ﴿ كذبوا ﴾ بالتشيد ﴿ سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ ﴾ من الأعراب ﴿ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي أسَدًا وغَطَفانَ اسْتَأْذَنُوا في التَّخَلُّفِ مُعْتَذِرِينَ بِالجُهْدِ وكَثْرَةِ العِيالِ.
وقِيلَ هم رَهْطُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ قالُوا إنْ غَزْوَنا مَعَكَ أغارَتْ طَيِّئُ عَلى أهالِينا ومَواشِينا.
والمُعَذِّرُ إمّا مِن عُذْرٍ في الأمْرِ إذا قَصَّرَ فِيهِ مُوهِمًا أنَّ لَهُ عُذْرًا ولا عُذْرَ لَهُ، أوْ مَنِ اعْتَذَرَ إذا مَهَّدَ العُذْرَ بِإدْغامِ التّاءِ في الذّالِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى العَيْنِ، ويَجُوزُ كَسْرُ العَيْنِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وضَمُّها لِلْإتْباعِ لَكِنْ لَمْ يُقْرَأْ بِهِما.
وَقَرَأ يَعْقُوبُ المُعْذِرُونَ مَن أعْذَرَ إذا اجْتَهَدَ في العُذْرِ.
وقُرِئَ « المُعَّذِّرُونَ» بِتَشْدِيدِ العَيْنِ والذّالِ عَلى أنَّهُ مِن تَعَذَّرَ بِمَعْنى اعْتَذَرَ وهو لَحْنٌ إذِ التّاءُ لا تُدْغَمُ في العَيْنِ، وقَدِ اخْتُلِفَ في أنَّهم كانُوا مُعْتَذِرِينَ بِالتَّصَنُّعِ أوْ بِالصِّحَّةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ في غَيْرِهِمْ وهم مُنافِقُو الأعْرابِ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ في ادِّعاءِ الإيمانِ وإنْ كانُوا هُمُ الأوَّلِينَ فَكَذَّبَهم بِالِاعْتِذارِ.
﴿ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهُمْ ﴾ مَنِ الأعْرابِ أوْ مِنَ المُعَذِّرِينَ فَإنَّ مِنهم مَنِ اعْتَذَرَ لِكَسَلِهِ لا لِكَفْرِهِ ﴿ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ بِالقَتْلِ والنّارِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَجَاء المعذرون مِنَ الأعراب لِيُؤْذَنَ لَهُمْ} هو من عذّر في الأمر إذا قصر فيه وتوانى وحقيقته أن يوهم أن له عذر فيما فعل ولا عذر له أو المعتذرون بإدغام التاء في الذال ونقل حركتها إلى العين وهم الذين يعتذرون بالباطل قيل هم أسد وعطفان قالوا إن لنا عيالاً وإن بنا جهداً فأذن لنا في التخلف {وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله ورسوله} هم منافقوا الأعراب الذين لم يجيئوا ولم يعتذروا فظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم الإيمان {سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ} من الأعراب {عذاب أليم} فى الدينا بالقتل وفي الآخرة بالنار
﴿ وجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْوالِ مُنافِقِي الأعْرابِ إثْرَ بَيانِ أحْوالِ مُنافِقِي أهْلِ المَدِينَةِ، والمُعَذِّرُونَ مِن عَذَرَ في الأمْرِ إذا قَصَّرَ فِيهِ وتَوانى ولَمْ يُجْدِ، وحَقِيقَتُهُ أنْ يُوهِمَ أنَّ لَهُ عُذْرًا فِيما يَفْعَلُ ولا عُذْرَ لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنِ اعْتَذِرْ والأصْلُ المُعْتَذِرُونَ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ بَعْدَ نَقْلِ حَرَكَتِها إلى العَيْنِ، ويَجُوزُ كَسْرُها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وضَمِّها إتْباعًا لِلْمِيمِ لَكِنْ لَمْ يُقْرَأْ بِهِما، وقَرَأ يَعْقُوبُ ( المُعْذِرُونَ ) بِالتَّخْفِيفِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَهو مِن أعْذَرَ إذا كانَ لَهُ عُذْرٌ، وعَنْ مَسْلَمَةَ أنَّهُ قَرَأ ( المُعَذِّرُونَ ) بِتَشْدِيدِ العَيْنِ والذّالِ مِن تَعَذَّرَ بِمَعْنى اعْتَذَرَ.
وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ فَقالَ: هَذِهِ القِراءَةُ إمّا غَلَطٌ مِنَ القارِئِ أوْ عَلَيْهِ لِأنَّ التّاءَ لا يَجُوزُ إدْغامُها في العَيْنِ لِتَضادِّهِما، وأمّا تَنْزِيلُ التَّضادِّ مَنزِلَةَ التَّناسُبِ فَلَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ ولا القُرّاءِ فالِاشْتِغالُ بِمِثْلِهِ عَيْبٌ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ الجائِينَ كاذِبُونَ عَلى أوَّلِ احْتِمالَيِ القِراءَةِ الأُولى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا كاذِبِينَ وأنْ يَكُونُوا صادِقِينَ عَلى الثّانِي مِنهُما وكَذا عَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ، وصادِقُونَ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ.
واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهِمْ فَعَنِ الضَّحّاكِ «أنَّهم رَهْطُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ جاءُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنّا إنْ غَزَوْنا مَعَكَ أغارَتْ طَيُّ عَلى أهالِينا ومَواشِينا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : قَدْ أنْبَأنِي اللَّهُ مِن أخْبارِكم وسَيُغْنِي اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْكم» .
وقِيلَ: هم أسَدٌ وغَطَفانُ اسْتَأْذَنُوا في التَّخَلُّفِ مُعْتَذِرِينَ بِالجُهْدِ وكَثْرَةِ العِيالِ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّهُ قالَ: ذُكِرَ لِي أنَّهم نَفَرٌ مِن بَنِي غِفارَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم أهْلُ العُذْرِ ولَمْ يُبَيِّنْ مَن هُمْ؛ ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ وُقُوعُ الِاخْتِلافِ في أنَّ هَؤُلاءِ الجائِينَ هَلْ كانُوا صادِقِينَ في الِاعْتِذارِ أمْ لا، وعَلى القَوْلِ بِصِدْقِهِمْ يَكُونُ المُرادُ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ غَيْرَهم وهم أُناسٌ مِنَ الأعْرابِ أيْضًا مُنافِقُونَ والأوَّلُونَ لا نِفاقَ فِيهِمْ، وعَلى القَوْلِ بِكَذِبِهِمْ يَكُونُ المُرادُ بِهِ الأوَّلِينَ، والعُدُولُ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ إظْهارٌ لِذَمِّهِمْ بِعُنْوانِ الصِّلَةِ، والكَذِبُ عَلى الأوَّلِ بِادِّعاءِ الإيمانِ وعَلى الثّانِي بِالِاعْتِذارِ، ولَعَلَّ القُعُودَ مُخْتَلِفٌ أيْضًا، وقَرَأ أُبَيٌّ ( كَذَّبُوا ) بِالتَّشْدِيدِ ﴿ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهُمْ ﴾ أيْ: مِنَ الأعْرابِ مُطْلَقًا وهم مُنافِقُوهم أوْ مِنَ المُعْتَذِرِينَ، ووَجْهُ التَّبْعِيضِ أنَّ مِنهم مَنِ اعْتَذَرَ لِكَسَلِهِ لا لِكُفْرِهِ أيْ سَيُصِيبُ المُعْتَذِرِينَ لِكُفْرِهِمْ ﴿ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ وهو عَذابُ النّارِ في الآخِرَةِ ولا يُنافِي اسْتِحْقاقَ مَن تَخَلَّفَ لِكَسَلٍ، ذَلِكَ عِنْدَنا لِعَدَمِ قَوْلِنا بِالمَفْهُومِ ومَن قالَ بِهِ فَسَّرَ العَذابَ الألِيمَ بِمَجْمُوعِ القَتْلِ والنّارِ، والأوَّلُ مُنْتَفٍ في المُؤْمِنَ المُتَخَلِّفِ لِلْكَسَلِ فَيَنْتَفِي المَجْمُوعُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ، قرأ ابن عباس الْمُعَذِّرُونَ بالتخفيف وهكذا قرأ الحضرمي، وقراءة العامة الْمُعَذِّرُونَ بالتشديد.
فمن قرأ بالتخفيف يعني: الذين أعذروا وجاءوا بالعذر، ومن قرأ بالتشديد يعني: المعتذرين الذين إلا أن التاء أدغمت في الذال لقرب المخرجين: ويعني: المعذرين الذين يعتذرون، كان لهم عذر أو لم يكن لهم، وهذا قول الزجاج.
وروي عن ابن عباس أنه قال: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ بالتخفيف وهم المخلصون، أصحاب العذر وقال: لعن الله المُعْذِّرِين بالتشديد، لأن المعذَّرين هم الذين يعتلُّون بلا علة، ويعتذرون بلا عذر.
