تفسير الآية ٦ من سورة الضحى

الإسلام > القرآن > سور > سورة 93 الضحى > الآية ٦ من سورة الضحى

أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًۭا فَـَٔاوَىٰ ٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 21 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٦ من سورة الضحى من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٦ من سورة الضحى عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى يعدد نعمه على عبده ورسوله محمد ، صلوات الله وسلامه عليه : ( ألم يجدك يتيما فآوى ) وذلك أن أباه توفي وهو حمل في بطن أمه ، وقيل : بعد أن ولد ، عليه السلام ، ثم توفيت أمه آمنة بنت وهب وله من العمر ست سنين .

ثم كان في كفالة جده عبد المطلب ، إلى أن توفي وله من العمر ثمان سنين ، فكفله عمه أبو طالب .

ثم لم يزل يحوطه وينصره ويرفع من قدره ويوقره ، ويكف عنه أذى قومه بعد أن ابتعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره ، هذا وأبو طالب على دين قومه من عبادة الأوثان ، وكل ذلك بقدر الله وحسن تدبيره ، إلى أن توفي أبو طالب قبل الهجرة بقليل ، فأقدم عليه سفهاء قريش وجهالهم ، فاختار الله له الهجرة من بين أظهرهم إلى بلد الأنصار من الأوس والخزرج ، كما أجرى الله سنته على الوجه الأتم والأكمل .

فلما وصل إليهم آووه ونصروه وحاطوه وقاتلوا بين يديه ، رضي الله عنهم أجمعين ، وكل هذا من حفظ الله له وكلاءته وعنايته به .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ) يقول تعالى ذكره معدّدا على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم نعمه عنده، ومذكِّره آلاءه قِبَله: ألم يجدك يا محمد ربك يتيمًا فآوى، يقول: فجعل لك مأوى تأوي إليه، ومنـزلا تنـزله .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ألم يجدك يتيما فآوى عدد سبحانه مننه على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال : ألم يجدك يتيما لا أب لك قد مات أبوك .

فآوى أي جعل لك مأوى تأوي إليه عند عمك أبي طالب ، فكفلك .

وقيل لجعفر بن محمد الصادق : لم أوتم النبي - صلى الله عليه وسلم - من أبويه ؟

فقال : لئلا يكون لمخلوق عليه حق .

وعن مجاهد : هو من قول العرب : درة يتيمة إذا لم يكن لها مثل .

فمجاز الآية : ألم يجدك واحدا في شرفك لا نظير لك ، فآواك الله بأصحاب يحفظونك ويحوطونك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى } أي: وجدك لا أم لك، ولا أب، بل قد مات أبوه وأمه وهو لا يدبر نفسه، فآواه الله، وكفله جده عبد المطلب، ثم لما مات جده كفله الله عمه أبا طالب، حتى أيده بنصره وبالمؤمنين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم أخبره الله - عز وجل - عن حالته التي كان عليها قبل الوحي ، وذكره نعمه فقال جل ذكره : ( ألم يجدك يتيما فآوى ) أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي فقال : أنبأني عبد الله بن حامد الأصفهاني ، أخبرنا محمد بن عبد الله النيسابوري ، حدثنا محمد بن عيسى أنا أبو عمرو الجويني وأبو الربيع الزهراني قالا حدثنا حماد بن زيد عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته ، قلت : يا رب إنك آتيت سليمان بن داود ملكا عظيما ، وآتيت فلانا كذا وآتيت فلانا كذا ؟

قال : يا محمد ألم أجدك يتيما فآويتك ؟

قلت : بلى ، أي رب [ قال : ألم أجدك ضالا فهديتك ؟

قلت : بلى أي رب ، قال : ألم أجدك عائلا فأغنيتك ؟

قلت : بلى أي رب " ، وزاد غيره عن حماد قال : ألم أشرح لك صدرك ووضعت عنك وزرك ؟

قلت : بلى أي رب ] .

ومعنى الآية : ألم يجدك يتيما صغيرا فقيرا حين مات أبواك ولم يخلفا لك مالا ولا مأوى ، فجعلت لك مأوى تأوي إليه ، وضممتك إلى عمك أبي طالب حتى أحسن تربيتك وكفاك المؤنة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ألم يجدك» استفهام تقرير أي وجدك «يتيما» بفقد أبيك قبل ولادتك أو بعدها «فآوى» بأن ضمك إلى عمك أبي طالب.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ألم يَجِدْك من قبلُ يتيمًا، فآواك ورعاك؟

ووجدك لا تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فعلَّمك ما لم تكن تعلم، ووفقك لأحسن الأعمال؟

ووجدك فقيرًا، فساق لك رزقك، وأغنى نفسك بالقناعة والصبر؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم عدد - سبحانه - نعمه على نبيه صلى الله عليه وسلم فقال : ( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى .

.

) .والاستفهام هنا للتقرير : واليتيم : هو من فقد أباه وهو صغير .أى : لقد كنت - أيها الرسول الكريم - يتيما ، حيث مات أبوك وأنت فى بطن أمك ، فآواك الله - تعالى - بفضله وكرمه ، وتعهدك برعايته وحمايته وعصمته ، وسخر لك جدك عبد المطلب ليقوم بكفالتك ، ومن بعده سخر لك عمك أبا طالب ، حيث تولى رعايتك والدفاع عنك قبل الرسالة وبعدها ، إلى أن مات .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: أن اتصاله بما تقدم هو أنه تعالى يقول: ألم يجدك يتيماً فقال الرسول: بلى يا رب، فيقول: انظر (أ) كانت طاعاتك في ذلك الوقت أكرم أم الساعة؟

فلابد من أن يقال: بل الساعة فيقول الله: حين كنت صبياً ضعيفاً ما تركناك بل ربيناك ورقيناك إلى حيث صرت مشرفاً على شرفات العرش وقلنا لك: لولاك ما خلقنا الأفلاك، أتظن أنا بعد هذه الحالة نهجرك ونتركك.

المسألة الثانية: ألم يجدك من الوجود الذي بمعنى العلم، والمنصوبان مفعولا وجد والوجود من الله، والمعنى ألم يعلمك الله يتيماً فآوى، وذكروا في تفسير اليتيم أمرين الأول: أن عبد الله بن عبد المطلب فيما ذكره أهل الأخبار توفي وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم حامل به، ثم ولد رسول الله فكان مع جده عبد المطلب ومع أمه آمنة، فهلكت أمه آمنة وهو ابن ست سنين فكان مع جده، ثم هلك جده بعد أمه بسنتين ورسول الله ابن ثمان سنين.

وكان عبد المطلب يوصي أبا طالب به لأن عبد الله وأبا طالب كانا من أم واحدة، فكان أبو طالب هو الذي يكفل رسول الله بعد جده إلى أن بعثه الله للنبوة، فقام بنصرته مدة مديدة، ثم توفي أبو طالب بعد ذلك فلم يظهر على رسول الله يتم ألبتة فأذكره الله تعالى هذه النعمة، روى أنه قال أبو طالب يوماً لأخيه العباس: ألا أخبرك عن محمد بما رأيت منه؟

فقال: بلى فقال: إني ضممته إلي فكيف لا أفارقه ساعة من ليل ولا نهار؛ ولا أأتمن عليه أحداً حتى أني كنت أنومه في فراشي، فأمرته ليلة أن يخلع ثيابه وينام معي، فرأيت الكراهة في وجهه لكنه كره أن يخالفني، وقال: يا عماه اصرف بوجهك عني حتى أخلع ثيابي إذ لا ينبغي لأحد أن ينظر إلى جسدي، فتعجبت من قوله وصرفت بصري حتى دخل الفراش فلما دخلت معه الفراش إذا بيني وبينه ثوب والله ما أدخلته فراشي فإذا هو في غاية اللين وطيب الرائحة كأنه غمس في المسك، فجهدت لأنظر إلى جسده فما كنت أرى شيئاً وكثيراً ما كنت أفتقده من فراشي فإذا قمت لأطلبه ناداني ها أنا يا عم فارجع، ولقد كنت كثيراً ما أسمع منه كلاماً يعجبني وذلك عند مضي الليل وكنا لا نسمي على الطعام والشراب ولا نحمده بعده، وكان يقول في أول الطعام: بسم الله الأحد.

فإذا فرغ من طعامه قال: الحمدلله، فتعجبت منه، ثم لم أر منه كذبة ولا ضحكاً ولا جاهلية ولا وقف مع صبيان يلعبون.

واعلم أن العجائب المروية في حقه من حديث بحيرى الراهب وغيره مشهورة.

التفسير الثاني لليتيم: أنه من قولهم درة يتيمة، والمعنى ألم يجدك واحداً في قريش عديم النظير فآواك؟

أي جعل لك من تأوي إليه وهو أبو طالب، وقرئ فأوى وهو على معنيين: إما من أواه بمعنى آواه، وإما من أوى له إذا رحمه، وهاهنا سؤالان: السؤال الأول: كيف يحسن من الجود أن يمن بنعمة، فيقول: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فاوى ﴾ ؟

والذي يؤكد هذا السؤال أن الله تعالى حكى عن فرعون أنه قال: ﴿ أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً  ﴾ في معرض الذم لفرعون، فما كان مذموماً من فرعون كيف يحسن من الله؟

الجواب: أن ذلك يحسن إذا قصد بذلك أن يقوي قلبه ويعده بدوام النعمة، وبهذا يظهر الفرق بين هذا الامتنان وبين امتنان فرعون، لأن امتنان فرعون محبط، لأن الغرض فما بالك لا تخدمني، وامتنان الله بزيادة نعمه، كأنه يقول: مالك تقطع عني رجاءك ألست شرعت في تربيتك، أتظنني تاركاً لما صنعت، بل لابد وأن أتمم عليك وعلى أمتك النعمة، كما قال: ﴿ وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى  ﴾ أما علمت أن الحامل التي تسقط الولد قبل التمام معيبة ترد، ولو أسقطت أو الرجل أسقط عنها بعلاج تجب الغرة وتستحق الذم، فكيف يحسن ذلك من الحي القيوم، فما أعظم الفرق بين مان هو الله، وبين مان هو فرعون، ونظيره ما قاله بعضهم: ﴿ ثلاثة رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ  ﴾ في تلك الأمة، وفي أمة محمد: ﴿ مَا يَكُونُ مِن نجوى ثلاثة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ  ﴾ فشتان بين أمة رابعهم كلبهم، وبين أمة رابعهم ربهم.

السؤال الثاني: أنه تعالى منّ عليه بثلاثة أشياء، ثم أمره بأن يذكر نعمة ربه، فما وجه المناسبة بين هذه الأشياء؟

الجواب: وجه المناسبة أن نقول: قضاء الدين واجب، ثم الدين نوعان مالي وإنعامي والثاني: أقوى وجوباً، لأن المالي قد يسقط بالإبراء والثاني: يتأكد بالإبراء، والمالي يقضي مرة فينجو الإنسان منه والثاني: يجب عليك قضاؤه طول عمرك، ثم إذا تعذر قضاء النعمة القليلة من منعم هو مملوك، فكيف حال النعمة العظيمة من المنعم العظيم، فكأن العبد يقول: إلهي أخرجتني من العدم إلى الوجود بشراً سوياً، طاهر الظاهر نجس الباطن، بشارة منك أن تستر على ذنوبي بستر عفوك، كما سترت نجاستي بالجلد الظاهر، فكيف يمكنني قضاء نعمتك التي لا حد لها ولا حصر؟

فيقول تعالى الطريق إلى ذلك أن تفعل في حق عبيدي ما فعلته في حقك، كنت يتيماً فآويتك فافعل في حق الأيتام ذلك، وكنت ضالاً فهديتك فافعل في حق عبيدي ذلك، وكنت عائلاً فأغنيتك فافعل في حق عبيدي ذلك ثم إن فعلت كل ذلك فاعلم أنك إنما فعلتها بتوفيقي لك ولطفي وإرشادي، فكن أبداً ذاكراً لهذه النعم والألطاف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: كيف اتصل قوله: ﴿ وَلَلأَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى (4) ﴾ بما قبله؟

قلت: لما كان في ضمن نفي التوديع والقلي: أنّ الله مواصلك بالوحي إليك، وأنك حبيب الله ولا ترى كرامة أعظم من ذلك ولا نعمة أجلّ منه: أخبره أن حاله في الآخرة أعظم من ذلك وأجل، وهو السبق والتقدّم على جميع أنبياء الله ورسله، وشهادة أمته على سائر الأمم، ورفع درجات المؤمنين وإعلاء مراتبهم بشفاعته، وغير ذلك من الكرامات السنية ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى ﴾ موعد شامل لما أعطاه الله في الدنيا من الفلج والظفر بأعدائه يوم بدر ويوم فتح مكة، ودخول الناس في الدين أفواجاً، والغلبة على قريظة والنضير وإجلائهم، وبثّ عساكره وسراياه في بلاد العرب، وما فتح على خلفائه الراشدين في أقطار الأرض من المدائن وهدم بأيديهم من ممالك الجبابرة وأنهبهم من كنوز الأكاسرة، وما قذف في قلوب أهل الشرق والغرب من الرعب وتهيب الإسلام، وفشوّ الدعوة واستيلاء المسلمين، ولما ادّخر له من الثواب الذي لا يعلم كنهه إلاّ الله.

قال ابن عباس رضي لله عنهما: له في الجنة ألف قصر من لؤلؤ أبيض ترابه المسك.

فإن قلت: ما هذه اللام الداخلة على سوف؟

قلت: هي لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، والمبتدأ محذوف.

تقديره: ولأنت سوف يعطيك، كما ذكرنا في: لا أقسم، أن المعنى: لأنا أقسم؛ وذلك أنها لا تخلو من أن تكون لام قسم أو ابتداء فلام القسم لا تدخل على المضارع إلاّ مع نون التأكيد، فبقي أن تكون لام ابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلاّ على الجملة من المبتدأ والخبر، فلا بد من تقدير مبتدإ وخبر، وأن يكون أصله: ولأنت سوف يعطيك.

فإن قلت: ما معنى الجمع بين حرفي التوكيد والتأخير؟

قلت: معناه أن العطاء كائن لا محالة وإن تأخّر، لما في التأخير من المصلحة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى ﴾ فَإنَّها باقِيَةٌ خالِصَةٌ عَنِ الشَّوائِبِ وهَذِهِ فانِيَةٌ مَشُوبَةٌ بِالمَضارِّ، كَأنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَزالُ يُواصِلُهُ بِالوَحْيِ والكَرامَةِ في الدُّنْيا وعَدَ لَهُ ما هو أعْلى وأجَلُّ مِن ذَلِكَ في الآخِرَةِ، أوْ لَنِهايَةُ أمْرِكَ خَيْرٌ مِن بِدايَتِهِ، فَإنَّهُ  لا يَزالُ يَتَصاعَدُ في الرِّفْعَةِ والكَمالِ.

﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ﴾ وعْدٌ شامِلٌ لِما أعْطاهُ مِن كَمالِ النَّفْسِ وظُهُورِ الأمْرِ وإعْلاءِ الدِّينِ، ولِما ادَّخَرَ لَهُ مِمّا لا يَعْرِفُ كُنْهَهُ سِواهُ، واللّامُ لِلِابْتِلاءِ دَخَلَ الخَبَرُ بَعْدَ حَذْفِ المُبْتَدَأِ والتَّقْدِيرُ: ولَأنْتَ سَوْفَ يُعْطِيكَ لا لِلْقَسَمِ فَإنَّها لا تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ إلّا مَعَ النُّونِ المُؤَكِّدَةِ، وجَمْعُها مَعَ سَوْفَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الإعْطاءَ كائِنٌ لا مَحالَةَ وإنْ تَأخَّرَ لِحِكْمَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً} وهو من الوجود الذي بمعنى العلم والمنصوبان مفعولاه والمعنى ألم تكن يتيماً حين مات أبواك {فاوى} أي فآواك إلى عمك أبي طالب وضمك إليه حتى كفلك ورباك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى ﴾ تَعْدِيلٌ لِما أفاضَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أوَّلِ أمْرِهِ إلى وقْتِ النُّزُولِ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ العِظامِ لِيَسْتَشْهِدَ بِالخاصِّ المَوْجُودِ عَلى المُتَرَقَّبِ المَوْعُودِ فَيَزْدادُ قَلْبُهُ الشَّرِيفُ وصَدْرُهُ الرَّحِيبُ طُمَأْنِينَةً وسُرُورًا وانْشِراحًا وحُبُورًا؛ ولِذا فُصِلَتِ الجُمْلَةُ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ النَّفْيِ وتَقْرِيرِ النَّفْيِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ وجَدَكَ...

إلَخْ.

ووَجَدْتُهُ عَلى ما قالَ الرَّضِيُّ بِمَعْنى أصَبْتُهُ عَلى صِفَةٍ ويُرادُ بِالوُجُودِ فِيهِ العِلْمُ مَجازًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ.

وفِي مُفْرَداتِ الرّاغِبِ: لِوُجُودِ اضْرِبْ وُجُودٌ بِالحَواسِّ الظّاهِرَةِ، ووُجُودٌ بِالقُوى الباطِنَةِ، ووُجُودٌ بِالعَقْلِ، وما نُسِبَ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ الوُجُودِ فَبِمَعْنى العِلْمِ المُجَرَّدِ؛ إذْ كانَ اللَّهُ تَعالى مُنَزَّهًا عَنِ الوَصْفِ بِالجَوارِحِ والآلاتِ، وقَدْ فَسَّرَهُ بَعْضُهم هُنا بِالعِلْمِ وجَعَلَ مَفْعُولَهُ الأوَّلَ الضَّمِيرَ ومَفْعُولَهُ الثّانِيَ: ﴿ يَتِيمًا ﴾ وبَعْضُهم بِالمُصادَفَةِ وجَعَلَهُ مُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ فَ ﴿ يَتِيمًا ﴾ حالًا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُصادَفَةَ لا تَصِحُّ في حَقِّهِ تَعالى؛ لِأنَّها مُلاقاةٌ ما لَمْ يَكُنْ في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَقْدِيرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، فَلا بُدَّ مِنَ التَّجَوُّزِ بِها عَنْ تَعَلُّقِ عِلْمِهِ عَزَّ وجَلَّ بِذَلِكَ.

والَيْتُمُ انْقِطاعُ الصَّبِيِّ عَنْ أبِيهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ، والإيواءُ ضَمُّ الشَّيْءِ إلى آخَرَ.

يُقالُ: آوى إلَيْهِ فُلانًا؛ أيْ: ضَمَّهُ إلى نَفْسِهِ؛ أيْ: ألَمْ يُعَلِّمْكَ طِفْلًا لا أبا لَكَ فَضَمَّكَ إلى مَن قامَ بِأمْرِكَ.

رُوِيَ أنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ بَعَثَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ أبا رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَمْتارُ تَمْرًا مِن يَثْرِبَ فَتُوُفِّيَ ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جَنِينٌ قَدْ أتَتْ عَلَيْهِ سِتَّةُ أشْهُرٍ فَلَمّا وضَعَتْهُ كانَ في حِجْرِ جَدِّهِ مَعَ أُمِّهِ فَماتَتْ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ابْنُ سِتِّ سِنِينَ، ولَمّا بَلَغَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثَمانِيَ سِنِينَ ماتَ جَدُّهُ فَكَفَلَهُ عَمُّهُ الشَّفِيقُ الشَّقِيقُ أبُو طالِبٍ بِوَصِيَّةٍ مِن أبِيهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأحْسَنَ تَرْبِيَتَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وفي الكَشّافِ: ماتَتْ أُمُّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو ابْنُ ثَمانِي سِنِينَ فَكَفَلَهُ عَمُّهُ وكانَ شَدِيدَ الِاعْتِناءِ بِأمْرِهِ إلى أنَّ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى وكانَ يَرى مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في صِغَرِهِ ما لَمْ يَرَ مِن صَغِيرٍ.

رُوِيَ أنَّهُ قالَ يَوْمًا لِأخِيهِ العَبّاسِ: ألا أُخْبِرُكَ عَنْ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما رَأيْتُ مِنهُ.

فَقالَ: بَلى.

قالَ: إنِّي ضَمَمْتُهُ إلَيَّ فَكُنْتُ لا أُفارِقُهُ ساعَةً مِن لَيْلٍ ولا نَهارٍ ولَمْ أئْتَمِن عَلَيْهِ أحَدًا حَتّى أنِّي كُنْتُ أُنَوِّمُهُ في فِراشِي، فَأمَرْتُهُ لَيْلَةً أنْ يَخْلَعَ ثِيابَهُ ويَنامَ مَعِي فَرَأيْتُ الكَراهِيَةَ في وجْهِهِ وكَرِهَ أنْ يُخالِفَنِي فَقالَ: يا عَمّاهُ، اصْرِفْ وجْهَكَ عَنِّي حَتّى أخْلَعَ ثِيابِي؛ إنِّي لا أُحِبُّ أنْ تَنْظُرَ إلى جَسَدِي، فَتَعَجَّبْتُ مِن قَوْلِهِ وصَرَفْتُ بَصَرِي حَتّى دَخَلَ الفِراشَ، فَلَمّا دَخَلْتُ مَعَهُ الفِراشَ إذا بَيْنِي وبَيْنَهُ ثَوْبٌ، واللَّهِ ما أدْخَلْتُهُ في فِراشِي، فَإذا هو في غايَةِ اللِّينِ وطِيبِ الرّاحَةِ، كَأنَّهُ غُمِسَ في المِسْكِ، فَجَهَدْتُ لِأنْظُرَ إلى جَسَدِهِ فَما كُنْتُ أرى شَيْئًا وكَثِيرًا ما كُنْتُ أفْقِدُهُ مِن فِراشِي فَإذا قُمْتُ لِأطْلُبَهُ نادانِي: ها أنا يا عَمُّ فارْجِعْ، وكُنْتُ كَثِيرًا ما أسْمَعُ مِنهُ كَلامًا يُعْجِبُنِي وذَلِكَ عِنْدَ ما مَضى بَعْضُ اللَّيْلِ وكُنّا لا نُسَمِّي عَلى الطَّعامِ والشَّرابِ ولا نَحْمَدُ وكانَ يَقُولُ في أوَّلِ الطَّعامِ: بِسْمِ اللَّهِ الأحَدِ، فَإذا فَرَغَ مِن طَعامِهِ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَكُنْتُ أعْجَبُ مِنهُ ولَمْ أرَ مِنهُ كِذْبَةً ولا ضَحِكًا ولا جاهِلِيَّةً ولا وقَفَ مَعَ الصِّبْيانِ وهم يَلْعَبُونَ وهَذا لَعَمْرِي غَيْضٌ مِن فَيْضٍ: فِي المَهْدِ يُعْرِبُ عَنْ سَعادَةِ جَدِّهِ أثَرُ النَّجابَةِ ساطِعُ البُرْهانِ وقِيلَ: المَعْنى: ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا أبَتْكَ المَراضِعُ فَآواكَ مِن مُرْضِعَةٍ تَحْنُو عَلَيْكَ بِأنْ رَزَقَها بِصُحْبَتِكَ الخَيْرَ والبَرَكَةَ حَتّى أحَبَّتْكَ وتَكَفَّلَتْكَ، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا سَتَعْلَمُهُ بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ عَلى ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ يَتِيمًا مِن قَوْلِهِمْ: دُرَّةٌ يَتِيمَةٌ، والمَعْنى: ألَمْ يَجِدْكَ واحِدًا في قُرَيْشٍ عَدِيمَ النَّظِيرِ فَآواكَ، والأوْلى عَلَيْهِ أنْ يُقالَ: ألَمْ يَجِدْكَ واحِدًا عَدِيمَ النَّظِيرِ في الخَلِيقَةِ لَمْ يَحْوِ مِثْلَكَ صَدَفُ الإمْكانِ فَآواكَ إلَيْهِ وجَعَلَكَ في حَقِّ اصْطِفائِهِ.

وقَرَأ أبُو الأشْعَثِ: «فَأوى» ثُلاثِيًّا فَجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن أواهُ بِمَعْنى آواهُ، وأنْ يَكُونَ مِن أوى لَهُ؛ أيْ: رَحِمَهُ ومَصْدَرُهُ أياوايَةٌ وماوِيَّةٌ وماوِيَةٌ، وتَحْقِيقُهُ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ؛ أيْ: رَجَعَ إلَيْهِ بِقَلْبِهِ ومِنهُ قَوْلُهُ: أوْ أنِّي ولا كُفْرانَ لِلَّهِ أيَّةً <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هو كذلك عطف على جملة القسم كلها وحرف الاستقبال لإفادة أن هذا العطاء الموعود به مستمر لا ينقطع كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ قال سوف أستغفر لكم ربي ﴾ في سورة يوسف (98) وقوله: ﴿ ولسوف يرضى ﴾ في سورة الليل (21).

وحذف المفعول الثاني ليعطيك} ليعمّ كل ما يرجوه صلى الله عليه وسلم من خير لنفسه ولأمته فكان مفاد هذه الجملة تعميم العطاء كما أفادت الجملة قبلها تعميم الأزمنة.

وجيء بفاء التعقيب في ﴿ فترضى ﴾ لإفادة كون العطاءِ عاجلَ النفع بحيث يحصل به رضى المعطَى عند العطاء فَلا يترقب أن يحصل نفعه بعد تَربص.

وتعريف ﴿ ربك ﴾ بالإضافة دون اسم الله العَلَم لما يؤذن به لفظ (رب) من الرأفة واللطف، وللتوسل إلى إضافته إلى ضمير المخاطب لما في ذلك من الإِشعار بعنايته برسوله وتشريفه بإضافة رَب إلى ضميره.

وهو وعد واسع الشمول لما أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم من النصر والظَفر بأعدائه يوم بدر ويوم فتح مكة، ودخول الناس في الدين أفواجاً وما فُتح على الخلفاء الراشدين ومَن بعدهم من أقطار الأرض شرقاً وغرباً.

واعلم أن اللام في ﴿ وللآخرة خير ﴾ [الضحى: 4] وفي ﴿ ولسوف يعطيك ﴾ جزَم صاحب «الكشاف» بأنه لام الابتداء وقدر مبتدأ محذوفاً.

والتقدير: ولأنت سوف يعطيك ربك.

وقال: إن لام القسم لا تدخل على المضارع إلا مع نون التوكيد وحيث تعين أن اللام لام الابتداء ولام الابتداء لا تدخل إلا على جملة من مبتدأ وخبر تعين تقدير المبتدأ.

واختار ابن الحاجب أن اللام في ﴿ ولسوف يعطيك ربك ﴾ لام التوكيد (يعني لام جواب القسم).

ووافقه ابن هشام في «مغني اللبيب» وأشعر كلامه أن وجود حرف التنفيس مانع من لحاق نون التَوكيد ولذلك تجب اللام في الجملة.

وأقول في كون وجود حرف التنفيس يوجب كون اللاّم لام جواب قسم محلّ نظر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ﴾ روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي -  - قال: "سألت الله مسألة ووددت (١) (٢) قال عطاء عن ابن عباس: يريد فضمك إلى عمك أبي طالب حتى صرت رجلاً (٣) (٤) فقال (٥) (٦) (٧) ثم ذكر نعمة أخرى فقال: (١) في (ع): ووجدت.

(٢) وردت الرواية في: "الكشف والبيان" 13/ 108 أبمعناه، و"معالم التنزيل" 4/ 499، و"الدر المنثور" 8/ 544، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وأبو نعيم، والبيهقي كلاهما في الدلائل، وابن مردويه، وابن عساكر بمعناه، و"فتح القدير" 5/ 460، وانظر: "المستدرك" بالمعنى 2/ 526، كتاب التفسير: تفسير سورة الضحى ووافقه الذهبي.

كما رواه الطبراني في "الكبير" 11/ 455: ح 12289، والأوسط وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط.

قاله الهيثمي: "مجمع الزوائد" 8/ 254، كتاب علامات النبوة: باب عظم قدره -  -، وانظر: الديلمي في "فردوس الأخبار" 2/ 438 ح 3218.

(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٤) "تفسير مقاتل" 2/ 243، و"النكت والعيون" 6/ 293، و"زاد المسير" 8/ 269.

(٥) في (ع): (وقال).

(٦) أي الثعلبي.

(٧) انظر: "الكشف والبيان" 13/ 108 أباختصار يسير.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والضحى ﴾ ذكر في الشمس وضحاها ﴿ والليل إِذَا سجى ﴾ فيه أربعة أقوال: أذ أقبل، وإذا أدبر، وإذا أظلم، وإذا سكن أي استقر واستوى، أو سكن فيه الناس والأصوات، ومنه: ليلة ساجية إذا كانت ساكنة الريح، وطرف ساج أو ساكن غير مضطرب النظر.

وهذا أقرب في الاشتقاق وهو اختيار ابن عطية ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى ﴾ بتشديد الدال من الوداع وقرئ بتخفيفها بمعنى: ما تركك والوداع مبالغة في الترك ﴿ وَمَا قلى ﴾ أي ما أبغضك، وحذف ضمير المفعول من قلى وآوى وهدى وأغنى اختصاراً، لظهور المعنى ولموافقة رؤوس الآي.

وسبب الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبطأ عليه الوحي، فقالت قريش: إن محمداً ودعه ربه وقلاه، فنزلت الآية تكذيباً لهم وقيل: رمي عليه الصلاة والسلام بحجر في أصبعه فدميت فمكث ليلتين أو ثلاثاً لا يقوم، فقالت امرأة: ما أرى شيطان محمد إلا قد تركه فنزلت الآية ﴿ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى ﴾ أي الدار الآخرة خير لك من الدنيا، قال ابن عطية: ويحتمل أن يريد بالآخرة حاله بعد نزول هذه السورة، ويريد بالأولى حالة نزولها، وهذا بعيد والأول أظهر وأشهر.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لقد وجدك صغيرًا قد مات عنك أبوك، فجعل لك ماوى، حيث عطف عليك جدك عبد المطلب، ثم عمّك أبو طالب.

<div class="verse-tafsir" id="91.Rd1pG"

مزيد من التفاسير لسورة الضحى

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله