تفسير الآية ٣ من سورة الليل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 92 الليل > الآية ٣ من سورة الليل

وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلْأُنثَىٰٓ ٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 18 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣ من سورة الليل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣ من سورة الليل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هكذا قرأ ذلك ابن مسعود ، وأبو الدرداء - ورفعه أبو الدرداء - وأما الجمهور فقرأوا ذلك كما هو مثبت في المصحف الإمام العثماني في سائر الآفاق : ( وما خلق الذكر والأنثى ) فأقسم تعالى ب ( والليل إذا يغشى ) أي : إذا غشي الخليقة بظلامه ، ( والنهار إذا تجلى ) أي : بضيائه وإشراقه ، ( وما خلق الذكر والأنثى ) كقوله : ( وخلقناكم أزواجا ) [ النبأ : 8 ] ، وكقوله : ( ومن كل شيء خلقنا زوجين ) [ الذاريات : 49 ] .

ولما كان القسم بهذه الأشياء المتضادة كان القسم عليه أيضا متضادا ; ولهذا قال :

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنْثَى ) يحتمل الوجهين اللذين وصفت في قوله: وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا وفي وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا وهو أن يجعل " ما " بمعنى " مَنْ، فيكون ذلك قسما من الله جلّ ثناؤه بخالق الذّكر والأنثى، وهو ذلك الخالق، وأن تجعل " ما " مع ما بعدها بمعنى المصدر، ويكون قسما بخلقه الذكر والأنثى.

وقد ذُكر عن عبد الله بن مسعود وأبي الدرداء: أنهما كانا يقرآن ذلك ( والذَّكَرِ والأنْثَى ) ويأثُرُه أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

* ذكر الخبر بذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: في قراءة عبد الله ( وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى والنَّهارِ إذَا تَجَلَّى والذَّكَر والأنْثَى ).

حدثنا ابن المثني، قال: ثنا هشام بن عبد الملك (3) قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني المُغيرة، قال: سمعت إبراهيم يقول: أتى علقمة الشام، فقعد إلى أبي الدرداء، فقال: ممن أنت ؟

فقلت: من أهل الكوفة، فقال: كيف كان عبد الله يقرأ هذه الآية (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) فقلت: ( وَالذَّكَرِ والأنْثَى ) قال: فما زال هؤلاء حتى كادوا يستضلُّونني، وقد سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا حاتم بن وَرْدان، قال: ثنا أبو حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة قال: أتينا الشام، فدخلت على أبي الدرداء، فسألني فقال: كيف سمعت ابن مسعود يقرأ هذه الآية: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) قال: قلت: ( وَالذَّكَرِ والأنْثَى ) قال: كفاك، سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية؛ وحدثني إسحاق بن شاهين الواسطي، قال: ثنا خالد بن عبد الله عن داود، عن عامر، عن علقمة، قال: قَدِمت الشام، فلقيت أبا الدرداء، فقال: من أين أنت ؟

فقلت من أهل العراق ؟

قال: من أيَّها ؟

قلت: من أهل الكوفة، قال: هل تقرأه قراءة ابن أمّ عبد ؟

قلت: نعم، قال: اقرأ ( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ) قال: فقرأت: ( وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى والنَّهارِ إذَا تَجَلَّى والذَّكَرِ والأنْثَى ) قال: فضحك، ثم قال: هكذا سمعت مِنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثني عبد الأعلى، قال: ثني داود، عن عامر، عن علقمة، عن أبي الدَّرداء، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، بنحوه.

حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: قدمت الشام، فأتى أبو الدرداء، فقال: فيكم أحد يقرأ علي قراءة عبد الله ؟

قال: فأشاروا إليّ، قال: قلت أنا، قال: فكيف سمعت عبد الله يقرأ هذه الآية: ( وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى والنَّهارِ إذَا تَجَلَّى والذَّكَرِ والأنْثَى ) قال: وأنا هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: فهؤلاء يريدوني على أن اقرأ ( وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنْثَى ) فلا أنا أتابعهم.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنْثَى ) قال: في بعض الحروف ( والذَّكَرِ والأنْثَى ).

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، مثله.

حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، عن إسماعيل، عن الحسن أنه كان يقرأها( وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنْثَى ) يقول: والذي خلق الذكر والأنثى؛ قال هارون قال أبو عمرو: وأهل مكة يقولون للرعد: سبحان ما سبَّحْتَ له.