لِيُؤْذَنَ لَهُمْ في التخلف، وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
فمن قرأ بالتشديد يكون هذا نعتاً لهم، ومن قرأ بالتخفيف يكون صنفين، ويكون معناه: وجاء الذين لهم العذر، وسألوا العذر، وقعد الذين لا عذر لهم وهم الذين كذبوا الله وَرَسُولَهُ في السر.
ثم بيّن أمر الفريقين فقال: سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، وهم الذين تخلفوا بغير عذر.
وبيّن حال الذين قعدوا بالعذر، فقال تعالى: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ، يعني: على الزّمن والشيخ الكبير، وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ في الجهاد حَرَجٌ، يعني: لا إثم عليهم.
إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، يعني: إذا كانوا مخلصين مسلمين في السر والعلانية.
مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ، يعني: ليس على الموحدين المطيعين من حرج، إذا تخلفوا بالعذر.
وَاللَّهُ غَفُورٌ لهم بتخلفهم، رَحِيمٌ بهم.
قوله تعالى: وَلا عَلَى الَّذِينَ، يعني: ولا حرج على الذين.
إِذا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ على الجهاد.
روى أسباط، عن السدي أنه قال: أقبل رجلان من الأنصار أحدهما عبد الله بن الأزرق، والآخر أبو ليلى، فسألاه أن يحملهما، قُلْتَ لاَ أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ.
فبكيا حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا ينفقون وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: أتاه سبعة نفر من أصحابه، سالم بن عمير، وحزن بن عمرو، وعبد الرحمن بن كعب يكنى أبا ليلى، وسليمان بن صخر، وعتبة بن زيد، وعمرو بن عتبة، وعبد الله بن عمرو المزني يستحملونه، فقال رسول الله : «لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ» .
تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ، يعني: تسيل مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ في الخروج إلى الجهاد.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ: تقدم تفسير مثل هذه الآية، والطَّوْلُ في هذه الآية المالُ قاله ابن عباس وغيره «١» ، والإِشارة بهذه الآيةِ إِلى الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ ونظرائِهِ، و «القاعدون» : الزَّمْنَى وأهْلُ العُذْر في الجُمْلَة، والْخَوالِفِ: النساءُ جَمْعُ خالفةٍ هذا قول جمهور المفسِّرين.
وقال أبو جعفر النَّحَّاس: يقال للرجُلِ الذي لا خَيْرَ فيه: خَالِفَةٌ، فهذا جمعه بحَسَبِ اللفظ، والمراد أخسَّةُ الناسِ وأخلافهم ونحوه عن النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، وقالت فرقة:
الخوالفُ: جمعُ خَالِفٍ كفَارِسٍ وَفَوَارِس.
وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ: أي: لا يفهمون، والْخَيْراتُ: جمع خَيْرَة، وهو المستحْسَنُ من كلِّ شيء.
وقوله سبحانه: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ: أَعَدَّ: معناه يَسَّر وَهَيَّأ، وباقي الآية بيّن.
وقوله سبحانه: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ ...
الآية: قال ابن عبَّاس وغيره:
هؤلاء كانوا مؤمنين، وكانَتْ أَعذارُهُم صادقة «٢» ، وأصل اللفظة: «المُعْتَذِرُونَ» ، فقلبت التاءُ ذالاً وأدغمتْ، وقال قتادة، وفرقةٌ معه: بل الذين جاؤوا كفرةٌ «٣» ، وقولُهُمْ وعُذْرهم كَذِبٌ.
قال ص: والمعنى: تكلَّفوا العُذْر، ولا عذر لهم، وكَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ،
أي: في إيمانهم.
انتهى.
وقوله: سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ ...
الآية/ قوله: مِنْهُمْ يؤيِّد أن المعذِّرين كانوا مؤمنين، فتأمَّله، قال ابنُ إِسحاق: المعذِّرون: نَفَرٌ من بني غِفَارٍ وهذا يقتضي أنهم مؤمنون.
وقوله جلَّت عظمته: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى ...
الآية: يقولُ:
ليس على أهل الأعذار مِنْ ضَعْف بدنٍ أو مرضٍ أو عدمِ نفقةٍ إِثمٌ والحَرَجُ: الإِثم.
وقوله: إِذا نَصَحُوا: يريد: بنيَّاتهم وأقوالهم سرًّا وجهراً، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ: أي: من لائمةٍ تناطُ بِهِمْ، ثم أكَّد الرجاءَ بقوله سبحانه: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وقرأ ابنُ عبَّاس «١» : «وَاللَّهُ لأَهْلِ الإِسَاءَة غَفُورٌ رَحِيم» ، وهذا على جهة التفسيرِ أشبهُ منه على جهةِ التلاوة لخلافه المصحف، واختلف في من المرادُ بقوله: الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ: فقالتْ فرقة: نَزلَتْ في بَنِي مُقَرِّنٍ: ستَّة إِخوة، وليس في الصحابة ستَّة إِخوة غيرهم، وقيل: كانوا سبعةً.
وقيل: نزلَتْ في عائِذِ بْنِ عمرو المُزَنيِّ قاله قتادة «٢» ، وقيل: في عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَعْقِلٍ المزَنِّي «٣» .
قاله ابن عباس «٤» .
وقوله عَزَّ وجلَّ: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ هذه الآيةُ نزلَتْ في البَكَّائين، واختلف في تعيينهم، فقيل: في أبي موسَى الأشعريِّ وَرَهْطِهِ، وقيل: في بني مُقَرِّنٍ وعلى هذا جمهور المفسِّرين، وقيل: نزلَتْ في سبعة نَفَرٍ من بطونٍ شتَّى، فهم
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءَ المُعَذِّرُونَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "المُعْتَذِرُونَ" .
وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ يَعْمُرَ، ويَعْقُوبُ "المُعَذِّرُونَ" بِسُكُونِ العَيْنِ وتَخْفِيفِ الذّالِ.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ "المُعاذِرُونَ" بِألْفٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُعَذِّرُونَ مَن يَعْذُرُ ولَيْسَ بِجادٍّ، وإنَّما يُعَرِّضُ بِما لا يَفْعَلُهُ، أوْ يُظْهِرُ غَيْرَ ما في نَفْسِهِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ عَذَرْتُ في الأمْرِ: إذا قَصَرَتْ، وأعْذَرَتْ: جَدَّدَتْ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ "المُعَذِّرُونَ" بِتَشْدِيدِ الذّالِ، فَتَأْوِيلُهُ: المُعْتَذِرُونَ الَّذِينَ يَعْتَذِرُونَ، كانَ لَهم عُذْرٌ، أوْ لَمْ يَكُنْ، وهو هاهُنا أشْبَهُ بِأنْ يَكُونَ لَهم عُذْرٌ، وأنْشَدُوا: إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمِ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرَ أيْ: فَقَدْ جاءَ بِعُذْرٍ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "المُعَذِّرُونَ" الَّذِينَ يُعَذِّرُونَ، يُوهِمُونَ أنَّ لَهم عُذْرًا، ولا عُذْرَ لَهم.
ويَجُوزُ في النَّحْوِ: المُعِذِّرُونَ؛ بِكَسْرِ العَيْنِ، والمُعَذِّرُونَ؛ بِضَمِّ العَيْنِ، غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ بِهِما، لِأنَّ اللَّفْظَ بِهِما يَثْقُلُ.
ومَن قَرَأ "المُعَذِّرُونَ" بِتَسْكِينِ العَيْنِ، فَتَأْوِيلُهُ: الَّذِينَ أعْذَرُوا وجاؤُوا بِعُذْرٍ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُعَذِّرُونَ هاهُنا: المُعْتَذِرُونَ بِالعُذْرِ الصَّحِيحِ.
وأصْلُ الكَلِمَةِ عِنْدَ أهْلِ النَّحْوِ: المُعْتَذِرُونَ، فَحُوِّلَتْ فَتْحَةُ التّاءِ إلى العَيْنِ، وأُبْدِلَتِ الذّالُ مِنَ التّاءِ، وأُدْغِمَتْ في الذّالِ الَّتِي بَعْدَها، فَصارَتا ذالًا مُشَدَّدَةً.
ويُقالُ في كَلامِ العَرَبِ: اعْتَذَرَ: إذا جاءَ بِعُذْرٍ صَحِيحٍ، وإذا لَمْ يَأْتِ بِعُذْرٍ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا ﴾ فَدَلَّ عَلى فَسادِ العُذْرِ، وقالَ لَبِيدُ: ومِن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرَ أيْ: فَقَدْ جاءَ بِعُذْرٍ صَحِيحٍ.
وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ "المُعَذِّرُونَ" ويَقُولُ: لَعَنَ اللَّهُ المُعَذِّرِينَ.
يُرِيدُ: لَعَنَ اللَّهُ المُقَصِّرِينَ مِنَ المُنافِقِينَ وغَيْرَهم.
والمُعَذِّرُونَ: الَّذِينَ يَأْتُونَ بِالعُذْرِ الصَّحِيحِ؛ فَبانَ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ لَهم عُذْرًا عَلى قِراءَةِ مَن خَفَّفَ.
وهَلْ يَثْبُتُ لَهم عُذْرٌ عَلى قِراءَةِ مَن شَدَّدَ؟
فِيهِ قَوْلانِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: جاءَ هَؤُلاءِ لَيُؤْذَنَ لَهم في التَّخَلُّفِ عَنْ تَبُوكَ، فَأذِنَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ، وقَعَدَ آَخَرُونَ مِنَ المُنافِقِينَ بِغَيْرِ عُذْرٍ وإظْهارِ عِلَّةٍ، جُرْأةً عَلى اللَّهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَكِنِ الرَسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ أعَدَّ اللهُ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ ﴿ وَجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهم وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ ورَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ الأكْثَرُ في "لَكِنْ" أنْ تَجِيءَ بَعْدَ نَفْيٍ، وهو هُنا في المَعْنى، وذَلِكَ أنَّ الآيَةَ السالِفَةَ مَعْناها أنَّ المُنافِقِينَ لَمْ يُجاهِدُوا فَحَسُنَ بَعْدَها: ( لَكِنَّ الرَسُولَ والمُؤْمِنُونَ جاهَدُوا )، والخَيْراتُ جَمْعُ خَيْرَةٍ، وهو المُسْتَحْسَنُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وكَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في النِساءِ، فَمِن ذَلِكَ قوله عزّ وجلّ: ﴿ فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ ﴾ ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ، أنْشَدَهُ الطَبَرِيُّ: ولَقَدْ طَعنتُ مَجامِعَ الرَبَلاتِ...
رَبَلاتِ هِنْدٍ خِيرَةِ المَلِكاتِ و"المُفْلِحُونَ": الَّذِينَ أدْرَكُوا بُغْيَتَهم مِنَ الجَنَّةِ، والفَلاحُ يَأْتِي بِمَعْنى إدْراكِ البُغْيَةِ، مِن ذَلِكَ قَوْلُ لَبِيدٍ: أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدْ يُبْلَغُ بِالضَعْـ...
فِ وقَدْ يُخْدَعُ الأرِيبُ وقَدْ يَأْتِي بِمَعْنى البَقاءِ كَقَوْلِ الشاعِرِ: لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الهُمُومِ سَعَهْ...
والمُسْىُ والصُبْحُ لا فَلاحَ مَعَهْ أيْ لا بَقاءَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبُلُوغُ البُغْيَةِ يَعُمُّ لَفْظَةَ الفَلاحِ حَيْثُ وقَعَتْ فَتَأمَّلْهُ.
و"أعَدَّ" مَعْناهُ: يَسَّرَ وهَيَّأ، وقَوْلُهُ: "مِن تَحْتِها" يُرِيدُ: مِن تَحْتِ مَبانِيها وأعالِيها، و"الفَوْزُ" حُصُولُ الإنْسانِ عَلى أمَلِهِ وظَفَرُهُ بِبُغْيَتِهِ، ومِن ذَلِكَ فَوْزُ سِهامِ الأيْسارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ ﴾ الآيَةُ، اخْتَلَفَ المُتَألُّونَ في هَؤُلاءِ الَّذِي جاءُوا هَلْ كانُوا مُؤْمِنِينَ أو كافِرِينَ؟، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَوْمٌ مَعَهُ مِنهم مُجاهِدٌ: كانُوا مُؤْمِنِينَ وكانَتْ أعْذارُهم صادِقَةً، وقَرَأ: "وَجاءَ المُعْذِرُونَ" بِسُكُونِ العَيْنِ، وهي قِراءَةُ الضَحّاكِ، وحَمِيدُ الأعْرَجِ، وأبِي صالِحٍ، وعِيسى بْنِ هِلالٍ، وقَرَأ بَعْضُ قائِلِي هَذِهِ المَقالَةَ "المُعَذِّرُونَ" بِشَدِّ الذالِ، قالُوا: وأصْلُهُ "المُتَعَذَّرُونَ" فَقُلِبَتِ التاءُ ذالًا وأُدْغِمَتْ.
ويَحْتَمِلُ "المُعْتَذِرُونَ" في هَذا القَوْلِ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: المُتَعَذَّرُونَ بِأعْذارٍ حَقٍّ، والآخَرُ أنْ يَكُونَ: الَّذِينَ قَدْ بَلَغُوا عُذْرَهم مِنَ الِاجْتِهادِ في طَلَبِ الغَزْوِ مَعَكَ فَلَمْ يَقْدِرُوا، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِ لَبِيدٍ: ....................
∗∗∗ ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ وقالَ قَتادَةُ وفِرْقَةٌ مَعَهُ: بَلِ الَّذِينَ جاءُوا كَفَرَةٌ، وقَوْلُهم وعُذْرُهم كَذِبٌ، وكُلُّ هَذِهِ الفِرْقَةِ قَرَأ: "المُعَذِّرُونَ" بِشَدِّ الذالِ، فَمِنهم مَن قالَ: أصْلُهُ المُتَعَذَّرُونَ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ التاءِ إلى العَيْنِ وأُدْغِمَتِ التاءُ في الذالِ، والمَعْنى: مُعْتَذِرُونَ بِكَذِبٍ، ومِنهم مَن قالَ: هو مِنَ التَعْذِيرِ، أيِ الَّذِينَ يَعْذُرُونَ الغَزْوَ ويَدْفَعُونَ في وجْهِ الشَرْعِ، فالآيَةُ إلى آخِرِها -فِي هَذا القَوْلِ- إنَّما وصَفَتْ صِنْفًا واحِدًا في الكُفْرِ يَنْقَسِمُ إلى أعْرابِيٍّ وحَضَرِيٍّ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ وصَفَتْ صِنْفَيْنِ مُؤْمِنًا وكافِرًا، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقالَ بَعْضُهُمْ: سَألْتُ مَسْلَمَةَ فَقالَ: "المُعَذِّرُونَ" بِشَدِّ العَيْنِ والذالِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: أرادَ: المُعْتَذِرِينَ، والتاءُ لا تُدْغَمُ في العَيْنِ لِبُعْدِ المَخارِجِ، وهي غَلَطٌ عنهُ أو عَلَيْهِ، قالَ أبُو عَمْرٍو: وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "المُعْتَذِرُونَ" بِزِيادَةِ تاءٍ، وقَرَأ الحَسَنُ -بِخِلافٍ عنهُ- وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، والناسُ: "كَذَبُوا" بِتَخْفِيفِ الذالِ، وقَرَأ الحَسَنُ -وَهُوَ المَشْهُورُ عنهُ- وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ونُوحٌ، وإسْماعِيلُ: "كَذَّبُوا" بِتَشْدِيدِ الذالِ، والمَعْنى: لَمْ يُصَدِّقُوهُ تَعالى ولا رَسُولَهُ ورَدُّوا عَلَيْهِ أمْرَهُ، ثُمَّ تَوَعَّدَ -فِي آخِرِ الآيَةِ- الكافِرِينَ بِعَذابٍ ألِيمٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ في الدُنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ في الآخِرَةِ بِالنارِ.
وقَوْلُهُ: "مِنهُمْ" يُرِيدُ أنَّ المُعَذِّرِينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ، ويُرَجِّحُهُ بَعْضُ التَرْجِيحِ فَتَأمَّلْهُ، وضَعَّفَ الطَبَرِيُّ قَوْلَ مَن قالَ إنَّ "المُعَذِّرِينَ" مِنَ التَعْذِيرِ وأنَحى عَلَيْهِ، والقَوْلُ مَنصُوصٌ ووَجْهُهُ بَيِّنٌ واللهُ المُعِينُ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: "المُعَذِّرُونَ" نَفَرٌ مِن بَنِي غِفارٍ، مِنهم خِفافُ بْنُ إيماءَ بْنِ رُحْضَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم مُؤْمِنُونَ.
<div class="verse-tafsir"
عُطِفت جملة: وجاء المعذرونوَجَآءَ المعذرون مِنَ الاعراب لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * لَّيْسَ } على جملة ﴿ استأذنك أولوا الطول منهم ﴾ [التوبة: 86]، وما بينهما اعتراض، فالمراد بالمعذّرين فريق من المؤمنين الصادقين من الأعراب، كما تدلّ عليه المقابلة بقوله: ﴿ وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ﴾ .
وعلى هذا المعنى فسَّر ابن عبّاس، ومجاهد، وكثير.
وجعلوا من هؤلاء غفاراً، وخالفهم قتادة فجعلهم المعتذرين كَذِباً، وهم بَنو عامر رهطُ عامرٍ بن الطُفيل، قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم إن خرجْنا معك أغارت أعراب طيء على بيوتنا.
ومن المعذّرين الكاذبين أسَد، وغَطَفان.
وعلى الوجهين في التفسير يختلف التقدير في قوله: ﴿ المعذورون ﴾ فإن كانوا المحقين في العذر فتقدير ﴿ المعذرون ﴾ أنّ أصله المعتذرون، من اعتذر أدغمت التاء في الذال لتقارب المخرجين لقصد التخفيف، كما أدغمت التاء في الصاد في قوله: ﴿ وهم يخصمون ﴾ [يس: 49]، أي يختصمون.
وإن كانوا الكاذبين في عذرهم فتقدير المعذرون: أنّه اسم فاعل من عَذَّر بمعنى تكلّف العذر فعن ابن عباس: لعن الله المعذرين.
قال الأزهري: ذهب إلى أنّهم الذين يعتذرون بلا عُذر فكأن الأمر عنده أنّ المعذّر بالتشديد هو المظهر للعذر اعتلالاً وهو لا عُذر له اه.
وقال شارح «ديوان النابغة» عند قول النابغة: وَدّعْ أمامة والتوديع تَعْذير *** أي لاَ يجد عُذراً غير التوديع.
ويجوز أن يكون اختيار صيغة المعذّرين من لطائف القرآن لتشمل الذين صدقوا في العذر والذين كذبوا فيه.
والاعتذار افتعال من باب ما استعمل فيه مادة الافتعال للتكلّف في الفعل والتصرّف مثل الاكتساب والاختلاق.
وليس لهذا المزيد فعل مجرّد بمعناه وإنّما المجرد هو عَذَر بمعنى قبل العذر.
والعذر البيّنة والحالة التي يتنصل المحتج بها من تبعة أو مَلام عند من يعتذر إليه.
وقرأ يعقوب ﴿ المعذِرون ﴾ بسكون العين وتخفيف الذال، من أعذر إذا بالغ في الاعتذار.
والأعراب اسم جمع يقال في الواحد: أعرابي بياء النسب نسبة إلى اسم الجمع كما يقال مَجوسي لواحد المجوس.
وصيغة الأعراب من صيغ الجموع ولكنّه لم يكن جمعاً لأنّه لا واحد له من لفظ جمعه فلذلك جعل اسمَ جمع.
وهم سكان البادية.
وأمّا قوله: ﴿ وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ﴾ فهم الذين أعلنوا بالعصيان في أمر الخروج إلى الغزو من الأعراب أيضاً كما يُنبئ عنه السياق، أي قعدوا دون اعتذار.
فالقعود هو عدم الخروج إلى الغزو.
وعلم أنّ المراد القعود دون اعتذار من مقابلته بقوله: ﴿ وجاء المعذرون من الأعراب ﴾ .
وجملة: ﴿ وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ﴾ عطف على جملة: ﴿ وجاء المعذرون من الأعراب ﴾ وهذا فريق آخر من الأعراب خليط من مسلمين ومنافقين ﴿ كذبوا ﴾ بالتخفيف، أي كانوا كاذبين، والمراد أنّهم كذبوا في الإيمان الذي أظهروه من قبلُ، ويحتمل أنّهم كذبوا في وعدهم النصر ثم قعدوا دون اعتذار بحيث لم يكن تخلّفهم مترقّباً لأنّ الذين اعتذروا قد علم النبي عليه الصلاة والسلام أنّهم غير خارجين معه بخلاف الآخرين فكانوا محسوبين في جملة الجيش.
وتخلّفُهم أشدّ إضرار لأنّه قد يَفُلّ من حِدّة كثير من الغزاة.
وجملة: ﴿ سيصيب الذين كفروا ﴾ مستأنفة لابتداءِ وعيد.
وضمير ﴿ منهم ﴾ يعود إلى المذكورين فهو شامل للذين كذبوا الله ورسوله ولمن كان عذره ناشئاً عن نفاق وكذب.
وتنكير عذاب للتهويل والمراد به عذاب جهنّم.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُعْتَذِرُونَ بِحَقٍّ اعْتَذَرُوا بِهِ فَعُذِرُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وتَأْوِيلُ قِراءَةِ مَن قَرَأها بِالتَّخْفِيفِ.
والثّانِي: هُمُ المُقَصِّرُونَ المُعْتَذِرُونَ بِالكَذِبِ، قالَهُ الحَسَنُ وتَأْوِيلُ مَن قَرَأها بِالتَّشْدِيدِ، لِأنَّهُ إذا خُفِّفَ مَأْخُوذٌ مِنَ العُذْرِ، وإذا شُدِّدَ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّعْذِيرِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ العُذْرَ حَقٌّ والعَذِيرَ كَذِبٌ.
وَقِيلَ إنَّهم بَنُو أسَدٍ وغَطَفانُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ﴾ الآيَةَ.
وَفي الضُّعَفاءِ ها هُنا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ الصِّغارُ لِضَعْفِ أبْدانِهِمْ.
الثّانِي: المَجانِينُ لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ.
الثّالِثُ: العُمْيانُ لِضَعْفِ بَصَرِهِمْ.
كَما قِيلَ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في شُعَيْبٍ ﴿ وَإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ﴾ أيْ ضَرِيرًا.
﴿ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إذا بَرِئُوا مِنَ النِّفاقِ.
الثّانِي: إذا قامُوا بِحِفْظِ المُخَلَّفِينَ مِنَ الذَّرارِيِّ والمَنازِلِ.
فَإنْ قِيلَ بِالتَّأْوِيلِ الأوَّلِ كانَ راجِعًا إلى جَمِيعِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الضُّعَفاءِ.
والمَرْضى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ.
وَإنْ قِيلَ بِالتَّأْوِيلِ الثّانِي كانَ راجِعًا إلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ خاصَّةً.
وَقِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في عائِذِ بْنِ عَمْرٍو وعَبْدِ اللَّهِ ابْنِ مُغَفَّلٍ.
﴿ وَلا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَجِدْ لَهم زادًا لِأنَّهم طَلَبُوا ما يَتَزَوَّدُونَ بِهِ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.
والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَجِدْ لَهم نِعالًا لِأنَّهم طَلَبُوا النِّعالَ، قالَهُ الحَسَنُ.
رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ قالَ في هَذِهِ الغَزاةِ وهي تَبُوكُ « (أكْثِرُوا مِنَ النِّعالِ فَإنَّ الرَّجُلَ لا يَزالُ راكِبًا ما كانَ مُنْتَعِلًا)» .
وفِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: في العِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ أبِي المُطاعٍ.
والثّانِي: في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأزْرَقِ وأبِي لَيْلى، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: في بَنِي مُقَرَّنٍ مِن مُزَيْنَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: في سَبْعَةٍ مِن قَبائِلَ شَتّى، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
والخامِسُ: في أبِي مُوسى وأصْحابِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجاء المعذرون من الأعراب ﴾ يعني أهل العذر منهم ليؤذن لهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجاء المعذرون من الأعراب ﴾ قال: هم أهل الأعذار، وكان يقرؤها ﴿ وجاء المعذرون ﴾ خفيفة.
وأخرج ابن الأنباري في كتاب الأضداد عن ابن عباس.
أنه كان يقرأ ﴿ وجاء المعذرون من الأعراب ﴾ ويقول: لعن الله المعذرين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: من قرأها ﴿ وجاء المعذرون من الأعراب ﴾ خفيفة قال: بنو مقرن، ومن قرأها ﴿ وجاء المعذرون ﴾ قال: اعتذروا بشيء ليس لهم عذر بحق.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن.
أنه كان يقرأ ﴿ وجاء المعذرون ﴾ قال: اعتذروا بشيء ليس بحق.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن إسحاق في قوله: ﴿ وجاء المعذرون من الأعراب ﴾ قال: ذكر لي أنهم نفر من بني غفار، جاؤوا فاعتذروا، منهم خفاف بن إيماء من خرصة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ ﴾ الآية، ذكرنا معنى العذر والاعتذار وأصله في اللغة عند قوله: ﴿ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا ﴾ ، وتقول: أعذر (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) و ﴿ الْمُعَذِّرُونَ ﴾ (٧) -) (٨) وقال عطاء عنه: (يريد الأعراب [الذين يعتذرون] (٩) - في تخلفهم ليؤذن لهم في التخلف) (١٠) وقال الضحاك: (هم وهي عامر بن الطفيل (١١) (١٢) -، وقالوا: إن نحن غزونا معك تُغير أعراب طيء على حلائلنا (١٣) -) (١٤) ونحو هذا قال مجاهد: (هم أهل العذر) (١٥) ﴿ الْمُعَذِّرُونَ ﴾ بالتشديد وهو قراءة العامة (١٦) أحدهما: ما ذكره الفراء والزجاج وابن الأنباري: (وهو أن الأصل في هذا اللفظ عند النحويين: المعتذرون فحولت فتحة التاء إلى العين وأبدلت الذال من التاء، وأدغمت في الذال التي بعدها فصارتا ذالًا مشددة (١٧) (١٨) والاعتذار ينقسم في كلام العرب على قسمين، يقال: اعتذر (١٩) ﴿ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ﴾ ، فدل على فساد عذرهم بقوله (٢٠) ﴿ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا ﴾ ، ويقال: اعتذر: إذا جاء بعذر صحيح، ومنه قول لبيد: ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر (٢١) (الوجه الثاني من العربية - أن يكون ﴿ الْمُعَذِّرُونَ ﴾ (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) فإن قيل على هذا: إذا كانوا مقصرين فلم أفردوا من الكاذبين الله ورسوله؟
والجواب عن هذا ما أخبرني العروضي (٢٨) (٢٩) (٣٠) ﴿ وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ ﴾ ، قال: قلت ليونس (المعذرون) مخففة كأنها أقيس؛ لأن المعذر الذي له عذر، والمعذر الذي يعتذر ولا عذر له، فقال يونس: (قال أبو عمرو (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) ﴿ وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ ﴾ وتخلف آخرون (٣٦) وقوله تعالى: ﴿ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ ، قال عطاء عن ابن عباس: (يريد لم يصدقوا نبيه واتخذوا إسلامهم جنة) (٣٧) (٣٨) (١) في (ح): (عذر).
وأثبت ما في (م) و (ى) لموافقته لما في "تهذيب اللغة" (عذر) 3/ 2366.
(٢) في (ح): (مقام).
وأثبت ما في (م) و (ى) لموافقته لما في "تهذيب اللغة" (عذر) 3/ 2366 إذ النص منقول منه.
(٣) روى هذه القراءة ابن جرير عن ابن عباس ومجاهد، وهي أيضًا قراءة زيد بن علي والضحاك والأعرج وأبو صالح وعيسى بن هلال، ومن العشرة يعقوب والكسائي في رواية، وقرأ الباقون بالتشديد.
انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 209 - 211، و"الغاية في القراءات العشر" 166، و"تقريب النشر" ص 121، و"البحر المحيط" 5/ 83 - 84.
(٤) "تفسير ابن جرير" 10/ 210، وابن أبي حاتم 46/ 1860، وفي سنده بشر بن عمارة، قال البخاري: يُعرف وينكر، وقال الدارقطني: متروك.
انظر: "كتاب الضعفاء الصغير" ص46، و"الضعفاء والمتروكون" ص 160، و"تهذيب التهذيب" 1/ 230، ثم إن في الأثر علة أخرى حيث إن الضحاك لم يلق ابن عباس على القول الصحيح، انظر: "تهذيب التهذيب" 2/ 226.
(٥) رواه الفراء في "معاني القرآن" 1/ 448 وعنه ابن الأنباري في "كتاب الأضداد" ص 321 بإسنادين شديدي الضعف، إذ في أحدهما الكلبي وهو متهم بالكذب كما في "التقريب" ص479 (5901)، وفي الثاني جويبر البلخي، وهو ضعيف جدًّا كما في "المصدر السابق" ص 143 (987).
(٦) في (م): (الذين لهم عذر)، وهو خطأ.
(٧) في (ى): (والمعذر).
(٨) رواه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 137 أ، وبنحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1860، وابن جرير 10/ 210.
(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(١٠) "تنوير المقباس" ص 201 بنحوه من رواية الكلبىِ.
(١١) هو: عامر بن الطفيل بن مالك العامري سيد بني عامر بن صعصعة، كان من فرسان العرب وفتاكها وشعرائها، وهو الذي فتك بأصحاب رسول الله - - في بئر معونة، ثم حال الغدر بالنبي - - وظل جادًا في سعيه لإطفاء نور الله، حتى هلك سنة 11هـ.
انظر: "السيرة النبوية" 3/ 185، 4/ 233، و"الشعر والشعراء" ص 207، و"الإصابة" 3/ 125.
(١٢) في (ح): (جاء).
(١٣) الحلائل: جمع حليلة وهي الزوجة.
انظر: "الصحاح" (حلل) 4/ 1673.
(١٤) رواه الثعلبي 6/ 137 أ، والبغوي 4/ 83.
(١٥) رواه ابن جرير 10/ 210.
(١٦) هي قراءة العشرة عدا يعقوب، وقتيبة عن الكسائي.
انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص 166، و"تقريب النشر" ص 121.
(١٧) في (م): (مشدودة).
(١٨) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 447، و"معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 464، و"كتاب الأضداد" لابن الأنباري ص 321.
(١٩) في (ح): (اعتذرت).
(٢٠) في (ح): (لقوله).
(٢١) هذا عجز بيت، وصدره: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما وهو للبيد بن ربيعة العامري في "ديوانه" ص 214، و"كتاب الأضداد" لابن الأنباري ص 321، و"تهذيب اللغة" (عذر)، و"الخصائص" 3/ 29، و"لسان العرب" (عذر) 5/ 2855.
والشاعر يوصي ابنتيه بالبكاء عليه بعد موته حولًا كاملاً، وقبل هذا البيت قال: فقوما فقولا بالذي قد علمتما ...
ولا تخمشا وجهًا ولا تحلقا شعر (٢٢) في (ى): (المعذورون)، وهو خطأ.
(٢٣) في (ى): (المعذورون)، وهو خطأ.
(٢٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ى).
(٢٥) ما بين القوسين مضطرب في النسخة (ح) وفيه تقديم وتأخير ونقص ضاع معه المعنى، ونصه: (الوجه الثاني من العربية أن يكون المعذرون صحيح فوجهه من التأويل ما ذكرنا في قراءة من خفف وإن قلنا إن معناه المعتذرون بعذر باطل على (مفعلين) من التعذير الذي هو التقصير على ما بينا، فإن قلنا: المعذرون باطل أو أخذنا من التعذير فوجهه من التأويل ما قال قتادة).
(٢٦) رواه ابن جرير 10/ 210.
(٢٧) "السيرة النبوية" لابن هشام، و"تفسير ابن جرير" 10/ 211.
(٢٨) هو: أحمد بن محمد النيسابوري، تقدمت ترجمته عند ذكر شيوخ المؤلف.
(٢٩) هو: الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن فهم البغدادي، حافظ علامة نسابة أخباري، وكان متفننًا في العلوم، كثير الحفظ للحديث، ولأصناف الأخبار والنسب والشعر، والمعرفة بالرجال، وتوفي سنة 289 هـ.
انظر: "تاريخ بغداد" 8/ 92، و"سير أعلام النبلاء" 13/ 427، و"البداية والنهاية" 11/ 95، و"طبقات الحفاظ" للسيوطي ص 299 (٣٠) هو: محمد بن سلام بن عبيد الله الجمحي مولاهم، أبو عبد الله البصري، كان عالمًا أخباريًّا، أديبًا بارعًا، إمامًا في رواية الشعر، من أهل الصدق، وهو صاحب "طبقات فحول الشعراء" المشهور، توفي سنة 231 هـ.
انظر: "تاريخ بغداد" 5/ 327، و"مراتب النحويين" ص67، و"طبقات النحويين واللغويين" ص 180، و"سير أعلام النبلاء" 10/ 651.
(٣١) في (ى): (قال عمرو)، وهو خطأ.
(٣٢) في (ى): (جاء)، وفي (ح): (كانا).
(٣٣) في (ى): صلح، وما أثبته موافق لما في "تهذيب اللغة"، ومعنى جلح: ركب رأسه، والتجليح: الإقدام الشديد والتصميم في الأمر والمضي، والمجالح: المكابر.
انظر: "لسان العرب" (جلح) 2/ 652.
(٣٤) "تهذيب اللغة" (عذر) 3/ 2366.
(٣٥) في (ى): (أغناهم)، وهو خطأ.
(٣٦) في (ح): (الآخرون).
(٣٧) "تنوير المقباس" ص 201 بمعناه من رواية الكلبي.
(٣٨) في (ى): (قوله).
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ ﴾ قيل: يعني براءة والأرجح أنه على الإطلاق ﴿ أَنْ آمِنُواْ ﴾ أن هنا مفسرة ﴿ استأذنك أُوْلُواْ الطول مِنْهُمْ ﴾ أي أولو الغنى والمال الكثير ﴿ لكن الرسول ﴾ الآية أي إن تخلف هؤلاء فقد جاهد الرسول ومن معه ﴿ الخيرات ﴾ تعم منافع الدارين وقيل: هو الحور العين لقوله: خيرات حسان ﴿ وَجَآءَ المعذرون ﴾ هم المعتذرون ثم ادغمت التاء في الذال ونقلت حركته إلى العين، واختلف هل كانوا في اعتذارهم صادقين أو كاذبين وقيل: هم المقصورون من عُذِرَ في الأمر إذ قصَّر فيه ولم يجد، فوزنه على هذا المفعلون وروي أنها نزلت في قوم من غفار ﴿ وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله وَرَسُولَهُ ﴾ هم قوم لم يجاهدوا ولم يعتذروا عن تخلفهم فكذبوا في دعواهم الإيمان ﴿ سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ ﴾ أي من المعذرين.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ المعذرون ﴾ من الأعذار: قتيبة ويعقوب.
الباقون: بالتشديد ﴿ دائرة السوء ﴾ بضم السين وكذلك في الفتح: أبو عمرو وابن كثير.
الآخرون بفتحها ﴿ قربة ﴾ بضم الراء: نافع غير قالون.
الباقون بإسكانها وكلاهما بمعنى.
الوقوف: ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ لله ورسوله ﴾ ط ﴿ من سبيل ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه لا للعطف، ﴿ ما ينفقون ﴾ ه ﴿ أغنياء ﴾ ج لاحتمال أن يكون ﴿ رضوا ﴾ مستأنفاً أو وصفاً.
﴿ مع الخوالف ﴾ لا لأن الواو إما للعطف أو للحال.
﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ إليهم ﴾ ط ﴿ من أخباركم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لتعرضوا عنهم ﴾ ط ﴿ عنهم ﴾ ط ﴿ رجس ﴾ ز لاختلاف الجملتين مع شدة اتصال المعنى في إتمام الوعيد.
﴿ جهنم ﴾ ج لأن جزاء يصلح أن يكون مفعولاً له أو مفعولاً مطلقاً محذوف أي يجزون جزاء ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ لترضوا عنهم ﴾ ط لابتداء الشرط مع فاء التعقيب.
﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ على رسوله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ الدوائر ﴾ ط ﴿ دائرة السوء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الرسول ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ في رحمته ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه.
التفسير: لما شرح أحوال منافقي المدينة شرع في أحوال المنافقين من أهل البدو فقال ﴿ وجاء المعذرون ﴾ من قرأ بالتخفيف فهو من أعذر إذا اجتهد في العذر وبالغ فيه ومنه قولهم: من أنذر فقد أعذر.
فكأنه فصل بين أصحاب العذر وبين الكافرين؛ فالمعذرون هم الذين أتوا بالعذر وهم أسد وغطفان قالوا: إن لنا أتباعاً وعيالاً وإن بنا جهداً فأذن لنا في التخلف.
وقيل: هم رهط عامر بن الطفيل قالوا: إن غزونا معك أغارت أعراب طيء على أهالينا ومواشينا فقال صلى الله عليه وآله: سيغنيني الله عنكم.
وعن مجاهد: نفر من غفار.
ومن قرأ بالتشديد ففيه وجهان: الأوّل أن يكون من التعذير وهو التقصير في الأمر والتواني فيه وحقيقته أن يوهم أن له عذراً فيما يفعل ولا عذر له.
الثاني وقد ذكره الفراء والزجاج وابن الأنباري أنه من الاعتذار والأصل فيه المعتذرون أدغمت التاء في الذال بعد نقل حركتها إلى العين.
والاعتذار قد يكون بالكذب كقوله : ﴿ يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا ﴾ وقد يكون صحيحاً كقول القائل: ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر *** أي ما جاء بعذر صحيح.
فإذا أخذنا بقراءة التخفيف كان المعذرون صادقين، وإذا أخذنا بقراءة التشديد وفسرناها بالمعتذرين فاحتمل الأمران.
ومن المفسرين من رجح جانب صدقهم لأنه ميزهم من الكاذبين بقوله: ﴿ وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ﴾ ومنهم من مال إلى أنهم كاذبون.
روى الواحدي بإسناده عن أبي عمرو أنه قال: إن أقواماً تكلفوا عذراً بباطل وهم الذين عناهم الله بقوله ﴿ وجاء المعذرون ﴾ وتخلف آخرون لا بعذر ولا بشبهة عذر جراءة على الله وهم الذين أرادهم الله بقوله: ﴿ وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ﴾ وهم منافقو الأعراب الذين لم يجيئوا ولم يعتذروا وظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم الإيمان.
﴿ سيصيب الذين كفروا منهم ﴾ أي من الأعراب ﴿ عذاب أليم ﴾ في الدنيا بالقتل وفي العقبى بالنار.
وإنما قال: ﴿ منهم ﴾ لعلمه بأن بعضهم سيؤمن ويتخلص من هذا العقاب.
ثم ذكر أن تكليف الجهاد ساقط عن أصحاب الأعذار الحقيقية فقال ﴿ ليس على الضعفاء ﴾ وهم الذين في أبدانهم ضعف في أصل الخلقة أو لهرم ﴿ ولا على المرضى ﴾ ويدخل فيه أصحاب العمى والعرج والزمانة وكل من كان موصوفاً بمرض يمنعه من التمكن من المحاربة ﴿ ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون ﴾ في الغزو على أنفسهم ﴿ حرج ﴾ قيل: هم مزينة وجهينة وبنو عذرة، وفيه دليل على أنه لا يحرم عليه الخروج إذا أمكنه الإعانة بمقدار القدرة كحفظ متاع المجاهدين وتكثير سوادهم وإنما يكون ذلك طاعة مقبولة منه إذا لم يجعل نفسه كلاً ووبالاً عليهم.
ثم إنه شرط في جواز العقود النصح لله ورسوله ليحترزوا بعدهم عن إلقاء الإرجاف وإثارة الفتن ويقوموا على إصلاح مهمات بيوتهم.
وبالجملة على كل ما له مدخل في طاعة الله ورسوله وموافقة السر العلن كما يفعل المولى الناصح بصاحبه.
ثم قال: ﴿ ما على المحسنين ﴾ أي المعذورين الناصحين ﴿ من سبيل ﴾ للعتاب والمؤاخذة.
قال بعض أهل الظاهر كداود الأصفهاني وغيره: إن المحسن هو الآتي بالإحسان ورأس الإحسان وسنامه هو قول لا إله إلا الله محمد رسول الله.
فهذا يدل على أن الملكف إذا تكلم بهذه الكلمة برئت ذمته عن مطالبة نفسه وماله إلا بدليل منفصل كما أن السلطان لو قال لأهل مملكته تكليفي عليكم كذا وكذا وبعد ذلك لا سبيل لأحد على أحد كان ذلك دليلاً على أنه لا تكليف عليهم فيما وراء ذلك لأن باب النفي لا نهاية له فلا ينضبط إلا بهذا الطريق.
وعلى هذا لو ورد في القرآن ألف تكليف أو أقل أو أكثر كان ذلك تنصيصاً على أن التكاليف محصورة فيها وفيما وراءها ليس لله على الخلق تكليف وأمر ونهي، وبهذا الطريق تصير الشريعة مضبوطة ويكون القرآن وافياً ببيان التكاليف والأحكام، ولا حاجة إلى التمسك بالقياس لأن هذا النص دل على أن الأصل براءة الذمة.
فإن كان القياس مفيداً للبراءة أيضاً فضائع، وإن كان يفيد شغل الذمة صار مخصصاً لعموم النص، وإنه لا يجوز لأن النص أقوى من القياس.
ولما ذكر الضعفاء والمرضى والفقراء بيّن قسماً رابعاً وهم الذين لا يجدون الراحلة وإن قدروا على الزاد فقال: ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ﴾ أي على المركوب.
قلت: قال في الكشاف: هو حال من الكاف في ﴿ أتوك ﴾ بإضمار "قد" أي إذا ما أتوك قائلاً ﴿ لا أجد ما أحملكم عليه تولوا ﴾ وجوز أن يكون واسطة بين الشرط والجزاء كالاعتراض.
قلت: ويحتمل أن يكون بدلاً من ﴿ أتوك ﴾ .
قال مجاهد: هم أبناء مقرن معقل وسويد والنعمان، وقيل: أبو موسى الأشعري وأصحابه أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله يستحملونه ووافق منه غضباً فقال: والله ما أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه فتولوا وهم مدبرون يبكون فدعاهم وأعطاهم ذو داغر الذري.
فقال أبو موسى: ألست حلفت يا رسول الله فقال: أما إني إن شاء الله لا أحلف بيمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني.
وقيل: هم البكاؤون سبعة نفر من الأنصار معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب وعلبة بن زيد وسالم بن عمير وثعلبة بن عنمة وعبد الله بن مغفل، أتوا رسول الله صلى الله عيه وآله فقالوا: يا نبي الله إن الله عز وجل قد ندبنا للخروج معك فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغزو معك.
فقال: لا أجد ما أحملكم عليه فولوا وهم يبكون.
وقوله ﴿ تفيض من الدمع ﴾ كقولك تفيض دمعاً وهو أبلغ من يفيض دمعها لأن العين جعلت كلها فائضة.
و"من" للبيان والجار والمجرور في محل النصب على التمييز.
﴿ حزناً أن لا يجدوا ﴾ أي على أن لا يجدوا.
﴿ إنما السبيل ﴾ أي سبيل الخطاب والعتاب في أمر الغزو والجهاد ﴿ على الذين يستأذنونك ﴾ في التخلف وهم أغنياء.
ثم قال على سبيل الاستئناف ﴿ رضوا ﴾ كأنه قيل ما لهم استأذنوا وهم قادرون على الاستعداد؟
فقيل: رضوا بالدناءة والانتظام في جملة الخوالف ومن جملة أسباب الاستئذان أن طبع الله على قلوبهم.
قال لأهل العلم: لما قال في الآية الأولى و ﴿ وإذا أنزلت سورة ﴾ قال هناك ﴿ وطبع ﴾ ليكون المجهول مبنياً على المجهول بخلافه في هذه الآية.
ثم إن العلم فوق الفقه فكان أنسب بالمقام الذي جرى فيه ذكر الله.
أما قوله ﴿ قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم ﴾ فإنه علة المنع من الاعتذار لأن غرض المعتذر أن يصير عذره مقبولاً فإذا علم بأن القوم يكذبونه وجب عليه تركه.
وقوله ﴿ قد نبأنا الله ﴾ علة لانتفاء التصديق.
﴿ وسيرى الله عملكم ﴾ يعني رؤية وقوع أي سيقع أنكم هل تبقون على الحالة التي تظهرونها أم لا.
وفي قوله ﴿ ثم تردّون على عالم الغيب ﴾ تخويف شديد وفيه أنه مطلع على بواطنهم الخبثة وضمائرهم المملوءة من النفاق والكذب.
وإنما لم يقل في هذه الآية و "المؤمنون" كما في الآية التي تجيء، لأن هذه في المنافقين ولا يطلع على ما في باطنهم إلا الله ثم رسوله باطلاع الله إياه أو بنور نبوته كما قال ﴿ قد نبأنا الله من أخباركم ﴾ والآية الأخرى في المؤمنين وعباداتهم ظاهرة للكل.
وختم آية المنافقين بقوله ﴿ ثم تردون ﴾ لأنه وعيد فقطعه عن الأول بخلاف آية المؤمنين حيث وصلها بالواو لأنه وعد من الله.
ثم ذكر أن منافقي الأعراب سيؤكدون أعذارهم بالأيمان الكاذبة مثل ما حكى عن منافقي المدينة فقال: ﴿ سيحلفون بالله لكم ﴾ أي لأجلكم ﴿ إذا انقلبتم ﴾ أي رجعتم ﴿ إليهم ﴾ ولم يذكر المحلوف عليه.
والظاهر أنهم حلفوا على أنهم ما قدروا على الخروج ولكن بين غرضهم من الحلف فقال ﴿ لتعرضوا عنهم ﴾ أرادوا الصفح والعفو فأمر الله المؤمنين بإعطاء طلبتهم ولكن على سبيل المقت لا الصفح ولهذا قال ابن عباس: أراد ترك الكلام والسلام.
وقال مقاتل: قال رسول الله حين قدم المدينة: لا تجالسوهم ولا تكلموهم وكانوا ثمانين رجلاً منهم جد بن قيس ومعتب بن قشير.
ثم بين علة الاجتناب عنهم فقال: ﴿ إنهم رجس ﴾ فكأنهم نجس العين فلا سبيل إلى تطهيرهم بالعتاب والتوبيخ وفي أمثالهم إنما يعاتب الأديم ذو البشرة.
المعاتبة المعاودة وبشرة الأديم ظاهره الذي عليه الشعر أي إنما يعاد الدباغ من الأديم ما سلمت بشرته، يضرب لمن فيه مراجعة ومستعتب وإذا لم تكن المعاتبة نافعة فيهم فتركها هو الصواب ﴿ ومأواهم ﴾ جهنم منقلبهم النار عتاباً توبيخاً.
ثم بين أنهم طلبوا إعراض الصفح بقوله ﴿ يحلفون لكم لترضوا عنهم ﴾ نهاهم عن الرضا بقوله ﴿ فإن ترضوا عنهم ﴾ الآية، ذلك أن إرادة المؤمن يجب أن تكون موافقة لإرادة الله، وأي فائدة في رضا المؤمنين إذا كان الله ساخطاً عليهم؟.
ثم عدد مثالب الأعراب وأراد بهم جمعاً معينين كانوا يوالون منافقي المدينة.
قال أهل اللغة: رجل عربي إذا كان نسبه إلى العرب ثابتاً، ورجل أعرابي إذا كان بدوياً سواء كان من العرب أو من مواليهم وجمعه أعراب كالمجوسي والمجوس واليهودي واليهود.
فالأعرابي إذا قيل له يا أعرابي فرح، وإذا قيل للعربي يا أعرابي غضب، وذلك أن من استوطن القرى العربية فهو عربي ومن نزل البادية فهو أعرابي ولهذا لا يجوز أن يقال للمهاجرين والأنصار أعراب وإنما هم عرب.
قال : "لا تؤمنّ امرأة رجلاً ولا فاسق مؤمناً ولا أعرابي مهاجراً" قيل: إنما سمى العرب عرباً لأن أولاد إسماعيل نشؤا بالعربة وهي من تهامة ونسبوا إلى بلدهم، وكل من يسكن جزيرة العرب وينطق بلسانهم فهو منهم.
وقيل: لأن ألسنتهم معربة عما في ضمائرهم لما في لسانهم من الفصاحة والبلاغة، يحكى عن بعض الحكماء أنه قال: حكمة الروم في أدمغتهم وذلك لأنهم يقدرون على التركيبات العجيبة، وحكمة الهند في أوهامهم، وحكمة اليونان في أفئدتهم وذلك لكثرة ما لهم من المباحث العقلية، وحكمة العرب في ألسنتهم وذلك لحلاوة ألفاظهم وعذوبة عباراتهم.
وإنما حكم على الأعراب بأنهم أشد كفراً ونفاقاً لأنهم يشبهون الوحوش.
سئل بعض الحكماء ما بال أهل البادية لا يحتاجون إلى الطبيب؟
فقال: كما لا يحتاج حمر الوحش الى البياطرة ولاستيلاء الهواء الحار عليهم الموجب لكثرة الطيش والخروج عن الاعتدال، وإن من أصبح وأمسى مشرفاً عليه أنوار النبوة ومشرفاً باستماع مواعظه وآدابه كيف يكون مساوياً لمن نشأ كما يشاء من غير سياسة سائس ولا تأديب مؤدب؟!
وإن شئت فقس الفواكه الجبلية بالفواكه البستانية ولهذا قال : "إن الجفاء والقسوة في الفدّادين" أي الأكارين لأنهم يفدّون أي يصيحون.
وقوله: ﴿ وأجدر ﴾ أي أولى وأحق ﴿ بأن لا يعلموا حدود ما أنزل الله ﴾ أي مقادير تكاليفه وأحكامه وما تنتهي إليه الأدلة العقلية والسمعية ﴿ والله عليم ﴾ بما في قلوب أهل البدو والحضر وأصحاب الوبر والمدر ﴿ حكيم ﴾ في كل ما قدر من الشرائع وما يتبعها من الجزاء.
ثم نوع جنس الأعراب فقال: ﴿ ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً ﴾ هو مفعول ثانٍ ليتخذ لأنه بمعنى الجعل والاعتقاد والزعم أي يعتقد أن الذي ينفقه في سبيل الله غرامة وخسران.
وقد عرفت أن أصل الغرم اللزوم كأنه اعتقد أنه لزمه لأمر من خارج كتقية أو رياء ليس مما ينبعث من النفس، والمغرم إما مصدر أو موضع.
﴿ ويتربص بكم الدوائر ﴾ نوب الزمان وتصاريفه ودوله وكأنها لا تستعمل إلا في المكروه تشبيهاً بالدائرة التي تحيط بما في ضمنها بحيث لا يوجد منها مخلص.
ثم خيّب الله ظنونهم بالإسلام وذويه بأن دعا عليهم بقوله: ﴿ عليهم دائرة السوء ﴾ وإنها جملة معترضة كقوله ﴿ غلت أيديهم ﴾ والسوء بالفتح مصدر أضيف إليه الدائرة للملابسة كقولك "رجل صدق".
قال في الكشاف: وهو ذم للدائرة لأن من دارت عليه ذامّ لها وبالضم اسم بمعنى البلاء والعذاب، والمراد أنهم لا يرون في محمد ودينه إلا ما يسوءهم.
﴿ والله سميع ﴾ لأقوالهم ﴿ عليم ﴾ بنياتهم.
قيل: هم أعراب أسد وغطفان وتميم.
ثم ختم الكلام بذكر الصالحين منهم فقال: ﴿ ومن الأعراب من يؤمن ﴾ الآية.
والمعنى أنهم يعتقدون ما ينفقونه سبباً لحصول القربات عند الله وسبباً لصلوات الرسول عليهم لأنه كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم كقوله: اللهم صل على آل أبي أوفى.
ثم إنه شهد لهم ولأمثالهم بصحة ما اعتقدوه فقال على طريق الاستئناف مؤكداّ بحرفي التنبيه والتحقيق ﴿ ألا إنها قربة لهم ﴾ ثم فسر القربة بقوله: ﴿ سيدخلهم الله في رحمته ﴾ والسين لتحقيق الوعد.
قيل: هم عبد الله ذو البجاد بن ورهطه، أخذت أمه بجاداً وهو كساء مخطط فشقته نصفين فردّته بأحدهما وأزرته بالثاني وبعثته إلى رسول الله فكان قائده والله أعلم.
التأويل: الناس ثلاثة: المتضررون المعذرون المعترفون بتقصيرهم، والقاعدون الكذابون، والناصحون المخلصون في الطلب ولكن فيهم الضعفاء والمرضى والفقراء فلا حرج عليهم في القعود عن طلب الكمال بالظواهر مع اشتغال البواطن في الطلب بقدر الاستعداد.
﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك ﴾ بطريق المتابعة ﴿ لتحملهم ﴾ على جناح الهمة النبوية وتوصلهم إلى مقامات لم يكونوا بالغيها بجناحي البشرية والروحانية ﴿ قلت لا أجد ما أحملكم عليه ﴾ ترفعاً ودلالاً واستيراء لزناد أشواقهم كما قيل لموسى لن تراني زيادة لشوقه وهم أغنياء لهم الاستعدادات الكاملة فلم يستعملوها في طلب الكمال كسلاً وميلاً إلى اللذات العاجلة.
﴿ الأعراب أشد كفراً ﴾ إن في عالم الإنسانية بدواً هو نفسه وحضراً هو قلبه، والكفر والنفاق للنفس مقتضى الذات كما أن الإيمان للقلب لذاته بالفطرة، وقد يصير القلب كافراً بسراية النفس وقد تصير النفس مؤمنه بسراية القلب، ولكن النفس تكون أشد كفراً من القلب الكافر كما أن القلب يكون أشد إيماناً من النفس المؤمنة.
﴿ حدود ما أنزل الله على رسوله ﴾ يعني الواردات النازلة على الروح فإن القلب حضر الروح كما أن المدينة حضر الرسول ، ومن النفوس من يعتقد أن ما يصرف من أوقاته في طلب الكمال ضائع وخسار وينتظر بالقلب اشتغالاً وفترة.
﴿ عليهم دائرة السوء ﴾ باستيلاء القلب عليها وقهرها بما يخالف هواها ﴿ والله سميع ﴾ يجيب هذا الدعاء ﴿ عليم ﴾ بمن ينبغي أن يسمع في حقه.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ ﴾ .
قال بعضهم من أهل التأويل: المعذرون هم الذين يستأذنون في القعود ولا عذر لهم في ذلك.
وقال الكلبي: المعذرون هم الذين لهم عذر وبهم علة.
وبعضهم قال: المعذرون: هم المعتدون.
[و] روي عن ابن عباس - - أنه قرأ "المعذرون" بالتخفيف، وقال: لعن الله المعذِّرين؛ كأنه ذهب إلى أن المعذر هو الذي له عذر، والمعذِّر بالتشديد: الذي لا عذر له؛ لذلك لعن المعذِّر.
قال أبو معاذ: وأكثر كلام العرب المعذر الذي له عذر، وهو قولهم: قد أعذر من أنذر.
وقال أبو عوسجة: - المعذر بالتشديد -: الذي لا يناصح، إنما يريد أن يعذر، ويقال: عذرت في الأمر: إذا لم تبالغ فيه؛ وأعذرت في الأمر، أي: بالغت فيه.
وقال القتبي: المعذرون - بالتشديد -: هم الذين لا يجدون [ما ينفقون]، إنما يعرضون ما لا يريدون أن يفعلوه؛ يقال: عذرت في الأمر: إذا قصرت، وأعذرت: جددت.
ثم قال بعض أهل التأويل: دل هذا على أن أهل النفاق كانوا صنفين: صنف كانوا يستأذنون [في] القعود، وصنف لا يستأذنون، ولكن يقعدون بقوله: ﴿ وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ ﴾ .
دلّ قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ على أن من أهل النفاق من قد آمن، وأن من تاب يقبل ذلك منه؛ لأنه قال: ﴿ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ولم يقل: سيصيبهم عذاب أليم.
وقال بعضهم: المعذرون - بالتخفيف -: هم المؤمنون الذين لهم عذر في التخلف، أتوا رسول الله لينظر في أمرهم الأوفق: إن كان الخروج لهم أوفق يخرجون، وإن كان القعود أوفق يقعدون؛ يدل على ذلك الآية التي تتلو هذه وهي قوله - عز وجل -: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ ﴾ الآية.
فإن قيل: كيف احتمل أن تكون آية واحدة في فريقين مختلفين، إذا قرئ بالتخفيف فهي في الذين لهم عذر، وإذا قرئ بالتشديد فهي في الذين لا عذر لهم؟
قيل: تصير على اختلاف القراءة كآيتين في حالتين ووقتين مختلفين، إن كان تأويل المعذر بالتشديد هو الذي يعتذر ولا عذر له، والمعذر - بالتخفيف - هو الذي له عذر.
أو كان تأويل إحدى القراءتين على ضد الأخرى كان لهم عذر في حال، ولا عذر لهم في حال أخرى، وإلا لا يحتمل أن تكون القراءتان جميعاً في وقت واحد، وتأويلهما على الاختلاف الذي ذكروا، وهو كقوله: ﴿ فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ﴾ و ﴿ رَبَّنَا ﴾ بالرفع ﴿ بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ﴾ أحدهما: على الدعاء، والآخر: على الإيجاب، هما آيتان صارتا آية واحدة لاختلاف القراءة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ ﴾ .
لو لم يذكر المرضى ولا الذين لا يجدون ما ينفقون، لكان المفهوم من قوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ ﴾ المرضى والذي لا يجد ما ينفق.
وكذلك إذا ذكر المريض كان في ذكره ما يفهم منه كل ضعيف، وكل ما لا يجد ما ينفق.
وفي كل حرف من هذه الحروف ما يفهم منه معنى الآخر، فلما ذكر دل أن المراد من ذكر الضعفاء الزمنى؛ من نحو الأعمى والأعرج، فكان كقوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ ﴾ ، فتكون الآيتان واحدة؛ أعني: معناهما واحد.
وفيه دلالة أن ليس في ذكر عدد من الأشياء حظر دخول غير المذكور في حكم المذكور إذا كان في معناه؛ ولهذا قال أصحابنا: إنه ليس فيما ذكر رسول الله عدد في الربا بقوله: "والحنطة بالحنطة، والذهب بالذهب، والفضل ربا" على أنه لا لمعنى ورد، ولا يدخل فيه ما لم يذكر؛ لما ذكرنا أنه لو ذكر الضعفاء لذكر المريض، والأعمى، والأعرج، وجميع من ضعف عن الخروج من أنواع الأعذار، ثم لم يدل ما ذكر من العدد وتخصيصه على أنه لا لمعنى ذكر؛ فعلى ذلك خبر الربا.
ثم جعل العمى والعرج والمرض وعدم النفقة ونحوه عذراً في ترك الخروج، ولم يجعل شدة الحر وبعد المسافة ونحوه عذراً بقوله: ﴿ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً ﴾ .
وأصله - والله أعلم -: أن كل ما لم يعمل في المنع عن الخروج لشهوة، أو لطمع يرجو نيله من التجارة ونحوها - لم يكن ذلك عذراً في ترك الخروج؛ إذ شدة الحرّ وبعد السفر وخوف العدوّ مما لا يمنعهم عن الخروج للتجارة، فلم يصر ذلك عذراً في التخلف عن الخروج للجهاد، وأما حال المرض والزمانة وعدم النفقة فيمنعهم ويعجزهم عن الخروج في كل ما يهوون ويشتهون، فصار ذلك عذراً لهم بالتخلف عن الخروج للجهاد.
والثاني: أن كل ما يقدر على دفعه بحال لم يجعل ذلك عذراً في التخلف، وكل ما لا سبيل لهم إلى دفعه فهو عذر، والحر وبعد السفر وخوف العدو يجوز أن يدفع فيصير كأن ليس، وهو ما ذكر: ﴿ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً ﴾ ، فإذا ذكر شدة حر جهنم وبعد سفر الآخرة وأهواله، هان عليه الخروج وسهل، فارتفع ذلك؛ فلذلك صار أحدهما عذراً والآخر لا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ .
قيل: لم يخدعوا أحداً في دينه، ولم يغشوه في دنياه.
وقيل: ﴿ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ ، أي: أطاعوا الله ورسوله في الحضرة، ولم يتركوا طاعته.
[وقوله: ﴿ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ﴾ أي: ما على المحسنين من سبيل في تركهم الخروج إذا لم يقدروا على الخروج؛ لما ذكرنا من الزمانة وعدم ما ينفقون].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
بتركهم الخروج وتخلفهم عن الجهاد مع أصحاب الأعذار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ﴾ .
ذكر في بعض الأخبار عن النبي قال: "لولا أن أشق على أمتي - أو قال: على المؤمنين - وإلا لخرجت في كل سرية بعثتها" ؛ لأنهم لا يجدون ما ينفقون فيخرجون ولا أجد ما أحملهم عليه، فيشق عليهم مفارقتهم إيانا، فلا حرج بتركهم الخروج إذا لم يجدوا ما ينفقون ولا [ما] يحمل عليه.
<div class="verse-tafsir"
وجاء قوم من أعراب المدينة ومن حولها يعتذرون إلى رسول الله ؛ ليأذن لهم في التخلف عن الخروج والجهاد في سبيل الله، وتخلف قوم آخرون لم يعتذروا أصلًا عن الخروج؛ لعدم تصديقهم للنبي ولعدم إيمانهم بوعد الله، سينال هؤلاء بسبب كفرهم هذا عذاب مؤلم موجع.
<div class="verse-tafsir" id="91.xe8MG"