الإسلام > القرآن > سور > سورة 94 الشرح > الآية ١ من سورة الشرح
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 98 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١ من سورة الشرح: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
تفسير سورة ألم نشرح وهي مكية .
يقول تعالى : ( ألم نشرح لك صدرك ) يعني : أما شرحنا لك صدرك ، أي : نورناه وجعلناه فسيحا رحيبا واسعا كقوله : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) [ الأنعام : 125 ] ، وكما شرح الله صدره كذلك جعل شرعه فسيحا واسعا سمحا سهلا لا حرج فيه ولا إصر ولا ضيق .
وقيل : المراد بقوله : ( ألم نشرح لك صدرك ) شرح صدره ليلة الإسراء ، كما تقدم من رواية مالك بن صعصعة ، وقد أورده الترمذي هاهنا .
وهذا وإن كان واقعا ، ولكن لا منافاة ، فإن من جملة شرح صدره الذي فعل بصدره ليلة الإسراء ، وما نشأ عنه من الشرح المعنوي أيضا ، والله أعلم .
قال عبد الله بن الإمام أحمد : حدثني محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى البزاز ، حدثنا يونس بن محمد ، حدثنا معاذ بن محمد بن معاذ بن محمد بن أبي بن كعب ، حدثني أبي محمد بن معاذ ، عن معاذ ، عن محمد ، عن أبي بن كعب : أن أبا هريرة كان جريا على أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء لا يسأله عنها غيره ، فقال : يا رسول الله ، ما أول ما رأيت من أمر النبوة ؟
فاستوى رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا وقال : " لقد سألت يا أبا هريرة ، إني لفي الصحراء ابن عشر سنين وأشهر ، وإذا بكلام فوق رأسي ، وإذا رجل يقول لرجل : أهو هو ؟
[ قال : نعم ] فاستقبلاني بوجوه لم أرها [ لخلق ] قط ، وأرواح لم أجدها من خلق قط ، وثياب لم أرها على أحد قط .
فأقبلا إلي يمشيان ، حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي ، لا أجد لأحدهما مسا ، فقال أحدهما لصاحبه : أضجعه .
فأضجعاني بلا قصر ولا هصر .
فقال أحدهما لصاحبه : افلق صدره .
فهوى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع ، فقال له : أخرج الغل والحسد ، فأخرج شيئا كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها ، فقال له : أدخل الرأفة والرحمة ، فإذا مثل الذي أخرج ، شبه الفضة ، ثم هز إبهام رجلي اليمنى فقال : اغد واسلم .
فرجعت بها أغدو ، رقة على الصغير ، ورحمة للكبير " .
القول في تأويل قوله تعالى : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، مذكِّره آلاءه عنده، وإحسانه إليه، حاضا له بذلك على شكره، على ما أنعم عليه، ليستوجب بذلك المزيد منه: ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ ) يا محمد، للهدى والإيمان بالله ومعرفة الحقّ ( صَدْرَكَ ) فنلِّين لك قلبك، ونجعله وعاء للحكمة .
سورة ألم نشرحمكية في قول الجميع .
وهي ثماني آياتبسم الله الرحمن الرحيمألم نشرح لك صدرك شرح الصدر : فتحه أي ألم نفتح صدرك للإسلام .
وروى أبو صالح عن ابن عباس قال : ألم نلين لك قلبك .
وروى الضحاك عن ابن عباس قال : قالوا يا رسول الله ، أينشرح الصدر ؟
قال : " نعم وينفسح " .
قالوا : يا رسول الله ، وهل لذلك علامة ؟
قال : " نعم التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والاعتداد للموت ، قبل نزول الموت " .
وقد مضى هذا المعنى في ( الزمر ) عند قوله تعالى : أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه .
وروي عن الحسن قال : ألم نشرح لك صدرك قال : ملئ حكما وعلما .وفي الصحيح عن أنس بن مالك ، عن مالك بن صعصعة - رجل من قومه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " فبينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان إذ سمعت قائلا يقول : أحد الثلاثة فأتيت بطست من ذهب ، فيها ماء زمزم ، فشرح صدري إلى كذا وكذا " قال قتادة قلت : ما يعني ؟
قال : إلى أسفل بطني ، قال : " فاستخرج قلبي ، فغسل قلبي بماء زمزم ، ثم أعيد مكانه ، ثم حشي إيمانا وحكمة " .
وفي الحديث قصة .وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( جاءني ملكان في صورة طائر ، [ ص: 93 ] معهما ماء وثلج ، فشرح أحدهما صدري ، وفتح الآخر بمنقاره فيه فغسله ) .
وفي حديث آخر قال : " جاءني ملك فشق عن قلبي ، فاستخرج منه عذرة ، وقال : قلبك وكيع ، وعيناك بصيرتان ، وأذناك سميعتان ، أنت محمد رسول الله ، لسانك صادق ، ونفسك مطمئنة ، وخلقك قثم ، وأنت قيم " .
قال أهل اللغة : قوله " وكيع " أي يحفظ ما يوضع فيه .
يقال : سقاء وكيع أي قوي يحفظ ما يوضع فيه .
واستوكعت معدته ، أي قويت وقوله : " قثم " أي جامع .
يقال : رجل قثوم للخير أي جامع له .
ومعنى ألم نشرح قد شرحنا الدليل على ذلك قوله في النسق عليه : ووضعنا عنك وزرك ، فهذا عطف على التأويل ، لا على التنزيل ; لأنه لو كان على التنزيل لقال : ونضع عنك وزرك .
فدل هذا على أن معنى ألم نشرح : قد شرحنا .
و ( لم ) جحد ، وفي الاستفهام طرف من الجحد ، وإذا وقع جحد ، رجع إلى التحقيق كقوله تعالى : أليس الله بأحكم الحاكمين .
ومعناه : الله أحكم الحاكمين .
وكذا أليس الله بكاف عبده .
ومثله قول جرير يمدح عبد الملك بن مروان :ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راحالمعنى : أنتم كذا .
يقول تعالى -ممتنًا على رسوله-: { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } أي: نوسعه لشرائع الدين والدعوة إلى الله، والاتصاف بمكارم الأخلاق، والإقبال على الآخرة، وتسهيل الخيرات فلم يكن ضيقًا حرجًا، لا يكاد ينقاد لخير، ولا تكاد تجده منبسطًا.
مكية "ألم نشرح لك صدرك"، ألم نفتح ونوسع ونلين لك قلبك بالإيمان والنبوة والعلم والحكمة.
«ألم نشرح» استفهام تقرير أي شرحنا «لك» يا محمد «صدرك» بالنبوة وغيرها.
ألم نوسع -أيها النبي- لك صدرك لشرائع الدين، والدعوة إلى الله، والاتصاف بمكارم الأخلاق، وحططنا عنك بذلك حِمْلك الذي أثقل ظهرك، وجعلناك -بما أنعمنا عليك من المكارم- في منزلة رفيعة عالية؟
الاستفهام فى قوله - سبحانه - : ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ) للتقرير لأنه إذا دخل على النفى قرره ، وهذا التقرير المقصود به التذكير ، حتى يداوم على شكره - تعالى - .وأصل الشرح : البسط للشئ وتوسعته ، يقال : شرح فلان الشئ ، إذا وسعه ، ومنه شرح فلان الكتاب ، إذا وضحه ، وأزال مجمله ، وبسط ما فيه من غموض .والمراد بشرح الصدر هنا : توسعته وفتحه ، لقبول كل ما هو من الفضائل والكمالات النفسية .
وإذهاب كل ما يصد عن الإِدراك السليم وعن الحق الخير والهدى .وهذا الشرح ، يشمل الشق البدنى لصدره صلى الله عليه وسلم كما يشمل الشرح المعنوى لصدره صلى الله عليه وسلم عن طريق إيداعه الإِيمان والهدى والعلم والفضائل .قال الإِمام ابن كثير : قوله : ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ) يعنى : أما شرحنا لك صدرك .
أى : نورناه وجعلناه فسيحا رحيبا واسعا ، كقوله ( أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ .
.
.
) وقيل المراد بقوله : ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ) شرح صدره ليلة الإِسراء ، كما تقدم من رواية مالك بن صعصعة .
.
وهذا وإن كان واقعا ، ولكن لا منافاة ، فإن من جملة شرح صدره صلى الله عليه وسلم الذى فعل بصدره ليلة الإِسراء ، ما نشأ عنه من الشرح المعنوى - أيضا - .
.والمعنى : لقد شرحنا لك - أيها الرسول الكريم - صدرك شرحا عظيما ، بأن أمرنا ملائكتنا بشقه وإخراج ما فيه مما يتنافى مع ما هيأناك له من حمل رسالتنا إلى الناس ، وبأن أودعنا فيه من الهدى والمعرفة والإِيمان والفضائل والحكم .
.
ما لم نعطه لأحد سواك .ونون العظمة فى قوله - سبحانه - ( نشرح ) تدل على عظمة النعمة ، من جهة أن المنعم العظيم ، إنما يمنح العظيم من النعم ، وفى ذلك إشارة إلى أن نعمة الشرح ، مما لا تصل العقول إلى كنه جلالتها .واللام فى قوله - تعالى - : ( لك ) للتعليل ، وهو يفيد أن ما فعله الله - تعالى - به ، إنما هو من باب تكريمه ، ومن أجل تشريفه وتهيئته لحمل رسالته العظمى إلى خلقه ، فمنفعه هذا الشرح إنما تعود إليه وحده صلى الله عليه وسلم لا إلى غيره .قال الإِمام الرازى : فإن قيل : لم ذكر الصدر ولم يذكر القلب؟
فالجواب أن محل الوسوسة هو الصدر ، كما قال - تعالى - : ( الذى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس ) فإزالة تلك الوسوسة ، وإبدالها بدواعى الخير ، هى الشرح ، فلا جرم خص ذلك الشرح بالصدر دون القلب .قال محمد بن على الترمذى : القلب محل العقل والمعرفة ، وهو الذى يقصده الشيطان ، فالشيطان يجئ إلى الصدر الذى هو حصن القلب ، فإذا وجد مسلكا أغار فيه ، وبث فيه الهموم ، فيضيق القلب ، ولا يجد للطاعة لذة ، وإذا طرد العدو فى الابتداء ، حصل الأمن ، وانشرح الصدر ..
استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار، فأفاد إثبات الشرح وإيجابه، فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك، وفي شرح الصدر قولان: الأول: ما روي أن جبريل عليه السلام أتاه وشق صدره وأخرج قلبه وغسله وأنقاه من المعاصي ثم ملأه علماً وإيماناً ووضعه في صدره.
واعلم أن القاضي طعن في هذه الرواية من وجوه: أحدها: أن الرواية أن هذه الواقعة إنما وقعت في حال صغره عليه السلام وذلك من المعجزات، فلا يجوز أن تتقدم نبوته.
وثانيها: أن تأثير الغسل في إزالة الأجسام، والمعاصي ليست بأجسام فلا يكون للغسل فيها أثر ثالثها: أنه لا يصح أن يملأ القلب علماً، بل الله تعالى يخلق فيه العلوم والجواب: عن الأول: أن تقويم المعجز على زمان البعثة جائز عندنا، وذلك هو المسمى بالإرهاص، ومثله في حق الرسول عليه السلام كثير.
وأما الثاني والثالث: فلا يبعد أن يكون حصول ذلك الدم الأسود الذي غسلوه من قلب الرسول عليه السلام علامة للقلب الذي يميل إلى المعاصي، ويحجم عن الطاعات، فإذا أزالوه عنه كان ذلك علامة لكون صاحبه مواظباً على الطاعات محترزاً عن السيئات، فكان ذلك كالعلامة للملائكة على كون صاحبه معصوماً، وأيضاً فلأن الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
والقول الثاني: إن المراد من شرح الصدر ما يرجع إلى المعرفة والطاعة، ثم ذكروا فيه وجوهاً أحدها: أنه عليه السلام لما بعث إلى الجن والإنس فكان يضيق صدره عن منازعة الجن والإنس والبراءة من كل عابد ومعبود سوى الله، فآتاه الله من آياته ما اتسع لكل ما حمله وصغره عنده كل شيء احتمله من المشاق، وذلك بأن أخرج عن قلبه جميع الهموم وما ترك فيه إلا هذا الهم الواحد، فما كان يخطر بباله هم النفقة والعيال، ولا يبالي بما يتوجه إليه من إيذائهم، حتى صاروا في عينه دون الذباب لم يجبن خوفاً من وعيدهم، ولم يمل إلى مالهم، وبالجملة فشرح الصدر عبارة عن علمه بحقارة الدنيا وكمال الآخرة، ونظيره قوله: ﴿ فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً ﴾ وروي أنهم قالوا: يا رسول الله أينشرح الصدر؟
قال: نعم، قالوا: وما علامة ذلك؟
قال: التجافي عن الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإعداد للموت قبل نزوله وتحقيق القول فيه أن صدق الإيمان بالله ووعده ووعيده يوجب للإنسان الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة والاستعداد للموت.
وثانيها: أنه انفتح صدره حتى أنه كان يتسع لجميع المهمات لا يقلق ولا يضجر ولا يتغير، بل هو في حالتي البؤس والفرح منشرح الصدر مشتغل بأداء ما كلف به، والشرح التوسعة، ومعناه الإراحة من الهموم، والعرب تسمي الغم والهم ضيق صدر كقوله: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ ﴾ وهاهنا سؤالات: الأول: لم ذكر الصدر ولم يذكر القلب؟
والجواب: لأن محل الوسوسة هو الصدر على ما قال: ﴿ يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس ﴾ فإزالة تلك الوسوسة وإبدالها بدواعي الخير هي الشرح، فلا جرم خص ذلك الشرح بالصدر دون القلب، وقال محمد بن علي الترمذي: القلب محل العقل والمعرفة، وهو الذي يقصده الشيطان، فالشيطان يجيء إلى الصدر الذي هو حصن القلب، فإذا وجد مسلكاً أغار فيه ونزل جنده فيه، وبث فيه من الهموم والغموم والحرص فيضيق القلب حيئنذ ولا يجد للطاعة لذة ولا للإسلام حلاوة، وإذا طرد العدو في الابتداء منع وحصل الأمن ويزول الضيق وينشرح الصدر ويتيسر له القيام بأداء العبودية.
السؤال الثاني: لم قال: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ ولم يقل ألم نشرح صدرك؟
والجواب: من وجهين: أحدهما: كأنه تعالى يقول لام بلام، فأنت إنما تفعل جميع الطاعات لأجلي كما قال: ﴿ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ ، ﴿ أَقِمِ الصلاة لِذِكْرِى ﴾ فأنا أيضاً جميع ما أفعله لأجلك.
وثانيها: أن فيها تنبيهاً على أن منافع الرسالة عائدة إليه عليه السلام، كأنه تعالى قال: إنما شرحنا صدرك لأجلك لا لأجلي.
السؤال الثالث: لم قال: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ ﴾ ولم يقل ألم أشرح؟
والجواب: إن حملناه على نون التعظيم، فالمعنى أن عظمة المنعم تدل على عظمة النعمة، فدل ذلك على أن ذلك الشرح نعمة لا تصل العقول إلى كنه جلالتها، وإن حملناه على نون الجميع، فالمعنى كأنه تعالى يقول: لم أشرحه وحدي بل أعملت فيه ملائكتي، فكنت ترى الملائكة حواليك وبين يديك حتى يقوي قلبك، فأديت الرسالة وأنت قوي القلب ولحقتهم هيبة، فلم يجيبوا لك جواباً، فلو كنت ضيق القلب لضحكوا منك، فسبحان من جعل قوة قلبك جبناً فيهم، وانشراح صدرك ضيقاً فيهم.
<div class="verse-tafsir"
استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار، فأفاد إثبات الشرح وإيجابه، فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك؛ ولذلك عطف عليه: وضعنا: اعتباراً للمعنى.
ومعنى: شرحنا صدرك: فسحناه حتى وسع هموم النبوّة ودعوة الثقلين جميعاً.
أو حتى احتمل المكاره التي يتعرض لك بها كفار قومك وغيرهم: أو فسحناه بما أودعناه من العلوم والحكم، وأزلنا عنه الضيق والحرج الذي يكون مع العمى والجهل.
وعن الحسن: مليء حكمة وعلماً.
وعن أبي جعفر المنصور أنه قرأ: ﴿ ألم نشرح لك ﴾ بفتح الحاء.
وقالوا: لعله بين الحاء وأشبعها في مخرجها، فظنّ السامع أنه فتحها، والوزر الذي أنقض ظهره- أي: حمله على النقيض وهو صوت الانتقاض والانفكاك لثقله- مثل لما كان يثقل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويغمّه من فرطاته قبل النبوّة.
أو من جهله بالأحكام والشرائع.
أو من تهالكه على إسلام أولي العناد من قومه وتلهفه.
ووضعه عنه: أن غفر له، أو علم الشرائع، أو مهد عذره بعد ما بلغ وبلغ.
وقرأ أنس: ﴿ وحللنا ﴾ حططنا.
وقرأ ابن مسعود: ﴿ وحللنا عنك وقرك ﴾ .
ورفع ذكره: أن قرن بذكر الله في كلمة الشهادة والأذان والإقامة والتشهد والخطب، وفي غير موضع من القرآن ﴿ والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ [التوبة: 62] ، ﴿ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ ﴾ [النساء: 13] ، ﴿ وَأَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول ﴾ [المائدة: 92] وفي تسميته رسول الله ونبيّ الله؛ ومنه ذكره في كتب الأولين، والأخذ على الأنبياء وأممهم أن يؤمنوا به، فإن قلت: أيّ فائدة في زيادة لك، والمعنى مستقل بدونه؟
قلت: في زيادة لك ما في طريقة الإبهام والإيضاح، كأنه قيل: ألم نشرح لك، ففهم أن ثم مشروحاً، ثم قيل: صدرك، فأوضح ما علم مبهما، وكذلك ﴿ لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ و ﴿ عَنكَ وِزْرَكَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ ألَمْ نَشْرَحْ مَكِّيَّةٌ، وآيُها ثَمانِي آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ ألَمْ نُفْسِحْهُ حَتّى وسِعَ مُناجاةَ الحَقِّ ودَعْوَةَ الخَلْقِ فَكانَ غائِبًا حاضِرًا، أوْ ألَمْ نُفْسِحْهُ بِما أوْدَعْنا فِيهِ مِنَ الحِكَمِ وأزَلْنا عَنْهُ ضِيقَ الجَهْلِ، أوْ بِما يَسَّرْنا لَكَ تَلَقِّيَ الوَحْيِ بَعْدَ ما كانَ يَشُقُّ عَلَيْكَ، وقِيلَ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى ما رُوِيَ «أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أتى رَسُولَ اللَّهِ في صِباهُ أوْ يَوْمَ المِيثاقِ، فاسْتَخْرَجَ قَلْبَهُ فَغَسَلَهُ ثُمَّ مَلَأهُ إيمانًا وعِلْمًا».» وَلَعَلَّهُ إشارَةٌ إلى نَحْوِ ما سَبَقَ ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ إنْكارُ نَفْيِ الِانْشِراحِ مُبالَغَةً في إثْباتِهِ ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ.
﴿ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴾ عِبْأكَ الثَّقِيلَ.
﴿ الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ الَّذِي حَمَلَهُ عَلى النَّقِيضِ وهو صَوْتُ الرَّحْلِ عِنْدَ الِانْتِقاضِ مِن ثِقَلِ الحَمْلِ وهو ما ثَقُلَ عَلَيْهِ مِن فُرُطاتِهِ قَبْلَ البَعْثَةِ، أوْ جَهْلِهِ بِالحُكْمِ والأحْكامِ أوْ حَيْرَتِهِ، أوْ تَلَقِّي الوَحْيِ أوْ ما كانَ يُرى مِن ضَلالِ قَوْمِهِ مِنَ العَجْزِ عَنْ إرْشادِهِمْ، أوْ مِن إصْرارِهِمْ وتَعَدِّيهِمْ في إيذائِهِ حِينَ دَعاهم إلى الإيمانِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ} وخففنا عنك أعباء النبوة والقيام بأمرها وقيل هو زلة لا تعرف بعينها وهي ترك الأفضل مع إتيان الفاضل والأنبياء يعاتبون بمثلها ووضعه عنه أن غفر له والوزر الحمل الثقيل
سُورَةُ الشَّرْحِ وتُسَمّى سُورَةَ الشَّرْحِ، وهي كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وعائِشَةَ مَكِّيَّةٌ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ زِيادَةٌ نَزَلَتْ بَعْدَ الضُّحى، وزَعَمَ البِقاعِيُّ أنَّها عِنْدَهُ مَدَنِيَّةٌ، وفي حَدِيثٍ طَوِيلٍ أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ قَوْلَهُ تَعالى فِيها: ﴿ فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ ﴿ إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، لَكِنْ في صِحَّةِ الحَدِيثِ تَوَقَّفٌ، وآيُها ثَمانٍ بِالِاتِّفاقِ وهي شَدِيدَةُ الِاتِّصالِ بِسُورَةِ الضُّحى حَتّى أنَّهُ رُوِيَ عَنْ طاوُسٍ وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُما كانا يَقُولانِ: هُما سُورَةٌ واحِدَةٌ، وكانا يَقْرَآنِهِما في الرَّكْعَةِ الواحِدَةِ وما كانا يَفْصِلانِ بَيْنَهُما بِ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وعَلى ذَلِكَ الشِّيعَةُ كَما حَكاهُ الطَّبَرْسِيُّ مِنهم.
قالَ الإمامُ: والَّذِي دَعا إلى ذَلِكَ هو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ نَشْرَحْ ﴾ كالعَطْفِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا ﴾ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الأوَّلَ كانَ عِنْدَ اغْتِمامِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن إيذائِهِ الكَفَرَةَ وكانَتِ الحالَةُ حالَ مِحْنَةٍ وضِيقِ صَدْرٍ، والثّانِي يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ حالَ النُّزُولِ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ طَيِّبَ القَلْبِ، فَأنّى يَجْتَمِعانِ؟
وفِيهِ نَظَرٌ، والحَقُّ أنَّ مَدارَ مِثْلَ ذَلِكَ الرِّوايَةُ لا الدّارِيَةُ، والمُتَواتِرُ كَوْنُهُما سُورَتَيْنِ والفَصْلُ بَيْنَهُما بِالبَسْمَلَةِ.
نَعَمْ هُما مُتَّصِلَتانِ مَعْنًى جِدًّا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما في حَدِيثِ الإسْراءِ الَّذِي أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ «أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «يا مُحَمَّدُ، ألَمْ أجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُ، وضالًّا فَهَدَيْتُ، وعائِلًا فَأغْنَيْتُ، وشَرَحْتُ لَكَ صَدْرَكَ، وحَطَطْتُ عَنْكَ وِزْرَكَ، ورَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ، فَلا أُذْكَرُ إلّا ذُكِرْتَ مَعِي»».
الحَدِيثَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ الشَّرْحُ في الأصْلِ الفَسْحُ والتَّوْسِعَةُ، وشاعَ اسْتِعْمالُهُ فِي الإيضاحِ، ومِنهُ: شَرَحَ الكِتابَ إذا أوْضَحَهُ لِما أنَّ فَسْحَ الشَّيْءِ وبَسْطَهُ مُسْتَلْزِمٌ لِإظْهارِ باطِنِهِ وما خَفِيَ مِنهُ، وكَذا شاعَ في سُرُورِ النَّفْسِ حَتّى لَوْ قِيلَ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ فِيهِ لَمْ يَبْعُدْ وذَلِكَ إذا تَعَلَّقَ بِالقَلْبِ كَأنْ قِيلَ: شَرَحَ قَلْبَهُ بِكَذا؛ أيْ: سَرَّهُ بِهِ لِما أنَّ القَلْبَ كالمَنزِلِ لِلنَّفْسِ، ويَلْزَمُ عادَةً مِن فَسْحِ المَنزِلِ وتَوْسِعَتِهِ سُرُورُ النّازِلِ فِيهِ وكَذا إذا تَعَلَّقَ بِالصَّدْرِ الَّذِي هو مَحَلُّ القَلْبِ ورُبَّما يُؤْذِنُ ذَلِكَ بِسِعَةِ القَلْبِ لِما أنَّ العادَةَ كالمُطَّرِدَةِ في أنَّ تَوْسِعَةَ ما حَوالَيِ المَنزِلِ إنَّما تَكُونُ إذا كانَ المَنزِلُ واسِعًا فَيُوَسَّعُ ما حَوالَيْهِ لِتَحْصِيلِ زِيادَةِ بَهْجَةٍ ونَحْوِها فِيهِ فَيَنْتَقِلُ مِنهُ إلى سُرُورِ النَّفْسِ بِالواسِطَةِ.
وقَدْ يُرادُ بِهِ إذا تَعَلَّقَ بِالقَلْبِ أوِ الصَّدْرِ أيْضًا تَكْثِيرُ ما فِيهِ مِنَ المَعْلُوماتِ فَقِيلَ: يُتَخَيَّلُ أنَّها تَحْتاجُ إلى فَضاءٍ تَكُونُ فِيهِ وأنَّ ذَلِكَ مَحَلٌّ لَها، فَمَتى كانَتْ كَثِيرَةً اقْتَضَتْ أنْ يَكُونَ مَحَلُّها واسِعًا لِيَسَعَها.
وقَدْ يُرادُ بِها تَكْثِيرُ ما في النَّفْسِ مِن ذَلِكَ فَقِيلَ أيْضًا: يُتَخَيَّلُ أنَّ تَكْثِيرَ مَعْلُوماتِها يَسْتَدْعِي تَوْسِيعَها، وتَوْسِيعُها يَسْتَدْعِي تَوْسِيعَ ذَلِكَ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ مَحَلِّها، وقَدْ يُرادُ بِهِ تَأْيِيدُ النَّفْسِ بِقُوَّةٍ قُدْسِيَّةٍ وأنْوارٍ إلَهِيَّةٍ بِحَيْثُ تَكُونُ مَيْدانًا لِمَواكِبِ المَعْلُوماتِ، وسَماءً لِكَواكِبِ المَلَكاتِ، وعَرْشًا لِأنْواعِ التَّجَلِّياتِ، وفَرْشًا لِسَوائِمِ الوارِداتِ، فَلا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، ويَسْتَوِي لَدَيْهِ يَكُونُ وكائِنٌ وكانَ.
ووَجْهُ نِسْبَتِهِ إلى الصَّدْرِ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ، وإرادَةُ القَلْبِ مِنَ الصَّدْرِ والنَّفْسِ مِنَ القَلْبِ بِعَلاقَةِ المَحَلِّيَّةِ ونَحْوِها مِمّا لا تَمِيلُ إلَيْهِ النَّفْسُ، وإرادَةُ كُلٍّ مِمّا ذُكِرَ بِقَرِينَةِ المَقامِ، والأنْسَبُ بِمَقامِ الِامْتِنانِ هُنا إرادَةُ هَذا المَعْنى الأخِيرِ.
وجَوَّزَ غَيْرُهُ فالمَعْنى: ألَمْ نُفْسِحْ صَدْرَكَ حَتّى حَوى عالَمَيِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، وجَمَعَ بَيْنَ مَلَكَتِي الِاسْتِفادَةِ والإفادَةِ فَما صَدَّكَ المُلابَسَةُ بِالعَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ عَنِ اقْتِباسِ أنْوارِ المَلَكاتِ الرُّوحانِيَّةِ، وما عاقَكَ التَّعَلُّقُ بِمَصالِحِ الخَلْقِ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في شُؤُونِ الحَقِّ.
وقِيلَ: المَعْنى: ألَمْ نُزِلْ هَمَّكَ وغَمَّكَ بِاطِّلاعِكَ عَلى حَقائِقِ الأُمُورِ وحَقارَةِ الدُّنْيا فَهانَ عَلَيْكَ احْتِمالُ المَكارِهِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، ونُقِلَ عَنِ الجُمْهُورِ أنَّ المَعْنى: ألَمْ نُفْسِحْهُ بِالحِكْمَةِ ونُوَسِّعْهُ بِتَيْسِيرِنا لَكَ تَلَقِّيَ ما يُوحى إلَيْكَ بَعْدَ ما كانَ يَشُقُّ عَلَيْكَ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ أنَّهُ إشارَةٌ إلى شَقِّ صَدْرِهِ الشَّرِيفِ في صِباهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ وقَعَ هَذا الشَّقُّ عَلى ما في بَعْضِ الأخْبارِ وهو عِنْدَ مُرْضَعَتِهِ حَلِيمَةَ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنْها أنَّها قالَتْ في شَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَمْ نَزَلْ نَتَعَرَّفُ مِنَ اللَّهِ تَعالى الزِّيادَةَ والخَيْرَ حَتّى مَضَتْ سَنَتاهُ وفَصَلْتُهُ فَكانَ يَشِبُّ شَبابًا لا يَشُبُّهُ الغِلْمانُ، فَلَمْ يَبْلُغْ سَنَتَيْهِ حَتّى كانَ غُلامًا جَفْرًا، فَقَدِمْنا بِهِ عَلى أُمِّهِ ونَحْنُ أحْرَصُ شَيْءٍ عَلى بَقائِهِ عِنْدَنا لِما نَرى مِن بَرَكَتِهِ، فَقُلْنا لِأُمِّهِ: لَوْ تَرَكْتِيهِ عِنْدَنا حَتّى يَغْلُظَ فَإنّا نَخْشى عَلَيْهِ وباءَ مَكَّةَ، فَلَمْ نَزَلْ بِها حَتّى رَدَّتْهُ مَعَنا فَرَجَعْنا بِهِ، فَواللَّهِ إنَّهُ لَبَعْدَ مَقْدِمِنا بِهِ بِشَهْرٍ أوْ ثَلاثَةٍ مَعَ أخِيهِ مِنَ الرَّضاعَةِ لَفي بُهْمٍ لَنا خَلْفَ بُيُوتِنا جاءَ أخُوهُ يَشْتَدُّ فَقالَ: ذاكَ أخِي القُرَشِيُّ قَدْ جاءَهُ رَجُلانِ عَلَيْهِما ثِيابٌ بِيضٌ فَأضْجَعاهُ وشَقّا بَطْنَهُ، فَخَرَجْتُ أنا وأبُوهُ نَشْتَدُّ نَحْوَهُ فَوَجَدْناهُ قائِمًا مُنْتَقِعًا لَوْنُهُ، فاعْتَنَقَهُ أبُوهُ وقالَ: أيْ بُنَيَّ، ما شَأْنُكَ؟
قالَ: جاءَنِي رَجُلانِ عَلَيْهِما ثِيابٌ بِيضٌ فَأضْجَعانِي فَشَقّا بَطْنِي ثُمَّ اسْتَخْرَجا مِنهُ شَيْئًا، فَطَرَحاهُ ثُمَّ رَدّاهُ كَما كانَ فَرَجَعْنا بِهِ مَعَنا.
فَقالَ أبُوهُ: يا حَلِيمَةُ، لَقَدْ خَشِيتُ أنْ يَكُونَ ابْنِي قَدْ أُصِيبَ فانْطَلِقِي فَرُدِّيهِ إلى أهْلِهِ قَبْلَ أنْ يَظْهَرَ بِهِ ما نَتَخَوَّفُهُ، قالَتْ: فاحْتَمَلْناهُ إلى أُمِّهِ، فَقالَتْ: ما رَدَّكُما بِهِ؟
فَقَدْ كُنْتُما حَرِيصَيْنِ عَلَيْهِ؟
قُلْنا: نَخْشى الِاخْتِلافَ والأحْداثَ.
فَقالَتْ ما ذاكَ بِكُما فاصْدُقانِي شَأْنَكُما؟
فَلَمْ تَدَعْنا حَتّى أخْبَرْناها خَبَرَهُ.
فَقالَتْ: أخَشِيتُما عَلَيْهِ الشَّيْطانَ، لا واللَّهِ ما لِلشَّيْطانِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، وإنَّهُ لَكائِنٌ لِابْنِي هَذا شَأْنٌ فَدَعاهُ عِنْدَكُما».
وفِي حَدِيثٍ لِأبِي يَعْلى وأبِي نُعَيْمٍ وابْنِ عَساكِرَ ما يَدُلُّ عَلى تَكَرُّرِ وُقُوعِ ذَلِكَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو عِنْدَ حَلِيمَةَ، وقَدْ وقَعَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيْضًا بَعْدَ بُلُوغِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَفي الدُّرِّ المَنثُورِ: أخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أنَّ أبا هُرَيْرَةَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما أوَّلُ ما رَأيْتَ مِن أمْرِ النُّبُوَّةِ؟
فاسْتَوى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جالِسًا، وقالَ: «لَقَدْ سَألْتَ أبا هُرَيْرَةَ، إنِّي لَفي صَحْراءَ ابْنَ عِشْرِينَ سَنَةً وأشْهُرٍ، إذا بِكَلامٍ فَوْقَ رَأْسِي وإذا رَجُلٌ يَقُولُ لِرَجُلٍ: أهُوَ هُوَ، فاسْتَقْبَلانِي بِوُجُوهٍ لَمْ أرَها بِخَلْقٍ قَطُّ، وأرْواحٍ لَمْ أجِدْها مِن خَلْقٍ قَطُّ، وثِيابٍ لَمْ أجِدْها عَلى أحَدٍ قَطُّ، فَأقْبَلا إلَيَّ يَمْشِيانِ حَتّى إذا دَنَيا أخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِعَضُدِي لا أجِدُ لِأخْذِهِما مَسًّا، فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: افْلِقْ صَدْرَهُ، فَهَوى أحَدُهُما إلى صَدْرِي فَفَلَقَهُ فِيما أرى بِلا دَمٍ ولا وجَعٍ، فَقالَ لَهُ: أخْرِجِ الغِلَّ والحَسَدَ، فَأخْرَجَ شَيْئًا كَهَيْئَةِ العَلَقَةِ، ثُمَّ نَبَذَها، فَقالَ لَهُ: أدْخِلِ الرَّأْفَةَ والرَّحْمَةَ، فَإذا مِثْلُ الَّذِي أخْرَجَ شِبْهَ الفِضَّةِ، ثُمَّ حَزَّ إبْهامَ رِجْلِي اليُمْنى وقالَ: اغْدُ واسْلَمْ، فَرَجَعْتُ أغْدُو بِها رَأْفَةً عَلى الصَّغِيرِ ورَحْمَةً عَلى الكَبِيرِ»».
والَّذِي رَأيْتُهُ في شَرْحِ الهَمْزِيَّةِ لِابْنِ حَجَرٍ المَكِّيِّ رِوايَةُ هَذا الخَبَرِ بِلَفْظٍ آخَرَ وفِيهِ: ««إنِّي لَفي صَحْراءَ واسِعَةٍ ابْنَ عَشْرِ حُجَجٍ إذا أنا بِرَجُلَيْنِ فَوْقَ رَأْسِي يَقُولُ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: أهُوَ هُوَ»».
إلى آخِرِ ما فِيهِ فَيَكُونُ الشَّقُّ عَلَيْهِ قَبْلَ البُلُوغِ أيْضًا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّهُ عَلى الرِّوايَتَيْنِ لَيْسَ نَصًّا عَلى نَفْيِ وُقُوعِ شَقٍّ قَبْلَهُ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ الَّذِي اسْتَشْعَرَ مِنهُ النُّبُوَّةَ هو هَذا لا ما قَبْلَهُ، ووَقَعَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْضًا عِنْدَ مَجِيءِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالوَحْيِ في غارِ حِراءَ ومِمَّنْ رَوى ذَلِكَ الطَّيالِسِيُّ والحارِثُ في مُسْنَدَيْهِما وكَذا أبُو نُعَيْمٍ ولَفْظُهُ: أنَّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ شَقّا صَدْرَهُ وغَسَلاهُ ثُمَّ قالَ: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ الآياتِ.
ووَقَعَ أيْضًا مَرَّةً أُخْرى تَواتَرَتْ بِها الرِّواياتُ خِلافًا لِمَن أنْكَرَها لَيْلَةَ الإسْراءِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنْ قَتادَةَ قالَ: حَدَّثَنا أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنْ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ «عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «بَيْنا أنا عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِن ذَهَبٍ فِيها ماءُ زَمْزَمَ، فَشُرِحَ صَدْرِي إلى كَذا وكَذا».
قالَ قَتادَةُ: قُلْتُ: يَعْنِي لِأنَسٍ: ما تَعْنِي قالَ إلى أسْفَلِ بَطْنِي؟
قالَ: «فاسْتُخْرِجَ قَلْبِي فَغُسِلَ بِماءِ زَمْزَمَ ثُمَّ أُعِيدَ مَكانَهُ ثُمَّ حُشِيَ إيمانًا وحِكْمَةً، ثُمَّ أُتِيَ بِدابَّةٍ دُونَ البَغْلِ وفَوْقَ الحِمارِ البُراقِ فانْطَلَقْتُ مَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى أتَيْنا السَّماءَ الدُّنْيا»».
الحَدِيثَ.
وطَعَنَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ في ذَلِكَ بِما حاصِلُهُ أنَّهُ يَلْزُمُ عَلى وُقُوعِهِ في الصِّغَرِ وقَبْلَ النُّبُوَّةِ تَقَدُّمُ المُعْجِزَةِ عَلى النُّبُوَّةِ وهو لا يَجُوزُ ووُقُوعُهُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ وإنْ لَمْ يَلْزَمْ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ إلّا أنَّ ما ذُكِرَ مَعَهُ مِن حَدِيثِ الغَسْلِ وإدْخالِ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ وحَشْوِ الإيمانِ والحِكْمَةِ يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّ الغَسْلَ مِمّا لا أثَرَ لَهُ في التَّكْمِيلِ الرُّوحانِيِّ وإنَّما هو لِإزالَةِ أمْرٍ جُسْمانِيٍّ، وأنَّهُ لا يَصِحُّ إدْخالُ ما ذُكِرَ وحَشْوُهُ فَإنَّما هو شَيْءٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى في القَلْبِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ فَإنَّ تَقَدُّمَ الخارِقِ عَلى النُّبُوَّةِ جائِزٌ عِنْدَنا ونُسَمِّيهِ إرْهاصًا، والأخْبارُ كَثِيرَةٌ في وُقُوعِهِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، والغَسْلُ بِالماءِ كانَ لِإزالَةِ أمْرٍ جُسْمانِيٍّ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ أزالَهُ وغَسَلَ المَحَلَّ بِماءٍ مَخْصُوصٍ كَماءِ زَمْزَمَ عَلى ما صَحَّ في بَعْضِ الرِّواياتِ ولِذا قالَ البُلْقِينِيُّ: إنَّهُ أفْضَلُ مِن ماءِ الكَوْثَرِ مُوجِبًا لِتَبْدِيلِ المِزاجِ، وهو مِمّا لَهُ دَخْلٌ في التَّكْمِيلِ الرُّوحانِيِّ ولِذا يَأْمُرُ المَشايِخُ السّالِكِينَ لَدَيْهِمْ بِالرِّياضَةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها تَبْدِيلُ المِزاجِ ويُرْشِدُ إلى ذَلِكَ تَغَيُّرُ أحْوالِ النَّفْسِ وأخْلاقِها صِبًا وكُهُولَةً وشَيْخُوخَةً.
والمُرادُ مِن إدْخالِ الرَّأْفَةِ وحَشْوِ الإيمانِ مَثَلًا إدْخالُ ما بِهِ يَحْصُلُ كَمالُ ذَلِكَ وكَثِيرًا ما يُسَمّى المُسَبَّبُ بِاسْمِ السَّبَبِ مَجازًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وتَجَسُّمُ المَعانِي جائِزٌ.
وقالَ العارِفُ بْنُ أبِي جَمْرَةَ كَما في المَواهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ لِلْعَسْقَلانِيِّ ما حاصِلُهُ: إنَّ ما دَلَّ كَلامُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى جَوْهَرِيَّتِهِ وجِسْمِيَّتِهِ مِن أعْيانِ المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَيْسَ لِلْحَواسِّ إلى إدْراكِها سَبِيلٌ هو كَما دَلَّ عَلَيْهِ كَلامُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في نَفْسِ الأمْرِ، وأنَّ الحُكْمَ مِنَ المُتَكَلِّمِ أوْ نَحْوِهِ عَلَيْها بِالعَرْضِيَّةِ إنَّما هو بِاعْتِبارِ ما ظَهَرَ لَهُ بِعَقْلِهِ، والعَقْلُ حُرٌّ يَقِفُ عِنْدَهُ، والحَقِيقَةُ في الحَقِيقَةِ ما دَلَّ عَلَيْهِ خَبَرُ الشّارِعِ المُؤَيَّدُ بِالوَحْيِ الإلَهِيِّ والنُّورِ القُدْسِيِّ المُحَلِّقِ بِجَناحَيْهِما في جَوِّ الحَقائِقِ إلى حَيْثُ لا يُسْمَعُ لِنَحْلَةِ العَقْلِ دَنْدَنَةٌ ولا لِلرُّواةِ عَنْهُ عَنْعَنَةٌ، فالإيمانُ والحِكْمَةُ ونَحْوَهُما مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ كَلامُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى جَوْهَرِيَّتِها جَواهِرُ مَحْسُوسَةٌ لا مَعانٍ وإنْ حَسَبَها مَن حَسَبَها كَذَلِكَ انْتَهى.
والأمْرُ فِيهِ اعْتِقادًا وإنْكارًا إلَيْكَ ولا أُلْزِمُكَ الِاعْتِقادَ فَما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ.
وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: لَعَلَّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ؛ إذْ تَمْثِيلُ المَعانِي قَدْ وقَعَ كَثِيرًا كَما مَثَّلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الجَنَّةَ والنّارَ في عُرْضِ حائِطِ مَسْجِدِهِ الشَّرِيفِ، وفائِدَتُهُ كَشْفُ المَعْنَوِيِّ بِالمَحْسُوسِ وهو مَيْلٌ إلى عَدَمِ الوُقُوعِ حَقِيقَةً.
وقَدْ قالَ غَيْرُ واحِدٍ: جَمِيعُ ما ورَدَ مِنَ الشَّرْقِ، وإخْراجُ القَلْبِ وغَيْرُهُما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ وإنْ كانَ خارِقًا لِلْعادَةِ ولا يَجُوزُ تَأْوِيلُهُ لِصَلاحِيَةِ القُدْرَةِ لَهُ، ومَن زَعَمَ ذَلِكَ وقَعَ في هُوَّةِ المُعْتَزِلَةِ في تَأْوِيلِهِمْ نُصُوصَ سُؤالِ المَلَكَيْنِ وعَذابِ القَبْرِ ووَزْنِ الأعْمالِ والصِّراطِ وغَيْرِ ذَلِكَ بِالتَّشَهِّي، وأمّا حِكْمَةُ ذَلِكَ مَعَ إمْكانِ إيجادِ ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ بِدُونِهِ فَقَدْ أطالُوا الكَلامَ في بَيانِها في مَوْضِعِهِ، نَعَمْ حَمْلُ الشَّرْحِ في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ الشَّقِّ ضَعِيفٌ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ والتَّعْبِيرُ عَنْ ثُبُوتِ الشَّرْحِ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَنِ انْتِفائِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ثُبُوتَهُ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُجِيبَ عَنْهُ بِغَيْرِ بَلى، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ لِلْإيذانِ بِعَظَمَتِهِ وجَلالَةِ قَدْرِهِ وزِيادَةُ الجارِّ والمَجْرُورِ مَعَ تَوْسِيطِهِ بَيْنَ الفِعْلِ ومَفْعُولِهِ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ الشَّرْحَ مِن مَنافِعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَصالِحِهِ مُسارَعَةً إلى إدْخالِ المَسَرَّةِ في قَلْبِهِ الشَّرِيفِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَشْوِيقًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى ما يُعْقِبُهُ لِيَتَمَكَّنَ عِنْدَهُ وقْتَ وُرُودِهِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ: «ألَمْ نَشْرَحَ» بِفَتْحِ الحاءِ، وخَرَّجَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وجَماعَةٌ عَلى أنَّ الأصْلَ: «ألَمْ نَشْرَحَنْ» بِنُونِ التَّأْكِيدِ الخَفِيفَةِ فَأبْدَلَ مِنَ النُّونِ ألِفًا ثُمَّ حَذَفَها تَخْفِيفًا كَما في قَوْلِهِ: أضْرِبَ عَنْكَ الهُمُومَ طارِقَها ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ ولا يَخْفى أنَّ الحَذْفَ هُنا أضْعَفُ مِمّا في البَيْتِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ في الأمْرِ وهَذا في النَّفْيِ، ولِهَذا رَوى ابْنُ جِنِّيٍّ في المُنْتَقى عَنْ أبِي مُجاهِدٍ أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ أصْلًا؛ فَنُونُ التَّوْكِيدِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِهِ الإسْهابُ والإطْنابُ لا الإيجازُ والِاخْتِصارُ، والبَيْتُ يُقالُ إنَّهُ مَصْنُوعٌ، والأوْلى في التَّمْثِيلِ ما أنْشَدَهُ أبُو زَيْدٍ في نَوادِرِهِ: مِن أيِّ يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أفِرْ ∗∗∗ أيَوْمٌ لَمْ يُقَدَّرْ أمْ يَوْمٌ قُدِرْ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: لَعَلَّ أبا جَعْفَرٍ بَيَّنَ الحاءَ وأشْبَعَها في مَخْرَجِها فَظَنَّ السّامِعُ أنَّهُ فَتَحَها.
وفي البَحْرِ أنَّ لِهَذِهِ القِراءَةِ تَخْرِيجًا أحْسَنَ مِمّا ذُكِرَ؛ وهو أنَّ الفَتْحَ عَلى لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ مِنَ النَّصْبِ بِلَمْ، فَقَدْ حَكى اللِّحْيانِيُّ في نَوادِرِهِ أنَّ مِنهم مَن يَنْصِبُ بِها ويَجْزِمُ بِلَنْ عَكْسَ المَعْرُوفِ عِنْدَ النّاسِ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُ عائِشَةَ بِنْتِ الأعْجَمِ تَمْدَحُ المُخْتارَ بْنَ أبِي عُبَيْدٍ: فِي كُلِّ ما هَمَّ أمْضى رَأْيَهُ قُدُمًا ∗∗∗ ولَمْ يُشاوِرَ في الأمْرِ الَّذِي فَعَلا وخَرَّجَها بَعْضُهم عَلى أنَّ الفَتْحَ لِمُجاوَرَةِ ما بَعْدَها كالكَسْرِ في قِراءَةِ: «الحَمْدِ لِلَّهِ» بِالجَرِّ وهو لا يَتَأتّى في بَيْتِ عائِشَةَ ويَتَأتّى فِيما عَداهُ مِمّا مَرَّ.
<div class="verse-tafsir"
وهي ثمان آيات مكيّة قوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ هو معطوف على قوله أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى [الضحى: 6] وذلك أن النبيّ ، قال: «سَألْتُ رَبِّي مَسْأَلَةً، وَوَدَدْتُ أَنِّي لَمْ أَسْألْهَا قَطُّ، فَقُلْتُ: اتَّخَذْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً، وَكَلَّمْتَ مُوسَى تَكْلِيماً.
فَقَالَ الله تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى قُلْتُ: بَلَى قال: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (7) [الضحى: 7] قُلْتُ: بَلَى قال: وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (8) [الضحى: 8] قُلْتُ: بَلَى.
قال: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ» الآية.
وروي عن بعض المتقدمين أنه قال: سورة التوبة والأنفال، بمنزلة سورة واحدة، وسورة ألم نشرح لك والضحى بمنزلة سورة واحدة، وسورة لإيلاف قريش وألم تر كيف فعل ربك، بمنزلة سورة واحدة.
قال أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ يعني: ألم نوسع قلبك بالتوحيد والإيمان، وهذا قول مقاتل.
وقال الكلبي: أتاه جبريل فشرح صدره، حتى أبدى قلبه، ثم جاء بدلو من ماء زمزم، فغسله وأنقاه مما فيه، ثم جاء بطشت من ذهب قد ملئ علماً وإيماناً، فوضعه فيه.
ويقال الانشراح للعلم، حتى علم أنه رسول الله ، وكان مؤمناً من وقت الميثاق، فشق صدره على جهة المثل، فيعبر به عنه.
ويقال أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ يعني: ألم نلين قلبك بقبول الوحي، وحب الخيرات.
ويقال: معناه، ألم نطهر لك قلبك، حتى لا يؤذيك الوسواس، كسائر الناس.
ويقال: معناه أَلَمْ نَشْرَحْ يعني: نوسع لك قلبك بالعلم، كقوله وعلمك مما لم تكن تعلم.
ثم قال: وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ يعني: غفرنا لك ذنبك، كقوله لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ ويقال: غفرنا لك ذنبك، وذلتك بترك الاستثناء ويقال: معنى وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ يعني: عصمناك من الذنوب الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ لو لم يعصمك الله، لأثقل ظهرك، ويقال: معناه أخرجنا من قلبك الأخلاق السيئة، وطبائع السوء الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ يعني: التي لو لم ننزعها عن قلبك، لأثقل عليك حمل النبوة والرسالة.
ثم قال عز وجل: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ يعني: في التأذين والخطب، حتى لا أذكر إلا وذكرت معي، يعني: أشهد أن لا إله إلاَّ الله، وَأَشْهَدُ أنَّ محمداً رسول الله ، في كل يوم خمس مرات، في الأذان والإقامة.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الِانْشِراحِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ الشَّرْحُ: الفَتْحُ بِإذْهابِ ما يَصُدُّ عَنِ الإدْراكِ.
واللَّهُ تَعالى فَتَحَ صَدْرَ نَبِيِّهِ لِلْهُدى والمَعْرِفَةِ بِإذْهابِ الشَّواغِلِ الَّتِي تُصْدِرُ عَنْ إدْراكِ الحَقِّ.
ومَعْنى هَذا الِاسْتِفْهامِ: التَّقْرِيرُ، أيْ: قَدْ فَعَلْنا ذَلِكَ ﴿ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴾ أيْ: حَطَطْنا عَنْكَ إثْمَكَ الَّذِي سَلَفَ في الجاهِلِيَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آخَرِينَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّهُ غَفَرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ الوِزْرِ: ما حَمَلَهُ الإنْسانُ عَلى ظَهْرِهِ، فَشُبِّهَ بِالحِمْلِ فَجُعِلَ مَكانَهُ.
ومَعْنى ﴿ أنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ أثْقَلَهُ حَتّى سُمِعَ نَقِيضُهُ، أيْ: صَوْتُهُ.
وهَذا مَثَلٌ، يَعْنِي: أنَّهُ لَوْ كانَ حِمْلًا يُحْمَلُ لَسُمِعَ نَقِيضُ الظَّهْرِ مِنهُ.
وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المُرادَ بِهَذا تَخْفِيفُ أعْباءِ النُّبُوَّةِ الَّتِي يُثْقِلُ القِيامُ بِها الظَّهْرَ، فَسَهَّلَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ حَتّى تَيَسَّرَ عَلَيْهِ الأمْرُ.
ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى هَذا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ما رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ «عَنْ رَسُولِ اللهِ أنَّهُ سَألَ جِبْرِيلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: إذا ذُكِرْتُ [ذُكِرْتَ] مَعِي.» قالَ قَتادَةُ: فَلَيْسَ خَطِيبٌ، ولا مُتَشَهِّدٌ، ولا صاحِبُ صَلاةٍ إلّا يَقُولُ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ بِالنُّبُوَّةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
والثّالِثُ: رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ في الآخِرَةِ كَما رَفَعْناهُ في الدُّنْيا، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
والرّابِعُ: رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ عِنْدَ المَلائِكَةِ في السَّماءِ.
والخامِسُ: بِأخْذِ المِيثاقِ لَكَ عَلى الأنْبِياءِ، وإلْزامِهِمُ الإيمانَ بِكَ، والإقْرارِ بِفَضْلِكَ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ ضَمَّ سِينَ " العُسْرِ "، وسِينَ " اليُسْرِ " أبُو جَعْفَرٍ و " العُسْرُ " مَذْكُورٌ في الآيَتَيْنِ بِلَفْظِ التَّعْرِيفِ.
و " اليُسْرُ " مَذْكُورٌ بِلَفْظِ التَّنْكِيرِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ العُسْرَ واحِدٌ، واليُسْرَ اثْنانِ.
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في هَذِهِ [الآيَةِ]: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ.
قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ إذا ذَكَرَتْ نَكِرَةً ثُمَّ أعادَتْها بِنَكِرَةٍ صارَتِ اثْنَتَيْنِ، كَقَوْلِكَ: إذا كَسَبْتَ دِرْهَمًا فَأنْفِقْ دِرْهَمًا، فالثّانِي غَيْرُ الأوَّلِ، وإذا أعادَتْها مَعْرِفَةً، فَهي كَقَوْلِكَ: إذا كَسَبْتَ دِرْهَمًا فَأنْفِقِ الدِّرْهَمَ، فالثّانِي هو الأوَّلُ.
ونَحْوَ هَذا قالَ الزَّجّاجُ: ذَكَرَ العُسْرَ بِالألِفِ واللّامِ، ثُمَّ ثَنّى ذِكْرَهُ، فَصارَ المَعْنى: إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرَيْنِ.
وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ يَحْيى الجُرْجانِيُّ -وَيُقالُ لَهُ: صاحِبُ النَّظْمِ-: مَعْنى الكَلامِ: لا يُحْزِنْكَ ما يُعَيِّرُكَ بِهِ المُشْرِكُونَ مِنَ الفَقْرِ ﴿ فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ \[عاجِلًا في الدُّنْيا، فَأنْجَزَهُ بِما وعَدَهُ، بِما فَتَحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ ابْتَدَأ فَصْلًا آخَرَ فَقالَ: ﴿ إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ \] والدَّلِيلُ عَلى ابْتِدائِهِ تَعَرِّيهِ مِنَ الفاءِ والواوِ، وهو وعْدٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ أنَّ مَعَ عُسْرِ المُؤْمِنِينَ يُسْرًا في الآخِرَةِ، فَمَعْنى قَوْلِهِمْ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرُ الدُّنْيا اليُسْرَ الَّذِي وعَدَهُ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، فاليُسْرَ الَّذِي وعَدَهم في الآخِرَةِ، إنَّما يَغْلِبُ أحَدُهُما، وهو يُسْرُ الدُّنْيا.
فَأمّا يُسْرُ الآخِرَةِ، فَدائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، كَقَوْلِهِ [ ]: " «شَهْرا عِيدٍ لا يَنْقُصانِ» "، أيْ: لا يَجْتَمِعانِ في النَّقْصِ.
وحُكِيَ عَنِ العَتَبِيِّ قالَ: كُنْتُ ذاتَ لَيْلَةٍ في البادِيَةِ بِحالَةٍ مِنَ الغَمِّ، فَأُلْقِيَ في رُوعِي بَيْتٌ مِنَ الشِّعْرِ، فَقُلْتُ: أرى المَوْتَ لِمَن أصْبَ حَ مَغْمُومًا لَهُ أرْوَحْ فَلَمّا جَنَّ اللَّيْلُ سَمِعْتُ هاتِفًا يَهْتِفُ: ألا يا أيُّها المَرْءُ الَّـ ∗∗∗ ـذِي الهَمُّ بِهِ بَرَّحْ وقَدْ أنْشَدَ بَيْتًا لَمْ ∗∗∗ يَزَلْ في فِكْرِهِ يَسْنَحْ إذا اشْتَدَّ بِكَ العُسْرُ ∗∗∗ فَفَكِّرْ في " ألَمْ نَشْرَحْ ∗∗∗ " فَعُسْرٌ بَيْنَ يُسْرَيْنِ ∗∗∗ إذا أبْصَرْتَهُ فافْرَحْ فَحَفِظْتُ الأبْياتَ وفَرَّجَ اللَّهُ غَمِّي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ ﴾ أيْ: فادْأبْ في العَمَلِ، وهو مِنَ النَّصَبِ، والنَّصَبُ: التَّعَبُ، الدُّؤُوبُ في العَمَلِ.
وَفِي مَعْنى الكَلامِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: فَإذا فَرَغْتَ مِنَ الفَرائِضِ فانْصَبْ في قِيامِ اللَّيْلِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: فَإذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ فانْصَبْ في الدُّعاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: فَإذا فَرَغْتَ مِن أمْرِ دُنْياكَ فانْصَبْ في عَمَلِ آخِرَتِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: فَإذا فَرَغْتَ مِنَ التَّشَهُّدِ فادْعُ لِدُنْياكَ وآخِرَتِكَ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، والزُّهْرِيُّ.
والخامِسُ: إذا صَحَّ بَدَنُكَ فاجْعَلْ صِحَّتَكَ نَصْبًا في العِبادَةِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ ﴿ وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: اجْعَلْ رَغْبَتَكَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وحْدَهُ.
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الشَرْحِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لا خِلافَ بَيْنَهم في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ ﴿ وَوَضَعْنا عنكَ وِزْرَكَ ﴾ ﴿ الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ ﴿ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ ﴿ فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ ﴿ إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ ﴿ فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ ﴾ ﴿ وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ ﴾ عَدَّدَ اللهُ عَلى نَبِيِّهِ نِعَمَهُ في أنْ شَرَحَ صَدْرَهُ لِلنُّبُوَّةِ وهَيَّأهُ لَها، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ شَرْحَ الصَدْرِ المَذْكُورِ هُوَ: تَنْوِيرُهُ بِالحِكْمَةِ وتَوْسِيعُهُ لِتَلَقِّي ما يُوحى إلَيْهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وجَماعَةٌ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى شَرْحِهِ بِشَقِّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ عنهُ في وقْتِ صِغَرِهِ، وفي وقْتِ الإسْراءِ؛ إذِ التَشْرِيحُ شَقُّ اللَحْمِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ: "ألَمْ نَشْرَحْ" بِنَصْبِ الحاءِ عَلى نَحْوِ قَوْلِ الشاعِرِ: أضْرِبْ عنكَ الهُمُومَ طارِقَها ضَرْبَكَ بِالسَيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ ومِثْلُهُ في نَوادِرِ أبِي زَيْدٍ: مِن أيِّ يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أفِرُّ ∗∗∗ أيْوَمٌ لَمْ يُقْدَرَ أمْ يَوْمُ قُدِرْ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: "ألَمْ نَشْرَحَنَّ"، ثُمَّ أبْدَلَ مِنَ النُونِ ألِفًا، ثُمَّ حَذَفَها تَخْفِيفًا، وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ.
وَ"الوِزْرُ" الَّذِي وضَعَهُ اللهُ عنهُ هو عِنْدَ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ الثِقَلُ الَّذِي كانَ رَسُولُ اللهِ وحِيرَتُهُ قَبْلَ المَبْعَثِ؛ إذْ كانَ يَرى سُوءَ ما قُرَيْشٌ فِيهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، وكانَ لَمْ يَتَّجِهْ لَهُ مِنَ اللهِ أمْرٌ واضِحٌ، فَوَضَعَ اللهُ تَعالى عنهُ ذَلِكَ الثِقْلَ بِنُبُوَّتِهِ وإرْسالِهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: المَعْنى: خَفَّفْنا عَلَيْكَ أثْقالَ النُبُوَّةِ، وأعَنّاكَ عَلى الناسِ، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، وجُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الوِزْرُ هُنا: الذُنُوبُ، الثِقَلُ، فَشُبِّهَتِ الذُنُوبُ بِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ﴾ ، وكانَ رَسُولُ اللهِ في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ النُبُوَّةِ وِزْرُهُ صُحْبَةُ قَوْمِهِ، وأكْلُهُ مِن ذَبائِحِهِمْ، ونَحْوُ هَذا، وقالَ الضَحّاكُ، وفي كِتابِ النَقّاشِ: حُضُورُهُ مَعَ قَوْمِهِ المُشاهِدِ الَّتِي لا يُحِبُّها اللهُ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ كُلُّها جَرَّها المَنشَأُ، كَشُهُودِهِ حَرْبَ الفُجّارِ، يَنْبُلُ عَلى أعْمامِهِ وقَلْبِهِ في ذَلِكَ مُنِيبٌ إلى الصَوابِ، وأمّا عِبادَةُ الأصْنامِ فَلَمْ يَلْتَبِسْ بِها قَطُّ.
وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: "وَحَطَطْنا عنكَ وِزْرَكَ"، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَحَلَلْنا عنكَ وِقْرَكَ"، وفي حِرَفِ أُبَيٍّ "وَحَطَطْنا عنكَ وِقْرَكَ"، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو أنَّ النَبِيَّ صَوَّبَ جَمِيعَها.
وقالَ المُحاسِبِيُّ: إنَّما وُصِفَتْ ذُنُوبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ بِالثِقَلِ وهي صَغائِرُ مَغْفُورَةٌ لِهَمِّهِمْ بِها وتَحَسُّرِهِمْ عَلَيْها.
وَ"أنْقَضَ" مَعْناهُ: جَعَلَهُ نَقْضًا، أيْ هَزِيلًا مَعِيبًا مِنَ الثِقْلِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أسْمَعُ لَهُ نَقِيضًا وهو الصَوْتُ، وهو مِثْلُ نَقِيضِ السُفُنِ، وكُلُّ ما حَمَّلْتَهُ ثِقَلًا فَإنَّهُ يُنْقَضُ تَحْتَهُ، وقالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ: وأنْقَضَ ظَهْرِي ما تَطَوَّقْتُ مِنهم ∗∗∗ وكُنْتُ عَلَيْهِمْ مُشْفِقًا مُتَحَنِّنًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ مَعْناهُ: نَوَّهْنا بِاسْمِكَ، وذَهَبْنا بِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ في الأرْضِ، هَذا ورَسُولُ اللهِ بِمَكَّةَ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ ، أيْ: قَرَنّا اسْمَكَ بِاسْمِنا في الأذانِ والخُطَبِ، ورُوِيَ في هَذا حَدِيثُ "إنَّ اللهَ تَعالى قالَ: إذا ذُكِرْتُ ذْكِرْتَ مَعِي"، وهَذا مُتَّجِهٌ إلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ قَدِيمًا والأذانُ شُرِعَ بِالمَدِينَةِ، ورَفْعُ الذِكْرِ نِعْمَةٌ عَلى الرَسُولِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ، وكَذَلِكَ هو جَمِيلٌ حَسَنٌ لِلْقائِمِينَ بِأُمُورِ الناسِ، وخُمُولُ الذِكْرِ والِاسْمِ حَسَنٌ لِلْمُنْفَرِدِينَ لِلْعِبادَةِ، وقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعالى النِعَمَ أقْسامًا بِحَسَبِ ما يَصْلُحُ لِشَخْصٍ شَخَصَ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يُوقِفُ عَبْدًا يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ: ألَمْ أفْعَلْ بِكَ كَذا وكَذا؟
يُعَدِّدُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ-، ويَقُولُ في جُمْلَتِها: ألَمْ أحْمِلْ أخْمَلَ ذِكْرَكَ في الناسِ"؟» والمَعْنى في هَذا التَعْدِيدِ الَّذِي عَلى النَبِيِّ أيْ: يا مُحَمَّدُ قَدْ جَعَلْنا جَمِيعَ هَذا فَلا تَكْتَرِثُ بِأذى قُرَيْشٍ، فَإنَّ الَّذِي فَعَلَ بِكَ هَذِهِ النِعَمَ سَيُظْفِرُكَ بِهِمْ ويَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ قَوّى رَجاءَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ ، أيْ ما تَراهُ مِنَ الأذى فَرَجٌ يَأْتِيكَ، وكَرَّرَ تَعالى ذَلِكَ مُبالَغَةً وتَبَيُّنًا لِلْخَيْرِ، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: المَعْنى: إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا في الدُنْيا، وإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا في الآخِرَةِ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ مَعَ كُلِّ عُسْرٍ يُسْرَيْنِ بِهَذِهِ الآيَةِ، مِن حَيْثُ "العُسْرُ" مَعْرُوفٌ لِلْعَهْدِ، و"اليُسْرُ" مُنْكَرٌ، فالأوَّلُ غَيْرُ الثانِي، وقَدْ رُوِيَ في هَذا التَأْوِيلِ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ"،» وأمّا قَوْلُ عَمَرَ بِهِ فَنَصٌّ في المُوَطَّأِ في رِسالَتِهِ إلى أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
وقَرَأ عِيسى، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: "العُسْرُ، واليُسْرُ" بِضَمَّتَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا" واحِدَةٌ غَيْرُ مُكَرَّرَةٍ.
ثُمَّ أمِرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إذا فَرَغَ مِن شُغْلٍ مِن أشْغالِ النُبُوَّةِ والعِبادَةِ أنْ يَنْصِبَ في آخِرَ، والنَصْبُ: التَعَبُ، فالمَعْنى أنْ يَدْأبَ عَلى ما أُمِرَ بِهِ ولا يَفْتُرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: فَإذا فَرَغْتَ مِن فَرْضِكَ فانْصَبْ في التَنَفُّلِ عِبادَةً لِرَبِّكَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فانْصَبْ في قِيامِ اللَيْلِ، وعن مُجاهِدٍ فَإذا فَرَغْتَ مِن شَغْلِ دُنْياكَ فانْصَبْ في عِبادَةِ رَبِّكَ، وقِيلَ: المَعْنى: إذا فَرَغْتَ مِنَ الرَكَعاتِ فاجْلِسْ في التَشَهُّدِ وانْصَبْ في الدُعاءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: مَعْنى الكَلامِ: فَإذا فَرَغْتَ مِنَ العِبادَةِ فانْصَبْ في الدُعاءِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الجِهادِ فانْصَبْ في العِبادَةِ، ويَعْتَرِضُ هَذا التَأْوِيلُ أنَّ الجِهادَ فُرِضَ بِالمَدِينَةِ.
وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فَرِغَتْ" بِكَسْرِ الراءِ، وهي لُغَةٌ، وقَرَأ قَوْمٌ "فانْصَبَّ" بِشَدِّ الباءِ وفَتْحِها، ومَعْناها: إذا فَرَغْتَ مِنَ الجِهادِ "فانْصَبَّ" إلى المَدِينَةِ، ذَكَرَها النَقّاشُ مُنَبِّهًا عَلى أنَّها خَطَأٌ، وقَرَأ آخَرُونَ الإمامِيَّةُ "فانْصِبَ" بِكَسْرِ الصادِ، بِمَعْنى إذا فَرَغْتَ مِن أمْرِ النُبُوَّةِ فانْصِبْ خَلِيفَةً، وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ ضَعِيفَةُ المَعْنى لَمْ تَثْبُتْ عن عالِمٍ، ومَرَّ شُرَيْحٌ عَلى رَجُلَيْنِ يَصْطَرِعانِ فَقالَ: لَيْسَ بِهَذا أمْرُ الفَراغِ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ ﴾ أمْرٌ بِالتَوَكُّلِ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وصَرْفُ وجْهِ الرَغَباتِ إلَيْهِ لا إلى سِواهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَرَغِّبْ" بِفَتْحِ الراءِ وشَدِّ الغَيْنِ مَكْسُورَةً.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الشَرْحِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
استفهام تقريري على النفي.
والمقصود التقرير على إثبات المنفي كما تقدم غير مرة.
وهذا التقرير مقصود به التذكير لأجل أن يراعي هذه المنة عندما يخالجه ضيق صدر مما يلقاه من أذى قوم يريد صلاحَهم وإنقاذَهم من النار ورفعَ شأنهم بين الأمم، ليدوم على دعوته العظيمة نَشيطاً غير ذي أسف ولا كَمَدٍ.
والشرح حقيقته: فصل أجزاء اللحم بعضِها عن بعض، ومنه الشريحة للقطعة من اللحم، والتشريح في الطب، ويطلق على انفعال النفس بالرضى بالحال المتلبس بها.
وظاهر كلام «الأساس» أن هذا إطلاق حقيقي.
ولعله راعى كثرة الاستعمال، أي هو من المجاز الذي يساوي الحقيقة لأن الظاهر أن الشرح الحقيقي خاص بشرح اللحم، وأن إطلاق الشرح على رضى النفس بالحال أصله استعارة ناشئة عن إطلاق لفظ الضيق وما تصرف منه على الإحساس بالحزن والكمد قال تعالى: ﴿ وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز ﴾ [هود: 12] الآية.
فجعل إزالة ما في النفس من حزن مثل شرح اللحم وهذا الأنسب بقوله: ﴿ فإن مع العسر يسراً ﴾ [الشرح: 5].
وتقدم قوله: ﴿ قال رب اشرح لي صدري ﴾ في سورة طه (25).
فالصدر مراد به الإِحساس الباطني الجامع لمعنى العقل والإدراك.
وشرح صدره كناية عن الإِنعام عليه بكل ما تطمح إليه نفسه الزكية من الكمالات وإعلامه برضى الله عنه وبشارته بما سيحصل للدّين الذّي جاء به من النصر.
هذا تفسير الآية بما يفيده نظمها واستقلالها عن المرويات الخارجية، ففسرها ابن عباس بأن الله شرح قلبه بالإِسلام، وعن الحسن قال: شرح صدره أن مُلِئ علماً وحكماً، وقال سهل بن عبد الله التستري: شرح صدره بنور الرسالة، وعلى هذا الوجه حمله كثير من المفسرين ونسبه ابن عطية إلى الجمهور.
ويجوز أن يجعل الشرح شرحاً بدنياً.
وروي عن ابن عباس أنه فسر به وهو ظاهر صنيع الترمذي إذ أخرج حديث شقِّ الصدر الشريف في تفسير هذه السورة فتكون الآية إشارة إلى مرويات في شَق صدره صلى الله عليه وسلم شقّاً قُدُسياً، وهو المروي بعض خبره في «الصحيحين»، والمروي مطولاً في السيرة والمسانيد، فوقع بعض الروايات في «الصحيحين» أنه كان في رؤيا النوم ورؤيا الأنبياء وحي، وفي بعضها أنه كان يقظة وهو ظاهر ما في «البخاري»، وفي «صحيح مسلم» أنه يقظة وبمرأى من غلمان أترابه، وفي حديث مسلم عن أنس بن مالك أنه قال: رأيت أثر الشق في جلد صدر النبي صلى الله عليه وسلم وفي بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بين النائم واليقظان، والرواياتُ مختلفة في زمانه ومكانه مع اتفاقها على أنه كان بمكة.
واختلاف الروايات حمل بعضَ أهل العلم على القول بأن شق صدره الشريف تكرر مرتين إلى أربع، منها حين كان عند حليمة.
وفي حديث عبد الله بن أحمد بن حنبل أن الشق كان وعمُر النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين.
والذي في «الصحيح» عن أبي ذر أنه كان عند المعراج به إلى السماء، ولعل بعضها كان رؤيا وبعضها حساً.
وليس في شيء من هذه الأخبار على اختلاف مراتبها ما يدل على أنه الشرح المراد في الآية، وإذ قد كان ذاك الشق معجزة خارقة للعادة يجوز أن يكون مراداً وهو ما نحاه أبو بكر بن العربي في «الأحكام»، وعليه يكون الصدر قد أطلق على حقيقته وهو الباطن الحاوي للقلب.
ومن العلماء فسر الصدر بالقلب حكاه عياض في «الشفا»، يشير إلى ما جاء في خبرِ شق الصدر من إخراج قلبه وإزالة مقر الوسوسة منه، وكلا المعنيين للشرح يفيد أنه إيقاع معنى عظيم لنفس النبي صلى الله عليه وسلم إمَّا مباشرة وإما باعتبار مغزاهُ كما لا يخفى.
واللام في قوله: ﴿ لك ﴾ لام التعليل، وهو يفيد تكريماً للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن الله فعل ذلك لأجله.
وفي ذكر الجار والمجرور قبل ذكر المشروح سلوك طريقة الإِبهام للتشويق فإنه لما ذُكر فعل ﴿ نشرح ﴾ عَلم السامع أن ثَمَّ مشروحاً، فلما وقع قوله: ﴿ لك ﴾ قوي الإِبهام فازداد التشويق، لأن ﴿ لك ﴾ يفيد معنى شيئاً لأجلك فلما وقع بعده قوله: «صدره» تعين المشروح المترقَّب فتمكن في الذهن كمال تمكن، وهذا ما أشار إليه في «الكشاف» وقفِّي عليه صاحب «المفتاح» في مبحث الإِطناب.
والوِزر: الحَرج، ووضْعه: حطَّه عن حامله، والكلام تمثيل لحال إزالة الشدائد والكروب بحال من يحط ثقلاً عن حامله ليريحه من عناء الثقل.
والمعنى: أن الله أزال عنه كل ما كان يتحرج منه من عادات أهل الجاهلية التي لا تلائم ما فَطر الله عليه نفسه من الزكاة والسمو ولا يجد بداً من مسايرتهم عليه فوضع عنه ذلك حين أوحى إليه بالرسالة، وكذلك ما كان يجده في أول بعثته من ثقل الوحي فيسَّره الله عليه بقوله: ﴿ سنقرئك فلا تنسى ﴾ إلى قوله: ﴿ ونيسرك لليسرى ﴾ [الأعلى: 6 8].
و ﴿ أنقض ﴾ جعل الشيءَ ذا نقيض، والنقيض صوت صرير المحمل والرحْل وصوتُ عظام المفاصل، وفرقعةُ الأصابع، وفعله القاصر من باب نصر ويعدّى بالهمزة.
وإسناد ﴿ أنقض ﴾ إلى الوِزر مجاز عقلي، وتعديته إلى الظهر تَبع لتشبيه المشقة بالحمل، فالتركيب تمثيل لمتجشم المشاققِ الشديدة، بالحَمولة المثقلة بالإِجمال تثقيلاً شديداً حتى يسمع لعظام ظهرها فرقعة وصرير.
وهو تمثيل بديع لأنه تشبيه مركب قابل لتفريق التشبيه على أجزائه.
ووصف الوزر بهذا الوصف تكميل للتمثيل بأنه وزر عظيم.
واعلم أن في قوله: ﴿ أنقض ظهرك ﴾ اتصالَ حرفي الضاد والظاء وهما متقاربا المخرج فربما يحصل من النطق بهما شيء من الثقل على اللسان ولكنه لا ينافي الفصاحة إذ لا يبلغ مبلغ ما يسمى بتنافر الكلماتتِ بل مثله مغتفر في كلام الفصحاء.
والعرب فُصحاء الألسن فإذا اقتضى نظم الكلام ورود مثل هذين الحرفين المتقاربين لم يعبأ البليغ بما يعرض عند اجتماعهما من بعض الثقل، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿ وسبحه ﴾ [الإنسان: 26] في اجتماع الحاء مع الهاء، وذلك حيث لا يصح الإدغام.
وقد أوصى علماء التجويد بإظهار الضاد مع الظاء إذا تلاقيا كما في هذه الآية وقوله: ﴿ ويوم يعض الظالم ﴾ [الفرقان: 27] ولها نظائر في القرآن.
وهذه الآية هي المشتهرة ولم يزل الأيمة في المساجد يتوخون الحذر من إبدال أحد هذين الحرفين بالآخر للخلاف الواقع بين الفقهاء في بطلان صلاة اللحَّان ومَن لا يحسن القراءة مطلقاً أو إذا كان عَامداً إذا كان فذاً وفي بطلان صلاة من خلفه أيضاً إذا كان اللاحن إماماً.
ورفع الذكر: جعل ذكره بين الناس بصفات الكمال، وذلك بما نزل من القرآن ثناء عليه وكرامة.
وبإلهام الناس التحدث بما جبله الله عليه من المحامد منذ نشأته.
وعطفُ ﴿ ووضعنا ﴾ و ﴿ رفعنا ﴾ بصيغة المضي على فعل ﴿ نشرح ﴾ بصيغة المضارع لأن (لَم) قلبت زمن الحال إلى المضي فعُطف عليه الفعلان بصيغة المضي لأنهما داخلان في حيز التقرير فلما لم يقترن بهما حرف (لم) صيّر بهما إلى ما تفيده (لم) من معنى المضي.
والآية تشير إلى أحوال كان النبي صلى الله عليه وسلم في حرج منها أو من شأنه أن يكون في حرج، وأن الله كشف عنه ما به من حرج منها أو هيّأ نفسه لعدم النوء بها.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمها كما أشعَر به إجمالها في الاستفهام التقريري المقتضي علم المقرَّر بما قُرر عليه، ولعلّ تفصيلها فيما سبق في سورة الضحى فلعلها كانت من أحوال كراهيته ما عليه أهل الجاهلية من نبذ توحيد الله ومن مساوي الأعمال.
وكان في حرج من كونه بينهم ولا يستطيع صرفهم عما هم فيه ولم يكن يترقب طريقها لأن يهديهم أو لم يصل إلى معرفة كنه الحق الذي يجب أن يكون قومه عليه ولم يطمع إلا في خويصة نفسه يودّ أن يجد لنفسه قبس نور يضيء له سبيل الحق مما كان باعثاً له على التفكر والخلوة والالتجاء إلى الله، فكان يتحنث في غار حراء فلما انتشله الله من تلك الوحلة بما أكرمه به من الوحي كان ذلك شرحاً مما كان يضيق به صدره يومئذ، فانجلى له النور، وأمِر بإنقاذ قومه وقد يظنهم طلاَّب حق وأزكياء نفوس فلما قابلوا إرشاده بالإِعراض ومُلاطفته لهم بالامتعاض، حدث في صدره ضيق آخر أشار إلى مثل قوله تعالى: ﴿ لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ﴾ [الشعراء: 3] وذلك الذي لم يزل ينزل عليه في شأنه رَبْطُ جأشه بنحو قوله تعالى: ﴿ ليس عليك هداهم ولكن اللَّه يهدي من يشاء ﴾ [البقرة: 272] فكلما نزل عليه وحي من هذا أكسبه شرحاً لصدره، وكان لحماية أبي طالب إياه وصده قريشاً عن أذاه منفس عنه، وأقوى مؤيد له لدعوته يَنشرح له صدره.
وكلما آمن أحد من الناس تزحزح بعض الضيق عن صدره، وكانت شدة قريش على المؤمنين يضيق لها صدره فكلما خلُص بعض المؤمنين من أذى قريش بنحو عتق الصديق بلالاً وغيره، وبما بشره الله من عاقبة النصر له وللمؤمنين تصريحاً وتعريضاً نحو قوله في السورة قبلها: ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ [الضحى: 5] فذلك من الشرح المراد هنا.
وجماع القول في ذلك أنَّ تجليات هذا الشرح عديدة وأنها سر بين الله تعالى وبين رسوله صلى الله عليه وسلم المخاطب بهذه الآية.
وأما وضع الوزر عنه فحاصل بأمرين: بهدايته إلى الحق التي أزالت حيرته بالتفكر في حال قومه وهو ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ ووجدك ضالاً فهدى ﴾ [الضحى: 7] وبكفايته مؤنة كُلف عيشه التي قد تشغله عما هو فيه من الأنس بالفكرة في صلاح نفسه، وهو ما أشار إليه قوله: ﴿ ووجدك عائلاً فأغنى ﴾ [الضحى: 8].
ورفْع الذكر مجاز في إلهام الناس لأن يذكروه بخير، وذلك بإيجاد أسباب تلك السمعة حتى يتحدث بها الناس، استعير الرفع لحسن الذكر لأن الرفع جعل الشيء عالياً لا تناله جميع الأيدي ولا تدوسه الأرجل.
فقد فطر الله رسوله صلى الله عليه وسلم على مكارم يعزّ وجود نوعها ولم يبلغ أحد شأوَ ما بلغه منها حتى لُقب في قومه بالأمين.
وقد قيل إن قوله تعالى: ﴿ إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين ﴾ [التكوير: 19 21] مراد به النبي صلى الله عليه وسلم ومن عظيم رفع ذكره أن اسمه مقترن باسم الله تعالى في كلمة الإِسلام وهي كلمة الشهادة.
وروي هذا التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري عند ابن حبان وأبي يعلى قال السيوطي: وإسناده حسن، وأخرجه عياض في «الشفاء» بدون سند.
والقول في ذكر كلمة ﴿ لك ﴾ مع ﴿ ورفعنا ﴾ كالقول في ذكر نظيرها مع قوله: ﴿ ألم نشرح ﴾ .
وإنما لم يُذكر مع ﴿ ووضعنا عنك وزرك ﴾ بأن يقال: ووضعنا لك وزرك للاستغناء بقوله: ﴿ عنك ﴾ فإنه في إفادة الإِبهام ثم التفصيل مساوٍ لكلمة ﴿ لك ﴾ ، وهي في إفادة العناية به تساوي كلمة ﴿ لك ﴾ ، لأن فعل الوضع المعدَّى إلى الوزر يدل على أن الوضع عنه فكانت زيادة ﴿ عنك ﴾ إطناباً يشيرإلى أن ذلك عناية به نظير قوله: ﴿ لك ﴾ الذي قبله، فحصل بذكر ﴿ عنك ﴾ إيفاء إلى تعدية فعل ﴿ وضعنا ﴾ مع الإِيفاء بحق الإِبهام ثم البيان.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الشَّرْحِ مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ وهَذا تَقْرِيرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِ اللَّهِ عِنْدَ انْشِراحِ صَدْرِهِ لِما حَمَلَهُ مِن نُبُوَّتِهِ.
وَفي (نَشْرَحْ) وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ أزالَ هَمَّكَ مِنكَ حَتّى تَخْلُوَ لِما أُمِرَتْ بِهِ.
الثّانِي: أيْ نَفْتَحُ لَكَ صَدْرَكَ لِيَتَّسِعَ لِما حَمَلْتَهُ عَنْهُ فَلا يَضِيقُ، ومِنهُ تَشْرِيحُ اللَّحْمِ لِأنَّهُ فَتَحَهُ لِتَقْدِيدِهِ.
وَفِيما شَرَحَ صَدْرَهُ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الإسْلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: بِأنْ مُلِئَ حِكْمَةً وعِلْمًا، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: بِما مَنَّ عَلَيْهِ مِنَ الصَّبْرِ والِاحْتِمالِ، قالَهُ عَطاءٌ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: بِحِفْظِ القُرْآنِ وحُقُوقِ النُّبُوَّةِ.
﴿ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: وغَفَرْنا لَكَ ذَنْبَكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ لِلنَّبِيِّ ذُنُوبٌ أثْقَلَتْهُ فَغَفَرَها اللَّهُ تَعالى لَهُ.
الثّانِي: وحَطَطْنا عَنْكَ ثِقَلَكَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وحَلَلْنا عَنْكَ وِقْرَكَ.
الثّالِثُ: وحَفِظْناكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ في الأرْبَعِينَ مِنَ الأدْناسِ حَتّى نَزَلَ عَلَيْكَ الوَحْيُ وأنْتَ مُطَهَّرٌ مِنَ الأدْناسِ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أيْ أسْقَطْنا عَنْكَ تَكْلِيفَ ما لَمْ تُطِقْهُ، لِأنَّ الأنْبِياءَ وإنْ حَمَلُوا مِن أثْقالِ النُّبُوَّةِ عَلى ما يَعْجَزُ عَنْهُ غَيْرُهم مِنَ الأُمَّةِ فَقَدْ أُعْطُوا مِن فَضْلِ القُوَّةِ ما يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلى ثِقَلِ النُّبُوَّةِ، فَصارَ ما عَجَزَ عَنْهُ غَيْرُهم لَيْسَ بِمُطاقٍ.
﴿ الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ أيْ أثْقَلَ ظَهْرَكَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ كَما يَنْقَضُّ البَعِيرُ مِنَ الحِمْلِ الثَّقِيلِ حَتّى يَصِيرَ نَقْضًا.
وَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أثْقَلَ ظَهْرَهُ بِالذُّنُوبِ حَتّى غَفَرَها.
الثّانِي: أثْقَلَ ظَهْرَهُ بِالرِّسالَةِ حَتّى بَلَّغَها.
الثّالِثُ: أثْقَلَ ظَهْرَهُ بِالنِّعَمِ حَتّى شَكَرَها.
﴿ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ بِالنُّبُوَّةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الثّانِي: ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ في الآخِرَةِ كَما رَفَعْناهُ في الدُّنْيا.
الثّالِثُ: أنَّ تُذْكَرَ مَعِيَ إذا ذُكِرْتُ، رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (أتانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ أتَدْرِي كَيْفَ رَفَعْتُ ذِكْرَكَ؟
فَقالَ: اللَّهُ أعْلَمُ، فَقالَ: إذا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ)» قالَهُ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلَيْسَ خَطِيبٌ يَخْطُبُ ولا يَتَشَهَّدُ، ولا صاحِبُ صَلاةٍ إلّا يُنادِي: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
﴿ فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنَّ مَعَ اجْتِهادِ الدُّنْيا خَيْرَ الآخِرَةِ.
الثّانِي: إنَّ مَعَ الشِّدَّةِ رَخاءً، ومَعَ الصَّبْرِ سِعَةً، ومَعَ الشَّقاوَةِ سَعادَةً، ومَعَ الحُزُونَةِ سُهُولَةً.
وَيَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا عِنْدَ اللَّهِ لِيَفْعَلَ مِنهُما ما شاءَ.
الثّانِي: إنَّ مَعَ العُسْرِ في الدُّنْيا يُسْرًا في الآخِرَةِ.
الثّالِثُ: إنَّ مَعَ العُسْرِ لِمَن بُلِيَ يُسْرًا لِمَن صَبَرَ واحْتَسَبَ بِما يُوَفَّقُ لَهُ مِنَ القَناعَةِ أوْ بِما يُعْطى مِنَ السِّعَةِ.
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: واَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كانَ العُسْرُ في حَجَرٍ لَطَلَبَهُ اليُسْرُ حَتّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ (وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ) .
وإنَّما كانَ العُسْرُ في المَوْضِعَيْنِ واحِدًا، واليُسْرُ اثْنَيْنِ، لِدُخُولِ الألِفِ واللّامِ عَلى العُسْرِ وحَذْفِها مِنَ اليُسْرِ.
وَفي تَكْرارِ ﴿ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما ذَكَرْنا مِن إفْرادِ العُسْرِ وتَثْنِيَةِ اليُسْرِ، لِيَكُونَ أقْوى لِلْأمَلِ وأبْعَثَ عَلى الصَّبْرِ، قالَهُ ثَعْلَبٌ.
الثّانِي: لِلْإطْنابِ والمُبالَغَةِ، كَما قالُوا في تَكْرارِ الجَوابِ فَيُقالُ بَلى بَلى، لا لا، قالَهُ الفَرّاءُ وقالَ الشّاعِرُ هَمَمْتُ بِنَفْسِي بَعْضَ الهُمُومِ فَأوْلى لِنَفْسِيَ أوْلى لَها.
﴿ فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: فَإذا فَرَغْتَ مِنَ الفَرائِضِ فانْصَبْ مِن قِيامِ اللَّيْلِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
الثّانِي: فَإذا فَرَغْتَ مِن صَلاتِكَ فانْصَبْ في دُعائِكَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: فَإذا فَرَغْتَ مِن جِهادِكَ عَدُوَّكَ فانْصَبْ لِعِبادَةِ رَبِّكَ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
الرّابِعُ: فَإذا فَرَغْتَ مِن أمْرِ دُنْياكَ فانْصَبْ في عَمَلِ آخِرَتِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا خامِسًا: فَإذا فَرَغْتَ مِن إبْلاغِ الرِّسالَةِ فانْصَبْ لِجِهادِ عَدُوِّكَ.
﴿ وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فارْغَبْ إلَيْهِ في دُعائِكَ قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
الثّانِي: في مَعُونَتِكَ.
الثّالِثُ: في إخْلاصِ نِيَّتِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: فارْغَبْ إلَيْهِ في نَصْرِكَ عَلى أعْدائِكَ.
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ قال: شرح الله صدره للإِسلام.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ قال: مليء حلماً وعلماً ﴿ ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ﴾ قال: الذي أثقل الحمل ﴿ ورفعنا لك ذكرك ﴾ قال: إذا ذكرتُ ذكرت معي.
وأخرج البيهقي في الدلائل عن إبراهيم بن طهمان قال: سألت سعداً عن قوله: ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ فحدثني به عن قتادة عن أنس قال: شق بطنه من عند صدره إلى أسفل بطنه فاستخرج من قلبه، فغسل في طست من ذهب، ثم ملئ إيماناً وحكمة، ثم أعيد مكانه.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن أبيّ بن كعب أن أبا هريرة قال: يا رسول الله ما أول ما رأيت من أمر النبوّة؟
فاستوى رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً وقال: «لقد سألت أبا هريرة إني لفي صحراء ابن عشرين سنة وأشهراً إذا بكلام فوق رأسي وإذا رجل يقول لرجل: أهو هو؟
فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط وأرواح لم أجدها في خلق قط وثياب لم أجدها على أحد قط، فأقبلا إليّ يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي لا أجد لأخذهما مسّاً فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه.
فأضجعني بلا قصر ولا هصر، فقال أحدهما: افلق صدره فخوّى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له: أخرج الغل والحسد.
فأخرج شيئاً كهيئة العلقة، ثم نبذها، فطرحها، فقال له: أدخل الرأفة والرحمة فإذا مثل الذي أخرج شبه الفضة، ثم هز ابهام رجلي اليمنى.
وقال: اغدوا سلم، فرجعت بها أغدو بها رقة على الصغير ورحمة للكبير» .
وأخرج أحمد عن عتبة بن عبد السلمي «أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كيف كان أول شأنك يا رسول الله؟
قال: كانت حاضنتي بنت سعد بن بكر» .
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ ووضعنا عنك وزرك ﴾ قال: ذنبك ﴿ الذي أنقض ظهرك ﴾ قال: أثقل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن شريح بن عبيد الحضرمي ﴿ ووضعنا عنك وزرك ﴾ قال: وغفرنا لك ذنبك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: في قراءة عبد الله ﴿ وحللنا عنك وقرك ﴾ .
أخرج الشافعي في الرسالة وعبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن مجاهد في قوله: ﴿ ورفعنا لك ذكرك ﴾ قال: لا أذكر إلا ذكرت معي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن قتادة ﴿ ورفعنا لك ذكرك ﴾ قال: رفع الله ذكره في الدنيا والأخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.
وأخرج سعيد بن منصور وابن عساكر وابن المنذر عن محمد بن كعب في الآية قال: إذا ذكر الله ذكر معه أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ﴿ ورفعنا لك ذكرك ﴾ قال: إذا ذكرت ذكرت معي ولا تجوز خطبة ولا نكاح إلا بذكرك معي.
وأخرج ابن عساكر عن الحسن في قوله: ﴿ ورفعنا لك ذكرك ﴾ قال: ألا ترى أن الله لا يذكر في موضع إلا ذكر معه نبيه.
وأخرج البيهقي في سننه عن الحسن ﴿ ورفعنا لك ذكرك ﴾ قال: إذا ذكر الله ذكر رسوله.
وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني جبريل فقال: إن ربك يقول: تدري كيف رفعت ذكرك؟
قلت: الله أعلم.
قال: إذا ذكرت ذكرت معي» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عدي بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته.
قلت: أي رب اتخذت إبراهيم خليلاً، وكلمت موسى تكليماً.
قال: يا محمد ألم أجدك يتيماً فآويت، وضالاً فهديت، وعائلاً فأغنيت، وشرحت لك صدرك، وحططت عنك وزرك، ورفعت لك ذكرك فلا أذكر إلا ذكرت معي واتخذتك خليلاً؟» .
وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما فرغت من أمر السموات والأرض قلت يا رب: إنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد كرّمته، اتخذت إبراهيم خليلاً، وموسى كليماً، وسخرت لداود الجبال ولسليمان الريح والشياطين، وأحييت لعيسى الموتى، فما جعلت لي؟
قال: أو ليس قد أعطيتك أفضل من ذلك كله؟
أن لا أذكر إلا ذكرت معي، وجعلت صدور أمتك أناجيل يقرؤون القرآن ظاهراً، ولم أعطها أمة، وأعطيتك كنزاً من كنوز عرشي: لا حول ولا قوّة إلا بالله» .
وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﴿ ورفعنا لك ذكرك ﴾ قال: لا يذكر الله إلا ذكرت معه.
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ فإن مع العسر يسراً ﴾ قال: اتبع العسر يسراً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً ﴾ قال: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر بهذه الآية أصحابه فقال: «لن يغلب عسر يسرين» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ إن مع العسر يسراً ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ابشروا أتاكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين» .
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: «بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ثلثمائة أو يزيدون، علينا أبو عبيدة بن الجراح، ليس معنا من الحمولة إلا ما نركب فزوّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين من تمر، فقال بعضنا لبعض: قد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أين تريدون وقد علمتم ما معكم من الزاد، فلو رجعتم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألتموه أن يزوّدكم، فرجعنا إليه، فقال: إني قد عرفت الذي جئتم له، ولو كان عندي غير الذي زوّدتكم لزوّدتكموه.
فانصرفنا، ونزلت ﴿ فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً ﴾ فأرسل نبي الله إلى بعضنا، فدعاه، فقال: أبشروا فإن الله قد أوحى إليّ ﴿ فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً ﴾ وإن يغلب عسر يسرين» .
وأخرج البزار وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً وحياله حجر، فقال: «لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه، فأنزل الله: ﴿ فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً ﴾ ولفظ الطبراني: وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً ﴾ » .
وأخرج ابن النجار من طريق حميد بن حماد عن عائذ عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قاعداً ببقيع الفرقد، فنزل إلى حائط فقال: «يا معشر من حضر والله لو كانت العسر جاءت تدخل الحجر لجاءت اليسر حتى تخرجها، فأنزل الله: ﴿ فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً ﴾ » .
وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لوكان العسر في حجر لدخل عليه اليسر حتى يخرجه، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إن مع العسر يسراً ﴾ » .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في الصبر وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال: لو كان العسر في حجر لتبعه اليسر حتى يدخل عليه ليخرجه، ولن يغلب عسر يسرين، إن الله يقول: ﴿ فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والحاكم والبيهقي عن الحسن قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فرحاً مسروراً، وهو يضحك ويقول: «لن يغلب عسر يسرين ﴿ فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً ﴾ » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: كانوا يقولون لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين.
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ الآية قال: إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء، واسأل الله وارغب إليه.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ الآية، قال: قال الله لرسوله: إذا فرغت من صلاتك وتشهدت فانصب إلى ربك واسأله حاجتك.
وأخرج ابن أبي الدنيا في الذكر عن ابن مسعود ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ إلى الدعاء ﴿ وإلى ربك فارغب ﴾ في المسألة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: كان ابن مسعود يقول: أيما رجل أحدث في آخر صلاته، فقد تمت صلاته، وذلك قوله: ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ قال: فراغك من الركوع والسجود ﴿ وإلى ربك فارغب ﴾ قال: في المسألة وأنت جالس.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ قال: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ قال: إذا جلست فاجتهد في الدعاء والمسألة.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن نصر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ قال: إذا فرغت من أسباب نفسك فصل ﴿ وإلى ربك فارغب ﴾ قال: اجعل رغبتك إلى ربك.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ قال: إذا فرغت من صلاتك فانصب في الدعاء.
وأخرج عبد بن حميد وابن نصر عن الضحاك ﴿ فإذا فرغت ﴾ قال: من الصلاة المكتوبة ﴿ وإلى ربك فارغب ﴾ قال: في المسألة والدعاء.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب ﴾ قال: أمره إذا فرغ من الصلاة أن يرغب في الدعاء إلى ربه، وقال الحسن: أمره إذا فرغ من غزوه أن يجتهد في العبادة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ قال: إذا فرغت من الجهاد فتعبد.
﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ ذكرنا معنى الشرح عند قوله تعالى: ﴿ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ﴾ (١) ﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ﴾ .
ومعناه في اللغة: الفتح (٢) -بإذهاب الشواغل التي تصد عن إدراك الحق.
قال ابن عباس في هذه الآية: قالوا يا رسول: أينشرح الصدر، قال: "نعم".
قالوا يا رسول الله: فلذلك علامة يعرف بها؟
قال: "نعم: التجافي عن دَار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإعداد للموت قبل نزوله" (٣) فأشار - - إلى ذهاب الشواغل التي تصد عن حقيقة الإيمان، وذلك إن صدق الإيمان بالله ووعده، ووعيده يوجب للإنسان الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، والاستعداد للموت، فإنه باب الآخرة، وهذا معنى قول الحسن في هذه الآية: ملئ حكمًا وعلمًا (٤) (٥) وقال الكلبي: يقول ألم يلين قلبك للإسلام؟
ثم ذكر أن جبريل غسل قلبه بماء زمزم، وأنقاه مما كَان فيه من المعاصي، وملأه علمًا وإيمانًا (٦) وعلى هذا معنى شرح صدره: أنقاه مما كان فيه من حظ الشيطان، وخليصه للإيمان، والإسلام، والحق، والتوحيد، حتى لا يكون فيه للشيطان نصيب.
وذكرنا في سورة الضحى سبب نزول هذه السورة.
وقوله: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ ﴾ استفهام معناه التقرير، أي قد فعلنا ذلك (٧) (١) سورة الأنعام: 125.
ومما جاء في تفسيرها: "قال الليث: شرح الله صدره فانشرح، أي وسع الله صدره لقبول الخير فتوسع.
وقال غيره: شرح فلان أمره إذا أوضحه وأظهره، وشرح مسألة إذا كانت مشكلة فبينها.
وقال ابن الأعرابي: الشرح الفتح، والشرح البيان ..
(٢) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 179 (شرح)، "مقاييس اللغة" 3/ 269 (شرح)، "لسان العرب" 2/ 497 (شرح).
(٣) الحديث أخرجه الطبري في "جامع البيان" م 5: ج 8/ 27 بمعناه من طريق ابن مسعود، ومن طريق عبد الله ابن المسور.
وأخرجه الدارقطني في: "العلل" 5/ 188 - 189: رقم 812 بطرق مختلفة عن ابن مسعود، وقال: الصواب عن عمرو بن مرة، عن أبي جعفر عبد الله بن المسور مرسلاً عن النبي - -كذلك قال الثوري، ثم قال: وعبد الله بن المسور بن عون بن جعفر بن أبي طالب هذا متروك.
وأخرجه البيهقي في: "الأسماء والصفات" 1/ 257 من طريق خالد بن أبي كريمة، عن عبد الله بن المسور، وقال عنه البيهقي: وهذا منقطع، كما أخرجه من طريق عمرو بن مرة عن أبي جعفر المدائني.
وأورده ابن كثير في "تفسيره": 2/ 181 عند تفسير سورة الأنعام: 125 بطرق مختلفة، ثم قال: فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضًا، والله أعلم.
وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 3/ 355: سورة الأنعام: 125 من طريق ابن مسعود، وعزاه إلى ابن شيبة، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والحاكم، والبيهقي في الشعب في طريق عن ابن مسعود وأورده الحاكم في "المستدرك" 4/ 311 كتاب الرقاق.
(٤) "النكت والعيون" 6/ 296، "الكشاف" 4/ 221، "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 104، "الدر المنثور" 8/ 547 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، "تفسير الحسن البصري" 2/ 426.
(٥) في (أ): (بها).
(٦) ورد معنى قوله في: "بحر العلوم" 3/ 489، وقد ورد حديث صحيح في معنى قوله، راجع ذلك في: "صحيح البخاري" 2/ 422 - 424: ح: 3207: كتاب بدء الخلق: باب 6 ج 3: 63 ح 3887: كتاب مناقب الأنصار: باب 42، و"صحيح مسلم" 1/ 149 - 150 ح: 264: كتاب الإيمان: باب 74، وغيرهما.
(٧) قال السمين الحلبي: الاستفهام إذا دخل على النفي قرره، فصار المعنى: قد شرحنا، ولذلك عطف عليه الماضي.
"الدر المصون": 6/ 540.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ هذا لصدره توقيف معناه إثبات شرح صدره صلى الله عليه وسلم وتعديد ما ذكر بعده من النعم، وشرح صدره صلى الله عليه وسلم هو اتساعه لتحصيل العلم، وتنويره بالحكمة، والمعرفة، وقيل هو شق جبريل لصدره في صغره، أو في وقت الإسراء حين أخرج قلبه وغسله ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ﴾ فيه ثلاثة أقوال: الأول: قول الجمهور أن الوزر الذنوب.
ووضعها هو غفرانها هو كقوله: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ [الفتح: 2] وهذا على قول من جوّز صغائر الذنوب على الأنبياء، أو على ذنوبه كانت قبل النبوّة، الثاني: أن الوزر هو أثقال النبوة وتكاليفها، ووضعها على هذا هو إعانته عليها، وتمهيد عذره بعد ما بلغ الرسالة، الثالث: أن الوزر هو تحيره قبل النبوة، إذ كان يرى أن قومه على اضلال، ولم يأته من الله أمر واضح فوضعه على هذا هو بالنبوّة والهدى للشريعة ﴿ الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ عبارة عن ثقل الوزر المذكور وشدته عليه، قال الحارث المحاسبي: إنما وصفت ذنوب الأنبياء بالثقل، وهي صغائر مغفرة لهم لهمّهم بها وتحسرهم عليها، فهي ثقيلة عندهم لشدة خوفهم من الله، وهي خفيفة عند الله، وهذا كما جاء في الأثر: «إن المؤمن يرى ذنوبه كالجبل يقع عليه، والمنافق يرى ذنوبه تطير كالذبابة فوق أنفه» واشتقاق أنقض ظهرك من نقض البنيان وغيره، أو من النقيض وهو الصوت فكأنه يسمع لظهره نقيض كنقيض ما يحمل عليه شيء ثقيل.
﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ أي نوّهنا باسمك وجعلناه شهيراً في المشارق والمغارب، وقيل: معناه اقتران ذكره بذكر الله في الأذان والخطبة والتشهد.
وفي مواضع من القرآن، وقد روي في هذا حديث أن الله قال له؛ إذا ذكرت ذكرت معي.
فإن قيل: لم قال لك ذكرك ولك صدرك مع أن المعنى مستقل دون ذلك؟
فالجواب أن قوله: لك يدل على الاعتناء به والاهتمام بأمره.
<div class="verse-tafsir"
الوقوف ﴿ صدرك ﴾ ه لا ﴿ وزرك ﴾ ه لا ﴿ ظهرك ﴾ ه لا ﴿ ذكرك ﴾ ﴿ يسراً ﴾ ه ط ﴿ فانصب ﴾ ه لا ﴿ فارغب ﴾ ه.
التفسير: روي عن طاوس وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا يقولان: هذه السورة وسورة الضحى سورة واحدة فكانا يقرآنهما في الركعة الواحدة من غير فصل بالبسملة.
والذي دعاهما إلى ذلك ما رأيا من المناسبة في معرض تعديد النعم بين قوله ﴿ ألم يجدك يتيماً ﴾ وبين قوله ﴿ ألم نشرح ﴾ وفيه ضعف، لأن القرآن كله في حكم وكلام واحد فلو كان هذا القدر يوجب طرح البسملة من البين لزم ذلك في كل السور أو في أكثرها، على أن الاستفهام الأول وارد بصيغة الغيبة، والثاني بصيغة التكلم، وهذا مما يوجب المباينة لا المناسبة.
قال جار الله: استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار فأفاد إثبات الشرح وإيجابه فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك ولذلك عطف عليه ﴿ وضعنا ﴾ اعتباراً للمعنى.
قلت: اعتبار المعنى من جانب ﴿ وضعنا ﴾ أصوب وأنسب ليكون الكل داخلاً في الاستفهام الإنكاري كأنه قيل: ألم نشرح ولم نضع ولم نرفع ومثله ما مر في والضحى ألم يجدك يتيماً أو لم يجدك ضالاً.
ونقول: معنى ﴿ ألم نشرح ﴾ أما شرحنا فيصح العطف عليه بهذا الاعتبار ليشمل الاستفهام مجموع الأفعال وهكذا في " والضحى ".
وفائدة العدول من المتكلم الواحد إلى الجمع إما تعظيم حال الشرح وإما الإعلام بتوسط الملك في ذلك الفعل كما روي أن جبرائيل أتاه وشق صدره وأخرج قلبه وغسله وأنقاه من المعاصي ثم ملأه علماً وإيماناً ووضعه في صدره.
طعن القاضي فيه من جهة أن هذه الواقعة من قبيل الإعجاز فكيف يمكن تصديقها قبل النبوة؟
ومن جهة أن الأمور المحسوسة لا يقاس بها الأمور المعنوية.
وأجيب عن الأول بأن الإرهاص جائز عندنا، وعن الثاني بأنه يفعل ما يشاء، ولا يبعد أنه تعالى جعل ذلك الغسل والتنقية علامة تعرف الملائكة بها عصمته عن الخطايا.
والأكثرون على أن الشرح أما معنوي وهو إما نقيض ضيق العطن بحيث لا يتأذى من كل مكروه وإيحاش يلحقه من كفار قومه فيتسع لأعباء الرسالة كلها ولا يتضجر من علائق الدنيا بأسرها، وإما خلاف الضلال والعمه حتى لا يرى إلا الحق ولا ينطق إلا بالحق ولا يفعل إلا للحق.
قال المحققون: ليس للشيطان إلى القلب سبيل ولهذا لم يقل " ألم نشرح قلبك " وإنما يجيء الشيطان إلى الصدر الذي هو حصن القلب فيبث فيه هموم الدنيا والحرص على الزخارف فيضيق القلب حينئذ ولا يجد للطاعة لذة ولا للإيمان حلاوة ولا على الإسلام طلاوة، فإذا طرد العدو بذكر الله والإعراض عمّا لا يعينه حصل الأمن وانشرح الصدر وتيسر له القيام بأداء العبودية.
وفوائد إقحام لك دون أن يقتصر على قوله ﴿ ألم نشرح صدرك ﴾ ما مر في قوله ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ من الإجمال ثم التفصيل، ومن إرادة الاختصاص أو كونه أهم.
قال أهل المعاني ومنهم جار الله: الوزر الذي أنقض ظهره أي أثقله مثل لما صدر عنه من بعض الصغائر قبل النبوة ولما جهله من الأحكام والشرائع، أو لما كان تهالك عليه من إسلام أولي العناد فيغتم بسبب ذلك، ووضعه عنه أن غفر له أو أنزل عليه الكتاب.
أو قيل له: إن عليك إلا البلاغ لست عليهم بمصيطر.
والأصل في الإنقاض أن الظهر إذا أثقله الحمل سمع له نقيض أي صوت خفي كصوت المحامل والرحال وكل ما فيه انتقاض وانفكاك.
وقيل: المراد بالوزر أعباء الرسالة وبوضعه تسهيل الله ذلك عليه ومن جملتها أنه كان يفزع في الأوائل حتى كاد يرمي بنفسه من الجبل فقوي وألف بالوحي حتى كاد يرمي بنفسه إذا فتر الوحي أو تأخر.
وقيل: المراد إزالة الحيرة التي كانت له قبل البعث، كان يريد أن يعبد ربه وما كانت نفسه تسكن إلى الشرائع المتقدمة لوقوع التحريف فيها.
ورفع ذكره أن قرن اسمه باسم الله في الشهادة والأذان والتشهد والخطب.
وجاء ذكره في القرآن مقروناً بذكر الله في غير موضع، وعلى سبيل التعظيم مثل النبي والرسول.
ومن رفع الذكر أن جاء العته في الكتب السماوية كلها وأخذ على أمم الأنبياء كلهم أن يؤمنوا به.
ثم إنهم كانوا يعيرون رسول الله بالفقر فقيل له: لا يحزنك قولهم ﴿ فإن مع العسر يسراً ﴾ أي بعد العسر الذي أنتم فيه يسر وأي يسر جعل الزمان القريب كالمتصل والمقارن زيادة في التسلية وقوة الرجاء.
روى مقاتل عن النبي أنه خرج ذات يوم وهو يضحك ويقول: لن يغلب عسر يسرين.
فقال الفراء والزجاج: العسر مذكور بالألف واللام وليس هناك معهود سابق فينصرف إلى الحقيقة فيكون المراد بالعسر في الموضعين شيئاً واحداً، وأما اليسر فإنه مذكور على سبيل التنكير فكان أحدهما غير الآخر وزيفه الجرجاني بأنه من المعلوم أن القائل إذا قال: إنّ مع الفارس سيفاً إن مع الفارس سيفاً.
لم يلزم منه أن يكون هناك فارس واحد معه سيفان.
وأقول: إذا كان المراد بالعسر الجنس لا العهد لزم اتحاد العسر في الصورتين.
وأما اليسر فمنكر فإن حمل الكلام الثاني على التكرار مثل ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ ونحوه كان اليسران واحداً.
وإن حمل على أنه جملة مستأنفة لزم أن يكون اليسر الثاني غير الأول وإلا كان تكراراً والمفروض خلافه.
وإن كان المراد العسر المعهود فإن كان المعهود واحداً وكان الثاني تكراراً كان اليسران أيضاً واحداً، وإن كان مستأنفاً كانا اثنين وإلا لزم خلاف المفروض، وغن كان المعهود اثنين فالظاهر اختلاف اليسرين وإلا لزم أو حسن أن يعاد اليسر الثاني معرفاً بلام العهد فهو واحد والكلام الثاني تكرير للأول لتقريره في النفوس إلا أنه يحسن أن يجعل اليسر فيه مغايراً للأول لعدم لام العهد.
ولعل هذا معنى الحديث إن ثبت والله أعلم ورسوله.
وإذا عرفت هذه الاحتمالات فإن لم يثبت صحة الحديث أمكن حمل الآية على جميعها، وإن ثبت صحته وجب حملها على وجه يلزم منه اتحاد العسر واختلاف اليسر.
وحينئذ يكون فيه قوة الرجاء ومزيد الاستظهار برحمة الكريم.
وأما اليسران على تقدير اختلافهما فقيل: يسر الدنيا ويسر الآخرة أي إن مع العسر الذي أنتم فيه يسر العاجل إن مع العسر الذي أنتم فيه يسر الآجل.
وقيل: ما تيسر لهم من الفتوح في أيام رسول الله ثم في أيام الخلفاء الراشدين، والأظهر الجنس ليكون وعداً عاماً لجميع المكلفين في كل عصر.
وحين عدد عليه النعم السابقة ووعده النعم اللاحقة من اليسر والظفر رتب عليه ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ قال قتادة والضحاك ومقاتل: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب أي اتعب للدعاء وأرغب إلى ربك في إنجاز المأمور لا إلى غير يعطك خير الدارين.
وعن الشعبي: إذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك.
وعن مجاهد: إذا فرغت من أمور دنياك لما وعدناك من اليسر والظفر فانصب للعبادة والدعوة.
وعن شريح أنه مر برجلين يتصارعان فقال: ما بهذا أمر الفارغ وقعود الرجل فارغاً من غير شغل قريب من العبث والاشتغال بما لا يعني، فعلى العاقل أن لا يضيع أوقاته في الكسل والدعة ويقبل بجميع قواه على تحصيل ما ينفعه في الدارين والله عالم بحقائقه.
قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ .
المخاطب فيه هذه السورة من الله - - [رسول الله ] خاطبه أياه؛ حيث قال: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ إلى ما ذكر.
والمخاطبة في سورة الضحى إنما كانت من غير الله - - إياه، كان جبريل - - خاطبه في ذكر منن الله أياه، وذكر نعمه ألا ترى أنه قال: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ ﴾ ، ولم يقل: ما ودعناك.
[ويجوز أن يكون الخطاب في سورة ﴿ وَٱلضُّحَىٰ ﴾ من الله على الغاية؛ [كما] يقال: إن أمير المؤمنين يقول: كذا، ويريد نفسه].
ثم اختلف في قوله: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ : قال بعضهم: شرح صدره للإسلام؛ كقوله: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ .
أخبر أن من شرح صدره للإسلام فهو على نور من ربه.
والشرح، قيل: هو التليين، والتوسيع، والفتح، أي: ألم نوسع لك صدرك ونفتح ونلين للإسلام.
وقد روي في الخبر "أنه لما نزل هذا، قيل: يا رسول الله، [وهل لذلك من علامة؟] فقال: بلى، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله" لكن يعرف ذلك من رسول الله بطريق الحقيقة، ويظهر منه ذلك باليقين، فأما من غيره فإنما يعرف التجافي من دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود بالتقارب، وغالب الظن؛ لأن رسول الله كانت له الآخرة لا محالة، وأمورها كالمشاهدة والمعاينة، وكذلك جميع الأنبياء والرسل - عليهم السلام - فأما لغيرهم فلا نحكم بذلك؛ فلا يبلغ ذلك، وهو كما ذكر أن رؤيا الأنبياء كالعيان، أي: تعرف بطريق اليقين، بخلاف رؤيا غيرهم.
وقال بعضه: شرح صدره؛ لأنه لما كلف بتبليغ الرسالة إلى الجن والإنس وإلى الفراعنة والجبابرة الذين همتهم إهلاك من يخالفهم، والإقلات عن عبادة من يعبد الله ضاق صدره لذلك، وثقل على قلبه؛ فوسع الله صدره وشرحه حتى هان ذلك عليه وخف، وهو قول أبي بكر الأصم، إلا أنه يقول: فعل ذلك به، وحقق بالآيات والحجج، ونحن نقول باللطف منه، حتى قام بوفاء ما كلف وأمر، وأما هو لا يقول باللطف والاختصاص [للبعض دون البعض؛ لقوله] بالأصلح.
ويحتمل أن يكون ما ذكر من شرح صدره وتوسيعه هو ما ذكر في قوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ ، وخلقه كان يجاوز وسعة طاقته؛ حتى كادت نفسه تهلك لمكان كفر أولئك، وما يعلم أنه ينزل بهم؛ إشفاقا عليهم، ورحمة، كقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ الآية [الشعراء: 3] وقوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ...
﴾ الآية [هود: 12]، وغير ذلك من أمثال هذا، وذلك - والله أعلم - ما وصف من خلقه أنه عظيم، فوسع صدره وشرحه حتى يخفف ذلك عليه؛ حيث قال له: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ...
﴾ ، وقال: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ \[الآية\] [الحجر: 88].
وقال الحسن في قوله: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ : بلى، قد شرح له صدره، وملأه علما وحكمة.
ثم قوله: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ إلى [آخر] ما ذكر، إن كان المخاطب به رسول الله ، وهو المعنى و المراد به، فتأويل السورة يخرج على ما ذكرنا من تيسير الأمر عليه، وتخفيف ما [حمله عليه] وأمر به.
وقوله - -: ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ﴾ : على ابتداء وضع الوزر والإثم على ما نذكر، وإن كان المخاطب به غيره وهم أمته، وإن كان الخطاب أضيف إليه، فالأمر فيه سهل، وإن كان الخطاب على الاشتراك، فيحتاج إلى التأويل أيضا.
وقوله - -: ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ : قال عامة أهل التأويلأ: على تحقيق الوزر له والإثم؛ كقوله: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ...
﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ﴾ ، يقولون: أثبت له الذنب والوزر، فوضع ذلك عنه، ولكن هذا وحش من القول، لكنا نقول: إن قوله: ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ﴾ : الوزر هو الحمل والثقل؛ كأنه يقول: قد خففنا [عليك] ما حمل عليك من أمر النبوة والرسالة والأحمال التي حملت عليك؛ كأنه يقول: قد خفف ذلك عليك، ما لو لم يكن تخفيفنا إياها عليك لأنقض ظهرك، أي: أثقل، والله أعلم.
والثاني: جائز أن يكون [قوله]: ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ﴾ ابتداء وضع الوزر، أي: عصمك وحفظك، ما لو لم يكن عصمته إياك لكانت لك أوزارو آثام، كقوله: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ ﴾ ، أي: لو لم يهدك لوجدك ضالا؛ لأنه كان بين قوم ضلال، ولكن هداه فلم يجده ضالا؛ فعلى ذلك ما ذكر من وضع وزره ا بتداء، وهوكقوله: ﴿ لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ ، أي: عصمكم عن أن تدخلوا فيها، [لا] أن كانوا فيها، ثم أخرجهم، ولكن ابتداء إخراج، [فعلى ذلك] ما ذكر من وضع وزره.
وقوله: ﴿ أَنقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ ، أي: أثقل ظهرك.
وقوله: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ : جائز أن يكون رفع ذكره؛ لما ألزم الخلق الإيمان به حتى لا يقبل من أحد الإيمان بالله ، والتوحيد له، [والطاعة] والعبادة إلا الإيمان به والطاعة له، قال الله - -: ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ...
﴾ ، وقال: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ...
﴾ .
وجائز أن يكون ما ذكر من رفع ذكره هو أنه يذكر حيث ذكر الله، قرن ذكره بذكره في الأذان والإقامة، وفي الصلاة، [و]في التشهد، وفي غيره من الخطب، والله أعلم.
والأول عندنا أرفع وأعظم من الثاني.
وجائز أن يكون رفع ذكره ما أضاف اسمه إلى اسمه بما قال: رسول الله، ونبي الله، ولم يسمه باسمه على غير إضافة [إلى] الرسالة والنبوة، قال: ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ...
﴾ ، وقال: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ...
﴾ ، وقال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ...
﴾ ، ونحو ذلك، وهو المخصوص بهذا دون غيره من إخوانه ؛ لأنه قلما أضاف اسمهم إلى اسمه، وقلما قرن أسماءهم باسمه، بل ذكرهم بأسمائهم، كقوله: ﴿ وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ...
﴾ ، [وقوله]: ﴿ وَيُونُسَ وَلُوطاً ﴾ ، ونحو ذلك.
أو رفع ذكره بما عظَّمه وشرفه عند الخلق كله، حتى إن من استخف به خسر الدنيا والآخرة.
وقوله - -: ﴿ فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً ﴾ : روي في الخبر أنه قال: "لن يغلب عسر يسرين" قال بعضهم: إنما كان عسرا واحدا، وإن ذكره مرتين؛ لأن العسر الثاني ذكره بحرف التعريف؛ فهو الأول واحد؛ واليسر ذكره بحرف النكرة؛ فهو غير الأول.
وقال أبو معاذ: كلما كررت المعرفة كان واحدا، والنكرة على العدد؛ يقال في الكلام: إن مع الأمير غلاما إن مع الإمير غلاما، فالامير واحد ومعه: غلامان، وإذا قيل: إن مع الأمير الغلام، إن مع الأمير الغلام؛ فالامر واحد والغلام واحد، وإذ قيل: إن مع أمير غلام، إن مع أمير غلام، فهما أميران وغلامان؛ فعلى ذلك ما ذكر هاهنا.
ثم قوله: "يسرين" هو يسر الإسلام والهدى، ويجوز أن يطلق اسم اليسر على الإسلام والدين، قال الله - -: ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ﴾ ، ويسر آخر: ما وعد لهم من السعة في الدنيا.
ويحتمل أن يكونا يسرين: أحدهما: رجاء اليسر، والآخر وجوده، فهما يسران: الرجاء والوجود.
ويحتمل أن يكون يسراً في الدنيا، ويسراً في الآخرة.
أو أن يكون توسيعاً: [توسع] عليهم الدنيا، ويسراً ثانياً: ما يفتح لهم الفتوح في الدنيا، ويسوق إليهم المغانم والسبايا، والله أعلم.
ثم قالوا في قوله: ﴿ إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً ﴾ ، أي: بعد العسر يسر.
وأصله أن حرف "مع" إذا أضيف إلى الأوقات والأحوال يقع على اختلاف الأوقات في المكان الواحد، وإذا أضيف إلى المكان يقع على اختلاف المكان في وقت واحد، وهاهنا أضيف إلى الوقت؛ فهو على اختلاف الأوقات واحدا بعد واحد؛ فإذا قيل: فلان مع فلان في مكان، فالوقت واحد، والمكان مختلف متفرق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ ﴾ : قال بعضهم: إذا فرغت في دنياك فانصب لآخرتك، وهو من النصب، أي التعب.
وقال الحسن: أمره إذا فرغ من غزوة أن يجتهد في العبادة له، لكن هذا بعيد؛ لأنه نزل ذلك بمكة، ولم يكن أمر بالغزو والجهاد بمكة، إلا أن يكون أمر بالجهاد بمكة في أوقات تأتيه في المستقبل؛ فيكون الحكم لازما عليه في تلك الأوقات، لا في حال ورود الأمر.
وقال بعضهم: فإذا فرغت من الصلاة، فانصب في الدعاء.
وقال قتادة: إذا فرغ من الصلاة أن يبالغ في دعائه وسؤاله أياه.
وعن ابن مسعود - - قال: فإذا فرغت من الفرائض، فانصب في قيام الليل.
ويحتمل عندنا: إذا فرغت من تبليغ الرسالة إليهم، فانصب لعبادة ربك والأمور التي بينك وبين ربك، على ما ذكرنا في أحد التأويلين في قوله: ﴿ إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً ﴾ : في أمر الرسالة والتبليغ، واذكر اسم ربك فيما بينك وبين ربك.
ويجب ألا نتكلف تفسير ما ذكر في هذه السورة من أولها إلى آخرها؛ لأنه أمر بينه وبين ربه، وكان رسول الله يعلم ما أراد به فيما خاطبه من الجميع، وأنه فيم كان؟
وقد كان خصوصا له، وليس شيئاً مما يجب علينا العمل به حتى يلزمنا التكلف لاستخراج ذلك سوى الشهادة على الله ؛ فكان الإمسك عنه أولى، وترك التكليف فيه الاشتغال به أرفق وأسلم، [والله الموفق].
لقد شرح الله لك صدرك فحبَّب إليك تلقي الوحي.
<div class="verse-tafsir" id="91.mryd9"
﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ - الشرح التوسعة والبسط، وعظم الصدر من الجسم كان عند العرب دليل القوة وعظم المنة، وكثيرًا ما يفتخر مفتخرهم بعظم صدره، ولهم الحق، لأنه يعطي الأحشاء فسحة للنمو مع الراحة.
والقوي قاهر لما ينتابه، فهو في مسرة وحضور رأي دائمًا، لا يضيق ذرعه بأمر.
ولذلك كنوا بشرح الصدر عن المسرة وانبساط النفس إلى الفعل والقول.
وقد شرح الله صدر نبيه بإخراجه من تلك الحيرة التي كان يضيق لها صدره بما كان يلاقيه في سبيله من جمود قومه وعنادهم، فكان يلتمس الطريق لهدايتهم، فعلمه الله كيف يسلك إلى نفوسهم، وهداه بالوحي إلى الدين الذي ينقذهم به من الهلكة التي كانوا أشرفوا عليها.
وقد كان ما يهمه من أمرهم حملًا ثقيلًا عليه، فوضعه الله عنه، وأراحه من ثقله بقيادة الله له في سبيل نجاتهم، وتعهده بالوحي كلما التبس عليه أمر أو ضاق عليه مذهب.
فبهذه الهداية التي تكفل له بها قد وضع عنه ذلك العبء الثقيل كما قال ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ والوزر هو الحمل.
وإنقاض الظهر أن يحدث فيه صوت الانتقاض والانفكاك.
ونقض الظهر الصوت الذي يحدث فيه لثقل الحمل وهو معروف.
والكلام على التمثيل، فإن ما كان يحمله من ثقل الاهتمام بشأن قومه، وضيق المذاهب بين يديه قبل تواتر الوحي عليه بالإرشاد، لم يكن ثقلًا حسيًا ينقض منه الظهر، ولكنه كان همًا نفسيًا بالحمل الذي تقصم له الظهور.
هداه الله إلى إنقاذ أمة -بل أمم كثيرة- من رق الأوهام وفساد الأحلام، ورجع بهم إلى الفطرة السليمة: حرية العقل والإرادة والإصابة في معرفة الحق ومعرفة من يقصد بالعبادة، فاتحدت كلمتهم في الاعتقاد بالإله الواحد، فاستخلصوا حياة كانت في مخالب الموت كما قال: ﴿ وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ﴾ ، فمن كان هذا عمله فأي ذكر أرفع من ذكره؟
وأي شأن أعلى من شأنه؟
هذا إلى ما فرض الله من الإقرار والاعتراف برسالته بعد بلوغ دعوته وجعلها شرطًا في دخول جنته.
فهذا هو قوله تعالى: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ .
والإتيان بالجار والمجرور: "لك وعنك" وتقديمه على المفعول في الآيات الثلاث لزيادة التقرير والإسراع بالتبشير.
هذا الذي منحناه من شرح الصدر ووضع الوزر ورفع الذكر-بعد ضيق الأمر واستحكام حلقات الكرب في أول السير- كان على ما جرت به سنتنا في هذا النوع من خليقتنا، وهو إن مع العسر يسرًا.
ولهذا وصل العبارة بالفاء التي لبيان السبب في قوله: ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرا ﴾ .
"ألـ" في العسر للاستغراق، ولكنه استغراق المعهود عند المخاطبين من أفراده أو أنواعه.
فهو العسر الذي يعرض من الفقر والضعف وجهل الصديق وقوة العدو، وقلة الوسائل إلى المطلوب ونحو ذلك مما هو معهود ومعروف.
فهذه الأنواع من العسر مهما اشتدت، وكانت النفس حريصة على الخروج منها طالبة لكشف شدتها، واستعملت من وسائل الفكر والنظر والعمل ما من شأنه أن يعد لذلك في معروف العقل، واعتصمت بعد ذلك بالتوكل على الله حتى لا تضعفها الخيبة لأول مرة، ولا يفسخ عزيمتها ما تلاقيه عند الصدمة الأولى- فلا ريب في أن النفس تخرج منها ظافرة.
وقد كان هذا حال النبي ، فإن ضيق الأمر عليه كان يحمله على الفكر والنظر حتى آتاه الله ما هو أكبر من ذلك، وهو الوحي والنبوة.
ثم لم تكسر مقاومات قومية شيئًا من عزمه، بل ما زال يلتمس الغنى في الفقر، والقوة في الضعف، حتى أوتي من ذلك ما زعزع أركان الأكاسرة والقياصرة، وترك منه لأمته ما تمتعت به أعصارًا طوالًا.
وما كان أحقها بأن تتمتع بهذا الميراث الكريم لو بقيت أمة له حقيقة كما هي أمة له اسمًا!
ولكنها قطعت النسب بينها وبين مورثها فسلبها الله ما ترك لها من ميراث وأعطاه أعداءها: شأن الله مع من لا يشعر بشرف بيته ومكانه من حسبه، وإنما بقيت لها ألقاب وأسماء كما يبقى للسفهاء من آبائهم الأغنياء!.
وكان في هذه الآية عبرة لهذه الأمة وكان عليها أن تعرف أن مع العسر يسرًا، وأن وعد الله في ذلك حق، وأن تقتدي بنبيها في طلب الوسائل للخلاص مما هي فيه وعندها كتاب الله وحده هداية للمهتدي وقدوة للمقتدي.
ولما كانت القضية موضعًا للريب -خصوصًا عند من أخذ الضيق بخناقه- أكدت "بإن".
ولما كان الشك يزداد -بل قد ينتهي إلى الإنكار في بعض أنواع العسر- استأنف القضية نفسها، وأعادها بلفظها فقال: ﴿ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ ولكن على أن يكون معناها أعم من معنى سابقتها.
قد تقع أمم أو أشخاص في ضرب من ضروب العسر من نوع ما سبق، ثم يجدون الضعف من هممهم عن الخلاص مما أطبق عليهم منه، فيدوم لهم العسر، وقد يموتون وتنشأ فيه أعقابهم فأين اليسر الذي يصحب العسر عند هؤلاء؟
ومن ضروب العسر ما يختلف نوعه عن المعهود، كالمرض الطويل المفضي إلى الموت، وكالزمانة التي تصحب الزَّمن من أول حياته إلى مماته، فأي يسر جاء مع عسرها؟
فجاءت هذه الآية المستأنفة لرفع هذا الاشتباه في عموم السنة الإلهية.
وذلك أن أولئك الذين استعملوا ما وهبهم الله من القوى للخلاص مما ينزل بهم -إذا كان مما يمكن كشفه- لا ريب في كشف العسر عنهم بنوع من أنواع اليسر، كما وقع للنبي وأصحابه.
أما الآخرون الذين لا بصيرة عندهم في تصريف تلك المواهب الإلهية، بل يطلبون أن ينتهوا إلى الغايات بغير بدايات، وأن يصلوا إلى المقصد بغير وسيلة، فلا يستعملون عقولهم ولا عزائمهم في دفع ما يحل بهم، وليس لهم ثقة بربهم فيعلموا معتمدين عليه- هؤلاء يحسون بالألم حينًا، ثم تخنس نفوسهم وتقبع في جحر من الاستكانة، وتستقر فيها طمأنينة الرضى بما غمرها من الضر فتسلب الإحساس به.
ثم إذا طال بها الزمن فيه تحول الألم إلى لذة بالمعتاد.
ولا عجب من تحول الألم إلى لذة، فإنك تراه في شارب الدخان مثلًا يألم لأول مرة، بل قد يأخذه الدوار وأشد آلام الصداع، ثم لا يلبث أن يكون عادة مرغوبة يألم أشد الألم لتركها.
ومن هذا تجد الأمم التي تعودت على عسر الاستبداد والظلم قد ألفت ذلك حتى صار يصعب عليها أن تحتمل غيره، ولا تزال تحن إليه.
وكلما طلب إبعادها عنه اندفعت بالإقبال عليه.
فهذا نوع من اليسر وإن كان أشأم من العسر، ولكن أليست النفس راضية به مطمئنة إليه؟
أما المرض الطويل الممتد إلى الموت، والزمانة مما لا يمكن كشفه، فلك أن تقول أنه لا يدخل في أنواع العسر التي شملها استغراق العهد.
فإن الاستغراق للعسر والضيق المعهودين وهما ما يمر بالخاطر إذا وقع الحديث على العسر أو الضيق، وذلك هو الأنواع التي ذكرناها في تفسير الآية السابقة ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ .
وبالجملة فالعسر الداخل في الاستغراق، هو كل ما تجد النفس ألم الوقوع فيه، وتنزع إلى طلب الخلاص منه بالوسائل التي سنها الله لذلك الخلاص.
ولا ريب في أن كل عسر من هذا القبيل فمعه يسر يسوقه الله إلى العامل الآمل العاقل جزاء عمله لتحقيق أمله واستعماله لموهبة عقله.
أما مثل الزمانة والمرض الطويل فيدخلان في نحو قوله: ﴿ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ .
وكذلك يقال في عارض يعرض للأمة إذا حم هلاكها كزلزال ونحوه، والله أعلم.
وتنكير اليسر لأن الذي يأتي بعد العسر أي نوع من أنواعه لا يختص بيسر معين.
والتعبير بالمعية لتوثيق الأمل لا بد منه كأنه معه.
إذا علمت أن مع العسر يسرًا، فاعلم أن مع التعب في العمل النافع راحة (فإذا فرغت) من عمل من أعمالك النافعة لك ولأمتك (فانصب): أي خذ في عمل آخر واتعب فيه، فإنك تجد لذة الراحة عقب النصب بما تجنيه من ثمرة العمل.
(وإلى ربك فارغب): أي لا ترغب إلى أحد في استثمار أعمالك إلا إلى الله وحده.
والسورة مكية عند الجمهور، بل زعم بعضهم أنها تتمة لسورة الضحى.
وعلى هذا تكون المنة بشرح الصدر مبنية على عود الوحي، والتبشير بما جاء في سورة الضحى.
وقال البقاعي إنها مدنية بناء على ما يفهم من التقرير بشرح الصدر وما بعده.
وهذا إنما كان بعد ظهور القوة، وبعد أن فتح الله على المسلمين ما فتح عليهم، وأكمل لهم النعمة بغلبة حقهم على باطل عدوهم، والله أعلم.