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا جرير، عن مُغيرة، عن مِقْسَمٍ الضَّبّي، عن إبراهيم بن يزيد بن أبي عمران، عن علقمة بن قيس أبي شبل: أنه أتى الشام، فدخل المسجد فصَّلى فيه، ثم قام إلى حَلْقة فجلس فيها؛ قال: فجاء رجل إليّ، فعرفت فيه تحوّش، القوم وهيبتهم له، فجلس إلى جنبي، فقلت: الحمد لله إني لأرجو أن يكون الله قد استجاب دعوتي، فإذا ذلك الرجل أبو الدرداء، قال: وما ذاك ؟

فقال علقمة: دعوت الله أن يرزقني جليسا صالحا، فأرجو أن يكون أنت، قال: مِنْ أين أنت ؟

قلت: من الكوفة، أو من أهل العراق من الكوفة.

قال أبو الدرداء: ألم يكن فيكم صاحب النعلين والوساد والمِطْهَرة، يعني ابن مسعود، أو لم يكن فيكم من أُجير على لسان النبيّ صلى الله عليه وسلم من الشيطان الرجيم، يعني عَمَّار بن ياسر، أو لم يكن فيكم صاحب السرّ الذي لا يعلمه غيره، أو أحد غيره، يعني حُذَيفة بن اليمان، ثم قال: أيكم يحفظ كما كان عبد الله يقرأ ؟

قال: فقلت: أنا، قال: اقرأ: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) قال علقمة: فقرأت: ( الذكر والأنثى )، فقال أبو الدرداء: والذي لا إله إلا هو، كذا أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فوه إلى فيّ، فما زال هؤلاء حتى كادوا يردّونني عنها.

--------------------------- الهوامش : (3) هو هشام بن عبد الملك اليزني المتوفى سنة 251 هـ .

أو هشام بن عبد الملك الباهلي المتوفى 227 هـ .

ولم أجد لهما ثالثا في خلاصة الحررجي .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وما خلق الذكر والأنثى قال الحسن : معناه والذي خلق الذكر والأنثى فيكون قد أقسم بنفسه - عز وجل - .

وقيل : معناه وخلق الذكر والأنثى ( فما ) : مصدرية على ما تقدم .

وأهل مكة يقولون للرعد : سبحان ما سبحت له!

( فما ) على هذا بمعنى ( من ) ، وهو قول أبي عبيدة وغيره .

وقد تقدم .

وقيل : المعنى وما خلق من الذكر والأنثى فتكون من مضمرة ، ويكون القسم منه بأهل طاعته ، من أنبيائه وأوليائه ، ويكون قسمه بهم تكرمة لهم وتشريفا .

وقال أبو عبيدة : وما خلق أي من خلق .

وكذا قوله : والسماء وما بناها ، ونفس وما سواها ، وما في هذه المواضع بمعنى من .

وروي عن ابن مسعود أنه كان يقرأ والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى ويسقط وما خلق .

وفي صحيح مسلم عن علقمة قال : قدمنا الشام ، فأتانا أبو الدرداء ، فقال : فيكم أحد يقرأ علي قراءة عبد الله ؟

فقلت : نعم ، [ ص: 73 ] أنا .

قال : فكيف سمعت عبد الله يقرأ هذه الآية والليل إذا يغشى ؟

قال : سمعته يقرأ والليل إذا يغشى والذكر والأنثى قال : وأنا والله هكذا سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرؤها ، ولكن هؤلاء يريدون أن أقرأ وما خلق فلا أتابعهم .

قال أبو بكر الأنباري : وحدثنا محمد بن يحيى المروزي قال حدثنا محمد قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري قال : حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله قال : أقرأني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إني أنا الرازق ذو القوة المتين " قال أبو بكر : كل من هذين الحديثين مردود بخلاف الإجماع له ، وأن حمزة وعاصما يرويان عن عبد الله بن مسعود ما عليه جماعة المسلمين ، والبناء على سندين يوافقان الإجماع أولى من الأخذ بواحد يخالفه الإجماع والأمة ، وما يبنى على رواية واحد إذا حاذاه رواية جماعة تخالفه ، أخذ برواية الجماعة ، وأبطل نقل الواحد لما يجوز عليه من النسيان والإغفال .

ولو صح الحديث عن أبي الدرداء وكان إسناده مقبولا معروفا ، ثم كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة - رضي الله عنهم - يخالفونه ، لكان الحكم العمل بما روته الجماعة ، ورفض ما يحكيه الواحد المنفرد ، الذي يسرع إليه من النسيان ما لا يسرع إلى الجماعة ، وجميع أهل الملة .وفي المراد بالذكر والأنثى قولان : أحدهما : آدم وحواء قاله ابن عباس والحسن والكلبي .

الثاني : يعني جميع الذكور والإناث من بني آدم والبهائم ; لأن الله تعالى خلق جميعهم من ذكر وأنثى من نوعهم .

وقيل : كل ذكر وأنثى من الآدميين دون البهائم لاختصاصهم بولاية الله وطاعته .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى } إن كانت " ما " موصولة، كان إقسامًا بنفسه الكريمة الموصوفة، بأنه خالق الذكور والإناث، وإن كانت مصدرية، كان قسمًا بخلقه للذكر والأنثى، وكمال حكمته في ذلك أن خلق من كل صنف من الحيوانات التي يريد بقاءها ذكرًا وأنثى، ليبقى النوع ولا يضمحل، وقاد كلا منهما إلى الآخر بسلسلة الشهوة، وجعل كلًا منهما مناسبًا للآخر، فتبارك الله أحسن الخالقين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وما خلق الذكر والأنثى ) يعني : ومن خلق ، قيل هي " ما " المصدرية أي : وخلق الذكر والأنثى ، قال مقاتل والكلبي : يعني آدم وحواء .

وفي قراءة ابن مسعود ، وأبي الدرداء : والذكر والأنثى .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما» بمعنى من أو مصدرية «خلق الذكر والأنثى» آدم وحواء وكل ذكر وكل أنثى، والخنثى المشكل عندنا ذكر أو أنثى عند الله تعالى فيحنث بتكليمه من حلف لا يكلم لا يكلم ذكرا ولا أنثى.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أقسم الله سبحانه بالليل عندما يغطي بظلامه الأرض وما عليها، وبالنهار إذا انكشف عن ظلام الليل بضيائه، وبخلق الزوجين: الذكر والأنثى.

إن عملكم لمختلف بين عامل للدنيا وعامل للآخرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وأقسم - ثالثا - بقوله : ( وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى ) و " ما " هنا يصح أن تكون موصولة ، بمعنى الذى ، فيكون - سبحانه - قد أقسم بذاته ، وجاء التعبير بما ، للدلالة على الوصفية ، ولقصد التفخيم .فكأنه - تعالى - يقول : وحق الخالق العظيم ، الذى لا يعجزه شئ ، والذى خلق نوع الذكور ، ونوع الإِناث من ماء واحد .ويصح أن تكون " ما " هنا حرفا مصدريا ، فيكون المعنى : وحق خَلْقِ الذكر والأنثى ، وعليه يكون - سبحانه - قد أقسم بفعل من أفعاله التى تدل على كمال قدرته ، وبديع صنعته ، حيث أوجد الذكور والإِناث من ماء واحد ، كما قال - سبحانه - : ( وَأَنَّهُ خَلَقَ الزوجين الذكر والأنثى .

مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تمنى ) وحيث وهب - سبحانه - الذكور لمن يشاء ، ووهب الإِناث لمن يشاء ، وجعل العقم لمن يشاء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسيره وجوه: أحدها: أي والقادر العظيم القدرة الذي قدر على خلق الذكر والأنثى من ماء واحد، وقيل: هما آدم وحواء.

وثانيها: أي وخلقه الذكر والأنثى.

وثالثها: ما بمعنى من أي ومن خلق الذكر والأنثى، أي والذي خلق الذكر والأنثى.

المسألة الثانية: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ والذكر والأنثى ﴾ وقرأ ابن مسعود: (والذي خلق الذكر والأنثى) وعن الكسائي: ﴿ وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى ﴾ بالجر، ووجهه أن يكون معنى: ﴿ وَمَا خَلَقَ ﴾ أي وما خلقه الله تعالى، أي مخلوق الله، ثم يجعل الذكر والأنثى بدلاً منه، أي ومخلوق الله الذكر والأنثى، وجاز إضمار اسم الله لأنه معلوم أنه لا خالق إلا هو.

المسألة الثالثة: القسم بالذكر والأنثى يتناول القسم بجميع ذوي الأرواح الذين هم أشرف المخلوقات، لأن كل حيوان فهو إما ذكر أو أنثى والخنثى فهو في نفسه لابد وأن يكون إما ذكراً أو أنثى، بدليل أنه لو حلف بالطلاق، أنه لم يلق في هذا اليوم لا ذكراً ولا أنثى، وكان قد لقى خنثى فإنه يخنث في يمينه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى} والقادر العظيم القدرة الذى قدر على خلق الذكروالانثى من ماء واحد وجوب القسم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى ﴾ أيْ: والقادِرِ العَظِيمِ القُدْرَةِ الَّذِي خَلَقَ صِنْفَيِ الذَّكَرَ والأُنْثى مِنَ الحَيَوانِ المُتَّصِفِ بِذَلِكَ وقِيلَ: مِن بَنِي آدَمَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ والكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالذِّكْرِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبِالأُنْثى حَوّاءُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، وأيًّا ما كانَ فَما مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى مَن، وأُوثِرَتْ عَلَيْها لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ عَلى ما سَمِعْتَ وتَحْتَمِلُ المَصْدَرِيَّةَ ولَيْسَ بِذاكَ.

وقُرِئَ: «والَّذِي خَلَقَ».

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: «والذَّكَرَ والأُنْثى» وتَبِعَهُ ابْنُ عَبّاسٍ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِ بَغْدادَ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنْهُ ونُسِبَتْ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.

وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم مِن «عَلْقَمَةَ أنَّهُ قَدِمَ الشّامَ فَجَلَسَ إلى أبِي الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ لَهُ أبُو الدَّرْداءِ: مِمَّنْ أنْتَ؟

فَقالَ: مِن أهْلِ الكُوفَةِ قالَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقْرَأُ: ﴿ واللَّيْلِ إذا يَغْشى ﴾ ؟

قالَ عَلْقَمَةُ: «والذَّكَرَ والأُنْثى» فَقالَ أبُو الدَّرْداءِ: أشْهَدُ أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقْرَأُ هَكَذا، وهَؤُلاءِ يُرِيدُونِي عَلى أنْ أقْرَأ: وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى واللَّهِ لا أُتابِعُهم» وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ مَنقُولَةٌ آحادًا لا تَجُوزُ القِراءَةُ بِها لَكِنَّها بِالنِّسْبَةِ إلى مَن سَمِعَها مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حُكْمِ المُتَواتِرَةِ نُجَوِّزُ قِراءَتَهُ بِها، وذَكَرَ ثَعْلَبٌ أنَّ مِنَ السَّلَفِ مَن قَرَأ: «وما خَلَقَ الذَّكَرِ» بِجَرِّ الرّاءِ وحَكاها الزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ وخَرَّجُوا ذَلِكَ عَلى البَدَلِ مِن «ما» بِمَعْنى: وما خَلَقَهُ اللَّهُ؛ أيْ: ومَخْلُوقِ اللَّهِ الذَّكَرِ والأُنْثى.

قِيلَ: وقَدْ يُخَرَّجُ عَلى تَوَهُّمِ المَصْدَرِ بِناءً عَلى مَصْدَرِيَّةِ ما؛ أيْ: وخَلْقِ الذَّكَرِ والأُنْثى كَما في قَوْلِهِ: تَطُوفُ العُفاةُ بِأبْوابِهِ كَما طافَ بِالبِيعَةِ الرّاهِبِ بِجَرِّ الرّاهِبِ عَلى تَوَهُّمِ النُّطْقِ بِالمَصْدَرِ؛ أيْ: كَطَوافِ الرّاهِبِ بِالبَيْعَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تفسير سورة «اللّيل»

وهي مكّيّة في قول الجمهور

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢)

أقسَمَ تعالى بالليل إذا غَشِيَ الأرضَ وجميعَ ما فيها، وبالنهارِ إذا تَجَلَّى، أي: ظهَرَ وضَوَّى الآفاقَ، وقال- ص-: يَغْشى: مفعولهُ محذوفٌ فيحتملُ أنْ يكونَ النهارَ كقوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ [الأعراف: ٥٤] أو الشمس كقوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها [الشمس: ٤] وقيل الأرض وما فيها، انتهى.

وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧)

وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢)

وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (١٤)

وقوله تعالى: وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى يحتملُ أنْ تكونَ «ما» بمعنى: «الذي» ويحتملُ أَنْ تكونَ مصدريةً، والذكرُ والأنثى هنا عامٌّ، وقال الحسن: المرادُ آدمُ وحواء «١» ، والسَّعْيُ العَمَلُ، فأخبرَ تعالى مُقْسِماً أَنَّ أعمالَ العبادِ شَتَّى، أي: متفرقة جدًّا بعضُها في رِضَى اللَّهِ، وبعضها في سَخَطِه، ثم قَسَّم تعالى الساعينَ فقال: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى الآية، ويُروى أن هذهِ الآيَة نزلتْ في أبي بكرٍ الصديقِ- رضي اللَّه عنه-.

وقوله تعالى: وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى قيل هي: لا إله إلا اللَّه، وقيل: هي الخَلَفُ الذي وَعَدَ اللَّه بهِ، وقيل: هي الجنةُ، وقال كثيرٌ من المتأولينَ: الحسنى: الأجرُ والثوابُ مُجْمَلاً، والعُسْرَى: الحال السيئة في الدنيا والآخرة، ومن جَعل بَخِلَ في المالِ خَاصَّةً جَعَلَ اسْتَغْنى في المالِ أيضاً، لتَعْظُمَ المَذَمَّةُ، ومَنْ جَعَلَ بَخِلَ عَامًّا في جَمِيعِ مَا يَنْبَغِي أن يبْذَلَ، مِنْ قَولٍ أو فعلٍ قال: اسْتَغْنى عن اللَّهِ ورحمتهِ بِزَعْمِه، وظاهرُ قوله:

وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ أَنَّ الإعطاءَ والبخلَ المذكورين إنما هما في المال.

وقوله تعالى: إِذا تَرَدَّى، قال قتادة وغيره: معناه تردَّى في جهنم «١» .

وقال مجاهد: تَرَدَّى معناه: هَلَكَ من الردَّى «٢» ، وخَرَّج البخاريُّ وغيرُه عن علي- رضي اللَّه عنه- قال: «كُنَّا مع النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في بَقِيعِ الغَرْقَدِ في جِنَازَةٍ، فقالَ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، أوْ مَا/ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلاَّ وَقَدْ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإلاَّ قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، أفَلاَ نتَّكِلُ على كِتَابِنَا، وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إلى أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَسَيَصِيرُ إلى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاءِ؟

قال: أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ، فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ، فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى إلى قوله:

لِلْعُسْرى» وفي روايةٍ، لَمَا قيلَ له: أفَلاَ نتَّكِلُ على كِتَابِنَا، قال: لاَ بَلِ اعملوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» الحديثَ، وخرَّجه الترمذيُّ أيضاً، انتهى، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» :

«وسأل شابّان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فَقَالاَ: العَملُ فِيما جَفَّتْ بهِ الأَقْلاَمُ وجَرَتْ بهِ المَقَادِيرُ أَمْ في شَيْءٍ مُسْتَأْنَفٍ؟

فقال: بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلاَمُ، وجَرَتْ بِهِ المَقَادِيرُ، قَالاَ: فَفِيمَ العَمَلُ إذَنْ: قَالَ: اعملوا فَكُلُّ مُيسَّر لِعَمَلِهِ الَّذِي خُلِقَ له» قالا: فالآنَ نَجِدُّ ونَعْمَلُ» «٣» انتهى، وقال قوم: معنى تردى، أي: بأكْفَانِهِ مِنَ الرِّدَاءِ ومنه قول الشاعر: [الطويل]

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

(قوله) (١) ﴿ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ﴾ قال الكلبي: والذي خلق (٢) (٣) وقال مقاتل: يعني: وخلْق الذكر والأنثى (٤) وعلى هذا "مَا" للمصدر، -وقد فسرنا هذا في مواضع (٥) (٦) (٧) وقال مقاتل (٨) (٩) (١٠) وجواب القسم قوله تعالى: (١) ساقط من: (ع).

(٢) "فتح القدير" 5/ 452.

(٣) المرجع السابق، وانظر: "جامع البيان" 30/ 218، و"الكشف والبيان" 13/ 102 أ، و"النكت والعيون" 6/ 286، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 80 - 81، و"الدر المنثور" 8/ 534 وعزاه إلى ابن أبي حاتم، و"تفسير الحسن البصري" 2/ 425.

(٤) "فتح القدير" 5/ 452.

(٥) يراجع في ذلك سورة الشمس: 5، 7، قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ وهو مذهب الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 332.

وانظر: كتاب "معاني الحروف" للزجاجي ص 55.

(٦) في (ع): (الذكور والإناث).

(٧) والقول بالعموم من كل ذكر وأنثى قال به الماوردي في "النكت والعيون" 6/ 287، وأبو حيان في "البحر المحيط" 8/ 483، والشوكاني في "فتح القدير" 5/ 452.

(٨) "معالم التنزيل" 4/ 494، و"زاد المسير" 8/ 262، و"فتح القدير" 5/ 452.

(٩) المراجع السابقة، وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 82، و"البحر المحيط" 8/ 483، و"فتح القدير" 5/ 452، وبه قال الحسن، و"المحرر الوجيز" 5/ 490، وابن عباس في: "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 82.

(١٠) ساقط من (أ).

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأقسم بخلقه النوعين: الذكر والأنثى.

<div class="verse-tafsir" id="91.EXJO9"

مزيد من التفاسير لسورة الليل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله